في الطاء
٩٨ - قوله تعالى: (جَعَلَهُ دَكًّا)، أي: دَكَّه دَكًّا. ومن قرأ (دَكَّاءَ) كان التقدير: جعله مثل دكاء، وهي الناقة التي لا سنام لها.
١٠٢ - قوله تعالى: (أَفَحَسِبَ)، أي: أَفَظَن الكفار. (أَنْ يَتَخِذُوا عِبَادِي) وهي الأصنام. قال الأصم: (أَفَحَسَبَ) وهي قراءة أُبي بن كعب، بنصب السين، يعني: أَظَن الكفار. وقرأ علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، بإسكان السين ورفع الباء، أي: كفاهم مني ومن طاعتي أن يعبدوا من دوني أربابًا؟.
стр. 177
ومن سورة مريم ﵍
١ - قوله تعالى: (كهيعص)، عن ابن عباس: أن (كاف) من كريم، و (هاء) من هاب، و (ياء) من حكيم، و (عين) من عليم، و (صاد) من صادق. وقرأ أبو عمرو (ها) (يا) بالتفخيم والإمالة، وإمالة هذه الحروف لا تمتنع؛ لأنها ليست بحروف معنى، وإنما هي من أسماء ما يتهجى به، فلما كانت أسماء غيرَ حروف جازت فيها الإمالة، ويدل على أنها أسماء أنها إذا أخبرت عنها أعربت كما أن أسماء العدد إذا أخبرت عنها أعربت، وكما أن أسماء العدد قبل أن تعربها أسماء، كذلك هذه الحروف.
٦ - قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ)، بالرفع من صفة الولي، كأنه
стр. 178
قال: وليًّا وارثًا، فيصح الشرط بأن تقول: إن وهبت ويرث. قال ابن عباس: يرث النبوة: يكون نبيّا كما كانت آباؤه أنبياء علمه ونبوته. والجزم جواب الأمر؛ لأنه أراد بالولي وليًّا وارثًا فيصح الشرط.
٨ - قوله تعالى: (عُتِيًّا)، و (وَبُكِيًّا)، و (جُثِيًّا)، يجوز فيها الكسر أيضا، وذكرنا وجهه في قوله: (مِنْ حُلِيِّهِمْ) و (حِلِيهِمْ).
٩ - قوله تعالى: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ)، من قبل يحيى. وقرأ حمزة والكسائى (خَلَقْنَاكَ) أراد: لكثرة ما جاء من لفظ الخلق مضافًا إلى لفظ الجمع، كقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ)، في مواضع (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكمْ).
٢٣ - قوله تعالى: (نِسْيًا مَنْسِيًّا)، النًسيُ: ما أُغْفل من شيءٍ حقير ونُسِيَ.
стр. 179
قال ابن عباس وقتادة: شيئًا متروكًا لا يذكر ولا يطلب. وقرأ حمزة وحفص (نَسْيًا) بالفتح. قال الفراء: هما لغتان مثل: الوَتْر والوِتْر. والنَّسي والنِّسي: ما تلقيه المرأة من خِرَق اعتلالها.
٢٤ - قوله تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا)، وكان أسفل منها تحت الأكمة. ومن قرأ (فَنَادَاهَا مَنْ تَحْتَهَا) قال: هو عيسى، وهو قول مجاهد والحسن، بين الله لها الآية في عيسى، وكلَّمها ليزولَ ما عندها من الوحشة والجزع.
٢٥ - قوله تعالى: (تَسَّاقَطْ)، أي: تتساقط، فأدغمت التاء في السين، ومعناه: تُسقِط عليك النخلة. وقرأ حمزة (تَساقَطْ) مخففا حذف التاء التي أدغمها غيره وروى حفص عن عاصم (تُسَاقِطْ) على
стр. 180
وزن (تُفاعِل)، وساقط بمعنى أسقط. والمساقطة والتساقط على ما قلنا بمعنى الإسقاط.
٣٤ - قوله تعالى: (قَوْلُ الْحَقِّ)، أي: القولُ الحَق، والمعنى: هذا الكلام قولُ الحقِّ، يعني ما ذكر من صفته، وأنه ابن مريم قولُ الحق. ومن نصب (قَوْلَ الْحَقِّ) فهو نصب على المصدر، أي: قال قولَ الحق.
٣٦ - قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ رَبِّي)، هذا إخبار عن عيسى أنه قال ذلك المعنى، ولأن اللهَ ربي وربُّكم، ويجوز أن يرجع إلى قوله: (أَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ)، وبأن الله ربي وربكم. ومن كسر جعله استئنافًا من غير عطف.
٥١ - قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ [مُخْلِصًا)]، أي: أخلص العبادة. ومن قرأ (مُخْلِصَا) فهو الذي أخلصه الله من الدنس.
٦٣ - قوله تعالى: (نُورِثُ)، يعني: الجنة التي ذكرها الله، وذلك
стр. 181
أن الله يورث عباده المؤمنين من الجنة، ويجوز أن يكون معنى (نُورِثُ) نعطيهم ذلك، وننزلهم إياها، ويكون كالميراث لهم من جهة أنها تمليك مستأنف.
٦٧ - قوله تعالى: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ)، أَوَلا يتذكر هذا الجاحد أول خلقه فيستدل بالابتداء على الإعادة.
٧٣ - قوله تعالى: (خَيْرٌ مَقَامًا)، وقرئ (مُقَامًا)، بضم الميم، وهما: المنزل والسكن.
٧٤ - قوله تعالى: (أَثَاثًا وَرِئْيًا)، قال الحسن: الأثاث: اللباس، والرئي: المنظر. وقرأ أهل الشام (وَرِيَّا) بغير همز. قال الزجاج: له تفسيران، أحدهما: أنه الأول بطرح الهمزة. والثاني: من الري الذي
стр. 182
هو ضد العطش، والمراد به: أن منظرهم مرتوٍ من النعمة، كان النعيم بين فيهم؛ لأن الري يتبعه الطراوة كما أن العطش يتبعه الذبول. والمعنى: أن الله قد أهلك قبلهم أقوامًا كانوا أكثرَ متاعًا وأحسنَ منظرًا.
٩٠ - قوله تعالى: (يَنْفَطِرْنَ مِنْهُ)، أي: يدنو من الإنشقاق. وقرئ (يَتَفَطَّرْنَ) وكلاهما واحد. يقال: اتفَطَر الشيءُ وتَفَطر إذا انْشَق.
٩٧ - قوله تعالى: (لِتُبَشِّرَ)، وقرئ (لِتَبشُرَ) وهو من البِشْر. والتبَشر من التبشير.
* * *
стр. 183
ومن سورة طه
١٢ - قوله تعالى: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ)، وقرأ أبو عمرو (أَنِّي) بالفتح على معنى: نُودِيَ بأَني. ومن كسر فالمعنى: نُوديَ فقيل: إِئي أَنَا رئك.
٣١ - قوله تعالى: (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي)، أي: قَوِّ ظهري. وقرأ ابن عامر (أَشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) على الجواب والمجازاة، والوجه الدعاء على ما قرأ به العامة؛ لأنه معطوف على ما تقدمه من قوله (رَبِّ اشْرَحْ لِي)، فكما أن ذلك كله دعاء، فكذلك ما عطف عليه.
٥٨ - قوله تعالى: (مَكَانًا سُوًى)، وقرأ أبو عمرو والكسائي (سِوًى) بالكسر، والمعنى: مكانًا تستوي مسافته على الفريقين، فتكون
стр. 184
مسافة كل فريقِ إليه كمسافة الفريق الآخر. وقال أبو عثمان المازني: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقرأت عليه سورة طه فقرأت (مَكَانًا سِوًى) فقال لي: (سُوًى)، اقرأ قراءة يعقوب.
٦١ - قوله تعالى: (فَيَسْحَتَكُم بِعَذَابٍ)، (فَيُسْحِتَكُمْ) بالضم في الياء: كوفي. يقال: سَحَتَهُ الله وأسْحَتَهُ إَذا استَأصَلَه وأهْلَكَهُ. قال ابن عباس ومجاهد: فيُهلككم. وقال قتادة: فيستأصلكم.
٦٣ - قوله تعالى: (إِنْ هَذَانِ)، يَعْنُونَ: موسى وهارون. قال ابن عباس في رواية عطاء: هي بلغة بلحارث بن كعب يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظٍ واحدٍ، يقولون: أتاني الزيدان، ومررت بالزيدان، ورأيت الزيدان. وقرأ أبو عمرو (إِنَّ هَذَينِ) بالياء بخلاف المصحف، أواحتجاجه في، ذلك بما روي: أنه
стр. 185
غلط من الكاتب، وأن في الكتاب غلطًا ستقيمه العرب بألسنتها. قال الزجاج: ولا أجيز هذه القراءة؛ لأنها بخلاف المصحف، ولا أجيز مخالفته؛ لأنَّ اتباعه سنة. وقرأ ابن كثير (إِنْ هَذَانِ) بتخفيف (إِنْ) على معنى: ما هذان إلا ساحران. و (إِنْ) إذا خففت كان الوجه أن تَرْفَع الاسم بعدها. واستحسن الزجاج هذه القراءة.
стр. 186
٦٤ - قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا)، قال الفراء: الإجماع: الإحكام والعزيمة على الشيء. وقرأ أبو عمرو (فَاجْمَعُوا) موصولا من الجمع، وحجته قوله: (فَجَمَعَ كَيْدَهُ). يقال: أجمعت الخروج وعلى الخروج، مثل: أزمعتُ.
٦٩ - قوله تعالى: (كَيْدُ سَاحِرٍ)، أي: إنَّ الذي صنعوه كيدُ ساحر. وقرأ حمزة والكسائي (كَيْدُ سِحْرٍ) والمعنى: كيدٌ مِنْ سِحْرٍ، كما قالوا: قميصُ حريرٍ وثوبُ خزٍّ.
٦٩ - قوله تعالى: (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا)، قال الزجاج: القراءة بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال، كأنه قال: أَلْقِها مُتَلَقِّفَةً.
٧٧ - قوله تعالى: (لَا تَخَافُ دَرَكًا)، لا تخاف أن يدركك فرعون من خلفك، (وَلا تَخْشَى) من البحر غرقا. وقرأ حمزة (لَا تَخَفْ) جزمًا
стр. 187
على النهي له من الخوف، ومعناه: لا تخف أن يدركك فرعون، واستأنف قوله: (وَلا تَخْشَى)، على معنى: وأنت لا تخشى، كقوله (يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ).
٨١ - قوله تعالى (فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِى)، أي: تجب لكم عقوبتي. وقرأ الكسائي (فَيَحُلَّ عَلَيْكُم) بضم الحاء، والمعنى أن ينزل. (وَمَنْ يَحْلِلْ) بالكسر والضم. قال الفراء: الكسر أحب إليَّ من الضم؛ لأن الضم من الحلول بمعنى: الوقوع، و (يَحِلُّ) بالكسر: يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع، هذا كلامه. و (يَحِلُّ) بالكسر من قولهم: حَلَّ الشيءُ يَحِل حِلًّا وحَلالًا: إذا انحلت عنه عقدة التحريم.
٨٧ - قوله تعالى: (بِمَلْكِنَا)، أي: نحن لا نملك من أمرنا شيئًا. وأكثر القراءة (بِمِلْكِنَا) بكسر الميم، والمعنى: بمِلكنا أمرنا. ومن قرأ بفتح الميم فهو المصدر الحقيقي. يقال: ملكت الشيء أمْلِكُهُ مَلْكًا، والمِلك ما مُلِك. ومن قرأ بالضم فمعناه: بقدرتنا وسلطاننا، أي: لم نقدر بمُلكنا على ردّهم.
٨٧ - قوله تعالى: (وَلكِنَّا حَمَلْنَا)، أي: أثقالا وأحمالا. وقرئ
стр. 188
(حُمِّلْنَا) بالتشديد وضم الحاء، والمعنى: جعلونا نحملها وكُلِّفْنَا حَمْلَهَا.
٩٦ - قوله تعالى: (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً)، يعني: أخذت ملءَ كفي من تراب موطئ فرس جبريل ﵇. وقرئ (فَقَبَصْتُ قَبْصَةً) بالصاد، أي: أخذت بأطراف أصابعي.
٩٧ - قوله تعالى: (لَنْ تُخْلَفَهُ)، أي: وعدًا لعذابك يوم القيامة لن تخلف ذلك الوعد. ومن كسر اللام كان المعنى: لن تُخلِفَ ذلك الوعدَ أي: ستأتيه.
١٠٢ - قوله تعالى: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ)، وقرأ أبو عمرو (نَنْفُخُ) بالنون على معنى إضافة الأمر بالنفخ إلى الله، ويقوي ذلك ما عطف عليه من قوله: (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ). والوجه قراءة العامة؛ لقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ)، وقوله: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ).
стр. 189
١١٢ - قوله تعالى: (فَلَا يَخَافُ)، أي: فهو لا يخاف. وقرأ ابن كثير (فَلا يَخَفْ) على النّهي، وهو حسن؛ لأن المعنى: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فليأمن؛ لأنه لم يفرط فيما وجب عليه، ونهيه عن الخوف أمر بالأمن.
١١٩ - قوله تعالى: (وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ)، فـ (إِنَّكَ) بالكسر على الاستئناف، وعطف جملة كلام على جملة.
١٣٠ - قوله تعالى: (لَعَلَّكَ تَرْضَى)، قال ابن عباس: ترضى الثواب والمعاد والعبادة. وقرأ الكسائي بضم التاء، فمعناه: تُرضى بما تُعطاه من الدرجة الرفيعة. واختار أبو عبيد هذه القراءة؛ لاحتمالها معنيين أحدهما: تُرضى: تُعطى الرضا. والآخر: يَرضاك الله. وتصديقها كقوله: (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا).
١٣١ - قوله تعالى: (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، أي: زينتها. وقرأ يعقوب بفتح الهاء والزاي، أي: نَوْرُ النبات. والزُّهَرَةُ بفتح الهاء وضم الزاي: النجم.
١٣٣ - قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ)، بيان ما في الكتب من أنباء
стр. 190
الأمم التي أهلكناهم لمّا سألوا الآيات. وقرأ أهل المدينة وحفص بالتاء، أي: ما بُيِّن في التوراة.
* * *
стр. 191
ومن سورة الأنبياء
٤ - قوله تعالى: (قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ)، أي: خطاب محمدٍ ﷺ . وقرأ أهل الكوفة: (قَالَ رَبِّي) على معنى: قال محمد: ربي يعلم القول، وكذا هو في مصاحفهم.
٤٥ - قوله تعالى: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ)، تمثيل للكفار الذين لا يسمعون النداء. وقرأ ابن عامر (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ) على إسناد الفعل إلى المخاطب، والمعنى؛ أنهم معاندون فإذا أسمعتهم لم يعملوا بما سمعوا كما لا يسمع الصم. قال أبو علي الفارسي: ولو كان كما قال ابن عامر لكان (إذَا مَا تُنذِرهُم) ليحسن نظم الكلام. فأمَّا (إِذَا مَا ينُذَرُونَ) فَحَسُنَ أن تُتبعَ قراءة العامة.
стр. 192
٥٨ - قوله تعالى: (جَعَلَهُمْ جُذَاذًا)، الجَذّ: القَطْعُ والكَسْرُ. والجُذاذ: قَطعُ ما كُسِرَ، الواحدة: جذاذة، وهو مثل: الحُطام والرُّفات. وقرأ الكسائي بكسر الجيم على أنه جمع (جَذيذ) مثل: ثَقِيل وثِقَال، وخَفِيف وخِفَاف. والجذيذ بمعنى: المجذوذ، وهو المكسور.
٨٠ - قوله تعالى: (لِيُحْصِنَكُمْ)، أي: ليحرزكم ويمنعكم، يعني: اللبُوس. ومن قرأ بالنون فلتقدم قوله (وَعَلَّمْنَاهُ). ومن قرأ بالتاء حمله على المعنى؛ لأن معنى اللبُوس: الدرع.
٨٨ - قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)، أي: إذا دعوني كما أنجينا ذا النون. ورُوي عن عاصم أنه قرأ (نُجِّي المُؤمِنِينَ) مشدّدة الجيم، وجميع النحويين حكموا على هذه القراءة بالغلط وأنها لحن (١). ثم
стр. 193
ذكر الفَراء لها وجهًا، فقال: أضمر المصدر في (نُجِّي) فنوى به الرفع ونصب (الْمُؤْمِنِينَ)، كقولك: ضُرِبَ الضربُ زيدًا، ثم تقول: ضُرِبَ زيدًا، على إضمار المصدر. وأنشد ابن قتيبة حجةً لهذه القراءة:
وَلَوْ وَلَدَتْ قُفَيْرَةُ جِرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بِذَلِكَ الجَرْوِ الكِلابَا
وقال أبو علي الفارسي: هذا إنما يجوز في ضرورة الشعر، وراوي هذه الرواية عن عاصم غلط في الرواية. فإنه قرأ (ننجي) بنونين كما روى حفص عنه، ولكن النون الثانية تخفى مع الجيم، ولا يجوز تبيينها، فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام، فظن أنه إدغام، ويدل على هذا إسكانه الياء من (نُجِّي) ونصب قوله (الْمُؤْمِنِينَ) ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكَّن الياء، ولوجب أن يرفع (الْمُؤْمِنِينَ).
٩٥ - قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ)، قال قتادة: واجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع إلى دنياها. ونحو هذا روى عكرمة عن ابن عباس. وذهب، أبو عبيدة وابن قتيبة وابن جريج وجماعة إلى أن (لَا) في قوله: (لَا يَرْجِعُونَ) [زائدة]. وقرأ أهل الكوفة (وَحِرْمٌ)
стр. 194
فهو بمعنى (حَرَامٌ) كما قيل: حِلٌ وحَلالٌ.
١٠٤ - قوله تعالى: (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد مَلَكًا يقال له: سِجِلّ، وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه.
ورُوي عن ابن عمر أنه قال: السِّجِلُّ: مَلَك. والمراد على اختلاف القراءتين: الصحائف، كما تقول: كَعَطْي زيدٍ للكتب، وتكون اللام زائدة كقوله: (رَدِفَ لَكُم)، وهو اختيار الفَراء وابن قتيبة. وعلى هذا: الكتاب والكتب المراد بها: المكتوب، ولما كان المكتوب ينطوي بانطواء الصحيفة جعل كأنه يطوي الكتاب.
* * *
стр. 195
ومن سورة الحَجِّ
٢ - قوله تعالى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى)، من شدة الخوف، والمعنى: ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم، يضطربون اضطراب السكران من الشراب، يدل على هذا قراءة من قرأ (وَتُرَى الناسُ) بضم التاء، أي تظنهم. وقرأ حمزة والكسائي (سَكْرَى)، قال الفَرَّاء: [وهو] وجهٌ جيد في العربية؛ لأنه بمنزلة: الهَلْكَى، والعرب تجعل (فَعْلَى) علامة لجمع كل ذي زمانة وضررٍ وهلاكٍ، ولا يبالون أكان واحده (فاعلا) أو (فعيلا) أو (فعلان).
٢٣ - قوله تعالى: (وَلُؤْلُؤٍ)، والمعنى: أنهم يُحَلَّون أساورَ من ذهب ومن لُؤْلُؤ، أي: منهما بأن يُرصَّع اللؤلؤ في الذهب. وقرأ نافع وعاصم (وَلُؤْلُؤًا) بالنصب على وُيحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا.
٢٥ - قوله تعالى: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)، و (سَوَآءٌ) رفع على
стр. 196
أنه خبر ابتداء مقدم، المعنى: العاكف والبادي فيه سواء. ومن نصب فقال: (سَوَآءً) كان التقدير: مستويا فيه العاكف والبادي، فَرُفِعَ (العاكِفُ) ب (سَوَآءً) كما يُرْفع بمستوٍ.
٣٤ - قوله تعالى (مَنسَكًا)، المَنْسَكُ هاهنا: مصدر من: نَسَكَ يَنْسُكُ إذا ذبح القربان. وقرأ حمزة بكسر السين. والفتح أولى؛ لأن المصدر من هذا الباب بفتح العين، والمعنى: جعلنا لكل أمةٍ أن تَتَقرب إلى الله بأن تذبح الذبائح.
٣٨ - قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَدْفَعُ)، غائلة المشركين بمنعهم منهم
стр. 197
ونصرهم عليهم. وقرئ (يُدَافِعُ) وهو بمعنى: يَدْفَعُ، وإن كان من المفاعلة.
٣٩ - قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتِلُونَ)، معناه: أُذن لهم أن يقاتِلوا بأنهم ظُلِمُوا بظلم الكافرين. وقرئ (أَذِنَ) بفتح الألف على إسناد الفعل إلى الله؛ لتقدم ذكره. وقوله (لِلَّذِينَ يُقاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا)، أي: بسبب ما ظلموا واعتدوا عليهم بإيذائهم. وقرأ أهل المدينة وحفص (يُقَتَلُونَ) بفتح التاء، أي: الذين يقاتلهم المشركون، ويقوي هذه القراءة أن الفعل الذي بعده مسند إلى المفعول به، وهو قوله: (ظُلِمُوا) وفي الآية حذف تقديره: أُذِن لهم أن يقاتلوا أو بالقتال.
٤٠ - قوله تعالى: (لَهُدِمَتْ)، يقال: هَدَمْتُ البناء إذا نَقَضتَه فَانْهَدَم، وقرئ بالتشديد. والتخفيف: يكون للكثير والقليل، والتشديد:
стр. 198
يختص به الكثير.
٤٥ - قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَاهَا)، وقرئ (أَهْلَكْنَهَا) كقوله: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ)، (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا). والاختيار التاء؛ لقوله (فَأَمْلَيْتُ)، وقوله: (وَهِيَ ظَالِمَةٌ)، أي: وأهلها ظالمون بالتكذيب والكفر.
٤٧ - قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)، قال مجاهد وعكرمة وابن زيد: وهو من أيّام الآخرة. وقرئ بالياء [والتاء]، فمن قرأ بالياء فلقوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ)، ومن قرأ بالتاء فلأنه أعم؛ لأنه خطاب للمستعجلين والمؤمنين.
стр. 199
٥١ - قوله تعالى. (مُعَاجِزِينَ)، ظانين ومقدِّرين أن يعجزونا ويفوتونا. وقرأ أبو عمرو (مُعَجِّزِينَ) مشدد، فالمعنى: أنهم كانوا يُعجِّزون من اتبع النبي ﷺ أي: ينسبونهم إلى العجز.
٥٩ - قوله تعالى: (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا)، والمُدْخَلُ يجوز أن يكون بمعنى المصدر، وبمعنى المكان، فإذا كان بمعنى المصدر فالمراد به إدخالا يكرمُون به ويرضونه. وقرأ أهل المدينة (مَدْخَلًا) بفتح الميم على تقدير: مُدْخَلون مَدْخَلًا يرضونه.
٦٢ - قوله تعالى: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ)، وقرأ أهل المدينة بالتاء. فالتاء للمخاطب، والياء للغائب.
* * *
стр. 200
ومن سورة المؤمنون
٨ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ)، وقرأ ابن كثير (لأَمَانَتِهِمْ) واحدة، وذلك أنه مصدر واسم جنس، فيقع على الكثير وإن كان مفردًا في اللفظ.
٩ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِم)، وقرئ (صَلَاتِهِمْ)، فمن أفرد فَلأَن الصلاة في الأصل مصدر، ومن جمع فلأنه قد صار اسمًا شرعيًّا لانضمام ما لم يكن في أصل اللغة إليها.
١٤ - قوله تعالى: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا)، وقرئ كلاهما (عَظْمًا) على الواحد، قال الزجاج: التوحيد والجمع
стр. 201
جائزان، والواحد يدل على الجمع، كما قال:
فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِيْنَا
يريد: في حلوقكم عظام.
٢٠ - قوله تعالى: (مِنْ طُورِ سَيْنَآءَ)، قرئ بفتح السين وكسرها، وهي نبطية في قول الضحاك، وحبشية في قول عكرمة، وهي اسم المكان الذي به هذا الجبل في أصح الأقوال و (سَيْنَآءَ) في قول مجاهد: اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها [لوجودها عنده].
٢٠ - قوله تعالى: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)، أي: تُنْبتُه؛ لأنه يُعْصَرُ من الزيتون الزيت. والباء في (بِالدُّهْنِ) للتعدي. يقال: أنبته ونبت به. وقرأ أبو عمرو (تُنْبِتُ) بضم التاء. فإن جعلت (أَنبَتَ) بمعنى (نَبَتَ) كقول زهير:
حَتى إِذَا أَنبتَت البَقل
فهذه القراءة كالأولى سواء. وإن جعلت (تُنبِتُ) من الإنبات الذي هو
стр. 202
مضارع (أَنبَتَ) فالباء في (بِالدُّهْنِ) زيادة، المعنى: تُنبت الدهنَ.
٢٩ - قوله تعالى: (مُنْزَلًا مُبَارَكًا)، يجوز أن يكون المُنْزَلُ بمعنى الإنزال، والمعنى: إنزالا (مُبَارَكًا)، ويجوز أن يكون المُنْزَلُ موضع الإنزال، كأنه قال: أنزلني مكانًا أو موضعًا. وقرأ عاصم (مَنْزِلًا) بفتح الميم وكسر الزاي، يعني: موضع نزول.
٤٤ - قوله تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا)، بعضها في إثر بعض غير متصلين؛ لأن بين كل نَبِيَّينِ دهرًا طويلا، وهي (فَعْلَى) من المواترة. قال الأصمعي: يقال: واترت الخبر، أي: أتبعتُ بعضَه بعضا. وأكثر العرب على ترك تنوينها. وقرأ ابن كثير (تَترًا) منونة. و (تَتْرًا) على هذه القراءة (فَعْلا) والألف فيها كالألف في: رأيتُ زيدًا أو عمروا، فإذا وقفت كانت الألف بدلا من التنوين، وحقها أن تفخم ولا تُمال. قال المبرد:
стр. 203
من قرأ (تَتْرا) فهو مثل: شَكْوَى. ومن قرأ (تَتْرًا) فهو مثل. شكوتُ شَكْوًى. وعلى القراءتين جميعًا التاء الأولى بدل من الواو، أصله (وتْر)، و (وتْرًا) مصدر أو اسم أقيم مقام الحال؛ لأن المعنى: متواترة.
٥٢ - قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ)، (أَنَّ) في قراءة من قرأ بالفتح محمولة على الجارّ في قول الخليل وسيبويه، بتقدير: ولأَنَّ هذه أمتكم. ومن قرأ بالتخفيف قال: هي المخففة من المشددة، كقوله: (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ)، ومن كسر مع التشديد فهو على الاستئناف.
٦٧ - قوله تعالى: (تَهْجُرُونَ)، يجوز أن يكون من الهِجْران، وهو قول الحسن ومقاتل واختيار المفضل، والمعنى: تهجرون القرآن وترفضونه، ويجوز أن يكون من الهُجْر، وهو قول القبيح، يقال: هَجَرَ يَهْجُرُ هُجْرًا إذا قال غير الحق،
стр. 204
ويقال في هذا المعنى أيضًا: أهْجَرَ إهْجَارًا إذا أفحش في منطقه، وهو قراءة ابن عباس ومجاهد.
٦٨ - قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)، أفلم يتدبروا القول: القرآن، فيعرفوا ما فيه من العِبَر والدلالات على صدق محمد ﷺ .
٨٧ - قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ)، وقرئ (لِلَّهِ) وكذلك ما بعده. فمن قرأ (اللَّهُ) فهو على ما يقتضيه اللفظ من جواب السؤال؛ لأنك إذا قلت: مَن رب السماوات؛ فالجواب: الله. ومن قرأ (لِلَّهِ) فَعَلى المعنى؛ لأن معنى مَن رب السماوات: لمن السماوات؛ فيقال: لله، كما تقول: مَنْ مالكُ هذه الدار؛ فيقال: لزيد؛ لأن معناه: لمن هذه الدار؛ فيقال: لزيد.
٩٢ - قوله تعالى: (عَالِمِ الْغَيْبِ)، بالجر من نعت الله، وبالرفع على خبر ابتداء محذوف.
стр. 205
١٠٦ - قوله تعالى: (غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا)، ويقرأ (شَقَاوَتُنَا) ومعناهما واحد، وهما مصدران. قال مجاهد ومقاتل: غلبت علينا شَقَاوَتُنا التي كُتِبَتْ علينا في الدنيا فلم نهتد.
١١٠ - قوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيًّا)، وقرئ بكسر السين هاهنا وفي سورة (ص). واتفقوا على الضمّ في سورة الزخرف، يقال: سَخِرَ منه وبه سُخْريةً وسُخْرِيا. وسِخْرِيا إذا هزئ به، ومنه: السُّخرة التي هي بمعنى العبودية. يقال: اتخذت فلانًا سُخريًّا بالضم لا غير. ومن ثَمَّ اتفقوا على الضم لأنه من السُّخرة. قال أبو عبيدة: سِخريَّا يسخرون منهم، وسُخريا يُسَخرونهم. وقال يونس: سُخريا من السُّخرة مضموم، ومن الهزء: سُخْري وسِخْري. وعلى القراءتين جميعًا هو مصدر وصف به
стр. 206
ولذلك أفرد. قال ابن عباس: يريد: يستهزئون بهم.
١١١ - قوله تعالى: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ)، على أذاكم واستهزائكم. (أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) في موضع المفعول الثاني و (جزيتُ)، والمعنى: جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز، ومن كسر استأنف وأخبر فقال: (إِنَّهُمْ هُمُ الفَآئِزُون) أي: الذين نالوا ما أرادوا.
* * *
стр. 207
ومن سورة النُّور
١ - قوله تعالى: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا)، ورفعها بالابتداء قبيح؛ لأنها نكرة، و (أَنْزَلْنَاهَا) صفة لها، (وَفَرَضْنَاهَا) أي: فرضنا فرائضها، أي: الفرائض المذكورة فيها، فحذف المضاف. وحجة التخفيف قوله: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ)، أي: أحكام القرآن وفرائض القرآن. والتشديد في (فَرَّضْنَاهَا) لكثرة ما فيها من الفرائض المذكورة في القرآن. قال مجاهد: يعني: الأمر بالحلال، والنهي عن الحرام، وهذا يعود إلى معنى: أوحيناها.
٢ - قوله تعالى: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ)، يقال: رَأَفَ يَرْأَفُ رَأْفَةً وَرَآفَةً، مثل: النشْأَةَ والنشَاءَة. وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة، ولعلها
стр. 208
لغة. والمعنى: لا تأخذكم الرأفة بهما فتعطلوا الحدود ولا تقيموها رحمة عليهما [وشفقة بهما].
٦ - قوله تعالى: (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ)، وقرئ (أَرْبَعَ) بالنصب. قال الزجاج: ومن قرأ بالرفع فَعَلَى خبر الابتداء، المعنى: فشهادة أحدهم التي تَدرَأ حَدَّ القاذف أربعٌ، والدليل على هذا قوله (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ). ومن نصب فالمعنى: فعليهم أن يشهد أحدُهُم أربَعَ شهاداتٍ.
٧ - قوله تعالى: (أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ)، وقرأ نافع (أَنْ) مخففة (لَغنَتُ اللهِ) بالرفع. قال سيبويه: لا تخفف (أن) في الكلام أبدًا وبعدها الأسماء إلا وأنت تريد الثقيلة. قال الأخفش: لا أعلم الثقيلة إلا أجود في العربية، لأنك إذا خففت فالأصل الثقيلة وتخفف وتضمر الشأن، فأن تجيء بالأصل ولا تحذف شيئًا ولا تضمر أجود.
٩ - قوله تعالى: (وَالْخَامِسَةُ)، وقرأ حفص (وَالْخَامِسَةَ) نصبًا
стр. 209
على المعنى، كأنه قيل: وتَشهَدَ الخامِسةَ.
٣١ - قوله تعالى: (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ)، أكثر القراء على خفض (غَيرِ) بالصفة للتابعين. ومن نصب كَان استثناءً، والمعنى: لا يُبْدِينَ زِيْنَتَهُن إلا للتابعين، إلا ذَا الإِرْبَةِ.
٣١ - قوله تعالى: (أَيُّهَ المُؤْمِنُونَ)، وقرأ ابن عامر بضم الهاء. ومثله (يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ). و (أَيُّهَ الثقَلانِ). قال أبو علي الفارسي: وهذا لا يتجه لأن آخر الاسم هو الياء الثانية من (أَي) فينبغي أن يكون المضموم آخر الاسم، ولو جاز أن يضم الهاء من حيث كان مقترنًا بالاسم لكلمة لجاز أن يضم الميم في (اللَّهُم)؛ لأنه آخر الكلمة. وينبغي أن لا يقرأ بهذا ولا يؤخذ به.
٣٥ - قوله تعالى: (كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) منسوب إلى أنه كالدُّرِّ في صفائه وحسنه. وقرأ أبو عمرو مكسورةً الدال مهموزةً، وهذا (فِعِّيل) من: الدرْءِ بمعنى الدفع، والكوكب إذا دُفع ورُمي من السماء لرجم
стр. 210
الشياطين يضاعف ضوؤه. قال أبو عمرو: ولم أسمع أعرابيا يقول إلا: كأنه كوكب دِرِّيءٌ بكسر الدال، أخذوه من: دَرَأت النجومُ تَدْرَأ، إذا اندفعت.
وقرأ حمزة بضم الدال مهموزًا، وأنكره الفراء والزجاج وأبو العباس، وقالوا: هذا غلط، لأنه ليس في الكلام [فُعِّيل] * قال الزجاج: والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا؛ لأنه ليس في كلام العرب شيء على هذا الوزن.
٣٥ - قوله تعالى: (تَوَقَّدَ)، مفتوحة التاء والدال قراءة أبي عمرو، وهي البينة؛ لأن المصباح هو الذي تَوَقَّدَ. وقرئ (يُوقَدُ) بضم الياء والدال
стр. 211
أي: المصباح. وقرئ (تُوقَدُ) أي: الزجاجة، والمعنى على مصباح الزجاجة، ثم حذف المضاف.
٣٦ - قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا)، أي: يصفي لله في البيوت، يعني: الصلوات المفروضة. وقرأ ابن عامر (يُسَبَّحُ) بفتح الباء، أي: يُصَلِّى لله فيها، ثم فسر من يُصلِّي فيها فقال: (رِجَالٌ)، وكأنه قيل: من يُسَبِّح؛ فقيل: رجال.
٤٠ - قوله تعالى: (سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)، يعني: ظلمة البحر، [وظلمة الموج]، وظلمة الموج فوق الموج، وظلمة السَّحاب. ومن قرأ (ظُلُمَاتٍ) بالكسر والتنوين جعلها بدلا من الظلمات الأولى. ومن أضاف السّحاب إلى الظلمات؛ فلأنها علت هذه الظلمات وارتفعت وقت تراكمها، كما تقول: سحاب مطرٍ، وسحاب رحمةٍ.
٥٢ - قوله تعالى: (وَيَتَّقِهِ)، وقراءة العامة (وَيَتَّقْهِ) موصولة بياءٍ وهو الوجه؛ لأن ما قبل الهاء متحرك، وحكمها إذا تحرك ما قبلها أن تتبعها
стр. 212
الياء في الوصل. وروى قالون بكسر الهاء ولا تبلغ بها الياء؛ لأن حركة ما قبل الهاء ليست تلزم. ألا ترى أن الفعل إذا رفع قبل (وَيَتَّقِهِ) اختير حذف الياء بعد الهاء مثل: عليهِ. وقرأ أبو عمرو (وَيَتَّقِهْ) جزمًا، وذلك أن ما يلحق هذه الهاء من الواو والياء زائد، فرد إلى الأصل وحذف الزيادة. وقرأ حفص ساكنة القاف مكسورة الهاء. قال ابن الأنباري: وهو على لغة من يقول: لم أرْ زيدًا، ولم أشْتَرْ طعامًا، ولم يَتَّقْ زيدًا، يُسقطون الياء للجزم ثم يُسكنون الحرف الذي قبلها. ومن قول الشاعر:
قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيْقَا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
٥٥ - قوله تعالى: (كَمَا اسْتَخْلَفَ)، قال مقاتل: يعني: بني إسرائيل. وروى أبو بكر بن عياش (اسْتُخْلِفَ) بضم التاء وكسر اللام.
ووجهه أنه أريد به ما أريد بـ (اسْتَخْلَفَ)، وإذا كان المعنى كذلك فالوجه
قراءة العامة.
стр. 213
٥٨ - قوله تعالى: (ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ)، أي: هذه الأوقات ثلاث عورات لكم، وسمَّى هذه الأوقات عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها ثيابه، فتبدو عورته. وقرأ أهل الكوفة غير حفص (ثَلَاثَ) بالنصب، جعله بدلا من قوله (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ).
* * *
стр. 214
ومن سورة الفرقان
٨ - قوله تعالى: (يَأْكُلُ مِنْهَا)، وقرأ حمزة والكسائي بالنون، أراد أنه يكون له بذلك مزية علينا في الفضل بأن نأكل من جنته.
١٠ - قوله تعالى: (وَيَجْعَلْ لَكَ)، من قرأ بالجزم كان المعنى: إن يشأ يجعلْ لك جناتٍ ويجعلْ لك قصورًا. ومن رفع فعلى الاستئناف، المعنى: وسيجعلُ لك. قال الزجاج: أي: سيعطيك اللَّهُ في الآخرة أكثرَ ممّا قالوا.
١٩ - قوله تعالى: (فَمَا يَسْتَطِيعُونَ)، أي: ما يستطيع المعبودون - بقولكم: أنهم شركاء لله - صَرْفَ العذاب عنكم. وقرأ حفص بالتاء، فالمعنى: ما تستطيعون، أي: المتخِذُون الشركاء.
٢٥ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَشَّقَّقُ)، عطف على قوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ
стр. 215
الْمَلَائِكَةَ). وفي (تَشَّقَّقُ) قراءتان. تشديد الشين وتخفيفهما، فمن شدّد أدغم التاء في الشين والأصل: تَتَشَقَّقُ. ومن خَفَف حذف فلم يدغم.
٢٥ - قوله تعالى: (وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا)، وقرأ ابن كثير (نُنْزِلُ) مخفَّفَةَ من الإنزال، جعل الفعل من الإنزال والمصدر عَلَى (فَعَّلَ)؛ لأن (أَنْزَلَ) مثل (نَزَّلَ)، كقوله: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا).
٦٠ - قوله تعالى: (أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا)، بالسجود له، ومن قرأ بالياء فالمعنى: أنسجد لما يأمرنا محمد ﷺ بالسجود له.
٦٢ - قوله تعالى: (أَنْ يَذَّكَّرَ)، وقرأ حمزة مخففًا على معنى: أنه يذكرُ اللهَ بتسبيح فيهما. قال الفراء: ويَذْكُرُ وَيتَذَكَّرُ يأتيان بمعنًى واحدٍ.
٦٧ - قوله تعالى: (وَلَمْ يَقْتُرُوا) يقال: قَتَرَ الرجلُ على عياله يَقْتُر ويَقْتِر قَتْرًا، وأَقْتَرَ يُقتِرُ إِقْتَارًا: إذا ضيّق. قال أبو عبيدة: هي ثلاث