وقوله: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ (ائتِ) فِعلُ أمْرٍ، والمرادُ به التَّعْجِيزُ والتَّحَدِّي، يعني: نتحداك أن تأتيَ بالعَذابِ الذي وَعْدتَنَا به.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فِي استِقْباحِ ذلِكَ، وأن العذابَ نازِلٌ بفَاعلِيهِ]: وهذه الجملةُ شرْطِيَّةٌ قيل: لا تحتاجُ في مِثْلِ هذا التركيبِ إلى جوابِ شرطٍ، للعِلْم به مما سبق، وقيل: إنه محذوفٌ دلَّ عليه ما سبَقَ، والأصحُّ الأول، وهو الذي اختارَهُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ (١)، وقال: إذا كان في الكلامِ ما يدُلُّ على المحذوفِ فلا حاجة إلى تَقْديرِهِ لأنه نوعٌ مِنَ العبَثِ.
وقول هؤلاءِ الكفَّارِ للُوطٍ: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أبلغُ من قَولهِمْ: (إن كُنتَ صَادقًا)؛ لأن كلَّ إنسانٍ يحبُّ أن يكون مِنَ الصَّادِقِينَ، لكن لو قالوا: (إن كُنتَ صادِقًا) لكان المعنى صادقًا في هذه المسألَةِ بخُصوصِهَا، أما قولُهم: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: الموصُوفِينَ بالصِّدْقِ، وهذا أشدُّ في التَّحَدِّي، فكأنهم يقولون: إنك من عِدادِ الكَاذِبينَ ولست من عِدادِ الصَّادِقِينَ، فإن كنتَ مِنْ عِدادِهم فائْتِنَا بما تَعِدُنا.
ماذا كان جوابُ لوطٍ ﵇؟
كان جوابُه ﵇ أن لجأَ إلى اللَّهِ فقَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: ما كان عليه قومُ لُوطٍ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ غيرَ فاحِشَةِ اللِّوَاطِ؛ من قطْعِ السَّبيلِ وإتيانِ المنْكَرِ في نادِيهِم، لقولِه تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ
стр. 142
وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: بيانُ عُتُوِّ هؤلاء القومِ واستِكْبارِهِم.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن لُوطًا حذَّرَهُمْ مِن عذابِ اللَّهِ، لقولِهِ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أنه ينْبَغِي للدَّاعِيَةِ أن يَدْعُو مبَشِّرًا ومُنْذِرًا ولا يقولُ: إذا أنْذَرْتُ نَفَّرْتُ؛ لأن الإنذارَ قد يكونُ لا بُدَّ منه.
الفَائِدةُ الخامِسة: أن مجَرَّدَ الإيمانِ باللَّهِ لا يُدْخِلُ الإنسانَ في الإيمانِ، فإن هؤلاءِ القومِ كانوا مُقِرِّينَ باللَّه لقَولهِمْ: ﴿بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ فليس مُجَرَّدُ كونِ الإنسانِ يؤمِنُ بأن للخليقَةِ ربًّا مدبِّرًا يُدْخِلُه هذا في الإيمان.
الفَائِدةُ السَّادِسَةُ: أن هؤلاءَ القَوْمِ مُكَذِّبُونَ للوطٍ ﵇، لقَولهِمْ: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
* * *
стр. 143
الآية (٣٠)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠].
* * *
قوله: ﴿رَبِّ﴾ مُنادَى، وحُذِفَتْ ياءُ النِّداءِ تَخْفِيفًا، وللبَدَاءةِ بـ (باسم اللَّه) ، وهي منصوبَةٌ لأنها منَادَى مَضَافٌ، فأصلُها (ربي) ولهذا كُسِرَتِ الباءُ للدَّلالَةِ على الياءِ المحْذوفَةِ.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ اعلَمْ أن مادَةَ (نَصَرَ) تتَعَدَّى أحيانًا بـ (مِنْ) وأحيانًا تتعَدَّى بـ (على)، فإن تَعَدَّتْ بـ (مِنْ) فمعناها: المنْعُ والإنْجاءُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أي: منَعْنَاهُ، وإن تَعَدَّتْ بـ (على) كان مَعْناهُ: الظُّهورُ والغَلَبَةُ.
وأحيانًا لا تَتَعَّدَى بـ (من) ولا بـ (على) فتَشْمَلُ المعْنَيْينِ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وأمثلتُها كَثِيرة.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٧]، الظاهر أنه يَشْمَلُ الأنواعَ الثلاثةَ إن تَنْصُروا اللَّه يعنِي: تَمنَعُوا دِينَهُ مِنَ الاعتداءِ عليه، وكذلك تَنْصُروه بمحاولةِ إعلاءِ
стр. 144
هذا الدِّينِ، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ هذا المنع، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، هذا الظُّهورُ.
فالحاصلُ: أن مادة (نَصَرَ) لها ثلاثةُ استعمالاتٍ: تارَّة تتَعَدَّى بـ (من) وتارَّة تَتَعَّدَى بـ (على) وتارة تأْتِي مُطْلَقَةً، فقولُه : ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ هنا تَعَدَّتْ بـ (على) فيكونُ معنَاها الظُّهُورُ والغَلَبَةُ، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ بتَحْقِيقِ قَولِي فِي إنْزالِ العَذَابِ ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾].
وقوله: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ذَكَرَ حالَ المَدْعُوِّ عليهم من باب التَّوَسُّلِ؛ لأن كلَّ وصْفٍ يسْتَوْجب الإجابة فإنه يُعتَبَرُ وسيلَةً، وقد ذَكَرْنا فيما سبَقَ أن التَّوَسُّلَ إلى اللَّه أنواعٌ، منها التَّوَسُّلُ بذِكْرِ حالِ الدَّاعِي كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وهنا التَّوَسُّلُ بحالِ المَدْعُوِّ عليهم.
وقولُهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ لأن إفْسادَهُم يقْتَضِي إهلاكَهُمْ وذُلَّهم والغَلَبَة والظُّهورَ عليهم.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ أَيْ: العَاصِينَ بإِتْيانِ الرِّجالِ، فاستَجَابَ دُعاءَهُ]: وهذا تَفْسِيرٌ للشَّيْءِ بسَبَبهِ؛ لأن المعصِيَةَ سببُ الفسادِ، قال اللَّه تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، ولا شكَّ أن فِعْلَ قومِ لُوطٍ مِنْ أعظمِ الفَسادِ في الأرْضِ.
стр. 145
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: جوازُ الدُّعاءِ على القَومِ إذا أَيِسَ مِنْ صَلاحِهِمْ وتَمرَّدُوا تمَرُّدًا بالِغًا، ولهذا لما قالَ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾، وتحَدُّوه قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾، وأيضًا نُوح ﵇ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، والنَّبِيُّ ﷺ قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ" (١)، ولكنَّ الرَّسولَ ﷺ قيَّدَ ذلِكَ؛ لأن سِنِي يوسُفَ سبعُ سنواتٍ مع أن قولَهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ليس بظاهِرٍ في الدُّعاءِ عليهم، لكن لو تأَمَّلْنا الآية وجَدْنَا أنه يقْصِدُ النصرَ عليهم بما تَحَدُّوه به وهو قولُهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وإلا فمُجَرَّدُ قولِهِ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ لا يَدُلُّ على أنَّه دَعا علَيْهِمْ، لكن لما قالُوا لَهُ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، دَعَا اللَّهُ أن ينْصُرَهُ عليهم بأن يُظهر صِدْقَه فيما تَوعَّدهُمْ به.
الفَائِدةُ الثَّانِية: ضرورةُ الإنسان إلى ربِّهِ جَلَّ وَعَلَا مهما عَلَتْ مَنْزِلتَهُ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: إثباتُ ما يستَلْزِمَهُ الدعاء، ودُعاءُ اللَّهِ يستَلْزِمُ أُمورًا، منها: إثباتُ العِلْم للَّه جَلَّ وَعَلَا؛ لأنَّ مَنْ لا يعْلَمُ لا يُدْعَى ولا يستطيعُ أن يأْتِيَ بما دُعِيَ.
وكذلك يستلزمُ الدعاءُ إثباتَ السَّمعِ للَّه جَلَّ وَعَلَا، ويستَلْزِمُ أيضًا إثباتُ القُدْرةِ لأن من لا يَقدر لا يُدْعَى، ولو أنك رأيت شخصًا زَمِنًا أو أَشَلَّ فإنه لا يُمْكِنُ أن تُطلَبَ منه أن يُساعِدَك في حَمْلِ شيءٍ مَثَلًا.
стр. 146
والدعاءُ يَستَلزِمُ الرَّحمةَ أيضًا؛ لأن مَنْ لا يَرْحم لا يُدْعَى بل يُخْشَى منه، ويستلْزِمُ كذلك الكرَمَ لأن مَنْ ليس بكريمٍ لا يؤمَّلُ فلا يُدْعى.
وإجابة الدُّعاءِ لا تستَلْزِمُ البصرَ؛ لأنك لو دَعَوْتَ أعْمَى أن يساعِدَكَ ساعدَكَ، لكن لو دَعَوْتَهُ لِيقَرَأَ لك كِتَابًا لم يُجِبْ، فالبَصَرُ ليس مِنْ لازمِ إجابَةِ الدُّعاءِ فقد تكون الإجابَةُ بدُونِ بصَرٍ، وكَذَلِكَ لا تَسْتَلْزِمُ إجابَةَ الدُّعاءِ القُرْبُ؛ صحيحٌ أن اللَّه ذَكَر أنه إذا دُعِيَ فهو قَريبٌ، ولولا أن اللَّه أخبْرَنَا بأنه قَرِيبٌ ما أثْبَتْنَا قُربَهُ بمجرَّدِ أنه يُدْعَى، فالقُرْبُ ليس مِنْ لازمِ إجابَةِ الدُّعاءِ.
وكذلك القوةُ ليست مِنْ لازِمِ إجابَةِ الدُّعاءِ؛ لأن القُوَّة تكونُ في مقابَلَةِ الخَصْمِ، ومُرادُنَا ما يستَلْزِمُهُ الدُّعاءُ مُطْلقًا.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن اللِّواطَ مِنَ الإفسادِ في الأرْضِ، لقولِهِ : ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: ظهورُ التبَرُّؤ منهم؛ لأنَّ لُوطًا ﵇ تَبَرَّأَ منهم، تؤخَذُ من قَولِهِ: ﴿عَلَى الْقَوْمِ﴾ ولم يقُلْ: (على قَوْمِي) مع أنه قالَ في الآياتِ السابِقَةِ: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ فأضافَهُمْ إليه، لكنَّ لُوطًا ﵇ يُضِيفُهُمْ إلى نَفْسِهِ، وهذا ظاهرٌ في التَبرُّؤِ منهم.
الفَائِدَة السَّادسَة: ينْبَغِي للدِّاعِي أن يبدأ بـ (باسم اللَّه) ويَحْذِفَ ياء النداء، ويجوزُ أن يقولَ: (يا رب)، بإثباتِ الياء كَمَا قال النَّبِيُّ ﵊: "يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ" (١).
стр. 147
الآية (٣١)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١].
* * *
قوله: ﴿وَلَمَّا﴾ (لما) هُنَا مِنْ أدواتِ الشَّرطِ غيرِ الجازِمَةِ؛ لأن (لما) لا تَجْزمُ إلا إذا كانتْ نافِية، أما إذا كانتْ شَرْطية فإنها لا تَجْزِمُ وتكون مثل (إذا) و (لو) أي: مِنْ أدواتِ الشرطِ غيرِ الجازِمَةِ.
مثال (لمَّا) النافية قوله : ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨]، أي: لم يَذُوقُوا العذابَ لكنه قَرِيبٌ منهم؛ لأنها تنْفي لكن تَدُلُّ على تَوَقُّعِهِ، وهذا مِنَ الفُروقِ بينها وبين (لم).
وجوابُ الشَّرْطِ قولُهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ﴾.
قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ (الباء) هنا للمصَاحَبَةِ أي: مصْطَحِبِينَ للبُشْرَى، والبُشْرَى بمَعْنَى البِشَارَةِ، والبِشَارَةُ هي الإخبارُ بما يَسُرُّ، وقد تُطْلَقُ على الإخبارِ بما يَسُوءُ مثل قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤]، واستعمالها فيما يَسُوءُ قيل: إنه من بابِ التَهَكُّمِ بالمبَشَّرِ، ولكنَّه ضَعِيفٌ.
ووجه كونِهِ بشَارَةٌ: لأنه يؤثِّرُ على بَشْرَةِ المخاطَبِ به كما يؤثِّرُ الخبرُ السَّارُّ.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿بِالْبُشْرَى﴾ بإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ بَعْدَهُ]: والدَّليلُ على
стр. 148
أن المرادَ بالبُشْرى خصوصُ هذه المسألَةِ قوله : ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، وعلى هذا فلا نَقولُ: إنَّ المرادَ بالبُشْرى هنا البُشْرى بالولَدَيْنِ وبالعِقابِ؛ لأن ظاهِرَ الآية أن العِقابَ مما بُشِّرَ به إبراهيمُ، وأيضًا لأن (ال) في قولِهِ: [البُشرى] عَهْدِيَّةٌ، أي: البُشْرَى المعْهُودَةُ.
قوله: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هذه الجُمْلَةُ مؤكِّدَةٌ، و ﴿مُهْلِكُو﴾ خبر (إن) وحُذِفَتِ النون من أجلِ الإضَافَةِ.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: قَرْيَةُ لُوطٍ]: لقولِهِ: ﴿هَذِهِ﴾ فالإشارَةُ للتَّعْيينِ، وكأن القَريةَ قريبةٌ مِنْ إبراهيم ﵊؛ ولهذا أشارَ إليها باسمِ إشارَةٍ للقَريبِ، وهو (هذه).
والقرية تُطْلَقُ على مكانِ القومِ ومساكِنِهم، وتُطْلَقُ على نفسِ القَومِ الساكِنِينَ، وجاءت في القرآن مُرادًا بها هذا وهذا، والذي يُعَيِّنُ أحدَ المعْنَيْينِ السياقُ، مثلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، فالمرادُ بالقريةِ في هذه الآية مكانُ القَرْيَةِ، وأما قولُه تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٨]، فالمرادُ أهلُهَا.
وعلى هذا فيكونُ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ليس فيه مجازٌ بل المرادُ أهْلُها؛ لأن السؤالَ لا يتَوَجَّه إلا إلى عاقلٍ يُدْرِكُ ويُجِيبُ، فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ المراد بالقَرْيَةِ هنا المكان لأنه قالَ: ﴿أَهْلِ﴾.
واعلَمْ أن القريةَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ تَشملُ حتى أكبرَ المدُنِ، فمكَّةُ سمَّاها اللَّه قَريةً، وما هو أعظَمُ من مكَّة سَمَّاهُ اللَّهُ كذلك قَريَةً، قال : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣]، وأما القريةُ
стр. 149
في المفهوم العُرْفيِّ فهي اسم البلد الصَّغِير، ولذلك في عُرفِنَا الآن يقال: المدينة وما يتبعها من القرى.
قوله: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾، أَخْبرُوا وعلَّلُوا، فأخبروا بقولهم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، وعلَّلُوا هذا الإهلاكَ بقولهم: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
قَال المُفَسِّر: [﴿ظَالِمِينَ﴾ كَافِرينَ]: فالظُّلمُ هنا المرادُ به الكُفْرُ، والظُّلْمُ تارةً يُرادُ به الكُفر كما في قوله : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقوله : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وتارةً يُرادُ بالظُّلمِ ما دُونَ الكُفْر كما في قوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، فالآيةُ في سِياقِ صِفَةِ المؤمنينَ المتَّقِينَ، ولهذا يُشْكِلُ على بعضِ الناس إنكارُ شيخِ الإسلامِ وتلميذ ابنِ القيم -رحمهما اللَّه- المجاز في اللُّغة العربية، وقالوا: هذا غيرُ معْقولٍ؛ لأن اللغة العربية مملوءةً بالمجازِ، لكن من تَدَبَّرَ أن الألفاظَ لا يتَحَدَّدُ معناها إلا بالسِّياقِ عَرَفَ وجْه كلامِ شيخِ الإسلام (١).
والناسُ في هذه المسألة على ثلاثَةِ أقوالٍ:
القولُ الأولُ: لا يُوجدُ مجازٌ في اللُّغةِ العربية أبدًا.
القولُ الثاني: يوجدُ مجازٌ في اللُّغةِ العَربيَّةِ لكنْ لا مجازَ في القُرآنِ خاصة.
القولُ الثالثُ: يُوجَدُ مجازٌ في القُرآنِ وفي اللُّغةِ العَربِيَّةِ، حتى إن بعضَ عُلماءِ اللُّغةِ قال: إن كُلَّ اللُّغةِ مجازٌ، فإنك إذا قلت: (قُلتُ قولًا)، فإن قَولًا نُعْرِبُها على
стр. 150
أنها مفْعولٌ به، والمفعولُ به لا بُدَّ أن يكونَ شيئًا يُرى حتى يقَعَ عليه الفِعل، والقولُ لا يرى فيكونُ (قُلتُ قولًا) مجازًا.
ويصْرفونَ الكلام ويقولون: كُلُّه مجازٌ، وليس في اللُّغة العربية شيءٌ حَقِيقِيٌّ -نعوذ باللَّه- هذه مبالغة.
فالصوابُ في هذه المسألة ما اخْتارَهُ شيخُ الإسلامِ ابنِ تيمية ﵀، وأن الكلماتِ ليست لها معنى ذاتِيٍّ خُلِقتْ له، بل لا يتَحَدَّدُ معناها إلَّا بالسِّياقِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن اللَّه أجابَ دُعاءَ لُوطٍ ﵇، لقولِ الرُّسلِ: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: إثباتُ أن مِنَ الملائكةِ رُسلًا، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾، وفي القُرآنِ في سُورَةِ فاطِرٍ: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١].
وهل المرادُ أن كلَّ مَلَكٍ فهو رَسولٌ أو أن منهم رسلًا؟
الظاهرُ الثَّاني؛ لأن مِنَ الملائكَةِ من هو قائمٌ راكِعٌ للَّهِ ساجِدٌ، ومنهم من يُرسِلُهُم اللَّه.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن الرَّسولَ يُطلَقُ على البشَرِ والمَلَكِ، بخلافِ النَّبِيِّ فإنه لا يُطلقُ إلا على البَشَرِ، فيكونُ الرَّسولُ أعَمُّ من حيثُ متَعَلَّقِهِ، يعني يكون للبشَرِ والملائِكَةِ، وفي القرآن الكريم قال اللَّه : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠]، وفي الآية الثانية قال : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤١]، فالرَّسُولُ في الآيةِ الأُولَى في سُورَةِ التَّكوير
стр. 151
جِبريلُ، والثاني محمَّدٌ ﷺ .
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن مِنْ طَبِيعَةِ البَشَرِ الفَرحَ بالولدِ، لقوله تعالى: ﴿بِالْبُشْرَى﴾.
الفَائِدةُ الخامِسة: أن الفرحَ بالولَدِ لا يُنافِي كمالَ المرتَبَةِ، فإبراهيم ﵊ من الكُمَّلِ مِنَ الرُّسُلِ، ومع ذلك استبشر بالأولاد وفرح بهم، فلا يقال: الفرحُ بالأولادِ ينَافي الكَمالَ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: إثباتُ أن الملائكةَ أجسامٌ وليسوا أرْواحًا أو عُقولًا كلما ادَّعاهُ بعضهم، كيف نقول: إنهم أرواحٌ ومعانٍ وعُقول، وهم لهم أجنِحَةٌ ويأتون ويَذهَبُونَ ويتكَلَّمونَ، فجِبريلُ ﵇ رآه النَّبِيُّ ﵊ وله سِتُّمِئة جناحٍ قد سَدَّ الأُفُقَ (١)، لكن هذه الأجسام ليست كأجسام بَنِي آدمَ؛ فإن فيها من الخِفَّةِ والقُوَّةِ ما ليس لبَنِي آدم، واللَّه قد يجعْلُهُمْ على صُورةٍ غير الصورةِ الأصلية، مثلُ مَجيء جبريلَ بصورة دِحْيَةَ الكَلْبيِّ (٢)، وبصورةِ رجل شديدِ بياضِ الثِّياب شَديدِ سوادِ الشَّعَرِ (٣). . إلخ.
وكذلك الجنَّ قال بعضُ الناس -أعنِّي الذين يُقِرُّون بهم؛ لأن هناك من الناس من أنكرَ الجن، وإنكار الجِنِّ كُفر بلا ريب- قالوا: إنهم أرواحٌ وليسوا أجسامًا،
стр. 152
وهذا أيضًا خطأ، والصحيحُ المتَعَيَّنُ أنهم أجسامٌ؛ لأنهم يأكلون كما ثبت في الحديث: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا" (١).
الفَائِدةُ السَّابِعة: أنَّ إبراهيمَ ﵊ أعظمُ منزلِةً مِن لُوطٍ، ولهذا جاءتِ الملائكِةُ إليه وأخْبَرُوه بأنهم مُهْلِكُو أهلِ هذا القريةِ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن الهلاكَ في الأصلِ إذا جاء يَشْمَلُ الصَّالِحَ وغير الصَّالحِ، لقوله: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾، فلولا أنه يَشْملُ الجميعَ ما نَبَّهَهُم على هذا، بل إن اللَّه ذَكَرَ ما يَدُلُّ على ذلك صَرِيحًا، قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٣ - ٩٤].
الفَائِدةُ التَّاسِعة: أن الملائكِةَ -عليهم الصلاة والسلام- لما أخْبَرُوا بأنهم سيُهْلِكون هذه القريةَ بيَّنُوا السببَ مِنْ أجلِ أن يطْمَئِنَّ إبراهيم ﵊، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
الفَائِدةُ الْعاشِرَةُ: جوازُ إضافَةِ الحُكم إلى سَببِهِ، لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾؛ لأن الذي يُهْلِكُهم حقيقةً هو اللَّه جَلَّا وَعَلَا كما قال : ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥]، ولا بُدَّ عند إضافَةِ الشيءِ إلى سبَبِهِ أن يكونَ مَعْلومًا شَرعًا وحِسًّا.
* * *
стр. 153
الآية (٣٢)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢]
* * *
قوله: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ ﴿لُوطًا﴾ منصوبة؛ لأنها اسمُ ﴿إِنَّ﴾ مُؤَخَّرٌ.
قَال المُفَسِّر: [﴿قَالَ﴾ إبراهِيمُ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا﴾ أي: الرُّسُلُ ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾]: ﴿أَعْلَمُ﴾ ظاهِرُهَا أنها اسمُ تفْضِيلِ والمفَضَّلُ عليه (إبراهيم).
وجه ذلك: أن هذا التَّعْبيرَ يخاطَبُ به من يُرادُ إعلامُهُ عند المتكلم كما قال الرسول ﵊: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ" (١). فإبراهيم ﵊ قالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فقولُ الرَّسولِ ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ"، فـ (أحَقُّ) اسمُ تَفْضِيلٍ.
لكن باعتبارِ المفَضَّلِ والمفَضَّلِ عليه هل يُوجَدُ منهما شَكٌّ؟
الجواب: لا، فالمعنى أنه لو كانَ عندَ إبراهيمَ ﵇ شَكٌّ لكُنَّا أولى منه، فكما أننا لا نشُكُّ فإبراهيم لا يشك.
стр. 154
وقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ معناها: كما أنكَ أنتَ عالمٌ فنَحْنُ عنْدنَا عِلْمٌ بذلك.
وقولُه: ﴿أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ يَشْمَلُ لوطًا وغيرَه؛ لأن (مَنْ) اسم موصولٌ يُفيدُ العُمومَ.
لو قال قائل: لماذا لا نجَعَلُ أفعلَ التَّفضيلِ على بابِه وتَكونُ الملائكة أعلمُ مِن إبراهيمَ؟
فالجواب: إذا قُلْنا باعتبارِ عِلْمِ الملائكةِ بالمجموع -أي: بلُوطٍ وقومِهِ- فلا مانِعَ من أن تكونَ الملائكِةُ أعلمُ مِن إبراهيمَ؛ لأننا لا نَجْزِمُ أن إبراهيم يعلَمُ كلَّ مَنْ فيها، وإذا قلنا باعتِبَارِ ما وقَعَ عنه الاعتراض، وهو قوله: ﴿إنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ فليست على بَابِها، بل المعنى: نحن عالمون كما أنتَ عالمٌ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَنُنَجِّيَنَهُ﴾ بالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ]: قراءتان سَبْعِيَّتَانِ (١)، (نُنَجِّي) من المضَعَّفِ (نَجَّى)، و (نُنْجِي) من المزيدِ بالهَمْزةِ (أَنْجَى)، وكلاهما صحيح، والمعنى واحد، والنَّجاةُ معناها الإنقاذُ مِنَ الهلاكِ.
قوله: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ العطفُ هُنا على الضَّمِير.
الجملةُ في قولِهِ: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ مؤكدَّةٌ بثلاثَةِ مؤكِّدَاتٍ، وهي: القَسمُ المقَدَّرُ، واللامُ، ونُونُ التَّوكيدِ.
قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ مستَثْنَى من قولِهِ: ﴿وَأَهْلَهُ﴾، والمرادُ بالمرأةِ هُنَا الزَّوجَةُ.
قوله ﵀: [﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ البَاقِينَ فِي العَذَابِ]: ﴿كَانَتْ﴾ هل نَقُولُ: إن (كان) فِعل ماضٍ مسلوبُ الزَّمَنِيَّةَ كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ
стр. 155
غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]، وقولُهُ: ﴿وَكاَنَ اللَّهُ سَمِيْعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، فـ (كان) في مثل هذه الآياتِ مَسلُوبَةُ الزَّمَنِ، والمراد اتِّصافُ اسمهَا بخَبرِهَا، أو نقول: دالَّة على الزَّمَنِيَّةِ؟
الجواب: كلاهما محتَمَلٌ، فإن شئتَ فقل: كانت في عِلْمِ اللَّه مِن الغابِرِينَ، وإن شئت فقل: كانت، أي: اتَّصَفتْ بكونها مِنَ الغَابِرينَ، أي: الباقِينَ في العذاب، يعني: ليست بناجية.
لو قال قائل: ما الفرقُ بين أن نقول: زوجة فلانٍ أو امرأةُ فُلانٍ؟
الجواب: لا فَرْقَ، وأما من قال: إنَّنا نُعَبِّرُ بالمرأة بدلًا عن الزَّوجَةِ إذا كانت مُسلِمَةً وزوجها كافِرٌ أو بالعكس، كما في قوله : ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، نقول: هذه القاعدة تُنتَقَضُ بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، فأُطْلِقَتْ على الزوجةِ مع اتِّفاقِ الدِّينِ ودائمًا الإنسان يَبْدُو له أن الشَّيءَ مُطَّرِدٌ ويَغيبُ عنه أنه قد يُنْتَقَضُ، فلذا يجِبُ على الإنسان أن يحترِزَ بقولِهِ: [غالبًا]؛ لأجل إذا نُقِضَ كلامُه لا يكون في تعْبِيرِهِ خَللٌ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: رأفَةُ إبراهيمَ ﵊ وحِلْمُه، لقولِهِ: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ وكأَنَّهُ ﵇ يريدُ ألَّا تَهْلِكَ هذه القريةُ لوجودِ هذا الرَّجُلِ الصَّالحِ، هذا احتمال.
واحتمال آخر: هو أنه أوْرَدَ هذا الإيرادَ ليَنْظُرَ ماذا ستكون عليه حَالُ لُوطٍ.
والاحتمال الثاني أرْجَحُ، والمعنى: ماذا تفعلون بهذا الرجل، ويُؤَيِّدُهُ قوله تعالى: قالُوا ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾.
стр. 156
وأما قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، فإنه يُؤَيِّدُ الاحتمالَ الأوَّلَ، ولا يمْنَعُ أن يكونَ إبراهيم ﵇ قال ذَلِكَ للغَرَضينِ، وعلى كِلا الاحتمالين فَفِيهِ دَليلٌ على رَأْفَتِهِ ﵇، وهذا مَشْهُورٌ عنه حتى قال ﵊: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦].
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ القولِ والعِلْمِ للملائكَةِ مما يَدُلُّ على أنهم ذَوُو عقولٍ، وذَوُو نُطْقٍ خلافًا لمن قال: إنهم لا عقولَ لهم، وهذا مِنْ أغربِ ما يكون، أن يكونَ هؤلاء الملائكةُ الذين يُسَبِّحونَ الليلَ والنَّهارَ لا يَفْتَرُونَ، والذين وَصَفَهُم اللَّه تعالى بأنهم عبادٌ مُكْرمُونَ؛ أن يكونوا لا عقولَ لهم، فمن له عقلٌ بعد ذلك؟ ! وخلافًا أيضًا لمن قال: إنهم أرواحٌ لَيْسُوا أجسَادًا، وقد تقدم.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: جوازُ إضافَةِ الشيءِ إلى سبَبِهِ، لقولِهِ : ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾، ومعلوم أن الإنجاءَ مِنَ اللَّه، لكن لما كانتِ هؤلاءِ الرُّسُلُ رسلُ اللَّهِ أُضِيفَ إليهم فِعْلُ اللَّه، أي: أن ما قَدَّرَهُ اللَّه هو فِعلُهُمْ، وإضافة الشيء إلى سبَبِهِ له أربعةُ وُجوهٍ:
الوجهُ الأَوَّلُ: أن يُضافَ إلى السببِ الحِسِّيِّ أو الشَّرْعِيِّ بدونِ ذِكرِ اللَّه .
الوجهُ الثَّانِي: أن يُضافَ إلى السَّببِ الحِسِّيِّ أو الشَّرْعِيِّ مع اللَّه بـ (الواو).
الوجه الثالثُ: أن يُضافَ إلى السببِ الحِسيِّ أو الشَّرْعِيِّ معَ اللَّه بـ (ثُم).
الوجهُ الرابع: أن يُضافَ إلى السَببِ الحِسِّي أو الشَّرْعي مع اللَّهِ بـ (الفاء).
فالوجهُ الأول جائزٌ، ومِنَ الأدلة على جوازِه قولُه ﵊ في أبِي طالِبٍ:
стр. 157
"لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ" (١)، والحقيقةُ أن الذي منَعَهُ أن يكونَ في الدَّركِ الأسفلِ مِنَ النار اللَّهُ ، لكنَّ الرسولَ ﵊ سببٌ، ومن الأَدِلَّةِ أيضًا هذه الآية.
والوجهُ الثَّانِي: إذا أُضِيفَ السببُ الحسِّيُّ أو الشَّرعي مع اللَّهِ بالواو فهذا شِرْكٌ، ودَليلُهُ قولُ الرسولِ ﷺ للرجلِ الذي قال له: ما شَاءَ اللَّهُ وشئتَ، قال: "أَجَعَلْتَنِي للَّه نِدًّا، قُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ" (٢)؛ ولأن التَّعليلَ يقتَضِي أن يجعلَ هذا السببَ مُسَاوِيًا للَّه ، هذا حُكْمُهُ لا يجوز، وقد يكون شِرْكًا أكبرَ أو أصغر بحسْبِ ما قام في قَلْبِ هذا المشْرِكِ، إنما هو شركٌ على كُلِّ حالٍ.
الوجهُ الثالثُ: إذا أُضيفَ السَّببُ معَ اللَّه بـ (ثُم)، فهذا جائزٌ ودَلِيلُهُ حديثُ قُتَيلَةَ وفيه: "فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: ورَبِّ الكَعْبَةِ، ويَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ" (٣)، وكذلك حديثُ ابنِ عباس ﵄ وهو مَشْهُورٌ (٤)، والتعليل أن (ثُم) تَدُلُّ على التَّرييبِ بمُهْلَةٍ.
стр. 158
الوجهُ الرَّابعُ: إذا أُضِيفَ السَّببُ مع اللَّهِ بـ (الفاء) فمن حيثُ إنها للتَّعْقِيبِ تكونُ جائزةً، ومن حيثُ إنها مباشَرَةٌ تكون غيرَ جائزةٍ، والأَوْلى للإنسانِ تَركُها.
الفَائِدتانِ الرَّابعةُ والخامِسَةُ: أن الزوجَةَ داخِلَةٌ في الأهلِ، لقولِ الملائكة: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، ثم استَثْنَوْا مِنْ ذلكَ امرأتَهُ.
لو قالَ قائلٌ: هذا الاستثناءُ مُنْقَطِعٌ فلا دَلالَةَ فِيهِ؛ لأن الاستثناءَ المنْقَطِعَ أن يكونَ المسْتَثْنَى من غيرِ جِنسِ المستَثْنَى منه، فتكونُ امرأتهُ ليست مِن الأهلِ؟
فالجواب: إن الأصلَ في الاستِثْناءِ الاتصالُ؛ لأنه لَولا أنه مِنَ المسْتَثْنَى ما احتِيجَ إلى إخْراجِهِ. وينْبَنِي على هذا الفَائِدةِ أن أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ من أهلِ بَيْتِهِ ولا شَكَّ، خِلافًا للرَّافِضَةِ الذين يُخْرجُونَ زوجاتِهِ مِنْ أهلِ بيتِهِ، وفي القرآنِ ما يدُلُّ على ذلك صَرِيحًا، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
الفَائِدةُ السَّادسَةُ: أن الاتصالَ بالصالِحِ لا يستلِزْمُ أن يكون المتَّصِلُ صالحًا وإن كان الاتصالُ بالصالحِ مِن أسبابِ الصَّلاحِ، ولهذا حثَّ النَّبِيُّ ﵊ على الجليسِ الصَّالحِ (١)، لكنه ليس بلازمٍ، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: كانت مِنَ الهالِكِينَ أو الباقِينَ في الهلاكِ مع أنها امرأةُ رَجلٍ صالحٍ
стр. 159
نَبِيٍّ مِنَ الأنبياءِ، فلا تُدِلُّ الزوجة على رَبِّها بصلاحِ زَوجِهَا، وهذه المسألة جاءتْ في سُورةِ التَّحريمِ لأجلِ ألَّا تُدِلَّ زوجات الرسول ﵊ عَلَى اللَّه بكونِهِنَّ زوجات للنَّبِيِّ ﷺ .
لو قال قائل: وردَ حديثٌ أنَّ النَّبِيَّ ﵊ جمع فاطِمَة وعَليًّا والحسنَ والحسين وقال: "اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي؛ فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا"، قالت أم سلمة: وأنا مَعَهُمْ يا نبي اللَّه؟ قال: "أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ، وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ" (١).
فالجواب: نَنْظُر في صحَّةِ الحديثِ لأنَّ الآياتِ صريحةُ المعْنى، وإن ثَبتَ يكون أهلُ بَيتِهِ هم قَرابتُهُ ﷺ .
الفَائِدةُ السَّابِعة: جوازُ القَسمِ بدونِ استِقْسَامٍ، لقولِه تعالى: ﴿لَنُنَجِّيَنَهُ﴾.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: اعتِبارُ القَسَمِ المقُدَّرِ، بمعنى أنه لا يُشتَرَطُ في القَسمِ أن تَنطِقَ به.
فلو قالَ قائل: لأفْعَلَّنَ كذا، يكون مُقْسمًا؛ لأن هذه الجملةَ تكونُ جَوابًا لقَسمٍ مُقَدَّرٍ، ولو قال: لئن أتانِي اللَّهُ مِنْ فَضلِهِ لأَتَصَدَّقَنَّ يكون نذرًا، قال اللَّه : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦]، فجَعَلَ هذا نَذْرًا؛ لأن النَّذْرَ ليس له صِيغةٌ مُعَيَّنَة بل كُلُّ ما دَلَّ على الالتزامِ فهو نَذْرٌ بأَيِّ صِيغَةٍ، وقد يكون نَذْرًا مَقْرونًا بالقَسَمِ فيفيد التَّوكِيدَ.
لو قال قائل: هل وُجودُ الصَّالحينَ سببًا لدَفْعِ العَذابِ؟
стр. 160
فالجواب: وجودُ الصالحينَ قد يكونُ سببًا لدفعِ العَذابِ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
* * *
стр. 161
الآية (٣٣)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]
* * *
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا﴾ تقدَّمَ بيانُها وأنها شَرطيَّةٌ غيرُ جازِمَةٍ.
قوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَتْ﴾ (أنْ) زائدةٌ للتَّوكيدِ، وكل حُرفٍ زائدٍ في القرآن فإنه للتَّوكِيدِ، وغالبًا تكونُ (أَنْ) بعد (لَمَّا) زائدَة، وضابِطُ الحرفِ الزائدِ أنه إذا حُذِفَ استقامَ الكلامُ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ حَزنَ بسَببِهِمْ]: فأفاد أن الباءَ للسَّبَبَيَّةِ، يعني لما تحَقَّق مجَيئهُمْ له سِيئَ بهم وحَزنَ بسبَبِهِمْ، أي: لحِقَهُ السوءُ بسبَبهِمْ وحصلَتْ بهم المسَاءَةُ، و ﴿سِيءَ﴾ هذا فِعل ماضٍ مبْنِيٌّ للمفعولِ مثلُ: قِيل وبِيع، قال ابن مالك ﵀ (١):
وَاكْسِرْ أَوْ اشْمِمْ فَا ثُلَاثِيٍّ أُعِلّ ... عَيْنًا وَضُمٌ جَا كَـ (بُوعَ) فَاحتُمِلْ
وفي بِناءِ هذا الفِعْلِ للمَفعولِ ثلاثةُ أوْجُهٍ في فَائِهِ:
стр. 162
١ - إخلاصُ الكَسرِ لفاءِ الفِعلِ.
٢ - إخلاصُ الضَمِّ لفاءِ الفِعلِ.
٣ - الإشمامُ للفَاءِ.
وقوله تعالى: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ هو جَوابٌ ﴿وَلَمَّا﴾، ونائبُ الفاعِلِ يعودُ إلى لُوطٍ، ونائبُ الفاعلِ هنا الجارُّ والمجرورُ؛ لأن ساءَ في الأصل يكون متعَدِّيًا بنفسه تقول: ساءَنَي هذا الشيءُ، وهنا تَعَدَّى بالجار والمجرور.
قوله تعالى: ﴿ذَرْعًا﴾ إعرابُهُ تَمْييزٌ مُحَوَّلٌ عن الفاعِلِ، والتَّمْيِيزُ يكونُ مُحَوَّلًا عنِ الفاعِلِ وعَنِ المفْعُولِ، مثالُ المحَوَّلِ عَن المفْعُولِ: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]، أصله: فجَّرْنَا عيونَ الأرضِ، ومثالُ المحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ هذه الآيةُ، ومثالُهُ أيضًا أن تقولَ: انشَرِحْ بهم صَدْرًا، أي: صَدرُهُ، هنا ضاق بهم ذَرعًا، أي: ضاقَ ذَرْعُهُ.
وقد فسَّرَ المُفَسِّر الذَّرْعَ بقوله: [ضَاقَ بهِمْ صَدْرًا]: أي: ضاق صَدْرُهُ بهم ولم يَنْشَرِحْ، أي: حَصَلَ له هَمٌّ وغمٌّ بذلك.
وقيل -وهو الصحيح-: إن الذَّرْعَ الطاقَةُ، أي: ضَاقَ بهم طاقَةً، فصار غيرُ محتمل لهم، وهذا مِنْ معناه في اللُّغةِ العربيةِ، وسمِّيَتْ الطاقَةُ ذَرْعًا مِنَ الذِّرَاعِ؛ لأن الذِّرَاعَ محل الحِمْلِ، والطاقَةُ هي التي يستطيعُ المرءُ أن يحمِلَ بها الشيءَ أو لا يحْمِلَهُ.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ لأنَّهُم حِسانُ الوُجُوهِ في صُورَةِ أضْيَافٍ فخَافَ علَيهِمْ قَومَهُ، فأَعْلَمُوهُ أنَّهُمْ رُسُلٌ]: فهو ضاقَ بهم خوفًا عليهم من قَومِه لأن قومَه أهلُ خُبْثٍ، كما قال اللَّه : ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء: ٧٤]، فلما سَمِعُوا بذلك كما ذَكَر اللَّهُ في آياتٍ أُخْرى
стр. 163
جاءَهُ قومُه يُهْرعُونَ إليه، يعني: مُسْرِعينَ -والعياذ باللَّه- يُريدونَ هؤلاءِ الأضيافَ، وهذا مِنْ فِتْنَةِ اللَّهِ للعبدِ أن يجعلَ الأُمورَ المحرَّمَةَ عليه في صورةٍ تَهْواهَا نفسه، ليَعْلَمَ اللَّهُ من يخافُهُ بالغَيْبِ.
فهم -والعياذ باللَّه- لما جاءوا إلى لُوطٍ ﵇ يُرِيدُونهم قال لهم: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨]، فقالَ له الرُّسُلُ: ﴿لَا تَخَف وَلَا تَحْزَنْ﴾.
الخوفُ مِمَّا يُتَوَقَّعُ حُدوثَهُ في المستقبلِ، والحُزنِ مما وقَعَ في الماضِي، وقد يقعُ الحُزن لما يتَوَقَّعُ في المستقبلِ، ومثالُهُ قولُ النَّبِيِّ ﵊ لأبي بكرٍ ﵁: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فقولُهُ: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ بمَعْنَى: لا تَخَفْ، ويُحْتَمَلُ أن تكونَ على بابها، أي: لا تحْزنْ مما حَصَلَ من خُروجِنَا ودُخُولِنَا إلى الغَارِ واخْتِبَائِنَا.
قوله : ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، مَا حصَلَ لِلُوطٍ من كونِهِ سِيء بهم وضاقَ بهِمْ ذَرْعًا.
وهل السَّببُ الخوفُ عليهم مِنْ قومِهِ، أو السببُ أنه خافَ أن يُعُمَّه الهلاكُ؟
الجواب: لا مانِعَ من أن يكونَ خافَ عليهِمْ وخافَ أيضًا على نَفْسِهِ أن يَعُمَّهُ العذابُ؛ لأن العذابَ إذا نَزَلَ يَعُمُّ إلا مَنْ أنْجَاهُ اللَّه، قال : ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٣ - ٩٤]، فكُلُّ إنسانٍ مُعَرَّضٌ لأن يشْمَلَهُ العذاب، فالجملةُ إما استئنافِيَّةٌ أو تَعْلِيلية، وإن كانت تحتاجُ إلى تَأَمُّلٍ.
стр. 164
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ بالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ]: قراءتانِ، "مُنْجُوك" من الفِعلِ الماضِي (أنْجى)، و ﴿مُنَجُّوكَ﴾ بالتَّشْدِيدِ من الفعل (نَجَّى) (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾، (أهلكَ) بالنَّصْبِ عطفًا عَلَى الضَّمِيرِ مِنْ ﴿مُنَجُّوكَ﴾.
وهنا إشكالٌ: الضَّمِيرُ في ﴿مُنَجُّوكَ﴾ محله الجَرُّ بالإضافَةِ، وهنا جاءت (أهل) منصوبة، فما وجهُ النَّصْبِ؟
والجواب: لأن اسمَ الفاعِلِ تارَّةً يعملُ عمَلَ الفِعْلِ وتارَةً يُضَافُ، ولذَا قال المُفَسِّر ﵀: [وَنَصْبُ (أهلك) عَطْفٌ عَلَى مَحَلِّ الكَافِ]، قال ابنُ مالكٍ ﵀ (٢):
وَاجْرُرْ أَوِ انْصِبْ تَاجَ الَّذِي انْخَفَضْ ... كَمُبْتَغِي جَاهٍ وَمَالًا مَنْ نَهَضْ
ويجوزُ: كمُبْتَغِي جَاهٍ ومَالٍ مِن نهض.
ويجوز أن تكونَ الواوُ في قولِهِ : ﴿وَأَهْلَكَ﴾ للمَعِيَّةِ، وقد قالَ ابنُ مالكٍ ﵀ (٣):
يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولًا مَعَهْ ... فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: إطلاقُ الرُّسلِ على الملائكةِ لقولِهِ: ﴿رُسُلُنَا﴾، وتقدمت الأَدِلَّةُ على ذلكَ.
стр. 165
الفَائِدةُ الثَّانِية: تشريفُ هؤلاءِ الرُّسُلِ لإضافَتهِمْ إلى اللَّهِ ، فإن الشيء يَشْرُفُ بشَرَفِ ما يُضافُ إليه.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: الأنبياءُ كغَيرهِمْ مِنَ البَشر يَلحَقُهم المساءَةُ والأحزانُ والسُّرورُ، لقولِهِ : ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ فالعَوارِضُ البَشَرِيَّةُ لا تُنَافي كَمالَ الرِّسَالاتِ، ولهذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ" (١)، وكذلك يَعْتَرِي الأنبياءُ البردَ والحرَّ والجوعَ والعَطَشَ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: شدة احتِرَازِ لُوطٍ ﵊ مِنْ قومِهِ؛ لأنه إنما سِيءَ بهِمْ وضاقَ بهم ذَرْعًا، أي: خَوفًا عليهم من قَومِهِ؛ لأنهم جاءوا بصُورةِ شبابٍ ذَوي جَمالٍ وحُسْنٍ، فتنةً من اللَّه .
الفَائِدةُ الخامِسة: الاستدلالُ على الأحوالِ بالملامِحِ، لقولهِمْ: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾، ولأنهم رَأَوا مِنَ العلاماتِ الظاهِرَةِ على مَلامحِهِ ما يَدُلُّ على خوفِهِ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: وهي مَبْنِيَّةٌ على الفَائِدةُ السابِقَةِ: العَمَلُ بالقَرائنِ، والعملُ بالقَرائنِ ثابِتٌ في القُرآنِ، ودَلِيلُه مِنْ قِصَّةِ يوسف ﵊ في قول اللَّه : ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧]، هذه قَرِينَةٌ، وأيضًا في قصَّة سُليمانَ ﵇ في المرْأَتَينِ اللَّتَيْنِ تنازَعَتَا الغُلامَ، فدَعَا ﵇ بالسِّكِّينِ ليَشُقَّهُ نِصْفَينِ فوافقَتِ الكُبْرَى لأن ولَدَها أكلَهُ الذئبُ، فأرادتْ هلاكَهُ، وأما الصغيرةُ فقالت: يا نبي اللَّه هو لها، أدْرَكَهَا الحنانُ،
стр. 166
فعلم بهذه القَرينَةِ أنه للصُّغْرَى (١).
وأيضًا في شَرِيعَتِنَا شَريعَةِ النَّبِيِّ ﵊ في قِصَّة ذَهبِ حُيَيِّ بنِ أخطبَ لما سألَ عن مالِهِ أين هو؟ فقالوا: يا مُحَمَّدُ أذهْبَتْه الحروبُ والسُّنُونُ، فقال: "المَالُ كَثِيرٌ وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ"، ثم دفع الرجلُ إلى الزُّبَيرِ بنِ العوَّامِ، قيل: فَمسَّهُ بِعذابٍ، فلما أحسَّ بالعذاب قال: انتظر، إني أَرَى حُيَيِّ بن أخطبَ يدورُ حول هذه الخَرِبَةِ فلعله دَفنَهُ فيها، فوجودُه فِيهَا (٢)، فهذا من العَملِ بالقَرائنِ.
الفَائِدةُ السَّابِعة: أنه ينْبَغِي طمأنَةُ الخائفِ ليزُولَ عنه الخوفُ، لقوله : ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾، ومن هذا ما يُسْتَعْمَلُ في الطِّبِّ الآن، فإن الطبيبَ يقولُ للمريضِ: هذا أمرٌ سَهْلٌ وهَيِّنٌ -يطمئنه- لأجل أن ينْشَرِحَ صَدرُهُ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: إزالَةُ المؤْذِي قبلَ حُصُولِ السَّار لقوله: ﴿إِنَا مُنَجُّوكَ﴾ فبدؤوا بنفي الخَوفِ والحزنِ ثم أعْقَبوهُ بالبِشارةِ؛ ولهذا من الكلماتِ المشهورة عند أهل العِلْمِ يقولونَ: (التَّخْلِيَةُ قبلَ التَّحْلِيَةِ)، يعني: جَرِّدِ الشَّيءَ مِمَّا يَشُوبُهُ من النَّقْصِ ثم بعد ذلك كمِّلْهُ بالتحْلِيَةِ، ومن كلمة الإخلاص: (لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ) النَّفْي أسبَقُ مِنَ الإثباتِ.
الفَائِدةُ التَّاسعةُ: أن الاتِّصَالَ بالصَّالحِ لا يَلزمُ منه الصَّلاحُ، وقد تقدم نحوه.
стр. 167
(الآية: ٣٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٤]
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾ بالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ]: أي: "مُنَزِّلُوْنَ"، و (مُنْزِلون) (١).
قوله ﵀: [﴿مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾ عَذَابًا]: والرِّجْزُ غيرُ الرجْسِ، الرَّجْزُ بالزَّاي: هو العَذابُ، والرِّجْسُ النَّجَسُ.
قوله: ﴿مِنَ السَّمَاَءِ﴾، هل المرادُ بالسماءِ السَّقْفُ المحفوظُ أو العُلُوُّ؟
قد يُرادُ هنا المعنَيانِ؛ لأن استعمالاتَ السماءِ للسَّقْف المحفوظِ كثيرةٌ، وكذلك السماء بمعنَى العُلُوِّ كثيرٌ، وسواء قُلْنَا: إنه السَّقْفُ المحفوظُ وأن هذا العذابَ نَزَلَ مِنَ السماءِ الدُّنَيا، أو قلنا: إن المرادَ به العُلُوُّ؛ على كِلا الحالَينِ العذابُ أتاهُمْ من فَوق، وكونُه يأتِي مِنْ فوقَ أشَدُّ وأبْلَغُ؛ لأن ما يأتي مِن فوق يكونُ عاليًا ومحيطًا -والعياذ باللَّه- بخلافِ الذي يأتي من أسفلَ فإنه لا يكونُ كذلِكَ.
قَال المُفَسِّر: [﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ بالفِعْلِ الَّذي ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِه، أي: بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ]: وكلامُ المُفَسِّر ﵀ غريبٌ وفيه شيء مِنَ التَّنَاقُضِ، الباءُ في
стр. 168
قوله: ﴿بِمَا﴾ للسَّبَبِيَّة، و (ما) أعْربَها على أنها اسم موصولٌ ثم قَدَّرَها بالمصَدْرِ، مما يَدُلُّ على أنه جعَلَهَا مصدَرِيَّةٌ وهذا من الغرائبِ.
فعلى التَّقديرِ الأوَّلِ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بالفِعْلِ الذي كانُوا يَفْسُقونَ بِهِ] فتكونُ (ما) اسمًا موصولًا صِفَةً لموصوفٍ محذُوفٍ تقدِيرُه: بالفعلِ، والاسمُ الموصولُ يحتاجُ إلى جملةٍ تكون صِلَةً، ويحتاجُ إلى عائدٍ يربِطُ الجملة بِهِ، أعنْي: جملةَ الصِّلَةِ، وهي قولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، والعائدُ قدَّرَهُ بقولِهِ: بِهِ.
وهذا خلافُ المشهور عندَ النَّحْوِيِّينَ من أنه إذا كانَ العائدُ مجرورًا، فلا بُدَّ أن يكونَ مُوافِقًا لاسم الموصول في نَوعِ العاملِ وفي نَوعِ حرفِ الجرِّ.
والشاهدُ من كَلامِ ابنِ مالكٍ ﵀ في اشتِراطِ هذا الشيء قوله (١):
كَذَا الَّذِي جُرَّ بِمَا المَوْصُولَ جُرّ ... كَـ (مُرَّ بِالَّذِي مَرَرْتُ فَهْوَ بَرّ)
فقال: كَـ (مُرَّ بِالَّذِي مَرَرْتُ فَهْوَ بَرٌّ)، وهنا اختلفَ العامِلُ، فالصحيحُ أن (ما) هنا مَصْدَرِيَّةٌ، أي: بكونِهم يَفْسُقونَ فهي مَصْدَرِيَّةٌ وليست موصولةً.
وقوله: ﴿يَفسُقُونَ﴾ الفِسْقُ في الأصل: هو الخُروجُ عن الطَّاعَةِ، ومِنْهُ قولهم: (فَسَقَتِ الثَّمرةُ) إذا خَرجتْ مِنْ قِشْرِهَا.
وينقَسِمُ الفِسْقُ إلى قِسمَيْنِ:
* فسقٌ أكْبَرُ مخرِجٌ عَنِ المِلَّةِ.
* وفِسقٌ أصغَرُ لا يُخرِج عَنِ المِلَّةِ.
стр. 169
والمصطَلَحُ عليه عندَ أهلِ العِلمِ الثانِي، فإذا أطلْقُوا الفِسْقَ فإنما يُريدُونَ به ما لا يُخرِج من المِلَّةِ، لكنه في القرآن ينقسم إلى هذين القِسمَيْنِ؛ وهو بقِسْمَيْه مخرِجٌ من العَدالَةِ، فالفاسِقُ ليسَ بعَدْلٍ.
والشاهدُ من القُرْآن للفِسْقِ المخرجِ مِنَ الملَّة قوله : ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]، وكذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠]، في مقابِلِ: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وأما الفِسْقُ الذي لا يُخرِجُ مِنَ الملَّةِ، ففي مثل قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وقوله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وأما سببُ الفِسْقِ -الذي هو الخروجُ عن الطَّاعَةِ- فقد يكون سبُبُه تركَ واجبٍ، كما لو تركَ الإنسانُ صلاةَ الجماعَةِ فإنه يكون فاسِقًا لأن الجماعَةَ واجبةٌ، وقد يكونُ سَبُبُه فِعْلَ محرمٍ كما لو حلَقَ لحيَتَهُ فإن حَلْق اللِّحيةِ مُحَرَّمٌ، إلا أن العلماءَ يقولون في المحرَّمِ إن كان كبيرةً: (فَسَقَ بمُجَرَّدِ فعلها إذا لم يَتُبْ منها)، وإن كانت صغيرة: (لم يَفْسُقْ إلا بالإصرارِ عليها)، فحالِقُ اللِّحْيَةِ لا يَفْسُقُ إذا فعَلَهُ مرَّةً واحدة، لكن إذا أصَرَّ، أي: كُلَّمَا نَبَتَتْ حَلقَها صارَ فاسِقًا، لكن قَصَّ اللَّحيَةِ ليس كحلْقِ اللِّحْيَةِ، لكنه مَعصيةٌ لأن الرسولَ ﷺ قال: "أَعْفُوا اللِّحَى" (١).
لو قال قائلٌ: إن عَذابَ قومِ لُوطٍ ذَكَرَهُ اللَّه في القرآنِ فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، ويُذْكَرُ أن جِبريلَ ﵇
стр. 170
حَمَل هذه القُرَى، ثم قَلَبَها، فكيف الجَمْعُ؟
الجواب: إن صَحَّ عنِ النَّبِيِّ ﵊ أن جبريل حَمَل هذه القُرَى وقَلَبها فلا كلامَ لأَحَدٍ، وإن لم يَصِحَّ فإننا لا نَقُولُ بِهِ (١)؛ لأن هذا خلافُ ظاهِرِ الآياتِ، وأما قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]، وهي قُرى قَومِ لُوطٍ التي صَنَعَتِ الإفكَ والكَذِبَ؛ فلا دَلالَة فيها على مَا سَبَقَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ العُلُوِّ للَّهِ لقولِهِ: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: شِدَّةُ العذابِ إذا كانَ آتِيًا من فَوقَ، لقولِهِ: ﴿مُنْزِلُونَ﴾؛ لأن كونَ العَذابِ يأتِي مِنْ أعْلى فهُو أشَدُّ وأبْلَغُ؛ لأن العذابَ في هذه الحالِ يكونُ عالِيًا ومُحِيطًا.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ الأسبابِ؛ لقولِهِ : ﴿بِمَا كاَنُوا يَفسُقُونَ﴾، فإن الباء للسَّبَبِيَّةِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: أن الفِسْقَ سببٌ للعُقوباتِ، ولهذا جَعَلَ اللَّه المعَاصِي مِنَ الفسادِ في الأرضِ؛ لقولِهِ: ﴿بِمَا كاَنُوا يَفسُقُونَ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: الردُّ على الأشْاعِرَةِ والجَهمِيَّةِ والجَبرَّيةِ، والجبريةُ هم الجهْمِيَّةُ؛
стр. 171
والجهْمِيَّةُ عندهم ثلاثةُ جِيماتٌ، أعاذَنا اللَّهُ من هذه الجيماتِ، والاستِعاذَةُ ليس من كل جِيمٍ لأننا نتعوذُ باللَّهِ مِنَ الشيطانِ الرَّجيم، وهذه الجيمات هي: جيم جَبْرٍ وإرجاءٍ وتَجَهُّمٍ، يقولُ ابن القيم ﵀ (١):
جَبرٌ وإِرْجَاءٌ وَجِيمُ تَجَهُّمٍ ... . . . . . . . . . . . . . . .
فهؤلاء الطوائفُ يقولونَ: لا تُوجدُ أسبابٌ مؤَثِّرَةٌ، حتى إنك إذا رَمَيْتَ بالحجَرِ على الزجاجة فانكْسَرَتْ قالوا: لم يَكْسِرْها الحجَرُ، بل انكْسَرَتْ عنده لا به، وعندما تَضَعُ ورَقَةً في النَّارِ وتحترق يقولون: النارُ لم تَحْرِقْهَا.
ونقول لهم: لو أَتَيْنَا بالحجَرِ ووَضَعْنَاه عندَ الزُّجاجةِ هل تنْكَسِرُ؟ فكلامهُمْ لا يُعْقَلُ، وتصورُهُ كافٍ في رَدِّهِ؛ لكن هم يُرِيدُون أن يتَوَصَّلُوا إلى شيءٍ من وراءِ ذلك وهو: أن الإنسانَ مُجْبرٌ على العمل، فإذا عذَّبَهُ اللَّه تعالى وهو عاصٍ فإن تَعْذِيبَهُ إياه ليس بحُجَّةٍ؛ لأن اللَّه قد يُعَذِّبُ بدونِ سببٍ، والأسبابُ عندهم غيرُ فاعلةٍ، ونحن نوافِقُهُم أنها غيرُ فاعلة بنفسها، بدليلِ أن النَّارَ المُحْرِقَةَ صارتْ على إبراهيم برْدًا وسلامًا، لكن نقول: هي فاعِلَةٌ بتَقْدِيرِ اللَّه الذي جَعلها تَحْرِقُ فأحرَقَتْ.
* * *
стр. 172
الآية (٣٥)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]
* * *
قوله : ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا﴾ الجملةُ مؤَكَّدَةٌ بثلاثَةِ مُؤكِّدَاتٍ، وهي: القَسَمُ، واللامُ، وقَدْ.
قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا﴾، أي: أبْقَيْنَا مِنْها، فالتَّرْكُ هنا بمعنى الإبقاءِ، وهو ظاهرٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، تقول: أخذت كذا وتركتُ كذا، أي: أَبْقَيْتُ.
قوله : ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾ يعني: أبْقَيْنا من هذه القَضِيَّةِ آيةً بَيِّنَةً، ﴿آيَةً﴾ بمعْنَى عَلامَةٍ، و ﴿بَيِّنَةً﴾ بمعنى ظاهِرَة وواضِحَة، قال المُفَسِّر ﵀: [ظَاهِرَةٌ، هِي آثَارُ خَرابِهَا].
وفي سورةِ الصَّافاتِ قال : ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]، فكان العربُ يَمُرُّونَ على هَذِه القُرى ذَاهِبِينَ وعائدينَ إلى الشَّامِ، فيرونَ مِنْ آثارِ العَذابِ ما هو ظِاهِرٌ لكنهم لا يسْتَفْسِرُونَ، ولهذا قال [﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون].
قوله: ﴿لِقَوْمٍ﴾ متَعَلِّقَةٌ بـ ﴿تَرَكْنَا﴾، ويجوز أن تكونَ متَعَلِّقَةً بـ ﴿بَيِّنَةً﴾، فيجوزُ أن يكون المعنى: بيِّنَةً للعَاقلينَ، ويجوزُ أن يكون المعنى تَرْكَنَاهَا للعاقِلِينَ.
стр. 173
وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ تَقَدَّمَ أن العقلَ ينْقَسِمُ إلى قسمين: عَقْلٌ يُرادُ به الإدراكُ، وعَقْلٌ يرادُ به الرُّشْدُ، والعَقْلُ الذي يُرادُ به الإدراكُ هو منَاطُ التَّكلِيفِ، ولذا يقولُ الفقهاء: مِنْ شروطِ هذه العبادة التَّمْيِيزِ والعَقْلِ.
وعقلُ الرُّشْدِ هو مناطُ المدْحِ والذَّمِّ، يعني: الذي يُمْدَحُ عليه الإنسان ويُذَمُّ، وبه يكونُ الإنسانُ حسنَ التصرفِ، بحيثُ يعْقِلُه ما معه مِنَ الإِدْرَاكِ عما يَضُرُّهُ إلى ما يَنْفَعُهُ، وهو المرادُ في هذه الآية: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فالمرادُ بِهِ عَقْلُ الرُّشْد.
وكذلك العَقْلُ الذي يُذْكَرُ في القرآنِ غالبًا ما يرادُ به عَقْل الرُّشد؛ لكن العقلَ الذي ذُكِرَ في كلامِ أهلِ العلم فمُرادُهُم به عقْلُ الإدراكِ.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [يَتَدَبَّرُونَ] في الحقيقة ليسَ تَفْسِيرًا مُطَابقًا لِلَفْظٍ؛ لأن التَّدَبُّرَ سابقٌ على العَقلِ، فالإنسانُ يتَدَبَّرُ أولًا ويعرفُ النافع من الضَّارِّ، ثم يَعْقلُ فيتَّبعُ ما ينْفَعُهُ ويدَعُ ما يَضُره.
قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ مفهومُ الآية أنَّ من لا يَعْقِلون فإنهم لا ينتَفِعُونَ بالآيات ولا يتَّعِظُونَ بها، والآية إذا لم تَنْفَعْ فليست بآية لمن رآهَا وشاهدَهَا وسَمِعَ بها وبَلَغَتْهُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: حِكْمَةُ اللَّهِ بإِبقاءِ آثارِ الآياتِ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أنه لا ينْتَفِعُ بالآيات إلا ذَوُو العُقولِ؛ لقولِهِ: ﴿يَعْقِلُونَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: فائدِةُ العَقْلِ، فإذا أُوتِيَ الإنسانُ عَقْلًا فإن هذا من نِعْمَةِ اللَّه عليه؛ لقولِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فصاحبُ العَقْلِ ينتَفِعُ بالآيات التي تركَهَا اللَّه .
стр. 174
الآية (٣٦ - ٣٧)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦ - ٣٧].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ وَأَرْسَلْنا إلى مَدْيَن]: فعلى هذا يكونُ قولُهُ: ﴿أَخَاهُمْ﴾ مفْعُولًا لفعل محذوفٍ تقْدِيرُهُ: أرْسَلْنا.
قال : ﴿أَخَاهُمْ﴾ ولم يقلْ: أخوهم؛ لأنه اسمٌ من الأسماءِ الخَمْسَةِ -لأهل الآجُرُّوميَّةِ- أو من الأسماء الستة -لأهلِ الألْفِيَّةِ-.
قوله: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ الأخوة هنا ليست في الدِّينِ قَطْعًا؛ لأن الكُفَّارَ ليسوا بإخوةٍ للمُؤمِنِينَ، وقال بعضُ الناس: إن الكافِرَ والمسلمَ أَخوانِ في الإنسانِيَّةِ؛ لأن كُلَّهم بَشَرٌ.
وإذا نَظَرْنا إلى المسألة بعَقْل وبدونِ عاطِفَةٍ عَلِمْنا فسادَ هذا القول؛ لأننا حُدِّثنا أن رَجُلًا من أهلِ الخيرِ تكلم في مسجدٍ مِنَ المساجِدِ يَعِظُ الناس ويقول: هؤلاء إخواننا في الإنسانية يعني: الكُفَّارَ، والجواب عن هذا قولُه في سورة الممتحنة عن إبراهيم: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، فكيف تكونُ الأُخُوَّةُ وقد كفَرَ بهم وبَدَا بينه وبينهم العَداوةُ والبَغْضَاءُ،
стр. 175
وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥]، وأيضًا قال تعالى في سورة البَيِّنَة عنهم: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦].
لو قال قائلٌ: ليس المرادُ الأُخُوَّةُ الإيمانية، إنما المرادُ بالأُخُوَّةِ التي تَتعَلَّقُ بالناحية البشريةِ، يعني: مُطْلَقُ الموافَقَةِ والمشابَهَةِ؟
الجواب: نقول: هذا شُعَيبٌ ﵊ قال اللَّه في هذه الآية: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ وقال في سُورة الشُّعراءِ: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٧]، ولم يقل: أخوهم، قال أهلُ العلمِ: أن أصحابَ مَدْينَ كان شعيبٌ منهم، فهو أخوهم في النَّسَبِ، وأصحابُ الأيَكْةِ ليس منهم في قَرْيَةٍ حولَ مَدَيْنَ أرسلَهُ اللَّه إليها، ولو كانت الأُخَوَّةُ هي الأخوة الإنسانيةُ لكانَ يُقالُ في أصحابِ الأيكة أيضًا: إنه أخُوهُمْ، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣].
ثم إن الأُخُوَّةَ في اللغة العربية ليست مطلَقَ الموافَقَةِ في البشرية، إذا تَتَبَّعْنَاهَا وجدنا الأخُوَّة إما في النَّسَبِ فيكونُ الأصل الجامع بينهما نَسَبًا، وإما أن يكونَ الأصلُ الجامِعُ هدفًا واحدًا يَسْعَى إليه الجميع، ومعلوم أن المسلِمَ والكافرَ مختلفانِ في الهدَفِ، ولا يمكن أن يكون أحدُهُما موافقًا للآخر.
والحاصل: أننا لا نوافِقُ على هذا القول مهما كان الأمْرُ؛ لأن أي مُسلِمٍ يقول: هذا الكافِرُ أَخُوهُ، لا شك أنه سيَحْصُلُ له رِقَّةٌ ولينٌ وموافقة، ويُسَهِّل ما في النفوس من بُغضِ الكفَّارِ، وكنا في السابق إذا قيل: نَصْرَانِيٌّ أو يهودي يتخوف الإنسانُ ويتَهَيَّبُ، والآن صارت المسألة تَمُرُّ على القلب مُرورَ الماء الباردِ، ولا يتأثر أحد إلا ما شاء اللَّه، وهذا له خَطَرُه العظيم، نسأل اللَّه السلامة.
стр. 176
لو قال قائلٌ: هل يجوزُ أن يقولَ المسلمُ للكافر: هذا قَرِينِي؟
الجواب: على المسلِمِ أن يتَحَاشَى كُلُّ لفظٍ يَدُلُّ على الموافَقَةِ للكَافِر، وعلى كُلِّ حالٍ القَرِينٌ للإنسان الشيطانُ وهو عَدُوٌّ، لكن لفظَةُ (قرين) تَدُلُّ في الوقتِ الحاضرِ على المصَاحَبَةِ والموافَقَةِ والمرافقة، فالأَوْلَى البعدُ عن كل لَفْظٍ يدل على الاتِّفاقِ مع هؤلاء.
وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، هل مَدْينُ اسمٌ للقبيلَةِ أم أنه اسمٌ للبَلَدِ؟
قال تعالى في آيةٍ أُخْرى: ﴿وَأصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ [الحج: ٤٤]، ظاهِرُ هذه الآية أن المرادَ بها المكانُ، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، فهذا من بابِ إطلاقِ القَريَةِ وإرادَةِ الأهْلِ، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢]، فيُرادُ بها المكان مع أنها ليستْ بصَريحَةٍ؛ لأن الإنسانَ قد يتَوَجَّهُ تلقاءَ القومِ، ويُحْتَمَلُ أن البلدَ سمِّيَتْ باسم القَبيلَةِ، وإذا قلنا بهذا يَخِفُّ الإشكال.
قوله : ﴿يَاقَوْمِ﴾ (يا): حرفُ نِداءٍ، و (قوم): مُنَادَى منصوبٌ على النِّداءِ، وعلامة نَصبِهِ فتحةٌ مقَدَّرَة على ما قبل ياءِ المتكَلِّمِ المحذُوفَةِ لالتقاءِ الساكِنَيْنِ، منعَ من ظُهورها اشتِغالُ المَحِلِّ بحركةِ المناسَبَة، وفي قوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ من التَّلَطُّفِ ما هو ظاهر؛ لأن قومَ الرجلِ لا بُدَّ أن ينْصُروه ويَقْبَلُوا ما جاء بِهِ.
وقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾: أي تَذَلَّلُوا له بالطَّاعَةِ؛ لأن العبادةَ مأخوذةٌ مِنَ التذَلُّلِ، ومنه قولهم: طريقٌ معَبَّدٌ أو مذَلَّلٌ للسَّالكِينَ، فالعبادُة هي التَّذَلُّلُ للَّه بطاعَتِهِ، والطاعةُ هي امتثَالُ الأمرِ واجتنابُ النَّهْي عن الإطلاقِ، أما إذا قَرَنتَ فقيل: (طاعَةٌ ومَعْصِيَةٌ) صارت الطاعةُ في الأوامِرِ والمعْصِيَة في النَّواهِي.
стр. 177
وقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: أخْلِصُوا له العبادَةَ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
فالمرادُ بالعبادَةِ هُنا: إخلاصُ العِبادَةِ للَّهِ .
وقَال المُفَسِّر: [﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ اخشَوْه، هو يومَ القِيامَةِ]: الرجاءُ يُطْلقُ على الطَّمَعِ في المحبوبِ في الأصلِ، ويُطلَقُ الرجاءُ بمعنى الخَوفِ، فهو من بابِ الأضدادِ؛ لأن اللُّغةَ العربيةَ فيها كَلماتٌ تدُلُّ على المعنى وضَدِّهِ تُسَمَّى (الأضداد)، وألَّفَ علماءُ اللُّغةِ في هذا كُتُبًا، فتَجِدُ الكلِمَةَ الواحدةَ تَدُلُّ على المعنى وضِدِّهِ.
وهل الرجاءُ هنا بمعنى الخوفِ أو بمعنى الطمعِ في المحبوبِ؟
المُفَسِّر ﵀ حَمَلهَا على أن المرادَ بها الخوفُ، وذلك أن المقامَ مقامُ إنذارٍ، ويُحتَمل أن تكونَ بمعنى الطَّمَعِ في المحبوب؛ لأن اليومَ الآخِرَ فيه المحبوبُ وفيه المكرُوهُ، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨].
فلو قال قائلٌ: ألا يجوزُ أن نَحْمِلَهُ على المعْنَيينِ جَميعًا، أي: ارْجُوه خَوفًا من العقابِ وطَمَعًا في الثَّوابِ؟
الجواب: نعم، يجوزُ أن يكونَ شامِلًا للأمرين، والرَّاجِحُ عندي -وهو قولٌ لبعض العلماء- جوازُ استِعْمالِ المشتَركِ في مَعنَيين إذا لم يكن بينهما تَنَافٍ.
وقولُهُ ﵀: [﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ هُو يومُ القِيامَةِ]: لأنه لا يومَ بعدَهُ إذ إن الناسَ لهم أربعُ مراحِلَ:
المرحلةُ الأولى: فِي البَطْنِ.
والمرحلة الثانية: في الدُّنْيَا.
стр. 178
والمرحلة الثالثة: في الْقُبورِ.
والمرحلةُ الأخيرةُ: يومُ القيامةِ، ولهذا سُمِّيَ باليومِ الآخِرِ.
قولُهُ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (لا تَعْثوا) أي: لا تُفْسِدُوا.
وإعرابُ ﴿مُفْسِدِينَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [حالٌ مؤَكِّدَةٌ لعَامِلِها من عَثِيَ بكَسْرِ المثُلَّثَةِ، أي: أفْسَدَ]، ومعنى قولِ المُفَسِّر ﵀: حالٌ مؤكِّدَةٌ له، أي: بمعناه: وهذا التأْكِيدُ معنَوِيٌّ لأنه ليس من مادَّةِ الفِعلِ.
يقولُ المُفَسِّر ﵀: [مِنْ عَثِيَ بكسرِ المثلَّثَةِ: أفسَدَ]: يقال: عَثِيَ يَعْثَى كفَرِحَ يَفْرَحُ، وأبواب التَّصْرِيفِ سِتَّةٌ منها: فَعِلَ يفْعَلُ كرَضِي يَرْضَى، ويجوز أن تكونَ من باب فَعَلَ يفْعُلُ كعَثَا يَعْثُو، وكلاهما بمعنى أفْسَدَ.
قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (لا): ناهية، ولهذا جُزِمُ الفِعلُ بحذفِ النُّونِ.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ هلِ المرادُ الإفسادُ الحِسِّيُّ كهدْمِ البِناءِ وإفْسادِ الأنهارِ وقَطْعِ الأشجارِ ونحو ذلك، أو أنَّ المرادَ الإفسادُ المعْنَوِيُّ، أو كلاهما؟
المرادُ: كلاهما، فالإفسادُ في الأرضِ يشْمَلُ الإفسادَ بالمعَاصِي، ويشْمَلُ الإفسادَ الحِسِّيَّ المادِّي، والدليلُ على هذا أن النَّبِيَّ ﵊ نهى عَنْ إضاعَةِ المالِ (١)، وروى أبو داودَ أن الصَّحَابَة كانوا مع النَّبِيِّ ﵊ فنزلوا أرْضًا فنهاهُمْ
стр. 179
عن قطعِ أشجَارِها؛ لأنها للاستغلال، فقَطْعُها إفساد لها.
قوله : ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ كانت مقابَلَةُ هؤلاء القومِ لهذه الدَّعْوَةِ التي تدْعُو إلى الخيرِ في قولِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وتَنْهَى عَنِ الشَّرِّ في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ كان جوابُهُم ورَدُّهم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مع أن التَّكذِيبَ إنما يكونُ في الخبَرِ، وشُعيبٌ ﵇ قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، وكلُّ هذه الجُمَلِ الثلاثِ إنشائيَّةٌ وليستْ خَبَرِيَّةً، وكان مقتَضَى الظاهِرِ أن يقولَ: فعَصَوْه، وهنا قال: فكَذَّبُوه.
الجواب: يقال: إنه قال لهم هذه الأوامرَ باعتبَارر رَسُولًا من عندِ اللَّهِ فكذَّبُوه، أي: بدَعْوى الرِّسالَةِ، وهذا أبلَغُ مِنَ العِصيانِ؛ لأنهم أنكَرُوا رسالَتَهُ رأسًا، فلم يُقِرُّوا بالرسالة، ثم يقولوا بعد ذلك: إننا نَعْصِيكَ في هذه الأوامِرِ، فكان هذا أبلغَ من قولِهِ: فعصوه.
قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ (الفاء) يُحتَمَلُ أن تكونَ للتَّعْقِيبِ أو للسببية، فإن قلنا: إنها للتَّعْقِيبِ؛ فهو دَليلٌ على أنه بمجرَّدِ تكذِيبِهم عُوقِبُوا، وإن قلنا: للسَّبَبِيَّةِ، فإنه لا يلزم من ذلك أن تكونَ عُقوبتُهم قريبَةً مِنْ تَكْذِيبِهم؛ لأنه يحتمل أن اللَّه أمْهَلَهُمْ بعد التكذيبِ ثم أخذتَهْمُ الرَّجْفَةُ؛ على أننا إذا جعلناها للسَّبَبِيَّةِ لا تُنَافي أو لا تمْنَعُ أن تكونَ العُقوبَةَ مباشِرَةٌ، وعلى هذا فنقول: إن الأَوْلى أن تكونَ للسَّبَبِيَّةِ لوجُوهٍ ثلاثَةٍ:
الوجه الأول: دَلالَتُهَا على حكمة العُقوبةِ وهي التَّكْذِيبُ.
الوجه الثاني: أنها أوْسَمعُ دَلالَةً من أن تكونَ الفاءُ للتَّرْتِيبِ؛ لأنها تَشْمَلُ ما أَعْقَبَ التكذِيبَ وما تأَخَّرَ عنه.
стр. 180
الوجهُ الثالثُ: أننا نسْلَم مِنْ دَعْوى أن اللَّه لم يُمْهِلْهُمْ وليس عندنا عِلْمٌ بذلك.
وقوله : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ أبلغُ من قوله: أصَابتُهْم؛ لأن الأخذَ دِليلٌ على أنه لا هَوادَةَ فيه وأَنَّه مُدَمِّرٌ.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿الرَّجْفَةُ﴾ الزَّلْزلَةُ الشَّدِيدَةُ]: وفي سورة هودٍ أخَذَتُهُم الصَّيْحَةُ، قال : ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٤ - ٩٥]، ولا تَنَافي بينهما لإمكان اجتماعِهِمَا، إذ يكونُ العذابُ بالصَّوتِ، أي: بالصَّيْحَةِ، ثم رجَفتْ بهم الأرْضُ، فيكون العذابُ بالأمرين جميعًا.
قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (الفاء) نقول: إنها عاطِفَةٌ، ويجوز أن تكون سَبَبِيَّةً.
وقوله: ﴿جَاثِمِينَ﴾ بالنَّصْبِ خبرُ (أصبح).
في هذه الآية قال: ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، وفي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿دِيَارِهِمْ﴾، ولا منافاةَ، وذلك لأن (دارَ) مُفردٌ مضافٌ والمفردُ المضافُ يَعُمُّ، ومثالُهُ من القرآنِ قوله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿نِعْمَتَ﴾ مفردٌ، ودَليلُ إفادَتِها العموم قوله : ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ وكذلك الجمعُ في قولِهِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾.
وقوله : [﴿جَاثِمِينَ﴾ بارِكِينَ عَلى الرُّكبِ مَيِّتِينَ]: فلِشِدَّة ما نزلَ بهم بَرَكُوا على رُكَبِهِمْ، ثم هَمَدوا وصارُوا جاثِمِينَ.