والإثْبَات، فالنّفي فِي قوْله تَعالَى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، والإثْبَات فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشُرِكُونَ﴾.
الفائِدَةُ الحادِيَةَ عَشرَةُ: قوة الإقناع فِي أسلوب القرآن لأَنَّ مثل هَذَا التّحدي ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ هَذَا أقوى مَا يَكُون فِي الإقناع كل منهم سيكون جوابه لا.
إِذَنْ: لماذا تعبدونها مَعَ الله هل يستفاد من هَذِهِ الإنة استنباط أقسام التّوحيد الثلاثة؟ الرُّبُوبِيَّة موجودة، والألوهية مو جودة لالتزام الإقرار بالرُّبُوبِيَّة الإقرارَ بالألوهية ثمَّ إن قوْله تَعالَى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ المقصود بِهِ إبطال أُلوهيَّتهم، والأسماء والصّفات موجودة فِي قوْله تَعالَى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
* * *
стр. 247
الآية (٤١)
قَالَ اللهُ : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
* * *
* قوْله : ﴿ظَهَرَ﴾ بمعنى بأن واتضح، وقوْله : ﴿الْفَسَادُ﴾ ضد الصّلاح وَهُوَ من كل شيء بحسبه ففساد الزّروع بيبسها وتلفها بالعواصف والأمطار المغرقة والبرق المتلف وَكَذلِكَ فساد المواشي بهلاكها ومرضها، وفساد الثّمار بنقصها وما أشبه ذلك، المهم الفساد فِي كل شيء بحسبه وهل الفسادُ هُنَا يراد بِهِ الفسادُ الحسي أو يشمل الفساد الحسي والمعنوي؟ الصّحيح أنَّه يشمل الفساد الحسي والمعنوي، فالحسي مَا ذكرنا أمثلته قبل، والمعنوي هُوَ كثرة المعاصي والفسوق وانتشارها بَيْنَ النَاس وعدم المبالاة بِهَا حتَّى يصبح المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، فإن هَذَا من أعظم الفساد قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦] قَالَ العلَماء لا تفسدوها بالمعاصي.
وقوْله تَعالَى: ﴿فِي الْبَرِّ﴾؛ يقول المُفَسِّر ﵀: [أي القفَار بِقَحْطِ المَطَرِ وَقِلَّةِ النَّباتِ].
البَرُّ القفَارُ، يعني الفَيافِي الخارجة عن المدن والسُّكان، وقيل المُرَاد بالبَرَّ مَا لَيْسَ ببحر فيشمل المدن والأمصار والقفار وغيرها.
стр. 248
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالْبَحْرِ﴾ أي: البلادُ الَّتِي عَلَى الأنهارِ بِقِلَّةِ مَائِهَا، فمشى المُفَسِّر ﵀ عَلَى أن المُرَاد بالبَرِّ مَا سوى العمران، والمُرَاد بالبحر العمران الَّذي عَلَى شواطئ البحار، وَبِهذَا قَالَ كثير من المفسرين ولكن الصّواب أن المُرَاد بالبر مَا سوى البحر، والمُرَاد بالبحر الماء؛ لأَنَّ مَا ذكرناه هُنَا أعم مما ذكره المُفَسِّر وغيره وَهُوَ الأظهر أيضًا، فإن البحر إِذَا أُطلقَ فِي القرآن يُراد بِهِ الماء، ففساد البر كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالقحط وقلة النّبات] وفساد النّبات أيضًا بعد وجوده؛ وَلِهَذا أرسل الله عَلَى آل فِرْعَوْنَ الجرادَ والقُمَّلَ والضَّفادع والدَّمَ، أربع آفات، الجراد يفسد الزّروع بعد خروجها ويأكلها، القمل يفسد القوت، إِذَا حصد وأُدْخِلَ جاءه القمل وَهُوَ السّوس الَّذي يتلفه فَهُوَ مَا يدخل من السّوس فِي القوت يسمونه عندنا (النّخشية) وَهِيَ عبارة عن دودة تكون فِي الحبوب فتفسده وتأكله فيكون قشورًا فقط. والضّفادع بالماء، امتلأت مياههم ضفادع حتَّى إن الإنسان لا يستطيع أن يشرب الماء بسبب الضّفادع - والعياذُ باللهِ -. والدّم: الصّحيح أن المُرَاد بِهِ النّزيف وإن كَانَ بعض العلَماء يقول إن المُرَاد بالدّم أنْ يكُونَ الماء عند آل فرعون كالدّم والصّواب أنه النّزيف لأَن الله ذكر إفساد الماء بالضّفادع فكان القوت من أوله إِلَى آخره وغايته وَهُوَ الدّم لأَنَّ الدّم يَكُون من القوت فصارت الأقوات - والعياذُ باللهِ - لا تنفعهم لا قبل دخولها أجوافهم ولا بعد الدّخول، وهذا من فساد البر.
فكيف كَانَ الفسادُ فِي البحر؟
قال العلَماء يَكُون بموتِ الحيتان وفسادها، وَكَذلِكَ تَغَيُّرُ المياه وعدم اطرادها كالعادة.
وقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾: (الباء) للسببية و (ما) يحتمل أن تكون مصدرية
стр. 249
ويحتمل أن تكون موصولة، إِذَا كانت موصولة فلا بد لها من عائد محذوف فالتّقدير بما كسبته أيدي النَّاس، وإن كانت مصدرية لا تحتاج إِلَى عائد ويكون المَعْنَى بكسب أيدي النَّاس.
وقوْله تَعالَى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [من المعاصي].
وقوْله تَعالَى: ﴿أَيْدِي النَّاسِ﴾ جمع يد والمُرَاد مَا كسبوا وَهَذا من أساليب اللُّغَة العرَبِيَّة أن يعبر باليد عن صاحب اليد وليس المُرَاد مَا كسبت اليد فقط؛ لأَنَّ المعاصي لا تكون بالأيدي فَقَطْ، بل تكون باليد وبالرّجل وبالعين وباللسان وبالأذن وكل الحواس يمكن لِلإِنْسَانِ أن يعمل بِهَا المعصية فيكون المُرَاد بالأيدي هُنَا الأنفس لا اليد الَّتِي هِيَ عضو من أعضاء البدن، وليست مجازًا لأنَّهَا بسياقها دالة عَلَى أن المُرَاد مَا كسبوه فلا تكون مجازا، أمَّا قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٣٣]، فالمُرَاد بـ ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ الأعضاء فالكلمة فِي سياقها حقيقة فِي معناها وَلِهَذا لو أراد أن يصرف قوْله تَعالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ إِلَى أن المَعْنَى أو تقطع أبدانهم مَا استطاع، كما أنَّه لو أراد أن يجعل بما كسبت أيدي النَّاس أي بما كسبت اليد نفسها فقط دون بقية الأعضاء مَا استطاع وَهَذا هُوَ وجه قول شيخ الإسْلام ابن تيمية ﵀ أنَه لا مجاز فِي القرآن ولا فِي اللُّغَة العرَبِيَّة؛ لأنَّهُ إِذَا كانت الكلمة قد تعين معناها بسياقها صارت بمقتضى هَذَا السّياق حقيقة فِي هَذَا المَعْنَى وحِينَئِذٍ لا نحتاج إِلَى تأويل.
وقوْله تَعالَى: ﴿النَّاسِ﴾ أصلها أناس لكن حذفت الهمزة للتخفيف كما هِيَ فِي قَوْلِهِ فِي شر وخير وأصلها أشر وأخير وكما هِيَ فِي قوْله تَعالَى: ﴿اللهَ﴾ فإنَّ أَصْلَهُ
стр. 250
الألاه، هكذا قيل فِي الله وفي النّفس من هَذَا شيء.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ (الياء) و (النُّون) بعض الَّذي عَمِلُواْ].
﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾: (اللام) هُنَا للتعليل والمعلل مُتَعلَّقُ هَذِهِ اللام واللام متعلقة بـ (ظهر) هَذَا هُوَ المعلل ظهر لأجل أن يذيقهم، وفيها قراءتان سبعيتان وَهِيَ (لِيُذِيقَهُمْ) (١)، مضاف فِيهَا الفعل إِلَى الله أو ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ مضاف فِيهَا الفعل إِلَى ضمير الغائب، ومع ذَلِك فإن هَذَا الغائب يعود إِلَى الله .
وقوْله تَعالَى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ يُعبر دَائِمًا بالإِذَاقَة عن الإصَابَة لأَنَّ الذّوق هُوَ أعلى أنواع الإدراك الحسي، فإن الإنسان يسمع بالشّيء ثمَّ يراه ثمَّ يذوقه، أقول لك عندي تفاحة إدراكك للتفاحة الآن بالسّماع ثمَّ أُخرجها وأريك إياها يَكُون بالرّؤية، والرّؤية أقوى من السّماع ثمَّ أُعطِيكها فتأكلها فيكون هَذَا بالذّوق وَهَذا أعلى مَا يكون؛ لأني إِذَا قلت عندي تفاحة ولم ترَها أنْتَ يحتمل أن قولي هَذَا كذب، وَإِذَا أريتك إياها ولكنك مَا ذقتها يحتمل أن تكون نباتًا آخر يشبه التّفاحة ويحتمل أن تكون من التّفاح الصّناعي الَّذي يصنعونه من البلاستيك تشاهده كأنه تفاح حقيقي، فإذا ذقتها صارت حق اليقين؛ وَلِهَذا يعبر الله دَائِمًا عن الإصَابَة بالإِذَاقَة لأنَّهَا أعلى أنواع الإدراك.
وقوْله تَعالَى: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾؛ قَالَ المُفَسِّر ﵀: أأي عقوبته، لأَنَّ الَّذي عملوا غير الفساد الظّاهر فِي البر والبحر ولكن الفساد هُوَ عقوبته.
قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: لماذا عبر عن العقوبة بالفعل؟
стр. 251
فنَقُول: عبَّر عن العقوبة بالفعل فِي قوْله تَعالَى: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لوجهين:
الوَجْهُ الأوَّلُ: بَيان سبب هَذِهِ العقوبة وأن سبب العقوبة هَذَا العمل.
الوَجْهُ الثَّاني: أن هَذِهِ العقوبة بقدر العمل تمامًا ولذلك عُبِّرَ عنها بالعمل إشارة إِلَى أنَّها بَقَدْرِه لَيْسَ فِيهَا ظلم، وَهَذا كثير فِي القرآن، يعبر الله تَعالَى عن العقوبة بالفعل من أجل هذين الوجهين.
وقوْله تَعالَى: ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يعني لا كله لأَنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقَالَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] وَهَذا حق لو أن الله تَعالَى عاقب النَّاس بقدر ذنوبهم مَا ترك عَلَيْهَا من دابة، كَانَ كل النَّاس يموتون ولا يبقون ولَكِنَّهُ يصيبهم ببعض ذنوبهم فقط. الحكمة قَالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ قَالَ المُفَسِّر ﵀: أيتوبون، (ولعل) هُنَا للتعليل، وكلما جاءت (لعل) فِي كلام الله فإنها للتعليل أو توقع الشّيء إِذَا كَانَ من المتوقع أي لأجل أن يرجعوا إِلَى الله وهذه من حِكم الله، أن الله تَعالَى يبتلي العباد بالضّراء لأجل أن يرجعوا إِلَى الله، وكم من إِنْسَان صارت عقوبته بالضّراء سببًا لرجوعه إِلَى ربه، بل إنَّها أحيانًا تكون سببًا مباشرًا ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢]، أين يذهبون؟ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] هَذَا رجوع لكنهم - والعياذُ باللهِ - إِذَا نجوا عادوا إِلَى كفرهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: أن الفسادَ سببه أعمال بني آدم لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي
стр. 252
النَّاسِ﴾ ويدل لهذا أيضًا قوْله تَعالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: إثْبَات العلل والأسباب وأن أفعال الله مُعَلَّلَةٌ لا بُدَّ لها من علة تؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ ولا شك أن أفعال الله تَعالَى وأحكامه مُعَلَّلَةٌ لأَنَّ من أسمائه الحكيم.
الفائدتان الثّالثَة والرّابعة: أن النَّاس لا يعاقبون إِلَّا بأسبابهم لقوْلِه تَعالَى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فيتفرع عن ذَلِك أن من أراد أن ترفع عنه العقوبة فَلْيَتُبْ إِلَى الله؛ فإن التّوبة من أسباب رفع العقوبة وجلب المثوبة وَلِهَذَا قَالَ هود لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا﴾ [هود: ٣] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، وقال نوح لقومه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١١، ١٢].
الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الجزاء من جنس العمل وبقدر العمل؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: بطلان مذهب الجبرية، فالجبرية يقُولونَ إن الإنسان مجُبَر عَلَى عمله لا يفعل باختياره ولا يُضاف الفعل إِلَيْهِ إِلَّا عَلَى سبيل المجاز، فيُقَال صام، زكَّى مجازا لا حقيقة، الآية الكريمة تَرُدُّ عَلَيْهِم من وجهين:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قوْله تَعالَى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ فأضاف الكسب إِلَى أيدي النَّاس.
стр. 253
الوَجْهُ الثَّاني: أن الله تَعالَى عاقبهم عَلَى هَذَا الفعل ولو كانوا مجبرين علَيْه لكانت عقوبتهم ظلما لَهُم، إذ كَيْفَ يعاقبون عَلَى مَا لَيْسَ باختيارهم.
ففيها رد من وجهين؛ وجه لفظي وَهُوَ إضافة الكسب إِلَى أيديهم، ووجه معنوي وَهُوَ أنَّه يلزم من عقوبتهم عَلَى ذَلِك لو كانوا مجبرين أنْ يكُونَ الله تَعالَى ظالِمًا لهم، والله تَعالَى لَيْسَ بظلام للعبيد وَكَذلِكَ أيضًا يؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿عَمِلُوْا﴾ حيث أضاف العمل إليهم.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: بَيان سَعَةِ رحمة الله وأن رحمته سبقت غضبه؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾، ولو أن الغضب كَانَ بقدر الرّحمة لكان الله يذيقنا كل الَّذي عملنا، ولو كَانَ غالبا للرحمة لكان يذيقنا أكثر مما عملنا، فالأمور ثلاثة: إذاقة البعض أو المثل أو الأكثر، والمثل أو الأكثر ممتنع، وَإنَّمَا يذيق الله تَعالَى البعض لأَنَّهُ ثبت فِي الحديث الصّحيح: "أن الله تَعالَى كَتَبَ كتَابًا عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِى" (١)، ولولا هَذَا لكان الله تَعالَى يؤاخذ النَّاس بما عملوا.
الفائدتان الثّامنة والتّاسعة: أن العقوبات قد تَكُون سَبَبًا للرجوع إِلَى الله لقوْلِه تَعالَى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ كما أنَّها قد تكون بالعكس، أي: قد تَكُون سَبَبًا للازدياد فِي العتو والنّفور - والعياذُ باللهِ - يدل عَلَى ذَلِك قوْله تَعالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، والجمع بَيْنَ هَذِهِ الآية والآية الَّتِي تفسرها أن العقوبات عَلَى سبيل العُمُوم مفيدة لكن عَلَى سبيل الخصوص قد لا تفيد؛ لأَنَّ الله تَعالَى قَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ عَلَى أن قوْله تَعالَى: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ يحتمل أن يراد بِهَا فتنة الدِّين بحيث
стр. 254
لا يَكُون عنده مقاومة فيقع فِي الهاوية - والعياذُ باللهِ - لكن الأظهر أنَّها عامة ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
* * *
стр. 255
الآية (٤٢)
* قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٤٢].
* * *
* قال المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ﴾ لكفار مكَّة ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾].
الخطاب فِي قوْله تَعالَى: ﴿قُلْ﴾ للرسول ﵊ ويحتمل أنْ يكُونَ لَهُ ولكل من دعا إِلَى شريعته ودعا النَّاس إِلَى الاتعاظِ والاعْتِبار.
وقوْله تَعالَى: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ السَّير معناه المشي و ﴿فِى﴾ بمعنى (على) يعني عَلَى الأرْض وليس المُرَاد فِي داخلها وقِيلَ: إن ﴿فِى﴾ للظرفية، وإن الظّرف يختلف بحسب المظروف وبحسب الظّرف أيضًا يعني مثلًا إِذَا قلنا الماء فِي الكوز صَارَ فِي جوف الكوز، هُوَ والكأس أو الطّاسة أو القدر فهنا صَارَ الماء فِي جوفه، وَإِذَا قلنا الكتابة فِي الورق اختلف، وَإِذَا قلنا الوجه فِي المرآة اختلف، فيرى بعض العلَماء أن ﴿فِى﴾ هنَا للظرفية ولكن ظرف كل شيء بحسبه، والسّير المأمور بِهِ هُنَا لا أحد يتصور أن المُرَاد احفروا لكم خندقًا فِي الأرْض وادخلوا فِيهِ لا أحد يتصور هَذَا فهنا وجهان فِي كلمة ﴿فِى﴾:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أن تُجعل بمعنى (على) سيروا عَلَى الأرْض أي عَلَى ظاهرها.
стр. 256
الوَجْهُ الثَّاني: أن تُجعل ﴿في﴾ للظرفية ويُقَال إن الظّرفية فِي كل مكان بحسبه هَذَا تفسير ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
وهل المُرَاد السّير بالأقدام أو السّير بالعقول والتّفكير؟
يشمل السّير بالأبدان بأن يذهب الإنسان إِلَى مساكن القوم ليتعظ ويعتبر أو السّير بالقلوب بأن يقرأ تواريخهم وأحداثهم حتَّى يعتبر بها، وكم من سير بالقلب صَارَ أعظم من السّير بالقدم ولكن السّير بالقدم لأجل التّفرج والنّزهة هَذَا محرم كما يفعله بعض النَّاس الآن، يذهبون إِلَى ديار ثمود من أجل التّفرج والنّزهة والاطِّلاع عَلَى مَا لهم من قوة سابقة مَعَ أن الرَّسول ﷺ يقول: "لا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاءِ القَوْمِ إِلا وَأنتُمْ بَاكُونَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلا تَدْخُلُوهَا" (١)، أين الَّذِين يذهبون إِلَى ديار ثمود وهم يبكون والرَّسول ﷺ لما مر بِهَا فِي ذهابه إِلَى تبوكَ مشى مسرعًا وقَنَعَ رأسه: نَزَلها ﵊ وأسرع وَعَلَى هَذَا فنقول إِذَا سرت فِي أرض هَؤُلاءِ المعاقبين فسر سير متعظ معتبر كما أمر النَّبيّ ﵊.
قوْله تَعالَى: ﴿فَانْظُرُواْ﴾ نظر اعتبار وتفكر أو نظر عين؟
عَلَى حسب مَا قلنا فِي السّير إن كَانَ سيرًا بالقدم فَهُوَ نظرٌ بالعين، وإن كَانَ سيرًا بالقلب فَهُوَ نظر بعين البصيرة: التّفكر والتّامل، ويمكن أن نقول أيضًا حتَّى إِذَا فسرنا السّير هُنَا بالسّير الحسي عَلَى الأقدام فإِنَّهُ لا بُدَّ أنْ يكُونَ مقرونًا بالنّظر بعين البصيرة والاعْتِبار إذ النَّظر بالعين المجردة لا يفيد شيئًا.
стр. 257
قوْله تَعالَى: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾: ﴿كَيْفَ﴾ محلها النّصب خبرًا لـ ﴿كَانَ﴾ مقدمًا، و ﴿عَاقِبَةُ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾ والجملة مُعَلِّقَة عن العمل مُعَلِّقة لكلمة (انظروا) الجملة المعَلِّقة فِي تأويل الاسم المفرد والتّقدير فانظروا حالهم كَيْفَ كان.
وقوْله تَعالَى: ﴿عَاقِبَةُ﴾ هُنَا مصدر وَلِهَذا ذُكِّرَ الفعل أي بمعنى عقبى.
قوْله تَعالَى: ﴿مِنْ﴾ حرف جر ﴿قَبْلُ﴾ مبنية عَلَى الضّم لقطعها عن الإضافة حُذِف المضاف ونوي معناه فتبنى عَلَى الضّم لأنهم يقُولونَ فِي (قبل) و (بعدُ) إن وجد المضاف لفظا فهي معربة غير منونة، وإن حذف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة، هذان حالان متقابلان إِذَا وجد المضاف إِلَيْهِ فهي معربة غير منونة، تقول أتيت من قَبْلِ زيد ومن بَعْدِه، وَإِذَا حُذِفَ الضاف لفظًا ومعنى فهي معربة منونة، وَإِذَا حُذِفَ المضافُ إِلَيْهِ ونوي لفظه فهي معربة غير منونة كما لو وجد لفظه، وَإِذَا حذف المضاف إِلَيْهِ ونوي معناه فهي مبنية عَلَى الضّم ولها أربع حالات.
قوْله تَعالَى: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ كأن الإنسان يتوقع ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أهلكوا وأتلفوا وما أشبه ذَلِك ولكن البيان جاء عَلَى غير المتوقع ماذا تتوقع أنْتَ لما قالَ الله تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر: ٤٤]؟ تتوقع أهلكناهم ودمرناهم وما أشبه ذَلِك؛ لأَنَّ هَذِهِ عاقبتهم لكن جاء الأمر عَلَى خلاف المتوقع ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ جاء مبيِّنًا لسبب هَذِهِ العاقبة لأنَّهَا هِيَ الحال الَّتِي عَلَيْهَا هَؤُلاءِ المكذبون وَهُوَ الشّرك يعني فأنتم الآن مشركون وهم كانوا مُشْرِكِينَ فدمروا، فمعنى ذَلِك أن عاقبتكم أنتم ستكون مثلهم مآلها التّدمير والهلاك، وَهَذا من بلاغة القرآن أن الله تَعالَى ذكر سبب هلاك أولئك القوم.
стр. 258
الَّذي كَانَ علَيْه الآن هَؤُلاءِ المخاطبون، هَؤُلاءِ المخاطبون الآن مشركون كانوا عَلَى الشّرك إِذَنْ إِلَى الآن مَا وجدوا العاقبة، لكن إِذَا علموا أن سبب عاقبة هَؤُلاءِ هُوَ الشّرك فلا شك إِذَا كَانَ لَهُم عقول أن ينتهوا عن الشّرك.
قوْله تَعالَى: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [فَأُهْلِكُوا بِإشْرَاكِهِمْ، ومَسَاكِنُهُمْ وَمَنَازِلهمْ خَاوَيةٌ].
قوْله تَعالَى: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ ظاهر الآيَة الكريمة أن البعض الآخر وَهُوَ الأقل لم يكن مشركا، وهاهنا إشكال هل أُهلك الموحدون مَعَ المُشْرِكِينَ مَعَ أن الله تَعالَى ذكر فِي آيات كثيرة فِي الأمم السّابقة، قَالَ تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٦٤] وقال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزمر: ٦١]، فظاهره أن المؤْمِنينَ لم يهلَكوا أو نقول: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ باعتبار القادة والرّؤساء الَّذِين يعرفون أنهم عَلَى شرك، أمَّا العامة الَّذِين لا يدرون فهم تابعون وراضون وإن لم يكن عِنْدَهُم شرك لكن هم يظنون أن هَذَا هُوَ الحق، فأي الاحتمالين أولى، أو احتمال ثالِث أن يُقَال إن الله تَعالَى أمرنا أن ننظر كَيْفَ كانت عاقبة السّابقين، وَإِذَا نظرنا وجدنا أن أكثرهم مشرك فأُهلك، وأن المُؤْمِن نجا فيكون فِي هَذَا تحذيرٌ من الشّرك وترغيب فِي الإيمان والتّوحيد فها هُنَا ثلاثة احتمالات:
الاحْتِمال الأول: أن الجميع أُهلك، وَهَذا يشكل علَيْه آيات كثيرة بأن الله تَعالَى أنجى المُؤْمِنِينَ.
الاحْتِمال الثّاني: أن المُرَادُ بقوْله تَعالَى: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ الَّذِين يعرفون أنهم عَلَى شرك دون الغوغاء والعامة الَّذِين لا يدرون مَا هم علَيْه وَإنَّمَا هم أتباع كل ناعق.
стр. 259
الاحْتِمال الثّالث: أن يُقَال العاقبة حميدة وذميمة، والله يقول: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ ونحن نعلم أن من حكمة الله غَزَّ وَجَلَّ أن يجازي المشركَ عَلَى شركه والمُؤْمِنَ عَلَى إيمانه، وحِينَئِذٍ يَكُون فِي الآية ترغيب فِي الإيمان والتّوحيد وترهيب عن الشّرك والكفر، فأي الاحْتِمالات أولى؛ الظّاهر أن الأخير أولى يعني أن ينظروا كَيْفَ كانت عاقبة السّابقين، وأن من كَانَ مشركًا منهم أُخذ بشركه، ومَنْ كَانَ مؤمئا نُجِّيَ بإيمانه من أجل أن يؤمنوا هم ومن أجل أن يثبت المُؤْمِنُونَ من هَذِهِ الأمة عَلَى إيمانهم.
وقول المُفَسِّر ﵀: [فَأُهْلِكُوا بِإِشْرَاكِهِمْ وَمَسَاكِنُهُمْ وَمَنَازِلهمْ خَاوَيةٌ] هَذَا هُوَ الواقعُ فمثلًا قوم صالح، صالح والَّذِين معه نجوا، وقومهم أخذتهم الرَّجْفَةُ والصَّيْحَةُ ﴿فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨﴾، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، تجدها الآن خاوية ولم تُسكن فيما نعلم بعدهم، مَا سُكنت إِلَى الآن.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: الأمر بالاعْتِبار بما جرى للسابقين لقوْلِه تَعالَى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أنَّه ينبغي لِلإنْسَانِ أنْ يقرأَ كُتُبَ التّاريخ الماضية للاعتبار، ولكن كما نعلم جميعًا كتب التّاريخ بعضها مزيف لَيْسَ عَلَى حقيقته فمصدر التّاريخ فِي الأمم السّابقة مَا أخبر الله بِهِ ورسوله، قَالَ الله تَعالَى فِي سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [التوبة: ٧٠]، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩] فنفى أنْ يكُونَ لأحدٍ علمٌ بِهِ إِلَّا الله.
стр. 260
إِذَنْ: من أين نأخذ أخبارهم مَا دام أنَّه لا يعلمهم إِلَّا الله؟ نأخذها من الله إمَّا من الكتاب أو من السّنة.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أن أسباب هلاك الأمم السّابقين كانت إشراك أكثرهم لقوْلِه تَعالَى: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.
الفائِدَةُ الرابعةُ: أن العقوبة إِذَا حلت قد تصيب الصّالح وغيره لأَنَّهُ قَالَ: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني والبعض لم يشرك ومن ذَلِك قوْله تَعالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقد ينجي الله المؤْمِنينَ كما أنجى الله تَعالَى الرُّسل ومن آمن معهم.
* * *
стр. 261
الآية (٤٣)
قَالَ اللهُ : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣].
* * *
* قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ دِين الإِسْلامِ].
أقم الخطاب للرسول ﷺ أو لكل من يتوجه إِلَيْهِ الخطاب، وقد سبق توجيه القول الأول إِذَا جعلنا الخطاب للرسول ﷺ فإما أنْ يكُونَ المُرَاد بِهِ الرَّسول نفسه وتكون أمته تبعًا لَهُ، وإما أن يُراد بِهِ الرَّسول والأمة، لكن خوطب بِهِ الرَّسول لأنَّهُ زعيمُهم وإمامهم.
وقوْله تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ هل المُرَاد بالوجه الاتجاه أو المُرَاد الوجه الحسي الَّذي فِي الرّأس؟
الظّاهر أن المُرَاد الاتجاه؛ لأَنَّ الوجه يراد بِهِ الجهة كما قَالَ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] لأنَّهُ سبق أن فِيهَا قوليْن للمفسرين:
* قولٌ أن المُرَاد بِهِ وجه الله الحقيقي.
* وقول أن المُرَاد بِهِ الجهة.
ولا شك أن الوجه يراد بِهِ الجهة، وَإِذَا قلنا إن المُرَاد بالوجه الجهة، اتجاهك للدين شمل مَا إِذَا كَانَ الوجه الحسي فيما يطلب مِنْهُ الاتِّجاه للقبلة مثلًا.
стр. 262
وقوْله تَعالَى: ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ المُرَاد بالدّين هُنَا العمل وقد سبق أن الدّين فِي القرآن يراد بِهِ العمل والجزاء فقوْله تَعالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] وقوْله تَعالَى: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ [الانفطار: ١٨] المُرَاد بالدّين الجزاء وأما قوْله تَعالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقوْله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فالمُرَاد بِهِ العمل كما فِي هَذِهِ الآية.
وقوْله تَعالَى: ﴿الْقَيِّمِ﴾ القيم ضد المعوج كما قَالَ تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١]، يعني قَيِّمًا، فدينُ الإسْلام دين مستقيم لَيْسَ فِيهِ اعوجاج لا بالنّسبة لمعاملة الله وَهِيَ العبادة ولا بالنّسبة لمعاملة المخلوق، وَلِهَذا تجد فِي المعاملات حرم الكذب والغش والخديعة وما أشبه ذَلِك، وحرم الجور والظّلم، وتحريم تفضيل الأولاد وما أشبه ذَلِك؛ لأَنَّ كل هَذَا خلاف الاستقامة، وفي العبادات حرم الشّرك والابْتداع لما فِي ذَلِك من الانحراف عن الصّراط المستقيم.
لَوْ قَالَ قَائِل: قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] هل يشمل الأَعمال الظّاهرة والباطنة؟
قوْله تَعالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] هَذَا يشمل العقيدة ويشمل الأَعمال الظّاهرة، مثل الإسْلام إِذَا قرن بالإيمان كَانَ الإسْلام للأعمال الظّاهرة والإيمان للأعمال الباطنة، وَإِذَا أفرد أحدهما شمل الآخر.
قال المُفَسّر ﵀: [﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ وَهُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾]، قوْله تَعالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ متعلق بـ (أَقِمْ) يعني أقمه من قبل هَذَا اليوم.
стр. 263
وقوْله تَعالَى: ﴿يَوْمٌ﴾ نُكر للتعظيم لأَنَّ هَذَا اليوم كما وصفه الله تَعالَى فِي قوْله تَعالَى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٥، ٦].
وقوْله تَعالَى: ﴿مَرَدَّ﴾ هَذَا مصدر ميمي أي لا رد لَهُ، يعني لا يمكن أن يرد هَذَا اليوم لأَنَّ الله تَعالَى قضى به.
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنَ اللهِ﴾ متعلقٌ بصفة لـ (يوم) يعني من قبل أن يأتي يَوْم من الله، يعني هَذَا اليوم من الله لا من غيره، ويحتملُ أنْ يكُونَ متعلقًا بـ ﴿يَأْتِى﴾ أن يأتي من الله يَوْم، والأَول أبلغ أنْ يكُونَ صفة لـ (يوم) لأَنَّ كونه من الله يدل عَلَى عظمته وأنه لا يمكن أن يرد هَذَا اليوم.
وقوْله تَعالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ إِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الآيَة خوطب بِهَا النَّاس فِي عهد الرَّسول ﷺ ومعلوم أن القِيَامَة لا تكون فِي عهد الرَّسول ﷺ فكيف قَالَ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾؟
فالجوابُ: أنَّ الموتَ واقعٌ حتَّى فِي عهد الرَّسول ﷺ ومن مات قامت قيامته وانقطع عمله ولا فرق بَيْنَ من يموت فِي ذَلِك الوقت وبين من يموت وَهُوَ آخر النَّاس موتًا بالنّسبة لانقطاع العمل كل منهم انقطع عمله، فكأن من يموت فِي عهد الرَّسول ﷺ كأنه بلغ يَوْم القِيَامَة؛ وَلِهَذَا يقول العلَماء: إن موت الإنسان قيامة بالنّسبة إِلَيْهِ وَهُوَ قيامة صغرى بالنّسبة إِلَى عُمُوم النَّاس لأَنَّ العمل انقطع وانتهى.
وقوْله تَعالَى: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يفيد بأن هَذَا أمر لا بُدَّ أن يقع وَهُوَ كَذَلِكَ فإن يَوْم القِيَامَة هُوَ الَّذي من أجله خُلق النَّاس، خلق النَّاس لعبادة الله، وجزاؤها يَكُون يَوْم القِيَامَة.
стр. 264
قوْله تَعالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فيه إدغام التّاء فِي الأَصل فِي الصّاد ومعناه يتفرقون بعد الحساب إِلَى الجنَّةَ والنّار].
قوْله تَعالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: (إذ) منونة والتّنوين هُنَا عِوَضٌ عن جملة يعني يَوْم إذ يأتي يَصَّدَّعُونَ، ويقول المُفَسِّر ﵀: [فيه إدغام التّاء فِي الأَصل فِي الصّاد] أي أن أصلها يتصدعون، فقوله: [إدغام التّاء فِي الأصل] أي باعتبار الأصل يعني أن الصّاد الَّتِي أدغمت فِي أختها أصلها تاء فأدغمت فِيهَا بعد قلبها صادًا ومعنى يَصَّدَّعُونَ يتفرقون، فالتَّصَدُّعُ التّفرق ومنه تَصَدُّعُ الأرْضِ لأَنَّ تَصَدُّعَهَا تَفَرُّق.
من فوائد الْآيَةَ الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: وجوب الاتِّجاه إِلَى الدّين؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ ويلزم من وجوب الاتِّجاه إِلَيْهِ وجوبُ الإعراضِ عما سواه؛ لأَنَّ الوجهة واحدة، إمَّا إِلَى هُنَا وإما إِلَى هُنَا، فإذا لزم أن تتجه إِلَى الدّين لزم أن تنحرف عن غيره.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: تحريم الحكم بِغَيْر مَا أنزل الله لأَنَّهُ مخالَف للاتجاه للدين القيم والحكم بِغَيْر مَا أنزل الله مِنْهُ مَا يَكُون كفرًا ومنه مَا يَكُون فسقًا ومنه مَا يَكُون ظلمًا كما ذكر الله تَعالَى ذَلِك فِي سورة المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وفي الآية الثّانية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وفي الآية الثَّالثة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وهذه الأوصاف تتنزل عَلَى حال الحاكم فقد يَكُون كافرًا أو ظالمًا أو فاسقًا.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أن هَذَا الدِّينَ قيَم، ومعنى قيم: معتدل لا اعوجاج فِيهِ فِي جانب العبادة ولا فِي جانب المعاملة.
стр. 265
الفائِدَةُ الرابعةُ: أنَّك إِذَا ظننت أن فِي الدِّين مَا يخالِف الاستقامة فاعلم أنَّك قاصر إمَّا فِي علمك وإما فِي فهمك وجه ذَلِك أن الله وصف هَذَا الدّين بِأنَّهُ قيم، كل شيء تستعرضه فِي دين الله فيبدو لك أنَّه لَيْسَ عَلَى الاستقامة فاعلم أنَّك مخطئ لقصور علمك أو لقصور فهمك، والإنسان يؤتى من هاتين النّاحيتين إمَّا لقصور علمه يعني لَيْسَ عنده علم، وإما لقصور فهمه عنده علم لكن لا يفهم.
الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه ينبغي لمن أَمَرَ بشيء أن يذكر مَا يُغْرِي بِهِ وُيرَغِّبُ فِيهِ، يؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿الْقَيِّمِ﴾ فالإنسان إِذَا عرف أن الدِّين قيم لا شك أنَّهُ يتجه إِلَيْهِ، فأنت إِذَا أردت أن تأمر بشيء فاذكر الأسباب الَّتِي توجب للناس الإقبال علَيْه بأوصافه المحبوبة وثمراته الحميدة.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: الجمع بَيْنَ التّرغيب والتّرهيب: التّرغيب فِي قوْله تَعالَى: ﴿الْقَيِّمِ﴾ والتَّرهيب فِي قوْله تَعالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: إثْبَات يَوْم القِيَامَة وأنه آتٍ لا محالة لقوْلِه تَعالَى: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
الفائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن يَوْم القِيَامَة يَوْم عظيم يؤخذ من تنكير ﴿يَوْمٌ﴾ فِي قوْله تَعالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ والتّنكير يفيد التّعظيم، ويدل لعظم هَذَا اليوم قوْله تَعالَى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦].
الفائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الحكم لله لقوْلِه تَعالَى: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ فلا أحد يستطيع أن يمنع مَا أراد الله ولا أن يجلب مَا لم يُرِدِ الله أبدًا "اللهم لا مانِعَ
стр. 266
لما أعطيتَ ولا مُعْطيَ لما مَنَعْتَ ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" (١).
الفائِدَةُ العَاشِرَةُ: أن النَّاس يَوْم القِيَامَة ينقسمون ويتفرقون، لقوْلِه تَعالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾.
* * *
أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، وقال : ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وثبت عن النَّبيّ ﵊ أَنَّ "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (١).
فإذا قِيلَ: هل هَذَا يناقض الآية ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفرُهُ﴾؟
فالجوابُ: لا يناقضها لأنهُ إِذَا كَانَ هُوَ السّبب فإن ذَلِك من عمله لكن صورة المَسْأَلة مختلفة أنَّه عمل غيره وعمل نفسه، إنما حقيقة الأمر أن الدّال عَلَى الكفر فاعل لما يؤزر عليه.
قوْله تَعالَى: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفرُهُ﴾ الكفر فِي اللُّغَة العرَبِيَّة هُوَ السّتر ومنه الكُفُرَّى الَّذي هُوَ غلاف طَلْعِ النّخل، فالكفر فِي الأصل هُوَ هَذَا والمُرَاد بِهِ الخروج عن طاعة الله، لأَنَّ الخارج عن طاعة الله قد ستر مَا أنعم الله بِهِ علَيْه من العقل والعِلْم وما أشبه ذلك.
وقوْله تَعالَى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ قَالَ أهل العلم: العمل الصّالِح هُوَ مَا جمع شرطين أساسيين أحدهما الإِخْلاص والثّاني المتابعة للرسول ﷺ ، والإِخْلاص ضده الشّرك، والمتابعة ضدها الابتداع فمثلًا إِذَا وجدنا رجلًا يصلي الصّلاة المعتادة لكِنَّهُ يرائي النَّاس بِهَا فعمله لَيْسَ بصالح لأنه فقد الإِخْلاص، وَإِذَا وجدنا رجلًا قد أحدث نوعًا من العبادات لم يُرِدْ بِهِ الشّرع لكِنَّهُ مخلص يريد بِذَلِكَ وجه الله وتجده خاشعًا يبكي ويتأثر بهذه العبادة لكنها عَلَى غير شريعة الله فَهَذَا عبادته باطلة،
стр. 269
لفقد المتابعة للرسول ﷺ .
ومن ذَلِك مَا إِذَا أخرج العبادات المشروعة عما شرعت عليه، وَهِيَ عبادة مشروعة فِي الأصل لكن أخرجها عما كانت علَيْه، فإِنَّهُ لا يُقبل عمله كما لو صلى الصّلاة بعد خروج وقتها متعمدًا بدون عذر فَهَذَا لا يقبل مِنْهُ لأَنهُ لا توجد متابعة هُوَ مخلص لكِنَّهُ غير متابع، وَكَذلِكَ لو صلى صلاة لا يطمئن فِيهَا إِذَا قَالَ: (سمع الله لمن حمده) سجد بسرعة إِذَا قَامَ من السّجود سجد الثّانية بسرعة فصلاته باطلة، لو صلى إِلَى يَوْم الدّين مَا قَبِلَ الله مِنْهُ لعدم المتابعة، وَلهذا لما صلى رجل صلاة لا يطمئن فِيهَا قَالَ لَهُ الرَّسول ﷺ : "ارْجعْ فَصَلّ فَإِنَّكِ لَمْ تُصَلّ" (١)، فنفى عنه الفعل لانتفاع صحته وإلَّا فإِنَّهُ قد صلى لكنها ليست صلاةً، ولو سألتَهُ لماذا صليتَ؟ قَالَ: مَا صليتُ إِلَّا لله، لكِنَّهُ خَالَفَ أمْرَ الله.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل هَذَا يُنافي الإِخْلاص؟
قُلْنَا: لا ينافي الإِخْلاصَ، فالإِخْلاصُ فِي القلب، وَهُوَ مَا قَامَ يصلي من أجل النَّاس، ولا همُّه النَّاس، فَهُوَ صلى لله، لَكِنَّهُ خالَف أمر الله.
لَوْ قَالَ قَائِل: هل يلزم المصلي أن يفقَه مَا يقولُ؟
قُلْنَا: لَيْسَ بلازم لكِنَّهُ أفضل إِذَا فقه مَا يقول، فإذا كَانَ قلبه حاضرًا يعني خاشعًا فِي صلاته وحاضر القلب فَهُوَ أفضل.
وهل المصلي يَكُون خشوعه فِي أمور داخلَ الصَّلاة أم خارجَها؟
стр. 270
الجوابُ: يخشع فِي أمور داخل الصَّلاة يعني يستحضر مَا يقول فِي صلاته وما يفعل فِي صلاته، فمثلًا لا يذهب يتذكر جلسة كَانَ خاشعًا فِيهَا فيما سبق.
لو قِيلَ: المصلي قد يتذكر القبور والجنة والنار، فهل يصح؟
الجواب: لا يصح إِلا إِذَا مرَّتْ بِهِ أثناء قراءته.
قوْله تَعالَى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ المهد والتَّمهيد بمعنى التوطئة، ومنه قولهم هَذَا طريق مُمَهَّدٌ يعني موطأ مُحَسَّن لأجل أن تطأه الأقدام فمعنى ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أي يحسنون الشيْءَ حتَّى يَكُون موطئًا لَهُم، وَذَلِكَ لأَنَّ الذِّين يعملون صالحًا يتوصلون بعملهم الصَّالِح إِلَى دخول الجنَّةَ فيسهل لَهُم الطَّرِيقِ الَّذي يوصلهم إليها.
وقوْله تَعالَى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ تقديم المعمول يفيد الحَصْرَ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هل هَذَا ينافي مَا ثبت فِيهِ الحديث من أن "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الإسْلامِ فلَهُ أَجْرُها وأجْرُ مَنِ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم القِيَامَةِ" (١)؟
قُلْنَا: لا ينافيه؛ لأَنَّ الَّذِين يسنونَ الحسناتِ عملوا فتُوبِعُوا عَلَى ذَلِك، فالأجر الّذي حصل لَهُم من أجل اتباع غيرهم لَهُم هُوَ فِي الحقيقة من فعلهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: الجمعُ بَيْنَ التَّرغيب والتَّرهيب، فالتّرهيب في قوْله تَعالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ والتَّرغيب فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أن شؤم الكافر لا يتعداه إِلَى غيره؛ لقوْلِه تَعالَى: ﴿مَن كَفَرَ
стр. 271
فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وتقديم الخبر يدل عَلَى الحصْرِ.
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: أنَّه لا يتم الثّواب إِلَّا بالعمل الصّالِح المبني عَلَى أمرين وهما الإِخْلاص لله تَعالَى والمتابعة لرسوله ﷺ لقوْلِه تَعالَى: ﴿وَمَن عَمِلَ صَلِحًا﴾.
الفائِدَةُ الرابعةُ: أن الحزْمَ والكِيَاسَةَ فِي العمل الصّالح لقوْلِه تَعالَى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾؛ لأنهم إِذَا فعلوا ذَلِك استراحوا فِي المستقبلِ إذ إنهم وطئوا لأنفسهم منزلًا هُوَ خير المنازل، وقد ذكرنا الجمع بَيْنَ قوْله تَعالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وبين قوله ﷺ : "مَنْ سَنَّ فِي الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"، وقوْله تَعالَى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقوْله تَعالَى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] وذكرنا فِي الجمع أنهم هم السَّبَبُ.
* * *
стр. 272
الآية (٤٥)
* * *
* قال اللهُ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾ [الروم: ٤٥].
قوْله تَعالَى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [مُتَعَلّقٌ ب ﴿يُصَدَّعُونَ﴾]، دَائِمًا نرى العلَماء إِذَا جاء ظرف أو جار ومجرور يقُولونَ متعلِّق بكذا.
فما معنى قولهم مُتَعلِّق؟
يعني أن هَذَا هُوَ الَّذي عمل فِيهِ لأَنَّ الجارَّ والمجرورَ والظَّرْفَ بمنزلة المفعول به، والمفعول بِهِ لا بُدَّ لَهُ من عامل يعمل به، فإذا قِيلَ: (متعلق بكذا) يعني أن هَذَا هُوَ الَّذي عمل فيه، ولا بد لكل جار أو ظرف لا بُدَّ لَهُ من متعلق، قَالَ الناظمُ ﵀ (١):
لابُدَّ للجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بِفْعِلٍ أوْ مَعْنَاهُ نَحْوَ مُرْتَقِي
فيكون معنى قوله: [متعلق ب ﴿يُصَدَّعُونَ﴾، أن العامل فِي كلمة ﴿لِيَجْزِيَ﴾ قوْله تَعالَى: ﴿يُصَدَّعُونَ﴾ وَهَذا رأي المُفَسِّر، ويحتمل أنْ يكُونَ مُتَعَلّقًا بقوله ﴿يَأْتِيَ﴾ في: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لأَنَّ التَّصدُّعَ فِي الحقيقة هُوَ
стр. 273
نفس الجزاء، فكيف يَكُون الشَّيء علة لنفسه؟ ! هَذَا مَا يبعد كلام المُفَسِّر ﵀، لكن إِذَا قيل يأتي هَذَا اليوم لأجل المجازاة صَارَ المَعْنَى مستقيمًا وواضحًا.
فإذا قُلْنَا: إن هَذِهِ اللام فِي قوْله تَعالَى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ - لأَنَّ اللام حرف جر - متعلقة ب ﴿يَأْتِيَ﴾ فَهُوَ أوضح من قولنا أنَّها متعلقة بـ ﴿يُصَدَّعُونَ﴾؛ لأَنَّ نفس التَّصَدُّعَ والتّفريق إِلَى الجنَّةَ وإلى النّار هُوَ نفس الجزاء.
وقال بعض المعربين إنَّه خبر لمبتدأ محذوف، فَهُوَ متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوفٍ، والتّقدير ذَلِك ليجزي والمشار إِلَيْهِ مَا سبق، وَهَذا أيضًا وجيه جدًّا أن يُجعل متعلقًا بمحذوفٍ خبرًا لمبتدأ محذوفٍ.
قُلْنَا: إن اللام فِي قوْله تَعالَى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ حرف جر، والمعلوم أن حروف الجر لا تدخل إِلَّا عَلَى الأسماء، ومن علامات الاسم الجر، ومن أسبابه دخول حرف الجر علَيْه، صاحب الأجروميَّة يقولُ (١): (الاسْمُ يُعْرَفُ بِالخَفْضِ، وَالتَّنْوِينِ، وَدُخُولِ الأَلِفِ وَاللَّامِ، وَحُرُوف الخَفْضِ ... )، فكيف صحَّ أن نقول إن اللام فِي قوْله تَعالَى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ حرف جر مَعَ أنَّها داخلة عَلَى فعل؟
فنَقُول: لأَنَّ هَذَا الفعل بمنزلة الاسم، إذ إِنَّه فعل مُقَدَّرٌ فِيهِ (أَنْ) لأَنَّ التّقدير لأَنْ يجزيَ، و (أنْ) مصدرية تحول الفعل إِلَى مصدر، والمصدر اسم، وعليه فيكون المَعْنَى لجزاء الَّذِين آمنوا وعملوا الصّالحات إِلَى آخره، فإذا دخلت اللام: لام التّعليل عَلَى الفعل، فإِنَّهُ يقدر بينها وبين الفعل أن المصدرية، والتّقدير: لأَنَّ يجزي فالفعل منصوب بـ (أن) مضمرة بعد اللام، واللام جارة لما بعدها باعتبار أن الفعل سيكون مصدرًا، فهي نفسها حرف جر وَهِيَ نفسها لام التّعليل الَّتِي يُنْصَب الفعل المضارع
стр. 274
بـ (أن) بعدها عَلَى رأي البصريين، فاللام واحدة ولام التّعليل كما تدخل عَلَى الأفعال تدخل عَلَى الأسماء، فلو قلت: (جئت لإكْرَامِكَ) فهي لام التّعليل، وتقول: (جئت لأُكْرِمَكَ) هِيَ لام التعليل.
وقوْله تَعالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الفاعل: فاعل الجزاء هُوَ الله وَهُوَ ضمير مستتر يعود عليه.
وقوْله تَعالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجزاء بمعنى المكافأة يعني ليكافئهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يُثيبَهُمْ]، هَذَا تفسير للجزاء بمعنى الإثابة والثّواب هُوَ المكافأة وسمي ثوابًا لأنهُ من ثاب يثوب إِذَا رجع لأنَّه يرجع إِلَى الإنسان جزاء عمله.
وقوْله تَعالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ انتبه لهذين الشّرطين، إيمان، وعمل صالح، فالإيمان وحده لا يكفي، والعمل الصّالِح وحده لا يكفي، هَذَا إِذَا قُرن الإيمانُ بالعمل، أمَّا إِذَا قِيلَ: عمل صالِح يكفي، أو إيمان يدخل فِيهِ العمل، والإيمان يَكُون بالقلب، فمن لا إيمان فِي قلبه لو عمل من الصّالحِات مهما عمل لم ينفعه، والمنافق يذكر الله ويصلي وينفق وربما يخرج فِي الجهاد ولا ينفعه عمله، لَأنَّهُ لا إيمان فِي قلبه، الإنسان الَّذي عنده إيمان بالله لكِنَّهُ لم يعمل عملًا صالِحًا يمكن أن يُجزى إِلا فِي واحدة فقط وَهِيَ الصّلاة، فإِنَهُ إِذَا لم يعملْها لا ينفعه إيمان لأنَّهُ قد دلت الأدلة عَلَى أن هَذَا العمل وإن كَانَ عملًا بدنيا لكِنَّهُ يَكْفُرُ الإنسان بتركه كفرًا مخرجًا عن الملة، أمَّا غير الصّلاة من الأعمال فقد قَالَ عَبْدُ الله بْنُ شَقِيقٍ: "كَانَ أصحاب النَّبيِّ ﷺ لا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ إِلَّا الصّلاةَ" (١)، يعني لو لم يُزكِّ
стр. 275
فإنَّهُ لا يخرج من الإِيمَان، لو لم يَصُمْ فإِنَّهُ لا يخرج من الإِيمَان، لو لم يَحُجَّ فإنَّهُ لا يخرج من الإِيمَان، هَذَا هُوَ الصّحيح، وعن الإِمَام أحمد رواية أن جميع أركان الإسْلام إِذَا تركها الإنسان متهاونًا فَهُوَ كافر، فإذا لم يُزَكِّ فَهُوَ كافر، إِذَا لم يَصُمْ فَهُوَ كافر، إِذَا لم يَحُجَّ فَهُوَ كافر، يقول: لأَنَّ الرُّكنَ علَيْه الاعتماد، ركن الشّيء علَيْه اعتماد الشّيء، فإذا لم يوجد الرّكن مَا قَامَ الشّيء، وَهَذا لا شك أن لَهُ وجهًا لكن الأدلة تمنع من القول بِهَذا، فإن حديث أبي هريرة الصّحيح فيمن لا يؤدي زكاته، ذكر النَّبيّ ﷺ عقوبته ثمَّ قَالَ: "ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ" (١)، فَهَذَا يدلُّ عَلَى أنَّه لا يكفر بمنع الزّكاة، وجهه لأنهُ لو كفر بِذَلِكَ مَا كَانَ لَهُ سبيل إِلَى الجنَّةَ، وَهَذا واضح، فإذا لم يكفر بترك الزّكاة فما دونها من باب أولى، ولا شك أن أركان الإسْلام الَّتِي دون الزّكاة أنَّها دونها فالصِّيام دون الزّكاة والحج دون الزَّكاة.
فَإِنْ قَالَ قَائِل: مَا تَقُولُونَ فِي قوْله : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٧]، فإن ظاهره من كفر فلم يحج فإن الله غنيٌّ عن العالمين؟
فالجوابُ: إن المُرَاد بالكفر هُنَا سوى الكفر الأكبر يعني كفر دون كفر، وَلِهَذا لم يقل ومن لم يحج فَهُوَ الكافر، أو وتَرْكُ الحج هُوَ الكفر كما قَالَ فِي الصّلاة، و (كَفَرَ) فِعْلٌ، والفعل يدل عَلَى الإطلاق ولا يدل عن العُمُوم، فَهَذَا الجواب عن هَذِهِ الآية، والَّذِين قَالُوا إِنه يكفر بترك الحج احتجوا بهذه الآية، وأما قول عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا" (٢)، هَذَا يُقَال من باب
стр. 276
التّهديد أو أن هَذَا رأي لَهُ، وَهَذا أيضًا إن صح الحديث؛ لأَنَّ فِي الحديث مقالًا، لكن إن صح فَهُوَ يُحمل عَلَى أن المُرَاد أن هَذَا من باب التّحذير أو أنَّه رأي لَهُ كما رآه غيره من أهل العلم.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: حديثُ مَنْ لَمْ يَغْزُ ولَمْ يحدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً (١). كَيْفَ نُجِيبُ عَلَى هَذَا الحديث؟
قُلْنَا: لا يمنع أن الإنسان يموت ميتة جاهلية لأنَّهُ فعل فعلًا من أفعال الجاهلية حيْثُ لم يَقُمْ بواجب الجهاد.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائِدَةُ الأولَى: إثْبَاتُ العِلَلِ فِي أفعال الله لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد انقسم النَّاس فِي هَذَا إِلَى ثلاثة أقسام:
* قسم: أنكروا العلل فِي أفعال الله وفي شرعه وقَالُوا إِنَّه يفعل مَا يشاء ويحكم بما شاء بدون أي علة أو حكمة كالجبرية.
* وقسم آخر: أثبتوا العلل فِي أفعال الله وقَالُوا إن الله تَعالَى لا يفعل إِلَّا لحكمة ولا يشرع إِلَّا لحكمة، لكنهم جعلوا تلك العلل موجبة وقَالُوا يجب علَيْه أن يفعل كذا لكذا، وهَؤُلاءِ المعتزلة.
* وقسم ثالِث: توسطوا وقَالُوا أفعال الله تَعالَى لحكمة وشرائعه لحكمة لكن ليست هَذِهِ الحكمة موجبة بل الَّذي أوجب عَلَى نفسه الحكمة هُوَ الله، والحكمة من
стр. 277
مقتضى اسمه الحكيم فتكون واجبة ليست بإيجاب أحد ولكنها بمقتضى كونه حكيمًا هُوَ الَّذي أوجبها عَلَى نفسه وَهَذا القول هُوَ الصّحيح وَإِذَا قلنا بِهِ فإننا لا يمكن أن نعترض عَلَى أي حكم من أحكام الله كونيا كَانَ أم قدريا لأننا نعلم أن الَّذي أوجب أن تقترن أفعاله وشرائعه بالحكم هُوَ الله لا نحن فلا نقول: إن الله يجب علَيْه فعل الأصلح ولا فعل الصّلاح إيجابًا مستقلًّا عن إرادته وَهَذا القول هُوَ الحق.
إِذَنْ: نأخذ مِنْهُ أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها معللة بالحكمة بمقتضى اسمه الحكيم.
الفائِدَةُ الثَّانيَةُ: أن الجزاءَ لَيْسَ واجبًا عَلَى الله لقوْلِه تَعالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ لكِنَّهُ أوجبه عَلَى نفسه لقوْلِه تَعالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] أوجبه هُوَ عَلَى نفسه وَلِهَذا قَالَ الشّاعر (١):
مَا لِلْعِبَادِ علَيْهِ حَقٌّ وَاجِب .. كَلَّا وَلا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرِيمُ الوَاسِعُ
وابن القيم ﵀ نظم معنى هذين البيتين لكِنَّهُ علل فقال (٢):
مَا لِلْعِبَادِ علَيْهِ حَقٌّ وَاجِب ... هُوَ أَوْجَبَ الأَجْرَ العَظِيمَ الشَّانِ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ... فَبِفَضْلِهِ وَالفَضْلُ لِلْمَنَّانِ
فقيد المطلق فِي البيتين السّابقين أنَّه هُوَ الَّذي أوجب ذَلِك تَفَضُّلًا مِنْهُ .
стр. 278
الفائِدَةُ الثَّالثةُ: إثْبَات المحبة لله تؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ لكن هَذَا نفي كَيْفَ نأخذ مِنْهُ الإثْبَات؟
لأَنَّهُ إِذَا انتفى محبته عن الكَافِرِينَ لزم محبته للمؤمنين، فإن لم يكن، لم يكن فرق بَيْنَ المؤْمِنينَ وبين الكَافِرِينَ، لو كانت المحبة منتفية فِي هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مَا كَانَ بينهم فرق، وَلِهَذا استدل أهل العِلْم عَلَى إثْبَات رؤية الله بقوْله تَعالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، قَالُوا: فلما حجب هَؤُلاءِ فِي حال السّخط دل عَلَى أَنه لا يحجب الآخرون فِي مقام الرّضا.
إِذَنْ: نأخذ من هَذِهِ الآيَة إثْبَات المحبة وَهِيَ كما سبق الكلام علَيْه صفة ثابتة لله عَلَى وجه الحقيقة وليست بمعنى الثّواب ولا إرادة الثّواب، وإِنَّمَا ذَلِك من لازمها ومقتضاها إِذَا أحب قومًا أثابهم ولا يثيبهم إِلَّا بإرادة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
الفائِدَةُ الرابعةُ: الحث عَلَى الإِيمَان والعمل الصّالِح، الله جَلَّ وَعَلَا مَا قَالَ آمِنُوا واعْمَلُوا، لكنْ ذِكْرُ الجزاءِ يستلزم الحث عَلَى الفعل، وَهَذا أحد الطّرق الَّتِي يُستدل بِهَا عَلَى أن الشّيء مأمور بِهِ، لا تظن أن الشّيء المأمور بِهِ هُوَ مَا جاء بصيغة الشّيء افعل، بل الأمر يستفاد من عدة أمور، فإذا ورد التّرغيب فِي شيء فَهُوَ مأمور به.
الفائِدَةُ الخَامِسَةُ: ذم الكفر يؤخذ مِنْ قوْلِه تَعالَى: ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فإذا نفى الله المحبة عن هَؤُلاءِ فإِنَّهُ يقتضي ذم عملهم.
الفائِدَةُ السّادِسَةُ: أن الحكم إِذَا علق بمشتق - وهذه فائدة أُصُوليَّة - فَهُوَ دليل عَلَى أن ذَلِك المشتق هُوَ علة فِي الحكم، مثلَا قوْله تَعالَى: ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فالعلة هُنَا كفرهم، أي أن الحكم بعدم حبهم عُلق عَلَى وصفِ هُوَ كفرهم.
стр. 279
إِذَنْ: فالكفر علة انتفاء المحبة.
وكما لو قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾ [الصف: ٤] فالعلة فِي المحبة هِيَ القتال فِي سبيله صفًّا.
وهكذا كُلُّ حُكْمِ معلَّق بمشتق فإنَهُ يدل عَلَى عِلِّية ذَلِك الشَّيء.
الفائِدَةُ السّابِعَةُ: اعتبار اللازم بمعنى أَنَّه اِذَا لزم من الشَّيء كذا وكذا فإنَّهُ يثبت هَذَا اللازم تبعًا لثبوت الملزوم، فمثلًا لاحِظ فِي المؤمِنينَ قَالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مَا قَالَ إنَّه يحب أو لا يحب الكَافِرِينَ قَالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فالمقابل: أنَّه لا يحب الكَافِرِينَ، فالَّذي يلزم مِنْهُ ألا يجزيَهم من فضله وإنَّمَا يعاملهم بعدله، فعقاب الكَافِرِينَ مأخوذ من لازم انتفاء المحبة.
ودلالة التَّلازم هَذِهِ مفيدة جدًّا لطالب العلم، ومعناها أنَّه يلزم من كذا وكذا، كذا وكذا، لكن لا بُدَّ من شرطين:
الشّرط الأول: أنْ يكُونَ اللازم صحيحًا، فإن كَانَ اللازم فاسدًا فإنَّهُ لَيْسَ بلازم حتَّى لو ادعى الإنسان أنَّه لازم فليس بلازم.
الشّرط الثّاني: أنْ يكُونَ ذَلِك فِي كلام الله وكلام رسوله ﷺ .
أما الشرط الأول - أنْ يكُونَ التلازم صحيحًا - فإننا نحترز بِهِ عما إِذَا كَانَ التلازم غير صحيح، مثلَا أهل التعطيل الَّذِين أنكروا الصّفات أو بعضها، شُبْهَتُهُمْ فِي الإنكار قَالُوا إنَّه يلزم التَّمثيل، لكن هَذَا اللازم لَيْسَ بصحيح؛ ولذلك لا نقول إنَّه يلزم من إثْبَات الصِّفات التَّمثيل لأَنَّهُ لَيْسَ بلازم.
في كلام الله وكلام رسوله إِذَا كَانَ اللازم صحيحًا فَهُوَ حق ويكون النَّص دالًّا
стр. 280
علَيْه، لكن فِي كلام غيره لا يَكُون اللازم قولا لصاحب القول الملزوم، وَلِهَذا العلَماء عِنْدَهُم ترجمة فِي هَذِهِ المسألة: (هلْ لازِمُ القَوْلِ قَوْلٌ أَوْ لَيْسَ بِقَوْلٍ؟ ) فمنهم من قَالَ إن لازم القول لَيْسَ بقول، ومنهم من قَالَ إن لازم القول قول.
والصّحيح أن لازم القول فِي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قول لكن بشرط أنْ يكُونَ اللازمُ صحيحًا، ويكون قولًا لأَنَّ الله يعلم مَا يترتب عَلَى كلامه من اللوازم وَإِذَا لم ينفها الله دل ذَلِك عَلَى ثبوتها، لكن الإنسان البشر لا يعلم دوما مَا يلزم عَلَى قوله، فأحيانًا يقول الإنسان قولا يظنه صوابًا ويكون هَذَا القول يلزم مِنْهُ لزوما صحيحًا حقيقيًّا أمور فاسدة لو نبَّهَ القائل لها لرجع عن قوله؛ فلذلك نقول إن لازم القول فِي غير كتاب الله وسنة رسوله لَيْسَ بقول، صحيح أنَّه يستدل بِهِ عَلَى بطلان القول لكن مَا يُقَال إنَّه قول فلان.
فالحاصِلُ فِي هَذِهِ المسألة: أنَّه ينبغي التّنبه لها، وَإنَّمَا نقول بِذَلِكَ لأَنَّ الإنسانَ بشرٌ لا يحيط بما يستلزمه كلامه من اللوازم الصّحيحة أو اللوازم الباطلة، الآن نرى كثيرًا مَا يأمر الإنسان بشيء أو ينهى عن شيء فِي أولاده ثمَّ إِذَا فعلوه علم أنَّه يستلزم مفسدة فيرجع عنه، هَذَا اللازم هل كَانَ عالمًا بِهِ من قبل؟ لو كَانَ عالمًا مَا أمرهم، وكثيرًا مَا ينهاهم عن شيء ثمَّ إِذَا تركوه رأى فِي ذَلِك مفسدة يعني استلزم مفسدة مَا كَانَ يعلم بِهَا حين النّهي فتجده يرجع، فلازم القول فِي كتاب الله وسنة رسوله قول لكن بشرط أنْ يكُونَ التّلازم صحيحًا، أمَّا فِي غيره فليس كَذَلِكَ، لَيْسَ بقول.
* * *
стр. 281
الآية (٤٦)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦].
* * *
* قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾: ﴿مِنْ﴾ للتبعيض و ﴿آيَاتِهِ﴾ مجرور بـ (من) و ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ فعل مُؤَوَّلٌ بالمصدر هُوَ المبتدأ، أي من آياته إرسال الرّياح ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرِّياح].
يقول الله فِي هَذِهِ الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي بعض آياته لأَنَّ ﴿مِنْ﴾ هُنَا للتبعيض؛ وَذَلِكَ لأَنَّ آيات الله لا يمكن إحصاؤها ولا حصرها.
فَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أنَّه وَاحِدُ (١)
لو أراد الإنسان أن يحصي آيات الله الَّتِي فِي جسمه هُوَ فقط مَا استطاع إِلَى ذَلِك سبيلًا، فكيف بآيات الله تَعالَى الَّتِي ملأت الكون؛ وَلِهَذا تأتي ﴿مِنْ﴾ الدّالة عَلَى التّبعيض.
وقوْله تَعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي علاماته واعلم أن كل آية فإنها تدُلّ عَلَى العِلْم وتدل عَلَى القُدْرَة وتدل عَلَى الحكمة، لا بُدَّ من ذَلِك فِي كل آية أنَّها تكون آية وعلامة عَلَى هَذِهِ الأمور الثّلاثة: العِلْم والقُدْرَة والحكمة، ثمَّ تختص بعض الآيات
стр. 282
بما تختص به، إمَّا أن تكون الآية الَّتِي بعدها آية رحمة أو بعدها شيء يدل عَلَى السّلطان والعظمة.
والمُهِمُّ: أن لكل آية معنى خاصًّا ومعنى عامَّا، فالمعنى العام هُوَ هَذِهِ الثّلاثة: العِلْم والقُدْرَة والحكمة، فقوْله تَعالَى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ يضاف إِلَى هَذِهِ الثّلاث الرّحمة لأَنَّ هَذِهِ الرّياح تبشر بالمطر وقوْله تَعالَى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ الإرسال بمعنى الإطلاق ومنه قول الشّاعر (١):
فَأَرْسَلَهَا العِرَاكُ ... .... ... ..
يعني أطلقها، ومنه قول الفرضيين: (دَيْنٌ مُرْسَلٌ) يعني مطلقا لَيْسَ بِهِ رهن فقوْله تَعالَى: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ أي يطلقها ، والرّياح جمع ريح وَهِيَ الأهوية، واعلم أن الرّيح تُذْكَرُ مفردةً وتذكر مجموعةً، فإذا ذكرت مجموعة فإنها تكون غالِبًا للرحمة، وإِذَا ذُكرت مفردةً فإنها تكون غالِبًا للعقاب كما فِي قوْله تَعالَى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ [الحاقة: ٦]، قَالَ (ريح)، وقوْله تَعالَى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ [الذاريات: ٤١]، وقوْله تَعالَى: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]، وما أشبه ذَلِك، ولكنها أعني الرّيح قد تُفرد وتكون فِي مقام النّعمة لا سِيَّما إِذَا وصفت بما يدل عَلَى ذَلِك.
كما فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، فالرّيح هُنَا عقوبة نعمة، وَإنَّمَا كانت نعمة لأنَّهَا وصفت بقوْله تَعالَى: ﴿طَيِّبَةٍ﴾، أما بالنّسبة للسفن فالأَوْلَى اتحاد الرّيح لا اختلافها؛ لأنَّهَا إِذَا اختلفت اختلف سير السّفينة، وفي الماضي
стр. 283
لما كانت السّفن شراعية كانت الرّياح فِي مقام النّعمة وَلِهَذا جمعت.
قوْله تَعالَى: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ مبشرات حال من الرّياح أي تبشر بالخير وَلِهَذا بعض الرّياح إِذَا هبت استبشر النَّاس لأَنَّ الله أجرى العادة أن هَذِهِ الرّيح المعينة يتكون منْهَا السّحاب ثمَّ المطر، وأحيانا يستبشرون بالرّيح إِذَا رأوها تجمع السّحاب، تجمعه وتكثفه، استبشروا بها.
وقوْله تَعالَى: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ البشارة هِيَ الإخبار بما يسر غالبًا، وسميت بشارة لأنَّهَا تؤثر عَلَى البشرة، فالإنسان إِذَا استبشر ينيرُ وجهُه ويُسْفرُ وتجدُ علَيْه علامة البشرى، وقد تطلق البشارة بما يسوء كقوْله تَعالَى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ معنى لِتبشِّرَكُمْ بِالمَطَرِ].
فسر المُفَسِّر ﵀ اسم الفاعل بالفعل المعلل، وقَالَ: [بمعنى لِتبشِّرَكُمْ] لأجل أن يسهل العطف فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ لأَنَّ ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ يجد الإنسان بَيْنَهُما فجوة، هَذِهِ الفجوة أراد المُفَسِّر أن يقربها بقوله: [بمعنى ليُبَشّرَكُمْ بها]، ولكن الصّحيح عندي أن المبشرات عَلَى حالها تعتبر اسمًا ولكننا نقدر فعلًا يناسب مَا بعده لأجل أن يصح عطف الفعل علَيْه، والَّذي أرى أن يقدر: [﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ لتستبشروا بِهَا ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أو نجعل لتبشركم كما قَالَ المُفَسِّر ﵀ لا نجعلها بمعنى مبشرات بل نجعلها فعلًا مستقلًّا قدرناه ليصح العطف فِي قوْله تَعالَى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بِهَا ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ المَطَر والخِصْب].
стр. 284
تقدم أن الله تَعالَى يعبر عن الإصَابَة بالإِذَاقَة لأنَّهَا أعلى أنواع الإصَابَة وأبلغها ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بِهَا ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾.
يقول المُفَسِّر ﵀: [المطر والخصب] ففسر الرّحمة بأثرها، وَعَلَى هَذَا فلا تكون الرّحمة مخلوقة وليست صفة من صفات الله، وَهَذا الَّذي فسرها بِهِ محتمل لأَنَّ الله قد يطلق الرّحمة عَلَى الشّيء المخلوق الَّذي يَكُون من آثار رحمته كما ثبت فِي الحديث الصّحيح أن الله قَالَ للجنة: "أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ" (١)، ومن المعلوم أنَّه لم يُرِدْ أنَّها رحمته الَّتِي هِيَ صفته؛ لأَنَّ الجنَّةَ مخلوق بائن دائم ولكن أراد أنَّها من أثر رحمته أو مقتضى رحمته، فهنا يصح أن نقول: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي من هَذَا المطر والخصب وتكون الرّحمة هُنَا مخلوقة من المخلوقات.
وإن جعلناها الصّفة فهي للابتداء يعني ليذيقكم نعمة صادرة من هَذِهِ الرّحمة.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ السُّفُنُ بِهَا ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإرادته (﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الرِّزق بالتِّجارة فِي البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾].
قوْله تَعالَى: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ يقول ﵀: [السُّفُنُ بها] الضّمير يعود عَلَى الرّياح، فالله تَعالَى يرسل الرّياح لتسير بِهَا المياه فِي أجواء السّماء وَهُوَ السّحاب ويرسل الرّياح لتسير بِهَا السّفن فِي البحار، وكُلٌّ من السّحاب ومن السّفن يحمل نعمًا كثيرة، السّفن تحمل الأرزاقَ والأَنَاسِيَّ والحيوانَ وغيرَها، والسُّحب تحمل الماء الَّذي هُوَ مادة الحياة، ﴿الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨، ٦٩] [الواقعة: ٦٨ - ٦٩] ففي الرّياح إِذَنْ فائدتان:
стр. 285
- تسيير السُّحب فِي أجواء السّماء.
- وتسيير السُّفن فِي أجواء البحار.
وقوْله تَعالَى: ﴿الفُلْكُ﴾ تصلح للجمع وللمفرد، وَهَذا فِي القرآن موجود، مثالهُا للجماعة قوْله تَعالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢]، هَذَا جمع؛ لأَنَّهُ قَالَ: ﴿فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ لم يقل فِي الفلك وجرى، وقوْله تَعالَى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] أيضًا جمع، ومثالها للمفرد قوْله تَعالَى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، قَالَ: ﴿الَّتِي﴾ ولم يقل اللاتي، وقد ذكر الفقهاء أن الأحدب ينوي الرّكوع بقلبه، فالأحدب لَيْسَ بقائمٍ حتَّى يركع، بل ينويه بقلبه، قَالَ بعض الفقهاء: فَهُوَ شبيه للفُلْكِ فِي اللُّغَة العرَبِيَّة يعني انحناء هَذَا الأحدب شبيه بالفلك فِي اللُّغَة العرَبِيَّة، مَا يُعرف إِلَّا بالنِّية، فالفلك صالِح للمفرد وللجماعة ولا يعرف إِلَّا بالنّية أو القرينة، وكَذَلِكَ الأحدب فِي حال الرّكوع، فما الَّذي يُعلمنا أنَّه راكع أو غير راكع فركوعه وقيامه سواء.
ويمكن أن يستدل بمَسْأَلة الأحدب عَلَى مَا ذُكر عن الكسائي أنَّه قَالَ: إن الإنسان إِذَا أتقن شَيْئًا من العِلْم أمكنه أن يفهم غيرَه من العلوم (١)، وذكروا قصة أنَّه كَانَ هُوَ وأَبو يوسفَ عند الرَّشِيدِ - أحد خلفاء بني العباس - وأنهم تناظروا فِي مَسْألة فقال أَبو يوسف للكِسَائِيِّ: مَا رأيك لو سها الإنسان فِي سجود السَّهْوِ، هل نَحْوُكَ يعلمك بحكم هَذِهِ المسألة؟ قَالَ: نعم إِذَا سها فِي سجود السّهو فإِنَّهُ لا يسجد، قَالَ: أين تجد هذا فِي نحوك؟ قَالَ: عندنا قاعدة فِي النّحو أن المصغر لا يصغر، فاستدل بأن سجود السّهو صلاة مصغرة فإذا سها فِيهِ فإِنَّهُ لا يصغر مرة ثانية، وهل هَذَا