← Тафсир

Тафсир · id 21807

تفسير العثيمين: العنكبوت

ابن عثيمين

Полный текст (422 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

رَحِمَهُ اللَّهُ، ما الدَّاعِي لصَرْفِ اللِّفْظِ عن ظَاهِرِهِ؟ ولهذا فالمتَعَيِّنُ أن يكونَ القائل هو اللَّه ، وقد قال اللَّه : ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١٠٩]، وهذا واضحٌ وصَرِيحٌ أن القائل هو اللَّه . وهنا أيضًا في هذه الآيةِ القائلُ هو اللَّه جَلَّ وَعَلَا، فقولُ المُفَسِّر ﵀: [نقولُ، أي: نَأْمُرُ مَنْ يقولُ] تحريف، فما الذي يمْنَعُ أن اللَّه تعالى هو الذي يقولُ؟ ! أليس اللَّه يتَكَلَّمُ بما شاءَ ومتى شاءَ، وكلامه مسموعٌ بصوتٍ لا يُشْبِهُ الأصواتَ وبحروفٍ يفْهَمُها المخاطَبُ بهذا الكلامِ، ومما يدُلُّ على أن القائل هو اللَّهُ أن القراءةَ الثانِيَةَ بالياءِ، فلو فسَّرنا قوله تعالى: (نقول) بأنه المُلْكُ لخالَفْنَا القراءة الثانية، والقراءات يُفَسِّرُ بعْضُها بعضًا كما في قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فمَعْنَى (تَبَيَّنُوا) فسَّرتها القراءةُ الثانيةُ "فتَثَبَّتُوا". واعلم أن مَنْ يعْتَقدُ مَذْهبًا مِنَ المذاهبِ تَجِدُهُ يحرِّفُ الكلِمَ عن مواضِعِه لأجلِ أن يُوافِقَ ذلك المذْهَبَ، وهذا خطيرٌ جدًّا، فالواجبُ أن يكونَ الإنسانُ نحو الأَدِلَّةِ ساذَجًا، بمعنى خالِيًا وتابِعًا تَمَامًا للدَّلِيلِ، ولا يجعلُ الدليلَ تابِعًا، بل يجعلُ نَفْسَهُ تبَعًا للدَّلِيلِ، ويكونُ كالأرض التي ليس فيها عُشْبٌ ولا نَبَاتٌ، فهي مهَيَّأَةٌ لما يُبْذَرُ فيها، بخلافِ الأرض التي يُوجدُ فيها نباتٌ من قَبْل، فلا بُدَّ أن يكونَ الغَرْسُ مثلَ النباتِ الذي قَبلَهُ. لو قال قائل: أهلُ السُّنَّةِ يقولون: إن اللَّه جَلَّ وَعَلَا يتَكَلَّمُ بحرفٍ وصوتٍ، مع أن قولهم: "بحرف وصوت" لم يأتِ به النقْلُ في الكتاب والسُّنَّةِ، فما الجوابُ؟

стр. 317

الجواب على هذا: أولًا: ينْبَغِي أن نَعْرِفَ أن أهلَ السُّنَّةِ والجماعَةِ -جعلنا اللَّه منهم- صارَ لهم أحْوالٌ وأوْقاتٌ يُنَزِّلون كلَّ حالٍ وكلَّ وقتٍ منْزِلَتَهُ. ثم هم ابتلوا بقومٍ يقولون: إن كلامَ اللَّهِ هو المعنى القائمُ بالنَّفْسِ، وهذا القولُ في الحقيقة نفيٌ لكلامِ اللَّه ، فاضْطَرَّ أهلُ السُّنَّةِ أن يقولوا: "بحرفٍ وصوتٍ" تأْكِيدًا لمعنى الكلامِ فقط، فهم مضْطَرُّونَ لمقابلةِ هؤلاء، ولهذا لما قيلَ للإمامِ أحمدَ ﵀ أنهم يأْتُونَ بكلماتٍ لأجلِ دفعِ إيهامِ القَولِ بما يقُولُه أهلُ الباطِلِ، لو سَكَتَ السَّلَفُ وقالوا: "القرآنُ كلامُ اللَّهِ" فقط، صارَ في هذا إيهامٌ، حتى إن الإمامَ أحمدَ سُئلَ عن رجلٍ يقولُ: إن اللَّه معنا، ولا أزيد على هذا؟ قال: قَدْ تَجَهَّمَ؛ لأن الجهمية كانوا يُضِلُّونَ الناسَ، أحيانًا يُصَرِّحُونَ ويقولون: إن اللَّه مَعَنَا بذاتِهِ في الأرض، وأحيانًا يقولن: إن اللَّه مَعَنا، لأجل أن يهْرَبُوا مِنْ إثارَةِ الناسِ عليهم، فهم يتَسَتَّرُون بمثل هذا الشيءِ. وكذلك السَّلَفُ يقولون: إن اللَّه استَوى على العَرْش بذاتِهِ، وقولهم: "بذاتِهِ" ليست موجودة في الكِتابِ والسُّنَّة؛ لأنهم لو قالوا: استَوى على العَرْشِ، وسكَتُوا، لقال لهم أولئك المحرفون: نعم هو عَلا على العرشِ لكن عُلُوًّا معْنَويًّا، فيكون (استوى) بمعْنَى (استَوْلَى)، فاحتاجَ السلَفُ أن يقولوا: "بذاتِهِ". كذلك عَبَّرَ بعْضُهُمْ في حديثِ النُّزُولِ: "يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا" (١) فقالوا: بذاتِهِ؛ دَفْعًا لتَحريفِ من قالوا: ينزلُ أَمْرُهُ أو مَلَكٌ من ملائِكَتِهِ

стр. 318

أو تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ. فالسلفُ ﵏ يُضِيفُونَ بعضَ الكَلماتِ لدَفْعِ تَوَهُّمِ الباطِلِ، كما أنهم يَسْكُتونَ عن بعضِ الكَلماتِ خَوْفًا مِنْ توَهُّمِ الباطلِ. وقد ذكرَ شيخُ الإسلامِ أن مسألةَ الذاتِ لم ترِدْ في لسانِ العربِ العُرباءِ (١)، لكنها عبارةٌ صَحِيحَةٌ فجوَّزَ الإخبارَ بها عنِ اللَّه، ولكن لا نجْعَلُها من أسماءِ اللَّه ، كما يجوزُ أن تقول: (إن اللَّه موجودٌ)، والموجود ليس من أسماءِ اللَّه ، لكن من المعلومِ أنه لا بُدَّ مِنَ الإقرارِ بأن اللَّه مَوجودٌ، فنُخْبِرُ عنِ اللَّه بأنه موجودٌ وفي أسماءِ اللَّه ما يُغْنِي عنها، مثل الحيِّ الذي لا يَمُوتُ. وكذلك (القديم) يَصِحُّ أن تُخْبِرَ عنه بأنه قَديمٌ، والمراد بالقديمِ ما لا أَوَّلَ له، لكن لا يجوزُ أن تجْعَلَ القَديمَ اسمًا من أسماءِ اللَّه ، خِلافًا لبعضِ المتأخِّرِينَ الذين جعلوا أخصَّ أوصَافِهِ أنه قديم، وهذا ليس بصحيحٍ، وفي القرآنِ والسُّنَّةِ ما يُغْنِي عنه وهو (الأول)، وهو أيضًا أبلَغُ مِنَ القديمِ؛ لأن القديمَ قد يُطْلَقُ على الحادِثِ المتقَدِّمِ كما في قوله : ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، فالقديمُ لا يَدُلُّ على السَّبْقِ المطْلَقِ؛ ولأن الأَوَّلَ يُفيدُ معنى زائدًا على تَقَدُّمِ الزَّمَنِ، وهو أن الأشياءَ تَؤول إليه وترْجِعُ إليه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]. لو قالَ قائلٌ: وهل نأْخُذُ من ذلكَ جوازَ تَغَيُّرِ الفَتْوى بتَغَيُّرِ الزمانِ؟ فالجواب: أهل العلمُ تتغَيَّرُ فتواهُم مَعْنَوِيًّا لا لَفْظيًا بتغَيُّرِ الزمان، هذا عُمرُ ﵁ أجازَ الطلاقَ الثلاثَ وجعلَهُ طَلَاقًا بائِنًا، مع أن النَّبِيَّ ﷺ وأبو بكرٍ يجعلُونَ

стр. 319

طلاقَ الثلاثِ واحدة (١)، بل هو نَفْسُه ﵁ يجعْلُ الطلاقَ الثلاثَ واحدةً سنَتَيْنِ من خلافَتِهِ، لكن لما رَأَى الناسَ كَثُرَ فيهم هذا الشيءَ أرادَ أن يُلْزِمَهم لأجلِ أن يرْتَدِعُوا. ونحن دائمًا نقَرِّرُ أن العِلمَ ليس مجَرَّدَ علمٍ، بل هو عِلْمٌ وتَرْبِيَةٌ، فأهمُّ شيءٍ أن يُرَبَّى الناسُ على الشريعةِ، ولهذا يُرْوَى عن عَلِيٍّ ﵁: "حَدِّثُوا النَّاسَ بما يَعْرِفُونَ، أتُرِيدُونَ أنْ يُكذَّبَ اللَّهُ ورَسُولُهُ" (٢). وقوله: ﴿وَيَقُولُ﴾ أضافَهُ اللَّه إلى نَفْسِهِ بصِيغَةِ العَظَمَةِ هذا على قراءةِ النُّونِ؛ لأنه أعظَمُ العُظماءِ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١]، ومعلومٌ أنه واحِدٌ، لكن هذا من بابِ التَّعْظِيمِ، ولا شكَّ أنه عظيم، وقد سبق أن مَا أضافَهُ اللَّه لنَفْسِهِ بصِيغَةِ العظمةِ قد يُرادُ به نفسه جَلَّ وَعَلَا، وهذا هو الأصلُ وهو الغالبُ الكثيرُ، وقد يُرادُ به ملائكَتُه إذا وُجِدَتْ قرينةٌ ودَلِيلٌ. وقوله: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الأمر هنا للإهانَةِ، لإهانَتِهِمْ وتوبِيخِهِمْ. وقوله : ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (ما): اسم موصولٌ بمعنى الذي، وعلى هذا فيكونُ العائدُ مَحْذُوفًا، والتقدير: ما كُنْتُم تعملونه، قال المُفَسِّر ﵀: [أي: جَزَاءَهُ

стр. 320

فلا تَفُوتُونَا]، وهو كذلك، لكنه عبَّرَ بالعملِ نَفْسِهِ لأنه السببُ، ولأن الجزاءَ مِنْ جِنْسِهِ. من فوائد الآيات الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: سَفَهُ هؤلاءِ الكفَّارِ، فإن الإنسانَ إِذَا وُعِدَ بالشيءِ فإن العَقْلَ والرُّشْدَ يقْتَضِي ألا يسْتَعْجِلَ به لقولِهِ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، ولهذا قال مؤمنُ آل فرعونَ لقومِهِ: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. الفَائِدةُ الثَّانِية: أن هؤلاءِ الكُفَّارِ قومٌ عُتَاةٌ معانِدُونَ، ولهذا تَحَدَّوُا الرُّسُلَ باستِعْجالهِم العذابَ، لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾. الفَائِدةُ الثَّالِثة: إثباتُ حِكْمَةِ اللَّهِ وأنها غايةٌ في الكَمالِ، لقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾. فلولا الحكمةُ لعُوجِلُوا بالعَذابِ لاستِعْجالهم به، ولكن الحكْمَةَ تقْتَضِي عدمَ ذلكَ. وانظر إلى غايةَ الحِكْمَةِ الإنسانيةِ في قولِ الرَّسولِ ﵊ لملكِ الجبالِ لما قال له: إن شئتَ أنْ أُطْبِقَ عليهم الأخشَبَين؟ فقال النبي ﵊: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا" (١)، ما ظنُّكَ لو أن مِثْل هذا وقعَ لأحدِ النَّاسِ، قومٌ كذَّبُوه وأخْرجُوه من بَلَدِه ثم رجَعَ من البلدِ الآخَرِ على نفس الحال، مقْتَضَى الطبيعةِ البشرية إذا جاء من يُمَكِّنُكَ منهم ويقول:

стр. 321

سأُهْلِكُهم، لك أن تقول: نعم وجزاكَ اللَّه خيرًا، لكن الحكمةَ هي التي تمْنَعُ الإنسانَ من أيِّ فِعْلٍ لا يُحْمَدُ عُقْباهُ، ولذلك يقول اللَّه : ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وكثيرًا ما ينْدَمُ الإنسان على تَصَرُّفاتِهِ بسببِ عدمِ الحِكْمةِ، فلهذا يجِبُ على الإنسان أن يُغلِّب جانب العَقْلِ دائمًا لا جانِبَ العاطِفة؛ لأن جانب العاطِفَةِ فيه خَللٌ كثيرٌ، لكن تغليبَ جانبِ العقلِ هذا هو الحِكمَةُ. الفَائِدةُ الرَّابِعةُ: أن أفعال اللَّه مقدَّرَةٌ منَظَّمَةٌ لا تأتي صُدْفةً بغيرِ عِلْمٍ ولا بغيرِ رَشَدٍ، بل هو كاملُ العِلم كامِلُ الحِكمَةِ، كلُّ أفعالِهِ مُقَدَّرَةٌ منَظَّمَةٌ لقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾. الفَائِدةُ الخامِسَةُ: أن الحوادث مُقَدَّرَةٌ عندَ اللَّه تعالى في عِلمِهِ، لقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾، فيكونُ هذا فردًا مِنَ الأفرادِ الكثيرةِ الدَّالَّة على أن اللَّه قَدَّرَ ما يكون، ولا نقول: خَلَق، بل قَدَّر؛ لأن الخَلْقَ تابعٌ للإرادَةِ، متى أرادَ أن يفْعَلَهُ خلقه لكِنَّهُ مُقَدَّرٌ. وقد دَلَّ على هذا قوله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وهاتان مَرْتَبتَانِ من مراتبِ القضاءِ والقَدرِ، فالقضاءُ والقَدَرُ يتضَمَّنُ أربعَ مراتب عندَ أهلِ السُّنَّةِ ففي هذه الآية الكريمة مرتبتانِ: وهما العِلْمُ والكتابةُ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾، والمرتبة الثالثةُ: المشِيئَةُ، والرابعة: الخَلْقُ. عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ ... وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ

стр. 322

الفَائِدةُ السَّادِسَة: عِظَمُ العذابِ إذا كان غيرَ متَوَقَّعٍ، لقولِهِ: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. الفَائِدةُ السَّابِعَةُ: تهديدُ هؤلاءِ المسْتَعْجِلينَ بالعذابِ بأنه سَيَأتِيهِمْ؛ لكنه سيأتِيهِمْ على غِرَّةٍ وبغْتَةٍ ليكونَ أشَدَّ وَقْعًا. الفَائِدةُ الثَّامِنة: تكرارُ ما به الذَّمُّ على من يَسْتَحِقُّه، لقوله : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، هذا إذا جَعَلَنْا ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الثانية تَوْكِيدًا للأُولَى، أما إِذَا حَمَلْنَا الأُولَى على عذابِ الدُّنْيَا والثانية على عَذابِ الآخِرَةِ، فلا توكيدَ فِي المسألَةِ. الفائِدَتانِ التَّاسِعَةِ والْعاشِرَة: إثباتُ النارِ، وكذلكَ إثباتُ يومِ القيامَةِ، لقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ﴾ وهذا قَطْعًا في النَّار ولا يكون إلا يوم القيامة. الفَائِدةَ الحَادِيةَ عشْرَةَ: أن أهلَ النارِ -والعياذ باللَّه- يأْتِيهِمُ العَذابُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لقولِهِ: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. الفَائِدةُ الثانية عشرةَ: عِظَمُ هذا العذابِ، حيث إنه يُغَلَّظُ عليهم مِنْ ناحِيَتَيْنِ: مِنَ العُلُوِّ ومن السُّفْل؛ لأنه يكون كالغِطاءِ والوِطاءِ، كأنَّهُم يُطْبَقُ عليهم بنارٍ وموقَدُ من تحتهم نارٌ، هذا عَدَا ما يأْتِيهِمْ من كلِّ جانِبٍ؛ لقولِهِ: ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. الفَائِدةُ الثالثةَ عشرةَ: أن تعْذِيبَ الكفارِ جِسْمِيٌّ ونَفْسِيٌّ: الجسمي ما يَذُوقونَهُ مِنْ أنواعِ العَذابِ، والنَّفْسِيُّ ما يحْصُلُ لهؤلاءِ المعَذَّبِينَ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ الذي فيه الألم النَّفْسِيُّ، والألم النفسي قد يكون أشدَّ من الألم الجِسْمِيِّ، لقولِهِ: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ولا أدري كيف يتَصَوَّرُ الإنسانُ حَسْرَتَهم حين يقالُ لهم: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ

стр. 323

تَعْمَلُونَ﴾، ولا أدْرِي كيف يتَصَوَّرُ الإنسانُ مَقْتَ هؤلاءِ لأنفسهمْ، لا شَكَّ أنهم سيَبغَضُونَ أنْفُسَهُم أشدَّ البغضِ ويقولونَ: هذا هو عَمَلُنَا، فتأْثِيرُهُم النفسي لا نظيرَ له. الفَائِدةُ الرابعةَ عشرةَ: جوازُ التَّعْبِيرِ بالسَّبب عن المسَبَّبِ، لقولِهِ: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وهم في الحَقيقةِ لا يَذُوقون ما كانوا يعْمَلُونَ، إنما يذُوقُونَ جزاءَهَ، لكنه من بابِ التَّعْبِيرِ بالسَّببِ عن المسبَّبِ. وأيضًا هو أشدُّ في التَّقْرِيعِ؛ لأن هذا العملَ اختَارُوه بأنفُسِهِمْ والجزاءُ لم يختارُوهُ بأنفسهم، فكأنه يقول: هذا هو الَّذِي اختَرْتُم تمامًا. الفَائِدةُ الخامسةَ عشرةَ: أن الجزاءَ مِنْ جِنْسِ العَملِ، لقوله: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فنَجْعَلُ الجزاءَ هو نفسُ العملِ وهو نَظِيرهُ تمَامًا؛ لأنه عبَّرَ به عنه، وهو بالنسبَةِ للكفَّارِ وأهلِ الظلْم يجَازَوْنَ بقَدْرِ أعمالهِمْ، أما من عَمِلَ خَيْرًا فإنه يُجْزَى الحسنَةَ بعَشْرِ أمثالها إلى سبعمئة ضِعْفٍ إلى أضعْافٍ كثيرةٍ أعظمَ وأكثرَ. الفَائِدةُ السادسةَ عشرةَ: إثباتُ العَدْلِ، حيثُ كان الجزاء من جِنْسِ العَملِ. الفَائِدةُ السابعةَ عشرةَ: فيه رَدٌّ على الجبْرِيَّةِ الذين يقولون: إن الإنسان لَا يُضافُ إليه العَملُ إلا على سبيلِ المجازِ فقط. فعمَلُ الإنسان عندهم كإحْراقِ النار لما تَحْرِقُهُ، فهو شيء مُجْبَرٌ عليه بدونِ اختيارِهِ، وجه ذلك قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * * *

стр. 324

الآية (٥٦) * * * * قالَ اللَّه : ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]. * * * قوله: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في هذه الآيةِ إشارَةٌ إلى أن مُقْتَضَى العبودِيَّةِ والإيمانِ أن يقومَ الإنسانُ بحَقِيقَةِ ما تَقْتَضِيهِ هذه العُبودِيَّةُ؛ بحيث لا يَرَى لنفْسِهِ حقًّا بجانِبِ حقِّ اللَّه، بمَعْنَى ألا يُقَدِّمَ حظوظَ نَفْسِه على حُقوقِ رَبِّهِ، وليس المعنى ألا يقومَ بالأمْرَيْنِ؛ فإن الإنسانَ مأمورٌ بأن يقومٍ بالأمْرَيْنِ، كما قال النبي ﵊ لعبدِ اللَّهِ بن عَمرٍو: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا" (١). وإضافَةُ العُبودِيَّةُ إلى اللَّه هنا فيها من التَّشْرِيفِ والتَّكريمِ ما هو ظِاهِرٌ؛ لأن كون اللَّه يُنادِيهِمْ فيقول: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ ويضِيفُ ذلك إلى نَفْسِهِ، هذا له معنًى عَظِيمٌ. وقوله: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ اعلم أن العِبادَةَ تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: عبادِةٍ كَوْنِيَّةٍ، وعبادة شَرْعِيَّةٍ. فالعبادةُ الكوْنِيَّةُ: هي الخُضُوعُ لحُكمِ اللَّه الكَوْنِيِّ، وهذه ثابِتَةٌ في حقِّ جميعِ الخلقِ المؤمِنِ والكافِرِ والبَرِّ والفَاجِرِ.

стр. 325

والعبادةُ الشرعِيَّةُ: هي الخضوعُ للحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وهذه خاصة بمَنْ أطاعَ اللَّه ؛ لأنه خضعَ لحُكْمِ اللَّهِ الشرعيِّ أَمْرًا ونَهْيًا. واخترت أن أعبر بِقَوْلهِمْ: (حُكم) دون قولهِمْ (أمر) لأجلِ أن يَشْمَلَ الأمرَ والنَّهْي، فإن العبادةَ هي القيامُ بطاعَةِ اللَّهِ امتثالًا لأمْرِهِ واجتِنَابًا لنَهْيهِ. ومن أمثلَةِ العُبودِيَّةِ العامَّةِ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فتُوُبوا إلى اللَّهِ، ولهذا قالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وأيضًا: قوله تعالى لإبليسَ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، إذا قُلْنَا: الاستِثْنَاءُ متَّصِلٌ، فالعُبودِيَّةُ عامَّةٌ. ومثالُ العُبودِيَّةِ الخاصَّةِ قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، هذه عُبودِيَّةٌ خاصَّةٌ. وقوله : ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الذين) محِلُّهَا مِنَ الإعراب النَّصْبُ؛ لأن (عِبَادِيَ) منادَى منصوبٌ بسببِ الإضَافَةِ. وقوله : ﴿آمَنُوا﴾ سبَقَ مرارًا أن الإيمان هو التصديقُ المسْتَلْزِمُ للقبُولِ والإذعانِ، وليس مجرَّدَ التَّصْدِيقِ كما قال أهلُ الإرْجاءِ. قوله : ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ هذا هو محطُّ النِّدَاءِ، المنَادَى ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمنادَى بِه قولُه: ﴿أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. وقوله: ﴿أَرْضِي﴾ الإضافةُ هنا هل هي من بابِ إضافَةِ المملوكِ إلى مالِكِهِ، فتكونُ من بابِ إضافَةِ الخلْقِ والتكوينِ فيكونُ المعْنَى: هاجِروا إلى بلادِ كُفْرٍ أو إسلامٍ، أو أنها من بابِ إضافَةِ الاختصاصِ، يعني الأرضَ التي هي مَحِلُّ عِبَادَتِي،

стр. 326

وهي البلادُ الإسلامِيَّةُ؟ وهذا الثاني هو الظاهِرُ وهو أن اللَّهَ يحُثُّ المقِيمِين في بلادِ الكُفْر أن يُهاجِرُوا إلى أرض اللَّه، كَمَا قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]. وقوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ الواسعُ: ضِدُّ الضَّيِّقِ، يعْني الذي يَسَعُ ما يكونُ فيه، أي: ليس فيها ضَيِّقٌ فلا حُجَّةَ لكُمْ في التأَخُّرِ عن الهِجرَةِ، ولهذا قال: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (إياي): إعرَابُهُ مفعولٌ به لفِعْلٍ محذوفٍ دَلَّ عليه ما بعْدَهُ والتقدِيرُ: إيَّاي خُصُّوا بالعِبادَةِ. أما مَفْعُولُ الفِعْلِ الموجودِ فَهُو محذوفٌ دَلَّتْ عليه نُونُ الوِقايَةِ. وقوله: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ قد يقولُ قائلٌ: هذا يتَنَاقَضُ مع قوله: ﴿يَاعِبَادِيَ﴾. ولكننا نقول: لا تَنَاقُضَ؛ لأن المرادَ بقولِهِ: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ أي: أَدِيمُوا عبادَتِي وأكْمِلُوها؛ لأن الأمر بما هو واقِعٌ لَغْوٌ من القولِ، فحينئذٍ لا بُدَّ أن نُقَدِّرَ معْنًى يتَلاءمُ مع الأمرِ. وقوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ هذه الآية تُفِيدُ الحَصْرَ والاخْتِصَاصَ. قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَاعْبُدُونِ﴾ فِي أيِّ أَرضٍ تَيَسَّرَتْ فِيهَا العبادةُ، بأن تُهاجِرُوا إليها مِنْ أرْضٍ لم تَتَيَسَّرْ فيها، نَزَلَ في ضُعفاءٍ مُسْلِمي مَكَّةَ كانُوا فِي ضِيقٍ مِنْ إظْهارِ الإسْلامِ بِهَا]: فاللَّهُ رَغِبَ في الهِجرةِ في قولِهِ: ﴿أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، وأمَرَ بها في قولِهِ : ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾؛ لأن العِبادَةَ لا تَتَحَقَّقُ في بلدِ الكُفْرِ، فإذا لم تَتحَقَّقْ فما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجبٌ، فعلى هذا تكون الِهجْرَةُ واجِبَةً. وقَال المُفَسِّر ﵀: [نَزَلَ في ضُعفاء مُسْلِمِي مَكَّةَ] صحيح، كانوا في ضِيقٍ

стр. 327

مِنْ إظهارِ الإسلامِ بها فأُمِرُوا أن يُهاجِرُوا إلى بلادٍ يَسْتَطِيعُونَ أنُ يُقِيمُوا فيها دِينَهُم، فهاجَرَ جماعَةٌ مِنْهُمْ إلى الحَبشَةِ، ثم قِيلَ: مِنْ مُشْرِكِي قُريشٍ أسْلَمُوا، فرَجعوا، ولكن كفَّارَ قُريش ازْدَادُوا في اضطهَادِهِمْ -والعياذ باللَّه-، فرَجَعُوا مرةً ثانِيَةُ إلى الحبَشَةِ، ثم بعدَ ذلك أُذِنَ للنَّبِيِّ ﵊ أن يهاجِرَ هو وأصحَابُه إلى المدينَةِ فهاجَرُوا، فكانَ أوَّلَ بلدٍ إسلامَيٍّ تُقامُ فيها حكومةٌ إسلامِيَّةٌ هو المدينة، وتحقَقَّ ذلك بالهِجْرَةِ. وقَال المُفَسِّر ﵀: [كانُوا فِي ضِيقٍ مِنْ إظْهَارِ الإسلامِ بِهَا]، الضيقُ الذي حصَلَ مِنَ الكفَّارِ متَنَوِّعٌ بالقَوْلِ وبالفِعْلِ، وربما أدَّى إلى القَتْلِ، فكانوا يُعَذِّبُونهُمْ في شِدَّةِ الحرِّ في الرَّمضاءِ ويَضَعُونَ الأحجارَ الحامِيَةَ على بطونِهِمْ، ولكن ذلك لا يُثْنِيهِمْ عن دِينِهِمْ أبدًا؛ لأنهم مؤمِنُونَ حقًّا ويَرَوْن أنَّ الدنيا هذه ليست بشيءٍ، مِثْلَما قال السَّحرَةُ الذين آمنوا بمُوسَى، قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]. وهذا هو الإيمانُ الحقِيقِيُّ أن الإنسان يَفْدِي دِينَهُ بنَفْسِه ومالِهِ، وأما الإيمانُ الهشُّ الذي إذَا أُوذِي صَاحِبُه في اللَّهِ جعلَ فِتْنَةَ الناسِ كعَذابِ اللَّهِ، فرجع عَمَّا كانَ عليه، هذا في الحقيقةِ إيمانٌ ناقِصٌ غايةَ النُّقْصَانِ، ومن حِكْمَةِ اللَّه أن يَبْتِليَ الإنسانَ بالفِتَنِ في دِينِهِ لأجلِ أن يَتَبَيَّنَ صِدْقُ إيمانِه من ضَعْفِهِ كما تُفِيدُ هذه الآية، ولهذا قال بَعْدَهَا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: أنَّ المؤمِنَ عبدُ اللَّهِ، والمرادُ هنا العُبُودِيَّةُ الخاصَّةُ، لقوله : ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. الفَائِدةُ الثَّانِية: شَرَفُ الإيمانِ باللَّه حيثُ جَعَلَ اللَّه تعالى هؤلاء المؤمنين

стр. 328

عِبَادًا، وإضَافَتُهم إلى اللَّه بالعُبودِيَّةِ تشريفٌ لهم بلا شَكٍّ. الفَائِدةُ الثَّالِثة: وجوبُ الهجْرَةِ، وأن الهِجرةَ من عِبادَةِ اللَّهِ لقوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. الفَائِدةُ الرَّابِعة: الحِكْمَةُ من الهِجْرَةِ هو القيامُ بعبَادَةِ اللَّه، لقولِهِ : ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، وعليه إذا تَمَكَّنَ الإنسانُ من عبَادَةِ اللَّه فلا تَجِبُ عليه الهِجْرَةُ، لكنَّ الأفضَلَ الهِجْرَةُ. الفَائِدِةُ الخامِسةُ: أن المهاجِرَ سيَجِدُ سَعةً في أرضِ اللَّهِ، لقولِهِ : ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ ويَشْهَدُ لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠]، فهؤلاءِ تَرَكُوا بلادَهُم التي ضُيِّق عليهم فيها، فعَوَّضَهُم اللَّهُ بِلادًا لا يجِدُونَ فيها الضِّيقَ بل يجِدُونها ذَاتَ سَعَةٍ، ومن تركَ شيئًا للَّه عوَّضَهُ اللَّهُ خيرًا مِنْهُ. الفَائِدةُ السَّادسَة: إنعامُ اللَّه على عِبادِهِ بالتَّرْغِيبِ بفِعْلِ الواجباتِ، لقولِهِ: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، وهذا فيه مِنَ التَّرْغِيبِ والحثِّ على القيامِ بالواجِبِ ما هو ظاهِرٌ وبيِّنٌ. الفائِدَتانِ السَّابِعَةِ والثَّامِنَةِ: تَوجِيهُ الأمرِ للإنسانِ بما هو متَّصِفٌ بِهِ، لقوله: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قَالَ: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، ويَنْبَنِي على هَذِهِ الفَائِدة أن الأمْرَ الموجَّه لمن يتَّصِفُ به يرادُ به أمران هما: تحْقِيقُهُ، والاستِمْرارُ فيه وتَكمِيلُهُ؛ لأنك إذا قلت: يا قائمٌ قُمْ، فليس لهذا مَعْنًى إلا إذا كان الغَرضُ أن تأْمُرَهُ أن يستَمِرَّ في القيامِ، وكذلك لو قلت: يا رَجُلَ كُنْ رجلًا، أي: اثْبُتْ على هذا وحقِّقِ الرُّجولَةَ وكَمِّلْهَا.

стр. 329

الفَائِدةُ التَّاسِعةُ: وجوبُ الإخلاصُ للَّهِ ، لقولِهِ: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. الفَائِدةُ الْعاشِرَة: أن دارَ الإسلامِ تُضافُ إلى اللَّه ؛ لأنها مكانُ عبادَتِهِ، لقوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، وهذه الإضافَةُ كما تَقَدَّمَ ليْسَتْ إضافَةَ خلْقٍ وتكوينٍ؛ لأن كلَّ الأرَاضِي للَّه ، ولكِن إضافَة تشريفٌ، وأخَصُّ من ذلك أن أضافَ المكانَ المعَيَّنَ إلى اللَّهِ مثل: المساجدُ بيوتُ اللَّه . لو قال قائلٌ: الذين يُسَافِرُونَ من بلادِ الإسلامِ إلى بلادِ الكُفْرِ ويُقِيمُونَ عندهم، ويستَطِيعُونَ إقامَةَ شعائرِ الإسلامِ؛ هل يَجبُ عليهم أن يَسُبُّوا آلهةَ الكُفَّارِ ويُنْكِرُوا عليهم، ويُظْهِرُوا المخالَفَة لهؤلاءِ الكُفَّارِ؟ الجواب: الذين يُسَافِرُون إلى بلادِ الكُفَّار إذا كانوا يُقِيمونَ عِبادَتَهم مثلَ صلاةِ الجُمعَةِ وإقامَةِ الجماعاتِ والأمْرِ بالمعْروفِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، فليس بواجبٍ عليهم أن يَسُبُّوا آلهِةَ الكُفَّارِ ولا أن يُظِهُروا لهم المخالَفَةَ؛ لأنهم سيُخْرِجُونهم وسَيُؤْذُونهم، والكافِرُ يُقَرَّ على دِينِهِ عندَ عدَمِ الاستِطَاعَةِ. لكني أَرَى أن السَّفَر إلى بلادِ الكُفَّارِ لا يجوزُ إلا بشُروطٍ: الشرطُ الأَوَّلُ: الحاجَةُ، بحيث يسَافِرُ إلى شيءٍ لا يُوجَدُ في بَلَدِهِ مثل دَراسات لا توجدُ في بلَدِهِ، أو مَرَضٌ يحتَاجُ إلى علاجٍ لا يُوجَدُ في بَلَدِهِ، وما أشْبَه ذَلِك. الشرطُ الثَّانِي: أن يكونَ عندَهُ مِنَ العِلمِ ما يَدْفَعُ به الشُّبهاتُ، فإن كان ليس عندَه من العِلْمِ ما يدْفَعُ به الشُّبهاتُ فلا يجوز؛ لأنه حِينئذٍ يُلَبَّسُ عليه دِينُه ويَضِلُّ. الشَّرطُ الثالثُ: أن يكونَ عِندَهُ من التَّقْوى ما يَدْفَعُ به الشَّهواتِ، فإن كان الإنسان ضَعِيفًا في دِينِهِ ولا تَقْوَى عنْدَهُ فإنه لا يجوزُ له السفر؛ لما في تلك البلاد

стр. 330

من الفِتَنِ العَظِيمَةِ، ولهذا رأَيْنَا مِن الناسِ من ذَهَبُوا ورَجَعُوا متأثِّرينَ، وهذا خطرٌ عَظِيمٌ ليس بالأمرِ الهَيِّنِ. فإذا تمَت هذه الشروطُ الثلاثةُ فيجوزُ، أما مجَرَّدُ أن يسافر -والعياذ باللَّه- لأجلِ النُّزْهَةِ أو يسافِرُ لأجلِ دراسَةٍ يجدُ في بلَدِهِ ما يقومُ عنْهَا، أو يسافرُ وهو يعْرِفُ من نَفْسِهِ اتِّبَاعَ الشَّهواتِ وضعفَ الدِّينِ؛ فإن هذا لا يجوزُ له السَّفَرُ مهما كان. لو قالَ قائلٌ: ما من عِلْمٍ إلا وهو موجودٌ في بَلادِ المسْلِمينَ فكيفَ يُجِيزونَ السَّفَرَ لبلادِ الكُفَّار مِنْ أجلِ الدِّرَاسَةِ؟ الجواب: كَثيرُ من التَّخَصُّصاتِ الحديثةِ لا تُوجَدُ في بلادِ المسْلِمينَ كعلمِ الطبِّ والجُيُولوجيا وغيرها، وقد اشتَرْطَنَا العِلْمَ وقوةَ الإيمانِ وكذلك الحاجَةَ، وكونُنَا نُشَدِّدُ على الناس في هذا الأمر خطأٌ، فالمسألة ليست نظرية فقط، بل المسألةُ نَظَرِيَّةٌ وعَمَلِيَّةٌ؛ لأن معنى ذلك أن كلَّ الَّذِين ذَهبوا للدِّرَاسَةِ كلهم على معصيةِ اللَّه منذ ذَهَابهم إلى أن يَرْجِعُوا، ويجبُ علينا أن نَهْجُرَهُمْ، فنعودُ إلى الجاهلِيَّةِ الأُولَى. فيجبُ أن نعرفَ أن المسألةَ تحتاجُ إلى نوعٍ مِنَ المرُونَةِ في هذه الأمور، فالرجل الذي نعرف أنه ذهبَ إلى بلدٍ فيها تَخَصُّصاتٍ ليست في بلادِ المسْلِمِينَ ونعرفُ أن الرجلَ قُوِيُّ الإيمان وأن عِنْدَهُ عِلمًا؛ كيف نَمْنَعُه مِنْ إفادَةِ المسلِمينَ بهذه العُلومِ؟ لو نَحْظُرُ الأمر على الناس لقالوا: أنتم متَحَجِّرُونَ لا تُرِيدُونَ أن نَنْتَفِعَ بأيِّ شيء مما انتَفَع به النَّاسُ، دَعُونا نَذْهَبُ ونتَعَلَّمُ ونَرْجِعُ إليكم -إن شاء اللَّهُ- بالنَّفْعِ والعِلْمِ، والآن -والحمد للَّه- تَحَسَّنَتِ الأمورُ كَثِيرًا بالنِّسْبَةِ للمُبْتَعِثينَ حسب ما سمِعْنا، فهم يحرْصُون على إظْهَارِ دِينِهِمْ، بل وعلى الدعوةِ إلى اللَّهِ ، ويَلْتَفُّ بعضهمُ حَول بعضٍ، فأنا أَرَى ألَّا نضْغَطَ على الناس ونقول: إن السفر حرامٌ مُطْلَقًا،

стр. 331

وما دامَ هذا للحاجَةِ وليس إقامةً دائِمَةً مع اشتراطِ العِلْمِ والتَّقْوى؛ فما المانع؟ وأما حديث: "مَنْ جَامَعَ المشْرِكَ. . . " (١) فقد يحْمَلُ على السُّكْنَى الدَّائِمَةِ التي يتَّخِذُ الإنسانُ فيها بلادَ الكُفَّارِ وطَنًا بلا ضرورةٍ، فالمسألةُ خَطِيرَةٌ من ناحِيَتَيْنِ: من ناحيةِ أن الناسَ في حاجة إلى هذا، ومن ناحِيَةٍ أن الناسَ في حاجةٍ إلى أن يَعْرِفُوا أولِياءَهم من أعدائهم، فالمسألةُ تحتاجُ إلى بَحْثٍ وتحريرٍ ومراجَعَةٍ كثيرة. لو قِيلَ: ما حكمُ الذَّهابِ إلى بلادِ الكُفَّارِ مِنْ أجلِ الدَّعوة إلى اللَّه؟ فالجواب: يجوزُ إذا كانَ الدَّاعِي إلى اللَّه عِنْدَهُ عِلْمٌ وقوةُ إيمانٍ. لكن لو قالَ قائلٌ: لا حاجةَ لذَهَابِهِ. قلنا: بل له حاجَةٌ، وهي الدَّعوةُ إلى اللَّه ، ومعلوم أن الَّذِي ذَهَبَ لِيَدْعُوَ إلى اللَّه ليس كالذي ذَهَبَ ليَنْتَفِعَ مِنْ عُلومِهِمْ؛ لأن الثاني يَرَى أنه ذَلِيلٌ أمامَهُم ومحتاجٌ إليهم، لكنَّ الدَّاعِيَ إلى اللَّه هُمُ المحْتَاجونَ إليه، فبينهما فَرْقٌ، ولهذا -واللَّه أعلم- كان من الأسبابِ التي انْحرفَ بها مِنِ انحرفٍ من أولئكَ الذَّاهِبين. ولو قيل: ما حُكْمُ من يسِافرُ إلى بلاد الكفَّار لنيلِ شهادَةِ الدُّكتوراة في الشَّريعَةِ؟ فالجواب: هذا حرامٌ ولا إشكالَ من كونِهِ حَرَامًا؛ لأنه: أوَّلًا: ليس بحاجَةٍ أن يَذْهَبَ ليدْرُسَ شريعةَ الإسلامِ في بلاد الكُفْرِ،

стр. 332

قد يدرِّسون الإسلامَ محرَّفًا. وثانيًا: لأنه تهَجْيِنٌ (١) بالغٌ للمسلمين، كأنَّ المسلمِينَ ليس عندهم تخَصُّصاتٌ شرْعِيَّةٌ ولا عندهم شيء يعْرِفُونَ به دِينهُم. لو قالَ قائلٌ: ما حُكْمُ من يذهبُ لبلادِ الكفَّارِ لدِرَاسَةِ لغُتِهِمْ، ومن شُروطِ هذه الدراسةِ أن يَعِيشَ مع أسرةٍ غيرِ مُسلِمَةٍ من أجلِ تعَلُّمِ اللُّغةِ؟ فالجواب: هذا حرامٌ ولا يجوزُ؛ لأن الجلوسَ مع هذه الأسرةِ فيه مفاسِدُ كثيرةٌ، فقد يكونُ في هذه الأسرةِ فتياتٌ شَابَّاتٌ يُفْسِدْنَ هؤلاءِ الدارسين من المسلمين، ومشْكِلَةُ السفَرِ إلى بلاد الكفَّارِ مشكلةٌ عظيمةٌ جدًّا. مسألة: ما حدُّ دارِ الإسلامِ ودارِ الكُفْرِ؟ دار الإسلامِ هي التي تُقامُ فيها شعائرُ الإسلامِ بقَطْعِ النَّظَرِ عن حكَّامهم؛ حتى لو تَوَلَّى عليهم حاكمٌ كافرٌ، فما دامُوا يُقِيمونَ شعائرَ الإسلامِ، كالأذانِ وإقامةِ الصلاةِ والجمعِ والأعيادِ الشَّرْعِيَّةِ والصومِ والحجِّ وما أشْبَهَ ذلك؛ فهذه دارُ إسلامِ. وأما قول من يقولُ: إن بلادَ الإسلامِ هي التي يحْكُمُها المسلمون، أي: يكونُ حُكَّامُهَا مسلمين، فهذا ليسَ بصَحِيحٍ. ولكن إذا كان يَظْهَرُ فيها شعائرُ الإسلامِ وشعائرُ الكُفْرِ، كما لو كانت تُقامُ فيها الجُمَعُ والجماعاتُ، ولكن يُسْمَعُ فيها أيضًا أبواقُ اليهودِ ونواقِيسُ النَّصارى، وتُقامُ فيها صلواتُ النَّصارى واليهود، ففي هذه الحال قد نَرْجِعُ إلى الحُكَّامِ والأغْلَبِيَّةِ؛ لأن الحاكِمَ قد يَعْجَزُ عن إزالة شعائرِ الكُفْرِ، فإذا كان غالبُ البلد

стр. 333

مُسلمين وحُكَّامُها مُسلمون، قلنا: هذه بلادُ إسلامٍ وإن كان فيها شيءٌ من شَعائرِ الكُفْرِ؛ لأن الغَلبةَ كمِّيَّةٌ وسُلْطَةٌ للمسلمين، لكن يَعْجَزُونَ عن إزالةِ شعائرِ الكُفْرِ؛ لأن إظهارَ شعائرِ الكُفر في بلادِ المسلمين لا يجوزُ ويجِبُ مَنْعُهُ، حتى إظهارُ الصَّليبِ ممنوعٌ في بلاد الإسلامِ، فكون الصَّليبِ يُرْفعُ على الكنائسِ أو في الطُّرقاتِ هذا ممنوعٌ في بلاد الإسلام. * * *

стр. 334

الآية (٥٧) * * * * قالَ اللَّه : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧]. * * * قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ هذه قَضِيَّةٌ عامَّة (١)؛ لأن جميعَ المخلوقات داخِلُونَ تحتَ عُمومِ: ﴿كُلُّ﴾ إلا ما دلَّ الدَّلِيلُ على استِثْنَائِهِ. قوله: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: مَيِّتَة، لكن عَبَّر عن حقيقةِ الموتِ بالذَّوْقِ لأن الإنسانَ يذوقُ مرارةَ الموتِ وألمَ فِراقِ الحياةِ، إلا إذا كانَ مؤمنًا فإنه يَذُوقُهُ مِنْ وجْهٍ لكن يُهَوِّنُ عليه الأمرُ، وجهٌ آخر: وهو أنه إذا بُشِّرَ بالجنَّةِ عند موتِهِ فإنَّهُ يُسَرُّ بذلكَ ولهذا يَسْهُلُ على نفسه الخُروجُ؛ لأن الملائكة تَتَنَزَّلُ عليهم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، فيُسَرُّونَ بذلك ويَهونُ عليهم فراقُ الأحبَّةِ، ثم يَشْعُرونَ في هذه الحال أن إِمَامَهُم أَمَامهُم الرسولُ ﵊ وخلَفاؤُه الراشِدُون والصَّحابَةُ، فيقولُ المؤمن: الحمدُ للَّه أني أنْتَقِلُ من دارِ العَناءِ والشَّقاءِ والابتلاءِ والامتحانِ، إلى دارِ النَّعِيمِ مع النَّبِيِّ ﷺ وخلفائِهِ الراشدينَ وأصحابِهِ، فيَزْدَادُ بُشْرَى ويهونُ عليه الفِراقُ. فهن نقولُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ولكن فرق بينَ المذَاقَيْنِ: بين مذاقِ المؤمنِ ومذَاقِ غيرِ المؤمنِ.

стр. 335

وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ بعدَ الإشارةِ إلى الهِجرةِ كأنه يقولُ: بقاؤكُمْ في بلادِ الكُفْرِ من أجلِ التَّمَتُّعِ بالمالِ والبلاءِ والأوْطانِ نقصٌ في التَّفْكِيرِ؛ لأن هذا الأمرَ الذي أنتُمْ تحافِظُونَ عليه -وهو البقاءُ في البلادِ والتمتع بها- زَائِلٌ، فإذا كانَ زَائلًا ولا بُدَّ فكيف نُحافِظُ عليه ونَدَعُ ما هو أهمُّ وهو الهِجْرَةِ، ولهذا قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: ثم بعدَ الموتِ نرْجِعُ إلى اللَّه ، وإذا رَجَعْنَا يتَبَيَّنُ الكشْفُ، أعني: كَشْفَ الحسابِ؛ لأن هذا الكتابَ ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، فلا يغادِرُ صغيرةً ولو صَغُرَتْ؛ لأن قوله: ﴿صَغِيرَةً﴾ نكرةٌ في سياقِ النَّفْيِّ فتَعُمُّ، وكذلك لا يُغادِرُ كبيرةً ولو عَظُمَتْ إلا أحْصَاهَا. ولو أن الإنسانَ أرادَ أن يُحْصَي ما يتَكَلَّمُ به في اليوم لكان عنده في الأسبوعِ مجلَّدَاتٌ، ولقد جَرَّبْتُ هذا وتَبَيَّنَ لي عظِمَ الأمرِ، وذلك أن بعضَ الإخوانِ سجَّلُوا دُروسَنَا في الحرَمِ وكتَبُوها في أوراقٍ، ثم أتَوْنِي بها فوَجْدُتَها شيئًا كثيرًا ما ظَنَنْتُ أن تبْلُغَ هذا المبلَغَ، بعضُ الأسئلة يكونُ جوابُها صفْحَةً أو صَفْحَتَيْنِ، والإنسانُ يظن أن الجوابَ كلماتٌ يَسِيرَةٌ، نسألُ اللَّه أن يعْفُو عَنِ الجميعِ. فالإنسانُ يجِبُ عليه أن يَعْتَبِرَ بمثلِ هذه الأمورِ، وينْظُرَ كم تَبْلُغُ كلماتُه في كلِّ يومٍ، وفي كلِّ أسبوعٍ، وفي كلِّ شهرٍ، وفي كلِّ سَنَةٍ، وفي العُمْرِ كلِّه. وقوله: [﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ بالتَّاءِ والياءِ (١) بعدَ البَعْثِ]: بالتاءِ والياءِ قراءتانِ سَبْعِيَّتانِ: "يُرْجَعُون" و ﴿تُرْجَعُونَ﴾، والفرق بينهما من حيثُ المعْنَى أن (يُرجعون) للغائبِ، و (تُرجعون) للمخاطبِ.

стр. 336

وفي قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ ترغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، فالإنسانُ إذا نظرَ إلى رحمةِ اللَّه وسَعَى في عَفْوِهِ رَغِبَ وقال: سأرجِعُ إلى ربٍّ عَفُوٍّ كريمٍ، وإذا نظَرَ إلى شدَّةِ عِقابِهِ وأن أَخْذَهُ أليم شديدٌ فإنه يخافُ. وهل يُغَلِّبُ جانبَ الرجاءِ أو جانبَ الخوفِ؟ فيه آراء لأهلِ العِلم، منهم من قال: يُغَلِّبُ جانبِ الرَّجاءِ، ومنهم من قال: يُغَلِّبُ جانبَ الخوفِ، والآيات فيها دِليلٌ لكِلَا القولَيْنِ كما في قوله : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، فبدأ بالمغفرةِ والرَّحْمَةِ قبلَ ذلكَ العَذابِ، وكذلك قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، فبدأ بالتَّهْدِيدِ قبلَ الوَعِيدِ. وقال بعضُ العلماء: في حالِ الصِّحَّةِ يُغَلِّبُ جانبَ الخوفِ حتى يَسْتَقِيمَ على أمرِ اللَّه، وفي حالِ المرَضِ يُغَلِّبُ جانبَ الرَّجاءِ، لأجل أن يُلاقِيَ اللَّهَ وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ، فاعتَبَرُوا اختلافَ الحالينِ. وقال آخرون: يجْعَلُ خوفَهُ ورَجَاءَهُ واحدًا، قال الإمامُ أحمد ﵀: ينْبَغِي أن يكونَ خوفُهُ ورَجُاؤُه واحدًا، فأيهما غَلَّبَ هلَكَ صاحِبُه؛ لأن إن غلَّب جانب الخوفِ استَوْلَى عليه اليأسُ من رَحْمَةِ اللَّه، وإن غلَّب جانبَ الرَّجاءِ استَوْلَى عليه الأمْنُ من مَكْرِ اللَّه، فيكون بين هذا وهذا. وقال بعضُ العلماء: في حالِ الطاعَةِ يغَلِّبُ جانبَ الرَّجاءِ، وفي حال المعْصِيَةِ يغَلِّبُ جانبَ الخوفِ، يعني: إذا عَمِلَ الطَّاعَةَ يقول: أرْجُو أن يَقْبَلَهَا اللَّه فينْشَطُ على العبادِةَ، وفي المعصية يُغَلِّبُ جانبَ الخوفِ لئلا يَفعَلَ المعْصِيَةِ أو يستمِرَّ عليها بدون تَوْبَةٍ.

стр. 337

والذي يظْهَرُ -واللَّه أعلم- إذا لم يكن هناك سببٌ لتَغْلِيبِ أحَدِهما على الآخر فالأَوْلَى أن يكون سواء، أما إذا كان هناك سببٌ فإنه ينْبَغِي أن يَتَّبِعَ ذلك السَّببَ، فإذا هَمَّ بالمعْصِيَةِ لو جعلَ رجاءَهُ وخوفَهُ سواء هانَتْ عليه؛ لكن لو غلَّب جانبَ الخوفِ وتَذَكَّرَ عظمَةَ من يَعْصِيهِ كان ذلك أدْعَى لتَجَنُّبِ المعصِيَةِ، وأما إذا وقعَ في المعصية وأراد التوبة قُلْنا: غَلَّب جانبَ الرَّجاءِ. لو قالَ قائلٌ: الرَّسُولُ ﷺ دخل على غُلامٍ وهو يحتَضِرُ فقال: "كَيْفَ حالُكَ؟ " فقال: أرجو اللَّه وأخافُ ذُنُوبي. فقال الرسول ﵊: "مَا اجْتَمَعَا فِي قَلْبِ عَبْدٍ في مِثْلِ هذا الموْطِنِ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ" (١)، أو كما قال ﷺ ، ألا يَدُلُّ هذا على استواءِ الخوفِ والرَّجاءِ؟ فالجواب: أن المسألةَ لها أحوالٌ، وقد تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهَا، وهذا الحديث نَنْظُرُ صِحَّتَهُ من ضَعْفِهِ. لو قال قائلٌ: الكلامُ المباحُ الذي ليس بحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَةٍ هل يَكْتُبُه المَلَك، وهل يُمْحَى بعد ذلك أم لا؟ فالجواب: الكلامُ العَادِي -واللَّه أعلم- المؤكَّدُ أنه يُكْتَبُ، أما مسألة هل يُمْحَى أو لا؟ فلا أَدْرِي، إلا ما أخْبَرَ اللَّهُ به من أنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئاتِ قال تعالى:

стр. 338

﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فتُكْتَبُ الحسناتُ وتُمْحَى السِّيِّئاتُ، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، يدْخُلُ في هذا النَّوعِ، فالكلامُ العادِي يُكْتَبُ لكن لا يُجَازَى به. لو قال قائل: ورَدَ فيمن قال: تَعِسَتِ الدَّابَّةُ، أن مَلِكَ السَّيئاتِ يقول: ليست بحَسَنَةٍ ولا سَيِّئَة فأَكْتُبها (١)، وقال ملك الحسنات: ليستْ بحَسَنَةٍ ولا سيئةٍ فأَكْتُبها، فأخبرَ اللَّه أن ما ليس بحَسَنَةٍ ولا سَيِّئةٍ يُكتَبُ سيئة؟ الجواب: هذا حرامٌ ولا يَجُوزُ أن يَنْسِبُوه إلى اللَّه ، اللَّه لم يَقُلْ تُكْتَبُ سيِّئة، بل قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: أن كلَّ المخلوقاتِ تموتُ واللَّه جَلَّ وَعَلَا لا يموتُ، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ولكن يُسْتَثْنَى مِنْ هذا العُمومِ ما دَلَّتْ النصوصُ على استِثْنائِهِ، وهم الذين خُلِقُوا للبقاءِ مِثْلُ: الحُورِ والوِلْدانِ، فإنهم يبْقَوْنَ كما هو ثابِتٌ ومعلومٌ. الفَائِدةُ الثَّانِية: إثباتُ البَعْثِ، لقولِهِ: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. الفَائِدةُ الثَّالِثة: محاسَبَةُ الإنسانِ لنَفْسِهِ، فينْبَغِي للإنسانِ أن يُحاسِب نَفْسَهُ لأن اللَّه تعالى تَوَعَّدَ بأنهم يُرْجَعون إليه، يعني: فيُحَاسِبُهُمْ.

стр. 339

قال عمرُ بنُ الخطَّابِ: "حاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوا أعْمَالَكُمْ قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا" (١). الفَائِدةُ الرَّابِعة: أنه لا رُجوعَ لأحَدٍ سِوَى اللَّه ، لقولِهِ: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، فالعَالَمُ مَهْمَا فَرُّوا فالنهايةُ والغَايةُ إلى اللَّهِ. * * *

стр. 340

الآية (٥٨) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ نُنَزِّلَنَّهُم، وفي قِراءَةٍ بالمثلثَةِ بعدَ النون (١)، مِنَ الثَّواءِ: الإقامَةِ، وتَعْدِيتُه إلى ﴿غُرَفًا﴾ هو بحذْفِ (في)] اهـ. فالآية فيها قراءتانِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ بمعنى لنُنَزِّلَنَّهم، وعلى هذا فتكون الهاءُ في (نُبَوِّئنهم) المفعولَ الأولَ و ﴿غُرَفًا﴾ المفعولَ الثاني. وفي قراءةٍ أخرى بدلِ (الباء) (ثاء)، وبَدَلِ الهَمْزَةِ (ياء): "لنُثْوِيَنّهم" مأخوذةٌ من الثَّواءِ وهو الإقامَةُ، يقال: ثَوَى في المكانِ أقامَ فِيهِ، وعلى هذا فتكون ﴿غُرَفًا﴾ منصوبةً بنزعِ الخافِضِ أي: لنُقَيِّمَنَّهم في غُرَفٍ. وقيل: إنها منصوبةُ بتَعَدِّي الفِعْلِ إليها على سبيلِ التَوَسُّعِ، وهذا أصحُّ؛ لأننا على هذا الوجه لا نحتاج إلى تقديرِ (في). والقراءتانِ يَثْبُتُ معناهما فتكونُ الآيةُ على الإنزالِ، وأنه إنزالُ إقامَةٍ لا إنزالَ

стр. 341

إعارةٍ، يعني: لنُنْزِلَنَّهُم على وجه الإقامةِ الدائمةِ، كما في آياتٍ كثيرةٍ تَدُلُّ على دوامِ نعيمِ أهلِ الجنَّةِ. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يتَكَرَّرُ في القرآنِ ذِكْرُ الإيمانِ والعملِ الصالحِ، واعلم أنه إذا أطْلَقَ الإيمانَ شَمَلَ العَملِ الصالح، وإذا ذُكِرَ مع العملِ الصالحِ صارَ الإيمانُ في القلب والعَمَلِ في الجوارِحِ. وقوله: ﴿غُرَفًا﴾ جمعُ غُرْفةً، وهي السَّكَنُ العَالي، والحُجْرَةُ هي السَّكَنُ الأسفلُ النازِلُ، ويُسَمَّى حجرة لأنه متَحَجِّرٌ. قوله: ﴿الْأَنْهَارُ﴾: جمع نهرٍ، وهذه الأنهارُ أربعةُ أصنافٍ، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، اللَّهُ أكبرُ! إنها تَجْري من لَبَنٍ وهذا اللبنُ لم يأتِ من بَقَرٍ ولا من إبل فالذي خَلَقَ اللَّبنَ في الدنيا من بينِ فَرْثٍ ودَمٍ قادِرٍ على أن يجْرِي أنهارًا في الجنة من هذا اللَّبَنِ، وكذلك العَسَلُ والماءُ والخَمْرُ، فاللَّه على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٍ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. واعلم أن أحوالَ الدُّنْيَا لا تُقاسُ بها أحوالُ الآخرةِ، وإنما تُفْهَمُ أحوالُ الآخرةِ مِنْ أحوالِ الدُّنيَا بالاسمِ فقط، أما حقيقَةُ المسَمَّى فإنه لا مُقَارَنَةَ ولا مساوَاةَ بينَ هذا وهذا، قال ابنُ عباسٍ ﵄: "ليس فِي الدُّنْيَا مِمَّا في الجَنَّةِ إلَّا الأَسْمَاءُ فَقَطْ" (١)؛

стр. 342

لكنَّ الحقيقةَ التي هي عليها تَخْتَلِفُ اختِلافًا عَظِيمًا، وليس قَصْدُهُ ﵁ أن هذه الأسماءَ مُجَرَّدَةٌ عن المعَانِي، فالعَسَلُ معروفٌ، وهو الشَّرابُ الحُلْوُ، لكنَّ حلاوَتَه ولذَّتَهُ في الدُّنيا ليس كحَلاوَتهِ ولَذَّتِهِ في الآخرة، فليس قَصْدُهُ أننا لا نعْرِفُ إلا اسمَ العَسَلِ فَقَطْ: (عين، سين، لام)، لو كان كذلك تَفْوِيضًا. لو قال قائل: هل يوجَدُ في الجنَّةِ غيرُ هذه الأنهارِ الأرْبَعَةِ؟ فالجواب -واللَّه أعلم-: ليس فيها غَيْرُها؛ لأن مَقامَ الامْتِنَانِ يسْتَوْعِبُ كل ما يمكن أن يَمْتَنَّ اللَّه به، ولما لم يَذْكُرِ اللَّهُ تعالى سِواهَا عُلِمَ أنه ليس فيها غيرها، ولكِنَّنَا لا نجْزِمُ بذلك؛ لأن هذه الأمور التي لا نُدْرِكُها يُقْتَصَرُ فيها على النَّصِّ. وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ انظر كيف يتَصَوَّرُ حُسْنَ المنظرِ إذا صَارتْ هذه الغُرفُ وهذه القصورُ العظِيمَةُ والخيام تَجْرِي مِنْ تحتِهَا الأنهارُ، فالمنْظَرُ يُبْهِجُ الناظرينَ ولا يُسَاويهِ شيءٌ في الحُسْنِ والسُّرُورِ، وهذه الأنهار كما قال ابنُ القيم ﵀ ورَدَتْ أحاديثُ تَدُلُّ على أنها تَجْرِي بِدونِ أُخْدُودٍ (١)، يعني بدونِ شيءٍ يَمْنَعُها، فيتَصَرَّفُ فيها الناس كيفَمَا شَاءوا، فهذه الأنهارُ لا تَحْتَاجُ إلى عمَّالٍ ولا إلى مَسَاحي، قال ابنُ القيِّمِ ﵀ في النونية (٢): أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ... سُبْحَانَ مُمْسِكهَا عَنِ الْفَيَضَانِ نعم سبحانه! ونَضْرِبُ مثلًا مِنَ الدُّنْيَا، وفرقٌ بين أمورِ الدُّنْيَا وأمورِ الآخرةِ: لو كان على يَدِكَ دَسَمٌ وجرى عليها الماءُ أليس ينْحَصِرُ في حُبَيْبَاتٍ؟ هذا الانحصارُ

стр. 343

لا تُوجَدُ حدودٌ تَمْنَعُهُ، فإذا كان هذا الأمرُ مُمْكِنًا في الدنيا فإنه يُمْكِنُ في الآخرة ما هو أشَدُّ وأعْظَمُ، واللَّه جَلَّ وَعَلَا الذي يُمسِكُ السماءَ بلا عَمَدٍ قادِرٍ على جريانِ هذه الأنهارِ في الجنة بِلا أُخْدُودٍ. فالحاصل: أن هذه الأنهار عندَمَا يتَخَيَّلُها الإنسانُ وهي تجْري مِنْ تحتِ هذه الغُرفِ يتَصَوَّرُ منَظْرًا عَظِيمًا، ولا سيما الذين لهم ذَوْقٌ في هذه الأمورِ، وإلا فنحن ليس عندنا ذَوْقٌ في هذه الأمور، فلا نَتَصَوَّرُ كيف يكون هذا المنظرُ وهذه البهجَةُ. وقَال المُفَسِّر ﵀: [مُقَدَّرِين فيها الخُلودِ]، ذلك لأن كلمة ﴿خَالِدِينَ﴾ تدلُّ على الخُلودِ، والخلودُ مستَمِرٌّ، فإذا كان مُسْتَمِرًا فإنه لا يكون مع الدخول، فتكونُ حالًا مُقَدَّرَةً، والحالُ المقَدَّرَةُ هي التي لا تأتي دَفْعَةً واحدة، مثاله: إذا قلت: (جاء الرَّجُلُ قائمًا)، هو حالُ مَجِيئهِ قَائمًا، لكن في هذه الآية وَعْدُ اللَّهِ المؤمنين فقال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾، وهذا الخلودُ لم يحْصُلْ حينَ الوَعْدِ في قولِهِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾؛ لأن ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ فِعْلٌ للمُسْتَقْبَلِ فهو غَيْرُ حاصلٍ حالَ الوعْدِ؛ لأن هذا الوعدَ في الدُّنْيَا، فيكونُ الخلودُ مُقَدَّرًا؛ لأن الإنسانَ عندما يَنْزِلُ يبْقَى خَالِدًا إلى الأبد. قوله جَلَّ وَعَلَا: [﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ هَذَا الأجْرُ]: قدَّرَ المُفَسِّر (هذا الأجر) ليُبَيِّنَ المخصوص بالمدحِ؛ لأن نِعْمَ وبِئْسَ تحتاجُ إلى فاعِلٍ وإلى مخْصُوصٍ بالمَدْحِ أو الذمِّ، كما تقول: نعمَ الرجلُ زيدٌ، فزيد هو المخْصُوصُ بالمَدْحِ، والرجل فاعل، فقوله: ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماضٍ جامد، أي: لا يتَصَرَّفُ. وقوله: ﴿أَجْرُ﴾ فاعلٌ ومُضَافٌ، و ﴿الْعَامِلِينَ﴾ مضافٌ إليه، وهذه الجملة تحتاجُ إلى مخصوصٍ بالمدْحِ فقَدَّرَهُ المُفَسِّر: [هَذَا الأجْرُ]، فالتقدير: نِعْمَ أجْرُ العاملين هَذا الأجْرُ والجزاءُ، وإعراب (هَذا الأجْرُ) أي المخصوص: مبْتَدَأٌ مؤخَّرٌ، وجملة

стр. 344

﴿نِعْمَ أَجْرُ﴾ خبرٌ مُقَدَّمٌ. وسمَّى اللَّه تعالى الثَّوابَ أجْرًا من بابِ إظهارِ كَرَمِهِ على عِبادِهِ كأنهم أُجَراءُ، فيكون هذا الثوابُ واجِبًا وُجوبَ الأُجْرَةِ للأجِيرِ، واللَّه سَمَّى الإنفَاقَ في سبيلِهِ إقْراضًا فقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، كأنه جعل هذا الإنفاقَ بمَنْزِلَةِ الشيءِ اللازِمِ رَدُّهُ كما يلزمُ رَدُّ القَرْضِ، وهذا لا شكَّ أنه مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ وفضْلِهِ، وإلا فهو المتَفَضِّلُ أوَّلًا وآخِرًا. فاللَّه تعالى هو المتَفَضِّلُ بالعملِ وهو المتَفَضِّلُ بالجزاءِ، ولكِن لنِهَايَةِ كرَمِهِ وغايَةِ جُودِهِ جعلَ عَمَلَ الإنسانِ كأنَّهُ عَمِلَ مِنْ نَفْسِهِ ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، نسأل اللَّهُ أن يجْعَلَنَا من المحْسِنِينَ المجازين بالإحسانِ. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: أن الإيمانَ إذا قُرِنَ بالعَملِ الصَّالِحِ فالمرادُ به ما فِي القَلبِ، ووَجْهُ ذلكَ: أن العطفَ يقْتَضِي المغايَرَةَ، أما إذا ذُكِرَ الإيمانُ وحدَهُ فإنه يدْخلُ فيه العملُ الصالحِ. الفَائِدةُ الثَّانِية: اشتراطُ أن يكونَ العملَ صَالحًا، والعملُ الصَّالحُ ما جمعَ شَرْطَيْنِ: الإخلاصِ، والمتابَعَةِ لرسولِ اللَّه ﷺ . فالمُرائِي بعملِهِ عَمَلُهُ ليس صَالحًا لفَقْدِ الإخلاصِ، والمخْلِصُ المبْتَدِعُ عَمَلُه كذلك غيرُ صالح؛ لأنه غيرُ متَابع للنَّبِيِّ ﵊، لكن هل تُشْتَرَطُ المتابَعَةُ أو عدمُ العِلْمِ بالمنافَاةِ؟ يعني: هل يُشْتَرَطُ أن نعْلَمَ أن هذا العملَ فيه متابَعَةٌ وأنه مشروعٌ أو يُشْتَرَطُ ألا نَعْلَمَ أنه غيرُ مَشْرُوعٍ؟

стр. 345

الأوَّلُ يَقِينًا، يعني يُشْتَرَطُ أن نعْلَمَ أن هذا العملَ فيه متَابَعَةٌ وأنه مشروعٌ؛ لأنه ينْبَنِي على هذا لو أن إنْسَانًا تعَبَّدَ بعملٍ وقلنا له: لماذا تَتَعَبَّدُ بهذا؟ قال: أريدُ دَليلًا على أنه غيرُ مَشروع، قلنا: ليس عِنْدَنَا دَلِيلٌ ينُصُّ على أن هذا العمل ليس بمَشْرُوعِ؛ فهل لنا سُلطَةٌ على مَنْعِهِ؟ الجواب: نعم؛ لأنه يُشتَرطُ أن نعْلَمَ أنه مشروعٌ لتَتَحَقَّقُ المتابعَةُ، فالمقامات ثلاثة: تارةً نعلمُ أنه غير مشروعٌ كالنَّهْي عن صومِ العِيدَيْن، وما أشبه ذلك (١). وتارة نَعْلمُ أنه مَشْرُوعٌ كصومِ يوم الاثنين (٢). وتارة لا نَعْلَمُ أنه مشروعٌ أو غيرُ مشروعٍ، مثل لو قال قائل: ائتوني بدليلٍ على اتخاذ ليلة ولادَةِ النَّبِيِّ ﷺ عِيدًا ليس بمشروع، أو قال: ائتوني بدَليلٍ على أن مَنْ لازَمَ ثلاثةَ آلاف تَسْبِيحة في اليوم وجَعَلَها سُنَّةً راتِبَةً؛ أن عَمَلَهُ غيرُ مَشْرُوعٍ؟ نقولُ: الدَّليلُ على الفاعِلِ؛ لأن الأصلَ في العباداتِ المنعُ حتى يقومَ دليلٌ على المشْروعِيَّةِ. لو قال قائل: ورَدَ في الحديثِ: "مَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا

стр. 346

وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. . . " الحديث (١)، أهلُ البِدَعِ يستَدِلُّونَ بهذا الحديثِ على جوازِ ما يبْتَدِعُونَهُ، فكيف الجوابُ عن هذا الحديثِ؟ الجواب: ليس مَعْنَى قوله: "مَنْ سَنَّ" أي: مَنْ شَرعَ، بل معنى قوله: "مَنْ سَنَّ" أي: من فَعَلَ ما هو مَشْرُوعٌ وابتدأَ به. ويَدُلُّ على هذا سببُ الحديثِ، فإن سبَبَهُ أن رَجُلًا لما دَعَا النَّبِيَّ ﵊ إلى التَّبَرُّعِ للقوم الذين جَاءوا من مُضَرَ مُجْتَابِي النِّمَار فُقَراء، فجاء رجلٌ مِنَ الأنصارِ بِصَرَّةٍ لا يستطيع أن يحْمِلهَا مِنْ ثِقَلِها، فأخَذَها النَّبِيُّ ﷺ ثم تَتَابَعَ الصحابةُ بعدَهُ، فقال ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةَ حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا" فيُحْمَلُ الحديثُ على أن المراد بالسَّنِّ، الفعلُ، يعني: ابتداءَ العَملِ، يعْنِي: من بادَرَ وسابَقَ حتى صارَ قُدْوَةً للناسِ في ذلك، ولذلك قال: "فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا"، وإلا فلا يُمْكِنُ أن نقولَ إن البِدْعَةَ التي ابتُدِعَتْ إنها حَسَنةٌ، لقولِ الرَّسولِ ﷺ : "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (٢)، والضَّلالُ لا يوصَفُ بالحُسْنِ؛ هذا جوابٌ. والجوابُ الثاني: أن يُقَالَ: المرادُ بـ "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً" ما كان وَسِيلَةً إلى مأمورٍ به، مثاله: رجلٌ بَنَى بُيُوتًا لطلبَةِ العِلم، أو أنشأَ مطَابِعَ لطِباعَةِ كُتبِ العلم وما أشبه ذلك، هذه سنَّةٌ ابتدائية لكنها وَسِيلَةٌ، ووسائلُ المشْرُوعِ مشروعة لا لِذَاتِهَا لكِنْ لغَايتِهَا.

стр. 347

وأما قوُل عمرَ ﵁: "نِعْمَتِ البِدْعَةُ" (١) فالبدْعَةُ هنا نَسْبِيَّةٌ، فإن جمعَ الناسِ على إمامٍ واحدٍ بعدَ أن تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأبو بكرٍ وأَوَّلُ خلافةِ عُمَر يُعْتَبَرُ بِدْعَةً نِسبِيَّةً، أي: بالنِّسْبَةِ لتركْهِا هذه المدة. أو نقول: إنها بِدْعَة لُغَوِيَّةٌ، والذي وردَ النَّهْي عنه والذَمُّ لفاعِلِه هي البِدْعَةُ الشرعِيَّةُ. والمعنى الأوَّلُ أقْوى: أنها بِدْعَةٌ نَسْبِيَّةٌ إضافية بالنِّسْبَةِ لتَرْكِها هذه المدة بدون أن تُقامَ، وتَرْكُهَا كان لسببٍ، فلما انتَفَى هذا السببُ عادَتِ المشْرُوعِيَّةُ. الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن جزاءَ المؤمنين العامِلِينَ عَمَلًا صالحًا سُكْنَى الجنَّاتِ، لقولِهِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾. الفَائِدةُ الرَّابِعة: الإقامَةُ الدَّائمَةُ في الجنَّةِ على قِراءةِ: (لنُثْوِيَنَهم) وأيضًا لقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾؛ لكن لَيْسَتْ صَرِيحَةً. الفَائِدةُ الخامِسَةُ: أن مَنازِلَ الجنَّةِ عالِيَةٌ، لقوله: ﴿غُرَفًا﴾. الفَائِدةُ السَّادسَة: أن في الجنَّةِ أنهارًا، لقولِهِ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، والأنهار قد تَقَدَّمَ أن أصنَافَهَا أرْبَعَةٌ. الفَائِدةُ السَّابِعةُ: التَّنَعُّمُ في الجنَّةِ كما يكونُ بالأكْلِ والشُّرْبِ والنِّكَاحِ واللباسِ يكون كذلكَ بالنَّظَرِ وبالبَهْجَةِ، لقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، فإنك لا تستَطِيعُ الآن أن تَتصورَ البَهْجَةَ التي تَنَالهَا، إذا رأيتَ هذهِ الأنهارَ تجْرِي تحتَ قُصورِكَ

стр. 348

وغُرَفِكَ ولها منظرٌ لا يُتَصَوَّرُ. الفَائِدةُ الثَّامِنة: عِظَمُ هذا الثوابِ الذي يحصُلُ للذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ لأن اللَّه أثْنَى عليه في قولِهِ: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. الفَائِدةُ الْعاشِرَة: الردُّ على الجَبْرَّيةِ، لقوله: ﴿الْعَامِلِينَ﴾ حيث أضافَ العملَ إليهم، فدَلَّ هذا على أنهم يَعْمَلُونَ باخْتِيارِهِمْ وإلا لما استَحَقُّوا الثَّناءَ، فلولا أن الإنسانَ يعْمَلُ باختيارِهِ ما استَحَقَّ أن يُثْنَى عليه بالعملِ الصَّالِحِ، ولا أن يُذَمَّ بالعملِ السَّيْئِّ، ومن ثَمَّ قالت الجبريةُ: إن أفعالَ اللَّهِ غيرُ مُعَلَّلَةٍ، فاللَّه عندَهُمْ يَظْلِمُ من شاءَ وإن كان هو الذي أَجْبَرَهُ على العَمَلِ، ويُثِيبُ مَنْ شاءَ وإن كان هو الذي أَجْبَرَهُ على العمل، ولا حِكمةَ في ذلك، فَهُمْ لا يُعَلِّلُونَ أفعالَ اللَّهِ، بل أفعالُ اللَّه عندهم لمجَرَّدِ المشيئة. * * *

стр. 349

الآية (٥٩) * * * * قالَ اللَّه : ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٩]. * * * إعراب: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ فيه ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الوجهُ الأوَّلُ: أن يكونَ خَبَرًا لمبتدأ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: همُ الَّذين صَبَرُوا. الوجه الثاني: أن يكونَ نَعْتًا مَقْطُوعًا فيكونُ مَنْصُوبًا على المدْحِ، يعني: أمْدَحُ الذين صَبَرُوا. الوجه الثالثُ: أن يكونَ صِفَةً للعَامِلينَ فيكونُ نَعْتًا مَوْصُولًا. قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ: عَلَى أَذَى المشْرِكِينَ والهِجْرَةِ لإظهارِ الدِّينِ]: صبَرُوا على أمْرَيْنِ: على أَذَى المشْرِكِينَ، وعلى الهجْرَةِ لإظهارِ الدِّينِ؛ لأن في كِلَيْهَما مَشَقَّةٌ على النُّفوسِ، فهم صَبَرُوا على أَذَى المشركين المتَنوِّعِ بالقولِ وبالفِعْلِ، كما يقال: حربُ الأعْصابِ والمضَايقاتِ النَّفْسِيَّةِ، وصبَرُوا كذلك على الهجرةِ مِنْ بلادِهِمْ التي سَكَنُوهَا وأقاموا فيها إلى بلاد أخرى يكونون فيها غُرباءُ، كل هذا لا شك أن فيه مَشَقَّةٌ على النُّفوسِ. وإنما خصَّ المُفَسِّر الصَّبرَ بهذينِ الأمْرَيْنِ لتَعْيِينِ السِّياقِ لهما، إذ إن السياقَ كُلَّهُ في مسألةِ الهجْرَةِ، ولو قيلَ بالعُمومِ لكانَ أَوْلَى، أَيْ: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على كُلِّ ما أُمِرُوا بالصَّبْرِ عليه، فهم صَبروا على أقسامِ الصَّبْرِ الثلاثةِ: صَبَرُوا على طاعةِ اللَّهِ،

стр. 350

ومجاهَدَةِ النَّفْسِ على فعلها وإتمْامِهَا وإتقَانِهَا، وصَبَرُوا على المعصيةِ بحَبْسِ النَّفْس عن فعلها، وصَبَرُوا على أقْدارِ اللَّه فحَبَسُوا أنْفُسَهُم عن التَّسَخُّطِ على القَدَرِ. فإن مقاماتِ المصابِ بأَذَى أربعةٌ. وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ متَعَلِّقٌ بـ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، وقدَّمَ الجارَّ والمجْرُورَ على عامِلِهِ لإفادَةِ الحصْرِ. والتوَكُلُّ معناه: الاعتمادُ، وعرَّفَهُ بعْضُهم بقَولِهِ: صِدْقُ الاعتمادِ على اللَّه في جلبِ المنَافِعِ ودَفْعِ المضارِّ مع الثِّقَةِ به . وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: لا يتَوَكَّلُونَ على غيرِهِ. واعلم أن التَّوَكُّلَ ينْقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقْسامٍ: الأولُ: توَكُلُّ عبادَةٍ مَقْرُونٌ بالخَشْيَةِ والمحَبَّةِ والتعظيمِ، وتفويضِ الأمر تَفْوِيضًا كاملًا إلى المعتَمَدِ عليه، وهذا النوعُ لا يجوزُ إلا للَّه . الثاني: توكُّلُ اعتمادٍ بلا عبادة، بمعنى أن الإنسان يَعْتَمِدُ على غَيْرِهِ، لكنَّه اعتمادٌ لا يَشْعُرُ معه بأنه متَذَلِّلٌ وخاشٍ له ورَاغِبٌ إليه، وهذا القِسْمُ إذا كان على ما يمكن الاعتمادُ عليه فهو شَرْكٌ أصْغَرُ، وإن كان على ما لا يُمْكِنُ الاعتمادُ عليه فهو شِرْكٌ أكبْرُ، يعني: إذا كان على ميِّتٍ أو غائبٍ لا يمكنك أن تعْتَمِدَ عليه فيكون شِرْكًا أكبرَ؛ لأنه ليس لذلك معنى إلا أن تَعْتَقِدَ أن هذا المعتَمَدَ عليه متَصَرِّفٌ في الكُونِ بغير مباشَرَةٍ، وهذا يحْصُلُ لكثيرٍ مِنَ المشْركِينَ الذين يعْتَمِدُون على الأمواتِ والأولياءِ وإن كانوا بَعِيدِينَ. أما إذا كان يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وهو يُمْكِنُ أن يكونَ سَبَبًا في جَلْبِ المنفعةِ أو دفْعِ

стр. 351

المضَرَّةِ، لكنه مُعْتَمِدٌ عليه على أنه أعْلى مِنْهُ، فإن هذا نوعٌ مِنَ الشِّرْكِ الأصغرِ، مثل اعتمادِ كثيرٍ من الناسِ الآن على رَواتِبِ الدَّولَةِ وما أشبه ذلك، فكونك تَعْتَمِدُ على الدولة على أنها مصدرُ رِزْقِكَ، فإن هذا نوعٌ مِنَ الشركِ الأصغر لأن الدولَةَ ليستْ إلا مجردَ سَببٍ، ولهذا من كان على هذا الحالِ تَجِدُه يُرَاعي المُتَوكَّل عليه ويخَافُه وربما يَتْرُكُ ما أَوْجَبَ اللَّه عليه مُراعَاة لَهُ ومُدَاهَنَةً، أو يَفْعَلُ ما حرَّمَ اللَّه عليه منْ أجْلِهِ. أما القِسْمُ الثالثُ: فهو الاعتمادُ على الغَيْرِ لا على سَبيلِ الخشْيَةِ والخوفِ والرَّغْبَةِ ولا على سَبيلِ أنه يَشْعُرُ أنه أعْلى مِنْهُ، بل على سَبيلِ أنك أنْتَ الَّذِي فوقَهُ وأنت الذي تُدَبِّرُهُ فتَعْزِلُ وتُنَصِّبُ، فهذا جائز ولا حرجَ فيه، وقد وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﵊، فإنه كان يَبْعَثُ السعاةَ تَوْكيلًا لهم على مَا يُرِيدُ، فهذا لا بأسَ بِهِ. وهذا القِسْمُ يحصُلُ عن طريقِ الوِكَالَةِ، فعِنْدَمَا أُوَكِّلُ إنسانًا أن يَشْتَرِيَ لي شَيئًا أو يَبِيعَ لي شَيئًا وما أشْبَه ذَلِكَ، فأنا معتَمِدٌ عليه في هذا الأمرِ، لكن ليس على سَبيلِ الاحْتِياجِ إليه وأنه أعْلَى مِنِّي، بل على العَكْسِ؛ على سبيل الاعتقادِ بأنِّي أعْلَى منه، لا سِيَّما إذا كان بِعِوَضٍ، وأن الأمرَ إليَّ بشَأْنِهِ إن شئت عَزَلَتُ وإن شئت نَصبت. وقد أجمعَ العلماء على جوازِ التَّوكِيلِ بالبَيْعِ والشِّراءِ وغير مما تَدْخُلُ فيه الوِكالَةُ، والمراد من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ القِسْمُ الأوَّلُ والثاني بنَوْعَيْهِ، فإنهم لا يعْتَمِدُونَ على أحدٍ سِوَى اللَّه في جَلْبِ المنَافِعِ ودَفْعِ المضَارِّ. واعلم أن التَّوَكُّلَ أحدُ شَقَّي الدِّينِ، فإن الدين مُكَوَّنٌ منْ أمْرَيْنِ: من عِبَادَةٍ واسْتِعَانَةٍ، كما قال : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وهذا كثيرٌ في القُرآنِ؛ لأن العبادةَ

стр. 352

لا تَكُونُ إلا بفعلٍ مِنَ العَبْدِ وبمَعُونَةٍ مِنَ اللَّه ، ويجبُ على المرءِ عِنْدَما يتَعَبَّدُ للَّه أن يكونَ مُعْتَمِدًا على ربِّهِ؛ لأن اللَّه لو وَكَلَهُ إلى نفْسِهِ لوكَلَه إلى ضَعْفٍ وعَجْزٍ وعَوْرَةٍ، فلا يستَطِيعُ أن يقومَ بما أوْجَبَ اللَّه عليه. قوله: [﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فيَرْزُقُهم مِنْ حيثُ لا يَحْتَسِبُونَ]: هذه الجملةُ من المُفَسِّر ﵀ لا تُناسِبُ التَّوَكُّلَ؛ لأن الذي يُنَاسبُ التوكُّلَ أن يقول: فيكونُ حَسْبُهُم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أما الرِّزْقُ من حيثُ لا يَشْعُرُ فيُنَاسِبُه التَّقْوَى لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وفرْقٌ بينَ الأمْرَينِ، لكنَّ المُفَسِّر ﵀ أتى بهذه الجُملةِ توطِئةً لما بعدها، وهو قوله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، وإلا فبالنظَرِ إلى الآيةِ المفَسَّرَةِ لا يناسِبُها هذا القولُ. لو قال قائل: التوَكُّل ينَاسِبُه الرِّزْقُ؛ لأن النَّبِيَّ ﷺ يقولُ: "لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَما يَرْزُقُ الطَّيْرُ. . . " الحديث (١)، فكيفَ الجوابُ عن هذا؟ فالجواب: معْنَى الحديثِ لو تَوَكَّلْتُمْ علَى اللَّه في طَلَبِ الرِّزْقِ، لكِنَّ التَّوَكُّلَ المطْلَقَ هو أن يكونَ اللَّهُ حَسْبَهُ، فيقول: حَسْبُنَا اللَّهُ ونَعْم الوكيلُ. فهل اللَّه يكونُ وَكِيلًا ومُوَكِّلًا؟ الجواب: نعم يكون اللَّه وكيلًا، وهذا كَثيرٌ في القُرآنِ، وقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٣]، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩].

стр. 353

ويكونُ اللَّهُ مُوَكِّلًا، قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وليس التوكيلُ مِنَ اللَّه كتَوْكِيلي لفلانٍ وفلانٍ؛ لأن تَوْكِيلي لفلانٍ وفلان إما لعَجْزِي أو لتَّقْصِيرِي أو ما أشبه ذلك، لكنَّ تَوْكيلَ اللَّهِ بمعنى أن اللَّه يجعلُ هؤلاءِ هُمُ القائِمُون بها, لا أنه عاجزٌ. وبعض الناس مِنَ العَوامِّ إذا وكَّلْتَهُ بشيءٍ قال: (وكِّلِ اللَّه)، ولا بأس بمثل هذه العبارة، وقوله: (وكِّلِ اللَّه) يعني: اجْعَله حَفِيظًا، واللَّه حفيظٌ على كلِّ شيءٍ، وليس معناها أنه هو اللَّه، بل المعنى: اجعلِ اللَّه وَكِيلًا وحَارِسًا، أي: حَفِيظًا، وأني سأقومُ بالأمَانَةِ؛ لأن اللَّه تعالى لا يَغِيبُ عنه شيء، وهو عَليمٌ بكُلِّ شيءٍ. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: وجوبُ إفرادِ اللَّهِ بالتَّوَكُّلِ والاعتمادِ، لقولِهِ: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. الفَائِدةُ الثَّانِية: ينْبَغِي للصابِرِ أن يعتَمِدَ على ربِّهِ في صبرِهِ، لقوله : ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، وفائدةُ اعتمادِهِ في صَبر على رَبِّهِ: أولًا: الثَباتُ على ذَلِكَ، فإن اللَّه يقولُ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. ثانيًا: أن صَبْرَهُ يكون عبادةً؛ لأن بعضَ الناس يَصْبِرُ ويتَجَلَّدُ على حَدِّ قول الشاعرِ (١):

стр. 354

وَتجلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهُمْ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أتَضَعْضَعُ هذا الصَّبْرُ لا شك أنه خلق جميلٌ، لكنه لا يُثابُ عليه، وإنما يُثابُ على الصبْرِ المقرونِ بالتَّوَكُّلِ على اللَّه ، فهو الذي يكونُ فيهِ الثَّوابُ والأجْرُ. الفَائِدةُ الثَّالِثة: كفايةُ اللَّهِ لأنه لا يَتَوَكَّلُ إلا عَلَى مَنْ هو كافٍ. * * *

стр. 355

الآية (٦٠) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٦٠]. * * * قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَأَيِّنْ﴾ كَمْ]: على هذا تكونُ خَبَرِيَّةً، يعني: وكَمْ من دَابَّةٍ، أي: كثيرٌ مِنَ الدَّوابِ. والدابَّةُ في اللغة العربية: كل ما يَدُبُّ على الأرضِ، سواء مَشَى على بَطْنِهِ أو على رِجْلَينِ أو على أربعٍ، أما في العُرْفِ فهي لذَواتِ الأربعِ فقط، فلا تَشْمَلُ ما يَمْشِي على بَطْنِهِ ولا ما يمْشِي على رِجْلين، ولا على ما يمْشِي على سبعٍ وسبعين، وهي دابة عِنْدَنا تُسَمَّى أم سبعٍ وسبعين، وهي مثلُ الدُّودَةِ تَمْشِي ولها أرجلٌ كثيرةٌ -سبحان اللَّه! - وقد أخْبَرَنِي بعضُ الطُّلابِ أنهم عَدُّوا هذه الأرجلَ فوجَدُوها فوق الخَمسين ودونَ السِّتِّين، ولعله نوعٌ آخَرُ أو لعل هذه التسمية على سبيلِ المبالَغَةِ الظاهِرَةِ. لو قال قائل: هل السيارةُ تُسَمَّى دابَّةٌ؟ فالجواب: لا تُسَمَّى دابة؛ لأن الدابَّة هي التي تَدُبُّ بنَفْسِهَا، أما السيارةُ فلا تَدُبُّ بنَفْسِهَا بل بسائِقِهَا، وقد تَدْخُلُ السيارة في الفَلكِ لأنها مِثْلُ السَّفِينَةِ لصاحبِهَا.
следующие страницы →