﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾، لكن يجوز أن نقول: حُجَّةُ هذا الرجل أوْهَى مِنْ بيتِ العَنكبوت؛ لأن الحجَّةَ ليست بيتًا، فهذا لا بأس به لأنه ليس فيه معارضة للقرآن.
* * *
стр. 212
الآية (٤٢)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٤٢].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا﴾ بمَعْنَى الَّذِي]: فتكونُ اسمًا موصولًا، وهذا الإعرابُ هُو المتبَادَرُ مِنَ الآية.
وبعض المُعرِبينَ قال: إن (ما) استفهامية، فيكونُ الوَقْفُ على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾، ثم يأتي الاستفهامُ: ما الذي يَدْعُونَ من دُونِهِ مِن شيء؟ أي: هل يَسْتَفِيدُون شيئًا؟ ولكن هذا بعيدٌ، فإعرابُ المُفَسِّر هو الصوابُ، وأن (ما) موصولة، وعائد الموصولِ محذوفٌ، وحذفُ العائدِ المنصوبِ مطَّرِدٌ في اللغةِ العربية، التقدير: (إنَّ اللَّه يعلمُ ما يدْعُونَهُ من دُونِهِ من شيء).
وقوله: [﴿يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدونَ]: فالدعاءُ هنا دُعاءُ عِبادَةٍ، وكما يكون الدعاءُ دعاءَ عبادَةٍ كذلك يكون دعاءَ مَسألَةٍ.
أما دعاءُ المسألَةِ فكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فدعاء المسالة كأن تقول: يا ربِّ اغفْر لي، يا ربِّ ارْحمْنِي، وما أشبه ذلك.
ودعاءُ العبادة أن تَتَعَبَّدَ للَّهِ بما أمَرَك به، وإنما كان ذلك دُعاءً؛ لأن
стр. 213
حقيقةَ حالِ العابِد طلبُ مغفرةِ اللَّه ورَحمتِهِ، فهو في الحقيقة داعٍ ضمنًا، ودليلُه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
فقول المُفَسِّر ﵀: [﴿مَا يَدْعُونَ﴾ ما يَعْبُدُونَ] فيه نظَرٌ، فينبغي أن نجعلَ الدُّعاءَ هنا شامِلًا لدعاءِ العبادَةِ ولدعاءِ المسألةِ، وأيضًا فالمشركون يدْعُونَ الأصنامَ دعاءَ عِبادَةٍ، ودعاءَ مسألَةٍ، فالذين يُشْرِكُونَ بالأنبياء والأولياء فإنهم يَدْعُونَهُم دعاءَ مسألَةْ، يقول أحدُهم: يا رسول اللَّه اغفر لي، ويا رسول اللَّه يَسِّرْ أمْرِي، وما أشبه ذلك!
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿يَدْعُونَ﴾ يَعْبُدونَ بالياءِ والتاءِ]: يعني: (يَدْعُونَ) و"تُدْعَوْنَ" قراءتان سبعيتان (١).
قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا بيانٌ لـ ﴿مَا﴾ يعني: أي شيء تَدْعُونه فإن اللَّه تعالى عالم به، أي: أنه يعْلمُ حالَ هذا المدْعو المعْبُودِ، وهي كالتَّعْليلِ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾، ويؤيدُ ذلك أن هذا المثلَ مطابِقٌ للواقِعِ؛ لأنه صادرٌ عن عِلم، فإنه لما ذَكَرَ أنهم كالعنكبوت بيَّن أن هذا عَنْ علمٍ من اللَّه، وأن هذا الشيءَ الذي يُدْعَى لا ينْفَعُ.
قوله: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العَزيزُ في مُلكِهِ، الحكِيمُ في صُنْعِهِ]:
لو قال قائل: إن المناسب أن يقالَ: وهو السميعُ العَليمُ؛ لأن اللَّه تعالى يقولُ: ﴿يَعْلَمُ﴾ فمُقتَضَى الظاهرُ أن تُختَمَ الآية بالعِلْمِ؟
стр. 214
قلنا: هذا حقٌّ بالنسبة لظاهِرِ الكَّلامِ، لكن عندَ التأَمُّلِ نجِدُ أن ختِامَهُ بالعِزَّةِ والحكمَةِ أبلغُ، فإنهم يُريدونَ الاستِنْصارَ بهذه الأصنامِ والغَلبةَ والظهورَ، وأكبرُ شاهد لذلك قولُ أبي سفيان يوم أحد: (اعْلُ هُبَلْ) (١)، فاعتزازهم بهذه الأصنام مقابلٌ بعزَّةِ مَنْ لا يُغْلَب وهو اللَّه جَلَّ وَعَلَا، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالبُ لهذَهِ الأصنامِ ولعَابِدِيها.
و﴿الْعَزِيزُ﴾ من أسماءِ اللَّه ، ويتَضَمَّنُ العزَّة مِنْ ثلاثةِ وُجوهٍ: عزَّةُ القَدْر، وعزَّةُ القَهرِ، وعزَّة الامتِنَاعِ، كما تقدم.
أما عِزَّةُ القَدْرِ فمعناها: أنه لا يُشْبِهُه أحدٌ في عَظَمَتِهِ وجلالِه وقَدْرِه، وأما عزَّة القَهْرِ فمعناها: أنه لا أَحَدَ يُشْبِهُ اللَّه في قَهْرهِ وسُلطانِهِ ومُلكِهِ، وأما عزَّة الامتْناع فمعناها: أنه ممتَنِعٌ عن كُلِّ نَقْصٍ وعن كلِّ عَيْبٍ، فهو عزيزٌ أن يُنال بعَيْبٍ أو نَقْصٍ.
وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ دائمًا يَقْرِنُ اللَّه العَزّة بالحِكْمَةِ؛ لأن بعضَ أهلِ العِزَّةِ من الخَلْقِ تحْمِلُهم العزَّةُ على التَّهَوُّرِ وعدمِ التَّثَبُّتِ، وعدمُ تنزيلِ الأشياءِ منازَلَها، ودليلُ ذلكَ قولُه : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، وكون العِزَّةِ تأْخُذُه بالإثمِ خلاف الحكمة، فلهذا يَقْرِنُ اللَّه دائمًا العزيزَ بالحكيمِ إشارةً إلى أن عِزَّتَهُ ﵎ مَقْرُونَةٌ بالحِكمةِ، فهو وإن كانَ عَزِيزًا غالِبًا قاهِرًا لَهُ السلطانُ الكامِلُ، فإنه لا يُدَبِّرُ الأمرَ إلا على وجْهِ الحِكمةِ البالِغَةِ.
ثم إنه على تَفْسيرنا ﴿الْحَكِيمُ﴾ بأنه ذُو الحُكم والحِكمة، فإن عِزَّتَهُ
стр. 215
مقرونةٌ بحُكْمِه وأن له الحكمَ المطلقَ في عبادِهِ .
واعلم أن أسماءَ اللَّهِ لها مَعانٍ عندَ إفرَادِهَا، وإذا قُرنِتْ مع غيرها يتركَّبُ من هذا الاقترانِ معنًى آخر فوقَ المعنى الإفرادِي لكُلِّ اسم، فالعزيزُ مِنْ أسماءِ اللَّه جَلَّ وَعَلَا له مَعْنى عندَ انفرَادِهِ، والحكيم له معنى عند انفرَادِه لكن إذا اقْترنَا جميعًا حصل منهما معْنى ثالث زائد على المعنى الانْفرادِيِّ، وهو ما يحصل باجتماع هذين الاسمين من المعْنى الكامِلِ.
وقد تقدَّمَ أن الحكيم ذو الحُكم والحِكْمة، وأن الحُكْم ينقَسِمُ إلى كونِيٍّ وشَرْعِيٍّ، فمثالُ الكونيِّ قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، ومثالُ الشَّرْعِيِّ قوله في سورَةِ المُمْتَحَنَةِ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ويشملهما -أي: الحكم الكَوْنِي والشرعي- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] وما أشبه ذلك.
فالحِكمةُ ثابتَةٌ للَّه وهي تَنزيلُ الأشياءِ منازِلها، وتكون في الحُكم الكوْنِيِّ والحُكمِ الشَّرعِيِّ، هذا باعتبارِ موضِعِها، وتكون أيضًا حِكَمةٌ غائِيَّةٌ وحكمَةٌ صُورِيَّةٌ، بمعنى أن كونَ الشيءِ على هذه الصورةِ المعَيَّنَةِ موافقٌ للحِكمةِ، ثم الغايةُ منه حِكْمَةٌ، فتكون الحِكمةُ في الغايَةِ وفي الهيْئةِ التي كان عليها هذا الأمر، وهذا شامِلٌ لجميعِ أحكامِ اللَّهِ الكونية والشَّرْعِيَّةِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ العِلْمِ للَّهِ فيما يتعَلَّقُ بالخلقِ؛ لأن اللَّه جَلَّ وَعَلَا ما حكم على هؤلاء المشركين بمشابهتهم للعَنكبوتِ إلا عن عِلْمٍ بأن هذه الأصنامَ لا تنفعُ ولا فائدةَ منها، فالآية كالتَّعْلِيلِ لما قَبلَها.
стр. 216
الفَائِدةُ الثَّانِية: وهي مبنية على الأُولى، الردُّ على غُلاةِ القَدرِّيَةِ الذين قالوا: إن اللَّه لا يعلمَ الأشياء المتعلِّقَةَ بالخلْقِ إلا بعدَ وُقوعِها -نعوذ باللَّه- لكن شيخ الإسلام ﵀ يقول (١): إنهم قَلِيلٌ، وذلك في وَقْتِهِ؛ لأنهم رأوا أن إنْكارَهُم العلْمَ نداءٌ على أنْفُسهِمْ بالكُفر فأثْبَتُوا العِلمَ للَّه وأنكَرُوا الكتابةَ والمشِيئةَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ اسمينِ مِنْ أسماءِ اللَّهِ وهما: العَزيزُ والحكيمُ، وإثباتُ ما تَضَمَنَّاهُ من صفةٍ وهي: العِزَّةُ والحِكمةُ، وكذلك إثبات ما تَضَمَنَّاه من صفةٍ بدَلالة الالتزامِ.
فنُثْبِتُ ما يستْلزِمُه هذان الاسمانِ منَ الصِّفاتِ؛ لأنَّ دَلالَةَ اللفظِ على معناه تكون بدلالةِ المطابَقَةِ والتَّضَمُّنِ والالتزامِ، وقد تقدم الكلام على ذلك، ونضربُ لذلك مثلًا:
كلمة (دَارَ) أي: المسكُونَةُ، تدلُّ على هذه الكُتلةِ من البناء المتضمنة للغُرَفِ والحُجَر والسُّطوحِ؛ تدل على ذلك بالمطابَقَةِ، وتدل على كُلَّ حجرةٍ بمُفْردِهَا أو غرفةٍ بمفردها أو سطح بمُفرده؛ تدل على ذلك بالتَّضَمُّنِ، يعني: أنها متَضمَّنة لغُرفٍ وحُجَرٍ. . . إلخ، وتدل على أن لها بانِيًا بِدِلالَةِ الالتزامِ.
فالعزيزُ يدُلُّ على العزَّةِ دلالةَ مطابَقةٍ، ومن لازم العزة أن يكون العَزِيزُ عالمًا قادِرًا قَوِيًّا، ودلالةُ العزيزِ على الذات والصِّفَةِ دلالةُ مطابَقَةٍ، وعلى الذات والصفة وحدها دلالة تَضَمُّنٍ.
ولهذا فالحيُّ القيومُ اسمان تضَمَنا جميعَ الصفات؛ لأن الحيَّ مستلزمٌ لجميعِ صفاتِ الكمالِ، والقيُّومُ مستلزمٌ لجميعِ صفاتِ السلطانِ والمُلك والتَّدْبِيرِ وما أشبه
стр. 217
ذلك من الصفات، ولهذا ورد في الحديث أنهما اسمُ اللَّه الأعْظَمُ (١).
وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيه إثباتُ الحُكْمِ والحِكْمَةِ، وفي الجمع بين اسمي العَزيزِ والحكيم تظْهر صفةٌ ثالثةٌ، وهي أن عِزَّةَ اللَّهِ مقرونَةٌ بالحِكمةِ ليست كعِزَّةِ غيرهِ من المخلوقين؛ لأن عِزَّةَ المخلوقِ قد تكونُ خالية مِنَ الحِكْمةِ، وقد تقدم ذلك في التفسير.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: ينبغي التأَمُّلُ إذا خُتِمتِ الآيات بما يكون مخالفًا لظاهِرِ الحالِ أو السياقِ كهذه الآية، فقد يتبَادَرُ إلى الذِّهْنِ أن تُختَمَ بالعِلم، ولكن عند التأَمُّلِ يكون ختْمُهَا بالعزَّةِ والحكمةِ أوْلى، ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فظاهرُ السياقِ يَدُلُّ على أن تُخْتَمَ الآيةُ بالغفورِ الرَّحِيمِ؛ لكن عدَل عنه لغايَة بلاغِيَّةٍ، فتأَمَّل وتوقَّفَ فإن الخَللَ منك، وكلامُ اللَّه لا خَللَ فِيهِ.
* * *
стр. 218
الآية (٤٣)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ فِي الْقُرْآنِ، ﴿نَضْرِبُهَا﴾ نجْعَلُها ﴿لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ أي: يفْهَمُها ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ المتَدَبِّرُونَ] اهـ.
قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ أتى بـ (تِلكَ) الدَّالَةُ على البعدِ ولم يقل: هذا المثل، حتى نقولَ عدَلَ بالكلامِ عَن ظاهِرِه أو عن مُقتَضَى سياقِهِ؛ لأن المثلَ المضروبَ قَريبٌ، لكن قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ لأن الأمثالَ الأُخْرَى غيرُ مَثَلِ المتَّخِذِينَ الأصنامَ آلهة بعيدةً بالنِّسْبَةِ لهذا المكان؛ لأنها متَفَرِّقةٌ في القرآنِ، فلهذا جاءت الآية بـ (تلك) الدَّالة على البُعدِ ولم يَقُلْ: هذا المثل، فهو شامِلٌ لكلِّ الأمثال الوارِدَةِ في القرآن.
والأمثالُ الوارِدَةُ في القرآن كثيرةٌ ومتَعَدِّدَةٌ، وقد ألَّفَ فيها بعضُ أهل العلم كُتُبًا مستَقِلَّةً، وأفردها السيوطي في الإتقانِ بفَصلٍ مستَقِلٍّ، وبيَّنَ فوائد الأمثال التي يُضْربَ المثَلُ منْ أجْلِهَا.
والفَائِدةُ الملموسَةُ القريبةُ جدًّا من ضربِ الأمثال هي تقريبُ العُقولِ إلى الأذهان، إذ إن المثل هو ضَرْبُ شيءٍ معقولٍ قد يَبعدُ عن الإنسان تَصَوُّرُهُ بشيءٍ محسوسٍ يَسْهُلُ تصَوُّرُهُ.
стр. 219
قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ أي: نجْعَلُها أمثالًا للنَّاسِ جميعًا، فـ (ضَرَبَ) هنا بمعنى: جعل، فإذا قلت: (ضَرَب ذَلِكَ مثلًا)، فالمعنى: جعل ذلك مثلًا، وكذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، أي: جعل لكم مثلًا من أنفسِكُمْ.
فالضربُ يأتي بمعنى الجَعلِ إذا أضيفِ إلى المثَلِ، فمادة (ضرب) ليست خاصَّةً بالضَّرْبِ الذي هو الضربُ باليد، بل تَشْمَلُ الضَّربَ بمعنى الجَعْلِ، وتشمل الضربَ بمعنى: تحويلِ النُّقودِ من سَكَّة إلى سَكَّة، والسياق هو الذي يُبَيِّنُ المعْنَى المرادَ.
فاللَّه ضرَبَ الأمثالَ لجميعِ النَّاسِ في التَّوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ ولكن الذي يَعْقِلُها وينتفع بها هم العَالمُونَ.
قوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ أي: ذَوُو العِلم والفَهمِ الذين ينتَفِعونَ بفَهْمهِم وعِلْمهِمْ، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [المتَدَبِّرُونَ]. وهذا التفسيرُ فيه نَظَرٌ لأن العِلمَ بعدَ التَّدَبُّرِ، لكن لما كان العِلمُ لا يحصلُ إلا بِه فسَّرَهُ المُفَسِّر بِهِ.
والحقيقةُ أن المرادَ بالعالمِينَ ذَوُو العِلم والفَهْم الذين يَعْقلُون الأشياء ويفْهَمُونها، احتِرَازًا من أهلِ الجَهلِ المعْرضينَ الذين لا ينتَفِعونَ بما أعطَاهم اللَّه مِنَ الفُهومِ، فإنهم لا يعْقلُون هذا الأمثالَ، وإذا لم يَعْقِلُوها لم ينْتَفِعُوا بها.
وحَرِيٌّ بطالبٍ العِلم أن يتَتَّبعَ الأمثالَ التي في القُرآنِ، فيقرأُ القُرآنَ بتَدَبُّرٍ ثم يجمَعُ هذه الأمثال على هيئة بحثٍ يصْنَعه لنفسه، ثم إن شاء بعدَ إتمامِه أن يرجِعَ إلى الكُتب المؤلَّفةِ في هذا فلا بأسَ.
وقوله : ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ عمَّم في ضَربِ المثَلِ
стр. 220
وخَصَّصَ في عقْلِ المثَلِ، التَّعميمُ في ضربِ المثلِ في قوله تعالى: ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ والتَّخصيصُ في قولِهِ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.
وأسلوبُ التَّعْميمِ ثم التَّخْصِيصِ كثيرٌ في القرآنِ، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، فعمَّم في الدَّعوةِ وخَصَّصَ في الهِدايَةِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: فائدِةُ ضرْبِ الأمثالِ وأنه نَوعٌ من التَّعليمِ والتَّوجِيهِ، لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾.
الفَائِدةُ الثَّانِية: رحْمَةُ اللَّهِ تعالى بالخَلقِ بضَرْبِ الأمثالِ لهُم؛ لأن ضَربَ الأمثالِ كما تقدَّمَ يقَرِّبُ المعْقولَ، وتَصَوُّرُ الإنسانِ للمحْسوسِ أقْوى من تَصَوُّرِهِ للمَعقولِ، فقد تَشْرحُ لشخْصٍ صفَةَ الحجِّ شرْحًا بيِّنًا وافيًا، لكن لو ذهبتَ به إلى الحجِّ ورَأى المناسِكَ لكان أبْلَغَ لأنه يُحِسُّه بعَينِهِ، بخلافِ ما تَصوَّره بقلْبِهِ فإنه لا يُدْرِكُه كإدراكه للمَحْسُوسِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أنه ينْبغِي التأمُّلُ في الأمثالِ لقولِهِ : ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فالعَالم هو الَّذِي يتَأَمَّلُ وينْظُرُ حتى يَعْقِلَ.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ عظَمَةِ اللَّه لقوله: ﴿نَضْرِبُهَا﴾، فإن النُّونَ للعَظَمة.
واعْلمَ أن ما أضافَهُ اللَّه تعالى لنَفْسِه بلفظ العَظَمَةِ فإنه يدُلُّ على عظَمَةِ نفْسِهِ ، وقد يُرادُ به مَلائِكَتُهُ لا نَفْسَهُ إذا دَلَّ على إرادَةِ الملائكَةِ، وإلا فالأصلُ
стр. 221
أنه يعودُ إلى اللَّه جَلَّ وَعَلَا.
ومما أراد اللَّه به ملائكَتَه قوله : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، الضميرُ في ﴿قُرْآنَهُ﴾، يعودُ على الفاعِلِ وهو جِبريلُ، وأضافه اللَّهُ إلى نفْسِهِ لأن جبريلَ رَسُولُه، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، فإبراهيمُ ﵇ يجادِلُ الرُّسُلَ ولم يجادِلِ اللَّهَ .
وكذلكَ قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]، الضَّميرُ (نحن) يعودُ إلى اللَّه ، فالمرادُ بالقُربِ هنا قُربُ الملائكَةِ، والدَّليلُ على إرادةِ الملائكِة قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾، فإن الملائكة تحْضُرُ إلى الميِّتِ لقبضِ رُوحِهِ وتجلِسُ منه مَدَّ البَصَرِ (١)، لكن لا نُبْصُرها نحن، فالقُربُ هنا قربُ الملائكةِ لوُجودِ الدَّليلِ؛ لأن حملَ ما أُضِيفَ إلى اللَّه بصيغَةِ العَظمةِ على رُسُلِهِ وملائِكَتِه لا بُدَّ له مِنْ دَليلٍ.
وأما ما أضافَهُ اللَّه إلى نَفْسِهِ بصيغةِ الإفرادِ فهو للَّه جَلَّ وَعَلَا، مثال ذلك قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]، هذه الضَّمائرُ كلُّها بصِيغَةِ الإفرادِ، فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ المرادُ قُربُ اللَّهِ نفسه من دَاعِيهِ، ولكن هذا القُرْبُ لا يلْزَمُ منه أن يخْلُوَ منه العَرشُ أو أن ينْتَفِي عنه العُلُوُّ، كما أنه يَنْزِلُ إلى السماءِ الدُّنَيا (٢)، ولا يلزم أن يَخْلُو منْه العَرشُ أو أن ينَافِيَ ذلك عُلُوُّه.
стр. 222
والحاصلُ أن ما أضافَه اللَّه إلى نفسه بصيغَةِ الإفرادِ فهو للَّه ، وما أضافه إلى نَفْسِهِ بصيغَةِ الجمعِ فقد يكونُ للَّه وقد يكون للملائكَةِ، لكن مع وُجودِ دَليلٍ على إرادَةِ الملائكةِ، لكن مع وُجودِ دليل على إرادَةِ الملائكَةِ، وهذه الفَائِدةُ مُهِمَّةٌ جِدًّا في بابِ الصفاتِ وغيرِهَا.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: الثَّناءُ على العَقْلِ، لقولِهِ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾، والمرادُ بالعقلِ هنا عَقلُ الرُّشْد وهو الذي يُثْنِى عليه، وليس المراد عَقلَ الإدْرَاكِ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: فَضِيلَةُ العِلم، لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فغيرُ العالِم باللَّهِ لا يعْقِلُ هذه المعاني؛ لكن العالمِ هو الَّذِي يعْقِلُها ويعرف مَغْزاهَا ومعْنَاها وأوجُه الشَّبَه بينها حتى يصل إلى دَرَجَةِ الكمالِ.
* * *
стр. 223
الآية (٤٤)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٤٤].
* * *
قوله: [﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: مُحِقًّا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ دالَّةٌ على قُدرَتِهِ تعالى] اهـ.
معنى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: أَوْجَدَهَا، فاللَّه خالِقُ السَّمواتِ والأرضِ وبَدِيعِ السَّمواتِ والأرضِ، قال أهلُ العِلْمِ: بديعٌ بمَعْنَى مبْدِعٍ، والإبداعُ إيجادُ الشيءِ على غيرِ مِثالٍ سَبَق، ومنه: البِئر البِدْعُ، أي: الجديدةُ التي حُفِرَتِ الآن، فالخلْق أعمَّ من البِدعِ، لكن قدْ بيَّن اللَّهُ في آياتٍ أُخْرَى أنه خالِقٌ وبَدِيعٌ، فهو الذي أوْجَدَ السمواتِ والأرضِ، وهو بَدِيعُ السَّمواتِ والأرضِ.
وقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني بما فيهما؛ لكن بالنِّسبَةِ لبَنِي آدم هم مِنَ الأرضِ وليسوا فيها؛ لأن الإنسان خُلِق من طِينٍ، والطينُ من الأرضِ، والنباتُ أيضًا مِنَ الأرضِ.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ سبق أن المُفَسِّر يقولُ: [محقًّا] فالجارُّ والمجرور في موضعِ نصْبٍ على الحال من فاعلِ (خلَق) أي: محقًّا، ويجوز أن يكونَ مفْعولًا من أجلِهِ،
стр. 224
يعْنِي بمعنى المفعولِ من أجلِه، أي: خلَقَهُما للحَقِّ.
وتفسيرُ المُفَسِّر يُؤيِّدُه قوله : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، ويؤيِّدُه أيضًا قوله : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨]، فإذا لم يَكُنْ لاعبًا تعالى اللَّه عَنْ ذلك عُلُوًّا كبيرًا -كان محقًّا.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ المشار إليه الخلْقُ، فيشمَلُ كلَّ ما تطَوَّرَ مِنْ خلقِ السمواتِ والأرض فإنه آية، فنَفْسُ السمواتِ والأرضِ خلْقُهما آية دالَّةٌ على اللَّه؛ لأن آيةَ الشيءِ ما كان دَالًّا عليه دونَ غيرِهِ، فالسمواتُ والأرضُ دالَّةٌ على اللَّه لأنه لا أحدَ يستَطِيعُ أن يخلُقَ مثلَ هذه السمواتِ والأرْضِ، فوجودُ السمواتِ والأرض دالٌّ على القُدرَةِ، وما فيها من الانتظامِ وعَدَمِ الاضطرابِ والتناقُض دالٌّ على الحِكمَةِ.
ولو تأَمَّلْتَ أشياءَ كثيرةً من حَوادثِ السمواتِ والأرض لوجدت كُلَّ واحدٍ منها يدُلُّ على القُدرةِ والعِلمِ، قال : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، وأيضًا يدُلُّ على الحِكْمَةِ، وأيضًا له دَلالَةٌ خاصَّةٌ على ما يَدُلُّ عليه بنْفسِه؛ وهذا شيءٌ لو تَأَمَّلهُ المؤمنُ ظَهَرَ له من ذلك آياتٌ كثيرةٌ!
قوله ﵀: [﴿لَآيَةً﴾ دَالَّةٌ على قُدرتِهِ تعالى]: وأيضًا دالَّةٌ على علْمِهِ وحكْمتِهِ ورَحمَتِه وقوَّتِه، فحوادِثُ السمواتِ والأرضِ، كلُّ شيءٍ منها يَدُلُّ على تلك الصِّفةِ الخاصَّةِ.
وقوله: [﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خُصُّوا بالذِّكْرِ لأنهم المنْتَفِعُونَ بها في الإيمانِ بخلافِ الكافِرِينَ]: وهذا صحيحٌ؛ فالآياتُ الكونِيَّةُ لا ينتَفِعُ بها إلا المؤمنُ، وأما الكافرُ فلا ينْتَفِعُ بها، يقول: هذه طبيعةٌ تُدَبِّرُ نَفْسها، وتنَتَقِمُ من الناس بنفسها، وتَجْلِبُ الخيرَ
стр. 225
للناس بنَفْسِهَا، وكذلك الآياتُ الشَّرعِيَّةُ، فالمؤمن ينْتَفِعُ بها، وغيرُ المؤمن لا ينْتَفِعُ، قال : ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، فالآيات الكوْنِيَّةُ والشَّرْعِيَّةُ لا ينتفع بها إلا المؤمن.
وانتِفَاعُ المؤمن بالآياتِ الشَّرعِيَّةِ والكونِيَّةِ يكون بزيادةِ إيمانِهِ، قال : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤].
وزيادةُ الإيمانِ لا شكَّ أنه نفْعٌ عظيمٌ؛ لأن الإيمانَ إمَّا أن يَزيدَ وإما أن ينْقُصَ وإما أن يبْقَى بلا زيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، وهذا قد يكون نادرًا، بل أنا أشكُّ في وُجودِ هذا القِسْمِ؛ لأن عدَمَ زيادةِ الإيمانِ يؤَدِّي إلى نَقْصِهِ؛ إذ إن الإيمان يزيدُ بالطَّاعَةِ فإذا فَقَدْتَ الطاعةَ حصلَ النَّقْصُ، لكن القِسْمَةَ العقلِيَّةَ أن يكونَ إما زائدًا وإما ناقِصًا وإما باقيًا على حالِهِ، وتَصَوُّرُ أو وقوعُ القسم الثالث اللَّهُ أعلمُ بِه.
والمرْجِئَةُ هم الذين قالوا: إن الإيمانَ لا يزيدُ ولا ينْقَصُ، وليس لهم دليلٌ، بل عندهم تَعليلٌ عَلِيلٌ قالوا: إن الإيمان هو إقرارُ القلبِ والإقرارُ لا يتفاوت، وكذلك المعتزِلَةُ والخوارِجُ يقولون: إن الإيمانَ لا يتبَعَّضُ، إما أن يُوجدَ كلُّه وإما أن يُعدَمَ كله.
لو قال قائل: هل يصِحُّ أن نقول: إن بقاء الإيمان على حالِهِ -أي عدم زيادته ونقصه- يدلُّ على صِحَّةِ قول من قال: إن مَن ترك ما ينْفَعُه لا بد أن يُبْتَلَى بما يضَرُّه؟
الجواب: وجه ذلك أن الإنسان لا بُدَّ أن يكون حارِثًا وهَمَّامًا، قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، فالإنسان لا بد أن يفعل شيئًا، ولا بُدَّ له من هِمَّةٍ وعَمَلٍ، فإذا كان هذا العملُ فيما لا ينْفَعُ لَزِمَ أن يكون فيما يَضُرُّ.
стр. 226
فإذا قال قائل: هذا القولُ يستلْزِمُ إبطالَ القولِ بوجودِ قِسْمِ المباحِ في باب التَّكْلِيفِ كما يُذْكَرُ ذلك عن الكَعْبِيِّ المعتزلي (١)، قال: لا يُوجَدُ قِسْمٌ مباحٌ في الشريعة، قال: لأن لازِمَ هذا الشيءِ المباحِ الذي تشتَغِلُ به أن يكون كافًّا لك عن المحَرَّمِ فيكونُ واجبًا، فالأشياء إما واجِبَةٌ وإما مُحَرَّمَةٌ، وردَّ عليه أهلُ العلمِ بأدِّلَةِ العَقْلِ والنَّقْلِ، وقالوا: إن المباحَ إذا تضَمَّنَ تركَ واجبٍ صارَ محرَّمًا لتركِ الواجِبِ لا لكونه مباحًا، ولذا لو فَعَل مباحًا بدون أن يتَرَتَّبَ عليه تركُ واجب وفِعلُ محرَّمٍ لم يكن آثمًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ أن خالقَ السمواتِ والأرضِ هو اللَّه : ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
لو قالَ قائلٌ: الآيات ليس فيها حَصْرٌ حتى تَقُولوا: إن الخالِقَ هو اللَّهُ ؟
فالجواب: نعم، ليسَ في الآياتِ حَصْرٌ بالطُّرقِ المعْرُوفَةِ، لكن في الآيات حَصْرٌ من حيثُ إنه لا يُوجَدُ إلا سموات واحدة وأرضٌ واحِدَةٌ، وإذا كانَ الخالقُ لهما هُو اللَّه انتَفَى أن يكونَ غَيرُهُ خالِقًا لهُما.
الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: الردُّ على أهلِ الطَّبيعَةِ الذين يقولون: إن السمواتِ والأرضَ ليس لها خالقٌ، بل هي أشياء تَتَفاعَلُ وتتحولُ وتتقَلَّبُ، وأن الخلقَ لا أَوَّل له ولا نِهايَةَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ حُدوثِ السَّموات والأرضِ وأنها ليستْ قَدِيمَةً، لقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فهي مُوجَدَةٌ من العدمِ، وكُلُّ ما سِوَى اللَّه
стр. 227
فهو موجودٌ بَعد العَدَمِ.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: إثباتُ أن السمواتِ سبعٌ، نأخذ هذه الفَائِدةَ مِنْ آيات أُخْرَى كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: إثباتُ أن الأَرَضِينَ سبْعٌ مع أن عَدَدهَا لم يأتِ في القرآنِ لكِنْ أُشِيرَ إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فالمماثَلَةُ في الوصْفِ هنا متَعَذِّرَةٌ، وإذا تَعَذَّرَتِ المماثَلَةُ في الوصْفِ رجَعْنَا إلى المماثلَةِ في العددِ، وقد جاءتِ السُّنَّةُ صَريحَةٌ في ذلك، قالَ ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ سَبْعِ أرَضِينَ" (١).
الفَائِدةُ السَّادسَة: اطمئنانُ المؤمن بما يحْدِثُه اللَّهُ في السمواتِ والأرضِ، وجه ذلك: قوله : ﴿بِالْحَقِّ﴾ فإذا عَرَف المؤمِنُ أن ما حدثَ مِنْ جُوعٍ ومَرَضٍ وزَلازِلَ وفيضانات أنه بالحَقِّ اطمأنَّ ورَضِيَ وسَلِمَ، ولا راحة في الحقيقة للإنسانِ إلَّا بهذا، أي: بالإيمانِ بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه وأنه حَقٌّ، وإلا فإنه سيتكَدَّرُ؛ لأنه ما مِنْ ساعةٍ تَمُرُّ إلا وسيَجِدُ الإنسانَ فيها ما يَسُوؤه إما في نفْسِهِ أو أهلِهِ أو صحبه أو بلده، أو البلاد الإسلامية عامة.
لو قالَ قائلٌ: ما معنى قولِ البعضِ: (منَازَعَةُ الأقْدَارِ بالشَّرْعِ واجِبَةٌ)، وهل هي صحيحة أم لا.
الجواب: المرادُ بالمنَازَعَة هنا المقابَلَةُ، فإذا جاءَنَا مِنَ القَدَرِ ما يَسُوؤنَا، فإننا نُنازِعُه بالصَّبْرِ، فإذا صَبَرْنَا ما ساءَنَا، أي: أن نُقابِلَ القَدَرَ بما يقْتَضِيهِ الشَّرْعُ، لكن
стр. 228
منازَعَةَ القَدَرِ بالقَدَرِ لا تجوزُ، والأَوْلَى البُعْدُ عن مثلِ هذه الألْفاظِ؛ لأنها كلماتٌ صُوفِيَّةٌ وتحتاجُ إلى بحث، ثم بعضُ الناس قد ينْفِرُ مِنْ كَلمةِ منَازعة.
الفَائِدةُ السَّابِعة: أن خَلْقَ السمواتِ والأرضِ آية دَالَّةٌ على ما يقْتَضِيهِ هذا المخلُوقُ من صِفاتِ اللَّه ، وقد تقَدَّمَ أن منه ما يَقْتَضِي الدَّلالَةَ على قُدرَةِ اللَّهِ، والدَّلالة على حِكْمَةِ اللَّه، والدَّلالةَ على عِزَّتِهِ حسبَ ما تقْتَضِيهِ الآيةُ.
الفائدتان الثامنة والتَّاسِعة: أنه لا ينْتَفِعُ بالآياتِ إلا المؤمنونَ، لقولِهِ : ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ويتَفَرَّعُ على هذه الفَائِدةِ أنه كُلَّمَا كَمُلَ إيمانُ العبدِ ازداد انتفاعًا بالآياتِ.
وجه هذه الفَائِدةِ: ما سبقَ ذِكْرُهُ من أن الحُكْمَ إذا عُلِّقَ بوصفٍ ازْدَادَ قُوَّةً بقوَّتِهِ وضَعْفًا بضَعْفِهِ، فكلَّما كان الإنسانُ أقْوَى إيمانًا ظَهَر له مِنْ آياتِ اللَّهِ في هذه المخلوقاتِ ما لم يَظْهَرْ لمن هو دُونَهُ.
* * *
стр. 229
الآية (٤٥)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
* * *
قوله : ﴿اتْلُ﴾ فِعْلُ أمرٍ مَبْنِيٌّ على حَذفِ حرفِ العلَّةِ، أصله: تَلا يَتْلُو. والقاعدةُ: أن فِعلَ الأمرِ هو فعلٌ مضارعٌ مجْزُومٌ حُذِفَ منه حرفُ المضارَعَةِ، فإذا أردت أن تَصوغَ الأمرُ من (خاف) تقول: (خِفْ)، ومثله (نامَ) الأمر منه: (نَمْ) لأن مضارِعَه المجزوم (لم يَنَمْ)، وهكذا.
وقوله : ﴿اتْلُ﴾ يتَضَمَّنُ التلاوةَ اللَّفْظِيَّةَ، والتلاوة الحُكمِيَّةَ، أما التلاوة اللَّفظية فهي أن تَقْرَأَ القرآنَ، والتلاوةُ الحُكمِيَّةُ أن تأخُذَ بأحكامِهِ وهي تلاوة الاتِّباعِ، مأخوذةٌ من قولهم: تَلا فلانٌ فلانًا، أي: تَبِعَه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
وقوله : ﴿اتْلُ﴾ الخطابُ للرَّسولِ ﷺ ، وليس مُوَجَّهًا لكل من يَصِحُّ خِطَابُه؛ لأنه قال: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ فهو خاصٌّ بالرسولِ ﷺ ؛ لأن غيرَهُ لم يُوحَ إليه، ومع ذلك فالخِطابُ للرَّسُولِ ﵊ خطابٌ له وللأُمَّةِ، بدليلِ قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]،
стр. 230
إلا ما دَلَّ الدَّلِيلُ على اخْتصِاصَه به، كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، لو انْتَهَتْ الآية هنا لجازَ للأُمَّةِ هذا الفعلَ، لكن قال اللَّه : ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فدَلَّ ذلك على أن الخطابَ الموَجَّه للرسولِ ﷺ خِطابٌ لأُمَّتِهِ ما لم يَدُلَّ دليلٌ على اخْتصاصِهِ به.
واعلم أن الخطابَ الموَجَّهَ للرَّسول ﵊ ثلاثةُ أقسامٍ:
القسمُ الأَوَّلُ: يدُلُّ الدَّلِيلُ بمُقْتضَى اللفْظِ الخاص أنه له ولغَيرِهِ، مثل قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثمَّ قالَ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، ومثل قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، ومِثلُ قولِهِ : ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، ثم قالَ: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ [الأحزاب: ٣٧].
القسمُ الثَّانِي: يخْتَصُّ بِهِ ولا يتَعَدَّاهُ إلى غيرِهِ عَمَلًا بمُقْتَضَى اللَّفْظِ، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤]؛ كلُّ هذا خاصٌّ بالرَّسُولِ ﵊.
القِسْمُ الثالِثُ: يكونُ خَاصًّا به بمُقْتَضَى الخِطابِ، لكن يَتَناولُ غيرَه بمُقْتَضى التأَثُّرِ بدَلِيلٍ منْفصلٍ؛ مثل هذه الآية، فالرَّسُول أُمرَ بالتلاوة وإقامَةِ الصلاةِ، والأُمَّةُ يجب عليها أن تَتْلُو ما أوْحَاهُ اللَّه إلى نَبِيِّهِ.
وقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ (مَا) اسمٌ موصُولٌ يُفِيدُ العُمومَ.
وقوله: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ الوَحْي في اللُّغَةِ: الإعلامُ بسرعة وخَفاءٍ؛ مثاله: رجلٌ بين قومٍ وتريدُ أن تُخْبِرَه وتُعْلِمَه بشيء، تريدُ أن تقول له: قُمْ نذهبُ إلى فلانٍ،
стр. 231
فأشرتَ إليه بيَدِك فَفِهم وقام معك، ولم يَفْهَمِ القومُ الذين معه، هذا هو الوحْي في اللغة.
وأما الوحْيُ في الشَّرعِ: فهو إعلامُ اللَّه بالشَّرْعِ لأحدِ أنْبيائِهِ أو رُسُلهِ، والمراد هنا الوَحْيُ شَرْعًا، وله مراتب ذَكرها اللَّه تعالى في سورة الشُّورَى.
قوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (مِنْ) هنا بيَانِيَّةٌ، بيان لـ (مَا) في قولِهِ: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾.
وقوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ المرادُ به القرآنُ، وسُمِّي كِتَابًا لأنه يُكْتَبُ في المصاحِفِ؛ ولأنه مكتوبٌ في اللَّوحِ المحْفُوظِ، ولأنه مكتوبٌ في أيْدِي الملائكة، قال : ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
و(كِتابا) فعال بمعنى مفعول، وهو كثير في اللغة العربية، كفِراش بمعنى مفروش، وغِراس بمعنى مغروس، وبِناء بمعنى مبني.
قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ أي: ائتِ بها على وَجهِ الكمالِ؛ لأن إقامَةَ الشيءِ جعله قَويمًا ليس فيه اعْوجاجٌ ولا نَقْصٌ.
والخطاب في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ للرسولِ ﷺ ، ومعلومٌ أنه يُقيمُ الصلاةَ وأنه أقْوَمُ المصلِّينَ صلاةً، فكيف وجَّه إليه الخطابُ بإقامَةِ الصَّلاةِ؟
الجواب: تَوجِيهُ الخِطابِ لمن يتَّصِفُ به، المرادُ به الاستمرارُ عليه لا تجْدِيدُه لأنه موجودٌ، مثل قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فالخطابُ ليس عَبَثًا حتى نقولَ: إن هذا أمْرٌ بالإيمان؛ لأن الأمرَ بالإيمانِ
стр. 232
تحصيلُ الحاصِلِ؛ لأنهم مؤمنون، فالخِطابُ المرادُ منه الاستمرارُ على الإيمانِ.
وقوله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ تقَدَّمَ أن تِلاوةَ القُرآنِ تشْمَلُ الاتِّباعَ والعملَ بأحكامِهِ؛ لأن إقامَةَ الصَّلاةِ من اتِّبَاعه والعَملِ بأحكامِهِ، إذن عَطَفهَا على قوله: ﴿اتْلُ﴾ من باب عَطْفُ الخاصِ على العام، وعَطفُ الخاص على العام هو إيذانٌ برِفْعةِ شأنِهِ، ولا شكَّ أن الصلاةَ من أفضلِ أعمالِ البدنِ؛ ولهذا خُصَّتْ بالذِّكْرِ.
وهل عطفُ الخاص على العام معناه ذِكْرُه مَرَّتَينِ أو مَعناهُ أنه أُفْرِدَ بالذِّكرِ من بينِ العُمومِ؟ في هذا رأيان لأهل العلم:
فمنهم من قال: إن ذِكْرَ الخاص بعد العام معناه أنه سُلِبَتْ دَلالَةُ العُموم بالنسبة إليه، ثم أُفْردَ بالذِّكْرِ.
ومنهم من قال: إنه داخلٌ في العُمومِ الأوَّلِ ثم أُفردَ بالذِّكْرِ فيكون ذُكِرَ مرَّتينِ، وكلا القولين يدلُّ على شرفِ هذا المذْكُورِ، لكن أقواهما الأخير، وهو أن يُذْكَرَ مرتين: مرة بذِكْرِ العُموم ومرة بالخُصوصِ، وتظهر الفَائِدةُ فيما لو قلت: أُكْرِمُ الطلبةَ ومحمدًا، فعلى القول بأنه داخلٌ في العمومِ ثم خُصَّ بالذِّكْرِ، نعرفُ أن مُحَمَّدًا من الطلبة، أما إذا قلنا: نُزِعَ من العمومِ ثم خُصَّ بالذِّكْرِ، نبحث عن محمد هل هو طالب أو ليس بطالب، ونحتاج إلى قَرينَةٍ تَدُلُّ على أنه مِنَ الطَّلَبَةِ، والصحيحُ ما تقَدَّمَ.
قال مُعَلِّلًا الأمرَ بإقامَةِ الصَّلاةِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، وهذا التعليلُ هل هو تَعْلِيلٌ بالنسبة للمخاطَبِ أو بالنِّسْبَةِ للمخاطَب بِهِ؟
إذا قلنا: إن التَّعْلِيلَ بالنسبَةِ للمُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ ﵊ صارَ المعنى إن الصلاة تَنْهَاكَ عَنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ، وهذا يقْتَضِي جوازَ وُقوعِ الفَحشاءِ
стр. 233
والمنكرِ مِنَ الرَّسولِ ﷺ .
وإذا قلنا: إن التعليلَ بالنِّسْبَةِ للمُخاطَبِ به وهو الصلاة؛ قلنا: إن الصلاةَ من حيثُ هي صلاةٌ تنْهَى عن الفحشاءِ والمنْكَرِ، ويكونُ هذا وصفًا صادِقًا لغَيرِ الرَّسولِ ﷺ ، وهذا هو المتَعَيِّنُ، لعِلْمِنَا أن الرسولَ ﷺ معصومٌ من الفَحْشاءِ والمنْكَرِ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاة﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ المرادُ بالصلاةِ في الموضِعَيْنِ صلاةُ الفَريضةِ والنافِلَةِ.
وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ أي: تمْنَعُ، لكنَّ التَّعبير بالنَّهْي أبلغُ من التَّعْبِيرِ بالمنْعِ، فإنَّ المانِعَ قد لا يَكون مُحَذِّرًا، لكنْ في النَّهْي تَحْذِيرٌ، وهو أشَدُّ مِنَ المنْعِ لأنه يوجَدُ في القلبِ كراهَةٌ لهذا الشَّيءِ ونُفورٌ منه، ومجرَّدُ المنْعِ لا يقْتَضِي ذلك، فكأنَّ الصلاةَ فيها سِرٌّ يَقْتَضِي أن يبْعُدَ الإنسانُ عن الفَحشاءِ والمنْكَرِ، كأنها تُؤَنِّبُ ضمِيرَهُ: لماذا تَفْعَلُ هذا؟ فالصلاةُ تُوجِبُ المنع مِنَ المعاصِي.
وقوله: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ الفحشاءُ: كُلُّ ما يُستَفْحَشُ مِنَ المعاصِي كالزِّنَا والسَّرقَةِ وشربِ الخمرِ وقتلِ النفس وما أشبه ذلك، والمنْكَرُ ما دونَ ذلك، وعَطْفُ المنْكَرِ على الفحشاءِ من عَطْفِ العامِ على الخاص؛ لأن كُلَّ فحشاء منْكر، وليس كل مُنْكَرٍ فَحشاء.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ شَرعًا، أي: مِنْ شأنِها ذلِكَ ما دَامَ المرءُ فِيها].
قوله ﵀: [مِنْ شَأْنِهَا ذَلكَ] صحيحٌ، لكن قوله: [مَا دَامَ المرءُ فِيهَا] ليس بصحيحٍ، بل هي تَنْهى عن الفحشاءِ والمنْكَرِ ما دَامَ المرءُ فيها وما لم يدُمْ فيها، يعني
стр. 234
ليس نَفْعِها خاصًّا؛ لأن المصَلِّي حالَ كونِهِ يُصَلِّي لن يفعلَ الفَحشاءُ والمنْكَرُ، لكن الفَائِدةَ العَظيمَةَ أنها تؤَثِّرُ في قلْبِكَ تأثِيرًا يقْتَضِي إبعادُكَ عَنِ الفَحشاءِ والمنكرِ، وهذه هي الثَّمَرةُ والنتيجةُ، فتَقْيِيدُ المُفَسِّر ليسَ بصوابٍ، بل هي مُطْلقَة تنْهَى عن الفحشاءِ والمنْكرِ داخلَ الصلاةِ وخارَجَها.
ووجه ذلك: أن الإنسانَ يُنَاجِي ربَّه كما وَرَدَ في الحديثِ، فبَيْنَه وبينَ ربِّه صلِةٌ، هذه الصلِةُ تُكْسِبُ القلبَ إِيمَانًا ونُورًا، ولهذا قال النَّبِيُّ ﷺ : "الصَّلَاةُ نُورٌ" (١)، ومعلومٌ أن القَلبَ إذا اكتَسَب نُورًا لا يَمِيلُ إلى الفحشاءِ والمنكرِ؛ لأنه كُلَّمَا هَمَّ أن يفعلَ معصِيَةً تَذَكَّرَ أنه قبلَ ساعات كان واقفًا بين يدَي اللَّهِ فيخْجَلُ ويبْتَعِدُ.
وهذا أمرٌ مشَاهَدٌ، فالإنسانُ أحيانًا يَذْكُر وُقوفَهُ في صلاةٍ منذ عِشرين سنة أو أكثر، صلَّى صلاةً في غايَةِ الإحسانِ كما جاء في الحديث: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأَنَّكَ تَرَاهُ" (٢)، فصلى كأنه يَرَى ربَّهُ، فإنه يَجِدُ طَعْمَ هذه الصلاةِ ولو بعدَ حينٍ طويل فيَذْكُرُها ولا تَغِيبُ عن قَلْبِهِ، هذه الذِّكْرَى لا بد أن تُؤَثِّرَ في نَهي الإنسانِ عنِ الفحشاءِ والمنْكَرِ، وهذا وجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
لكن مُرادَه بقولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ أي: الصلاةُ المقَامَةُ، فليس كلُّ صلاةٍ تَنْهَى عنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ، واللَّهِ لو كانتْ صلاتُنَا تَنْهانا عَنِ الفَحشاءِ والمنكرِ لكُنَّا سالمِينَ، لكن نسألُ اللَّه أن يُعامِلَنَا بعَفْوِهِ، يدخُل الإنسانُ في الصلاةِ بقلبٍ ويخرُجُ
стр. 235
بنَفْسِ القلْبِ أو أَسْوأ، لكن العبادات إذا لم تُؤَثِّرْ على قلبكَ حُسْنَى فهي ضَرَرٌ، فالذي لا تنْفَعُه الآياتُ تَضَرُّهُ كما قال النبي ﷺ : "القُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ" (١)، وكذلك جاءَ عنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ لَمْ يَزدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا" (٢).
وهذه المسألةُ ما أكثرَ مَنْ يُعانِي منها من المسلمين، يقولُ الواحِدُ منهم: أنا لا أتَأَثَّرُ بالصلاةِ ولا يحْضُر قَلْبِي ولا يخْشَعُ، فما هُو الدَّواءُ؟
ثم إنَّ بعضَ الناس يشُكُّ في خبرِ اللَّه ، فيقول: أنا أُصَلِّي ولا تَنْهَانِي الصلاة عنِ الفحشاء والمنْكرِ، أصلِّي مع الجماعةِ في الصَّفِّ الأوَّلِ خلفَ الإمامِ، ثم أخْرُجُ إلى مَتْجَرِي وأبيعُ بالرِّبا وأَغُشُّ وأبيعُ بالكَذِبِ، وأجدُ في نَفْسي غلًّا وحِقدًا على المسلمين، وكَراهَةٌ لبَعْضِ شرعِ اللَّه وما أشْبَه ذلك! ويقول: أين الصَّلَاةُ التي تنْهَانَا عَنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ؟
نقول: إن على كُلِّ مؤمنٍ أن يَعْلمَ عِلْمَ التقِينِ أن الصلاةَ تنْهَى عَنِ الفَحشاءِ والمنْكرِ؛ لأن خَبَرَ اللَّه صِدْقٌ، واللَّه عالم بكُلِّ شيءٍ، وهو -سبحانه- قال ذَلِكَ عن علمٍ، إذْنَ فالبَلاءُ في المصَلِّي لا في الصلاةِ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أكْبَرُ من غَيرهِ من الطَّاعاتِ]: (اللام) في قولِهِ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ﴾ لامُ الابتداءِ وقوله: (ذِكْرُ) مصدر مُضَافٌ إلى اسم اللَّه جَلَّ وَعَلَا، فهو مُضافٌ إلى مَفعولِهِ، وإعرابُ هذه الجملةِ:
﴿وَلَذِكْرُ﴾: (اللام) لامُ الابتداءِ، و (ذِكر): مبتدأ مرفوعٌ وعلامَةُ رَفعِهِ الضَّمَّةُ، وهو مضافٌ، والاسم الكريمُ مضافٌ إِلَيْهِ.
стр. 236
﴿أَكْبَرُ﴾: خبرُ المبتدأ.
وقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ يَشْمَلُ مَعْنَيين:
الأول: ولَذِكْرُكَ ربُّكَ أكْبَرُ.
والثاني: ولَذكرُ اللَّه إياكَ بالصَّلاةِ له أكبرُ من نَهْيهِ عَنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ، والشأنُ بذِكْرِ اللَّهِ لكَ لا بِذِكْرِكَ للَّه، كما أن الشأنَ بمَحَبَّةِ اللَّه لك لا بمحبَتِّكَ للَّه.
وانظر إلى قوله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فالشأنُ أن تُذكَرَ لا أنْ تَذكُرَ، وكما أن هذا بالنِّسْبَةِ للمَخلوقِ مع الخالقِ هو أيضًا بالنِّسْبَةِ للمخلُوقِينَ مع بعضهمِ، كونَكَ تحِبُّ فُلانًا أو تذكر فُلانًا لا تَسْتَفِيدُ شَيئًا، إذا كان فلان مُعْرضًا عنك لا تَسْتَفِيدُ إلا العناءَ والبلاءَ، ويشْهَدُ لِذَلكَ قضيةُ بريرةَ مع زَوجِهَا مُغيثٌ، هو يَذْكرها لكن هي لا تَذْكُرُه ولا تُريدُهُ، هو يُحِبُّهَا حبًّا شَدِيدًا وهي لا تحِبُّه (١)، فالشأنُ أن يذْكُرك اللَّه، ولكن ثِقْ بأنك إذا ذَكرتَ اللَّه مِنْ قَلْبِكَ فإن ذكرَ اللَّه لكَ أعظمُ من ذِكركَ له، وفي الحديث القُدْسِيِّ: "إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِه ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي"، ونفْسُ اللَّه أعظمُ من نَفْسِكَ بلا شكَّ، "وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ" (٢)، فأنتَ اذكرْ رَبَّك حقيقةً، فاللَّه يذْكُرُك ذِكْرًا
стр. 237
أعظمَ مِنْ ذِكْرك إياه.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ مَنْ غَيرِهِ مِنْ الطَّاعاتِ]: ظاهِرُ كلامِ المُفَسِّر أن المرادَ بالذِّكْرِ الذكرُ المنْفصِلُ عن الصلاةِ لا الذِّكْرَ الذي في الصلاة، يعني: أن الصلاةَ تَنْهَى عنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ، وذكر اللَّه أعظمُ نهيًا عَنْ الفحشاءِ والمنكرِ وأكبر، ويحْتَمُلُ أن يكونَ المرادَ: ولذِكْرِ اللَّهِ الموجودِ في الصَّلاةِ والموجودِ بها، الموجودُ فيها كالتَّسْبيحِ والتَّكبيرِ والقِراءةِ، وذِكْرُ اللَّهِ الموجودُ بها يعْني ما يحصلُ من ذكرِ اللَّه بِسبَبِهَا.
قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ هذه الجملةُ خَبَرِيَّةٌ، لكن ليس المقْصودُ منها إخبارَنَا أن اللَّه يعْلمُ ما نصْنَعُ، بل لها معنى عظيم وهو: التَّحْذِيرُ من أن نَصْنَعَ ما يخالِفُ شَريعَتَهُ وُقوعًا في النَّهْي أو تَرْكًا للأمْرِ، فالآية للتَّرغيبِ في فِعْلِ الأوامِرِ وللتَّرهيبِ من مخالَفَتِهِ وعِصْيانِهِ فَهي شامِلَةٌ للأمْرَيْنِ، وإن كان الأقربُ أنها للتَّرغِيبِ لأن قَبْلَهَا أمْرٌ، بخِلافِ ما لو كان قبلها نَهْي لكانت للتَّرهيبِ.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (مَا) اسمٌ موصولٌ دالٌّ على العمومِ يشْمَلُ كلَّ ما نصنَعُ من قولٍ أو فعْل، سواء فيما يتعلَّق بحقِّهِ وفِيمَا يتعلَّق بحقِّ عبادِهِ.
وقوله: [﴿يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ليُجَازِيكُم بِهِ]: هذ النتيجةُ، وهي نتِيجَةٌ واضحِةٌ، والمجازَاةُ تكونُ في الدُّنْيا ويومَ القِيامة، والمجازَاةُ على ما نَصْنَعُ قد تكونُ شَرْعِيَّةٌ بفعلِ العبدِ مثلُ الحُدودِ، فإن الحدودَ عقوبةٌ شَرْعِيَّةٌ بفِعْلِ العبدِ، فالعبدُ هو المأمورُ بفِعْلِهَا، وقد تكونُ المجازاة كونية قَدَرِيَّةٌ بفِعْلِ اللَّه، كما لو أصيبَ الإنسانُ بأمراضٍ وتَلَفِ أموالٍ وما أشْبَه ذَلِكَ.
لو قالَ قائلٌ: هل الأمراضُ والمصَائبُ التي تُصِيبُ العبدَ عُقوبة أو ابتلاء؟
стр. 238
فالجواب: قد تكونُ عُقُوبَةً وقد تكون ابتلاءً وامتِحَانًا، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، فيكونُ اخْتِبَارًا، والمصائبُ التي تأْتِي الرَّسولَ ﵊ من باب الامتحانِ والابتلاءِ حتَّى يَصِلَ الإنسانُ إلى دَرَجَة الكمالِ؛ لأن الصبْرَ منْزِلَةٌ عالِيَةٌ عظِيمةٌ في الدِّينِ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]؛ لكنَّ الصَّبْرَ بدونِ مَصبورٍ عليه لا يمكن، فلا بُدَّ من أشياءَ تَرِدُ على الإنسانِ من قضاءِ اللَّهِ يَصْبِرُ عليها.
والابتلاءُ والفِتْنَةُ قد تكونُ بالخيرِ والشَّرِّ، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، والفتْنَةُ بالنسبة للخيرِ فِتْنَةُ الشُّكْرِ، وبالنِّسَبَةِ للشَرِّ فِتنَةُ الصَّبْرِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: وجوبُ تِلاوةِ القرآنِ على الوجوهِ الثلاثَةِ المتقَدِّمَةِ، وهي: تلاوةُ اللَّفْظِ، والمعْنَى، والاتباعِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ أن النَّبِيَّ ﵊ رسولٌ لقَولِهِ: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، فإن الوَحْي إليه يَدُلُّ على رِسَالَتِهِ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أهمِّيَّةُ الصلاة والعِنايةُ بها، لقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، فالصلاةُ داخِلَةٌ في تِلاوةِ ما أُوحِيَ إليه، ثم خَصَّها بالذِّكْرِ للعِنايَةِ بشأنِهَا.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: أن المأمورَ به إقامَةُ الصَّلاةِ وليس فِعْلُ الصَّلاةِ، ولا يخْفَى الفَرْقُ بينَ الإقامَةِ وبينَ مُجَرَّدِ الفِعْلِ.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: الآثارُ الحميدَةُ المتَرتِّبَةُ على إقامَةِ الصَّلاةِ، وهي النَّهي عن
стр. 239
الفَحشاءِ والمنْكَرِ، لقولِهِ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
الفَائدتَانِ السادِسَةُ والسابعةُ: فضيلَةُ ذِكْرِ اللَّه ، لقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، هذا إذا كانتِ الإضَافَةُ للمَفعولِ، وفيها أيضًا فَضيلَةُ ذِكرِ اللَّهِ العَبْدَ وأنه مِنَ المرَاتبِ العالِيَةِ لقوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، هذا إذا كانت مُضافَةً للفاعِلِ.
الفَائِدةُ الثَّامِنةُ: الأمورُ الإيجابِيَّةُ أكمْلُ من الأمورِ السَّلْبِيَّةِ؛ لأن ذِكرَ اللَّهِ أمرٌ إيجَابِيٌّ؛ ولهذا قال: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، والنَّهْي عنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ أمرٌ سَلْبِيٌ، ولهذا قال العلماء: إن الصبرَ على طَاعَةِ اللَّهِ أكْمَلُ مِنَ الصبرِ على معْصِيَةِ اللَّه؛ لأنه صَبرَ على فعلِ مُعانَاةٍ ومَشَقَّةٍ، فالإنسانُ يجاهِدُ نفْسَهُ بالصَّبْرِ على طاعَةِ اللَّه مِنْ وَجْهَيْنِ: من جِهَةِ إلْزَامِهَا بها، ومن جِهَةِ الصبرِ والتَّحَمُّلِ لهذه الأفعالِ والأقْوالِ.
وليس المرادُ بالذِّكْرِ ذِكْرَ الصُّوفِيَّةِ؛ لأنهم في الحقيقةِ لا يَذْكُرونَ اللَّه، فذِكْرُهم بِدْعِيٌّ، والبِدْعَةُ مَرْدُودَةٌ عندَ اللَّهِ، والذِّكْرُ ليس باللسانِ فقط، بل الذِّكْرُ يكونُ باللسانِ والقلبِ والجوارحِ، ولا بُدَّ أيضًا أن يكون على مُقْتَضَى الشريعةِ، فكُلُّ ذِكْرٍ على خلافِ مقْتَضَى الشَّريعَةِ فلَيْسَ ذِكْرًا، ولو ادَّعى صاحبُهُ أنه ذِكْرٌ.
الفوائدُ التاسِعَةُ والعَاشِرَةُ والحَادِيةَ عشْرَةَ: إثباتُ علمِ اللَّه ، لقَولِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾، وإثباتُ عُمومِ العِلْم لقوله: ﴿مَا تَصْنَعُونَ﴾، وإثباتُ تعلُّقِ علْمِ اللَّه بفِعلِ العِبادَ لقوله: ﴿تَصْنَعُونَ﴾ فيكون فيها رَدٌّ على طائِفةٍ وهمُ القَدَرِيَّةُ -أعني: غلاتَهُمْ- لأنهم كانوا قَدِيمًا يُنْكِرُونَ تعلُّقَ عِلمِ اللَّه بفِعْلِ العَبدِ، ويقولون: إن الأمرَ أُنُفٌ، أي: مسْتَأْنَفُ، وأن اللَّه لا يعْلمُ بأفعال العِبادِ إلا إذا عَمِلُوها، ولا شكَّ أن هذا كُفْرٌ، كما قال الشافِعِيُّ وغيره: "جَادِلُوهُمْ بالعِلْمِ فإنْ أقَرُّوا بِه خُصِمُوا، وإنْ أنْكَرُوه كَفَرُوا".
стр. 240
الفَائدتَانِ الثانِيةَ عشرةَ والثالثةَ عَشرةَ: إثباتُ الأفعالِ الاخْتِيارِيَّةِ للعَبْدِ ونَسْبِتُهَا إليه؛ لقوله: ﴿تَصْنَعُونَ﴾، وفيها أيضًا رَدٌّ على طائفة ضِدِّ القَدَرِيَّةِ وهم الجَبْرِيَّةُ.
الفَائِدةُ الرابِعَةَ عشرةَ: أن من لم تَنْهَهُ صلاتُه عَنِ الفحشاءِ والمنْكَرِ فإنه لم يُقِمْهَا، لقولِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، فجعل هذا أمرًا مُرَتَّبًا على إقامَةِ الصلاةِ، فإذا لم تَنْهَكَ الصلاةُ عن الفَحشاءِ والمنْكَرِ فإنكَ لم تَقُمْهَا.
وهذه المسألة كما تقدم يجب أن نُحاسِبَ أنْفُسنَا عليها فلا نقولُ: إننا أقمَنْا الصلاةَ حتى نَنْظُر آثارها، فإذا وَجَدْنَا أن القلوبَ لم تَتَغَيَّرْ ولم تَكْرَهِ الفَحشاءَ والمنكرَ بفعْلِ الصلاةِ، عَلِمْنَا أنَّنا مُقَصِّرون في إقامتها، وإلَّا لَوْ أقمْنَاها لكانتِ النَّتِيجَةُ كَما أخْبَرَ اللَّه .
* * *
стр. 241
الآية (٤٦)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
* * *
قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ الخطابُ للأمَّةِ جَميعًا، وهو نَهْي، وقوله: ﴿تُجَادِلُوا﴾ المجادَلَةُ: هي مُنَازَعَةُ الخَصمِ لأمرين: للظُّهورِ عليه، وإبطالِ حُجَّتِهِ، مأخوذةٌ من فَتْلِ الرأسِ، وفَتْلِ الحبْلِ؛ لأن الجدَلَ هو فَتْلُ الحبْلِ، والمقصودُ به إحكَامُهُ وتَقْوِيَتُهُ، كأن المنَازَع يريدُ أن يُقَوِّيَ حُجَّتَهُ على خَصْمِهِ، وفي اللغة العامِّيَّةِ نَسَمِّي قرون المرأة (جدايل) لأنها تَفْتِلُها وتُقَوِّيها.
قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعني: الذين أُوتُوهُ، وأهلُ الشيءِ هم من أُوتُوا الشيءَ وإن لم يَعْمَلُوا به، ويُرادُ به من أُوتِيَ الشيءَ وعَمِل به، ومحلُّ الثَّناءِ الثاني، فأهلُ القرآنِ حقًّا هم الذين حَفِظُوه تِلاوَةً وعَمِلُوا به، وكذلك الذين حَفِظُوه ولم يَعْمَلُوا به هم أهلُ القرآنِ لكن ليسُوا أهلَه حقًّا، ومَحِلُّ الثناءِ والمدْحِ مَنْ كان مِنْ أهله تِلاوَةً وعَمَلًا.
وقوله: ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ المرادُ بالكتابِ هُنا للجِنْسِ، وإلا فهما كتابان: التوراةُ لليهودِ والإنْجِيلُ للنَّصارَى.
стр. 242
قوله: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ هذا الاستثناء مفرغٌ مِنْ عُمومِ الأحوالِ، يعني: في أيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ لا تُجادِلُوهُم إلا بالَّتِي هِي أحْسَنُ.
وعبَّرَ ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ولم يقل: (بالذي) مع أن (التي) للمؤنث؛ لأن المراد هنا: أي بالطَّريقَةِ التي هي أحسنُ؛ لأن المجادَلَةَ ليست كلمةً تُلْقى، بل هي طُرُقٌ، ولذلك في أَدَبِ المناظَرةِ تُوجدُ طُرُقٌ يتمَكَّن بها الإنسان من الوصولِ إلى إقناعِ الخَصم وإقامَةِ الحُجَّة عليه.
وقوله: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالطريقَةِ المثْلَى التي يتَوَصَّلُ بها إلى إفْحَامِ الخَصمِ وهِي الأَدَاءُ، وكذلك الطَّريقةُ الأَقْوَى في إقنَاعِهِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عليه وهي الصيغةُ، أي: صِفَةُ هذه المجادَلَةِ أو المنَازَعَةِ.
وقوله: ﴿أَحْسَنُ﴾ اسمُ تَفْضِيلٍ مُطْلَقٌ ليِعُمَّ الحُسنَ في سيَاقِ الأَدِلَّةِ، ويَعُمَّ الحسنَ في كيفِيَّةِ المجادَلَةِ، فلا بد مِنَ الأمرين، لا بُّدَ من حُسنِ الطَّريق، بمعنى: أن تأتي بأقربَ الطُّرُقِ لإقناعِ الخصْمِ، ولا بد أيضًا من كيفيَّةِ عرضِ هذه الطريقة، ونضربُ مثلًا للأمْرَيْنِ:
إنسانٌ عندَهُ قوة في المناظَرَةِ وإيرادِ الحُجَجِ، لكنه إذا جاءَ يجادِلُ أخَذَ في السَّبِّ والشَّتْمِ، يقول: أنت بَليدٌ وأنت كذا وكذا، هذا ليس بحَسَنٍ، وإن كان عَرْضُ الطريقِ وسياقُ الأدلَّة جيِّدًا؛ لكن كيفيةُ المجادَلَةِ ليس داخِلًا في قوله: ﴿بِالَّتِي هِىَ أَحْسَنُ﴾.
وإنسانٌ آخَرُ لَيِّنُ الكَلامِ مُهَذَّبٌ لكن لا يُحْسِنُ المناظَرَة؛ هذا أيضًا ليس دَاخِلًا في قولِهِ: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
انظُر إلى إبراهيمَ ﵇ لمَّا حاجَّه الملِكُ في ربِّه: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي
стр. 243
يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ لم يَذْهبْ إبراهيمُ ليُنازِعَهُ ويقول: أنت لا تُحْيِي ولا تُميتُ، أنت أنما تفْعَلُ السبب، بل قال له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ آتَاهُ بدَليلٍ ولازِمٍ لا ينْفَكُّ منه، ولهذا قال : ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أي: ما استطَاعَ أن يتَخَلَّصَ من هذا الإيرادِ.
وأيضًا من الأحْسَنِ في المناظرةِ إذا رَأيتَ بسُلوككَ أحدَ الطُّرقِ أنه قد ينْفتِحُ عليك بابُ المعارضة، فاسلُكِ الطريقَ الآخَرَ، ولا تقل: أنا أحِبُّ أن أُبْقِى على الحُجَّةِ التي أَدْلَيْتُ بها ولا أُورِدُ أُخْرَى لأني أخْشَى أن يكونَ ذلك التزامًا!
نقول: ما دامَ عندَكَ حُجَّةٌ تَعْرفُ أنه لن يستَطِيعَ أن يُنَازَعَ فيها، فاتْرُكِ التي أَدَلْيتَ بها أوَّلًا حتَّى لا ينْفَتِحَ عليكَ أبوابُ النَّقْدِ؛ ولأن هذه الحُجَّةَ تؤَدِّي إلى إفحامِ الخصْمِ، ولئلَّا تكون المنازَعَةُ بالحجَّةِ الأُولَى سَببًا لظُهورِهِ عليك؛ بينما أنت عِندكَ ما هو أقْوى مِنْ حُجَجِه إذا سلَكْتَ الطريقَ الآخَرَ، وإن كان بمَجموعِ الطُّرقِ ينْتَفِي الاعتراضُ؛ فأَوْرِدْ جَميعَها.
فالحاصلُ: أن المجادلَةَ بالتي هي أحسنُ تشْمَلُ الطريقةَ التي تنْدَفِعُ بها حجَّةُ الخَصْمِ وتقومُ عليها الحُجَّةُ، وتَشْمَلُ كيْفِيَّةَ إلقاءِ هذه الحُجَّةِ.
وقوله: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالبَراهينِ الصَّادِقَةِ والأدِلَّةِ القاطِعةِ، وليست كلُّ حُجَّةٍ مَقْبُولةً إلا حُجَّةً من اللَّهِ ورسولِهِ.
لو قالَ قائلٌ: ما هي حُجَّةُ مُنْكِري صفاتِ اللَّه ، وكيف تُدْحَضُ هذه الحُجَجُ؟
الجواب: في الواقع أن مُنكِرِي الصفاتِ عندَهُمْ شُبَهٌ وليس عندهم حُجَجٌ،
стр. 244
قال : ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ [الشورى: ١٦]، فاحتَجَّ من يُنْكِرُونَ صِفاتِ اللَّه على اختلافِ مَشارِبهِمْ؛ سواءٌ من يُنْكِرُ منهم الصفاتِ الخبَرَيّةَ أو الفعلية أو كلَّ الصفاتِ؛ احتَجُّوا بشبهةٍ وهي: أن إثباتَ هذه الصفاتِ يستلزمُ التَّشبيهَ، قالوا: لأنا لا نعْقِلُ في الخارجِ من يُوصَفُ بهذه الصفة إلا المخلوق، فيَقْتَضِي أن يكونَ اللَّه تعالى مُشَابِهًا للخلْقِ، وعلى هذا فيَجِبُ إنكار الصفات، هذه غالبُ حُجَّةِ أهلِ التَّعْطِيلِ.
وهذه الشُّبْهَةُ سهلٌ إبْطالها، فنقول لهم: أنتم تُشَاهِدُونَ المخلوقاتِ بعضَها تَتَّفِقُ مع بعضٍ في الأسماء، فالجَمَل له يَدٌ ورِجْلٌ، والحِصانُ له يَدٌ ورِجْلٌ، والنَّمْلَةُ لها يدٌ ورِجْلٌ، والإنسانُ له يَدٌ ورِجْلٌ، وهي مختلفة غير متَشَابِهَةٍ، فإذا انتَفَى التَّشَابه في المخلوقاتِ مع أنها كُلَّها حادِثةٌ، فانتفاءُ التَّشَابُهِ بين الخالقِ والمخلُوقِ من بابِ أَوْلى وأقْطَعِ وأظهْرِ وأبيْنِ.
وقولهم: (في الخارِجِ) أي: في الواقعِ، احتِرازًا من الفَرضِ الذِّهْنِيِّ، فقد يَفْرضُ الذِّهْنُ أشياءَ لا وُجودَ لها، فيُصَوِّر شخْصًا له آذانٌ طويلَةٌ، الأُذُنُ طول المنَارَةِ، والإصْبَعُ عشرةُ مليمترات، لكن هذا الذي صَوَّرَهُ ذِهنكَ غيرُ موجودٍ في الخارج، فيمكن للذِّهْنِ أن يُصوِّر كلِّيَّةً عامة يدخلُ فيها الإنسانُ والبَعيرُ والحِصانُ لكن لا وجود لها في الواقع.
فالحاصلُ: أنهم نَفَوا الصِّفاتِ عن اللَّهِ لأنه لا يُوجَدُ شيءٌ متَّصِفًا بهذه الصفاتِ إلا المخْلُوق، فقالوا: يجِبُ أن نَنْفِيَ عنه هذه الصفاتِ، وكذلك غُلاةُ الجَهْمِيَّةِ قالوا: لا نُثْبِتُ الأسماءَ، فلا نُسَمِّيَ اللَّهَ بالسَّميعِ ولا بالعَليمِ ولا بالغَفورِ ولا بالرَّحيمِ؛ لأن هذه أسماءُ المخلوقِ فلا نُسَمِّي بها اللَّه، وقالوا: لا نُثْبِتُ إلا فاعلًا وقادِرًا،
стр. 245
وأثْبَتُوا هذين الاسمَيْنِ فقط لأنهم جَبرَّيةٌ يَرَوْنَ أن الإنسانَ لا يفْعَلُ بنَفسِهِ ولا يَقْدِرُ على الفِعلِ، فلما انتَفَتْ صِفَةُ الفعلِ والقُدْرَةِ في الإنسان أثبَتُوا أن اللَّهَ فاعِلٌ وقادِرٌ مع أنهم يجِبُ أن يُثْبِتُوا الإرادَة للَّهِ ؛ لأنَّ الإنسان ليس له إرَادَةٌ عِنْدَهُمْ.
وقوله: [﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾ أَيْ: المجَادَلَةُ الَّتِي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ كالدُّعاءِ إلى اللَّهِ بآياتِهِ والتَّنْبِيهِ على حُجَجِهِ]: الدُّعاءُ إلى اللَّه بآياتِهِ الشَّرعِيَّةِ والكوْنِيَّةِ لأن اللَّه يَقُيمُ الحجَّةَ بهما جَميعًا، قال : ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي: بالقُرآنِ ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، فالآياتُ الشَّرعِيَّةُ المجادَلَةُ بها حَقٌّ، وكيفيَّةُ المجادَلَةِ بها هي أن تُبَيِّنَ ما في شَريعةِ اللَّهِ من الحِكَمِ والأسَرْارِ، فإن هذه الشريعةَ إذا بانَتْ حِكَمُها وأسرْارَهُا لكُلِّ ذِي عَقْلِ تَبَيَّنَ أنها هي الحقُّ، وكذلك أيضًا تَبَيَّنَ ما في آياتِ اللَّهِ الشرعيَّةِ من الالْتِئَامِ والانتظامِ وعَدَمِ الاختلافِ قال : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وأما المجادَلَةُ بالآياتِ الكونِيَّةِ أن نُرِيَهُم آياتِ اللَّهِ الكونِيَّةِ قال : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، وهذه الآية وما بَعْدَهَا من سورةِ الطُّورِ مناظَرَةٌ بالآياتِ الشَّرْعِيَّةِ ومناظَرَةٌ بالآياتِ الكونِيَّةِ، قال : ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٦ - ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]، فالآيةُ الأَخِيرَةُ مناظَرَةٌ بالآياتِ الشَّرْعِيَّةِ والآيات التي قَبلَهَا مناظَرَةٌ بالآياتِ الكَوْنِيَّةِ.
ومن ذلك مناظَرَةُ إبراهيمَ ﵇ في الذي حَاجَّه في رَبِّهِ، ناظَرَه بالآياتِ الكوْنِيَّةِ.
стр. 246
قوله ﵀: [والتَّنْبِيهُ عَلَى حُجَجِهِ]: الحُجَجُ جمع حُجَّة، وهي الدَّلِيلُ المقْنِعُ.
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ هذا مستَثْنَى مِنْ قولِهِ: ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وهذا الاستثناءُ يجوزُ فيه النَّصْبُ ويجوز فيه البَدَلِيَّةُ، والأرجحُ البَدَلِيَّةُ؛ لأنه بمعنى النفي لأنه مسبوقٌ بنَهْي، قال ابن مالك ﵀ (١):
مَا اسْتَثْنَتِ إلّا مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ ... وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بأَنْ حارَبُوا وأَبَوْا أنْ يُقِرُّوا بالجْزِيَةِ فجَادِلُوهُم بالسَّيْفِ حتى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الجِزيَةَ]: هؤلاء هُمُ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولعَلَّ الآية أعَمُّ مما قال المُفَسِّر، ويكونُ المرادُ بـ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: كابَرُوا وعانَدُوا ولم يَرْضَخُوا للحَقِّ الذي تبَيَّنَ، فهؤلاء لا يجادَلُون بالتي هي أحسَنُ؛ لأنه تَبَيَّنَ عنادُهم.
وهل الآيةُ تَدُلُّ على أنهم يُتْركون، أم أن الآية تَدُلُّ على أنهم يجَادَلُونَ بالَّتِي هي أسْوأُ؟
اختلف كلامُ المفَسِّرِينَ في هذه المسألة: فمنهم من قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فاتْرُكوهُم ولا تُجادِلُوهم؛ لأنه لا فائِدَةَ من جِدَالهِم ما دامَ قد ظَهَرَ عِنَادُهُم وظُلمُهُمْ. ومنهم من قال كما قال المُفَسِّر ﵀: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني: فجَالِدُوهم ولا تُجادِلُوهُم أي: فجالِدُوهم بالسَّيْفِ حتى يُسْلموا أو يَعْطُوا الجزية.
وعِنْدي أن الآية تحتَمِلُ المعْنَيينِ جَميعًا، وأنه ينْبَغِي أن تنْزِلَ على الحالَينِ وتستعمل كلَّ حالٍ بما يَليقُ ويُناسِبُ، فإذا كان المقامُ يقْتَضِي أن نجَالِدَهُم بالسيفِ،
стр. 247
وذلك بأن يكونَ لَدَينا مِنَ القُوَّةِ والقُدرَةِ ما نتمكن به مِنْ ذلِكَ، وإذا لم يكن لنا قُدْرةٌ وكانت المصْلَحَةُ تقْتَضِي تَركْهم فإنَّنَا نتْرُكهم، وهذا -واللَّهُ أعلم- هو السير في أن اللَّه لم يَذْكُر حُكم هذا المستثنى صَريحًا، فلم يَقُلْ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فجادِلُوهم بالتي هي أسْوأ، ولم يقل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فلا تجادِلُوهم. بل جعله صالحًا للأمرين!
لو قال قائلٌ: تَفْسِيرُ المُفَسِّر ﵀ الآية بقوله: [فجَادِلُوهُم بالسَّيفِ حتَّى يُسْلِموا أو يُعْطُوا الجِزيةَ]، كيف يَسْتَقِمُ هذا التَّفْسِيرُ مع أن الآية مكِّيَّةَ؟
الجواب: يَستَقِيمُ هذا التَّفْسِيرُ؛ لأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ حالَ أهلِ الكِتابِ في مَكَّةَ ليَسْتَعِدَّ الناسُ لها.
قوله: [﴿وَقُولُوا﴾ لمَنْ قَبِل الإقْرارَ بالجِزْيَةِ إذَا أَخْبَروكُم بشَيْءٍ مما فِي كُتُبِهِمْ]: أي: فقولوا: عنْدَ المنَازَعَة والمحَاجَّة؛ لأن بعضَ الناسِ إذا نازَعَ أو خاصَمَ صار يَسُبُّ مَحِلَّ الحجَّةِ من خَصْمِهِ، فإذا قال له المنازعُ: إن هذا القول قاله فلانٌ في مؤلَّف له، صارَ يَصُبُّ جامَّ السَّبِّ والغَضب على هذا الكتاب، ويقول هذا خَطأ، ولا ينبغي هذا العمل لأن هَذه قَضِيَّةُ عاجِزٍ.
فهنا نقول لهؤلاء المجادِلِين مِنْ أهلِ الكتاب: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وهو القرآن ﴿وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وهو التَّورَاةُ إذا كانُوا مِنَ اليهودِ، والإنْجِيلِ إذا كانوا مِنَ النَّصارى، فنحن لا نُنْكِرُ ما أُنزل إليكم، بل نقول: إنه حقٌّ، لكن نؤمن بما أُنْزِلَ إلينا ونقول: إنه حق، وإذا آمَنَّا بهذا فبَأَيِّهِمَا يكونُ الحُكمُ؟
الجواب: بما نَزَل أَخِيرًا وهو القُرآنُ؛ لأنه ناسِخٌ، وحينئذٍ يكون في قولنا هَذَا:
стр. 248
أولًا: تَهْدِئةً لنُفُوسِهم.
ثانيًا: إلزَامًا لهم بالإيمانِ بما أُنزلَ إلينا؛ لأن الإنسانَ بُشِّرَ فإذا قيل له: أنا آمنت بما أُنِزَلُ إليك فآمِنْ بما أُنْزل إليَّ، سيَأخُذُه الخَجَلُ والفَضْلُ وربما يوافِقُ؛ لأنه سيقول في نفسه: كيف يُؤمِنُ هذا الرجل بما أُنِزَل إليَّ وما أُنْزِل إليه وأنا أُكَذِّبُ ما أُنْزِلَ إليه، وهذا في الحقيقةِ مِنَ المجادلَةِ بالتي هي أحْسَنُ.
وقوله: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، كلما جاءَ الأمرُ بالقولِ فالمرادُ به القولُ باللِّسانِ بعد الإقرارِ بالجنانِ؛ لأن مجرَّدَ القولِ باللِّسانِ لا يكون إيمانًا كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، فالإيمانُ الذي لا يتَطَابَقُ فيه القلبُ واللِّسانُ، هذا ليس بإيمان، بل هو نِفاقٌ والعياذ باللَّه.
وقوله : ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ هذا من بلاغَةِ القُرآنِ، لم يقُلْ: وما قُلتم أو ما جِئتم به، بل قال: ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾؛ لأن لدَيْهِم من التَّحريفِ والتَّبدِيلِ ما لا يمكن معه أن نَقْبَلَ كلَّ ما جاءوا به، لكن نؤمِنُ بالمنَزَّلِ إليهم، ولهذا جاء في الحديث الصحيحِ: "لَا تُصَدِّقُوهُمْ ولَا تُكَذِّبُوهُمْ وقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ " (١)، فنحن مؤمِنُون بالمنَزَّلِ لا المبَدَّلِ، وصِفةُ الإيمان بما أُنزل إلينا ليس كصِفَةِ الإيمانِ بما أُنزِلَ إليهم؛ لأن إيمانَنَا بما أُنزل إلينا مَلْزِمٌ بالاتِّباعِ وإيمانُنا بما أُنزل إليهم ليس مُلْزمًا، فإذا وُجِدَ في شرْعِنَا ما يخالِفُ شرعَهم فالمتَّبِعُ شرعْنَا،
стр. 249
لكننا نؤمن بأن ما نُزِّلَ إليهم من عندَ اللَّه وأنه حَقٌّ، وأنه يجِبُ عليهم اتِّباعُه في حالِ قيامِهِ وعدمِ نَسْخِهِ.
وقوله: بما ﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ مِنَ اللَّه ؛ لأن جميعَ الكُتبِ المنزَّلةِ على الأنبياء من اللَّه .
قوله : ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾، أي: معبودُنَا؛ لأن (إله) بمَعنى مألُوهٍ، وصيغة فِعَالٍ بمعنى مَفعُولٍ كثيرة في اللغة العربية، فالمأْلُوه بمعنى المعبُودُ، والإله يُطْلَقُ على المعبودِ بحَقٍّ وعلى المعبودِ بغيرِ حَقٍّ؛ لكَن اللَّهَ وحْدَهُ هو المعبودُ بحَقٍّ، وما عَدَاه فمعبودٌ بالباطِلِ، قال اللَّه : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، فهذه الأصنَامُ تُسَمَّى آلهة لكن أُلُوهِيّتَها باطلةٌ شَرْعًا، ولهذا صحَّ النَّفْي في قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه)، فهذا النَّفْي لا يعْني أنه لا يوجَدُ آلهة في الكونِ إلا اللَّهُ، بل يوجَدُ آلهة لكن ألوهِيَّتَها باطلةٌ، فما عدا اللَّه فألوهيَّتُهُ باطِلَةٌ، ولذا فهي لا تُسَمَّى آلهة حقًّا، بل آلهة باطلة، وقد سمَّاها اللَّه آلهة وسمَّاها الرسلُ كذلك؛ لكنها آلهة باطلة.
لو قال قائل: قولنا: (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّه)، لماذا لا نَقُدِّر الخبر بـ (موجود) ونجعل تلكَ الآلهة مجرَّد أسماء؟
الجواب: لا يصِحُّ هذا التقدير، وقد قدَّرَهُ بعْضُهم فقال: إن التقديرَ: لا إله مَوجُودٌ، لكن لو قَدَّرْنَا هذا التقديرَ لاحتَّجَّ المشركونَ علينا، وقالوا: إِذَا كُنْتُم تقولون: هذه ليست آلهة فلَسْنَا بمُشْرِكينَ؛ لأننا ما عَبَدْنَا إلهًا.
فالصواب: أن نقَدِّرَ: لا إله حق إلا اللَّه، وهذا صَريحُ القُرآنِ، فاللَّه سمَّاها آلهة فقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨]، سمَّاها إلهًا،
стр. 250
وهذا ليس فيه مُحَاجَّة للمشركينَ حتى نقول: إنه من باب التَّنَزُّلِ مع الخَصْمِ.
وقال إبراهيمُ ﵇ لقومِهِ: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦]، وقال الرجلُ الصالِحُ النَّاصحُ لقومِهِ: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣]، فاتَّفَقَ على ذلك الوَحْيُ المُنَزَّل وكلامُ الرُّسُلِ وكلامُ الصَّالحينَ.
وقوله: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ هذا في مخاطبَةِ اليهودِ ظَاهِرٌ وبيِّن، لكن في مخاطَبَةِ النَّصَارَى كيف يَصِحُّ أن نقول: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ وهم يَعبدُونَ المسيحَ ويَرَوْنَهُ إلهًا، ويقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، والإله عندهُم مكوَّنٌ من أقانيمَ ثلاثة هي: الأبُ، والابنُ، والرُّوح القدس.
وهذا لا شكَّ أنه مكابَرَةٌ؛ كيف يكون الإلِهُ في ثلاثةٍ، وكلُّ واحدٍ قائم بنَفْسِه منْفردٌ عن الآخَرِ، والذي جاء به الإنجيلُ والتوراةُ أن الإله واحدٌ.
إذن: فالرَدُّ على زَعمَهِمْ أن نقول: إننا نُنْكِرُ أن يكون اللَّه مَتَعددًا، ونُلْزِمُهم بذلك؛ لأن النَّصارَى يقولُون: اللَّه مخبِرًا عن زَعْمَهِمْ الباطلِ بسؤالِهِ لعِيسَى ﵇ يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، واللَّه يعلم أنه لم يَقُلْ شيئًا، لكن من أجلِ إبطالِ دَعْوى قومِه وإلْزَامِهِمْ بالحُجَّة ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧].
وقوله : ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِد﴾، هذا فيه أيضًا إلزامٌ لهم بالقَبُولِ؛