← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ويشترط عليهم ــ يعني الإمام ــ أنَّ مَن ذكر كتاب الله أو محمدًا رسولَ الله ﷺ أو دينَ الله بما لا ينبغي، أو زنى بمسلمةٍ أو أصابها بنكاحٍ، أو فتن (١) مسلمًا عن دينه، أو قطع عليه الطريق، أو أعان أهل الحرب بدلالةٍ على المسلمين، أو آوى عينًا لهم= فقد نقض عهدَه وأَحَلَّ دمَه، وبَرِئَت منه ذمَّةُ الله وذمَّةُ رسوله. والقول الثاني: لا يشترط ذلك، بل يكفي شرط عمر ﵁ وهو مستمِرٌّ عليهم أبدًا قرنًا بعد قرنٍ. وهذا هو الصحيح الذي عليه العمل من أقوال أئمة الإسلام. ولو كان تجديد اشتراط الإمام شرطًا في ذلك لما جاز إقرار أهل الذمة اليوم ومناكحتهم، ولا أخذ الجزية منهم. وفي اتفاق الأمة دلالةٌ على ذلك قرنًا بعد قرنٍ وعصرًا بعد عصرٍ اكتفاءً بشرط عمر ﵁. فصل قولهم: (ولا نكتم غشًّا للمسلمين) . هذا أعمُّ من إيواء الجاسوس، فمتى علموا أمرًا فيه غشٌّ للإسلام والمسلمين وكتموه انتقض عهدُهم. وبذلك أفتينا وليَ الأمر بانتقاض عهد النصارى لمَّا سَعَوا في إحراق الجامع والمَنَارة وسوق السلاح، ففعل بعضهم وعَلِم بعضُهم وكَتَم ذلك ولم يُطلِع عليه وليَّ الأمر (٢).

стр. 982

وبهذا مضَت سُنَّةُ رسول الله ﷺ في ناقضي العهد، فإنَّ بني قَينُقاع وبني النَّضِير وقُرَيظَة لمَّا حاربوه ونقضوا عهده عمَّ الجميعَ بحكم الناقضين للعهد وإن كان النقض قد وقع من بعضهم، ورضي الباقون وكتموه من رسول الله ﷺ ولم يُطلِعوه عليه. وكذلك فعل بأهل مكة: لمَّا نقض بعضهم عهده، وكتم الباقون وسكتوا، ولم يُطلِعوه على ذلك= أجرى الجميع على حكم النقض وغزاهم في عُقْرِ دارهم. وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيرُه، وبالله التوفيق. وقد اتَّفق المسلمون على أنَّ حكم الرِّدْء والمُباشِر في الجهاد كذا (١). وكذلك اتفق الجمهور على أنَّ حكمَهم سواءٌ في قطع الطريق، وإنَّما خالَف فيه الشافعي وحدَه. وكذلك حُكم البُغاة، يستوي (٢) رِدؤهم ومُباشِرهم (٣). وهذا هو محض الفقه والقياس، فإنَّ المباشِرين إنَّما وصلوا إلى الفعل بقوَّة ردئهم (٤)، فهم مشتركون في السبب: هذا (٥) بالفعل، وهذا بالإعانة، وهذا بالحفظ والحراسة؛ ولا يجب الاتفاق والاشتراك في عين كلِّ سببٍ سببٍ، والله أعلم.

стр. 983

فصل (١) قولهم: (ولا نضرب نواقيسنا إلا ضربًا خفيًّا في جوف كنائسنا) . لمَّا كان الضرب بالناقوس هو شعارَ الكفر وعَلَمَه الظاهر اشتُرِط عليهم تركُه. وقد تقدَّم (٢) قول ابن عباس ﵄: أيُّما مصرٍ مصَّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعةً، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا. ذكره أحمد. وتقدَّم (٣) نصُّه في رواية ابنه عبد الله: ليس لليهود والنصارى أن يُحدِثوا في مصرٍ مصَّره المسلمون بيعةً ولا كنيسةً، ولا يضربوا فيه بناقوسٍ إلا فيما كان لهم صلحًا، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين. وقال في رواية أبي طالب (٤): السواد فتح بالسيف، فلا تكون فيه بيعةٌ، ولا يضرب فيه بناقوسٍ، ولا تتخذ فيه الخنازير، ولا يشرب فيه الخمر، ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم. وقال في رواية حنبل (٥): وليس لهم أن يحدثوا بيعةً ولا كنيسةً لم تكن، ولا يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبًا، ولا يظهروا خنزيرًا، ولا يرفعوا نارًا،

стр. 984

ولا شيئًا مما يجوز لهم. وعلى الإمام أن يمنعهم من ذلك، السلطان يمنعهم من الإحداث إذا كانت بلادهم فتحت عنوةً. وأمَّا الصلح فلهم ما صُولِحوا عليه يُوفى لهم به. وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى، ولا يظهرون خمرًا. وقال الخلال في «الجامع» (١): أخبرني محمد بن جعفر بن سفيان، حدثنا عبيد بن جَنَّادٍ، حدثنا إسماعيل بن عياشٍ، عن صفوان بن عمرٍو قال: كتب عمر ﵁: أنَّ أحقَّ الأصوات أن تُخفَض أصوات اليهود والنصارى في كنائسهم. وقال الفريابي (٢): حدثنا أبو الأسود قال: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أن لا يضرب بالناقوس خارجًا من الكنيسة. وقال أبو الشيخ في «كتاب شروط عمر» (٣): حدثنا طاهر بن عبد الله بن محمد، حدثنا أبو زرعة قال: سمعت علي بن أبي طالب (٤) الرازي يقول:

стр. 985

سمعت مالك بن أنس يقول: إذا نُقِس بالناقوس اشتدَّ غضب الرحمن فتنزل الملائكة فتأخذ بأقطار الأرض، فلا تزال تقول: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يسكن غضب الرب . وقال إسحاق بن منصور (١): قلت لأبي عبد الله: للنصارى أن يظهروا الصليب أو يضربوا بالناقوس؟ قال: ليس لهم أن يظهروا شيئًا لم يكن في صلحهم. وقال في رواية إبراهيم بن هانئ (٢): ولا يُترَكوا أن يجتمعوا في كل أحدٍ، ولا يظهروا خمرًا ولا ناقوسًا. وقال في رواية يعقوب بن بختان: ولا يتركوا أن يجتمعوا في كل أحدٍ، ولا يظهروا لهم (٣) خمرًا ولا ناقوسًا في كل مدينة بناها المسلمون. قيل له: يضربون الخيام في الطريق يوم الأحد؟ قال: لا، إلا أن تكون مدينة صولحوا عليها فلهم ما صولحوا عليه. وقال في «النهاية» (٤): وإذا أبقيناهم على كنيستهم فالمذهب أنَّا نمنعهم من صوت النواقيس، فإن هذا بمثابة إظهار الخمور والخنازير. وأبعدَ بعضُ الأصحاب في تجويز تمكينهم من صوت النواقيس، فإنَّها من أحكام الكنيسة. قال: وهذا غلطٌ لا يُعتَدُّ به. انتهى.

стр. 986

وأمَّا قولهم في كتاب الشروط: (ولا نضرب بالناقوس إلا ضربًا خفيًّا في جوف كنائسنا)، فهذا وجوده كعدمه، لأن الناقوس يعلَّق في أعلى الكنيسة كالمنارة ويُضرَب به فيُسمَع صوته من بُعدٍ، فإذا اشترط عليهم أن يكون الضرب به خفيًّا في جوف الكنيسة لم يُسمَع له صوتٌ فلا يُعتَدُّ به. فلذلك عطَّلوه بالكليَّة إذ لم يحصل به مقصودهم، وكان هذا الاشتراط داعيًا لهم إلى تركه. وقد أبطل الله سبحانه بالأذان ناقوسَ النصارى وبُوقَ اليهود، فإنَّه دعوةٌ إلى الله سبحانه وتوحيده وعبوديته، ورفع الصوت به إعلاءً لكلمة الإسلام وإظهارًا لدعوة الحق وإخمادًا لدعوة الكفر. فعوَّض عِبادَه المؤمنين بالأذان عن الناقوس والطُّنبور، كما عوَّضهم دعاء الاستخارة عن الاستقسام بالأزلام. وعوَّضهم بالقرآن وسماعِه عن قرآن الشيطان وسماعه، وهو الغناء والمعازف. وعوَّضهم بالمغالبة بالخيل والإبل والبهائم عن الغِلابات الباطلة كالنرد والشطرنج وأنواع القمار. وعوَّضهم بيوم الجمعة عن السبت والأحد، وعوَّضهم الجهاد عن السِّياحة والرَّهبانية. وعوَّضهم بالنكاح عن السِّفاح، وعوَّضهم بأنواع المكاسب الحلال عن الربا. وعوَّضهم بإباحة الطيبات من المطاعم والمشارب عن الخبيث منها. وعوَّضهم بعيد الفطر والنحر عن أعياد المشركين. وعوَّضهم بالمساجد عن الكنائس والبِيَع والمشاهد.

стр. 987

وعوَّضهم بالاعتكاف والصيام وقيام الليل عن رياضات أهل الباطل من الجوع والسَّهَر والخَلوة التي يُعطَّل فيها دينُ الله. وعوَّضهم بما سَنَّه لهم على لسان رسوله عن كلِّ بدعة وضلالة. فصل قولهم: (ولا نُظهِر عليها صليبًا) . لمَّا كان الصليب من شعار الكفر الظاهرة كانوا ممنوعين من إظهاره. قال أحمد في رواية حنبل (١): ولا يرفعوا صليبًا، ولا يُظهروا خنزيرًا، ولا يرفعوا نارًا، ولا يُظهروا خمرًا، وعلى الإمام منعهم من ذلك. وقال عبد الرزاق (٢): حدثنا معمرٌ، عن [عمرو بن] ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن يمنع النصارى في الشام أن يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبهم فوق كنائسهم، فإن قُدِر على مَن فعل من ذلك شيئًا بعد التقدُّم (٣) إليه فإنَّ سَلَبه (٤) لمَن وجده. وإظهار الصليب بمنزلة إظهار الأصنام، فإنَّه معبود النصارى كما أنَّ الأصنام معبود أربابها، ولهذا (٥) يُسمَّون عُبَّادَ الصَّليب.

стр. 988

ولا يمكَّنون من التصليب على أبواب كنائسهم وظواهر حيطانها، ولا يُتعرَّض لهم إذا نَقَشوا ذلك داخلها. فصل قولهم: (ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا ممَّا يحضره المسلمون). لمَّا كان ذلك من شعار الكفر مُنِعوا من إظهاره. قال أبو الشيخ: حدثنا عبد الله بن عبد الملك الطويل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، عن ضمرة قال: كتب عمر بن عبد العزيز أن امنعوا النصارى من رفع أصواتهم في كنائسهم، فإنَّها أبغض الأصوات إلى الله ، وأولاها أن تخفض (١). وقال أحمد في رواية أبي طالب (٢): ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم. وقال الشافعي (٣): واشترط عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم ولا يُسمعونهم ضرب ناقوسٍ، فإن فعلوا ذلك عُزِّروا. انتهى. فرفع الأصوات التي مُنِعوا منها ما كان راجعًا إلى دينهم وإظهار شعاره كأصواتهم في بحوثهم (٤) ومذاكرتهم ونحو ذلك.

стр. 989

فصل قولهم: (ولا نخرج صليبًا ولا كتابًا في أسواق المسلمين) . فيه زيادةٌ على عدم إظهارهم ذلك على كنائسهم وفي صلواتهم، فهم ممنوعون من إظهاره في أسواق المسلمين وإن لم يرفعوا أصواتهم به. ولا يُمنَعون من إخراجه في كنائسهم وفي منازلهم، بل الممنوع منه فيها رفع أصواتهم ووضع الصليب على أبواب الكنائس. فصل قولهم: (وأن لا نخرج باعوثًا ولا شعانينًا ، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نُظهر النِّيران معهم في أسواق المسلمين). فأمَّا الباعوث فقد فسَّره الإمام أحمد في رواية ابنه صالح (١) فقال: يخرجون كما نخرج في الفطر والأضحى. ومن هنا قال أحمد في رواية ابن هانئ (٢): ولا يتركوا أن يجتمعوا في كلِّ أَحَدٍ، ولا يظهروا لهم خمرًا، ولا ناقوسًا. فإنَّ اجتماعهم المذكور هو غاية الباعوث ونهايته، فإنَّهم ينبعثون إليه من كلِّ ناحية. وليس مراد أبي عبد الله منعَ اجتماعهم في الكنيسة إذا تسلَّلوا إليها لِوَاذًا،

стр. 990

وإنَّما مراده إظهار اجتماعهم كما يُظهِر المسلمون ذلك يومَ عيدهم. ولهذا قال في رواية يعقوب بن بختان (١) وقد سُئِل: هل يضربون الخيام في الطريق يوم الأحد؟ قال: «لا، إلا أن تكون مدينة صولحوا عليها فلهم ما صولحوا عليه». فإنَّ ضرب الخيام على الطريق يوم عيدهم هو من إخراج الباعوث وإظهار شعائر الكفر، فإذا اختفَوا في كنائسهم باجتماعهم لم يُعرَض لهم فيها ما لم يرفعوا أصواتهم بقراءتهم وصلواتهم. وأمَّا الشعانين فهي أعيادٌ لهم أيضًا، والفرق بينها وبين الباعوث أنَّه اليوم والوقت الذي ينبعثون فيه على الاجتماع والاحتشاد (٢). وقولهم: (ولا نرفع أصواتنا مع موتانا) لما فيه من إظهار شعار الكفر، فهذا يعُمُّ رفعَ أصواتهم بقراءتهم وبالنوح وغيره. وكذلك (إظهار النيران معهم) إمَّا بالشَّمع أو السُّرُج أو المشاعل ونحوها. فأمَّا إذا أوقدوا النار في منازلهم وكنائسهم ولم يُظهروها لم يُتعرَّض لهم فيها. وقد سمَّى الله سبحانه أعيادهم زُورًا، والزور لا يجوز إظهاره، فقال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ اَلزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في «تفسيره» (٣): حدثنا أبو سعيد الأشج،

стр. 991

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد الخرَّاز (١)، حدثنا حسين بن عقيل، عن الضحاك: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ اَلزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] عيد المشركين. وقال سعيد بن جبيرٍ: الشعانين (٢). وكذلك قال ابن عباس: الزور عيد المشركين (٣). فصل وكما أنَّهم لا يجوز لهم إظهاره فلا يجوز للمسلمين مُمَالأتُهم عليه، ولا مُساعَدتهم، ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله. وقد صرَّح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم، فقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن (٤) بن منصور الطبري الفقيه الشافعي: ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم، لأنَّهم على منكرٍ وزُورٍ، وإذا خالط أهل المعروف أهلَ المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المُؤثِرين له، فيُخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعُمُّ الجميع، نعوذ بالله من سخطه.

стр. 992

ثم ساق من طريق ابن أبي حاتم (١): حدثنا الأشجُّ، ثنا عبد الله بن أبي بكرٍ (٢)، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مُرَّة: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ اَلزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: لا يمالئون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم. ونحوه عن الضحاك. ثم ذكر حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلوا على هؤلاء الملعونين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يُصيبَكم مثلُ ما أصابهم». والحديث في «الصحيح» (٣). وذكر البيهقي (٤) بإسناد صحيح في «باب كراهية الدخول على أهل الذمة في كنائسهم، والتشبُّه بهم يوم نوروزهم ومهرجانهم» عن سفيان الثوري، عن ثور بن يزيد، عن عطاء بن دينارٍ قال: قال عمر ﵁: لا

стр. 993

تَعلَّموا رَطانَةَ الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإنَّ السُّخْطة تنزل عليهم. وبالإسناد (١) عن الثوري، عن عوف، عن الوليد ــ أو أبي الوليد ــ عن عبد الله بن عمرو قال: من مرَّ (٢) ببلاد الأعاجم فصنَعَ نيروزهم ومهرجانهم وتشبَّه بهم، حتى يموت وهو كذلك= حُشِر معهم يوم القيامة. وقال البخاري في غير «الصحيح» (٣): قال لي ابن أبي مريم: حدثنا نافع بن يزيد، سمع سليمان بن أبي زينب وعمرو (٤) بن الحارث، سمع (٥) سعيد بن سلمة، سمع أباه، سمع عمر بن الخطاب ﵁ قال: اجتنبوا أعداء الله في عيدهم. ذكره البيهقي. وذكر (٦) بإسناد صحيح عن أبي أسامة: حدثنا عوف، عن أبي المغيرة،

стр. 994

عن عبد الله بن عمرو قال: مَن مرَّ (١) ببلاد الأعاجم فصنَعَ نيروزهم ومهرجانهم وتشبَّه بهم، حتى يموت وهو كذلك= حُشِر معهم يوم القيامة. وقال أبو الحسن الآمدي (٢): لا يجوز شهود أعياد النصارى واليهود، نصَّ عليه أحمد في رواية مُهَنَّا، واحتجَّ (٣) بقوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ اَلزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: الشعانين وأعيادهم. وقال الخلال في «الجامع» (٤): «بابٌ في كراهية خروج المسلمين في أعياد المشركين». وذكر عن مُهَنَّا قال: سألت أحمد عن شهود هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل دير أيوب وأشباهه، يشهده المسلمون؛ يشهدون الأسواق ويجلبون فيه الضحية والبقر والبر والدقيق وغير ذلك، يكونون في الأسواق ولا يدخلون عليهم بِيَعَهم. قال: إذا لم يدخلوا عليهم بِيَعهم وإنما

стр. 995

يشهدون السوق، فلا بأس. وقال عبد الملك بن حبيب: سُئِل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم، فكَرِه ذلك مَخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه. قال: وكَرِه ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأةً له، ورآه من تعظيم عيده وعونًا له على كفره، ألا ترى أنَّه لا يَحِلُّ للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئًا من مصلحة عيدهم، لا لحمًا ولا أدمًا ولا ثوبًا، ولا يعارون دابَّةً، ولا يُعانون على شيء من عيدهم، لأنَّ ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم، وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه اختلف فيه. هذا لفظه في «الواضحة» (١). وفي كتب أصحاب أبي حنيفة: مَن أهدى لهم يوم عيدهم بطيخةً بقصد تعظيم العيد فقد كفر (٢). فصل قولهم: (ولا نجاورهم بالخنازير ولا ببيع الخمور) . يجوز أن يكون بالراء المهملة من المجاورة، أي: بيع الخمور

стр. 996

بحضرتهم، ولا تكون الخنازير مجاورةً لهم. ويجوز أن يكون بالزاي المعجمة، أي: لا نتعدَّى بها عليهم جهرةً، بل إذا أتينا بها إلى بيوتنا أتينا بها خفيةً بحيث لا يَطَّلعون على ذلك. والمعنيان صحيحان، وذلك يتضمَّن إخفاء الخمر والخنزير فيما بينهم، وأن لا يُظهروا بهما بين المسلمين كما لا يظهرون بسائر المنكرات. فصل وكذلك قولهم: (ولا نجاوز المسلمين بموتانا) . يجوز أن يكون بالزاي والراء، من المجاوزة والمجاورة، فإن كان بالمهملة فالمعنى اشتراط دفنهم في ناحية من الأرض، لا تجاور قبورُهم بيوتَ المسلمين ولا قبورَهم، بل تنفرد عنهم، لأنَّها محل العذاب والغضب، فلا تكون هي ومحل الرحمة في موضع واحد لِما يلحق المسلمين بذلك من الضرر. وإن كان بالمعجمة من المجاوزة، فعادة (١) النصارى في أمواتهم يُوقِدون الشموع ويَزُفُّون بها الميت، ويرفعون أصواتهم بقراءة كتبهم، وقد منع جماعةٌ من الصحابة أن تتبع جنائزهم بنارٍ خوفًا من التشبُّه بهم. وعلى رواية الزاي المعجمة فليس لهم أن يحملوا أمواتهم في أسواق المسلمين ولا في الطرق الواسعة التي يمُرُّ بها المسلمون. وإنَّما يقصدون المواضع الخالية التي لا يراهم فيها أحدٌ من المسلمين.

стр. 997

قال أبو القاسم الطبري: إن كانت الرواية بالزاي فهو صريحٌ في المنع من جواز جنائزهم على المسلمين. قال: وقد روي عن النبي ﷺ حديث يُشبِه معنى هذا فيما أخبرنا محمد بن عبد الرحمن: حدثنا أبو بكر بن أبي داود (١)، ثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فُدَيك، حدثنا ابن أبي ذِئْب، عن نافع بن مالك، عن سعيد بن المسيّب أنَّ رسول الله ﷺ قال: «رُبَّ جنازةٍ ملعونةٌ، ملعونٌ مَن شهدها» (٢). قال: فهذه جنائز أهل الذمة (٣). قال: وإن كان بالراء المهملة فهو أنَّهم يُمنَعون من الدفن في مقابر المسلمين. قال: وقد روي عن النبي ﷺ : «أنا بريءٌ مِّن كلِّ مسلم مع مشرك»، قيل: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «لا تراءى ناراهما». قلت: الحديث رواه أبو داود في «السنن» (٤).

стр. 998

فصل قولهم: (ولا ببيع الخمور) . أي: لا نبيعه ظاهرًا بحيث يراه المسلمون، إذ (١) بيعُه ظاهرًا من المنكر العظيم. وكذلك نقلُه من موضع إلى موضع في دار الإسلام في البلد وخارج البلد. قال أبو القاسم الطبري: وقد روي عن عمر وعلي ﵄ في هذا تغليظٌ في حَرْق (٢) متاعهم وكَسر أوانيهم. ثم ذكر من طريق أبي عبيد (٣)، حدثنا هُشَيم ومروان بن معاوية، (٤) عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشَّيبَاني قال: بلغ عمر أنَّ رجلًا من أهل السَّواد قد أثرى (٥) في تجارة الخمر، فكتب: أن اكْسِرُوا كلَّ شيء قدرتم عليه، وشرِّدوا كلَّ ماشية له. قال أبو عبيد (٦): وحدثنا مروان بن معاوية، حدثنا عمرو بن (٧)

стр. 999

المُكَتِّب، حدثنا حَذْلَمٌ، عن ربيعة بن زكَّارٍ (١) قال: نظر عليٌّ إلى زرارة فقال: ما هذه القرية؟ قالوا: قريةٌ تدعى زرارة، يُلْحَم (٢) فيها ويباع الخمر. فقال: أين الطريق إليها؟ قالوا: باب (٣) الجسر. قال قائل: يا أمير المؤمنين، خُذْ لك سفينةً تجوز فيها. قال: تلك سخرةٌ ولا حاجة لنا في السخرة، وانطلقوا بنا إلى باب الجسر. فقام يمشي حتى أتاها، فقال: عليَّ بالنِّيران، أَضرِموا فيها، فإنَّ الخبيث يأكل بعضُه بعضًا. فأُضرِمَت في عرشها. قال: وقد قضى ابن عباس: أيما مصرٍ مصَّره المسلمون فلا يباع فيه خمرٌ (٤). قال أبو عبيد (٥): معنى هذه الأحاديث في أهل الذمة، لأنَّهم كانوا أهل السَّواد حينئذ.

стр. 1000

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن لا يحمل الخمر من رُسْتاقٍ إلى رُسْتاق (١). فصل قولهم: (ولا نُرغِّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحدًا) . هذا من أولى الأشياء أن ينتقض العهد به، فإنَّه حِراب الله ورسوله باللسان، وقد يكون أعظم من الحراب باليد، كما أنَّ الدعوة إلى الله ورسوله جهادٌ بالقلب وباللسان، وقد يكون أفضل من الجهاد باليد (٢). ولما كانت الدعوة إلى الباطل مستلزمةً ــ ولا بد ــ للطعن في الحق، كان دعاؤهم إلى دينهم وترغيبُهم فيه طعنًا في دين الإسلام، وقد قال تعالى: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئمَّةَ اَلْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]. ولا ريبَ أنَّ الطعن في الدين أعظم من الطعن بالرمح والسيف، فأولى ما انتقض به العهدُ: الطعنُ في الدِّين ولو لم يكن مشروطًا عليهم، فالشرط ما زاده إلا تأكيدًا وقوةً.

стр. 1001

فصل قولهم: (ولا نتخذ شيئًا من الرقيق الذي جرت عليه أحكام (١) المسلمين) يتضمن أنَّهم لا يتملكون رقيقًا من سبي المسلمين. وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء، فمذهب الإمام أحمد أنَّه إذا استرق الإمام السبي لم يجُزْ بيعهم من كافر، ذميًّا كان أو حربيًّا، صِغارًا كانوا أو كِبارًا (٢). وقال أبو حنيفة: يجوز بَيعُهم من أهل الذِّمة دون أهل الحرب (٣). وقال الشافعي (٤): يجوز بَيْعُهم من الفريقين. فأمَّا مذهب مالك فقال في «الجواهر» (٥): إن اشترى الكافر بالغًا على دينه لم يمنع من شرائه إذا كان يسكن به في بلد المسلمين، ولا يباع لمَن يخرج به عن بلاد الإسلام، لِما يُخشَى من إطلاعه أهلَ الحرب على عَورة المسلمين. وإن كان العبد صغيرًا على دينه ففي (٦) الكتاب وغيره: مَنْعُه من شرائه،

стр. 1002

لِما يُرجى من إسلامه [و] سرعة إجابته إذا دعي إلى الإسلام لكونه لم يرسخ في نفسه الكفر بخلاف الكبير. فإنْ بِيع (١) منه فُسِخ البيع، ويتخرَّج (٢) فيه: أن يباع عليه من مسلم. وقال محمد (٣): لا يُمنَع من شرائه، لأنَّا لسنا على يقين من إسلامه إذا اشتراه مسلم. وإن كان العبد بالغًا على [غير] دين مشتريه، فلها صورتان: إحداهما: يهودي يباع من نصراني وعكسه، فقال ابن وهب وسحنون بالمنع، لِما بينهما من العداوة والبغضاء، فيكون إضرارًا بالمملوك واتخاذًا (٤) للسبيل إلى أذيَّته (٥). وقال محمد: لا يمنع، لأن المنع ليس لحق الله بل لحق (٦) العبد، فلو رضي بذلك لجاز (٧)، ويتدارك بعدُ (٨) بالمنع من أذيَّته دون فسخ البيع. الثانية: أن يكون العبد من الصقالبة أو المجوس أو السودان، فهل له

стр. 1003

شراؤه؟ حكى المازري فيه ثلاثة أقوال في المذهب: الجواز مطلقًا، وهو ظاهر الكتاب، وأطلق الجواز في الصغير منهم والكبير (١). والثاني: المنع مطلقًا في الصغير والكبير، قاله ابن عبد الحكم. والثالث: المنع في الصغير والجواز في الكبير، وهو مذهب العُتْبية (٢). واحتجَّ المانعون (٣) مطلقًا بأنَّ ذلك في الشروط المشروطة عليهم، وهو قولهم: (ولا نتخذ شيئًا من الرقيق الذي جَرَت عليه سهام [المسلمين] (٤))، قالوا: وهذا فعلٌ ظاهرٌ منتشرٌ عن عمر أقرَّه جميع الصحابة. ولأنَّه رقيقٌ جرى عليه ملك المسلمين، فلا يجوز بيعه من كافر، كالحربي. قال أبو الحسين: ولا يلزم على ذلك إذا اشترى مسلم عبدًا كافرًا أو ذميًّا (٥)،

стр. 1004

فإنَّه لا (١) يجوز بيعه من ذمِّيٍّ على ظاهر كلام إمامنا أحمد رحمه الله تعالى. ولأنَّه إذا كان في أيدي المسلمين رُجِي إسلامه، وإذا بِيع (٢) منهم منعوه من الإسلام (٣) إن رغب فيه، ولهذا منعنا الكافر من حضانة اللقيط. فصل فإن قيل: فكيف تجمعون بين المنع من بيعهم لكافر وبين جواز المفاداة بهم من الكفار بالمال والمسلم؟ قيل: أمَّا المفاداة بهم بمسلم فيجوز، لأنَّ مصلحة تخليص المسلم من أَسْرِ الكفار أرجح من بقاء العبد الكافر بين المسلمين ينتظرون إسلامه؛ بخلاف بيعه لهم فإنَّه لا مصلحة فيه للعبد، وهو يفوِّت عليه ما يرجى له بإقامته بين المسلمين من أعظم المصالح. وأمَّا مُفادَاته بمال، فهذا فيه روايتان عن الإمام أحمد، فإن منعنا ذلك فلأنَّ مفاداته بمالٍ بَيعٌ منه لهم (٤).

стр. 1005

قال (١): وإن جوزناها فالفرق بينها وبين بيع المسلم له من الكافر أنَّ مصلحة الفداء بالمال قد تكون عامةً للمسلمين لحاجتهم إلى المال يتقوَّون به على عدوِّهم، فتكون مصلحة المفاداة أرجح من بقاء العبد بين أظهر المسلمين، بخلاف بيع المسلم المالك له من كافر، فإنَّه لا مصلحة للمسلمين في ذلك. ذكر نصوص أحمد في هذا الباب (٢) قال يعقوب بن بختان: سألت أبا عبد الله: أيباع السبي من أهل الذمة؟ قال: لا. يروى فيه عن الحسن (٣). وقال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله عن الرجل يبيع العبد النصراني من النصراني؟ قال: لا يبتاعون من سَبْينا. قيل له: فيكون عبدًا لنصرانيٍّ (٤) فيشترى منه فيباع للنصراني؟ قال: نعم، وكره أن يباع المملوك النصراني إذا كان من سبي المسلمين للنصارى. وقال المَرُّوذي: سئل أبو عبد الله: هل يشتري أهل الذمة من سبينا؟ قال: لا، إذا صاروا إليهم يئسوا من الإسلام، وإذا كانوا في أيدي المسلمين فهو

стр. 1006

أقرب إلى الإسلام. قال: وسألته تباع الجارية النصرانية من النصراني؟ قال: لا، إذا باعها فقد أيسنا من إسلامها. وقال عبد الله: سمعت أبي يقول: ليس لأهل الذمة أن يشتروا شيئًا من سبينا، يمنعون من ذلك لأنَّهم إذا صاروا إليهم نشؤوا (١) على كفرهم، ويقال: إنَّ عمر كان في عهده لأهل الشام أن يمنعوا من شراء سبايانا. وقال عبد الله: سألت (٢) أبي عن رجل كانت عنده أَمَةٌ نصرانيَّةٌ ولها ولدٌ، أيبيعها مع ولدها من نصراني؟ قال: لا. قلت فإن باعها وحدَها دون ولدها للنصراني؟ قال: لا يبيعها للنصراني، ليس لهم أن يشتروا ممَّا سبى المسلمون شيئًا. قلت لأبي: فمن أين يشترون؟ قال: بعضهم من بعض. ويروى عن عمر كتب ينهى أن تباع النصرانية من النصراني (٣). ويروى عن الحسن أنه كره ذلك. وقال في رواية حنبل: ليس لنصراني ولا أحدٍ من أهل الأديان أن يشتري من سَبْيِنا شيئًا، ولا يُباع منهم وإن كان صغيرًا، لعلَّه يسلم، وهذا يُدخله في دينه. قلت: فإن كان كبيرًا وأبى الإسلام؟ قال: لا يُبَاع إلا من مسلم لعلَّه (٤) يُسلِم. وأمَّا الصبي فلا يتركوه أن يُدخلوه في دينهم، ولا يُباع شيء من سبينا منهم، نحن أحق به، هم أقرب إلى الإسلام.

стр. 1007

وكذلك قال في رواية أبي طالب. وقال في رواية ابنه صالح: لا يباع الرقيق من يهودي ولا نصراني ولا مجوسي من كان منهم، وذاك لأنَّه إذا باعه أقام على الشرك، وكتب فيه عمر ينهى عنه أمراء الأمصار. وكذلك قال في رواية إسحاق بن إبراهيم وأبي الحارث والميموني. قال الميموني: قلت: فإن باع رجلًا منهم مملوكَه يرُدُّه؟ قال: نعم يرُدُّه. فقال له رجلٌ: من أين يكون رقيقهم؟ قال: ممَّا في أيديهم ممَّا صولحوا عليه فتناسلوا، فأمَّا أن يشتروا منَّا فلا. وكذلك قال في رواية ابن منصور: لا يباعون من أهل الذمة ولا من أهل الحرب صِغارًا كانوا أو كِبارًا. فصل قولهم: (وأن لا نمنع أحدًا من أقربائنا أراد الدخول في الإسلام) . فهذا أيضًا يقتضي انتقاض عهدهم به، فإنَّه مشروطٌ عليهم. وهو أيضًا محاربةٌ لله ورسوله بالمنع من الدخول في دينه، فالأول دعاءٌ إلى الدخول في الكفر وترغيبٌ فيه، وهذا منعٌ لمَن أراد الانتقال منه والعدول عنه. * * *

стр. 1008

فصل (١) وقولهم: (وأن نَلْزم زِيَّنا حيثما كنا، وأن لا نتشبَّه بالمسلمين في لبس قَلَنْسُوة ولا عمامة ولا فَرْق شعرٍ ولا في مراكبهم). هذا أصل الغيار، وهو سُنَّةٌ سَنَّها مَن أمر رسولُ الله ﷺ باتَّباع سُنَّته، وجرى عليها الأئمةُ بعده في كلِّ عصرٍ ومِصرٍ، وقد تقدَّمت بها سُنَّةُ رسول الله ﷺ . قال أبو القاسم الطبري: سياق ما روي عن النبي ﷺ ممَّا يدلُّ على وجوب استعمال الغِيار لأهل الملل الذين خالفوا شريعته صَغارًا وذُلًّا وشُهرةً وعَلَمًا عليهم، ليُعرَفوا من المسلمين في زيِّهم ولباسهم ولا يتشبَّهوا بهم. وكتب عمر إلى الأمصار أن تُجَزَّ نواصيهم، وأن لا يلبسوا لبسة المسلمين حتى يعرفوا. وعن عمر بن عبد العزيز مثله (٢). قال: وهذا مذهب التابعين وأصحاب المقالات من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين. ثم ساق من طريق الفريابي (٣): حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن حسَّان بن عطية، عن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر ﵄ قال:

стр. 1009

قال رسول الله ﷺ : «بُعِثت بالسَّيف بين يدَيِ الساعة حتى يُعبَد الله لا يشرك به، (١) وجُعِل الذلُّ والصَّغار على مَن خالف أمري، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم». رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢). قال أبو القاسم: هذا أحسن حديث روي في الغيار، وأشبه بمعناه، وأوجه في استعماله، لِما ينطق لفظُه بمعناه ومفهومه، بما يقتضي فحواه (٣) من قوله: «وجُعِل الذلُّ والصَّغار على مَن خالف أمري»، فأهل الذمة أعظم خلافًا لأمره وأعصاهم لقوله، فهم أهل أن يُذَلُّوا بالتغيير عن زيِّ المسلمين الذين أعزَّهم الله بطاعته وطاعة رسوله من (٤) الذين عصوا الله ورسوله، فأذلَّهم وصغَّرهم وحقَّرهم حتى تكون سمة الهوان عليهم، فيُعرَفون بزيهم. ودلالةٌ ظاهرةٌ (٥) في وجوب استعمال الغيار على أهل الذمة من قوله

стр. 1010

- ﷺ : «مَن تشبَّه بقوم فهو منهم»، ومعناه إن شاء الله: أنَّ المسلم يتشبَّه بالمسلم في زيِّه فيعرف أنَّه مسلم، والكافر يتشبَّه بزيِّ الكافر فيعلم أنه كافرٌ، فيجب أن يُجبَر الكافر على التشبُّه بقومه ليعرفه المسلمون به. وقد قال رسول الله ﷺ : «يُسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» (١). وسأله رجلٌ: أي الإسلام خيرٌ؟ قال: «تُطعِم الطعام، وتَقرأ السلامَ على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف» (٢). وقد نهى أن يُبدَأ اليهود والنصارى بالسلام (٣)، وإذا سلَّم أحدهم علينا أن نقول له: وعليكم (٤). وإذا كان هذا من سُنَّة الإسلام فلا بدَّ أن يكون لأهل الذمة زيٌّ يُعرَفون به حتى يُمْكِن استعمالُ السُّنَّة في السلام في حقِّهم، ويَعرِف منهم المسلمُ مَن سلَّم عليه: هل (٥) هو مسلم يستحقُّ السلام أو ذمي لا يستحقُّه، وكيف يرد عليهم؟ وقد كتب عمر إلى الأمصار أن تُجَزَّ نواصيهم ــ يعني: أهل الكتاب ــ وأن لا يلبسوا لبسة المسلمين، حتى يُعرَفوا. قلت: ما ذكره من أمر السلام فائدةٌ من فوائد الغيار. وفوائده أكثر من ذلك، فمنها: أنَّه لا يقوم له، ولا يُصدَّر في المجلس، ولا يُقبِّل يدَه، ولا يقوم لدى (٦)

стр. 1011

رأسه، ولا يخاطبه بأخي وسيدي ووليي ونحو ذلك، ولا يُدعَى له بما يُدعَى به للمسلم من النصر والعِزِّ ونحو ذلك، ولا يصرف إليه من أوقاف المسلمين ولا مِن زكواتهم، ولا يستشهده تحمُّلًا ولا أداءً، ولا يبيعه عبدًا مسلمًا، ولا يمكِّنه من المُصحَف، وغيرُ ذلك من الأحكام المختصة بالمسلمين؛ فلولا النهي لعامَلَه ببعض ما هو مختصٌّ بالمسلم. فهذا من حيث الإجمال، وأمَّا من حيث التفصيل ففي شروط عمر ﵁: (وأن لا نتشبَّه بالمسلمين في شيء من لباسهم في قلنسوة ... )، فيمنعون من لباسها لما كان رسولُ الله ﷺ وصحابته يلبسونها، ولم يزل لُبسها عادة الأكابر من العلماء والفقهاء والقضاة والأشراف والخطباء على الناس، واستمر الأمر على ذلك إلى أواخر الدولة الصلاحية فرغب الناس عنها. وقد روى العوَّام بن حَوشب، عن إبراهيم التَّيمي، عن ابن عمر: كان للنبي ﷺ قَلَنْسُوةٌ بيضاء لاطئةٌ يلبسها (١). وكان لعلي ﵁ قلنسوةٌ بيضاء يلبسها (٢).

стр. 1012

وذكر سفيان عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه كان لا يمسح على العمامة ولا على القلنسوة (١). وقالت أُمُّ نَهار: كان أنسٌ يمُرُّ بنا في كلِّ جمعة على بِرذَون عليه قلنسوةٌ لاطئةٌ (٢). فإنَّما نهى عمر ﵁ أهل الذِّمة عن لبسها لأنهَّا زيُّ رسول الله ﷺ وصحابته من بعده وغيرِهم من الخلفاء بعده، وللمسلمين برسول الله ﷺ وأصحابه أسوةٌ وقدوةٌ، فالخلفاء يلبسونها اقتداءً برسول الله ﷺ وتشبُّهًا به وهُم أولى الناس باتِّباعه واقتفاء أثره. والعلماء يلبسونها إذا انتهوا في علمهم وعِزِّهم (٣) وعَظُمت منزلتهم واقتدى الناس بهم، فيتميَّزون (٤) بها للشرف على مَن دونهم لِما رفعهم الله بعلمهم على جَهَلة خلقه. والقضاة تلبسها هيبةً ورِفعةً، والخطباء تلبسها على

стр. 1013

المنابر لعلوِّ مقامهم؛ فيُمنع أهل الذِّمة من لباس القلنسوة لعدم وجود هذه المعاني فيهم. فصل قولهم: (ولا عمامة) . قال أبو القاسم (١): والعمامة يُمنَعون من لبسها والتعمُّم بها؛ إنَّ (٢) العمائم هي تِيجان العرب وعِزُّها على سائر الأمم مِن سواها، ولَبِسها رسول الله ﷺ والصحابة من بعده، فهي لباس العرب قديمًا، ولباس رسول الله ﷺ والصحابة، فهي لباس الإسلام. قال جابرٌ ﵁: دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح وعليه عمامةٌ سوداء (٣). قال: وروى عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي حميد، عن [أبي] المَلِيح، عن أبيه أنَّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «اعتمُّوا تزدادوا حِلمًا»، قال: «العمائم تيجان العرب» (٤).

стр. 1014

وقال المغيرة بن شعبة: توضَّأ رسول الله ﷺ ومسَحَ بناصيته، وعلى العِمامة والخُفَّين (١). وقال أنس: رأيتُ النبي ﷺ يتوضَّأ وعليه عمامةٌ قِطْريةٌ، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مُقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة (٢). وفي الحديث عن النبي ﷺ : «فَرْق ما بيننا وبين المشركين: العمائمُ على القلانس» (٣). وهذا وإن كان إخبارًا بالواقع، فإنَّه إرشادٌ إلى المشروع.

стр. 1015

وقال معاوية، عن أبي إسحاق، عن صفوان بن عمرٍو، عن الفضيل (١) بن فَضالة، عن خالد بن معدان قال: «إنَّ الله أكرم (٢) هذه الأمَّة بالعصائب والألوية» (٣). يريد بالعصائب العمائم كما في الحديث (٤): «فأمرهم أن يمسحوا على العصائب (٥) والتساخين»، فالعصائب: العمائم، والتساخين: الخفاف. قالوا: والعمائم ليست من زيِّ (٦) بني إسرائيل، وإنَّما هي من زيِّ العرب. وقال أبو القاسم: ولا يُمكَّن الذمي من التعمُّم بها، فإنَّه لا عِزَّ له في دار الإسلام ولا هي من زيِّه.

стр. 1016

قلت: فلو خالفت عمائمُهم عمائم المسلمين في لون أو غيره، فهل يُمكَّنون من ذلك؟ يحتمل أن يقال بتمكينهم منها لحصول التمييز المقصود، ويحتمل أن لا يُمكَّنوا، إذ المقصود أنَّهم لا يلبسون هذا الجنس كما لا يركبون الخيل ولو تميَّزت عن خيول المسلمين، لأنَّ ركوبها عِزٌّ وليسوا من أهله، كما يُمنَعون من إرخاء الذوائب. ولم أجد عن أحمد نصًّا في لبسهم العمائم، ولكن قال المتأخِّرون من أتباعه: إنَّهم يَشُدُّون في أطراف عمائمهم وقلانسهم ما يخالف لونَها كخِرَقٍ صُفْرٍ (١) ونحوها. وحكَوا في جواز تمكينهم من الطيالسة وجهين، وإجراء (٢) الوجهين في العمائم أولى، [فهي أولى] (٣) وأحقُّ بالمنع لِما تقدَّم. وقال أبو الشيخ (٤): حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا الدَّورقي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مَعمَر: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب أن امْنَع مَن قِبَلكم، أن لا يَلبَس نصراني قَباءً ولا ثوبَ خزٍّ

стр. 1017

ولا عصبٍ، وتَقَدَّمْ في ذلك أشدَّ التقدُّم حتى لا يخفى على أحدٍ نهيٌ عنه. وقد ذُكِر لي أن كثيرًا ممَّن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا المناطق على أوساطهم واتَّخذوا الوَفْر (١) والجِمام (٢)، ولعَمْري إن كان يُصنع ذلك فيما قِبَلك إنَّ ذلك بك ضعفٌ وعجز، فانظر كلَّ شيء نهيتُ عنه وتقدَّمتُ فيه فلا تُرخِّص فيه ولا تغيِّر منه شيئًا. حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد بن سليمان (٣)، ثنا أبو مَعشَر، عن محمد بن قيس وسعيد بن عبد الرحمن بن حبَّان (٤) قالا: دخل ناس من بني تَغلِب على عمر بن عبد العزيز عليهم العمائم كهيئة العرب، قالوا: يا أمير المؤمنين، أَلحِقنا بالعرب. قال: فمَن أنتم؟ قالوا: نحن بنو تغلب. قال: أَوَلستم من أوسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى. قال: عليَّ بجَلَمٍ، فأخذ من نواصيهم وألقى العمائم، وشقَّ من رداء (٥) كل واحدٍ منهم شبرًا يُحزِم به. وقال: لا تركبوا السُّرُوج، واركبوا الأُكُف (٦)، ودَلُّوا رِجلَيكم

стр. 1018

من شقٍّ واحدٍ (١). حدثنا خالي، حدثنا محمد بن عبد الوهاب بن موسى العَسقلاني، حدثنا يَسْرة (٢) بن صفوان، حدثنا الحَكَم بن عمرو الرُّعَيني قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمصار الشام: لا يمشي نصراني إلا مفروق الناصية، ولا يلبس قَباءً، ولا يمشي إلا بزنَّار من جِلد، ولا يلبس طيلسانًا، ولا يلبس سراويل ذات خَدَمةٍ (٣)، ولا يلبس نعلًا ذات عَذَبةٍ (٤)، ولا يركب على سَرْجٍ، ولا يوجد في بيته سِلاحٌ إلا انتُهِب، ولا يدخل الحمام يوم الجمعة يهودي ولا نصراني حتى تُصلَّى الجمعة (٥). حدثنا أبو يعلى، عن ابن مسهرٍ (٦)، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عُرْفُطَة قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى الأمصار أن تُجَزَّ نواصيهم ــ يعني

стр. 1019

النصارى ــ ولا يلبسوا ألبسة المسلمين، حتى يُعرَفوا (١). حدثنا أحمد بن الحسين الحذَّاء، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا معمر أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب: أمَّا بعد، فلا يَركبَنَّ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ على سَرْج، وليَرْكبَنَّ على إكافٍ، ولا يركبْنَ نساؤهم على راحلةٍ، وليَكُن (٢) رُكُوبُهم على إكافٍ، وتقدَّم في ذلك تقدُّمًا بليغًا (٣). وقال الخلال في «الجامع» (٤): باب ما يؤخذ به النصارى من اتخاذ الزنانير، وعلى نسائهم من زيهم. أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفرٍ قالا: حدثنا أبو الحارث قال: قال أحمد: ينبغي أن يؤخذ أهل الذمة بالزنانير (٥) يُذَلُّون (٦) بذلك.

стр. 1020

حدثنا يحيى بن جعفر بن عبد الله (١) بن الزِّبرِقان، حدثنا يحيى بن السكن (٢)، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ (٣) قال: [أمر] عمر ﵁ بجَزِّ نواصي أهل الذمة، وأن يشُدُّوا المناطقَ، وأن يَركَبُوا الأُكُفَ بالعرض (٤). حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق (٥)، ثنا معمر، عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز ــ رحمه الله تعالى ــ أن ينهوا النصارى أن يفرقوا رؤوسهم، ويجزُّوا (٦) نواصيهم، وأن تُشَدَّ مناطقهم، ولا يركبوا على سَرْج، ولا يلبسوا عَصْبًا (٧)
следующие страницы →