قوله ﵀: [والتَّنْبِيهُ عَلَى حُجَجِهِ]: الحُجَجُ جمع حُجَّة، وهي الدَّلِيلُ المقْنِعُ.
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ هذا مستَثْنَى مِنْ قولِهِ: ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، وهذا الاستثناءُ يجوزُ فيه النَّصْبُ ويجوز فيه البَدَلِيَّةُ، والأرجحُ البَدَلِيَّةُ؛ لأنه بمعنى النفي لأنه مسبوقٌ بنَهْي، قال ابن مالك ﵀ (١):
مَا اسْتَثْنَتِ إلّا مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ ... وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بأَنْ حارَبُوا وأَبَوْا أنْ يُقِرُّوا بالجْزِيَةِ فجَادِلُوهُم بالسَّيْفِ حتى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الجِزيَةَ]: هؤلاء هُمُ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولعَلَّ الآية أعَمُّ مما قال المُفَسِّر، ويكونُ المرادُ بـ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: كابَرُوا وعانَدُوا ولم يَرْضَخُوا للحَقِّ الذي تبَيَّنَ، فهؤلاء لا يجادَلُون بالتي هي أحسَنُ؛ لأنه تَبَيَّنَ عنادُهم.
وهل الآيةُ تَدُلُّ على أنهم يُتْركون، أم أن الآية تَدُلُّ على أنهم يجَادَلُونَ بالَّتِي هي أسْوأُ؟
اختلف كلامُ المفَسِّرِينَ في هذه المسألة: فمنهم من قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فاتْرُكوهُم ولا تُجادِلُوهم؛ لأنه لا فائِدَةَ من جِدَالهِم ما دامَ قد ظَهَرَ عِنَادُهُم وظُلمُهُمْ. ومنهم من قال كما قال المُفَسِّر ﵀: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني: فجَالِدُوهم ولا تُجادِلُوهُم أي: فجالِدُوهم بالسَّيْفِ حتى يُسْلموا أو يَعْطُوا الجزية.
وعِنْدي أن الآية تحتَمِلُ المعْنَيينِ جَميعًا، وأنه ينْبَغِي أن تنْزِلَ على الحالَينِ وتستعمل كلَّ حالٍ بما يَليقُ ويُناسِبُ، فإذا كان المقامُ يقْتَضِي أن نجَالِدَهُم بالسيفِ،
стр. 247
وذلك بأن يكونَ لَدَينا مِنَ القُوَّةِ والقُدرَةِ ما نتمكن به مِنْ ذلِكَ، وإذا لم يكن لنا قُدْرةٌ وكانت المصْلَحَةُ تقْتَضِي تَركْهم فإنَّنَا نتْرُكهم، وهذا -واللَّهُ أعلم- هو السير في أن اللَّه لم يَذْكُر حُكم هذا المستثنى صَريحًا، فلم يَقُلْ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فجادِلُوهم بالتي هي أسْوأ، ولم يقل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فلا تجادِلُوهم. بل جعله صالحًا للأمرين!
لو قال قائلٌ: تَفْسِيرُ المُفَسِّر ﵀ الآية بقوله: [فجَادِلُوهُم بالسَّيفِ حتَّى يُسْلِموا أو يُعْطُوا الجِزيةَ]، كيف يَسْتَقِمُ هذا التَّفْسِيرُ مع أن الآية مكِّيَّةَ؟
الجواب: يَستَقِيمُ هذا التَّفْسِيرُ؛ لأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ حالَ أهلِ الكِتابِ في مَكَّةَ ليَسْتَعِدَّ الناسُ لها.
قوله: [﴿وَقُولُوا﴾ لمَنْ قَبِل الإقْرارَ بالجِزْيَةِ إذَا أَخْبَروكُم بشَيْءٍ مما فِي كُتُبِهِمْ]: أي: فقولوا: عنْدَ المنَازَعَة والمحَاجَّة؛ لأن بعضَ الناسِ إذا نازَعَ أو خاصَمَ صار يَسُبُّ مَحِلَّ الحجَّةِ من خَصْمِهِ، فإذا قال له المنازعُ: إن هذا القول قاله فلانٌ في مؤلَّف له، صارَ يَصُبُّ جامَّ السَّبِّ والغَضب على هذا الكتاب، ويقول هذا خَطأ، ولا ينبغي هذا العمل لأن هَذه قَضِيَّةُ عاجِزٍ.
فهنا نقول لهؤلاء المجادِلِين مِنْ أهلِ الكتاب: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وهو القرآن ﴿وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وهو التَّورَاةُ إذا كانُوا مِنَ اليهودِ، والإنْجِيلِ إذا كانوا مِنَ النَّصارى، فنحن لا نُنْكِرُ ما أُنزل إليكم، بل نقول: إنه حقٌّ، لكن نؤمن بما أُنْزِلَ إلينا ونقول: إنه حق، وإذا آمَنَّا بهذا فبَأَيِّهِمَا يكونُ الحُكمُ؟
الجواب: بما نَزَل أَخِيرًا وهو القُرآنُ؛ لأنه ناسِخٌ، وحينئذٍ يكون في قولنا هَذَا:
стр. 248
أولًا: تَهْدِئةً لنُفُوسِهم.
ثانيًا: إلزَامًا لهم بالإيمانِ بما أُنزلَ إلينا؛ لأن الإنسانَ بُشِّرَ فإذا قيل له: أنا آمنت بما أُنِزَلُ إليك فآمِنْ بما أُنْزل إليَّ، سيَأخُذُه الخَجَلُ والفَضْلُ وربما يوافِقُ؛ لأنه سيقول في نفسه: كيف يُؤمِنُ هذا الرجل بما أُنِزَل إليَّ وما أُنْزِل إليه وأنا أُكَذِّبُ ما أُنْزِلَ إليه، وهذا في الحقيقةِ مِنَ المجادلَةِ بالتي هي أحْسَنُ.
وقوله: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾، كلما جاءَ الأمرُ بالقولِ فالمرادُ به القولُ باللِّسانِ بعد الإقرارِ بالجنانِ؛ لأن مجرَّدَ القولِ باللِّسانِ لا يكون إيمانًا كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، فالإيمانُ الذي لا يتَطَابَقُ فيه القلبُ واللِّسانُ، هذا ليس بإيمان، بل هو نِفاقٌ والعياذ باللَّه.
وقوله : ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ هذا من بلاغَةِ القُرآنِ، لم يقُلْ: وما قُلتم أو ما جِئتم به، بل قال: ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾؛ لأن لدَيْهِم من التَّحريفِ والتَّبدِيلِ ما لا يمكن معه أن نَقْبَلَ كلَّ ما جاءوا به، لكن نؤمِنُ بالمنَزَّلِ إليهم، ولهذا جاء في الحديث الصحيحِ: "لَا تُصَدِّقُوهُمْ ولَا تُكَذِّبُوهُمْ وقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ " (١)، فنحن مؤمِنُون بالمنَزَّلِ لا المبَدَّلِ، وصِفةُ الإيمان بما أُنزل إلينا ليس كصِفَةِ الإيمانِ بما أُنزِلَ إليهم؛ لأن إيمانَنَا بما أُنزل إلينا مَلْزِمٌ بالاتِّباعِ وإيمانُنا بما أُنزل إليهم ليس مُلْزمًا، فإذا وُجِدَ في شرْعِنَا ما يخالِفُ شرعَهم فالمتَّبِعُ شرعْنَا،
стр. 249
لكننا نؤمن بأن ما نُزِّلَ إليهم من عندَ اللَّه وأنه حَقٌّ، وأنه يجِبُ عليهم اتِّباعُه في حالِ قيامِهِ وعدمِ نَسْخِهِ.
وقوله: بما ﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ مِنَ اللَّه ؛ لأن جميعَ الكُتبِ المنزَّلةِ على الأنبياء من اللَّه .
قوله : ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾، أي: معبودُنَا؛ لأن (إله) بمَعنى مألُوهٍ، وصيغة فِعَالٍ بمعنى مَفعُولٍ كثيرة في اللغة العربية، فالمأْلُوه بمعنى المعبُودُ، والإله يُطْلَقُ على المعبودِ بحَقٍّ وعلى المعبودِ بغيرِ حَقٍّ؛ لكَن اللَّهَ وحْدَهُ هو المعبودُ بحَقٍّ، وما عَدَاه فمعبودٌ بالباطِلِ، قال اللَّه : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، فهذه الأصنَامُ تُسَمَّى آلهة لكن أُلُوهِيّتَها باطلةٌ شَرْعًا، ولهذا صحَّ النَّفْي في قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه)، فهذا النَّفْي لا يعْني أنه لا يوجَدُ آلهة في الكونِ إلا اللَّهُ، بل يوجَدُ آلهة لكن ألوهِيَّتَها باطلةٌ، فما عدا اللَّه فألوهيَّتُهُ باطِلَةٌ، ولذا فهي لا تُسَمَّى آلهة حقًّا، بل آلهة باطلة، وقد سمَّاها اللَّه آلهة وسمَّاها الرسلُ كذلك؛ لكنها آلهة باطلة.
لو قال قائل: قولنا: (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّه)، لماذا لا نَقُدِّر الخبر بـ (موجود) ونجعل تلكَ الآلهة مجرَّد أسماء؟
الجواب: لا يصِحُّ هذا التقدير، وقد قدَّرَهُ بعْضُهم فقال: إن التقديرَ: لا إله مَوجُودٌ، لكن لو قَدَّرْنَا هذا التقديرَ لاحتَّجَّ المشركونَ علينا، وقالوا: إِذَا كُنْتُم تقولون: هذه ليست آلهة فلَسْنَا بمُشْرِكينَ؛ لأننا ما عَبَدْنَا إلهًا.
فالصواب: أن نقَدِّرَ: لا إله حق إلا اللَّه، وهذا صَريحُ القُرآنِ، فاللَّه سمَّاها آلهة فقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨]، سمَّاها إلهًا،
стр. 250
وهذا ليس فيه مُحَاجَّة للمشركينَ حتى نقول: إنه من باب التَّنَزُّلِ مع الخَصْمِ.
وقال إبراهيمُ ﵇ لقومِهِ: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦]، وقال الرجلُ الصالِحُ النَّاصحُ لقومِهِ: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يس: ٢٣]، فاتَّفَقَ على ذلك الوَحْيُ المُنَزَّل وكلامُ الرُّسُلِ وكلامُ الصَّالحينَ.
وقوله: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ هذا في مخاطبَةِ اليهودِ ظَاهِرٌ وبيِّن، لكن في مخاطَبَةِ النَّصَارَى كيف يَصِحُّ أن نقول: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ وهم يَعبدُونَ المسيحَ ويَرَوْنَهُ إلهًا، ويقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، والإله عندهُم مكوَّنٌ من أقانيمَ ثلاثة هي: الأبُ، والابنُ، والرُّوح القدس.
وهذا لا شكَّ أنه مكابَرَةٌ؛ كيف يكون الإلِهُ في ثلاثةٍ، وكلُّ واحدٍ قائم بنَفْسِه منْفردٌ عن الآخَرِ، والذي جاء به الإنجيلُ والتوراةُ أن الإله واحدٌ.
إذن: فالرَدُّ على زَعمَهِمْ أن نقول: إننا نُنْكِرُ أن يكون اللَّه مَتَعددًا، ونُلْزِمُهم بذلك؛ لأن النَّصارَى يقولُون: اللَّه مخبِرًا عن زَعْمَهِمْ الباطلِ بسؤالِهِ لعِيسَى ﵇ يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، واللَّه يعلم أنه لم يَقُلْ شيئًا، لكن من أجلِ إبطالِ دَعْوى قومِه وإلْزَامِهِمْ بالحُجَّة ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧].
وقوله : ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِد﴾، هذا فيه أيضًا إلزامٌ لهم بالقَبُولِ؛
стр. 251
لأنه إذا كانَ الإلهُ واحِدًا ونزَّلَ الكتابَ السابق، ثم نَزَّلَ الكتابَ المهَيْمِنَ اللاحقَ، فالواجبُ علينا وعليكم اتِّباعُ هذا الذي نَزَل من عند اللَّه المتَّفَقِ عليه بَيْنَنَا وبينكم.
ونضْرِبُ لذلك مثلًا على سبيلِ التَّقْدِيرِ وللَّه المثل الأعلى: مَلِكٌ له رَعِيَّة، فأمر جماعةً بأمرٍ وأمرَ آخرين بأمرٍ آخر، فالواجب علينا جميعًا الطاعةُ ما دُمْنا نعترفُ بأنه هو الملِكُ، كلٌّ يُطِيعُه بما أمَرَ به؛ فأنتُمْ أُمِرْتُمْ بشيءٍ ثم نُسِخَ هذا الأمر إلى أمر ثانٍ من إلهٍ واحد، فالواجبُ عَلينا جميعًا أن نَنْصاعَ تحت أمرِ هذا الإله الواحدِ.
قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ أي: نحن وأنتم لا نَحْنُ وَحْدنا، ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي: لهذا الإله الواحدِ مسلمون، وتَقْدِيمُ المعْمُول يُفيدُ الحَصْرَ، يعني: له لَا لغَيْرهِ.
ومعناه أيضًا: أنكم لم تُسْلِمُوا للَّه بل أسْلَمْتُمْ لأهوائِكُمْ.
والمرادُ بالإسلامِ هنا الاستسلامُ ظاهِرًا وباطِنًا، ولهذا فسَّرَهُ العلماءُ بأنه الاستِسْلامُ للَّه ظاهرًا وباطنًا، الاستسلامُ ظاهرًا: أن يقومَ الإنسانُ بالأعمال الظاهرةِ كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحجِّ، والاستسلامُ باطنًا هو: إخلاصُ النِّيَّةِ للَّه ، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، إسلامُ الوجْهِ للَّه أي: إسلامُ القَصْدِ، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ بالعَملِ الصَّالِحِ، أي: عَملِ الجوارحِ.
والإسلامُ عندَ ذِكْرِه وَحْدَهُ يشْمَلُ الإيمانَ، والإيمانُ إذا ذُكِرَ وَحْدَهُ يَشْمَلُ الإسلامَ وإذا اجتَمَعا صارَ الإيمانُ للباطِنِ والإسلامُ للظاهِرِ قال : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤].
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مُطِيعُون]: فَفسَّر الإسلامَ بالطاعَةِ، والطاعَةُ هي موافَقَةُ الآمِرِ أو النَّاهِي، يعني أنها فِعْلُ المأمورِ وتركُ المحظُورِ على الوجهِ
стр. 252
الذي قُصِدَ من الآمِرِ أو النَّاهِي.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: وجوبُ اتَّباعِ الأحسنِ في المجادَلَةِ، نأخُذُه من الحصْر في قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، والنَّهْي يقْتضي التحريمَ، فإذا حُرِّمت المجادلَةُ إلا بالتي هي أحْسَنُ وجبَتِ المجادَلَةُ بالتي هي أحسنُ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أنه يجِبُ على المرءِ أن يعرفَ ما عند خَصْمِه ليجادِلَهُ به، يعني لو أن رجلًا أراد أن يجادِلَ اليهودَ فقال: سأقرأُ التَّوراةَ وما في كُتُبهِمْ حتى أستَطِيعَ أن أَرُدَّ عليهم فلا بأس، لكننا قلنا سابقًا: إن فِي القرآنِ والسُّنَّةِ من ذلك ما يَكْفِي ويشْفِي، فإن ما فيهما حقٌّ وما في التوراةِ قد يكونُ محَرَّفًا.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أنه يجِبُ ألا نجادِلَ غيرَ أهلِ الكتابِ إلا بالتي هي أحسنُ، كما لو جادَلْنا الفلاسفةَ وغيرَهم.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: يجبُ في المجادلةِ اتِّباعُ ما يكون أشَدَّ إقْناعًا وإبْطالًا لحُجَّةِ الخصْم، لقوله: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ لأن (أَحْسَنُ) اسم تفضيل، وتقدم أن المجادَلة إذا كانت تفْتَحُ بابَ المنازَعَة فإنه يُترك هذا البابِ إلى بابٍ آخرٍ، وذَكَرْنا مناظرةَ إبراهيمَ ﵇ مع الذي حآجَّه في رَبِّه.
واعْلَمْ أن المقصودَ من المجادَلَةِ الوصولُ إلى الحقِّ لا مجرَّدَ الغلَبةِ، فالذي يَقْصِدُ بمجادَلتِهِ مجرَّدَ الغلبة لا للَّه ولكن لنَفْسِهِ؛ هذا في الحقيقةِ خاسِرٌ وإن ظَهَرَ وغَلَب، هذه هي المرتبةُ الأُولى.
والمرتبة الثانيةُ: منْ قَصَد الظهورُ والغَلَبة على خَصْمِه لأنه يعتَقِدُ أن الحقَّ معه،
стр. 253
فيريدُ أن يَعْلُو هذا الحقُّ، فهذا لا شك أنه حَسَنٌ ولا يُلامُ عليه المرءُ، لكن أعلى منه مَنْ قَصَدَ إظهارَ الحقِّ بقَطْعِ النَّظرِ عن كونِ ذلك انتصارًا لنفسه أوْ لا، وهذه هي المرتَبَةُ الثالثة.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: أن الظالم في المحاجَّة لا يجادِلُ بالتي هي أحسنُ، لقولِهِ : ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، ولكن هل يُتْركُ أو يستَعْمَلُ معه الشِّدَّةُ؟
ذكرنا فيما سبق أنه على حسبِ الحالِ: فإن كانتِ المصْلَحَةُ تقْتَضي تَرْكَهُ تُرِك، وإلا فلنَّتَّبعِ الشِّدَّةَ.
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن من أهلِ الكتابِ من هو معانِدٌ ظالمٌ، ومنهم من قد يكونُ خَفِي عليه الحقُّ فبالمجادلة يتبَيَّن له، لقولِهِ: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.
فقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يدُلُّ على أنهم منْقَسِمُونَ إلى ظالم معانَدٍ مكابِرٍ، وآخر مستَرْشِدٌ قد يخْفَى عليه الحقُّ بما لُبِّسَ عليه من علمائهِمْ، فإذا تَبَيَّنَ له الحقُّ رجعَ وأخَذَ بِهِ.
الفَائِدةُ السَّابِعة: سلُوكُ ما يقْتَضِي اطمئنانُ الخَصْمِ في المناظرةِ وسُلوكِ ما يقْتَضِي إلزَامَهُ، لقوله: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: إثباتُ أن التوراةَ نزلَتْ مِنْ عندِ اللَّه، لقوله: ﴿وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾.
الفَائِدةُ التَّاسِعة: إثباتُ أن التوراةَ والإنْجِيلَ والقُرآنَ كلامُ اللَّه، لقوله : ﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾.
لو قالَ قائلٌ: هل القرآنُ عَيْنٌ قائمَةٌ بنفسه أم أنه صِفَةٌ، وما شُبهةُ الجهْمِيَّةِ
стр. 254
في كونِ القرآنَ مُنزَلًا كما في قوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾؟
الجواب: الواجبُ أن يُقالَ: إنَّ القرآنَ صِفَةٌ من صِفاتِ اللَّه؛ لأن كلامَ اللَّه صِفَةٌ وليس عَيْنًا قائمًا بنفسه، ولا بُدَّ لكُلِّ صِفةٍ مِنْ مَوصوفٍ، وبهذا نعرف أن القرآنَ كلامُ اللَّهِ.
أما مسألةُ الإنزالِ فَهِي شُبْهَةٌ وليستْ حُجَّةً، وهي أن يحتَجَّ عليك الجهْمِيُّ بقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، ومعلومٌ أن الأزواج الثمانية مخلوقةٌ، وسمَّاه اللَّهُ إنزالًا، وقال : ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]، والحديدُ لا شكَّ أنه مخْلُوقٌ!
لكن هذا الإيرادُ نَنْفَكُّ منه بأن هذه أعيانٌ قائمةٌ بنَفْسِها، والأعيان القائمةُ بنفسها مخلُوقة بكلِّ حالٍ، فكلُّ ما سِوى اللَّهِ فإنه مخْلُوقٌ، ونُبْطِلُ الحجَّةَ بهذا.
الفَائِدةُ الْعاشِرَة: إثباتُ العُلُوِّ للَّه لقوله: ﴿وَأُنْزِلَ﴾، والنزولُ لا يكونُ إلا مِنْ أعْلَى.
الفَائِدةُ الحَادِيةَ عشْرَةَ: أن أهلَ الكتابِ يُقِرُّونَ بألوهِيَّةِ اللَّهِ لقولِه: ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾.
الفَائِدةُ الثانيةَ عشرةَ: أن الإسلامَ إنما يكونُ للَّه ، وَجْهُ ذلك: تقديمُ المعمولِ في قولِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وتَقديمُ ماَ حقُّه التَّأخيرُ يفيدُ الحصرِ، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ١١٢].
* * *
стр. 255
الآية (٤٧)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧].
* * *
إعرابُ ﴿وَكَذَلِكَ﴾ الكاف: اسم بمَعْنى (مثل) محلُّه مِنَ الإعرابِ النَّصبَ على المفعولِيَّةِ المطلْقَةِ، التقدير: ومثل ذلك الإنزالِ: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، وقد يكونُ مفعولًا به مُقَدَّمًا، ومثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ كقوله : ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤]، أي: مثل ذلكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ.
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الخطابُ في قَولِهِ: ﴿إِلَيْكَ﴾ للنبي ﵊.
وقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ أضافه اللَّه إليه لأنه كَلامُه لَفْظًا ومَعْنًى، وهذا الذي عليه أهلُ السنَّة والجَماعة، وهو الذي دلَّ عليه القرآنُ والسنَّة وإجماعُ الأئمةِ.
وهو مخالف لقولِ الأشاعِرَةِ: إن القرآنَ كلامُ اللَّه معنى لا لَفْظًا، وإن هذه الحروفَ مخلوقة خَلقها اللَّه لتكونَ عِبارَةً عن كلامِ اللَّه وليست هي كلامُهُ.
والكُلَّابِيَّةُ أتباعُ سعيدِ بن كُلَّابٍ يقولون: حكاية عَنْ كلامِ اللَّه وليس عبارةً.
стр. 256
وأهل السُّنَّةِ يقولون: إنه كلامُ اللَّه حقيقةً لا حكايَةً ولا عبارةً، وكل من الأشَاعِرَةِ والكُلَّابِيَّةِ جعل الكلام هو المعنى القائمُ بنَفسه.
والغَريبُ أنهم يقولون أيضًا: إنه قَدِيمٌ، يعْنِي: لا يتَجَدَّدُ وأنه بمعنى واحدٍ وأنَّ (قُلْ) مثل (لْ)، وأن الخبرَ مثلُ الأمرِ، وأن التوراةَ والإنجيلَ والقرآنَ وسائرُ ما يتكلَّمُ اللَّه به شيءٌ واحِدٌ.
وكل هذا تَصَوُّرُه كافٍ في رَدِّهِ، وهو في الحقيقةِ إنكارٌ لكَلامِ اللَّهِ، ولهذا قال بعضُ المحقِّقِينَ منهم: في الحقيقةِ أنه لا فرق بينَنَا وبين المعْتَزَلة والجهْمِيَّةَ، فإننا جميعًا متفقون على أن في دَفَّتَي المصحْفِ مخلوقٌ لكن هم أكثرُ شجاعَة مِنَّا.
المعتزلة اكثر شجَاعَةً من الأشْعَرِيَّةِ؛ لأنهم يقولون: القرآنُ مخلوقٌ لفْظًا ومعنى، والأشعرية يقولونَ: مَخْلوقًا لفْظًا لا معنى.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ (ال) في قولِهِ: ﴿الْكِتَابَ﴾ للعَهْدِ الذَّهْنِيِّ، والكتاب المراد به القرآنُ.
قوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (الفاء) هنا للتَّفْرِيعِ، أي: تَفَرَّع عن إنزالِ الكتابِ على الرسولِ ﵊ أن انْقَسَم الناسُ فيه إلى قِسْمَيْنِ: قِسمٌ آتاهُمُ الكتابُ فآمَنُوا به، وقِسْم آخرُ لم يُؤْمِنُوا به.
وقولُه: [﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ التَّوَرَاةُ كعَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلامٍ وغَيرِهِ]: لكن هذا التفسيرُ فيه شيءٌ من الإشكالِ؛ لأن قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يَدُلُّ على أن جميعَ الذين أُوتُوا الكتابَ يؤمنون به مع أن أكْثَرهُم في عهدِ الرَّسولِ ﷺ ما آمَنَ به، فالمرادُ إذن بقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: إيتاءً كَوْنِيًّا وشَرْعِيًّا، بمعنى:
стр. 257
أن اللَّه آتاهُمُ الكتابَ وعَمِلُوا به، فهؤلاءِ هُمُ الَّذين أُوتُوا الكتابَ على وَجْهِ الكَمالِ والإطلاقِ فآمَنُوا بالقُرآنِ، مثلُ عبدِ اللَّه بن سَلام من اليهودِ، والنَّجَاشِي مِنَ النصارى، وسلمانُ الفَارِسِيُّ لم يؤتَ الكتابَ لكنَّه آمن بالقرآنِ؛ لأنه تلَّقَى العِلمَ عن أهلِ الكِتابِ.
فهؤلاء ثلاثةُ أصنافٍ: اليهودُ، والنصارَى، ومن تَلَقَّى العِلمَ عنهم؛ كلهم فتَحَ اللَّه عليهم، فآمنوا بهذا القُرآنِ.
ولا يقالُ: إن قوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ عامٌّ؛ لأن الإيمانَ عند الإطلاقِ يشْمَلُ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ وليس مجرد التَّصْدِيق، وهم أيضًا لم يُصَدِّقُوا، بل غالِبُهم أنكرَ وكذَّب، ولهذا مَثَّل المُفَسِّر بالذين أسْلَمُوا كعبدِ اللَّهِ بن سَلامٍ.
وقوله: ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ بمعنى أعْطيناهُم، وقد تأتي بمعنى جِئناهُم، والفَرْقُ بينهما أن ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ مِنَ الرُّباعِي بمعنى أعْطَيناهم، ومن الثُّلاثِي بمعنى جِئنَاهم.
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الجملة خبرٌ لمبتدأ، والمبتدأُ قوله: ﴿فَالَّذِينَ﴾.
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بالقرآنِ فيُصَدِّقُونه، فأهلُ العِلْمِ منهم الراسخونَ فيه الذين يُرِيدُون الحقَّ، آمنوا بالقرآنِ واتَّبَعُوه ورَأَوْا أنه حَقٌّ.
لو قالَ قائلٌ: إن المعْنَى ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: يَعْرِفُونَ أنه حق ولكن لا يؤمنون به فهل هذا المعنى صحيح؟
الجواب: هذا خلافُ ظاهرُ الآية، وإن كان المعنى من حيثُ هو يُحْتَمَلُ، والإيمان عندَ الإطلاقِ المرادُ به التَّصديقُ المستَلْزِمُ للقَبولِ والإذعانِ، ولهذا قال في آية أُخْرَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، هذا يَشْمَلُ الجميعَ،
стр. 258
ثم قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ أَيْ: أَهْلِ مَكَّة]: و (مِنْ) للتَّبْعيض، وعلامة (مِنْ) التَّبْعِيضِيَّةِ أن يَحِلَّ محلَّهَا (بعض)، يعني: وبعض هؤلاء يؤمنون بِهِ، والمشَارُ إليه في قولِهِ: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أهلُ مَكَّةَ؛ لأن هذه السورةَ مَكِّيَّةٌ، فالمشار إليهم قَريبون إذ إنها نَزلتْ قبلَ الهِجرة.
وانظرِ الفرقَ بينَ التَّعْبيرينِ: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وقوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾، كأن المؤمنين بذلك من قُريشٍ قِلَّةٌ، بَعضُهم يُؤْمِنُ به والأكثرُ لا يؤمِنُ به، والمرادُ مَنْ يؤمن به الآن في الحاضر لا المستقبل.
وقوله : ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ تقدَّمَ أن الإيمانَ عندَ الإطلاق يرادُ به التَّصدِيقُ المستَلْزِمُ لقبولِ ما جاءِ به الرسولُ ﵊، والإذعانُ: وهو الانقيادُ وليسَ مجَرَّدَ التَّصديقِ، ولو كان الإيمانُ مجرَّدُ التَّصْديقِ لكان أبو طالب مُؤمنًا.
قوله: [﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ بَعْدَ ظُهورِهَا ﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ أَيْ: اليهُودُ، وظَهَرَ لهم أن القُرآنَ حَقٌّ، والجَائي به محُقٌّ وجَحَدوا ذَلِكَ]: قوله : ﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ هذا استثناءٌ مُفَرَّغٌ، أي أن العَامِلَ قبلَ الاستثناءِ مَفَرَّغٌ لما بعده، وعلى هذا فنُعْرِبُ ﴿الْكَافِرُونَ﴾ فاعلٌ لـ ﴿يَجْحَدُ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ المعروفُ أن الجُحودَ يتَعَدَّى بنَفْسِهِ فيقال: جَحَدَ الشيءَ لكِنَّهُ هنا مضَمَّنٌ معنى الكُفر أي: وما يَكْفُر بها جحودًا إلا الكافرون.
فإذا قال قائل: إذا قُلتم: وما يَكْفُر بها إلا الكافرون كأنه تَحْصِيلُ الحاصلِ؟
فالجواب: لا؛ لأننا نقول: وما يكْفُرُ بها جُحُودًا؛ لأن الكُفْرَ قد يكونُ استِكْبارًا،
стр. 259
وقد يكونُ جُحودًا كهذه الآيةِ.
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أي: الشَّرْعِيَّةِ والكونية، فإن مِنَ النَّاسِ مَنْ جحدَ الآياتِ الكونِيَّةِ، جَحَدَ أن اللَّه يُحْيى الموتَى، بل مِنَ الناس من جَحَدَ أن تكونَ هذه الخَلِيقَةُ بخالقٍ، وأما جَحْدُ الآياتِ الشَّرعيةِ فكَثيرٌ.
قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ مفهومها أن غيرَ الكافرين يُقُرِّونَ بها، وعلى هذا فكُلُّ من جَحَدَ شيئًا من آياتِ اللَّه فإنه يَسْتَحِقُّ من الكُفْرِ بقَدْرِ ما جَحَدَ، إن كان كفرًا مُطْلقًا أو أقلَّ.
وقَال المُفَسِّر: [أي: اليَهُود]: هذا قُصُور في التَّفْسِيرِ؛ لأن قوله: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ أعَمُّ من اليهودِ؛ لأن (ال) اسمٌ مُوصولٌ، قال ابن مالك ﵀ (١):
وَصِفَةٌ صَرِيحَة صِلَةُ (ال) ... وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأفْعَالِ قَلّ
فـ (ال) تُفيدُ العُمومَ، يعني: ما يجْحَدُ إلا الكافِرُ، وعليه فقوله: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ يشمَلُ اليهودَ وغيرَ اليهودِ، أليس اللَّه تعالى قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وفرعونُ ليس مِنَ اليهودِ، فرعون من الأقباطِ، وذلك قبلَ أن يكونَ بَنُو إسرائيل يهودًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن القرآنَ مُنَزَّلٌ من عِندِ اللَّهِ، لقولِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا﴾، وأنه كَلامُهُ حُروفُه ومعانِيهِ، لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ والذي يُكْتَبُ هو الحُروف، وعلى هذا فيكونُ كلامَ اللَّه حروفَه ومعانِيهِ.
стр. 260
الفَائِدةُ الثَّانِية: الإشارةُ إلى أن القرآنَ الكريمَ مكتوبٌ، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، وقد ذكرَ اللَّه أن القرآنَ مكتوبٌ في ثلاثَةِ مواضِعَ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن من أهلِ الكِتابِ مَنْ آمَنَ به فِعْلًا، لقولِهِ: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، والمراد البعضُ مِثْلُ عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ ﵁.
الفَائِدةُ الرَّابِعة: الاستِشْهادُ بالغيرِ على صحَّةِ المدَّعَى به، يعني أن الإنسانَ يستَشْهِدُ بغير من خُصومِهِ كما قال : ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، وهذه الآية أيضًا ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، فيقالُ: ممن أُوتِيَ الكتابَ منكم أيها اليهودُ أو النصارى من آمَنَ بهذا القرآن، وهذه الحُجَّةُ مُفِيدَةٌ جدًّا عند المناظَرةِ؛ أن تحتَجَّ على الطائفة بقولِ بعضِ عُلمائها، ولهذا كان شيخُ الاسلامِ ابن تيمية يحتَجُّ على الفلاسفة وغيرهم بقولِ بعْض نُظَّارِهِمْ، واحتج على بطلانِ قولِ المتكلِّمِينَ بقولِ الرَّازِي وهو مِنْ أكابِرهِم (١):
نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ ... وَأكْثَرُ سَعْي الْعَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيه قِيلَ وَقَالُوا
ولا شك أن (قِيلَ وَقَالُوا) ليست بفائدة.
والشاهدُ من مثل هذا: أن الرَّازِيَّ نَفْسُه هو الذي يتَكَلَّمُ بهذه الأبيات إما مُنْشِدًا أو مُنْشِئًا، وقبلَ هذه الأبيات يقول: "لقد تأَمَّلْت الطرقَ الكلامِيَّةَ والمناهِجَ الفلسفية، فلم أَرَها تَرْوِي غَلِيلًا ولا تَشْفِي عَلِيلًا، ووجدتُ أقربَ الطرقِ في ذلك
стр. 261
طريقَةُ القرآن، اقرأ في الإثباتِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، واقرأ في النَّفْي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشوري: ١١]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ومن جرَّبَ مِثْلَ تجرِبَتِي عَرَف مثلَ مَعْرِفَتِي] (١)، فأقر الرجل على نفسه بأن المذاهبَ الفلسفية كلها لا خيرَ فيها؛ لا تَشْفِي العَلِيل ولا تَرْوي الغليل.
الفَائِدةُ الخامِسة: أن من مُشْرِكِي قريشٍ من آمَنَ بالقرآنِ لقوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾، فقد آمن مِنْ قُريش من أشْرافهِمْ ووُجهائِهِم ممن سَبقوا إلى الإسلام مثلِ أبي بكرٍ ﵁ كان مِنْ أشْرَافِهِمْ، وكانوا يرْجِعُونَ إليه في النَّسبِ، ومعروفٌ بالكَرَمِ، ويُعِينُ على نَوائب الحق، فأوصافُه ﵁ كأوصافِ النبي ﷺ ، ومع ذلك كان أسبقَ الناسِ إلى الإيمانِ بالرسولِ ﷺ ، فلماذا تُنْكِرُونَ وفيكم مَنْ آمن به؟
الفَائِدةُ السَّادسَة: أن كُلَّ من جَحدَ بآياتِ اللَّهِ فهو كافِرٌ، لقولِهِ: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾، وهذا يشمل جَحْدَ الآياتِ عُمومًا وجَحْدَ أفرادِهَا، فمَنْ جَحَدَ بعضَ القرآنِ وأقَرَّ ببعضِهِ حُكِم بكفره، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥٠]، فمن آمن ببعضٍ وكَفَرَ ببعضٍ عَلِمْنَا يَقِينًا أن إيمانَهُ ليس بحَقٍّ، لو كان إيمانُهُ حَقًّا لم يكن هناك فرقٌ بين ما آمَنَ به وكَفَرَ به، وإنما كَفَرَ بِبَعْضِهِ لمجَرَّدِ هَواهُ.
فمن جَحَدَ شيئًا مِنَ الشَّريعَةِ الإسلاميةِ فإنَّهُ كافِرٌ ولو آمَنَ بالبَاقِي، لكن ليُنْتَبَهَ إلى أن هذا مشروطٌ بالعِلْمِ، فإذا انْتَفَى العِلْمُ وجَحَدَهُ لعدمِ عِلْمِه لم يَكْفُر حتى يَتبَينَ له الحقُّ؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]،
стр. 262
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فإذا بُيِّن لهم ما يتَّقُون ولم يتَّقوا؛ حينئذٍ يحكمُ بضَلالهِمْ.
أما أن يُضِلَّهُمُ اللَّه جَلَّ وَعَلَا قبل أن يُبيِّنَ لهم ما يتَّقُونَ، هذا لا يُمْكِنُ حُدوثُهُ؛ لأنه ليس مما تَقْتَضِيهِ حكمَةُ اللَّه وعَدْلُه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وأخذَ أهلُ العلمِ من ذلك أن من نَشَأ بالبَادِيَةِ أو بِدَارِ كُفْرٍ وجَحَدَ ما هو معلومٌ عندَ المسْلِمينَ بالضَّرورَةِ فإنه لا يكْفُرُ حتى يُعرَّف به، فإذا عُرِّفَ به وتَبَيَّنَ أنه أنْكَرَ؛ حينئذٍ يَكْفُرُ، وهذه مسألة يجِبُ علينا أن نتَأَمَّلَها؛ لأن بعض الإخوةِ الغَيورِينَ على دِينهم يحكُمُون بالتَّكْفِيرِ على سَبيلِ الإطلاقِ، وهذا خطأٌ؛ فإنه ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ مَنْ دَعَا رَجُلًا بالكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ" (١).
وأيضًا: الحكمُ بالتَّكفيرِ حُكمٌ من أحكامِ اللَّه؛ لأن قولَكَ عن هذا الرجل: إنه كافِرٌ، كقولك عن هذا الطعام: إنه حرامٌ أو إنه حَلالٌ، فالحكمُ بالكُفر والإيمان للَّه جَلَّ وَعَلَا، فلا يجوزُ أن تُكَفِّر إلا مَنْ كَفَّره اللَّه ورسولُهُ، بل ولا أن تُفَسِّق إلا مَنْ فَسَّقَه اللَّه ورسولُه، فالأمرُ ليس إليك، الحكمُ على العبادِ بيدِ خالِقِهْم إن حَكَمَ عليهم بالكُفر فاحكمْ به وإلا فَلا.
كذلك أيضًا من شروطِ التَّكْفِيرِ: ألا يوجَدَ مانِعٌ، فإن وُجِد مانِعٌ من التَّكفيرِ
стр. 263
لم يَكْفُرْ؛ لأن العلمَ بما يُوجِبُ الكُفْرَ شرطٌ، كذلك انتفاءُ المانع شَرْطٌ، فإن وجد مانِع يَمْنَعُ من التَّكفيرِ لم يَكْفُرْ.
والموانع كثيرة، منها الإكراهُ، لو أُكْرِهَ رجل على الكُفر وقَلْبه مطمَئِنٌ بالإيمان لم يَكْفُر بنَصِّ القرآن وإجماعِ المسلمينَ.
ومن الموانع ألا يحولَ بين إرَادَتِهِ حائلٌ، بمعنى ألا يكون هناك حائلٌ يمْنَعُهُ من الإرادةِ والقَصْدِ، فيكون خرجَ منه الكُفْرُ بغيرِ قَصْدٍ، فإذا خرج منه الكفرُ بغير قَصْدٍ لم يكْفُر ولو كانَ كُفرًا صريحًا كالشَّمْسِ، مثل أن يكون غاضبًا غَضَبًا شَدِيدًا، أو فَرِحًا فَرَحًا شديدًا، أو خائفًا خَوْفًا شَدِيدًا، فيُطْلَقُ الكُفْر من غيرِ إرادَةٍ؛ فهذا لا شكَّ أنه لا يَكْفُرُ.
وقد قالَ النَّبِيَّ ﵊ في فَرَحِ اللَّه بتوبَةِ عبدِهِ المؤمن أنه: كرجلٍ أضلَّ بَعِيرُه وعليه طعَامُه وشرَابُه فلم يَجِدْهُ، فنامَ تحتَ شَجَرةٍ ينْتَظِرُ الموتَ، ثم استيقظَ وإذا بخِطَام ناقَتِه متَعَلِّقٌ بالشَّجرةِ، فأخَذَ الخِطَامَ وقال من شِدَّةِ الفرح: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ (١)، ولا شكَّ أن هذه الكلمةَ كُفْرٌ، بل لو قال: أنت عَبْدِي فقط، وقد قال: (أنتَ عَبدي وأَنَا ربُّكَ) فادَّعَى لنفسه الربوبيةَ ولرَبِّهِ العُبودية، لكن قال النبي ﵊: "أَخْطَأَ مِنْ شَدَّةِ الْفَرَحِ".
стр. 264
وهذا الأمرُ -وهو: اعتبارُ وجودِ الشُّروطِ وانتِفَاءِ الموانِعِ- ليس خاصًّا بمسألةِ التَّكْفِيرِ بل هو عامٌّ، فكلُّ الأشياء لا تَتِمُّ إلا بوجود شُروطِهَا وانتفاءِ موانِعِهَا.
لكن إذا ادَّعَى أحدُ الجهال ومثلُه لا يَجْهَلُه هل يُقْبَلُ لو قال: أنا لا أعَلَمُ أن هذا واجبٌ، لو علمتُ أنه واجبٌ ما جَحَدْتُهُ؟ نقول: الحمدُ للَّه، إذا قلت هذا فأنت الآن تائبٌ وقد أَقْرَرَتْ بِهِ.
لكن لو جحَدَهُ رَأْسًا قبلَ أن نُطَالِبَهُ فإذا كان مثْلُهُ لا يجْهَلُه فهو كافِرٌ، كما لو جَحَدَ تحريمَ الزِّنَا وهو ناشِئٌ في بلادٍ إسلامِيَّةٍ محافظة تُحَرِّمُ الزِّنَا، وقال إن الزنا حلالٌ؛ هذا لا يُعْذَرُ، لكن لو نشأ في بلادٍ إسلامية متَهَتِّكَةٍ فيها أسواقُ الزِّنا مفتوحة وجحَدَ تحريمَ الزِّنَا وهو لا يَدْرِي، نقول: ما دام أن هناك شبهة فإن الحدودَ تُدْرَأُ بالشُّبهاتِ، والإنسان المسلمُ هو مسْلِم ولا يمكن أن نُخْرِجَهُ من الإسلام إلا بَيَقِينٍ.
وكذلك لو نشَأ إنسانٌ في بلادٍ كُلِّها رِبِوَيِّةٍ تعمل البنوكُ فيها بالرِّبَا، وقال: أنا لا أدري أن الربا حرام، هذا كذلك لا نُخْرِجُه مِنَ الإسلام لأنه جاهل، وأيضًا الذين نَشَؤوا في بلاد ينْتَحِلُ عُلماؤُهَا مَذْهَبُ الأشاعِرَةِ، فهؤلاء لا يَدْرُون عن مذهب أهلِ السُّنَّةِ شيئًا يحسبون أن هذا هو الحق، حتى أن منهم من يؤلف ويقول: "إن مذهَبَ أهل السُّنةِ والجماعَةِ ينْحصرُ في مذهبِ الأشاعِرَةِ والماتُرِيدِيَّةِ"، لأنه جاهل، وهذه بَلِيَّةٌ عظيمة، وهذا سبب عُذْرِهِ مع أنه طالب علم أنه قد لا يكون هناك كُتُبٌ من كُتبِ أهلِ السُّنَّةِ قرأها، وهذا من جنس الذي عاش في بلاد كُفْرٍ وليس عندَهُ كُتُب من كُتبِ الإسلام، فالجهلُ واحِدٌ؛ لأنه قد لا يَطْرَأُ على بالهم إطلاقًا أن هناك مذهبًا ثالثًا غير هَذين المذهبين، ويَظُنُّ بعضُ العامة عندنا أنه لا يوجَدُ مَذْهَبٌ إلا مذهب الحنابلة.
стр. 265
والمهم: أن مسائِلَ الجَهْلِ هذه ليس لها حَدٌّ، والحمدُ للَّهِ أن الإنسان ما دامَ يجِدُ مَخْرجًا مِنْ تكفيرِ المسلِمِ فلْيَسْلُكُه، لكن إذا عادَ وأصرَّ وعانَدَ فهذا شيءٌ آخَرُ.
ولو ادَّعَى رَجَلٌ الجهلَ في صَرْفِ شيء مما يختَصُّ باللَّه مِنَ العبادات إلى غيرِ اللَّه فإننا نَنْظُرُ: إذا كان مِثْلُهُ يَجْهَلُهُ نقول: عَلِمتَ فأَقِرَّ، أما إذا كان مثلُهُ لا يجهله نقول: كَذَبْتَ في دَعواك الجهل؛ لكن أقِرَّ بما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ.
لو قال قائل: قريةٌ كامِلَةٌ يَدْعُو أصحابها القبورَ هل نَحكمُ بكُفرهِمْ؟
الجواب: لا نَحْكُمُ بكفرهِمْ في ظاهرِ الحال إذا كان مِثْلُهم يجْهَلُونَ، لكننا نَدْعُوهُم إلى الحَقِّ، فإِذا أصَرُّوا وقالوا: لا نَقْبَلُ منكم هذا، وهذا دِينٌ جديدٌ، نَحْنُ على ما كان عليه آباؤنَا؛ حينئذٍ نُكَفِّرُهُمْ.
* * *
стр. 266
الآية (٤٨)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
* * *
قَال المُفَسِّر: [﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِه﴾ أي: القُرآنُ]: وهذا لا يَسْتَقِيمُ؛ لأنه ليس بواضحٍ ولا يتَنَاسَبُ مع السياقِ؛ لأن لفْظَةَ (كِتَابٍ) منونة، وفي نَسْخَةٍ أخرى: [﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ للَّهِ]؛ فعَلى هذه النسخة يكون المعنى: ما قرأتُ كُتُبًا نازِلَةً من قَبْلُ حتى تُتَهَّمَ، وأما إذا حَذَفْنا لفظة (للَّه) كما في بعض النُّسَخِ فيكون المرادُ بالكتابِ هنا المكتوبُ، يعني: ما كنت تَتْلُو مَكْتُوبًا سواء هو نازِلٌ من عندِ اللَّهِ أم مِنْ عندَ غَيْرِ اللَّهِ، والأخيرُ أعَمُّ، وعلى هذا فالذي يظْهَرُ -واللَّه تعالى أعلم- زيادة اسم (اللَّه) في كلام المُفَسِّر ﵀.
وقوله: ﴿تَتْلُو﴾ يَعْنِي: تَقْرَأُ.
وقوله: ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ (من) زائِدَةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، فزَائِدَةٌ لَفْظًا بمعنى أنها لو حُذِفَتْ لاستقامَ الكلامُ، وزائدِةٌ معنى، أي: فيها زِيادَةُ مَعْنى وهو التوكيدُ، والتعبير المعروفُ يقولون: [زَائِدَة لفْظًا لا مَعْنى]، وزيادَتُها لتَأْكِيدِ النَّفْي غَالِبًا، قال ابن مالك ﵀ (١):
وزيدَ فِي نَقْي وشِبْهِهِ فَجَرُّ ... نَكِرةً كمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
стр. 267
وزيادَتُها في الإثباتِ مخْتَلَفٌ فيها، فبعضُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُهَا كالمبَرِّدِ.
وأما التعبيرُ بلفظِ (زائد) على شيء مِنْ ألفاظِ القرآن فيَرَى بعضُ أهل العِلْمِ من المعْرِبِينَ أنه لا ينْبَغي، لما يوهِمُه من الحَشْوِ في القُرآنِ، والقرآن ليس فيه حَشْوٌ، لكن هذا الوَهْمُ يَزُولُ إذا قلنا: زائدٌ لفْظًا ومَعْنًى.
وقوله: ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ محَلُّهُ مِنَ الإعرابِ مفعولٌ بِهِ، وقال بعضهم: إنها تَوكِيدٌ لـ ﴿تَتْلُو﴾ لأنه لا يُتْلَى إلا المكْتُوبُ، فعندما أقول: قرَأتُ، تَفْهَمُ أني قرأتُ شيئًا مَكْتُوبًا، فلِذَا قالوا: إنها توكيد، لكن هذا فيه نظر؛ لأن الذي يُتْلى قد يكونُ مَكْتُوبًا وقد يكُون مَسْمُوعًا، فعندما أسمعُ منكَ كَلامًا وأُتَابِعُكَ فيه أكون قد تَلَوْتُهُ، وفي ظني أنها ليست من باب التوكيدِ لـ ﴿تَتْلُو﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ هذا من باب التوكيدِ وليس من بابِ التَّقْيِيدِ؛ لأننا لو قلنا: إنه من بابِ التَّقْييدِ لكان مفهومها (وتَخُطُّهُ بيَسارِكَ)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فإن الطيرَ معروفٌ أنه بالجَنَاحِ، ولهذا لو انكسرَ جناحُ الطائرِ لا يَطِيرُ، وإن كان بعضُ المتأخرين يقول إن قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ احترازٌ مِنَ الطائرات؛ لأن اللَّه يعلمُ أنه سيكونُ طائرٌ بدون جناحٍ، وهذا لا يَسْتَقِيمُ، وذلك لأنه قال : ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، والطائراتُ لا تُحْشَرُ يوم القيامة، فعَلَى هذا يكونُ من بابِ التوكيدِ لا من باب التَّقْيِيدِ.
لو قال قائل: هل نأخُذُ من هذه الآية أن الذي يَكْتَبُ باليَمِينِ أفضلُ ممن يكْتُبُ باليسارِ؟
الجواب: الظَّاهِرَ أن التَّقْييدَ باليمِينِ لكونِ الأخذِ والإعطاءِ والكِتابَةِ والضربِ غالِبًا باليَمِينِ، ونادِرٌ أن يُوجَدَ أحدٌ يكتُب ويَعْمَلُ باليسارِ، وأنْدَرُ منها من يعْمَلُ بهما
стр. 268
جميعًا، وإن كان بعضُ الناسِ يُعْطِيهِ اللَّه القوةَّ فيعَمْلُ بهما سواء.
قوله: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (إذًا) هذه منَوَّنَة، ويُسَمِّي علماءُ النحو هذا التنوين -كما تقدم- تَنْوينَ العِوَضِ، وهو عِوَضٌ عن جملَةٍ، والتقدير: إذ لو كُنتَ تَتْلُو من قبلِهِ من كتابٍ أو تَخَطُّه بيَمِينِكَ لارتابَ المبطلونَ، وعلى هذا فـ (اللام) في قولِه: ﴿لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ واقعة في جوابِ (لو) المحْذُوفَةِ في الجملَةِ المعَوَّضِ عنْها بالتَّنْوينِ.
وقوله: ﴿لَارْتَابَ﴾ أي: شَكَّ، إلا أنَّ أهلَ العِلمِ يقولون: إن الرَّيبَ والشَكَّ بينهما فرْقٌ، فالرَّيْبُ شكٌّ بقَلَقٍ، ولا شَكَّ تَرَدُّدٌ بدونِ قَلَقٍ، يعني: لو كنت على هذه الحال لارتابَ المبْطِلُونَ.
وقوله: ﴿لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ لم يقل: لارتابَ الناس؛ لأنه لو فُرِضَ أن النبيَّ ﷺ يتلو كتابَ اللَّه من قَبْلِ ذلكَ ويخُطُّه بيَمِينِهِ، وأتى بهذا القرآن مع وجودِ الآياتِ الدَّالَّةِ على صِدْقِهِ لا يحصُل ارْتيابٌ، لكن المبْطِلَ قد يحتَجُّ بالشبْهَة ويَراها بَيِّنَةً.
وقوله: ﴿لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (ال) في قولِهِ: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ اسم موصول صلتُهُ (مبطلون)، قال ابن مالك ﵀ (١):
وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ (ال) ... وَكَوْنُهَا بِمُعَرَبِ الأَفْعَالِ قَلْ
وقوله: ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: المائلِونَ إلى الباطِلِ أو الدَّاخِلُونَ فيه؛ لأن زيادَةَ الهَمْزَةِ قد تُفيدُ الدُّخولَ في الشيءِ، يقالُ: أحْصَدَ الزرعُ، أي: دَخَلَ وقتُ الحصادِ، ويُقالُ: أنْجَدَ الرَّجلُ أي: دخل في نَجْدٍ، وأبْطَلَ أي: دخل في الباطِلِ وأخَذَ به،
стр. 269
فالمبْطِلُونَ أي: المبْتَغُونَ للباطِلِ الدَّاخِلُونَ فيه.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: إثباتُ أن رَسولَ اللَّه ﷺ لا يَقْرَأُ ولا يكْتب قبل أن يَنْزِلَ عليه القرآنُ، لقولِهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.
واختلَفَ العُلماءُ هل صارَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْسِنُ الكِتابَةَ والقِراءةَ بعدَ نُزولِ القُرآنِ أو لَا؟
جمهورُ الأمَّةِ على أنه لا يُحْسِنُهَا، وأنه ﷺ ماتَ وهو لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُب، واستَدَلُّوا لذلك بأن النَّبِيَّ ﷺ كان أُمِّيًا وصفَه اللَّه بأنه النَّبِيُّ الأُمِّيُّ، والأمِّيُّ هو الذي لا يَقْرأُ ولا يَكْتُب، وهذا الوصفُ الأصْلُ بقَاؤُه حتى يَتبَيَّنَ زَواله.
واستدلُّوا بأن الرسولَ ﷺ كان لَدَيْهِ كُتَّابٌ يَكْتُبونَ الوحْي والرسائلَ للملوكِ يدْعوهم إلى اللَّه ، ولو كان يكْتُبُ بيدِهِ لكانت كِتَابَتُه بيدِهِ أوثَقُ وأقْوَى اطمِئْنَانًا في المكْتوبِ، والرسولُ ﷺ لم يكُنْ ليَدعَ ما هو أوْثَقُ وأقوى اطْمئنَانًا لأمرٍ دونَهُ إلا عند العَجزِ عنه.
وقال بعضُ أهل العِلْمِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ صارَ يُحْسِنُ الكِتابَةَ والقِراءةَ بعدَ نُزولِ الوَحْي عليه، واستَدَلُّوا بأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ فمفهوم ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يقْتَضِي أنه بعد ذلك لا يمْتَنِعُ عليه أن يَقْرأَ أو أن يَكْتُبَ.
واستدَلُّوا أيضًا بأن النَّبِيَّ ﷺ في غزوةِ الحُديبِيَةِ لما أمرَ علَّي بنِ أبي طَالِبٍ أن يكْتُبَ: "هَذَا، مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه،
стр. 270
فَأَمَرَ عَلِيًّا أن يَمْحُوَهَا، فَأَبَى عَليٌّ ﵁، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمَحَاهَا وكَتَبَ: مُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ (١). هذا لفظُ البُخَارِيِّ، قالوا: فكلمة (كَتَب) تدل على أنه بَاشَرَ الكِتَابَة.
القولُ الثالِثُ: أن النَّبِيَّ ﵊ قرأَ وكَتَبَ بعد أن نَزَلَ عليه القُرآنُ؛ لأن اللَّه أعْطَاهُ عَقْلًا وأعْطَاهُ عِلْمًا، والعاقِلُ العالمُ لا يَشُقُّ عليه أن يَقْرأَ ويَكْتُبَ بعد أن ينْزِلَ عليه القرآنُ؛ لأن التعلمَ يكون مِنَ الصَّبيانِ الصِّغارِ فكيف بمثل حالِ الرَّسُولِ ﵊، فلا يَمْتَنِعُ عليهِ ذَلكَ.
وأجابوا عن احتِجَاجِ أولئكَ بقولهِمْ: إن وَصْفَه بالأُمِّي لا ينَافِي أن يكون تَعَلَّمَ الكتابَة بعد ذلك من وجهين:
الوجهُ الأَوَّلُ: أن وصْفَهُ بكونهِ أُمِّيًّا لا يَعْنِي الوَصْفَ الشَّخْصِيَّ، إذ قد يراد به أنه مِنَ الأُمِّيينَ، فيكونُ الأُمِّيُّ مثلَ القُرَشِيِّ، يقول اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
أو يقالُ: إنه كان أُمِّيًا حين نُزولِ القرآنِ عليه.
والجوابُ عن كونِ الرَّسولِ ﵊ له كُتَّابٌ، هو: أن الكبيرَ والرئيسَ جرتِ العادَةُ أن يكون له كُتَّاب يكْتُبون له ما يُريدُ، كما هو مشهور، فهذا شأنُ النَّبِيِّ ﷺ مع كُتَّابِ الوَحْي وكُتَّابِ الرسائل إلى الملوكِ.
стр. 271
وقالوا: إن المحْذُورَ الذي يُخْشَى مِنْهُ وهو كونُ الرَّسُولِ ﵊ يَقْرَأُ أو يَكْتُبُ قد زَالَ بعد أن نَزَلَ عليه الوَحْي وهو لا يَقْرَأُ ولا يكْتُبُ، وثَبَتَتِ الرِّسَالَةُ وإن كان يُمْكِنُ أن يُقالَ: إنه قَرَأَ أو كتَبَ ما يَنْزِلُ عليه من الوَحْي شيئًا فشيئًا، لكِنَّ الأَصْلَ أنه بعدَ ثُبوتِ نُبُوَّته لأَوَّلِ مرَّةٍ زال هذا المحذورُ.
وتوَسَّطَ بعضُ أهلِ العِلْمِ فقال: إنَّ الرسولَ ﷺ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ صناعةً، أي: من حيثُ الصِّناعَةِ لا يقْرَأُ ولا يكْتُبُ؛ لأن الأصلَ بقاءُ ما كان على ما كان، وأما ما وَقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ فهو إما أنه مِنْ آياتِ اللَّه، يعني أنه معجزةٌ ويكونُ النَّبِيُّ ﷺ لا يقْرأ لا يكْتب، ثم في تلك اللحظةِ الحَرِجَةِ صارَ يقرأُ ويَكْتُبُ وكتب اسمه، وقَرأَ؛ لأن من كَتَبَ قرأَ، أو يقال: إن قوله: [فكَتَبَ] أي أَمَرَ من يَكْتُبُ، فإن الأفعالَ تُسْنَدُ إلى من يَأْمُرُ بها، وهذا كثيرٌ، واللَّه دائمًا يُسْنِدُ أفعالَ الخلْق إلى نفْسِهِ لأنه مُدَبِّرٌ لها، ويُقالُ: بنى عَمْرُو بنُ العاصِ مدينة الفُسطاطِ، والعمَّالُ هم الذين بَنَوْهَا بأمْرِهِ.
وقال بعضهم: إن الرسولَ ﵊ كان يكْتُبُ اسمَهُ فقط، لا أنها آية في تلكَ اللَّحْظَةِ، ومن كان يكتبُ حَرْفًا دونَ حرفٍ وأكثرُ الكلمات لا يَكْتُبها لا يخرْجُ عنْ وصْفِه بكونه أُمِّيًّا، ولهذا نَجِدُ الآن كثيرًا من الناسِ يستَطِيعُ أن يكتُبَ اسمه لكنه لا يكْتُب غيرَهُ، ومع ذلك لا نقول: هذا الرجلُ كاتِبٌ.
والخلاصَةُ: أن المسألةَ ما زالَتْ مَحِلَّ إشكالٍ، والأَدِلَّةُ فيها متَقابِلَةٌ، وإذا كانت الأدِلَّةُ متقابلةً فإننا نرْجِعُ إلى القاعِدَةِ العَامَّةِ وهي: أن الأصلَ بقاءُ ما كان على ما كان، فنقول: إن الأصلَ أنَّ الرسولَ ﵊ لا يكْتُبُ ولا يقرأُ، فهذا الذي نَبْقَى عليه حتى يتبَيَّنَ لنا بيانًا ظاهِرًا بأنه ﷺ تَعَلَّمَ الكِتابَةَ والقِراءَةَ.
стр. 272
لو قال قائل: هل يتَرَتَّبُ على الخلافِ في كونِ النَّبِيِّ ﷺ كاتِبًا أو غَيْرَ كاتبٍ أثَر؟ الجواب: لا يَتَرَتَّبُ عليه أثَرٌ بالِغٌ؛ لأنه بعدَ ثبوتِ نبوَّتِهِ لا يَضُرُّهُ أن يكون قد قَرَأَ وكتبَ، لكنَّ المحْذُورَ الشَّدِيدَ الذي يتَرَتَّبُ على هذا أنه لو ثبَتَ أنه ﵊ كان قَارِئًا أو كاتبًا قبلَ النُّبُوَّةِ، لكان حجَّةً للمُبْطِلِينَ، قال : ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾؛ لكن ما دام ثبتَ أنه كانَ قبلَ النُّبُوُّة لا يقرأ ولا يكتب فإنه بمجرَّدِ الوَحْي صارَ نَبِيًّا فيزولُ المحْذُورُ، واحتِجَاجُهُمُ الثاني يزولُ حتى لو تعَلَّم الكتابة، لكن الكلامَ على أن هذا ثَبَتَ أوْ لَا.
لو قالَ قائلٌ: هل نأْخُذُ مما سَبقَ استِحْبابُ عدمِ تعَلُّمِ القِراءةِ والكِتابَةِ، كما أخذ هذا بعضُهم من هذه الآية؟ !
الجواب: هذا جَهْلٌ إلا إن كان القائل بهذا يريدُ أن يكونَ نَبِيًّا، نقول: لا تقرأ ولا تَكْتُبْ، فالقائلُ بهذا جاهلٌ جهلًا مُرَكَّبًا، بل إنه أجْهلُ من الحمارِ إن كان يركبُ الحَمِيرَ، وإلا فكيف يُحْفَظُ الدِّينُ، فلو عاد الدِّينُ إلى صُدُورِنَا لذَهَبَ وما بَقِي، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، ويقول: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥]، والآية في مقامِ الامْتِنَانِ، والرَّسولُ ﷺ أَمَرَ زيدَ بن ثابتٍ بتَعَلُّمِ لُغَةِ اليهودِ، بل حينما هاجَرَ إلى المدينة أمَرَ بتَعَلُّمِ الكتابَةِ.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن كلَّ مُبطِلٍ فإن اللَّه تعالى أبْطَلَ شُبْهَتَهُ -ولا نقول: حُجَّتَهُ-، فالإسلامُ مبْطِلٌ لجميعِ شُبَهِ المبْطِلِينَ، لقوله تعالى: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: ينْبَغِي في المناظَرَةِ التَّنَزُّلُ مع الخصْمِ وإبطالُ ما يحتَجُّ به، وليس بلازمٍ أن نقول: إنَّكُمْ كاذِبُونَ في إبطالِكُمْ لنبوَّةِ الرسول ﵊، ولكن مع ذلك بيَّنَ اللَّهُ هذه الآية الواضِحَةَ المحْسُوسَةَ أنه لو كان يَقْرَأُ ويكْتُبُ لكان في ذلك
стр. 273
ارْتياب للمُبْطِلِ، بمعنى: شُبْهَةٍ يحتَجُّ بها، وهذا كقولِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، أبطلَ اللَّهُ هَذِهِ الحُجَّةَ بمثلِ ما أبْطَلَ حُجَّتَهم السابِقَةِ فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، كيف يكون هذا؟ !
الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن المبْطِلَ يتَعَلَّقُ بكل شُبْهَةٍ؛ لأن كونَ الرسولِ ﵊ يقْرَأُ أو يَكتب، ثم يقول: إنه أُوْحِي إليه ويُؤيِّدُ ذلك بالآيات، هل تكونُ كِتَابَتُهُ وقراءته مانِعًا من قبولِ حُجَّتِهِ؟
الجواب: لا، لكِنَّ المبْطِلَ يتَعَلَّقُ بكل شبهة، ومع ذلك تَنزَلْنَا مَعَهُ وقُلْنَا له: أنتَ لو زَعَمْتَ أنَّ الرَّسولَ ﷺ تَعَلَّمَهُ من غيرِهِ ثم كتبَهُ وجاء يقول: أُوحِيَ إليَّ هذا القرآنُ، فإننا نقولُ لك: إن الرسولَ ﷺ لم يَقْرَأ ولم يَكْتُب.
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: أن المبطلَ شَكُّه مقتَرِنٌ بالقَلقِ؛ لأنه ليس شَكًّا مَبنِيًّا على أصل، فهو قَلِقٌ منه: هل يكونُ ذلك الشَّكُّ حقِيقَة أو مجَرَّدَ شُبْهَة واشتباه؟ بخلافِ الشَّكِّ الذي له أصْلٌ حَقِيقِيٌّ فنَجِدُ صاحبه ليس بقَلِقٍ منه، كما لو شكَّ في عَدَدِ ركعاتِ الصلاة.
* * *
стр. 274
الآية (٤٩)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
* * *
قوله : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (بَل) هنا للإضرابِ، والإضْرابُ نَوعان: انتِقَالي وإبْطَالي، وهنا يحتَمِلُ أن الإضْرَابَ للإبطال؛ لأنه لما قالَ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، قال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾، ووجه كونِ الإضْرابِ للإبطالِ؛ لأنه أبْطَلَ قولهم: إنه جاء به من عنده.
ويُحْتَمَلُ أن يكونَ الإضرابُ انتِقَالِيًا؛ لأنه لما نفى ما يكون به مُتَقَوِّلًا على اللَّه أثْبَتَ أنه آياتٌ من اللَّه، فيكون انتقالًا من النَّفْي إلى الإيجابِ.
وقوله: ﴿آيَاتٌ﴾ جمعها لأن كُلَّ آيةٍ مِنَ القُرآنِ فهي آيَةٌ على صِدْقِ الرسولِ ﷺ ؛ لأن كلَّ آيةٍ منه مُعجِزَةٌ، وإعجازُهُ في لفْظِهِ ومعناه، تَحَدَّى اللَّه الناسَ والعَرَبَ كُلَّهُم أن يَأْتُوا بمثل هذا القُرآنِ أو بعَشْرِ سُورٍ مِنْ مِثْلِهِ أو بسورةٍ أو بَحَدِيثٍ، ولو آيةٍ، قال اللَّه : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]، هذا عمومُ القُرْآنِ، تحَدَّاهُمْ اللَّه -جلَّ وَعَلَا- أن يَأْتُوا بمِثْلِهِ، وتحدَّاهم أن يَأْتُوا بعشْرِ سُورٍ، قال : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]، وتحدَّاهم أن يأْتُوا بسُورَة واحدةٍ، قال :
стр. 275
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]، وتحدَّاهُم أن يأتُوا بآية واحدة قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤].
وقوله : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ﴾ الآياتُ: العلامَاتُ، وآياتُ اللَّه تنْقَسِمُ إلى كَوْنِيَّةٍ وشَرْعِيَّةٍ.
وقوله: ﴿بَيِّنَاتٌ﴾ أي: ظَاهِرَاتٌ.
قوله: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (فِي) للظرفية، حمَلَهَا المُفَسِّر ﵀ وكثيرٌ مِنَ المفَسِّرِينَ على أن المرادَ حِفْظُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وأن هذا القرآنَ محفوظٌ في الصُّدُورِ، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: المُؤمِنُونَ يَحْفَظُونَهُ]، فيكون المعنى أن هذا القرآنَ محفوظٌ في الصُّدورِ، ويحتمل أن المعْنَى ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم﴾ أي: في قُلوبهِمْ، أي: أنهم يعلَمُونَ أنه حَقٌّ، كما قال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
وقد يُقالُ: إن المراد كلا المَعْنَيْينِ، وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: المؤْمِنُونَ]، بناءً على أن المرادَ أهلُ العلمِ العامِلِينَ به، وهذا لا يكونُ إلا للمُؤمِنِينَ.
قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ الجحدُ هُنَا ضُمِّنَ التكذيبَ.
وقوله: ﴿الظَّالِمُونَ﴾ الظُّلْمُ هنا الظلمُ الأكْبَرُ؛ لأن الظلمَ ظُلمانِ: ظُلْمٌ أصْغَرُ، وهو ما دُونَ الشِّرك والكُفْرِ، وظلمٌ أكْبَرُ، وهو الكفر والشرك، وكلاهما موجودٌ في القُرآنِ، مثالُ الظُّلْمِ الأكبرِ قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]،
стр. 276
ومثاله أيضًا هذه الآية، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ومثالٌ للظُّلْمِ الأصْغَرِ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].
لو قالَ قائلٌ: قوله : ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ عامٌّ يشْمَلُ الذين أُوتُوا العِلْمَ من المسلِمِينَ والنَّصَارَى وغيرهم، فلماذا خَصَّهُ المُفَسِّر ﵀ بالمؤمِنِينَ؟
الجواب: حَمَلَها المُفَسِّر ﵀ على المؤمنين لأنهم هم المنْتَفِعُونَ بالعِلْمِ.
وهل غيرُ المؤمنين مِنْ أَوْلى العِلم يكونُ القرآنُ آياتٍ بيِّنَاتٍ لهم؟
الجواب: قد يكون آياتٌ بيِّنَاتٌ ويجْحَدُونَ كما حدثَ من بعضِ زُعماءِ قُريش، لما سَمِعَ القرآنَ أعْجِبَ به وأقَرَّ بأنه ليس من قولِ البَشَرِ، واعترف بأنه من اللَّه لكن منَعَهُ الكِبْرُ، وقد ذَكَرَ اللَّه عن قومِ فرعونَ أنهم جَحَدُوا بالآيات واسْتَيْقَنَتْهَا أنفسُهم، فعلى هذا إبقَاؤها على أنها عامَّةٌ يكونُ أَوْلى، فتَشْمَلُ المؤمنينَ وغير المؤمنين.
لو قال قائل: ذَكَرَ اللَّه الإيمان في قولِهِ: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وذَكَر الحِفْظ في هذه الآيةِ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، ألا يكونُ في هذا تكرار؟
الجواب: لا يُوجَدُ تَكْرارٌ؛ لأن قولَهُ: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ يشمل هذا وهذا، أي: الإيمانَ والحِفْظَ، فقد لا يَحْفُظونَهُ لكن يَعْرِفونَ أنه حق وهذا على الوجه الثاني.
وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ أي: اليهودُ، وجَحَدُوهَا
стр. 277
بعدَ ظُهُروهَا لهُمْ]: قوله: [أي: اليهودُ] لا شَكَّ أنه قاصرٌ، فإن الآية عامَّةٌ تشملُ اليهودَ والنَّصَارَى والمجَوسَ، بل كُلُّ من عانَدَ فإنه ظَالمٌ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن أسلوبَ القرآنِ كما يُبْطِل الشبْهَة مَعْنًى يُبْطِلُها لفظًا؛ لأن (بَلْ) للإضرابِ الإبْطَالي.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن الذين يَتبَيَّنُ لهم كونَ القرآنِ آية هم أُولُو العِلمِ، لقوله: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، والعلماء ينْقَسمونَ إلى عُلماء ينْتَفِعُون بعِلْمِهِمْ، وهم العُلماء باللَّهِ، وهم الذين يخْشَون اللَّه جلَّ وَعَلَا، قال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وإلى علماء لم يَنْتَفِعوا بعِلْمِهم فالعِلمُ يُطْلقُ حتى على من لا يَنْتَفِع بعِلمه، وسبق أن الآية عامة.
الفائِدَتانِ الثَّالثِةُ والرابِعَةُ: الثناءُ على حفَظَةِ القُرآنِ، لقولِهِ: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾.
ويتفَرَّعُ على هذه الفَائِدةِ: الثناءُ على طلبِ العِلمِ وأن العِلْمَ من اللَّه .
الفَائِدةُ الخامِسَةُ: أن مَحِلَّ العقلِ والوعْي القَلْبُ، لقولِهِ: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، والقلوبُ في الصُّدورِ، كما قال : ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
الفَائِدةُ السَّادسَةُ: الثناءُ على العلمِ والقَدْحُ في الجهلِ، وجه ذلك: أن الذي يَعْلمُ ويتَدَبَّرُ القرآنَ حقًّا هم أهلُ العِلمِ، وهذه منْقَبَةٌ، والذين يجهَلُونَ ذلك هم أهلُ الجهلِ، وهذه مذَمَّةٌ.
стр. 278
الفَائِدةُ السَّابعةُ: ظهورُ كون القرآنِ آيةً، لقولِهِ: ﴿بَيِّنَاتٌ﴾ فليس في القرآنِ خفاءٌ، بل كونُه آيةٌ للرسول- ﷺ أمرٌ بيِّنُ ظاهِرٌ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن الجَحْدَ بالآياتِ ظُلْمٌ والإقرارَ بها عَدْلٌ، لقولِهِ : ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾، في مقابل ذلك فإنَّ أهلَ العَدلِ والإنصافِ مؤمنون به، ولهذا كل من كان مُنْصِفًا فإنه لا بُدَّ أن يُقِرَّ بأحَقِّيَّةِ القرآنِ.
* * *
стр. 279
الآية (٥٠)
* * *
* قالَ اللَّه : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالُوا﴾ أَيْ: كُفَّارُ مَكَّةَ]: لأنهم هم الذين اقْتَرحُوا الآيات، كما قال : ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠].
قوله : [﴿وَلَوْلَا﴾ هَلَّا]: فتكونُ للتَّحْضِيضِ، وهذه إحْدَى معَانِي (لولا)، والمعنى الثاني: أن تكونَ شَرطِيَّةً، أي: حرفَ امتِنَاعٍ لوُجودٍ، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]، أما هنا فهي للتَّحْضِيضِ بمعَنْى (هلَّا).
قوله: [﴿آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وفِي قِراءَةٍ: "آيَة" (١) كنَاقَةِ صَالحٍ وعصَا مُوسى ومائِدَةِ عِيسى]: والقراءة هنا سَبْعِيَّةٌ؛ لأن من اصْطلاحِ المُفَسِّر إذا قال: "وفي قراءةِ"، فَهِي سبعيَّة، وإذا قال: "وقُرِئَ" فهي شَاذَّةٌ. وآية وآيات بمعنى واحد؛ لأن آيةً نَكِرَةٌ في سياق ما يُشْبِهُ الشَّرطَ فتَعَمُّ، والمعنى: هلَّا أُنزل عليه آية، أي: علامة على صِدْقِه
стр. 280
حتى نُصَدِّقَه ويَتَبَيَّنُ لنا صِدقه.
وقول المُفَسِّر: [آيَاتٌ كنَاقَةِ صَالحِ وعصَا مُوسى ومائِدَةِ عِيسى]: هذه آياتٌ حِسِّيَّةٌ وهم طلبوا ذلك تَعَنُّتًا وإلا فقد جاءَهُم مِنَ الآيات الحسِّيَّةِ والمعْنوِيَّةِ ما هو أعظمُ، فقد أراهُم النَّبِيُّ ﷺ انشقاقَ القَمرِ (١)، ولقد أخبرهم بما رأى ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ (٢)، فهذه الآيات من جِنْسِ ما طَلَبُوا، لكن كما قال اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وكلُّ إنسانِ مُتَعَنِّتٍ لا يمكن أن يَقْبلَ؛ لأن من قَصْدُه الحقُّ يكْفِيه الآيةُ التي تدُلُّ على صدْقِ ما قال صاحبها، أما المتَعَنِّتُ فلو جاءته آية لقال: أنت ساحرٌ، نُرِيدُ غيرها.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [كنَاقَةِ صَالِحٍ]، هذه الناقةُ كانت تَشْرَبُ الماءَ يومًا ويُشرَبُ لبَنُها يومًا، ولبَنُها يكْفي القبيلَةَ، قال اللَّه : ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، أما ما ذُكِرَ من الإسرائيليات من أنها خَرَجَتْ مِنَ الحجَرِ وما أَشْبه ذلك -فاللَّه أعلم- به.
وعصَا مُوسى آية مِنْ وجوهٍ متَعَدِّدَةٍ:
منها: أنه إذا ألقَاهَا كانت ثُعبانًا عظيمًا.
стр. 281
ومنها: أنها التَقَمَتْ ما جاءَ به السَّحرةُ من الحِبالِ والعِصِيِّ.
ومنها: أنه كان يَضْرِبُ بها الحجرَ فتَنْفَجِرُ عيونًا.
ومنها: أنه ضَربَ بها البحرَ فانْفلَقَ، بل كان كُلُّ فِرْقٍ كالطَّودِ العظيمِ.
لو قال قائل: هل يُسْتَحَبُّ أخذُ العَصا؟
الجوابُ: هذا ليس من سُنَّةِ الرَّسولِ ﵊.
قَال المُفَسِّر ﵀: [ومَائدَةُ عِيسَى ﵇]، هذا التَّمْثِيلُ من المُفَسِّر يَدُلُّ على أنه يَرَى أن المائدة أُنْزِلَتْ، وهذه المسألة فيها خِلافٌ بين أهل العِلمِ، فمنهم من قال: إن اللَّه أنزلَ المائدَةَ على بَنِي إسرائيل، ومنهم من قال: إن اللَّه لم يُنْزِلْها، ولنَنْظُرْ في الآيات:
قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٣]، اللَّه أكبر! الناسُ دائمًا يُريدونَ ملءَ بُطونهم، وأيضًا قومُ موسَى قالوا: (حِنْطَة) بدَل (حِطَّة).
ثم قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].
إذا نظرنا إلى قوله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ فظاهِرُهُ أنها نزلَتْ، وإذا نظرنا إلى الشرطِ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ قلنا: إنها لم تَنْزِلْ؛ لأن اللَّه تعالى ذَكَرَ شَرْطًا لنُزولها ولم يُوجَدْ هذا الشرطُ، فدَلَّ عدمُ وجودِ الشرطِ على عدمِ وجودِ النُّزولِ، والشرطُ سواء ذكر في أولِ الآية أو آخرها فهو معْتَبَرٌ، فهذا التَّعْذيبُ
стр. 282
الذي لم يُعَذَّبْ به أحدٌ من العالمين لم يحْصُلْ.
وأيضًا هذه المائدة لو نزلت لكانت عِيدًا لأَوَّلِهمْ وآخِرهِمْ، وهي الآن مجهولة فليس عندَ النصارى عيد يُسَمَّى المائدة، فهذه أدِلَّةُ من قال: إنها لم تنزل.
لو قالَ قائلٌ: هل العذابُ الذي سيَنْزِلُ عليهم غيرُ معروفٍ في الدُّنيا؟
الجواب: العذابُ معروفٌ في الدُّنْيَا وهو عُقوبَةٌ لهم؛ لأن الآياتِ المقتْرَحَةَ إذا نزلَتْ ولم يُؤمِنْ أصحابها فإنهم يُعَذَّبُونَ.
وقوله: [﴿قُلْ﴾ لهُمْ ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنزِّلُها كيفَ يشَاءُ]: ولو قال المُفَسِّر: ومتَى شاءَ. لكانَ أحسنَ.
وقوله : ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذه الجملَةُ حَصْرٌ، يعني: ما الآياتُ إلا عندَ اللَّهِ ليس عِنْدِي حتى أعْطِيَكم ما تقْتَرِحُونَ، وإذا كانت من عِندِ اللَّه فإنها تكونُ تبَعًا لمشَيئتِهِ وحكْمتِهِ يُنزِّلهُا كيفَ يشَاءُ ومتى شاءَ، فالحُكم إلى اللَّه، واللَّه ينَزِّلهُا لحِكمة، ومع ذلك فإننا نعْلَمُ عِلْمَ اليقينِ أن اللَّهَ ما أرْسَلَ رسولًا إلا آتاه مِنَ الآياتِ ما يؤمِنُ على مِثلِهِ البَشَرُ؛ لأن اللَّه حكيمٌ لا يُرْسِلُ رسولًا يقول للناس: إني رسول اللَّه إليكم أَسْتَبِيحُ دِمَاءكُم وأمْوالَكُم ونساءَكُم إذا لم تُؤمِنُوا بي، فلا يُمَكِّنهُ اللَّه تعالى إلا بالآياتِ التي تُلْزِمُ الناسَ بقَبُولِ قولِهِ، ولو جاء رسولٌ بدونِ آيات لكان مُنَافِيًا للحِكْمَةِ.
وقوله : ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ في كِلَا العَبارَتين حَصْرٌ، لكن هل الحَصْرُ فيها حَقِيقِيٌّ أو إِضَافِيٌّ؟
الحصْرُ الأوَّلُ حَقِيقِيٌّ؛ لأن الآياتِ لا تكونُ إلا من عندِ اللَّه، ولا أحدَ يستطيعُ
стр. 283
أن يَأْتِيَ بها.
والحصرُ الثَّانِي إضَافِيٌّ؛ لأن قولَهُ: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ باعتبارِ الواقِعِ والحقيقة، فإنَّ الرَّسُولَ ﷺ ليس نَذِيرًا فَقَطْ بل هو نذيرٌ مُبِينٌ، وبَشِيرٌ، وسِرَاجٌ مُنير، فالحصرُ إضافِيٌّ -أي بالإضافة إلى كذا- فهو بالإضَافَةِ إلى الإتيانِ بالآيات غيرُ قادِرٍ، لكن يَقْدِرُ على شَيْءٍ آخرَ وهو الإنذارُ.
وقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقولُ العلماءُ: الإنذارُ هو الإخْبارُ بالمُخَوَّفِ، أما الإخبارُ بالمرْغُوبِ فيُسَمَّى بِشَارَةً، فالنَّبِيِّ ﵊ نَذِيرٌ، وهنا لم يَقُلْ: بَشِيرٌ؛ لأن المقامَ يقْتَضِي ذَلكَ، إذ هو يخَاطِبُ المكَذِّبينَ المعانَدِينَ.
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى (بيِّن) ولهذا قال ﵀: [مُظْهِرٌ]، وقد عَلِمْنَا أن (بان) لا تستعمل إلا لازِمَةً، يقال: (بانَ الصَّبْحُ) إذا ظَهَرَ، و (بان هذا من هذا) إذا انفْصَلَ عنه، وأما (أبان) فتُسْتَعْمَلُ لازمةً ومتَعَدِّيةً، يقال: (أبانَ الصبحُ)، بمعنى بانَ وظهَر، ويقال: أبان الأمرَ، بمَعْنَى أظْهَرَه ووَضَّحَهُ، وفي بعض الأحيان تكونُ الآية لا تحتَمِلُ إلا اللازمَ، وفي بعض الأحيانِ لا تحْتَمِلُ إلا المتَعَدِّي، وأحيانًا تَصْلُح لهذا وهذا.
فالرسولُ ﵊ ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لإنْذَارِهِ، أو نَذِيرٌ بَيِّن الإنذارِ، وعلى هذا يكون النَّعتُ سبَبيًا أي: إذا جعلنا (مُبِين) بمعنى (بيِّن) والأصل أن النعتَ حَقِيقِيٌّ وليس سَبَبيًا.
وقَال المُفَسِّر ﵀: [مُظْهِرٌ إنْذَارِي بالنَّارِ أهلَ المعْصِيَةِ]، أهلَ: مفعولٌ لإنْذَار؛ لأن إنذارَ مصدرٌ، والمصدر يعْمَلُ عَمَل فِعْلِهِ، فالرسول ﷺ هذا شأنُهُ وهذه وَظِيفَتُهُ أنه مُنذِر، أما أن يَأْتِيَ بالآيات إذا طُلِبَتْ، أو أنه يَهْدِي النَّاس إذا ضَلُّوا،
стр. 284
فهذا ليس إليه، بل هذا إلى اللَّهِ لأنه هو الذي يَمْلِكُ هذا.
من فوائد الآية الكريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: تَعَنُّتُ المشركين بطَلَبِهِمُ الآيات، لقولِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠]، وإلا فقد جاءَتُهُم آياتٌ لكنهم يَقولونَ هذا تَعَنُّتًا.
الفَائِدةُ الثَّانِية: أن المتَعَنِّتَ مكابِرٌ لإنكارِه ما هو ظاهِرٌ، فإنهم قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، مع أنهم قد جاءَتُهْمُ الآياتُ، والنَّبِيُّ ﷺ وغيرهُ مِنَ الأنبياءِ ما أُرْسِلُوا إلا بالآيات التي يُؤمِنُ على مِثْلِهَا البَشَرُ.
الفَائِدةُ الثَّالِثة: إقرارُ المشْرِكِينَ بُربوبِيَّةِ اللَّه جَلَّ وَعَلَا، لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾.
الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: إقرارُ المشركين بعُلُوِّ اللَّه جَلَّ وَعَلَا، لقولِهِ: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، فيكون اعتقادُ المشْرِكينَ في اللَّه من حيثُ العُلُوِّ أَكْمَلُ من اعتقادِ المعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ والأشَاعِرَةِ؛ لأن هؤلاء يُنْكِرُونَ عُلُوَّ اللَّهِ الذَّاتِيِّ ويقولون: إنَّ اللَّه لا داخلَ العالم ولا خَارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ ولا مُبَايِنٌ.
الفَائِدةُ الخامِسة: أن الرَّسولَ ﷺ بَشَرٌ لا يَمْلِكُ لنفْسِهِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
الفائِدَتانِ السَّادسةُ والسابِعَةُ: أن إضافَةَ الأمورِ إلى اللَّه تَقْطَعُ الحُجَجَ، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ويتَفَرَّعُ على هذه الفَائِدة أن الأحكامَ الشَّرْعِيَّةَ إذا سُئلِنا عن الحِكْمَةِ من كون كذا، كذا وكذا، نقول: هذا من عِندِ اللَّه، هذا حُكْمُ اللَّه، وهذا كافٍ لكلِّ مؤمنٍ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
стр. 285
ولهذا احَتَجَّتْ عائشةُ ﵂ على عَمْرَة بنتِ رَواحَةَ لما سألتها: ما بالُ الحائضِ تَقْضِي الصومَ ولا تَقْضي الصلاةَ؟ فقالت: أحَرُورَيةٌ أنت؟ قلت: لَسْتُ بحَرُورَّيةٍ ولكني أسأل. قالت: "كان يُصيبنا ذلك، فنُؤمَرُ بقَضَاءِ الصَّومِ ولَا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ" (١)، فإسنادُ الأمْرِ إلى اللَّه هو أعْظَمُ حُجَّةً وهو كافٍ في إبطالِ الشُّبَهِ.
الفَائِدةُ الثَّامِنة: إثباتُ قُدْرة اللَّه ، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن الشيء لا يكون آية حتَّى يكون خارِقًا للعادَةِ، فلو جاء رَسُولٌ إلى الناسِ فقَالُوا: نريدُ آية فقال: سآتِيكُمْ بآية، وكان ذلك في وقتِ الاعْتَدالِ الرَّبِيعِيَّ فقال: آيتي أن تَطْلع الشمسُ الساعة الثانية عشرة وتَغِيبَ الساعَة الثانية عشرة (٢)، فهذه ليست بآية؛ لأن العادةَ هكذا، فلا بُدَّ أن تكون الآيةُ مخالفة للعَادَةِ، فإذا أجْرَى اللَّه الأمر على خلافِ العادَةِ دلَّ ذلك على قدرْتهِ جَلَّ وَعَلَا.
الفَائِدةُ التَّاسِعة: الردُّ على أهل الطَّبِيعَةِ الذين يقولون: إن الكونَ طَبيعَةٌ مُنظِّمةٌ لنفسها بنفسها، وأنها عبارة عن مقَدِّمَاتٍ ونتائجَ يُنتِجُ بعضها من بعْضٍ، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، فهو الذي يُدِّبرُ الكون ويأتي بالآياتِ الدَّالَّةِ على كمالِ قُدْرتهِ وسُلطانِهِ.
الفَائِدةُ الْعاشِرَة: أن رسولَ اللَّهَ ﷺ وظيفَتُه الإنذارُ لا الهِدَايةُ، لقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
الفَائِدةُ الحَادِيةَ عشْرَةَ: أن الرسولَ ﷺ لا يَمْلِكُ أن يأْتِيَ بآيةٍ إلا مِنْ عندِ اللَّه،