في ميدانه الخاص، مثل عقاره، أو قطيعه، أو ورشته، فهي لا تسعى لغايتها كقوة مالية مستقلة بل لسد حاجات صاحبها المحدودة فحسب.
وبعد هذا التوضيح لمعنى الثروة فإنه يسهل علينا تحديد معنى (رأس المال)، فهو في جوهره: " المال المتحرك " الذي يتسع مجاله الاجتماعي بمقتضى حركته ونموه في محيط أكبر من محيط الفرد، وأقصى من المقدار الذي تحدده حاجاته الخاصة.
وهو في العادة مجرد، لا ينسب إلى صاحبه فلا يقال " رأسمال فلان " وإنما فقط " رأسمال ".
ولقد سجل التاريخ أن بدء تكوين رأس المال قد ظهر مع ظهور الصناعات الميكانيكية، أي الصناعات التي من طبيعتها أن تجعل للمال دورا كبيرا يناسب مقتضياتها.
فالبلاد النائية التي تستورد منها المواد الأولية، ثم المصانع التي تحول فيها تلك المواد إلى سلع ومنتجات، ثم الأسواق التي تصرف فيها تلك السلع، كل ذلك قد جعل للمال دورا متسعا، يخرج عن نطاق استعمال الفرد الخاص ومحيطه، إلى محيط يتنقل فيه من بلد إلى بلد، مقيما لشبكة العلاقات الاقتصادية بين البلدان، ويصبح بذلك قوة ممولة، يطلق عليها " رأس المال ".
ولا شك أن المال الذي تصبح هذه حاله، من التنقل بين البلاد، يخلق حركة ونشاطا، ويوظف الأيدي والعقول، أينما حل وحيثما ارتحل.
وجدير بالذكر أن رأس المال كان من نتائجه في أوربا، خلق ظاهرتين اجتماعيتين:-
١ - طبقة العمال كنتيجة للثورة الصناعية.
٢ - الاستعمار كنتيجة للحاجة إلى التصدير والاستيراد.
وهكذا قضى التوسع الاقتصادي بأن لا يصبح المال في قبضة صاحبه فقط،
стр. 107
وأن يتعدى حدود ميدانه الخاص، إلى ميدان أوسع انتشارا، وأعم فائدة، وأن يخلق في تطوره هذا مفهوما اجتماعيا سمي بالرأسمالية.
غير أن هذه الظاهرة- التي نقلت الثروة من حالتها البسيطة، إلى حالة واسعة منتشرة سميت " بالرأسمال "- لم تحدد " رأس المال " من حيث الكم، بل من حيث الكيف أو الحالة، فالدرهم الذي يتحرك، وينتقل، ويدخل، ويخرج عبر الحدود، يسمى " رأسمال "، والمليار من الدراهم المستقر الساكن هو ثروة ذات محيط ضيق.
أما " تركز " رؤوس الأموال فهو صفة طارئة على " رأس المال "، وليس من جوهره، وهو صفة لا تتناقض مع الصفة الأولى لرأس المال- وإنما تكملها من حيث الكم.
وعليه، فإن توجيه رأس المال وهو لا يزال في طور التكوين في بلادنا - لا يتصل أولا بالكم، بل بالكيف، فإن همنا الأول أن تصبح كل قطعة مالية متحركة متنقلة تخلق معها العمل والنشاط، أما الكم فإن ذلك الدور الثاني، دور التوسع والشمول.
وتاريخ العرب نفسه يحمل نموذجا بسيطا لما قدمنا. إذ كانت مكة قبل الاسلام تسير أموالها حسبما يقتضيه الأسلوب الرأسمالي، ومن المعروف أن قريشا لم تكن تملك من أموال الانتاج الشيء الضخم كالعقارات والمصانع، غير أن قوافلها كانت تجوب الصحراء حاملة بضائع الشرق الأدنى، في رحلة الشتاء والصيف، وكانت قريش كلها تسهم في تزويد هذه الرحلة.
والحالة اليوم في البلاد الإسلامية الفقيرة تشبه إلى حد بعيد حالة الجزيرة الفقيرة. (التي كانت تسكنها قريش)، حيث لم يبق لأغلب أهل البلاد الإسلامية عقار ولا قطيع ولا مصنع: في الشمال الافريقي، وفي جزيرة العرب، والمحميات، وفي إيران، والأفغان، وباكستان، وتركيا، وأندونيسيا.
فالقضية ليست- كما بينا- في تكديس الثروة، ولكن في تحريك المال
стр. 108
وتنشيطه، بتوجيه أموال الأمة البسيطة، وذلك بتحويل معناها الاجتماعي من أموال كاسدة إلى رأس مال متحرك، ينشط الفكر والعمل والحياة في البلاد. وزيادة على هذا يمكن أن نستفيد من تجربة أوربا، تجربتها التي مرت بها، والتي خرجت منها إلى توجيه رؤوس الأموال، وتخطيط اقتصادها، وذلك حتى لا نقع فيما وقعت فيه أوربا- حين تحركت فيها الآلة- من مشكلات حرية الانتاج والتجارة، تلك الحرية التي جاءت بالاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن اضطهاد طبقة للاخرى.
لنتخذ من الآن الحيطة حتى تكون أموالنا مطبوعة بطابع الديمقراطية لا بطابع الاقطاعية.
فالقضية إنما هي قضية منهاج يحدد لنا تخطيطا مناسبا نبني عليه حياتنا الاقتصادية، ولا يكون فيه مكان لتركيز رؤوس الأموال في أيدي فئة قليلة، تستغل السواد الأكبر من الشعب، بل يجب أن يتوفر فيه إسهام الشعب، مهما كان فقيرا، وبذلك يتم التعادل بين طبقات المجتمع، وتنسجم مصلحة الجماعة مع مصلحة الفرد.
ولنا أن نرحب ببعض الجهود التي بذلها في البلاد الإسلامية بعض رجال اقتصادها، في العهد القريب، ونحن نرى في تلك الجهود- وإن لم تحقق غاية ما نتمناه- تشجيعا على الاستمرار في تدعيم هذا الاتجاه الاقتصادي، ودليلا على أن تكوين رأس المال ممكن، حتى في وطن فقير، إذا ما اتحدت فيه الجهود وتوجهت نحو الصالح العام.
ولا يفوتنا أن ننبه بإلحاح إلى أننا بحاجة إلى تكوين مجلس لتوجيه ((الثروة)) وتوظيفها، لتتحول إلى " رأسمال " بالمعى الآنف الذكر، ولتخطيط أهدافه الاقتصادية.
وبهذا التوجيه الذي يسير متضافرا مع توجيه الثقافة وتوجيه العمل، يكون الفرد قد استكمل الشروط اللازمة لتشييد حضارة تطابق إطاره الخاص.
стр. 109
مشكلة المرأة
ليست مشكلة المرأة شيئا نبحثه منفردا عن مشكلة الرجل، فهما يشكلان في حقيقتهما مشكلة واحدة هي مشكلة الفرد في المجتمع.
وإِنه ليجدر بنا بادىء الأمر أن نستبعد من دائرة بحثنا تلك الأقاويل التي يقولها بدافع من عواطفم أولئك الذين نصبوا من أنفسهم ذادة عن حقوق المرأة من كتاب الشرق أو الغرب.
وليس بمجد أن نعقد مقارنة بين الرجل والمرأة، ثم نخرج منها بنتائج كمية تشير إلى قيمة المرأة في المجتمع، وإنها أكبر أو أصغر من قيمة الرجل، أو تساويها، فليست هذه الأحكام إِلا افتئاتا على حقيقة الأمر، ومحض افتراء.
ولسنا نرى في الأقاويل التي تقولها على حقوق المرأة أدعياء تحريرها، أو الذين يطالبون بإبعادها من المجتمع إلا تعبيرا عن نزعات جنسية لا شعورية.
ولتوضيح هذه الحقيقة يجدر بنا أن ننظر إلى الدوافع النفسية العميقة التي تدفع كلا الطرفين إلى القول بآرائه، وحينئذ لن يصعب علينا معرفة هذه الدوافع على حقيقتها، وأنها جميعها تصدر عن شيء واحد هو: دافع الغريزة الجنسية طبقا لتحليل فرويد.
فهذه النقطة كانت مبدأ الانطلاق لكلا الفريقين، غير أنهما سارا بعد ذلك في طريقين مختلفين.
стр. 110
ولقد يكون هذا التعليل ظاهرا بالنسبة لأولئك الذين يطالبون بخروج المرأة في زينة فاتنة، إذ في ذلك ما يوقظ غرائزهم، أو يرضي شهواتم.
غير أن أولئك المتمسكين بإبعاد المرأة عن المجتمع، والمؤمنين بضرورة إِبقائها في سجنها التقليدي- قد يبدو، في تعليل الدافع النفسي لموقفهم بأنه جنسي، بعض الغرابة، بيد أنَّ هذه الغرابة لا تلبث أن تزول حينما نعلم أن ليس لتفكيرهم من مبرر منطقي، إلى ما يتعللون به من الحفاظ على الأخلاق، الذي يختفي وراءه مغزى التمسك بالأنثى، فالغريزة هنا تكلمت بلسان آخر.
ولقد يكون كلام الغريزة واضحا في رأي من يريد المرأة في صورة تلفت إليها الغرائز، أما عند من يرى أن تخرج في هيئة يقبلها الخلق فإنه من العسير أن نرى دور الغريزة في مثل ذلك التفكير، ولكن قد يكون في منعها من الخروج مبرر خفي مما يستقر في نفس الرجل من دافع جنسي من الخوف على أنثاه أن يشاركه فيها غيره، وإذن فهو يدافع عن أنثاه، وهنا يظهر جلياً ذلك الاعتبار الجنسي في تفكيره.
وهكذا نرى أن كلا الفريقين قد يصدر رأيه عن اعتبار واحد هو الغريزة، ولا أمل لنا في أن نجد في آرائهما حلا لمشكلة المرأة.
وإذن فهذه المشكلة ينبغي أن تصفى أولا من مثل هذه النزعات، ثم تُحل حلا يكون الاعتبار الأول فيه لمصلحة المجتمع، فالمرأة والرجل يكونان الفرد في المجتمع: فهي شِقُّ الفرد، كما أن الرجل شقه الآخر.
ولا غرو فالرسول ﷺ يقول: " النساء شقائق الرجال ".
والله تعالى خلقهما من نفس واحدة. وأخبر عن ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.
فالمرأة والرجل قطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهما بغير الآخر، فلئن كان
стр. 111
الرجل قد أتى في مجال الفن والعلم بالمعجزات، فإن المرأة قد كونت نوابغ الرجال. ونحن نرى لزاما علينا أن يكون تناولنا للموضوع بعيدا عن تلك الأناشيد الشعرية، التي تدعو إلى تحرير المرأة، فالمشكلة لا تتحدد في الجنس اللطيف فحسب، أو في بنات المدن، أو بنات الأسر الراقية، بل هي فوق ذلك تتعلق بتقدم المجتمع وتحديد مستقبله وحضارته.
وإذا تساءلنا هل يجب نزع الحجاب؟ أو هل يسوغ للمرأة التدخين؟ أو التصويت في الانتخابات؟ أو هل يجب عليها أن تتعلم؟ فينبغي ألا يكون جوابنا عن هذه الأسئلة بدافع من مصلحة المرأة وحدها، بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري، إذ ليست الغاية من البحث في اشتراكها في هذا المجتمع إِلا الإفادة منها في رفع مستوى المرأة ذاتها، وإذن فليس من المفيد لنا أن ننظر إلى مشكلتها بغير هذا المنظار.
ولقد نعلم أنه يضيق صدر بعض ذوي الأذواق الرقيقة بما نقول. فيحتجون علينا بأن مثل هذا الموقف يذيب المرأة في المجتمع، ولكننا نقول لهم: إن إعطاء حقوق المرأة على حساب المجتمع معناه تدهور المجتمع، وبالتالي تدهورها، أليست هي عضوا فيه؟ فالقضية ليست قضية فرد، وإنما هي قضية مجتمع.
لقد بدأت المرأة المسلمة التي كانت إلى زمن قريب تلبس (الملاية) في إفراط - تسلك في سيرها الاجتماعي الطريق الذي رسمته أوربا لنسائها، متخيلة أن في ذلك حلا لمشكلتها الاجتماعية.
ونحن نأسف أن يكون نساء الشرق بهذه الدرجة من البساطة، حين يرين مشكلتهن قد حُلت بمثل هذا التقليد لنساء أوربا، فإن مشكلة المرأة مشكلة إنسانية يتوقف على حلها تقدم المدنية، فلا يكون حلها إذن بمجرد تقليد ظاهري لأفعال المرأة الأوربية، دون ما نظر إلى الاسس التي بنت عليها المرأة الأوربية سيرها. ونحن إذ نحاول في هذا الفصل أن نحدد مهمة المرأة في المجتمع ينبغي أن ننظر إلى هذه المشكلة، وهي تسير منسجمة مع المشكلات الاجتماعية الأخرى،
стр. 112
في سبيل تقدم المدنية، فلا وجود لهذه المشكلة بغير هذا الإطار، وهو ما نريد تأكيده في هذا الفصل.
والآن نسأل أنفسنا: هل من المفيد للمرأة المسلمة أن نجعلها في مركز تشبه فيه أختها الأوربية؟ .. لقد اتبعت هذه الطريق بعض البلاد الإسلامية، وهي تمثل في نظرها حركة التجديد في حياة المرأة، التي ما زال يدعو إليها المجددون، ولكننا بشيء من النظر نرى أن انتقالنا بالمرأة من امرأة متحجبة إلى امرأة سافرة، تطالع الصحف وتنتخب، وتعمل في المصنع لم يحل المشكلة، فهي لا تزال قائمة، وكل الذي فعلناه أننا نقلنا المرأة من حالة إلى حالة، وسنرى عما قريب أن انتقالنا هذا عقد المشكلة بعد أن كانت بسيطة، فليست حالة المرأة الأوربية بالتي تحسد عليها، فظهور المرأة الأوربية في مظهر لا يخاطب في نفس الفرد إِلا غريزته أثار أخطارا جديدة، كنا نود أن يكون المجتمع بمنجاة منها، فمشكلة النسل في البلاد الأوربية وصلت إلى حالة تدعو أحيانا إلى الرثاء، إذ أنها فقدت تنظيمها الاجتماعي، بحيث جعلت المجتمع الأوربي- وقد امحت منه معاني التقديس للعلاقات الجنسية- يعتبر هذه العلاقات تسلية للنفوس المتعطلة؛ وبذلك فقدت وظيفتها من حيث هي وسيلة لحفظ الأسرة، وبقاء المجتمع.
ومن هنا نجد نذيرا جديدا للذين يجعلون من أوربا مثلهم الأعلى في كل تجديد؛ فإن مشكلة المرأة الأوربية مازالت خطيرة، خطيرة حتى في ذهن المرأة ذاتها، وفي تصورها لنفسها، كيف تتحقق كمثل أعلى خلقي وجمالي لحضارة.
ويمكن أن نرى خطورة هذه المسألة في أحد مظاهر حياتها في أوربا، أعني " المودة " فالزي الذي تختاره المرأة لنفسها دليل واضح على الدور الذي تريد تمثيله في المجتمع وتمثله فعلا، فقد كانت المرأة الأوربية إلى عهد قريب تلبس اللباس اللطيف من (الدانتلا)، تستر به مع أنوثتها سرها المكتوم حتى أخمص قدميها، وتتخذ من حيائها حاجزا يمنعها من التردي في الرذيلة، فكانت بردائها هذا خير مثل للرقة والأدب في المجتمع، إذ كانت السيدة الجديرة بكل احترام.
стр. 113
الزوجة الصالحة التي تمسح بيديها الرقيقتين عن نفس الزوج متاعب العمل.
غير أنها أصبحت اليوم تلبس اللباس الفتان المثير، الذي لا يكشف عن معنى الأنوثة، بل عن عورة الأنثى، فهو يؤكد المعنى الجسدي الذي يتمسك به مجتمع ساده الغرام باللذة العاجلة.
وعلى نقيض هذا نجد امرأتنا المسلمة تلبس (الملاية)، فتسرف في ستر جسدها بشكل شاذ في بعض أنحاء بلادنا معبرة عما يطبع مجتمعاتنا من الميل إلى الركود والتخلف، وهي من ناحية أخرى تعبر عما يراود نفوسنا أحيانا من رياء أو نفاق.
فالأمر يجري في كلتا الحالين بين تفريط وإفراط، ومن الواجب أن توضع المرأة هنا وهناك حيث تؤدي دورها خادمةً للحضارة، وملهمة لذوق الجمال وروح الأخلاق، ذلك الدور الذي بعثها الله فيه أما، وزوجةً للرجل.
وحبذا لو أن نساءنا عقدن مؤتمرا عاما يحددن فيه مهمة المرأة بالنسبة لصالح المجتمع، حتى لا تكون ضحية جهلها، وجهل الرجل بطبيعة دورها، فإِن ذلك أجدى علينا من كلمات جوفاء ليس لها في منطق العلم مدلول.
ذلك أني لا أرى مشكلة المرأة بالشيء الذي يحله قلم كاتب في مقال أو في كتاب. ولكني أرى أن هذه المشكلة متعددة الجوانب، ولها في كل ناحية من نواحي المجتمع نصيب؛ فالمرأة كإنسان تشترك في كل نتاج إنساني أو هكذا يجب أن تكون. ولن يكون تخطيط حياتها في المجتمع مفيدا إلا إذا نظرنا إلى هذا المؤتمر بعين الاهتمام، بشرظ أن يضم الوسائل الكفيلة بتناول المشكلة من جميع أطرافها، فيجب مثلا أن يضم علماء النفس، وعلماء التربية، والأطباء. وعلماء الاجتماع وعلماء الشريعة، وغيرهم. وحينئذ نستطيع أن نقول: إننا وضعنا المنهج الأسلم لحياة المرأة، ولسوف يكون هذا التخطيط حتما في صالح المجتمع، لأن علماءه والمفكرين فيه هم الذين وضعوه.
стр. 114
وتحديدنا لعمل المرأة في المجتمع جدير بالاعتبار، فمن المعلوم أن المرأة الأوربية كانت ضحية هذا الاعتبار، لأن المجتمع الذي حررها قذف بها إلى أتون المصنع، وإلى المكتب، وقال لها: " عليك أن تأكلي من عرق جبينك ". في بيئة مليئة بالأخطار على أخلاقها، وتركها في حرية مشئومة، ليس لها ولا للمجتمع فيها نفع، ففقدت- وهي مخزن العواطف الإنسانية- الشعور بالعاطفة نحو الأسرة، وأصبحت بما ألقي عليها من متاعب العمل صورة مشوهة للرجل، دون أن تبقى المرأة.
وهكذا حُرم المجتمع من هذا العنصر الهام في بناء الأسرة، وهو العنصر الأساسي فيها، وجنت أوربا ثمار هذه الأسرة المنحلة مشكلات من نوع جديد. وهناك شيء جدير بالإثارة في هذا الفصل، هو مسألة تعدد الزوجات: هل لعدد الزوجات أفضل من الاقتصار على امرأة واحدة؟ أم العكس؟
ونحن نرى أننا لا نستطيع أن نبحث هذه المشكلة أيضا بعيدا عن واقع المجتمع، بحيث نغفل تفوق عدد النساء على الرجال في غالب الظروف، وما يجر ذلك على المجتمع من مشكلات.
إن دارس الاجتماعيّات لا يدرس الأشياء كما هي فحسب، يل هو يحاول أن يدرك ما سوف تؤول إليه أيضا .. ولذلك فحين نرى المرأة المسلمة تسير متطورة في زيها ومسلكها نتساءل: إلى أي وجهة تسير؟ ..
إننا لا نعلم حتى الآن طريقها، ولا ندرك هدفها، لأن مجتمعنا يسير مستسلما للحوادث والأيام.
نعم إننا نرى المرأة في تطور، ولكننا لم نشرع بعد في التخطيط الدقيق لجميع أطوارها، فنحن نراها في مظاهرها الجديدة فتاة في المدرسة، وفي حركة كشفية، وفي تسابق في الحياة العامة، عاملةً، ومولدة، وطبيبة ومدرسة، وعاملة في المصنع والأتوبيس، ونائبةً أخيراً ...
стр. 115
ومهما يكن عجزنا كبيرا عن تخطيط مراحل تطور الفتاة المسلمة، فإنه يلزمنا عند أي تخطيط ألا نغفل بعض القضايا الجوهرية، كقضية " الحضور "، أعني حضور المرأة في المجتمع حضورا محسًّا بيِّناً.
نعم إن امرأتنا عندما لا تحضر في هذا المجتمع، ولا تدرك أحداثه التي تجري فيه، ولا تطوراته التي سوف يصير إليها، تدع المجال لامرأة أخرى تخلفها حتى في البيت الذي تعتكف فيه، إننا نرى الآن " مودة " التزوج بالأجنبيات تنمو عند شبابنا، وهي نتيجة تباعد المرأة العربية عن المجتمع. لقد بدأت الأجنبية تضع طابعها في حياتنا فعلا.
ونحن لا ندري أي مكان هام تشغله الآن المرأة الأوربية في لا شعورنا، لأن المرأة التي تحضر في مجتمعها وتعني بشئونه توجه كل الاستعدادات الخفية في الرجل، فإذا به يخضع لسلطانها من حيث لا يشعر.
ونستطيع القول: إن المرأة الأوربية قد أصبحت اليوم في الجزائر مثلا -من حيث لا تشعر هي نفسها- تقود خيال شبابنا الشعري، واتجاهاته في ذوق الجمال، بل وربما في مثله الأخلاقية، ولقد أصبحت تؤلف من حيث لا يشعر مآسيه الكبيرة، أو الصغيرة، التي تظهر في حياته، اليومية، أو تتخفى وتستتر (١). ومن الواضح أن الأوربية لا تتمتع بهذه الميزة إِلا لأن المرأة عندنا لا تقوم بدورها أحيانا.
فكيف؟ وبأي أسلوب يمكن للمرأة المسلمة أن تقوم بدورها؟ .. إن علماءنا ومثقفينا ونساءنا أنفسهن، جميعا مسئولون عن هذا الجواب. وربما كان القارىء ينتظر من المؤلف أن يتجاوز الإشارة إلى عقد المؤتمر المقترح آنفاً إلى الإجابة عن هذا السؤال نفسه، وعرض حل معين له.
إن مثل هذا الموقف يدل على أننا لا نفرق في المشكلة بين الجانب الفني
стр. 116
كمشكلة رأس المال مثلاً، والتراب الذي يعالجه الفني بإعطاء نظرته الخاصة فيه، وبين الجانب الاجتماعي الذي لا تكفي لحله، النظرة الخاصة، مهما كانت قيمتها من الناحية الفنية، لأن الحل هنا يتطلب التنفيذ، أي الوصول إلى وسائل عملية أكثر من التحليل والبحث، الذي يحدد الوجوه النظرية.
فالقضية إذن من حيث إنها تتطلب التنفيذ هي في النهاية موقوفة على من بيده وسائل التنفيذ. ولا شك أن مؤتمراً يحدث فيه ما يسميه الفقهاء بالإجماع هو الكفيل بهذا، فالقضية تتطلب بالضبط (إجماعاً) لا إخصائيين، تتطلب حلاً جماعياً، لا وجهة نظر فرد، مهما كانت قيمتها.
والإجماع يكون إما بطريق مسايرة الظروف (١)، وإما بتسيير الظروف نفسها، فأما الطريق الأولى فهي الطريق التي يتبعها العالم الاسلامي اليوم، لا بالنسبة لمشكلة المرأة فحسب، بل لكل مشكلاته.
وأما الطريق الثانية فإنه يكون بِدَرْس المشكلات، وتعيين وسائل حلها، فوسائل حل مشكلة المرأة يجب أن تقرر في مؤتمر عام، تصبح مقرراته دستوراً لتطور المرأة في العالم الاسلامي.
стр. 117
مُشْكِلَةُ الزَّيِّ
إِن التوازن الأخلاقي في مجتمع ما، منوط بمجموعة من العوامل الأدبية والمادية، والملبس هو أحد تلك العوامل.
فالعباءة مثلاً من الأشياء التي ورثتها لنا بيئة تميل بروحها إلى التنعم والهدوء.
ولقد كان هذا اللباس يناسب جميع طبقات الشعب في الماضي، على تناقضها، فكما أنه كان لباس الزاهد المتقرب إلى الله، ولباس الراعي المسكين، فإنه كان لباس الأمراء المنهمكين في الملاذ والشهوات، وذلك لأن قاسما مشتركا من الحياة الراكدة الهادئة كان يجمعهم.
ولكن هل نتصور اليوم العباءة على ظهر عامل الماكينة أو مصلحها أو على ظهر عامل المنجم في باطن الأرض؟.
إن العالم الاسلامي على أبواب نهضة يدخل بها المصنع والعمل، وإن هذا كله ليدعوه إلى أن يساير ملبسه ذلك النشاط الجديد، فهذا شأن الأمم جميعاً. فالشعب الياباني قد بدأ بتغيير ملبسه عندما دق بابه ((الكومودور بيري))، قائد الأسطول الأمريكي عام ١٨٥٣، لأنه أدرك أن لا مناص له من الخروج من ذلك الطور العتيق إلى الحضارة الحديثة، وفهم أن ذلك يقتضيه التخلي عن عباءته الحريرية المسماة (بالكيمونو) لكي يلبس ذلك اللباس الأزرق القطني الذي يناسب عامل الميكانيكا.
стр. 118
وليس اللباس من العوامل المادية التي تقر التوازن الأخلاقي في المجتمع فحسب، بل إن له روحه الخاصة به. وإذا كانوا يقولون: (القميص لا يصنع القسيس) فإني أرى على العكس من ذلك، فإن القميص يسهم في تكوين القسيس إلى حد ما، لأن اللباس يضفي على صاحبه روحه ومن المشاهد أنه عندما يلبس الشخص لباسا رياضيا، فإنه يشعر بأن روحا رياضية تسري في جسده، ولو كان ضعيف البنية، وعندما يلبس لباس العجوز فإن أثر ذلك يظهر في مشيته وفي نفسه، ولو كان شاباً قوياً.
ولم يكن نزع الطربوش والاستعاضة عنه بالقبعة في تركيا الكمالية بالشيء البسيط، فقد كان أتاتورك يعلم أن الطربوش جزء من الفكر العتيق، فكر الباحثين عن السلوك وقتل الوقت، أولئك الذين سئموا الحياة، وباتوا يدخنون النرجيلة، ويتلهون بكركرتها عن كر دقائق الزمن، تسلية لأنفسم بحياة تنابلة السلطان.
لقد كان من المحتم على أتاتورك أن يحطم ذلك الاستقرار المتحجر، في أحلام دامت قرونا على شاطىء البوسفور، فكانت القبعة هي القنبلة التي انفجرت في ذلك المجتمع، فحطمت أحلامه الخاوية، وبددت عن أفقه دخان النرجيلة، وطوت زرابيه المبثوثة، التي كان يلقي عليها همته ونشاطه.
لقد كانت فكرة مصطفى كمال التي دبرها قنبلة، ولكن تأثيرها لم يتم لأن صاحبها لم يفكر في الشروط الأخرى لنهضته.
ومهما يكن من أمر، فإننا نرى أن مشكلة الزي موضع اعتبارات مهمة غير التي ذكرنا، ونعني بها تلك التي تدفع إلى الاعتناء بالشكليات، فمن المعلوم أن الملبس يسير مع أهله في تطور التاريخ، وتبدل الأزمان، والدول المتقدمة تغير أزياءها الرسمية حسب تغيرات التاريخ، وبخاصة بعد النكبات الحربية، فإذا ما شوهت هزيمة كرامة زي من الأزياء العسكرية، نرى الدولة المهزومة كثيرا ما تقتبس أزياء الدولة المنتصرة. وقد شاهدنا ذلك مثلا في الجيش الروسي بعد
стр. 119
عام ١٩١٧، كما نشاهده اليوم في الجيش الفرنسي الذي قبس من الأزياء العسكرية الأمريكية ما يعرف بزي ( M.P) ، وصيره زيا له معرفا برمز ( P.M) .
ولقد يحدث هذا التشويه بسبب نكبات التاريخ في الملابس المدنية أيضا، ومما يذكر في هذا الباب ما لاحظه مستشرق كان قد ترجم للرحالة والمؤرخ الاجتماعي (أبي الفداء) الذي كان يدرس عادات وأخلاق قبائل الصقالبة، القاطنة على شواطىء (الفولجا)، فقال المستشرق في شأنه: (إن العرب كانوا يحبون إظهار عمائهم في كل مكان ... )
وربما كانت هذه الملاحظة صائبة، ولكن ليت شعري! .. ماذا يفعل أبو الفداء بعمامته اليوم، وقد فقدت عزها بعدما صارت منذ قرون تاجا لأجيال جاهلة مستعبدة؟.
وهل يا ترى نستمسك بالطربوش؟ ذلك اللباس الذي شوهته أجيال من الباشوات والخدم، الذين تطوعوا في صفوف الاستعمار!
نعم!. إنه لمن الغباوة أن ننكر اليوم مشكلة الزي المناسب لرجال النهضة ونسائها، ولكننا نكون أكثر غباوة إذا ما استلمنا في ذلك إلى التقليد البحت، بلا التفات إلى مقتضيات أحوالنا من حيث دستور الجمال، وضيقنا الاقتصادي، والقيام ببعض الواجبات كالصلاة مثلاً.
стр. 120
الْفُنُونُ الْجَمِيلَةِ
تبرز أهمية الفن الجميل في أحد موقفين: فهو إما داع إلى الفضيلة، وإما داع إلى الرذيلة، فإذا ما حددت الأخلاق مُثُله، وغذى الجمال وحيه، فينبغي عليه أن يحدد هو وسائله وصوره الفنية للتأثير في الأنفس.
ويبرز خطر الفن عندما يشرع في تقرير هذه الوسائل التي تجعله مربياً أو مفسداً، وذلك حسبما يختار من الصور والالحان- فالرقصة مثلاً إما أن تكون قصيدة شعرية، أو حركة جنسية، وهي على كل حال طريقة الطير في التقرب من أنثاه، وهي أيضا للرجل في شأنه مع المرأة.
غير أن الرقصة تطورت عند الانسان، فأصبح فيها شيء من الشعر عند اليونان، وشيء من التصوف في طقوس بعض الأديان، وفي كل هذه التطورات نجد الأخلاق قد حددت أهدافها ومراميها، وبقيت الوسيلة التي تعطي الرقصة صورتها الفنية، فالتقرب من المرأة قد يكون بغزل شريف، وقد يكون بغير ذلك، والهدف واحد، ومن المؤسف أن الرقصة عندنا قد أصبحت صورة جنسية فقط، بينما هي قد اتخذت لها عند اليونان صورة شعرية، وأصبحت في بلادنا أيضا مشوهة للذوق، لأنها اتخذت وسيلتها إلى النفوس الغريزة الجنسية فقط.
فإذا ما فهمنا الفن على هذه الصورة، فإننا نستطيع أن نوسع نطاقه حتى يشمل طريقة المشي في الشوارع، وكيفية شرب الماء، وكيفية التثاؤب في المجتمعات العامة، غير أن المجال لا يتسع لكي تضم هذه السطور القليلة كل هذا.
стр. 121
كذلك، فإننا نكتفي من الفن بمعناه الشائع، أي بما هو معتبر من مظاهر. المادية المنتشرة في البلاد الإسلامية اليوم، كالموسيقى، والغناء، والسينما، وغير ذلك.
وأحب أن أخص بالحديث الموسيقى والسينما، وهما اللذان يعتبران وسيلتين مؤثرتين من وسائل التهذيب الشعبي، مؤثرتان لأنهما موحيتان!! ..
إن أغلبية البلاد العربية تابعة لمصر في هاتين الناحيتين، فالسؤال إذن هو: ما قيمة الموسيقى والسينما في مصر؟ ..
لقد سمعنا ولا شك نحيب لأنوف، والشهيق الذي يتكرر ألف مرة، والذي يسمى بالموسيقى المصرية!!.
فهل هذا من الموسيقى؟ .. هذه ((الأشياء)) التي تتجاهل، بل تجهل المكان، والزمان، والفصول؟ ..
إنها لا تذكرنا بشيء في الواقع، بالحفيف الخفيف للربيع في الغابات! بتساقط أوراق الخريف الحزين!! .. بالبهجة الحارة في الصيف! بهياج العاصفة في البحر!. بدمدمة الرعد!. بالجحيم!. وبالنعيم! ...
أين العالم الذي تحدثنا عنه الموسيقى المصرية، التي تجهل حتى الخطوة العسكرية للجنود؟ .. إنه ليس في السماء .. وليس في الأرض بل لا يوجد في أي مكان!
إن الموسيقى المصرية ليست فنا متصلا بقيم أو بأشياء، بل هي فن يتصل بالعدم، إلا في بعض الأحوال الاستثنائية، في الظروف الأخيرة (١).
فأية قيمة تربوية يمكن أن نعترف لها بها في هذا العالم! عالمنا المكون من الزمان والمكان، ومن النوائب أيضا؟ ..
стр. 122
وهذا الفيلم المصري ... ماذا أفادنا؟ وماذا اقترح علينا؟
أنا لا أريد أن أعتقد بأن الشعب المصري قد تجرد من حاسة التفرقة بين الجد والهزل، فكيف تنشأ فيه هذه المهازل! أو هذه الأفلام؟ ..
وأيا ما كان الأمر فإن البلاد العربية والإسلامية يجب أن تتحرر من هذا الغل الخلقي التهذيبي- وهو أخطر الأغلال- لكي تنقذ ذوقها الفني.
إننا نرى أن للفن الجميل دخلا حتى في الصور التي تختار لأطفالنا الصغار في كتبهم المدرسية، فلقد شاهدت صورة في كتاب مدرسي للأطفال يدرَّس في مصر (قبل الثورة) ويظهر فيه طفل ترافقه أخته، وهما ذاهبان إلى المدرسة ووراءهما خادم يحمل لهما حقيبتهما: فهذه صورة تبعث في نفس الطفل روح الاتكال واحتقار العمل والعاملين، وهي تصور ما يناسب حاجة (الباشوات) الذين كان بيدهم من قبل- ناصية الأمر لا سواد الشعب.
ولا شك في أن مثل هذه الصورة وسائل قتالة في وطن يحتاج إلى التهذيب، لا في سلالة الباشوات، ولكن في أبناء الشعب.
وقبل أن نفرغ من هذا الفصل نلفت النظر لمظهر آخر من مظاهر الحياة الفنية عندنا وذلك أننا لا نجمع في خدمتنا للفن بين الجهد والعبقرية، كان الكسل من ميزات الفن الجميل عندنا. وربما نعجب إذا سمعنا أن المقدرة والنبوغ في الفن هما نتيجة الكد الطويل، والجهد المستمر، والعمل الثابت، والاجتهاد في البحث، والانتقاد بقصد التحسين.
وليس من شك في أن المواهب الفطرية شرط واجب، إلا أنها ليست الشرط الوحيد، لأن المواهب وحدها وإن كانت تنير اسم الفنان إِلا أنها- من غير كد وجهد- تحرقه، وسرعان ما يصبح في ظلمات النسيان. وهكذا كان شأن بعض فنانينا، فإنهم أضاءوا لحظة، ثم أنطفأوا إلى الأبد، مع أنهم كانوا على جانب من المواهب، لو أنهم استخدموها في سبيل الفن، لكانوا بين الخالدين.
стр. 123
وهذه الإشارة إلى وجوب التوفيق بين المواهب والمجهودات الشخصية في ميدان الفن الجميل، نراها تنطبق أيضا في الرياضة، حيث نرى كثيرا من الرياضيين عندنا يطلبون الكسب العاجل، ولا يركنون إلى الجهد الطويل، فتذهب مواهبهم الغالية هباء منثورا.
وعلى كل فإنه يلزمنا أن نقرن بين الموهبة والقدرة لنحصل على شيء يكون جديرا باسم الفن.
إن الفن الذي ليس إلا رياء كاذباً، وتصنعاً مخلاً لبعض الفنانين الذين يهملون مظهرهم مبالغة في البساطة ليظهروا أصالتهم الفنية، هو من نفس المشرب الممثل في بعض شبابنا الرياضيين، حين يبالغون في تعقيد مظهرهم، بتقليد أبطال السينما في إِطالة الشعر، واستخدام العطور، والمساحيق أحيانا، بينما الرياضة تعني البساطة.
إِن هذا ليس من روح الفنون، بل هو من باب الجنون، وواجبنا أن نضرب على أيدي أولئك المتبطلين، فلا نسمح لهم بأن يشوهوا ذوقنا الفني باسم الفن، والفن منهم براء.
стр. 124
الْعُنْصُرُ الثَّانِيَ: التُّرَابُ
стр. 125
التراب أحد العناصر الثلاثة التي تكون الحضارة، فإذا ما توفر " المركب الديني " لتركيب هذه العناصر- كما أسلفنا- فإننا نرى التراب في بلاد الاسلام جديرا ببحثه هنا كعامل من عوامل الحضارة.
ونحن حينما نتكلم عن التراب، لا نبحث في خصائصه وطبيعته، فليس هذا البحث من موضوع الكتاب، ولكننا نتكلم عنه من حيث قيمته الاجتماعية، وهذه القيمة الاجتماعية، للتراب مستمدة من قيمة مالكيه، فحينما تكون قيمة الأمة مرتفعة، وحضارتها متقدمة يكون التراب غالي القيمة، وحيث تكون الأمة متخلفة- كما نقول اليوم- يكون التراب على قدرها من الانحطاط.
ونستطيع بمقياسنا السابق أن نقول: إن التراب في أرض الإسلام عموماً على شيء من الانحطاط، بسبب تأخر القوم الذين يعيشون عليه (١)، ذلك أن الأرض الزراعية في بعض البلاد كالجزائر مثلاً بدأت تتقهقر رويدا أمام غزو الصحراء، فأكفان الرمال تمتد هناك حيث كان يوجد قطعان الماشية، والأرض الخضراء.
ولقد شاهدت الصحراء قبل عشر سنوات جنوب مدينة (تِبسه) ولكنها اليوم قد أصبحت شمالها. وليس بمستبعد- إذا ما واصلت الصحراء هذا التقدم- أن تكون عاصمة البلاد بعد قرن أو قرنين واحة محفوفة بشيء من النخيل، تحيط بها الرمال.
стр. 126
ونحن لا نرى في هذا مجرد مشكلة، بل نراها في الحقيقة مأساة دامية، إذ تموت الأرض الخضراء عن أهلها، وتتركهم يتامى بين يدي الصحراء المقفرة، وليس لهم من مطعم إلا بعض أشجار من النخيل، وليس لهم من مشرب إلا بقية مما ترك الشتاء من مطر، هذا المصير الذي تنتظره أراضينا الخصبة يشبه إلى حد كبير مأساة (برقة) التي اكتسحتها الرمال منذ ألف عام.
ولكن ماذا فعل سكان الأرض أمام هذا الغزو؟ ..
إنهم وقفوا منه موقف الضعيف الجبان! لقد فر ساكن البادية، ذلك الرحالة الذي لم تبق له أرض يحرثها، ولا ماشية يحلبها، لم تبق له إِلا دابة يركبها ليفر، فهو الآن تائه حائر بين الصحراء التي تبدده، وبين المدن الساحلية التي ترفضه أو تبتلعه حيث تجعل منه إنسانا منبوذا.
ولقد كان من آثار هذا الجدب الضارب في الأرض، أن أصبحت رحلة القبائل في الشتاء والصيف مهددة بالانقراض، ولسوف يكون في انقراضها انقراضُ الرجل الفطرة الذي لم يستقر مصيره في البلاد.
وهكذا يذهب تراثُنَا الحيوي- تراث اللحم والدم- يذهب هباء ..
إنه الهرب .. إنه التشتت .. إنه الموت!!!
إن الوضع خطير، ولكنه لا يدعونا إلى اليأس من إصلاح ما نحن فيه.
فإن علينا أن نوقف النزيف أولا، وأن ننقذ الشعب من خطر الموت في أسماله، دون أن يجد ما يسد رمقه.
ونقطة الانطلاق في كل إصلاح اجتماعي، هي أولاً توفير القوت والملبس، ثم نطرح القضية على بساط التخطيط.
وقد سبق أن بحثت هذه القضية من الناحية الزراعية بحثا كاملاً متخصصا، غير أننا نود أن نلفت النظر إلى وجه آخر فيها، وذلك من حيث تأثير المناخ والأحوال الجوية، وهي تخص على الأقل ٨٠% من البلاد الإسلامية، مثل
стр. 127
باكستان والأناضول والأردن والحجاز وغيرها، ولكننا نجعل نقطة تركيزنا على بلاد الشمال الأفريقي التي نعرفها، فعلى طول الخط الذي يمتد من جنوب تونس إِلى جنوب مراكش تتقدم الصحراء كل سنة، والسبب في ذلك. يعود بلا شك إلى الإقلال من الأشجار والغابات إقلالاً بالغاً، وبخاصة في الأعوام الأخيرة (١).
وانقراض الغابة في الشمال الأفريقي شيء له تاريخ قديم، يرجع إلى عهد الكاهنة التي صيرت جنوب البلاد (أرضاً حريقاً) كما يقول أهل البلاد.
ومن ذلك العهد بدأ خط الصحراء يصعد من الجنوب إلى الشمال في كل سنة. ويزدرد شيئا فشيئا الأراضي الصالحة للزراعة، ليدفنها تحت الرمال.
وليست أرض البادية- في أصلها إلا أرضا خضراء مخصبة صالحة للزراعة، حولتها الأيام إِلى ما هي عليه الآن، وهي جادة في تخريبها حتى تبلغ المأساة منتهاها، عندما تتعذر الحياة فيها على الحيوان، بعد أن تعذرت على النبات. وهذا التحول في الأرض الخصبة إلى فلاة ثم إلى صحراء- يؤدي إلى تحول في الحياة الاقتصادية، فقد تتحول أولاً حرفة البلاد من الزراعة إلى رعي الماشية، ومن هذه إلى لا شيء. وإن هذا التطور الطبيعي ليفرض على الحياة البشرية أن تتبع هذه الدورة الجهنمية، ونتيجة هذا التكيف تظهر في النهاية في صورة حياة اجتماعية راكدة هي ((الحياة النباتية)).
وإِن الإنسان ليدرك هذا الطور حين لا يجد في يده من الوسائل ما يرد به غائلة الصحراء، فيترك العمل، حيث لم تعد له حاجات يطلب إشباعها.
لقد كانت بلاد الشمال الإفريقي قبل ألف سنة تحتوي على مساحات من الأشجار تبلغ سبعة ملايين من الهكتارات، غير أننا نجدها اليوم قد نقصت إلى الثلث تقريبا، وهنا يكمن سر المأساة التي نعيشها اليوم، حيث نجد الجو لا يكف عن أن يقترب يوما فيوما من الطقس الصحراوي القاري.
стр. 128
ولقد أصبحت القضية اليوم في طورها النهائي من الخطورة، لأنها أصبحت تمس كيان الفرد، لا مصالحه فقط، ومن المناسب ذكر بعض الارقام توضيحاً لخطورتها:
فعلى سبيل المثال انخفض عدد السكان في منطقة جنوب قسنطينة وهي (تِبسّة) منذ عام ١٩٣٩ إلى الآن، من مائة وثمانين ألفا إلى أربعين ألفا تقريبا، بينما الماشية التي كانت مورد الإقليم الوحيد نجدها اليوم على وشك الانقراض. وظاهر أن سبب الأزمة جوي ناشيء عن قلة المطر، وهي تتسبب في جفاف القشرة الخصبة من الارض، فتذروها الرياح، وتكفنها الرمال ... وهكذا تولد الصحراء في مهد الأرض الخصبة.
وبدهي أنه لا حل لهذه الأزمة غير الشجرة، ولا يمنع ذلك أن يكون ثمة حل آخر، ولكنه في أيدي علماء الدولة المتمدينة أولئك الذين يستعملون علومهم لتخريب الأرض لا لتعميرها، فمن اليسير عليهم أن تحل تلك المشكلة حلاً علمياً باستعمال الطاقة الكامنة في الذرة، إِذ أن كل جرام من المادة يحوي آلاف المليارات من الوحدات الحرارية.
فلو أن هذه القوة استعملت في تبخير ماء البحر، بدلاً من أن تصرف في تبخير الجنس البشري وتدمير أرضه، اذن لحلت قضيتنا بوساطة الأمطار الصناعية.
ولكن ذلك بعيد عن أذهانهم، فإن سمة المدنية التي ينتسبون إليها تتطلب منهم ذلك التدمير، فلم يبق لنا إذن إلا أن نلتفت إلى الشجرة، غير أنه لن يتحقق لنا مثل ذلك النصر على الصحراء إلا اذا انتصرنا على أنفسنا الخاملة الكسولة، لأن القضية لا تتطلب شجرة واحدة، بل مئات الملايين.
وبالأحرى فإن القضية لا تهم الجزائر وحدها، بل الكتابة الطبيعية التي تكونها جبال الأطلس والبحر المتوسط، أي إِفريقيا الشمالية كلها.
стр. 129
فالمشكلة واحدة لا تتجزأ، من قابس إلى أغادير.
ولعل هذا يتطلب منا خدمة شاقة، ولكن لنا في دول أخرى أسوة حسنة، فإنها قد تعرضت لمثل هذه المحن، فواجهتها بكفاح وعبقرية.
لقد قامت فرنسا حوالي عام ١٨٥٠ بغرس الأشجار في الناحية الجنوبية الغربية من البلاد، حيث كانت رمال الشاطىء الأطلنطي والمستنقعات الضارة تهدد مصالح أهلها وصحتهم، ولكن سكان تلك المنطقة انطلقوا بهمة وصبر، يوقفون الرمال عند حدها، وتكبدوا في سبيل ذلك ما تكبدوا، وقضوا عشرين سنة يسدون الطريق على الرمال من مدينة (بوردو) إلى مدينة (بياريتز).
فانتصروا على الرمال التي أرادوا صدها، وكانت نتيجة انتصارهم أبعد مما كانوا يتوقعون.
فقد كانت تلك المنطقة أفقر المناطق وأخطرها على الصحة في فرنسا فأصبحت بما تمتعت به من الأشجار الكثيرة ذات حركة اقتصادية ممتازة إِذ أصبحت أول منتج في العالم لزيت (التريبنتين) المستخرج من تلك الأشجار، وأصبحت ملجأ صحياً للمرضى من جميع أنحاء العالم.
ولن يعيبنا أن نضرب أمثلة من جميع انحاء العالم للتدليل على ذلك الانتصار الباهر الذي سجله الإنسان على عوامل الطبيعة، وذلك باستعماله الثلاثية الدائمة: الإنسان والتراب والزمن، ويمكن أن نذكر- لولا الإطالة- المعجزات التي قامت بها روسيا في هذا الميدان، وكذلك هولندا، التي يعتبر أكثر من ثلث بلادها مصنوعا بأيدي أهلها.
ومهما يكن من بدائية وسائلنا فإن علينا أن نعمل، فالعمل لازم لزوم دراسة طبيعة الارض والمناخ، فمثلاً غرس الأشجار في الأرض الصخرية ضرب من العبث في أول الأمر، إذ يجب أولاً أن نبدأ بزراعة الشواطىء القريبة من البحار، والتي لا يزال فيها بقية من استعداد لأن تستصلح بغرس الأشجار، ويكون ذلك بإنشاء
стр. 130
مراكز فنية في مناطق معينة، ينطلق منها (التشجير) إلى داخل البلاد.
هذا من الناحية الفنية.
أما من الناحية النفسية، فإنه يلزمنا أن تصبح الشجرة رمز رجل البلاد المهددة بالرمال، في إرادته للبقاء، بل ليكن لنا يوم للشجرة، يكون عيداً يتمثل فيه كفاحنا ضد الرمل الذي نرى خطره اليوم في غالب بلاد العروبة والإسلام.
لن نستطيع انقاذ ذريتنا من الأجيال القادمة إلا بالعمل الشاق الذي يقوم به جيلنا الحاضر، وعندما نحقق تلك المعجزة التي تكون بانتصارنا على أتفسنا، وعلى أهوال الطبيعة، فإننا سوف نرى أية رسالة في التاريخ نحن منتدبون إليها، لأننا نكون قد شرعنا في بناء حياة جديدة، ابتدأت بالجهود الجماعية بدل الجهود الفردية ولسوف تظهر أمامنا بعد ذلك أعمال جليلة خطيرة، ولكنها سوف لا تخيفنا، لأن شعبنا أخضع التراب، ومهد فيه لحضارته ولم يعد شعباً يخاف نوائب الزمن.
***
стр. 131
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْوَقْتُ
стр. 132
"ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد: وعلى عملك شهيد فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ... "
((حديث شريف))
الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل!
فهو يمر خلال المدن، يغذي نشاطها بطاقته الأبدية، أو يذلل نومها بأنشودة الساعات التي تذهب هباء، وهو يتدفق على السواء في أرض كل شعب، ومجال كل فرد، بفيض من الساعات اليومية التي لا تغيض، ولكنه في مجال ما يصير ((ثروة))، وفي مجال آخر يتحول عدماً. فهو يمرق خلال الحياة، ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحها له ما أنجز فيه من أعمال.
ولكنه نهر صامت، حتى إننا ننساه أحيانا، وتنسى الحضارات، في ساعات الغفلة أو نشوة الحظ قيمته التي لا تعوض.
ومع ذلك ففي ساعات الخطر في التاريخ، تمتزج قيمة الزمن بغريزة المحافظة على البقاء، إذا استيقظت، ففي هذه الساعات التي تحدث فيها انتفاضات الشعوب، لا يقوم الوقت بالمال، كما ينتفي عنه معنى العدم؛ إنه يصبح جوهر الحياة الذي لا يُقدَّر.
وحينما لا يكون الوقت من أجل الإثراء أو تحصيل النعم الفانية أعني حينما يكون لازما للمحافظة على البقاء، أو لتحقيق الخلود، والانتصار على الأخطار، يسمع الناس فجأة صوت الساعات الهاربة، ويدركون قيمتها التي لا تعوض، ففي هذه الساعات، لا تهم الناس الثروة، أو السعادة، أو الألم، وإنما الساعات
стр. 133
نفسها، فيتحدثون حينئذ عن ((ساعات العمل))؛ أعني العملة الوحيدة المطلقة التي لا تبطل، ولا تُسترد إذا ضاعت: إن العملة الذهبية يمكن أن تضيع، وأن يجدها المرء بعد ضياعها، ولكن لا تستطيع أي قوة في العالم أن تحطم دقيقة، ولا أن تستعيدها إذا مضت.
وحظ الشعب العربي والإسلامي من الساعات كحظ أي شعب متحضر، ولكن ... عندما يدق الناقوس مناديا الرجال، والنساء، والأطفال إلى مجالات العمل، في البلاد المتحضرة ... أين يذهب الشعب الإسلامي؟! تلكم هي المسألة المؤلمة ... فنحن في العالم الإسلامي نعرف شيئاً يسمى "الوقت"!. ولكنه الوقت الذي ينتهي إلى عدم، لأننا لا ندرك معناه، ولا تجزئته الفنية. لأننا لا ندرك قيمة أجزائه من ساعة ودقيقة، وثانية، ولسنا نعرف إلى الآن فكرة "الزمن" الذي يتصل اتصالاً وثيقا بالتاريخ، مع أن فلكيا عربيا مسلما هو ((أبو الحسن المراكشي)) يعتبر أول من أدرك هذه الفكرة الوثيقة الصلة بنهضة العلم المادي في عصرنا.
وبتحديد فكرة الزمن، يتحدد معنى التأثير والإنتاج، وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا.
هذا المعنى الذي لم نكسبه بعد، هو مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط، في تكوين المعاني والأشياء.
فالحياة والتاريخ الخاضعان للتوقيت كان وما يزال يفوتنا قطارهما، فنحن في حاجة ملحة إلى توقيت دقيق، وخطوات واسعة لكي نعوض تأخرنا.
وإنما يكون ذلك بتحديد المنطقة التي ترويها ساعات معينة من الساعات الأربع والعشرين التي تمر على أرضنا يومياً.
إن وقتنا الزاحف صوب التاريخ. لا يجب أن يضيع هباء، كما يهرب الماء من ساقية خربة. ولا شك أن التربية هي الوسيلة الضرورية التي تعلم الشعب العربي الاسلامي تماما قيمة هذا الأمر، ولكن بأية وسيلة تربوية؟ ....
стр. 134
إن من الصعب أن يسمع شعب ثرثار الصوت الصامت لخطى الوقت الهارب!! ..
ومع ذلك فكل علم له مرحلته التجريبية التي تتصف بالاحتمال والمحاولة، وهما يسبقان ضرورة الفكرة الواضحة التي يستخلصها العقل في المرحلة التالية. فينبغي أن نحدد التجربة المطابقة لمقتضى الحال لكي نعلم " المسلم " علم الزمن، فنعلم الطفل والمرأة والرجل تخصيص نصف ساعة يوميا لأداء واجب معين، فإذا خصص كل فرد هذا الجزء من يومه في تنفيذ مهمة منتظمة وفعالة فسوف يكون لديه في نهاية العام حصيلة هائلة من ساعات العمل لمصلحة الحياة الإسلامية في جميع أشكالها العقلية والخلقية والفنية والاقتصادية والمنزلية.
وسيثبت هذا (النصف ساعة) عمليا فكرة الزمن في العقل الإسلامي، أي في أسلوب الحياة في المجتمع، وفي سلوك أفراده، فإذا استغل الوقت هكذا فلم يضع سدى ولم يمر كسولاً في حقلنا، فسترتفع كمية حصادنا العقلي واليدوي والروحي، وهذه هي الحضارة.
ولا بد لنا في خاتمة هذا الفصل أن نورد تجربة قريبة منا، وواقعة تحت أنظارنا، وهي أيضا في متناول المقاييس العملية، هذه التجربة هي ما حدث في ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب التي خلفت وراءها ألمانيا عام ١٩٤٥ قاعا صفصفا، حطمت فيها كل جهاز للانتاج، ولم تبق لها من شيء تقيم على أساسه بناء نهضتها، وفوق ذلك فقد تركتها لتصرف شئونها تحت احتلال أربع دول، فلما بدأ النشاط يسري في نفس الشعب الألماني في مستهل سنة ١٩٤٨، كان ساعتئذ في نقطة الصفر من حيث المقومات الاقتصادية الموجودة لديه.
واليوم، وبعد عشر سنوات تقريبا نرى معرض ألمانيا يفتح أبوابه بالقاهرة في شهر مارس ١٩٥٧ فتذهلنا المعجزة، إذ ينبعث شعب من الموت والدمار، وينشىء الصناعات الضخمة، التي شهدناها.
стр. 135
ولو أننا حللنا تلك المعجزة لوجدنا فيها عوامل شتى لا سبيل إلى إنكارها، من بينها الإقتصاد في الجهاز الإداري، وفي التكاليف الإدارية، فقد أصبح كثير من أعمال الحكومة يقوم به أفراد الشعب كواجب عليهم، ولكن العامل المهم من هذه العوامل جميعها هو: الزمن.
فقد فرضت الحكومة عام ١٩٤٨ على الشعب الألماني كله، نساء وأطفالاً ورجالاً، التطوع يوميا ساعتين، يؤديها كل فرد زيادة على عمله اليومي وبالمجان، من أجل الصالح العام فقط.
ولقد سمي هذا التجنيد العام Roboter Arbeit وهو العمل للمصلحة العامة. فهذه المعجزة الاجتماعية التي أتت بها ألمانيا، قد كان للزمن في إخراجها حظ موفور، ويمكننا أن ندرك قيمة الوقت مباشرة في عودة الحياة الاجتماعية والاقتصادية لشعب لم يبق لديه من الوسائل إثر الحرب الثانية إلا العناصر الثلاثة: الإنسان، والتراب، والزمن.
وهنالك، حيث تهدد الصحراء وجودنا، وحيث لا نملك في أيدينا سوى هذه العناصر الثلاثة، سيرى العالم ازدهار حياتنا من جديد، هنالك حيث يخيم الجهل والفقر سيشهد الناس سيطرة الصناعة والفن، والعلم والرفاهية.
стр. 136
الْإِسْتِعْمَارُ وَالشُّعُوبُ الْمُسْتَعْمَرَةِ
стр. 137
الْمُعَامِلُ الإِسْتِعْمَارِيْ
لا شك أن بحثنا سوف يكون معرضا لانتقاد محق، إذا نحن تغافلنا عن تأثير المعامل الاستعماري واتصاله بنهضة البلاد العربية والإسلامية اتصالا وثيقا، غير أنه يجب أن نتحدث عن هذا المعامل من ناحيته الفنية:
فللفرد بصفته عاملاً أولياً للحضارة قيمتان:
الأولى منهما خام، والأخرى: صناعية؛ أو: الأولى منهما: طبيعية، والأخرى: اجتماعية.
أما القيمة الأولى فهي موجودة في كل فرد من الأفراد، في تكوينه البيولوجي، وتتمثل في استعداده الفطري لاستعمال عبقريته وترابه ووقته.
وإِذا نظرنا إلى المسلم الجزائري مثلا من هذه الزاوية، فإننا نراه مزودا من ذلك بأطيب زاد، فإن التاريخ يشهد بكفاءته وعبقريته في هذا الشأن إذ أنه سطر من مظاهر هذه العبقرية كثيرا، ما بين عهد القديس أوغستين البوني إلى عهد ابن خلدون.
وأما القيمة الثانية وهي القيمة الصناعية فإنه يكتسبها من وسطه الاجتماعي، وهي تتمثل في الوسائل والمسيرات التي يجدها الفرد في إطاره الاجتماعي لترقية شخصيته وتنمية مواهبه وتهذيبها.
ووظيفة الهيئة الاجتماعية إنما تتمثل في الواقع في هذه الترقية أو التنمية.
стр. 138
فإنها تصنع للانسان ما يمده في رفع مستواه من مدرسة أو مستشفى، ومن ادارة تسهر على مصلحته الخ ...
ومن هنا تبدأ قضية الاستعمار تهمنا، حيث أنه يفرض على حياة الفرد عاملاً سلبياً نسميه بالمصطلح الرياضي (المعامل) الاستعماري Cœfficient ولذلك المعامل تاريخه في سياسة الاستعمار، فقد كان القائد الفرنسي " بوجو " - وهو في عهد الاحتلال الصورة المقابلة لصورة الأمير عبد القادر- أول فرنسي أدرك حقيقة الشعب الجزائري وما ينطوي عليه من عبقرية فذة إدراكا وضع بمقتضاه الطريقة المناسبة لاستقرار الاستعمار.
وقد وضعها أساسا لتخطيط سياسته الفرنسية، التي كانت في نظره تحتاج إلى معمرين يتكافئون مع قيمة الأهالي الطبيعية. لذلك فإن شهادته بتلك الحقيقة لم تكن تخلو من النظر السياسي، إذ كان يريد اختيار معمرين تساوي قيمتهم قيمة الشعب الجزائري.
ولئن كانت شهادة الجنرال المذكور من قبيل الاعتراف بمزايا الخصم؛ ذلك الاعتراف الذي يحمل في طياته بقية الخلق الفرنسي القديم، فإن تلك الشهادة قد أصبحت اليوم هي الموحية لسياسة التهديم في جوهر الفرد الجزائري ومحو عبقريته، ولقد ظهرت طلائع هذه السياسة غداة الهزيمة التي أصابت فرنسا عام ١٨٧٠ فانتقصت من هيبتها.
وبدلا من أن يدفعها شعورها بالنقص إلى الرفع من قيمة شعبها، فإنها - رغبة منها في إقرار التوازن بين المعمرين والمستعمرين- قد عمدت إلى الانتقاص من قيمة هؤلاء الآخرين، وتحطيم قواهم الكامنة فيهم، فمنذ ذلك الحين بدأ الحط من قيمة الأهالي ينفذ بطرق فنية، كأنه معامل جبري وضع أمام قيمة كل فرد، بقصد التنقيص من قيمته الإيجابية.
ولقد رأينا هذا (المعامل) يؤثر في حياة الفرد في جميع أطوارها، يؤثر فيه
стр. 139
وهو طفل، إذ لا يمده المجتمع بما يقوي جسده وينمي فكره، أو يهيىء له مدرسة أو توجيهاً، هذا إذا كان له أب يحنو عليه.
أما إذا فقد من نشأته الأب فسيكون الأمر أدهى وأمر، ولسوف يؤول صاغرا إلى ماسح أحذية، أو سائل يتخلى عن كل عز وكرامة، بإراقة ماء وجهه.
فإذا ما كتبت له النجاة من كل هذه النكبات، وهيئت له الأسباب لأن يجد مقعدا في مدرسة ... فكم من العراقيل توضع في طريقه! ... ممتحنون بلا إنتصاف، .. وحكام بلا شفقة، ومستخدمون بلا ضمير ... وأخيرا فكم يلاقي ذلك الفتى المسلم في سبيل الحصول على وظيفة حقيرة!
وإذا ما بلغ مبلغ الرجال ماذا يعمل؟ فالشراء، والبيع، والسفر، والكلام، والكتابة، والتلفون، وكل الأعمال التي تقوم عليها حياته الاجتماعية لا تنالها يداه إلا بشق الأنفس، ومن خلال شبكة دقيقة مسمومة من الأحقاد، تسلبه كل وسيلة لإقامة حياته، وتنشر من حوله الأفكار المحطمة لقيمته والمعرقلة لمصالحه. فتحيطه بشبكة محكمة ينسجها خبث المستعمر الداهية.
وبدهي أنه في حاله هذه لا سبيل له لأن يقوم بأعماله إلا بالقدر الذي يقدره الاستعمار له، فهو يعيش كأن يدا خفية، وتارة مرئية، تشتت معالم طريقه، وتقصي باستمرار أمامه العلامة التي تحدد هدفه، فلا يدركه أبدا.
نعم، هناك واقع استعماري، هو ذلك المعامل الاستعماري.
لقد تكلم البعض في شأن هذا المعامل بلسان السياسة، فطالبوا بالحقوق التي هضمها الاستعمار، وأغفلوا الواجبات، وأصبح هذا الكلام من أروع مظاهر المأساة التي يعانيها الجنس البشري في عصرنا.
وتكلم عنه آخرون بلسان الواجبات كغاندي ففاز بحقوقه كاملة، وكأنها نظرة قرآنية غير منتظرة عند ذلك المصلح البرهمي.
стр. 140
أما هنا فنحن نريد أن نبحثه بحثاً علمياً في بلادنا، ولكي نتبع المقياس الصحيح في درس الاستعمار، يلزمنا أن نراه في أعماق التاريخ، وأن نوسع نطاق البحث فيه، لأنه ليس بالشيء الذي يخص علاقات الجزائر بفرنسا فحسب، ولاكنه يهم بصفة عامة علاقات الحضارة الغربية بالانسانية منذ أربعة قرون.
والاستعمار يعتبر من الوجهة التاريخية نكسة في التاريخ الإنساني، لأننا إِذا بحثنا عنه فسنجد أصوله تعود إلى روما، حيث وضعت المدنية الرومانية طابعها الاستعماري في سجل التاريخ، وقد أعقبهما العهد الاسلامي الذي كان في الواقع تجربة من نوع جديد في تاريخ علاقات الشعوب، فنحن لا نرى الحكم الاسلامي قد استعمر بما في هذه الكلمة من معنى مادي منحط، بل كان فتحه للبلاد كجنوب فرنسا وإسبانيا وأفريقيا الشمالية، لا لاستغلالها، ولكن لضمها للحضارة الإسلامية في الشام أو العراق. وليس لأحد أن ينكر هذه الحقيقة محتجا بأن انعدام التفرقة السياسية إنما يعود إِلى أن شعوبه كانت متوحدة في الدين، فإن الواقع التاريخي يشهد، وأقباط مصر ويهودها يشهدون، بأن الإسلام لم يكن يعم البلاد كدين، بل كحضارة.
وقد وجدنا القسيس (هربرت) يتعلم العلوم الإسلامية ثم يرقى عرش البابوية باسم البابا سلفستر الثاني، فيصبح المحرك الأول للحرب الصليبية الأولى، نعم، ما كان لذلك أن يحدث لولا أن الإسلام قد جاء بعهد جديد في تاريخ العلاقات بين الشعوب.
ومن سوء حظ الإنسانية أن نسيت أوربا أو تناست هذه التجربة اليوم، ولا عجب فإن الواقع كما لاحظه (جوستاف لوبون) هو أن جميع الوسائل قد اتخذت لمحو الحضارة الإسلامية من سجل التاريخ، من أجل ذلك زور الكتاب الغربيون التاريخ، حتى ظهر في عيون من أخذ عنهم أن التاريخ البشري ليس تلك السلسلة التي تتصل فيها جهود الأجيال، وإنما في نظرهم تلك المسافة المختزلة تبتدىء من (الأكروبول) في أثينا وتنتهي عند قصر (شايو) بباريس، أو أكثر
стр. 141
من ذلك بقليل. ولقد تظهر هذه الخرافة علمية في أعين قوم من أعلام المثقفين في أوربا حتى إِنه لتعلوهم الدهشة إذا ما كشف لهم المتحدث عن وهم هذه المسافة التي رأوا في مبدئها ابتداء للمدنية وفي منتهاها انتهاء لها، ولو أنهم دققوا النظر، لوجدنا هوة كبيرة تفصل حضارة أرسطو وحضارة ديكارت، وأن تلك الهوة من القرون هي الحضارة الإسلامية، وإني لأذكر يوما دهش فيه محدث لي بينت له زيف معلوماته التاريخية وأوضحت له هذه الحقيقة التي كانت همزة الوصل في التاريخ الإنساني بين حضارة باريس وأثينا.
غير أن المدنية الحاضرة تخطت الحضارة الإسلامية (التي تحمل رسالة الإنسانية) لتأخذ من الحضارة الرومانية روحها الاستعمارية، والمعمرون أنفسم يعترفون بذلك من حيث لا يشعرون، إذ نسمعهم صباح مساء يردون أعمالهم إلى عبقرية الرومان، ومن هنا نرى أن الاستعمار قد رجع بالإنسانية في التاريخ ألف عام ما قبل الحضارة الإسلامية ولكن ذلك لا يدفعنا إلى أن نحسبه شرا كله، بل إن خيراً قد حققه الله على يديه من حيث لا يدري، فلئن كان بطشه انتقاما، فإن في طياته رحمة ...
ولنتأمل .. ما الذي بعث العالم الإسلامي من نومه قرناً؟.
من الذي أيقظه من خمسين سنة تقريباً؟
من الذي قال له قم!!!
إنه الاستعمار. نعم إِنه قد خلع علينا بابنا، وزعزع دارنا، وسلب منا أشياء ثمينة.
لقد أخذ من حريتنا وسيادتنا وكرامتنا، وكتبنا المنسية، وجواهر عروشنا، وأرائكها الناعمة، التي كنا نود أن لو بقينا عليها نائمين! ..
ولكن إذا كان هذا هو الواقع الاستعماري فيجب أن نعترف بأنه أيقظ الشعب الذي استسلم لنوم عميق، بعد الغداء الدسم الذي أكله عندما كان يرفل
стр. 142
في نعم حضارته والتاريخ قد عودنا أن كل شعب يستسلم للنوم، فإن الله يبعث عليه سوطا يوقظه. على أن الذي نلاحظه في العبقرية الرومانية إنما هو الروح القيصرية، على حين نلاحظ في الاسلام روح الإنسانية.
وللانسانية أن تختار بين هاتين القيادتين في مستقبلها، الذي لا بد فيه من يقظات أخرى لشعوب نائمة، ومن تداول مستمر لتلك القيادة.
فإما أن يكون مستقبلها نوما تغط فيه إلى الأبد، ولا تستطيع النهوض من مشرق فجر جديد، فتعجز عن تجديد حضارة لا تحمل طابعا خاصا من شعب متكبر، يسوم الإنسانية سوء العذاب، من غير ما ضمير يردع، ولا قانون يمنع. وإما أن تأتي بحضارة تكون للبشر جميعا: تستخدم مواهبهم المتنوعة، وتصور قواهم المتعددة.
وفي هذين الاحتمالين عقدة عصرنا الحاضر، وإن تلك العقدة بيد (الكبار)، فهل هم يريدون حلها لصالح الإنسانية.؟
ومهما يكن من أمر فإن واجبنا نحن (غير الكبار) أن نتحدث في الأشياء التي تخصنا، ومنها ذلك المعامل الاستعماري، الذي يعمل في حياة الفرد ضد مصيره، وضد ضميره.
وإِن الواجب ليقضي على كل (غير كبير) أن يشعر بما تنطوي عليه شخصيته من قيمة جوهرية، هي تراثه الخاص الذي لا سلطان لأحد عليه، فكما أنه ليس للاستعمار أن يتصرف في الزمان والمكان، فكذلك لا يستطيع أن يتحكم في عبقرية الإنسان.
ولئن كان له من السلطان السياسي ما يهدم مجتمع الفرد، ويزيف قيمته الاجتماعية فإن قيمته الجوهرية، التي تشتمل على شروط بسيطة لازمة لاجتياز مرحلة العسرة من حياته، تقصر عنها يد المستعمر، وما دامت القيم الجوهرية الثلاثة: الإنسان والتراب، والزمن (وهي الزاد وقت العسرة) في يد شعب،
стр. 143
يشعر بها حينما ينهض من النوم، فإن ذلك الشعب بلا شك يمسك بيده مفتاح الأقدار، وربما تصادفه عراقيل أو يعثر مرات كثيرة، أو يفقد الأدوات المساعدة في طريقه، ولكن هيهات أن ينتكس أو يعود إلى الانحطاط إذا ما تصرف في إمكانياته تصرف الرشيد.
وأخيرا. فإن المعامل الاستعماري في الواقع يخدع الضعفاء، ويخلق في نفوسهم رهبة ووهما، ويشلهم عن مواجهته بكل قوة، وإِن هذا الوهم ليتعدى أثره إلى المستعمرين أنفسهم فيغريهم بالشعوب الضعيفة، ويزين لهم احتلالهم إِذ يحاولون إطفاء نور النهار على الشعوب المتيقظة، ويدقون ساعات الليل عند غرة الفجر، وفي منتصف النهار، لترجع تلك الشعوب إلى العبودية والنوم.
ولكن مهما سمعنا تلك الدقات الخادعة تلح في إيهامنا بأنه الليل، فلن نعود إِلى النوم.
لقد أصبحنا والحمد لله، ولا رجعة إلى الظلام مهما حاول الاستعمار، إنه النهار ... النهار ...
стр. 144
مُعَامِلُ الْقَابِلِيَّةِ لِلِاسْتِعْمَارِ
تبين لنا من الفصل السابق كيف يُحرِّف الاستعمار منهجياً معادلة الفرد المستعمَر، باستخدام أنواع من العراقيل متعددة، يصادفها الفرد في طريقه. وعرفنا كيف يؤثر المعامل الاستعماري لتضييق نشاط الحياة في البلاد المستعمرة، حتى تكون مصبوبة في قالب ضيق، يهيئه الاستعمار في كل جزئية من جزئياته، خوفاً من أن تتيح الحياة المطلقة لمواهب الإنسان أن تأخذ مجراها الطبيعي إلى النبوغ والعبقرية.
على أنه من الناحية الجدلية: هذا الاعتبار خارجي بكيفية ما، لأنه يرينا كيف يؤثر الاستعمار على الفرد من الخارج، ليخلق منه نموذج الكائن المغلوب على أمره، والذي يسميه المستعمر في لغته (الأهلي).
ونحن في هذا الفصل نريد أن نتعرض لعامل آخر ينبعث من باطن الفرد الذي يقبل على نفسه تلك الصبغة، والسير في تلك الحدود الضيقة التي رسمها الاستعمار، وحدد له فيها حركاته وأفكاره وحياته ".
فنرى أولا هذا الرجل يقبل اسم (الأهلي)، يوم استأهل لكل ما ترمي إِليه المقاصد الاستعمارية، من تقليل قيمته من كل ناحية، حتى من ناحية اسمه. ومما يلاحظ أنه منذ سنين قليلة، كان هذا الرجل يحمل هذا الاسم كرايته،
стр. 145
وكانت الجرائد تعنون به صحفها، وكنا نسمع هذه الكلمة تتردد في خطب الطبقة المثقفة (الأهلية) ونقرؤها في مقالاتها.
وإذا لم نكن شاهدنا خصيانا يلقبون أنفسهم (بالخصي) فقد شاهدنا مرارا مثقفين جزئريين يطلقون على أنفسم (الأهلي).
ومعنى ذلك أننا قد أخذنا أنفسنا بالمقياس الذي تقيسنا به ((إدارة الشئون الاستعمارية)).
إن المستمعر يريد منا بطالة يحصل من ورائها يداً عاملة بثمن بخس فيجد منا متقاعدين، بينما الأعمال جدية تترقب منا الهمة والنشاط.
وهو يريد منا جهلة يستغلهم، فيجدنا نقاوم ذلك الجهد البسيط المبذول عندنا ضد الأمية وهو جهد ((جمعية العلماء)).
وهو يريد منا انحطاطاً في الأخلاق كي تشيع الرذيلة بيننا، تلك الرذيلة التي تكون نفسية رجل ((القلة))، فيجدنا أسرع إلى محاربة الفضيلة، التي يحاول نشرها العلماء في بلادنا، وهو يريد تشتيت مجتمعنا وتفريق أفراده شيعا وأحزاباً، حتى يحل بهم الفشل في الناحية الأدبية، كما هم فاشلون في الناحية الاجتماعية، فيجدنا متفرقين بالسياسات الانتخابية، التي نصرف في سبيلها ما لدينا من مال وحكمة.
وهو يريد منا أن نكون أفرادا تغمرهم الأوساخ، ويظهر في تصرفاتهم الذوق القبيح، حتى نكون قطيعا محتقراً، يسلم نفسه للأوساخ والمخازي، فيجدنا ناشطين لتلبية دعوته.
وبذلك تكون العلة مزدوجة، فكلما شعرنا بداء المعامل الاستعماري الذي يعترينا من الخارج، فإننا نرى في الوقت نفسه معاملاً باطنيا يستجيب للمعامل الخارجي ويحط من كرامتنا بأيدينا.
وربما لم نكن لنفقه لهذا الداء الباطني معناه الاجتماعي، لولا أن الفئة