إِذَن: التَّقوى سببٌ للعلمِ لأَنَّ الفُرْقانَ لا يَكُونُ إِلَّا بعلمٍ يُفَرِّقُ بِهِ الإنسانُ بَيْنَ النَّافعِ والضَّارِّ والحقِّ والباطلِ.
إِذَنْ: نقولُ هَذَا يشملُ أمورَ الدِّينِ وأمورَ الدُّنيا.
الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: تحريمُ القُنُوطِ من رحمةِ الله؛ لأَنَّ الله ساقَهُ عَلَى سبيلِ الذَّمِّ ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ هَذَا دليلٌ عَلَى تحريمهِ، ودليلٌ عَلَى تحريمهِ من النَّظرِ أنَّ القُنُوطَ يستلزمُ عدمَ الرُّجوعِ إِلَى الله تَعالَى لأَنهُ إِذَا قَنَطَ من رحمةِ الله كَيْفَ يرجو رحمةَ الله؟ فيستحسِرُ وييأسُ - والعياذُ باللهِ - ولا يتعرضُ لما بِهِ الرّجاءِ والأملِ.
لَوْ قَالَ قَائِل: كَيْفَ نُفَرِّقُ بَيْنَ البلاءِ والابتلاءِ؟
قُلْنَا: البلاءُ بما يُؤْلم هَذَا سوءٌ، والبلاءُ بما يَسُرُّ هَذَا ابتلاءٌ، والمُؤْمِنُ يُبتلى عَلَى قَدْرِ إيمانِه؛ لأَن الابتلاءَ أحيانًا يَكُون بالمصائبِ لَيْسَ من أجلِ العقوبةِ لكن من أجل التَّمْحِيصِ والبيانِ، وَهَذا مَرَّ أنَّه قد يقعُ، قَالَ تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقلنا: إنَّ الابتلاءَ مَعَ استقامةِ الحالِ لَيْسَ المرادُ بِهِ تكفيرَ سيئةٍ حصلتْ بل المرادُ بِهِ رفعُ الدّرجاتِ لأَنَّ الصَّبْرَ لا يَكُونُ إِلَّا عَلَى بلوى، والصَّبْرُ مرتبةٌ عالية لا يُنالُ إِلَّا بمشقةٍ.
الفائدتان السّادسة والسّابعة: إثْبَاتُ الاخْتِيارِ للبشرِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، فيكونُ فِي ذَلِكَ رَدٌّ لقول الجبرَّيةِ الَّذِين يقُولونَ إنَّ الإنسانَ لَيْسَ له اختيارٌ فِي العملِ.
الفائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ الإنسانَ قد يُعاقبُ عَلَى أعمالِ القلوبِ أو قد يُذم عَلَى أعمال القلوب لأَنَّ القنوطَ من أعمالِ القلوبِ إذْ إِنَّه أشدُّ اليأسِ ومحلُّه القلبُ.
стр. 213
الآية (٣٧)
* * *
* قال اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٧].
* * *
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعلموا]؛ وَعَلَى هَذَا فالرُّؤية علمية ويؤيد تفسيرَ المُفَسِّر أنَّها جاءت فِي آياتِ أخرى ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾، وَهِيَ فِي سورة الزُّمَر: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر: ٥٢].
إِذَنْ: فأحسنُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ القرآن هُوَ القرآن، وَهُوَ أعلى أنواع التّفسير، ويمكن أن يقال إنَّ لكل آية معنى فنفسر الرُّوْيةَ هُنَا برؤية البصرِ لا برؤية البصيرة التِي هِيَ العِلْم، ونفسرها هناك بالعِلْم كما هُوَ لفظُ الآية ويكونُ البسطُ والتّضييق معلومًا بالقلب مرئيًّا بالعين، فإنَّ الإنسانَ أيضًا يرى توسيع الرِّزقِ بعينه كما يعلمه أيضًا بقلبه.
وأيهما أعم، يعلمون أو يرون إِذَا لم يفسر ﴿يَرَوْا﴾ بـ ﴿يَعْلَمُوا﴾؟
الجواب: العِلْم أعمُّ؛ لأَنَّ العِلْم قد يَكُون بالرُّؤية وقد يَكُون بالسَّماع، قد لا أرى أن الله بسَط الرِّزقَ لعباده وقدَّرَه لكنني أسمعُ أَنه فِي البلاد الفلانية فَقرٌ وفي البلاد الغنية غنى، وما أشبه ذَلِك، فالعِلْمُ أعم وَذَلِكَ لأَنَّ وسائلَ العِلْم متعددة بخلاف الرُّؤية فإن طريقها البصر، العِلْمُ كل الحواسِّ الخمسةِ المعروفة كلها توصل
стр. 214
إِلَيْهِ، فاللمسُ والشَّمُّ والذوقُ والرُّؤية والسَّماع كلها تفيد العِلْم، فَهُوَ أعم لأنهُ إِذَا رأى عَلِمَ، لكن العِلْمَ أعم لأَنَّ وسائلَه أكثرُ.
وقوْله تَعالَى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ البسطُ بمعنى التوسيعُ، كما قَالَ الله تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤٨]، يعني يوسعه، وقوْله تَعالَى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سَبَقَ أنَّ كُل شيء قيده الله بالمشيئة فإنَّهُ مقرون بالحكمة وليست مشيئة الله تَعالَى مشيئةً مجردةُ لأننا نعلم أن الله حكيمٌ لا يفعلُ شيئًا ولا يُشَرّعُ شَيْئًا إِلَّا لحكمةٍ، فكلما مَرَّ عليك شيءٌ مُقَيدٌ بالمشيئةِ فاعلمْ أنه مُقَيَّدٌ بالحكمةِ.
قوْله تَعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيّقٌ لمِنْ يَشَاءُ ابْتِلَاءً]، ففرَّق المُفَسِّر ﵀ بَيْنَ تضييقِ الرّزق وبين بَسْطِه وجعل البسطَ امتحانًا والتضييق ابتلاءً، والصّواب أنهما سواءٌ كما قَالَ تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، فكلها ابتلاءٌ، وقال سُليمانُ ﵊: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠]، فالصَّوابُ أنَّ كلَّها ابتلاءٌ، والامتحانُ قريبٌ من معنى الابتلاءِ، لكنَّ الإصَابَةَ ببسطِ الرّزقِ لبسطِ الرّزقِ تقتضي شكرًا، وبتضييقِه تقتضي صبرًا، هَذَا الفرق بَيْنَهُما، والمُؤْمِن يقوم بالوظيفتيْنِ إن أصابَتْهُ سراءَ شكرَ فكانَ خيرًا له، وإن أصابته ضراءَ صَبَرَ فكان خيرًا له، وَهَذا لَيْسَ إِلَّا للمؤمنِ فقط.
وقوْله تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الاسْتِفْهامُ هُنَا المُرَادُ بِهِ التَّقرير، يعني أنهم يَرَوْنَ أنَّ الأمورَ بيدِ الله وأنه يبسط الرّزق لمن يشاءُ وَيقْدِرُ، فكيف يقنَطُونَ إِذَا أصابتهم السَّيئّةَ وكيف يفرحونَ ويبطرونَ إِذَا أصابتهم الرَّحمةُ؟ بل الواجبُ عَلَيْهِم أن يعلموا أن ذَلِك بحكمةٍ من الله .
وقوْله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الواو هُنَا حرفُ عطفٍ وَليَتْ أداةَ الاسْتِفْهام،
стр. 215
وأداةُ الاسْتِفْهامِ لها الصّدارة، فإذا لم تسبق الواو بشيء يعطف علَيه فما هُوَ الجواب؟
نَقُول: إنَّ لعُلَمَاء النّحو فِي مثل هَذَا التّركيب قوليْن:
القولُ الأول: أن الواو عاطفة عَلَى مُقَدَّرٍ بعد الهمزةِ.
القولُ الثاني: أنَّ الواو عاطفة عَلَى مَا سبق، وَعَلَى هَذَا فتكون الهمزةُ مقدمة قبل العاطف وذكرنا أن هَذَا الرّأي أولى لأَنَ الأول وإن كَانَ جيدًا من حيْثُ الأسلوبُ لكِنَّهُ فِي بعض الأحيان يصعُبُ عَلَى الإنسان أن يقدِّرَ شَيْئًا يرى أنه مناسبٌ للسياقِ.
وعليه فيكونُ القولُ بأن الهمزةَ للاسْتِفْهام وأن الواو مُقَدَّرَةٌ قبلها يعني وَألم يَرَوْا أَسْهَل.
قوْله تَعالَى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ لا شك أن بَسْطَ الرِّزقِ وتضييقهِ ابتلاءٌ من الله وَذَلِكَ لأَنَّ العبدَ أحيانًا يناسبُه أنْ يُبْسَطَ له الرِّزقُ وأحيانًا بالعكس حسب مَا تقتضيه الحكمةُ.
قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي فِي بسطِ الرّزقِ وتضييقِه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿لَآيَاتٍ﴾ الَّذي نصَبَها ﴿إِنَّ﴾ فهي اسمُها مُؤَخَّرًا و ﴿فِي ذَلِكَ﴾ خبرُها مُقَدَّمًا.
وقوْله تَعالَى: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي لَعَلَامَاتٍ دالةٍ عَلَى أن الله له التّصرفُ المطلقُ فِي عباده، وأظنُّنا نرى أحيانًا مِن بعض النَّاس أنَّه يسعى بقدر مَا يستطيع فِي أسبابِ الرّزق ومع ذَلِك لا ينتجُ، تجدُه يبيع ويشتري ويسافر يضرب فِي الأرْض يبتغي من فضلِ الله ومع هَذَا لَيْسَ كثيرَ المالِ، مُضَيَّقٌ علَيْه، وتجد بعض النَّاس يسعى سعيًا بسيطًا ولكن الله تَعالَى يبارك له فِي سعيه حتى يَكُون عنده رزق كثير مما يدل
стр. 216
عَلَى أن الأمور لا تُنال بالكسب، فالكَسْبُ سَبَبٌ لكن فوق ذَلِك إرادةُ الله .
وقوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم هم الَّذِين ينتفعون بهذه الرّؤية وَهَذا التّفكر، أمَّا غير المُؤْمِن فإِنَّهُ لا ينتفع بِهَذا؛ ولذلك تجد هَؤُلاءِ الّذِين لا يؤمنون إِذَا حصلت مثل هَذِهِ الأمور يَنْسُبُونَهَا إِلَى الطّبيعةِ، إِذَا كثر المطر قالوا: هَذَا بسببِ كذا، وَإِذَا قَلَّ قالوا هَذَا بسبب كذا، ونحن لا ننكر أن الأمورَ لها أسبابٌ، ولكننا ننكر أن تكون الأسباب هِيَ الفاعلة، فإن الفاعلَ هُوَ الله وما الأسبابُ إِلَّا وسائلُ يُستدلُّ بِهَا عَلَى حكمةِ الله وأنه حكيمٌ حيْثُ ربط المسببات بأسبابها.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: تقريرُ مَا يحدث فِي الكون من بَسْطِ الرّزقِ وتضييقِه؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ لأَنَّ الاسْتِفْهامَ للتقريرِ كما سبق.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أنَّ سَعَةَ الرّزقِ وتضييق الرّزقِ كله بيد الله .
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: إثْبَات المشيئةِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّه لا ينتفعُ بالآيات إِلَّا المُؤْمِنُونَ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
стр. 217
الآية (٣٨)
* * *
* قال اللهُ : ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
* * *
قوْله تَعالَى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ إِلَى آخره (آتِ) بمعنى أَعْطِ لأنَّهَا من الرُّباعي، لو كانت من الثُّلاثي لكانت بمعنى جِئْ، لكنها من الرّباعي الَّذي بمعنى أَعْطَى.
وقوْله تَعالَى: ﴿فَآتِ﴾ الخطابُ مفردٌ، فهل هُوَ للرسول ﷺ شخصيًا أو لكل مَنْ يتوجَّهُ إِلَيْهِ الخطابُ؟ للعُلَمَاء فِي هَذَا رأيانِ، إِلَّا مَا دل الدّليلُ عَلَى أنَّه خاصٌّ بالرَّسول ﷺ فَهَذَا يختص بِهِ مثل قوْله تَعالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، هَذَا خاصٌّ بالرَّسول ﷺ ، وقوْله تَعالَى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨]، (وجدك) أي الرَّسول لكِنَّهُ أغنى بك جميعَ من انتفع بهذا، ومثل قوْله تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
وقوْله تَعالَى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ صاحِبَ القرابةِ، وَلهذا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [القرابة]، فالقُرْبى بمعنى القرابةِ ﴿حَقَّهُ﴾؛ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِنَ البِر وَالصلَةِ]، وأَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ الأُمُّ والأَبُ وإنْ عَلَوَا، وصلتُهما تُسمى بِرًّا؛ لأَنَّهُ يجب أن تكونَ أعلى من صلة غيرهما، و (البِرُّ) كثرةُ الخير، وصلة غيرهما تسمى صلة؛ لأَنَّ المقصود
стр. 218
الوصل فقط بخلاف الأب والأم، فـ ﴿حَقَّهُ﴾ هُنَا مُجْمَلٌ ولَكِنَّهُ مُبيَّنٌ بنصوصٍ أُخْرَى من القرآنِ، والسُّنةِ وَهُوَ أن حقَّ الأبوين البرُّ، وحقَّ غيرهِما الصِّلةُ فيمكنُ أنْ يكُونَ قولُ المُفَسِّر ﵀ من البر والصّلةِ عَلَى سبيلِ التّوزيعِ من البر بالأبوين والصّلة بغيرهما من ذوي الأرحامِ.
وقوْله تَعالَى: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ يَعُمُّ كلَّ قريبٍ ولو كَانَ كافرًا لأَنَّ العِلَّةَ القرابةُ ليست الإسْلامَ، لو قَالَ آتِ المُؤْمِنَ حقَّه قلنا العلةُ الإيمانُ فيختصُّ الحكمُ به.
قوْله تَعالَى: ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المِسْكِينُ هُوَ الفقيرُ وهنا أُطْلِقَ المِسْكِينُ والمُرَادُ بِهِ الفَقِيرُ والمِسْكِينُ فِي آيه الصَّدقةِ، وقد مر أنَّ المِسْكِينَ إِذَا أُطْلِقَ يشملُ الفَقِيرَ، والفَقِيرَ إِذَا أُطْلِقَ يشملُ المِسْكِينَ، وَإِذَا قُرِنَا جَمِيعًا افترقَا، المِسْكِينُ له حقٌّ، مَا حقُّه؟ حقُّه دَفْعُ حاجتِه لأنَّهُ فقيرٌ, قَالَ أهل العِلْم: وإطعامُ الجائعِ وكِسْوَةُ العَاري فَرْضُ كفايةٍ إِذَا قَامَ بِهَا مَنْ يكفي سقطَ عَنِ الباقِينَ.
قوْله تَعالَى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾؛ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [المُسَافِرُ مِنَ الصَّدَقَةِ وَأُمَّةُ النَبِيِّ ﷺ تبَع لَهُ فِي ذَلِكَ]، وسُمِّيَ ابن سَبِيل لِمُلازمتِه لَهُ، والسّبيلُ الطّريقُ، وكل مَنْ لازمَ شَيْئًا يُسمى ابنًا لَهُ، قَالُوا كما يُقَال ابن الماءِ لطيره، طَيْرُ الماء يُسَمَّى ابنَ الماءِ، ويُقَال للرجل الَّذي يُكْثِرُ السَّفر فِي الليل ابن الليالي وما أشبهَ ذلك، فالابنُ لكل مَنْ لازمَ الشّيء، وقول المُفَسِّر ﵀: [من الصّدقة]، هَذَا تفسير لحق المِسْكِين وابن السّبيل، وقيل المُرَادُ بابن السّبيل الضّيفُ لأَنَّهُ عابرُ سبيلٍ، ولكن الصّحيح أنه المسافر ويشمل الضّيف لأَنَّ الضّيف مسافر.
وقول المُفَسِّر ﵀: [وأمة النَّبيّ ﷺ تبع لَهُ فِي ذلك] أفادنا المُفَسِّر ﵀ بهذه الجملة أنَّ الخطابَ فِي قوْله تَعالَى: ﴿فَآتِ﴾ موجَّه للرسول ﷺ شخصيًا والأمة
стр. 219
تبعٌ لَهُ، وقد سبق أن وجه ذَلِك أن الرَّسول ﷺ هُوَ زعيمُ أمته فَوُجِّه الخطاب إِلَيْهِ وإن كَانَ شاملًا أو أنَّه خاصٌّ بِهِ وتكون أمته تبع لَهُ عَلَى سبيل التّأسِّي به.
قوْله تَعالَى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾ المُشارُ إِلَيْهِ إيتاء ذي القربى حقه والمِسْكِين وابن السّبيل.
قوْله تَعالَى: ﴿خَيْرٌ﴾ كلمة خير هُنَا هل يراد بِهَا التّفضيلُ أو أنَّها اسم وليست بتفضيل؟ قلنا فيما سبق أن خيرًا وشرًّا تستعملان اسمَيْ تفضيل وتستعملان اسمًا مجردًا عن التّفضيل كما فِي قوْله تَعالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، هُنَا لَيْسَ المُرَادُ بِهَا التّفضيلَ كَذَلِكَ هُنَا قَالَ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ الظّاهر أنَّه لا يراد بِهَا التّفضيل وأن المُرَاد أن هَذَا خير ضد الشّر، لكِنَّهُ قُيِّدَ بقوْله تَعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ وَهَذا دليل عَلَى الإِخْلاص يعني خيرًا للمخلصين الَّذِين يريدون وجه الله، أمَّا غيرُ المخلص فإِنَّهُ لَيْسَ خيرًا لَهُ لكن هل هُوَ خير للمخلص؟ قَالَ الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، فجعل الله تَعالَى ذَلِك خيرًا مطلقًا ثمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]، فجعل هَذَا الشّيء خيرًا مطلقًا لما فِيهِ من النّفع المتعدي ولَكِنَّهُ لا يَكُون خيرًا للفاعل إِلَّا بالنّية؛ بنيةِ الإِخْلاصِ وأظنُّ أن هَذَا ظاهرٌ، لو أنَّك تصدقْتَ عَلَى شخصٍ بدراهمَ أو بثوب يلبَسُه انتفعَ، أما أنت فقد تنتفعُ وقد تنضرُّ وقد لا تنتفع ولا تنضر، فإن فعلتَ ذَلِك رياءً انضرَرْتَ، وإن فعلته إخلاصًا انتفعتَ وإن فعلته مجرد سجية وطبيعة فإنك لا تنتفع وَلهذا قَالَ هُنَا ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ فنقول: لا يَكُون خيرًا إِلَّا للذين يريدون وجه الله هَذَا بالنّسبة للمعطي، أمَّا بالنّسبة للمُعطى فَهُوَ خير لَهُ حتى لو يعطي كافرٌ شخصًا مالًا
стр. 220
انتفع بِهِ وصار خيرًا لَهُ فلا يَكُون خيرًا للمعطي إِلَّا بالنّية، أمَّا بالنّسبة للمعطى فَهُوَ خيرٌ لَهُ عَلَى كل حَالٍ.
ولم يذكر الله فِي الآية هُنَا الخير للمعطي إِلَّا بهذه النّية أمَّا المعطى فلا شك أنَّه خير لَهُ عَلَى كل حَالٍ كما تفسره آياتٌ أُخْرَى، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي ثَوَابُهُ بِمَا يَعْمَلُونَ]، قول المُفَسِّر ﵀: [أي ثوابه] هَذَا تفسير لَيْسَ بصحيح وَإنَّمَا هُوَ عَلَى طريق أهل التّأويل الَّذِين لا يؤمنون بالصّفات الخبرية الَّتِي أخبر بِهَا الله عن نفسهِ كالوجهِ واليدين والقدم وما أشبهها، فتفسير الوجه بالثّواب خطأ وليس عَلَى طريق أهل السّنة والجماعة، بل هُوَ عَلَى طريق أهل البدع المؤوِّلينَ الَّذِين يُسمونَ أنفسهم مُؤَوِّلينَ وهم فِي الحقيقةِ محُرِّفُونَ.
والصّوابُ: أن المُرَادَ بِهِ وجهُ الله: وجهُه الَّذي هُوَ صفتُه، وأنَّ فِي الآية إشارةً إِلَى أن من فعل مثل هَذِهِ الأمورِ لله فإِنَّهُ سَوْفَ يرى الله ويلقاهُ كما ثَبَتَ ذَلِك فِي الكتابِ والسّنةِ وإجماعِ السّلفِ أَنَّ المُؤْمِنينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ كَما يَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ (١)، قَالَ تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، الأولى ﴿نَاضِرَةٌ﴾ بالضَّادِ بمعنى حَسَنَةٍ وَبَهِيَّةٍ، والثّانية بالظّاء لأنَّهَا من النَّظَرِ بالعَيْنِ.
قوْله تَعالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: (أولاءِ) مبتدأٌ و (هم) ضميرُ فصل والمفلحونَ خبرُه، المُفْلِحُ هُوَ الَّذي فازَ بالمطلوب وَنَجا مِنْ المرهوب مَنْ أَفْلَحَ إِذَا فَازَ، والفلاحُ أصلُه البقاءُ، كما قَالَ الشّاعر (٢):
................. وَالمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَه
стр. 221
يعني لا بقاءَ، ولَكِنَّهُ صار شاملًا لكل مَا حصلَ بِهِ المطلوبُ ونجا بِهِ من المرهوبِ، وقوْله تَعالَى: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الجملة اسمية تدُلّ عَلَى أنَّ الفلاحَ لازمٌ له.
وضمير الفصل هل هُوَ اسمٌ أو حرفٌ؟
الصّحيح أنَّه حرفٌ لا محل لَهُ من الإعرابِ ولا يُعرب.
إِذَنْ: مَا الفائدة من ضمير الفصل؟
له ثلاثُ فوائدَ: الأولى الحصر، والثّانية التّوكيد، والثَّالثة الفرق بَيْنَ الصّفة والخبر، مثال ذَلِك إذَا قُلْتَ: (زيدٌ العَاقِلُ)، فـ (زيد) مبتدأ و (العاقل) خبره، لكن يحتمل أن تكون (العاقل) صفة لـ (زيد)، وأن الخبر لم يأتِ بعد، مثل: (زَيْدٌ العَاقِلُ مَحْمُودٌ) مثلًا، لكن إذَا قُلْتَ: (زيد هُوَ العاقل) تعيّن أن تكون (العاقل) خبرًا، وَلهذا قيل له: ضمير فصل؛ لأنَّهُ يفصل ويميز بَيْنَ التّابع الَّذي هُوَ النّعت وبين الخبر، أمَّا إفادتُه للتوكيد فواضحةٌ، فإن قولك: (زيد هُوَ العاقل) أقوى فِي الدّلالة عَلَى الحصر من قولك: (زيد العاقل)، أمَّا كَونُه لا محل لَهُ من الإعراب فظاهر، فِي القرآن ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٤٠]، لو كَانَ لَهُ محلٌّ من الإعراب لقَالَ: إن كانوا هم الغالبونَ، ونقول (هم) مبتدأ والغالِبونَ خبرٌ, والجملة خبر (كان)، فدل هَذَا عَلَى أنه لا محل لَهُ من الإعراب، وَهُوَ - عَلَى المشهور عند النّحويين - حرف جِيء بِهِ للفَصلِ، فصورته صورة الضَّمير، لكن معناهُ لَيْسَ معنى الضّمير الَّذي يَكُون اسمًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: أن لهؤُلاءِ الأصناف الثّلاثة حقَّ القريبِ والمِسْكِينِ وابنِ السّبيلِ.
стр. 222
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: وجوب إيتاء هَؤُلاءِ حقهم؛ تؤخذ من الأمرِ فِي قوْله تَعالَى: ﴿فَآتِ﴾ والأصلُ فِي الأمرِ الوجوبُ.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ الأقربَ فالأقربَ أحقُّ؛ تؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾.
لكن كَيْفَ الأخذ؟
الأخذ: هُوَ أن لدينا قاعدة سبق أنْ قَرَّرناها وَهِيَ أن الحكمَ إِذَا عُلِّقَ عَلَى وَصْفٍ فكلما كَانَ أكثر فِي هَذَا الوصف فَهُوَ أحقُّ إِذَا عُلِّقَ الحكمُ عَلَى وصف فكلما كَانَ هَذَا الوصفُ أشدَّ تمَكُّنًا فِي شيءٍ فَهُوَ أَحَقُّ به، فمثلًا إذَا قُلْتَ: (أَدِّبِ العَاصِي)، عُلِّقَ التّأديبُ بالعصيانِ، فيقتضي هذا أن كل من كَانَ أشَدَّ معصيةً كَانَ أَشَدَّ تأديبًا، وَإِذَا قلنا: (أَكْرِمِ المُؤْمِنَ) صَارَ معنى ذَلِكَ: أنَّ كلَّ من كَانَ أقوى إيمانًا صَارَ أحقَّ بالإكرامِ، قوْله تَعالَى: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ عُلِّقَ الحقُّ بالقرابةِ، فكلما كَانَ أقربَ كَانَ أحقَّ بالإيتاءِ، وهذهِ القاعدةُ مفيدةٌ لطالبِ العِلْمِ أنه إِذَا عُلِّقَ الحُكْمُ عَلَى وصفٍ، قَوِيَ ذَلِك الحكم بقوة ذَلِك الوصف؛ نظرًا لأَنَّ تعليقَه بالوصف يفيد علِّيته وهذه أيضًا قاعدة ثانية: (أَنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالوَصْفِ يُفيدُ أَنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ عِلَّةٌ)، فمثلًا تقول أكرمِ المُؤْمِنَ لماذا؟ لإيمانِه، أدِّبِ الفاسقَ لفسقِه ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]، معناه لإفسادِهم وهكذا.
فنَقُول: إن تعليقَ الحكمِ بالوصفِ يدلُّ عَلَى عِلِّية ذَلِك الوصف، وأنه عِلَّةُ الحُكْمِ، وبناء عَلَى هَذِهِ القاعدةِ تأتي القاعدةُ الأولى أيضًا.
الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّ كل من كَانَ أحقَّ بالإحسَانِ فَهُوَ أولى به؛ لأَنَّ المِسْكِينَ أحقُّ بالإحسَانِ من الغني، وابنَ السّبيل المسافر المنقطع بِهِ سفره أحقُّ من غيره.
стр. 223
الفائدتان الخامسة والسّادسة: أن النَّفْعَ المتعدي خيرٌ فِي نفسه.
وهل هُوَ خير للفاعل؟
نعم، هُوَ خير للفاعل بشرط، فَهُوَ خير فِي نفسه وإن لم ينتفع بِهِ الفاعل.
ويتفرع عَلَى هَذَا أن مَا يبذله الكفَّار من منافع للمسلمين هِيَ خير للمسلمين، لا نقول هَذِهِ صدرت من كافرٍ فليست بخير وليس فيها خيرٌ.
مثلًا لو أن أحدًا من الكفَّار أصلحَ طريقًا من الطّرق، من هَذِهِ الشّركات الكافرة فيكونُ فِي هَذَا الإصلاح خيرٌ لا شك، لكن لَيْسَ خيرا لهم إنما هُوَ خير لغيرهم.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: التّنبيهُ عَلَى أهمية الإِخْلاصِ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
الفائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنه كلما كَانَ العمل أخْلَصَ للهِ كَانَ أكثرَ خيرًا للفاعل نأخذ هَذَا الحكم من القاعدة الَّتِي مرت بأن هَذَا الحكم عُلِّق بعلة ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾؛ لأن اسم الموصول مَعَ صلته كاسم الفاعل تمامًا، فيكون خيرًا للذين يريدون.
إِذَنْ: فكلما كَانَ الإنسانُ أخلصَ فِي إرادة وجه الله كَانَ أكثرَ خيرًا له.
الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثْبَات الوجه لله؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾ ووجه الله قَالَ أهل العِلْم: أنه من الصّفات الخبرية لأَنَّ عِنْدَهُم من الصّفاتِ مَا هِيَ خبرية محضةٌ، فيعبرونَ عنها بالخبرية؛ لئلا يقعوا فِي المحذور فلا يقُولونَ إِنَّها بعضيَّة مثلًا أو جزئيَّة لأَنَّ التّبعُّض والتّجزئة فِي ذات الله محرمٌ إطلاقًا، فالوجهُ واليدُ والعين والسّاق والقدم كل هَذِهِ يُعَبَّرُ عنها بالصّفاتِ الخبريةِ، لكنَّ السّمعَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ والحياة تُسمى صفاتٍ معنويةً: صفات معانٍ، والفرقُ بَيْنَ الصّفات المعنوية والخبرية
стр. 224
أن الصّفات المعنوية تدُلُّ عَلَى معانٍ كالسَّمعِ والبصر والعِلْم والقُدْرَة وما أشبهها، وأما الصّفات الخبرية فهي تدُلُّ عَلَى صفاتٍ هِيَ بالنّسبة لنا أبعاض، فَيَدُ الإنسانِ ووجه الإنسان وساق الإنسان وقدم الإنسان وعينُه مثلًا هَذه أبعاض لَهُ ولكن لا نسميها بالنّسبة لله أبعاضًا بل سماها أهل العِلْم الصّفات الخبرية.
الفائِدَةُ العَاشِرَةُ: الإِشارةُ إِلَى رؤية الله لقوْلِه تَعالَى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ولا شك أن رؤية الله ثابتة بالقرآن والسّنة وإجماع السّلف، ففي القرآنِ قَالَ الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، معنى ﴿نَاضِرَةٌ﴾ الأولى من النَّضارة وَهِيَ الحُسْنُ ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالظَّاءِ من النّظر وَهُوَ الرّؤية بالعين وهذه الآية من أَصْرَحِ مَا فِي القرآن وتوجد آية أُخْرَى وَهِيَ قوْله تَعالَى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)﴾ [المطففين: ٢٣] , وتوجد آية ثالِثة وَهِيَ قوْله تَعالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فسرها النَّبيّ ﷺ بأنها النّظر إِلَى وجه الله، وتوجد آية رابعة وَهِيَ قوْله تَعالَى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥]، وتوجد آية خامسةٌ وَهِيَ قوله تَعالَى فِي الأنعام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، لأَنَّ هَذِهِ الآيةَ تدلُّ عَلَى الرّؤية لأَنَّ الله تَعالَى قَالَ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ ونَفْيُ الإدراك يدل عَلَى ثبوتِ الأصل، ولو كَانَ لا يُرى لقَالَ: (لا ترَاهُ الأبصَارُ)، فنفي الأخَصِّ يقتضي وجود الأعمِّ؛ وَلهذا كانت هَذِهِ الآيةُ الَّتِي يُستدل بِهَا أهل التّعطيل عَلَى نفي رؤية الله دليلًا عَلَيْهِم لا دليلًا لهم.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ورد فِي الحديث أن يَوْمَ القِيَامَة يقول الله : من كَانَ يعبدُ الطّواغيتَ فليعبد الطّواغيتَ، ومن كَانَ يعبدُ الشَّمسَ فليعبدِ الشّمسَ فيأتيهم الله فِي صورة غير صورته الَّتِي يعرفونها فيقولُ أنا ربكم فيقولونَ نعوذُ
стр. 225
بالله منكَ هَذَا مكانُنا حتى يأتينا ربنا، قَالَ ثمَّ يأتيهِمْ فِي صورتِه الَّتِي يعرفونَ فيقولُ أنا ربكم، فيقولونَ أنْتَ ربُّنا، فينطلقُ ثمَّ يتبعونَه (١)، والإشكال هو: مَا معنى قوله: فينطلق ثمَّ يتبعونه؟
فالجوابُ: أن هذه اللفظةَ غيرُ ورادةٍ، فلا أدري معناها، ولا نبحثُ فيها حتى تؤكَّدَ، وَإنَّمَا ورد أن الأممَ تتبعُ مَنْ كانتْ تعبدُ حتى تُلقى فِي النَّارِ (٢).
وفي الحديث: "فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ له كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ تَعالَى فِي الدُّنْيَا" (٣).
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشرَةُ: أنَّ الفلاحَ يَكُونُ بأمرين: بالإِخْلاصِ وفعلِ المأمورِ بِهِ نأخذُها مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وهَؤُلاءِ المُشارُ إليهم أتوْا بالفعلِ والثّاني الإِخْلاصُ.
* * *
стр. 226
الآية (٣٩)
* قال اللهُ : ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩].
* * *
لمَّا أمرَ الله تَعالَى بإيتاءِ ذي القربى حقه فِي قوْله تَعالَى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾ إِلَى آخره، حذَّر من هَذَا الأمر ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾، والرّبا فِي اللُّغَة الزّيادةُ كقوْله تَعالَى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، أي علت، ومنه الرَّبْوَةُ للمكانِ المرتفعِ، أمَّا فِي الشّرع فالرِّبا المحرَّمُ هُوَ زيادةٌ فِي أَشْيَاءَ أو نَسِيءٌ فِي أَشْيَاءَ، فَهُوَ إمَّا أَشْيَاءُ يزيدُ فِيهَا كما لو باعَ صاعًا من البُرِّ بصاعين مِنْهُ ولو يَدًا بِيَدٍ فَهُوَ ربًا: ربَا فَضْلٍ. أو باع دنانيرَ بدراهمَ مَعَ تأخيرِ القبْضِ فَهَذَا رِبَا نَسِيئَةٍ، وكلاهُما محُرَّمٌ.
وأما الرّبا هُنَا فِي الآية ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ فالمُرَادُ بِهِ الزّيادة فَهُوَ رِبًا لُغَوِيٌّ، هَذَا هُوَ الَّذي علَيْه جمهورُ المفسرين، فقوْله تَعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾ أي وما أعطيتُم من ربًا ليربوا فِي أموالِ النَّاسِ فلا يَرْبُو عندَ الله، وقولنا: وما أعطيتُم من ربًا؟ فسره المُفَسِّر ﵀ بقوله: [بِأَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا هِبَةً أَوْ هَدِيَّةً ليَطْلُبَ أَكْثَرَ مِنْهُ]، تُهدِي لشخصٍ لأجلِ أنْ يعطيَك أكثرَ أو تَهِبُهُ من أجلِ أن يَرُدَّ عليكَ أكثرَ مما وهبتَ الآن آتيتَ شَيْئًا ليرد عليك أكثر منه، نقول آتيتَ ربًا.
стр. 227
لَكِنْ إِذَا قَالَ قَائِلٌ: أنا مَا أعطيتُ ربًا أنا أعطيتُ شَيْئًا حصل بِهِ الرِّبا؟
أجاب المُفَسِّر ﵀ عن هَذَا: [فَسُمِّيَ بِاسْمِ المَطْلُوبِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي المُعَامَلَةِ]، فيكونُ هَذَا الَّذي أعطى ليُعطى أكثرَ كأنَّه أعطى رِبًا لأنه أُعطِيه، هَذَا مَا علَيْه أكثر المفسرين.
وَعَلَى هَذَا فيكون الرِّبا هُنَا لُغَوِيًّا، وهنا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [هِبَة أَوْ هَدِيَّة] الفرقُ بَيْنَ الهبةِ والهديةِ أن الهبةَ يقصد بِهَا مجردَ الإحسَانِ إِلَى المُعطَى فَقَطْ، والهديةُ يُقصدُ بِهَا التَّوددُ والإكرام؛ وَلهذا قَالَ الرَّسولُ ﷺ : "تَهَادُوا تَحَابُّوا" (١)، يوجدُ شيءٌ ثالثٌ يُسَمَّى صدقةً يُقْصَدُ بِهِ ثوابُ الآخرةِ فما يُقصدُ بِهِ ثوابُ الآخرةِ فَهُوَ صدقةٌ، وما يُقْصَدُ بِهِ التَّوددُ والإكرامُ فَهُوَ هديةٌ، وما يُقْصَدُ بِهِ نفعُ المعطَى فَهُوَ رِبًا.
قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ كأنَّ الله حذَّرَ مِنْ أن يؤتي الإنسانُ أحدًا من ذوي القربةِ أو المساكينِ أو ابنِ السّبيلِ لأجلِ أنْ يُعطى أكثرَ.
قوْله تَعالَى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي فلا يزيد عند الله لأَنَّ هَذِهِ الحالةَ حالُ دُنْيَا نازلةٍ، وَلهذا نهى الله عنها رسوله ﷺ فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦]، يعني لا تُعطِ لأجلِ أنْ تعطَى أكثرَ، ولما كانتْ هَذِهِ الحالة نازلةً، قَالَ هُنَا ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ قَالَ المُفَسّر ﵀: [﴿ليَربُوا فِىَ أَموَالِ الناسِ﴾ المُعطينَ أي يزيدُ]، ﴿فَلَا يَرْبُو﴾ يعني فلا يزيدُ، قَالَ المُفَسِّر: [فلا يَزْكُو ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي لا ثَوابَ فِيهِ للمُعطينَ]، وَذَلِكَ لأنَّهَا حالٌ لا تنبغي فلا يَكُون فِيهَا أجرٌ عند الله هَذَا مَا ذكره المفسرون فِي تفسير هَذِهِ الآية ورَوَوْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاس وغيره.
стр. 228
وعندي أنه يحتملُ فِي الآية معنًى آخر يَكُون قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ الرِّبا الشَّرعي، ويخاطب الله المعطين للرِّبَا يعني أن الرِّبا الَّذي تعطونه غيركم وإن كَانَ يزيد فِي أموالهم فإِنَّهُ لا يَرْبُو عند الله بل إنَّه عَلَى العكس يحصلُ بِهِ المَحْقُ والسُّحْتُ للمال الطَّيب، فلا خيرَ فِيهِ ويؤيد ذَلِك قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ فَفَرَّقَ بَيْنَ المُرابي وبين المتصَدِّقِ، كما أن الله يقرن بَيْنَهُما فِي بعض الآيات مثل مَا ذكر فِي سورة البقرة ذكر الله الإنفاق وذكر بعده الرِّبا، وَكَذلِكَ أيضًا فِي سورة آل عمران ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٣]، وذكرَ من جملةِ أوصافهم أنهم يُنفِقونَ فِي السَّرَّاءِ والضَّراء، ولكنْ هَذَا الاحتمالُ حتى الآن مَا رأيتُ أحدًا قَالَ بِهِ، وَإنَّمَا يقُولونَ بالمَعْنَى الأول وَهُوَ أن يُعطي الإنسان شَيْئًا هِبَةً أو هديةً ليُعطَى أكثرَ فإنَّ هَذَا وإن زاد فِي أموال المعطين فليس فِيهِ زيادة عند الله لأنَّهُ خُلُقٌ مذمومٌ.
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا تَقُولُونَ فيما لو أهدينا إِلَى شخصٍ معروف بالمكافأة وأنا مَا قصدت فهل يجوز أم لا؟
قُلْنَا: مَا دام أنَّك مَا قصدتَ فإِنَّهُ لا يضرُّ.
وهل الإهداءُ للأمراء والملوك والوزراء وما أشبههم يدخل فِي هَذَا النّهي؟
غالِب الَّذِين يُهدون خصوصًا عَلَى الملوك والكبار من الأمراء إنما يريدون الزّيادة، يريدون أكثر؛ وَلهذا إِذَا عُرِفَ الإنسانُ بِأنَّهُ لا يعطي إِلَّا مثل القيمة أو دونها لا يُعطَى هدايا، فلا يعطى هدايا إِلَّا من عُرِفَ أنه يبذل أكثرَ ويردُّ أكثرَ.
стр. 229
قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾ يعني أعطيتم ﴿مِنْ زَكَاةٍ﴾: (مِن) حرف جر وَهِيَ بيانية بَيان لـ (ما) فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾، و (ما) هُنَا إعرابها شرطية بدليل قوْله تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ فارتبطت (الفاء) فِي الجواب يعني ومهما آتيتم من زكاة بِهَذا القيد تريدونَ وجهَ الله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾.
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ زَكَاةٍ﴾، قَالَ المُفَسِّر: [صَدَقَة]، وفي هَذَا القيد نظر إن قصد بِهَا صدقة التّطوع أمَّا إن قصد بِهَا الصّدقة مطلقًا فنعَمْ لأَنَّ الصّدقة تُطلق عَلَى الواجب والمستحب والدّليل عَلَى إطلاقها عَلَى الواجب قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فَهَذَا للواجبِ والمستحب.
إِذَنْ نَقُول: ﴿مِنْ زَكَاةٍ﴾ المُرَاد بِهَا الزّكاة الواجبة.
فبالمَعْنَى الأول كَيْفَ نحوِّلها إِلَى صدقةٍ عَلَى أن المُرَاد بِهَا التَّطوعُ؟
والصّواب: أن المُرَاد بالزّكاة هِيَ الزّكاة الواجبة لأنَّهَا مرادة عند الإطلاق، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، المُرَاد الواجب، إِذَنْ: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ أي من صدقة واجبة.
لَوْ قَالَ قَائِل: الزّكاةُ فُرِضَتْ بالمدينة وهذه السُّورة مكِّية؟
قُلْنَا: هَذِهِ لا تدُلُّ عَلَى الفرض، وَإنَّمَا تدُلُّ عَلَى الأجر فقط، مَعَ أن الصّحيح أن الزّكاة مفروضةٌ بمكةَ لكن تقديرها وتقدير أنصِبَائِها هُوَ الَّذي كَانَ فِي المدينة هَذَا هُوَ الصّحيح.
قوْله تَعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ يعني تريدونَ بهذه الزّكاة الَّتِي آتيتم، تريدون وجهَ الله، هَذِهِ جملة شرط للثواب والأجر أن يريد الإنسان
стр. 230
وجه الله؛ لأَنَّ مَنْ لا يريدُ وجه الله إمَّا أن يريد وجه غيره أو أن لا يريد شَيْئًا، إِذَا أراد وجهَ غيره فليس لَهُ أجر بل علَيْه وِزْرٌ لأَنهُ مُراءٍ مشْرِكٌ فلا تقبل مِنْهُ، وإن لم يُرِدْ وجه الله ولا غيره لكِنَّهُ أراد إبْراءَ ذِمته فقط كما هُوَ حال غالب من يؤدي الزّكاة بل - الله يعاملنا بعفوه - غالِب من يؤدي حتى الصّلاة، أكثر النَّاس عندما يأتي إِلَى الصّلاة تجده يريد إبراء ذمته لا يشعر بأن هَذِهِ الصّلاة تقربه إِلَى الله ويريد القرب بِهَا إِلَى الله هَذا، فغالب النَّاس - إلا من وفق وصار ينتبه عند فعل الطّاعات بإرادة وجه الله وَهُوَ الإِخْلاص واتباع الرَّسول ﷺ فِي هَذِهِ العبادة لا يُراد وجهُ الله ولا يراد وجه غيره، وَإنَّمَا أراد بِهَا إبراء ذمته تنفعه بلا شك وتبرأ بِهَا ذِمتُه وربما يُؤجر لقيامه بركن من أركان الإسْلام، بل يقينًا يُؤجر لكن ربما يُؤجر أيضًا بكونه يشعر أن هَذِهِ مما أوجب الله علَيْه فيؤديه؛ لأَنَّ هَذَا لا شك أنه تَعَبُّدٌ لله يعني فَعَلَه تَعَبُّدًا لكنْ كونُه يريد بِذَلِكَ وجه الله والتّقرب إِلَيْهِ هَذِهِ حالة أعلى من كونه يريد مجرَّد إبراء ذمته.
قال المُفَسِّر ﵀: [قوْله تَعالَى: ﴿تُرِيدُونَ﴾ بِهَا ﴿وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ثَوابَهُمْ بِمَا أَرَادُوهُ].
قوْله تَعالَى: ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾ المُفَسِّر لم يفسِّرْها هنا، لكِنَّهُ فسرها فِي الآية الَّتِي قبلها بأنها ثوابه والصّواب أن المُرَادَ بوجه الله ذات وجه الله لا ثوابه وفيه إشارة كما سبق إِلَى رؤية المؤْمِنينَ ربهم.
وقوْله تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ جوابُ الشَّرط، ﴿وهُمُ﴾ ضمير فصل، ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ خبر (أولئك) ومعنى ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ أي الحاصلونَ عَلَى التَّضعيفِ لأَنَّ الفعلَ الثُّلاثي إِذَا دخلت علَيْه الهمزة فقد يراد بِهِ الدُّخول فِي الشّيء مثل قولهم: (أنجد) أي دخل نجدًا فمعنى (أضعف) هُنَا أي صَارَ من ذوي الأضعافِ، والأضعافُ
стр. 231
معناه الزّيادةُ يعني أولئك هم المضعفون الَّذِين حصلوا عَلَى مضاعفة الأجر والثّواب بخلاف الأولين الَّذِين آتوُا الرِّبَا ليربوا فِي أموالِ النَّاس، فهَؤُلاءِ لَيْسَ لهم زيادةٌ، فالزّيادةُ للذين آتوا الزَّكاة يريدونَ وجهَ الله، هَؤُلاءِ هم المضعفون أي الدَّاخلونَ فِي المضاعفةِ.
قوْله تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ قول المُفَسِّر: ﴿الْمُضْعِفُونَ﴾ ثوابهم] يعني الَّذِين ضاعفوه وزادوه بما أرادوه.
ثمَّ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فيهِ التفاتٌ عن الخِطابِ إِلَى الغَيبه]، والخطاب هُوَ قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾، هَذَا خطاب، وكان مقتضى السّياق إِذَا كَانَ عَلَى نسق واحد أن يُقَال لَأنتُم المضعفون، لكن قَالَ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ وفائدة الالتِفات التّنبيه وفيه تَعْلِيَةٌ للشأن مثل التّعبير بقوْله تَعالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر: ٦٠]، لم يقل وقلت لكم أو أقول لكم، تعظيمًا لشأنه تَعالَى فيكون المُرَاد بِذَلِكَ تعظيم شأن هَؤُلاءِ الَّذِين أردوا وجه الله بكونهم حصلوا عَلَى مضاعفة الأجر والثّواب بخلاف الأولين.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: أن من بذل مالَه من أجل الحصول عَلَى أمر الدّنيا فإِنَّهُ لا أجْرَ لَهُ فِي ذَلِك تؤخذ مِنْ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ وَهَذا عكس الأولين الَّذِين سبقوا فِي الآية السّابقة، الَّذِين أعطوا فِي الآية السّابقة يريدون وجه الله هَؤُلاءِ بالعكس يريدون الازدياد بما أعطوا.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: التّنبيه عَلَى أهمية الإِخْلاص لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ تؤخذ من قوله: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.
стр. 232
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّ مضاعفةَ الأعمال تكون بحسب الإِخْلاص لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ فقد رتب الله تَعالَى الأضعاف عَلَى إرادة وجه الله، وَعَلَى مَا قررنا فِي القاعدة قبل قليل يَكُون كل من كَانَ أخلص لله فعمله أكثرُ مضاعفةً، وَهَذا أمر لا شك فِيهِ، فإن مضاعفة الأعمال تكون بأسباب كثيرة منْهَا شرفُ الزَّمانِ، ومنها شرفُ المكانِ ومنها شرف الفاعل، ومنها شرف العمل، ومنها الإِخْلاص، ومنها الاتِّباع، كل هَذِهِ الأسباب السّتة من أسباب المضاعفة.
المضاعفة بسبب شرف الزّمان كرمضان والعشر الأُوَلِ من ذي الحجة هَذَا لشرف الزّمان.
ومنها: المكان كالحرمين والأقصى فإِنَّهُ العمل فِيهَا أشرف من غيرها فالصّلاة فِي المساجد الثّلاثة أشرف من غيرها.
المضاعفة أيضًا بحسبِ العملِ، أي بحسب جِنس العملِ وليس بكثرتها، فالصّلاة أفضل من غيرها، والفرض من كل عمل أفضل من نَفْلِهِ وأشرفُ، والجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله ذُرْوَةُ سَنَامِ الإِسْلَامِ (١)، وهكذا كما يتبين لنا كثيرًا.
ومنها: المضاعفَةُ بحسب الفاعل، كالصّحابة الَّذِين قَالَ فيهم الرَّسول ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أنفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ " (٢)، ويلحق بِهَذا العاملون فِي آخر الزّمان فِي أيام الصّبر الَّذِين يتمسكون بسنة الرَّسول ﷺ
стр. 233
مَعَ تباعد النَّاس عنها، فإن هَؤُلاءِ يُضاعَف لهم الأجرُ وإن كانوا لا ينالون من مرتبة الصّحابة لكن يضاعف أجرهم بسبب مَا يجدونه من الغرابة ومخالَفة النَّاس لهم؛ لأنهُ لا أحد يشك أن الإنسان الَّذي يعمل فِي محيط يعملون كما يعمل أن العمل يَكُون علَيْه هيِّن، بل مخالَفة النَّاس هِيَ الصّعبة، فعمل الإنسان فِي محيط لا يعملونه هَذَا هُوَ الصّعب والشّاق لا سِيَّما أن المعارضة ستكون عنيفة لأَنَّ هَذَا متمسك بطاعة الله والمخالَفون لَهُ عَلَى العكس، وأعنف صراع يَكُون بَيْنَ المتخالَفين هُوَ مَا يَكُون بَيْنَ المتمسكين بدين الله والمتحللين منه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا معنى قوله ﷺ : "العَامِلُ فِي أيامِ الصَّبْرِ له أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ" (١)؟
قُلْنَا: المَعْنَى لَهُ أجر خمسين فِي هَذِهِ الخصلة الَّتِي عانى جِهَا وتعب، فأصل العمل مثلًا الصّدقة مضاعفة بعشر أمثالها، عشر الأمثال موجودة فِي الصّحابة وموجودة فِي هَذَا الزّمن المتأخر لكِنَّهُ يضاعف ذَلِك فيكون أجر هَذَا مثل أجر خمسين من الصّحابة لما يجده من المعاناة، لكن الكمية الَّتِي تحصل للصحابة التي: لو أنفق أحدنا مثل أُحد ذهبًا مَا بلغ مد أحدهم ولا نصيفه (٢)، هَذِه خاصة بهم، فعندنا ثواب عَلَى أصل العمل وثواب مضاعف بحسب العامل، فالَّذي فِي أصل العمل كالصّدقة مثلًا يَكُون لهؤُلاءِ المتأخرين أجر خمسين من عمل الصّحابة باعتبار أصله لا باعتبار أنَّه وقع من الصّحابة ﵃.
стр. 234
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ألا يردُّ عَلَى هَذَا قولهم: منا أو منهم؟ قَالَ: "بَلْ مِنْكُمْ"؟
فالجوابُ: لا يردُّ عَلَى هَذَا لأننا نعتبر أصل العمل لا المضاعفة بحسب كونه صحابيًا بالنّسبة لأصل العمل، الصّحابي لولا الصّحبة لكان لَهُ أجر أصل العمل فَقَطْ، فبالصّحبة يزداد فيكون معنى قول الرَّسول ﷺ : "أجر خمسين منكم"، يعني: باعتبار أصل العمل ويجب الرّجوع إِلَى هَذَا لأنهُ لا يمكن الجمع بينه وبين هَذَا الحديث إِلَّا عَلَى هَذَا الوجه.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: لماذا قَالَ فِي الحديث أجر خمسين عاملًا ولم يقل أجر خمسين صحابيًا؟
قُلْنَا: لا نستطيع أن نقول لماذا لم يقل، والمَسْأَلة الآن مَسْأَلة جمع ولو كَانَ الأمر واضحًا مَا احتجنا أن نقول مَا وجه الجمع بَيْنَهُما، فما دامت المَسْأَلة مَسْأَلة جمع يحتاج أن ننظر أدنى دائرة يمكن أن تجمع بَيْنَ النّصين.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الصّحابة ﵃ يتفاضلون؟
فالجوابُ: معلوم أن الصحابة يتفاضلون، والرَّسول ﷺ يخاطب الصّحابة: يخاطب خَالِدَ بْنَ الوَليدِ فِي مقابلة سبِّه لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ من السّابقين الأولين، وخالد بن الوليد متأخر إسلامه، وكان بَيْنَهُما مَسَابَّةٌ فقال له: "مَهْلًا يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أنفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (١).
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وهل لحَقَ خالدٌ ﵁ بِهَذا الفضل؟
стр. 235
قُلْنَا: بالنّسبة لمن دونه يلحق لا شك لكن بالنّسبة لمن فوقه ظاهر الحديث أنه لا يلحق وَلِهَذا قالَ الله تَعالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
والخامس: بحسب الإِخْلاص كما فِي هذه الآية فكلما كَانَ الإنسان أخلصَ ولو كَانَ العمل واحدًا كَانَ عملُه أشرفَ من الآخر؛ وَلهذا تجد رجلين ركبا سيارة واحدة وخرجا ودخلا جَمِيعًا فِي الحج أو فِي العمرة ورجعا جميعًا عَلَى السّيارة وأفعالُهما واحدة وأقوالُهما واحدة، وبَيْنَهُما تفاوت أكثر مَا بَيْنَ المشرق والمغرب بحسب الإِخْلاص لله.
والسّادس: بحسب الاتِّباع وَلهذا أخبر النَّبيّ ﷺ : "أنَّ أَفْضَلَ الأَعْمَالِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا" (١)؛ لأنَّهَا حصلت عَلَى وجه المتابعة للرسول ﷺ .
هذه الأسباب فِي الشّرف كلها مما يوجب للعبد العناية بأعمالِه وأن يتحقق بما يستطيع من هذه الأسباب.
* * *
стр. 236
الآية (٤٠)
* * *
* قال اللهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ [الروم: ٤٠].
* * *
قال المُفَسّر ﵀: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ممن أشركتم بالله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لا؛ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به].
قوْله تَعالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني أوجدكم من العدم، لكنَّ الخلقَ لَيْسَ مجرد الإيجاد بل هُوَ الإيجاد بتقدير، بل إن بعضهم قَالَ إن الخلق فِي الأصل هُوَ التّقدير واستدلوا لِذَلِكَ بقول الشّاعر:
وَلأنتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعـ ... ضُ النَّاس يَخْلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي (١)
معنى: (ما خلقتَ) أي مَا قدرت ولكن الصّحيح أنَّه يطلق عَلَى الإيجاد المسبوق بالتّقدير فمعنى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أوجدكم إيجادًا مسبوقًا بالتّقدير والإحكام والإتقان وَهَذا مُسلَّم حتى عند المُشْرِكِينَ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ولا يمكن لأحد أبدًا إِلا المجنون أن يدعي أنَّه خلق نفسه، أو يدعي أنَّه خُلق بدون
стр. 237
خالق ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥]، فأنت مَا خلقك أبوك ولا خلقتك أمك ولا خلقك أحد من البشر ولا من غير البشر سوى الله فَهَذَا أمر مُسَلَّمٌ، وأما أهل الطّبيعة فيقولون هَذَا شيء وجد فِي الأزل عَلَى هَذَا الصّفة وصار يتفاعل ويتوالدّ وما أشبه ذَلِك لكن يقرون بموجد فلا يقُولونَ إن هَذَا الإنسان مثلًا أو هَذَا الحيوان وجد هكذا صدفة يقرون بموجد وَهِيَ الطّبيعة، فنقول لهم هذه الطّبيعة من الَّذي أوجدها؟ لكن هَؤُلاءِ مكابرون ولا عبرة بقولهم.
قوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ أي أعطاكم. والرّزق فِي اللُّغَة العطاء ومنه قوْله : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]، أعطوهم وهل أحد يدعي أن الرّازق سوى الله؟ قد يدعي أحد. قد يقول: الله قَالَ: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ فأنا رزقت هَذَا الإنسان أي أعطيته فيقال لكن مَن الَّذي خلق مَا أعطيت؟ الله، الَّذي رزقك هَذَا هُوَ الله، ومهما كَانَ من عمل بني آدم فإنما هُوَ تحويل لا إيجاد كل أعمال بني آدم حتى الصّنائع والبناء وغير ذَلِك لَيْسَ إِلَّا مجرد تحويل يعني تغيير من شيء إِلَى شيء وإلا فالأصل هُوَ الله هُوَ الخالِق وَهُوَ الموجد، هَذَا الرّزق الَّذي أعطيت أو هَذَا الرّجل أعطيته كيسًا من الطّعام صحيح أنَّك رزقته لكن من الَّذي أوجد هَذَا الكيس؟ الله فإذًا الرّزق أصله من الله وإن كَانَ قد يوجد عَلَى أيدي بعض النَّاس لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
وقول الرَّسول ﷺ : "وَلهَنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتهُنَّ بِالمَعْرُوفِ" (١)، لكن يُقَال من الَّذي خلق هَذَا الرّزق؟ ومن الَّذي جلبه إليك؟ ومن الَّذي قَدَّرَ أن تعطيه؟ والجوابُ على كل هذا: هُوَ الله.
стр. 238
وقوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ يعني بعد هَذَا الخلق والإمداد، الخلق إعداد، والرّزق إمداد، الله أوجدك وأعدك وهيأك ثم أمدك بما بِهِ قوامك بعد ذَلِك. ﴿يُمِيتُكُمْ﴾ يعني بعد الحياة: حياة الدّنيا يَكون الموت وَهُوَ مفارقة الرُّوح البدن مفارقة تامة لأَنَّ النوم فِيهِ مفارقة تفارق الرّوح البدن ولكن ليست مفارقة تامة، أمَّا الموتُ الَّذي هُوَ الموت فهي مفارقة تامة ولكنها تُعاد إِلَيْهِ فِي قبره إعادة بَرْزَخِيَّةً لا كإعادتها فِي الدّنيا.
قوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الحياة الآخرة التِي لَيْسَ بعدها فناء.
قوْله تَعالَى: ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ أي: من شركائكم الَّذِين أشركتموهم، فتكون مضافة إِلَى المفعول، يعني هل من هَؤُلاء الَّذِين أشركتموهم بالله؛ وَلهذا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [ممن أشركتم بالله]، أي ممن أشركتموهم، والإنسان إِذَا أشرك فالمشْرَك بِهِ مفعول وليس معنى شركائكم هم الذين شاركوكم أو أشركوكم، بل أنتم الذين أشركتموهم مَعَ الله فَهُوَ مضاف إِلَى مفعوله.
قوْله تَعالَى: ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إعراب ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾ محلها من الإعراب يحتمل أن تكون نكرة موصوفة والتّقدير ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ أحدٌ يفعل ذَلِك ويحتمل أن تكون موصولة عَلَى أنَّها مبتدأ مؤخر أي هل الذي يفعل ذَلِك من شركائكم، والأول أحسن أن تكون نكرة موصوفة يعني هل من شركائكم أحد يفعل شَيْئًا من ذلك.
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من زائدة وصحت زيادتها لأَنَّ الاسْتِفْهام هُنَا بمعنى النّفي و ﴿مِنْ﴾ تزاد فِي النفي كما قَالَ ابن مالِك ﵀ (١):
стр. 239
وَزِيدَ في نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ ... نكرَةً كـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المُشار إِلَيْهِ الخلق والرّزق والإحياء والإماتة، فعلى هَذَا يَكُون الجواب عن كونه مفردًا مذكرًا مَعَ أن السّابق أربعة أشْيَاء: جمع، يُقَال لأنَّهُ أُوّلَ بالمذكور ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي من ذلكم المذكور، فصح أن يأتي اسم الإِشارة مفردًا مذكرًا لأنّهُ عائد إِلَى مذكور.
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني لا يمكن أن يفعل هَؤُلاء أي شيء من هَذه الأمور لا الخلق ولا الرّزق والإحياء ولا الإماتة وَهَذا عَلَى سبيل التّحدي، فإذا كانت هذه الآلهةُ الَّتِي أُشْركت بالله لا تفعل شَيْئًا من هَذَا هل يصح أن تكون آلهة؟ لا بل تَاْليهُهَا باطلٌ؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠].
يبقى النّظر لو ادعى مدع أنه يحيى ويميت كالَّذي حَاجَّ إبراهيمَ فِي ربِّه، إبراهيم ﷺ قَالَ له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. فما هُوَ الجواب لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إن من المعبودين من يستطيع أن يحيى ويميت؟
نَقُول: هذه دعوى باطلة؛ لأَنَّ الإحياء والإماتة من الإنسان ليست إحياء وإماتة ولكنها فعل سبب.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: الاسْتِدلال بالأَجْلى والأَوْضح لأَنَّ الله استدل عَلَى بطلان آلهة المُشْرِكِينَ بأمر يقرونه هم، وآلهتهم لا تفعله وَهُوَ الخلق والرّزق والإماتة والإحياء.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: تمام قدرة الله وَذَلِكَ بالأمور الأربعة الخلق والرّزق إِلَى آخره.
стр. 240
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: إثْبَات أن مَا اكتسبه الإنسان فَهُوَ من الله لأَنَّ هذه الأربعة فِيهَا ثلاثة لا أحد يُماري فِيهَا وَهِيَ الخلق والإماتة والإحياء لكن الرّزق قد يماري فِيهِ ممارٍ، فَقَارُونُ قَالَ: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، فقد فُسِّر: (عَلَى علم مني بوجوه المكاسب)، والمَعْنَى أني أنا ماهر فِي معرفة المكاسب وحصلت هَذَا المال، ولكننا نقول هَذَا التّحصيل الَّذي حصلته بمهارتك إنما جاءك من الله ؛ لأَنَّ هَذَا الَّذي حَصَل لك بسببٍ وخالِقُ الأسباب هُوَ الله.
الفائِدَةُ الرابعةُ والخامسة: أنه ينبغي لنا استجلاب الرّزق من ربنا وحده لقوْلِه تَعالَى: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾، وَإِذَا كَانَ الأمر كَذَلِكَ فإِنَّهُ يترتب عَلَى هَذَا فائدة أُخْرَى وَهِيَ أن لا نطلب رزقه بمعاصيه، وجهه: إِذَا كنت تطلب الرّزق من الله هل من اللائق عقلًا أنْ تُقَدِّمَ لَهُ معصيةً ليرزقك، الَّذي يستدر الرّزق من غيره يُقَدِّمُ طاعته والخضوع لَهُ، وَلهذا قَالَ الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
إِذَنْ: مَنِ استجلبَ رزق الله بمعاصيه فقد خالَف الحكمة والصّواب. فهَؤُلاءِ الَّذِين يطلبون الرّزق بالرّبا ويطلبون الرّزق بالغش ويطلبونه بالكذب وغير ذَلِك من الوسائل المحرمة هم فِي الحقيقة أشبه مَا يَكُونُونَ بالمستهزئين بالله السّاخرين بِهِ كأنهم يقُولونَ يا ربنا إننا نعصيك لترزقنا! وَهَذا من أعظم مَا يَكُون؛ وَلهذا جعل الله الَّذِين يطلبون زيادة المال بالرّبا جعلهم محاربين لَهُ، كما فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]، والرّبا كما قَالَ شيخ الإسْلام ﵀: "ما ورد فِي ذنب من الذّنوب دون الشّرك أعظم مما ورد فِي الرّبا"، الَّذي أصبح عند
стр. 241
النَّاس الآن من أسهل الأشْيَاء وأبسطها حتى كانوا يتعاطونه بالصّراحة، ويتعاطونه بالتّحيل، وتعاطيه بالتّحيل أخبث من تعاطيه بالصّراحة، مثلما أنَّ تعاطيَ الكفر بالنّفاق أخبثُ من تعاطيه بالكفر الصّريح؛ لأَنَّ هَذَا المتحيل مخادع لله جَمَعَ - والعياذُ باللهِ - بَيْنَ مَفْسَدَةِ الرِّبا ومفسدة الخداع والتّحيل، فالرّب إِذَا حرم شَيْئًا لَيْسَ كغيره تخفى علَيْه الأشْيَاء فَهُوَ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]، ونبيه ﷺ وضَّح أنَّ: "الأَعْمَال بِالنياتِ" (١)، فما دُمْتَ نويتَ الرّبا الآن لكن تحايلت علَيْه بإدخال سلعة غير مقصودة هَذَا تلاعب واستهزاء بآيات الله يأتي إِلَيْهِ يقول أنا أريد منك مئة ألف عَلَى أن تكون بمئة وعشرين ألفًا إِلَى سنة كَيْفَ الوصول إِلَى هذا، يقول والله نحن مسلمون لا أستطيع أن أعطيك مئة ألف نقدًا وأكتبها عليك بمئة وعشرين لأننا نخشى الله ولكن نلوذ من جهة أُخْرَى ونجعل حاجزًا بيننا وبين الله بأي سلعة تتَّفق، فيذْهَبون ينظرون الَّذي عند النَّاس، فإن وجدوا سكرًا قَالُوا: نشتري سكرًا، وإن وجدوا هيلًا قَالُوا: نشتري هيلًا، وإن وجدوا سيارات اشتروا سيارات، حتى لو وجدوا أكياسًا لا يدرون مَا فِيهَا لعله أنْ يكُونَ رملًا قَالُوا نشتري هذه الأكياس، وهَذا هُوَ الواقع؛ وَلهذا لا ينظرون إِلَى هذه الأكياس ولا يدرون مَا فيها، وأكثر مَا يَكُون فِي القبض أنَّه يمرر يده عَلَيْهَا أو يعدها، ويقولون إن هَذَا هُوَ القبض، وليس هَذَا هُوَ القبض لغةً أو عرفًا أو شرعًا، ولا يعد هَذَا قبضًا؛ لأَنَّ القبض معناه أنْ يكُونَ الشّيء فِي قبضتك وَهَذا الشّيء مركون فِي مكانه ترد علَيْه عدة مبايعات فِي خلال ساعة أو ساعتين، وهذه البَلِيَّةُ الَّتِي ابْتُليَ بِهَا
стр. 242
النَّاس الآن نسأل الله أن ينقذهم منْهَا بلية عظيمة، ويقبحها أنهم يعتقدون أنَّها حلال وأن عمل البنوك حرام، حتى إن بعضهم يأتي يتغيظ ويتضجر، أعوذ بالله انظروا الحرام الرّبا يعلن صريحًا فِي البنوك وَهُوَ ممن يتعاملون بهذه المعاملة يبكي غيره ولا يبكي نفسه، وَهُوَ أحق بأن يبكي نفسه.
فالمُهِمُّ: أن الرّزق إِذَا كَانَ من الله فإِنَّهُ يجب عليك شرعًا وعقلًا أن تستمد هَذَا الرّزق بطاعة الله لا بمعصيته.
لَوْ قَالَ قَائِل: هل التَّوَرُّقُ داخل فِي هذا؟
التَّوَرُّق يقول شيخ الإسْلام إِنَّه داخل فِي هَذَا، ويقول عنه تلميذه ابن القَيِّمِ ﵀: "إن شيخنا يُسأل عن هَذَا مرارًا فيصر عَلَى أنه حرام". وقد كَانَ التَّورّق غير التَّورُّق المتعامل بِهِ بَيْنَ الناس اليوم، قَالَ العلَماء وعبارتهم: "ومَنِ احْتَاجَ إِلَى نَقْدٍ فَاشْتَرَى مَا يُسَاوِي مِئةً بِمِئَةٍ وعِشْرِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهِيَ مَسْأَلةُ التَّوَرُّقِ" (١)، هذه عبارة (الرّوض المربع) شرح الزّاد.
أولًا: قَالَ: "ومن احتاج" فعلمنا أنَّها لا تكون إِلَّا للحاجة.
ثانيًا: قَالَ: "فاشترَى مَا يساوى مئة بمئة وعشرين"، وقع العقد عَلَى عين المبيع ولم يقولوا العشر أحد عشر ولا اثنا عشر.
وكلمة: "اشترى" تحمل عَلَى الشّراء الشّرعي الَّذي يجمع الشّروط ومن جملتها، العِلْم بالمبيع ونوعه وجنسه إِلَى آخره، وهَذا غير موجود فِي عمل النَّاس الآن.
стр. 243
كَذَلِكَ قوله: "اشترى بما يساوي مئة بمئة وعشرين إِلَى أجل" ينطبق لأنهم يقُولونَ لكل عشرة اثنا عشر وثلاثة عشر وأحد عشر حسب الاتفاق، ثمَّ نفس الفقهاء الَّذِين أباحوا ذَلِك قَالُوا يُكره أن يقول فِي المرابحة أي فِي بيع المرابحة المعروف أن يقول العشر أحد عشر وذكروا عن الإِمَام أحمد نصًّا بِأنهُ يحرم أن يقول العشر أحد عشر حتى فِي غير مَسْأَلة التّورُّق، ففي بيع المرابحة المعروف يحرم فِيهِ عَلَى إحدى الرّوايات عن أحمد أن يقول العشرة أحد عشر وَهُوَ يريد السّلعة نفسها لا يريد النّقد.
والمذهب: أنه يكره والرّواية الثّانية عن أحمد أنه يحرم، مثلًا لو اشتريت هَذَا الكتاب وأنت تريد هَذَا الكتاب نفسه لا تريد دراهمه فقلتَ لي سأشتريه منك مرابحة، قلت لا بأس أنا شاريه بمئة وسأبيعه عليك عَلَى أن أربح بكل عشرة دراهم درهمًا، أي تكون المئةُ مئة وعشرة، هَذَا جائز لكن لو قلتَ سأشتريه منك العشرة أحد عشر، قَالُوا إِنَّه يكره عَلَى المذهب ويحرم عَلَى الرّواية الثّانية مَعَ أنَّها ليست هِيَ مَسْأَلة التَّورُّق فهَؤُلاءِ النَّاس الآن جمعوا بَيْنَ الأمرين بَيْنَ العشرة أحد عشر أو اثنا عشر وبين التَّوَرُّق.
أمَّا عمل الناس الآن فَهُوَ لا ينطبق علَيْه، حتى عَلَى قول من يقول بجواز التَّوَرُّق؛ ولاحظ أن الإِمَام أحمد عنه رواية بأنها جائزة والرّواية الثّانية بأنها من مسائل العِينَةِ، ذكرها عنه شيخ الإسْلام ابن تَيْمِيةَ (١)، وذكرها ابن القَيِّمِ فِي تهذيب السُّنن (٢)، أن مَسْأَلة التَّوَرُّق من مسائل العِينَةِ والعِينَةُ معروف أنَّها حرام.
فالحاصِلُ: أننا فِي عصرنا الحاضر لما كَانَ النَّاس لا يبالون إِلَّا أن يكتسبوا المال
стр. 244
فقد جعلوا المال مقصودًا مخدومًا بعد أن كَانَ وسيلة خادمًا، وحَقِيقَةُ المالِ أنه وسيلة خادم ولكن جعلناه الآن مقصودًا مخدومًا، وَهَذا من سفه الإنسان أن يستخدمه مالُه الَّذي خلق لَهُ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩].
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الإيداع فِي البنوك يعتبر إيداعًا شرعًا؟
قُلْنَا: إن قولنا فِي البنوك أني وضعت مالي وديعة عِنْدَهُم هَذَا غير صحيح لا ينطبق علَيْه شرعًا. فمعنى الوديعة شرعًا هُوَ أن تعطيه المال ليحفظه بعينه لا أن تعطيه مالَك يضعه فِي صندوق وينتفع به، حتى إنَّ العلَماءَ قَالُوا لو أن المودِع أذن للمودعَ بالانتفاع بالوديعة صارت قرضًا يثبت فِي ذمته.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا حكم السَّلَمِ؟
السَّلَمُ معروفٌ، وَهُوَ أن أعطي شخصًا دراهمَ نقدًا بسلعةٍ مؤجَلة، عكس الشّراء، فأعطيك مثلا عشرة آلاف ريال عَلَى أن تعطيني بعد سنة مئة كيس سكر أو سيارة وصفها كذا وكذا هَذَا لَيْسَ فِيهِ شيء؛ لأَنَّ الصّحابة كانوا يفعلونه فِي عهد الرَّسول ﷺ كانوا يسلفون فِي الثّمار السّنة والسّنتين (١)، فقال النَّبيّ ﷺ : "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (٢)، ووجه أنَه لَيْسَ فِيهِ شيء هُوَ أنَهُ لَيْسَ هناك ربحٌ مضمون لأحد الطّرفين، فأنا إِذَا أعطيتك مثلًا عشرة آلاف ريال فِي سيارة إِلَى أجل لا أدري، هل أنا الَّذي أربح أو أنت؟ لأَنَّهُ عند انتهاء الأجل يمكن أن أجد السّيارة بستة آلاف ريال ويمكن لا أجدها
стр. 245
إِلَّا بخمسة عشر ألف ريال، وَهَذا لا بُدَّ أن يقع، ونادرًا أن تكون الأسعار إِلَى سنة لا تقل، فإذا كَانَ فِي الذّمة فليس فِيهِ شيء، وَلهذا قَالَ الفقهاء: لو أَسْلَمَ فِي ثَمَرِ بستان معين مَا صح لأَنَّهُ صَارَ محله الآن البستان ولم يعد فِي الذّمة فلا بد من تمام الشّروط.
لَوْ قَالَ قَائِل: الَّذي يحتاج فلوسًا ماذا يفعل؟
قُلْنَا: إِذَا احتاج فلوسًا يأتي للواحد يقول تعال أعطنا فلوسًا بشيء مؤجل أو يشتري المواد الَّتِي يحتاج بثمن مؤجل أكثر من النّقد، وليس هذا من التَّورُّق، إِذَا اشترى السّلعة يريدها بعينها لَيْسَ تورقًا، ففي التَّوَرُّق هُوَ لا يريد السّلعة وَلهذا سمي تورقًا، مأخوذ من الوَرِق لأنَّهُ لا يريد إِلَّا الفضة.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: عجز هذه الآلهة عن فعل شيء يختص بالرُّبُوبِيَّة لقوْلِه تَعالَى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأَنَّ هَذَا الاسْتِفْهام كما قررنا بمعنى النّفي.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: ثبوت التّلازم بَيْنَ التّوحيدين: توحيد الرُّبُوبِيَّة وتوحيد الألوهية وأن من أقر بتوحيد الرُّبُوبِيَّة لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية وَهَذا المَعْنَى قرره الله تَعالَى فِي عدة آيات.
الفائِدَةُ الثَّامِنةُ: تنزيه الله عن كل نقص يؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن المُشْرِكِينَ بالله قد وقعوا فِي تَنَقُّصِ الله لقوله : ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
الفائِدَةُ العَاشِرَةُ: أن الله تَعالَى يجمع فيما وصف وسمى بِهِ نفسه بَيْنَ النّفي
стр. 246
والإثْبَات، فالنّفي فِي قوْله تَعالَى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، والإثْبَات فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشُرِكُونَ﴾.
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشرَةُ: قوة الإقناع فِي أسلوب القرآن لأَنَّ مثل هَذَا التّحدي ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هَذَا أقوى مَا يَكُون فِي الإقناع كل منهم سيكون جوابه لا.
إِذَنْ: لماذا تعبدونها مَعَ الله هل يستفاد من هَذِهِ الإنة استنباط أقسام التّوحيد الثلاثة؟ الرُّبُوبِيَّة موجودة، والألوهية مو جودة لالتزام الإقرار بالرُّبُوبِيَّة الإقرارَ بالألوهية ثمَّ إن قوْله تَعالَى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ المقصود بِهِ إبطال أُلوهيَّتهم، والأسماء والصّفات موجودة فِي قوْله تَعالَى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* * *
стр. 247
الآية (٤١)
قَالَ اللهُ : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
* * *
* قوْله : ﴿ظَهَرَ﴾ بمعنى بأن واتضح، وقوْله : ﴿الْفَسَادُ﴾ ضد الصّلاح وَهُوَ من كل شيء بحسبه ففساد الزّروع بيبسها وتلفها بالعواصف والأمطار المغرقة والبرق المتلف وَكَذلِكَ فساد المواشي بهلاكها ومرضها، وفساد الثّمار بنقصها وما أشبه ذلك، المهم الفساد فِي كل شيء بحسبه وهل الفسادُ هُنَا يراد بِهِ الفسادُ الحسي أو يشمل الفساد الحسي والمعنوي؟ الصّحيح أنَّه يشمل الفساد الحسي والمعنوي، فالحسي مَا ذكرنا أمثلته قبل، والمعنوي هُوَ كثرة المعاصي والفسوق وانتشارها بَيْنَ النَاس وعدم المبالاة بِهَا حتَّى يصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، فإن هَذَا من أعظم الفساد قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] قَالَ العلَماء لا تفسدوها بالمعاصي.
وقوْله تَعالَى: ﴿فِي الْبَرِّ﴾؛ يقول المُفَسِّر ﵀: [أي القفَار بِقَحْطِ المَطَرِ وَقِلَّةِ النَّباتِ].
البَرُّ القفَارُ، يعني الفَيافِي الخارجة عن المدن والسُّكان، وقيل المُرَاد بالبَرَّ مَا لَيْسَ ببحر فيشمل المدن والأمصار والقفار وغيرها.
стр. 248
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالْبَحْرِ﴾ أي: البلادُ الَّتِي عَلَى الأنهارِ بِقِلَّةِ مَائِهَا، فمشى المُفَسِّر ﵀ عَلَى أن المُرَاد بالبَرِّ مَا سوى العمران، والمُرَاد بالبحر العمران الَّذي عَلَى شواطئ البحار، وَبِهذَا قَالَ كثير من المفسرين ولكن الصّواب أن المُرَاد بالبر مَا سوى البحر، والمُرَاد بالبحر الماء؛ لأَنَّ مَا ذكرناه هُنَا أعم مما ذكره المُفَسِّر وغيره وَهُوَ الأظهر أيضًا، فإن البحر إِذَا أُطلقَ فِي القرآن يُراد بِهِ الماء، ففساد البر كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالقحط وقلة النّبات] وفساد النّبات أيضًا بعد وجوده؛ وَلِهَذا أرسل الله عَلَى آل فِرْعَوْنَ الجرادَ والقُمَّلَ والضَّفادع والدَّمَ، أربع آفات، الجراد يفسد الزّروع بعد خروجها ويأكلها، القمل يفسد القوت، إِذَا حصد وأُدْخِلَ جاءه القمل وَهُوَ السّوس الَّذي يتلفه فَهُوَ مَا يدخل من السّوس فِي القوت يسمونه عندنا (النّخشية) وَهِيَ عبارة عن دودة تكون فِي الحبوب فتفسده وتأكله فيكون قشورًا فقط. والضّفادع بالماء، امتلأت مياههم ضفادع حتَّى إن الإنسان لا يستطيع أن يشرب الماء بسبب الضّفادع - والعياذُ باللهِ -. والدّم: الصّحيح أن المُرَاد بِهِ النّزيف وإن كَانَ بعض العلَماء يقول إن المُرَاد بالدّم أنْ يكُونَ الماء عند آل فرعون كالدّم والصّواب أنه النّزيف لأَن الله ذكر إفساد الماء بالضّفادع فكان القوت من أوله إِلَى آخره وغايته وَهُوَ الدّم لأَنَّ الدّم يَكُون من القوت فصارت الأقوات - والعياذُ باللهِ - لا تنفعهم لا قبل دخولها أجوافهم ولا بعد الدّخول، وهذا من فساد البر.
فكيف كَانَ الفسادُ فِي البحر؟
قال العلَماء يَكُون بموتِ الحيتان وفسادها، وَكَذلِكَ تَغَيُّرُ المياه وعدم اطرادها كالعادة.
وقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾: (الباء) للسببية و (ما) يحتمل أن تكون مصدرية
стр. 249
ويحتمل أن تكون موصولة، إِذَا كانت موصولة فلا بد لها من عائد محذوف فالتّقدير بما كسبته أيدي النَّاس، وإن كانت مصدرية لا تحتاج إِلَى عائد ويكون المَعْنَى بكسب أيدي النَّاس.
وقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [من المعاصي].
وقوْله تَعالَى: ﴿أَيْدِي النَّاسِ﴾ جمع يد والمُرَاد مَا كسبوا وَهَذا من أساليب اللُّغَة العرَبِيَّة أن يعبر باليد عن صاحب اليد وليس المُرَاد مَا كسبت اليد فقط؛ لأَنَّ المعاصي لا تكون بالأيدي فَقَطْ، بل تكون باليد وبالرّجل وبالعين وباللسان وبالأذن وكل الحواس يمكن لِلإِنْسَانِ أن يعمل بِهَا المعصية فيكون المُرَاد بالأيدي هُنَا الأنفس لا اليد الَّتِي هِيَ عضو من أعضاء البدن، وليست مجازًا لأنَّهَا بسياقها دالة عَلَى أن المُرَاد مَا كسبوه فلا تكون مجازا، أمَّا قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣]، فالمُرَاد بـ ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ الأعضاء فالكلمة فِي سياقها حقيقة فِي معناها وَلِهَذا لو أراد أن يصرف قوْله تَعالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ إِلَى أن المَعْنَى أو تقطع أبدانهم مَا استطاع، كما أنَّه لو أراد أن يجعل بما كسبت أيدي النَّاس أي بما كسبت اليد نفسها فقط دون بقية الأعضاء مَا استطاع وَهَذا هُوَ وجه قول شيخ الإسْلام ابن تيمية ﵀ أنَه لا مجاز فِي القرآن ولا فِي اللُّغَة العرَبِيَّة؛ لأنَّهُ إِذَا كانت الكلمة قد تعين معناها بسياقها صارت بمقتضى هَذَا السّياق حقيقة فِي هَذَا المَعْنَى وحِينَئِذٍ لا نحتاج إِلَى تأويل.
وقوْله تَعالَى: ﴿النَّاسِ﴾ أصلها أناس لكن حذفت الهمزة للتخفيف كما هِيَ فِي قَوْلِهِ فِي شر وخير وأصلها أشر وأخير وكما هِيَ فِي قوْله تَعالَى: ﴿اللهَ﴾ فإنَّ أَصْلَهُ
стр. 250
الألاه، هكذا قيل فِي الله وفي النّفس من هَذَا شيء.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ (الياء) و (النُّون) بعض الَّذي عَمِلُواْ].
﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾: (اللام) هُنَا للتعليل والمعلل مُتَعلَّقُ هَذِهِ اللام واللام متعلقة بـ (ظهر) هَذَا هُوَ المعلل ظهر لأجل أن يذيقهم، وفيها قراءتان سبعيتان وَهِيَ (لِيُذِيقَهُمْ) (١)، مضاف فِيهَا الفعل إِلَى الله أو ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ مضاف فِيهَا الفعل إِلَى ضمير الغائب، ومع ذَلِك فإن هَذَا الغائب يعود إِلَى الله .
وقوْله تَعالَى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ يُعبر دَائِمًا بالإِذَاقَة عن الإصَابَة لأَنَّ الذّوق هُوَ أعلى أنواع الإدراك الحسي، فإن الإنسان يسمع بالشّيء ثمَّ يراه ثمَّ يذوقه، أقول لك عندي تفاحة إدراكك للتفاحة الآن بالسّماع ثمَّ أُخرجها وأريك إياها يَكُون بالرّؤية، والرّؤية أقوى من السّماع ثمَّ أُعطِيكها فتأكلها فيكون هَذَا بالذّوق وَهَذا أعلى مَا يكون؛ لأني إِذَا قلت عندي تفاحة ولم ترَها أنْتَ يحتمل أن قولي هَذَا كذب، وَإِذَا أريتك إياها ولكنك مَا ذقتها يحتمل أن تكون نباتًا آخر يشبه التّفاحة ويحتمل أن تكون من التّفاح الصّناعي الَّذي يصنعونه من البلاستيك تشاهده كأنه تفاح حقيقي، فإذا ذقتها صارت حق اليقين؛ وَلِهَذا يعبر الله دَائِمًا عن الإصَابَة بالإِذَاقَة لأنَّهَا أعلى أنواع الإدراك.
وقوْله تَعالَى: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾؛ قَالَ المُفَسِّر ﵀: أأي عقوبته، لأَنَّ الَّذي عملوا غير الفساد الظّاهر فِي البر والبحر ولكن الفساد هُوَ عقوبته.
قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: لماذا عبر عن العقوبة بالفعل؟