← Тафсир

Тафсир · id 21808

تفسير العثيمين: الروم

ابن عثيمين

Полный текст (333 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كَذَلِكَ لا يعْلَمُ مَا يترتَّبُ عَلَى هَذا مِنْ جَزاءٍ بالثَّوابِ الجزِيل لمنْ قَام بِهِ، وبِالعُقوبَةِ والعَذابِ الأَلِيم لمَنْ خالَفه. المُهِمُّ: أنَّ حذْف المفعُولِ يقْتَضي العُمُومَ، وهذِه قاعِدَةٌ معروفَةٌ عنْد أهْل العِلْم، أنَّ حذْف المعْمُول يفيدُ العُمُومَ، ولَهُ أمْثِلةٌ كثِيرَةٌ في القُرآنِ، وفِي كَلامِ العَربِ، ومنْه - بَلْ مِن أوْضَحِه - قوْلُه تَعالَى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]، قولُه تعالى: ﴿فَآوَى﴾ الإيواءُ للرَّسولِ ﷺ ولمِنْ تَبِعَه، وقولُه: ﴿ضَالًّا فَهَدَى﴾ الهدايَةُ له ولمِنِ اهْتَدى بسُنَّتِه، وقولُه: ﴿فَأَغْنَى﴾ الغِنَى لهُ ولأُمَّتِه، قَال ﷺ : "وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلي" (١). المُهِمُّ: أنَّ تخصِيصَ المُفَسِّر ﵀ بقولِه: [كُفَّار مكَّةَ] لَا وجْهَ لَهُ، والصَّوابُ أنَّ أكْثَر النَّاس مِن بَني آدَم - مِن كُفَّارِ مكَّةَ وغيرِهم - لَا يعْلَمُون. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كونُ السّورة مكيَّةً ألا يدُلُّ عَلَى أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بأهْلِ مكَّةَ، كَما قَال المُفَسِّر ﵀؟ إذَا قُلنا بالعُمُومِ شَمِل كُفَّارَ مكَّةَ، فكَان فِيه التَّسلِيَةُ للرَّسولِ ﵊، وأمَّا كوْنُ السُّور مكيَّةً فَلا يدُلُّ عَلَى أنَّ جَمِيعَ الخِطاباتِ الَّتي فيها تُشِيرُ إِلَى أهْل مكَّةَ، بلْ هِي عامَّةٌ. مسْألةٌ: هلْ يأْجُوجُ ومأْجُوجُ مِن بَني آدَم؟ نعَم، هُم مِن بَني آدَم؛ وَلِهَذا الصّحابَةُ ﵃ لما حدَّثَهم بأنَّ بعْثَ النَّارِ تِسعُمئَةٍ وتِسعةٌ وتِسعُونَ مِن الألف فَزِعوا، قَالُوا: يا رَسُولَ الله أيُّا ذَلِك الواحِدُ؟

стр. 177

فقَال لَهم ﵊: "أَبْشِرُوا فإنَّكُم لمَع خَلِيقَتين مَا كَانَتَا في شَيْءٍ إِلَّا كثَّرَتَاهُ، يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ" (١). من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: : وُجوبُ الإِخْلاص للهِ ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أن الإِخْلاص لا يتِمُّ إلا بسلْبٍ وإيجابٍ، وهُو مضْمونُ قولِ الإِنسانِ: (لَا إلَه إِلَّا الله)، فإِنَّ هَذِهِ الجملَة العَظِيمةَ مشْتَمِلةٌ عَلَى النَّفْي والإِثْبَات، ولا إخْلاصَ إلا بنَفْيٍ وإثْبَاتٍ، فهَذِه الآيَةُ فِيها نفْيٌ وإثْبَاتٌ، فقوْلُه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ إثْبَاتٌ، وقوْلُه تَعالَى: ﴿حَنِيفًا﴾ نفْيٌ يعْنِي مَائِلًا. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوْلُه تَعالَى: ﴿حَنِيفًا﴾ هَل يُؤخَذُ منْه سلبٌ وإِيجابٌ؟ فالجوابُ: يُمْكِنُ أنْ يُؤخَذ بطَرِيق اللُّزومِ، ولكِن ليْس لَهُ داعٍ، وعنْدَنا قوْلُه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ الإِخْلاص هُو الفِطْرة، نأْخُذه مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، فتكونُ الآيَةُ هَذِهِ شاهدِةً لقَوْلِ الرّسولِ ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" (٢). الفائِدَةُ الرابعةُ: إثْبَاتُ الخَلقِ للهِ، وأنَّه الخالِقُ وحْدَه؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾.

стр. 178

الفائِدَتانِ الخَامسَةُ والسَّادِسَةُ: أن ما يقدره الله لا يمكن أن يُغير لقوْلِه تَعالَى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ عَلَى أحَدِ المَعْنيَيْن، أمَّا عَلَى مَا ذَهَب إِلَيْهِ المُفَسِّر ﵀ فيُسْتفَادُ منْه النَّهْيُ عَن الشِّرْكِ. هل يمْكِنُ أن نقولَ: إنَّ الآيَة تدُلّ عَلَى المعْنيَيْن جمِيعًا، وأنَّها صالِحَةٌ للمَعْنيَيْن جَمِيعًا، يعْنِي صالِحةٌ كَي تكونَ للنَّفْي، وأنْ تكُونَ خبِرَّيةً أوْ أنْ تكُونَ للطَّلبِ فتكونَ إنشَائِيَّةً؟ في الحقيقةِ: أن الإِنشاءَ والخَبر مُتعارِضَانِ، لكِن إِذا جعَلْنا كُلَّ واحِدٍ عَلَى انْفِرادٍ بمعْنَى أنَّنا لَا ندْرِي هَلْ أرادَ الله هَذا أوْ هَذا، ومَا دامَتِ الآيَةُ صالِحَةً لهَذَا وَلِهَذا، فإنَّنا نقولُ: هِي لِلْمعْنيَيْنِ جمِيعًا، يعني أنَّه لا أحَدَ يسْتَطِيعُ أن يُغيِّر مَا خلَق الله، ولَا يجُوزُ لَنا نحْنُ أنْ نغيِّرَ هَذِهِ الفِطْرَةَ الَّتي خُلِقْنا علَيْها مِن الإِخْلاص إِلَى الشَّرك. الفائِدَةُ السابعةُ: أنَّ أقوَم الأَدْيانِ مَا بُنِي عَلَى الإِخْلاص؛ لقَوْلِه: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، المشارُ إِلَيْهِ هُو ما سَبق مِن الفِطْرة الّتي فُطِر النّاسُ عليْها، والتّي أمَر الله بِها في قوْلِه تَعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ فالدِّينُ القيِّمُ هُو الَّذي أقَامَ الإنسانُ فِيه وجْهَه للهِ حَنِيفًا، وهِي الفِطْرةُ الَّتي فُطِر النّاسُ علَيْها. الفائِدَةُ الثّامِنةُ: أنَّ هَذا الدِّين المَبْنِيَّ عَلَى الإِخْلاص اجْتَمع فِيه الشَّرْعُ والفِطْرَةُ، أمَّا الشَّرعُ فلأنَّهُ أُمِر بِه، وأمَّا الفِطرة فلأَنَّ النَّاس خُلِقوا علَيْها وجُبِلوا علَيْها, ولوْلا ما يحْصُل مِن المَوانِع والعوارِضِ لِبَنِي آدَم لكَانَ النَّاسُ كلُّهم مُؤْمِنِينَ عَلَى الفِطْرَةِ كَما جَاء في الحدِيثِ: "أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" (١).

стр. 179

الفائِدَةُ التاسعةُ: أنَّ أكْثَر النَّاسِ في هَذا البَابِ عَلَى جهْلٍ وضَلالٍ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فهُمْ بَيْن أمْرَيْن، إمَّا عالِمٌ استكْبَر فعِلْمُه لَمْ ينْفَعْه، وإِمَّا جَاهِلٌ، فالعامَّةُ المتَّبِعونَ لرُؤَساءِ الكُفْر والضَّلالِ نَصِفُهم بالجهل وعدَم العِلم، والزُّعماءُ منْهُم العارِفُون نَصِفُهم بالجهْل لِعدَمِ انْتِفاعِهم بِما عَلِمُوا، لكنَّهم في الحقيقَةِ يستَحقُّونَ وصْفًا أعظَمَ، فهُم جَاهِلُونَ مُستكْبِرونَ، والمُخالَفَةُ عَن عِلْمٍ تُسمَّى (الجَهْل المُركَّب)، فهؤُلاءِ الزُّعماءُ - والعِياذُ باللهِ - يعْلَمُون أنَّهم عَلَى ضَلالٍ، قَال الله تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النّمل: ١٤]، وقَال مُوسَى لفِرْعَوْنَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإِسْراء: ١٠٢]، ولم يقُل فرْعَوْنُ: إِنَّني مَا علِمْتُ، فسكُوتُه إقْرَارٌ، لكِنْ عنْدَهُم - والعياذُ باللهِ - العِنَادُ. * * *

стр. 180

الآيتان (٣١، ٣٢) * قَالَ اللهُ : ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الرّوم: ٣١ - ٣٢]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مُنِيبِينَ﴾ رَاجِعِينَ]، مِن (أنابَ يُنِيب)، إِذا رَجع، وقوْلُه تَعالَى: ﴿إِلَيْهِ﴾، يعْنِي إِلَى الله تَعالَى فِيما أَمَر بِه، ونَهى عنْه يعْنِي الرُّجوعَ مِن معْصِيَةِ الله إِلَى طاعتِهِ، وقبْلَ ذَلِك مِن الشّرْكِ إِلَى التَّوْحيدِ، هَذَا معْنَى الإِنابَةِ. وقد أثنى الله عَلَى المُنِيبِينَ علَيْه، كَما في قوْلِه تَعالَى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، فالإِنابَةُ مِن أفْضَل الأَحْوَالِ لِلْعابِدِينَ؛ لأَنَّ المُنِيبَ إِلَى الله دَائِمًا يذْكُر الله بقلْبِه، لأَنَّهُ يعْلَمُ أنَّه قدِ انْتَقل مِن معصِيَتِه إِلَى طاعَتِه، ومِنَ الإِشْراكِ بِه إِلَى توْحِيدِه؛ حتَّى يعْبُدَ الله كأنَّهُ يَراهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَراهُ فإِنَّ الله يَراهُ. يقُولُ المُفَسِّر ﵀: [حَالٌ مِنْ فَاعِلِ (أَقِمْ)، وَمَا أُرِيدَ بِه: أَيْ أَقِيمُوا]، حالٌ مِن فاعلِ (أَقم) في قولِه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾، [وَمَا أُرِيدَ بِه] لأَنَّ المُفَسِّر ﵀ قالَ: [﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ أنْتَ ومَنْ تَبِعَك]، فتكُون ﴿مُنِيبِينَ﴾ حالًا مِنَ الفَاعِل ومَا تَبعه، وَهَذا مبْنِيٌّ عَلَى أنَّ الخطابَ في قوْلِه: (أَقِم) لِلرَّسولِ ﷺ شخصِيًّا، أما إِذا قُلْنا: إِنَّ المُرادَ بِه الأُمَّة خُوطِب بِها زَعِيمُها فَلا حاجَةَ إِلَى هَذا التقْدِير،

стр. 181

فنقُول: ﴿مُنِيبِينَ﴾ حالٌ مِن فَاعِل (أَقِم)، ولَا مَانِعَ أنْ يكُونَ جمْعًا؛ لأَنَّ المُرادَ بالمُفْرَدِ في أوَّل الآيَةِ الجمْعُ. قوْله تَعالَى: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاتَّقُوهُ﴾ خَافُوهُ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾]. التَّقْوَى مأخوذَةٌ مِن الوِقايَةِ، وأصْلُها (وَقْوَى)، والمُراد بالتَّقْوى اتِّخاذُ وِقايةٍ مِن عذَابِ الله بفِعْل أوَامِره واجْتِنابِ نَواهِيه، وجَميعُ التَّفاسِير الَّتي فُسِّرت بِها التَّقوى ترْجعُ إِلَى هَذا المَعْنى الجامِع العَامِّ، وهِي اتِّخَاذُ وِقايَةٍ مِن عَذابِ الله بِفِعْل أوامِرِه واجْتِنابِ نَواهِيه، فمَنْ كَان يعْبُدُ الله بفِعْل الأَوامِر لكِنَّهُ يفْعَلُ النَّواهِيَ فليْسَ بمُتَّقٍ، عنْدَه تقْوَى مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ. واعْلَم أنَّ التَّقوى عنْد الإطْلاقِ تشْمَلُ الدِّينَ كُلَّه كَما يقْتَضِيه هَذا التَّفْسيرُ، فإنْ قُرِنَتْ بالبِرِّ كقوْلِه تَعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، صَار المُرادُ بِها ترْكُ المحْظُوراتِ، وصارَ المُرادُ بالبِرِّ فِعْلُ المأْمُوراتِ، وَهَذا اللَّفْظ لهُ نَظِيرٌ كثِيرٌ في اللُّغَة العرَبِيَّةِ، يكُونُ اللَّفْظ لَهُ معْنَى عنْد الانْفِرادِ ومعْنًى آخَر عنْد الاجْتِماعِ، والَّذي يُعَيِّن ذَلِك هُو سِياقُ الكَلامِ. وقوْله تَعالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: ائْتُوا بها قويمةً، وليْسَ المُراد بإِقامَتِها لفْظُ (قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ)، بَل أنْ تأْتِي بِها قَويمَةً، وإِقامَتُها عَلَى نوْعَيْن: - إقامَة واجِبةٌ لا بُدَّ لصحَّةِ الصَّلاةِ منْهَا، وذَلك: الإِتيانُ بِالشُّروطِ والأَرْكانِ والوَاجِبَاتِ. - وإقامَةٌ مُكمِّلةٌ، وهِي إضافَة المُستحبَّاتِ إِلَى ما ذُكِر، فإنَّ هَذِهِ إقامَةٌ مُكمِّلةٌ،

стр. 182

ومِن إقامَتِها المُكمِّلةِ أنْ يَأْتِي الإِنْسانُ بالنَّوافِل؛ لأَنَّ النَّوافِل - صلاةُ تطوُّعٍ - تُكَمَّلُ بِها الفَرائِضُ يوْمَ القِيامَةِ. وقوْله تَعالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: عَطْفُها عَلَى قوْلِه تَعالَى: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ مِن بَاب عطْفِ الخَاصِّ عَلَى العامِّ، وعطْفُ الخاصِّ عَلَى العامِّ يقْتَضِي زيادةَ الاعتناءِ به فهو دليلٌ عَلَى أهمِّيةِ الصلاةِ. قوْله تَعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: الخِطابُ هنا يعودُ عَلَى الفاعلِ في ﴿مُنِيبِينَ﴾، يعني حالَ كَوْنِكُم مُنِيبينَ غيرَ مُشركينَ أيضًا في إنابَتِكُم. وقوْله تَعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يُشرِكونَ بالله وهو شاملٌ للشركِ الأصغرِ، والشّركِ الأكبرِ، وَهذا يُنهى الإنسانُ أنْ يفعلَ الشّركَ أيًّا كان نوعُهُ، قَالَ شَيْخُ الإسْلَامِ ﵀: "إِنَّ الشِّرْكَ لَا يَغْفِرُهُ الله وَلَوْ كَانَ أَصْغَرَ، وَالكَبَائِرَ تَحْتَ المَشِيئَةِ" (١)، وَاستدلَّ لِذَلِكَ بقوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، ووجهُ الدَّلالةِ من الآيَة أنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ مُؤَوَّلٌ بمصدرِ، فيكونُ المَعنى (إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ إِشْرَاكًا بِهِ)، فهو إِذَنْ نكرةٌ في سياقِ النّفي، فيشملُ جميعَ أنواعِ الشّركِ، وَلِهَذا قال ابنُ مَسْعُودٍ ﵁: "لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا" (٢)، لأَنَّ سيئةَ الشّركِ أعظمُ من سيئةِ الكَذِبِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل ما ذهبَ إِلَيْهِ شيخُ الإسْلامِ صحيحٌ؟ قُلْنَا: ظاهرُ الآية أنه صحيحٌ. وعَلَى كلِّ حَالٍ: فالشّركُ الأصغرُ لا يُخَلَّدُ صاحبُه في النَّارِ، بل يُعَذَّبُ به ولا بُدَّ.

стр. 183

قوْله تَعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: إذا قِيلَ: إن هَذا خطابٌ للرسولِ ﷺ والشِّركُ في حقّه ممتنِعٌ. قُلْنَا: لا يمتنعُ أنْ نُخَاطِبَ شخصًا بإثْبَاتِ ما هو علَيْه، أو بنفي ما هو مُنتفٍ عنه، ويكون المعنى الثُّبوت عَلَى ما ذُكِرَ، يقول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النّساء: ١٣٦]، هم مؤمنونَ، لكن المعنى: اثبتوا كَذَلِكَ، فأنتَ إذا قُلتَ لشخصٍ: (لَا تُشْرِكْ)، وهو لا يشركُ، صار المعنى: اثبت عَلَى نفي الشّركِ. قال المُفَسّر ﵀: [﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الجارِّ]، بدلٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وأفادَنا المُفَسّر ﵀ أنَّ البدلَ عَلَى نوعَيْنِ، تَارَة بإعادةِ العاملِ، وتَارَة يكونُ بعدمِ الإعادةِ، فإذا قلتَ: (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ أَخِيكَ) فَهَذَا بعدمِ إعادةِ العاملِ، وإذَا قُلْتَ: (مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأَخِيكَ) فهَذا بإعادةِ العاملِ، وهنا قَالَ: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ﴾، بدلٌ بإعادةِ العاملِ الَّذي هو حرفُ الجرِّ. قال المُفَسّر ﵀: [﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بِاخْتِلافِهِمْ فِيمَا يَعْبُدُونَهُ، ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقَا في ذَلِكَ ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ مِنْهُمْ ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ عِنْدَهُمْ ﴿فَرِحُونَ﴾ مَسْرُورُونَ]. قوْله تَعالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: هَذَا وَصْفٌ لهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، وصفٌ مذمومٌ ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ حيْثُ كان لكلّ واحدِ منهم مِلَّةٌ ونِحْلَةٌ، فهَؤُلاءِ يعبدونَ حَجَرًا، وأولئكَ يعبدونَ شمسًا، والآخرونَ يعبدونَ قمرًا، والرّابعُ يعبدُ شجرًا ... وهكَذا، ثمَّ إنَّ لهم نِحَلًا مختلفةً فيما يَسْلُكونَهُ في مِنْهَاجِ عِبادتِهم، فَهُمْ فرَّقوا دِينَهُم، وفي قوْله تَعالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أي: شَتَّتُوهُ ووزَّعُوه، دليلٌ عَلَى أنَّه لا ينبَغِي للأمَّةِ الإسْلامِيَّة أنْ تُفَرِّقَ دِينَها؛ فاليهودُ والنّصارى فرَّقوا دِينَهُم، اليَهُودُ

стр. 184

افْتَرَقُوا عَلَى إحْدى وسبعينَ، والنَّصارى افْتَرَقُوا عَلَى اثنتَيْنِ وسبعينَ (١)، والمشركونَ الجاهليُّونَ حَدِّثْ ولا حَرَجَ في افتراقِهِم، فهَؤُلاءِ فرَّقوا دِينَهم، ودِينُهم ما يَدِينُونَ به، سواء كانوا يَدِينُونَ لمِخْلُوقٍ أو لخَالقٍ عَلَى زَعْمِهِمْ؛ لأَنَّ المُشْرِكِينَ يقُولونَ في آلهتِهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، أولئكَ أُناسٌ آخرونَ يَعْبُدُونَ ما يَعْبُدُونَ مِن الآلهةِ لا لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى الله، لكنْ لاعتقادِ أنَّها هي الآلهةُ وأنه لا إِلَهَ إلا هَذا المعبودُ عِنْدَهُمْ. وقوْله تَعالَى: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: شِيَعًا يعني فِرَقًا، وأَصْلُ التَّشَيُّعِ أو الشِّيعة أصلُها الانتصارُ للشيء، فيمالُ: (شِيعَةُ فُلانٍ) أي أنصارُه فَهُم شِيَعٌ، كلُّ طائفةٍ منهم تَنْصُرُ ما هي علَيْه وتؤيّدهُ، يعني أنهم لم يقتصِرُوا عَلَى أن تَفَرَّقُوا فقط، بلْ كل واحدةٍ تدعو إِلَى ما هي علَيْه، ومعلومٌ أن من يدعو إِلَى ما هو علَيْه لا بُدَّ أن يحذرَ ممَّا يخالِفُه إذْ لا يتِمُّ الانتصارُ إلا بهذا. قال المُفَسّر رَحَمَهُ اَلملَّهُ: [﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ مِنْهُمْ]. حِزْبٌ بمعنى طَائِفَة، وسُمّيَتِ الطَّائِفَة المتَّفِقة عَلَى رَأْيٍ أو هَدَفٍ أو دِينٍ سُمّيَتْ حِزْبًا؛ لأَنَّ كلَّ واحدٍ منْهَا يَحْزِبُ الآخَرَ أي يُقَوِّيهِ. وقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾: أي بالَّذي ﴿لَدَيْهِمْ﴾، بمعنى عندَهُم. وهل ﴿لَدَيْهِمْ﴾ صِلةُ الموصولِ أو متعلقُها صلةُ الموصولِ؟ مُتَعَلقُها هو صِلة الموصولِ؛ لأَنَّ (لَدَى) ظرفٌ، بُنِيَ عَلَى السُّكونِ هنا لإضافَتِه

стр. 185

إِلَى الهاء، وإلَّا فأصلُها مبنيٌ عَلَى فَتْحٍ مُقَدَّرٍ عَلَى آخِرِه، تقولُ: (جَلَسْتُ لَدَى زيدٍ) أي عِنْدَهُ، لكنْ هنا أُضِيفَ إِلَى الهاء، مثل: (إلى) أُضِيفَتْ إِلَى الهاء، يُقال فيها: (إليه)، و (على) يُقال فيها: (عليه)، وتقدَّم أنَّ الصلةَ هي متعلقُ الظَّرف، والجارُّ والمجرورُ يُقَدَّرُ فِعْلًا، بخلافِ خبر المُبتدأ فإِنَّهُ يُقَدَّرُ اسمًا، فإذَا قُلْت: (زَيْدٌ عِنْدَكَ) فالتّقديرُ: (زيدٌ عِنْدَكَ كَائِنٌ، أَوْ مُسْتَقِرٌّ)، وإذَا قُلْت: (أَكْرَمْتُ الَّذِي عِنْدَكَ)، أقولُ: (الَّذِي اسْتَقَرَّ عِنْدَكَ)، والفرقُ بَيْنَهُما أنَّ الأصلَ في خبرِ المبتدأ أنْ يكُونَ مفردًا يعني لا جُمْلة، وأمَّا صلةُ الموصولِ فالأصلُ أنْ تكونَ جملةً، عَلَى أنَّه يجوزُ أنْ تُقَدِّرَ (مُسْتَقِر) في صلةِ الموصولِ، لكنْ إذا قَدَّرْتَ المُسْتَقِرَّ في صلةِ الموصولِ فإِنَّهُ يجبُ أنْ تُقَدِّرَ مبتدأً لتكونَ جملةً، ومنْ أجلِ هَذا قلنَا: إنَّ الأَوْلى أنْ يقدِّرَ مِنَ الأصلِ فِعْلًا حتى لا يحتاجَ إِلَى تقديرِ مُبْتَدأ. قوْله تَعالَى: ﴿فَرِحُونَ﴾: خَبَرُ ﴿كُلُّ﴾. وقالَ ﵀: [مَسْرُورُونَ]، لكن هَذا الفَرَحُ إنما وصفهم الله به لأَنَّ مَنْ فَرِحَ بشيء لازَمَهُ، ولكنَّهُ فَرَحٌ مذمومٌ لأَنَّهُ فرحٌ بِباطلٍ، والفَرَحُ بالباطلِ لا شَكَّ أنَّه باطلٌ، لكنْ لو فَرِحُوا بما عندهُم من الحقِّ لَكَان فرحًا مسرورًا؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، فالفرحُ لا يُذَمّ من حيْثُ هو فرح، ولكنه يُذَمُّ من حيْثُ مُتَعَلِّقه فإن كان فرحًا بباطلٍ فهو مذمومٌ، وإن كان فرحًا بحقٍّ فهو محمودٌ، أمَّا الأَشَرُ والبَطر الَّذي يَنتجُ عن الفرح فَهَذَا مذمومٌ بكلِّ حَالٍ، حتى لو كان فرحُ الإنسانِ بحقٍّ وأدَّاهُ ذَلِك الفرحُ إِلَى الأَشَرِ والبَطَرِ، مثل أنْ يفرحَ بما أعطاهُ الله من المالِ والبنينَ لكِنَّهُ - وَالعياذُ بِاللهِ - يتخذُ من هَذا وسيلةً إِلَى العُلُوِّ والاسْتِكْبَارِ، فإنَّ ذَلِك فَرَحٌ مذمومٌ لِنَتيجَتِه لا لِذَاتِه.

стр. 186

وقوْله تَعالَى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ إذا طَبَّقْناهُ الآن عَلَى الأحزابِ الموجودةَ وأنَّ كلَّ حزبٍ فَرِحٌ بما هو علَيْه مُسْتَمْسِكٌ به مُدَافِعٌ عنه مُوهِنٌ لِغَيرهِ وَجَدْنَا أنَّ الآيَةَ تَنْطَبِقُ تمامًا عَلَى ما يوجدُ الآن مِنَ الأحزابِ وَلا سِيَّما في الأمةِ العربيةِ، الأمةُ العرَبِيَّةُ الآنَ مُتَحَزِّبَةٌ، كلّ حزبٍ فَرِحٌ بما عندهُ، لكنَّ الأمةَ الإسْلامِيَّةَ لا تَتَحَزَّبُ لأنَّهَا حزبٌ واحدٌ هو الإسْلامُ حتى لو اختلفَتْ آراؤهُم، هَذا شافعيٌّ وَهَذا مالكيٌّ وَهَذا حنفيٌّ وَهَذا حنبليٌّ وَهَذا ظاهريٌّ وما أَشْبَهَ ذَلِكَ، فإنها في الحقيقةِ مُتَّفِقَة؛ لأَنَّ كل واحدٍ من هَذِهِ الأحزابِ لا يُضَلِّلُ الآخرَ، بل إنَّه يمدحُه إذا خالَفه بمقتضَى الدَّليلِ عنده، الإنسانُ العاقلُ المؤمنُ حَقًّا هو الَّذي إذا خالَفه غيرُه بمقتضى الدّليلِ عنده لا يَكْرَهُه بل يَحْمَدُه عَلَى هَذِهِ المخالفةِ؛ لأنَّهُ ما خالَفني لأني فُلان، خالَفني لأَنَّهُ يعتقدُ أنَّ الحقَّ معه، وَهَذا هو الواجبُ عليه، وواجبٌ عَلَى كلِّ مؤمنٍ أنْ يتبعَ الحقَّ إذا تبَيَّنَ له ولو خَالَفَ غيره. إِذَنْ: فالطَّريقُ واحدٌ ولو اختلفَ المِنْهَاجُ؛ لأننا كلنا نُحَكِّمُ الكتابَ والسُّنةَ، وكلنا نعتقدُ أنَّ هَذا هو الحَق، فلماذا أَكْرَهُه لأنَّهُ خالَفني؟ والله تَعالَى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، نَعَمْ مَنْ تبَيَّن لهُ الحَقُّ وأصَرَّ وعاندَ وعَلِمْنَا أنَّه مجُادِلٌ بالباطلِ فَهَذَا يَنزِلُ مَنزِلتَه، وَهَذا هو الميزانُ في قولهم: (لا إِنْكَارَ في مَسَائِلِ الاجْتِهَادِ)، فإن هَذِهِ العبارةَ اشتهرَتْ عَلَى الألسُنِ لكنها ليستْ عَلَى إطلاقِها؛ لأَنَّ مسائلَ الاجتهادِ نوعانِ: أحدهُما: ما يَحْتَمِلُه الاجتهادُ، فَهَذَا لا إنكارَ فيه لأَنَّ كلَّ إِنْسَانٍ إذا اجتهدَ؛ إِنْ أصابَ فلهُ أجْرانِ، وإِنْ أخطأَ فلهُ أَجْرٌ، ولا يمكِنُ أنْ نَزِنَ النَّاسَ بميزانٍ واحدٍ؛ لأَنَّ العِلْمَ بالأحكامِ الشّرعيةِ يَتَفَاوَتُ بحسبِ الإِيمَان وحسب العلمِ وحسب الفَهْمِ،

стр. 187

فالعلمُ بالأحكامِ الشَّرعيةِ يَتَفَاوَتُ بهذه الثَّلاثةِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يكونُ معه إيمانٌ صافٍ حتى يرى الحقَّ عَلَى ما هو علَيْه ويُفتح له بابُ الهِدايةِ، ومِنَ النَّاسِ مَنْ يكونُ في إيمانِه ضَعْفٌ فيُحْجَبُ عنه مِنَ الهِدايةِ بقَدْرِ ما نقص من إيمانه، فالإِيمَان له أثرٌ كبيرٌ حتى في العِلم، كما قال الشَّافعي ﵀ (١): شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ... فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ المَعَاصِي وَقَالَ اعْلَمْ بِأَنَّ العِلْمَ نُورٌ ... وَنُورُ الله لَا يُؤْتَاهُ عَاصِ واللهُ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، ولا فُرقانَ إلا بعلمٍ، فالنّاسُ يختلفونَ في هَذا اختلافًا عظيمًا بحسبِ ما معهم من الإِيمَان والتَّقوى. كذلك أيضًا يختلفُ النَّاس في العلمِ، مثلًا رجلانِ أحدُهما يعرفُ كُتُبَ السُّنة - البُخاري ومُسلم وغيرها من كُتب السُّنة - والثاني لا يعرفُ شيئًا، فلا شك أن الأولَّ أَعْلَمُ. والثَّالثُ الفَهْم، فإنَّ النَّاسَ يختلفونَ فيه اختلافًا عظيمًا؛ وَهذا قِيلَ لِعَليِّ بنِ أبي طَالِب ﵁: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: "مَا عَهِدَ إِلَيْنَا بِشَيْءٍ إِلَّا مَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيهِ الله تَعالَى في القُرْآنِ" (٢)، ولا شك أن النّاسَ يختلفونَ في الفهمِ، حتى إنَّ النَّصَّ الواحدَ تجدُ بعضَ النَّاسِ يَسْتَنْبِطُ منهُ عَشْرَ مَسَائِلَ، وآخَر لا يستنبطُ إلا مسألتينِ أو ثلاثة، وثالث يقول: أنَا أقرأُ لكم الحديثَ وعليكم الاسْتِنباط.

стр. 188

فالحاصِلُ: أنَّ النّاسَ يَخْتَلِفُونَ لِذَلِكَ، أهل السُّنةِ والجماعةِ، والمسلمونَ عُمُومًا يقُولونَ: إنَّ اختلافَنا في الآراءِ ليس اختلافًا في الدِّينِ؛ لأننا كلنا عَلَى هَدَفٍ واحد ولا يُضَلِّلُ بعضُنا بعضًا إلا مَنْ عَلِمَ الحَقَّ وتَبَيَّنَ لهُ وعَلِمْنَا أنَّه مُعَانِدٌ. قوْله تَعالَى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [وَفي قِرَاءَةٍ: "فَارَقُوا" أي: تركوا دينَهُم الَّذي أُمِروا به]. قوْلهُ ﵀: [في قراءة]، أي: قراءة سَبْعِيَّة؛ لأَنَّ اصطلاحَ المُفَسِّر إذا قَالَ: (في قراءة) فهي سبعيَّة، وإذا قَالَ: (قُرِئَ) فهي شاذَّةٌ، هذا اصطلاحُ صاحبُ الجلالينِ، أمَّا غيرُه إذا قَالَ: (قُرِئَ) فقد تكونُ سبعيَّة أحيانًا. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى:: أنَّ الخِطابَ للرسولِ ﷺ خطابٌ له ولأمتهِ؛ تُؤخَذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿مُنِيبِينَ﴾. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: وُجوبُ التَّقوى؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: وُجوبُ إقامةِ الصَّلاةِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. الفائِدَةُ الرابعةُ: شَرَفُ الصَّلاة وفضلُها؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ خَصَّهَا. الفائِدَةُ الخامسةُ: النَّهْيُ عن الشِّرك صَغِره وكبيرِه؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الفائِدَةُ السادسةُ: شدةُ التَّنفيرِ من الشِّركِ؛ نأخُذها مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا

стр. 189

مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، بعدَ قوْلهِ تَعالَى: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ فإِنَّهُ لا شك أنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ من التَّقوى، لكن هَذا يكون عطفَ خَاصٍّ عَلَى عامٍّ. الفائِدَةُ السابعةُ: أنَّ أهلَ الشَّركِ من شأنِهم ودَأْبِهم وعادتِهم التَّفَرُّقُ في الدِّين؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾. الفائِدَةُ الثَّامِنهُ: التَّنبيهُ عَلَى أنَّه لا ينبغِي للمؤمنينَ أنْ يَتَفَرُّقوا في دينِهم؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾، والرَّسولُ ﵊ أخبرَ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَتَّبعُ سَنَنَ مَنْ كان قبْلها، ومع ذَلِكَ فاتباعُ سَنَنِ مَنْ قبلها مُحرَّمٌ فَهَذَا أيضًا مثلُه، هَذا التَّفرق وإن كان موجودًا قَدَرًا لكِنَّهُ غيرُ محبوبٍ إِلَى الله شرعًا، وكانت هَذِهِ الأمةُ أكثرَ تفرقًا وإن كانت ليست أكثرَ تفرقًا في الواقعِ، لكن لما كانت ستتبعُ سَنَنَ مَنْ كان قبلها صارَ لا بُدَّ أنْ يكُونَ لها اثنتانِ وسبعونَ فِرقةً، يبقى من لم يتَّبع الفِرَقَ السَّابقةَ وهي واحدةٌ وهي الثَّالثة والسَّبعونَ، هَذا السَّبب في أن هَذِهِ الأمة ستفترقُ عَلَى ثلاثةٍ وسبعينَ فرقةً لأَنَّ اليَهُودَ واحدٌ وسَبْعُونَ، والنّصارى اثنتانِ وسبعونَ فرقةً، والرَّسول ﷺ لما قالوا: اليَهُود والنّصارى؟ قَالَ: "فَمَنْ" (١)، فَهَذَا يدلُّ عَلَى أنهم هَؤُلاءِ. ويحتملُ أنْ يكُونَ معنى (فَمَنْ) باعتبارِ الجِنْس، يعني: هَؤُلاءِ وغيرهم، لكن حديث: "افْتَرَقَتِ اليَهُودُ ... وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى" (٢)، يدلُّ عَلَى أنهم يُشْبِهُونَ هَؤُلاءِ. والحاصلُ: أنَّ هَذِهِ الأمةَ ثلاثةٌ وسبعونَ فرقةً، منْهَا اثنتان وسبعون مُتَّبِعَةٌ

стр. 190

لليهودِ والنَّصَارَى، ومنها واحدةٌ سالمةٌ ناجيةٌ. وعَلَى كُلِّ حَالٍ: فقد حاولَ بعضُ العُلَماء أن يَعُدَّ الفِرَقَ، حاولوا أن يَعُدُّوها فقسموا بحسبِ أصولِ البِدَعِ إِلَى خمسةِ أقسامٍ، ثمَّ فرَّقوا هَذِهِ الأقسامَ حتى أوصلوها إِلَى اثنتينِ وسبعينَ فرقةً، ولكن المسألةَ فيها نظرٌ؛ لأننا لا ندري هَذِهِ الفِرَقَ. فإِلَى الآن لم تَقُم القيامةُ، وقد توجد فِرَقٌ لم توجد الآن تنتسبُ إِلَى الإسْلام وهي بعيدةٌ منه. الفائِدَةُ التاسعةُ: أنَّ التَّفرق في الدِّين مُشابَهةٌ للمُشْرِكِينَ، فأولئك الَّذِينَ يتفرقونَ في دِينِهم من أجْل مسائلَ بسيطةٍ من فروعِ الدِّين القليلة أيضًا، هَؤُلاءِ فيهم شَبَهٌ من المُشْرِكِينَ تجد بعض النّاس يعادي صاحبَه أو أخاهُ من أجل أنَّه لا يطبِّق سُنّةً يراها، وَهَذا التّارك لها لا يراها، هَذا خطأ؛ لأنَّهُ تقدَّمَ أنَّه يجب عَلَى الإنسانِ أَلا يجعلَ الخلافَ المبنيَّ عَلَى الاجتهادِ سببًا للنزاعِ والبغضاءِ والتَّفَرُّقِ، بل العاقلُ يرى أن مَنْ خالَفه من أجلِ قيام الدَّليل عنده فهو في الحقيقةِ موافقٌ له؛ لأَنَّ السَّبيل والمِنْهاجَ واحدٌ، كلنا نمشي عَلَى الدَّليل. إِذَنْ: فأنْتَ مُوافِقٌ لي والمنتهى واحدٌ، وإنِ اختلفَت الطُّرُقُ. الفائِدَةُ العاشرة: أنَّ أحزابَ المُشْرِكِينَ مستمسِكونَ بما هم علَيْه؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ أولئك الَّذِين أُوتوا شيئًا من العلومِ العصرية وفَرِحوا ورَفَعوا رؤوسَهم فِيهِم شَبَهٌ من المُشْرِكِينَ؛ لأَنَّ هنا أناسًا - والعياذُ باللهِ - أُوتوا شيئًا من العلوم العصريةِ فاحتقروا الدِّين واحتقروا العلوم الشَّرعية، وصاروا فرحين بما أوتوا فضلُّوا، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: ٨٣]، تجدُ الواحدَ منهم إذا أدركَ مسألةً من

стр. 191

مسائلِ الكونِ البسيطةِ رأى كأنه أدركَ تفاسيرَ القرآنِ وأمهاتِ السُّنة، وأنه هو العالم الحبْرُ الَّذي لا يوجد له نَظِيرٌ واحتقرَ مَنْ سِوَاهُ، وهذه مشكلةٌ وقَع فيها بعضُ النَاس اليوم. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ عشرة: أنَّه لا يجوز التَّحَزُّبُ في الدِّين والتَّشيع فَيَكون في هَذا ذَمٌّ لأولئك المتعصبينَ لمذاهبهم لأنهم يُشَيِّعُون النّاسَ في الواقعِ، حتى إنَّ بعض المُفْتينَ إذا استُفتي قال عَلَى أي مذهب تُريدُ أنْ أفتيَكَ، المذهب الشَّافعي، أم المالِكي، أم الحنبلي إِلَى آخره؟ وَهَذا لا شك تفريقٌ للأمةِ؛ وَهذا ذكروا فيما سبق في التّاريخ أنَّه يحصلُ إِلَى حَدِّ القتالِ بين أصحابِ المذاهبِ المتبوعةِ، وأئمَّةُ هَذِهِ المذاهبِ لا يَرْضون هَذا أبدًا, ولا يرضون لأحدٍ أن يُقَدِّمَ أقوالَهم عَلَى قولِ الرَّسولِ ﵊، أو أنْ يجعلَ أقوالَهم مَسارًا للنزاعِ والجدَلِ والعداوةِ والبَغْضَاءِ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الَّذِينَ يُقَلّدُونَ الكُفَّارَ أَلا يَدْخُلُونُ في هَذِهِ الفِرَقِ؟ الجوابُ: لا، لا يَدخُلونَ؛ لأَنَّ هَذا خلافٌ في فرع من الفروعِ لا بُدَّ أنْ يكُونَ هناك أصلٌ يشتركونَ فيه.

стр. 192

الآية (٣٣) * قَالَ اللهُ : ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الرّوم: ٣٣]. * * * قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ﴾ أي كُفَّارَ مكَّةَ ﴿ضُرٌّ﴾ شدةٌ ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ﴾ راجعينَ ﴿إِلَيْهِ﴾ دون غيرِه ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ بالمَطر ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾]. المُفَسِّر ﵀ خصَّ هَذِهِ الآيَة من وجهيْنِ: - من جهة المراد بها. - ومن جهة الضُّر. فقَالَ: [﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ﴾: أي كُفَّارَ مكةَ] وَهَذا ليس بصحيحٍ، بل النَّاس عُمُومًا. وهل المرادُ بالنَّاس عُمُومهم؟ ننظر الحالة الَّتي تحدث الله عنها هل تنطبق عَلَى المؤْمِنينَ أو خاصة بالكفار؟ فإنها خاصةٌ بالكفار. إِذَن: النَّاس من حيْثُ هم ناس، أو نقول: المراد بالعُمُوم هنا الخصوص، وهم الكفَّار؟ فعندنا الآن وجهان:

стр. 193

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ نقولَ المراد بالنَّاس النَّاس من حيْثُ هم ناس بقطعِ النَّظر عما يتصفونَ به من الإِيمَان أو الكفرِ. الوَجْهُ الثَّاني: أنَّ المرادَ بالنَّاس الكفَّارُ فيكون عامًّا أُريدَ به الخاصُّ، مثل قوْله تَعالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ﴿النَّاسَ﴾ الأولى يراد بها واحد وهو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ أو غيرُه. وقوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا﴾ المرادُ بـ ﴿النَّاسَ﴾ الثَّانية واحد وهو أَبُو سُفْيَانَ أو جنسُ أتباعِه. المُهِمُّ: أن كلمة ﴿النَّاسَ﴾ في قوْله : ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ﴾ المرادُ بها أحدُ أمرين: * إِمَّا أن يراد بها الكافرون عينًا. * أو المُؤْمِنُونَ والكَافِرُونَ، وهذا لا يصح؛ لأَنَّ الحال الَّتِي ذكر الله لا تنطبق عَلَى المُؤْمِنِينَ. ثانيًا: يقولُ المُفَسِّر ﵀: [﴿ضُرٌّ﴾ شدة] ثمَّ قَالَ: "إِذَا أَصَابَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةٌ؛ بِالمَطَرِ]. إذا قُلْنَا: الرَّحمة مطرٌ صارت الشّدةُ القحطَ، وهو عدمُ المطرِ، والأمر ليس كما قال المُفَسِّر ﵀ بل هو أعم؛ لأَنَّ كلمةَ ﴿ضُرٌّ﴾ نكرةٌ في سياق الشَّرط، فتكونُ للعُمُومِ، أَيُّ ضر يكون سواء قَحْط أو مرض أو فَقْدُ مالٍ أو غيرُ ذَلِك، فإنهم عندما يُصابونَ بضرٍّ ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ﴾ راجعين إليه، كقوْله تَعالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، فإذا أُصيبوا بالشِّدة عرفوا الله، خلاف ما أمر به النَّبيُّ ﵊ في قوله: "تَعَرَّفْ إِلَى الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ" (١)،

стр. 194

فالَّذي لا يعرفُ ربَّه إلا في الشَّدة لم يعبدْ ربَّه رغبةً، وَهَذا الَّذي تحدَّثَ الله عنه أخفُّ حالًا ممن إذا أصيبوا بالشِّدة دَعَوُا المخلوقَ، هَؤُلاءِ أقبحُ ممن تحدثَ الله عنهم. وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حالٌ من فاعل ﴿دَعَوُا﴾. وعندنا إشكالٌ في ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾، لماذا ضمَّ الواوَ مع أن الواو ساكنةٌ؟ والجوابُ: حُرِّكت لالتقاءِ السَّاكنين. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: التّحريك لالتقاءِ السَّاكنين يكونُ بالكسرِ مثل ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]. قُلْنَا: لكن الكسر لا يناسب الواوَ، ويناسبها الضَّم، فعلى هَذا نقول: حُركت بالضَّم لالتقاءِ السَّاكنين، فالواو والياء إذا تحرَّكَا بالفتحة فإنها تظهر عليهما، لكن إن تحرَّكَا بالضَّم والكسرة فإنهما تقدران حيث يمنع من ظهورها الثِّقل. لكن لا ثقل في قوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾، بل تُنطق بسهولة، والسَّبب أن هَذِهِ الضَّمة عارضة للتخلص من التقاءِ السَّاكنين، أما قوله تعالى: ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ فليس فيها إشكالٌ. وقوْله تَعالَى: ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾: كلمةُ (رَب) بمعنى الخالِق المالِك المدبِّر، والرُّبُوبِيَّة تقتضي خَلْقًا، فالَّذي أوجد النَّاس هو الله، والمالكُ هو الله ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٢٠]، وهو مدبِّرٌ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، هَذا هو الرَّب قَالَ: ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ لما وقعوا في الشِّدة عَرَفوا أنَّ الأمورَ بيدِه فَدَعَوْهُ. وقوْله تَعالَى: ﴿مُخْلِصِينَ﴾: حالٌ من الواو.

стр. 195

قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُنِيبِينَ﴾ راجعين ﴿إِلَيْهِ﴾ دونَ غيره ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ بالمَطَرِ ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾]. ﴿أَذَاقَهُمْ﴾ يعني أصابتهم الرَّحمة حتى يتحقَّقوها كما يتحققُ الإنسانُ الطَّعامَ في فمِه، وَهذا عبَّر بالإِذَاقَةِ، وإن كان هَذا لا يُذاق لأَنَّهُ لا يدخل في الفم لكن لِتَحَقُّقِ إصابتِه صار كالشَّيء الَّذي يُؤكلُ فَيُذاقُ. وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْهُ رَحْمَةً﴾: المراد بالرَّحمة ما يقابل الضُّر، ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ فمثلًا إذا كان الجدبُ فالمرادُ بالرَّحمة المطرُ والخِصْبُ، وإذا كان مرضًا فالمرادُ بها الشِّفاءُ، وإذا كان فقرًا فالمرادُ بها الغِنى، فالمُهِمُّ: أنَّه يُقابل بالضُّرَّ. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ﴿أَذَاقَهُمْ﴾ أَلا يدل اللفظ عَلَى عدمِ الاستمرار، يعني مجرد وقت قليل، أذاقهم الرَّحمة فنكَصُوا؟ وهذا مفهومٌ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ﴾، لأَنَّ ﴿إِذَا﴾ فُجَائية. وقوْله تَعالَى: ﴿إِذَا﴾: فُجَائية، وهي حرف مع أنَّ ﴿إِذَا﴾ الشَّرطية اسم؛ لأَنَّ ﴿إِذَا﴾ الشّرطية نابَت مَنابَ اسمِ الشَّرط، وأما ﴿إِذَا﴾ الفجائية فنابت مَناب الفاء، والفاءُ حرفٌ. وقوْله تَعالَى: ﴿فَرِيقٌ﴾ مبتدأ، وقوْله تَعالَى: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ خبر جملة. وهنا نسأل: لماذا جاء المبتدأ نكرةً وابن مالِكٍ يقول (١): وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَكِرَة ... مَا لَمْ تُفِدْ ... .. .. .. .. .. .. .. .. ..

стр. 196

الجوابُ؛ لأنَّهَا أفادتْ، وبالخصوص نقولُ؛ لأنَّهَا وقعتْ بعد ﴿إِذَا﴾ الفجائية، فإذا جاءَ المبتدأُ بعد ﴿إِذَا﴾ الفجائية فلا بأسَ أنْ يكُونَ نكرةً. وقوْله تَعالَى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، وقال هنا: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ﴾ يعني وفريقٌ آخَرُ لا يشركُ، مع أنه في آيةٍ أخرى يقول: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وفي آية ثالثة ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ [لقمان: ٣٢]، فهل نقول: إن الآيات الَّتِي يقول الله فيها: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ تُحمل عَلَى المُشْرِكِينَ، والآيات الَّتِي فيها ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أو ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ تنزل عَلَى العُمُوم؟ والجواب: هَذا الإِشكالُ ما وَرَدَ عِنْدي إلَّا الآن لمَّا وصلنا آخرَ الآية وإِلَّا ففي الأول قرَّرنا أنَّها للمُشْرِكِينَ أو النَّاس من حيْثُ هم ناسٌ ولكن لما قَالَ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ صَارَ عندي ترَدُّدٌ، هل الآيةُ عامة فنقول: إن المؤْمِنينَ إذا أُصيبوا بالضَّراء لا شك أنهم يلجؤونَ إِلَى الله أكثرَ كما هو مُشاهد؛ وَلهذا قال الرَّسول ﷺ : "تَعَرَّفْ إِلَى الله فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ" (١)، فَهَذَا دليلٌ عَلَى أنَّ الإنسانَ في حال الرَّجاء قد يحصُل منه غفلةٌ عن الله عَز جلَّ وعَدَمُ تَعَرُّفٍ، لكن في حال الشِّدة يلجؤونَ إِلَى الله عَز جلَّ، قال النَّبيُّ ﷺ في الخسوف: "إِنَّ الله يُخَوِّفُ بِهِما عِبادَهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ الله" (٢)، فالآية تحتاج إِلَى تأمُّلٍ. والَّذي يبدو لي الآن أن الآيَاتِ الَّتِي يقولُ الله فيها: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ تكون خاصَّة بالمُشْرِكِينَ، أمَّا الآياتُ الَّتِي يقولُ الله فيها: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾

стр. 197

و ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ فإنها تصلحُ للعُمُوم؛ لأَنَّ الناس - حتى المؤْمنينَ - إذا أصابهم الضُّرُّ صار عندهم من الرُّجوع إِلَى الله واللجوء إِلَيْهِ أكثر. فصلاةُ الاستقساءُ رجوع إِلَى الله وإنابةٌ أكثر، ومثلها صلاة الكُسوف، وحتى أنْتَ بنفسك إذا وقعتَ في شدةٍ تجد عندك من اللجوء إِلَى الله والافتقار أكثرَ مما إذا كنت في رخاء. من فوائد الآية الكريمة: الفائدتانِ الأولى والثَّانية: أنَّ طبيعةَ الإنسان عند الضَّراء اللجوءُ إِلَى ربِّه لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾، ويتفرعُ عَلَى هَذا أنَّ أولئك الَّذِين إذا مسَّهم الضُّر لجؤوا إِلَى غير الله أنهم خالَفوا جميع فِطَرِ البشر لأنهُ يوجد ناس الآن إذا وقع في ضر ما دعا الله، بل يدعو الولي الَّذي يتبعه، أو الَّذي يراه وليًّا، وإذا وقع في الأمر الهين دعا الله فيجعلون الشَّدائد لمن لا يستطيع أن يدفع عنهم شيئًا أبدًا، بل ولا يستجيب له، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥]، بخلافِ النَّاس - حتى غير المسلمين - إذا وقعوا في شِدَّة لا يلجَؤُون إلا إِلَى الله . الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ أولئك الَّذِين يلجؤون إِلَى ربهم في الشَّدائد إذا زالت عنهم الشَّدائد وأصيبوا بالرَّحمة انقسموا إِلَى قِسْمَيْنِ: * منهم مَنْ يشركُ ويبقى عَلَى شركه. * ومنهم مَنْ يبقى عَلَى إيمانه إذا كان من المُؤْمِنِينَ. الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّ أولئك المُشْرِكِينَ لا يتأنَّون في شركهم بعد أنْ ينجوا من الشِّدة، بل يستمرون علَيْه فورًا؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾؛ لأَنَّ ﴿إذَا﴾ فجائية.

стр. 198

الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: الرَّد عَلَى أولئك الَّذِين يقدمون أولياءهم أو أولئك الَّذِين لا يلجؤون إِلَى أحد. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: إثْبَات الرّحمة لله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾. الفائِدَةُ السّابِعَةُ: التَّنديد بإشراكِ هَؤُلاءِ؛ لأَنهُ قَالَ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ﴾ فكيف يليقُ بهم أن يشركوا بربهم الَّذي خلقهم؟ لأَنَّ الخالِق يجب أن تكون العبادةُ له وحده. الفائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الشَّرَّ لا يُضاف إِلَى الله، ولكن يرد عَلَى هَذا بالنِّسبة للضرر والنَّفع؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، إنما الشَّرُّ مطلقًا لا يضاف إِلَى الله، وإنما يضاف إِلَى المخلوقات المفعولات. * * *

стр. 199

الآيتان (٣٤, ٣٥) * * * * قال اللهُ : ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٤، ٣٥]. * * * * قولُه تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾: (اللام) هنا للعاقبةِ، يعني أنهم بإشراكِهم صارَ عاقبتُهم الكفرَ بما آتاهم الله وقوله: (آتاهُم) أي أعطاهُم. وهل الباء في ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ للسببيَّة، أو للتخصيص بمعنى أنهم يَكْفُرُونَ بِهَذا الشَّيء؟ الجواب: يحتملُ أنْ تكونَ للسببيةِ، أي بسببِ ما آتاهم الله تَعالَى من الرَّحمة والإنقاذ من الشّدة، صار ذَلِك سببًا لأشرهم وبطرهم وكفرهم، كما هي عادة الإنسان إلا من عصمه الله أو يُقَال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾، أي: يكفروا بِهَذا الشَّيء الَّذي آتيناهم حيْثُ لا يؤدونَ شُكرَه، وكان الواجبُ عليهم أن يؤدوا الشُّكر للهِ . وقوْله : ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: هَذا يسمونَه في البلاغة التِفاتًا، يعني لم يقل: وليتمتعوا، كما قال في آية أخرى، ولكنه أمرهم أنْ يتمتعوا، والأمرُ هنا للتهديدِ كما قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أريدَ به التَّهديد ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾]؛ فالأمر هنا للتهديد وليس للإباحة، والدَّليل عَلَى ذَلِك قوْله تَعالَى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 200

ثمَّ قال المُفَسِّر ﵀: [عَاقِبَةُ تَمتُّعِكُمْ، فِيهِ التِفَاتٌ عَنِ الغَيْبَةِ]. الغَيْبَة ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، والالتفاتُ له فائدتان: الفائِدَةُ الأولَى: فائدةٌ لازمة في كل التفاتٍ، وهي التَّنبيهُ؛ لأَنَّ الكلام إذا كان عَلَى نسق واحد استمر الإنسان فيه مُنساقًا معه، فإذا اختلفَ انتبَه: لماذا اختلف السِّياق؟ لماذا كانت الجملةُ للغائب ثمَّ صارتْ للمُخاطبِ أو بالعكس؟ فيقفُ ويحصل بذلك تَأَمُّلٌ. أما الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: فإنها تختلف بحسب السِّياقِ، وهي في هَذه الآية: أنهم إذا قُوبِلوا بالأمر ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ صار أشدَّ وأبلغَ تهديدًا مما إذا قال: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: ٦٦]. وقوْله تَعالَى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: قد قيل إنَّ (سوف) تفيدُ التَّحقيق، لكنها تفيد أيضًا التَّراخي بخلاف السِّين، فإنها تفيد التَّحقيق والفورية، وكل شيء بحسبه، وإنما كان كَذَلِكَ هنا لأَنَّ أشد العقابِ الَّذي يأتيهم سيكون يوم القيامة وهو متأخر. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَمْ﴾ بمعنى همزة الإِنكار ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ حُجَّةً وَكِتَابًا ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ تَكَلُّمَ دَلالَةٍ ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أيْ يَأْمُرُهُمْ بِالإِشْرَاكِ! لَا]. ﴿أَم﴾ هنا يقول المُفَسِّر ﵀: [بمعنى همزة الإنكار]؛ وَهَذا أحدُ القولين فيها، والقول الثَّاني: أنَّها بمعنى (بلْ) و (الهمزة)، فتكون مفيدة للإضراب، وهنا الإضراب الانتقالي يعني: بل أنزلنا عليهم سلطانًا، والاسْتِفْهام إذا كان للإنكار

стр. 201

فمعناه النَّفي، يعني: هل نحن أنزلنا عليهم سلطانًا يؤيد شركهم ويثبته ويقول إِنَّه حق؟ والجواب: لا، ما أنزلنا ذلك. يقول المُفَسِّر ﵀: ﴿سُلْطَانًا﴾ حُجَّةً وَكِتَابًا]، والحجة تسمى سلطانًا لأَنَّ المحتَجَّ بها له سلطة عَلَى المحجوج؛ فلِهَذا تُسمى سلطانًا، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨]، أي حجة، واعلم أن السُّلطان يُطلق عَلَى عدة معانٍ، فيجمعها كلها السُّلطة عَلَى الشّيء، فتارةً تأتي بمعنى الحاكم كما جاء في الحديث: "فَإِن تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ له" (١)، وَكَذلِكَ: "إِنَّ الله يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالقُرْآنِ" (٢)، وتأتي (السُّلطان) بمعنى الحُجة وهو كثير، وتأتي بمعنى القُدْرَة مثل قوْله تَعالَى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣]، أي بقدرة وليس لكم قدرة، وكلها يجمعها هَذا المعنى السُّلطة الَّتِي بها السَّيطرة والغَلَبَةُ. وقوْله تَعالَى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾؛ قال المُفَسِّر ﵀: [تكَلُّمَ دلَالَةٍ]؛ فهو يتكلم بلسان الحال وليس بلسان المقال، هَذا ما قاله المُفَسِّر ﵀ ولكنه يحتمل أن تبقى عَلَى ظاهرها لأَنَّ الَّذي يَنزل من عند الله كلامُ الله، وكلامُ الله تَعالَى يصح أن ينسب الكلام إِلَيْهِ كما في قوْله تَعالَى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وكما في قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ [النمل: ٧٦].

стр. 202

وقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾: (الباء) هنا للاختصاصِ أيضًا، أي يتكلم بِهَذا الشَّيء ويقول إنَّه حق. والجوابُ: لا، إِذَنْ فليس عندهم حُجَّةٌ لا عقلية ولا فطرية، أمَّا العقلية فقد سبق أنَّ فطرة الله كلها الإِخْلاص لله، وأما الشَّرعية فإِنَّهُ لم يأتِ في كتابٍ من الكتب المنزلة أن الشِّرك حق، فجميعُ الكتب المنزلة وجميع الرّسل المرسلين كلهم يقُولونَ: اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: أن الله تَعالَى قد يجعلُ النِّعم سببًا للكُفر ويكونُ كفرهم عَلَى هَذا النَّحو؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ لأننا ذكرنا أن اللام هنا للعاقبة. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: إثْبَات الأسبابُ إذا جعلنا (الباء) في قوْله تَعالَى: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ سببية، أمَّا إن جعلناها للاختصاص فليس فيها دليل. الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أن ما أصابنا من نِعَمٍ فإِنَّهُ من الله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. الفائِدَةُ الرابعةُ: تهديدُ الكَافِرِينَ، وأنَّ انبساطَهم بنِعَمِ الله ضررٌ عليهم لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: بلاغةُ القرآن، وَذَلِكَ بالانتقال من الغَيْبَةِ إِلَى الخِطاب الَّذي يسمى في اصطلاح البلاغيين التِفاتًا. الفائِدَةُ السّادِسَةُ: إثْبَات الجزاء؛ نأخذه مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 203

الفائِدَةُ السّابِعَةُ: أنَّ أولئك المُشْرِكِينَ لَيْسَ لهم حجةٌ عَلَى شِركهم؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾. الفائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ مَنْ صنع شيئًا بدليلٍ فلا لوم علَيْه؛ يُؤخذ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾، يعني لو كان لهم سلطانٌ لا نلومهم ولا نعذبهم. الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن المجتهدَ المتأوِّلَ لا إِثْمَ علَيْه لاعتماده في اجتهادِه عَلَى دليلٍ، يعني أنه استند إِلَى دليل، وَلهذا لم يُضَمِّن النَّبيُّ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ الرَّجلَ الَّذي قتلَه بعد أن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله (١)؛ لأنهُ مُتَأوِّلٌ، ولم يُلزِم عَمَّارَ بْنَ يَاسِر بقضاءِ الصَّلاة حين تيممَ عن الجنابة بالتَّقلب عَلَى الأرْض والتَّمرُّغ فيها (٢)، لأَنَّهُ مُتَأوِّلٌ، ولم يُلزمِ المرأةَ المُستحاضةَ بقضاءِ الصَّلاة وهي تتركها وقت الاستحاضة (٣)؛ لأنَّهَا مُتَأوِّلَةٌ. وعلى هَذا فكل مُتَأَوِّلٍ يظن أنه عَلَى صواب فإنَّهُ لا إثمَ علَيْه، لكن هل هَذا يشمل الأصولَ والفروعَ أو هو خاصٌّ بفروعِ الدِّين؟ قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: إنَّه يشملُ الأصولَ والفروعَ (٤)، وأنكرَ شيخُ الإسْلام وتلميذُه ابنُ القَيِّمِ أنْ يكُونَ الدِّين منقسِمًا إِلَى أصول وفروع، وقال: إن هَذا التَّقسيمَ

стр. 204

لا أصلَ له لا في الكتابِ ولا في السُّنة، فهذه الصَّلاة عند المقسمين من قسمِ الفروعِ وهي من آصلِ الأصولِ، هي الرُّكن الثَّاني من أركان الإسْلام، ومع ذَلِك هي عندهم من قسم الفروعِ، وأشياء يَخْتَلِفُونَ فيها وهي عِنْدَهُم من قسمِ الأصولِ، ويرونَ أنَّ للاختلافَ فيها مُساغًا كاختلافهِم في رؤية النَّبيِّ ﷺ ربَّه، واختلافهم في نَعِيمِ القبرِ وعذاب القبر في بعض الصُّور، وما أشبهَ ذَلِك مما هو من العقائد، ومع ذَلِك يرون أنَّ الاخْتِلافَ فيه سائغٌ. فالشَّاهدُ أنَّ المدارَ كلَّه عَلَى قاعدةٍ من قواعدِ الشّرعِ، وَهِيَ قوْله تَعالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فمَنِ اجتهدَ في طلبِ الحقِّ وتحرَّاه ولكنه لم يوفقْ له مع حُسْنِ النِّيةِ وصحةِ المَسْلَكِ فلا يمكن أنْ نقولَ: هَذا آثم، مثلًا يوجد عُلَمَاءُ أجِلَّاء نشهدُ لهم بالدِّينِ والصَّلاحِ وحُبّ الإسْلامِ والانتصار للإسلام، ومع ذَلِك هم مخالِفونَ للسلفِ في العقيدةِ، ونحبهم ولا نؤثمهم كابنِ حَجَرٍ، وابن الجوْزِيِّ، وَكَذلِكَ النَّوَوِيُّ، وطوائف من العلَماء معروفينَ بالصَّلاحِ والإصلاحِ وحب الخيرِ، ونعلم أنهم مجتهدونَ، نَعَم الإنسانُ الَّذي تبيَّن له الحق ولكنه عانَد وأصرَّ فيُعامَل بما يقتضيهِ عنادُه وإصرارُه. وهنا قوْله تَعالَى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ هِيَ فِي مَسْأَلة أُصُولِية فِي الشِّرك، لو كَانَ لهم حُجَّةٌ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا مَا استحقوا العذابَ ولا اللومَ ولكنْ لَيْسَ لهم حُجَّةٌ. الفائِدَةُ العَاشِرَةُ: أنه لا بُدَّ أنْ يكُونَ السُّلطانُ أو الحُجة الَّتِي يحتجونَ بِهَا واضحة؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾، والتّعبيرُ بالكلامِ هُوَ أوضحُ مَا يَكُونُ مِنَ الإظهارِ.

стр. 205

الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشرَةُ: ظهورُ عدلِ الله وإلَّا لكانَ يعذبُهم بدون أنْ يقيمَ عَلَيْهِمُ الحُجةَ، ولكنْ لإظهارِ عَدْلِه صارَ يطالبُ بحُجةِ هَؤُلاءِ مَعَ العِلْم بأنهُ لا حُجَّةَ لهم، ومن هَذَا النَّوع المَوَازينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، والكُتُبُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فكل هَذَا لإظهارِ عدلِ الله، وإلَّا فإن الله تَعالَى له الحُكْمُ وَإلَيْهِ المُنتهى، قادرٌ عَلَى أن يعذب بدونِ ميزانٍ وبدون كتابٍ، ولَكِنَّهُ لكمالِ عدلهِ يُعطَى الإنسانُ كتابَه ويُقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤]، قَالَ بعضُ السَّلفِ: "لَقَدْ أنصَفَكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبًا عَلَى نَفْسِكَ" (١)، لو كَانَ بينكَ وبينَ أحدٍ معاملةٌ من حسابٍ وصادرٍ وواردٍ، فقلتَ له: خُذِ الدَّفتر أنْتَ وحاسبْ، فلا شك أن هذا عدلٌ، بخلاف مَا لو أجملتَ الحساب وقلتَ: عليكَ كذا ولكَ كذا، وقد يَكُون فِي هَذَا شبهةٌ، لكن كونه يعطيكَ الدَّفتر ويقول: (أنتَ حَاسبْ نَفْسَكَ)، فَهَذا غايةُ الإنصافِ. * * *

стр. 206

الآية (٣٦) * * * * قال اللهُ : ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ [الروم: ٣٦]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ كُفَّار مكَّة وغيرَهم]. هَذَا أحسنُ حيثُ جعلها عامةً، وأفادنا المُفَسِّر بقوله: [كُفَّار مَكَّة وغيرهم] أنَّ المرادَ بالنَّاسِ هُنَا الكفَّار، فيكونُ من بابِ العالم المستعملِ فِي الخاصِّ، والعامُّ المرادُ به الخصوصُ غيرُ العامِّ المخصوصِ، وفي أصولِ الفقهِ أنَّ العامَّ المخصوصَ غير العامِّ الَّذي أُريدَ بِهِ الخصوصُ، فالعامُّ الَّذي أُريدَ بِهِ الخصوصُ لم يُردْ معنى العُمُومِ فِيهِ من أوّلِ الأمرِ، وإنَّمَا أُريدَ بِهِ المَعْنَى الخاص فَقَطْ، كقوْله تَعالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، لم يُردْ بِهِ عُمُوم الناسِ من الأولِ، وأما العام الَّذي دخله التّخصيصُ يعني العامَّ المخصوصَ فَهُوَ أُريدَ بِهِ العُمُومُ، وَهُوَ تناولُه لجميعِ الأفرادِ ثمَّ أُخرج بعضُ أفرادِه من هَذَا الحُكم، فيكونُ عامًّا مخصوصًا. وَعَلَى هَذَا فلا يمكنُ أنْ يستدلَّ مستدِلٌ بالعامّ المرادِ بِهِ الخصوصُ عَلَى عُمُومِ الحكمِ؛ لأَنهُ لم يُرَدْ بِهِ العُمُومُ، بخلافِ الثَّاني: العام المخصوص، فإِنَّهُ يمكنُ أنْ يُستدلَّ بِهِ عَلَى عُمُومِ الحكمِ، ويقولُ لمَنْ أخرجَ شيئًا مِنْ أفرادِه: هاتِ الدَّليلَ عَلَى التّخصيصِ؟

стр. 207

إِذَن: المُرادُ بالنَّاس فِي قولهِ: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا﴾ عامٌّ أُريدَ بِهِ الخصوصُ، يعني الكفَّارَ؛ لأَنَّ هَذَا الوصفَ لا ينطبقُ إلا عَلَيْهِم، أمَّا المُؤْمِن فإنَّهُ إِذِا قَضَى الله له قضاءً لم يكنْ بِهَذا الوصفِ. قال المُفَسِّر ﵀: [وغيرَهم] بالنَّصب؛ لأَنَّ [كفارَ] بالنّصب. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿رَحْمَة﴾ نِعْمَةً ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ فَرَحَ بَطَرٍ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ شِدَّةٌ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ يَيْأَسُونَ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَمنْ شَأْنِ المُؤْمِنِ أَنْ يَشْكُرَ عِنْدَ النِّعْمَةِ ويرْجُو رَبَّهُ عِنْدَ الشِّدَّةِ]. قوْله تَعالَى: ﴿رَحْمَةً﴾ تشملُ جميعَ النِّعم من مالٍ وأولادٍ وأمنٍ ورخاءٍ فِي العيشِ وغيرِ ذَلِك، فكل مَا يَنْعَمُ بِهِ الإنسانُ فإنَّهُ داخِلٌ فِي ذَلِك؛ وَلهذا قَالَ [نِعْمَةً]. وقوْله تَعالَى: ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ قيَّدها المُفَسِّر ﵀ بقوله: [فَرَحَ بَطَرٍ]، احترازًا من الفرحِ بنعمةِ الله فَرَحَ شُكْرٍ، فإن هَذَا لا يُذم كما قَالَ الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، فأمرَ الله تَعالَى أنْ نفرحَ بفضلِ الله ورحمتِه، وَعَلَى هَذَا فالفرحُ نوعان، فرحُ بطرٍ يؤدي إِلَى الأشَرِ والاستكبارِ عنِ الحقِّ والتّعالي عَلَى الخلْقِ، فَهَذَا هُوَ المذمومُ. والثاني فرحُ شُكْرٍ يَكُونُ الإنسانُ فَرِحًا بنعمةِ الله، لكن هَذَا الفرحَ يحملهُ عَلَى شكرِ النِّعمةِ، فَهَذَا لَيْسَ بمذمومٍ، وَهُوَ من طبيعةِ الإنسانِ، فإنَّ الإنسانَ إِذَا رُزِقَ ولدًا فَرِحَ، وإِذَا رُزِقَ مالًا فَرِحَ، وإِذَا كَانَ طالِبَ علمٍ فتوصَّلَ إِلَى مَسْأَلةٍ من مسائلِ العِلْمِ فَرِحَ، فَهُوَ من الأمورِ الطّبيعيةِ، لكنْ إنْ أبدلَ فرحَه إِلَى الأَشَرِ فإِنَّهُ محرمٌ ومذمومٌ وإلا فلا.

стр. 208

وقوْله تَعالَى: ﴿سَيِّئَةٌ﴾ المرادُ بالسّيئةِ هُنَا مَا يَسُوؤُهُمْ، وَهُوَ ضدُّ الرَّحمةِ مثل فقرٍ وجَدْبٍ وخوفٍ وفقدانِ مالٍ وما أشبَه ذَلِك، وسُميت سيئةً لأنَّهَا تَسوؤهم. وقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: (البَاءُ) للسببيةِ أي بِسَبب، و (مَا) موصولةٌ، أي بالَّذي، وَعَلَى هَذَا فالعائدُ محذوفٌ والتّقديرُ بما قدمَتْه أيديهِم إِذَا هم يَقْنَطُونَ، ولاحظْ أنَّ الله أطلقَ الرّحمةَ، ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾، أمَّا السّيئةُ فقيَّدها بقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وَذَلِكَ لأَنَّ السّيئاتِ سببُها أعمالُ العبادِ، كما قَالَ تَعالَى فِي الآية التّالية إنْ شاء الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]، وَلهذا قَالَ هنا: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. وقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ المرادُ بما قدَّموا، فعبَّرَ بالأيدي عن النَّفْسِ؛ لأَنَّ غالِبَ الأعمالِ بها، وَهَذا كثير فِي القرآن أنَّ الله تَعالَى يُضيفُ الشّيءَ إِلَى الأيدي، والمرادُ بِهَا نفسُ العاملِ بل إِنَّ الله أضافَ الأيدي إِلَى نفسِه، والمرادُ بِهَا نفسُه مثل قوْله تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ [يس: ٧١]، فإنَّ قوْلَه تَعالَى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ لَيْسَ كقوْلِه تَعالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، والفرقُ أنَّ المرادَ بقوْله تَعالَى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، أي: مما عَمِلناه، وأما قوْله تَعالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فأضافَ الخلْقَ إِلَى نفسِه مُعدى إِلَى اليدِ بـ (الباءِ) فصارتِ اليدُ حصلَ بِهَا الفعلُ، وأما الخلقُ فأضافَهُ إِلَى نفسِه المقدسةِ وعدَّاه إِلَى اليدِ بـ (الباء) وَلهذا يغلطُ مَنْ جَعَلَ قوْله تَعالَى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ مثل قوْله تَعالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.

стр. 209

إِذَنْ: قوْله تَعالَى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي بما كَسَبَتْ، وعبَّرَ بالأيدي عن النَّفسِ لأنَّهَا آلةُ الفِعْلِ غالبًا. وقوْله تَعالَى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ إِذَا فُجائيةٌ واقعةٌ فِي جواب الشّرط وَهُوَ قوْله تَعالَى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، وقوْله تَعالَى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ أتى بالجملةِ الاسميةِ للدَّلالةِ عَلَى أنهم اتصفُوا بِذَلِكَ عَلَى سبيلِ الدَّوامِ فهمْ دَائِمًا فِي قنوط مَا دامتِ السّيئةُ فيهم، والقنوطُ، يقولُ المُفَسِّر ﵀: [ييأسون] ولكنَّهُ تفسير فِيهِ شيءٌ من القصورِ؛ لأَنَّ القنوطَ لَيْسَ اليأسَ بل هُوَ أشدُّ اليأسِ لأَنَّ اليأسَ إِذَا كَانَ فِيهِ شيءٌ من الرَّجاء لا يُسمى قنوطًا وإن سميَّ يأسًا لكن إِذَا بلغَ اليأسُ غايتَه سُمِيَّ قنوطًا، وقد قَالَ الله عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦]، الجاهلونَ بما لله من الحكمةِ فيما يَجري عَلَى عبادهِ من الضَّراءِ والسّراءِ، يقول المُفَسّر ﵀: [وَمنْ شَأْنِ المُؤْمِنِ أَنْ يَشْكُرَ عِنْدَ النِّعْمَةِ ويرْجُو رَبَّهُ عِنْدَ الشِّدَّةِ]، وَعَلَى هَذَا فتكونُ الآيةُ فِي الكفارِ. من فوائد الآية الكريمة: الفائِدَةُ الأولَى: أنَّ الرّحمةَ من الله تَفَضُّلٌ منهُ وامتنانٌ، أمَّا كَوْنُها مِنْهُ فلقوْلِه تَعالَى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا﴾، وأما كَوْنُها تَفَضُّلًا فلأنه لم يذكرْ لها سببًا، فكانتْ تَفَضُّلًا وامتنانًا. الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: ذَمُّ الفَرَحِ إِذَا كَانَ عَلَى سبيلِ الأَشَرِ والبَطَرِ، قد نقولُ من أين يُؤْخَذُ من الآيةِ تقييدُ الفرحِ بالأَشَرِ والبَطَرِ؟ والجواب: مِنْ قَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، يمكنُ أنْ يُؤخذَ الفرحُ المذمومُ من الصِّفةِ الَّتِي بعده.

стр. 210

الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ السَّيئةَ لا تُضافُ إِلَى الله لأنهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ وَلَم يَقُلْ وإنْ أَصَبْنَاهُمْ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِهِ تَعالَى فِي سورر النِّساءِ: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، فما هُوَ الجمْعُ وقد قلنا إنَّ السَّيئةَ لا تُضافُ إِلَى الله؟ قُلْنَا: إيقاعُها لَيْسَ بسيئةٍ، هِيَ سيئةٌ لكنْ إيجادُها لَيْسَ سيئةً، بل هُوَ لحكمةٍ فالشّيءُ بنفسِه قد يَكُونُ سوءًا لكنْ بالنّسبةِ لفعلِ الفاعلِ لا يَكُونُ فعلُ الفاعلِ سوءًا، هَذَا رجل مَرِضَ ابنُه واحتاجَ الابنُ إِلَى كَيٍّ فأَحْمى الحديدةَ فِي النّارِ وكَوَاهُ فَصرخَ الابنُ ألمًا. إِذَنْ: هَذِهِ سيئةٌ لكنْ كَيُّ وَالدهِ إياهُ حَسَنَة، فحينئذٍ يجبُ أنْ نعرِفَ الفرقَ بين الفعلِ والمفعولِ، فالسّوءُ والشّرُّ إنما هُوَ بالنِّسبةِ لمفعولِ الله له ذات منفصلةُ عن الله، وأما بالنّسبةِ للفعلِ الَّذي هُوَ فِعْلُ نفسِه، فإنَّهُ لا يمكنُ أنْ يكُونَ شرًّا أبدًا، بل هُوَ خيرٌ ويمكنُ أنْ نقولَ إنَّ الخيرَ نوعانِ: خيرٌ لذاتِه، وخيرٌ لغيرِه، فما كَانَ شرًّا فِي نفسِه وقَدَّره الله فَهُوَ خيرٌ لغيره، وما كَانَ خيرًا فِي نفسِه فَهُوَ خيرٌ. إِذَنْ: لنا عن هَذَا جوابانِ: الجوابُ الأولُ: أنْ يُقالَ إنَّ الشَّرَّ لَيْسَ فِي فعلِ الله بل هُوَ فِي مفعولِه، أمَّا إيجادُ الله له فَهُوَ خير لما يتضمنُه من الحكمةِ البالغةِ، هَذَا واحدٌ، ونَظِيرُهُ كَيُّ الإنسانِ ابْنَهُ ليَشْفَى مِنَ المَرَضِ؛ فالكَيُّ فِي ذاتِهِ شَرٌّ، لَكِنْ بالنِّسبةِ لِفِعْلِ الأَبِ لَهُ خَيْرٌ، هَذَا وَجْهٌ. الجوابُ الثاني: أنْ يُقالَ إنَّ الخيرَ نوعانِ: خَيرٌ لذاتِه وخيرٌ لغيره، فما كَانَ خيرًا مَحْضًا فَهُوَ خير لذاتِه كالمطرِ والنّباتِ والرّزقِ والأمنِ وما أشبهَ ذَلِكَ وما كَانَ شرًّا

стр. 211

بذاتِه فَهُوَ خيرٌ لغيرِه إِذَا كَانَ الشَّرُّ خيرًا لغيره صارَ بِهَذا خيرًا، فالجدْبُ والقَحْطُ والجوْفُ وما أشبَه ذَلِكَ خيرٌ لانهُ يؤدي إِلَى خيرٍ كما قالَ الله تَعالَى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لماذا؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا وَرَدَ من إضافةِ الإضلالِ إِلَى الله فِي مثلِ قوْله تَعالَى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ [الأنعام: ٣٩]، كيف نُجيبُ عليه؟ قُلْنَا: إضافةُ الإضلالِ إِلَيْهِ يعني لِكَمالِ تَصَرُّفِهِ وَلهذا قُرِنَ بالهدايةِ لبيانِ كمالِ التَّصَرُّفِ، فالمقصودُ بَيانُ كمالِ التَّصرُّفِ وليسَ معناهُ إرادةَ الشَّرّ المَحْضِ، ثمَّ إنَّ إضلالَ الله له فِي الغالبِ كما قَالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، فيكونُ هَذَا من بابِ العدْلِ فِي حقّ هَذَا الرَّجلِ. الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّ السُّوءَ لا يَنَالُ النَّاسَ إِلَّا بأعمالهِم؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. سؤالٌ: هل هَذَا يشملُ السُّوءَ فِي الأمورِ الدِّينيةِ والأمورِ الدُّنيوية أو فِي الأمورِ الدُّنيويةِ فقط؟ والجواب: فيهما جميعًا فالجَدْبُ والقَحْطُ بسببِ الأعمالِ السَّيئة والمعاصي كَذَلِكَ: فزيْغُ القلبِ بسببِ المعاصي ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. إِذَن: المصائبُ الدّينيةُ والدُّنيويةُ كلُّها بسببِ أعمالنَا نحنُ فلو اسْتَقَمْنَا استقامَتْ لنا الأمورُ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٩] , انظر ﴿فُرْقَانًا﴾.

стр. 212

إِذَن: التَّقوى سببٌ للعلمِ لأَنَّ الفُرْقانَ لا يَكُونُ إِلَّا بعلمٍ يُفَرِّقُ بِهِ الإنسانُ بَيْنَ النَّافعِ والضَّارِّ والحقِّ والباطلِ. إِذَنْ: نقولُ هَذَا يشملُ أمورَ الدِّينِ وأمورَ الدُّنيا. الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: تحريمُ القُنُوطِ من رحمةِ الله؛ لأَنَّ الله ساقَهُ عَلَى سبيلِ الذَّمِّ ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ هَذَا دليلٌ عَلَى تحريمهِ، ودليلٌ عَلَى تحريمهِ من النَّظرِ أنَّ القُنُوطَ يستلزمُ عدمَ الرُّجوعِ إِلَى الله تَعالَى لأَنهُ إِذَا قَنَطَ من رحمةِ الله كَيْفَ يرجو رحمةَ الله؟ فيستحسِرُ وييأسُ - والعياذُ باللهِ - ولا يتعرضُ لما بِهِ الرّجاءِ والأملِ. لَوْ قَالَ قَائِل: كَيْفَ نُفَرِّقُ بَيْنَ البلاءِ والابتلاءِ؟ قُلْنَا: البلاءُ بما يُؤْلم هَذَا سوءٌ، والبلاءُ بما يَسُرُّ هَذَا ابتلاءٌ، والمُؤْمِنُ يُبتلى عَلَى قَدْرِ إيمانِه؛ لأَن الابتلاءَ أحيانًا يَكُون بالمصائبِ لَيْسَ من أجلِ العقوبةِ لكن من أجل التَّمْحِيصِ والبيانِ، وَهَذا مَرَّ أنَّه قد يقعُ، قَالَ تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقلنا: إنَّ الابتلاءَ مَعَ استقامةِ الحالِ لَيْسَ المرادُ بِهِ تكفيرَ سيئةٍ حصلتْ بل المرادُ بِهِ رفعُ الدّرجاتِ لأَنَّ الصَّبْرَ لا يَكُونُ إِلَّا عَلَى بلوى، والصَّبْرُ مرتبةٌ عالية لا يُنالُ إِلَّا بمشقةٍ. الفائدتان السّادسة والسّابعة: إثْبَاتُ الاخْتِيارِ للبشرِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، فيكونُ فِي ذَلِكَ رَدٌّ لقول الجبرَّيةِ الَّذِين يقُولونَ إنَّ الإنسانَ لَيْسَ له اختيارٌ فِي العملِ. الفائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ الإنسانَ قد يُعاقبُ عَلَى أعمالِ القلوبِ أو قد يُذم عَلَى أعمال القلوب لأَنَّ القنوطَ من أعمالِ القلوبِ إذْ إِنَّه أشدُّ اليأسِ ومحلُّه القلبُ.

стр. 213

الآية (٣٧) * * * * قال اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٧]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعلموا]؛ وَعَلَى هَذَا فالرُّؤية علمية ويؤيد تفسيرَ المُفَسِّر أنَّها جاءت فِي آياتِ أخرى ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾، وَهِيَ فِي سورة الزُّمَر: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر: ٥٢]. إِذَنْ: فأحسنُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ القرآن هُوَ القرآن، وَهُوَ أعلى أنواع التّفسير، ويمكن أن يقال إنَّ لكل آية معنى فنفسر الرُّوْيةَ هُنَا برؤية البصرِ لا برؤية البصيرة التِي هِيَ العِلْم، ونفسرها هناك بالعِلْم كما هُوَ لفظُ الآية ويكونُ البسطُ والتّضييق معلومًا بالقلب مرئيًّا بالعين، فإنَّ الإنسانَ أيضًا يرى توسيع الرِّزقِ بعينه كما يعلمه أيضًا بقلبه. وأيهما أعم، يعلمون أو يرون إِذَا لم يفسر ﴿يَرَوْا﴾ بـ ﴿يَعْلَمُوا﴾؟ الجواب: العِلْم أعمُّ؛ لأَنَّ العِلْم قد يَكُون بالرُّؤية وقد يَكُون بالسَّماع، قد لا أرى أن الله بسَط الرِّزقَ لعباده وقدَّرَه لكنني أسمعُ أَنه فِي البلاد الفلانية فَقرٌ وفي البلاد الغنية غنى، وما أشبه ذَلِك، فالعِلْمُ أعم وَذَلِكَ لأَنَّ وسائلَ العِلْم متعددة بخلاف الرُّؤية فإن طريقها البصر، العِلْمُ كل الحواسِّ الخمسةِ المعروفة كلها توصل

стр. 214

إِلَيْهِ، فاللمسُ والشَّمُّ والذوقُ والرُّؤية والسَّماع كلها تفيد العِلْم، فَهُوَ أعم لأنهُ إِذَا رأى عَلِمَ، لكن العِلْمَ أعم لأَنَّ وسائلَه أكثرُ. وقوْله تَعالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ البسطُ بمعنى التوسيعُ، كما قَالَ الله تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤٨]، يعني يوسعه، وقوْله تَعالَى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سَبَقَ أنَّ كُل شيء قيده الله بالمشيئة فإنَّهُ مقرون بالحكمة وليست مشيئة الله تَعالَى مشيئةً مجردةُ لأننا نعلم أن الله حكيمٌ لا يفعلُ شيئًا ولا يُشَرّعُ شَيْئًا إِلَّا لحكمةٍ، فكلما مَرَّ عليك شيءٌ مُقَيدٌ بالمشيئةِ فاعلمْ أنه مُقَيَّدٌ بالحكمةِ. قوْله تَعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيّقٌ لمِنْ يَشَاءُ ابْتِلَاءً]، ففرَّق المُفَسِّر ﵀ بَيْنَ تضييقِ الرّزق وبين بَسْطِه وجعل البسطَ امتحانًا والتضييق ابتلاءً، والصّواب أنهما سواءٌ كما قَالَ تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، فكلها ابتلاءٌ، وقال سُليمانُ ﵊: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]، فالصَّوابُ أنَّ كلَّها ابتلاءٌ، والامتحانُ قريبٌ من معنى الابتلاءِ، لكنَّ الإصَابَةَ ببسطِ الرّزقِ لبسطِ الرّزقِ تقتضي شكرًا، وبتضييقِه تقتضي صبرًا، هَذَا الفرق بَيْنَهُما، والمُؤْمِن يقوم بالوظيفتيْنِ إن أصابَتْهُ سراءَ شكرَ فكانَ خيرًا له، وإن أصابته ضراءَ صَبَرَ فكان خيرًا له، وَهَذا لَيْسَ إِلَّا للمؤمنِ فقط. وقوْله تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاسْتِفْهامُ هُنَا المُرَادُ بِهِ التَّقرير، يعني أنهم يَرَوْنَ أنَّ الأمورَ بيدِ الله وأنه يبسط الرّزق لمن يشاءُ وَيقْدِرُ، فكيف يقنَطُونَ إِذَا أصابتهم السَّيئّةَ وكيف يفرحونَ ويبطرونَ إِذَا أصابتهم الرَّحمةُ؟ بل الواجبُ عَلَيْهِم أن يعلموا أن ذَلِك بحكمةٍ من الله . وقوْله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الواو هُنَا حرفُ عطفٍ وَليَتْ أداةَ الاسْتِفْهام،

стр. 215

وأداةُ الاسْتِفْهامِ لها الصّدارة، فإذا لم تسبق الواو بشيء يعطف علَيه فما هُوَ الجواب؟ نَقُول: إنَّ لعُلَمَاء النّحو فِي مثل هَذَا التّركيب قوليْن: القولُ الأول: أن الواو عاطفة عَلَى مُقَدَّرٍ بعد الهمزةِ. القولُ الثاني: أنَّ الواو عاطفة عَلَى مَا سبق، وَعَلَى هَذَا فتكون الهمزةُ مقدمة قبل العاطف وذكرنا أن هَذَا الرّأي أولى لأَنَ الأول وإن كَانَ جيدًا من حيْثُ الأسلوبُ لكِنَّهُ فِي بعض الأحيان يصعُبُ عَلَى الإنسان أن يقدِّرَ شَيْئًا يرى أنه مناسبٌ للسياقِ. وعليه فيكونُ القولُ بأن الهمزةَ للاسْتِفْهام وأن الواو مُقَدَّرَةٌ قبلها يعني وَألم يَرَوْا أَسْهَل. قوْله تَعالَى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ لا شك أن بَسْطَ الرِّزقِ وتضييقهِ ابتلاءٌ من الله وَذَلِكَ لأَنَّ العبدَ أحيانًا يناسبُه أنْ يُبْسَطَ له الرِّزقُ وأحيانًا بالعكس حسب مَا تقتضيه الحكمةُ. قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي فِي بسطِ الرّزقِ وتضييقِه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿لَآيَاتٍ﴾ الَّذي نصَبَها ﴿إِنَّ﴾ فهي اسمُها مُؤَخَّرًا و ﴿فِي ذَلِكَ﴾ خبرُها مُقَدَّمًا. وقوْله تَعالَى: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي لَعَلَامَاتٍ دالةٍ عَلَى أن الله له التّصرفُ المطلقُ فِي عباده، وأظنُّنا نرى أحيانًا مِن بعض النَّاس أنَّه يسعى بقدر مَا يستطيع فِي أسبابِ الرّزق ومع ذَلِك لا ينتجُ، تجدُه يبيع ويشتري ويسافر يضرب فِي الأرْض يبتغي من فضلِ الله ومع هَذَا لَيْسَ كثيرَ المالِ، مُضَيَّقٌ علَيْه، وتجد بعض النَّاس يسعى سعيًا بسيطًا ولكن الله تَعالَى يبارك له فِي سعيه حتى يَكُون عنده رزق كثير مما يدل
следующие страницы →