فإن قال قائلٌ: يوجدُ وقائعُ الآن تَقَعُ ولا نَرى لها ذِكرًا في القُرآنِ ولا في السُّنَّةِ، فما هو الجواب على ذلك؟
فالجواب: إنها مُبيَّنةٌ بيان الجِنس، فليس بلَازمٍ أن القرآن يأتِي بكُلِّ فَرد، أو السُّنَّة تأتي بكُلِّ فرد؛ لأن أفرادَ القضايا لا حَصْرَ لها, ولو أن اللَّه ذَكَر في القرآن كُلَّ قَضِيَّةٍ تأتي إلى يوم القيامةِ فكمْ يكونُ القُرآنُ مِن مجلَّدٍ؟
لكننا نقولُ: هذه الأفرادُ -أعني أفراد هذه المسائل- موجودَةٌ بأجْناسِهَا وعِلَلِها وقواعِدِهَا، إما أن تكون بالقياسِ وإما أنها مسْكوتٌ عنها، والسُّكوتُ في مقامِ البيانِ بيانٌ، كما قال النبيُّ ﵊: "مَا سُكِتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ" (١).
المهم أنَّنَا نقولُ: ما من قَضِيَّةٍ تقعُ إلا وحُكْمها موجودٌ في القرآن أو السُّنَّةِ باعتبارِ جِنسِهَا، فجِنسُ هذه القضية موجودٌ في القُرآنِ إما بقاعِدَةٍ عامَّةٍ أو بقياسٍ صحيحٍ أو ما أشبه ذلك، لكن الخلَلَ والنَّقْصَ جاء من قلَّة العِلم وقُصورِ الفَهم -أو نقول: عدمُ معرِفَةِ الحقِّ من الكتابِ والسُّنَّةِ- سبَبُهُ أربعةُ أمورٍ:
الأولُ: قِلَّةُ العِلم، فالخللُ هنا مِنَ الإنسانِ؛ لأنه ليسَ عِندَه عِلم، فالإنسان لا يستطيع أن يُحيطَ بالسُّنَّةِ رغمَ أنه قد يُحيطُ بالقرآن، فتوجَدُ أحاديثُ قد لا يَعْلمُها الإنسان وما كانت تَدورُ في ذِهْنِهِ من قبل لعَدمِ عِلمه بها.
الثانِي: قُصورُ الفَهْمِ، فيكونُ الإنسانُ عندَهُ عِلْمٌ لكن فَهْمَه قاصِر، واختلافُ الناس في الفَهمِ أكثرُ وأعظمُ من اختلَافِهِم في العِلْم، يوجد بعضُ الناسِ يستَنْبطُ
стр. 72
من دليلٍ واحدٍ عِدَّةَ مسائلَ وآخر لا يَسْتَنْبِطُ إلا مسألةً أو مسألتين.
الثالثُ: أن يكونَ عِندَ الإنسانِ سوءُ قَصدٍ؛ بحيثُ لا يُريدُ الحقَّ وإنما يريدُ أن ينتصِرَ لقولِهِ؛ فإن هذا -والعياذ باللَّه- يُحالُ بينه وبينَ الصَّوابِ ومعرفَةِ الحقِّ.
الرابعُ: المعَاصِي؛ لأن المعاصِي تُوجِبُ نِسيانَ الموجودِ، كما تمنَعُ المفْقودَ، قال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
فهَذِهِ أسبابٌ أربعةُ كلها تَحولُ بينَ الإنسانِ وبينَ الوُصولِ إلى معرفَةِ حُكمِ اللَّه الذي في الكِتابِ أو السُّنَّةِ، أما نفسُ الكِتاب والسُّنَّةِ فإنهما بلا شكَّ محيطانِ بجميعِ القَضَايا إلى يوم القيامة.
وأما قولُ من قالَ مِنْ أهلِ العِلم: إن الكتابَ والسُّنَّةِ ليس فيهما إلا حُكْمُ القليلِ من القَضايا، حتى إن بعْضهم يزْعُم أنه ليس في القُرآن والسُّنَّةِ إلا نحو عُشرُ القضايا، فهذا خطأٌ عظيمٌ، ولهذا قال اللَّه في القرآنِ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
الفَائِدةُ السَّادسَةُ: أن الرُّسُلَ أفصَحُ الخلقِ، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، (المبين): سواءٌ قلنا: إن المُبِينَ بمَعْنى بيِّن أو بمعنى مُظهِر، والصواب أنها بمعنى مُظهِر.
* * *
стр. 73
الآية (١٩)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩].
* * *
قوله: [﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بِاليَاءِ والتَّاءِ ينْظُرُوا]: الأُولَى: ﴿يَرَوْا﴾، والثانية: (ترَوا)، فهما قِراءتان سَبْعِيَّتَانِ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [يَنْظُروا]، الرؤية هنا فَسَّرَها المُفَسِّر بمعنى النَّظَرِ، فهي رُؤَيةُ عَينٍ، ويحتمل أن تكون رُؤْيَةً قَلْبِيَّةً، أي: علمية، بمعنى: أولم يعْلَموا، وننظرُ مِن سياق الآية أيهما أَوْلَى.
قوله: [﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ هو بِضَمِّ أوَّله وقُرِئ بفَتْحِه مِنْ بَدَأ وأبْدَأ بمعنى، أي: يخلُقُهُمْ ابْتِدَاءً]: اصطلاح المُفَسِّر ﵀ أنه إذا قال: "قُرِئ" فهي قِراءةٌ شاذَّةٌ، فقوله: ﴿يُبْدِئُ﴾ فيه قراءتَانِ قراءةٌ سَبْعِيَّةٌ وقراءة شاذَّةٌ، القراءة السَّبْعِيَّةُ (يُبدئ) من الماضي (أبْدَأ)، والقراءَةُ الشَّاذَّةُ بفتح أَوَّلهِ (يَبدأ) من (بدأ)، والمؤلف يقول: [مِنْ بَدَأ وأَبْدَأ]، لكن هذا اللَّفَ والنَّشْرَ مُشَوَّش يعني: غيرُ مُرتَّب، والحقيقةُ ليتَ المُفَسِّر لم يَفْعل هذا لأن الإنسان قَدْ لا يَفْهمُ أن هذا مِنَ اللَّفِّ والنَّشْرِ المشَوَّشِ، ولا داعي له، ولو قال المُفَسِّر ﵀: [مِنْ أبْدَأ وبَدَأَ] لكان أوضح.
وقوله: [بمَعْنى] يعني: بمَعْنًى واحد، يعني (بَدَأ وأبْدَأ) معناهما واحدٌ، أي:
стр. 74
يخلُقُهُمْ ابتداء، يعني: كيف يخلُقُهم ابتداءً.
وقوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ (الخلْق) هنا مَصْدَرٌ بمعنى اسمِ المفعولِ، أي: المخلوقِ، كيف يَبْدؤُه ثم يُعيدُه، والمصدر يأتي بمعنى اسم المفعولِ كَثِيرًا في اللُّغَةِ العَربيةِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦]، يعني الحملَ الذي في البَطْنِ، بمعنى محمولٍ، وقولُه ﷺ : "مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١)، بمعنى: مَرْدودٍ، هنا (خَلق) بمعنى مَخْلوقٍ، ومثلها قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١]، أي: مخْلُوقَهُ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ﴾ هُو ﴿يُعِيدُهُ﴾ أي: الخَلْقَ كَمَا بَدَأَهُمْ]: وهَذا إشارةٌ إلى أن الجلقَ هنا بمَعْنَى المخْلوقِ، فيَعُمُّ كُلَّ النَّاسِ.
وقوله: [﴿ثُمَّ﴾ هُو ﴿يُعِيدُهُ﴾]: قدَّرَ (هو) لتكونَ الجملةُ استِئْنَافِيَّةً؛ لأن إعادةَ الخَلقِ لا يمكنُ أن يَنْظُروا إليها لأنها تكونُ يوم القيامة، أي في المستَقْبَلِ، لكنَّ ابتداءَ الخلْق يمكن أن يَنظُروا إليه، فنَحنُ مثلًا ننظر إلى مخلوقاتِ اللَّه كيف تَتَوالَدُ وكيف تَتَنامَى وكيف تَكْبُر إلى آخره، لكنَّ إعادة الخلْق لا يمكن، ولهذا قَدَّرَ المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ﴾ هُوَ ﴿يُعِيدُهُ﴾]، لئلا يتَوَهَّمَ الإنسانُ أنها معطوفةٌ على يُبْدِئ وهو أمرٌ غيرُ ممكنٍ؛ لأنها لو كانت معطوفة عليها لكان المعْنَى أولم ينْظُروا كيفَ يُبْدِئ الخلق ثم كيف يُعِيدُهُ، والنظر إلى كيفية الإعادَةِ متَعَذِّرٌ.
ذكرنا أن قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يُحتمل أن تكون عِلْمِيةً، والمؤلف يَرى أنها بَصَرِيَّةٌ، فأيهما أشْمَلُ؟
стр. 75
والظاهر أن القَلبِيَّةَ أشْمَلُ؛ لأنها تَشملَ ما رآه الإنسانُ بعَيْنِهِ وما عَلِم به من غَيْرِهِ، واعلم أن الآية إذا احتَملتْ مَعْنيين أحدهما أشْمَلُ والثاني أخَصُّ فالأَوْلَى حَمْلُها على الأشْمَلِ؛ لأن الأخصَّ داخلٌ فيه، بخلافِ ما إذا حُمِلَتْ على الأخَصِّ فمعناه أننا أخْرجْنَا بعض دَلالَتِهَا فالأَوْلَى أن نَحْمِلها على الرُّؤَيةِ العِلمية التي تحصلُ بالبَصر وبالسَّمع أيضًا، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨]، السمعُ والإبصارُ طَريقُ العِلْمِ، والأفئدةُ مَحِلُّ الوَعْي.
قوله: [﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذُكورَ مِنَ الخلْق الأوَّلِ والثَّانِي ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾]: أي: سهلٌ، فابتداءُ الخلْقِ سَهْلٌ على اللَّهِ، واقرأ قولَ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فالأمرُ سَهْلٌ على اللَّهِ، وإعادَةُ الخلْقِ أيضًا سَهلَةٌ لقولِهِ: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَة﴾ [الصافات: ١٩]، زَجْرةٌ واحِدَةٌ فقط ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]، وأعمُّ من ذلِكَ قولُه : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]، واحدةٌ بدون تأَخُّرٍ؛ يأمرُ اللَّه الشيءَ فيكونَ مثلَ لمحِ البَصر، وهذا دَليلٌ على كمالِ قُدرتهِ جَلَّ وَعَلَا.
في هذه الآية يقولُ اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير﴾ وفي آيَة ثانِيَةٍ يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
فإننا نقولُ لهؤلاءِ المنْكِرينَ للبعثِ: هل تُقِرُّونَ بأن اللَّه خلقَكُم ابتِدَاءً؟
هم يقولون: نَعم، قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. [الزخرف: ٨٧].
فنقول لهم: أيهما أهونُ الابتداءُ أو الإعادَةُ؟
الجواب: الإعادةُ أهونُ.
стр. 76
فنقول: كيف تُقِرُّونَ بالأصعبِ ثم تُنْكرونُ الأهْونَ، وأقولُ: بالأصعبِ لا باعتبارِ كونِهِ منْسُوبًا إلى اللَّهِ لأن الكُلَّ يهونُ عَلَيْهِ ، لكن نقولُ لهؤلاء: ما دامَ الابتداءُ أشَدُّ وأشَقُّ فالإعادَةُ مِن بابِ أوْلى أن تُقِرُّوا بها, لكن هم يُقِرُّونَ بالابتداءِ لأنهم لا يستطيعونَ الإنْكارَ، فلا يستطيعون أن يقولوا: ما خَلَقَنا اللَّه ، نحن الذين خلقْنا أنفسنا، الزَّوْجُ هو الذي خَلَق الولدَ في رَحِمِ الأم، هذا لا يمكن أن يَقُولُوه، فلهذا احتَجَّ اللَّه عليهم بالابتداءِ ليُقِرُّوا بالإعادَةِ، ولذا قال المُفَسِّر ﵀: [فَكيفَ يُنْكِرُونَ الثَّانِي].
* * *
стр. 77
الآية (٢٠)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠].
* * *
قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾، هذه الآية مَع التي قبْلها ربما يَظْهُر فيهِما إشْكالٌ؛ لأن الأُولى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ تَقْريرٌ لهم بأنهم يَرَونَ كيفَ يُبْدئ اللَّه الخلْق ثم يُعيدُه، وهنا يقولُ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ فيَقْتَضِي أنهم حتى الآن لم يَعْلموا كيف بَدَأ اللَّه الخلْق؟
والجواب على ذلك: أنهم وإن كانوا يَرَوْنَ كيف بدأَ اللَّهُ الخلْق، لكنهم قد يُنْكِرُونَهُ، فأمرَ اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أن يأمرَهم بالسَّير في الأرضِ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾، امشُوا في الأرض وانْظُروا مثلًا إلى الوحوش، وانظروا إلى الحشَراتِ وانْظُروا إلى مخلوقاتِ اللَّهِ كيف تنْشَأُ هذه الأشياء بدون أن نَرَى لها خالِقًا سِوَى اللَّه ، فإذا من بابِ إلزامِهِمْ، ولا سيما إذا قلنا: إن الرُّؤيةَ الأُولى عِلمية، فهي من باب إلزامِهِمْ بما يُشاهِدُونه في الأرض بعدَ أن يَسِيرُوا فيها.
وقولهُ: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هل المرادُ السَّيْرُ بالبدنِ؟ أو السَّيْرُ بالقَلبِ؟ أو بهما جميعًا؟
стр. 78
الجواب: بهما جميعًا؛ لأن الإنسانَ قد يَسِيرُ ببدنِهِ ويطَّلع على مخلوقات اللَّهِ، وقد يسيرُ بقلْبِهِ فيقرأُ ما كُتِبَ عن مخلوقاتِ اللَّهِ، فربما تَقْرَأُ كِتابًا عن الحيواناتِ أو غيرها وأنتَ في مكَانِكَ أو في حُجْرتَكِ وتكون قد اطلعتَ على ما في مشارِقِ الأرض ومَغَارِبِها، ويكون السيرُ حينئذ بالقَلْبِ، فهو شامل للأمْرَيْنِ جميعًا.
بل إذا نظَرنا إلى السَّيْرِ في الأرض -إلى واقعه- أيهما أكثرُ بالقَلْبِ أو بالقَدَمِ؟
فالجواب: بالقَلْبِ، ولا إشكال في ذلك.
ثم اعلم أيضًا أن السيرَ بالقَدَمِ لا ينفع إذا لم يكن هناك سَيْر بالقَلب واعتبارٌ، فلو أن الإنسان ماجَ فِجاجَ الأرض كلَّها وهو غافِلٌ ما استفادَ من ذلك السَّيرَ شيئًا، بل لا بد أن يكونَ هناك تَيَقُظٌّ واعتبارٌ، فالسير بالقَدمِ إذا لم يُقْصدْ به الاعتبارُ فإنه لا فائدَةَ منه، فإذا قَصَدَ به الاعتبار عاد إلى كونه سَيرًا بالقَلب.
قولُه: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾، هنا قال: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾، وفي الآية التي قَبلها قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ﴾، ومعلوم أنَّ: (انْظُروا) و (يَرَوا)، أفعالٌ متَعَدِّيَةٌ، فأين مفعولها؟
الجواب: مفعولها (كيفَ)، في موضِعِ نصبٍ على الحالِ، وهي مُعَلِّقَةٌ للفعلِ عن العَملِ، وقد مر هذا في (ألفية ابن مالك) في باب ظَنَّ وأخواتِهَا؛ قال ابن مالك ﵀ (١):
. . . . . . . . . . . ... والْتَزِمِ التَّعلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ مَا
وَإِنْ وَلَا لَامُ ابتداءٍ أَوْ قَسَمْ ... كَذَا والاستفهامُ ذَا له انْحَتَمْ
стр. 79
قولُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ في صَدْرِ هذه الآية أتَي بالصِّيغَةِ الفِعلية، وهنا أتى بالجملة الاسْمِيَّةِ ليُفيدَ تَقَرُّرَ هذا الأمْرِ وتأكُدِّهِ.
وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ (اللَّه) هنا عَلَمٌ على البَارِي جَلَّ وَعَلَا، وأصلُها الإِلَه وحذفتِ الهمْزَةُ تخفيفًا لكثرةِ الاستعمالِ كما حُذِفَتْ مِنَ الناس، والإله معناه: المأْلُوه، أي: المعبودُ، سواء بحقٍّ أو بغيرِ حَقٍّ، وعلى هذا فيكون اللَّه هنا: هو المعبودُ بحَقٍّ، بدليل قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ يعني: لا معبود بِحَقٍّ إلا اللَّهُ ، أي: لا إله هو الحقُّ إلا اللَّه .
وقوله: [﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ مَدًّا وقَصْرًا مع سُكونِ الشِّينِ]: فهما قراءتان (النَّشَاءَةَ) و ﴿النَّشْأَةَ﴾ (١).
وقوله: ﴿النَّشْأَةَ﴾ يُحتَمَلُ أن تكونَ مَصْدَرًا كما تقول: يضْرِب الضَّربَةَ، ويحتمل أن تكون بمعنى اسمِ المفعولِ، أي: يُنْشِئُ المُنشأَ الآخِر، والمعنى واحد: أن اللَّه يُنشِئُ الخلْق مرَّةً ثانية.
فإذا قال قائل: كيف نُسَمِّيها نشأةٌ وهي إعادة؟
قلنا: إن هذه الإعادةِ تختلِفُ عن سابَقتِهَا اختلافًا كَثيرًا، فهي بالنسبة إليها نشأةٌ؛ لأن حياةَ الآخِرَةِ ليست مثلَ حياةِ الدنيا، فحياةُ الآخِرةِ حياةٌ أبَدِيَّة، وحياةُ الدُّنيا حياةُ فناءٍ، ولذلك تَجِدُها ناقِصة، يُخلق الإنسان من ضَعف إلى قوَّة إلى ضعْف، أما في الإعادَةِ فإنه يُخلَق للأبَدِ، فلذلك سميت نشأةً وإن كانت هي إعادَةٌ، لاختلاف الحالين.
стр. 80
انظر إلى الجنين في بطنِ أمِّه، قال اللَّه فيه بعد أن ذَكَر أطوارَهُ: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، هل هو إنشاءٌ أو تطويرٌ؟ هو تطوير، لكنه لما كان التَّطويرُ الأخير الذي فيه نَفْخُ الرَّوُح يختلفُ عن الأَوَّلِ وهو في بطنِ أمِّه؛ حيث كان جَمَادًا ثم تُنْفَخُ فيه الروح، فيكون نشأةً جَديدةً غير الأولى، فسُمِّيَ نشأةً وإن كان تطويرًا من حالٍ إلى حَالٍ.
قوله: [﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَمِنْه البَدءُ والإعَادَةُ]: هذه الجملَةُ تَعليلُ لما سَبَقَ من كونِهِ ابتدأَ الخلقَ ثم أعادَهُ؛ لأن اللَّه على كُلِّ شيءٍ قَدير، والقُدرةُ: وصفٌ يتَمَكَّنُ به الفاعلُ من الفِعلِ بدونِ عجزٍ.
والقدرةُ غيرُ القوَّة؛ فالقوَّةُ يقابِلُها الضَّعْفُ، والقُدْرَةُ يقابِلُها العَجْزُ، ويظهر ذلك بالمثالِ، فمثلًا: أنا إذا حَملتَ كِتابًا لكن بمَشَقَّةٍ، فأوصَفُ بأني قادر، ولكنِّي لستُ قَوِيًّا، وآخر لما أرادَ حملَ الكِتاب عَجَز عنه، فهو عاجِزٌ، والثالث حَملَهُ كأنه رِيشَةٌ في يَدِهِ فإذا قادِرٌ قَوِيٌّ. فتبَيَّنَ بهذا أن القُدرةَ غيرُ القوةِ.
كذلك أيضًا: القدرةُ يوصَفُ بها ذو الشُّعورِ ولا يوصفُ بها غيره، فَلا يقالُ للحَديدِ: إنه قادِرٌ، بينما القوة يوصَفُ بها ذُو الشُّعورِ وغَيْرهِ، فنقول للحديدِ: قَوِيٌّ، ونقول للإنسان: قَوِيُّ، واللَّه موصوفٌ بالقُدْرَةِ وموصوفٌ بالقُوَّةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
وهل قوله تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عامٌّ مخصوصٌ أم لا؟
هذا على عُمومِهِ، لا يُخَصَّصُ بشيءٍ، لكنَّ السُّيوطِيَّ ﵀ قال في تفسيرِ قوله : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]: [وخَصَّ العقلُ ذاتَهُ فليس عليها بقَادِرٍ! ].
стр. 81
[خصَّ العقلُ ذاتُهُ]: يعني: ذاتَ اللَّهِ، فليس عليها بقادَرٍ، فقال: إن العقلَ يُخَصِّصُ هذا العمومَ، ونحن نقولُ: لا يخصصُ هذا العمومُ مِنَ العُقولِ إلا العقلَ الفاسِدَ الذي يَرَى امتِنَاعَ قيامِ الأفعالِ الاختِيارِيَّةِ باللَّه ، أما العقلُ الصَّحِيحُ السليم فهو يَرَى أن اللَّه يفعل ما يَشاءُ، ينْزِلُ، ويستَوِي على العَرشِ، ويستَوي إلى السماءِ، ويضْحَكُ، ويَعْجَبُ، وغير ذلك من الأفعالِ الاختِيارِيَّةِ التي تَليقُ بجَلالِه ، فقوله: [خَصَّ العقلُ ذَاتَه فليسَ عليها بقَادِرٍ]، هذا خَطأٌ عَظِيمٌ، إذا كان لا يَقْدِرُ على نفسه فكيفَ يَقدِرُ على غيرِهِ، هذا من أكبرِ المُحالِ ومِنْ أكبرِ الغَلَطِ!
لكن لو قال قائل: لعلَّ المُفَسِّر يريدُ أنه لا يَقْدر على إفناءِ نَفسِهِ مثلًا، أو على خَلْقٍ مماثِلٍ له.
قلنا: هذا لا تَتَعَلَّقُ به القدرةُ أصْلًا، فالقُدرةُ لا تتعلق بالشيءِ المستَحِيلِ إطْلاقًا، فهو غيرُ داخِلٍ في العمومِ مِنَ الأصلِ، وليس بمخرَجٍ منه.
وهاهنا عبارة يقولها بعضُ الناس: إنه على ما يشاءُ قَدِيرٌ، فما صحة هذا التعبير؟
والجواب: هذا التعبير خطأٌ؛ لأن اللَّه تعالى على كُلِّ شيءٍ قَديرٍ، فهو قادرٌ على ما يشاءُ وما لا يشاءُ، حتى الذي لا يشاؤه قادِرٌ عليه، فلو شَاءَهُ لفَعَلَهُ، ثم إن هذه العبارةَ مخالِفَةٌ لما جاء به القرآنُ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧]، ثم إن بعضَ أهلِ العِلم يقولُ: إن هذه العبارةَ تُوحِي بمَذهَبِ المعتَزِلَةِ الذين يقولون بأن الإنسان مسْتَقِلٌّ بعَملِهِ، فقالوا: إذا كان الإنسان مستقلًا بعمَلِهِ فلا دَخْلَ لمشيئةِ اللَّه فيهِ، ومعنى ذلك أن اللَّه عاجِزٌ عن عَمَلِ الإنسان، وهذا خطيرٌ كما هو معروف، فالذي ينْبَغِي
стр. 82
أن نقول: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]، على الإطلاق.
فإذا قال قائل: ألا يَنتقِضُ علينا هذا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩].
قلنا: المشيئةُ هُنا عائدةٌ على الجمعِ لا على القُدْرَةِ، والمعنى: أنه إذا شاءَ أن يجمَعَهم جمَعهم بدون عَجْزٍ، ، فلا تنافي ما تقَدَّم ذِكْرُهُ.
ويقولون: إن الشيطان جمعَ جنودَهُ، أو هم اجتَمَعوا إليه فقالوا له: إنك تَفْرَحُ بموت العالمِ ولا تفْرحُ بموت العابِدِ، فقال لهم: نعم؛ لأن العابدَ إذا ماتَ يموتُ عن نَفْسِهِ لكنَّ العالِم إذا مات يموتُ عن عالَمٍ، وإذا بقي يُفْسِدُ علينَا الأمور.
ومراده بالعلماءِ العُلماءِ الحقِيقِيُّونَ الذين يعمَلُونَ ويَدْعُونَ.
ثم قال الشيطان لجنوده: أذهَبُ أنا وأنتم إلى عالمٍ نَسألُه وإلى عابِدٍ.
فذهبوا إلى العابَدِ فقالوا له: هل يَقْدِرُ اللَّهُ أن يخلُقَ مثلَ نَفْسِهِ؟
قال: نعم.
قالوا: ما الدليل؟
قال: لأنَّ اللَّه على كُلِّ شيءٍ قَديرٍ.
فهذا الرجل كَفَرَ؛ لأن أي إنسان يعتقدُ هذا الاعتقادَ فهو كافِرٌ، وهو اعتقادٌ غيرُ صحيحٍ وفاسد، ولا يمكن، لو لم يكن مِنَ الفَرقِ -والفرق عظيم جدًا- إلا أن هذا الإله لو قُدِّرَ فهو مخلُوقٌ، والإلهُ الحقُّ غيرُ مخلوق.
ثم جاؤوا إلى العالِم وقالوا له: هلْ يَقْدِرُ اللَّه أن يضَعَ السمواتِ والأرض في بَيضَةٍ واحِدةٍ؟
стр. 83
فقال العالم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، لو أراد ذَلِك لفَعَلَهُ.
مع أن الأخير يُنكَر حسبَ ما يَبْدو للناسِ أكثرَ مِنَ الأوَّل، والحاصلُ أن الإنسان إذا قَرأَ قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ولا يجوز أن يَقَعَ في نفسه استثناء شيءٍ من هذا العُموم، بل يكونُ على عُمومِهِ بدونِ تَفْصِيلٍ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: الاستدلالُ بالمبدأ على المعَادِ؛ لقولِهِ: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أنه يَنْبغِي للمستَدِلِّ أن يستَدِلَّ بالمُشَاهدِ على الغائِبِ لاقتناع الخصم بذلِكَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: إثباتُ البَعثِ؛ لقولِهِ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ قُدرَةِ اللَّه؛ لقولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
الفَائِدةُ الخامِسة: عُمومُ هذه القُدْرَةِ؛ قولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.
الفَائِدةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ الأفعالِ الاختِيَارِّيةِ للَّه ، فإنها مِنْ تمامِ قُدرَتهِ جَلَّ وَعَلَا، كالمجِيءِ والنُّزولِ والاستِواءِ على العَرْشِ والضَّحَكِ والعَجبِ وما أشبه ذلك.
الفَائِدةُ السَّابِعةُ: خَطَأُ مَنْ قال: خَصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقَادِرٍ، وقد بيَّنَّا أنه ليسَ بصحيحٍ، وقلنا: إن هذا مذهبُ الذين يُنْكِرُونَ قِيامَ الأفعالِ الاختيارية باللَّه ، وهذا لا شَكَّ أنه يَرُدُّه الكِتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ السَّلَفِ، وهذا مما نَبَّهنَا عليه وإن كان ليس داخلًا في مَضمونِ الآيَةِ.
стр. 84
الآية (٢١)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت: ٢١].
* * *
قولُهُ: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعْنِي: بعدَ البعثِ يُعذِّب من يشاءُ، ويجوز أن يكونَ العذابُ في الدنيا؛ لأنَّ العذابَ يكونُ في الدنيا ويكونَ في الآخرَةِ، فالعقوباتُ التي رُتِّبَتْ على الجرائمِ من العَذابِ، لقولِ النبيِّ ﷺ في المتَلَاعِنَيْنِ: "عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ" (١)، وكذلك ما يُصِيبُ الإنسانَ من المصائبِ في بَدَنِهِ وأهلِهِ ومالِهِ هو أيضًا من العَذابِ، قال : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقوله: ﴿يُعَذِّبُ﴾ أتى بالفِعْلِ المضارعِ الدَّالِّ على أن هذا الأمر مِن أفعالِهِ مسَتَمِرٌّ، ليس أمرًا مَضَى وانقَطَع، فكما أنه يكونُ في الحاضِرِ، يكون أيضًا في المستقَبلِ، والعذابُ هو العقوبة، أي: يُعَاقَبُ.
وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تقدَّمَ كثيرًا أن اللَّه إذا أضافَ الفعل إلى المشيئةِ فإنه يكون مَقْرُونًا بالحِكْمَةِ؛ لأن اللَّه لا يفْعَلُ لمجرَّدِ المشيئةِ، بل كلُّ ما يَفْعَلُه فهو بمشِيئَتِهِ المقرُونَةِ بالحكمة، وهذا أمرٌ واضِحٌ، فإن من يُعذَّب
стр. 85
لا بُدَّ أن يكون قد أَتَى ما يستَوْجِبُ التَّعذِيبَ، وحينئذٍ تكون الحِكمَةُ في تَعْذيبِهِ، ولا يُعذِّبُ اللَّه من شاءَ بدونِ ذَنبٍ أبدًا لأن حِكمَتَهُ ورَحمتَهُ تأبَى ذلك، خِلافًا لمن قال (١).
وَجَازَ لِلْمَوْلَى يُعَذِّبُ الْوَرَى ... مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُرْمٍ جَرَى
ثم عَلَّلَ ذلك بقَولِهِ:
فَكُلُّ مَا مِنْهُ تَعَالَى يَجْمُلُ ... لِأَنَّهُ عِنْ فِعْلِهِ لَا يُسْألُ
فهذا ليس بِصَحيحٍ، وهو وإن جازَ عَقلًا لكنه مُمتَنِعٌ شَرعًا؛ لأن اللَّه يقول في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا" (٢)، وقال في القرآن: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
فقوله : ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قلنا: إنه مَقُرونٌ بالحِكمَةِ، فلا يُعَذِّبُ إلا من يستَحِقُّ التَّعذِيبَ.
قوله: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ الرَّحْمَةُ صفَةٌ من صفاتِ اللَّه ، وهي تقْتَضِي الإنعامَ والإحسانَ، سواءٌ كان الإحسانُ بإيجادِ محبوبٍ أو بِدفعِ مكْرُوهٍ، فإن رَحمةَ اللَّه تكونُ للإنسان إما بجَلْبِ ما ينْفعُه وإما بدفع ما يَضُرُّه.
وقوله: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (يرحم) فعل مضَارعٌ مشتَقٌّ مِنَ الرَّحمةِ، والرحمةُ
стр. 86
صِفَة من صِفاتِ اللَّه ثابِتَةٌ على وجهِ الحَقيقَةِ، ومنْ آثارِهَا الإنعامُ والإحسانُ أو إرادةُ الإنعامِ والإحسانِ، وليست هي الإنْعامُ والإحسانُ والإرادةُ، خِلافًا لمن قال بذلك مِنَ الأشاعِرَةِ ومَنْ ورَاءهم من المعطِّلَةِ المحْضَةِ الذين هم أشدُّ وأشدُّ، فهم يقولون: إن الرحمة معناها إرَادَةُ الإنعامِ، وبعضهم يقول: هي الإنعامُ، والصوابُ خِلافُ قولهم؛ لأن الإرادة ناشئةٌ عن الرَّحْمَةِ، يرحم فيريدُ أن يحْسِنَ أو يُنْعِمَ، وهذا الذي عليه مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، أن الرحمةَ صِفَةٌ ثابِتَةٌ للَّه على وجهِ الحقِيقَةِ.
وقال الذين احتجَّوُا بمنع أن تكونَ الرَّحمةُ حقيقةً: إن الرحمة خَوَرٌ وضعْفٌ في الراحمِ، فتجدُ نفسه تَنْكسِرُ حتى تَرحَمَ.
وجوابنا على هذا من وجهين:
أحدهما: أن نَمْنَعَ أن يكون هذا من باب الخَوْرِ والضَّعف، فإننا نَجِدُ الملوك الجبَابرةَ قد يَرْحمون، ومع أنهم ليس فيهم خَوْر ولا ضَعْف.
وثانيًا: لو فُرِضَ أن هذا المعنى لازمٌ للرَّحْمَةِ في الإنسان فليس بلازم بالنسبة للَّه، كغَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ التي تَثْبُتُ حقيقةً للمَخْلُوقِ وتَثْبُتُ للخالِق أيضًا، فإن اللَوازِمَ والعوارِضَ التي تكون لصِفَةِ المخلُوقِ لا يمكن أن تكونَ لصِفَةِ الخالِقِ، لما بينهما مِنَ الفَرقِ العَظيمِ في الذَّاتِ والصِّفاتِ، وكما أن اللَّه لا شَبِيهَ ولا مَثيلَ له في ذاته، فكذلك لا شَبِيهَ له ولا مَثِيلَ له في صفِاتِهِ.
قولُهُ ﵀: [﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تَعْذِيبَهُ، ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ رَحْمَتَهُ، ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تُرَدَّون]: يعني: تُقْلَبُونَ إليه لا إلى غَيرهِ، فتَقْديمُ المعمولِ يُفِيدُ الحصْرَ،
стр. 87
فالقَلبُ إلى اللَّه لا إلى غَيْرِهِ، وهذا عامٌّ لكُلِّ أحدٍ مهما كان، فالناسُ مرْجِعُهُمْ إلى اللَّه مهما فرُّوا، فالقَلْبُ يَعني الرَّدَّ إلى اللَّهِ ، وإذا كان مَرَدُّنَا إلى اللَّه صارَ هو الحَكَمُ بيننا، وحُكْمُ اللَّه في العبادِ يَشْملُ الحكْمَ فيما بينَهُ وبينَهُمْ، والحكمُ فيما يختلفون فيه، فالمؤمنون مع الكفَّارِ مختَلِفُونَ، فيَحْكُمُ اللَّه بينهم يومَ القِيامَة، وكذلك المعتَدُونَ مع المعْتَدَى عليهم مختَلِفونَ، فيَحُكُم اللَّه بينهم يومَ القِيامَةِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ الأفعالِ الاختِيَاريَّةِ للَّه لقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ﴾، ﴿وَيَرْحَمُ﴾، وهذا هو مَذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة مِنَ السَّلَفِ والأئِمَّةِ، أن اللَّه يفعلُ ما يشاءُ، وخالفَ في ذلك الأشاعِرَةُ وغيرهم، فقالوا: إن اللَّه لا يتَعَلَّقُ به فِعْلٌ حادِثٌ، وعلَّلُوا ذلك بأنه لا يقومُ الحادث إلا بحادِث، وأننا لو أثْبَتْنَا حدوثَ الأفعالِ للَّه لَزِمَ من ذلك أن يكونَ اللَّه تعالى حادِثًا.
ولا ريب أن هذا قولٌ باطِلٌ؛ لأننا نقول لهم: من قال لكم: إن الحادِثَ لا يقومُ إلا بحادِثٍ، من أين جاءت هذه القاعدةُ، هل هي في القُرآن، هل هي في السُّنَّةِ، هل هي في العَقْلِ؟
ثم إننا نقابلُ هذه القاعدةَ الفاسِدَةَ بقاعِدةٍ أكملَ منها وأوضحَ، وهي: أن الفَعَّال لما يُريدُ أكملُ من الذي لا يَفْعَلُ، فأنتم إذا عطَّلْتُم اللَّه عن أفعالِهِ الاخْتِيارَّيةِ فمعنى ذلك أنكم وصَفْتُموهُ بأنْقَصَ ما يكون، وهذا أمرٌ معلومٌ لجميعِ العُقلاءِ: أن الفاعل لما يُريدُ أكملُ من الذي لا يفْعَلُ، وأكملُ من الذي يجْبَرُ على الفعلِ أيضًا.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ المشيئةِ للَّهِ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ في الموضِعين.
стр. 88
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن الرَّحمَةَ لا تُطْلَبُ إلا من اللَّه، لقولِهِ: ﴿وَيَرْحَمُ﴾، وهذا في مقام التَّقْسِيمِ يَدُلُّ على الاختِصَاصِ، ﴿يُعَذِّبُ﴾ ﴿وَيَرْحَمُ﴾، فلا تَطْلُبُ الرحمة إلا مِنَ اللَّهِ، حتى الذين يَرْحَمون مِنَ الخلْق ينْبَغِي عندما تَطُلُب رحمتَهم أن تجعل ذلِكَ متَعَلِّقًا باللَّه؛ لأن اللَّه لو شاء أن لا يَرْحمُوكَ لم يرحموك.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ البعثِ لقولِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسة: التحذيرُ مِنَ المخالَفَةِ؛ لأنه إذا كان المرجِعُ إلى اللَّه فاحذر من مخالَفَتِهِ، فإن هذا يُشْبِهُ التَّهْدِيدَ والوَعيدَ مِن المخالَفَةِ.
* * *
стр. 89
الآية (٢٢)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢]
* * *
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: الخطابُ إما أن يكونَ للكافِرينَ، وإما أن يكون لعُمومِ الناسِ، وكونُه لعُمومِ الناس أَوْلى، يعني: وما أنتم أيَّها الناسُ، وكونه للمُكَذِّبينَ المعانِدِينَ أبلغُ؛ لأنهم يظنُّونَ أنهم أَعْجَزُوا اللَّه.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (ما) هنا حِجازِّيةٌ؛ لأن القرآنَ بلُغةِ قريشٍ، واسمها: الضَّميرُ المنْفصِلُ (أنتم)، وخبرُها: (بمُعجزين)، والباءُ زائدةٌ للتَّوكيدِ، قال ابنُ مالكٍ ﵀ (١):
وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جرَّ الْبَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ لَا وَنَفْي كانَ قَدْ يُجَرْ
إعراب ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾:
(الباءُ): زائدِةٌ للتَّوكيدِ.
(معجزين): خبرُ (ما) منصوبٌ وعلامة نَصبِهِ ياءٌ مقدَّرةٌ على الياءِ، منَعَ من ظُهورِهَا اشتِغالُ المحَلِّ بعلامةِ إعرابِ حرفِ الجرِّ الزَّائدِ، وإن كان هذا في الحقيقة
стр. 90
من التكَلُّفِ المعروفِ، لكن لا بُدَّ أن نُعرب هذا الإعراب حسب القواعدِ المعروفةِ في النحوِ، فالياء في قوله: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ جَلَبَتَهَا الباءُ وليس الخبر، وهي نَفْسُها علامةُ النَّصْبِ.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (معجزين) من (أعْجَزَ) فهو متَعَدٍّ؛ لأن عجَزَ لازم، وأعْجَزَ متعدٍ، وإذا كانت متَعَدِّيَةٌ وهي اسمُ فاعلٍ فتحتاجُ إلى مفعولٍ، فأين المفعول؟
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ رَبّكُم عنْ إدْراكِكِمْ]: فيكون المفعولُ محْذوفًا تقديرُهُ: بمُعجِزينَ ربَّكُم، أو بمعجزين اللَّه، فلا مانِعَ، والمُعجِزُ هو من فعل ما يُعْجِزُ به غيرَهُ، ولهذا قال بعضُ أهلِ العِلم عن آيات الرُّسُلِ: إنها معْجِزاتٌ؛ لأنها تُعجِزُ أعداءَ الرُّسلِ عن معارَضَتِهَا.
قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، هذا الجارُّ والمجرورُ حالٌ مِن مُعجِزينَ، يعني: حال كونِكُمْ في الأرض أو في السماءِ، فلا تُعجِزونَ اللَّه سواء كنتم في الأرضِ أو في السماء، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [لَوْ كُنْتُم فِيها]، فيكون قوله: ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ على سَبيلِ التَّقديرِ وليس على سبيلِ الحَقيقَةِ؛ لأن الناسَ في الأرضِ وليسُوا في السماءِ.
وقيل: إن المعنى على سبيلِ المبالَغَةِ، يعني: لا تُعْجزونَ اللَّه سواءٌ كُنتم في أعماقِ الأرض أو في أجواءِ السماءِ، فيكون المعنى: لا تُعجزونُه في أيَّ مكانٍ كُنتم.
وقيل: إن قوله ﵀: ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ يعني به أهلَ السماءِ، يعني: أن اللَّه لا يُعجزُه شيء في السمواتِ ولا في الأرضِ، فأهلُ السماء لا يُعْجِزُونَهُ وأهل الأرضِ لا يُعجزونه، فيكون المعنى على هذا الوجه: وما أنْتُمْ بمُعْجزينَ في الأرض،
стр. 91
ولا مَن في السماءِ مُعجِزٌ اللَّه، على حَدِّ قولِ الشَّاعرِ حسَّانَ بنِ ثاب ﵁ (١):
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّه مِنْكُمْ ... ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرَهُ سَوَاءُ
فأظنُّ أننا نَعرِفُ جميعًا أن الأوَّلَ غيرُ الثاني؛ لأن الذي يَهجُوه لا يمْكِنُ أن يمْدَحه وينْصُرَهُ، فيكون على تقديرِ: ومن يَمْدحُهُ وينْصُرُهُ سواء، فهذه مثلها.
والذي يظهر لي أن المعنى: أنَّكُم لا تُعجِزُونَ اللَّه في أي مكانٍ كُنتم، سواء كُنتم في السماءِ أو في الأرضِ؛ لكن وقتَ نُزولِ القُرآن لا يُمكِنُ أن يُرادَ بالسماءِ حقيقةٌ، إلا أن يُرادَ بالسماءِ ما عَلا ولو على قِمَمِ الجبالِ، لكن في وَقْتِنَا الآن يمكن أن يكونَ الإنسانُ في السماءِ، أي: في العُلُوِّ، وليس المرادُ السماءَ الدنيا؛ لأن السماءَ الدُّنْيا لا يصلُ إليها أحَدٌ، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] حتى النَّبِيُّ ﵊ وجبريلُ ﵇ ما استَطاعَا أن يَدْخلا السماءَ الدُّنْيا إلَّا بعد الاستفتاحِ والاستِئْذَانِ (٢).
قال المُفَسِّر في تَفْسيرِهَا الإجمالي: [أي: لَا تَفُوتُونَهُ]: أي: لا تَفوتُونَ اللَّه، بل إذا شاءَ أن يُعذَّبِكَمُ أدْركَكُم فإن اللَّه تعالى لا يَفوتُه شيءٌ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
واعلم أن عُقوبَة اللَّه وإدراكَه للإنسانِ تارَّةً يكونُ بأمورٍ حِسِّيَّةٍ، فيُقَدِّرُ
стр. 92
اللَّهُ تعالى أسبَابًا مَعلُومةً لنا ونُشاهِدُها، وتارةً يكونُ بأمورٍ لا نُدرِكُها، فتأْتِيهِ العُقوبةُ مِنَ اللَّه بدونِ أيِّ سَببٍ معلومٍ لنا، مثلُ أسبابِ نَصْر الرسول ﵊ أحيانًا تكونُ بأسبابٍ غيرِ مَعلُومةٍ، وأحيانًا تكونُ بأسباب مَعلُومَةٍ، مثاله: نَصْرُ اللَّهُ للرَّسولِ ﷺ ، في غزوةِ الخَندَقِ: أرسلَ اللَّهُ عليهم رِيحًا وجُنُودًا لا نَرَاها، الجنودُ التي لا نَراهَا هي مِنَ الأُمورِ غيرِ المعلومَةِ إلا بالشَّرْع، لكنَّ الرِّيح التي أقَلَقَتْهُمْ وأكَفْأَتْ قُدورَهُم وهَدَمَتْ خيامَهُمْ هذه محسُوسَةٌ معلومَةٌ، لكنَّ الجنودَ التي لم نرهَا لولا إخبارُ اللَّه إيَّانَا عنها ما كُنَّا نَعْلَمُهَا.
فاللَّه يُدرِكُ الإنسانَ إما بأسبابٍ مَعلُومة تَظْهَرُ للعَيانِ، وإمَّا بأسبابٍ خَفِيَّةٍ لا تَظهرُ للعَيانِ، ثم قد نَعْلمُهَا بطريقِ الوَحي وقَدْ لا نَعْلَمُهَا.
قولُهُ ﵀: [﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أَيْ: غَيَرَهُ ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يَمْنَعُكُمْ مِنهُ ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَنْصَرُكُم مِن عَذَابِهِ]: (ما) في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ هل هِي تَمِيمِيَّة أم حِجازَيَّةٌ؟
الجواب: اتَّفقتْ فيها اللُّغتانِ، وذَلك لعَدمِ التَّرتِيبِ لأنَّ ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ هو المبتدأُ، و ﴿لَكُمْ﴾ هو الخَبَرُ، يعني: لا وَلِيَّ لكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ، وقولُ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: غَيْرَهُ] صحيحٌ، وعبَّر عنِ الغَيْرِ بالدُّونِ لانْحطَاطِ رُتبَتِهِ.
وقوله ﵀: [﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يَمْنعُكُم منْه، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصُرُكم مِن عَذابِهِ]: ولا أعلمُ إلَّا أن النَّصْرَ بمعنى المنْعِ والعَوْنِ، لكنَّ الصَّحِيحَ أن قولَهُ : ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أن الوَلِيَّ من يتَوَلَّى الإنسانَ في جميعِ أحوالِهِ فينْصُرُه في مقابلة عَدُوِّهِ، ويأتي إليه بالخيرِ ولو في غيرِ مقابَلَةِ العَدوِّ، فالولِيُّ هو الأعَمُّ، فهو الذي يتَولَّاهُ في
стр. 93
جَلْبِ الخيرِ ودَفْعِ الشَّرِّ، والنَّصِيرُ هو الذي يَدفَعُ عنكَ فقط، قد لا يكونُ من أَوْلِيائِك لكن يدْفَعُ عنك في الحالِ المعَيَّنة التي تحتاج فيها إلى نَاصِرٍ، والنُّصْرَةُ تكون في دَفعِ المكرُوهِ، فيكون الوَلِيُّ هنا أَعَمُّ.
يعني: لا أحَدَ يتَولَّاكُمْ فيَجْلِبُ لكمُ الخيرَ ويدفعُ عنكم الشرَّ، ولا أحدَ أيضًا ينْصُرُكُم من دُونِ اللَّهِ فيمنعُ عنكم العِقابَ، وهذا أمرٌ واقِعٌ فإنَّ بأس اللَّهِ إذا نزلَ بقومٍ فلا يستَطِيعُ أحدٌ أن يدْفَع عنهم هذا البأسَ، ولا أن يمنْعَهم منه.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: كَمالُ قُدرةِ اللَّه وأنه لا يُعجِزُه شيءٌ؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أنه لا مَفَرَّ للمرءِ مِن قَدَرِ اللَّه، سواء كانَ في السماء أم في الأرضِ، لقولِهِ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
لو قال قائل: هل في قوله : ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ رَدٌّ على القَدَرَّيةِ؟
فالجواب: هذا فيه نَظَرٌ؛ لأن القُدْرَةَ يقولون: إن الإنسانَ مستَقِلٌّ بعَمَلِهِ ولا دَخْلَ لمشِيئَةِ اللَّهِ فيه، لكنهم يقولون: إنَّ اللَّه قادِر على إهْلاكِهِمْ واستِئصالهِمْ إذا خالَفُوا.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: ضعفُ البَشَرِ بالنِّسبَةِ إلى الخالق؛ لأن الخطابَ في قوله : ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ للعُمومِ، فالبشرُ مَهما بلَغُوا من القوة فَهُم بالنِّسبة إلى الخالقِ عاجِزُونَ ضُعفاءُ. ولهذا قال اللَّه : ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وقال اللَّه : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾
стр. 94
قال تعالى: ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ولم يقل: أولم يَرَوا أن اللَّه هو أشَدُّ؛ لأن الذي خَلَقهم هو أشَدُّ منهم قُوة، فإذا كانوا مَخْلُوقينَ فإنَّ الخالِقَ أقوى بلا شَكٍّ، فالخالقُ أقْوى مِنَ المخلُوقِ، فأتى بالموصولِ وصِلَتِهِ كالتَّعْلِيلِ والدِّلالَةِ على ضَعفِهِمْ أمام اللَّه .
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: أن لا مَلجأَ للبَشَرِ في جَلْبِ المنافِعِ ودَفعِ المضَارِّ إلا إلى اللَّه تعالى، وأنهم مهما استَعانُوا بغير فإنهم خائبونَ لقولِهِ: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: وهي فائدةٌ بلاغِيَّةٌ: أن مِنْ أدواتِ التَّوكيدِ زِيادَةَ الحروفِ لقولِهِ: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ لأن (مِنْ) هنا زائدةٌ لإفادَةِ العُمومِ، أي: التَّنْصيصُ على العُمومِ.
* * *
стр. 95
الآية (٢٣)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ أي: القُرآنُ والبَعْثُ].
قوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأٌ وخبَرُه الجملَةُ الاسميَّةُ في قولِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾، فهذه الجملةُ كُبرى وصُغْرى، يقول النحويون: جملةٌ كُبْرَى وصُغْرى فإذا كانت الجملةُ خبرًا يُسَمُّونَها جملةً صُغْرى، وإذا كانت مكونة مِنْ مبتدأ وخبرٍ تُسَمَّى كُبْرى، فعندنا الآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخر الجملةِ نُسَمِّيهَا جملةً كُبْرَى، ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾ هذه جملَةٌ صُغْرى لأنها جزءٌ مِنَ الجُملةِ الكُبرى، فهي مبتدأٌ وخَبرٌ لكنها خبرٌ, وأتى بالجملة الاسمِيَّةِ للدَّلالَةِ على الثُّبوتِ والاستِقْرارِ.
قوله: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، (الآيات): جمعُ آيَةٍ، والآيةُ في اللُّغَة: العَلامَةُ، وآياتُ اللَّه نوعان: كونِيَّةٌ وشَرْعِيَّةٌ.
فالكونية: ما خَلقَهُ في السَّماءِ والأرضِ، فهي آيات كَونِيَّةٌ لدَلالَتِهَا على خالِقَها، فهي دالَّةٌ على الخَالِق، وكل شيءٍ مِنها يَدُلُّ على صِفَةٍ تُناسِبُهُ؛ لأن الآياتِ كلَّهَا على سبيلِ العُمومِ تَدُلُّ على الخالِق، كلُّ آيَةٍ منها تدلُّ على صِفَةٍ مُعيَّنَةٍ
стр. 96
من صفاتِهِ، فإذا كانت الآياتُ عظيمةً دلَّتْ على وجودِ الخالِق وعلى قُدرَتِهِ، وإذا ظَهَرَ فيها إحكامٌ وإتِّقانٌ دَلَّت على الحِكمَةِ، وهكذا.
فالآياتُ بعُمومِهَا دالَّةٌ على وُجودِ الخالِق، ثمَّ كُلُّ آيَةٍ منها لها دِلالَةٌ خاصَّةٌ تَدُلُّ على ما تَدُلُّ عليه من هذه الصِّفاتِ الخاصَّةِ، ومثال الآيات الكَونِيَّةِ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧] وفي سُورَةِ الرُّومِ عِدَّة آياتٍ ذَكَرها اللَّه .
النوعُ الثَّانِي من الآياتِ: الآياتُ الشَّرْعِيَّةُ، وهي ما جاءتْ بها الشَّرائعُ.
وهاهنا فائِدَةٌ: وهي أن الآياتِ الشَّرْعِيَّةَ يعْجزُ البشَرُ أن يأْتُوا بمِثْلِهَا؛ لأنها كلَّهَا إصلاحٌ ودَرءٌ للمَفاسِدِ، فكُلُّ الشرائعِ جاءتْ بالإصْلاحِ، ولكنَّ الإصلاحَ يكونُ في كُلِّ أُمَّةٍ بحسَبِهَا، فالشِّدَّةُ على اليهودِ منَاسِبَةٌ، والتَّخْفيفُ على النَّصارَى مناسِبٌ، والجمعُ بينهما في هذه الأُمَّةِ غايةُ المناسَبَةِ، وإن كان دِينُ الإِسلامِ يُسْرًا لا حرجَ فيه بالنِّسْبَةِ إلى دِينِ النَّصارَى، دِينُ النَّصارَى فيه أشياءُ كثيرةٌ مسامَحٌ فيها لأن حالهم تُناسِبُ ذلك، ودِينُ اليَهودِ فِيه شِدَّةٌ وأغْلالٌ حَطَّهَا اللَّه عنا بهذا النَّبِيِّ الكريم، فهذِه الشرائعُ كُلُّها آيات تَدُلُّ على كمالِ مَنْ شَرَّعها وسنَّها لعِباد، ولكنَّ النوعَ الأوَّلَ من الآياتِ الإيمانُ بِه صَعبٌ والوصولُ إلى حَقِيقتِهِ سَهْلٌ، لكنَّ الثاني هو الذي يكونُ فيه نوعٍ مِنَ الصُّعوبَة؛ لأنه لا يعرفُ كمالَ الشَّريعَةِ ودِلالَتِهَا على مَنْ شَرَّعها إلا من تَعَمَّق فيها، وعَرَفَ الحُكْمَ والأسرارَ التي تَتَضَمَّنُهَا هذه الأحكام، ولهذا يَنْبَغِي لنَا التَعَمُّقُ في معرفة حِكَمِ التَّشْرِيعِ؛ فكَوْنِي أعْرِفُ أن هذا حلالٌ أو هذا حرامٌ؛ هذا قد يكون سَهلًا، لكن كوني أعرِفُ لماذا حُرِّم أو لماذا حُلِّل هذا هو المهِمُّ جدًا، وهو الذي يَتبَيَّنُ به كونُ الشَّرعِ منْ آيات اللَّه .
стр. 97
وقوله: ﴿وَلِقَائِهِ﴾ أي: يومُ القيامَةِ، يعني: كذَّبُوا باللِّقَاءِ اللازمِ منه البعثُ؛ لأن البعثَ لازِمٌ من لَوازِمِ اللِّقَاءِ، لا لقاءَ إلا بِبعْثٍ، ولقاءُ اللَّهِ ثابتٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ المسلمينَ، قالَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، يعني: فأَنْتَ مُلاقِيهِ فجَازِيك على هذا الكَدْحِ إما خَيرًا وإما شَرًّا.
وقوله: ﴿وَلِقَائِهِ﴾ يعْنِي: البَعْثَ؛ لأن المنْكِرينَ للبَعْثِ لا يؤمنونَ بلِقاءِ اللَّه؛ لأنهم يقولونُ -والعياذ باللَّه- إنهم إذا كانُوا عِظامًا ورُفاتًا فلا يمكِنُ أن يُبْعَثُوا خَلقًا جديدًا، فكذَّبوا بهذا.
قوله: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ جَزاءُ هذا التَكذيبِ اليأسُ مِنْ رَحمةِ اللَّه، قال المُفَسِّر ﵀: [أي: جَنَّتِي] فأوَّلها إلى الرَّحمَة المخلوقَةِ لا إلى الرَّحمةِ التي هي صِفَةُ اللَّه ، وذلك لأنَّ الرَّحمَةَ المضافةَ إلى اللَّهِ قد يُرادُ بها دَارُ رَحمتِهِ فتكونُ مخلوقَةً، كما في الحديث القُدُسِيِّ أن اللَّه قال للجنَّةِ: "أَنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ" (١)، وتُطْلق على الرَّحمة التي وُصِف اللَّه بها، وحينئذٍ تكونُ صفةً مِن صِفاتِ اللَّهِ غيرَ مخلوقَةٍ، ومنه قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
فما المرادُ بالرَّحمةِ في هذه الآية؛ هل المرادُ بها النوعُ الأوَّلُ: الرّحمةُ المخلوقةُ التي هي موضِعُ الرَّحمةِ، أو الرحمةُ التي هي صِفَتُهُ؟
الظاهرُ: أن المرادَ بها الرَّحمةُ التي هي صِفَتُهُ؛ لأنه إذا أُطلِقَتِ الرَّحمةُ مضافَةً إلى اللَّه فالمرادُ بها الصِّفَةُ، فلا نَحمِلُها على أنها موضِعُ الرَّحمةِ إلا إذا وُجِدتْ قَرينَةٌ،
стр. 98
فإذا وُجدت قرينةٌ عَمِلْنا بهذه القَرينَةِ، وإلَّا فالأصلُ أنها صِفَةٌ من صفاتِ اللَّهِ.
فعلى هذا يكون معنى الآية: يَئسوا من أن أَرْحمَهُم، وإذا لم يرحْمُهم اللَّهِ لم يَدْخُلوا الجنة، وهذا هو المعنى الصَّحِيحُ للآية، وما ذَكَرَهُ المُفَسِّر فهو محتَمَلٌ، فلا نُنكرُ عليه إنكارًا شديدًا؛ لأن الرَّحمةَ كما تُطْلَقُ على الصِّفَةِ تُطلقُ على موطنِ الرَّحْمَةِ.
قوله : ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هاتان جملْتانِ كُبرى وصُغرى أيضًا: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأٌ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ مبتَدأٌ وخَبرٌ، والجملةُ خَبرٌ، كلُّ هذا لكمالِ التَّهْديدِ لهم، فهم حُرِموا من الخيرِ ووَقَعُوا في الشَرِّ؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ]، والعَذابُ مَعناه العُقوبةُ، يعني: لهم عُقوبة أليمةٌ، أي: شَديدَةٌ مؤلمَةٌ والعياذُ باللَّه، وذلك في النارِ، ولا حاجَة إلى شَرح ما في هذه النَّارِ من العَذابِ لأنه معلومٌ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن الكفَّار لا يدْخلونَ الجنَّة؛ لقوله : ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ الآياتِ الكونِيَّةِ والشرْعِيَّةِ للَّه ؛ لقوله: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثَةُ: رحمةُ اللَّهِ تعالى بالعِبادِ؛ حيثُ أظهرَ لهم مِنَ الآياتِ ما يؤمنون على مِثْلِهِ، فمن نِعْمة اللَّه تعالى أن يُرِيَ عبادَه مِن آياتِه ما يؤمنونَ على مِثْلِهِ، ولهذا كلَّما ظَهَرَ للإنسانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ شيءٌ كانت نِعمَةُ اللَّهِ عليه أكبرُ وأشدُّ في رُسوخ إيمانِهِ.
стр. 99
ومن ذلك الكَراماتُ التي حَصَلت لبعضِ أولياء اللَّهِ، فإنها تَزِيدُ في إيمانهم وتؤيدُ ما كانوا عليه مِنَ الحق، قال شيخُ الإسلام ﵀: "وكَثُرَتِ الكراماتُ في زَمنِ التابِعينَ دونَ الصَّحابَةِ، لأن الصحابة عندِهُم منَ الإيمانِ ما ليس عندَ التَّابِعين، فليسوا في حاجَةٍ إلى كَرامات تُقَوِّي إيمانَهُم كحاجَةِ التَّابِعِينَ"، ذكر هذا في كتاب الفُرقانِ (١)، وهذا حَقٌّ، فإنك إذا تأمَّلْتَ الكراماتِ التي ذُكِرَتْ وجَدْتَها في التابِعين أكثر، والمهِمُّ أن إظهارَ الآياتِ للإنسانِ سواء كانت شَرعِيَّةً أم قَدرِيَّةً: من نِعمةِ اللَّه عليه؛ لأنها تَزيدُ في إيمانِهِ ورُسوخه في القَلبِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ رؤيةِ اللَّه ، لقولِهِ: ﴿وَلِقَائِهِ﴾، فإنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ استدَلُّوا بذلك على إثبات الرُّؤَيةِ؛ لأن الملاقاة إذا لم يكنْ مانعٌ فلا بُدَّ حينئذ مِنَ الرُّؤية، ولا مانِعَ يمنَعُ.
وهذه المسألةُ فِيها خِلافٌ كثيرٌ بين أهلِ السُّنَّةِ وأهلِ البِدع، والصوابُ الذي دلَّ عليه الكِتابُ والسُّنة إثباتُ رؤيةِ اللَّه تعالى بالعين، وأنه في الآخرة يُرَى، أما في الجنَّةِ فيرَاهُ المؤمنون ولا يَراهُ غيرُهم لأنهم ليسوا فيها، وأما في عَرصاتِ القيامة فالصَّحِيحُ أنه يَراهُ المؤمنونَ ويَرَاه المنافِقُونَ، لكنَّ المنافقين يَرَوْنَهُ رؤيةَ تَنْديمٍ لا رؤية تَنْعِيمٍ، لأن اللَّهَ يظهر لهذه الأمَّةِ وفيها منافِقُوها فيُكْشَفُ لهم عَنْ سَاقِهِ ويأمُرُهم بالسُّجودِ، فمن كان يسْجُد للَّه سَجدَ، ومن كان لا يسْجُدُ إلا رِياءً وسُمْعَةً يَعْجَزُ فلا يسْجُدُ.
فالمؤمنون يَرْونَه رؤيةَ تَكريمٍ، وهؤلاء يَرَونَه رؤيةَ تَنْديم؛ لأنهم إذا حُجِبُوا عنه بعدَ ذلك صارَ أشَدَّ وقْعًا في نُفوسِهِم، مثلُ المنَّافِقِين الذين يُعطَوْنَ نورًا يوم القيامة
стр. 100
ثم يُحْجبُ عنهم، فهذا وقْعُه عليهم أشدُّ من الذين لم يُعْطُوا نورًا مِنَ الأصْلِ.
إذا قالَ قائلٌ: هذه الرُّؤيَةُ كيفَ تُقِرُّونَها وتؤمنون بها مع أن اللَّه جَلَّ وَعَلَا يقولُ لموسَى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ويقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
فالجوابُ: أن قولَهُ لموسَى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ جواب لقولِ مُوسَى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وهو يريدُ رؤيةَ ربِّه الآن، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فدَلَّ هذا على أن نَفْي الرُّؤَيةِ في ذلك الوقتِ، وهذا حَقٌّ، فإن اللَّه جَلَّ وَعَلَا لا يُرَى في الدُّنْيَا لعَجْزِ الإنسان عن تَحمُّلِ ذلك، وقد ضَربَ اللَّه لرَسولِه موسَى ﷺ مَثلًا بالجبلِ، فإنَّ اللَّه تعالى لما تَجَلَّى للجبلِ جَعلَهُ دَكًّا وخرَّ موسى صَعِقًا.
أما قوله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، فهي إلى الدَّلالَة على ثُبوتِ الرؤية أقربُ من الدَّلالةِ على نَفْي الرؤية، لأن اللَّه -جل ذكره- لم يَقُلْ: لا يُرَى، بل قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ ونَفْيُ الأخَصِّ لا يدُلُّ على نَفْي الأعَمِّ؛ لأن الإدراكَ أخصُّ من مُطلَقِ الرُّؤيةِ، وهذه قاعِدةٌ معروفةٌ عندَ أهلِ العِلم.
فهنا نقول: إن الآية تَدلُّ على أنه يُرَى؛ لأنه لو لم يُرَ لقال: لا تَراهُ الأبصارُ، فلما قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عُلِمَ أنه يُرَى لكن لا يُدرَك، ونحن نقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ حتى في الآخرة، فإنه لا يُمكِنُ الإحاطةُ باللَّه ، لكنَّه يُرَى.
وضَرْبُ المثل لا بأس به لكن مع الفَرْقِ: ألَسْنَا نرَى الشمسَ ولا نُدْرِكُهَا؟ بل نَرى أصغرَ حيوانٍ بالعين ومع ذلك لا ندرك ما فِيه مما خلَق اللَّه في جوفِه أو في جِلْدِهِ.
стр. 101
فالحاصلُ: أنه لا يلزمُ مِن نَفْي الإدراكِ نَفْي الرؤية، بل هو دَليلٌ على ثُبوتِ الرُّؤَيةِ؛ ولهذا استدَلَّ أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ بهذه الآية على ثُبوتِ الرُّؤَيةِ.
أما الكفَّارُ فإنهم لا يَرَونَ اللَّه يومَ القِيامَةِ، والذي يستدل بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، نقول: قد دلَّ قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، على أن الكافِرَ لا يَرى اللَّه تعالى يومَ القِيامَةِ.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: وجوبُ الإيمانِ بلقاءِ اللَّه ؛ لأنَّ اللَّه تعالى عاقَبَ الذينَ لا يؤمِنونَ بذلك باليأسِ مِن رَحمَتِهِ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: ثبوتُ الرَّحمةِ للَّه جَلَّ وَعَلَا؛ لقَولِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾، والإضافةُ هنا إن قلنا: إن المرادَ بالرَّحمةِ الجنَّةَ، فهي من بابِ إضافَةِ المخْلوقِ إلى خالِقِهِ تَشْرِيفًا وتَكْريمًا، وإذا قُلنَا: إنها صفةٌ من صفاتِ اللَّه، فهي من بابِ إضافَةِ الصفةِ إلى مَوْصوفِها.
والمضافُ إلى اللَّه تعالى نوعان: إما أعيانٌ وإما أَوْصافٌ، والأعيانُ إما أن تكونَ إضافَتُهَا إلى اللَّه على سبيلِ العُمومِ أو على سبيلِ الخُصوصِ.
فالأولُ الذي يُضافُ إلى اللَّه على سبيلِ العُمومِ: يرادُ به أن اللَّه خالقٌ لهذا الشيءِ، كما في قوله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وهذا يَشْمَلُ كلَّ ما في السمواتِ والأرضِ، وإما أن يكون خاصًّا يُرادُ به التَّشْرِيفُ والتكريم، مثل: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ و (بيتُ اللَّهِ) و ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ وما أشبه ذلك.
أما إذا كان المضافُ إلى اللَّه وَصْفًا لا يقومُ بغَيْرِهِ فإنه يكونُ صِفَةً
стр. 102
منْ صفاتِ اللَّه، مثلُ: كلام اللَّه، وقُدرة اللَّه، وعِزَّة اللَّه، وما أشبه ذلك، وبهذا استدَلَّ أهلُ السُّنَّةِ على أن القرآنَ غيرُ مخلوقٍ؛ لأن القرآن وصْفٌ يقوم بالمتَكَلِّمِ، فهو كلامٌ يقومُ المتكلِّم به، فهو من إضافَةِ الصِّفة إلى الموصوفِ بها.
لو قال قائل: أضافَ اللَّه رُوحَ آدمَ ورُوحَ عِيسى ﵈ إليه، هذه الإضافة مِنْ أيِّ الأقْسامِ؟
فالجواب: هذه الإضافِةُ من باب إضافَةِ المخلوقِ إلى الخالقِ تَشْريفًا، وذلك لأنَّ الرُّوحَ عينٌ لا صِفَةٌ؛ لأنها تُقْبَرُ وتُلَفُّ في الكفَن -كما جاء في الحديث-: "وَيُصْعَدُ بِها إِلى اللَّهِ تعالى" (١)، فهي عَيْنٌ لكنها عَينٌ غيرُ مَعْلومَةٍ ليس لها نَظِيرٌ فما نُشَاهِدُهُ، فهي ليست كالأعْيانِ الجِسْمِيَّةِ، ولهذا قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، ثم قالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وأما قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: مِنَ الأَرْواحِ التي يخْلُقُها لأنَّ الأرْواحَ مخلُوقَةٌ للَّه، وليس المعْنَى أني جَعلْتُهُ جُزءًا مِنِّي، فهذا ما أحدَثَهُ إلا الحُلولِيَّةُ مِنَ النَّصارِى وأشبَاهِهِمْ.
لو قال قائلٌ: عبدُ اللَّهِ وعبدُ الرحمنِ مِنْ أيِّ أقسامِ الإضَافَةِ؟
فالجواب: هذه الإضَافَةُ تكون على سبيلِ الخُصوصِ وعلى سبيل العُمومِ، فإذا قلنا: (عبدُ اللَّه) فالمرادُ العُبودِيَّةُ العامَّةُ، وإذا قُلنا: (عبادُ الرَّحْمنِ) فالمرادُ الخُصوصُ.
الفَائِدةُ السَّابِعة: إثباتُ العُقوبةِ للكَافِرينَ، وأنها عقوبةٌ شَدِيدةٌ، لقولِهِ : ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، والآياتُ في هذا كَثِيرةٌ جِدًّا، ولا حاجَةَ إلى كثْرةِ الكلامِ فيها لأنها واضحةٌ والحمدُ للَّه.
стр. 103
الآية (٢٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٤].
* * *
قوله تعالى في قِصَّةِ إبراهيمَ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾، الجُملةُ على رَأيِ المُفَسِّر مُعترِضَةٌ من قولِهِ: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٨]، إلى قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣]، هذا ما ذَهَب إليه المُفَسِّر وابنُ جَريرِ وأكثرُ المفسِّرِينَ.
وقال بعضُ المفسِّرِينَ: إن الكلامَ كلَّه مِن كلامِ إبراهيمَ وليس فيه شيءٌ معْتَرَضٌ، واختارَ هذا ابنُ كَثيرٍ (١)، وقال: إن الكلامَ كلَّه مِن كلامِ إبراهيمَ ﵇، لكن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: ٢٣]، فيَرَوْنَ أنه من كَلامِ اللَّهِ.
أما قوله : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، فالظاهِرُ مِنْ سياقِ الآيات أن الكلامَ ليس مِن كلامِ إبراهيمَ، بل هو مِنْ كلام اللَّهِ مُعْتَرضٌ في القصة، والقول بأنه مِنْ كلام إبراهيمَ لا يستَقِيمُ مع السياقِ إِلَّا بالتكلُّفِ، وذلك بأن نقولَ: لما كان رَسُولًا مِنَ اللَّهِ كان خطابَ اللَّه تعالى على لِسَانِهِ وإن كان مُضَافًا إلى اللَّه، فهذا هو وجهُ التكَلُّفِ.
стр. 104
أما قوله : وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٨]، فهذا مِنْ كلامِ إبراهيمَ، ولا إشكالَ في ذَلِكَ؛ لأنه يُوجدُ أُمَمٌ قد سَبقت إبراهيم ﵇.
وأما قوله تعالى: (أَوَلَمْ ترَوْا كيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ) على قراءةِ التَّاءِ، فلا إشكالَ أنه مِنْ كلامِ إبراهيم؛ لأن إبراهيمَ يُخاطِبُهم ويقولُ هذا الكلامَ، وأما على قراءةِ الياءِ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ فظَاهِر أنه مِن كلامِ اللَّهِ معتَرَضًا في القصَّةِ.
قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤]، هذا جوابٌ شَديدٌ والعِياذُ باللَّه، لكن فيه إشكالٌ من حيثُ الإعرابِ، فلماذا نَصبَ اسمَ (كان) والمعروف أن (كان) تَرفعُ الاسمَ وتنْصِبُ الخبرَ؟
والجواب على هذا: إن قولَهُ: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ هو اسم (كان)، وقوله: ﴿جَوَابَ﴾ خبرٌ مُقدَّمٌ لـ (كان)، والتقدير: فما كان جَوابَ قومِه إلا قَولهُم.
وقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ هذه تُفيدُ الحَصرَ، يعني: ما كان الجوابُ بالاستِسْلامِ ولا كان بالرَّدِّ الجميلِ، ولكن كان -والعياذ باللَّه- بمقامِ التَّهديدِ بالقوَّةِ، وهكذا كلُّ إنسان لا يستطيع ردَّ الحقِّ فإنه يُهدِّدُ بالقوَّةِ إذا كان له قُوَّة على خَصمِهِ، وإن لم يكن له قُوَّة صارَ يتكَلَّمُ بالسَّبِّ والشتْمِ، كما قال فرعونُ لموسَى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، عندمَا ناظَرَهُ، والمناظَرةُ في سورةِ الشُّعراءِ: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ فسَخِرَ بِهِ: ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾، الجوابُ: ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، ثم رَماهُ بالجُنون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، الجواب: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾،
стр. 105
أي: فأنتم المجَانِين في الحقيقةِ، لكن جاء بها بأسلوبٍ واضحٍ مُنطِقِيٍّ، أي: فإن كنتم عُقلاءَ فرَبُّ المشرقِ والمغرب الذي يأتي بالشمسِ مِنَ المشرقِ ويأتي بها مِنَ المغْرب هو اللَّهُ ، وأخِيرًا لما لم يستطع الإجابة: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٩].
وقوله: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٨]، يُشَبِّهُ قولَ إبراهيمَ ﵊ للَّذِي حآجَّه في اللَّهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وهنا كانَ الجوابُ: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، فهو تَهديدٌ بالقُوَّةِ لا بالمنْطِقِ، وهو نَظيرُ ما حصلَ للرُّسُلِ وخُصمائِهم، فهي سِلْسِلةٌ لا تَتَفَّرَّقُ، فقد أُوذِي محمدٌ ﵊، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
فلو قالَ قائلٌ: هنا في هذه الآية قالَ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، وفي آيةٍ أُخْرَى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، والجمعُ بينهما سَهْلٌ، فهنا قال بعضهم: اقتُلُوه، وقال بَعضُهم: حرِّقُوهُ، ثم قرَّ قرارُهُم على التَّحريقِ، واللَّه أعلمُ، ونسألُ اللَّه العافية.
قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾: (أو) هذه هل هي للتَّخْيِيرِ أو للشكَّ أو للتَّنْويعِ؟
فالجواب: هي للتَّنْويعِ، وليست للشَكِّ؛ لأن كلامَ اللَّه لا يقَعُ فيه الشكُّ لكمالِ عِلمِهِ ، ولا للتَّخْيِيرِ؛ لأنه خلافُ ظاهرِ القُرآنِ في سورة الأنبياءِ: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾، فكان الرأيُ على التَّحْريقِ.
فإذا قال قائل: أليسَ الإحْراقُ يحصلُ به القَتْلُ؟
стр. 106
قلنا: بلى، لكن يحصُلُ التَّعْذيبُ فيه أكثرُ، ثم -والعياذ باللَّه- لحنُقْهِمْ وشدَّةِ ما في صُدورِهِمْ على إبراهيمَ رأَوْا أنه يُعذَّبُ بالنارِ ﵊، واللَّه حكيمٌ، وتَجْري الأمورُ على مُرادِهِ وحِكْمتِهِ، فلَعَلَّهم لو قتَلُوه لما حصلتْ هذه الآيةُ العَظيمةُ، وهي: أن تكونَ النَّارُ بَرْدًا وسلامًا عليه، لكنَّ اللَّه حَكيمٌ.
قوله: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ الآيةُ فيها حَذفٌ، والتقديرُ: فحَرِّقُوه فأنجاهُ اللَّه مِنَ النَّار، أي: خلَّصَهُ من النَّار، قال المُفَسِّر ﵀: [الَّتِي قَذفُوه فيهَا بأَنْ جَعلَها بَرْدًا وسَلامًا]، ونقولُ ذلك لأن اللَّهَ قالَ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ فكانت بَرْدًا وسَلامًا، قال أهلُ العِلمِ: لو أنَّ اللَّه جَلَّ وَعَلَا قال: ﴿بَرْدًا﴾ فقط لكانتْ ثَلْجًا عليه، ولكنه قال: ﴿وَسَلَامًا﴾ لأجلِ أن يسْلَم، وفيه أن البَرْدَ يقتُل كَمَا أن الحَّر يقْتل، ولولا أن البردَ يقتُلُ ما احتِيجَ إلى قوله: ﴿وَسَلَامًا﴾.
قوله: [﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: إِنْجائِهِ منْها ﴿لْآيَاتِ﴾]، اسم إنَّ، واللام للتَّوكيدِ، وكسرتْ هنا لأنها جمعٌ خُتِمَ بألفٍ وتاءٍ، قال ابنُ مالك ﵀ (١):
وَمَا بِتَا وَأَلِفٍ قَدْ جُمِعَا ... يُكْسَرُ فِي الجَرِّ وفِي النَّصْبِ مَعًا
فتُنصبُ بالكسْرةِ، فالآياتُ جمعُ آيةٍ وهي العَلامةُ، والمرادُ هنا الآيات الكونيَّةُ لا الشرعيَّةُ وجمَعَها المُفَسِّر ﵀ وبيَّن وجْه الجمعِ فقال: [هِي عَدَمُ تأثِيرِهَا فيه مَع عِظَمِها، وإخمْادِهَا، وإنشاءِ رَوْضٍ مكانَها في زَمنٍ يَسِيرٍ]، هكذا بيَّن المُفَسِّر الآيات، وهي:
أولًا: أنها لم تُؤَثِّرْ مع عِظَمها؛ لأنهم جمَعُوا حَطبًا عظيمًا، وأضْرَمُوا نَارًا عظيمة،
стр. 107
حتى ذُكِرَ أنهم ما استَطَاعُوا أن يقْربُوها، وأنهم ألْقَوْه بالمنْجَنِيقِ فحَذَفَ ورَمَي مِن بُعدٍ، واللَّه أعلم.
ثانيًا: إخمادُهَا، أي كونها تُخْمُدُ وتَهْدَأُ من اللَّهبِ في لحظة، هذا من آياتِ اللَّه ، ونحنُ -واللَّه أعلم- لا نعرفُ هل خَمَدَتْ أم أنها بَقِيَتْ، والظاهر أنها بَقِيتْ لأنه قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩]، واللَّه ما أمَرَهَا أن تَخْمُد بل قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، وعلى هذا فيكون في كلامِ المُفَسِّر نظرٌ، ويكونُ الصوابُ أنها بَقِيتْ على ما هي عليه ولكنها كانتْ بَرْدًا وسلامًا على إبراهيم، وهذا أظهرُ في الإعجازِ.
ثالثًا: أنها كانتْ رَوضَةً، لكن يكفي أنها كانتْ بَردًا وسلامًا على إبراهيم.
وعنْدِي أن الآيات أكثرُ مما قال المُفَسِّر، فإن من الآيات:
* إبطالُ كَيدِ هؤلاءِ.
* ومنها: صبْرُ إبراهيمَ وتحمُّلُهُ؛ لأن حقيقةَ الأمْرِ أن هذا شيءٌ لا يقْوى عليه إلَّا أمثالُ إبراهيم ﵇، فهو مِنْ أُولِي العَزمِ ﵊.
* ومنها: انْقلابُ هذه الحرارةِ إلى بُرودَةٍ.
* ومنها: انْقِلابُ كونها سَبَبًا للهَلاكِ إلى أن كانَتْ سَلامًا عليه.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقونَ بتوحيدِ اللَّهِ وقُدرَتِهِ؛ لأنهم المنْتَفِعُونَ بِهَا]: هذه الآياتُ قَيَّدهَا اللَّهُ بأنها ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ احْتِرَازًا مِنَ القومِ الذين لا يؤمنون، فالقَومُ الذين لا يؤمنونَ وإنْ كانَتْ الآياتُ أمامَهُم لا ينْتَفِعُونَ بها، فليست لهم آياتٌ، ولهذا قال اللَّه : ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
стр. 108
وهل نَعلَمُ في الكلامِ شَيئًا أعْظَمَ آيةٍ من كلامِ اللَّهِ؟
الجواب: لا نعلمُ، وهو الواقِعُ، ومع ذلك مَنْ ليسَ بمؤمنٍ إذا تُلِيَ عليه القرآنُ قال: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ولذلك إذا رَأَيْتَ مِنْ نفسِكَ أنك لا تَتَأثَّرُ بالقرآنِ فاتَّهمْ نفسك؛ لأن اللَّه تعالى لم يَقُلْ عن أحدٍ إنه لا ينْتَفِعُ بالقرآنِ، إلا عن المكذِّبِينَ الذين لا يرون في القرآن شيئًا يأخذُ بِلُبِّهِمْ ورَوعِهِمْ، وهذه المسألةُ نسألُ اللَّه النَّجاةَ منها؛ لأن كَثِيرًا من النَّاسِ يَقْرؤون هذا القرآن ولكنَّهُ لا يَهُزُّ مشاعِرَهُمْ، وهذا خطيرٌ جِدًّا على الإنسان، فيجبُ على الإنسان أن يتَّهمَ نفسه بهذا الأمر حتى يُعدِّلَ ما مَالَ منهُ ويُقوِّم ما اعْوَجَّ.
وعلى هذا نقول: إنَّ الآياتِ الكونيَّةَ والشرعيَّةَ لا ينتَفِعُ بها إلا المؤمنُ، أما غيرُ المؤمنِ فلا ينتفِعُ بآياتِ اللَّه؛ لأنها تمُرُّ عليه وكأنها أمرٌ عادِيٌّ أو بمقتَضى الطَّبيعَةِ، فالزلازلُ والبَراكِينُ التي تُصيبُ الناس يقولون: هذه براكينُ عادية وليست بشيء، والرياحُ العاصِفَةُ العظيمة التي تُدمِّرُ المحاصيل والأشجارَ، وكذلك ما يحْصُلُ مِنَ الأمطارِ المغْرِقَةِ؛ كل هذه الآيات يقولون: إنها ظواهِرُ طبيعِيَّةٌ، وكأنها ليست عُقوبة مِنَ اللَّه ، فلم يَنتفِعُوا بهذه الآيات، والآن بَدَؤوا في الكُسوفِ، يقولون: هذه أسبابٌ ظاهِرَةٌ، ونسألُ اللَّهَ السَّلامَة، فهم ينْشُرونَهَا قبلَ أن تَقعَ لأجلِ أن تأتِيَ إلى الناس وقد اطمَأنُوا إليها واستقرتْ في نُفُوسِهِمْ فلا تُرْعِبُهم ولا تخوفُهم، بينما نَجِدُ النَّبِيَّ ﵊ يقول: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخوِّفُ اللَّهُ بِهِما عِبَادَهُ" (١)، وهؤلاء جعلوها كأنَّها هلالُ عِيدٍ، حتى إن بعضهم خاطَبَنا بذلك وقال:
стр. 109
نحنُ نُخبرُ الناسَ لأجلِ أن يتَهَيَّئوا ويتَرَقَّبوا لذلك، حتى يأتيَ الكُسوفُ وهم مستعدون له، كأنه هلالُ عيد يَخْرُج حتى يخْرُجوا إلى المصَلَّى، وهذا غَلَطٌ.
وأنا أَذْكُرُ، والمتقدِّمُ في السِّنِّ يَذْكُرُ أن الناس كانوا إذا جاءَ الكسوفُ يحصلُ عندهُم مِنَ الخوفِ والانزعاجِ والفَزعِ كما أمرَ النَّبِيُّ ﵊ به، الفَزَعُ إلى المسجدِ والبكاءِ، أما الآن -فنسأل اللَّه العافية- تَرَى بعضَ الناس يشاهدُ الكُسوفَ، وعنده آلاتُ لهو تُغَنِّي وما أشبه ذلك؛ المهِمُّ أن هذه الآيات لا ينْتَفِعُ بها إلا المؤمِنُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: بيانُ طُغيانِ قومِ إبراهيمَ ﵇، حيث إنه يَدُلَّهُم على الحقِّ ولكون هذا جوابُهُمْ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: اختلافُ قومِ إبراهيمَ ﵇ فيما يَصْنَعونَ به ثم قرَّروا إحراقَهُ، وذلك بناء على الجَمعِ بين هذه الآية وبينَ آيةِ الأنبياء، قال : ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: تمامُ قُدْرَةِ اللَّهِ، حيث كانت هذه النَّارُ المحرقِةُ برْدًا وسلامًا على إبراهيم؛ لأن هذا مِن آياتِ اللَّه الدَّالَّةِ على قُدرَتهِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن كلَّ مَن قامَ للَّه فإنَّ اللَّه يُنَجِّيهِ بمَفَازَتهِ، يعني: يُنْجِيهِ في موضعِ هَلاكِهِ، قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: أن اللَّهَ يُقَدِّرُ مِنَ الأمورِ لإنْجاءِ أوليائهِ ما لا يخْطُرُ بالبالِ، وإلا فمَن يخطُرُ ببالِهِ أن هذه النارَ العَظيمةَ تكون بَرْدًا وسَلامًا؟ ولكنَّ اللَّه يُقَدِّرُ لأوليائِهِ مِن أسبابِ النَّجاةِ ما لا يخْطُرُ لهم على بالٍ.
стр. 110
الفَائِدةُ السَّادسَةُ: أن الجماداتِ تَعْرِفُ رَبَّها فتَمْتثِلُ لأمرِهِ؛ لأن اللَّه جَلَّ وَعَلَا قالَ لهذه النَّارِ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾.
الفَائِدةُ السَّابِعة: أن الأسبابَ لا تَفْعَلُ فِعلَها إلا بإرادَةِ اللَّه ، فالأسبابُ مهما قَوِيَتْ لا تَفعلُ الفِعلَ إلا بإذنِ اللَّه ، فمعنى أن اللَّهَ تعالى قد يمْنَعُ تأْثِيرَها، فالنارُ سببٌ للإحْراقِ بلا شَكٍّ، وهنا سُلِبتْ هذه السَّبَبيةَ ولم تؤثِّر.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن الآيات لا ينْتَفِعُ بها إلا المؤمنونَ، لقولِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وقوله هذا لا ينَافي ما جاءَ في عِدَّةِ آياتٍ كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وكقولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُتَفَكَّرُونَ﴾ وما أشبَه ذلك؛ لأن العَقلَ والتَّفَكُّرَ ونحوهما من مقْتَضَياتِ الإيمانِ، فكلَّما كانَ الإنسانُ أقْوَى إيمانًا كانَ أكثرَ عَقلًا وتفَكُّرًا، والتفكُّرُ أيضًا يدْعُو إلى الإيمانِ، فهُمَا متَلازِمَانِ.
لو قالَ قائلٌ: هل ثبتَ أن أحدَ الصَّحابة نَجَا مِنَ النَّارِ بعدَ إلقائه فيها وكانت آيةً كإبراهيمَ ﵇؟
فالجواب: نعم ثبت ذلك، ذكره ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (١)، وقال: إنه ما مِنْ آيةٍ لنبيٍّ سابِقٍ إلا كانت آيةً للنَّبِيِّ ﵊ أو أعظمَ، لكن منها ما جَرى للرَّسُولِ ﵊ نفْسِهِ، ومنها ما جَرَى لأمَّته، وما جَرى لأُمَّتِه فإنه من آياتِهِ لأنه يشهدُ بصِحَّةِ الطريقةِ التي هُم عليها، فيكونُ ذلك مِنْ آياتِ النَّبِيِّ ﵊.