← Тафсир

Тафсир · id 21807

تفسير العثيمين: العنكبوت

ابن عثيمين

Полный текст (422 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومنها: أنها التَقَمَتْ ما جاءَ به السَّحرةُ من الحِبالِ والعِصِيِّ. ومنها: أنه كان يَضْرِبُ بها الحجرَ فتَنْفَجِرُ عيونًا. ومنها: أنه ضَربَ بها البحرَ فانْفلَقَ، بل كان كُلُّ فِرْقٍ كالطَّودِ العظيمِ. لو قال قائل: هل يُسْتَحَبُّ أخذُ العَصا؟ الجوابُ: هذا ليس من سُنَّةِ الرَّسولِ ﵊. قَال المُفَسِّر ﵀: [ومَائدَةُ عِيسَى ﵇]، هذا التَّمْثِيلُ من المُفَسِّر يَدُلُّ على أنه يَرَى أن المائدة أُنْزِلَتْ، وهذه المسألة فيها خِلافٌ بين أهل العِلمِ، فمنهم من قال: إن اللَّه أنزلَ المائدَةَ على بَنِي إسرائيل، ومنهم من قال: إن اللَّه لم يُنْزِلْها، ولنَنْظُرْ في الآيات: قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٣]، اللَّه أكبر! الناسُ دائمًا يُريدونَ ملءَ بُطونهم، وأيضًا قومُ موسَى قالوا: (حِنْطَة) بدَل (حِطَّة). ثم قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]. إذا نظرنا إلى قوله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ فظاهِرُهُ أنها نزلَتْ، وإذا نظرنا إلى الشرطِ في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ قلنا: إنها لم تَنْزِلْ؛ لأن اللَّه تعالى ذَكَرَ شَرْطًا لنُزولها ولم يُوجَدْ هذا الشرطُ، فدَلَّ عدمُ وجودِ الشرطِ على عدمِ وجودِ النُّزولِ، والشرطُ سواء ذكر في أولِ الآية أو آخرها فهو معْتَبَرٌ، فهذا التَّعْذيبُ

стр. 282

الذي لم يُعَذَّبْ به أحدٌ من العالمين لم يحْصُلْ. وأيضًا هذه المائدة لو نزلت لكانت عِيدًا لأَوَّلِهمْ وآخِرهِمْ، وهي الآن مجهولة فليس عندَ النصارى عيد يُسَمَّى المائدة، فهذه أدِلَّةُ من قال: إنها لم تنزل. لو قالَ قائلٌ: هل العذابُ الذي سيَنْزِلُ عليهم غيرُ معروفٍ في الدُّنيا؟ الجواب: العذابُ معروفٌ في الدُّنْيَا وهو عُقوبَةٌ لهم؛ لأن الآياتِ المقتْرَحَةَ إذا نزلَتْ ولم يُؤمِنْ أصحابها فإنهم يُعَذَّبُونَ. وقوله: [﴿قُلْ﴾ لهُمْ ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يُنزِّلُها كيفَ يشَاءُ]: ولو قال المُفَسِّر: ومتَى شاءَ. لكانَ أحسنَ. وقوله : ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هذه الجملَةُ حَصْرٌ، يعني: ما الآياتُ إلا عندَ اللَّهِ ليس عِنْدِي حتى أعْطِيَكم ما تقْتَرِحُونَ، وإذا كانت من عِندِ اللَّه فإنها تكونُ تبَعًا لمشَيئتِهِ وحكْمتِهِ يُنزِّلهُا كيفَ يشَاءُ ومتى شاءَ، فالحُكم إلى اللَّه، واللَّه ينَزِّلهُا لحِكمة، ومع ذلك فإننا نعْلَمُ عِلْمَ اليقينِ أن اللَّهَ ما أرْسَلَ رسولًا إلا آتاه مِنَ الآياتِ ما يؤمِنُ على مِثلِهِ البَشَرُ؛ لأن اللَّه حكيمٌ لا يُرْسِلُ رسولًا يقول للناس: إني رسول اللَّه إليكم أَسْتَبِيحُ دِمَاءكُم وأمْوالَكُم ونساءَكُم إذا لم تُؤمِنُوا بي، فلا يُمَكِّنهُ اللَّه تعالى إلا بالآياتِ التي تُلْزِمُ الناسَ بقَبُولِ قولِهِ، ولو جاء رسولٌ بدونِ آيات لكان مُنَافِيًا للحِكْمَةِ. وقوله : ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ في كِلَا العَبارَتين حَصْرٌ، لكن هل الحَصْرُ فيها حَقِيقِيٌّ أو إِضَافِيٌّ؟ الحصْرُ الأوَّلُ حَقِيقِيٌّ؛ لأن الآياتِ لا تكونُ إلا من عندِ اللَّه، ولا أحدَ يستطيعُ

стр. 283

أن يَأْتِيَ بها. والحصرُ الثَّانِي إضَافِيٌّ؛ لأن قولَهُ: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ باعتبارِ الواقِعِ والحقيقة، فإنَّ الرَّسُولَ ﷺ ليس نَذِيرًا فَقَطْ بل هو نذيرٌ مُبِينٌ، وبَشِيرٌ، وسِرَاجٌ مُنير، فالحصرُ إضافِيٌّ -أي بالإضافة إلى كذا- فهو بالإضَافَةِ إلى الإتيانِ بالآيات غيرُ قادِرٍ، لكن يَقْدِرُ على شَيْءٍ آخرَ وهو الإنذارُ. وقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يقولُ العلماءُ: الإنذارُ هو الإخْبارُ بالمُخَوَّفِ، أما الإخبارُ بالمرْغُوبِ فيُسَمَّى بِشَارَةً، فالنَّبِيِّ ﵊ نَذِيرٌ، وهنا لم يَقُلْ: بَشِيرٌ؛ لأن المقامَ يقْتَضِي ذَلكَ، إذ هو يخَاطِبُ المكَذِّبينَ المعانَدِينَ. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى (بيِّن) ولهذا قال ﵀: [مُظْهِرٌ]، وقد عَلِمْنَا أن (بان) لا تستعمل إلا لازِمَةً، يقال: (بانَ الصَّبْحُ) إذا ظَهَرَ، و (بان هذا من هذا) إذا انفْصَلَ عنه، وأما (أبان) فتُسْتَعْمَلُ لازمةً ومتَعَدِّيةً، يقال: (أبانَ الصبحُ)، بمعنى بانَ وظهَر، ويقال: أبان الأمرَ، بمَعْنَى أظْهَرَه ووَضَّحَهُ، وفي بعض الأحيان تكونُ الآية لا تحتَمِلُ إلا اللازمَ، وفي بعض الأحيانِ لا تحْتَمِلُ إلا المتَعَدِّي، وأحيانًا تَصْلُح لهذا وهذا. فالرسولُ ﵊ ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لإنْذَارِهِ، أو نَذِيرٌ بَيِّن الإنذارِ، وعلى هذا يكون النَّعتُ سبَبيًا أي: إذا جعلنا (مُبِين) بمعنى (بيِّن) والأصل أن النعتَ حَقِيقِيٌّ وليس سَبَبيًا. وقَال المُفَسِّر ﵀: [مُظْهِرٌ إنْذَارِي بالنَّارِ أهلَ المعْصِيَةِ]، أهلَ: مفعولٌ لإنْذَار؛ لأن إنذارَ مصدرٌ، والمصدر يعْمَلُ عَمَل فِعْلِهِ، فالرسول ﷺ هذا شأنُهُ وهذه وَظِيفَتُهُ أنه مُنذِر، أما أن يَأْتِيَ بالآيات إذا طُلِبَتْ، أو أنه يَهْدِي النَّاس إذا ضَلُّوا،

стр. 284

فهذا ليس إليه، بل هذا إلى اللَّهِ لأنه هو الذي يَمْلِكُ هذا. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: تَعَنُّتُ المشركين بطَلَبِهِمُ الآيات، لقولِهِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠]، وإلا فقد جاءَتُهُم آياتٌ لكنهم يَقولونَ هذا تَعَنُّتًا. الفَائِدةُ الثَّانِية: أن المتَعَنِّتَ مكابِرٌ لإنكارِه ما هو ظاهِرٌ، فإنهم قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، مع أنهم قد جاءَتُهْمُ الآياتُ، والنَّبِيُّ ﷺ وغيرهُ مِنَ الأنبياءِ ما أُرْسِلُوا إلا بالآيات التي يُؤمِنُ على مِثْلِهَا البَشَرُ. الفَائِدةُ الثَّالِثة: إقرارُ المشْرِكِينَ بُربوبِيَّةِ اللَّه جَلَّ وَعَلَا، لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾. الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: إقرارُ المشركين بعُلُوِّ اللَّه جَلَّ وَعَلَا، لقولِهِ: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، فيكون اعتقادُ المشْرِكينَ في اللَّه من حيثُ العُلُوِّ أَكْمَلُ من اعتقادِ المعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ والأشَاعِرَةِ؛ لأن هؤلاء يُنْكِرُونَ عُلُوَّ اللَّهِ الذَّاتِيِّ ويقولون: إنَّ اللَّه لا داخلَ العالم ولا خَارِجَهُ، ولا مُتَّصِلٌ ولا مُبَايِنٌ. الفَائِدةُ الخامِسة: أن الرَّسولَ ﷺ بَشَرٌ لا يَمْلِكُ لنفْسِهِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. الفائِدَتانِ السَّادسةُ والسابِعَةُ: أن إضافَةَ الأمورِ إلى اللَّه تَقْطَعُ الحُجَجَ، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ويتَفَرَّعُ على هذه الفَائِدة أن الأحكامَ الشَّرْعِيَّةَ إذا سُئلِنا عن الحِكْمَةِ من كون كذا، كذا وكذا، نقول: هذا من عِندِ اللَّه، هذا حُكْمُ اللَّه، وهذا كافٍ لكلِّ مؤمنٍ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].

стр. 285

ولهذا احَتَجَّتْ عائشةُ ﵂ على عَمْرَة بنتِ رَواحَةَ لما سألتها: ما بالُ الحائضِ تَقْضِي الصومَ ولا تَقْضي الصلاةَ؟ فقالت: أحَرُورَيةٌ أنت؟ قلت: لَسْتُ بحَرُورَّيةٍ ولكني أسأل. قالت: "كان يُصيبنا ذلك، فنُؤمَرُ بقَضَاءِ الصَّومِ ولَا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ" (١)، فإسنادُ الأمْرِ إلى اللَّه هو أعْظَمُ حُجَّةً وهو كافٍ في إبطالِ الشُّبَهِ. الفَائِدةُ الثَّامِنة: إثباتُ قُدْرة اللَّه ، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن الشيء لا يكون آية حتَّى يكون خارِقًا للعادَةِ، فلو جاء رَسُولٌ إلى الناسِ فقَالُوا: نريدُ آية فقال: سآتِيكُمْ بآية، وكان ذلك في وقتِ الاعْتَدالِ الرَّبِيعِيَّ فقال: آيتي أن تَطْلع الشمسُ الساعة الثانية عشرة وتَغِيبَ الساعَة الثانية عشرة (٢)، فهذه ليست بآية؛ لأن العادةَ هكذا، فلا بُدَّ أن تكون الآيةُ مخالفة للعَادَةِ، فإذا أجْرَى اللَّه الأمر على خلافِ العادَةِ دلَّ ذلك على قدرْتهِ جَلَّ وَعَلَا. الفَائِدةُ التَّاسِعة: الردُّ على أهل الطَّبِيعَةِ الذين يقولون: إن الكونَ طَبيعَةٌ مُنظِّمةٌ لنفسها بنفسها، وأنها عبارة عن مقَدِّمَاتٍ ونتائجَ يُنتِجُ بعضها من بعْضٍ، لقوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، فهو الذي يُدِّبرُ الكون ويأتي بالآياتِ الدَّالَّةِ على كمالِ قُدْرتهِ وسُلطانِهِ. الفَائِدةُ الْعاشِرَة: أن رسولَ اللَّهَ ﷺ وظيفَتُه الإنذارُ لا الهِدَايةُ، لقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. الفَائِدةُ الحَادِيةَ عشْرَةَ: أن الرسولَ ﷺ لا يَمْلِكُ أن يأْتِيَ بآيةٍ إلا مِنْ عندِ اللَّه،

стр. 286

وهذا ما يفيدُهُ الحَصْرُ في قوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، وأكبر شاهِدٍ على ذلك أنهم سألُوه عن قِصَّةِ أصحابِ الكَهْفِ فقال: أُخْبِرُكُمْ بذلِكَ غدًا (١)، فامتَنَعَ الوحْي خمسةَ عشرَ يومًا لم ينزل، فضَاقَ النَّبِيُّ ﵊ بهذا، لكن هذا في الحقيقةِ من تَأْيِيدِ اللَّه للرسولِ ﷺ ؛ لأنه يَنْفِي كلَّ شُبهة عن النَّبِيِّ ﷺ بأنَّه يتَقَوَّلُ القرآنَ؛ لأن الذي يتقولُ القرآن يحْرِصُ غايةَ الحِرْصِ ألا يُخْلِفَ ما قاله لهم، ولجاء به من الغَدِ بناءً على وَعْدِهِ، ولكنه ﷺ لا يتقول وإنما يتَلَقَّى، فهو يتَلَقَّى مِنَ اللَّه الوَحْي، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦]. الفَائِدةُ الثانيةَ عشرةَ: أنه لا يجبُ على مَنْ بَلَّغ عَنِ الرَّسولِ ﷺ إلا الإنذارَ، فأهلُ العِلم الذي هُم ورَثَةُ الأنبياء لا يملِكُون هِدَايةَ الخلْقِ؛ لكن عليهم الإنذارُ والتَّبْلِيغُ. الفَائِدةُ الثالثة عشرة: أن من بَلاغَةِ الكلام أن يكونَ الخِطابُ مُوافِقًا لمقْتَضَى الحال، وجه ذلك: الحصرُ في ذِكْرِ الإنذارِ فقط، فالرَّسُولُ ﷺ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، لكن المقام مقامُ محاجَّة الكافِرِينَ، فكان مُقْتَضَى الحال ذِكْرُ صفةِ الإنذارِ فقط وعدَمِ ذِكْرِ كونِهِ بَشِيرًا. الفَائِدةُ الرابعة عشرة: المنْقَبَةُ للمُنذِرِ إذا كانَ مُبِينًا في إنْذَارِهِ، فيكون فيه مدْحٌ للفَصَاحَةِ والبَلاغَةِ، وقد قال النبي ﵊: "إِنَّ مِنَ الْبَيانِ لَسِحْرًا" (٢). وكم من رَجُلٍ قليلِ العِلْمِ لكِنَّهُ قويُّ الفصاحَةِ، فيُؤثِّرُ تأثِيرًا كَبِيرًا أكثر مما

стр. 287

يؤَثِّرُهُ كثيرٌ من أهلِ العِلْمِ، فاللَّه إذا أَعْطى الإنسانَ قوَّةً في البيانِ وانْطِلاقًا في العبارَةِ فإن ذلك من نِعْمَةِ اللَّه، ثم مِنَ الناس من يُعطِيهِ اللَّهُ الفصاحَةَ في القولِ والكِتَابَةِ، ومنهم من يُعْطِيهِ اللَّه تعالى الفصاحَةَ في القولِ دُونَ الكتابةِ، ومنهم من يكون فَصِيحًا في الكِتابةِ دُونَ القولِ. وحدَّثَنِي شيخُنَا محمدُ العبد العزيز المطَوع ﵀ أن عالمًا من العلماءِ المشْهُورينَ الذين يَمْلِكُون زِمامَ الفصاحة في كتابتِهِمْ، كتابته بليغة جدًا، ولكنه في في الإلقاءِ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لأن عبارَتَهُ ليست بجَيِّدَةٍ ولا سلسلة ولا مُقْنِعَةٍ، لكنَّ كتاباته -سبحان اللَّه العظيم- مشهودة له بالفصاحة والبيان. ومن الناس من تجِدُه بعكس ذلك، تجده إذا قام يتَكَلَّمُ لا تريدُهُ أن يسْكُتَ، فعندَهُ قوة في البيانِ وإيرادِ الحُجَجِ، لكن عندما يكْتُبُ تجِدُ ركاكَةً وعِيًّا وعدمَ فصاحَةٍ، وبعضُ الناس رَديءٌ من الجهتين. لو قال قائلَ: هل هناك عواملُ تساعِدُ على الفصاحَةِ؟ فالجواب: كل الطبائعِ غريزةٌ ومكتسبةٌ، فمن الناس مَنْ يُعْطِيهِ اللَّه تعالى موهِبَةً من أصل طَبِيعَتِه ئم ينَمِّي هذه الموهبةَ بالاطِّلاع والقِراءةِ، ومن الناس من تكونُ فصَاحَتُه بسببِ الدِّرَاسَةِ وكثرة القِراءةِ وسماع الخطباءِ فيتَأَثَّرُ بهم كثيرًا ويكتسب هذه الموْهِبَةَ، ولهذا الذي يُطالِعُ كتبَ عالمٍ من العلماء ويُدْمِنُ المطالَعَة في كُتُبه تَجِدُهُ يتأَثَّرُ به من حيثُ العلم، ومن حيثُ الأُسلوبِ وإيرادِ الكلامِ. * * *

стр. 288

الآية (٥١) * * * * قالَ اللَّه : ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]. * * * قال اللَّهُ تعالى معَارِضًا لطَلَبهِمْ بما هو أَوْلَى منه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾. قال المُفَسِّر ﵀: [فِيمَا طَلَبُوا ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القُرْآنَ ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾]. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ الضَّمْيرُ يعودُ على الذين ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، والهمزةُ هنا للاستِفْهامِ، والواوُ عاطفِةٌ على جملَةٍ مقَدَّرَةٍ تُقَدَّرُ بحسبِ المقامِ؛ هذا أحدُ الرَّأْيينِ لأهلِ النَّحْوِ. والرأيُ الثاني: أن الواو عاطِفَةٌ على الجملةِ السابِقَةِ ولا تحتاجُ إلى تقدير، وأنَّ ترتيبَ الهمزةِ التَّأَخُّرَ، وأن التقدير: (وألم يَكْفِهِمْ)، وهذا القولُ أسْهَلُ؛ لأن القولَ الأول وإن كان مَبْنِيًا على أصْلٍ وهو عدَمُ التَّقْدِيمِ والتَّأخِيرِ؛ لكن على القولِ الأَوَّلِ أحيانًا لا تَسْتَطِيعُ أن تُقَدِّرَ المحْذُوفَ، وأما على القولِ الثاني فلا إشكالَ. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ الكِفَايةُ بمَعْنَى الغِنَى عن الشيء، ومنه ما هُو معروفٌ لأهلِ الفِقْهِ: "يجبُ عليه كفَايةُ مَنْ يَمُونُه" أي: إغناءُ من يَمونُهُ عن غيره، فمعنى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾: أولم يُغْنِهْم عنْ كُلِّ آيةٍ ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾، (أنَّ) واسمْهَا وخبرهَا

стр. 289

تُؤَوَّلُ بمصدر على أن يكونَ فاعِلَ (يكفي) التقدير: أولم يكْفِهم إنْزَالُنا. ولهذا قال: ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [القرآنُ]، وسُمِّي كِتَابًا لأنه مكتوبٌ في اللَّوْحِ المحْفوظِ، وفي الصُّحُفِ التي بين يَدِي الملائكةِ، ومكتوبٌ في المصاحف التي بَيْنَ أيْدِينَا. قوله: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يُقْرَأُ ولا أحد يَحُول بينهم وبينَهُ، والذي يتْلُوهُ الرسولُ ﵊، يتْلُوه عَلَى النَّاسِ ويُبَلِّغُهُمْ إياه فيَتَنَاقَلُونَهُ. وقوله: [﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ فَهُو آيَةٌ مسْتَمِرَّةٌ لا انْقَضاءَ لها، بخلافِ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ]: فالقرآنُ آيةٌ مْسَتَمِرَّةٌ إلى يومِ القِيامَةِ؛ لأن اللَّه تعالى يقولُ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، بخلاف الآياتِ السَّابِقَةِ، الآياتُ السابِقَةُ مشهودةٌ يَنْتَفِعُ بها المشاهِدُونَ لها، أما مَنْ بَعْدهُمْ فإنما تَصِلُ إليهم عن طريقِ الأخْبارِ، ومن المعلومِ أنه ليس الخبرُ كالعَيانِ، أما القرآنُ فإنه بينَنَا نُشَاهِدُه ونَسْمَعُه ونَتْلُوه، فليس هو من طريقِ الخبرِ عن شيءٍ مَضَى، فيكون أعظمَ مِنَ الآيات التي انقَضَتْ وزالَتْ، وهذا هو السرُّ في أن القرآن كان آيةً لكُلِّ الناس؛ لأن النبيَّ ﷺ مبْعُوثٌ إلى جميعِ البَشَرِ. واعلم أن القرآن آياتٌ بَيِّنَاتٌ في صُدورِ الذين أُوتُوا العِلْمَ، أما المستَكْبِرُونَ الذين يَقْرؤونَ القرآنَ وهم مُعْرِضُونَ عنه فلا تَظْهرُ لهم الآيات ولا يكون لهم آية، قال اللَّه : ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].

стр. 290

وقال اللَّه في سورة القتال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]. فالقرآنُ آياتٌ لمن أقْبَلَ عليه، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. ثم إن هذا القرآن آيةٌ بنَفْسِهِ لا لوجودِ مانع من مُعَارَضَتِهِ؛ خِلافًا لمن قال: إن عدمَ معارَضَةِ القرآن ليسَ للقرآنِ نَفْسِهِ ولكن بصَرْفِ الناسِ عن مُعارَضَتِهِ، وإلا فهم قادِرُون على مُعارَضَتِهِ. وهذا لا شكَّ أنه خَطأ بيِّن، ولو صحَّ لكان آيةً لكنه لم يَصِحَّ. بل نقول: إن القرآن نفسَهَ آيةٌ من آياتِ اللَّهِ، وكَافٍ للدَّلالَةِ على صدقِ الرسولِ ﷺ لكن لمن تَدَبَّرَهُ؛ فإن العامِّيَ قد لا يظهْرُ له كونُ القرآنِ آيَةً بَيِّنَةً للرسولِ ﷺ ؛ لأنه ليس من أهلِ العِلمِ، العامِّيُّ يعلم أن هذا القرآن كلامُ اللَّهِ، وكذلك يَشْعُرُ بما فيه مِنَ التَّرغيبِ والترهيب، ولهذا تَجِدُهُ يسألُ اللَّه من فضْلِهِ عند آيات الترغيبِ، ويسْتَعِيذُ باللَّه مِنَ النَّارِ والعذاب عندَ آياتِ التَّرْهِيبِ، وإذا جاءتْ أسماء اللَّه فإنه يَشْعُرُ بأن جِلْدَه يقْشَعِرُّ ثم يَلِينُ لذِكْرِ اللَّه، لكن الآياتِ العظيمَةَ التي يتَضَمَّنَهَا هذا القرآن لا يعْرِفُها العامَّةُ. وقوله: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أوَّلُ من تَلاه وبلَّغه الرسولُ ﵊، وقال: ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ولم يَقُلْ: تَتْلُوه عَليهم؛ لأَنهُ أعمُّ؛ لأن الرسولَ ﷺ يتْلُوه على النَّاسِ ثم الناسُ يعَلِّمُ بَعْضُهم بعضًا. وقوله : [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الكِتابِ]: يُحْتَمَلُ أنه إنزالُ الكتابِ؛ لأن الذي ذَكَرَ اللَّهُ أنَّه يَكْفِيهِمْ هُوَ إنزال الكتابِ، فيكون الَّذِي فيه الذِّكْرَى هو الإنزَالُ، ومعلومٌ أن الذِّكْرَى تكونُ في الإنزال باعتبارِ المُنَزَّلِ لكن إنزالَهُ من اللَّه ذِكْرَى،

стр. 291

فالقرآنُ في الحقيقة ذِكْرَى مِنَ الوجهين: من جهَةِ أنه نَزَلَ من عند اللَّهِ، ومجرَّدُ شعورِ الإنسانِ بأنه نَزَل مِنْ عندِ اللَّهِ لا شكَّ أنه يتَذَكَّرُ به ويُعَظِّمُهُ؛ لأنه كلامُ ربِّه، وكذلك أيضًا ما فيه من المعَانِي العَظيمَةِ والآثارِ الحَميدَةِ، هي أيضًا آيةٌ مِنْ آياتِ اللَّهِ. ولهذا قال : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾ فالرَّحْمةُ مِنَ اللَّهِ، فاللَّه أنزلَ القُرآنَ رحمة للنَّاسِ، وأيضًا ذِكْرَى، يعني: عِظَة يتَذَكَّرُ به الناسُ، فبه يتَرَاحَمُونَ ويُرْحَمُونَ، فهو ذِكْرَى ولكن ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأن من لم يُؤْمِنْ فليس رَحَمَةً في حَقَّهِ، بل يَزِيدُهُ رِجْسًا إلى رِجْسِهِ فيَضِلُّ أكثرَ ويزدادُ كفرًا -والعياذ باللَّه-، فالمؤمن هو الذي يكونُ القرآنُ رَحمةً له وذِكْرَى ويُنْتَفَعُ به. وما دامَ الأمْرُ عُلِّق على الوَصْفِ في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، فكلَّمَا كان الإنسانُ أقْوى إيمانًا كان أكثرَ رَحمةً بهذا القرآن وتَذَكُّرًا، وكلما كان الإنسان أضعفَ إيمانًا كان القرآنُ أقلَّ رحمةً له وتَذَكُّرًا. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: أن القُرآنَ كلامُ اللَّهِ ، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾. الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ عُلُوِّ اللَّه ، لقَولِهِ: ﴿أَنْزَلْنَا﴾. الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إثباتُ رِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، وهذا يعْنِي أنه مُوحَى إِلَيْهِ بالقُرآنِ. الفَائِدةُ الرَّابِعة: الإشارةُ إلى شرفِ هذا القُرآنِ حيثُ إنه مَكتوبٌ في اللَّوحِ المحْفوظِ وفي الصُّحُفِ التي في أَيْدِي الملائكة. الفَائِدةُ الخامِسةُ: أن المشركينَ قد قامَتْ عليهم الحُجَّةُ، لقوله :

стр. 292

﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾، فالقرآنُ ليس غَائبًا عنهم حتى يَعْتَرِضُوا، ولكنه يُتْلَى عَليهِمْ. الفَائِدةُ السَّادسَة: أن مجرَّدَ تلاوةِ القُرآنِ على شخصٍ يكونُ مُلْزِمًا له بالاتِّباعِ؛ لأن اللَّه لم يَذْكُرْ أكثَرَ مِنَ التِّلاوةِ، فإذا تَلَي القرآنَ على إنسانٍ فقد قامتِ عليه الحُجَّةُ، ولهذا الجِنُّ ولَّوْا إلى قومِهِمْ مُنْذِرِينَ بمُجَرَّدِ سماعهِمْ القرآنُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠]. فقِراءَةُ القرآنِ مُلْزِمَةٌ، لكن إذا كان لا يَفْهَمُ لغة القُرآنِ فلا تكونُ مُلْزمة، لقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، ولا يحْصُلُ البيانُ وهو لا يَدْرِي لُغَةَ القُرآنِ. الفَائِدةُ السَّابِعَةُ: ما يتَضَمَّنَهُ إنزالُ القرآنِ من الحُرمَةِ والذِّكْرى، وهو الاتِّعَاظُ والتذكُّر، لقولِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى﴾. الفَائِدةُ الثَّامِنة: أنه لا ينْتَفِعُ بهذه الرَّحمةِ والذِّكْرى إلا المؤمنونَ، لقوله : ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. الفَائِدةُ التَّاسِعَةُ: كُلَّمَا كانَ الإنسانُ أقْوَى إيمانًا كان أكْثَرَ انتِفَاعًا بالقُرآنِ، وكلما كان أضعفَ إيمانًا أو أكثرَ مَعْصِيَةً كان أبعدَ عن فَهْمِ القُرآنِ والانتفاعِ به، بل إن المعَاصِيَ تحولُ بينَ الإنسانِ وبين فَهْمِ القرآنِ. وقد استَنْبَطَ بعضُ العلماءِ من قوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ

стр. 293

إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٦]، استنْبَطَ أن الاستغْفَارَ سببٌ لبيانِ الحقِّ عندَ الحُكْمِ، سواء كان هذا الحُكْم فُتْيَا أو قَضَاء؛ لأن ذِكْرَ الاستغفارِ يدُلُّ على أن له أثرًا في المسْتَقْبَلِ؛ لأن هذا ليس آخِرَ حُكْمٍ للرَّسُولِ ﵊، فالإنسانُ إذا استَغْفَرَ اللَّه كانَ ذلكَ مَفْتَاحًا للفَهْمِ والعلمِ؛ لأن الذنوب حائلٌ بينَ الإنسان وبينَ التَّوفِيقِ، كما قال : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، ولهذا لما رانَ على قُلوبِهِمْ ما كَسَبُوا صَارُوا يقولُونَ عَلى القُرآنِ أنه أساطِيرُ الأَوَّلِينَ ولم ينتفِعُوا به. الفَائِدةُ الْعاشِرَةُ: فضيلةُ الإيمانِ حيثُ تَتِمُّ به الرَّحْمَةُ والذِّكْرَى، لقوله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. الفَائِدةُ الحَادِيةَ عشْرَةَ: إثباتُ الرَّحمةِ للَّه لقولِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً﴾، فهو أنْزَلَهُ ليَرْحَمَ به الخلْقَ. * * *

стр. 294

الآية (٥٢) * * * * قالَ اللَّه : ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢]. * * * قوله: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ يقولُ المعْرِبُونَ: إن (الباء) زائِدَةٌ، وإن ﴿شَهِيدًا﴾ هنا ليست مَصْدَرًا ولا اسمًا جامِدًا، بل هي مشْتَقَّةٌ فتَصْلُحُ أن تكونَ حَالًا من الاسمِ الكَريمِ، وتصْلُحُ أن تكونَ تَمْييزًا كقولهم: (للَّه دَرُّهُ فَارِسًا)، أي: كفى شهادة اللَّه بَيْنِي وبَيْنكم. قوله: ﴿كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ ضَمن الشهادة هنا معنى الحُكْمِ، فالشهادَةُ تُطْلَقُ بمعنى الحُكم، كما في قوله : ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧]، فإن قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ بمَعْنَى: حَكَم حاكِمٌ، والحاكمُ في الحقيقة شاهدٌ، وذلك من وجهين: أوَّلًا: لأنه شاهِدٌ بحُكْمِ اللَّه لأنه حَاكِمٌ به، فهو إذا حَكَمُ يقول بلِسَانِ الحال: أشهدُ بأن حُكْمَ اللَّه كذا وكذا، وهو شاهِدٌ على المحق بالحقِّ وعلى المبْطِلِ بالباطِلِ،

стр. 295

ولذلك يقولون: الحاكِمُ شاهدٌ ومُفْتٍ ومَلْزِم كالأمير، فهنا ضمَّن الشهادةَ معْنَى الحُكمِ، وإلا فإن الشاهِدَ لا يكون شاهِدًا بينَ فُلانٍ وفلان ولكن يكون شاهِدًا لفُلانٍ على فلان، لكنه ضَمَّنَ الشهادَةَ معنى الحُكْمِ، وهو كذلك فإن شهادةَ اللَّهِ لنَبِيِّهِ ﷺ بالحق حُكْمٌ له بالحق، ووَجْهُ كون ذلك شهادَةً وحُكْمًا: لأنَّ كونَ اللَّهِ يُمَكِّنُ نبيَّهُ ﷺ من قتالِ هؤلاءِ الكُفَّارِ، واستباحَةِ دمائهِمْ وأموالهم، وكونه يمَكِّنُ له في الأرض فيَفْتَحُ بلادَهُم، بل يفتحُ له الأرض أرْضًا أرْضًا؛ يدُلُّ على أن اللَّه حكمَ لنَبِيِّهِ على الكُفَّارِ، وهو أكبرُ دَليلٍ على شهادة اللَّه له بالصِّدْقِ، ولهذا قال في سورةِ الأنعام: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، فهذا أكبرُ ما يكونُ من الشَّهادَةِ، وقد شَهِدَ اللَّه لنَبِيِّه بالفعل والتَّمْكِينِ بأنه على الحقِّ والإيمان وهم على الكُفْرِ والباطِلِ. قوله: [﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومنْهُ حَالي وحَالُكُم]: الجملة حَالٌ مِنْ لفْظِ الجلالةِ، يعني: حالَ كونه يَعْلم، ويجوز أن تكونَ استِئْنَافِيَّةً لبيانِ صحَّةِ شهادَةِ اللَّه وحُكْمِهِ، فإنه يشْهَدُ على حقٍّ، فيعلم المُحِقَّ فيحُكْمُ له والمبْطَلَ فيحكُم عليه. (مَا) اسم موصولٌ يُفيدُ العُمومَ، وهي تُسْتَعْمَلُ لغيرِ العاقِلِ، أما (مَنْ) فتُستَعْمَلُ للعقلاءِ، وهنا قالَ: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولم يَقُلْ: (مَنْ في السمواتِ والأرضِ) إمَّا تَغْلِيبًا للأكثر، وإما لملاحظَةِ الصِّفَاتِ مع الذَّواتِ، وهذا أَوْلَى؛ لأننا قد نُمَانِعُ بأن الأكثرَ غيرُ عاقِلٍ باعتبارِ السَّمواتِ والأرض، فإن السمواتِ ما فيها موضِعُ قَدَمٍ إلا ومَلَكٌ قائمٌ أو رَاكِع أو ساجِدٌ، والسمواتُ عَظِيمَةٌ وواسِعَةٌ، قالَ تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].

стр. 296

فـ (مَا) يُعْبَّرُ بها عن الصِّفَةِ دونَ الموصوفِ، قال اللَّه : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، ولم يقل: مَنْ طابَ لكُمْ؛ لأن المرأةَ إنما تُنْكَحُ لصِفَاتِهَا؛ لأن المقصودَ وَصْفُ المرأةِ لا عَيْنُها كما قال النَّبِيُّ ﷺ : "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لمَالهَا، وحَسَبِهَا، وجَمَالهَا، ودِينِهَا" (١). ﴿مَا﴾ موصولةٌ، وصِلَةُ الموصولِ شِبْهُ الجُمْلَةِ، قال ابنُ مالكٍ ﵀ في ألْفِيَّته (٢): وَجُمْلَةٌ أَوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ ... بِهِ كَمَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ فصِلَةُ الموصُولِ إما أن تكونَ جُملَةً اسمية أو فِعلية أو شِبْهَ جملة، وهو الظرفُ أو الجارُّ والمجْرُورُ. والظرفُ أو الجارُّ والمجرورُ هل هو نَفسه صِلَةٌ كما هو ظاهِرُ كلامِ ابنِ مالكٍ، أو متَعَلِّقُه هو الصلَةُ كما هو قولُ الجمهور؟ الجواب: متَعَلِّقُه هو الصِّلَةُ. وهل يقَدَّرُ صلةُ الموصول فعلًا أو اسمًا؟ الصحيح أنه يُقَدَّرُ فِعْلًا لأن هذا هو الأصلُ، وعمل الاسمِ عندَ الحذف قليلٌ وضعيفٌ. وخبرُ المبتدأ يقَدَّرُ باسْمٍ ويجوزُ تَقْديرُه بفعلٍ، لكن تَقْدِيرُه باسمٍ هو الأصل،

стр. 297

تقول: الرَّجلُ عِنْدَك؛ التقدير: الرَّجُلُ كائنٌ أو مستَقِرٌّ عنْدك، فالخبرُ جملة اسمية، ويجوز: الرجلُ استَقَرَّ عندك، على أن يكون الخبرُ جملةً فِعْلِيَّةً، لكن هذا خلافُ الأصل؛ لأن الأصلَ في الخبر أنه مُفرد، أما صِلَةُ الموصول فنقدرها جملَةً فِعْلِيِّةً، فلو قلت: جاء الذي عندك، التَّقْدِيرُ: مستقرٌّ عِنْدَكَ؛ لَزِمَ أن تقدر مبتدأ مرة ثانية، ويكون التقدير: جاء الَّذِي هو مُسْتَقِرٌّ عندَكَ. وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إذا كان للعمومِ فهو يَشْمَلُ أفعالَ الإنسانِ وأقوالَهُ وسِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، وفيه ردٌّ ظاهِر على غُلاةِ القَدَرِّيةِ الذين كانوا قديمًا يَنْفُونَ العِلم والعياذ باللَّه، ويقولون: إن الأمْرَ أُنفُ، يعني مستأنفٌ، وهم كفَّارٌ لأنهم مَكَذِّبُونَ للقُرآنِ. ودائمًا يجمَعُ اللَّهُ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ويُفْرِدُ ﴿وَالْأَرْضِ﴾، وكلها في العَدَدِ سواءُ كما ثَبتَ في السُّنَّة، وكما هو ظاهِرُ القرآنِ في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فتكون الأرضُ مفردَةً لكن معنَاهُ الجمعُ، فـ (ال) هنا لاستِغْرَاقِ الجِنْسِ، يعْنِي: كل ما يُسَمَّى أرْضًا، فيَشْمَلُ السبعَ الأرَضِين. وقوله: [﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومنْهُ حَالي وحالُكُم]: ونص المُفَسِّر على ذلك لأن المقامَ يَقْتَضِيهِ، حيثُ قالَ: ﴿كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾. ثم قال مستأنفًا الكِلامَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، (الذين): مبتدأٌ خَبَرُه جملَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وهذا من الحُكْمِ بينَه وبينهم.

стр. 298

وقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الظاهِرُ أنها من كلامِ اللَّه، وأنها جملةٌ مستَأْنَفَةٌ وليست من كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ . قوله: [﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ وهُو مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ]: آمنوا به يعني: اعترَفُوا به وأقَرُّوا به ورَأَوا أنه حَقٌّ، هؤلاء هم الخاسرون. والباطِلُ: كلُّ ما عُبِدَ من دُونِ اللَّهِ في هذا المقام، وإلا فَفِي غَير يقال: كلُّ ما خالَفَ الحَقَّ فهو باطِلٌ، حتى الشيء الذي لا خيرَ فيه يُسَمَّى بَاطِلًا وإن لم يَضُرَّ، كما قال النبي ﵊: "كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا كَذَا وَكَذَا" (١)، فالباطل يُفسَّرُ في كل مكان بَحَسَبِهِ. وهذه القاعدةُ شامِلَةٌ لجميعِ الكلماتِ، تجِدُ الكلمة الواحدةَ في سِياقٍ لها معنى وفي سياقٍ آخرَ لها معنى آخر بحَسَبِ السِّياقِ، وهذا هو الذي يُطَمْئِنُ الإنسانَ إلى صحَّةِ القولِ بأنه لا مجازَ في اللُّغةِ العربيةِ، حيث إننا قلنا: إن الذي يُحَدِّدُ مَعْنى الكلمة هو سِياقُهَا ومكانها في هذا السِّياقِ، باعتبار حالِ المتكَلِّمِ بها وحالِ الموضوعِ الذي هو مَسُوقَةٌ له، فالباطِلُ هنا هو الأصنام، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]. قوله : [﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ مِنْكُمْ]، وقوله: ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ أَيْ: أنْكَرُوا ما يجِبُ له مِنْ حَقٍّ، وذلك لأن الكُفر في اللُّغَةِ العربِيَّةِ

стр. 299

بمعنى السَّتْرِ، ومنه سُمِّيَ الكُفُرَّى وهو طَلْعُ النَّخْلِ لأنه يَسْتُرُ التَّمْرَ، وعندنا يُسمونَهُ الكافور. وقَال المُفَسِّر ﵀: [منكم] هذا من أغربِ ما يكونُ، إلا إذا كان يَرَى أن قولَهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ من كلام الرسول ﵊، فيكونُ قوله: [مِنْكُمْ] له وَجْهٌ، ويكونُ الرسولُ ﵊ يخاطِبُ المشْرِكِينَ، ويكونُ المعنى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ منكم أيها المشْرِكُونَ، أما إن كانت مِنْ كلامِ اللَّه فهي عَامَّةٌ. قوله: [﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ فِي صَفْقَتِهِمْ حيثُ اشْتَرَوا الكُفْرَ بالإيمانِ]: وصياغَةُ الجملَةِ على هذا الوجه له مَعْنَى عَظِيمٍ، حيث جاءتِ الجملَةُ الاسميةُ المفِيدَةُ للحَصْرِ، لو قال: والذين آمنوا بالباطل وكفروا باللَّه الخاسرونَ، لعُلِمَ المعنى، لكن قولَه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أبْلَغُ؛ لأن الإشارةَ للتَّعْيِينِ. وضميرُ الفَصْلِ يُفِيدُ الحَصْرَ، فيكون حَصْرُ الخسرانِ فيهم من جِهَتَيْنِ: من جهةِ التَّعْيِينِ بالإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾، ومِنْ جِهَةِ الفَصْلِ بالضَّمِيرِ ﴿هُمُ﴾، فهؤلاءِ خَسِرُوا صَفْقَتَهُمْ، فما رَبِحُوا بل تَضَرَّرُوا بهذه الصفْقَةِ. واعلم أن ضَميرَ الفَصْلِ يُفِيدُ التوكيدَ والحَصْرَ، وكذلك التَّمْيِيزُ أو الفَصلُ بين الصِّفَةِ والخبرِ، ولهذا سُمِّيَ (ضمير فصل)، فإذا قُلْتَ: "زيد الفاضلُ"، يُحتملُ أن الفاضِلَ صِفَةٌ والخبرُ منتَظَرٌ يعني: زيدُ الفاضِلُ قائمٌ، فإذا قلت: زيدٌ هو الفَاضِلُ، تعَيَّنَ أن يكونَ خبرًا. وضَمِيرُ الفَصلِ الأصَحُّ أنه حَرفٌ لكنه بصِيغَةِ الضَّمِيرِ.

стр. 300

وبعضهم يقول: إنه ضَمِيرٌ، لكن ليس لَهُ مَحِلٌّ من الإعرابِ. وبعضهم يقولُ: هو ضميرٌ ومَحِلُّهُ مِنَ الإعراب ما قَبْلَهُ. لكنَّ الأخيرَ خلافُ قواعدِ اللُّغَةِ العربية؛ لأن الضَّمائرَ لا يُنْعَتُ بها ولا تُنْعَتُ، صَحيحٌ أنها تُؤَكِّدُ كما تقولُ: قام هو، والأرْجَحُ الذي عليه الأكثرُ أنه حَرْفٌ جِيءَ به للفَوائدِ الثلاثةِ السابقة. وقوله: ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ اعلم أن الخُسْرانَ، يكونُ بفواتِ المحْبُوبِ ويكونُ بحصولِ المكْرُوهِ، والذي حصَلَ لهؤلاءِ المؤْمِنينَ بالباطِلِ الكافرين باللَّه كِلا الأَمْرَيْنِ، فهم فاتَهُمُ المطلوبُ ووقَعُوا في المكروه: فاتهم الثَّوابُ العظيمُ الذي أعدَّهُ اللَّه للمؤمنين به مِنَ الجنَّاتِ، ووقَعُوا في المكروهِ وهي النَّارُ -والعياذ باللَّه- فخَسِرُوا الأمْرَيْنِ جَميعًا. فـ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في صَفْقَتِهِمْ، حيث اشتروا الكفرَ بالإيمانِ، فخَسِرُوا أنفُسَهُم وأهَلْيهم وأمْوالهِمْ ودُنْياهُم وآخِرَتَهم، نعوذُ باللَّهِ من ذلك، خَسِرُوا أنفسهم لأن أنْفُسَهُم التي كانوا بِصَدَدِ أن يحْمُوها عَنِ المحارِمِ وعن الباطل ضَيَّعُوها فخَسِرُوها، ضاعَتْ مع نُفوسِ الهالِكِينَ، وخَسِرُوا أهْلِيهِم لأن المؤمنين قد رَبِحُوا أهْلِيهِمْ في الدنيا والآخرة، قال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. أما هؤلاء فخَسِرُوا ذُرِّيِّتَهم في الدُّنْيَا والآخِرَةِ ولم يَنْتَفِعُوا بها؛ لأن أهلَ النَّار لا يجْتَمِعُون ولا يتَآلَفُونَ ولا يتَحَابُّون، بل العَكْسُ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وكلُّ إنسانٍ -والعياذ باللَّه- في تابُوتٍ مُعَذَّبٌ وحْدَهُ، وخَسِرُوا أموالهُم

стр. 301

أيضًا قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]، ثم إن المالَ المفروضَ أن ينْتَفِعَ به الإنسانُ، لكنَّ هؤلاءِ الكفَّارَ لم ينْتَفِعُوا بمالهُم، فمَهْمَا أنْفَقُوا مِنْ نفَقَةٍ فلن تُقْبَلَ منهم، قال : ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]، فهم الخاسرونَ من كُلِّ وجه -والعياذ باللَّه-، ولهذا حَصَرَ الخِسَارَة فيهِمْ. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: أن اللَّهَ شهادَتُهُ أعظَمُ وأكبرُ شَهادةٍ، لقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾، وفي سُورَةِ الأنعامِ قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]. الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: أن شهادةَ اللَّهِ تكونُ بالقَولِ وبالفِعْلِ: أما بالقول: فإنَّ اللَّه تعالى يقولُ للنَّبِيِّ ﵊: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]. وأما بالفعل: فإن تَمكِينَ اللَّهِ لرَسولِهِ ﵊ في الأرضِ ونَصْرَهُ إيَّاهُ وخُذلانَ أعدائِهِ أكبرُ شهادَةٍ على أنه صاحِبُ الحقِّ وأن أعدَاءَهُ أهلُ الباطل؛ إذن: فالشهادَةُ نوعان: شهادةٌ فِعْلية، وشهادة قَولِيَّة. الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: إطلاقُ الشَّهادةِ على الحُكم، لقوله : ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ لم يقل: شَهِيدًا لي عَليكُمْ، بل قالَ: ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.

стр. 302

لو قال قائل: إذا كان عندَ الحاكِمِ شهادةٌ هل يحكُمُ بها؟ الجواب: إذا كانَ عندَ الحاكمِ شهادةٌ فلا يُحْكَمُ بها كما قالَ أهلُ العِلم، بل يُحَوِّلُ القَضِيَّة إلى قاضٍ آخِرَ ويَشْهَدُ. الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: إثباتُ عِلم اللَّه ، لقولِهِ: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وإثباتُ عُمومِ عِلم اللَّهِ ، وعُمُومُ العِلم غيرُ مطْلَقِ العِلْمِ، فالإنسان عالمٌ، لكن عِلْمَهُ ليس بعام، أما اللَّهُ فعالم وعِلْمُهُ عامٌّ شامِلٌ لكُلِّ شيءٍ. الفَائِدةُ الخامِسةُ: إثباتُ تعَدُّدِ السمواتِ، لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وهي جَمْعٌ، وهي هنا مُبْهَمَةٌ، لكنها بُيِّنَتْ في آياتٍ متَعَدِّدَةٍ بأنها سبعُ سمواتٍ. الفَائِدةُ السَّادسَةُ: إثباتُ عِلم اللَّهِ لما يَفْعَلُه الإنسان؛ لأن ما يَفْعَلُه الإنسانُ داخلٌ في كونِهِ في السموات والأرض، فيكون في ذلك رَدٌّ على غُلاةِ القَدَرِيَّةِ الذين أنْكَرُوا عِلْمَ اللَّهِ وقالوا -والعياذ باللَّه-: إن اللَّه تعالى لا يَعلَمُ أفعالَ العَبْدِ، وأن الأمْرَ أُنُف، أي: مستَأْنَفٌ، وقد تقدم. الفَائِدةُ السَّابِعة: أن الإيمانَ بالباطلِ والكُفْرَ باللَّهِ سببٌ للخَسَارَةِ، لقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ويَتَرَتَّبُ على ذلك أن الخسرانَ يكونُ بقَدْرِ ما آمنَ الإنسانُ به مِنَ الباطِلِ وكَفَر به مِنَ الحقِّ، فأعْظَمُهُ الشركُ باللَّه ، ومنه ما هو دُونَ ذلك، كما لو آمَنَ بحُكْمٍ مخالِفٍ لحُكْمِ الشَّريعَةِ وكَفَر بحُكْمِ الشَّرِيعَةِ؛ فإن لَدَيْهِ مِنَ الخُسرانِ بقدر ما حصَلَ منه مِنْ هذه المخَالَفَةِ.

стр. 303

وما فَسَدَتْ أحوالُ العالم الإسلامي وغير الإسلامي إلا بالحُكْمِ بغيرِ ما أنْزَلَ اللَّه ، ولو كانتِ الأُمَّةُ الإسلامية صادِقَةً في إرادَةِ العِزَّةِ والكرامَةِ والسعادَةِ والفَلاحِ، لرَجَعَتْ إلى الحكمِ بكِتابِ اللَّه؛ لأن الحكمَ بالقوانِينِ الوَضْعِيَّةِ المخالِفَة للشريعةِ لا شكَّ أنه خَسَارةٌ بنَصِّ القرآنِ؛ لأنها باطِلٌ، وما أنزل به القرآن فَهُو الحقُّ، فيكون عليهم مِنَ الخسْرانِ بقدرِ ما خالَفُوا من الحقِّ. الفَائِدةُ الثَّامِنةُ: أن من حَقَّقَ الإيمانَ باللَّهِ والكُفْر بالباطلِ فهو الرَّابِحُ، ويَدُلُّ على ذلك قَولُه : ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. هل نأخُذُ من هذه الآيةِ أنَّ مَنْ آمَنَ بالباطِلِ فهو كافر باللَّه؟ الجواب: ظاهِرُ الآية أنهم لا يَكْفُرونَ؛ لأنها جمعَتْ أمْرينِ، والعَطْفُ يقْتَضِي المغايَرَةَ، ويمكنُ أن يُقالَ: إن قولَهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ لبيانِ حالهِمْ، وأنه يَلْزَمُ مِنَ الإيمانِ بالباطلِ الكُفرُ باللَّهِ؛ لأننا نقول: هب أنهم آمَنُوا بالباطلِ وآمنُوا باللَّه، هل يكونُ إيمانُهُم صَادِقًا؟ الجواب: لا؛ لأنَّ مَنْ آمَنَ باللَّه رَبًّا ثم ذَهَبَ يعْبُدُ صَنَمًا، هذا ليس بمؤمنٍ باللَّهِ، فإيمانهم بالباطِلِ يلْزَمُ منه كُفْرُهم باللَّه . لو قالَ قائلٌ: هل التَّحاكُمُ للمحاكِمِ غيرِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الإيمانِ بالباطلِ، وهل هُو كُفْرٌ؟ فالجواب: من اعتَقَدَ في القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ المخالفةِ للشَّريعَةِ أنها حَقٌّ، فإننا نَحْكُمُ بكُفْرِهِ؛ لأنه إذا أثْبَتَ الحقَّ في أحدِ المتَضَادَّيْنِ لَزِمَ أن يْنَتفَي الحَقُّ عن الضِّدِّ الآخَر.

стр. 304

فهذه المسألةُ خَطِيرَةٌ، فإشعارُ الناسِ مِنْ بعضِ أهلِ العِلْمِ أن هذه القَوانينَ الوضْعِيَّةَ صحيحةٌ وحَقٌّ، وهي تخالِفُ الشَّريعةَ؛ هذا خَطَرٌ عَظيمٌ. لو قال قائلٌ: ما الحكم إذا قَرَّبُوا هذه القَوانِينَ الوضْعِيَّةَ إلى الإسلامِ؟ فالجواب: إذا أمكنَ أن نُصَحِّحَهَا بطريقٍ من الطُّرُقِ فهذا أَوْلَى؛ لكن كون هذه الأحكامِ مخالِفَة للشريعةِ، ثم نقول: إنها حقٌّ؛ فهذا خطأ ولا يجوزُ. لو قالَ قائلٌ: ما الحُكْمُ إذا كانت هذه الأحكامُ الوضْعِيَّةُ يَكَمِّلُ بَعْضُها بعْضًا؟ فالجواب: الإيمان ببعضِ الكِتابِ والكُفْرُ ببعضٍ هو كُفرٌ بالجَميعِ؛ لأنه اتِّبَاعٌ للهَوَى، حيثُ أخَذَ ما يُوافِقُ هَوَاهُ. ولو قالَ قائلٌ: الذين سَافَرُوا إلى الغَرْبِ وجَاءوا يتَحَدَّثُونَ عن الحياة والسعادةِ، هل يَدْخُلُونَ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ. . .﴾ الآية؟ فالجواب: الذي يَمْدَحُ الغَرْبَ على سبيلِ الإطلاقِ، هذا في الحقيقة عنده جَهْلٌ عظيمٌ؛ لأن ما عليه الغربُ من حَقٍّ كالصِّدْقِ والإخْلاصِ في المعامَلَةِ وما أشبه ذلك يُحْمَدُون عليه إذا ثَبَتَ أنهم كذلك؛ لأن هذا هو العَدْلُ، وأما ما عندهم من بَاطلٍ وفِسْقٍ وفُجور وكُفْرٍ، فلا يحمدون عليه. لو قال قائل: بَعْضُ العَوامِّ يقولون: أنتم دائمًا تَقُولونَ: الدَّجَّالُ سيَخْرُجُ، والآن له ما يزيدُ على ألْفِ سَنَةٍ ولم يَخْرُجْ، هل هَذَا يَدْخُل في قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾؟ الجواب: هؤلاءِ العوام يُنْصَحُونَ ونَقُولُ لهُمْ: ربما يكون هذا تَكْذِيبًا بالحقِّ فتَكْفُرون وأنتم لا تَشْعُرونَ، إن كان شكًّا فهو يُشْبِهُ الاستعْجَالَ بالعَذَابِ، مع أن

стр. 305

الدَّجَّالَ ليس عَذَابًا فقط، بل هو عَذَابٌ على قومٍ ورَحْمَةٌ على آخرين، فهذا الذي يقتُلُه ويُحْييه هو أعْظَمُ الناس شهادَةً عندَ اللَّه، وهو له رَحْمَةٌ، وعُمومًا هذا الكلامُ خَطِيرٌ. ونقولُ لهم: ألَسْتُمْ في كلِّ صلاةٍ تقولون: "نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمنْ فِتْنَةِ المسِيحِ الدَّجَّالِ" (١)، والرسولُ ﷺ حَذَّرَ الصَّحابَةَ (٢)، والصحابةُ خَافُوا حتى ظَنُّوا أنه في أطَرافِ النَّخْلِ، خافُوا لشِدَّةِ إنذارِ الرَّسُولِ ﷺ لا لكونه سيَخْرُجُ، لكن كونُكَ أيضًا تُوهِمُ الناسَ أن الدَّجَّالَ سيَخْرُجُ الآن، أو أنه سَيأتِي بعدَ سَنَةٍ أو سَنَتينِ، هذا غَلَطٌ لأنَّنَا لا عِلْمَ لنا بهذَا، بل نقول: إنَّهُ مِنْ أشْراطِ السَّاعةِ. لو قالَ قائلٌ: ما حُكْمُ التَّحَاكُمِ إلى المحاكِمِ غيرِ الشَّرْعِيَّةِ، أي: التي تَحْكُمُ بالأحكامِ المخالِفَةِ للشَّرِيعَةِ؟ فالجوابُ: إذا أُلْجِئَ إلى المحاكَمَةِ إلى هذه المحاكمِ غيرِ الشَّرْعِيَّةِ، فإننا نقولُ بالجوازِ إذا كان وَسِيلَةً لاستِخْراجِ حقِّه، بشَرْطِ ألا يَقْبَلَ ما زادَ عَلَى الحقِّ، فالناسُ حقيقة مضَطَّرون إلى هذا في البلادِ الأُخْرى لأن حَقُوقَهُم تَضِيعُ، ولو قيل بالمنْعِ

стр. 306

لكان له وَجْهٌ؛ لأن التحاكمَ إليه يُوجِبُ اغترارَ المسلمين بذلك، لكنَّ جوازَ التَّحاكُمِ هو الظَّاهِرُ، إلا إذا كانت المفْسَدَةُ متَيَقَّنَةً فيَجِبُ أن تَتَجَنَّبَ هذا وتجعلَ مَا لك مِنْ حقٍّ مِنَ الأُمورِ التي قَدَّرَ اللَّه عليها التَّلَفَ بحَريقٍ أو بِلُصوصٍ تَسَلَّطُوا عليه، وإذا كان عَالمًا أو قُدْوة ويُخشَى أن تكونَ مَفْسَدَةٌ من تحاكُمِهِ، فالأَوْلَى ألا يَتَحَاكَمَ إليهم، إلا إذا تَيَقَّنْتَ المفسدةَ فيَجِبُ عدمُ التَّحاكُمِ، ويَرَى أن هذا أمرٌ قَدَّرَهُ اللَّه عليه، ولو جعل مُحَاميًا عنه -أي وكيلًا عنه- قد يكونُ أخْفَى وأَوْلى؛ لأنَّه قُدْوَةٌ؛ هذا إذا كان مضطرًا لذلك. وأما حُكْمُ من يعْمَلُونَ في هذه المحاكمِ غيرِ الشَّرْعِيَّةِ: فإذا كان عمَلُهُم للتَّخْفِيفِ من مخالفَةِ الشرعِ فهذا لا بأس به، بل قد يَجِبُ عليهم هذا إذا قالوا: سنكونُ حُكَّامًا لأجلِ أن نَحْكُم بالشَّريعَةِ بقدرِ ما نَسْتَطِيعُ، وكي نُخَفِّفَ الأحكامَ المخالِفَةَ للشرعِ، مثاله: في بعض الأحيان يَحْكُمُ بالحقِّ، وإذا أُجْبِرَ حَكَمَ بالحقِّ ثم أتى بمُبَرِّرَاتٍ تُخَالِفُ معارضَةَ هذه الأحكامِ الوضْعِيَّةِ، فهذا يجبُ عليه الدُّخولُ، أما إذا كان لا يُمْكِنُ أن يحْكُم إلا بالطَّاغوتِ، فلا يجوز أن يدْخُلَ هذه المحاكم ولا يعمل فيها. * * *

стр. 307

الآيات (٥٣ - ٥٥) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣ - ٥٥]. * * * قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: يَطْلُبونَ منك التَّعْجِيلَ بالعذابِ، قال تعالى في آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة: ٢٨ - ٢٩]. هذا تحدٍّ للرُّسُلِ والعِياذُ باللَّه -وعلى رَأسِهِمْ خاتمهم محمد ﷺ ، وهذا كقولهِمْ في البَعْثِ: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥]، انظر إلى الشُّبْهَةِ، نعم شُبْهَة وليست بحُجَّة، الرسلُ قالوا بالبعثِ في الآخرةِ لا في الدُّنْيَا، ومع ذلك قالُوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فالرُّسلُ لم يقولوا لكُمْ أيها الكفار: إنهم سَيُبْعَثُونَ اليوم حتى تَقولُوا: ائتُوا بآياتِنَا! ! فالحاصلُ: أن هؤلاء يستَعْجِلُونَ بالعَذابِ لا أنهم يُرِيدُونَ العَذابَ، بل يستَعْجِلُونَهُ تحدِيًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ

стр. 308

مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وأحيانًا يَسْتَعْجِلُونَه كالمضطهد الذي يُريدُ أن يَنْتَحِرَ، فهم يقولون: إن كان هذا هو الحقُّ فإنا لا نُرِيدُ البقاءَ في الدُّنَيا، ولِيَأْتِنَا العذابُ حتى نَتَخَلَّصَ من هذه الدنيا، لكن الغالبَ أن المستَعْجِلِينَ بالعذابِ يُريدونَ التَّعْجِيزَ والتَّحَدِّي، بدليل قولهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. لو قال قائل: هل المبَاهَلَةُ تكون معَ المسلِمِينَ أم معَ الكفَّارِ فَقَط؟ الجواب: المباهَلَةُ تكونُ مع غيرِ المسْلِمينَ وتكونُ مع المسلمين، وابنُ عبَّاسٍ ﵄ طَلَبَ المباهَلَةَ في بعضِ مسائلِ الفرائضِ. قوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ (ال) هنا هَلْ هِي للعَهْدِ أو لبيانِ الحَقيقَةِ؟ إذا قلنا: إنها للعَهْدِ، يكونُ المرادُ العذابَ الذي وُعِدُوا به، الذي قال لهُمْ الرَّسولُ ﵊: إنه سيَقَعُ بهم، وإذا قُلْنَا: إنها لبيانِ الجِنْسِ صارتْ أعَمَّ من ذلك. ﴿وَلَوْلَا﴾: شَرْطِيَّةٌ ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ هذا جوابُ الشَّرْطِ. ﴿أَجَلٌ﴾: مبتدأٌ سَوَّغَ الابتداءَ به وُقُوعَهُ في سياقِ الشَّرطِ، وكذلك وصَفَهُ بقوله: ﴿مُسَمًّى﴾، وخبرُ المبتدأ محذوفٌ وُجُوبًا والتَّقْدِيرُ: لولا أجَلٌ مُسَمَّى مُقَدَّرٌ. والشاهِدُ على حذفِ الخبرِ مِنْ كلامِ ابنِ مالك ﵀ (١): وَبَعْدَ (لَوْلَا) غَالِبًا حَذْفُ الخَبَرْ ... حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتَقَرْ

стр. 309

وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ الأجَلُ: هو غايَةُ الشيءِ يعني: لَولا الغَايةُ التي حَدَّدَها اللَّهُ. وقوله : ﴿مُسَمًّى﴾ أي: مُعَيَّنٌ أو محدَّدٌ بنظامٍ وانتظامٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، فأفعالُ اللَّه تابِعَةٌ لحِكْمَتِهِ؛ لأن اللَّه كُلُّ شيءٍ عندَهُ بمقدارٍ، حتى القَطْرَةُ التي تنْزِلُ مِنَ السماءِ لا تَنْزِلُ إلا بمقدارٍ في وَزْنِها وحَجْمِهَا وزَمَنِها ومكانِهَا، ولهذا قال: ﴿مُسَمًّى﴾، ويَدُلُّ لهذا قوُله : ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٨ - ٩]، لا يَخْفَى عليه شيءٌ ولا يَشِذُّ عن تَقْدِيرِهِ شيءٌ ، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ استَعْجَلُوا العذابَ ولكن اللَّه يَحْلُمُ ويحْكُم ويُحْكِم فهو حَلِيمٌ حَكِيمٌ، فلولا أجلٌ مُسَمًّى لجاءهُمُ العذابُ عاجلًا، ولكن سيُنْزِلُهُ اللَّه عنْدِمَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ. ولو كان كُلَّمَا طلَبَ هؤلاءِ من آيَةٍ أعْطاهُم وكُلَّما استَعْجَلُوا بالعَذَابِ عاجَلَهُمْ؛ لفَسدتِ الأرضُ، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، ولكن اللَّه حكيمٌ يُقَدِّرُ الأشياءَ حسبَ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وهذه الحكمة لغايَةٍ قد نَعْلَمُهَا ولو مُسْتَقْبلًا، وقد لا نَعْلَمُهَا لأن عِلْمنَا مَحْدُودٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. ثم قالَ مُتَوَعِّدًا لهم: [﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بِوَقْتٍ إتْيانِهِ]: وقوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ هذه الجملَةُ مؤَكَّدَةٌ بثلاثِ مؤكِّدَاتٍ: القَسَمِ المقَدَّرِ، واللامِ، ونونِ التَّوْكِيدِ.

стр. 310

ومعنى: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ يَجِيئهُمُ -أي العذاب- بَغْتَةً. البغْتَةُ: كل ما باغَتَ الإنسانَ، أي: أتاهُ من غَيْرِ تَوَقُّعٍ لَهُ. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ جملة مُؤكِّدَةٌ لقوله: ﴿بَغْتَةً﴾ لأن المبَاغِتَ للإنسانِ يَأْتِيهِ بدُونِ شُروطٍ، وقيلَ إنها جملة مُسْتَقِلَّةٌ بمعناها، وإن قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ هذه صِفَةُ وُقوعِ العَذابِ، ففيه تهديدٌ وتَحْذِيرٌ، أي: فاحْذَرُوا أن يأْتِيكُمْ، وأن قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: أنه لا يأْتِيهِمُ الآن؛ لأنهم إذا أتاهُمُ العذابُ حين طَلَبهُمْ يكونُ قَدْ أتاهُمْ وهم متَوَقِّعُون له شَاعِرُونَ به فيكون أخفَّ وَقْعًا، ولكنه سيَأْتِيهِمْ في غيرِ وقْتِ طَلَبِهِمْ، والحال أنهم لا يشْعُرونَ. وعلى القولِ الأَوَّلِ أنها توكيدٌ لقولِهِ: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ فيكونُ هذا مُفسَّرًا بقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٨]، فالإنسانُ النائمُ ليس مُسَتَعِدًّا للعَذابِ، بل هو آمِنٌ غايَة الأمْنِ، قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١]، وكذلك الإنسان الذي يلعب في رابِعَةِ النهار هذا أيضًا آمِنٌ، ولكنَّ اللَّه هدَّدَ هؤلاءِ المبْطِلِينَ في حال أمْنِهِمْ أن يأْتِيهُم عذابُ اللَّه بَغْتَةً. وظاهرُ الآية الكريمةِ أن هذا في الدُّنْيا، ولا فَرقَ بينَ أن يكونَ هذا العذابُ على يَدِ الرَّسُولِ ﵊ وأصحابِهِ أو مِنَ اللَّهِ ، فالعذابُ الذي أَتَى قُرَيشًا لما دَعَا النَّبِيُّ ﷺ ربه فقال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ" (١)،

стр. 311

فأَصَابهُم الجَدْبُ والقَحْطُ والجوعُ؛ هذا العذابُ مِنَ اللَّه ، وكذلك ما كان على أَيْدِي المؤمنينَ في غَزوةِ بَدْرٍ فإن تلكَ الغزوةَ أصابَتْهُم إصابةً بالِغَةً عظِيمَةً، ولهذا سَمَّى اللَّه يومَهَا يومَ الفِرقانِ، ما من بَيْتٍ من بُيوتِ مكَّةَ الكبارَ إلا وقَدْ أُصيبَ بهذه المصِيبَةِ وعُذِّبَ بهذا العذابِ. وعلى العُمومِ فإن قُرَيشًا أُصِيبُوا عامَّةً بنَكْبَةٍ بالِغَةٍ لأن صَنَادِيدَهُم ورُؤساءَهم قُتِلُوا، ثم قُتِلُوا وغُلِبُوا وأُسِرُوا وهُزِمُوا وخابُوا، على حين أنهم كما قال اللَّه : ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، خرَجُوا وقد جَزَمُوا أنهم غَانِمُونَ وهازِمُونَ للرَّسُولِ ﵊ وأصحابِهِ، ويقول أبو جَهْلٍ: واللَّهِ لا نَرْجِعُ حتى نَقْدَمَ بَدْرًا فنَنْحَرُ الجَزُورَ، ونُسْقَي الخمور، وتُعْزَفُ علينا القيانُ، ويَسْمَع بِنَا العرب فلا يزالونَ يهَابُونَنَا أَبَدًا (١). لكِنَّ اللَّهَ مِنْ ورَائِهِمْ محُيطٌ، فالذي حَصَلَ أن العربَ تَحَدَّثُوا بهم، وأن القِيانَ عَزَفَتْ عليهِمْ بالنَّعْي لا بالفَرْحِ، وأنهم سُقُوا كأسَ الحمامِ ولم يُسْقَوا الخَمْرَ، فصارَ الأمرُ عكسَ ما قالُوا تمامًا، والنَّبِيُّ ﷺ رفعَ اللَّهُ رايَتَهُ ونصَرَهُ، ووقَفَ عليهم مُوَبِّخًا على القَلِيبِ وهم جُثَثٌ هامدَةٌ، يقول: "يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ! هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا" (٢)، هل يُوجَدُ أبلغُ من هذا الذُّلِّ

стр. 312

والعارِ -والعياذ باللَّه- وسبعون رَجُلًا منهم أُسِرُوا ولم يُطْلَقُوا إلا بفَداءٍ، وصَاروا بَدَلَ الكَرَاسِي العالية يُدرِّسونَ الصِّبْيانَ في المَدِينَةِ ويُعَلِّمُونَهُم الكتابةَ، هذا ذُلٌّ ما وراءَهُ ذُلٌّ، وعذابٌ ما ورَاءه عَذَابٌ! وليس في الحقيقة العذابُ ألمَ البدنِ فقط، أنا عندي وعندَ كُلِّ النَّاسِ أن العذابَ المهِينَ هو ألمُ القَلبِ والنَّفْسِ، هذا أشدُّ وأعْظَمُ، فالعذابُ العظيم في الحقيقةِ هو عذَابُ القَلْبِ، ولِذَلكَ إذا مَنَّ اللَّه على الإنسانِ بقَلْبٍ مُطْمَئِنٍّ وصدْرٍ مُنْشَرِحٍ مهما يحْدُثُ لا يتَعَذَّبُ ولا يتَألَّمُ بشيء. الحاصِلُ أن ما أصابَهُم بفِعْلِ اللَّه أو بفِعْلِ الرَّسولِ ﵊ هو مِنَ العَذابِ بَغْتَةً، ، وكذلك أيضًا ما يُصِيبُ الواحِدُ منهم عند الموت -وما أقْرَبُ الموتِ مهما طالتْ بالإنسانِ الحياةُ- إذا جاءَهُ الموتُ يُبَشَّرُ بغضبٍ من اللَّهِ وسَخَطٍ، ويقال لرُوحِهِ: اخْرُجِي أيتها الروحُ الخَبِيثَةُ (١)، فهذا -والعياذ باللَّه- مِنَ العَذابِ، فعَذَابهم في الدُّنيا وعندَ الموتِ، وفي الآخِرَةِ العذابُ المهينُ. لو قال قائل: هل يستفادُ من قوله تعالى: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ جواز أن يقولَ الإنسانُ: هذا وَقَعَ صِدْفَةً؟ الجواب: هذا فيه تفصيلٌ: أما بالنِّسْبَةِ للخالقِ فلا يجوزُ التَّعْبِيرُ بكلمَةِ صِدْفَةٍ، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يقولَ: إن اللَّه تعالى أوْقَعَ هذا صُدْفَةً، بمعنى أن اللَّه جَلَّ وَعَلَا ما أرَادَهُ وقدَّرَهُ، لكن بالنسبة للإنسان نَفْسِهِ، فالإنسانُ قاصِرُ العِلْمِ يقَعُ الشيءُ عليه بدُونِ تَوَقُّعٍ، فيقول: حصل كذا صُدْفَةً أو صادَفَنِي فُلانٌ، والمعنى:

стр. 313

لَقِيَنِي بدونِ سابِقِ عِلْمٍ، فهذا لا بأسَ به، وما زالَ النَّاسُ يُعَبِّرُون بهذا. قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: يَطْلُبونَ منْكَ تَعْجِيلَهُ، ولكن الأمورَ مُقَدَّرةٌ في يدِ اللَّه ، ولهم عذابٌ لن يَسْتَطِيعُوا الخلاصَ منه، لهذا قال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ هذه الجملَةُ مؤَكَّدَةٌ بمُؤَكِّدَيْنِ بـ (إنَّ) و (اللام). ومعنى الإحاطَةِ بالشيءِ، أن يَأْتِيهُ العَذابُ من كلِّ جانِبٍ، و ﴿جَهَنَّمَ﴾ هي اسم للنَّارِ أعاذَنَا اللَّه منها، وسُمِّيَتْ بذلك لأمرين: لبُعدِ قَعْرِهَا، وسوادِها، فهي من الجَهمة، والنون زائدة فيها، وعلى هذا فيكونُ وَزْنُها (فَعَنْلَلَ) وقيل: إنها اسم أجْمَي وإن أصلها (كهنام) في اللغة الأعجمية، لكن عندما عُرِّبَتْ حصَلَ فيها تَغْيِيرٌ فصارَتْ جَهَنَّمَ. والغريب أن العَجَمَ الآن عندما يتحدثونَ إذا أرادُوا أن يُعَبِّرُوا عن النارِ يقولون جهَنَّم حتى نار الدُّنيا يُسَمُّونَها جهنم مع أننا نقول جهنَّم للنارِ العظيمَةِ، أما النار التي تَشْتَعِلُ بعودِ الكبريتِ فلا نُسَمِّيهَا جهنَّم لكن عندَ العجمِ اسمٌ لمطْلَقِ النَّارِ. وأما حديثُ: "أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ عَامٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ عَامٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ. . . " الحديث (١)، فهو حديثٌ ضعيفٌ، لكن مادة الجِيمِ والميمِ تَدُلُّ على هذا، والجَهمة في اللُّغَةِ الظُّلمَة، فهي سوداءُ مظلِمَةٌ والعياذ باللَّه.

стр. 314

قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ ولم يقل: (يسْتَعْجلونَكَ العذابَ)، هذا الفعلُ يتَعَدَّى بالباء وبنفسه، تقولُ: استَعْجَلَ به، واستَعْجَلَهُ، والظاهر أنها من جِنْسِ: شَكَرَهُ وشكر له. لو قال قائل: الشخصُ من أهلِ الجنَّةِ رَأى شَخْصًا يُعَذَّبُ -وإن كان المعذَّبُ مستَحِقًّا للعذاب- ألا يتَأَلَّم، والجنَّة لا ألمَ فيها ولا كَدَرَ، فكيفَ نَجْمَعُ بين هذا ورؤيتُهُمْ لأهلِ النَّار وهم يُعَذَّبونَ؟ الجواب: إن عذابَ أهلِ النَّارِ يزيدُ سُرورَ أهلِ الجنَّة واغْتَباطَهُم بنِعْمَةِ اللَّه ، ويَدُلُّ على هذا قوله : ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٦ - ٥٧]. ومن وَجْهٍ آخرَ: أن الإنسانَ في الحَقِيقَةِ يُسَرُّ إذا رَأَى عَدُوَّهُ يُعْذَّبُ ولو كان عَذَابًا عظيمًا، خصوصًا إذا كان في وقتٍ لا يتَمَكَّنُ من الاستِعْتَابِ، فالآن هذا العَدُوُّ لا يمكن أن تحسُنَ حاله حتى يكونَ وَلِيَّا لي. قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ الحمدُ للَّهُ قال: ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ولم يَقُلْ: بالظالمين، الكافِرُ يكونُ في قَعْرِ الجَحِيمِ والعِياذُ باللَّه، قال : ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في المكانِ السَوِيِّ منها وهو الوسطُ، فهؤلاء -والعياذ باللَّه- تُحِيطُ بهم النارُ من كُلِّ جانبٍ؛ لأن الإحاطَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لكن يُشْكِلُ على هذا قولُه : ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، يغْشَاهُمُ العَذابُ: يعني يُغَطِّيهِمْ، ومنه قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقولُهُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، يعني: يُغَطِّي الأرضَ بسَوادِهِ، فعَلَى هذا يَغْشَاهُمُ العذابُ، أي: يُغَطِّيهم، لكن مِنْ فوقِهِمْ ومن تحتِ أَرْجلِهِمْ.

стр. 315

ونحن قلنا: الإحاطةُ من كلِّ جانبٍ، فهل يكون قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾، مخصِّصًا لهذه الإحاطة، وتكونُ الإحاطَةُ من فوق ومن تَحت، أو يقال: إن تغْشِيَةَ العذابِ أبلغُ من إحاطة النارِ، وهذا هو الأقرب، وخصَّ الفوقَ والتحتَ لأنه لا يُمْكِنُ الفِرارُ مِنْهُ، لكن الجوانبَ يمكنُ الفِرارُ منها، فإذا جاء العذابُ من الخلفِ تَفِرُّ إلى قدَّام، وإذا جاءَ من قُدَّامَ تَفِرُّ إلى الخلْفِ، ومن يمين تَفِرُّ إلى يسار، ومن يسار تَفِرُّ إلى يمينٍ. وقال بعضُ المفسِّرينَ: خَصَّ الفوقَ والتحتَ لأن نارَ الدُّنيا لا تَأتِي مِنْ فوق ومن تحت، بل تكون من جانِبٍ إلى جانِبٍ، وهذا منقوضٌ بمن أُلْقِيَ فِي نفسِ النَّارِ، فإن النارَ تأْتِيهِ من جميعِ الجهاتِ. والذي نَرَى -واللَّه أعلم- أن ما بعدَ قولِهِ: ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾ لا يُخَصِّصُهُ، فتكونُ الإحاطةُ عامَّةٌ من كلِّ جانِبٍ، وتَغْشِيَةُ العذابِ من فوقَ ومن تحت يُشَدِّدُ عليهم أكثر، فتكونُ تَغْشِيَةُ العذاب أشدُّ من الإحاطَةِ. قوله : ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يَغْشَاهُم: أي يُغَطِّيهِمْ، وتقدَّم تفسيرُ هذا في الآية التي قَبْلَها، وقلنا: إن قوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ ليس مُخَصِّصًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾، وقلنا: إن الإحاطَةَ عامَّةٌ وتَغْشِيةُ العذابِ من فوق ومن تحت للتَّشْدِيدِ عليهم، وأن التَّشْغِيَةَ أشدُّ مِنَ الإحاطَةِ. قوله: [﴿وَيَقُولُ﴾ فِيهِ بالنُّونُ أي: نَأْمُرُ بالقولِ، وبالياء (يقول) أي: يقُولُ الملَكُ الموكَّلُ بالعَذابِ]: قَال المُفَسِّر ﵀: [نقولُ، أي: نَأْمُرُ]، هذا في الحقيقة تحريفٌ من المُفَسِّر

стр. 316

رَحِمَهُ اللَّهُ، ما الدَّاعِي لصَرْفِ اللِّفْظِ عن ظَاهِرِهِ؟ ولهذا فالمتَعَيِّنُ أن يكونَ القائل هو اللَّه ، وقد قال اللَّه : ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١٠٩]، وهذا واضحٌ وصَرِيحٌ أن القائل هو اللَّه . وهنا أيضًا في هذه الآيةِ القائلُ هو اللَّه جَلَّ وَعَلَا، فقولُ المُفَسِّر ﵀: [نقولُ، أي: نَأْمُرُ مَنْ يقولُ] تحريف، فما الذي يمْنَعُ أن اللَّه تعالى هو الذي يقولُ؟ ! أليس اللَّه يتَكَلَّمُ بما شاءَ ومتى شاءَ، وكلامه مسموعٌ بصوتٍ لا يُشْبِهُ الأصواتَ وبحروفٍ يفْهَمُها المخاطَبُ بهذا الكلامِ، ومما يدُلُّ على أن القائل هو اللَّهُ أن القراءةَ الثانِيَةَ بالياءِ، فلو فسَّرنا قوله تعالى: (نقول) بأنه المُلْكُ لخالَفْنَا القراءة الثانية، والقراءات يُفَسِّرُ بعْضُها بعضًا كما في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فمَعْنَى (تَبَيَّنُوا) فسَّرتها القراءةُ الثانيةُ "فتَثَبَّتُوا". واعلم أن مَنْ يعْتَقدُ مَذْهبًا مِنَ المذاهبِ تَجِدُهُ يحرِّفُ الكلِمَ عن مواضِعِه لأجلِ أن يُوافِقَ ذلك المذْهَبَ، وهذا خطيرٌ جدًّا، فالواجبُ أن يكونَ الإنسانُ نحو الأَدِلَّةِ ساذَجًا، بمعنى خالِيًا وتابِعًا تَمَامًا للدَّلِيلِ، ولا يجعلُ الدليلَ تابِعًا، بل يجعلُ نَفْسَهُ تبَعًا للدَّلِيلِ، ويكونُ كالأرض التي ليس فيها عُشْبٌ ولا نَبَاتٌ، فهي مهَيَّأَةٌ لما يُبْذَرُ فيها، بخلافِ الأرض التي يُوجدُ فيها نباتٌ من قَبْل، فلا بُدَّ أن يكونَ الغَرْسُ مثلَ النباتِ الذي قَبلَهُ. لو قال قائل: أهلُ السُّنَّةِ يقولون: إن اللَّه جَلَّ وَعَلَا يتَكَلَّمُ بحرفٍ وصوتٍ، مع أن قولهم: "بحرف وصوت" لم يأتِ به النقْلُ في الكتاب والسُّنَّةِ، فما الجوابُ؟

стр. 317

الجواب على هذا: أولًا: ينْبَغِي أن نَعْرِفَ أن أهلَ السُّنَّةِ والجماعَةِ -جعلنا اللَّه منهم- صارَ لهم أحْوالٌ وأوْقاتٌ يُنَزِّلون كلَّ حالٍ وكلَّ وقتٍ منْزِلَتَهُ. ثم هم ابتلوا بقومٍ يقولون: إن كلامَ اللَّهِ هو المعنى القائمُ بالنَّفْسِ، وهذا القولُ في الحقيقة نفيٌ لكلامِ اللَّه ، فاضْطَرَّ أهلُ السُّنَّةِ أن يقولوا: "بحرفٍ وصوتٍ" تأْكِيدًا لمعنى الكلامِ فقط، فهم مضْطَرُّونَ لمقابلةِ هؤلاء، ولهذا لما قيلَ للإمامِ أحمدَ ﵀ أنهم يأْتُونَ بكلماتٍ لأجلِ دفعِ إيهامِ القَولِ بما يقُولُه أهلُ الباطِلِ، لو سَكَتَ السَّلَفُ وقالوا: "القرآنُ كلامُ اللَّهِ" فقط، صارَ في هذا إيهامٌ، حتى إن الإمامَ أحمدَ سُئلَ عن رجلٍ يقولُ: إن اللَّه معنا، ولا أزيد على هذا؟ قال: قَدْ تَجَهَّمَ؛ لأن الجهمية كانوا يُضِلُّونَ الناسَ، أحيانًا يُصَرِّحُونَ ويقولون: إن اللَّه مَعَنَا بذاتِهِ في الأرض، وأحيانًا يقولن: إن اللَّه مَعَنا، لأجل أن يهْرَبُوا مِنْ إثارَةِ الناسِ عليهم، فهم يتَسَتَّرُون بمثل هذا الشيءِ. وكذلك السَّلَفُ يقولون: إن اللَّه استَوى على العَرْش بذاتِهِ، وقولهم: "بذاتِهِ" ليست موجودة في الكِتابِ والسُّنَّة؛ لأنهم لو قالوا: استَوى على العَرْشِ، وسكَتُوا، لقال لهم أولئك المحرفون: نعم هو عَلا على العرشِ لكن عُلُوًّا معْنَويًّا، فيكون (استوى) بمعْنَى (استَوْلَى)، فاحتاجَ السلَفُ أن يقولوا: "بذاتِهِ". كذلك عَبَّرَ بعْضُهُمْ في حديثِ النُّزُولِ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا" (١) فقالوا: بذاتِهِ؛ دَفْعًا لتَحريفِ من قالوا: ينزلُ أَمْرُهُ أو مَلَكٌ من ملائِكَتِهِ

стр. 318

أو تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ. فالسلفُ ﵏ يُضِيفُونَ بعضَ الكَلماتِ لدَفْعِ تَوَهُّمِ الباطِلِ، كما أنهم يَسْكُتونَ عن بعضِ الكَلماتِ خَوْفًا مِنْ توَهُّمِ الباطلِ. وقد ذكرَ شيخُ الإسلامِ أن مسألةَ الذاتِ لم ترِدْ في لسانِ العربِ العُرباءِ (١)، لكنها عبارةٌ صَحِيحَةٌ فجوَّزَ الإخبارَ بها عنِ اللَّه، ولكن لا نجْعَلُها من أسماءِ اللَّه ، كما يجوزُ أن تقول: (إن اللَّه موجودٌ)، والموجود ليس من أسماءِ اللَّه ، لكن من المعلومِ أنه لا بُدَّ مِنَ الإقرارِ بأن اللَّه مَوجودٌ، فنُخْبِرُ عنِ اللَّه بأنه موجودٌ وفي أسماءِ اللَّه ما يُغْنِي عنها، مثل الحيِّ الذي لا يَمُوتُ. وكذلك (القديم) يَصِحُّ أن تُخْبِرَ عنه بأنه قَديمٌ، والمراد بالقديمِ ما لا أَوَّلَ له، لكن لا يجوزُ أن تجْعَلَ القَديمَ اسمًا من أسماءِ اللَّه ، خِلافًا لبعضِ المتأخِّرِينَ الذين جعلوا أخصَّ أوصَافِهِ أنه قديم، وهذا ليس بصحيحٍ، وفي القرآنِ والسُّنَّةِ ما يُغْنِي عنه وهو (الأول)، وهو أيضًا أبلَغُ مِنَ القديمِ؛ لأن القديمَ قد يُطْلَقُ على الحادِثِ المتقَدِّمِ كما في قوله : ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، فالقديمُ لا يَدُلُّ على السَّبْقِ المطْلَقِ؛ ولأن الأَوَّلَ يُفيدُ معنى زائدًا على تَقَدُّمِ الزَّمَنِ، وهو أن الأشياءَ تَؤول إليه وترْجِعُ إليه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. لو قالَ قائلٌ: وهل نأْخُذُ من ذلكَ جوازَ تَغَيُّرِ الفَتْوى بتَغَيُّرِ الزمانِ؟ فالجواب: أهل العلمُ تتغَيَّرُ فتواهُم مَعْنَوِيًّا لا لَفْظيًا بتغَيُّرِ الزمان، هذا عُمرُ ﵁ أجازَ الطلاقَ الثلاثَ وجعلَهُ طَلَاقًا بائِنًا، مع أن النَّبِيَّ ﷺ وأبو بكرٍ يجعلُونَ

стр. 319

طلاقَ الثلاثِ واحدة (١)، بل هو نَفْسُه ﵁ يجعْلُ الطلاقَ الثلاثَ واحدةً سنَتَيْنِ من خلافَتِهِ، لكن لما رَأَى الناسَ كَثُرَ فيهم هذا الشيءَ أرادَ أن يُلْزِمَهم لأجلِ أن يرْتَدِعُوا. ونحن دائمًا نقَرِّرُ أن العِلمَ ليس مجَرَّدَ علمٍ، بل هو عِلْمٌ وتَرْبِيَةٌ، فأهمُّ شيءٍ أن يُرَبَّى الناسُ على الشريعةِ، ولهذا يُرْوَى عن عَلِيٍّ ﵁: "حَدِّثُوا النَّاسَ بما يَعْرِفُونَ، أتُرِيدُونَ أنْ يُكذَّبَ اللَّهُ ورَسُولُهُ" (٢). وقوله: ﴿وَيَقُولُ﴾ أضافَهُ اللَّه إلى نَفْسِهِ بصِيغَةِ العَظَمَةِ هذا على قراءةِ النُّونِ؛ لأنه أعظَمُ العُظماءِ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]، ومعلومٌ أنه واحِدٌ، لكن هذا من بابِ التَّعْظِيمِ، ولا شكَّ أنه عظيم، وقد سبق أن مَا أضافَهُ اللَّه لنَفْسِهِ بصِيغَةِ العظمةِ قد يُرادُ به نفسه جَلَّ وَعَلَا، وهذا هو الأصلُ وهو الغالبُ الكثيرُ، وقد يُرادُ به ملائكَتُه إذا وُجِدَتْ قرينةٌ ودَلِيلٌ. وقوله: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأمر هنا للإهانَةِ، لإهانَتِهِمْ وتوبِيخِهِمْ. وقوله : ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (ما): اسم موصولٌ بمعنى الذي، وعلى هذا فيكونُ العائدُ مَحْذُوفًا، والتقدير: ما كُنْتُم تعملونه، قال المُفَسِّر ﵀: [أي: جَزَاءَهُ

стр. 320

فلا تَفُوتُونَا]، وهو كذلك، لكنه عبَّرَ بالعملِ نَفْسِهِ لأنه السببُ، ولأن الجزاءَ مِنْ جِنْسِهِ. من فوائد الآيات الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: سَفَهُ هؤلاءِ الكفَّارِ، فإن الإنسانَ إِذَا وُعِدَ بالشيءِ فإن العَقْلَ والرُّشْدَ يقْتَضِي ألا يسْتَعْجِلَ به لقولِهِ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، ولهذا قال مؤمنُ آل فرعونَ لقومِهِ: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. الفَائِدةُ الثَّانِية: أن هؤلاءِ الكُفَّارِ قومٌ عُتَاةٌ معانِدُونَ، ولهذا تَحَدَّوُا الرُّسُلَ باستِعْجالهِم العذابَ، لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾. الفَائِدةُ الثَّالِثة: إثباتُ حِكْمَةِ اللَّهِ وأنها غايةٌ في الكَمالِ، لقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾. فلولا الحكمةُ لعُوجِلُوا بالعَذابِ لاستِعْجالهم به، ولكن الحكْمَةَ تقْتَضِي عدمَ ذلكَ. وانظر إلى غايةَ الحِكْمَةِ الإنسانيةِ في قولِ الرَّسولِ ﵊ لملكِ الجبالِ لما قال له: إن شئتَ أنْ أُطْبِقَ عليهم الأخشَبَين؟ فقال النبي ﵊: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" (١)، ما ظنُّكَ لو أن مِثْل هذا وقعَ لأحدِ النَّاسِ، قومٌ كذَّبُوه وأخْرجُوه من بَلَدِه ثم رجَعَ من البلدِ الآخَرِ على نفس الحال، مقْتَضَى الطبيعةِ البشرية إذا جاء من يُمَكِّنُكَ منهم ويقول:
следующие страницы →