← Тафсир

Тафсир · id 21808

تفسير العثيمين: الروم

ابن عثيمين

Полный текст (333 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهَلِ المودَّةُ في أوَّلِ الحياةِ الزَّوجِيَّةِ والرَّحمَةُ بعْدَ الأوْلادِ؟ هَذَا خِلافُ الظَّاهِر؛ لأَنَّ الظّاهِرَ أنَّ المودَةَّ والرّحمَةَ مُقتَرِنَانِ. وهَلْ يُتبادَلانِ بَعْد العَقْدِ أوْ بعْدَ الاتِّصالِ أوْ بعْدَ المعامَلَةِ؟ الجوابُ: هَذا يَرْجعُ إِلَى ما يَجْرِي بيْنَ الزَّوْجَيْنِ، أمَّا المودَّةُ فالظَّاهِرُ أنَّها تكُونُ مِنْ قبْلُ، مِنْ حِين أنْ يَخْطُبَ المَرْأَةَ وتُوافِقَ، لا تنْشَأُ هَذِهِ الخطْبَةُ والموافَقَةُ إِلَّا عنْ مودَّةٍ، لكنَّها تنْمُو وتَزِيدُ بحسَبِ الاتِّصالِ. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: : الفائِدَةُ الأولَى: رحْمَةُ الله ﵎ بِنا حيْثُ جعَل أزْوَاجَنا مِنْ أنْفُسِنا، أيْ مِنْ جِنْسِنا، فَفِيها نعْمَةُ الله لكَوْنِ الأزْوَاجِ مِنَ الأنفُسِ، أيْ مِنَ الجِنْس ليتَحَقَّق بِذَلِك أغراضُ النكّاحِ ومقاصِدُه. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أنَّ مِن أهَمِّ أغْرَاضِ النِّكاح ومقاصِدِه السُّكُونَ إِلَى الزّوجَةِ، والاطْمِئْنانَ إلَيْها والحياةَ مَعها حيَاةً سَعِيدَة، فالحِكْمَةُ مِن الزَّوجيَّةِ هِي السُّكونُ، أيْ سُكُونُ أحدِ الزَّوْجَيْنِ إِلَى الآخَرِ، ويتفرَّعُ عَلَى ذَلِك أنَّه لَوْ حَصَلَ التَّنافُرُ فإِنَّ مِن الحِكْمَةِ التَّفريقَ بَيْنَهُما؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، فإِذا فاتَتْ هَذهِ الحكْمَةُ فإِنَّهُ لا زَواجَ؛ ولِهَذا لما فاتَتِ الحكْمَةُ بيْنَ ثابِتِ بْن قيْسٍ وزوجَتِه قالَ الرّسولُ ﷺ : "خُذِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا" (١)، وكيْفَ يُمْكِنُ أنْ تسْتَمِرَّ الزَّوجِيَّةُ بينَ زوجَيْنِ يتباغَضَان ويتنَافرانِ وكُلُّ واحدٍ منْهُما يُحبُّ أنْ يَرى المَوْتَ ولَا يَرَى صاحِبَه؟ ! فالإِنْسَانُ إِذا رأَى عدَم السُّكونِ ولَمْ تلْتَئِمِ الحالُ يَنْبَغِي لهُ أنْ يُفارِقَ، ولِهَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ إِنَّ

стр. 107

الطَّلاقَ يُستَحَبُّ لتَضَرُّر المرأةِ بالبَقاءِ مَع الزَّوجِ، فلَو كانَتْ تتضَرَّرُ ولا تسْتَأْنِسُ معَ الزَّوج لَا ينْبَغِي أنْ يُكْرِهَها عَلَى أنْ تَبْقى مَعَهُ، فإِنَّ بعْضَ النّاسِ - والعياذُ باللهِ - يُكْرِهُونَهنَّ عَلَى البقَاءِ أو يَعْضِلُونَهُنَّ لأجْلِ أنْ يفْتَدِينَ ويُسَلِّمْنَ مبالِغَ مِن المالِ مِنْ أجْلِ أنْ يُطلِّقَها، كُلُّ هَذا حرامٌ، والَّذي ينْبَغي إِذا رَأَيْتَ مِن الزّوْجَةِ أنَّها لا تسْتَطِيعُ أنْ تعِيشَ معَك عِيشَة سَعِيدَةً فيَنْبَغي لكَ أنْ تُطلِّقَها، والنّبيُّ ﷺ يقولُ: "مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمنٍ كرْبَةً مِنْ كربِ الدُّنْيَا فَرَّجَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كرب يَوْمِ القِيَامَةِ" (١)، ويقولُ ﷺ : "وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" (٢)، وَفي القُرْآنِ ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فأَنْتَ إِذا نَوَيْتَ الخيْرَ بالتّوْسِعَةِ عَلَى هَذِهِ المَرْأَةِ وفارَقْتها فلعَلَّ الله تَعالَى أنْ يُيسّرَ لكَ الأمْرَ بِحُصولِ زوْجة تألفُها وتألفُك. المُهِمُّ: أنَّ مِن أهَمِّ أغْراضِ النِّكاحِ السّكونَ والطُّمأنِينَةَ إِلَى الزَّوجَةِ والحياةَ حياةً سعِيدةً. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: ما ألقَى الله تَعالَى في قُلوبِ الزَّوجَيْنِ مِن المودَّةِ والرَّحَّمةِ، هَذَا مِنَ الآياتِ العظِيمَةِ، امْرأةٌ لَا تعْرِفُها إلَّا بالذِّكر عنْدَ خِطْبَتِها وليْسَ بيْنَك وبيْنَها قرَابَةٌ ثمَّ يَجْعَلُ الله بيْنَ قُلوبِكُما مِنَ المودَّةِ والرَّحْمةِ مَا يرْبُو أحْيَانًا عَلَى مودَّةِ الأُمِّ والأَبِ، وَهَذا لا شَكَّ أنَّه مِنْ آيَاتِ الله؛ ولِهَذا قَالَ الله تَعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]، جَعَلَ الله في هَذِهِ الآية الصَّهر قَسِيمًا لِلنَّسبِ، يَعْني كأنَّ البشَرِيَّةَ إمَّا مُصاهَرَةٌ وإمَّا قرابَةُ نَسَبٍ.

стр. 108

الفائِدَةُ الرّابعةُ: أنَّ المودَّةَ لا تُنالُ بالكَسْبِ، يعْنِي أنَّ الله قَدْ يجْعَلُها فِي قلْبِ الإنسانِ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، يعْني أنْتَ لوْ أرَدْتَ أن تُجْبِر نفسَكَ عَلَى محبَّةِ شَيْءٍ واللهُ لم يجْعَلْ في قلبِكَ مودتَه فلَنْ تحبَّه، ولِهَذا مَنَّ الله عَلَى المؤْمِنينَ بقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ [الحجرات: ٧]، وأنْتَ تقُولُ فِي الدُّعاءِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أسْألُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ العَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُ إِلَى حُبّكَ" (١). إِذَنْ: فالمودَّةُ يُلقِيها الله فِي القَلْب، فأنْتَ ينْبَغِي لَك أن تَسْأَل الله دَائِمًا أنْ تَكُونَ محبّتك للهِ وِفي الله لِتكُونَ المحبَّةُ بِاللهِ. الفائِدَةُ الخامسةُ: أنَّ مَا ذُكِر ليْسَ آيَةً واحِدَةً؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾، ثمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾: أولًا: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، ثانِيًا: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فتكونُ آياتٍ متعدِّدَةً. الفائِدَةُ السادسةُ: وُجوبُ التّراحُمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَرَحْمَةً﴾. وهَلْ يُؤخَذُ منْهَا وُجوبُ معالجَةِ الزَّوجَةِ إِذا مَرِضَتْ لأنَّهَا مِنَ الرَّحمَةِ؟ الفقهاءُ يقُولونَ: لَا يَجِبُ أنْ تُعالِجَها، ولَا يَجِبُ أنْ تُعطِيها قِيمَةَ الدَّواءِ؛ لأَنَّ هَذا ليْسَ مِن النّفَقَةِ، وكَوْنُ الله يجْعَلُ بيْنكم رحمَةً ليْسَ معْنَاهُ أنْ يُلْزِمَك بِشَيْءٍ لَا يلْزَمُكَ، إِنَّما هَذا بَيَانٌ للوَاقِع وَهَذا صَحِيحٌ، فالرَّحمَةُ تُوجَدُ لكِنْ هَل تلْزَمُه؟ هَذا محَلُّ نظَرٍ؛ ولِهَذا قالَ الفُقهاءُ أنَّه لا يَلْزَمُ الدَّواءُ وأُجْرَةُ الطَّبيبِ، وبعْضُ العُلَماءِ يقُولُ: يَلْزَمُ إِلَّا إِذا كانَ الشّيْءُ كثِيرًا يجْحَفُ بِمَالِه فإِنَّهُ لَا يلْزَمُه.

стр. 109

الفائِدَةُ السابعةُ: إثْبَاتُ حِكْمَةِ الله وقدُرَته ورحْمَتِه أيْضًا، حيْثُ جعَل بَيْنَ الزَّوجَيْن مودَّةً ورحْمَةً. الفائِدَةُ الثَّامنة: الرَّدُّ عَلَى الجهْمِيَّةِ وَكَذلِكَ الأشَاعِرَةِ الَّذِين ينْفُونَ حكْمَةَ الله ، وأمَّا المُعتَزِلَةُ فإنَّهم يغْلُونَ فِي إثْبَاتِ الحكْمَةِ؛ ولِهَذا يرَوْن أنَّه يجِبُ عَلَى الله فِعْلُ الأصْلَحِ أوِ الصَّلاحِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: المُبتَدِعَةُ في ردِّهم للصِّفاتِ هَلْ هُمْ يبْنُونَ عَلَى مقدِّماتٍ عقْلِيَّةٍ متَّفَقٍ عليْهَا بيْنَهُم، أمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ منْهُم يُعَلِّلُ بعَقْلِه؟ قُلْنَا: بِعَقْلِه، كُلُّ واحدٍ منْهُم يُعَلِّلُ فيخْتَلِفُونَ في تعْلِيلِ هَذا الرَّدِّ، أحْيَانًا يقُولُونَ أنَّه يستَلْزِمُ الجسْمِيَّةَ، ولكنَّ غالِبَ ما يدُورُونَ أنَّها مستَلْزِمَةٌ للتَّمْثِيلِ، فيَخْتَلِفُونَ فِي الطُّرُقِ الموَصِّلة إلَيْه. الفائِدَةُ التاسعةُ: الثَّناءُ عَلَى التَّفْكِير؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فإِنَّ هَذا واضِحٌ أنَّه محَلُّ ثنَاءٍ لَهُم. الفائِدَةُ العاشرة: الحثُّ عَلَى التّفكُّر، تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ لأَنَّ التّفَكُّرَ مِفْتَاحُ العِلْمِ، ولَا يُمْكِنُ عِلْمٌ بلا تفَكُّرٍ أبدًا، تفَكَّرْ أولًا، لتَعْلَمَ، فالتّفْكِيرُ ينْفتِحُ بِه أبوابٌ كثِيرةٌ يعْرِفُ الإنسانُ بِها مْن أحكَامِ الله وحِكَمَهِ ما لا يَحْصُل لَهُ لَوْ لم يُفَكِّرْ؛ لأنَّهُ خصَّ الآياتِ بالقَوْم الَّذِين يتفكَّرُون، فدَلَّ هَذا عَلَى أنَّه يحْصُل بالتّفكُّرِ مِن الاطِّلاع عَلَى أحكَامِ الله وحِكَمِه ما لا يحْصُل بالغفْلَةِ. التّفكُّر يكُونُ في آيَاتِ الله، أيْ مخلُوقاتِه ومشْرُوعاتِه؛ لأَنَّ الآيَاتِ كَما سبَق إمَّا كَونيَّةٌ، وإِمَّا شرعِيَّةٌ، يحْصُل التّفكُّر فِي صفاتِ الله مِن وَجْه المَعْنى، أمَّا مِن حيْثُ

стр. 110

الكيفيَّةُ فَلا يَجُوزُ التّفكُّرُ في الصِّفاتِ؛ لأَنَّ ذَلِك محاوَلَةٌ لما لَا يُمْكِنُ الحصولُ علَيْهِ؛ ولِهَذا قَال الإِمَامُ مالِكٌ ﵀: "السُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ"، فَلا يجُوزُ أنْ نتفَكَّر في كيْفِيَّةِ صفَةٍ مِن صفاتِ الله، بلْ نتفَكَّرُ في المَعْنى دُونَ الصِّفَة. ومثْلُه التّفَكُّر في ذَاتِ الله ، فلا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ محُاوَلةٌ لما لَا يُمْكِنُ الوُصولُ إِلَيْهِ، ثمَّ التّفْكيرُ في هَذهِ الأمُورِ يجُرُّ إِلَى بَلايَا ومهَالِكَ، والَّذي ضَرَّ مَنْ ضُرَّ مِن أهْلِ التّعْطِيل وأهْلِ التَّشبيهِ هُو محاوَلَتُهم الوصولَ إِلَى الكَيفيَّة؛ فلِهَذا آلَ بِهِمُ الأمْرُ إِلَى التَّعْطِيلِ أو التَّمْثيلِ. والمُهِمُّ: أنَّ التّفَكُّرَ يكُونُ في مخلُوقاتِ الله وفِي مشْرُوعاتِهِ وفِي معَانِي أسمَائِه وصِفَاتِهِ، أمَّا في ذَاتِه وكيفيَّةِ صفَاتِه فإِنَّهُ لا تفَكُّر، وَذَلِكَ لأنَّه مهْما بلَغ الإنسانُ فإنَّ الفِكْر سيَرْجعُ خاسِئًا وهُو حَسيرٌ، والإعْراضُ عنْ هَذا هُو الوَاجِبُ، كَما قَال الإِمَامُ مالِكٌ ﵀. * * *

стр. 111

الآية (٢٢) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ أَيْ لُغَاتكُمْ مِنْ عَرَبِيَّة وَعَجَمِيَّة وَغَيْرهَا ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ مِنْ بَيَاض وَسَوَاد وَغَيْرهمَا وَأنتُمْ أَوْلَاد رَجُل وَاحِد وَامْرَأَة وَاحِدَة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ دَلَالَات عَلَى قُدْرَته تَعَالَى ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ بِفَتْحِ اللَّام وَكَسْرهَا أَيْ ذَوِي العُقُول وأولي العلم] اهـ. اعلَمْ أنني راجَعْتُ الكثير من التَّفاسِير فَمَا وجَدْتُ الحِكمَة في أنَّه يقُولُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ﴾، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾، يعْنِي ما رأَيْت أحدًا بَيَّن الحِكْمَة فِي كوْنِه يأْتِي مرَّةً بالمَصْدَرِ، ومرَّةً بِـ (أَنْ) الدّاخلَةِ عَلَى الفِعْل، هِي تُؤَوَّلُ بمصْدَرٍ، لكَنْ هَل نقُول إِنَّ هَذا مِنْ بَابِ الاخْتِلاف في التّعْبير المُراعَى بِه جانِبُ اللَّفْظ، أوْ أنَّه مِن بابِ التَّعبيرِ المُراعَى بِه جانِبُ المَعْنى؟ فَإِنْ قُلنا أنَّه مِن بَابِ التَّعبير المُراعَى به جَانِبُ اللَّفْظُ فالأَمْر بَسِيطٌ، ونَقُول إِنَّ الله تَعالَى غايَرَ بَيْن العِباراتِ لأَجْلِ أنْ لَا يَمَلَّ السَّامِعُ إِذا كَان الكَلامُ عَلَى وَتِيرَةٍ واحِدَةٍ؛ لأَنَّ الاخْتِلافَ في التَّعبِيرِ ممَّا يَزِيدُ الإنسانَ نَشاطًا وتجَدُّدًا، أمَّا إِذا قُلْنا إِنَّ هناكَ أمْرًا معنَوِيًّا فأنَا إِلَى الآنَ مَا عرَفْتُه، ولا ذَكرَه الزّمخشَرِيُّ ولَا أَبُو السُّعودِ، ولَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يتكلَّمُونَ عَلَى مثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ.

стр. 112

قوْله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ خبَرٌ مقَدَّمٌ، و ﴿خَلَقَ﴾ مبْتَدأٌ مؤَخَّرٌ، وخلْقُ السَّمواتِ: أيْ إيجادُهَا بتَقْدِيرٍ ونظامٍ بدِيعٍ، وَهَذا يشْمَلُ خلْق هَذهِ السّموات باعْتِبارِ كَوْنِها أجْرَامًا عَظِيمَةً وباعْتِبارِها مصْلَحةً للعْبَادِ، فهَذا مِن آياتِ الله، فمِنْ آيَاتِه العَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِه ورَحْمَتِه وحِكْمَتِه خَلْقُ السّموَاتِ وَالأرْضِ، والسَّمواتُ جمْعٌ وجَمْعُها ظَاهِرٌ لأنَّهَا سبْعُ سمَواتٍ، والأرْضُ مُفْرَدٌ، ولكِنَّ المُرادَ بِه الجِنْس؛ لأَنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الأرَضِينَ سبْعٌ، والدَّلِيلُ قوْله تَعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، والمِثْلِيَّةُ هُنا لَا يُمْكِنُ أنْ تكُونَ فِي الصِّفَةِ أبَدًا، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ تكونَ الأرَضونَ مثْلَ السّموَاتِ فِي الصّفةِ لِظُهورِ الفَرْقِ التَّامِّ بَيْنَهُما، فإِذا تعذَّرَتِ الصِّفَةُ رجَعْنا إِلَى العَدَدِ، أيْ ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ فِي العَدَدِ، ثمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةَ ذَلِك صَرِيحًا، مثْلَ قولِه ﷺ في الحديث الصَّحِيح المُتَّفَق علَيْهِ: "طَوَّقَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١). وقوله ﵀: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾: أيْ لُغَاتِكُمْ مِنْ عَرَبِيَّةٍ وَعَجَمِيَّةٍ وَغَيْرِهَا]: اختلاف معطُوفَةٌ عَلَى (خلْق) يعْنِي ومنْ آيَاتِه أيْضًا اختِلافُ ألسِنَتِكُم، وصَحِيحٌ أنَّ اختِلافَ الألسِنَةِ مِن آيَاتِ الله بحسَبِ اللُّغاتِ عرَبِيَّةً وعجَمِيَّةً وغيْرَها، إِنْ أرَدْنا بَالعَجَم اسْم القَوْمِ الخاصِّ، فكَلِمَةُ (غيْرَها) صحِيحَةٌ، وإِذا أرَدْنا بِالعَجَمِ مَنْ سِوى العَرَبِ فإنَّ قوْلَه: (وَغَيْرَهَا) ليْسَ بِصَحِيحٍ، وَهَذا هُو الأَفْضَلُ أنَّه يُقَال: (عَرَبٌ وَعَجَمٌ) ويُراد بالعَجَم مَا سِوى العَربِ، فيَشْمَلُ جَمِيعَ لُغاتِ العالَم، ثمَّ إنَّ اختِلافَ الألسِنَة أيْضًا قَدْ نُنْزِلُه عَلَى اختِلَافِ اللُّغَة نفسِها، واخْتِلافِ النُّطقِ نفْسِه، فأَنْتَ تَرى الإنْسَانَ ينْطِقُ بخُروجِ الهَواءِ مِنَ الرِّئَتَيْنِ، ثمَّ مُرورهِ عَلَى

стр. 113

مخَارِجِ الحُروفِ، كُلَّما مَرَّ عَلَى مخْرَجٍ تغَيَّر والهَواءُ واحِدٌ، فإذَا مَرَّ عَلَى مخْرَجِ الصَّادِ صَار صَادًا، وإِذَا مرَّ عَلَى مخْرَجِ الجِيمِ صَار جِيمًا، وَإِذا مَرَّ عَلَى مخْرَجِ الدَّالِ صارَ دالًا، مَع أنَّ الهواءَ واحِدٌ، ثمَّ إنَّه أيْضًا لَا يحْتَاجُ إِلَى عمَلِيَّةٍ؟ فهَل نَجِدُ تَعبًا بنَقْلِ البَاء إِلَى النُّونِ إِلَى القَافِ إِلَى اللَّام، فَهُو شَيْءٌ واحِدٌ ومَع ذَلِك تجِدُ الحُروفَ تتَنَوَّعُ بمُرورِها عَلَى هَذهِ المخَارِج، فَهذا أيْضًا مِنْ آيَاتِ الله العظيمَةِ، وهُوَ دَاخِلٌ في قوْلِه تَعالَى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾. فاخْتِلافُ الألسِنَة أيْضًا مِن آيَاتِ الله ووجْهُ ذَلِك أنَّ هَذِهِ الألسُنَ مِن نوعٍ واحِدٍ، أوْ مِن جنْسٍ واحِدٍ، كلُّنا بشَرٌ، وكلُّنا مِن أَبٍ واحِدٍ، ومَع ذَلِك تخْتَلِفُ الألسُن اختِلَافًا عظِيمًا، كَذَلِكَ أيْضًا هُوَ مِنْ آيَاتِ الله لأَنَّ كلَّ إِنْسَانٍ يعرِفُ جنسَه بلُغَتِه، أنا أعْرِفُ مثَلًا أنَّ هَذا هنْدِيٌّ، وَهَذا تُرْكِيٌّ، وَهَذا إنجْلِيزِيٌّ، وَهَذا ألمانِيٌّ، وَهَذا رُوسِيٌّ، بسَبَب لُغَتِه، وَهَذا أيْضًا مِن آيَاتِ الله أنْ جعَلَها دَلِيلًا عَلَى جِنْسِ الإِنْسَانِ. وقوْله : ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ يشْمَلُ أصْلَ اللُّغَة، وَيشْمَلُ اللَّهَجاتِ، ويشْمَلُ السَّلامةَ مِن العُيوبِ، ويشْمَلُ العُيوبَ أيْضًا، ويشْمَلُ الفصاحَةَ، ويشْمَلُ العِيَّ؛ لأَنَّ بعضَ النَّاس يُعَبِّر عنِ المَعْنى تعْبِيرًا يسْتَطِيعُ الإقْنَاع إِذا أرَاد أنْ يُقْنِع، ويسْتَطِيعُ التّنْفِيرَ إِذا أرَادَ أنْ يُنَفِّرَ، وبعْضُ النَّاس عنْدَه عِيٌّ بحيْثُ أنَّه لا يسْتَطِيعُ أنْ يُعَبِّرَ حتَّى عنِ المَعْنى الصَّحيحِ حتَّى أنَّه إذَا عبَّر عن المعَانِي الَّتي يُريدُها، رُبما لا تُقبَلُ منْهُ لضعف تعْبيرِه، يعْنِي لا تَظُنَّ أنَّ اخْتِلافَ الألسِنَة فقَط في جِنْس اللُّغَةِ، لا بَلْ بِكُلِّ هذَا، فأجْنَاسُ اللُّغاتِ مِن آيَاتِ الله ، وكوْنُ هَذا الإنسانِ ينْطِقُ بالحُروفِ نُطْقًا تَامًّا، هَذا مِنْ آيَاتِ الله، والثَّاني بالعَكْس ينْطِقُ بِها عَلَى وجْهِ اللَّثْغَةِ أوْ يتثَاقَلُ أوْ مَا أشْبَه ذَلِك، كَذَلِكَ أيْضًا قدْ نَقُولُ: إنَّ مِن اخْتِلافِ اللِّسانِ اختلافَ

стр. 114

الأصْوَاتِ، فهَذا صوْتُه جَيِّدٌ، وَهَذا حسَنٌ، والآخَرُ بالعَكْسِ، كَذَلِكَ مِن اخْتِلافِ الألسُن الفصاحَةَ وعدَمَها، فإِنَّ مِن النَّاسِ مَن يُعطِيهُ الله تَعالَى بلَاغَةً فِي الكَلامِ وحُسْنَ أدَاءٍ حتَّى أنَّه يؤدِّي إلَيْك المَعْنَى بعِبارةٍ واضحَةٍ تفْهَمُها مِن أوَّلِ مرَّةٍ ومنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ بالعَكْسِ فجَمِيعُ مَا يمْكِنُ أنْ يَرد عَلَى اخْتِلَافِ اللِّسانِ فإِنَّهُ داخِلٌ في كوْنِه مِنْ آيَاتِ الله . وقوْلُه ﵀: [﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ مِنْ بَيَاضٍ وَسوَادٍ وغَيْرِهِمَا]: هَذا صحِيحٌ، اخْتِلافُ الألوانِ مِن بَياضٍ وسَوَادٍ وغَيْرهما، أيْ مَا بيْنَ السَّوادِ والبَياضِ يعْنِي أسْودُ خالصٌ، وأَبْيضُ خالصٌ، ومَا بَيْنَهُما هُو غيْرُهما، وَهَذا أيْضًا مِن آيَاتِ الله؛ وَلِهَذا لا تَكَادُ تَجِدُ اثْنَيْنِ متَّفِقَيْنِ فِي اللَّوْنِ أبَدًا حتَّى لَوْ كَانا توْأَمَيْنِ لا بُدَّ أنْ يكُونَ هناكَ اختْلافٌ، لكِنْ منْهُ ما يكُونُ ظاهِرًا، ومنْهُ مَا يكُونُ غَيْرَ ظاهِرٍ، إمَّا بمَيْلِه إِلَى الحُمْرَةِ أو إِلَى السَّوادِ أوْ إِلَى البَياضِ، أوْ يكُونُ الجلْدُ ليْسَ عَلَى وتِيرَةٍ واحَدَةٍ، وَهَذا شيْءٌ مُشاهَدٌ، فالرَّجُل الأبْيَضُ الأُوربِّي بيْنَه وبَيْن الرَّجُل الأسْوَد الَّذي عَلَى خطِّ الاسْتِواءِ فرْقٌ شاسِعٌ، ومَا بَيْن ذَلِك درَجَاتٌ متفاوِتَةٌ، لكِنْ لَا تكَادُ تَجِدُ اثْنَيْن عَلَى لوْنٍ واحِدٍ، هَذا مِنَ الحكْمَةِ؛ لأنَّهُ لوْلَا هَذا لَكَانَ النَّاسُ يختَلِفُ بعْضُهم عَلَى بعْضٍ، وربَّما طَالبُوا بحقُوقِهم مَنْ ليْسَ لهُمْ عنْدَه حقٌّ لمجرَّدِ الشَّبَهِ. ويُقالُ أنَّ الله جعَل لكُلِّ إِنْسَانٍ أرْبَعِينَ شَبِيهًا، ولَكِنْ لَا أظُنُّ أنَّ هَذا يَصِحُّ، بَلْ إِنَّهُم يقُولونَ إنَّ البَصماتِ الَّتي في الأنَامِل تخْتَلِفُ، كُلُّ واحِدٍ لَهُ بصَمَاتٌ عَلَى شكْلٍ لَا يُوافِقُ الآخَرَ وَهَذا هُوَ الظَّاهِرُ، ولِهَذا تُعْتبَرُ البَصماتُ فِي التَّحْقِيقاتِ الجنَائِيَّةِ، ممَّا يدُلُّ عَلَى أنَّها تخْتَلِفُ قطْعًا، وَهَذا ممَّا يدُلُّ عَلَى قدْرةِ الله هَذا الاخْتِلافَ العظيمَ، ملَايِينُ المَلَايينِ مِنَ البَشَرِ، ومَع ذَلِك كُلُّ إِنْسَانٍ لَا يُمْكِنُ أنْ يُطابِقَ الآخَر

стр. 115

مِنْ كُلِّ وجْهٍ، لَا بُدَّ أنْ تَكُونَ هُناكَ علامَةٌ فارِقَةٌ. قولُه ﵀: [وَأنْتُمْ أَوْلَادُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ]: صحِيحٌ، نحْنُ أوَّل مَا نشَأْنا مِن آدَم وحواء، ومَع ذَلِك نخْتَلِفُ هَذا الاخْتِلافَ العظِيمَ في الألوانِ، ولَمْ يذْكُرِ الله الاخْتِلافَ في الأَجْسامِ مَا بَيْنَ صَغيرٍ وكَبيرٍ ومتَوسِّطٍ؛ لأَنَّ القُدْرَة عَلَى خَلْقِهم باخْتِلافِ ألوَانِهم أبْلَغَ مِنَ القُدْرَة باخْتلَافِ خلْقِهم عَلَى كِبَرِ أجْسَامِهِم وصِغَرِها؛ ولِهَذا ذَكر الألسِنَةَ والألوانَ. قولُه ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ دَلَالَاتٍ عَلَى قُدْرَتِه تَعالَى ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ بِفَتْحِ اللَّامِ وكَسْرِها، أَيْ ذَوِي العُقُولِ وأُولِي العِلْمِ]: بفَتْح اللَّام وكسْرِها، يعْنِي يجوزُ أنْ تَكونَ (لِلْعَالِمِينَ) و (لِلْعَالمينَ)، والقِراءتَانِ سبْعِيَّتانِ (١)، لأَنَّ قاعِدةَ المُفَسِّر ﵀ إِذا ذَكَر الوَجْهَيْن فهُما قِراءَتانِ سبْعِيَّتَانِ، أمَّا إِذا قَال: (وقُرِئ) فالقِراءَةُ شاذَّةٌ. وقوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ أو "للعالَمين"، العالمِون ذووُ العِلْم، والعالَمون جمعُ عَالَمٍ، يعْنِي الخلْقَ، وهَلْ نأخُذُ مِنَ اخْتِلافِ القرَاءَتَيْن أنَّ المرادَ بالعالمَين ذوي العلْم؛ لأَنَّ العالمَين أعمُّ مِن العالمِين؛ لأَنَّ العالمِين تختَصُّ بذَوي العِلْم، والعالَمِين عامَّةٌ لَهُم ولغَيْرِهم، فهَل نقُولُ: إنَّ الآيَة تدُلُّ عَلَى أنَّ هَذا فِيه آيَاتٌ للعالمِين، أوْ نقُولُ إِنَّ الآيَاتِ للعالَمِين كلِّهم العالِم وغَيْرِ العالِم، ولكنَّ العالم لَهُ مزيَّةٌ، فتكُونُ دالَّةً عَلَى أنَّ اخْتِلافَ الألسُنِ والألوانِ أمْرٌ معْلُومٌ لكُلِّ أحَدٍ، لكنَّ مَا ورَاء ذَلِك الظَّاهرِ أمرٌ لا يعْلَمُه إِلَّا أهْلُ العِلْمِ، ويكُونُ فِي الآيةِ إشَارَةٌ إِلَى أنَّه ينْبَغي لنَا أن نتَعَمَّقَ فِي هَذا الأمرِ حتَّى يتبَيَّنَ لنا بعلْمِنا ما ليْسَ بائِنًا لغيْرِنا، وَهَذا هُو الأحْسَنُ.

стр. 116

من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: أنَّ خلْقَ السَّموَاتِ وَالأرْضِ مِن آيَاتِ الله، ووَجْهُ كَوْنِه مِن آيَاتِ الله عِظَمُهما واتِّساعُهما ومَا فِيهما مِنَ الكَواكِبِ والنُّجومِ والأَشْجارِ والبِحارِ والأَنْهارِ وغَيْرِ ذَلِكَ، كُلُّه مِنْ آيَاتِ الله الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَتِه وقُدْرَته. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أنَّ السَّمواتِ جمْعٌ والأرْضَ كَذَلِكَ، لكِنْ ليْسَ فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا، إِنَّما يُسْتَفادُ كَوْنُ الأرْضِ جَمْعًا مِن أدِلَّةٍ أُخْرَى. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ اختِلافَ الألسُنِ والأَلوانِ مِن آيَاتِ الله أيْضًا، وهلِ اختِلافُ الألسُنِ والألوانِ هُو بِطُولِ اللِّسَانِ وقِصَرِه، أوِ المُرادُ اختلافُ اللُّغَة؟ المُرادُ اختِلافُ اللُّغاتِ واخْتِلافُ الفَصاحَةِ والبَيانِ؛ فإِنَّ النَّاسَ يخْتَلِفُون فِي هَذا اختِلافًا عظِيمًا، تَجِدُ المَعْنى الوَاحِدَ يتكَلَّمُ بِه إِنْسَانٌ فتَقْتَنِعُ الحاضِرونَ لقُوَّةِ بَيانِهِ وفَصاحَتِهِ، ويتَكلَّمُ فِيه آخَرُ لَا يلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ ولا يُقْنِعُهم، وتَجِدُ رَجُلَيْنِ يتكَلَّمَانِ، أحَدُهُما يشُدُّ النَّاسَ إِلَى نفْسِه، والآخَرُ يتكلَّمُ ولَا يُسْتَمَعُ إِلَيْهِ، مَع أنَّ الكَلامَ واحِدٌ والمَوْضوعَ واحِدٌ، لكِنَّ اخْتِلافَ الإلقاءِ والفصَاحَةِ هُو الَّذي جعَل النَّاسَ يتأثَّرُونَ. الفائِدَةُ الرَّابعةُ: أنَّ الألوانَ لا تتَّفِقُ، نأْخُذه مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾، ولِهَذا يقُولُ العُلَماءُ أنَّه لَا يُمْكِنُ أن يُوجد شخصَانِ متَّفِقانِ مِنْ كُلِّ وجْهٍ أبَدًا عَلَى كثْرَة النَّاسِ، حتَّى التَّوْأمانِ لا يتَّفقانِ مِنْ كُلِّ وجْهٍ، صحيحٌ أنَّ بعْضَ النَّاسِ يتقَارَبُونَ وَلا تعْرِفُ بعْضَهُم مِن بعْضٍ، لا سِيَّما إذَا كُنْتَ لَا ترَاهُما إِلَّا نادِرًا، لكِنْ عنْدَ التَّأمُّل لَا بُدَّ أنْ يكُونَ هُناكَ علَامَةٌ فارِقَةٌ، ولا تأْخُذْ بالمَلامِحِ الظّاهِرَةِ، وَهَذا مِنْ آيَاتِ الله حتَّى الأَعْضاء الآنَ لَا تظُنَّ أنَّ أعضَاءكَ متَّفِقَةٌ، فأعْضَاؤُك تخْتَلِفُ، فَكِّرْ في العُروقِ: عُروقُ اليَدَيْنِ تجِدُها مختَلِفَةً، عروقُ الرِّجْليْنِ تجِدُها مخْتَلِفَةً، البَنانُ الَّتي

стр. 117

يُسمُّونَها بصَماتٍ تجِدُها مختَلِفَةً عَلَى كثْرَة النَّاسِ، لا يُمْكِنُ أنْ يتَّفِقُوا أبدا وَهَذا دليل واضح عَلَى عظِيمِ قُدْرَةِ الله وبَالِغْ حِكْمتَه. الفائِدَةُ الخامسةُ: مدْحُ أُولِي العِلْم؛ تُؤخَذُ مِن قَوْلِه: (العالِمين) بِكَسْر اللَامِ، فإِنَّهُ يدُلُّ عَلَى فضِيلَةِ أهْلِ العِلْمِ، ولَا شَكَّ أنَّ أهْلَ العِلْمِ لَهُمْ فَضْلٌ. فالعالِمُون باللهِ وآيَاتِه لَهُم مِن الفَضائِلِ بِحَسَبِ عِلْمِهِمْ. * * *

стр. 118

الآية (٢٣) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٣]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بِإِرَادَتِهِ رَاحَةً لَكُمْ]؛ مِن آيَاته أيْضًا منَامُكُم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ - وَ (البَاءُ) هُنا بمَعْنى (فِي) - فَهِي للظَّرْفِيَّةِ - و (البَاءُ) تأتي للظَّرفِيَّةِ كَثِيرًا - ومنْهُ قوله تَعالَى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، أيْ وفِي اللَّيْلِ، فالبَاءُ فِي قَوله ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ ظَرْفِيَّةٌ. وقوْله تَعالَى: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ لَمْ يذْكُرِ الله وقتًا مُعَيّنًا مِن اللَّيْلِ، ولا وَقْتًا مُعيَّنًا مِن النَّهارِ؛ لأنَّ النَّومَ فِي أيِّ سَاعَةٍ مِن اللَّيْل أوِ النَّهارِ هُوَ مِن آيَاتِ الله، أمَّا كوْنُك يُكْرَهُ لَك أنْ تَنامَ فِي هَذا الوَقْتِ أوْ لا تَنامُ فهَذا موْكُولٌ إِلَى الشَّرعِ، وهُو مِنَ الآيَاتِ الشَّرْعيَّةِ ولَيْس مِنَ الآيَاتِ الكَوْنِيَّةِ. وقوْلهُ ﵀: [رَاحَةً] هَلْ هِي مفْعُولٌ مِن أجْلِه أوْ مفْعُولٌ لـ (إِرَادَة)، أيْ أنَّه يُرِيدُ الرّاحةَ لكُمْ؟ يحْتَملُ كلامُ المُفَسِّر ﵀ وجْهَيْن: إمَّا المَعْنى بإرَادتِه أنْ تَسْتَريحُوا، أو المَعْنى أنَّ نوْمَكُم بإِرَادَتِه راحَةٌ لكُمْ، فيُفِيدُ أنَّ النَّوْمَ ليْسَ باخْتِيارِ الإِنْسانِ، الإِنسَانُ غايَةُ مَا يفْعَلُ أنَّه يفْعَلُ الأسْبابَ الَّتي يكُونُ بِها النَّوْمُ، أمَّا أنْ يُخْرِجَ رُوحَهُ مِنْ جَسَدِه

стр. 119

حتَّى ينَامَ أوْ يرُدَّ رُوحَهُ إِلَى جسَدِه حتَّى يسْتيقِظَ فهَذا ليْس إِلَيْهِ، بَلْ هُو إِلَى الله، ولِهَذا أحْيَانًا الإِنسَانُ يُريدُ النّومَ وَيكُون عَلَى الفِراشِ ويُحَاوِلُ بقَدْرِ ما يَسْتطِيعُ أنْ ينَامَ، ثمَّ لَا ينَامُ، وأحْيَانًا يغْلِبه النَّومُ ولَوْ لَمْ يتَهَيّأْ لَه. إِذَنْ: النّومُ بإِرَادَةِ الله، وهُوَ وفَاةٌ صُغْرَى، فكَما أنَّ الوفَاةَ الكُبْرى إِنَّما تَكُونُ بأَمْرِ الله وبِإرَادَتِه فكَذَلِكَ الوَفاةُ الصُّغْرَى. قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ﴾ بِالنَّهَارِ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أيْ: تَصَرُّفُكُمْ فِي طَلَبِ المَعِيشَةِ بِإِرَادَتِهِ]: (ابتغاؤُكم) معْطُوفَةٌ عَلَى (منامِكم)، ومعْنَى (ابتغاؤُكم) أيْ طلبُكم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، (مِن) لِبَيان الجِنْس، أيْ مِن عطَائِه ورِزْقِه، والمُفَسِّر ﵀ خصَّ الابْتِغاءَ بالنَّهارِ، ﴿مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، والأَحْسَنُ أنْ نجْعَلَها مُطْلَقَةً كَما أطلَقَها الله؛ لأَنَّ مِن النَّاس مَنْ يبْتَغِي مِنْ فَضْل الله بالنَّهارِ، ومِنْهُم مَن يبْتَغِي مِنْ فضْلِ الله بِاللَّيْل، فكَوْنُها تبْقَى عَلَى مَا هِي علَيْهِ بدُونِ تقْيِيدٍ هَذا هُوَ الأَوْلى؛ لأَنَّ التَّقْييدَ يُضَيِّقُ المَعْنى فيَجعلُ الابْتِغاءَ بالنَّهارِ مَع أنَّه يُوجَدُ أنَاسٌ لا يطْلُبونَ الرِّزْق إِلا فِي اللَّيْل، مثْلُ الحرَّاس وأصْحَابِ الأَمْن، ومَا أشْبَه ذَلِك. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: تقْيِيدُ المُفَسِّر ﵀ النَّوْمَ باللَّيْلِ وابْتِغاءَ الفَضلِ بالنَّهارِ مع أن النَّومَ يَكُونُ بالنَّهار وابْتِغاءِ الفَضْل باللَّيْل، هلْ هَذا باعْتِبار الأَغْلَبِ؟ قُلْنَا: لَو قُيِّدَتْ لقُلْنا هَذا باعْتِبارِ الأَغْلب، يعْني لَوْ قَال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أمَّا أنْ تأْتِي عامَّةً ثمَّ نُقَيِّدُها فَلا وجْهَ لَهُ، وأيْضًا لا تُفَسَّرُ بِالآيَاتِ المقَيِّدَةِ؛ لأَنَّ الآيَاتِ المقَيِّدة لا تُنافِي هَذِه. قوْله تَعالَى: ﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: الفَضْل بمَعْنى العَطاءِ، وقوْلُ المُفَسِّر رَحَمَهُ أللَّهُ: [أيْ تصَرُّفُكُمْ فِي طَلَبِ المَعِيشَةِ بِإِرَادَتِهِ]، والإِرادَةُ هُنا إرَادَةُ الله ،

стр. 120

والمُفَسِّر ﵀ لَا يُرِيدُ أنْ يُثْبِتَ مذْهَب الجبرَّية، ولكِنْ يُرِيدُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ تصرُّفَنا وإِنْ كُنَّا مستَقِلِّينَ بِه مِن وَجْهٍ، فإِنَّنا لسْنَا مستَقِلِّينَ بِه مِن وجْهٍ، وابْتِغاءُ الفضْلِ بإرَادَةِ الله والمَنامُ بِإرادَةِ الله، وبَيْنَهُما فرْقٌ لأَنَّ المنَام ليْسَ لنَا فِيه حُرِّيَّةٌ إطْلاقًا، ولَا إرادَةَ بِخلَافِ الابْتِغَاءِ مِن فضْلِه، فإِنَّ لنَا فِيه إرادَةً، ولكِنَّها تابِعَةٌ لإرادَةِ الله، ثمَّ قَال تَعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]. قوْلُه تَعالَى: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: إنَّ في ذَلِك المَذْكُورِ، كَما قَال المُفَسِّر ﵀ أولاً: [﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سَمَاعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبَارٍ]: وأتَى بقوْلِه : ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾؛ لأنَّهُ بدَأ بالنَّوْمِ وبدَأ باللَّيْلِ، واللَّيْلُ وَظِيفَةُ الإنْسَانِ فِيه السَّمْعُ؛ لأنَّهُ لَا يَرى باللَّيْل، فالَّذِي يُناسِبُه السَّمعُ. ولكِن مَا المُرادُ بالسّمْعِ هُنا، هَل المُرادُ مطْلَقُه؟ لَا، بَل المُرادُ سَماعُ التَّدبُّر والاعْتِبَارُ؛ لأَنَّ السَّمْع كَما سبَق يُطْلَقُ عَلَى سمْعِ الإدْرَاكِ المُجَرَّدِ، وعلَى سمْعِ الإدْرَاك المُنْتَفَعِ بِه، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]، يعْنِي لا يسْمَعُون سَماعَ تدَبُّرٍ واتِّعاظٍ وانْقِيادٍ. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: : أنَّ النَّومَ مِن آيَاتِ الله؛ وجْهُ ذَلِك أَنَّ هَذا الإنْسانَ ذَا الشُّعورِ إِذا نَام فقَدَ شُعُورَه، والرُّوحُ متَّصِلةٌ بالبَدن تمَامَ الاتِّصالِ، فإِذا نامَ حصَل منْهَا نوْعُ انفِصَالٍ؛ ولِهَذا سَمَّى الله تَعالَى النَّوْمَ وفَاةً لكِنْ ليْسَتِ الوفاةَ الكامِلَةَ التي تُقْبَضُ فِيها الرُّوحُ مِن البَدنِ وتنْفَصِل عنْه انفصالًا كامِلًا، لكنَّها تنْفَصِلُ عنْه انفِصالًا جُزْئِيًّا،

стр. 121

هَذا الانْفصَالُ الجزْئِيُّ الَّذِي تبْقَى معَهُ الحَياةُ دُونَ الوَعْي مِن آيَاتِ الله، فلا أحَدَ يسْتَطِيعُ أنْ يفْعَل هَذا إِلا الله، وَكَذلِكَ أيْضًا لَا أحَد يسْتَطِيعُ أنْ يرُدَّها إِلا بإِذْنِ الله . فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَاذا تقُولونَ فِي النَّوم بالتّنويم، الَّذي يسُمُّونَه التّنويمَ المغناطِيسيَّ، حيث يُنوِّم شخْصٌ آخَرَ؟ قُلْنَا: هُو لا يُنَوِّمُه، وإِذا ادَّعى مُدَّعٍ أنَّ النَّوْمَ المغَناطِيسِيَّ تنْوِيم بِغَيْر الله، فهُو كادِّعَاءِ الَّذي يقولُ: (أَنا أُحْيِ وَأُميتُ)، وهُو يُحْيي ويُمْيتُ حيْثُ يَقْتُل ويُبْقِي، لكِنْ ليْسَ صحِيحًا أنَّه أحْيَا، بَلْ فَعلَ سبَبَ الحيَاةِ أوْ سبَبَ المَوْتِ فقَطْ، كَذَلِكَ المُنوِّم مَا جلَب النَّوْمَ، لكِنْ فعَل سبَبَه، والتّنْويمُ المغناطِيسيُّ معْنَاه اسْتِسْلامُ النَّفْس البَاطِنة لهذَا المنوِّمِ ثمَّ ينَامُ، يسْتَرْخِي وَيفْقِدُ الوَعْيَ إِلَّا الذّاكِرةَ؛ ولِهَذا تجِدُ المنوِّمَ المَغناطِيسيَّ عَلَى مَا يقُولُونَ إِذا استَجابَ لَه المنَوَّم بدَأَ يُخاطِبُه فِي العَقْل البَاطِن، وذَاك يتكَلَّمُ بِدُون شُعورٍ ويُخْبِرُه بِكُلِّ الَّذِي في دِماغِه، أيُّ شيْءٍ يسألُه عنْه يُعَلِّمُه بِه حتَّى الأُمورُ الَّتي لم يَطِّلعْ علَيْها أحَدٌ مِن النَّاسِ يُعلِّمُه بِها، لكِنْ بِشَرْط أنَّ المنَوَّم يسْتَسْلِمُ استِسْلامًا كامِلًا وعِنْدَهُم حرَكَات معيّنةٌ، يقُولُ لَك: لا تتعَدَّاها وَيبْدَأُ يتحَرَّكُ ويتحَرَّكُ وَيرْفَعُ ويَخْفِضُ. عَلَى كُلِّ حَالٍ: عنْدَهُم طُرُقٌ فِي هَذا، وعنْدَهُم وسَائِلُ إِلَى أنْ يسْتَرْخِي الإنْسانُ وأعْظَمُ مِن هَذا القَتْلُ الَّذي يُسمِّيهُ الفُقهاءُ (القَتْل بالحال) أنَّه يسلط نفسه عَلَى نفس هَذا الرّجل ويخنق نفسه ويموت ولِهَذا ذَكَرُوا فِي بَابِ القصاصِ هَل القتْلُ بالحالِ عَمْدٌ يُقتَلُ بِه القاتِلُ أَو خطأً أو شبْهَ عمْدٍ.

стр. 122

وإِذا قُلنَا أنَّه يُقْتَل فهَلْ يُقْتَلُ بالحالِ أو يُقْتَلُ بالسَّيف؟ والصّوابُ: أنَّ القاتِل بالحالِ يُقتَلُ، سَواءٌ قلْنَا أنَّه قصاصٌ أوْ قُلنا أنَّه مِنْ بَابِ دفْعِ الفَسادِ فِي الأرْض، لكِنَّ بعْضَ الفُقهاءِ يقُولُ: إِذا أرَدْنا المُقاصَّةَ تمَامًا نأْتِي بِوَاحِدٍ آخَر يَقْتُل بالحالِ ونَجْعَلُه يقْتَلُ هَذا الرّجُلَ، فيقْتَلُ بما قتل بِه؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، إِنَّما لا شَكَّ أنَّ القَتْل بالحالِ يَجِبُ فيه قتْلُ القاتِل بكُلِّ حالٍ، سواءً قُلنا أنَّه قصاصٌ، أو قُلْنا أنَّه مِن بَاب دفْعِ الفَسادِ؛ لأَنَّ هَذا أشَدُّ مِن السَّيفِ - والعياذُ باللهِ -، فالَّذِي يقْتُل بالسَّيف يسْتَطِيعُ الإنسانُ أن يَهْربَ منْه، لكن هَذا مُشْكِلةٌ. وقَد ذكروا هَذا وتكلَّمُوا علَيْه في باب القصاصِ، وَهَذَا غيْرُ العَيْن. والعيَّانُ أيْضًا - الَّذِي يقْتُل بعَيْنِه - اختَلَفُوا فِيه: هَلْ هُو عمْدٌ أوْ شبْهُ عمْدٍ، وإِذا قُلْنا أنَّه عمْدٌ فهَل نقْتُله بالسَّيْف، أوْ نقْتُلُه بعَائِنٍ نأتِي بوَاحِدٍ يُعِينُه إِلَى أنْ يقْتُلَه؟ الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: ذِكْر المتقَابِلَاتِ ﴿مَنَامُكُمْ﴾، ﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وابْتِغَاءُ الفَضْل يكُون فِي اليَقَظةِ، فهَذا جمْعٌ بيْن الشّيْءِ ومقابِلِه، فالمَنام آيَةٌ، وابْتِغَاءُ الإِنْسانِ مِن فضْلِ الله أيْضًا آيَةٌ. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: جوَازُ النَّوْمِ ليْلًا ونهارًا؛ لأَنَّ الله تَعالَى جعَلَهُ مِنْ آيِاتِه الَّتي امتَنَّ بِها عَلَى العِبَادِ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، لكِنْ أصَحُّهما نوْمُ اللَّيل بالاتِّفَاقِ. الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّه ينْبَغِي لِلإِنْسَانِ أنْ يطْلُب رِزْقَ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الرِّزْقُ مكْتُوب كالأَجلِ، فهُو محتُومُ الوُجودِ.

стр. 123

قُلْنَا: ولكِنَّه مكْتُوبٌ بسبَبٍ، ولَا يُمْكِنُ لأيِّ إِنْسَانٍ أنْ يَقُول: المَكْتُوبُ لي سيَأْتِي ولَنْ أتحَرَّكَ أبَدًا، إِلا رجُلًا جاهِلًا أحْمَق، ولِهَذا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِذا كانَ الله كتَبَ لِي ذُرَّيَّةً ستأْتِي بدُونِ زوَاجٍ، فهَذا لَا يُعْقَل أبَدًا، فنَقُول: قوْلَه تَعالَى: ﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يدُلُّ عَلَى أنَّه ينْبَغي لِلإِنْسَانِ أنْ يطْلُب الرِّزْقَ. الفائِدَةُ الخامسةُ: كرَاهَةُ سُؤالِ النَّاسِ، أوْ أَنَّه مِن الأُمُورِ الَّتي لا تنْبَغِي، لقوْلِه تَعالَى: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، وأنت إِذا طلَبْت الرِّزْقَ مِن الله فقَدْ طلبْتَه مِن أهْلِه، مِمَّنْ لَه المِنَّة عليْكَ. * * *

стр. 124

الآية (٢٤) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٤]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ أيْ إِرَاءَتُكُمْ ﴿الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾]. قوْله تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ جَارٌّ ومجْرُورٌ، ﴿يُرِيكُمُ﴾ فعْلٌ مضارعٌ. وهَل ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ متعلِّقَةٌ بـ ﴿يُرِيكُمُ﴾، أوْ متعلِّقَةٌ بمحذُوفٍ ويكُونُ تأْوِيلُ قوْلِه تَعالَى: ﴿يُرِيكُمُ﴾ مبْتَدَأٌ مؤخَّرٌ؟ ظاهِرُ كلامِ المُفَسِّر ﵀: [أيْ: إِرَاءَتُكُم] يقْتَضي أنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ خبَرٌ مقَدَّمٌ، و ﴿يُرِيكُمُ﴾ مبتدَأٌ مؤخَّرٌ؛ لأَنَّهُ أَوَّلَها إِلَى مصْدَرٍ، يعْنِي ولَيْس المَعْنى ويُرِيكُم مِن آيَاتِه كَذا وكَذا، ويُرِيكُم مِن آيَاتِه البَرْقَ خوْفًا وطَمَعًا، ففي إعْرَاب هَذِهِ الآيَة وجْهَانِ: الوَجْهُ الأوَّلُ: مَا مشَى علَيْه المُفَسِّر ﵀: بَأن نجعَل ﴿يُرِيكُمُ﴾ فعلًا مضارِعًا مُؤوَّلًا بمَصْدَرٍ تقْدِيرُه (إِراءَتُكم)، مع أنَّه ليْسَ فيه حرْفٌ مصْدَرِيٌّ، وَهَذا موْجودٌ فِي اللُّغَةِ العرَبِيَّةِ، ومنْهُ قولهُم: (تَسْمَع بالمُعِيدِيِّ خيْرٌ مِنْ أنْ تَراهُ)، فـ (تَسْمَعُ)

стр. 125

هَذِهِ مبتَدَأٌ بدَلِيل قولِه: (خَيْرٌ مِنْ أنْ تَراهُ)، معَ أنَّه ليْس فِيها حرْفٌ مصْدَرِيٌّ تنْسَبِكُ بِه. والوَجْهُ الثَّاني: أنْ نقُولَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ متعلِّقة بـ ﴿يُرِيكُمُ﴾، يعْنِي يُريكُم مِن آيَاتِه البَرْقَ خوْفًا وطمَعًا. ويُرجِّحُ الوجْهَ الأوَّلَ سِياقُ الآيَاتِ، سِياقُ الآيَاتِ كُلِّها يدُلُّ عَلَى أنَّ هَذا الفعْلَ مُنْسَبِكٌ بمَصْدَرٍ، والتَّقدِيرِ: (ومنْ آيَاتِه إِراءَتُكم)، كالآيَات الَّتي قبْلَها، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ﴾، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، ويُرجِّحُ الوجْهَ الثّانِيَ أنّنا نتَحاشَى انْسِبَاكَ المَصْدَرِ بدُونِ حرْفٍ مصْدَرِيٍّ. قال المُفَسِّر ﵀: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ لِلْمُسَافِرِ مَنَ الصَّواعِقِ، ﴿وَطَمَعًا﴾ لِلْمُقِيمِ فِي المَطَرِ]. قوْلُه تَعالَى: ﴿خَوْفًا﴾ مفعولٌ لأجْلِه، وهذا مُشْكِلٌ لأَنَّ ابنَ مالكِ ﵀ يقول (١): وَهْو بِمَا يَعْمَلُ فِيهِ مُتَّحدْ ... وَقْتًا وَفَاعِلًا ...... وهُنا ﴿يُرِيكُمُ﴾ الفاعِل الله، والخائِف الطَّامِعُ: بَنُو آدَمَ، فاختَلَف الفَاعِلُ، فالوَقْت متَّحِدٌ ولكنَّ الفاعِلَ لم يتَّحِدْ، وعلَيْه فيَكُون ﴿خَوْفًا﴾ مصدَرًا في موْضِع الحَالِ، أي: يُرِيكُم البَرْق خائِفِينَ وطَامِعينَ، أمَّا إِذا أسْقَطْنا اشْتِراطَ ابْنِ مالكِ ﵀ اتِّحادَ الفاعِلِ فتكُون ﴿خَوْفًا﴾ مفعولًا لأجْلِه.

стр. 126

ولكِنْ عنْدِي أنَّ هُناكَ وجْهًا آخَر، أنْ نجْعَل ﴿خَوْفًا﴾ بمَعْنى تَخْوِيفًا، فإِذا جعَلْنا خوْفًا بمعْنَى تخْوِيفًا زَال الإِشْكالُ؛ لأَنَّ التّخْوِيفَ يكُونُ مِن الله وهُو المُرِي، والإِطْماعُ أيْضًا مِن الله، وهُو المُرِي، وحِينَئِذٍ نسْلَمُ مِن مخالَفَةِ شرْطِ ابْنِ مالِكٍ ﵀، لكِنْ لا بُدَّ مِنْ تأْوِيلٍ، حيْثُ حوَّلْنا ﴿خَوْفًا﴾ إِلَى إِخَافَةٍ، ﴿وَطَمَعًا﴾ إِلَى إطمَاعٍ. فالوُجُوهُ إِذَنْ ثلاثَةٌ: - إمَّا أنْ نجْعَل ﴿خَوْفًا﴾ ﴿وَطَمَعًا﴾ مصْدَرينِ في موْضِع الحالِ. - أوْ نجْعَلَهُما مصْدَرين عَلَى أنَّهُما مفْعُولٌ مِن أجْلِه، ولا نَعْتَبِر اشْتِراطَ اتِّحادِ الفاعِل. - أوْ نجْعَلَهُما مصْدَرين، لكِنْ بمَعْنى التّخويفِ والإِطْماعِ، وحِينَئِذٍ نكُونُ قد اعتَبْرنا اتِّحادَ الفاعِل ولم نُؤَوِّلهُما إِلَى الحالِ. وقولُ المُفَسِّر ﵀: [﴿خَوْفًا﴾ لِلْمُسَافِر مِنَ الصَّوَاعِقِ، ﴿وَطَمَعًا﴾ لِلْمُقِيمِ فِي المَطَرِ]: ظَاهِرُ كَلامِ المُفَسِّر أنَّ هَذا عَلَى سَبيلِ التَّوثِيقِ خوْفًا لأُناسٍ، وطمَعا لأُناسٍ، والصَّوابُ خِلافُ كلامِه ﵀، فإِنَّ البرْقَ خوْفٌ وطمَعٌ للجَميعِ، فالمُسافِرُ يخَافُ ويطْمَعُ، والمُقِيمُ أيْضًا يخَافُ ويطْمَعُ، ومَنْ ذَا الَّذي سَلِم مِن الصَّواعِق بسبَبِ كوْنِه فِي البِنَاءِ؟ فالصَّاعِقَة إذَا نزَلَتْ نزَلَتْ حتَّى عَلَى البِنَاءِ وهدَمَتْه، وقتَلَتْ مَنْ فِيه، وَكَذلِكَ المُسَافِرُ أيْضًا مَا أكْثَر المُسافِرِينَ الَّذِين نَجَوْا مِن الصَّواعِقِ وهِي تصْعَقُ حوْلَهم. فالصّوابُ أنَّه عائِدٌ عَلَى الجمِيعِ، لكِنَّ تقْدِيمَ الخَوْف عَلَى الطَّمَعِ يدُلُّ عَلَى أنَّ خوْفَ النَّاسِ بالبِرِّ أكْثَرُ مِن طَمَعِهم، وَهَذا - واللهُ أعْلَمُ - بنَاءٌ عَلَى الغالِب؛ لأَنَّ أكْثَر

стр. 127

النَّاسِ لَا سِيَّما فِي الرُّعودِ الثَّقِيلَةِ والبَرْقِ العَظِيم يخَافُونَ أكْثَر مِمَّا يطْمَعُون، وُيوجَدُ أُناسٌ لا يهْتَمُّونَ بِهَذا الأَمْر، مهما قَوِي البَرْقُ ومهْمَا قَوِي الرَّعْدُ، لا يهْتَمُّون فَهُم دَائِمًا في طَمَعٍ. قوْله تَعالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أيْ شَيْئًا فَشَيْئًا، مَا ظنُّك لَوْ كَان هَذا المَطَرُ ينْزِلُ دُفعَةً واحِدةً مِن السَّماءِ فلَن يُبْقيِ مبَانِيَ، بَل لا يُبْقِي الآدَمِيّينَ ولا ينْفَعُ شيْئًا، يُتْلِفُ ولَا ينْفَعُ، ومِنْه أيْضًا - أيْ كونِه مِن آيَاتِ الله - أنَّ هَذا الماءَ ينْزِلُ مِن السَّماءِ، فلَو كانَ ينْزِلُ مِن شيْءٍ طامن لكَان يُغْرِقُ الأسْفَل قبْلَ أنْ يَصِلَ إِلَى الأَعْلَى، ولكِنَّ الله جعلَه مِن فَوْقَ؛ حتَّى يَسْقِي بِه الأعْلى والأسْفَل. وقوْلُه تَعالَى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: ﴿فَيُحْيِي﴾ أيْ الله ، ﴿بِهِ﴾: البَاءُ للسَّببيَّةِ، وهِي تُفِيد - كَمَا سيَأْتي إِنْ شَاء الله تَعالَى - إثْبَاتَ العِلَل في أفْعَالِ الله، فأفْعَالُ الله وشرْعُه كلُّه مقْرُونٌ بالحكْمَةِ والتَّعْليلِ، ومنْهُ مَا سبَق في قوْلِه تَعالَى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، مِن أنَّ اللامَ للتَّعْلِيل، فتُفِيدُ ثُبوتَ الحكْمَةِ فِي أفْعَالِ الله، ومن أهْل البِدَعِ مَن يُنكرُ الحكْمَةَ، فَالجهمِيَّةُ يُنْكِرُونَ الحكْمَة، أمَّا المُعتَزِلة فعَلَى العَكْس يُوجبونها؛ ولِهَذا قالُوا: أنَّه يَجِبُ عَلَى الله فعْلُ الأصْلَحِ. وقوْلُه تَعالَى: ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ هَل المرادُ بـ ﴿الْأَرْضَ﴾ ذاتُ الأرْضِ تَحيا، أوِ المُرادُ النَّباتُ الَّذِي في الأرْضِ يَحْيا؟ المُرادُ النَّباتُ الَّذِي في الأرْضِ، وحِينَئِذٍ قدْ يعْتَرِضُ علَيْنا معتَرِضٌ ويقُولُ: إنَّكُم تقُولونَ أنَّه لَا مجَازَ فِي القُرْآنِ، وهنَا إِذا حمَلْتُم الأرْضَ عَلَى نباتِها فقَدْ قُلْتُم بالمَجازِ؟ والجوابُ عَلَى هَذا: أنَّ الكلِمَةَ فِي حدِّ ذاتِها لا يُفْهَمُ معْنَاها إِلَّا بسِيَاقِها فقوْلُه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا شكَّ أنَّ المُرادَ ذاتُ الأرْضِ، لكِنَّ

стр. 128

قوْلَه تَعالَى: ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يُخاطِبُ أُناسًا يعْرِفُون الَّذي يَحْيا، والَّذِي يَمُوتُ، يعْرِفُونَ الَّذِي يَحْيا بالمَطر والَّذِي يمُوتُ بفَقْدِ المَطرِ، فهَلْ أحَدٌ ممَّن يُخاطَبُ بهذِه الآيةِ يقُولُ: إِنَّ هَذا الطِّينَ وَهَذا الرَّمْلَ وَهَذا الحجَر يمُوتُ بفَقْدِ المَطَرِ، ويَحْيا بوُجودِه؟ ! الكلِمَةُ يُعيِّن معنَاها السّياقُ، وَبِهذَا نسْلَمُ مِنَ القَوْلِ بالمَجازِ؛ لأَنَّ مِنْ أبْرَزِ عَلامَاتِ المجَازِ أنَّه يصِحُّ نفْيُه، والقُرْآنُ لَا يُوجَدُ فِيه شيْءٌ يصِحُّ نفْيُه؛ لأنَّهُ لَوْ صَحَّ نفْيُ شيْءٍ في القُرآنِ لكَان معْنَاه التّكْذِيبَ، مِثَالُ ذَلِك قوله تَعالَى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الجِدارُ لَا يُرِيدُ فَما معْنَى هَذا؟ قُلْنَا: معْنَى هَذا نفْيُ مَا أثْبَتَ الله ، وَهَذا هُو الَّذي جعَل بعْضَ أهْل العِلمِ يُنْكِرُ المَجازَ فِي القُرآنِ، وُيثْبِتُه في غيْرِه مِنَ اللُّغَةِ العرَبِيَّة، يقُولُ: لأنَّهُ ليْسَ في القُرآنِ شيْءٌ يصِحُّ نفْيُه، وأبْرزُ علاماتِ المَجازِ أنَّه يصِحُّ نفْيُه، ولكنَّ الصّوابَ مَا اختَارهُ شيْخُ الإسْلام ابْنُ تيْمِيةَ ﵀ أنَّه لا مجَازَ لَا في القُرآنِ ولَا فِي اللُّغَة العرَبِيَّة؛ لأنَّنا نقُول: إنَّ الَّذي يُعَيِّنُ المَعْنى هُو السِّياقُ، وعلَيْه فَإِذا تعيَّن معْنَى الكلِمَةِ فهُو حقِيقَتُها فِي كُلِّ سِيَاقٍ. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ]، المُشارُ إلَيْهم كُلُّ مَا سبَق ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ هَذِهِ ثلاثَةٌ، هَذا المذْكُور فِيه آياتٌ لقَوْمٍ يعْقِلُون. يقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتَدَبَّرُون]، وهُنَا قَال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِذَوي عقْلٍ، والعَقْلُ ينْقَسِم إِلَى قِسْمَيْنِ: عقلِ إدْراكٍ، وعقْلِ رَشَدٍ.

стр. 129

عقْلُ الإدْراكِ الَّذي هُو منَاطُ التكْلِيفِ، الَّذِي يقُولُ فِيه العلَماءُ: يُشْتَرطُ لوُجوبِ الصَّلاةِ أنْ يَكُونَ عاقلًا، فهَذا نُسمِّيه عقْلَ إدْرَاكٍ؛ لأَنَّ الإنْسانَ بِه يُدْرِكُ الأُمورَ، فيُمَيِّز بَيْن النّافِعِ والضَّارِ وغَيْرِه. العَقْل الثّاني: عقْلُ الرّشَدِ الَّذي هو منَاطُ الثّناءِ والمَدْحِ، وعقْلُ الرّشَد هُو الَّذي يُوجَدُ فِي القرْآنِ كَثيرًا، مثَلًا نفَى الله العَقْل عَن الكُفَّار معَ أنَّهم أذْكِياءُ عنْدَهُم عقْلُ إدْرَاكٍ، لكِنَّهم ليْسَ عنْدَهم عقْلُ رَشَدٍ يتصَرَّفُونَ فِيه تصرُّف العَاقِل. وسُمِّي العقْلُ عقْلًا لأنَّهُ يعْقِلُ صاحِبَهُ عمَّا يضُرُّه، وَهَذا هُو الَّذي جعَله يُسمَّى عقْلًا، أو يُسمَّى حِجْرًا ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]؛ لأنَّهُ يَحْجر صاحِبَه ويحْجِزُه عمَّا لا ينْبَغِي. وقوْلُه تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أَتَى بالعَقْل هُنا إشَارَةً لما سيُذْكَرُ فِيما بعْدُ؛ لأَنَّ الآيَاتِ - كَما نُشاهِدُ - كلُّها في تقْريرِ إعَادَةِ المَوْتَى، وانتِقالِ العقْل مِن هَذِهِ الأشْيَاءِ المحسُوسَةِ إِلَى أشياءَ منْظُورةٍ موعُودَةٍ، إنَّما يكُونُ عَنْ طَريقِ العَقْل؛ ولِهَذا قَال هُنَا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: : أنَّ البَرْق مِن آيَاتِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أنَّ البَرْق يشْتَمِلُ عَلَى الخَوْفِ وَالرَّجاءِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، والصَّحِيحُ أنَّها ليْسَتْ موزَّعَةً كَما ذَهب إِلَيْهِ المُفَسِّر ﵀ بَلْ هِي صِفَةٌ مجتمِعَةٌ. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: عظِيمُ قُدْرةِ الله بِإنْزالِ المَاءِ مِنَ السَّماءِ.

стр. 130

الفائِدَةُ الرابعةُ: رحْمَتُه بالخَلْق حيْثُ كانَ إنْزالُ هَذا المَطَر مِنَ السَّماءِ، هَذا واحِدٌ، وحيْثُ كانَ ينْزِلُ شيْئًا فشَيْئًا؛ لأنَّهُ لَو كَان يَنْزِل دُفعةً واحِدةً لأهْلَك النَّاسَ. الفائِدَةُ الخامسةُ: بَيانُ قُدْرَةِ الله تَعالَى؛ حيْثُ يُحْيِي الأرْضَ بعْدَ موتِها، تَجِدُ الأرْضَ يابِسَةً ليْسَ فِيها عُودٌ أخْضَرُ، ثمَّ بعْدَ نُزولِ المَطَرِ تصْبحُ مخْضَرَّةً تهتَزُّ. الفائِدَةُ السادسةُ: رحمَتُه بالخلْقِ أيْضًا، فإنَّ إِحْياءَ الأرْضِ نافِعٌ لِلإِنْسَانِ والحيَوانِ. الفائِدَةُ السابعةُ: أنَّه لَا ينتفِعُ بالآيَاتِ إلَّا ذَوُو العُقولِ؛ تُؤخَذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. الفائِدَةُ الثّامِنَةُ: استِعْمالُ العَقْل فِي القِيَاسِ: في قِيَاسِ الأشْيَاءِ المتشَابِهَةِ، والنّظيرِ عَلَى نَظِيرهِ. الفائِدَةُ التاسعةُ: أنَّ القِياسَ مِن الأدِلَّةِ العقْلِيَّةِ، وإِنْ كَان ثابِتًا بالشَّرْعِ لكِنَّ طرِيقَهُ هُو العَقْل؛ لأَنَّ العَقْل يهْتَدِي بِهَذا عَلَى هَذا، وينتقِلُ مِن هَذا إِلَى هَذَا. * * *

стр. 131

الآية (٢٥) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]. * * * قَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾. قوْله تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ﴾ نقولُ فِيها كُما قُلْنا فِيما سبَق: أيْ مِن آيَاتِه قِيامُ السَّمواتِ والأرْضِ بأَمْرِه. وقوْلهُ ﵀: [﴿بِأَمْرِهِ﴾ بِإرَادَتِه مِنْ غَيْرِ عَمَدٍ]: أفادَنا المُفَسّر ﵀ أنَّ المُرادَ بالأمْرِ هُنا هو الأَمْر الكَوْنِيُّ؛ لأنَّهُ قَالَ: [بإرَادَتِه]، وإِنْ كانَ في تفْسِير الأمْرِ بالإِرادَةِ شيْءٌ مِنَ الشّكِّ إِذْ إنَّني أخْشَى أنَّه فسَّر الأَمْر بالإِرَادةِ فِرارًا مِنْ إثْبَات الكلامِ للهِ ؛ لأَنَّ الأَمْرَ ولَوْ كانَ كوْنِيًّا يَكُونُ بالكلامِ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فأخْشَى أنَّ المُفَسّر - غفَر الله له - أرادَ بتَفْسِير الأَمْرِ بالإِرادَةِ الفرارَ مِن إثْبَاتِ الكَلامِ، ومعرُوفٌ أنَّ الأشاعِرةَ لا يُثبِتونَ الكلامَ بالحرْفِ والصَّوتِ، وإِنما يُثبِتونَ الكلَامَ عَلَى أنَّه المَعْنى القائِمَ بالنَّفْسِ، أمَّا الحرفُ المكتوبُ والصَّوتُ المسْموعُ يقُولونَ أنَّه عِبارَةٌ عَنْ كَلامِ الله، وَليْس هُو كلامَ الله. وقوْله تَعالَى: ﴿أَنْ تَقُومَ﴾: فسَّره ﵀ بقَوْلِه: [مِنْ غَيْرِ عَمَدٍ]، وَهَذا يدُلُّ عَلَى أنَّه ذَهب إِلَى أنَّ المُرادَ بالقِيَامِ هُنا القِيامُ الحسّيُّ، يعْنِي أنْ تَبْقَى غيْرَ واقِعَةٍ عَلَى

стр. 132

الأرْضِ، بَل هِي مُمْسَكَةٌ بأمْرِ الله بِغَيْر عَمَدٍ، وهَذا تفْسِيرٌ قاصِرٌ، والصّوابُ أنَّ قِيام السّموَاتِ وَالأرْضِ أعمُّ مِن كوْنِه قِيامًا حِسيًّا أو قِيامًا معنَوِيًّا، بمَعْنى أنَّه يشْمَل القِيامَ الحِسِّي والقيامَ المَعنويَّ، فالسَّمواتُ قائِمةٌ بأمْر الله قِيامًا حِسِّيًّا بِما فِيها من الانْتِظام فِيما خَلق الله مِن الأَجرامِ، وبِما فِيها مِن الأفْلاك المتضَمِّنة الشّمسَ والقَمرَ والنُّجومَ وغيْرَ ذَلِك، وكَذَلِكَ الأرْضُ قَائِمةٌ قِيامًا حِسِّيًّا بما أوْدعَ الله تَعالَى فِيها مِنْ مصالِحِ الخَلْقِ مِنْ أشجارٍ وَنباتٍ وأنْهَارٍ وبحارٍ وغَيْر ذَلِك، هَذا قيامٌ حِسِّيٌّ، ويُوجَد أيْضًا قِيامٌ معنَوِيٌّ وهُوَ قِيامُ هَذه بطَاعَةِ الله، فإنَّ المعَاصِيَ إفْسَادٌ في الأرْضِ، كَما قَال الله تَعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، فالسَّمواتُ أيْضًا والأرْضُ تَقُومُ بأَمْرِ الله الشَّرعِي كَما تقُومُ بأَمْرِه الكَوْنيِّ، ولَا قِيامَ للأَرْض ولَا لِلسَّمواتِ إِلَّا بالتِزامِ أمْرِ الله الشّرعيِّ، فتَصلُحُ وتبْقَى بطَاعَةِ الله، فحِينَئِذٍ نُفسِّرُ القيامَ بأنَّه القيامُ الحسِّيُّ والقيامُ المعنوِيُّ، فالآيَة شامِلَة للمَعْنَيينْ، وعَلى هَذا يكُونُ المُرادُ بالأَمْرِ الأمرَ الكوْنِيَّ والأَمْر الشّرعِيَّ. قوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾: أَتى بِـ (ثُمَّ) بعْدَ ذِكر قِيامِ السَّمواتِ والأَرْضِ؛ لأَنَّ البعْثَ متأَخِّرٌ لا يَكُونُ إِلا بعْدَ قِيامِ السّاعَةِ، يقُولُ: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾، الفاعِلُ هُو الله ﴿دَعْوَةً﴾ أيْ واحِدَةً ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾. قوْله تَعالَى: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾، يقولُ المُفَسِّر ﵀: [بِأَنْ ينْفُخَ إسْرَافِيلُ فِي الصُّورِ، فَيُبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ مِنْهَا أحْيَاء، فَخُرُوجُكُمْ مِنْهَا بِدَعْوَةٍ مِنْ آيَاتِهِ تَعالَى]. قوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوْله تَعالَى: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾،

стр. 133

هَل تتعَلَّقُ بِـ ﴿تَخْرُجُونَ﴾، يعْنِي إذَا دعاكُم دعْوَةً تخْرُجونَ مِن الأرْضِ، أو متعَلِّقٌ بِـ (دعا)؟ نقُول هُو متعلِّقٌ بـ (دَعا) إِذا دعَاكُم دعْوةً مِن الأَرْضِ، ولَيْس متعلِّقًا بـ ﴿تَخْرُجُونَ﴾ لأنَّهُ لا يتعَلَّقُ مَا قبْلَ (إِذا) الفُجائِيَّةِ بما بعْدَها. قوْله تَعالَى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾: ﴿إِذَا﴾ شرْطِيَّةٌ، وقوْلُه تَعالَى: ﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾: ﴿إِذَا﴾ فُجائِيَّةٌ، فهِي نائِبَةٌ منَابَ الفاءِ الوَاقِعَةِ فِي جَوابِ الشَّرْط. وقوْله تَعالَى: ﴿إذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾: يعْني دعَاكُم منْهَا. وهَلْ دَعوَةُ الله تكُونُ مِن الأرْضِ أمِ المرادُ أنَّكُم أنْتُم فِي الأرْضِ؟ الجوابُ: المُرادَ (إِذا دَعاكُم مِن الأرْضِ)، مثْلَما تقُولُ دعَوْتُه مِن بيْتِه، فليْسَ المُراد: (أَنِّي في البَيْتِ)، لكنَّه هُو في البَيْت فدَعَوْتُه منْه ليحْضُر، وهذِه الآيَةُ كقوْله تَعالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]، يعْنِي عَلَى وجْهِ الأرْضِ. قوْله تَعالَى: ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾: هَذا مِنْ آيَاتِ الله أيْضًا. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: : أنَّ قيامَ السَّمواتِ والأرْضِ بأمْرِ الله ليْسَ للمَخْلُوقِين فِيه تعلُّقٌ إطْلاقًا، فاللهُ تَعالَى هُو الَّذي يُقِيم السَّمواتِ والأرْضَ، سواءٌ القيامُ الحسِّيُّ أو المعنَوِيّ. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: إثْبَاتُ الكلامِ لله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِأَمْرِهِ﴾، والمُفَسِّر ﵀ قال: [بإِرادتِه]، وتقدَّم التَّنبيهُ عَلَى هَذَا، وأَنَّ المُرادَ بقوْلِه تَعالَى: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ الكلامُ، فالأمْرُ الكلَامُ.

стр. 134

الفائِدَةُ الثَّالثةُ: تمامُ قدْرَة الله تَعالَى ببَعْث المَوْتى بكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ولاحِظْ أنَّ المسألَةَ ليْسَتْ هِي بخلْقٍ واحِدٍ أوِ اثْنَيْن أوْ ثلاثَةٍ أوْ عشَرَةٍ، بَلْ هِي مَا لا يُحصِيه إِلّا الله ، دعْوَةٌ واحِدَةٌ يكُون بِها جميعُ الخلْق خَارجِينَ، وهَذا لا شَكَّ أنَّ فِيه ما هُو مِنْ أبْلَغِ القدَرِ، وأنَّ الله عَلَى كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ. الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّ مقَرَّ بَني آدَم الأرْضُ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، ويُؤيِّدُ ذَلِك قوله تَعالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، فالمَعْمُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ مُقَدَّمٌ (فِيها) و (مِنْها) وتقْدِيمُ المعمولِ يدُلُّ عَلَى الحصْرِ مِن هَذا الشّيْءِ لَا مِن غَيْرِه إِذَنْ، فالحيَاةُ عَلَى الكَوَاكِب متعذِّرَةٌ بالنِّسبة لبَني آدَم، فظَاهِرُ الآيَاتِ أنَّ بَني آدَم خُلِقوا مِن الأرْضِ وَيرْجِعونَ إِلَى الأرْضِ ويُدْعَوْن يَوْم القيامَةِ مِنَ الأرْضِ. الفائِدَةُ الخامسةُ: إثْبَاتُ الكلامِ للهِ في قوْلِه تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾. * * *

стр. 135

الآية (٢٦) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦]. * * * قوْله تَعالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الضَّمِيرُ في قولِه: (لَه) يَعودُ عَلَى الله، وهُو خبَرٌ مقدَّمٌ، وتقْدِيمُ الخبَر - كَما هُو معْروفٌ في عِلْمِ البَلاغةِ - يُفيدُ الحَصْرَ، يعْنِي: فاللهُ وحْدَه لَه مَنْ في السَّموَاتِ وَالأرْضِ. وقوْله تَعالَى: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جارٌّ ومجرور متعلِّق بمحْذُوفٍ تقْدِيرُه: (استَقرَّ)، لأَنَّ الجارَّ والمجْرورَ الواقِعَ صِلةً للمَوْصولِ يُقَدَّرُ بفِعْلٍ، بخِلَافِ الواقِع خبرًا لمبتَدَأٍ، فإِنَّهُ يُقدَّر باسْمٍ، ولْيُنتبهْ للْفَرْق بَيْنَهُما، الجارُّ والمجْرورُ أوِ الظّرفُ إِذا وقَع صِلَةَ لموْصُولٍ فَقَدّرْ متعلِّقَه فعلًا؛ لأَنَّ الأصْلَ في صِلَةِ المَوْصولِ أنْ يكُونَ جُمْلَةً، لكِنْ إِذا وقَع الجارُّ والمجْرُورُ أوِ الظَّرْفُ خبرًا لمبْتَدَأٍ فقَدِّرْه باسْمٍ؛ لأَنَّ الأصْلَ فِي الخَبَرِ أنْ يكُونَ مفْرَدًا لا جُمْلَةً، تقولُ: (زَيدٌ في البَيْتِ) فقدّرْه (كَائِنٌ في البَيْتِ)، لأجْل أنْ يكُونَ (زَيدٌ) مبتدَأً، و (كَائِنٌ) خَبَرٌ، لكِنْ لوْ قُلْتَ: (زيدٌ فِي البَيْتِ) أيْ زْيدٌ استقَرَّ في البَيْتِ، صَار الخبَرُ جملْةً والأصْلُ فِي الخبَرِ أنْ يكُونَ مُفرَدًا، أمَّا إِذا قُلْت: (يُعْجِبُني الَّذِي فِي المَسْجِد)، لا تقُلِ: (الَّذي كائِنٌ في المسْجِد)؛ لأنَّك إذَا قدَّرْت (الَّذِي كائِنٌ في المسْجِد) لَزِم أن تُقَدّر مبتدَأً أيْضًا، أيْ: (الَّذي هُو كَائِن فِي المسْجِد)، لأَنَّ صلَةَ المُوْصولِ لَا بُدَّ

стр. 136

أنْ تكُونَ جمْلَةً، بخِلافِ خَبَرِ المُبتَدأ، فإِنَّهُ يكُونُ مُفْردًا. إذَنْ: عنْدَما نُقدِّر المتعلِّقَ للجَارِّ والمَجْرورِ الوَاقِعِ صلَةًّ نُقدِّرُه فِعْلًا؛ ليَكُون ذَلِك جمْلَة، وعنْدَما نُقدّر متعلِّقَ الجارِّ والمجْرورِ أو الظّرفِ بالمُبتدَأِ نُقدِّرُه اسمًا. قوْله تَعالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: أيْ مَنِ استَقرَّ في السّموَاتِ وَالأرْضِ، مَن فِي السّمواتِ مِنَ الملائِكةِ، ومَن في الأرْض مِنَ البَشرِ والحيَوانِ، وهُنا قَال: ﴿مَنْ﴾ تغْلِيبًا للعاقِلِ، وَإِلَّا فإِنَّ الأرْضَ فِيها العاقِلُ وغيرُ العاقِل. قوْله تَعالَى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ قالَ المُفَسِّر ﵀: [مُلْكًا وخَلْقًا وعَبِيدًا]. كَان الأَوْلى أنْ يُقَدِّم الخَلْق ثمَّ المُلْك ثمَّ العَبِيدَ، فلَهُ مَن فِي السَّمواتِ هُو الَّذي يمْلِكُهم ، وهُوَ الَّذي خلَقَهم، وهُوَ رَبُّهم وهُم عَبِيدُه، فلَهُ مَن فِي السَّمواتِ وَالأرْضِ وَلا أحدَ يُعارِضُ في ذَلِك، كُلُّ مَن فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ كَما قالَ الله تَعالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مُطِيعُونَ]، ﴿كُلٌّ﴾ مبتَدَأٌ، و ﴿قَانِتُونَ﴾ خَبَرُه، والجارُّ والمجْرورُ ﴿لَهُ﴾ متعلِّقٌ بِـ ﴿قَانِتُونَ﴾، لكِنَّهُ قُدِّم علَيْه للاخْتِصاصِ والحصْر. وقوْلُه تَعالَى: ﴿كُلٌّ﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عن مفَردٍ، وكلَّما جاءَتْ ﴿كُلّ﴾ أوْ (بعْضُ) منوَّنَةً فإِنَّها عوَض عْن مُفْرَدٍ، والتّقْدِيرُ: كُلُّ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ. وقوْلُه تَعالَى: ﴿لَهُ قَانِتُونَ﴾، يقُولُ المُفَسِّر ﵀: [مُطِيعُون]، والطَّاعة هُنا طاعَةٌ وخُضوعٌ للأَمْرِ الكَوْنيِّ، وهَذا شامِلٌ للمُؤْمِن وغَيْرِ المُؤْمِن، والثّاني طاعَةٌ

стр. 137

وقُنوتٌ للأَمْر الشّرْعِيِّ، وهَذا خاصٌّ بالمُؤْمِن وعَلى هَذا يكونُ المرادُ بالقُنوتِ هُنا الكونيَّ؛ لأنَّهُ قالَ: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾، ولَا يُتصوَّرُ هَذا إِلا فِي الكوْنيِّ، فالكُلُّ خاضِعٌ لأمْرِ الله، قانِتٌ باعْتِبَارِ أمْرِه الكوْنيِّ، إِذا أرَاد شيْئًا عَلَى مَن فِي السَّمواتِ وَالأرْضِ قَال لَهُ: (كُنْ) فيَكُونُ. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: : عُمُومُ مُلْكِ الله؛ يُؤْخَذُ العُمُوم مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأَنَّ (مَنْ) اسْم موصُول، والمَوصولاتُ كلُّها تُفِيدُ العُمُومَ. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: انْفِرادُ الله بالمُلْك، واخْتِصاصُهُ بِه؛ يُؤخَذُ مِن تقْدِيم الخبَرِ، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي﴾، يَعْني لَا لِغَيرِه، وَهُنا يَرِد عليْنا إشْكَالٌ في قوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، هَذا العُمُوم نجِدُ أنَّ بَني آدَم يمْلِكُونَ أشْيَاءَ مِن هَذا، فمَا الجوَابُ عَنْ ذَلِك؟ الجوابُ عَن هَذا: أنَّ مُلْك بَني آدَم مُلْكٌ مقيَّدٌ بتمْلِيكِ مَنْ لَه المُلْكُ؛ ولذَلك أنْتَ لا تسْتَطِيعُ أن تتصَرَّفَ بمالِكَ كَما تشَاءُ، فأنْتَ لا تَمْلِكُ أن تُحْرِقَ مَالَك، ولا أنْ تُتْلِفَه، صحيحٌ أنَّك تمْلِكُه بالنِّسبةِ لغَيْرِك مِن الآدَمِيّينَ، فَلا يقْدِرونَ أنْ يَمْنَعُوك، لكِن بالنِّسبَةِ للخالِق الَّذي لَهُ المُلك يمْنَعُك مِن هَذا، فصَار مُلْكُنا لما نَمْلِكُ لَيْس مُلكًا تَامًّا، دَلِيلُه أوْ وَجْهُه أنَّنا لَا نسْتَطِيعُ ولَا نمْلِكُ أنْ نتصَرَّف فِيما بَيْن أيْدِينا كَما نَشاءُ. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: خُضوعُ الكائِنَاتِ لرَبِّها : ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، وأنَّ جَمِيعَ الكَائناتِ خاضِعَةٌ لله.

стр. 138

الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ القُنُوتَ لَا يخْتَصُّ بالقُنوتِ الشَّرعيِّ، وَأكْثر النَّاس يظُنُّون أنَّ القُنوتَ يخْتَصُّ بالقُنوتِ الشَّرعِيِّ، ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، هَذا قُنوتٌ شرْعِيٌّ لا شَكَّ، ولكِنَّ هذَه الآيَةَ ومَا أشْبَهها تدُلُّ عَلَى أنَّ القُنوتَ هُو الخُضوعُ للهِ ، سواءٌ كَان ذَلِك خُضوعًا شَرعيًّا أمْ كونيًّا. * * *

стр. 139

الآية (٢٧) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ للنِّاسِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ مِنَ البَدْءِ]. قوْله تَعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: أيْ يبْتَدِئُه، وأَتى بكَلِمَةِ ﴿يَبْدَأُ﴾ لأَنَّ الخلْقَ مستَمِرُّ، كلُّ يوْمٍ يكُونُ فِيه ابْتِداءُ خلْقٍ، الأجِنَّةُ فِي بُطونِ الأمَّهاتِ تنْشَأُ كلَّ يوْمٍ، وكَم في الدُّنيا فِي اليَوْم الواحِدِ مِن جَنينٍ يُكَوَّنُ؟ كَثيرًا جِدًّا ولِهَذا أَتى بالفِعْلِ المُضارعِ الدَّالِّ عَلَى الاسْتِمرارِ ولَمْ يقُلْ (بَدَأَ). وقوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: يَعْني ثمَّ هُو - أيْ الله يُعِيدُه، ومَعْنى الإِعادَةِ ردُّه عَلَى مَا كانَ أوَّلًا، كَما فِي قوْلِه تَعالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأخْبَر النّبيُّ ﵊ أنَّ النّاس يُحشَرُون يَوْم القِيامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَما بُدِئُوا (١).

стр. 140

قوْله تَعالَى: ﴿وَهُوَ﴾: الضَّميرُ يعودُ عَلَى الإِعادَةِ المفُهومَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿يُعِيدُهُ﴾، فمَرْجِعُ الضَّميرِ إِذَنْ المَصدَرُ المَفْهومُ مِن الفِعْل، وَمرْجعُ الضَّميرِ قَدْ لا يُذْكَرُ بلفْظِه، ولكِنْ يُذْكَرُ مَا يدُلُّ علَيْه، انظُرْ إِلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، ومرْجِعُ الضَّمير في قوْلِه تَعالَى: ﴿هُوَ﴾ العدْلُ المفْهومُ مِن كلِمَةِ ﴿اعْدِلُوا﴾. إِذَنْ: قوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، أي الإِعادَةُ، والإِعادَةُ مصْدَرٌ، فَصَحَّ أن يعُودَ الضَّمِيرُ علَيْها مُذَكَّرًا. قوْله تَعالَى: ﴿أَهْوَنُ﴾: اسْمُ تفْضيلٍ مِنْ (هَانَ يَهُونُ)، واسْمُ التَّفضيلِ يدُلُّ عَلَى أنَّ الهَوْنَ دَرجاتٌ، هَيِّنٌ وأَهْوَنُ، ودَرجاتُ الهَوْنِ قَد تُوحِي بأنَّ هُناك مشقَّةً لأنَّهُ لَوْلا أنَّ فِي بعْضِها مشَقَّةً مَا صارَ بعضُها أهْوَنَ مِن بعْضٍ؛ ولذَلِكَ اخْتلَف المُفسِّرُون فِي اسْمِ التّفضِيل هُنا، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ﴾، فَقِيل أنَّه بِمَعْنى هَيِّن، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ وهُو هَيِّنٌ علَيْه، وقالَ بعْضُ المُفسِّرينَ مَا ذَهَب إِلَيْهِ المُفَسِّر ﵀، وهُو أنَّه أهْوَنُ علَيْه مِن البَدْء بالنّظر إِلَى ما عِنْدَ المُخاطَبِينَ مِن أنَّ إعادَةَ الشّيْءِ أسْهَلُ مِن ابتدَائِه وإلَّا فهُمَا عنْدَ الله تَعالَى سوَاءٌ فِي السُّهولَةِ. وهلْ قولُه: ﴿أَهْوَنُ﴾ عَلَى بابها؟ المُفَسِّر ﵀ مشَى عَلَى أنَّها عَلَى بابِها، لكِنَّها باعْتِبَارِ المُخاطَبِين؛ لأَنَّ المُخاطَب يعْرِف أنَّ إعادَةَ الشّيْءِ أهْوَنُ مِنَ ابْتِدَائِه، وسبَبُ ذَلِك أن إِعادَتَهُ لا تَحْتَاجُ إِلَى تفْكِيرٍ جَديدٍ؛ لأَنَّهُ قَد سبَق فِيها التّفْكِيرُ، ثانيًا: لأَنَّ موادَّ التّكْوينِ موْجُودةٌ، افرِضْ مثَلًا أنَّني صنَعْتُ سيارةً، فعنْدما أُرْيدُ صُنْعها أوَّلًا تحتاجُ إِلَى تفْكِيرٍ وموادَّ، فإذَا أرَدْتُ أنْ أُعِيدَها مرَّةً ثانِيَةً مثْلَ أنْ تكُونَ قدْ تفَكَّكتْ هَذهِ السّيارةُ، وَأرَدْتُ أنْ أُعيدَها فستكونُ الإعادَةُ أهْونَ؛ لأَنَّ التَّفكِيرَ قَدْ فرَغْتُ منِه، والموادُّ موجُودةٌ محُضَّرةٌ فتكُونُ الإِعادَةُ

стр. 141

أهوَنَ باعْتِبارِ المُخاطَبِ، أمَّا بالنِّسبَةِ للهِ فَلا نَقُولُ: إِنَّ فِي حقِّه مَا هُو أهْوَنُ، ومَا هُو هيِّنٌ، بَلِ الكلُّ عنْدَ الله تَعالَى هيِّنٌ سهْلٌ. وقالَ بعْضُ المُفسِّرينَ: إِنَّ (أهْون) بمَعْنى هَيِّن، فَعلى هَذا يكُونُ الهَوْن بالنِّسبَةِ إِلَى الله ، لَا بالنِّسبَةِ لما عنْدَنا نَحْن، وَفِي الحدِيثِ عَنِ الرَّسولِ ﵊ أنَّ الله تَعالَى قالَ: "كَذَّبَني ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فَقَوْلُه: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادتِهِ" (١)، فهُو مفُسِّرٌ للآيَة، فهُو يُفَسِّر أنَّ كُلَّ ذَلِك هيَّنٌ علَيْه، ولكِنْ لا شَكَّ أنَّ الإِعادَةَ أهْوَنُ باعْتِبارِ المَفْهومِ عنْدَ المُخاطَبِينَ، فمَا مشَى علَيْه المُفَسِّر ﵀ هُنا جيِّدٌ. قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أيْ الصّفَةُ العُلْيَا، وَهِي أنَّه لَا إلَه إِلَّا الله]: (له) خَبَرٌ مقَدَّمٌ، و (المَثَلُ) مُبتَدأ مؤخَّرٌ، والمَثَل والمِثْل معناهُما واحِدٌ، ويُطْلَق عَلَى عدَّةِ معانٍ: فيُطْلَقُ عَلَى الشَّبه؛ كقوْلِه تَعالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، يعْنِي شَبَهُهم كشَبَه الَّذي اسْتوْقَد نَارًا. ويُطْلق المَثَل عَلَى الصّفة؟ كقوْلِه تَعالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]. ويُطلَقُ المَثَل عَلَى الذّاتِ؛ قالُوا كقوْلِه تَعالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، يعْنِي ليْسَ كذَاتِه، وقالُوا مِنْه قولُ الشَّاعِرِ (٢):

стр. 142

لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتَى زُهَيْرٍ .................. والمُرادُ هُنا بالمَثَل فِي قوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصِّفةُ، أيْ لَهُ الصِّفةُ العُلْيا فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ، كُلُّ صِفَةٍ كَاملَةٍ فلِله أكمَلُها، وكُلُّ صفَةِ نقْصٍ فإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عنْهَا؛ لأنَّهُ مَا دَام قَد ثَبَت لَهُ الصِّفَةُ الكَامِلَةُ العُلْيا، فإنَّهُ بالضَّرُورةِ العَقْلِيَّةِ ينتفِي عنْهُ النَّقْص؛ لأنَّهُ لَو اتَّصَف بنَقْصٍ ما اسْتَحقَّ أنْ يَكُونَ لَهُ المَثَلُ الأَعْلى. إِذَنْ: هَذهِ الآيَةُ الكَريمَةُ تدُلُّ عَلَى صِفَاتِ الكَمال للهِ ، الكَمالُ المُطْلَقُ؛ لأنَّهُ قَال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وعَلى انْتِفاء النَّقْص مِن جَمِيع الوُجوهِ إِذْ أنَّه لوِ اتَّصفَ بنَقْصٍ مَا اسْتحَقَّ أنْ يكُونَ لَه المَثلُ الأَعْلى، ونَأْخُذُ مِن هَذا أنَّ كُلَّ مَا وَصَفَ الله بِه نفسَهُ فهُو صفَةُ كَمالٍ، وَلَيْس فِيه نقْصٌ، وكُلُّ كَمالٍ فإِنَّ الله تَعالَى مستَحِقٌّ لَه، فهَذان شيْئَانِ: الأولُ: أنْ نَعْلم عِلْمَ اليَقِينِ أنَّ كُلَّ مَا وَصَفَ الله بِه نفسَهُ فهُوَ صِفةُ كَمالٍ. الثَّاني: أنْ نَعْلم أنَّ كُلَّ صِفَةِ كَمالٍ فاللهُ تَعالَى مستَحِقٌّ لَها، فَهُو أهْلٌ لَها، كَما قَالَ الرَّسولُ ﵊: "أهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ" (١)، وسيَأْتي - إنْ شاءَ الله - فِي الفوائِد مَا يُسْتَدلُّ بِه عَلَى الرّدِّ عَلَى الَّذِين يُنكِرونَ صِفاتِ الله بحُجَّةِ أنَّها تسْتَلْزِمُ النَّقصَ وهُو التَّشبِيهُ. وقوْله : ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: معْنى المَثل الأَعْلى فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ يعْنِي عنْدَ أهْلِ السَّمواتِ مَن المَلائِكَةِ، وعِنْدَ أهْلِ الأرْضِ، فكُلُّ الفِطَر السَّليمة تعْتَرِفُ بأنَّ المَثل الأعْلَى والصِّفةَ العُليا للهِ وحْدَه.

стр. 143

وأمَّا قولُ المُفَسِّر ﵀: [وَهِيَ أنَّه لَا إلَهَ إِلَّا الله]، فهَذا فرْدٌ مِن أفْرَادِ المَثَل الأعْلَى، وليْسَ هُو المَثل الأَعْلى كُلَّه، فإِنَّ لَا إلَه إلَّا الله تدُلُّ عَلَى تفرُّدِه بالأُلوهِيَّةِ، وَهَذا مِن المَثَلِ الأَعْلى، لكِنَّ المَثلَ الأَعْلى أعَمُّ مِن ذَلِك، فلَهُ مثلًا القُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْم الكامِلُ والحيَاةُ الكاملَةُ والسَّمْعُ الكامِلُ والبَصر الكامِلُ والحكْمَةُ البالِغةُ، وَهكَذا فَهِي أعَمُّ مِن تفرُّدِه بالأُلوهِيَّةِ. قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي مُلْكِهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي خَلْقِه]: تفْسِيرُه هَذَا فِيه قُصورٌ، فـ ﴿الْعَزِيزُ﴾ يعْنِي: ذُو العِزَّة، وَهِي الغَلبَةُ والقَهْر والقَدْرُ، فلَه عزَّةُ القهْرِ والقَدْرِ والامتناعِ، فالعزة إِذَنْ ثلاثَةُ معَانٍ: المَعْنى الأوَّلُ: عزَّةُ القَهْرِ، بمَعْنى أنَّه القاهِرُ لكُلِّ شيْءٍ، فلَا يغْلِبُه أحَدٌ، قالَ الله تَعالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]. المَعْنى الثَّاني: عِزَّةُ القَدْرِ، ومعْنى عِزَّة القَدْر أنَّ الله لا نظِير لَه، ولَا شبَه له؛ لكمَال قدْرِه وعظَمَتِه، ومنْهُ قوْلُهم: (هَذا الشّيْءُ عزِيزٌ)، أيْ نادِرُ الوُجودِ لَا نظِيرَ لَهُ. المَعْنى الثَّالث: عِزَّةُ الامتِناعِ، بمَعْنى أنَّه يمتَنِع علَيْه النّقْص لِكمَالِ قُوَّتِه، ومنْهُ قوْلُهم: هَذِهِ الأرْضَ عزَازٌ (١)، يعْنِى شَديدَةٌ قويَّةٌ لا يُمْكِنُ أنْ ينْفذَ إليها شيْءٌ، والأرْضُ الرَّخوَةُ بالعَكْس، كُلُّ شيْءٍ يؤَثِّرُ فِيها حتَّى الرَّجُل إِذا مشَى علَيْها يُؤثِّرُ، بخلَافِ الأَرْض الصّلْبة التي تُسمَّى العزَاز. فصارَتِ العزَّةُ الآن عزَّة القدْرِ وعِزَّةَ القهْرِ وعِزَّةَ الامتَناع.

стр. 144

لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوْلُه : ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠]، مِن أَيِّ المَعاني؟ قُلْنَا: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أيْ بمُمْتنِعٍ، فهُو مِن عِزَّةِ الامْتِنَاعِ. وأمَّا قولُه ﴿الْحَكِيمُ﴾ فالمُفَسِّر ﵀ يقولُ: هو [الحكِيمُ فِي خَلْقِهِ] وأحيانًا يقُول: (في صُنْعِه)، ومعْنَاهُما واحِدٌ، لكِنَّ هَذا قاصِرٌ أيْضًا؛ لأَنَّ الحكِيمَ مشْتَقٌّ مِن الحُكْم والحِكْمة، فعَلى قولِنا أنَّه مُشتَقٌّ مِن الحُكم يَكُون (حَكِيمٌ) بمَعْنى حَاكِم، مثْلُ رَحِيمٍ بمَعْنى رَاحِم، وَعَلَى قوْلِنا أنَّه مِن الحكْمَة يكُونُ (حَكِيمٌ) بمَعْنى مُتْقِن، فَهُو مِن أَحْكَمَ يُحْكِمُ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وهل يَأْتي (فَعيل) بمعنى (مُفْعِل) في اللُّغَة العربية؟ فالجوابُ: نَعم، وَمنْه قوْلُه تَعالَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، بمعْنى (مُؤْلِم)، ومنْه قولُ الشّاعر (١): أَمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُني وَأَصْحَابِي هُجُوعُ السَّميعُ أي: المُسْمِع؛ لأَنَّ الدّاعِي يُسْمِعُ غيرَه، ولَيْس هُو نفسُه سَمِيعًا. إِذَنْ: نقُولُ: (حِكيم) مأخُوذَةٌ مِن الحُكم والحِكْمة، فعَلى أنَّه مأخُوذٌ مِن الحُكْم يكُونُ بمَعْنى (حَاكِم) مثْلُ (رَحيم) بمَعْنى (رَاحم)، و (سَمِيع) بمَعْنى (سَامِع)، وإِذا قُلنا أنَّها مِن الحكْمَة فَهُو مِن أحْكَمَ فَهُو حَكِيمٌ، بمَعنى محُكم، أيْ اسمُ فاعِلٍ مِنَ الرُّباعِيِّ.

стр. 145

وحُكْمُ الله ينْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: كَوْنيٍّ وشرْعِيٍّ، فالكوْنيُّ نافِذٌ في جَمِيعِ الخلْق شاؤُوا أمْ أَبوْا، والشَّرعِيُّ نافِذٌ فِيمَن أطَاعَ الله ، أمَّا مَنْ لَم يُطِعْه فإِنَّهُ لا يُنْفِذُ حُكْمُه. وهَل هُناك أمْثِلَةٌ مِن القُرآنِ تدُلُّ عَلَى هَذا التّقسيمِ مِن أنَّ الحُكْم كوْنِيٌّ وشَرْعِيٌّ؟ الجوابُ: نعم، قالَ أحَدُ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]، المُراد بالحُكم هُنا الحكمُ الكَوْنيُّ القَدَرِيُّ، يَعْني: أوْ يُقَدِّرُ الله ذَلِك، أمَّا الحُكْم الشّرعِيُّ فإنَّ الله لما ذَكر مَا يَجِبُ فِي النِّساءِ المُهاجِراتِ فِي سُورةِ المُمْتَحِنة قَال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والمُراد بالحُكْم هُنا الحُكْمُ الشّرْعِيُّ، لأَنَّ مَا ذُكِرَ مِن الأُمُورِ كُلُّه أمُورٌ شرْعِيَّةٌ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما تقُولونَ فِي قوْلِه : ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، أيُّ الحُكْمَين؟ قُلْنَا: هذَا شَامِلٌ، وَكَذلِكَ قوْلُه تَعالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، الظَّاهِر أنَّه شامِلٌ، وإِنْ كَان فِي الشَّرع فِي هَذهِ الآيَةِ أظْهَرَ؛ لأَنَّ الله قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. إِذَن: الحكِيمُ مِن الحُكْم تنْقِسمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: حُكْمٌ شرْعِيٌّ، وحُكْمٌ كوْنيٌّ، والحُكمُ الكونيُّ هُو قَضاؤُه وقدَرُه، وكُلُّ أحَدٍ خاضِعٌ لَهُ، والحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مَا حَكَمَ بِه شرْعًا، ولا يَخْضَعُ لَهُ كلُّ أحدٍ. أمَّا إذا قُلنا أنَّه مِن (أحْكَمَ) فحَكِيمٌ مِن الحكْمَة بمَعْنى مْحُكم، فإِنَّ الحِكْمة تنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْن: حكْمَةٌ غائِيَّةٌ، وحِكْمةٌ صُورِّيةٌّ، يعْنِي صورَةُ الشّيْء كَذا وكَذا،
следующие страницы →