Полный текст (333 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أهوَنَ باعْتِبارِ المُخاطَبِ، أمَّا بالنِّسبَةِ للهِ فَلا نَقُولُ: إِنَّ فِي حقِّه مَا هُو أهْوَنُ، ومَا هُو هيِّنٌ، بَلِ الكلُّ عنْدَ الله تَعالَى هيِّنٌ سهْلٌ.
وقالَ بعْضُ المُفسِّرينَ: إِنَّ (أهْون) بمَعْنى هَيِّن، فَعلى هَذا يكُونُ الهَوْن بالنِّسبَةِ إِلَى الله ، لَا بالنِّسبَةِ لما عنْدَنا نَحْن، وَفِي الحدِيثِ عَنِ الرَّسولِ ﵊ أنَّ الله تَعالَى قالَ: "كَذَّبَني ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فَقَوْلُه: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادتِهِ" (١)، فهُو مفُسِّرٌ للآيَة، فهُو يُفَسِّر أنَّ كُلَّ ذَلِك هيَّنٌ علَيْه، ولكِنْ لا شَكَّ أنَّ الإِعادَةَ أهْوَنُ باعْتِبارِ المَفْهومِ عنْدَ المُخاطَبِينَ، فمَا مشَى علَيْه المُفَسِّر ﵀ هُنا جيِّدٌ.
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أيْ الصّفَةُ العُلْيَا، وَهِي أنَّه لَا إلَه إِلَّا الله]: (له) خَبَرٌ مقَدَّمٌ، و (المَثَلُ) مُبتَدأ مؤخَّرٌ، والمَثَل والمِثْل معناهُما واحِدٌ، ويُطْلَق عَلَى عدَّةِ معانٍ: فيُطْلَقُ عَلَى الشَّبه؛ كقوْلِه تَعالَى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧]، يعْنِي شَبَهُهم كشَبَه الَّذي اسْتوْقَد نَارًا.
ويُطْلق المَثَل عَلَى الصّفة؟ كقوْلِه تَعالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥].
ويُطلَقُ المَثَل عَلَى الذّاتِ؛ قالُوا كقوْلِه تَعالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، يعْنِي ليْسَ كذَاتِه، وقالُوا مِنْه قولُ الشَّاعِرِ (٢): стр. 142
لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتَى زُهَيْرٍ ..................
والمُرادُ هُنا بالمَثَل فِي قوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصِّفةُ، أيْ لَهُ الصِّفةُ العُلْيا فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ، كُلُّ صِفَةٍ كَاملَةٍ فلِله أكمَلُها، وكُلُّ صفَةِ نقْصٍ فإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عنْهَا؛ لأنَّهُ مَا دَام قَد ثَبَت لَهُ الصِّفَةُ الكَامِلَةُ العُلْيا، فإنَّهُ بالضَّرُورةِ العَقْلِيَّةِ ينتفِي عنْهُ النَّقْص؛ لأنَّهُ لَو اتَّصَف بنَقْصٍ ما اسْتَحقَّ أنْ يَكُونَ لَهُ المَثَلُ الأَعْلى.
إِذَنْ: هَذهِ الآيَةُ الكَريمَةُ تدُلُّ عَلَى صِفَاتِ الكَمال للهِ ، الكَمالُ المُطْلَقُ؛ لأنَّهُ قَال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وعَلى انْتِفاء النَّقْص مِن جَمِيع الوُجوهِ إِذْ أنَّه لوِ اتَّصفَ بنَقْصٍ مَا اسْتحَقَّ أنْ يكُونَ لَه المَثلُ الأَعْلى، ونَأْخُذُ مِن هَذا أنَّ كُلَّ مَا وَصَفَ الله بِه نفسَهُ فهُو صفَةُ كَمالٍ، وَلَيْس فِيه نقْصٌ، وكُلُّ كَمالٍ فإِنَّ الله تَعالَى مستَحِقٌّ لَه، فهَذان شيْئَانِ:
الأولُ: أنْ نَعْلم عِلْمَ اليَقِينِ أنَّ كُلَّ مَا وَصَفَ الله بِه نفسَهُ فهُوَ صِفةُ كَمالٍ.
الثَّاني: أنْ نَعْلم أنَّ كُلَّ صِفَةِ كَمالٍ فاللهُ تَعالَى مستَحِقٌّ لَها، فَهُو أهْلٌ لَها، كَما قَالَ الرَّسولُ ﵊: "أهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ" (١)، وسيَأْتي - إنْ شاءَ الله - فِي الفوائِد مَا يُسْتَدلُّ بِه عَلَى الرّدِّ عَلَى الَّذِين يُنكِرونَ صِفاتِ الله بحُجَّةِ أنَّها تسْتَلْزِمُ النَّقصَ وهُو التَّشبِيهُ.
وقوْله : ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: معْنى المَثل الأَعْلى فِي السَّموَاتِ وَالأرْضِ يعْنِي عنْدَ أهْلِ السَّمواتِ مَن المَلائِكَةِ، وعِنْدَ أهْلِ الأرْضِ، فكُلُّ الفِطَر السَّليمة تعْتَرِفُ بأنَّ المَثل الأعْلَى والصِّفةَ العُليا للهِ وحْدَه. стр. 143
وأمَّا قولُ المُفَسِّر ﵀: [وَهِيَ أنَّه لَا إلَهَ إِلَّا الله]، فهَذا فرْدٌ مِن أفْرَادِ المَثَل الأعْلَى، وليْسَ هُو المَثل الأَعْلى كُلَّه، فإِنَّ لَا إلَه إلَّا الله تدُلُّ عَلَى تفرُّدِه بالأُلوهِيَّةِ، وَهَذا مِن المَثَلِ الأَعْلى، لكِنَّ المَثلَ الأَعْلى أعَمُّ مِن ذَلِك، فلَهُ مثلًا القُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْم الكامِلُ والحيَاةُ الكاملَةُ والسَّمْعُ الكامِلُ والبَصر الكامِلُ والحكْمَةُ البالِغةُ، وَهكَذا فَهِي أعَمُّ مِن تفرُّدِه بالأُلوهِيَّةِ.
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي مُلْكِهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي خَلْقِه]: تفْسِيرُه هَذَا فِيه قُصورٌ، فـ ﴿الْعَزِيزُ﴾ يعْنِي: ذُو العِزَّة، وَهِي الغَلبَةُ والقَهْر والقَدْرُ، فلَه عزَّةُ القهْرِ والقَدْرِ والامتناعِ، فالعزة إِذَنْ ثلاثَةُ معَانٍ:
المَعْنى الأوَّلُ: عزَّةُ القَهْرِ، بمَعْنى أنَّه القاهِرُ لكُلِّ شيْءٍ، فلَا يغْلِبُه أحَدٌ، قالَ الله تَعالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
المَعْنى الثَّاني: عِزَّةُ القَدْرِ، ومعْنى عِزَّة القَدْر أنَّ الله لا نظِير لَه، ولَا شبَه له؛ لكمَال قدْرِه وعظَمَتِه، ومنْهُ قوْلُهم: (هَذا الشّيْءُ عزِيزٌ)، أيْ نادِرُ الوُجودِ لَا نظِيرَ لَهُ.
المَعْنى الثَّالث: عِزَّةُ الامتِناعِ، بمَعْنى أنَّه يمتَنِع علَيْه النّقْص لِكمَالِ قُوَّتِه، ومنْهُ قوْلُهم: هَذِهِ الأرْضَ عزَازٌ (١)، يعْنِى شَديدَةٌ قويَّةٌ لا يُمْكِنُ أنْ ينْفذَ إليها شيْءٌ، والأرْضُ الرَّخوَةُ بالعَكْس، كُلُّ شيْءٍ يؤَثِّرُ فِيها حتَّى الرَّجُل إِذا مشَى علَيْها يُؤثِّرُ، بخلَافِ الأَرْض الصّلْبة التي تُسمَّى العزَاز.
فصارَتِ العزَّةُ الآن عزَّة القدْرِ وعِزَّةَ القهْرِ وعِزَّةَ الامتَناع. стр. 144
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوْلُه : ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠]، مِن أَيِّ المَعاني؟
قُلْنَا: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أيْ بمُمْتنِعٍ، فهُو مِن عِزَّةِ الامْتِنَاعِ.
وأمَّا قولُه ﴿الْحَكِيمُ﴾ فالمُفَسِّر ﵀ يقولُ: هو [الحكِيمُ فِي خَلْقِهِ] وأحيانًا يقُول: (في صُنْعِه)، ومعْنَاهُما واحِدٌ، لكِنَّ هَذا قاصِرٌ أيْضًا؛ لأَنَّ الحكِيمَ مشْتَقٌّ مِن الحُكْم والحِكْمة، فعَلى قولِنا أنَّه مُشتَقٌّ مِن الحُكم يَكُون (حَكِيمٌ) بمَعْنى حَاكِم، مثْلُ رَحِيمٍ بمَعْنى رَاحِم، وَعَلَى قوْلِنا أنَّه مِن الحكْمَة يكُونُ (حَكِيمٌ) بمَعْنى مُتْقِن، فَهُو مِن أَحْكَمَ يُحْكِمُ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وهل يَأْتي (فَعيل) بمعنى (مُفْعِل) في اللُّغَة العربية؟
فالجوابُ: نَعم، وَمنْه قوْلُه تَعالَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، بمعْنى (مُؤْلِم)، ومنْه قولُ الشّاعر (١):
أَمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُني وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
السَّميعُ أي: المُسْمِع؛ لأَنَّ الدّاعِي يُسْمِعُ غيرَه، ولَيْس هُو نفسُه سَمِيعًا.
إِذَنْ: نقُولُ: (حِكيم) مأخُوذَةٌ مِن الحُكم والحِكْمة، فعَلى أنَّه مأخُوذٌ مِن الحُكْم يكُونُ بمَعْنى (حَاكِم) مثْلُ (رَحيم) بمَعْنى (رَاحم)، و (سَمِيع) بمَعْنى (سَامِع)، وإِذا قُلنا أنَّها مِن الحكْمَة فَهُو مِن أحْكَمَ فَهُو حَكِيمٌ، بمَعنى محُكم، أيْ اسمُ فاعِلٍ مِنَ الرُّباعِيِّ. стр. 145
وحُكْمُ الله ينْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: كَوْنيٍّ وشرْعِيٍّ، فالكوْنيُّ نافِذٌ في جَمِيعِ الخلْق شاؤُوا أمْ أَبوْا، والشَّرعِيُّ نافِذٌ فِيمَن أطَاعَ الله ، أمَّا مَنْ لَم يُطِعْه فإِنَّهُ لا يُنْفِذُ حُكْمُه.
وهَل هُناك أمْثِلَةٌ مِن القُرآنِ تدُلُّ عَلَى هَذا التّقسيمِ مِن أنَّ الحُكْم كوْنِيٌّ وشَرْعِيٌّ؟
الجوابُ: نعم، قالَ أحَدُ إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]، المُراد بالحُكم هُنا الحكمُ الكَوْنيُّ القَدَرِيُّ، يَعْني: أوْ يُقَدِّرُ الله ذَلِك، أمَّا الحُكْم الشّرعِيُّ فإنَّ الله لما ذَكر مَا يَجِبُ فِي النِّساءِ المُهاجِراتِ فِي سُورةِ المُمْتَحِنة قَال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والمُراد بالحُكْم هُنا الحُكْمُ الشّرْعِيُّ، لأَنَّ مَا ذُكِرَ مِن الأُمُورِ كُلُّه أمُورٌ شرْعِيَّةٌ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما تقُولونَ فِي قوْلِه : ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، أيُّ الحُكْمَين؟
قُلْنَا: هذَا شَامِلٌ، وَكَذلِكَ قوْلُه تَعالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، الظَّاهِر أنَّه شامِلٌ، وإِنْ كَان فِي الشَّرع فِي هَذهِ الآيَةِ أظْهَرَ؛ لأَنَّ الله قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
إِذَن: الحكِيمُ مِن الحُكْم تنْقِسمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: حُكْمٌ شرْعِيٌّ، وحُكْمٌ كوْنيٌّ، والحُكمُ الكونيُّ هُو قَضاؤُه وقدَرُه، وكُلُّ أحَدٍ خاضِعٌ لَهُ، والحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مَا حَكَمَ بِه شرْعًا، ولا يَخْضَعُ لَهُ كلُّ أحدٍ.
أمَّا إذا قُلنا أنَّه مِن (أحْكَمَ) فحَكِيمٌ مِن الحكْمَة بمَعْنى مْحُكم، فإِنَّ الحِكْمة تنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْن: حكْمَةٌ غائِيَّةٌ، وحِكْمةٌ صُورِّيةٌّ، يعْنِي صورَةُ الشّيْء كَذا وكَذا،
стр. 146
فكَوْن الشَّيْء عَلَى صُورَةٍ معيَّنَةٍ نَجِد أنَّ جَمِيعَ مَا خلَقَه الله فِي صِفَاتِه كُلُّه عَلَى صِفَةٍ مُوافِقَةٍ للحْكِمة، تدَبَّرِ المخْلوقاتِ تجِدْ أنَّ المخْلوقاتِ في ذَواتِها وحَركاتِها وهَيْئاتِها وصِفاتِها كُلُّها مُوافِقَة للحِكْمة، الحكْمَةُ الغائِيَّةُ هِي الغايَاتُ المحمُودَةُ فِي أفْعَالِه وأحْكامِه الشّرْعِيَّةِ كُل مَا خَلق الله تَعالَى، فإِنَّهُ لغايَةٍ محمُودَةٍ ليْسَ عبَثًا ولا سُدىً ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]، حتَّى مَا يُقدِّرُه الله مِن الأُمورِ المُؤلمَةِ فإِنَّهُ حكْمَةٌ، فهَزِيمَةُ المُؤْمِنينَ يومَ أُحُدٍ حكْمَةٌ لَا شكَّ، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧]، وقَال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١].
إِذَنْ: كُلُّ أفعالِه حكْمَةٌ، ولَها غايَةٌ محمُودَةٌ، كَذَلِكَ أيضًا أحْكَامُه الشّرْعِيَّةُ مثْلُ الأحْكَام الكوْنِيَّةِ، هِي عَلَى وضْعِها عَلَى صِفَةٍ معيَّنَةٍ موافِقَةٍ للحِكْمَةِ، ثمَّ غايَاتُها الحمِيدَةُ التي بِها صَلاحُ القُلوبِ والبِلادِ والعِبَادِ أيْضًا حِكْمَةٌ.
فصَارتِ الحكمَةُ نوْعَين: حكْمَةٌ فِي الشّيْءِ عَلَى صِفَته المعيّنةِ، وحكْمَة فِي غَايَتِه الحمِيدَةِ، ثمَّ إنَّ هَذِهِ الحكْمَةَ تَكونُ فِي الشَّرع، وتَكُونُ في القَدَر أي: فِي الكَوْن، إنَّنا إذا عَلِمْنا أنَّ الله تَعالَى حكِيم فإنَّنا نطْمَئِن غايَةَ الاطْمِئْنان لما قَضاه وقدَّرَهُ ولما شَرَعَه وحَكَم بِه، نطْمَئِنُّ أَنَّه موافِق للحِكْمَةِ، وحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ أنْ نوُرِد ولَا أنْ يَرِد عَلَى قُلوبِنا: لماذَا جَاء كَذا؟ ومن أَيْن شَرَع كَذا؟ إلا عَلَى سبيل الاسْتِرشَادِ، فالإنسانُ الَّذِي يسْأل عَن الحِكْمَةِ مُسترْشِدًا فَلا بَأْس، أمَّا الَّذِي يسْأل عَن الحِكْمَةِ مُعتَرِضًا فإِنَّهُ قَاصرٌ، ولَم يُقدّرِ الله حقَّ قدْرِه.
стр. 147
ولنَنتبه إِلَى كلِمة ﴿الْحَكِيمُ﴾، وَبِهذَا التَّفسر الَّذي فسَّرناهَا بِه يتبيَّنُ أنَّ المُفَسِّر ﵀ قدْ قصَّر في تفسِيرِه.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَتانِ الأُولَى والثّانيةُ: أنَّ الخَلْق حادِثٌ بعْدَ أنْ لم يَكُن يُؤْخَذُ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، فيَكُون في الآيَةِ ردٌّ لقولِ الفَلاسِفَةِ القَائِلينَ بقِدَمِ العالَم، والصَّوابُ أنَّ العالَم حادِثٌ بعْدَ أنْ لَم يكُنْ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: إثْبَاتُ إعادَةِ الخلْقِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
الفائِدَةُ الرابعةُ: استِعْمالُ قياسِ الأَوْلى، وقِياسَ الأَوْلى معرُوفٌ في أُصولِ الفِقْه، فالاسْتِدلال بالنَّظر عَلَى نظيرِه يُسمَّى قِياس مساوَاةٍ، والاسْتِدلال عَلَى الشّيْءِ بِما هُو أَوْلى - يَعْني نسْتَدِلُّ عَلَى الشّيء الّذِي يكُونُ أوْلى مِن المَقِيس علَيْه - هَذا يُسمّونَه قِياس الأَوْلى، فهُنَا في الآيَةِ استِعْمالُ قياسِ الأَوْلى؛ يُؤْخذُ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، أيْ إعادَتُه، فإِنَّهُ إِذا كَان قادِرًا عَلَى الابْتِداءِ فَهُو عَلَى الإعادَةِ مِن بَابِ أَوْلى عَلَى ما مَشَى علَيْه المُفَسِّر.
الفائِدَةُ الخامسةُ: إثْبَاتُ كمالِ الصّفات لله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
الفائِدَةُ السادسةُ: الرّدُّ عَلَى أهْلِ التّعطيلِ الَّذِين يُنكِرُون صِفاتِ الله ؛ فإِنَّ الَّذِين يُنْكِرونَ صِفاتِ الله مَا جعَلُوا لَهُ المَثَل الأَعْلى، بَلْ جَعلُوه موْصُوفًا بالنّقائِص - والعياذُ بالله -، سواء كَان هَذا التّعْطِيلُ كُليًّا أو جُزئيًّا؛ لأَنَّهُ إِنْ كانَ كُليًّا كَما فَعل
стр. 148
الجهْمِيَّةُ وسلَبُوه جَمِيعَ الصِّفاتِ، وَكَذلِكَ المعتزلِةُ قَالُوا: لَه أسْمَاءٌ بِدونِ صِفاتٍ، فظَاهِرٌ أنَّهم سلَبُوا الكَمال عَنِ الله، أمَّا إِذا كانَ جُزئِيًّا كَما فعَل الأشَاعِرةُ والماتُرِيديَّةُ ونحْوُهم فَإنَّ هَذا فِيه سلْبُ الكَمالِ عَنِ الله فِيما وَصفَ بِه نفْسَهُ، فقوْلُه تَعالَى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، الاسْتِواءُ صِفةُ كَمال وهُمْ يقُولونَ: (اسْتوى بمَعْنى اسْتَوْلَى)، فلَم يجْعَلُوا للْعَرش خَصِيصةً بالاسْتِواءِ علَيْه؛ لأَنَّ الله تَعالَى مستولٍ عَلَى كُلِّ شيْءٍ، وَكَذلِكَ أيْضًا إِذا قالُوا إِنَّ المُرادَ بالآيَاتِ خِلافُ الظَّاهِر، فإِنَّهم وصَفُوا الله تَعالَى بالنّقْص؛ لأَنَّ إرادَة المتَكَلِّم بكَلامِه خِلافَ الظَّاهِر بدُونِ بَيانٍ يُعتبر تدْلِيسًا وتَمْويهًا، واللهُ مَا أَنزْل القرآن إِلَّا لِلْبَيانِ، قَال تَعالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النّساء: ٢٦]، وقَال تَعالَى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقَال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النّحل: ٤٤]، والآيَاتُ في هَذا كثِيرَةٌ.
فإِذَا قُلْنَا: إنَّ الله أرادَ بِهَذا خِلافَ الظَّاهِر، فهَذا وصْفٌ لَه بالتَّعْميَةِ ، وأنَّه لا يُرِيدُ البيانَ، وهَذا لا شَكَّ أنَّه نقْصٌ، وَلهَذا نقُولُ: إِنَّ جَمِيعَ مَنْ أنْكَرُوا صِفَاتِ الله كُلِّيَّةً أوْ جُزْئيَّةً فإِنَّهم قدْ وَصَفُوا الله بالنَّقْص.
الفائِدَةُ السابعةُ: أنَّ كُلَّ صِفَةٍ وُصَف الله بِها نفْسَهُ فَهِي صِفَةُ كَمالٍ؛ تُؤخَذ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، فإِذا أثْبَتَ لنفْسِه صِفةً علِمْنا أنَّها صِفة كَمالٍ، الرّحمَةُ أثْبَتها الله لنَفْسِه صفَةَ كَمالٍ لا نقْصٍ، لكنَّها عنْد أهْل التَّعطِيل المُحَرِّفِينَ هِي صِفةُ نقْصٍ، يقُولونَ: إِنَّ الرّحمةَ تدُلُّ عَلَى الخَوَرِ والضَّعْفِ؛ فلِهَذا قالوا أنَّ رَحمةَ الله لَا يُرادُ بِها الرَّحمةُ، وإِنَّما يُرادُ بِها الإحسَان، أَوْ إرادَةُ الإحسَان، يُفسِّرونها إمَّا بالجزاءِ المفْعُولِ المخْلُوقِ وإِمَّا بِإرَادَتِه.
стр. 149
وهَلْ يُستَفادُ مِن هَذهِ الآيةِ الكَريمَةِ اسْتِعْمالُ قِياسِ الأَوْلى في حَقِّ الله، فنَقولُ: كُلُّ صَفَةِ كَمالٍ في المخْلُوقِ فالخالِقُ أَوْلى بِهَا؟
نَعم، شيْخُ الإسْلام ﵀ يُقرِّرُ هَذا، بأنَّ استِعْمالَ قِيَاسِ الأَوْلى في حَقِّ الله جَائِزٌ، أمَّا قِياسُ التَّمْثيلِ وقياسُ الشُّمولِ فهذَا مُمتنِعٌ؛ لأَنَّهُ هُو التَّشْبيهُ، فإِذا قُلْنا: كُلُّ صفَةِ كَمالٍ في المخْلُوق فالخالِقُ أَوْلى بِها صَحَّ، لكِنْ يَجِبُ أنْ نعلَمَ أنَّ صِفَاتِ المخْلُوقِ الكامِلَةَ التي تُكَمِّلُ نقْصَهُ فَهِي كامِلَةٌ في حقِّه، لكِنْ لتكْمِيلِ نقْصِه، فَهَذهِ لا يُوصَفُ الله بِها، يَعْني هِي كامِلَةٌ في حقِّ المَخْلوقِ، لكِنْ لتكْمِيلِ نقْصِه؛ فإِنَّ الخالِق لا يُوصَفُ بِها؛ لأنَّهَا وإِنْ كَانت كامِلَةً فَهِي في الوَاقِع نقْصٌ، مِثْلُ الأَكْل والنَّوم والنكِّاحِ، ومَا أشْبَه ذَلِك، فهَذِهِ الصِّفاتُ في حقِّ المخلُوقِ صفَةُ كَمالٍ؛ لأَنَّ الَّذِي لا يأْكُل معْنَاه أنَّه مرِيضٌ، والَّذِي لا ينَامُ معْنَاه أنَّه مرِيضٌ، والَّذي لا يتزَوَّجُ معْنَاه أنَّه مرِيضٌ، ففَواتُ هَذِهِ الصِّفاتِ نقْصٌ في المخْلُوقِ، لكِنَّها لما كانَتْ تَكْمِيلًا لنقْصِه صارَتْ لا يُوصَفُ بِها الخالِقُ لحاجَةِ الإِنْسانِ إِلَى الأكل صَار يأْكُل، والَّذِي لَا يشْتَهِي ولَا يأْكُل آخِرُه المَوْت، وَكَذلِكَ لمَّا كانَ الإنْسانُ يتْعَبُ ويحْتَاجُ إِلَى صِفَةٍ تقْطَعُ هَذا التّعبَ ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النّبأ: ٩]، صَار النَّوْم في حقِّه كَمالًا، وَكَذلِكَ لمَّا كانَ الإِنْسانُ محُتَاجًا إِلَى بقَاءِ النَّسْل والنَّوْع صارَ النِّكَاحُ في حقِّه كَمالًا، فَهُو في الحقِيقَةِ تكْمِيلٌ لنَقْصٍ، لكِنْ لَا يُوصَفُ الله بِه ؛ لأَنَّ الله كامِلٌ مِن جَمِيع الصِّفاتِ.
لَوْ قالَ قَائِلٌ: إنَّ الصِّفاتِ توْقِيفيَّةٌ، ولوْ فتَحْنا هَذا البابَ - كَما قَالَ شيخُ الإسْلام ﵀ باسْتِعمال قِيَاسِ الأَوْلى في حَقِّ الله لكَانَ كُلُّ إِنْسَانٍ يَقِيسُ بعَقْلِه ويُخْطِئُ؛ لأنَّهُ قدْ يظُنُّ أنَّ هَذا كَمالٌ، وهُو ليْسَ بِكَمَالٍ؟
قُلْنَا: يَرِد عليْنا هَذَا، لكِنْ نقُولُ: كُلُّ صفَةِ كَمالٍ مِن حيْثُ العُمُومُ والجِنْس
стр. 150
إِمَّا أنْ نقُولَ: كلُّ صفَةٍ تَثْبُت للمَخْلوقِ نُثْبِتُها للخالِق، وهَذا لا يُمْكِنُ ولَا يسْتَقِيمُ، إنَّما مِن حيْثُ الجِنْس كُلُّ صفَةِ كمَالٍ في المَخْلُوقِ فاللهُ أَوْلى بِها، والسَّمع مُؤَيّدٌ، قَالَ تعالَى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ فِيما ورَد مِنَ الصِّفاتِ؟
قُلْنَا: لَا، بَلْ مُطْلَقًا، حتَّى الأشْيَاءُ الَّتي قَدْ لَا تكون موْجُودةً في النّصِّ وهِيَ مِن صِفَاتِ الله، قصْدِي أنَّها مِنَ الكَمالِ، فاللهُ تَعالَى مُتَّصِفٌ بِها, لكِنْ في الصِّفاتِ الخبَرَّيةِ قدْ نَقُولُ أنَّه يَمْتَنِعُ أنْ يُقاسَ الله بِالخلْقِ حتَّى قِياسَ الأَوْلى كَالعَيْن وَاليَدِ ومَا أشْبَهَها، فهَذِه قَدْ نقُولُ: لَا يُمْكِنُ أنْ نَقِيسَ فِيها قِيَاسَ الأَوْلى، فالأُذُن في المَخْلُوقِ كَمالٌ لكِنَّها في الخالِق لا تثْبُتُ لَهُ؛ لأنَّهَا لمْ يَرِدْ بِها الشّرعُ.
الفوَائِدُ الثّامِنهُ والتّاسِعةُ والعَاشِرَةُ: إثْبَاتُ العِزَّةِ؛ لقوْلِه : ﴿الْعَزِيزُ﴾ وإثْبَاتُ الحِكْمةِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿الْحَكِيمُ﴾، وإثْبَاتُ الحُكْمِ أيْضًا مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عشْرَةَ: يتفرَّع عَلَى إثْبَاتِ الحِكْمَةِ قطْعُ الاعْتِراضِ عَلَى الخَلْق والشّرع، بمَعْنى أنَّك لا تعْتَرِضُ عَلَى خَلْقِ الله أوْ عَلَى شرْعِه، وإنَّما تُسَلّم؛ لأَنَّك إِذا آمَنْت بالحِكْمَةِ وأنَّ الله تَعالَى حَكِيمٌ فحِينَئِذٍ ينْقَطِعُ الاعْتِراضُ نِهائِيًّا، فلا تَقُلْ لمَ؟ ولَا مِن أيْنَ؟ إِلا عَلَى سَبِيل الاسْتِرْشادِ.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ عشرة: اطْمِئنانُ الإنْسانِ التَّامِّ بما قَدَّرَ الله تَعالَى وشَرَعَهُ، حيْثُ أنَّه صادِرٌ عَنِ الحِكْمَةِ.
стр. 151
الآية (٢٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرّوم: ٢٨].
* * *
قوْله تَعالَى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾: المَثل بمَعْنى الشَّبَه والنَّظير، يعْنِي: ضَرب لكُمْ أمْرًا نَظِيرًا لما فعَلْتُم أنْتُم في جَانِب الله ، وهَذا المثل: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
يقُولُ المُفَسِّر ﵀: [وَهُوَ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾]، (مِمَّا) أيْ مِنَ الَّذي ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، يقُولُ المُفَسِّر ﵀: [أَيْ مِن مَمَالِيكِكُم ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لَكُمْ].
قوْله : ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾: أيْ مِن الَّذِي ملكَتْ أيمانُكُم ﴿مَلَكَتْ﴾، هَذِهِ هِي صِلَةُ المَوْصولِ، والعَائِدُ محْذُوفٌ، والتَّقْديرُ ملَكَتْه أيْمانُكُم.
وقوْله تَعالَى: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: الإِيمَان جَمْعُ يَمِينٍ، وهِي اليَدُ، وأُضِيفَ المُلْكُ إِلَى اليَدِ؛ لأَنَّ غالِب تصرُّفاتِ الاِنسانِ بِيَدِه، وأُضِيف إِلَى اليَمِينِ لأنَّهُ أشرَفُ مِن اليَسَارِ.
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: المُرادُ مَا ملَكَتِ الإِيمَان مِن الإِنسانِ؛ وَهذا قالَ المُفَسّر ﵀: [أَيْ مِنْ مَمَالِيكِكُمْ].
стр. 152
وقولُه ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾: مبْتَدَأ، و ﴿لَكُمْ﴾ خَبَرُها مُقدَّمٌ، ولكِنَّ المُبتدَأ دخَلتْ علَيْهِ ﴿مِّنْ﴾ لأَجْل العُمُومِ أوْ للتَّنْصِيص عَلَى العُمُومِ، لأَنَّ ﴿مِّنْ﴾ الزَّائدة تُفيدُ التَّنصيصَ عَلَى العُمُوم، ولكنَّه قدْ يشْكل علَيْنا أنَّ ﴿مِّنْ﴾ لا تُزاد إِلا بعدَ النَّفي، وابْنُ مالك ﵀ يقُولُ في هَذِهِ المسأَلةِ (١):
وَزِيدَ في نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ ... نَكِرَةً كـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)
فـ ﴿مِنْ﴾ زائِدةٌ إعْرابًا, ولكِنَّها في المَعْنى لهَا معْنَى، وهُوَ التَّنصِيصُ عَلَى العُمُومِ، وذَكر ابْنُ مالِكِ ﵀ أنَّها لا تُزادُ إِلَّا بعْدَ نفْيٍ وشِبْهِه، وهُنا سُبِقت بشِبْهِ نفْيٍ؛ لأنَّهُ اسْتِفْهامٌ بمَعْنى النَّفْي، يعْنِي: مَا لكُمْ مِمَّا ملَكَتْ أَيْمانُكُم مِن شُرَكاءَ فِيما رَزَقْنَاكُم.
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾: أيْ مُشارِكِينَ لكُمْ.
قالَ المُفَسر ﵀: [﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ مِنَ الأَمْوالِ وغيْرِها فأَنْتم وهُمْ ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾]، قوْله تَعالَى: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليْسَتْ عائِدَةً عَلَى النَّفْي، لكِنَّها عائِدَةٌ عَلَى المنْفِيِّ، يعْنِي: فهَلْ أنْتُم سَواءٌ فِيما رَزقْنَاكُمْ.
قوْلُه ﵀: [﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: أيْ أمثالِكُمْ مِنَ الأَحْرَارِ]، فجَعل الأنْفُس هُنا بمَعْنى الجِنْس؛ لأَنَّ النَّفْس تأْتِي بمَعْنى الجِنْس، يعْنِي: هَل هَؤُلاءِ المَمالِيكُ شرُكاءُ لكُمْ في رزْقِكُم مِن الأمْوالِ والأَولادِ ومُساوُونَ لَكُم وتَخافُونَهُمْ كَما تخافُونَ مِن أنْفُسِكُمْ؟
والجوابُ: لَا، ليْسَ لَنا مِمَّا مَلكَتْ أَيمانُنا شُركاءُ فِيما رُزِقْنا، فالمَمْلوكُ لَا يُشارِكُك في مالِكَ، ولَا يُشارِكُك أيْضًا في وَلدِكَ، ولَا يُشارِكُكَ في أيِّ شيْءٍ تملِكُه، فإِذا كَان كَذَلِكَ فلِماذَا تجْعَلُون هَذِهِ الأصْنامَ شُركاءَ مَع الله وهِي مخْلُوقةٌ لَهُ ممْلُوكةٌ مرْبُوبةٌ لَه؟ ! стр. 153
إِذَن: المثَلُ واضِحٌ جدًّا في أنَّ هَؤُلاءِ المُشْركِينَ يُفرِّقونَ بيْنَ المُتماثِلَيْن، فكَما أنَّكُم الآنَ وبإقْرَارِكُم أنَّ عَبِيدَكُم لا يُساوُونَكُم في المنزلةِ ولَا يُشارِكُونَكُم في الرِّزقِ، فكَذَلِك أيْضًا مَا يمْلِكُه الله مِن هَذِهِ الأصنامِ وغيْرِها لَا يُساوُونَ الله تَعالَى في المَنْزلَةِ، ولَا يُشارِكُونَه في الحُقوقِ، وَهَذا مَثَلٌ ظاهِرٌ جدًّا.
ومثالُه مِن أنْفُسِنا نَحْنُ: هَذا رجُلٌ يُؤدِّبُ ولدَه إِذا أخْطَأ، فقَال لَهُ بعْضُ النَّاسِ: لماذَا تضرِبُه؟ لماذَا تنْهَرُه؟ فإنَّه سيَقُولُ: ألَسْت تفْعَلُ بِولَدِك مثْلَ هَذَا؟ !
والجوابُ: بَلى، إِذَنْ كيْفَ تلُومُني عَلَى شيْءٍ تفْعلُه أنْتَ؟ !
فيُقالُ لهَم: كيْف تَجْعلُون مَع الله شَرِيكًا فِيما يسْتَحِقُّه وحدَه، وأنتم لَا تجْعَلُون لأنْفُسِكُم شرِيكًا مِن عَبيدِكُم فِيما تخْتَصُّونَ بِه مِنَ الرِّزْقِ؟ ! هَذا الَّذِي ذَكر الله عنْهُم.
والعجِيبُ أن هَذِهِ الآيَةَ استدَلَّ بِها مَن يَرَوْن الاشْتِراكِيَّة (١)، فأوَّل مَا ظهرَتْ الاشْتراكِيَّةُ في العالَم العربيِّ بدَؤُوا يأْتُون بالنُّصوصِ المُتشابِهَةِ، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ صرِيحَةٌ في الاشْتراكِيَّةِ؛ لأَنَّهُ يقولُ: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، فانْظُرْ: كيف التّلبيسُ؟ وهذِه ليْسَتْ عَلَى ما أرَادُوا، إذْ هِي داخلَةٌ في النَّفْي، يعْني لسْتُم فِيه سَواءً، لكِن دَائِمًا أهْلُ الباطِلِ يُلَبِّسونَ لبَاطِلِهم بمُتَشابَهِ النُّصوصِ، وهَذهِ مِنْ حكْمَةِ الله ، أنَّه جعَل في النُّصوصِ أشْياءَ متُشابِهةً ليضِلَّ بِها مَن يضِلُّ.
وقولُ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَنْتُمْ﴾ وَهُمْ ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾]، المُفَسِّر ﵀ أَتَى بكَلِمة (وَهُم) لأَنَّ المُساواةَ لَا تكُونُ إِلا بيْنَ شيْئَيْنِ؛ فلِهَذا أتَى بقَوْله: (وَهُم)، ولَا حاجَة إلَيْها في الحقِيقَةِ، فالكلامُ تامٌّ بدُونِها إِذْ مِن المُمْكِنِ أنْ نقُولَ: ﴿فَأَنْتُمْ﴾، стр. 154
الضَّميرُ يعُودُ عَلَى المالِك والمَمْلوكِ فأنْتُم أيُّها المالِكُون والمَمْلوُكونَ فِيه سواءٌ، وحِينَئِذٍ لا نحْتاجُ إِلَى تقْدِير (وَهُمْ).
وقوْله تَعالَى: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾: هَذَا الَّذي تسلَّطَ علَيْه النَّفْيُ، يعْنِي لسْتُم فِيه سواءً.
قوْله تَعالَى: ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾: الضَّمِيُر يعُودُ عَلَى (مَا)، بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لأَنَّ (مَا) لَو عادَ إِلَيْها الضَّمِيرُ باعْتِبارِ اللَّفْظ لعَادَ إِلَيْها مُفْردًا، فلمَّا عادَ إِلَيْها جَمْعًا صَار باعْتِبَارِ المَعْنى.
وقوْله تَعالَى: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: المُفَسِّر ﵀ جعَل الأنْفُس بمَعْنى الجِنْس، يعْنِي كَما تخافُونَ مِن جِنْسِكُم، ولهِذَا قالَ: [أيْ أمثالُكم مِنَ الأَحْرَارِ]، ويُمْكِن أنْ يُقال أنَّه يَعُودُ عَلَى ذَاتِ الإنْسَانِ، ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، يعْنِي كَما أنَّ لكُم التّسلُّطَ عَلَى أموالِكُم، فأَنْتُم تخافُونَ أنْ يتسلَّطُوا عَلَى هَذِهِ الأموالِ كَما تتسلَّطُ أنْفُسُكُمْ.
وقوْله تَعالَى: ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: مصدْرٌ مضافٌ إِلَى الفاعِل، و (أنفُسَ) هِي المفْعولُ.
قالَ المُفَسِّر ﵀: [والاسْتِفْهامُ بمَعْنى النَّفْي، أيْ لَيْس مماليككم شُركاءَ لكُمْ إِلَى آخِرِه عنْدَكُم، فكَيْف تَجْعلُون بعْضَ مَماليكِ الله شُركاءَ لَهُ]، وَهَذا مثَلٌ واضِحٌ، إِذا كنْتَ أنْتَ الَّذي تمْلِكُ لَا يُشارِكُك في مالِك، وفِيما هُو مِنْ خَصائِصِكَ، فكَيْف تجْعَلُ للهِ تَعالَى شَرِيكًا فِيما هُو مِن خَصائِصِه، الكلامُ واضِحٌ جِدًّا في إلزْامِ هَؤُلاءِ بعَدمِ الشّرْكِ، وَلهذَا قالَ الله تَعالَى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، قالَ المُفَسِّر: [نُبيَنها مثْلَ ذَلِك التَّفْصِيلِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتَدبَّرونَ].
стр. 155
قوْله تَعالَى: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكَافُ اسْمٌ بمَعْنى مثْلِ، فهُو إِذَنْ مفْعُولٌ مطْلَقٌ عامِلُه ﴿نُفَصِّلُ﴾، أيْ مثْلَ ذَلِك التَّفْصيلِ والتَّبْيينِ، نُفصِّلُ الآيَاتِ، ولكِن مَن الَّذي ينتفِعُ بِها ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: إنَّ الله تَعالَى فصَّل الآيَات للعَاقِلِينَ وغَيْرِ العاقِلِينَ، فلمَاذا خصَّ ذَلِك بالعاقِلِينَ؟
فالجوابُ؛ لأنَّهم المنتفعونَ بِهَذا التَّفْصيلِ، مثْلَ مَا وصَفَ الله القُرآنَ بأنَّه هُدًى للمُتَّقِينَ، وَفِي آيَاتٍ أُخْرى هُدًى للنَّاسِ عامَّة، فبِاعْتبارِ الهِدايَةِ المُطْلَقةِ هُو عامٌّ، وبِاعْتبارِ الانْتِفاعِ هُو خاصٌّ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: : رحْمَةُ الله تَعالَى بخلْقِه بضَرْب الأمْثَالِ لهم؛ ليَصِلوا إِلَى الكمَال بِالِهدَايَةِ.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: بَلاغَةُ القُرآنِ بضَرْب الأَمْثالِ، وهُو أسْلوبٌ مِن أسَاليبِ اللُّغَة العرَبِيَّة في مُنْتهى البَلاغَةِ.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: المُناداةُ بجَهْل هَؤُلاءِ المُشْرِكينَ وعِنادِهم؛ لأنَّهم جَعلُوا للهِ شُرَكاءَ مِن ممْلُوكِيهم، وأمَّا عِنادُهم؛ لأَنَّ الأمْرَ واضِحٌ؛ وَلِهَذا قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، ومَع هَذا عانَدُوا وأصَرُّوا عَلَى الشِّرْك، حتَّى إنَّهُم في تلْبِيَتِهم يقُولونَ: لبَّيْك لَا شَرِيكَ لكَ، إِلا شَرِيكٌ هُو لَكَ، تَمْلِكُه وَما مَلَك (١) فانْظُرِ الجهْلَ. стр. 156
الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّ العَبِيدَ لا يَمْلِكُونَ؛ وجْهُ ذَلِك أنَّه إِذا انْتَفَتْ مُشارَكَتُهم لأَسْيادِهِم في أموالهِم فغَيْرُهم مْن بَاب أَوْلى، وانْفِرادُهم أيْضًا مِن باب أَوْلى إِذا كَانُوا لَا يمْلِكُون المُشارَكَةَ مِع أسْيَادِهم، فَالغَير مِن بَاب أَوْلى، والَّذِي لَا يمْلِكُ المُشارَكةَ لَا يمْلِكُ الانْفِرادَ، فالَّذِي لا يَمْلكُ المُشارَكَة مَع سيِّدِه وَهُو أقْرَبُ مِن غيْرِه فَلا يمْلِكُ مَع غيْرِه، هَذا مَع أنَّه جاءَ في الحدِيث الصَّحيحٍ عَنْ رَسُول الله ﵊ أنَّه قَال: "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُه لِلَّذِي بَاعَهُ إِلّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" (١)، قَالَ: "فَمَالُه لِلَّذِي بَاعَهُ".
ولَا تظُنَّ أنَّ هَذا مِن بَاب التَّنافُرِ حيْثُ أضَافَ المَالَ إِلَيْهِ ثمَّ قَال: "مالُه لِلَّذِي بَاعَهُ"؛ لأَنَّ الإِضافَةَ ليْسَتْ لِلتَّمْليكِ ولكِنَّها للاخْتِصَاصِ كَما تَقُول: سَرْجُ الدَّابَّةِ، وزِمَامُ الدَّابَّةِ، وحُجرة الدَّابَّةِ، ومَا أشْبَه ذَلِك.
الفائِدَةُ الخامسةُ: الرَّدُّ عَلَى أهْلِ الاشْتراكِيَّةِ الَّذِين قالُوا: إِنَّ الآيَةَ تدُلُّ عَلَى ثُبوتِ الاشْتراكِيَّةِ؛ لقوْلِه : ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، يعْني ليْسَ فِيها دَليلٌ عَلَى ثُبوت الاشْتَراكِيَّة خِلافًا لمَنْ قَال ذَلِك، بَلْ فِيها دَليل عَلَى نَفْي الاشْتِراكِيَّةِ؛ لأَنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ مِن مَدْخُولِ النَّفْي، ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ يعْنِي: لا يُمْكِنُ أنْ يكُونَ هكَذا، فالمَمْلوكُ لَا يكُونُ شَرِيكًا.
الفائِدَةُ السادسةُ: أنَّ هَذا القُرآنَ مُفَصِّلٌ للآيَاتِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. стр. 157
الفائِدَةُ السابعةُ: أنَّه لَا يُدْرِكُ هَذا التَّفْصيلَ إِلا أهْلُ العَقْل؛ والدَّليلُ قوله تَعالَى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
الفائِدَةُ الثّامِنةُ: مدْحُ العَقْل؛ لأَنَّ بِه يُدْرِكُ الإنْسانُ هَذا التَّفْصِيلَ الَّذي يُفصّلُه الله .
الفائِدَةُ التاسعةُ: إثْبَاتُ عظَمَةِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿نُفَصِّلُ﴾؛ لأَنَّ ﴿نُفَصِّلُ﴾ أيْ نحْنُ، وهَذِه لا تَكُون إِلا للْمُعَظّم نفسَه، أوِ الَّذِي معَه غيْرُه، وكوْنُه معَه غيْرُه ممْتَنِعٌ، فيَكُونُ دالًّا عَلَى التَّعْظِيم.
الفائِدَةُ العاشرة: أنَّ المعْبُودَ مِن دُونِ الله مِلْكٌ لله؛ لأَنَّ الله قال: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وَلَا شكَّ أنَّ كُلَّ مَا في السَّموَاتِ وَالأرْضِ فهُو مِلْكٌ للهِ.
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عشْرَةَ: أنَّ الرَّزقَ لَا يُنالُ بالكَسْب، وَإِنَّما هُو فَضْلٌ مِن الله، لكِنْ لَه أسبْابٌ لا شَكَّ، مثْل غيْرِه مِن الأُمورِ، لقوْلِه : ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لكِنَّ هَذا الرِّزْقَ لَه أسبَابٌ شرعيَّةٌ، وأسبَابٌ كونِيَّةٌ، فمَثلًا مِن الأَسْبابِ الشَّرعيَّةِ انْتِقَالُ المَالِ بالإِرْثِ، واسْتِحقاقُ الفَقيرِ مِن الزّكاةِ، وَما أشْبَه ذَلِك، والأسْبَابُ الكونِيَّةُ أنَّ الإنْسانَ يسْعَى لحِرَاثَةِ الأرْضِ وَالبَيْع والشِّراءِ وَما أشْبَه ذَلِك.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ عشرة: إثْبَاتُ القِيَاسِ؛ وجْهُ ذَلِك ضرْبُ المَثَل، ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ عشرة: أنَّ كوْنَ القِيَاسِ دَليلًا هُو مِن طَرِيق العَقْل؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ ولأَنَّ إلحاقَ الفرعِ بالأَصْلَ وهُو القِياسُ يَحْتاجُ إِلَى علَّةٍ جَامِعَةٍ تُدْرَكُ بالعَقْل.
стр. 158
إِذَا قَالَ قَائِلٌ: إِذا قُلْتم إنَّ طَرِيقَ القِيَاسِ هُو العَقْل، فكَيْف يصِحُّ أنْ يكُونَ دَليلًا شرعيًّا؟
فالجوابُ: أنَّ الشّارعَ اعتْبَره وجعَلَه دَليلًا شرْعِيًّا، بِدَليلِ ضَرْب الأَمْثالِ، وقوْله تَعالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
* * *
стр. 159
الآية (٢٩)
* قَالَ اللهُ : ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الرّوم: ٢٩].
* * *
قوْله تَعالَى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ﴾: للإضْرابِ، والإِضراب هُنا انْتِقالِيٌّ وليْسَ إِبْطالِيًّا؛ ووَجْه ذَلِك أنَّ الله لما بَيَّنَ هَذِهِ الآيَاتِ الدّالَّةَ عَلَى قُدْرَته عَلَى أنَّه واحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ بضَرْب المَثل الأَخِيرِ، المثَلُ الّذِي لا يُنَاِزع فِيه إِلَّا مكابِرٌ، المَثَل الأَخِيرُ هُو أنَّه كيْفَ تجْعَلُون للهِ شرِيكًا هو يمْلِكُه، أيْ الله يمْلِكُه فهَل لكُمْ أنْتُم شركاءُ في أموالِكُم وممَالِيكِكُم؟
والجوابُ: لَا، إِذَنْ فإنَّهُ يدُلُّ عَلَى أنَّ الله لا شَرِيكَ لَهُ.
بعْدَ هَذا بَيَّنَ أنَّ الَّذِين خرَجُوا عَن ذَلِك وَأنْكَرُوا البَعْث وأنْكَروا الوَحْدانِيَّةَ أنَّهُم ليْسُوا عَلَى حَقٍّ، وَإنَّما هُم ظَالِمُونَ؛ وَلهِذَا قَال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾.
قوْله تَعالَى: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: قالَ المُفَسِّر ﵀: [بالإِشْرَاكِ]، وَهَذا تخْصِيصٌ في غيْرِ محَلِّه، وَالظّاهِرُ لي أنَّ المُفَسّر ﵀ خصَّصه مُراعَاةً للمَثَل الَّذي قبْلَه؛ لأَنَّ المَثَل الَّذي قبْلَه واضِحٌ في أنَّ الغَرضَ مِنْهُ إبْطَالُ الشّركِ، ولكِنْ لَو قِيلَ: إنَّه يشْمَلُ هَذا وغيْرَه مِن الظُّلمِ كإنْكَارِ البَعْث مثَلًا، فَإنْكَارُ البَعْثِ لا شَكَّ أنَّه ظُلْمٌ؛
стр. 160
لأَنهُ يسْتَلْزِمُ تكْذِيبَ الله ، كَما ثَبَتَ في الحدِيثِ القُدسيِّ أنَّ تَكْذِيبَ الله: أنَّ الله تَعالَى لَنْ يُعِيدَه كَما بَدَأَه (١)، وقَدْ سَبق ذِكْرُه فيَكُون المُرادُ بالظُّلمِ هُنا الإشْراكُ وغيْرُه ممَّا ظلَمُوا فِيه أنْفُسَهُم.
وقوْله تَعالَى: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾: جَمْعُ هوًى، والهَوَى في الأصْلِ المَيْلُ، ثمَّ أنَّه لا يُطْلَقُ في الغالِب إِلَّا عَلَى الهَوى المَذْمُومِ، فيُقالُ: اتَّبع هَواهُ دُون هُدَاه، وقَدْ يأْتِي لِلْهَوى المحْمُودِ كَما في الحدِيث، وَإِن كَان فِيه ضعْفٌ: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لمَا جِئْتُ بِهِ" (٢)، فهُنا الهَوى التَّابع لما جَاءَ بِه الرَّسولُ ﵊ لا شكَّ أنَّه هوًى محْمُودٌ.
وقوْله تَعالَى: ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: يعْنِي أنَّ هَذا الاتِّباعَ ليْس مبْنِيًّا عَلَى علْمٍ، بَل هُو مبْنِيٌّ عَلَى الجهْل والضَّلالِ فيمَنْ كَانُوا جاهِلِينَ، وعلى الاسْتِهتارِ والعِنَادِ فيمَنْ كَانُوا مُعانِدِينَ، فالَّذِين اتَّبعُوا أهْواءَهم اتَّبَعُوها بِغَيْر علْمٍ إِذا كانُوا جَاهِلِينَ، فالأَمْر ظَاهِرٌ أنَّه لا علْمِ لهُمْ باتِّباعِ أهْوَائِهم.
وإِذا كانُوا مُعانِدِينَ، فهَلْ نقُولُ: إنَّهم اتَّبَعُوا أهواءَهُم بِغَيْر علْمٍ؟
الجوابُ: نعَمْ، نقُولُ إنَّهُم اتَّبعُوا أهواءَهُم بِغَيْر علْمٍ، لأَنَّ مَن اسْتكبر وعَانَد الحقَّ فإِنَّهُ كالجاهِل بِما يسْتَحِقُّ الرّبُّ ، فهُو في الحَقِيقَةِ غيْرُ عَالمٍ، بَل الجاهِلُ خيْرٌ منْهُ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيْفَ يصِحُّ نفْيُ العِلْم مَع وُجودِه؟
قُلْنَا: كَما يصِحُّ نفْيُ السَّمْع مَع وُجودِه، ونَفْيُ البَصر مَع وُجودِهِ لمَنْ لَمْ ينتفِعْ بِه، стр. 161
ألَيْس الله يقُولُ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]، وقَالَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]، أَوْ ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠].
المُهِمُّ: أنَّ نفْيَ العِلْم لمَنْ لم ينتفِعْ بِه صَحِيحٌ كنَفْي السَّمْع عمَّنْ لم ينتفِعْ بِه، والحاصِلُ أنَّ المُتَّبعِينَ لأهْوَائِهم ينْقَسِمونَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
* قسْمٌ جاهِلٌ حقًّا، بَنى هَواهُ عَلَى الضَّلالِ، وَيُمْكن أنْ نُمَثّل لهَوُلاءِ بالنَّصارَى؛ فإِنَّ النَّصارَى ضالُّون.
* وقِسْمٌ آخَر مُسْتكْبِرٌ مُعانِدٌ، فهَذا في الحقِيقَةِ لا عِلْم عنْدَهُ، وإن كَان لَهُ علْمٌ فإِنَّهُ لَا ينْفَعُه، بلْ ضرَّه كاليَهُودِ.
قوْله تَعالَى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي﴾: (مَن) اسمُ اسْتِفْهامٍ، والمُرادُ بالاسْتِفْهامِ هُنا النّفْيُ، والقَاعِدَةُ أنَّ الاسْتِفْهامَ إِذا جَاء بمَعْنى النَّفْي صارَ مُشَرَّبًا بالتَّحدّي؛ لأنَّك إِذا قُلْت: مَنْ يفْعَلُ كذَا، أعظْمُ مَما إِذا قُلْت: لَا أحَدَ يفْعَلُه، كأَنَّك تقُولُ: هَذَا أمْرٌ لا يُمْكِنُ، فإِنْ كُنْت صادِقًا فَأَرِني مَنْ يفْعَلُه، فإِذا جَاء الاسْتِفْهامُ بمَعْنى النَّفي صَار أبْلَغ مِن النَّفْي المُجَرَّدِ؛ لأَنَّ الاسْتِفْهامَ بمَعْنى النَّفْي مُشرَّبٌ مَعْنى التَّحدِّي.
وقوْله تَعالَى: ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾: ﴿اللَّهُ﴾ فاعِلٌ، والمَفْعُول محذُوفٌ، والتَّقدِيرُ: مَنْ أضَلَّهُ الله، وَهَذا المفْعُول هو عائِدُ المَوصُولِ الَّذِي يعُودُ إِلَيْهِ.
قوْله تَعالَى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾: قال المُفَسِّر: [أَيْ لَا هَادِيَ لَهُ]، فسَّر الاسْتِفْهامَ بالنَّفْي، وهُو حَقٌّ لكِنَّهُ أبْلَغُ مِن النَّفي المُجرَّدِ.
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مَانِعِينَ مِنْ عَذَابِ الله]: الظَّاهِرُ أنَّ (الوَاو) هُنا للاسْتِئْنافِ؛ لأَنَّ الجمْلَةَ خبِريَّةٌ، والتي قبْلَها إنْشائِيَّةٌ، لأَنَّ الاسْتِفْهامَ
стр. 162
مِن قِسْم الإنْشاءِ في البَلاغَةِ.
قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: يعْنِي أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبعُوا أهْواءَهُم بِغَيْر علْمٍ مُستَحِقُّونَ للعْذَابِ، ولَنْ يَجِدُوا أحَدًا ينْصُرهُمْ مِنْه، أيْ يمنَعُه مِنَ العَذابِ.
قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: النَّفْي هُنا مؤكَّدٌ بِـ (مِن) الزّائدَةِ الدَّاخلَةِ عَلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿نَاصِرِينَ﴾، وأصلُ الكَلامِ: ومَا لهُمْ نَاصِرُونَ.
وهَل (مَا) هُنا حِجازِّيةٌ أوْ عرَبِيَّةٌ؟
الجوابُ: عرَبِيَّةٌ لاخْتِلافِ التَّرتيبِ؛ لأَنَّ خبَرها قُدِّمَ، ولَا تكُونُ حجازِيَّةً إِلا إِذا كانَتْ مُرتَّبةً، الاسمُ قبْلَ الخَبَرِ، والحجَازِيُّ معْنَاه الَّذي يخْتَصُّ بِه الحجَازِيُّونَ، والعَرَبِيُّ الَّذي يكُون للحِجَازِيِّين والتَّمِيميِّينَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: : أنَّ المشْرِكينَ وغيْرَهُم مِن الَّذِين ظلَمُوا أنْفُسَهُم إنَّما اتَّبعُوا أهواءَهُم، أمَّا العَقْلُ مَا استَعْمَلُوه، ولكِن مجرَّدُ هَوًى، ولَوِ اتَّبعُوا العُقُولَ مَا خالَفُوا المنْقُول.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: جَوازُ نفْيِ الصِّفَةِ عمَّن لا ينتفِعُ بِها؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ الأُمُورَ كلَّها - الهدايَةَ والضَّلالَ والصَّلاحَ والفَسادَ - بيَدِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾.
الفائِدَةُ الرابعةُ: لفْتُ انْتِبَاهِ الإِنْسانِ إِلَى سُؤالِ الهدَايَةِ مِن رَبِّه دَائِمًا؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، إِذا عَلِمْت أنَّه لَا أحَدَ يهْدِي مَنْ أضَلَّ الله فَإِلى مَنْ تلْجَأُ
стр. 163
في طلَبِ الهِدَايَةِ؟ إِلَى الله ، حتَّى نفسُك لا تعْتَمِدْ علَيْها، اعْتَمِدْ عَلَى الله في الهدَايَةِ واسأَلْه دَائِمًا الثّباتَ، وَلِهَذا يقُولُ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النّساء: ١٣٦]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هُم آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِه، لكِنَّ المُرادَ اثْبُتُوا عَلَى هَذَا الشّيْءِ، اثْبُتوا عَلَيْه وحقِّقُوه، وَهَذا كُلُّه لا يُنَال إِلَّا باللهِ.
الفائِدَةُ الخامسةُ: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالمِينَ لَا يَجِدُون مَن يَنْصُرهم مِن عذَابِ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
الفائِدَةُ السادسةُ: أنَّ الله لا يُضلُّ أحدًا إلَاّ لظُلْمِه إِذْ هُو الَّذِي بَدَأ وانْحَرفَ في إرادَةٍ سيِّئَةٍ، فظَلم فأضَلَّهُ الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، هَذا مُفرَّعٌ عَلَى الَّذِي قبْلَهُ؛ وَلِهَذا أُتِي بِـ (الفَاءِ)، ﴿فَمَنْ يَهْدِي﴾ إشارَةً إِلَى أنَّ إِضْلالهُم إِنَّما كانَ بِسَبَبِ ظُلْمِهم، هُمُ الَّذِين ظَلَمُوا فأُضِلُّوا والعِيَاذُ بِاللهِ.
إِذَا قَالَ قَائِلٌ: قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ هَل يُشْكِل علَيْه مَا وقَع مِن نصْرِ المُشْرِكين في أُحُدٍ، حيثُ حصَلَتْ هَزِيمةٌ عَلَى المُسْلِمينَ، ومعْلُومٌ أنَّه انْتِصارٌ للكَافِرِينَ؛ لأَنَّ الهزيمةَ لخَصْمٍ انْتِصارٌ للخَصْم الآخَرِ، وَلِهَذا قالَ أَبُو سُفيانَ: "أُعْلُ هُبَل" (١) في ذَلِكَ اليَوْم، فهَلْ يُنافي الآيَةَ الكَرِيمةَ؟
قُلْنَا: كأنَّ نصْرَهم ليْسَ لأَجْلِ أنْ ينتصِروا, ولكِنْ لأَجْل ابْتِلاءِ الآخَرِينَ؛ وَلِهَذا كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُؤمنينَ، بلْ قَال الله مُشيرًا إِلَى الحِكْمَةِ مِنَ انْتِصارِهم: стр. 164
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧]، قَالَ أهْلُ العِلْم: إنَّ انْتِصارَهُم هَذَا يُؤدّي إِلَى أنْ يتشَجَّعُوا عَلَى مُحَارَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، حتَّى تكُونَ نهايَتُهم أنْ يُقْطَع طرَفٌ منْهُم.
وعَلَى كُلِّ حَالٍ: حقيقَةُ هَذا الظُّهورِ عَلَى المُسْلِمينَ ليْسَ نصْرًا لهَؤُلاءِ، ولكِنْ مِن أجْلِ الاسْتِدْراجِ بالنِّسبَةِ لهم، والابْتِلاءُ والامْتِحانُ بالنِّسبَةِ للمُؤْمِنينِ لمخَالفَتِهم؛ لقَوْلِه تَعالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، يعْنِي: بعْدَ مَا أَراكُم مَا تُحِبّون حصَل مَا تكْرَهُونَ.
الفائِدَةُ السابعةُ: الحثّ عَلَى طلَبِ العِلْم والعَمَلِ بِه؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
وهَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ما ذَهَبت إِلَيْهِ الجبرَّيةُ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؟
قُلْنَا: ليْس فِيه دَلِيلٌ؛ لأَنَّ إضْلَالَ الله لَهُم كانَ بِسَبَبِهم، فيكُونونَ هُم السَّبب بِدَليل أنَّه قَال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾، فكَانُوا هُم الظَّالمِينَ أوَّلًا، فأُضِلّوا والعِيَاذُ بِاللهِ.
الفائِدَةُ الثّامِنةُ: الرّدُّ عَلَى القدَرِّيةِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، فنَسَب الله تَعالَى الإِضْلالَ إِلَيْهِ، والَّذي يضِلّ هُم هَؤُلاءِ الَّذِين حقَّتْ علَيْهِم الضّلالةُ، فدَلَّ هَذَا عَلَى أنَّ فِعْل العَبْد بتقْدِير الله وخَلْقِه.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَذا مُشْكِلٌ أنْ تَقُولوا أنَّه هُو بِخَلْق الله وهُو فعْلُ الإِنْسَانِ، وهَل يُمْكِنُ أنْ يكُونَ الشّيءُ الواحِدُ مفْعُولًا لفاعِلَيْن؟
стр. 165
قُلْنَا: الشّيْءُ الواحِدُ لا يُمْكِنُ أنْ يكُونَ مفعولًا لِفاعِلَيْن إِلا إِذا اخْتلَفَتِ الجِهَةُ، وإلّا فأَنا إِذا قُمْتُ لا يُمكِنُ أنْ يكُونَ قِيامِي قِيامًا لشَخْصٍ آخَر، ولَا يُمكِنُ أنْ يكُونَ فِعْلي فِعْلًا لفَاعِلٍ آخَر، هَذا مُستَحِيلٌ، لكِن إِذا اختلَفَتِ الجِهَةُ صحَّ ذَلك، فأقُولُ: إِنَّ فعْلَ العَبْدِ بالنِّسبَةِ للعَبْدِ فِعْلٌ مباشِرٌ لَه.
فإذا جلسْتُ وأنَا لا أُريدُ القِيامَ فأَنا جالِسٌ لأَنِّي ما أرَدْتُ، لكِنِّي مرَّةً أردْتُ القِيام ولكِنِّي عاجِزٌ لَا أسْتَطِيعُ أنْ أقُومَ، أيْضًا لا يَحْصُل القِيامُ الأوَّلُ لانْتِفَاءِ الإِرادَةِ، والثَّاني لانْتِفاءِ القُدْرَة.
فمَن الَّذِي خَلق هَذِهِ الإِرادةَ والقُدْرَةَ؟
الله هُو الَّذي خلَق هَذِهِ الإرادَةَ والقُدْرَةَ، فصَارَت نسبَةُ الفِعْلِ إِلَى الله واضِحةً، نسبَةُ السَّببِ إِلَى مُسبِّبِه، أمَّا المُباشِرُ فهُو الإِنْسانُ نفْسُه، وَبِهذَا نرُدُّ عَلَى القدَرِيَّةِ الَّذِين قالُوا: لا يُمْكِنُ أنْ يكُونَ الفِعلُ الواحِدُ مفعولًا لفاعِلَيْن، فنَقُول: هَذا حق، ولكنَّهُ يصِحُّ أنْ يكُونَ مفعولًا لفاعِلَيْن باعْتِبَارِ اختِلافِ الجِهَةِ، وَهَذا هُو الَّذي علَيْه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، أَنَّ فِعْل الإنْسَانِ يُنسَب إِلَيْهِ حقيقَةً.
أما الأَشاعِرَةُ فَقَالوا قولًا غيْرَ معْقُولٍ في هَذا البابِ، قالُوا أنَّه لا يُنسَبُ لِلإِنْسَانِ حقيقةً، بل هُو كَسْبٌ له، ولكنَّه ليْسَ له حقِيقَةً، حتى إنَّهُم يقُولونَ: إذَا قُمْت فإِنَّ القيامَ لم يحْصُل بِك، لكِن حصَل عنْدَك، ويقُولونَ: الإنْسانُ إِذا أخَذ السِّكِّينَ وذَبح الشَّاةَ فإنَّها لا تموتُ بذَبْحِه، ولكِنْ عنْدَ ذَبْحِه، ويقُولونَ أيْضًا: إِذا أخذْتَ الحَجر ورَمَيْت الزُّجاجَةَ وانْكَسَرَتْ، مَا انكَسَرتْ بالحَجَر، بلِ انكَسَرتْ عنْدَه؛ لأنَّهم يقُولونَ: لو أنَّك أثبَتَّ أنَّ هَذِهِ الأشْيَاء تحْصُل بهَذِه الأشْيَاءِ أثبَتَّ خالِقَيْن، يعْنِي: هَذا الكَسْرُ إِذا قُلْت أنَّه مِن الحجر الَّذِي ضَرب الزُّجاجَةَ معْنَاه أنَّك أثبَتَّ خالِقًا،
стр. 166
وهُو هَذا الحجَرُ الَّذِي خلَق الكَسْر، وهَذا ليْس معْقُولًا, ولذلِك يقُولونَ: إنَّ مسألَةَ الكَسْر عنْدَ الأشَاعِرَةِ هي مَن الأُمُور الَّتي لا تُعقَلُ، ولا حقِيقةَ لَها، وكُلُّ إِنْسَانٍ يعْرِفُ أن المسَبَّب يحْصُل بالسَّببِ مبَاشرَةً.
ومَن الَّذِي جَعل هَذا السَّبب مُؤثِّرًا في المسَبَّب؟
الله هُو الَّذِي جَعل النَّار مُحْرِقَةً، فيقولونَ: إِذا أدخَلْتَ وَرَقةً في النَّار واحْتَرقَتْ مَا احتَرَقَتْ بِالنَّارِ، لكِنْ عنْدَ النَّارِ، أمَّا المُحْرِقُ فهُو الله.
وهَذا لو تحدِّثُ بِه الصّبيانَ قالُوا هَذا كَلامٌ غيْرُ معْقُولٍ.
* * *
стр. 167
الآية (٣٠)
* قَالَ اللهُ : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الرّوم: ٣٠].
* * *
قوْله تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾: بعْدَ أنْ توعَّد هَؤُلاءِ المُشرِكينَ بما توعَّدهم بِهِ، وبَيَّنَ أن لا أحدَ يهْدِيهم، قَال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾.
قال المُفَسّر ﵀: [مَائِلًا إِلَيْه: أَيْ أَخْلِصْ دِينَكَ للهِ أنْتَ وَمَنْ تَبِعَكَ].
قالَ المُفَسّر ﵀: [مائلًا إليه]، ونقُولُ: مَائلًا إِلَيْهِ وعمَّا سِواه أيْضًا؛ وَلِهَذا حُذِف المتَعَلِّق ليَكُونَ شَامِلًا للْمَيْل إِلَى الدِّين، والمَيْل عَن الدّين، وأصْلُ الحنَف ميْلُ الرجُل، فالرِّجل المَائِلَةُ تُسمَّى حَنْفَاء، فَالحنِيفُ معْنَاه المَائِل (عَنْ) و (إلى)، عَن الشّركِ إِلَى التَّوحِيد، وعَنِ المَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ.
وقوْلهُ ﵀: [أيْ أَخْلِص دِينَك للهِ أنْتَ وَمَنْ تَبِعَك]: هَذا تفسِيرٌ معنَوِيٌّ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ ولَو جُعِل أعمَّ مِن ذَلِك لكَان أَوْلى؛ لأَنَّ إقامَةَ الوَجْه تشْمَلُ الإِخْلاص وتمَام الاتِّباعِ؛ لأَنَّ إقامَة الوَجْه نحْوَ الشّيْءِ يسْتَلْزِمُ متابَعَتَه، وعدَمَ المخالَفَةِ، فيكُونُ شامِلًا لإِخْلاصِ النِّيَّةِ وللاتّبَاعِ اللَّذَيْن هُما أسَاسُ العَمَل، كُلُّ عمَلٍ لا ينْبَني عَلَى الإِخْلاص والمُتابَعَةِ فَهُو بَاطِلٌ لأنَّهُ إِذا فُقِد الإِخْلاص صارَ شِرْكًا،
стр. 168
وإِنْ فُقِد الاتِّباعُ صَار بدْعَةً، وقَدْ قَال النّبيُّ ﵊: "إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١)، وَهَذا لِلْإِخلاصِ، وقَال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُو رَدٌّ" (٢)، وَهَذا لِلاتّبَاعِ.
وقوْلهُ ﵀: [أنتَ وَمَنْ تَبِعَكَ]: أتَى المُفَسّر ﵀ بقَولِه: [وَمَنْ تَبِعَكَ]؛ لأَنَّهُ سيَأْتِينا وصْفٌ مجْمُوعٌ، وهو قوله تَعالَى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾، آخِرَه، ولَا يُمْكِنُ أنْ تكُونَ الحالُ المجْمُوعةُ لمُفْرَدٍ؛ لأَنَّ الحالَ وصْفٌ، فكَما لا يُخْبَر عَن الواحِد بالجمْع لا تُجعَلُ الحالُ الجمْعُ لواحِدٍ، ومَا ذَهب إِلَيْهِ المُفَسّر صحِيحٌ مِنْ وجْهَيْن:
أولًا: مُراعاة اللَّفْظ الآتِي.
ثانيًا: أنَّ الخطابَ للرَّسُولِ ﷺ خطابٌ لَهُ وللأُمَّةِ؛ لأَنَّ زَعِيمَ القَوْم يُوَجَّه إِلَيْهِ الخطابُ الموجَّهُ للجَمِيعِ، مثَلًا الرّكن في الجيْشِ يقُولُ للقَائِد: اذْهَبْ إِلَى الجبْهَةِ الفُلانِيَّة، فإنَّه يُريدُ القَائِدَ ومَنْ مَعَه لَا يُريدُه وحْدَه، فالخِطابُ لزَعيمِ القَوْمِ خِطابٌ للجَمِيع، فاللهُ يُوجِّهُ الخِطابَ للرَّسُولِ ﷺ ، والمُرادُ هُو والأُمَّةُ، والدّليلُ عَلَى هَذا قوْله تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلاق: ١]، فالخِطابُ مُفرَدٌ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، وبَعْدَه ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ليْسَ النّبيَّ ﷺ وحدَه، بلْ كُلّ الأمَّةِ، ويدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا قوله تَعالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فنَحْنُ لَنا فِيه أُسوةٌ، ونحْنُ لَهُ تَبعٌ.
إِذَنْ: وجْهُ كوْنِ الخِطابِ الخاصِّ بالرَّسُولِ ﵊ للأُمَّةِ لَه وجْهَانِ كَما تقَدَّم: стр. 169
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ خِطابَ الزَّعيمِ خِطابٌ لَهُ ولمَنْ تَبِعه؛ بِدلِيلِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلاق: ١].
الوَجْهُ الثَّاني: أنَّنا مأمُورُونَ باتِّباعِ الرَّسولِ ﵊ فكُلُّ خِطابٍ لَه يُؤْمَرُ بِه أوْ يُنْهى عنْهُ فإنَّنا تبعٌ لَه في ذَلِك، والفَرْق بيْنَ الوَجْهَيْن ظاهِرٌ؛ لأَنَّهُ عَلَى الوَجْه الأوَّلِ يكُونُ تناولَ الخِطابَ لنا أصْلًا معَ الرَّسولِ ﷺ ، وعَلى الوَجْه الثَّاني يكُونُ تَوْجِيهُ الخِطابِ لَنا عَنْ طَرِيق التَّبعيَّةِ.
قوْله تَعالَى: ﴿فِطْرَتَ﴾: البحثُ فِيها مِن وَجْهَيْن:
الوَجْهُ الأوَّلُ: مِن حيْثُ الرّسمُ، فالرَّسم غيْرُ جارٍ عَلَى القواعِدِ المعْرُوفَةِ، لَا في الرَّسْم العُثْمانِيِّ، ولَا في الرَّسم الحاضِر، وجْهُ ذَلِك أنَّ التّاء مُطلَقَةٌ ﴿فِطْرَتَ﴾، وهِي مربوطَةٌ؛ لأنَّهَا مُفرَدٌ، والمُفْرَدُ تكونُ التّاءُ فِيه مربُوطَةً وليْسَ في القُرآنِ ﴿فِطْرَتَ﴾ مطلقَةٌ إِلَّا هَذه، ولا نقُولُ مفتوحَةٌ؛ لأَنَّ الفَتْح ضِدَّ الكَسْرِ، نحنُ نُسمِّيها مربُوطَةً ومُطلقَةً؛ لأَنَّ ضِد الرّبْط الإِطْلاقِ.
وعَلَى كُلِّ حَالٍ: فخَطُّ القُرآنِ يتْبَعُ فِيه الرَّسم العثمانيَّ.
استِطْرادًا في البحْثِ اختَلف العُلَماءُ ﵏: هَل يجُوزُ لِلإِنْسَانِ أنْ يكْتُب المصْحَفَ عَلَى غيْرِ الرَّسم العُثمَانِيّ أوْ لَا يجُوزُ؟
فمِنْهُم مَن قَال أنَّه جائِزٌ؛ لأَنَّ الرَّسْم العُثمانِيَّ عبارَةٌ عنْ شكلٍ وَصُورةٍ، ولَوْ كَان الرَّسم العُثمانِيُّ في ذَلِك العهْدِ عَلَى غيْرِ هَذا الوَضْع لكُتِب القُرآنَ بِه.
إِذَنْ: فخضُوعه للرَّسم العُثمانِيِّ في ذَلِك الوَقْت ليْس عَلَى سَبِيل أنَّه نزَل عَلَى هَذا الوَجْه، لكِن عَلَى سَبيلِ أنَّ الرَّسْم في ذَلِك الوَقْت كانَ عَلَى هَذِهِ الصّورَةِ، ولا شَكَّ
стр. 170
أنَّه لوْ كَان عَلَى الصُّورةِ المُوجودَةِ حاليًا لا شَكَّ أنَّه سيُكْتَب علَيْها، مثلًا (الصَّلاةَ) الصّورةُ الحاليةُ - يعْنِي القاعِدَةُ الحاضِرة - أن تكتب بعْدَ الصّادِ (لامَ ألف)، لكِن عَلَى الرَّسم العثمَانِي مكتوبٌ (لَام واوٌ)، الزّكاة مثلُها، والرِّبا أيضًا بالواوِ معَ أنَّها عَلَى الرّسمِ الموجُودِ بالألِف.
فالحاصِلُ: أنَّ بعضَ العُلَماءِ يقُول أنَّه يجُوزُ أنْ يُكتَب القُرآنُ عَلَى القَواعِد المعْرُوفةِ حَاليًا، وتعْلِيلُهم أَنَّ هَذا الرَّسْم شكلٌ صادَف أنَّه في ذَلِك الوَقْتِ عَلَى هَذا النّحوِ فكَتبوه، وليْسَ القُرآنُ نَازلًا مكْتُوبًا بِهَذا, ولَو كَان نَازِلًا مكْتُوبًا بِهَذا لقُلْنا: رُبَّما لَا يجُوزُ لكِنَ هَذا اصْطِلاحٌ، وَإِذا كَان اصْطِلاحًا فكُلُّ مَا يتأَدَّى بِه الغَرضُ فإِنَّهُ يجُوزُ.
ومنْهُم مَن يقول أنَّه لا يَجُوزُ مُطلَقًا أنْ يخالَف الرَّسْمُ العثْمانِيُّ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَبْقى الرَّسْمُ حتَّى لو رُسِمَتْ لِلصِّبْيانِ عَلَى السّبورةِ يَجِبُ أنْ يكُونَ بالرَّسْم العُثْمانِيِّ احتِرامًا للقُرْآنِ.
ومنْهُم مَن فَصَّل وقَال إِن المُبتدِئَ يجُوزُ أن نرْسُمَه لَهُ بحسَبِ القَواعِد المعْرُوفةِ عنْدَه، وغيْرُه لا يجوزُ، قالُوا: لأَنَّ المبتَدِئَ يحتَاجُ إِلَى تعْلِيمٍ، ولَو أنَّك كتبْتَه بالرَّسْم العُثمَانِيِّ للمُبتَدِئِ، وقلْت ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَوا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، فإنَّه سيقْرَؤُها: (يمحق الله الرِّبَوْ)، وفي (الزّكاة) سيَقُول: (الزّكَوَة)، وفِي الصّلاة سيقولُ: (الصَّلَوَة)، وما أشْبه ذَلِك، بِخِلَافِ الإنْسان العالِم فإِنَّهُ يكتُبه بالرَّسْم العُثْمانِيِّ.
وأيًّا كَان مِن هَذِهِ الأَقْوال صَحِيحًا فإنَّ مَا يفْعَلُه بعْضَ النَّاس اليومَ مِن حيْثُ إنَّهم يكْتُبونَ القُرآنَ عَلَى صورةِ النُّقوشِ ويجْعَلُونها في بَراوِيزَ أيُّهم أحْسَنُ نقْشًا؟ ! فإنَّ هَذا محُرَّمٌ عَلَى كلِّ الأقوالِ؛ لأنَّنا إذا عمِلْنا هَذا العمَل كأنَّنا جعلْنَا القُرآنَ وشْيًا وتطْرِيزًا، فتَضِيع قيمَتُه، وأقْبَحُ مِن ذَلِك أنْ يُجْعَل عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ، فقَدْ شاهدْتُ في منشورٍ
стр. 171
صورةَ إِنْسَانٍ في آيَةٍ مِن القُرآنِ جُعِل الرّأسُ والرِّجْلانُ كأنَّه جالسٌ مفتَرِشٌ، أعوذُ باللهِ، مُضادَّةٌ ظاهِرَةٌ ومُحَادَّةٌ للهِ ورسُولِهِ، الصّورةُ محرَّمَةٌ فكيْفَ تَكتُب بِها القُرآنَ، تجْعَلُها كِتابَةً لِلْقُرآنِ.
والحاصِلُ: أنَّ النّاسَ - نسْأَلُ الله لنَا ولهم الهِدايَةَ - صَارُوا يُبالِغُونَ في أشْياءَ تضرُّهُم، ولَا تنْفَعُهم بِالنِّسبَةِ للْقُرآنِ الكَرِيم.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَوْ كُتِب القُرآنُ الكَرِيمُ بالرَّسْم الحدِيثِ لضَاعتِ القِرَاءاتُ؟
قُلْنَا: صحيحٌ، لكِنَّ الَّذِين يقُولونَ بالجَوازِ يقُولونَ: نحْنُ نكْتُبهُ عَلَى قِرَاءَةٍ واحِدَةٍ، والقِراءَاتُ الآنَ ضُبِطَتْ ليْسَ بِالرَّسْم، بَل ضُبِطَتْ الحرَكاتُ، وما سمعتُ بإجْمَاعٍ في هَذِهِ المسأَلةِ، فالخلافُ في هَذا مشهُورٌ، ولَا يُوجَدُ إجْمَاعٌ.
والبحثُ الثّاني: في قوْلِه تَعالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾، مَا الَّذي نصبَها؟
الَّذِي نصَبها فِعْلٌ محذُوفٌ قدَّره المُفَسِّر بقولِه: (الزَموا)، أي: الزَموا فطْرَة الله، ومثْل هَذا يقُولونَ أنَّه منصُوبٌ عَلَى الإغْراءِ، فهُو إِذَنْ أبْلَغُ مِن ذِكْر العامِل الَّذِي هُو (الزَموا)، فحذْفُه أبْلَغُ لأنَّهُ إِذا وُجِد العامِل تقيَّدَتِ الجُملَةُ بِه، لكِن إِذا حُذِف العامِلُ صارَتِ الجمْلَةُ صالِحةً لَهُ ولِسواهُ مِمَّا يُمْكِنُ أن يتسلَّط عَلَى المعْمُولِ: (الزَمُوها)، (اعْتَنُوا بِها)، (تمسَّكُوا بِها)، ومَا أشْبَه ذَلِك؛ فلِهَذا يقُولونَ أنَّه منْصُوبٌ عَلَى الإِغراءِ، وهُو المُبالَغَةُ في الحثِّ.
المبحث الثالث: كلمة ﴿فِطْرَتَ﴾ مشتقَّة مِن (فَطَرَ الشّيء) أي ابْتَدعَهُ عَلَى غيْرِ مِثالٍ سابِقٍ كَما في قوْلِه تَعالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١]، أيْ: مبْدِعهُما عَلَى غْير مِثالٍ سابِقٍ، هَذِهِ الفِطْرةُ أبْدَعها الله في الإِنسانِ أوْ في النَّاس كَما في
стр. 172
لفْظِ الآيَةِ عَلَى غيْرِ مثَالٍ سابِقٍ؛ وَهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ خِلْقَتَه ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وَهِي دِينُه، أيْ: الزَمُوهَا]. المُراد بالفِطْرة هُنا توْحِيدُ الله ودِينُ الله، وهذِه الآيَةُ شاهِدٌ للحدِيثِ الصَّحيحِ: "كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَىِ الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (١). لو أنَّ المخلُوقَ تُرِكَ وفِطْرَتَه مَا عبَدَ إِلَّا الله؛ ولِهَذا البهائِمُ العجمُ الَّتي ليْسَ لها مَا يُغرِيها أو يُصَرِّفُها: هلْ يُمكِن أنْ تعبُدَ اللاتَ والعُزَّى والشَّمْس والقَمر؟
الجوابُ: لَا؛ لأَنَّ الله تَعالَى يقُولُ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإِسْراء: ٤٤]، فأصْلُ الخلْقِ مفْطُورٌ عَلَى توْحِيدِ الرَّبِّ : الخالِق، لكِنْ مَن أُعْطُوا العقولَ هُم الَّذِين رُبَّما ينْحَرِفُونَ لأَنَّ لهم إِرادَاتٍ واتِّجاهاتٍ بخلافِ مَنْ ليْسَ لَهُ إِلا العقْلُ المعِيشيُّ، فإِنَّهُ لا ينْصَرِفُ عَن هَذِهِ الفِطرَةِ، وَلِهَذا البهائِمُ العُجْم - كَما قُلتُ - تعرِفُ خالِقَها وفاطِرَها ولَا تُسبِّحُ إِلا الله.
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ لدِينِهِ، أيْ لَا تُبَدِّلُوهُ بِأَنْ تُشْرِكُوا].
وقوْله تَعالَى: ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾ نفْيٌ؛ لأَنَّ ﴿لَا﴾ نافِيةٌ للجِنْس، فهَلْ هُو باقٍ عَلَى كونِه نفْيًا، يعْنِي لفْظًا ومعْنًى، أوْ أنَّه نفْيٌ لفظًا، خبَرٌ معْنًى؟ المُفَسِّر ﵀ مشَى عَلَى الأَخِير، وأَنَّه نفْيٌ بمَعْنى النَّهيِ، أيْ: لَا تُبدِّلُوا هَذِهِ الفطْرَةَ بالإْشراكِ، والنَّفْيُ يأْتِي بمعْنَى النَّهيِ كثِيرًا، مثْلُ قوْلِه تَعالَى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، فِيها تفْسِيرانِ كَما تقدَّم أحدُهُما أنَّها بمَعْنى النَّفيِ، أيْ: ليْسَ فِيه ريبٌ ولا شَكٌّ، والثّانِي بمعْنَى النَّهي لا ترتابوا فيه، ومثل قوْله تَعالَى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج: ٧]، стр. 173
فقوْله تَعالَى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تُبدِّلُوا خلْقَ الله بالإشْراكِ، بَلْ أَقِيمُوا وُجوهَكُم حُنَفاءَ, ويَجُوز أنْ يكُونَ نفْيًا عَلَى ظاهِرِه، وأنَّه لا أحَد يُبَدِّلُ خلْقَ الله كَما في قوْلِه تَعالَى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، ويكُونُ المَعْنى أنَّ الأَمْر بيَدِ الله ، فمَن شَاء هُدَاه بَقِي عَلَى فطْرَتِه، ومَنْ شَاء أنْ يُضلَّه أضلَّه، فلا أحَدَ يسْتَطِيعُ أن يبَدِّل خلْقَ الله، وإنَّما الَّذي بيَدِه الأَمْرُ هُو الله، وعَلى هَذا يكُونُ في الآيَةِ وجْهَانِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّها خبرٌ بمَعْنى النَّهْي.
الوَجْهُ الثَّاني: أنَّها خبرٌ عَلَى بابِها.
وعَلى الأوَّلِ الأَمرُ ظاهِرٌ، يعْني: المَعْنى ظاهِرٌ أنَّكُم لا تُبدِّلُوا، فيكُونُ الله نَهانَا عَن الإِشْراكِ، وعَلى الثَّاني يكُونُ وجْهُه أنَّ هَذِهِ الفِطْرَةَ الَّتِي فطَر الله علَيْها الخلْقَ، لا أحَد يسْتَطيعُ أنْ يُبدِّلَها، بَلِ الَّذي يُبدِّلُها هُو الله، فمَنْ أَراد الله هِدايَتَه لَنْ يُضِلَّه أحَدٌ، وَمن أرَادَ الله إضْلالَه لَنْ يهْدِيَه أحَدٌ، لا سِيَّما أنَّه قالَ قبْلَ هَذا، ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، فما قالَه المُفَسِّر ﵀ لَه وجْهٌ؛ لوُرُودِ ذَلِك في اللّغَةِ العرَبِيَّة، والوَجْهُ الثّاني هُو الأَصْل؛ لأَنَّ الَّذي عنْدَنا نفْيٌ، فمَنْ صرَفَه عَنْ ظَاهِره يحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذا التَّفْسيرُ أَلا يُوافِق قولَ الجبرَّيةِ؟
فالجوابُ: لَا، الرّسولُ ﷺ يقولُ في خُطْبَتِه: "مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ" (١)، لا أحَدَ يسْتَطِيعُ هِدايةَ إِنْسَانٍ أبدًا، أو انحرافَ إِنْسَانٍ إلَاّ بإِذْنِ الله، هَذا النّبيُّ ﷺ حرِصَ غايَةَ الحِرْصِ وَبذَل ما يستَطِيعُ مِن جهْدٍ في هِدايَةِ عمِّه стр. 174
أَبِي طالِبٍ، ولكِن لم يتمَكَنْ، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وليْسَ معْنَى ذَلِك أنَّنا إِذا قُلْنا: إِنَّ الأَمْر بيَدِ الله وَأَنَّه هُو الَّذي يُضِلُّ ويَهْدِي، ليْسَ معْنَى ذَلِك أَلَّا نفْعلَ الأَسْبابَ كَما أنَّ الأَمْر بيَدِ الله في إِيجادِ الأشْيَاء، إِيجادِ الرِّزْقِ وإِيجادِ الوَلَدِ، وَدَفْع الضَّرر، بل نفْعَلُ الأَسْبابَ، ونَقولُ: الهدايَةُ بِيَدِ الله، والإِضلالُ بِيَدِ الله، لكِن لكُلٍّ منْهُما سبَبٌ مِن جُمْلَة أسْبَابِ التَّبْديلِ.
ومِن جُملَةِ أسْبَابِ التَّبدِيل مَا ذَكرَهُ الرَّسولُ ﵊ في قولِه: "فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِه أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (١)، وذِكْرُ الأبوَيْن ليْس عَلَى سبيلِ الحصْر، وإِنَّما هُو عَلَى سبيلِ التَّنْظيرِ والتَّمْثيلِ، يعْني أنَّ مَن يتَّصِلُ بِهَذا الإِنْسانِ يجْعَلُه يهودِيًّا أو نصْرَانِيًّا، وكَمْ مِن إِنْسَانٍ تنَصَّر لَا عَنْ طَرِيق الأَبوين، ولكِن عَن طَريقِ الجُلَساءِ والرُّفقاءِ ومن ثمَّ حذر النّبيّ ﵊ مِن جَلِيسِ السُّوءِ ورَغَّب في الجلِيس الصَّالِح، وقَال: "مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِير، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً" (٢).
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما معْنَى النَّفْيِ في قوْلِه تَعالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾؟ [النساء: ٩٢]، (مَا كَان لمُؤْمِنٍ)، هَذِهِ بمَعْنى أنَّه ممتَنِعٌ غايَةَ الامْتِناع؛ لأَنَّ (مَا كَانَ) (ومَا ينْبَغِي) ومَا أشْبَهَ ذَلِك في القُرآنِ، تأْتِي بمَعْنى امتَنَع غايَةَ الامْتِناعِ، وأيْضًا مثْل قوْلِه تَعالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥]. стр. 175
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المُسْتَقِيمُ تَوْحِيدُ الله]، ﴿ذَلِكَ﴾ المُشارُ إِلَيْهِ قوْلُه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أيْ: إِقامَةُ وجْهِك لِلدِّين حنِيفًا هُو الدِّينُ القَيِّمُ، قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿الْقَيِّمُ﴾ المُسْتَقِيمُ]، لكِنَّ (القَيِّم) أبْلَغُ لأَنَّ القَيِّمَ عَلَى وزْنِ (فَيْعِل)، فهِي صفَةٌ مشبِّهَةٌ يَعْني هُو قَيِّمٌ، أبلَغُ مِن قوْلِنا أنَّه مستَقيمٌ؛ لأَنَّ المستَقِيمَ ضِدَّ المعوَجِّ، لكِنَّ القيِّم الكامِلَ في قِيَامِه فهُوَ أبْلَغُ، يعْنِي أنَّ هَذا الدِّينَ هُو الدِّينُ القَيِّمُ، أي الكامِلُ الَّذِي ليْسَ فِيه اعْوِجاجٌ، وَلَيْس فِيه نقْصٌ ولا شَكَّ أنَّه هُو القَيِّمُ، كَما قَال الله تَعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، فلَا أقُومُ لِلْعبادِ وَلا أنْفَعُ لِلْعِبادِ مِنَ اتِّبَاعِ شَريعَةِ الله تَعالَى.
قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ أيْ كُفَّارُ مَكَّةَ، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ الله]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ قَال المُفَسِّر ﵀: [كُفَّار مكَّةَ]، وَهَذا لا شكَّ أنَّه تخْصِيصٌ بدُونِ دَليلٍ، بَل الدَّليلُ يُخالِفُه؛ لأَنَّ كُفَّار مكَّةَ ليْسُوا أكْثَر النَاسِ، ثمَّ إِنَّ الله يقُولُ: ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾، مَا قَال: أهْلُ مكَةَ، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وصدَق الله ؛ لأَنَّ أهْلَ النّارِ مِنْ بَنِي آدَم تسْعُمِئَةٍ وتسعَةٌ وتِسعُونَ مِن الألفِ، فهُم الأَكْثَرُ، أكثَرُ النّاسِ لا يعْلَمُونَ، لَو علِمُوا ما كَانُوا مِنْ أصْحابِ الجحِيم، فهُمْ لا يعْلَمُون.
ومَا معْنَى قوْلِه تَعالَى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لَا يعْلَمُونَ أنَّ هَذا هُو الدِّينُ القَيِّمُ، أوْ لا يعْلَمُون مَا ينْبَغِي لهُم أنْ يكُونُوا علَيْه، أمْ مَاذا؟
نقولُ: الآيَةُ مُطلَقَةٌ، فتشْمَل كُلَّ شيْءٍ يُنافِي هَذا الدّينَ، فمَن خَرَج عَنْ هَذا الدِّين فإنَّهُ لا يعْلَمُ أنَّ هَذا الدِّينَ قَيِّمٌ، وإِنْ عَلِم بِه ولم يتْبَعه صَار علْمُه كالمعدُومِ، كَذَلِكَ لا يعْلَم حَقِيقةَ أمْرِه وحالِه، وأنَّه يجِبُ أنْ يكُونَ دائِنًا لله بِما دَان بِه خلْقَه،
стр. 176
كَذَلِكَ لا يعْلَمُ مَا يترتَّبُ عَلَى هَذا مِنْ جَزاءٍ بالثَّوابِ الجزِيل لمنْ قَام بِهِ، وبِالعُقوبَةِ والعَذابِ الأَلِيم لمَنْ خالَفه.
المُهِمُّ: أنَّ حذْف المفعُولِ يقْتَضي العُمُومَ، وهذِه قاعِدَةٌ معروفَةٌ عنْد أهْل العِلْم، أنَّ حذْف المعْمُول يفيدُ العُمُومَ، ولَهُ أمْثِلةٌ كثِيرَةٌ في القُرآنِ، وفِي كَلامِ العَربِ، ومنْه - بَلْ مِن أوْضَحِه - قوْلُه تَعالَى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]، قولُه تعالى: ﴿فَآوَى﴾ الإيواءُ للرَّسولِ ﷺ ولمِنْ تَبِعَه، وقولُه: ﴿ضَالًّا فَهَدَى﴾ الهدايَةُ له ولمِنِ اهْتَدى بسُنَّتِه، وقولُه: ﴿فَأَغْنَى﴾ الغِنَى لهُ ولأُمَّتِه، قَال ﷺ : "وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلي" (١).
المُهِمُّ: أنَّ تخصِيصَ المُفَسِّر ﵀ بقولِه: [كُفَّار مكَّةَ] لَا وجْهَ لَهُ، والصَّوابُ أنَّ أكْثَر النَّاس مِن بَني آدَم - مِن كُفَّارِ مكَّةَ وغيرِهم - لَا يعْلَمُون.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كونُ السّورة مكيَّةً ألا يدُلُّ عَلَى أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بأهْلِ مكَّةَ، كَما قَال المُفَسِّر ﵀؟
إذَا قُلنا بالعُمُومِ شَمِل كُفَّارَ مكَّةَ، فكَان فِيه التَّسلِيَةُ للرَّسولِ ﵊، وأمَّا كوْنُ السُّور مكيَّةً فَلا يدُلُّ عَلَى أنَّ جَمِيعَ الخِطاباتِ الَّتي فيها تُشِيرُ إِلَى أهْل مكَّةَ، بلْ هِي عامَّةٌ.
مسْألةٌ: هلْ يأْجُوجُ ومأْجُوجُ مِن بَني آدَم؟
نعَم، هُم مِن بَني آدَم؛ وَلِهَذا الصّحابَةُ ﵃ لما حدَّثَهم بأنَّ بعْثَ النَّارِ تِسعُمئَةٍ وتِسعةٌ وتِسعُونَ مِن الألف فَزِعوا، قَالُوا: يا رَسُولَ الله أيُّا ذَلِك الواحِدُ؟ стр. 177
فقَال لَهم ﵊: "أَبْشِرُوا فإنَّكُم لمَع خَلِيقَتين مَا كَانَتَا في شَيْءٍ إِلَّا كثَّرَتَاهُ، يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ" (١).
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: : وُجوبُ الإِخْلاص للهِ ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أن الإِخْلاص لا يتِمُّ إلا بسلْبٍ وإيجابٍ، وهُو مضْمونُ قولِ الإِنسانِ: (لَا إلَه إِلَّا الله)، فإِنَّ هَذِهِ الجملَة العَظِيمةَ مشْتَمِلةٌ عَلَى النَّفْي والإِثْبَات، ولا إخْلاصَ إلا بنَفْيٍ وإثْبَاتٍ، فهَذِه الآيَةُ فِيها نفْيٌ وإثْبَاتٌ، فقوْلُه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ إثْبَاتٌ، وقوْلُه تَعالَى: ﴿حَنِيفًا﴾ نفْيٌ يعْنِي مَائِلًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوْلُه تَعالَى: ﴿حَنِيفًا﴾ هَل يُؤخَذُ منْه سلبٌ وإِيجابٌ؟
فالجوابُ: يُمْكِنُ أنْ يُؤخَذ بطَرِيق اللُّزومِ، ولكِن ليْس لَهُ داعٍ، وعنْدَنا قوْلُه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ الإِخْلاص هُو الفِطْرة، نأْخُذه مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، فتكونُ الآيَةُ هَذِهِ شاهدِةً لقَوْلِ الرّسولِ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" (٢).
الفائِدَةُ الرابعةُ: إثْبَاتُ الخَلقِ للهِ، وأنَّه الخالِقُ وحْدَه؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾. стр. 178
الفائِدَتانِ الخَامسَةُ والسَّادِسَةُ: أن ما يقدره الله لا يمكن أن يُغير لقوْلِه تَعالَى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ عَلَى أحَدِ المَعْنيَيْن، أمَّا عَلَى مَا ذَهَب إِلَيْهِ المُفَسِّر ﵀ فيُسْتفَادُ منْه النَّهْيُ عَن الشِّرْكِ.
هل يمْكِنُ أن نقولَ: إنَّ الآيَة تدُلّ عَلَى المعْنيَيْن جمِيعًا، وأنَّها صالِحَةٌ للمَعْنيَيْن جَمِيعًا، يعْنِي صالِحةٌ كَي تكونَ للنَّفْي، وأنْ تكُونَ خبِرَّيةً أوْ أنْ تكُونَ للطَّلبِ فتكونَ إنشَائِيَّةً؟
في الحقيقةِ: أن الإِنشاءَ والخَبر مُتعارِضَانِ، لكِن إِذا جعَلْنا كُلَّ واحِدٍ عَلَى انْفِرادٍ بمعْنَى أنَّنا لَا ندْرِي هَلْ أرادَ الله هَذا أوْ هَذا، ومَا دامَتِ الآيَةُ صالِحَةً لهَذَا وَلِهَذا، فإنَّنا نقولُ: هِي لِلْمعْنيَيْنِ جمِيعًا، يعني أنَّه لا أحَدَ يسْتَطِيعُ أن يُغيِّر مَا خلَق الله، ولَا يجُوزُ لَنا نحْنُ أنْ نغيِّرَ هَذِهِ الفِطْرَةَ الَّتي خُلِقْنا علَيْها مِن الإِخْلاص إِلَى الشَّرك.
الفائِدَةُ السابعةُ: أنَّ أقوَم الأَدْيانِ مَا بُنِي عَلَى الإِخْلاص؛ لقَوْلِه: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، المشارُ إِلَيْهِ هُو ما سَبق مِن الفِطْرة الّتي فُطِر النّاسُ عليْها، والتّي أمَر الله بِها في قوْلِه تَعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ فالدِّينُ القيِّمُ هُو الَّذي أقَامَ الإنسانُ فِيه وجْهَه للهِ حَنِيفًا، وهِي الفِطْرةُ الَّتي فُطِر النّاسُ علَيْها.
الفائِدَةُ الثّامِنةُ: أنَّ هَذا الدِّين المَبْنِيَّ عَلَى الإِخْلاص اجْتَمع فِيه الشَّرْعُ والفِطْرَةُ، أمَّا الشَّرعُ فلأنَّهُ أُمِر بِه، وأمَّا الفِطرة فلأَنَّ النَّاس خُلِقوا علَيْها وجُبِلوا علَيْها, ولوْلا ما يحْصُل مِن المَوانِع والعوارِضِ لِبَنِي آدَم لكَانَ النَّاسُ كلُّهم مُؤْمِنِينَ عَلَى الفِطْرَةِ كَما جَاء في الحدِيثِ: "أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (١). стр. 179
الفائِدَةُ التاسعةُ: أنَّ أكْثَر النَّاسِ في هَذا البَابِ عَلَى جهْلٍ وضَلالٍ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فهُمْ بَيْن أمْرَيْن، إمَّا عالِمٌ استكْبَر فعِلْمُه لَمْ ينْفَعْه، وإِمَّا جَاهِلٌ، فالعامَّةُ المتَّبِعونَ لرُؤَساءِ الكُفْر والضَّلالِ نَصِفُهم بالجهل وعدَم العِلم، والزُّعماءُ منْهُم العارِفُون نَصِفُهم بالجهْل لِعدَمِ انْتِفاعِهم بِما عَلِمُوا، لكنَّهم في الحقيقَةِ يستَحقُّونَ وصْفًا أعظَمَ، فهُم جَاهِلُونَ مُستكْبِرونَ، والمُخالَفَةُ عَن عِلْمٍ تُسمَّى (الجَهْل المُركَّب)، فهؤُلاءِ الزُّعماءُ - والعِياذُ باللهِ - يعْلَمُون أنَّهم عَلَى ضَلالٍ، قَال الله تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النّمل: ١٤]، وقَال مُوسَى لفِرْعَوْنَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإِسْراء: ١٠٢]، ولم يقُل فرْعَوْنُ: إِنَّني مَا علِمْتُ، فسكُوتُه إقْرَارٌ، لكِنْ عنْدَهُم - والعياذُ باللهِ - العِنَادُ.
* * *
стр. 180
الآيتان (٣١، ٣٢)
* قَالَ اللهُ : ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الرّوم: ٣١ - ٣٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مُنِيبِينَ﴾ رَاجِعِينَ]، مِن (أنابَ يُنِيب)، إِذا رَجع، وقوْلُه تَعالَى: ﴿إِلَيْهِ﴾، يعْنِي إِلَى الله تَعالَى فِيما أَمَر بِه، ونَهى عنْه يعْنِي الرُّجوعَ مِن معْصِيَةِ الله إِلَى طاعتِهِ، وقبْلَ ذَلِك مِن الشّرْكِ إِلَى التَّوْحيدِ، هَذَا معْنَى الإِنابَةِ.
وقد أثنى الله عَلَى المُنِيبِينَ علَيْه، كَما في قوْلِه تَعالَى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، فالإِنابَةُ مِن أفْضَل الأَحْوَالِ لِلْعابِدِينَ؛ لأَنَّ المُنِيبَ إِلَى الله دَائِمًا يذْكُر الله بقلْبِه، لأَنَّهُ يعْلَمُ أنَّه قدِ انْتَقل مِن معصِيَتِه إِلَى طاعَتِه، ومِنَ الإِشْراكِ بِه إِلَى توْحِيدِه؛ حتَّى يعْبُدَ الله كأنَّهُ يَراهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَراهُ فإِنَّ الله يَراهُ.
يقُولُ المُفَسِّر ﵀: [حَالٌ مِنْ فَاعِلِ (أَقِمْ)، وَمَا أُرِيدَ بِه: أَيْ أَقِيمُوا]، حالٌ مِن فاعلِ (أَقم) في قولِه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، [وَمَا أُرِيدَ بِه] لأَنَّ المُفَسِّر ﵀ قالَ: [﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ أنْتَ ومَنْ تَبِعَك]، فتكُون ﴿مُنِيبِينَ﴾ حالًا مِنَ الفَاعِل ومَا تَبعه، وَهَذا مبْنِيٌّ عَلَى أنَّ الخطابَ في قوْلِه: (أَقِم) لِلرَّسولِ ﷺ شخصِيًّا، أما إِذا قُلْنا: إِنَّ المُرادَ بِه الأُمَّة خُوطِب بِها زَعِيمُها فَلا حاجَةَ إِلَى هَذا التقْدِير،
следующие страницы →