لو قال قائلٌ: هل يجوزُ أن يقولَ المسلمُ للكافر: هذا قَرِينِي؟
الجواب: على المسلِمِ أن يتَحَاشَى كُلُّ لفظٍ يَدُلُّ على الموافَقَةِ للكَافِر، وعلى كُلِّ حالٍ القَرِينٌ للإنسان الشيطانُ وهو عَدُوٌّ، لكن لفظَةُ (قرين) تَدُلُّ في الوقتِ الحاضرِ على المصَاحَبَةِ والموافَقَةِ والمرافقة، فالأَوْلَى البعدُ عن كل لَفْظٍ يدل على الاتِّفاقِ مع هؤلاء.
وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، هل مَدْينُ اسمٌ للقبيلَةِ أم أنه اسمٌ للبَلَدِ؟
قال تعالى في آيةٍ أُخْرى: ﴿وَأصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ [الحج: ٤٤]، ظاهِرُ هذه الآية أن المرادَ بها المكانُ، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، فهذا من بابِ إطلاقِ القَريَةِ وإرادَةِ الأهْلِ، وأما قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢]، فيُرادُ بها المكان مع أنها ليستْ بصَريحَةٍ؛ لأن الإنسانَ قد يتَوَجَّهُ تلقاءَ القومِ، ويُحْتَمَلُ أن البلدَ سمِّيَتْ باسم القَبيلَةِ، وإذا قلنا بهذا يَخِفُّ الإشكال.
قوله : ﴿يَاقَوْمِ﴾ (يا): حرفُ نِداءٍ، و (قوم): مُنَادَى منصوبٌ على النِّداءِ، وعلامة نَصبِهِ فتحةٌ مقَدَّرَة على ما قبل ياءِ المتكَلِّمِ المحذُوفَةِ لالتقاءِ الساكِنَيْنِ، منعَ من ظُهورها اشتِغالُ المَحِلِّ بحركةِ المناسَبَة، وفي قوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ من التَّلَطُّفِ ما هو ظاهر؛ لأن قومَ الرجلِ لا بُدَّ أن ينْصُروه ويَقْبَلُوا ما جاء بِهِ.
وقوله: ﴿اعْبُدُوا﴾: أي تَذَلَّلُوا له بالطَّاعَةِ؛ لأن العبادةَ مأخوذةٌ مِنَ التذَلُّلِ، ومنه قولهم: طريقٌ معَبَّدٌ أو مذَلَّلٌ للسَّالكِينَ، فالعبادُة هي التَّذَلُّلُ للَّه بطاعَتِهِ، والطاعةُ هي امتثَالُ الأمرِ واجتنابُ النَّهْي عن الإطلاقِ، أما إذا قَرَنتَ فقيل: (طاعَةٌ ومَعْصِيَةٌ) صارت الطاعةُ في الأوامِرِ والمعْصِيَة في النَّواهِي.
стр. 177
وقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: أخْلِصُوا له العبادَةَ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
فالمرادُ بالعبادَةِ هُنا: إخلاصُ العِبادَةِ للَّهِ .
وقَال المُفَسِّر: [﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ اخشَوْه، هو يومَ القِيامَةِ]: الرجاءُ يُطْلقُ على الطَّمَعِ في المحبوبِ في الأصلِ، ويُطلَقُ الرجاءُ بمعنى الخَوفِ، فهو من بابِ الأضدادِ؛ لأن اللُّغةَ العربيةَ فيها كَلماتٌ تدُلُّ على المعنى وضَدِّهِ تُسَمَّى (الأضداد)، وألَّفَ علماءُ اللُّغةِ في هذا كُتُبًا، فتَجِدُ الكلِمَةَ الواحدةَ تَدُلُّ على المعنى وضِدِّهِ.
وهل الرجاءُ هنا بمعنى الخوفِ أو بمعنى الطمعِ في المحبوبِ؟
المُفَسِّر ﵀ حَمَلهَا على أن المرادَ بها الخوفُ، وذلك أن المقامَ مقامُ إنذارٍ، ويُحتَمل أن تكونَ بمعنى الطَّمَعِ في المحبوب؛ لأن اليومَ الآخِرَ فيه المحبوبُ وفيه المكرُوهُ، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨].
فلو قال قائلٌ: ألا يجوزُ أن نَحْمِلَهُ على المعْنَيينِ جَميعًا، أي: ارْجُوه خَوفًا من العقابِ وطَمَعًا في الثَّوابِ؟
الجواب: نعم، يجوزُ أن يكونَ شامِلًا للأمرين، والرَّاجِحُ عندي -وهو قولٌ لبعض العلماء- جوازُ استِعْمالِ المشتَركِ في مَعنَيين إذا لم يكن بينهما تَنَافٍ.
وقولُهُ ﵀: [﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ هُو يومُ القِيامَةِ]: لأنه لا يومَ بعدَهُ إذ إن الناسَ لهم أربعُ مراحِلَ:
المرحلةُ الأولى: فِي البَطْنِ.
والمرحلة الثانية: في الدُّنْيَا.
стр. 178
والمرحلة الثالثة: في الْقُبورِ.
والمرحلةُ الأخيرةُ: يومُ القيامةِ، ولهذا سُمِّيَ باليومِ الآخِرِ.
قولُهُ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (لا تَعْثوا) أي: لا تُفْسِدُوا.
وإعرابُ ﴿مُفْسِدِينَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [حالٌ مؤَكِّدَةٌ لعَامِلِها من عَثِيَ بكَسْرِ المثُلَّثَةِ، أي: أفْسَدَ]، ومعنى قولِ المُفَسِّر ﵀: حالٌ مؤكِّدَةٌ له، أي: بمعناه: وهذا التأْكِيدُ معنَوِيٌّ لأنه ليس من مادَّةِ الفِعلِ.
يقولُ المُفَسِّر ﵀: [مِنْ عَثِيَ بكسرِ المثلَّثَةِ: أفسَدَ]: يقال: عَثِيَ يَعْثَى كفَرِحَ يَفْرَحُ، وأبواب التَّصْرِيفِ سِتَّةٌ منها: فَعِلَ يفْعَلُ كرَضِي يَرْضَى، ويجوز أن تكونَ من باب فَعَلَ يفْعُلُ كعَثَا يَعْثُو، وكلاهما بمعنى أفْسَدَ.
قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (لا): ناهية، ولهذا جُزِمُ الفِعلُ بحذفِ النُّونِ.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾ هلِ المرادُ الإفسادُ الحِسِّيُّ كهدْمِ البِناءِ وإفْسادِ الأنهارِ وقَطْعِ الأشجارِ ونحو ذلك، أو أنَّ المرادَ الإفسادُ المعْنَوِيُّ، أو كلاهما؟
المرادُ: كلاهما، فالإفسادُ في الأرضِ يشْمَلُ الإفسادَ بالمعَاصِي، ويشْمَلُ الإفسادَ الحِسِّيَّ المادِّي، والدليلُ على هذا أن النَّبِيَّ ﵊ نهى عَنْ إضاعَةِ المالِ (١)، وروى أبو داودَ أن الصَّحَابَة كانوا مع النَّبِيِّ ﵊ فنزلوا أرْضًا فنهاهُمْ
стр. 179
عن قطعِ أشجَارِها؛ لأنها للاستغلال، فقَطْعُها إفساد لها.
قوله : ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ كانت مقابَلَةُ هؤلاء القومِ لهذه الدَّعْوَةِ التي تدْعُو إلى الخيرِ في قولِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وتَنْهَى عَنِ الشَّرِّ في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ كان جوابُهُم ورَدُّهم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مع أن التَّكذِيبَ إنما يكونُ في الخبَرِ، وشُعيبٌ ﵇ قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، وكلُّ هذه الجُمَلِ الثلاثِ إنشائيَّةٌ وليستْ خَبَرِيَّةً، وكان مقتَضَى الظاهِرِ أن يقولَ: فعَصَوْه، وهنا قال: فكَذَّبُوه.
الجواب: يقال: إنه قال لهم هذه الأوامرَ باعتبَارر رَسُولًا من عندِ اللَّهِ فكذَّبُوه، أي: بدَعْوى الرِّسالَةِ، وهذا أبلَغُ مِنَ العِصيانِ؛ لأنهم أنكَرُوا رسالَتَهُ رأسًا، فلم يُقِرُّوا بالرسالة، ثم يقولوا بعد ذلك: إننا نَعْصِيكَ في هذه الأوامِرِ، فكان هذا أبلغَ من قولِهِ: فعصوه.
قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ (الفاء) يُحتَمَلُ أن تكونَ للتَّعْقِيبِ أو للسببية، فإن قلنا: إنها للتَّعْقِيبِ؛ فهو دَليلٌ على أنه بمجرَّدِ تكذِيبِهم عُوقِبُوا، وإن قلنا: للسَّبَبِيَّةِ، فإنه لا يلزم من ذلك أن تكونَ عُقوبتُهم قريبَةً مِنْ تَكْذِيبِهم؛ لأنه يحتمل أن اللَّه أمْهَلَهُمْ بعد التكذيبِ ثم أخذتَهْمُ الرَّجْفَةُ؛ على أننا إذا جعلناها للسَّبَبِيَّةِ لا تُنَافي أو لا تمْنَعُ أن تكونَ العُقوبَةَ مباشِرَةٌ، وعلى هذا فنقول: إن الأَوْلى أن تكونَ للسَّبَبِيَّةِ لوجُوهٍ ثلاثَةٍ:
الوجه الأول: دَلالَتُهَا على حكمة العُقوبةِ وهي التَّكْذِيبُ.
الوجه الثاني: أنها أوْسَمعُ دَلالَةً من أن تكونَ الفاءُ للتَّرْتِيبِ؛ لأنها تَشْمَلُ ما أَعْقَبَ التكذِيبَ وما تأَخَّرَ عنه.
стр. 180
الوجهُ الثالثُ: أننا نسْلَم مِنْ دَعْوى أن اللَّه لم يُمْهِلْهُمْ وليس عندنا عِلْمٌ بذلك.
وقوله : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ أبلغُ من قوله: أصَابتُهْم؛ لأن الأخذَ دِليلٌ على أنه لا هَوادَةَ فيه وأَنَّه مُدَمِّرٌ.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿الرَّجْفَةُ﴾ الزَّلْزلَةُ الشَّدِيدَةُ]: وفي سورة هودٍ أخَذَتُهُم الصَّيْحَةُ، قال : ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٤ - ٩٥]، ولا تَنَافي بينهما لإمكان اجتماعِهِمَا، إذ يكونُ العذابُ بالصَّوتِ، أي: بالصَّيْحَةِ، ثم رجَفتْ بهم الأرْضُ، فيكون العذابُ بالأمرين جميعًا.
قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (الفاء) نقول: إنها عاطِفَةٌ، ويجوز أن تكون سَبَبِيَّةً.
وقوله: ﴿جَاثِمِينَ﴾ بالنَّصْبِ خبرُ (أصبح).
في هذه الآية قال: ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾، وفي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿دِيَارِهِمْ﴾، ولا منافاةَ، وذلك لأن (دارَ) مُفردٌ مضافٌ والمفردُ المضافُ يَعُمُّ، ومثالُهُ من القرآنِ قوله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ﴿نِعْمَتَ﴾ مفردٌ، ودَليلُ إفادَتِها العموم قوله : ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ وكذلك الجمعُ في قولِهِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾.
وقوله : [﴿جَاثِمِينَ﴾ بارِكِينَ عَلى الرُّكبِ مَيِّتِينَ]: فلِشِدَّة ما نزلَ بهم بَرَكُوا على رُكَبِهِمْ، ثم هَمَدوا وصارُوا جاثِمِينَ.
стр. 181
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ رَحْمةِ اللَّهِ وحِكْمتِهِ بإرسالِ الرُّسلِ، أما الرَّحمة فظاهِرَةٌ؛ لأنه لا يمكِنُ للعبادِ أن ينتَفِعُوا بعقولهم في التَّعَبُّدِ للَّه ، ولهذا يقولُ العلماءُ: العباداتُ توقِيفِيَّةٌ، وأما الحِكمةُ فلئَلَّا يكونَ للنَّاسِ على اللَّهِ حُجَّةٌ بعدَ الرُّسُلِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن النبيَّ غالِبًا يكونُ من قومِهِ، وجه ذلك: لأنَّ الأنبِياءَ الذين ذُكروا في القرآنِ كان التَّعْبِيرُ القُرآنِيُّ عنهم بقولِهِ: ﴿أَخَاهُمْ﴾، والمرادُ أُخُوَّةُ النَّسَبِ لا الأخوةَ الإيمانِيَّةَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن الرسولَ ينْبَغِي أن يكونَ مَعروفًا بينَ قومِهِ لأجلِ أن يُسَاعِدُوه ويُعِينُوه ولا يُكَذِّبُوه.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: وجوبُ العِبادَةِ لقولِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.
الفَائِدةُ الخامِسة: وجوبُ الاستِعدادِ لليومِ الآخِرِ، لقولِهِ : ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.
الفَائِدةُ السَّادسَة: إثباتُ اليومِ الآخِرِ.
الفَائِدةُ السَّابِعة: تحريمُ الإفسادِ في الأرضِ؛ لقولِهِ : ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، والأصلُ في النَّهْي التَّحْرِيمُ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن الشرائعَ تجْمَعُ بينَ الأمَرْينِ الإيجَابِيِّ والسَّلْبِيِّ: الإيجابيُّ بالأوامرِ والسلبِيُّ بالنَّواهِي، يعني أن الشرائعَ أفْعالٌ وتُرُوكٌ ولا يُصْلِحُ العباد إلا هذا؛ لأن الإنسانَ قد تنَاسِبُه الأوامرُ ولا تنَاسِبُه النَّواهِي، وقد يكون العَكْسُ، فجمعَ اللَّه في شرائعِهِ بينَ الأمرِ والنَّهْي.
стр. 182
الفَائِدةُ التَّاسِعة: تحريمُ الأفسادِ في الأرضِ: الإفسادِ المعْنَوِيِّ بالمعاصي، والحِسِّي بالتَّدْمِيرِ والإتْلافِ.
الفَائِدةُ الْعاشِرَة: بيانُ ما يُعانِيهِ الرُّسلُ -عليهم الصلاة وَالسلام- من أقوامِهِمْ، لقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾، ولا رَيبَ أن تَكْذِيبَ الإنسانِ الذي على حَقٍّ يبلُغُ في نفسِهِ كُلَّ مبْلَغٍ؛ لأن الرسولَ معه الحقُّ والآياتُ، وجاء لمصْلحَةِ الخَلقِ ثم يُكَذِّبونَهُ، هذا أمر ليس بهَيِّنٍ على النَّفْسِ.
الفَائِدةُ الحَادِيةَ عشْرَةَ: تَسْلِيَةُ الدُّعاةِ إلى اللَّهِ إذا عُورِضُوا في دَعوتِهِمْ، وجه ذلك: أن الرُّسُل كُذِّبوا فهُم من بابِ أَوْلَى، ولهذا يُسَلِّي اللَّه النبيَّ ﵊ بمِثْلِ هذا، قال : ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]، وقال : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]، فالداعِي إلى اللَّه لا يَنْبَغِي أن يأْنَفَ مِنَ أن يُكذَّب، فإن هذا هو طريقُ الرُّسُلِ -عليهم الصلاة وَالسلام- وأتباعِهِم سيكونُون مثلَهُم.
الفَائِدةُ الثانيةَ عشْرَةَ: التَّعْجِيلُ بالعُقوبَةِ للمكذِّبِ، هذا إذا قلنا: إن الفاءَ في قولِهِ: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ عاطِفَةٌ، أما إذا قلنا: إنها سبَبِيَّةٌ فلا دَلالَةَ فيها؛ لأن المسببَ قد يتَأَخَّرُ عن السبب.
الفَائِدةُ الثالثةَ عشرةَ: حكمة اللَّه في عُقوبَةِ المكذِّبِينَ لرُسُلِهِ.
الفَائِدةُ الرابعةَ عشرةَ: أن العُقوبَةَ ليستْ جَورًا ولا ظُلمًا؛ لأن اللَّه تعالى مُنزَّهٌ عن الظُّلْمِ، فلولا أن هؤلاء يُعاقَبُون بحقٍّ ما عاقَبَهُمْ.
الفَائِدةُ الخامسةَ عشرةَ: قُدْرَةُ اللَّهِ لقولِهِ: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾،
стр. 183
وهم قَبيلةٌ كَبيرَةٌ أبادَهُم اللَّه في لحظَةٍ، وهذا دليل على قُدرتِهِ وأنه إذا أرادَ شيئًا فإنما يقولُ له: كن فيكون.
الفَائِدةُ السادسةَ عشرةَ: أن الملاجِئَ لا تنْفَعُ مِنَ اللَّهِ، لقوله : ﴿فِي دَارِهِمْ﴾ فالدارُ ملجأٌ للإنسانِ يلْجَأُ إليها من عَدُوِّهِ، لكن بالنِّسْبَةِ إلى اللَّه لا تنْفَعُ، ولهذا قالَ: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾.
* * *
стр. 184
الآية (٣٨)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
* * *
قال المُفَسِّر: [﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ (و) أهْلَكْنَا ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ بالصَّرْفِ وتَرْكِهِ، بمَعْنَى: الحَيِّ والقَبِيلَةِ]: والصرفُ هو التَّنْوِينِ، قال ابن مالكٍ ﵀ (١):
الصَّرْفُ تَنْوِينٌ أَتَى مُبَيِّنَا ... مَعْنًى بِهِ يَكُونُ الاسْمُ أَمْكَنَا
فيجوزُ صرفُ ثمودَ ويجوز تركُ الصَّرْفِ، وهما قراءتانِ فِي (ثمود) فالصَّرْفُ باعتبارِ الحيِّ وهو مذكر، وعدمُ الصَّرفِ باعتبارِ القَبيلَةِ وهي مؤنثة، فعليه إذا قلنا: (ثمود) بدون صرْفٍ نقول: معطوف على عاد، والمعطوف على المنصوبِ منصوبٌ، ولم يُنوَّن لأنه لا ينْصَرِفُ، والمانعُ مِنَ الصَّرف العَلَمِيَّةُ والتأنيثُ، باعتبارِهِ عَلمًا على قَبيلةٍ، وإذا قلنا: إنه مصروفٌ فيكونُ مَعْطُوفًا أيضًا على عادٍ، والمعطوفُ على المنصوبِ منصوبٌ، ونوِّن لأنه مذكر باعتبار الحَيِّ.
وقوله : ﴿وَعَادًا وَثَمُوَدً﴾ مفعولانِ لفِعْلٍ محذوفٍ تَقْديرُهُ: [أهْلَكْنَا عَادًا وثمودًا]، وعادٌ محَلُّهم با لأحقافِ، لقوله : ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ
стр. 185
إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، وثمودُ قومُ صالحٍ جِهة ثمود، معروفة إلى الآن.
وقوله: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾، أي: ظَهَرَ لكُمْ، والخِطابُ لقُرَيْشٍ؛ لأنهم تَبَيَّنَ لهم هذا ويعْرفُونَهُ.
وقوله: ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ على تقديرِ المُفَسِّر ﵀ تكون سَبَبِيَّةً، أي: تبينَ لكُمْ إهلاكُنا إياهم بسببِ رؤْيتِكُمْ مساكِنَهُمْ، لكن: أفلا يجوز أن نجعل (مِن) للتَّبعِيض، ويكون المعنى: تبَيَّنَ لكم من مساكنِهِمْ، أي: بعضَ مساكنِهِمْ، لكني ما رأيت أحدًا أعرْبها هذا الإعراب، أي: تبيَّن لكم بعضَ، والبعض قد زَال، فإن المشاهد الآن بعضُ هذه المساكِنِ والآثارِ.
أما على تَقْدِيرِ المُفَسِّر فإن فاعِلَ ﴿تبَيَّن﴾ مستَتِرٌ والتقدير: إهلاكُهُمْ.
بالنسبة للفاعل: هل نقول: الفاعلُ محذوفٌ أو مُسْتَتِرٌ؟
قالوا: الفاعلُ محذُوفٌ لأنه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ في هذا الموضِعِ، أما إذا كان يمكنُ تقْدِيرُهُ فإنه يقال: مُسْتَتِرٌ، والمحذوفُ قد يكون عُمدَةً وقد يكون فَضْلَةً، والمؤلف كلامُهُ يوهِمُ بأنه محذوفٌ، ولو قال ﵀: ﴿وَقَد تَبَيَّنَ﴾ أي: إهْلاكُهم، وجَعَلها مُفَسِّرَةً للمحْذُوفِ لكان أوْلَى.
قَال المُفَسِّر ﵀: [مِنْ مسَاكِنِهِمْ بالحِجْرِ واليمَنِ] هذا لَفٌّ ونشْرٌ مشَوَّشٌ وليس مَرَّتَبًا؛ لأن الحِجرَ يعودُ على ثمودَ، وهو متأخِّرٌ في القرآنِ، واليمنُ يعودُ على عادٍ، ومثل هذا لا ينْبَغي؛ لأن الجاهلَ الذي لا يَدْرِي عن مكانهم يقول: الحِجْرُ لعَادٍ، اليمنُ لثمودَ.
стр. 186
وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا على تقدير (قد)، يعني: وقد زَيَّنَ لهم الشيطانُ أعمالهم، قال المُفَسِّر ﵀: [من الكُفْرِ والمعاصِي].
وقوله: ﴿وَزَيَّنَ﴾ بمعنى: حسَّن وجمَّل، فحَسَّنَ لهم -والعياذ باللَّه- الأعمالَ مِن الشركِ والمعَاصِي، وقال: إن هذه الأصنامَ تُقَرِّبَكُم إلى الخالقِ، قال تعالى في شأنِهِمْ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ثم إنَّكُم ترْجُونها وتَدْعُونها فيحصلُ لكم المقصودُ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قد يَبْتَلي العابِدين فيحصُلُ مقْصُودُهُم عند هذا الشيء لا بِهِ.
الآن نقول: عندَهُ لا بِهِ، فقد يَدْعُو المشركُ الصنَمَ أو النَّبِيَّ أو ملِكًا من الملائكةِ فيُقَدِّرُ اللَّه ابتلاءً وامتحانًا أن يكونَ هذا السبب عندَ دُعائه لَهُ، نحن المؤمنين نعلم أنه ما حصل به لكن حَصَلَ عِنْدَهُ، وقد يُبتَلَى الإنسان بالامتحانِ بالمعْصِيَةِ وتُسَهَّلُ له وتُزَيَّنُ، وقد امتحنَ اللَّه اليهودَ بالحِيتانِ تأتي يومَ السبت ولا تأتِي غيرَهُ.
وابتَلَى اللَّه الصحابة ﵃ بالصَّيْدِ تنَالُه أيدِيهم ورِمَاحُهم وهم مُحْرِمُونَ.
وأيضًا قال النَّبِيُّ ﷺ في رَجُلٍ دَعَتْه امرأةٌ ذاتُ منْصِبٍ وجَمالٍ فقال: "إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ" (١)؛ لأنه لا يوجد عندَها أحَدٌ، لو كان عندهما أحدٌ لقال: إني أخاف الناسَ، لكنه قال: إني أخافُ اللَّهَ.
والحاصل: أن الشيطانَ يُزَيِّنُ الشِّركَ وكذلك يُزَيِّنُ المعاصي للإنسان، ويقول: اعْمَل والرَّب غَفور رحيمٌ، ثم تَتُوبُ، الدنيا أمامَكَ، إذا لم يتِمَّ لك أربعون سنة فإن الصلواتِ لا تَجِبُ عليك، وكذلك الصيامُ، فإذا بلغت أشدك فحينئذ تَجِبُ
стр. 187
عليكَ الصلاةُ والصيامُ، هذا موجود الآن عند بعض المسلمينَ الجهالِ.
وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ الشَّيْطَانُ قِيلَ: مِنْ (شطن) أي: بَعُدَ عن رحْمَةِ اللَّهِ، فيكونُ وزنُهُ فَيْعَال، وقيل: من شاطَ فيكون وَزْنُهُ فَعلان، والأقربُ أنه من شَطَنَ إذا بَعُدَ، والشيطانُ مَصروفٌ وليسَ ممنوعًا من الصَّرْفِ لأنه مُنَكَّر؛ لأن الذي يُمْنع مِنَ الصرفِ لا بد أن يكونَ وَصْفًا أو عَلمًا مع زيادة الألف والنون، والشيطان ليس بِعَلَمٍ، لكن قد يرادُ به الجِنسُ كما في قوله ﷺ : "الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَّيْطَانٌ" (١).
ولذلك يقولُ الفقهاءُ -رحمهم اللَّه تعالى-: "لا يجوزُ تَأخِيرُ القَضَاءِ إلى رَمَضانٍ آخَرَ" (رمضانٍ) بالتنوين لأنه نكرة.
وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ هنا أضافَ التَّزْيِينَ إلى الشيطانِ، وفي آية أُخرى أضافَ التَّزْيِينَ إلى نفسه ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤]، فالجمعُ بين الآيتين: أن الإضافةَ باعتبارِ السَّبَبِ وباعتبارِ الفاعِلِ الحقيقي، فالفاعل الحقيقيُّ هو اللَّه ؛ لأن كلَّ شيءٍ بقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، والسبب هو الشيطانُ، وأضيفَ التَّزْيِينُ إليه لأنه مباشِرٌ له، فيضافُ إلى اللَّه تعالى خَلْقًا وتقديرًا، ويضاف إلى الشيطانِ على سبيل المبَاشَرَةِ.
قوله : ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾، أي: صرَفهُم، وهذا مِنِ استِعْمالِ الفِعلِ (صَدَّ) متعديًا؛ لأنه يكونُ لازِمًا ومتَعَدِّيًا، فإذا قلت: (صدَّ الرَّجُلُ عن سبيلِ اللَّهِ فَضَلَّ)، هذا لازمٌ.
стр. 188
وأما ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ هنا الفِعْلُ متَعدٍّ، قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، ﴿صُدُودًا﴾ مصدرٌ على وَزنِ فَعُولٍ، فصدَّ هنا لازِمٌ، قال ابنُ مالكٍ ﵀ (١):
وفَعَلَ اللازمُ مِثْلُ قَعَدَا ... لَهُ فُعُولٌ بِاطِّرِادٍ كَغَدَا
يعني: (فَعَلَ) اللازم مَصْدَرُهُ فعولٌ، صَّدَّ. . . صُدُودًا.
وأما (صَدَّ) المتعَدِّي فمصدَرُهُ (صدًّا) لقولِ ابنِ مالك ﵀:
فَعْلٌ قياسُ مَصْدَرِ المُعَدَّى ... مِنْ ذِيْ ثَلَاثَةٍ كردَّ رَدَّا (٢)
وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، هل هِي لازِمَةٌ أو متَعَدِّيَةٌ؟ الأقرب أنها متَعَدِّيَةٌ لأنهم صدُّوا عن سبيلِ اللَّه غيرَهُم.
وقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (ال) فِي ﴿السَّبِيلِ﴾ للعَهْدِ الذِّهْنِي المعلومِ، وهو سبيلُ الحَقِّ، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [سَبيلُ الحقِّ]، وهو سبيلُ اللَّهِ ، وسُمِّي سبيلُ اللَّه لأنه يوَصِّلُ إليه، ولأنه هو الذي وضَعَهُ لعبادِهِ كما في قوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وقد يُضافُ إلى المؤمنين كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، فأضافَهُ للمُؤمِنينَ لأنهم هم المنتفِعُونَ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ذَوِي بَصَائِر]، يعني: أن اللَّه
стр. 189
أعطاهم مِنَ العُقولِ والبَصائرِ ما يُمَكِّنُهم الاهتداءَ بِه، وقد ذَكَر اللَّه ذلك في قومِ صالحٍ فقالَ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، كان عندهم بصَائرُ وعندَهُم عِلم لكِنَّهُم كانوا مسْتكْبِرينَ -والعياذ باللَّه-، فهم يَصُدُّونَ عن سبيلِ اللَّهِ مع أن اللَّه أعْطاهُم مَا يتَمَكَّنُونَ به من مُدافَعَةِ الشيطانِ، ولكن غُلِبُوا على أمْرهِمْ بما زيَّن لهم الشيطانُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: ينْبَغِي الاعتبارُ بأحوالِ مَنْ مَضَى، لقولِهِ: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: فاعْتَبِرُوا واتَّعِظُوا.
الفَائِدةُ الثَّانِية: بيانُ قُدْرَةِ اللَّهِ ؛ لأن عَادًا مِنْ أقْوى عِبادِ اللَّهِ حتَّى إنهم قَالُوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، ومع ذلك أهْلَكَهُم اللَّهُ بالرِّيحِ التي هي مِنْ ألطفِ الأشياءِ، فدَلَّ هذا على كَمالِ قُدرة اللَّهِ ، وأنهم مَهْمَا بلَغَ الناسُ مِنَ القُوَّةِ فليست قوَّتُهُم بشيءٍ بالنِّسْبَةِ إلى قوَّةِ اللَّهِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: أن الشيطان قد يُسَلَّطُ على بَنِي آدَمَ، لقولِه : ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: التَّحْذِيرُ من تَزْيْين الأعمالِ، ويُفْهَمُ من قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أن هذِه الأعمالَ أصلُهَا قَبيحٌ لكنَّها زُّينَتْ، فيَجِبُ الحذَرُ من تَزْيِينِ الشيطانِ.
لو قال قائل: ما هو الضابطُ في تَزْيِينِ الشَّيطانِ، قد أهْوى هذا العملَ ويُزَيَّنُ في نَفْسي فأفعلُه ولا أدْري هل هو من تَزْيين الشيطانِ أو من هِدايةِ اللَّه ؟
стр. 190
فالضابِطُ: إذا كانَ العملُ على خِلافِ شريعَةِ اللَّهِ فهو من تَزْيِينِ الشيطانِ، وإن كانَ مُوافِقًا لشريعة اللَّه فهو من هِدَايَةِ اللَّه وليس من تَزْيِينِ الشيطان.
الفَائِدةُ الخامِسة: الردُّ على الجبْرِيَّةِ في نسبةِ الأعمالِ إلى الخلْقِ، فإذا نُسِب العملَ إليهم فمعنى ذلك أنَّهُم فاعلُون حقِيقَة.
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن الأعمالَ السَّيِّئة قد تكون سببًا لضلالِ العَبدِ؛ لقوله : ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾، ولا ريب في ذلك، قال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، فالأعمالُ السيئةُ يَجُرُّ بَعْضُها بعضًا حتى يَعْمَى الإنسان -والعياذ باللَّه- عن الحقِّ بسببِ مَعْصِيَتِهِ.
الفَائِدةُ السَّابِعةُ: بشاعَةُ الصَدِّ عن سبيلِ اللَّه مع البَصِيرَةِ لقولِهِ : ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرينَ﴾، فإن الجملةَ هنا حالِّيَةٌ على تقديرِ (قَدْ)، يعني: فصَدُّوهُمْ وقد كانوا مستَبْصِرينَ، والمسْتَبْصِرُ كان بصددِ أن لا يُصَدَّ لكن قوةَ السبب وضعفَ المانع هو الذي أوجب لهم ذلك -والعياذ باللَّه-.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن المخاطب قد يحالُ على ما يَفْهَمُه ذِهْنُه مِن دَلالَة الخطاب لقوله: ﴿الْسَّبِيِلِ﴾.
فلو قال قائل: في الآيةِ إبهامٌ في قولِهِ: ﴿الْسَّبِيِلِ﴾ لا نَدْرِي أيَّ سبيلٍ؟
قلنا: لا إبهامَ ما دامَ هناكَ شيءٌ معْهُودٌ للمُخاطَبِ؛ لأن (ال) في ﴿الْسَّبِيِلِ﴾ للعَهْدِ الذِّهْنِيِّ.
* * *
стр. 191
الآية (٣٩)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٩]
* * *
قَال المُفَسِّر: [وأهْلَكْنَا ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾]: وهذا التقديرُ باعتبارِ السِّياقِ يعني: أن السِّياقَ يَدُلُّ على أن هناكَ شَيئًا مُقَدَّرًا وهو (أهْلَكْنا).
قوله: ﴿وَقَارُونَ﴾: رجلٌ تاجرٌ من بَنِي إسرائيلَ، ولكنه كما قال اللَّه : بَغَى، وقد أعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا عَظِيمًا حتى إن مفاتِحَهُ تَثْقُل على العَصَبةِ، أي: الجماعةِ مِنَ الناس، هذه المفاتِحُ مفاتِحُ الخزائنِ، ولهذا مَا آمن بموسى، اغترَّ بماله -والعياذُ باللَّه- فلم يُؤمِنْ بِرَبِّهِ.
وقوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ﴾: معروفٌ، هو ملكُ مِصْرَ الَّذِي ادَّعى أنه الرَّبُّ، وقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].
وقوله: ﴿وَهَامَانَ﴾: وَزِيرُه، وإنما قدَّم قارونَ لعُلُوِّ نسبِه؛ لأن بني إسرائيلَ أشرفُ من الأقْباطِ، وقدَّمَ فِرعون على هامَان لعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وليس هذا الترتيبِ من بابِ البداءةِ بالأَدْنَى؛ لأنه لو كان كذلك لقال: قارونُ وهامانُ وفرعونُ.
وقارون وفرعون وهامان كلها لا تَنْصَرِفُ، والمانع من الصَّرْفِ العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ.
стр. 192
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ الجملَةُ مؤكَّدة بثلاثِ مُؤَكِّدَاتٍ، وهي: القَسَمُ المقدَّرُ، واللامُ، وقَدْ، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى﴾ من قَبْلِ الهلاكِ، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، (الباء) هنا للمصَاحَبَةِ، يعني: أتاهُمْ إتْيانا مَصْحوبًا بالْبَيِّنَاتِ؛ لأن اللَّه تعالى لا يُرْسِلُ رَسُولًا إلا أعْطاهُ من الآياتِ ما يؤمِنُ على مِثْلِه البَشَرُ (١)؛ لأن الحِكْمَةَ والرَّحْمَةَ تقْتَضِي هذا، إذ ليس مِنَ الحكمةِ أن يُرسَل رسولٌ من البشَرِ إلى الناس ويقول: إني رَسولٌ بِدُونِ بَيِّنةٍ، فلا بُدَّ من بَيِّنةٍ، أي: آية واضِحة تدُلُّ على أنه رسولُ، ولهذا قال: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، أي: بالآياتِ البَيِّناتِ والحُجَجِ الظاهرات، منها العَصَا ومنها اليدُ، وكذلك السُّنُونَ التي أخَذُوا بِهَا، ولكن مع هذا لم يَنْتَفِعُوا، نسألُ اللَّهَ العافيةَ.
قوله : ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾: (استكبروا): بمعنى تكبَّرُوا وعَلَوْا وارتفعوا على الحقِّ ولم يَقْبَلُوا، ونَاظَر موسى فِرعَونَ وهدَّده حتى وصل الأمْرُ إلى أن قال: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩].
قوله ﵀: [﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ فَائِتِينَ عَذَابَنا]، يعني: ما كانوا سباقِينَ لنَا فلم يَسْبِقُونَا، والسَّبْقُ بمعنى الفواتِ، فإذا قلت: سابَقْتُ إنْسانًا وسَبقَكَ، أي: فاتك وعَجَزْتَ عنه، هؤلاءِ مع استكْبَارِهِمْ وعظَمتِهِمْ وعُلُوِّهِم ما سبقوا اللَّه أبَدًا.
لو قالَ قائلٌ: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾، هل يؤخذُ منه أن غَيرَهُمْ سبَقَهُم إلى هذا العملِ؟
стр. 193
الجواب: لا يصِحُّ، فليس المراد أنهم سابِقونَ، أي: متَقَدِّمونَ في الزَّمنِ، بل المرادُ كانوا سابقينَ في الأرض.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: ذَمُّ هؤلاءِ الثلاثة: قارونَ وفرعونَ وهامانَ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن سببَ الطُّغيانِ قد يكونُ المالُ وقد يكونُ الجاهُ والرئاسةُ، فقَارونُ سببُ طُغيانِه المالُ، وفرْعونُ وهامان الجاهُ والرئاسةُ، وهذان السببان هما سببُ استكِبْارِ الإنسان عن طاعَةِ اللَّه .
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ رسالة مُوسَى ﷺ ؛ لقولِهِ : ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن موسَى رسولٌ إلى فِرعونَ وإلى بَنِي إسرائيل.
لو قالَ قائل: فرعونُ ليس مِنْ بَنِي إسرائيلَ، وأرسلَ إليه مُوسى، بل أصلُ رِسالةِ مُوسى إلى فرعونَ، فكيف نجْمَعُ بين هذا وبين قولِ الرَّسولُ ﵊: "وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١)، وقوم موسى هم بنو إسرائيلَ ومُوسَى أُرْسِلَ إلى فرعون وإلى بني إسرائيل؟
فالجواب من أحدِ وجهين:
الوجهُ الأَوَّلُ: أن قوله ﵊: "وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً"، هذا باعتبار الأكثرِ والأعَمِّ، ونقول: دَلَّ الدليلُ على أن مُوسى بُعِثَ إلى فرعون
стр. 194
وإلى بني إسرائيل، كما دَلَّ الدَّلِيلُ على أن شُعَيبًا أُرْسِلَ إلى قومِهِ وإلى أصحاب الأَيْكَةِ، ولهذا لم يأتِ التعبيرُ القرآنِيُّ بقولِهِ: ﴿أَخَاهُمْ﴾ كما عبَّر عن قومِهِ فهذا العمومُ مخصوصٌ.
وهذا جوابٌ ليسَ فِيه تَكَلَّفٌ.
الوجه الثاني: يُمْكِنُ أن نقولَ: الرسالةُ إلى فِرعونَ، ولا يُمكِنُ الوصول إلى بَنِي إسرائيلَ واستقلالِ الدَّعوةِ فيهِمْ وأن يَقُوموا بِوَاجِبِ الرِّسَالَةِ واتِّبَاعِ موسى إلا بعدَ أن يُسْلِمَ فِرعونُ، ولذلك ما كان لهم دَولة وسُلطة إلا بعدَ أن أهْلكَ اللَّه فِرعونَ فتكونُ رِسَالتُهُ إلى فرعونَ من بابِ الوَسائلِ إلى المقْصُودِ، وكلُّ الأقباطِ الذين كانوا تحتَ وِلايَةِ فِرعونَ دَاخِلُونَ في دَعْوةِ مُوسى؛ لأنه بالضَّرُورةِ إذا آمن فِرعونُ فسيؤمِنُون؛ لأنه له السَّيطَرةُ عليهم.
الفَائِدةُ الخامِسةُ: أن الرُّسُلَ مُؤَيَّدُونَ بالآياتِ البيِّناتِ لقولِهِ: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وثبتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قَالَ: "مَا مِنَ الأَنْبياءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ" (١).
الفَائِدةُ السَّادسَة: إثباتُ الرَّحمةِ والحِكمةِ في آياتِ الأنبِياءِ؛ لأنَّ الآياتِ التي مع الرُّسُلِ هي رَحمةٌ بالخَلْقِ، ولأجلِ أن تكونَ سَبَبًا لاهتِدَائهم، فالآياتُ وسيلَةٌ إلى الهِدَايةِ وحِكْمَةٌ لإقامَةِ الحُجَّةِ عليهم، حتى لا يقولَ قائلٌ: إن هذا الرسولَ ما آتَانَا بآيَةٍ فيُكَذِّبُوه.
стр. 195
الفَائِدةُ السَّابِعةُ: بشاعَةُ كُفرِ هؤلاء الثلاثةِ قَارون وفِرعون وهَامان، وذلك بالاسْتِكْبَارِ عن الحقِّ والإعراضِ عنه لقولِهِ: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: كمالُ قَدْرَةِ اللَّه حيث لا يَفُوتُه أحَدٌ من خَلقِهِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾، فمع عَظَمَتِهِمْ وكِبْريائِهِمْ وأموالهِم لا يَسْبِقُونَ اللَّه، وهذا تَحِقيقُ قولِهِ ﵊ في أذكار الصلاة: "وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" (١)، فإنَّ الإنسانَ مهما عَظُمَ وكَثُر أتباعُهُ وجنُودُه لا تَنْفَعُه عَظَمتُهُ ولا كَثْرَتُهُ.
* * *
стр. 196
الآية (٤٠)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَكُلًّا﴾ مِنَ المذْكُورِينَ ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾].
المُفَسِّر ﵀ قدَّرَ ﴿فَكُلًّا﴾ بالتَّنوينِ، والأصلُ أن يُقَدَّرَ (فكُلُّ أَحدٍ)، لكنَّ المُفَسِّر منعه مِنْ تقديرِ (أحد) أن (كُلًّا) منونَّةٌ، وهو لا يجبُ أن يُغَيَّرُ لفظُ القرآن، ولهذا قال [مِنَ المذكورين].
والتنوين في (كلًّا) يقول النحويون: إنه تَنوينُ عِوضٍ عن كَلمَةٍ، والتقديرُ: (فكلُّ أحَدٍ)، والتنوين قد يكونُ عِوضًا عن كلمة كهذه الآيةِ، وقد يكون عِوضًا عَنْ حرف في نَحْو: (جوارٍ وغواشِ)، وقد يكون عِوضًا عن جُملةٍ وهو اللاحِقُ لـ (إذ) عوضًا عن جملة كَما في قوله : ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤]، التقدير: (وأنتم حِينئذِ بلَغَتِ الرُّوحُ الحلقومَ تَنظُرونَ)، ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤]، التقدير: (ويومئذِ تَقومُ السَّاعةُ).
قوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ يعني: كُلًّا من هؤلاء أَخَذَه اللَّه بذنْبِهِ، والباء في قوله: ﴿بِذَنْبِهِ﴾ تكون سَبَبِيَّةً وللمعاوضَةِ والمقابلةِ، يعني: أنهم بسببِ
стр. 197
ذُنُوبهِمْ أُخِذُوا، وعلى قَدْرِ ذُنوبهِمْ أُخِذُوا، وما تجاوزُ اللَّه بهم أكثرَ مما يستَحِقُّونَ، بل بالسَّبَبِ والقَدَرِ.
وقوله : ﴿بِذَنْبِهِ﴾ بالإفرادِ، وجاء في موضعٍ آخَرَ مِنَ القرآن الكريم: ﴿بِذَنْوبِهِمْ﴾ بالجمعِ، والجمعُ بينهما أن المفردَ هنا مضافٌ فيَعُمُّ، أي: بذُنوبِهم، والذُّنوبُ هي المعاصِي سواءٌ كانت كبيرةً أو صغيرةً، وهي هنا بلا شك من أكبرِ الكبائرِ.
قوله : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾: قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ هذا تَفْصِيلٌ؛ لأن قوله : ﴿بِذَنْبِهِ﴾ مجمَلٌ فُصِّل بقولِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾، قال: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ﴾ ولم يَقُل: أرْسلَنْا إليه؛ لأن هذا إرسالُ عَذَابٍ فهو عالٍ عليهم، وليس إرسالَ خِطابٍ حتى نقول: إن غايةَ هذا الخطابِ المرسَلِ إليه، بل هو إرسالُ عَذابٍ.
وقوله: [﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ﴾ ريحًا عاصِفَةً فيها حَصْبَاءُ كقومِ لُوطٍ]: هذا فيه نظَرٌ؛ لأن قومَ لُوطٍ أرسلَ اللَّه عليهم حاصِبًا مِنَ السماءِ وهي حِجارةٌ مِنْ سِجِّيلٍ تَحْصِبُهُمْ، كالتي أُرسلِتْ على أصحابِ الفِيلِ، وليست هي الحَصباءُ التي تُذْريها الرياح، وليس في عِلْمِنَا أن اللَّه تعالى أرسل الرياحَ على قوم لوطٍ، ولو كانت رِياحًا تَحْمِلُ الحصباء لبينها اللَّه .
ولو قالَ المُفَسِّر ﵀: إنَّا أرْسَلْنَا عليهم حاصِبًا كقومِ لُوطٍ؛ لكانَ صَوابًا.
وقوله: [﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كثَمُودَ]: أي: قومُ صالحٍ، وكذلك كقومِ شُعَيبٍ أصحابِ مَدْيَنَ، ففي آياتٍ أُخْرَى أنهم أخَذَتهُم الصَّيْحَةُ.
стр. 198
قوله: [﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقَارُونَ]: خَسفَ اللَّه بِهِ وبدَارِهِ الأرضَ، وبَقِي فيها إلى يومِ القِيامَةِ، وما نَفَعَه بيْتَهُ الذي احتَمى فيه ولا مالَه الذي كَنَزَهُ.
قوله : [﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كقومِ نُوحٍ وفِرعونَ وقَومِهِ]: فِرعونُ وقومُه أهْلِكُوا بالغَرقِ، غَرقوا في البحر الأحمر، أغْرَقَ اللَّه فِرعونَ بما كان يفْتَخِرُ به، قال لقومِهِ: ﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١]، فأخْرجَهُ اللَّه من مِصْرَ وأهلكَهُ بمثلِ ما افتَخَرَ به -بالماء- فأهلكَهُ اللَّه، فما فاتَه اللَّه ، مع أن فِرعونَ حين إهْلاكِهِ كانَ يظن أنه منتَصِرٌ لأنه أَرسَلَ في المدائن حَاشِرينَ، وجمعَ الناس واتَّبَعُوا موسى وقومه على أن الأمرَ يَسيرٌ وأنهم في قَبْضَتِهِم؛ لأنهم ظنُّوا أن مُوسَى وقومَه إما أن يَسْقُطوا في البحر أو يأخُذُوهم أخْذًا لا هَوادَةَ فيه، فكانَ -والحمد للَّه- الأمرُ على عَكسِ ما ظَنُّوا؛ أهلكَ اللَّه فِرعونَ وقومَه وأنْجَى مُوسى وقَومَه.
وأما قومُ نُوحٍ ﵇ فأُغْرقُوا بالطُّوفانِ العظيم، فأمرَ اللَّه السماءَ ففُتِحتْ أبوابُها بماءٍ منْهَمرٍ، وفجَّرَ اللَّه الأرضَ عُيونًا، انظر إلى التعبيرِ القُرآنِيِّ، لم يَقُلْ: فجَّرنَا عيون الأرض؛ لأنه لو عبَّر بهذا لكان شيءٌ كثيرٌ من اليابِسِ لم يتفَخَّرْ، لك التعبيرُ القرآني: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]، كأنَّ الأرض كلَّها صارَتْ عُيونًا، حتى إن التَّنُّورَ الذي هو مَحِلُّ إيقادِ النارِ وأبعد ما يكونُ عَنْ ظُهورِ الماء صارَ يَفُورُ عُيونًا، سبحان اللَّه العظيم! ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]، حتى عَلا قِمَمَ الجبالِ واستوتِ السَّفينَةُ على الجُودِيِّ، والجودِيُّ هو الجبلُ الرَّفيعُ جدًّا، وحمل الماءُ السفينةَ إلى أن رَسَتْ على هذا الجبلِ مما يدُلُّ على كثرةِ هذه المياهِ.
стр. 199
اللَّه أكبر! الإنسانُ لو تَصَوَّرَ أن المطرَ يرتَفِعُ أربعة أمتارٍ لأصابَهُ الفَزَعُ من ذلك، لكنَّ قُدرةَ اللَّه عظِيمةٌ، واللَّه على كلِّ شيءٍ قَديرٍ.
قوله: [﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيُعَذِّبُهم بِغيرِ ذَنْبٍ]: (اللام) هذه لامُ الجحودِ وهي المسْبوقَةُ بكونٍ منْفِيٍّ، أو نقولُ بتَعْبِيرِ أصحابِ الآجُرُّومِيَّةِ: ما سَبقها (مَا كانَ) أو (لم يكُنْ).
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيُعَذِّبُهم بغَيرِ ذَنْبٍ]، لما نَفَى أن يكونَ اللَّهُ ظلَمَهُم بيَّنَ من أين وقَعَ هذا الظلمُ فقال ﵀: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بارْتِكابِ الذَّنْبِ].
جملة: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ خَبَرُ (كان) و (الواو) اسْمُها.
و﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعولٌ مُقَدَّمٌ لـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾، وتقْدِيمُه له فائدتان: فائدِةٌ لَفْظِية وفائدةٌ معْنَوِيَّةٌ.
الفَائِدةُ اللَّفْظِيَّة: مراعاةُ الفَواصِلِ، يعني: أواخِرُ الآياتِ لأنَّه لو قالَ: وكانوا يظْلِمُونَ أنْفسَهُمْ، لم تَتَناسَب مع ما قَبلها وما بَعْدَهَا.
والفَائِدةُ المعنويةُ: هي الحصْرُ والاختِصاصُ، يعني: ما ظَلَموا إلا أنْفُسَهم في الحقيقةِ، أي: هم الذين ظَلَمُوا أنفسهم، ولكن كما قال تعالى في آياتٍ أُخْرَى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦].
لو قالَ قائلٌ: قولُ المُفَسِّر في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال: [كَقومِ نُوحٍ وفِرعونَ وقومِهِ]، مع أن الضَّمِيرَ يعودُ على آخِرِ مَذكورٍ، وهو فِرعونَ فقط، فما وَجْهُ ذِكْر نُوحٍ، وهل الترتيبُ القُرآني ذَكَر العَذابَ بالتَّسَلْسُلِ؟
стр. 200
الجواب: الضميرُ هنا لا يعودُ على آخِرِ مذكورٍ, فالمؤلِّفُ ﵀ ضربَ أمثلةً، لكنَّ المُفَسِّر ﵀ يقولُ: [فكُلًّا مِنَ المذْكُورِين]، ولو قال: (فكُلًّا من المذْنِبِين) لما أُوردَ مثل هذا الإيرادِ، وأما التَّسَلسلُ في ترتيبِ العَذابِ فهو غيرُ واردٍ هنا لأنه قالَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ قال: كثَمودَ؛ لأن شُعَيبًا قبلَ هؤلاء، وعلى كل حالٍ المسألةُ بسَيطَةٌ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: تمامُ قُدرَةِ اللَّه بإرسالِ هذه العُقوباتِ؛ لأنها كلَّهَا عقوباتٌ تدُلُّ على كمالِ القُدْرَةِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إبطالُ قولِ الملْحِدِينَ في الوقت الحاضر: إن هذه الآيات من الكَوارِثِ، فتَأْتِي الزلازِلُ التي هي الرَّجْفَةُ ويقولون: هذه مسألةٌ طبيعِيَّةٌ، وتأتي الفيضاناتُ العظيمةُ التي تُدَمِّرُ وكذلك الرياحُ الشَّديدةُ، ويقولون: هذه كوارثُ طبيعية، لا يعْتَبِرون ولا يَرَون أنها نوعٌ مِنَ العُقوباتِ التي جَرتْ على الأُمَمِ السابِقَةِ، وهذا من موتِ القَلبِ -والعياذ باللَّه-، فيُعْرِضُ الإنسان عن التأَمُّلِ والتَّدَبُّرِ في هذه الآيات ويُضِيفُها إلى أمورٍ طَبيعِيَّةٍ، وكأن الطبيعةَ هي التي تَخْلُق وتفْعل دونَ اللَّه .
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: حِكمة اللَّه ؛ لقوله: ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، سواء قُلْنَا: إن الباءَ للسَّبَبِيَّةِ أو المقابَلَةِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: إثباتُ الأسبابِ، وكلُّ ما جاءَ في القُرآنِ مِن (لام) للتَّعليلِ أو (باء) للسَّببية فإنها تدُلُّ على إثباتِ الأسبابِ والحِكَم.
الفَائِدةُ الخامِسة: الرَدُّ على الجَبْريَّةِ ومن وافَقَهُم مِنَ الأشْعرية الذين يُنْكِرُونَ
стр. 201
الأسبابَ، وأما نحنُ أهلَ السُّنَّةِ والجماعة فنؤمنُ بالأسبابِ؛ لكنَّنا لا نقول: إن هذه أسبابٌ مؤثرةٌ بنَفْسِهَا، لكن بخَلقِ اللَّه فيها التأثيرُ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن الجزاءَ من جِنْسِ العملِ، وهذا على الاحتمالين فِي الباء: البَدَلِيَّةِ أو المقابلَةِ لقولِهِ: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، ومِنَ المعلومِ أن الجزاءَ من جِنسِ العَملِ في الجزاءاتِ الشَّرعِيَّةِ وفي الجزاءاتِ الكونيَّة، الجزاءات الشرعِيَّةُ مثلُ الحُدود، فالعقوباتُ المقدَّرةُ من قِبَل الشرْع كلُّها في الواقِعِ عقوباتٌ موافِقَةٌ للحِكمة، فقَطع اليدِ بالسَّرقةِ لا شكَّ أنه موافق للحِكْمَةِ؛ لأن اليدَ بها الأخذ والإعطاءُ، وقطعُ الأيْدي والأرْجلِ من خِلافٍ في عقوبَةِ قطَّاعِ الطريقِ موافِقةٌ للحِكمةِ؛ لأن قطَّاعَ الطريق يعْتَدونَ على الناس بأيْدِيهِمْ وأرجُلهِمْ، ورَجْمُ الزانِي بالحجارةِ دُونَ قتلِهِ بالسيفِ موافِقٌ للحِكْمَةِ، وهكذا كلُّ العُقوباتِ الشَّرعيةِ والكونيةِ فإنها موافقةٌ للحِكْمَةِ، ويَدُلَّ على هذا قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾.
الفَائِدةُ السَّابِعةُ: أن العُقوباتِ لا تأتي مِن نوعٍ واحد، بل تأتِي مِنْ أنواعٍ مُتَعَدِّدةٍ بحسبِ حالِ المعَاقَبِ لقولِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ هذه الأنواعُ الأربعَةُ ذِكْرهُا له حِكمَةٌ؛ لأن قولَهُ : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ هذا إهلاكٌ من فَوْق, ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ هذا إهلاكٌ من تحْت، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هذا إهلاكٌ بالقولِ والصَّوتِ، وقوله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ هذا إهلاكٌ بالماءِ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: كمال عَدْلِه ؛ لقولِهِ : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، وهذه الصَّفةُ من الصفاتِ السَّلبِيَّةِ، والصفاتُ السلبيَّةُ لا تكون مدْحًا
стр. 202
إلا إذا تَضَمَّنَتْ ثُبوتًا، فمُجَرَّدُ النفي ليس بمدحٍ إلا إذا تضَمَّنَ ثُبوتًا، إذا نَفَى اللَّه الظُلْمَ عن نفسه فليس معناه أنه لا يَظْلِمُ فقط، بل لكَمالِ عَدْلِهِ لا يظْلِمُ، وليس المعنى أنه غيرُ قادِرٍ على الظلمِ بل هو قادِرٌ على أن يظْلِمَ لكنَّه لكمالِ عَدْلِه لا يظلم، ولو كان غيرَ قادِرٍ على الظلم لم يكن نَفْي الظلمِ عن نفْسِهِ مَدْحًا.
والجَبْرِيَّةُ يقولون: إن الظلمَ مُحالٌ على اللَّه لذَاتِهِ لا لعَدَمِ إرادةِ اللَّهِ، وذلك أنهم يقولون: إن الظلْمَ أن يتَصَرَّفَ الإنسان في مِلْكِ غيرِهِ، واللَّه تعالى إذا تَصَرَّفَ في مُلكه فليسَ بظالمٍ على زَعمِهِمْ، وليس بظالمٍ أن يُعاقِب المطِيعَ الذي أمضى ليلَهُ ونَهارَه في طاعَةِ اللَّه فيُعاقِبُه عقوبَةِ الكافِرِ، وعلى هذا قال السفارِيني ﵀ (١):
وَجَازَ للْمَوْلَى يُعَذِّبُ الْوَرَى ... مِنْ غَيْرِ مَا ظُلْمٍ وَلَا ذَنْبٍ جَرَى
فَكُلُّ مَا مِنْهُ تَعَالَى يَجْمُلُ ... لِأَنَّه عَنْ فِعْلِهِ لَا يُسْألُ
وهذا ليس بصحيحٍ، وهو إن جازَ عَقْلًا لكنَّهُ ممتَنِعٌ شَرْعًا، وقد تقدَّمَ تفصيلُ ذلك في أوَّلِ السورةِ.
المهم أن مُجَرَّدَ النَّفي لا يَدُلُّ على الكمالِ حتى يتَضَمَّن مَدْحًا، ولهذا قالوا في قول الشَّاعِرِ (٢):
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ... وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
هذا ذَمٌّ وليس بمَدحٍ، فهم لعَجْزِهِمْ لا يظْلِمُونَ.
стр. 203
وكذلك قول الشاعر (١):
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كانُوا ذَوِي حَسَبٍ ... لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ-فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا
يقول: ما هم مِنَ الشَّرِّ في شيءٍ ولا يأتونَ شرًّا أبدًا، بل أبلَغُ من هذا أنهم:
يُجْزُونَ بِالظُّلْمِ أَهْلَ الظُّلْمٍ مَغْفِرَةً ... وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانًا
فإذا ظَلَمهُم أحدٌ قابَلُوه بالمغفرَةِ والسَّماحِ، وكذلك إذا أساءَ إليهم أحسْنُوا، هذا ظاهِرُهُ أنه مَدحٌ لكنه في الحقيقة ذَمٌّ من أبْلَغِ الذَّمِّ؛ لأنه يحتَقِرُهُم ويقول: إنهم لا يستطيعون أن ينْتَصِرُوا لأنفسهم، بل إذَا أسِيءَ إليهم قابلوا ذلك بالإحسانِ خَوفًا من إساءَةٍ أعْظَمَ وإذا ظُلِموا غَفَروا، ولهذا قال نفس الشاعر:
فَلَيْتَ لِي بِهِمْ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإِغَارَةَ فُرْسَانً وَرُكْبَانًا
ونَفْي الصِّفاتِ من حيثُ العُمومِ قد يتَضَمَّنُ الكمالَ وقد يتَضَمَّنُ النقْصَ، وقد يكونَ لعدمِ القابِلِيَّةِ، فالذي للَّه من هذه الثلاثة الكمالُ، مثاله قوله : ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وقد يكون النَّفْي لعدمِ القابِلِيَّةِ، تقول: هذا الجدار لا يتَعْبُ، وهذا الجدار لا يظلِمُ؛ لعدم القابِلِيَّةِ، فهذا ليس بمدحٍ لأنه أصلًا لا يقبل هذا الوصف حتى يُنفى عنه.
وقد يكونُ النَّفْي للعَجْزِ مثاله ما سبَقَ في البَيْتَيْن.
ولا يكون للَّهِ من هذه الأقسامِ الثلاثة إلا القِسْمُ الأولُ، وهو ما تَضَمَّنَ كمَالًا
стр. 204
ومَدْحًا، ولهذا يقولُ أهلُ العِلْمِ: إن اللَّه إذا نفى صِفة عن نفْسِه فإن المراد به أمران: نَفْي تلكَ الصِّفةِ، والثاني إثباتُ كمالِ ضِدِّهَا.
وصفاتُ اللَّه تنقَسِمُ إلى قِسْمينَ: ثُبوتِيَّةٌ وسَلْبِيَّةٌ.
فالثُّبوتِيَّةُ: ما أثبْتَه اللَّهُ لنفْسه ولا تكونُ إلا صِفَةَ كمالٍ.
والسَّلبِيَّةُ: ما نَفَاهُ عن نفْسِه ولا تكون إلا صِفَةَ نَقْصٍ، وهي تدورُ على شيئين: أحدهما النَّقْصُ، والثاني مشابهةُ المخلُوقِينَ، أو نقول: إن مشابهة المخلوقينَ نقْصٌ، ونحصرُ هذين الشيئينِ في شيءٍ واحدٍ.
الفَائِدةُ التَّاسِعة: أن الإنسانَ هو الظالمُ لنَفْسهِ بفعْلِ المعَاصي؛ لقوله : ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ففعلُ المعَاصِي حَرامٌ؛ لأنه ظُلْمٌ لنفْسِكَ، أما اللَّه تعالى فلا يَظْلِمُ أحَدًا.
الفَائِدةُ الْعاشِرَة: أن العاصِي ظالمٌ لنفْسه لقوله : ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ووجه ذلك: أن النفْس عندَك أمانَةٌ، فكما أنك ممنوعٌ مِنْ نَقْصها نقْصًا حِسِّيًا فأنت ممنوعٌ من نَقْصِها نَقْصًا مَعنَويًا، بمعنى أن الإنسان لو أرادَ أن يقْطَعَ يدَهُ أو أصابعه أو يُسِيء إلى بدَنِهِ كان ذلك محُرمًا، ولهذا من قَتلَ نفسه بشيء عُذِّب به في جهنَّمَ خالدًا مخَلَّدًا، فجعل النبيُّ ﵊ قاتِلَ نفسِهِ (١) كقاتل الغيرِ في التَّخليدِ في النَّار والتَّعذِيبِ بما قتَل به نفْسَه، وعلى هذا نقول: كل من عَصَى اللَّه فإنه ظالمٌ لنْفِسِه، ومن هنا يتَبَيَّن لنا معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ
стр. 205
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وأن العُدولَ عن مِلَّةِ إبراهيمَ سفَهٌ لأنه ظُلمٌ للنَّفس من حيثِ لا يشعرُ الإنسان.
* * *
стр. 206
الآية (٤١)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أصْنَامًا يَرْجُونَ نَفْعَهَا] اهـ.
وقوله: ﴿مَثَلُ﴾: (مَثَل) و (مِثْل) كـ (شَبَه) و (شِبْه) وزنًا ومَعْنى، فالمَثَلُ بمعنى الشَبَهُ، وهو عبارةٌ عن تَشْبِيهِ شيءٍ مَعقولٍ بشيءٍ محسوسٍ؛ لأن تمثيلَ المعقولاتِ بالمحسوساتِ يَزِيدَهَا وُضوحًا وبَيانًا وتَصَوُّرًا، وإن كانت لا تَتَسَاوَى من كُلَّ وجهٍ، لكنها متساويةٌ مِنْ هذا الوجه الذي حَصل فيه التَّشْبِيهُ.
قوله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ المراد بالأولياء الأصنامُ؛ لأن عابِدِيهَا يَرْجُون نَفْعَها كالوَلِيِّ الذي ينْفعُكَ في النُّصْرَةِ والدِّفاعِ عنكَ وجَلبِ الخيرِ، فسَمَّي العابِدينَ أولياء لأنهم ينْصرُون هذه الآلهةَ، ولهذا قال قومُ إبراهيمَ: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، فهم ينْصُرونها ويرْجونَ النَّصْرَ منها.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ عَبَّر بالدُّونِ لدُنُوِّ مرتَبَتِهِ بالنسبة إلى اللَّه ،
стр. 207
والمرادُ بـ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ المشْرِكُونَ.
قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ أي: كَشَبَهِ العَنْكبوتِ، والعنكبوتُ دُوَيْبَةٌ معروفة تَتَّخِذُ لها بيتًا من العُشِّ، وهذا البيتُ هي التي تَنْسجه، أي: هي تُفرزُ مادَّته، واللَّه على كلِّ شيءٍ قديرٍ، هذه العنكبوت إذا سقطتْ مِنْ أعلى فإنها تُفرزُ بسرعة هذا العشَّ وتتعلق به حتى لا تقعُ على الأرض وتظل متدَلِّيَةً بهذا الخيطِ وإذا شاءت أن تصعد به صعِدتْ، فتَتَقَلَّبُ، وتجعلُ رأسها إلى أعْلَى وتصْعَدُ مع هذا الخيط الذي أفرزته ثم إنها عند صَيدِهَا -وأكثر ما تصيد الذباب- تقَيِّدُهُ بهذه الخيوطِ حتى تَقْضِيَ عليه، وهذا بعضٌ من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، هَدَى هؤلاءِ الخلقَ لمصالحِهم.
قوله : [﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ اتَّخَذَتْ بَيْتًا لنْفِسهَا تَأوِي إِليهِ]: وهذا البيت هو المشاهدُ.
قوله: [﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ﴾ أضعْفَ ﴿الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾]: هذا كلام اللَّه وهو العالم بما لم نُحِطْ به عِلْمًا، وما أكثرَ مخلوقاتِ اللَّه تعالى التي لها بيوتٌ ونحن لا نَعْلَمُ عن هذه البيوتِ إلا ما نُشَاهِدُهُ منها، وما أكثرَ الغائبِ عنَّا!
وقوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ الجملة مؤكَّدَةٌ بـ (إنَّ) و (اللام) من أجلِ تأكيدِ ضَعفِ هؤلاءِ الأولياءِ، فكما أن هذه البيوتَ التي تَأْوي إليها العناكِبُ ضَعِيفَةٌ بل هي أوْهَنُ البيوتِ وأضْعَفُها، فإنَّ هؤلاء الأولياءِ كَذَلِكَ أضْعَفُ ما يكون مِنَ الأولياءِ؛ لأنهم لا ينْفَعُون عابِدِيهِمْ، بل إن اللَّه يقولُ في القرآنِ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ حَقًّا ﴿مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩]،
стр. 208
فتَشْمَلُ الآلِهَةَ والمتَأَلِّهين، فلو كانوا آلهِةً حَقًّا لمنعوا أنفُسهُم وعابِدِيهم من دُخولِ النَّارِ ولكنها آلهةٌ باطِلَةٌ لا تنْفَعُ، فهذا وجه المشابَهَةِ في قولِهِ: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾.
وهذا التَّشْبِيهُ يُسَمِّيهِ البيانِيُّونَ التَّشْبِيه التَّمْثِيليّ، يعني أنه مكونٌ من جُملَةٍ، فأنت إذا قلت: فلانٌ كالبحرِ في الكرمِ، فهذا تَشْبِيهٌ، لكنه تَشْبِيهٌ إفرادي، أي: شَبَّهْتَ فَرْدًا بفردٍ، أما تشبيهُ قضيةٍ بقضية أو قصة بقصة فإن هذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهٌ تَمْثِيليٌّ مركَّبٌ من عدة أوْجُهٍ، من مشبَّهٍ متعدِّد ومشبه به كذلك متعدِّد، وأوجهُ الشَّبَهِ متعدِّدة لأنه مركبٌ من قِصَّةٍ متكامِلَةٍ، وذلك لأنه لم يقْصِدْ أن يشبِّه العابِدين بالعنكبوتِ وَحْدَه ولا قصدَ تَشبيهَ المعْبُودِين بالبيوتِ وحْدهَا، بل قصَدَ تشبيهَ قَضيةٍ كامِلَةٍ بقضيةٍ كاملة حتى تتَّضِحَ الصورةَ أمام المخاطب.
وقوله : [﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ لا يَدْفَعُ عنها حرًّا ولا برْدًا]: وكذلك لا يَقِيهَا مِنَ الآفاتِ، كأن يسقُطُ عليها شيء أو نحو ذلك، فهذا البيتُ أوهنُ البيوتِ.
ثم قَال المُفَسِّر ﵀: [كذلك هذه الأصنْامُ لا تَنْفَعُ عابِدِيهَا]: فهؤلاء الذين عبدُوا الأصنامَ ما لَجَؤوا إلى ملجأ نافعٍ، بل لجَؤوا إلى مَلْجأ ليس بنافعٍ ولا مانِعٍ ولا دافعٍ، ولهذا شبَّه اللَّه ذلك البيتَ ببيتِ العنكبوتِ.
وفي آية أخرى شبَّه هذه الأصنامَ ودعاءَها برَجلٍ باسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماء ليبْلُغَ فاه، ولا يَبلُغُه، فهذا الرجلُ أمامَه الماء وهو عطشانُ فبَسَطَ كَفَّيْهِ إلى الماء يريدُ إن يَصِلَ الماءُ إلى فَمِه، والماء لا يمكن أن يَصِلَ إلى فَمِهِ أبدًا، فكذلك هذه الأصنامُ لا تنفع عابِدِيها كما أن الماءَ لا يصِلُ إلى فم هذا العطشان.
стр. 209
قوله ﵀: [﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لو كانُوا يَعْلَمُونَ ذلك ما عَبَدُوهَا]: (لو): هنا شَرطِيَّةٌ، وفِعْلُ الشرطِ قولُه: (كَان) وجوابُ الشَّرطِ مقدَّرٌ على كلامِ المُفَسِّر والتقدير: (ما عَبَدُوهَا)، ولهذا لا ينبغي أن تُوصَلَ هذه الجملة بالتي قَبْلَها؛ لأنك لو وصلْتَها بالتي قَبلهَا لكان وَهَنُ بيتِ العَنكبوتِ مشروطًا بعِلْمِهِمْ، مع أن بيتَ العَنكبوتِ أوهنُ البيوتِ سواءٌ عَلِمُوا أم لم يعلَموا، ولهذا ينْبَغِي أن نَقِفَ على قوله: ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ ثم نَقْرَأُ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وهذا يُذَكِّرُنَا بآيةٍ في سورةِ التكاثرِ يخْطئ فيها كثيرٌ مِنَ الناس، حيث يقرؤون بوصلِ الآيتينِ ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٥ - ٦]، وهذا خطأٌ؛ لأن المعْنَى يفْسُدُ به فسَادًا وضاحًا؛ لأنك لو وصلت لكان قوله : ﴿لَتَرَوُنَّ﴾، جواب قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، والأمرُ ليس كذلك، فجملة ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ مستأنفة مستَقِلَّةٌ فيجبُ الوقْفُ على قوله : ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾.
المُفَسِّر ﵀ يقولُ: [﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِك ما عَبَدُوهَا] ويحتمل الجوابُ: لو كانُوا مِنْ ذَوِي العِلْمِ النافِعِ ما خَفِي عليهِمُ الأمْرُ، فإذا لم يخفَ عليهم هذا الأمْرُ لم يَقُومُوا بالعِبادَةِ.
والحاصل: أن هذا يَدُلُّ على جهلِ هؤلاءِ العابِدِينَ، فمهما بلَغُوا من الذَّكاءِ وحُسنِ التَّصَرُّفِ في الدنيا فإنهم من هذه الناحية سُفهاءٌ ليسَ عندَهم عِلم ولا عَقل.
لو قال قائل: إن العنكبوتَ قد تَنْتَفِعُ مِنْ بَيْتهَا، أما عبَّادُ الأصنامِ فلا ينتَفِعُون قطعًا فلا مشابَهَة بينهما، فما وَجْه الشَّبهِ بينهما؟
الجواب: عُبَّادُ الأصنام أيضًا قد ينتَفِعُون بما يحصلُ لهم مِنْ منْفَعَةٍ مادية من
стр. 210
الوافدينَ لعِبادَتِها والتَّبَرُّكِ بها، لكن هذه المنافع مادية، أما النفعُ الحقيقي الذي هُم يَرْجونَ وهو دَفْع الضُّرِّ عنهم وجلبُ النَّفْعِ لهم فليس بحاصِلٍ، فلا تنْفَعُهم آلهتهم ولا تمنْعُهُم، كما أن بيتَ العنكبوتِ لا ينْفَعُها ولا يمْنَعُها فيأتيها الهواءُ والبَرْدُ والمطرُ ويَعْلَقُ بها التراب فلا تنتفع به الانتفاعَ الكامِلَ، وأما الصيدُ فالعنكبوت لا تَصِيدُ بالبَيْتِ، أي: لا تنَتفعُ به في الصَّيدِ بل بالعُشِّ الذي يخرج منها وهو الخُيوطُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: تَقْبيحُ هؤلاءِ المشركينَ وتَنزيلُ مَرْتبَتِهِمْ، حيث شُبِّهوا بالعناكِبِ؛ لأن تشبيهَ الإنسان بالحيوان إذلالٌ له وتَنزيلٌ لمرْتَبَتِهِ؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠].
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن هذه الأصنامَ لا تنْفَعُ عابِدِيها ولا تدْفَعُ عنهم، فهي لا تجلِبُ الخيرَ ولا تدْفَعُ الضُرَّ، حيث شُبِّهَتْ ببَيْتِ العنكبوتِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: جوازُ ضربِ الأمثالِ بالدُّونِ حسبَ ما تقتَضِيهِ الحالُ، لقولهِ: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ فإن العنكبوتَ مِنْ أدْنى ما يكون مِنَ المخلوقاتِ، وقد قال تعالى في سورةِ البَقَرَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقد ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا بالذُّبابِ وبالحِمارِ وبالكلبِ وبالبعُوضةِ وبالعنكبوتِ، كل هذا حسبَ ما يقْتضيهِ المقَامُ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن أَوْهَنَ البيوتِ وأضْعَفَها بيتُ العنكبوتِ، من هذا نأخذ أنه لا ينبغي أن يقال مثلًا: هذا البيتُ أوْهى مِنْ بيتِ العنكبوتِ، لقوله :
стр. 211
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾، لكن يجوز أن نقول: حُجَّةُ هذا الرجل أوْهَى مِنْ بيتِ العَنكبوت؛ لأن الحجَّةَ ليست بيتًا، فهذا لا بأس به لأنه ليس فيه معارضة للقرآن.
* * *
стр. 212
الآية (٤٢)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا﴾ بمَعْنَى الَّذِي]: فتكونُ اسمًا موصولًا، وهذا الإعرابُ هُو المتبَادَرُ مِنَ الآية.
وبعض المُعرِبينَ قال: إن (ما) استفهامية، فيكونُ الوَقْفُ على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾، ثم يأتي الاستفهامُ: ما الذي يَدْعُونَ من دُونِهِ مِن شيء؟ أي: هل يَسْتَفِيدُون شيئًا؟ ولكن هذا بعيدٌ، فإعرابُ المُفَسِّر هو الصوابُ، وأن (ما) موصولة، وعائد الموصولِ محذوفٌ، وحذفُ العائدِ المنصوبِ مطَّرِدٌ في اللغةِ العربية، التقدير: (إنَّ اللَّه يعلمُ ما يدْعُونَهُ من دُونِهِ من شيء).
وقوله: [﴿يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدونَ]: فالدعاءُ هنا دُعاءُ عِبادَةٍ، وكما يكون الدعاءُ دعاءَ عبادَةٍ كذلك يكون دعاءَ مَسألَةٍ.
أما دعاءُ المسألَةِ فكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فدعاء المسالة كأن تقول: يا ربِّ اغفْر لي، يا ربِّ ارْحمْنِي، وما أشبه ذلك.
ودعاءُ العبادة أن تَتَعَبَّدَ للَّهِ بما أمَرَك به، وإنما كان ذلك دُعاءً؛ لأن
стр. 213
حقيقةَ حالِ العابِد طلبُ مغفرةِ اللَّه ورَحمتِهِ، فهو في الحقيقة داعٍ ضمنًا، ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
فقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا يَدْعُونَ﴾ ما يَعْبُدُونَ] فيه نظَرٌ، فينبغي أن نجعلَ الدُّعاءَ هنا شامِلًا لدعاءِ العبادَةِ ولدعاءِ المسألةِ، وأيضًا فالمشركون يدْعُونَ الأصنامَ دعاءَ عِبادَةٍ، ودعاءَ مسألَةٍ، فالذين يُشْرِكُونَ بالأنبياء والأولياء فإنهم يَدْعُونَهُم دعاءَ مسألَةْ، يقول أحدُهم: يا رسول اللَّه اغفر لي، ويا رسول اللَّه يَسِّرْ أمْرِي، وما أشبه ذلك!
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدونَ بالياءِ والتاءِ]: يعني: (يَدْعُونَ) و"تُدْعَوْنَ" قراءتان سبعيتان (١).
قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا بيانٌ لـ ﴿مَا﴾ يعني: أي شيء تَدْعُونه فإن اللَّه تعالى عالم به، أي: أنه يعْلمُ حالَ هذا المدْعو المعْبُودِ، وهي كالتَّعْليلِ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾، ويؤيدُ ذلك أن هذا المثلَ مطابِقٌ للواقِعِ؛ لأنه صادرٌ عن عِلم، فإنه لما ذَكَرَ أنهم كالعنكبوت بيَّن أن هذا عَنْ علمٍ من اللَّه، وأن هذا الشيءَ الذي يُدْعَى لا ينْفَعُ.
قوله: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العَزيزُ في مُلكِهِ، الحكِيمُ في صُنْعِهِ]:
لو قال قائل: إن المناسب أن يقالَ: وهو السميعُ العَليمُ؛ لأن اللَّه تعالى يقولُ: ﴿يَعْلَمُ﴾ فمُقتَضَى الظاهرُ أن تُختَمَ الآية بالعِلْمِ؟
стр. 214
قلنا: هذا حقٌّ بالنسبة لظاهِرِ الكَّلامِ، لكن عندَ التأَمُّلِ نجِدُ أن ختِامَهُ بالعِزَّةِ والحكمَةِ أبلغُ، فإنهم يُريدونَ الاستِنْصارَ بهذه الأصنامِ والغَلبةَ والظهورَ، وأكبرُ شاهد لذلك قولُ أبي سفيان يوم أحد: (اعْلُ هُبَلْ) (١)، فاعتزازهم بهذه الأصنام مقابلٌ بعزَّةِ مَنْ لا يُغْلَب وهو اللَّه جَلَّ وَعَلَا، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالبُ لهذَهِ الأصنامِ ولعَابِدِيها.
و﴿الْعَزِيزُ﴾ من أسماءِ اللَّه ، ويتَضَمَّنُ العزَّة مِنْ ثلاثةِ وُجوهٍ: عزَّةُ القَدْر، وعزَّةُ القَهرِ، وعزَّة الامتِنَاعِ، كما تقدم.
أما عِزَّةُ القَدْرِ فمعناها: أنه لا يُشْبِهُه أحدٌ في عَظَمَتِهِ وجلالِه وقَدْرِه، وأما عزَّة القَهْرِ فمعناها: أنه لا أَحَدَ يُشْبِهُ اللَّه في قَهْرهِ وسُلطانِهِ ومُلكِهِ، وأما عزَّة الامتْناع فمعناها: أنه ممتَنِعٌ عن كُلِّ نَقْصٍ وعن كلِّ عَيْبٍ، فهو عزيزٌ أن يُنال بعَيْبٍ أو نَقْصٍ.
وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ دائمًا يَقْرِنُ اللَّه العَزّة بالحِكْمَةِ؛ لأن بعضَ أهلِ العِزَّةِ من الخَلْقِ تحْمِلُهم العزَّةُ على التَّهَوُّرِ وعدمِ التَّثَبُّتِ، وعدمُ تنزيلِ الأشياءِ منازَلَها، ودليلُ ذلكَ قولُه : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، وكون العِزَّةِ تأْخُذُه بالإثمِ خلاف الحكمة، فلهذا يَقْرِنُ اللَّه دائمًا العزيزَ بالحكيمِ إشارةً إلى أن عِزَّتَهُ ﵎ مَقْرُونَةٌ بالحِكمةِ، فهو وإن كانَ عَزِيزًا غالِبًا قاهِرًا لَهُ السلطانُ الكامِلُ، فإنه لا يُدَبِّرُ الأمرَ إلا على وجْهِ الحِكمةِ البالِغَةِ.
ثم إنه على تَفْسيرنا ﴿الْحَكِيمُ﴾ بأنه ذُو الحُكم والحِكمة، فإن عِزَّتَهُ
стр. 215
مقرونةٌ بحُكْمِه وأن له الحكمَ المطلقَ في عبادِهِ .
واعلم أن أسماءَ اللَّهِ لها مَعانٍ عندَ إفرَادِهَا، وإذا قُرنِتْ مع غيرها يتركَّبُ من هذا الاقترانِ معنًى آخر فوقَ المعنى الإفرادِي لكُلِّ اسم، فالعزيزُ مِنْ أسماءِ اللَّه جَلَّ وَعَلَا له مَعْنى عندَ انفرَادِهِ، والحكيم له معنى عند انفرَادِه لكن إذا اقْترنَا جميعًا حصل منهما معْنى ثالث زائد على المعنى الانْفرادِيِّ، وهو ما يحصل باجتماع هذين الاسمين من المعْنى الكامِلِ.
وقد تقدَّمَ أن الحكيم ذو الحُكم والحِكْمة، وأن الحُكْم ينقَسِمُ إلى كونِيٍّ وشَرْعِيٍّ، فمثالُ الكونيِّ قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، ومثالُ الشَّرْعِيِّ قوله في سورَةِ المُمْتَحَنَةِ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ويشملهما -أي: الحكم الكَوْنِي والشرعي- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] وما أشبه ذلك.
فالحِكمةُ ثابتَةٌ للَّه وهي تَنزيلُ الأشياءِ منازِلها، وتكون في الحُكم الكوْنِيِّ والحُكمِ الشَّرعِيِّ، هذا باعتبارِ موضِعِها، وتكون أيضًا حِكَمةٌ غائِيَّةٌ وحكمَةٌ صُورِيَّةٌ، بمعنى أن كونَ الشيءِ على هذه الصورةِ المعَيَّنَةِ موافقٌ للحِكمةِ، ثم الغايةُ منه حِكْمَةٌ، فتكون الحِكمةُ في الغايَةِ وفي الهيْئةِ التي كان عليها هذا الأمر، وهذا شامِلٌ لجميعِ أحكامِ اللَّهِ الكونية والشَّرْعِيَّةِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ العِلْمِ للَّهِ فيما يتعَلَّقُ بالخلقِ؛ لأن اللَّه جَلَّ وَعَلَا ما حكم على هؤلاء المشركين بمشابهتهم للعَنكبوتِ إلا عن عِلْمٍ بأن هذه الأصنامَ لا تنفعُ ولا فائدةَ منها، فالآية كالتَّعْلِيلِ لما قَبلَها.