← Фикх общий

Фикх общий · id 21823

فقه العبادات للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (326 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

السؤال (١٠٤) : فضيلة الشيخ، وهل يجب له التشهد . الجواب: في هذا خلاف بين العلماء، والراجح أنه لا يجب له التشهد. مبطلات الصلاة

стр. 107

السؤال (١٠٥) : فضيلة الشيخ، ما هي مبطلات الصلاة ولو على سبيل الإجمال ؟ الجواب: مبطلات الصلاة تدور على شيئين: إما ترك ما يجب فيها، أو فعل ما يحرم فيها. فأما ترك ما يجب: فمثل أن يترك الإنسان ركناً من أركان الصلاة متعمداً، أو شرطاً من شروطها متعمداً، أو واجباً من واجباتها متعمداً. مثال ترك الركن: أن يترك الركوع متعمداً. ومثال ترك الشرط: أن ينحرف عن القبلة في أثناء الصلاة متعمداً. ومثال ترك الواجب: أن يترك التشهد الأول متعمداً، فإذا ترك أي واجب من واجبات الصلاة متعمداً فصلاته بطالة، سواء سمي ذلك الواجب شرطاً أم ركناً أم واجباً. الشيء الثاني مما يدور عليه بطلان الصلاة: فعل المحرم فيها، كأن يحدث في صلاته، أو يتكلم بكلام الآدميين، أو يضحك، أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي هي حرام في أثناء الصلاة، يفعلها متعمداً، فإن صلاته تبطل في هذه الحال. حكم صلاة الجماعة

стр. 108

السؤال (١٠٦) : فضيلة الشيخ، تحدثنا عن الصلاة، وحكمها، وشروطها، وكذلك الأركان، والواجبات، وأيضاً عن السجود للسهو لها، ونود أن نسأل ونركز على حكم صلاة الجماعة ؟ الجواب: صلاة الجماعة اتفق العلماء على أنها من أجل الطاعات وأوكدها وأفضلها، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه وأمر بها حتى في صلاة الخوف، فقال الله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: ١٠٢) . وفي سنة رسول الله ﷺ من الأحاديث العدد الكثير الدال على وجوب الصلاة مع الجماعة، مثل قوله ﷺ : "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (١) ، وكقوله ﷺ : " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر" (٢) ، وكقوله ﷺ للرجل الأعمى الذي طلب منه أن يرخص له في الصلاة في بيته: "أتسمع النداء؟ " فقال: نعم قال: " فأجب" (٣) . وقال ابن مسعود ﵁: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها - أي عن صلاة الجماعة - إلا منافق معلوم النفاق، أو مريض، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (٤) . والنظر الصحيح يقتضي وجوبها، فإن الأمة الإسلامية أمة واحدة، ولا يتحقق كمال الوحدة إلا بكونها تجتمع على عباداتها، وأجل العبادات وأفضلها وأوكدها: الصلاة، فكان من الواجب على الأمة الإسلامية أن تجتمع على هذه الصلاة. وقد اختلف العلماء ﵏ بعد اتفاقهم على أنها من أوكد العبادات وأجل الطاعات، اختلفوا: هل هي شرط لصحة الصلاة، أو أن الصلاة تصح بدونها مع الإثم، مع خلافات أخرى، والصحيح أنها واجب للصلاة، وليست شرطاً في صحتها، لكن من تركها فهو آثم، إلا أن يكون له عذر شرعي، ودليل كونها ليست شرطاً لصحة الصلاة هو أن الرسول ﵊ فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وتفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ يدل على أن في صلاة الفذ فضلاً، وذلك لا يكون إلا إذا كانت صحيحة. وعلى كل حال فيجب على كل مسلم ذكر بالغ أن يشهد صلاة الجماعة، سواء كان ذلك في السفر أم في الحضر. علاقة المأموم بإمامه

стр. 109

السؤال (١٠٧) : فضيلة الشيخ، مادمنا عرفنا حكم صلاة الجماعة، فما هي علاقة المأموم بإمامه الجواب: أما علاقة المأموم بإمامه، فإنها علاقة متابعة، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً، فصلوا قعوداً أجمعون" (١) . ومقام المأموم مع إمامه في هذه الناحية يتنوع إلى أربع مقامات: متابعة، وموافقة، مسابقة، وتأخر. فأما المتابعة: فأن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة بعد إمامه مباشرة، إذا ركع ركع بدون تأخر، وإذا سجد سجد بدون تأخر، وهكذا في بقية أفعال الصلاة. وأما الموافقة: فأن يفعل هذه الأفعال مع إمامه، يركع مع ركوعه، ويسجد مع سجوده، ويقوم مع قيامه، ويقعد مع قعوده. وأما المسابقة: فأن يتقدم إمامه في هذه الأفعال، فيركع قبله، ويسجد قبله، ويقوم قبله، ويقعد قبله. وأما التأخر: فأن يتوانى في متابعة الإمام، فإذا ركع الإمام، بقي واقفاً يقرأ الفاتحة، وإذا سجد بقي قائماً يحمد وهكذا، وكل هذه المقامات مذمومة إلا مقام المتابعة. فالموافق لإمامه مخالف لقول الرسول ﵊: " لا تكبروا حتى يكبر الإمام، ولا تركعوا حتى يركع" (٢) . والسابق له واقع في التحذير الشديد الذي حذر منه النبي ﵊ في قوله: " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار" (٣) . والمتخلف: لم يحقق المتابعة، لأن قول الرسول ﵊: " إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا ركع فاركعوا" جملة شرطية تقتضي أن يقع المشروط فور وجود الشرط، وألا يتأخر عنه، فهو منهي عنه. فالمسابقة: حرام. والموافقة: قيل: إنها مكروهة، وقيل: إنها حرام. والتأخر: أقل أحواله الكراهة. أما المتابعة فهي الأمر الذي أمر به النبي ﷺ . أشد حالات مخالفة الإمام

стр. 110

السؤال (١٠٨) : فضيلة الشيخ، لكن أي الحالات الثلاث أشد: المسابقة، أم الموافقة أم التخلف عنه ؟ الجواب: المسابقة أشدها، لأنه ورد فيها الوعيد الذي سمعت، ولأن القول الراجح أن الإنسان إذا سبق إمامه، بطلت صلاته، سواء سبقه إلى الركن أو بالركن، لأنه إذا سبق إمامه فقد فعل فعلاً محرماً في الصلاة. والقاعدة الشرعية: أن من فعل فعلاً محرماً في العبادة، فإن العبادة تبطل به. صلاة التطوع (فضلها - أنواعها)

стр. 111

السؤال (١٠٩) : فضيلة الشيخ، نود أن تحدثونا عن صلاة التطوع من حيث الفضل والأنواع ؟ الجواب: من رحمة الله بعباده، أن جعل لكل نوع من أنواع الفريضة تطوعاً يشبهه، فالصلاة لها تطوع يشبهها من الصلوات، والزكاة لها تطوع يشبهها من الصدقات، والصيام له تطوع يشبهه من الصيام، وكذلك الحج، وهذا من رحمة الله بعباده ليزدادوا ثواباً وقرباً من الله تعالى، وليرقعوا الخلل الحاصل في الفرائض، فإن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة. فمن التطوع في الصلاة: الرواتب التابعة للصلوات المفروضة، وهي أربع ركعات قبل الظهر بسلامين، وتكون بعد دخول وقت صلاة الظهر، ولا تكون قبل دخول وقت الصلاة، وركعتان بعدها، فهذه ست ركعات، كلها راتبة للظهر، أما العصر فليس لها راتبة، أما المغرب فلها راتبة ركعتان بعدها، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، وتختص الركعتان قبل الفجر، بأن الأفضل أن يصليهما الإنسان خفيفتين، وأن يقرأ فيهما بـ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (الكافرون: ١) في الركعة الأولى، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الإخلاص: ١) في الركعة الثانية، أو بقوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) الآية، في سورة البقرة في الركعة الأولى، و (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (آل عمران: ٦٤) الآية في سورة آل عمران في الركعة الثانية، وبأنها - أي راتبة الفجر -تصلى في الحضر والسفر، وبأن فيها فضلاً عظيماً، قال فيه النبي ﵊: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" (١) . ومن النوافل في الصلوات: الوتر، وهو من آكد النوافل، حتى قال بعض العلماء بوجوبه، وقال فيه الإمام أحمد ﵀: من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة. وتختم به صلاة الليل، فمن خاف ألا يقوم من آخر الليل أوتر قبل أن ينام، ومن طمع أن يقوم آخر الليل، فليوتر آخر الليل بعد إنهاء تطوعه، قال النبي ﵊: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" (٢) ، وأقله ركعة واحدة، وأكثره إحدى عشر ركعة، وأدنى الكمال: ثلاث ركعات، فإن أوتر بثلاث فهو بالخيار، إن شاء سردها سرداً بتشهد واحد، وإن شاء سلم من ركعتين، ثم أوتر بواحدة ثم صلى واحدة، وإن أوتر بخمس سردها جميعاً بتشهد واحد وسلام واحد، وإن أوتر بسبع فكذلك، يسردها جميعاً بتشهد وحد وسلام واحد، وإن أوتر بتسع فإنه يسردها، ويجلس في الثامنة ويتشهد، ثم يقوم فيأتي بالتاسعة ويسلم، فيكون فيها تشهدان وسلام واحد، وإن أوتر بإحدى عشرة ركعة، فإنه يسلم من ركعتين ويأتي بالحادية عشرة وحدها. وإذا نسى الوتر، أو نام عنه، فإنه يقضيه من النهار، لكن مشفوعاً، لا وتراً، فإذا كان من عادته أن يوتر بثلاث، صلى أربعاً، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس، صلى ستاً وهكذا، لأنه ثبت في الصحيح، "أن رسول الله ﷺ كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة" (٣) . الفرق في الأحكام بين الفرض والنافلة

стр. 112

السؤال (١١٠) : فضيلة الشيخ، هل هناك فرق بين صلاة الفرض والنافلة ؟ الجواب: نعم هناك فوارق بين صلاتي الفرض والنافلة، من أوضحها: أن النافلة تصح في السفر على الراحلة، ولو بدون ضرورة، فإذا كان الإنسان في سفر، وأحب أن يتنفل وهو على راحلته، سواء كانت الراحلة السيارة، أم طيارة، أم بعيراً، أم غير ذلك، فإنه يصلي النافلة على راحلته متجهاً حيث يكون وجهه، يومئ بالركوع والسجود، لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يفعل ذلك (١) . ومن الفروق بين الفريضة والنافلة: أن الإنسان إذا شرع في الفريضة حرم أن يخرج منها إلا لضرورة قصوى، وأما النافلة فيجوز أن يخرج منها لغرض صحيح، وإن كان بغير غرض فإنه لا يأثم إذا خرج منها ولكنه يكره كما ذكر ذلك أهل العلم. ومن الفروق: أن الفريضة يأثم الإنسان بتركها، وأما النافلة فلا. ومن الفروق: أن الفريضة تشرع لها صلاة الجماعة، وأما النافلة فلا تشرع، إلا في صلوات معينة، كالاستسقاء، وصلاة الكسوف على القول بأنها سنة، ولا بأس أن يصليها الإنسان - أي النافلة - أحياناً جماعة، كما كان النبي ﷺ يصلي ببعض أصحابه جماعة في بعض الليالي، فقد صلى معه مرة ابن عباس، ومرة حذيفة، ومرة ابن مسعود. وأما في رمضان، فقد ثبت عنه ﷺ أنه أقام بهم ثلاث ليال ثم تأخر خوفاً من أن تفرض على الناس (٢) ، وهذا يدل على أن صلاة الجماعة في قيام رمضان سنة، لأن النبي ﷺ فعلها، ولكن تركها خوفاً من أن تفرض، وهذا مأمون بعد وفاته ﷺ .

стр. 113

فتاوى الزكاة المقصود بالزكاة لغة وشرعاً

стр. 114

السؤال (١١١) : فضيلة الشيخ، ما المقصود بالزكاة في اللغة، وفي الشرع؟ وما العلاقة بين المفهومين ؟ الجواب: الزكاة في اللغة: الزيادة والنماء، فكل شيء زاد عدداً، أو نما حجماً فإنه يقال: زكا. فيقال: زكا الزرع، إذا نما وطال. وأما في الشرع: فهي التعبد لله تعالى بإخراج قدر واجب شرعاً في أموال مخصومة لطائفة أو جهة مخصوصة. والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، أن الزكاة وإن كان ظاهرها النقص، نقص كمية المال، لكن آثارها زيادة المال، زيادة المال بركة، وزيادة المال كمية، فإن الإنسان قد يفتح الله له من أبواب الرزق ما لا يخطر على باله إذا قام بما أوجب الله عليه في ماله، قال الله تعالى: (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم: ٣٩) ، وقال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: ٣٩) ، يخلفه: أي يأتي بخلفه وبدله. وقال النبي ﷺ : "ما نقصت صدقة من مال" (١) . وهذا أمر مشاهد، فإن الموفقين لأداء ما يجب عليهم في أموالهم يجدون بركة فيما ينفقونه، وبركة فيما يبقى عندهم، وربما يفتح الله لهم أبواب رزق يشاهدونها رأي العين، بسبب إنفاقهم أموالهم في سبيل الله. ولهذا كانت الزكاة في الشرع ملاقية للزكاة في اللغة من حيث النماء والزيادة. ثم إن في الزكاة أيضاً زيادة أخرى، وهي زيادة الإيمان في قلب صاحبها، فإن الزكاة من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة تزيد في إيمان الرجل، لأن مذهب أهل السنة والجماعة أن الأعمال الصالحة من الإيمان، وأن الإيمان يزداد بزيادتها، وينقص بنقصها، وهي أيضاً تزيد الإنسان في خلقه، فإنها بذل وعطاء، والبذل والعطاء يدل على الكرم والسخاء، والكرم والسخاء لا شك أنه خلق فاضل كريم، بل إن له آثاراً بالغة في انشراح الصدر، ونور القلب، وراحته، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليجرب الإنفاق، يجد الآثار الحميدة التي تحصل له بهذا الإنفاق، ولا سيما فيما إذا كان الإنفاق واجباً مؤكداً كالزكاة، فإن الزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وهي التي تأتي كثيراً مقرونة بالصلاة التي هي عمود الإسلام، وهي في الحقيقة محك تبين كون الإنسان محبا لما عند الله ، لأن المال محبوب إلى النفوس، وبذل المحبوب لا يمكن أن يكون إلا من أجل محبوب يؤمن به الإنسان وبحصوله، ويكون هذا المحبوب أيضاً أحب مما بذله. ومصالح الزكاة، وزيادة الإيمان بها، وزيادة الأعمال، وغير ذلك أمر معلوم، يحصل بالتأمل فيه أكثر مما ذكرنا الآن. آثار الزكاة على المجتمع والاقتصاد

стр. 115

السؤال (١١٢) : فضيلة الشيخ، ذكرتم تعريف الزكاة أو مفهوم الزكاة اللغوي والشرعي، والعلاقة بينهما، ثم تحدثتم أيضاً عن الآثار التي تنعكس على الفرد، لكن أيضاً مادمنا عرفنا الآثار التي تنعكس على الفرد، فما هي الآثار التي تنعكس على المجتمع، وعلى الاقتصاد الإسلامي أيضاً ؟ الجواب: آثار الزكاة على المجتمع وعلى الاقتصاد الإسلامي ظاهرة أيضاً، فإن فيها من مواساة الفقراء والقيام بمصالح العامة ما هو معلوم ظاهر من مصارف هذه الزكاة، فإن الله قال في مصارف هذه الزكاة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (التوبة: ٦٠) . وهؤلاء الأصناف الثمانية منهم من يأخذها لدفع حاجته، ومنهم من يأخذها لحاجة المسلمين إليه، فالفقراء والمساكين والغارمون لأنفسهم، هؤلاء يأخذون لحاجتهم، وكذلك ابن السبيل والرقاب، ومنهم من يأخذ لحاجة الناس إليه، كالغارم لإصلاح ذات البين، والعاملين عليها والمجاهدين في سبيل الله. فإذا عرفنا أن توزيع الزكاة على هذه الأصناف يحصل بها دفع الحاجة الخاصة لمن يعطاها، ويحصل بها دفع الحاجة العامة للمسلمين، عرفنا مدى نفعها للمجتمع. وفي الاقتصاد تتوزع الثروات بين الأغنياء والفقراء، بحيث يؤخذ من أموال الأغنياء هذا القدر ليصرف إلى الفقراء، ففيه توزيع للثروة حتى لا يحدث التضخم من جانب والبؤس والفقر من جانب آخر. وفيها أيضاً من صلاح المجتمع: ائتلاف القلوب، فإن الفقراء إذا رأوا من الأغنياء أنهم يمدونهم بالمال، ويتصدقون عليهم بهذه الزكاة التي لا يجدون فيها منة عليهم، لأنها مفروضة عليهم من قبل الله، فإنهم بلا شك يحبون الأغنياء ويألفونهم ويرجون ما أمرهم الله به من الإنفاق والبذل، بخلاف ما إذا شح الأغنياء بالزكاة وبخلوا بها واستأثروا بالمال، فإن ذلك قد يولد العداوة والضغينة في قلوب الفقراء، ويشير إلى هذا ختم الآيات الكريمة التي فيها بيان مصارف الزكاة بقوله تعالى: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٦٠) . شروط وجوب الزكاة

стр. 116

السؤال (١١٣) : فضيلة الشيخ، حبذا لو عرفنا شروط وجوب الزكاة ؟ الجواب: شروط وجوب الزكاة: الإسلام، والحرية، وملك النصاب، واستقراره، ومضي الحول، إلا في المعشرات. فأما الإسلام: فإن الكافر لا تجب عليه الزكاة، ولا تقبل منه لو دفعها باسم الزكاة، لقول الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة: ٥٤) الآية. ولكن ليس معنى قولنا إنها لا تجب على الكافر ولا تصح منه ولا تقبل منه، أنه معفى عنها في الآخرة، بل إنه يعاقب عليها، لقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (٣٨) (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) (٣٩) (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ) (٤٠) (عَنِ الْمُجْرِمِينَ) (٤١) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (٤٢) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (٤٣) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (٤٤) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (٤٥) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (٤٦) (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر٣٨-٤٧) ، وهذا يدل على أن الكفار يعذبون على إخلالهم بفروع الإسلام، وهو كذلك. وأما الحرية: فلأن المملوك لا مال له، إذ إن ماله لسيده، لقول النبي ﷺ "من باع عبداً له مال، فماله لبائعه إلا أن يشترط المبتاع" (١) . فهو إذن غير مالك للمال حتى تجب عليه الزكاة، وإذا قدر أنه أي العبد ملك بالتمليك، فإن ملكه في النهاية يعود إلى سيده، لأن سيده له أن يأخذ ما بيده، وعلى هذا ففي ملكه نقص، ليس مستقراً استقرار أملاك الأحرار. وأما ملك النصاب: فمعناه أن يكون عند الإنسان مال يبلغ النصاب الذي قدره الشرع، وهو يختلف باختلاف الأموال، فإذا لم يكن عند الإنسان نصاب فإنه لا زكاة عليه، لأن ماله قليل لا يحتمل المواساة، والنصاب يختلف باختلاف الأموال، ففي المواشي الأنصبة فيها مقدرة ابتداء وانتهاء، وفي غيرها الأنصبة مقدرة فيها ابتداء وما زاد فبحسابه. وأما مضي الحول: فلأن إيجاب الزكاة في أقل من الحول يستلزم الإجحاف بالأغنياء، وإيجابها فيما فوق الحول يستلزم الضرر في حق الفقراء، فكان من حكمة الشرع أن يقدر لها زمناً معيناً تجب فيه وهو الحول، وفي ربط ذلك بالحول توازن بين حق الأغنياء وحق أهل الزكاة، وعلى هذا فلو مات الإنسان مثلاً أو تلف المال قبل تمام الحول سقطت الزكاة، إلا أنه يستثنى من تمام الحول ثلاثة أشياء: ربح التجارة، ونتاج السائمة، والمعشرات. أما ربح التجارة: فإن حوله حول أصله، وأما نتاج السائمة: فحول النتاج حول الأمهات، وأما المعشرات فحولها تحصيلها أي وقت تحصيلها مثال ذلك في الربح: أن يشتري الإنسان سلعة بعشرة آلاف ريال، ثم قبل تمام حول الزكاة بشهر تزيد هذه السلعة أو تربح نصف الثمن الذي اشتراها به، فيجب عليه زكاة رأس مال وزكاة ربح وإن لم يتم للربح حول، لأنه فرع، والفرع يتبع الأصل. وأما النتاج: فمثل أن يكون عند الإنسان من البهائم نصاب، ثم في أثناء الحول يتوالد هذا النصاب حتى يبلغ نصابين، فيجب عليه الزكاة للنصاب الذي حصل بالنتاج وإن لم يتم عليه الحول، لأن النتاج فرع فيتبع الأصل. وأما المعشرات: فحولها حين أخذها مثل الحبوب والثمار، فإن الثمار في النخل مثلاً لا يتم عليه الحول حتى يجذّ، فتجب الزكاة عند جذه، وكذلك الزرع يزرع ويحصد قبل أن يتم عليه الحول، فتجب عليه الزكاة عند حصاده، لقول الله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) (الأنعام: ١٤١) . فهذه الأشياء الثلاثة تستثنى من قولنا إنه يشترط لوجوب الزكاة تمام الحول. مال المملوك هل يعفى من الزكاة

стр. 117

السؤال (١١٤) : فضيلة الشيخ، ذكرتم من شروط وجوب الزكاة وعددتم منها أن يكون مالك المال حراً، وتحدثتم عن مال المملوك وأن المملوك لا يؤدي أو لا يجب عليه زكاة، لأن المال مال مالكه، لكن: هل يعفى المال من التزكية أم يدفع المالك من المال ؟ الجواب: زكاة المال الذي عند المملوك على مالكه، لأنه هو مالك المال كما أسلفنا من قول الرسول ﵊: "من باع عبداً له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" (١) ، وعلى هذا فتكون الزكاة على مالك المال، وليس على المملوك منها شيء، ولا يمكن أن تسقط الزكاة عن هذا المال. الأصناف التي تجب فيها الزكاة ومقدار كل نوع

стр. 118

السؤال (١١٥) : فضيلة الشيخ، ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومقدار الزكاة في كل نوع منها ؟ الجواب: الأموال التي تجب فيها الزكاة هي: أولاً: الذهب والفضة، والزكاة فيهما واجبة بالإجماع من حيث الجملة، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (٣٤) (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة: ٣٤-٣٥) . وكنز الذهب والفضة هو ألا يخرج الإنسان ما أوجب الله عليه فيه من زكاة أو غيرها، وإن كان ظاهراً على سطح الأرض، وإذا أخذ الإنسان ما يجب لله فيه من الزكاة وغيرها فهو غير كنز وإن دفن في الأرض، ولقول النبي ﷺ فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار (١) . والزكاة في الذهب والفضة واجبة على أي حال كان، سواء كانت دراهم من الفضة ودنانير من الذهب، أو كانت تبراً أي قطعاً من الذهب أو كانت قطعاً من الفضة، أو كانت حلياً يستعمل أو لا يستعمل، لعموم الأدلة الواردة في ذلك، ولقول النبي ﷺ في خصوص الحلي حين أتته امرأة معها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها رسول الله ﷺ : "أتؤدين زكاة هذا؟ " قالت: لا. قال: " أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار". فخلعتهما وألقتهما إلى النبي ﷺ ، وقالت: هما لله ورسوله (٢) . وهذا نص صريح في وجوب الزكاة في الحلي ولو كان ملبوساً. وإنما وجه النبي ﷺ الخطاب إلى أم البنت لأنها هي ولية أمرها. وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء أعني مسألة الحلي ولكن الراجح ما قلناه، لأن الأحاديث عامة، والأحاديث الخاصة فيها جيدة، بل صححها بعضهم، ولا شك أنها تقوم بها الحجة، لأنه يشهد بعضها لبعض، والأصل وجوب الزكاة في الذهب والفضة حتى يقوم دليل على التخصيص. والواجب في الذهب والفضة ربع العشر، أي واحد من أربعين، وطريقة استخراج ذلك أن تقسم ما عندك على أربعين، فما خرج من القسمة فهو الزكاة، فإذا كان عند الإنسان أربعون ألفاً من الفضة، أي أربعون ألف درهم، فليقسم الأربعين على أربعين، يخرج واحد فهو الزكاة. وكذلك لو كان عنده أربعون ديناراً، أن يقسم الأربعين على أربعين يخرج واحد أي دينار واحد فهو الواجب، وعلى هذا فقس، قل المال أو كثر، بشرط أن يبلغ النصاب. نصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً (٨٥) وتساوي عشرة جنيهات سعودية ونصف وزيادة قليلة، يعني خمسة من ثمانية، فإذا كان الذهب تبلغ زنته هذا وجبت فيه الزكاة، وإن كان دون ذلك لم تجب فيه الزكاة. أما الفضة فنصابها مائة وأربعون مثقالاً، وهي أيضاً خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً (٥٩٥) ، وتساوي بالدراهم دراهم الفضة السعودية ستة وخمسين ريالاً، أي ما يزن ستة وخمسين ريالاً من ريال الفضة السعودية، فإذا بلغ عند الإنسان من الفضة ما يزن ذلك، فقد وجبت فيه الزكاة، ومادون هذا لا زكاة فيه. وليعلم أن القول الراجح من أقوال أهل العلم، أن الذهب لا يضم إلى الفضة في تكميل النصاب، لأنهما جنسان مختلفان، وهما وإن اتفقا في المنفعة والغرض، فإن ذلك لا يقتضي ضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، لأن الشارع قدر لكل واحد منهما نصاباً معيناً يقتضي ألا تجب الزكاة فيما دونه، ولم يأت عن النبي ﷺ نص بضم أحدهما إلى الآخر، وكما أن البر لا يضم إلى الشعير في تكميل النصاب مع أن مقصودهما واحد، فكذلك الذهب والفضة. وبناء على ذلك: لو كان عند الإنسان نصف نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، لم تجب عليه الزكاة في واحد منهما، لما ذكرنا من أنه لا يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب. ويلحق بالذهب والفضة ما جعل بدلاً عنهما في كونه نقداً يتعامل به، كالأوراق النقدية المعروفة بين الناس اليوم، فإذا كان عند الإنسان من هذه الأوراق ما تساوي قيمتيه نصاباً من الذهب أو الفضة، فإن الزكاة تجب عليه فيها، لأنها نقود وليست عروض تجارة، إذ إنها هي قيم الأشياء التي تقدر بها، وهي وسيلة التبادل بين الناس، فكانت كالدنانير والدراهم وليست كعروض التجارة كما زعمه بعضهم. وليعلم أن الزكاة في الذهب والفضة واجبة وإن كان الإنسان قد ادخرهما لنفقاته وحاجاته، فإذا كان عند الإنسان عشرة آلاف درهم، أعدها لشراء بيت يسكنه، فإن الزكاة واجبة فيها ولو بقيت سنوات، وكذلك لو كان قد أعدها ليتزوج بها فإن الزكاة واجبة فيها ولو بقيت سنة أو أكثر. المهم أن الزكاة واجبة في عين الذهب والفضة، فتجب فيهما بكل حال، وما يظنه بعض الناس من أن الدراهم إذا أعدت للنفقة، أو لحاجة الزواج ونحوه لا زكاة فيها، فإنه ظن خاطئ لا أصل له، لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في أقوال أهل العلم، وهذا بخلاف العروض، فإن العروض هي التي يشترط فيها نية التجارة، أما الذهب والفضة فالزكاة في أعيانهما فتجب فيهما بكل حال. هذا أحد الأموال التي تجب فيها الزكاة، وهو الذهب والفضة. الثاني: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) (البقرة: ٢٦٧) ، ولقول النبي ﷺ : " فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر" (٣) ، ولقول النبي ﷺ " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (٤) ، فتجب الزكاة في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، من الحبوب: كالبر والذرة، والأرز وغيرها. ومن الثمار: كالنخيل والأعناب التي تزبب ويحصل منها الزبيب، وأما الأعناب التي لا تزبب ففيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه لا زكاة فيها، لأنها ملحقة بالفواكه، في كالبرتقال والتفاح، ومنهم من قال: إنها تجب فيها الزكاة اعتباراً بأصل العنب، لأن أصل العنب أن يزبب، فهو شبيه بثمار النخيل، أي شبيه بالتمر، والاحتياط أن يخرج الإنسان الزكاة منه، وأما ما ليس بحبوب ولا ثمار، يكال ويدخر، مثل الفواكه على اختلاف أنواعها، والخضروات على اختلاف أنواعها، فإنه لا زكاة فيها ولو كثرت. ومقدار الزكاة في الحبوب والثمار العشر، أي: عشرة في المائة إذا كانت تسقى بلا مؤونة، كالذي يشرب بعروقه، لكون الأرض رطبة، أو الذي يشرب بالطل، أو الذي يشرب بالأنهار، أو الذي يشرب بالقنوات التي تضرب في الأرض ثم ينبع منها الماء، هذا كله يجب فيه العشر، لأنه لا مؤونة في استخراج الماء الذي يسقى به، وأما إذا كان يسقى بمؤونة، كالذي يسقى بالسواني أو بالمكائن أو بالغرافات، أو ما أشبهها، فإن الواجب فيه نصف العشر، فأسقط الشارع عنه نصف العشر مراعاة لحاله، ونصف العشر خمسة في المائة، فإذا قدرنا أن هذه المزرعة أنتجت خمسة آلاف صاع، كان الواجب فيها إذا كان الزرع يسقى بلا مؤونة خمسمائة صاع، وإذا كان يسقى بمؤونة كان الواجب مائتين وخمسين صاعاً، وعلى هذا فقس. ولكن لا تجب الزكاة في الحبوب والثمار حتى تبلغ نصاباً، والنصاب خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ ، فيكون مجموع الآصع ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ ، فما دون ذلك فلا زكاة فيه، لقول النبي ﷺ : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (٥) . هذان مالان مما تجب فيهما الزكاة. زكاة الفواكه والخضروات إذا بيعت

стр. 119

السؤال (١١٦) : فضيلة الشيخ، بالنسبة للفواكه التي لا زكاة فيها، هل إذا باعها الإنسان وجب عليه الزكاة في قيمتها "؟. الجواب: هذه الفواكه والخضروات لا زكاة فيها، ولكن الإنسان إذا باعها، فإن في ثمنها الزكاة إن بقي حتى تم عليه الحول وكان من النقدين، الذهب والفضة أو ما جرى مجراهما، أما لو باعها بعروض، مثل أن باعها بسيارات أو بأقمشة أو بأواني، فإنه لا زكاة فيها أيضاً ما لم ينو التجارة بما جعله بدلاً، فإن نوى التجارة كانت الزكاة واجبة وجوب زكاة العروض التي سنتكلم عنها إن شاء الله تعالى فيما بعد. تابع الأصناف التي تجب فيها الزكاة ومن الأموال الزكوية التي تجب فيها الزكاة: بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، ولكن يشترط لوجوب الزكاة فيها شرطان: الشرط الأول: أن تكون معدة للدر والنسل والتسمين، لا للبيع والشراء. والشرط الثاني: أن تكون سائمة الحول أو أكثره، يعني أن تتغذى على السوم- وهو الرعي - الحول أو أكثره. فإن كانت غير معدة للدر والتسمين، وإنما هي معدة للاتجار والتكسب، فهي عروض التجارة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، وإن كانت معدة للدر والتسمين، ولكنها تعلف فإنها لا زكاة فيها، فلو كان عند الفلاح عشرون بعيراً أبقاها للتناسل وللدر والتسمين وللقنية، فإنها لا زكاة عليها في ذلك مادام يعلفها أكثر الحول لحديث أنس بن مالك ﵁، فيما كتبه أبو بكر الصديق ﵁ في فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ وأمر بها رسوله ﷺ قال: "في الغنم في سائمتها" (١) . وفي حديث بهز بن حيكم عن أبيه عن جده: " في الإبل في سائمتها" (٢) . وهذا يدل على أن غير السائمة ليس فيها زكاة وهو كذلك. وأما مقدار الزكاة في البهائم - أي بهيمة الأنعام - فإنه يختلف، وذلك لأن الأنصبة في بهيمة الأنعام مقدرة ابتداء وانتهاء، ولكل قدر منها واجب خاص به، فمثلاً في الغنم في كل أربعين شاة شاة واحدة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، فما بين الأربعين إلى مائة وعشرين ليس فيها إلا شاة واحدة، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، فما بين مائة وإحدى وعشرين إلى مائتين ليس فيه إلا شاتان، ثم في كل مائة شاة، ففي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي ثلاثمائة وواحدة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع شياه، وهلم جرا، ولهذا لا يمكن أن نحدد الواجب في بهيمة الأنعام، وذلك لاختلاف الأنصبة ابتداء وانتهاء، ومرجع ذلك إلى كتب الحديث وأهل الفقه. أما غير السائمة، كالخيل والحمير والبغال، فهذه لا زكاة فيها ولو كثرت، ولو سامت، إذا لم تكن للتجارة، لقول النبي ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (٣) . فلو كان عند الإنسان مائة فرس يعدها للركوب والجهاد وغير ذلك من المصالح، فإنه لا زكاة عليه فيها ولو كانت تساوي دراهم كثيرة. إلا إن كان يتّجر في الخيل، يبيع ويشتري، ويتكسب، فعليه فيها زكاة العروض. هذه ثلاثة أموال تجب فيها الزكاة، النقدان وهما الذهب والفضة، والخارج من الأرض، والثالث بهيمة الأنعام. الرابع: عروض التجارة، وعروض التجارة هي الأموال التي عند الإنسان يريد بها التكسب، ولا تختص بنوع معين من المال، بل كل ما أراد به الإنسان التكسب من أي نوع كان من المال ففيه الزكاة، سواء كان المال عقاراً، أو حيواناً، أو مملوكاً من الآدميين، أو سيارات أو أقمشة، أو أواني، أو أطياب، أو غير ذلك، المهم كل ما أعده الإنسان للتجارة والتكسب ففيه الزكاة، ودليل ذلك عموم قوله تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) (٢٤) (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (المعارج: ٢٤-٢٥) ، وقول النبي ﷺ في حديث معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم (٤) ، فالأصل في الأموال وجوب الزكاة إلا ما دل عليه الدليل، والقول ولقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٥) . وصاحب العروض إنما نوى قيمة العروض، ليس له حاجة أو غرض في نفس العروض بدليل أنه يشتري السلعة في أول النهار، فإذا ربحت في آخر النهار باعها، وليس كالإنسان المقتني للسلع الذي يبقيها عنده سواء زادت أم نقصت، فإذن يكون مراد هذا المالك هو القيمة، وهي الذهب والفضة أو ما جرى مجراهما، وقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". ولأننا لو قلنا بعدم وجوب الزكاة في العروض لسقطت الزكاة عن كثير من أموال التجار، لأن غالب أموال التجار التي يتجرون بها إنما هي عروض التجارة. هذه أربعة أنواع من المال تجب فيها الزكاة، واختلف العلماء في العسل، هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب؟ فمنهم من قال لا تجب الزكاة فيه، ومنهم من قال: إنها تجب، واستدلوا بأثر عمر بن الخطاب ﵁، والمسألة عندي محل توقف، والعلم عند الله. وبناء على ذلك: فإنه لا زكاة على الإنسان فيما يقتنيه من الأواني والفرش، والمعدات، والسيارات، والعقارات، وغيرها، حتى وإن أعده للإجارة، فلو كان عند الإنسان عقارات كثيرة تساوي قيمتها الملايين، ولكنه لا يتجر بها، أي لا يبيعها ويشتري بدلها للتجارة مثلاُ، وإنما أعدها للاستغلال، فإنه لا زكاة في هذه العقارات ولو كثرت، وإنما الزكاة فيما يحصل منها من أجرة أو نماء، فتجب الزكاة في أجرتها إذا تم عليها الحول من العقد، فإن لم يتم عليها الحول فلا زكاة فيها، لأن هذه الأشياء - ما عدا الأصناف الأربعة السابقة - الأصل فيها براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب، بل قد دل الدليل على أن الزكاة لا تجب فيها، في قول النبي ﷺ " ليس على المؤمن في عبده ولا فرسه صدقة" (٦) . فإنه يدل على أن ما اختصه الإنسان لنفسه من الأموال غير الزكوية ليس فيه صدقة، أي ليس فيه زكاة، والأموال التي أعدها الإنسان للاستغلال من العقارات وغيرها لا شك أن الإنسان قد أرادها لنفسه ولم يردها لغيره، لأنه لا يبيعها بل يستبقيها للاستغلال والنماء. تقدير قيمة الأراضي لإخراج زكاتها

стр. 120

السؤال (١١٧) : فضيلة الشيخ، لكن بالنسبة للأراضي التي اشتراها أصحابها، وكسدت في أيديهم نظراً لقلة قيمتها، فهم يقدرونها بتقديرات عالية، مع أنها لا تساوي إلا القليل في السوق، فكيف تزكى هذه الأراضي ؟ الجواب: الأراضي التي اشتراها أهلها للتجارة كما هو الغالب ينتظرون بها الزيادة هذه عروض تجارة، وعروض التجارة تقوّم عند حول الزكاة بما تساوي، ثم يخرج ربع الشعر منها، لأن العبرة بقيمتها، وقيمتها من الذهب والفضة، والذهب والفضة زكاتهما ربع العشر، ولا فرق بين أن تكون قيمة هذه الأراضي تساوي قيمة ما اشتريت به أو لا، فإذا قدرنا أن رجلاً اشترى أرضاً بمائة ألف وكانت عند الحول تساوي مائتي ألف، فإنه يجب عليه أن يزكي عن المائتين جميعاً، وإذا كان الأمر بالعكس، اشترها بمائة ألف وكانت عند تمام الحول تساوي خمسين ألفاً فقط، فإنه لا يجب عليه أن يزكي إلا عن خمسين ألفاً، لأن العبرة بقيمتها عند وجوب الزكاة. فإن شك الإنسان لا يدري: هل تزيد قيمتها عما اشتراها به أو تنقص، أو هي هي، فالأصل عدم الزيادة وعدم النقص، فيقومها بثمنها الذي اشتراها به، فإذا قدرنا أن هذه الأرض التي اشتراها بمائة ألف تساوي عند تمام الحول إن طلبت مائة وعشرين، وتساوي إن جلبت ثمانين ألفاً، وهو متردد، نقول: قومها بما اشتريتها به، لأن الأصل عدم الزيادة والنقص، ولكن يشكل على كثير من الناس اليوم أن عندهم أراضي كسدت في أيديهم، ولا تساوي شيئاً، بل إنهم يعرضونها للبيع ولا يجدون من يشتريها، فكيف تزكى هذه الأراضي؟ نقول: إن كان عند الإنسان أموال يمكن أن يزكى منها - من الأموال التي عنده - أدى زكاتها من أمواله التي عنده، وإن لم يكن عنده إلا هذه الأراضي الكاسدة، فإن له أن يأخذ ربع عشرها ويوزعها على الفقراء إن كانت في مكان يمكن أن ينتفع بها الفقير ويعمرها، وإلا فليقيد قيمتها وقت وجوب الزكاة ليخرج زكاتها فيما بعد إذا باعها. وتكون هذه الأراضي مثل الدين الذي عند شخص فقير لا يستطيع الوفاء، فالزكاة لا تجب عليه إلا إذا قبضها، أي إلا إذا قبض الدين، والصحيح أنه إذا قبض الدين من مدين معسر، فإنه يزكيه سنة واحدة فقط ولو كان قد بقي سنين كثيرة عند الفقير. ويمكن أن يقال في هذه الأراضي التي كسدت ولم يجد من يشتريها، يمكن أن يقال: إنه لا يزكيها إلا سنة واحدة، سنة البيع، ولكن الأحوط إذا باعها أن يزكيها لكل ما مضى من السنوات، لأن الفرق بينها وبين الدين أن هذه ملكه بيده، والدين في ذمة فقير خربت لكونه أعسر. تزكية الديون التي في ذمم الناس

стр. 121

السؤال (١١٨) : فضيلة الشيخ، كيف تزكى الديون التي في ذمم الناس ؟ الجواب: الديون التي في ذمم الناس، سواء كانت ثمن مبيع، أو أجرة، أو قرضاً، أو قيمة متلف، أو أرش جناية، أو غير ذلك مما يثبت في الذمة، تنقسم إلى قسمين: الأول: أن تكون مما لا تجب الزكاة في عينه، كالعروض، بأن يكون عند الإنسان لشخص ما مائة صاع من البر أو أكثر، فهذا الدين لا زكاة فيه، وذلك لأن الزروع أو -الحبوب -لا تجب الزكاة في عينها إلا لمن زرعها. وأما الثاني: فهي الديون التي تجب الزكاة في عينها كالذهب والفضة، وهذا فيه الزكاة على الدائن، لأنه صاحبه ويملك أخذه والإبراء منه، فيزكيه كل سنة، إن شاء زكاه مع ماله، وإن شاء قيد زكاته وأخرجها إذا قبضه، فإذا كان عند شخص لآخر مائة ألف فإن من له المائة يزكيها كل عام، أو فإن الزكاة تجب على من هي له كل عام. لكن هو بالخيار، إما أن يخرج زكاتها مع ماله، وإما أن ينتظر حتى يقبضها ثم يزكيها لما مضى، هذا إذا كان الدين على موسر باذل، فإن كان الدين على معسر، فإن الصحيح أن الزكاة لا تجب فيه، لأن صاحبه لا يملك المطالبة به شرعاً، فإن الله تعالى يقول: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة: ٢٨٠) ، فهو في الحقيقة عاجز شرعاً عن ماله، فلا تجب عليه الزكاة فيه، لكن إذا قبضه فإنه يزكيه سنة واحدة فقط وإن بقي في ذمة المدين عشر سنوات، لأن قبضه إياه يشبه تحصيل ما خرج من الأرض، يزكى عند الحصول عليه. وقال بعض أهل العلم: لا يزكيه لما مضى، وإنما يبتدئ به حولاً من جديد. وما ذكرناه أحوط وأبرأ للذمة، أنه يزكيه سنة واحدة لما مضى ثم يستأنف به حولاً، والأمر في هذا سهل، وليس من الصعب على الإنسان أن يؤدي ربع العشر من دينه الذي قبضه بعد أن أيس منه، فإن هذا من شكر نعمة الله عليه بتحصيله. هذا هو القول في زكاة الديون وخلاصته: أنها ثلاثة أقسام: قسم لا زكاة فيه، وهو ما إذا كان الدين مما لا تجب الزكاة في عينه، مثل أن يكون في ذمة شخص لآخر أصواع من البر، أو كيلوات من السكر أو الشاي أو ما أشبه ذلك، فهذا لا زكاة فيه، فما دام الدين مما لا تجب الزكاة في عينه، فلا زكاة فيه ولو كان عنده مئات الأصواع. والقسم الثاني: الدين الذي تجب الزكاة في عينه، كالذهب والفضة ولكنه على معسر، فهذا لا زكاة فيه إلا إذا قبضه، فإنه يزكيه لسنة واحدة ثم يستأنف فيه حولاً، وقيل: إنه يستأنف فيه حولاً على كل حال، ولكن ما قلناه أولى لما ذكرنا من التعليل. القسم الثالث: ما تجب فيه الزكاة كل عام، وهو الدين الذي تجب فيه الزكاة في عينه، وهو على موسر باذل، فهذا فيه الزكاة كل عام، لكن إن شاء صاحب الدين أن يخرج زكاته مع ماله، وإن شاء أخرها حتى يقبضه من المدين. خرص عروض التجارة

стр. 122

السؤال (١١٩) : فضيلة الشيخ، هل يجوز خرص التجارة أو عروض التجارة إذا تعذر إحصاؤها أو شق على التجار ؟ الجواب: لا يجوز خرصها، لأن الخرص إنما ورد في الثمار، وألحق به بعض العلماء الزروع، وأما الأموال فلا يمن خرصها، لأنها أنواع متعددة، لكن على الإنسان أن يتحرى ما استطاع، وأن يحتاط لنفسه، فإذا قدر أن هذه البضاعة تبلغ قيمتها مائة ويحتمل أن تكون مائة وعشرين، فليخرج عن مائة وعشرين إبراء لذمته. الزكاة في مال الصغير والمجنون

стр. 123

السؤال (١٢٠) : فضيلة الشيخ، هل تجب الزكاة في مال غير المكلف، كالصغير والمجنون ؟ الجواب: هذا فيه خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إن الزكاة في مال الصغير والمجنون غير واجبة نظراً إلى تغليب التكليف بها، ومعلوم أن الصغير والمجنون ليسا من أهل التكليف فلا تجب الزكاة في مالهما. ومنهم من قال: بل الزكاة واجبة في مالهما، وهو الصحيح نظراً لأن الزكاة من حقوق المال، لا ينظر فيها إلى المالك، لقول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) (التوبة: ١٠٣) ، فقال (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) - فجعل مناط الحكم أو موضع الوجوب: المال. ولقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (١) . وعلى هذا فتجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، ويتولى إخراجها وليهما. مصارف الزكاة

стр. 124

السؤال (١٢١) : فضيلة الشيخ، ما هي المصارف التي يجب أن تصرف فيها الزكاة ؟ الجواب: المصارف التي يجب أن تصرف فيها الزكاة ثمانية بينها الله تعالى بياناً شافياً كافياً، وأخبر أن ذلك فريضة، وأنه مبنى على العلم والحكمة، فقال جل ذكره: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (التوبة: ٦٠) ، قال الله تعالى بعد (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٦٠) . فهؤلاء أصناف أهل الزكاة الذين تدفع إليهم، وهم ثمانية كالتالي: الفقراء والمساكين: وهؤلاء يعطون من الزكاة لدفع ضرورتهم وحاجتهم. والفرق بين الفقراء والمساكين: أن الفقراء أشد حاجة، لا يحد الواحد منهم ما يكفيه وعائلته لنصف سنة، والمساكين أعلى حالاً من الفقراء، لأنهم يجدون نصف الكفاية فأكثر دون كمال الكفاية. هؤلاء يعطون لحاجتهم، ولكن كيف نقدر الحاجة؟ قال العلماء: يعطون لحاجتهم ما يكفيهم وعائلتهم لمدة سنة، ويحتمل أن يعطون ما يكونون به أغنياء، لكن الذين قدروا ذلك بسنة قالوا: لأن السنة إذا دارت وجبت الزكاة في الأموال، فكما أن الحول هو تقدير الزمن الذي تجب فيه الزكاة، فكذلك ينبغي أن يكون الحول هو تقدير الزمن الذي تدفع فيه حاجة الفقراء والمساكين الذين هم أهل الزكاة. وهذا قول حسن جيد، أي أننا نعطي الفقير والمسكين ما يكفيه وعائلته لمدة عام كامل، سواء أعطيناه أعياناً من أطعمة وألبسة، أو أعطيناه نقوداً يشتري بها هو ما يناسبه، أو أعطيناه صنعة إذا كان يحسن الصنعة، يعني آلة يصنع بها إذا كان يحسن الصنعة، كخياط ونجار، وحداد ونحوه، المهم أن نعطيه ما يكفيه وعائلته لمدة سنة. الثالث: العاملون عليها: أي الذين لهم ولاية عليها من قبل ولي الأمر، ولهذا قال: " والعاملين عليها" ولم يقل: العاملون فيها، إشارة إلى أن لهم نوع ولاية، وهم جباتها الذين يجبونها من أهلها، وقسامها الذين يقسمونها في أهلها، وكتابها ونحوهم، فهؤلاء عاملون عليها يعطون من الزكاة، ولكن: كم يعطون؟ ننظر: هم عاملون عليها، فهم مستحقون بوصف العمالة، ومن استحق بوصف أعطي بقدر ذلك الوصف، وعليه فيعطون من الزكاة بقدر عمالتهم فيها، سواء كانوا أغنياء أم فقراء، لأنهم يأخذون الزكاة لعملهم لا لحاجتهم، وعلى هذا فيعطون ما يقتضيه العمل من الزكاة، فإن قدر أن العاملين عليها فقراء، فإنهم يعطون بالعمالة ويعطون بالفقر كذلك، فيعطون ما يكفيهم لمدة سنة لفقرهم. فهؤلاء يأخذون لعمالتهم أيضاً، لأنهم استحقوا الصدقة أو الزكاة بوصفين: العمالة عليها، والفقر، فيعطون بكلا الوصفين، ولكن إذا أعطيناهم للعمالة فيبقون أغنياء بقدر ما أخذوا من العمالة، فنكمل لهم المؤونة لمدة سنة، مثال ذلك: إذا قدرنا أنه يكفيهم لمدة سنة عشرة آلاف ريال، وأننا إذا أعطيناهم لفقرهم أخذوا عشرة آلاف ريال، وأن نصيبهم من العمالة ألفا ريال، فعلى هذا نعطيهم ألفي ريال للعمالة، ونعطيهم ثمانية آلاف ريال للفقر، هذا وجه قولنا: يعطون كفايتهم لمدة سنة، لأنهم إذا أخذوا بالعمالة صاروا لا يحتاجون إلا ما زاد على استحقاقهم العمالة لمدة سنة. الرابع: المؤلفة قلوبهم: وهم الذين يعطون لتأليفهم على الإسلام، إما كافر يرجى إسلامه، وإما مسلم نعطيه لتقوية الإيمان في قلبه، وإما شرير نعطيه لدفع شره عن المسلمين، أو نحو ذلك ممن يكون في تأليفه مصلحة للمسلمين، ولكن هل يشترط في ذلك أن يكون سيداً مطاعاً في قومه حتى يكون في تأليفه مصلحة عامة؟ أو يجوز أن يعطى لتأليفه ولو لمصلحة شخصية كرجل دخل في الإسلام حديثاً يحتاج إلى تأليفه وتقوية إيمانه بإعطائه؟ هذا محل خلاف بين العلماء، والراجح عندي أنه لا بأس أن يعطى لتأليفه على الإسلام بتقوية إيمانه، وإن كان يعطى بصفة شخصية وليس سيداً في قومه لعموم قوله تعالى: (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) ولأنه إذا جاز أن نعطي الفقير لحاجته البدنية الجسمية، فإعطاؤنا هذا الضعيف الإيمان لتقويه إيمانه من باب أولى، لأن تقوية الإيمان بالنسبة لشخص أهم من غذاء الجسد. هؤلاء الأربعة يعطون الزكاة على سبيل التمليك، ويملكونها ملكاً تاماً، حتى لو زال الوصف منهم في أثناء الحول لم يلزمهم رد الزكاة بل تبقى حلالاً لهم، لأن الله عبر عن استحقاقهم باللام، فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) (التوبة: ٦٠) ، فأتى باللام، وفائدة ذلك أن الفقير لو استغنى في أثناء الحول فإنه لا يلزمه رد الزكاة، مثل: لو أعطيناه عشرة آلاف لفقره وهي تكفيه لمدة سنة، ثم إن الله تعالى أغناه في أثناء الحول باكتساب مال أو موت قريب له يرثه، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يلزمه رد ما بقي من المال الذي أخذه من الزكاة لأنه ملكه. أما الخامس من أهل الزكاة: فهم الرقاب، لقوله تعالى: (وَفِي الرِّقَابِ) . والرقاب فسرها العلماء بثلاثة أشياء: الأول: مكاتب اشترى نفسه من سيده بدراهم مؤجلة في ذمته، فيعطى ما يوفي به سيده، والثاني: رقيق مملوك اشتري من الزكاة ليعتق، والثالث: أسير مسلم أسره الكفار، فيعطى الكفار من الزكاة لفكهم هذا الأسير، ومثله أيضاً الاختطاف، فلو اختطف المسلمَ أحد من المسلمين أو الكفار فلا بأس أن يفدى هذا المختطِف بشيء من الزكاة، لأن العلة واحدة وهي فكاك المسلم من الأسر، وهذا إذا لم يمكننا أن نرغم المختطف على فكاكه بدون بذل المال، إذا كان المختطِف من المسلمين. والصنف السادس من أهل الزكاة: الغارمين: الغارم هو المدين، وقسم العلماء ﵏ الغرم إلى قسمين: الأول: غرم لإصلاح ذات البين، وغرم لسداد الحاجة، أما الغرم لإصلاح ذات البين فمثلوا له بأن يقع بين قبيلتين تشاحن وتشاجر أو حروب، فيأتي رجل من أهل الخير والجاه واشرف والسؤدد ويصلح بين هاتين القبيلتين بدراهم يتحملها في ذمته، فإننا نعطي هذا الرجل المصلح الدراهم التي تحملها من الزكاة، جزاء له على هذا العمل الجليل الذي قام به، والذي فيه إزالة الشحناء والعداوة بين المؤمنين وحقن دماء الناس، وهذا يعطى سواء كان غنياً أم فقيراً، لأننا لسنا نعطيه لسد حاجته، ولكننا نعطيه لما قام به من المصلحة العامة. أما الثاني فهو الغارم لنفسه، الذي استدان لنفسه باستقراض شيء ليدفعه في حاجته، أو بشراء شيء يحتاجه، يشتريه في ذمته وليس عنه مال، فهذا نوفي دينه من الزكاة بشرط أن يكون فقيراً ولو لم يعلم بذلك، وعليه فهل الأفضل أن نعطي هذا المدين من الزكاة ليوفي دينه؟ أو أن نذهب نحن إلى دائنه ونوفي عنه؟ هذا يختلف، فإن كان هذا الرجل المدين حريصاً على وفاء دينه وإبراء ذمته، وهو أمين فيما يعطى لوفاء الدين، فإننا نعطيه هو بنفسه يقضي دينه، لأن هذا استر له وأبعد عن تخجيله أمام الناس الذين يطلبونه. أما إذا كان المدين رجلاً مبذراً يفسد الأموال، ولو أعطيناه مالاً ليقضي دينه ذهب يشتري به أشياء لا ضرورة لها، فإننا لا نعطيه وإنما نذهب نحن إلى دائنه ونقول له: ما دين فلان لك؟ ثم نعطيه هذا الدين أو بعضه، حسب ما يتيسر. وهل يقضى منها -أي من الزكاة -دين على ميت لم يخلف تركة؟ ذكر ابن عبد البر وأبو عبيدة أنه لا يقضى منها دين على الميت بالإجماع، ولكن الواقع أن المسألة فيها خلاف ولكن أكثر العلماء يقولون: إنه لا يقضى منها دين على ميت، وأن الميت انتقل إلى الآخرة ولا يلحقه من الذل والهوان بالدين الذي عليه ما يلحق الأحياء، ولأن النبي ﷺ لم يكن يقضي ديون الأموات من الزكاة، بل كان يقضيها ﵊ من أموال الفيء حين فتح الله عليه، وهذا يدل على أنه لا يصح قضاء دين الميت من الزكاة، ويقال: الميت إن كان قد أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله تعالى يؤدي عنه بفضله وكرمه، وإن كان قد أخذها يريد إتلافها فهو الذي جنى على نفسه، ويبقى الدين في ذمته يستوفى يوم القيامة، وعندي أن هذا أقرب من القول بأنه يقضى منها الدين على الميت. وقد يقال: يفرق بين ما إذا كان الأحياء يحتاجون إلى الزكاة، لفقر أو غرم أو جهاد أو غير ذلك، وما إذا كان الأحياء لا يحتاجون إليها، ففي الحال لا التي يحتاج إليها الأحياء يقدم الأحياء على الأموات، وفي الحال التي لا يحتاج إليها الأحياء لا حرج أن نقضي ديون الأموات الذين ماتوا ولم يخلفوا مالاً، ولعل هذا قول يكون وسطاً بين القولين. ثم الصنف السابع: في سبيل الله، وسبيل الله هنا المراد بها الجهاد في سبيل الله لا غير، ولا يصح أن يراد بها جميع سبل الخير، لأنه لو كان المراد بها جميع سبل الخير لم يكن للحصر فائدة في قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآية. إذ يكون الحصر عديم التأثير، فالمراد بسبيل الله هو الجهاد في سبيل الله، فيعطى المقاتلون في سبيل الله الذين يظهر من حالهم أنهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، يعطون من الزكاة ما يحتاجون إليه من النفقات والأسلحة وغير ذلك. ويجوز أن تشترى الأسلحة لهم من الزكاة ليقاتلوا بها، ولكن لابد أن يكون القتال في سبيل الله. والقتال في سبيل الله بينه الرسول ﷺ بميزان عدل من قسط حين سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١) ، فالرجل المقاتل حمية لوطنه أو قوميته أو غير ذلك من أنواع الحميات ليس يقاتل في سبيل الله، فلا يستحق ما يستحقه المقاتل في سبيل الله، لا من الأمور المادية الدنيوية ولا من أمور الآخرة، والرجل الذي يقاتل شجاعة أي أنه يحب القتال لكونه شجاعاً، والمتصف بصفة غالباً يحب أن يقوم بها على أي حال كانت، هو أيضاً ليس يقاتل في سبيل الله، والمقاتل ليرى مكانه، يقاتل رياء وسمعة، ليس من المقاتلين في سبيل الله، وكل من لا يقاتل في سبيل الله فإنه لا يستحق من الزكاة، لأن الله تعالى يقول: (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) . والذي يقاتل في سبيل الله هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، قال أهل العلم: ومن سبيل الله: الرجل يتفرغ لطلب العلم الشرعي، فيعطى من الزكاة ما يحتاج إليه من نفقة، من كسوة وطعام وشراب ومسكن وكتب علم يحتاجها، لأن العلم الشرعي نوع من الجهاد في سبيل الله، بل قال الإمام أحمد ﵀: " العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته". فالعلم هو أصل الشرع كله، ولا شرع إلا بعلم، والله أنزل الكتاب ليقوم الناس بالقسط ويتعلموا أحكام شريعته وما يلزم من عقيدة وقول وفعل، أما الجهاد في سبيل الله فنعم، هو من أشرف الأعمال، بل هو ذروة سنام الإسلام، ولا شك في فضله، لكن العلم له شأن كبير في الإسلام، فدخوله في الجهاد في سبيل الله دخول واضح لا إشكال فيه، فإذا جاءنا رجل أهل للعلم، وقال: أنا إن ذهبت اكتسب لنفسي وأهلي لم أتمكن من طلب العلم، وإن تفرغت لطلب العلم فإنني أحصل فيه، ولكن لا أجد ما يدفع حاجتي، فإننا نقول له: تفرغ لطلب العلم ونعطيه ما يدفع به حاجته من الزكاة. الثامن: بقي من أصناف أهل الزكاة صنف واحد وهو ابن السبيل، وابن السبيل هو المسافر الذي انقطع به السفر ونفدت نفقته، فإنه يعطى من الزكاة ما يوصله إلى بدله وإن كان في بلده غنياً، لأنه محتاج، ولا نقول له في هذه الحال: يلزمك أن تستقرض وتوفي، لأننا في هذه الحال نلزم ذمته ديناً، ولكن لو اختار هو أن يستقرض ولا يأخذ من الزكاة فالأمر إليه، فإذا وجدنا شخصاً مسافراً من مكة إلى المدينة، وفي أثناء السفر ضاعت نفقته ولم يبق معه شيء، وهو غني في المدينة، فإننا نعطيه ما يوصله إلى المدينة فقط، لأن هذه هي حاجته، ولا نعطيه أكثر. وإذا كنا قد عرفنا أصناف أهل الزكاة الذين تدفع إليهم، فإن ما سوى ذلك من المصالح العامة أو الخاصة لا تدفع فيه الزكاة، وعلى هذا فلا تدفع الزكاة في بناء المساجد، ولا في إصلاح الطرق، ولا في بناء المكاتب وشبه ذلك، لأن الله لما ذكر أصناف أهل الزكاة قال: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) . يعني أن هذا التقسيم جاء فريضة من الله : (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . نقول: هل هؤلاء المستحقون يجب أن يعطى كل واحد منها، أي كل صنف، لأن الواو تقتضي الجمع؟ فالجواب: أن ذلك لا يجب، لقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" (٢) . فلم يذكر النبي ﷺ إلا صنفاً واحداً، وهذا يدل على أن الآية يبين الله تعالى فيها جهة الاستحقاق، وليس المراد أنه يجب أن تعمم هذه الأصناف. ولكن إذا قيل: أيها أولى أن يصرف فيه الزكاة؟ قلنا: إن الأولى ما كانت الحاجة إليه أشد، لأن كل هؤلاء استحقوا بوصف، فمن كان أشد إلحاحاً وحاجة فهو أولى، والغالب أن الأشد هم الفقراء والمساكين، ولهذا بدأ الله تعالى بهم فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) . حكم صرف الزكاة للأقارب الفقراء

стр. 125

السؤال (١٢٢) : فضيلة الشيخ، ما حكم جعل الزكاة في الأقارب المحتاجين ؟ الجواب: الزكاة في الأقارب الذين لهم من أهلها أولى من أن تكون في غير الأقارب، لأن الصدقة على الأقارب صدقة وصلة، فإذا كان أخوك، أو عمك، أو أبوك، أو أمك من أهل الزكاة، فهم أولى بها من غيرهم، لكن إذا كانوا يأخذون الزكاة لحاجتهم، وأنت تجب عليك نفقتهم، فإنه لا يجوز أن تعطيهم من الزكاة في هذه الحال، لأنك إذا أعطيتهم من الزكاة رفدت مالك ووقيته بما تعطيه من الزكاة، فإذا قدرنا أن لك أخاً فقيراً وأنت عندك زكاة ونفقته تجب عليك، فإنه لا يجوز أن تعطيه لفقره، لأنك إذا أعطيته لفقره رفدت مالك ووقيته بما تعطيه، إذ لو لم تعطه من الزكاة لوجب عليك الإنفاق عليه، أما لو كان على أخيك هذا دين لا يستطيع وفاءه، مثل أن يحصل منه إتلاف شيء أو جناية على أحد، ويلزمه مال، ففي هذه الحال يجوز أن تقضي دينه من زكاتك، لأنه لا يجب عليك قضاء دينه، وإنما الواجب عليك نفقته. وقاعدة ذلك: أن الأقارب إذا أعطاهم الإنسان زكاة ماله لدفع حاجتهم وهم ممن تجب عليه نفقتهم، فإن ذلك لا يصح، وإن أعطاهم لدفع أمر لا يلزمه القيام به، فإن ذلك جائز، بل هم أحق بذلك من غيرهم. فإن قال قائل: ما دليلك على هذا؟ قلنا: الدليل عموم الأدلة، بل عموم آية الصدقة التي أشرنا إليها فيما سبق: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) . وإنما منعنا إعطائهم فيما إذا كان إعطاؤهم لدفع حاجتهم التي يجب عليك دفعها، لأن هذا من باب إسقاط الواجب عن الإنسان بالحيلة، والواجب لا يمكن إسقاطه بالحيل. توضيح

стр. 126

السؤال (١٢٣) : فضيلة الشيخ، نريد التمثيل أيضاً لدفع المال للوالد أو الوالدة، فيما لا يجب على الإنسان ؟ الجواب: مثال ذلك: اشترى أبوك سيارة بخمسة آلاف ريال مثلاً، واحترقت السيارة فلزمه خمسة آلاف ريال، وأنت لا يلزمك أن تدفعها له، لأن هذا ليس من النفقة، فيجوز لك أن تقضي دينه هذا من زكاتك، وكذلك لو لزم أحداً من أقاربك الآخرين شيء من أجل جناية أو إتلاف. فإنه يجوز لك أن تدفع زكاتك في قضاء هذا الشيء. حكم إسقاط الدين عن المدين واعتبار ذلك من الزكاة

стр. 127

السؤال (١٢٤) : فضيلة الشيخ، هل يجوز إسقاط الدين عن المدين ويكون ذلك من الزكاة ؟ الجواب: لا يجوز ذلك، لأن الله تعالى يقول: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) (التوبة: ١٠٣) ، فقال تعالى (خُذْ) ، والأخذ لابد أن يكون ببذل من المأخوذ منه، وقال النبي ﷺ : "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد" (١) ، فقال "تؤخذ من أغنيائهم فترد"، فلابد من أخذ ورد، والإسقاط لا يوجد فيه ذلك، ولأن الإنسان إذا أسقط الدين عن زكاة العين التي في يده، فكأنما أخرج الرديء عن الطيب، لأن قيمة الدين في النفس ليست كقيمة العين، لأن العين ملكه وفي يده، والدين في ذمة الآخرين قد يأتي وقد لا يأتي، فصار الدين دون العين، وإذا كان دونها فلا يصح أن يخرج أي الدين زكاة عنها لنقصه، وقد قال الله تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) (البقرة: ٢٦٧) . ومثال ما سألت عنه: لو كان على الإنسان عشرة آلاف ريال زكاة، وهو يطلب رجلاً فقيراً عشرة آلاف ريال، فذهب إلى الرجل الفقير، وقال: قد أسقطت عنك عشرة آلاف ريال وهي زكاتي لهذا العام، قلنا: هذا لا يصح، لأنه لا يصح إسقاط الدين وجعله عن زكاة عين، لما أشرنا إليه آنفاً. وهذه مسألة يخطئ فيها بعض الناس ويتجاوزها جهلاً منهم، وقد قال شيخ الإسلام ﵀: إنه لا يجزئ إسقاط الدين عن زكاة العين بلا نزاع. دفع الزكاة للفقير المدين بشرط أن يردها للدافع

стр. 128

السؤال (١٢٥) : فضيلة الشيخ، هل يجوز دفعها للفقير المدين بشرط أن يردها للدافع ؟ الجواب: لا، لا يجوز، يعني لو كان عندك مدين فقير، ودفعت إليه زكاتك فلا بأس، ولا حرج، حتى لو ردها عليك من بعد فلا حرج، لكن إذا اشترطت عليه ذلك، فلا يجوز، لأنك إذا فعلت هذا فقد علمنا أنك إنما تريد بهذا العمل أن تسترد مالك الذي في ذمة الفقير، والزكاة لا يجوز أن يحابي الإنسان فيها أحداً لا نفسه ولا غيره. حكم الزكاة في الإسلام

стр. 129

السؤال (١٢٦) : فضيلة الشيخ، ما حكم الزكاة في الإسلام ؟ الجواب: الزكاة في الإسلام أحد أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها، لقول النبي ﷺ : " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام" (١) ، وهي فرض بإجماع المسلمين، فمن أنكر وجوبها فقد كفر، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو ناشئاً في بادية بعيدة عن العلم وأهله، فيعذر ولكنه يعلم، فإن أصر بعد علمه فقد كفر مرتداً. وأما من منعها بخلاً وتهاوناً ففيه خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال: إنه يكفر، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ومنهم من قال: إنه لا يكفر، وهذا هو الصحيح، لكنه قد أتى كبيرة، عظيمة، والدليل على أنه لا يكفر حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ ذكر عقوبة مانع زكاة الذهب والفضة ثم قال: " حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار" (٢) . وإذا كان يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة فإنه ليس بكفار، لأن الكافر لا يمكن أن يرى سبيلاً له إلى الجنة. ولكن على مانعها بخلاً وتهاوناً من الإثم العظيم ما ذكره الله في قوله: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران: ١٨٠) ، وفي قوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (٣٤) (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة: ٣٤-٣٥) . فعلى المرء المسلم أن يشكر الله على نعمته عليه بالمال، وأن يؤدي زكاته، حتى يزيد الله له في ماله بركة ونماء، والله الموفق.

стр. 130

فتاوى الصيام المقصود بالصيام لغة وشرعاً

стр. 131

السؤال (١٢٧) : فضيلة الشيخ، ما المقصود بالصيام لغة وشرعاً ؟ الجواب: الصيام في اللغة: معناه الإمساك، ومنه قوله تعالى: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً) (مريم: ٢٦) أي نذرت إمساكاً للكلام فلن أكلم اليوم إنسياً. ومنه قول الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما أما في الشرع: فهو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. أقسام الصيام

стр. 132

السؤال (١٢٨) : فضيلة الشيخ، ما هي أقسام الصيام ؟ الجواب: ينقسم الصيام إلى قسمين: قسم مفروض: والمفروض قد يكون بسبب كصيام الكفارات، والنذور، وقد يكون بغير سبب كصيام رمضان، فإنه واجب بأصل الشرع، أي: بغير سبب من المكلف. وأما غير المفروض: فقد يكون معيناً، وقد يكون مطلقاً. فمثال المعين: صوم يوم الاثنين والخميس. ومثال المطلق: صيام أي يوم من أيام السنة، إلا أنه قد ورد النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصوم، فلا يصام يوم الجمعة إلا أن يصام يوم قبله أو يوم بعده. كما ورد في النهي عن صيام يومي العيدين الفطر والنحر، وكذلك عن صيام أيام التشريق، إلا لمن لم يجد الهدي للقارن والمتمتع، فإنه يصوم أيام التشريق عن الأيام الثلاثة التي في الحج. حكم صيام رمضان

стр. 133

السؤال (١٢٩) : فضيلة الشيخ، ما حكم صيام شهر رمضان ؟ الجواب: صيام شهر رمضان فرض بنص الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين، قال الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١٨٣) إلى قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: ١٨٣-١٨٥) . وقال النبي ﷺ " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام" (١) . وقال ﵊: " إذا رأيتموه فصوموا" (٢) . وأجمع المسلمون على أن صيام رمضان فرض، وأنه أحد أركان الإسلام، فمن أنكر فرضيته كفر، إلا أن يكون ناشئاً في بلاد بعيدة لا تعرف فيها أحكام الإسلام، فيعذر بذلك، ثم إن أصر بعد إقامة الحجة عليه كفر. ومن تركه تهاوناً مع الإقرار بفرضيته فهو على خطر، فإن بعض أهل العلم يرى أنه كافر مرتد، ولكن الراجح أنه ليس بكفار مرتد، بل هو فاسق من الفساق لكنه على خطر عظيم. مكانة الصيام وفضله

стр. 134

السؤال (١٣٠) : فضيلة الشيخ، ما هي مكانة الصيام في الدين، وفضله في العبادة وخاصة في شهر رمضان ؟ الجواب: مكانة الصيام في الإسلام أنه أحد أركانه العظيمة التي لا يقوم إلا بها، ولا يتم إلا بها، وأما فضله في الإسلام فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (١) . حكم الفطر في رمضان بدون عذر

стр. 135

السؤال (١٣١) : فضيلة الشيخ، ما حكم الفطر في نهار رمضان بدون عذر ؟ الجواب: الفطر في نهار رمضان دون عذر من أكبر الكبائر، ويكون به الإنسان فاسقاً، ويجب عليه أن يتوب إلى الله، وأن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره، يعني لو أنه صام وفي أثناء اليوم أفطر بدون عذر، فعليه أن يقضي ذلك اليوم الذي أفطره، لأنه لما شرع فيه التزم به ودخل فيه على أنه فرض، فيلزمه قضاؤه كاملاً، أما لو ترك الصوم من الأصل متعمداً بلا عذر الراجح أنه لا يلزمه القضاء، لأنه لن يستفيد منه شيئاً، لأنه لن يقبل منه، فإن القاعدة: أن كل عبادة مؤقتة بوقت معين، فإنها إذا أخرت عن ذلك اليوم المعين بلا عذر لن تقبل من صاحبها، لقول النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) ، ولأنه من تعدي حدود الله ، وتعدي حدود الله تعالى ظلم، والظالم لا يقبل منه، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: ٢٢٩) ، ولأنه لو قدم هذه العبادة على وقتها أي: فعلها قبل دخول الوقت لم تقبل منه، فكذلك إذا فعلها بعده لن تقبل منه إلا أن يكون معذوراً. بم يثبت شهر رمضان

стр. 136

السؤال (١٣٢) : فضيلة الشيخ، بماذا يثبت شهر رمضان ؟ الجواب: يثبت دخول شهر رمضان إما برؤية هلاله، وإما بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، لقول الرسول ﷺ : " إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " (١) . حكم رؤية من رأى الهلال وحده

стр. 137

السؤال (١٣٣) : فضيلة الشيخ، ما حكم من رأى الهلال وحده ولم يصم معه الناس ؟ الجواب: من رأى الهلال وحده يجب عليه أن يبلغ به المحكمة الشرعية ويشهد به، ويثبت دخول شهر رمضان بشهادة الواحد إذا ارتضاه القاضي وحكم بشهادته، فإن ردت شهادته فقد قال بعض العلماء: إنه يلزمه أن يصوم، لأنه تيقن أنه رأى الهلال، وقد قال النبي ﷺ : " صوموا لرؤيته" (١) وهذا قد رآه. وقال بعض أهل العلم: لا يلزم أن يصوم، لأن الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس، وموافقته للجماعة خير من انفراده وشذوذه، وفصل آخرون فقالوا: يلزمه الصوم سرا، فيلزمه الصوم، لأنه رأى الهلال، ويكون سراً لئلا يظهر مخالفة الجماعة. أركان الصيام

стр. 138

السؤال (١٣٤) : فضيلة الشيخ، ما هي أركان الصيام ؟ الجواب: الصيام له ركن واحد، فهو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والمراد بالفجر هنا الفجر الثاني دون الفجر الأول، فيتميز الفجر الثاني عن الفجر الأول بثلاث ميزات: الأولى: أن الفجر الثاني يكون معترضاً في الأفق، والفجر الأول يكون مستطيلاً، أي ممتداً من المشرق إلى المغرب، أما الفجر الثاني فهو من الشمال إلى الجنوب. الميزة الثانية: أن الفجر الثاني لا ظلمة بعده، بل يستمر النور في ازدياد حتى تطلع الشمس، وأما الفجر الأول فيظلم بعد أن يكون له شعاع. الميزة الثالثة: أن الفجر الثاني متصل غيابه بالأفق، وأما الفجر الأول فبينه وبين الأفق ظلمة، والفجر الأول ليس له حكم في الشرع، فلا تحل به صلاة الفجر ولا يحل به الطعام على الصائم بخلاف الفجر الثاني. على من يجب الصيام؟

стр. 139

السؤال (١٣٥) : فضيلة الشيخ، على من يجب الصيام ؟ الجواب: الصيام يجب أداءً على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم خال من الموانع، فهذه ستة أوصاف، مسلم بالغ عاقل قادر مقيم خال من الموانع، فأما الكافر فلا يجب عليه الصوم ولا غيره من العبادات، ومعنى قولنا: لا يجب عليه الصوم أنه لا يلزم به حال كفره، ولا يلزمه قضاؤه بعد إسلامه، لأن الكافر لا تقبل منه العبادة حال كفره، لقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (التوبة: ٥٤) . ولا يلزمه قضاء العبادة إذا أسلم، لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (الأنفال: ٣٨) ، لكنه يعاقب على ما تركه من واجبات حال كفره، لقوله تعالى عن أصحاب اليمين وهم يتساءلون عن المجرمين: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (٤٢) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (٤٣) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (٤٤) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (٤٥) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (٤٦) (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر: ٤٢-٤٧) . فذكره ترك الصلاة وإطعام المسكين من أسباب دخولهم النار، يدل على أن لذلك تأثيراً في دخولهم النار، بل إن الكافر يعاقب على كل ما يتمتع به من نعم الله من طعام وشراب ولباس، لقول الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة: ٣٩) ، فنفي الجناح عن المؤمنين فيما طعموا يدل على ثبوت الجناح على غير المؤمنين فيما طعموا، ولقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (الأعراف: ٣٢) . فقوله: (لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يدل على أن الحكم في غير المؤمنين يختلف عن الحكم في المؤمنين، ولكن إذا أسلم الكافر في أثناء رمضان لم يلزمه القضاء فيما سبق إسلامه، فإذا أسلم ليلة الخامس عشر مثلاً، فالأيام الأربعة عشر لا يلزمه قضاؤها، وإذا أسلم في أثناء اليوم لزمه الإمساك دون القضاء، فإذا أسلم عند زوال الشمس مثلاً قلنا له: أمسك بقية يومك ولا يلزمك القضاء، فنأمره بالإمساك، لأنه صار من أهل الوجوب، ولا نأمره بالقضاء، لأنه قام بما وجب عليه وهو الإمساك من حين أسلم، ومن قام بما يجب عليه لم يكلف بإعادة العبادة مرة ثانية. أما العقل فهو الوصف الثاني للوجوب، العقل هو ما يحصل به الميز أي: التمييز بين الأشياء، فإذا لم يكن الإنسان عاقلاً فإنه لا صوم عليه، كما أنه لا يجب عليه شيء من العبادات سوى الزكاة، ومن هذا النوع - أي ممن ليس له عقل - أن يبلغ الإنسان سناً يسقط معه التمييز، وهو ما يعرف عند العامة بالهذرات، فلا يلزم المهذري صوم، ولا يلزم عنه إطعام، لأنه ليس من أهل الوجوب. أما الوصف الثالث فهو البلوغ، ويحصل البلوغ بواحد من أمور ثلاثة: إما أن يتم للإنسان خمس عشرة سنة، أو أن ينبت العانة، وهي الشعر الخشن الذي يكون عند القبل، أو ينزل المني بلذة سواء كان ذلك باحتلام أو بيقظة، وتزيد المرأة أمراً رابعاً وهو الحيض، فإذا حاضت المرأة بلغت، وعلى هذا فمن تم له خمس عشرة سنة من ذكر أو أنثى فقد بلغ، ومن نبتت عانته ولو قبل خمس عشرة سنة من ذكر أو أنثى فقد بلغ، ومن أنزل منياً بلذة من ذكر أو أنثى ولو قبل خمس عشرة سنة فقد بلغ، ومن حاضت ولو قبل خمس عشرة سنة فقد بلغت، وربما تحيض المرأة وهي بنت عشر سنين، وهنا يجب التنبه لهذه المسألة التي يغفل عنها كثير من الناس، فإن بعض النساء تحيض مبكراً ولا تدري أنه يلزمها الصوم وغيره ومن العبادات التي تتوقف أو التي يتوقف وجوبها على البلوغ، لأن كثيراً من الناس يظنون أن البلوغ إنما يكون بتمام خمس عشرة سنة، وهذا ظن لا أصل له، فإذا لم يكن الإنسان بالغاً فإن الصوم لا يجب عليه. ولكن ذكر أهل العلم أن الولي مأمور بأن يأمر موليه الصغير من ذكر أو أنثى بالصوم ليعتاده حتى يتمرن عليه ويسهل عليه إذا بلغ، وهذا ما كان الصحابة ﵃ يفعلونه، فإنهم كانوا يصومون أولادهم الصغار حتى إن الواحد منهم ليبكي فيعطى لعبة من العهن يتلهى بها حتى تغرب الشمس (١) . وأما الوصف الرابع فهو أن يكون الإنسان قادراً على الصوم، أي يستطيع أن يصوم بلا مشقة، فإن كان غير قادر فلا صوم عليه. ولكن غير القادر ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون عجزه عن الصوم مستمراً دائماً كالكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، فهذا يطعم عن كل يوم مسكيناً، فإذا كان الشهر ثلاثين يوماً أطعم ثلاثين مسكيناً، وإذا كان الشهر تسعة وعشرين يوماً أطعم تسعة وعشرين مسكيناً، وللإطعام كيفيتان: الكيفية الأولى: أن يخرج حباً من أرز أو بر، وقدره ربع صاع بصاع النبي ﷺ ، أي خمس صاع بالصاع المعروف هنا، ويساوي كيلوين وأربعين جراماً من بر جيد رزين، يعني أنك إذا وزنت من البر الرزين الدجن ما يبلغ كيلوين وأربعين جراماً فإن هذا صاع بصاع النبي ﷺ ، والصاع بصاع النبي ﷺ أربعة أمداد، فيكفي لأربعة مساكين، ويحسن في هذه الحال أن تجعل معه إذا دفعته للفقير شيئاً يؤدمه من لحم أو غيره حسب ما تقتضي به الحال والعرف. وأما الكيفية الثانية للإطعام: فأن يصنع طعاماً يكفي لثلاثين فقيراً أو تسعة وعشرين فقيراً حسب الشهر ويدعوهم إليه كما ذكر ذلك عن أنس بن مالك ﵁ حين كبر، ولا يجوز أن يطعم شخصاً واحداً مقدار ما يكفي الثلاثين أو التسعة وعشرين، يعني لابد أن يكون عن كل يوم مسكين. أما القسم الثاني من الوصف الرابع فهو العجز الذي يرجى زواله، فهو العجز الطارئ كمرض حدث على الإنسان في أيام الصوم، وكان يشق عليه أن يصوم، فنقول له: أفطر وأقض يوماً مكانه، لقول الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: ١٨٥) . أما الوصف الخامس: أن يكون مقيماً، وضده المسافر، فالمسافر وهو الذي فارق وطنه لا يلزمه الصوم، لقول الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ولكن الأفضل أن يصوم إلا أن يشق عليه، فالأفضل الفطر، لقول أبي الدرداء ﵁: كنا مع النبي ﷺ في رمضان في يوم شديد الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن رواحه (٢) . أما إذا شق عليه الصوم فإنه يفطر ولابد، لأن النبي ﷺ شكي إليه أن الناس قد شق عليهم الصيام فأفطر، ثم قيل له: إن بعض الناس قد صام فقال " أولئك العصاة، أولئك العصاة" (٣) . أما الوصف السادس: أن يكون خالياً من الموانع أي من موانع الوجوب، وهذا يختص بالمرأة، فيشترط في وجوب الصوم عليها أداء ألا تكون حائضاً ولا نفساء، فإن كانت حائضاً أو نفساء فإنه لا يجب الصوم، وإنما تقتضي بدل الأيام التي أفطرت، لقول النبي ﷺ مقرراً ذلك " أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم (٤) فإذا حاضت المرأة فلا صوم عليها، بل تقضي في أيام أخر، وهنا مسألتنا ينبغي التفطن لهما: المسألة الأولى: أن بعض النساء تطهر في آخر الليل وتعلم أنها طهرت، ولكنها لا تصوم ذلك اليوم ظناً منها أنها إذا لم تغتسل فإنه لا يصح صومها، وليس الأمر كذلك، بل صومها يصح وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر. وأما المسألة الثانية: فهي أن بعض النساء تكون صائمة فإذا غربت الشمس وأفطرت جاءها الحيض قبل أن تصلي المغرب، فبعض النساء يقول: إنه إذا أتاها الحيض بعد الفطر وقبل صلاة المغرب فإن صومها ذاك النهار يفسد، وكذلك بعض النساء يبالغ أيضاً ويقول: إذا جاءها الحيض قبل صلاة العشاء فإن صومها ذلك اليوم يفسد، وكل هذا ليس بصحيح. المرأة إذا غابت الشمس وهي لم تر الحيض خارجاً فصومها صحيح، حتى لو خرج بعد غروب الشمس بلحظة واحدة، فصومها صحيح. هذه ست أوصاف إذا اجتمعت في الإنسان وجب عليه صوم رمضان أداء، ولا يحل له أن يفطر، فإن تخلف واحد منها فعلى ما سمعت. حكم صيام تارك الصلاة

стр. 140

السؤال (١٣٦) : فضيلة الشيخ، ما حكم صيام تارك الصلاة ؟ الجواب: تارك الصلاة صومه ليس بصحيح ولا يقبل منه، لأن تارك الصلاة كافر مرتد، لقوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة: ١١) ، ولقول النبي ﷺ " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر؟ (١) ، ولقوله ﷺ : " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (٢) ، ولأن هذا قول عامة الصحابة إن لم يكن إجماعاً منهم. قال عبد الله بن شقيق ﵀ وهو من التابعين المشهورين كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة. وعلى هذا فإذا صام الإنسان وهو لا يصلي فصومه مردود غير مقبول ولا نافع له عند الله يوم القيامة، ونحن نقول له: صل ثم صم، أما أن تصوم ولا تصلي فصومك مردود عليك، لأن الكافر لا تقبل منه العبادة. حكم من يصلي ويصوم في رمضان فقط؟

стр. 141

السؤال (١٣٧) : فضيلة الشيخ، ما حكم من يصوم ويصلي إذا جاء رمضان لكن إذا انسلخ رمضان انسلخ من الصلاة الصيام ؟ الجواب: الذي يتبين لي من الأدلة أن ترك الصلاة لا يكون كفراً إلا إذا كان تركاً مطلقاً، وأما من يصلي ويخلي، فيصلي بعض الأحيان ويترك بعض الأحيان، الذي يبدو لي من الأدلة أنه لا يكفر بذلك، لقوله: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها - أي الصلاة - فقد كفر"، ولقوله: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" ولكن هذا الرجل الذي لا يصلي ولا يصوم إلا في رمضان أنا في شك من إيمانه لأنه لو كان مؤمناً حقا لكان يصلي في رمضان وفي غيره أما كونه لا يعرف ربه إلا في رمضان فأنا أشك في إيمانه لكني لا أحكم بكفره بل أتوقف فيه وأمره إلى الله . حكم من يصوم أياماً ويفطر أياماً

стр. 142

السؤال (١٣٨) : فضيلة الشيخ، ما حكم من يصوم أياماً ويفطر أخرى ؟ الجواب: جواب هذا السؤال يمكن أن يفهم مما سبق، وهو أن هذا الذي يصوم يوماً ويدع يوماً لا يخرج من الإسلام، بل يكون فاسقاً لتركه هذه الفريضة العظيمة التي هي أحد أركان الإسلام، ولا يقضي الأيام التي أفطرها، لأن قضاءه إياها لا يفيد شيئاً، فإنه لا يصلي بناء على ما أشرنا إليه سابقاً من أن العبادة الموقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها المحدد بلا عذر فإنها لا تقبل منه. قضاء الأشهر الفائتة

стр. 143

السؤال (١٣٩) : فضيلة الشيخ، إذا كان الإنسان قد ترك أشهراً من رمضان بعد بلوغه ثم التزم الآن، فهل يلزمه قضاء هذه الأشهر ؟ الجواب: القول الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يلزمه قضاء هذه الأشهر التي تكرها بلا عذر، بناء على ما سبق أن العبادة الموقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها المحدد لها شرعاً فإنها لا تقبل منه، فقضاؤه إياها لا يفيده شيئاً، وقد ذكرنا فيما سبق دليل ذلك من الكتاب والسنة والقياس، وعلى هذا فإذا كان الإنسان في أول شبابه لا يصلي ولا يصوم ثم من الله عليه بالهداية وصلى وصام، فإنه لا يلزمه قضاء ما فاته من صلاة وصيام، وكذلك لو كان يصلي ويزكي ولكنه لا يصوم فمن الله عليه بالهداية وصار يصوم، فإنه لا يلزمه قضاء ذلك الصوم بناء على ما سبق تقريره، وهو أن العبادة الموقتة بوقت إذا أخرها الإنسان عن وقتها بلا عذر لم تقبل منه، وإذا لم تقبل منه لم يفده قضاؤه إياها شيئاً. الأعذار المبيحة للفطر

стр. 144

السؤال (١٤٠) : فضيلة الشيخ، ما هي الأعذار المبيحة للفطر في شهر رمضان المبارك ؟ الجواب: الأعذار المبيحة للفطر سبق الإشارة إلى بعضها وهو: المرض، والسفر، ومن الأعذار أن تكون المرأة حاملاً تخاف على نفسها أو على جنينها، ومن الأعذار أيضاً أن تكون المرأة مرضعاً تخاف إذا صامت على نفسها أو على رضيعها، ومن الأعذار أيضاً أن يحتاج الإنسان إلى الفطر لإنقاذ معصوم من هلكلة مثل أن يجد غريقاً في البحر أو شخصاً بين أماكن محيطة به فيها نار، فيحتاج في إنقاذه إلى الفطر، فله حينئذ أن يفطر ويمتدح، ومن ذلك أيضاً إذا احتاج الإنسان إلى الفطر للتقوي على الجهاد في سبيل الله، فإن ذلك من أسباب إباحة الفطر له، لأن النبي ﷺ قال لأصحابه في غزوة الفتح: " إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا" (١) ، فإذا وجد السبب المبيح للفطر وأفطر الإنسان به، فإنه لا يلزمه الإمساك بقية ذلك اليوم. فإذا قدر أن شخصاً أفطر لإنقاذ معصوم من هلكة فإنه يستمر مفطراً، لأنه أفطر بسبب يبيح له الفطر، فلا يلزمه الإمساك حينئذ، لكون حرمة ذلك اليوم قد زالت بالسبب المبيح للفطر. ولهذا نقول: القول الراجح في هذه المسألة أن المريض لو برئ في أثناء النهار وكان مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك، ولو قدم المسافر أثناء النهار إلى بلده وكان مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك، ولو طهرت الحائض في أثناء النهار فإنه لا يلزمها الإمساك، لأن هؤلاء كلهم أفطروا بسبب مبيح للفطر، فكان ذلك اليوم في حقهم لا حرمة له بإباحة الشرع الإفطار فيه، فلا يلزمه الإمساك إذا زال السبب المبيح للفطر.

стр. 145

السؤال (١٤١) : فضيلة الشيخ، لكن ما الفرق بين هذه الحالة لو جاء العلم بدخول رمضان في أثناء النهار ؟ الجواب: الفرق بينهما ظاهر، لأنه إذا قامت البينة في أثناء النهار فإنه يلزمه الإمساك، لأنه في أول النهار، إنما أفطروا بالعذر، عذر الجهل، ولهذا لو كان عالمين بأن هذا اليوم من رمضان لزمهم الإمساك، أما أولئك القوم الآخرون الذين أشرنا إليهم فهم يعلمون أنه من رمضان، لكن الفطر مباح لهم، بينهما فرق ظاهر. مفسدات الصوم
следующие страницы →