قال المصححون: لا حجة لكم في شيء مما ذكرتم.
أما أثر عبد الرحمن بن عوفٍ، فإن الإمام أحمد قال في رواية مهنا (١): حديث يُروى أن عبد الرحمن بن عوفٍ قال لعمر بن الخطاب ﵄: "ليس طلاق أهل الشرك بشيء" ليس له إسناد (٢). فهذا جواب أحمد.
وأجاب القاضي بأن هذا محمولٌ على جواز أنكحتهم لذوات المحارم، فإن الطلاق لا يقع فيه. وهذا من أفسد الأجوبة، وكيف يقول له عمر في نكاح أمه وابنته: لا آمرك ولا أنهاك؟ وكيف يقول له عبد الرحمن: لكني آمرك، ليس طلاقك بشيء، ولم يكن في العرب من يستحلُّ نكاحَ ذوات المحارم كالمجوس؟
وعندي جوابٌ آخر، وهو أن الطلاق كان في الجاهلية بغير عددٍ كما قالت عائشة: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلِّقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرةٍ أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته، والله لا أطلِّقك فتبيني منّي، ولا آوِيكِ أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلِّقك، فكلما همَّت عدَّتُك أن تنقضيَ راجعتُكِ. فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة ﵂ فأخبرتْها، فسكتتْ عائشة حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته فسكت، حتى نزل القرآن: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، قالت: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلًا، من
стр. 492
كان طلَّق ومن لم يكن طلَّق. رواه الترمذي (١) متصلًا، ثم رواه عن عروة، لم يذكر فيه عائشة، وقال: هذا أصح.
وأما قوله ﷺ : "واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (٢) فما أصحَّه من حديث! وما أضعفَ الاستدلالَ به على بطلان أنكحة الكفار! وقد أجاب عنه أصحاب الشافعي وأحمد بأن كلمة الله هي لفظ الإنكاح والتزويج اللذين لا ينعقد النكاح إلا بهما.
وهذا جوابٌ في غاية الوهن، فإن "كلمة الله" هي التي تكلَّم بها، ولهذا أضيفت إليه. وأما الإيجاب والقبول فكلمة المخلوق، فلا تُضاف إلى الله، وإلا كان كل كلامٍ تكلَّم به العبد يضاف إلى الرب، وهذا باطلٌ قطعًا، فإن كلمة الله كسمع الله وبصره وقدرته وحياته وعلمه وإرادته ومشيئته، كل ذلك للصفات القائمة به، لا للمخلوق المنفصل عنه.
والجواب الصحيح أن هذا خطاب للمسلمين، ولا ريبَ أنهم إنما استحلُّوا فروج نسائهم بكلمة الله وإباحته. أما المبتدأ نكاحُها في الإسلام فظاهرٌ، وأما المستدام نكاحُها فإنما استُدِيم بكلمة الله أيضًا، فلا يمس الحديثُ محلَّ النزاع بوجهٍ.
وأما قولكم: كل آيةٍ أباحت النكاح في القرآن فالخطاب بها للمسلمين،
стр. 493
فهذا الاستدلال من أعجب الأشياء، فإن الأمة بعد نزول القرآن مأخوذةٌ بأحكامه وأوامره ونواهيه، وأما قبل ذلك فما أقرَّه القرآن فهو على ما أقرَّه، وما غيَّره وأبطله فهو كما غيَّره وأبطله، فأين أبطل القرآن نكاح الكفار ولم يُقِرَّهم عليه في موضع واحدٍ؟ على أن البيع والرهن والمداينة والقرض وغيرها من العقود إنما خُوطب بها المؤمنون، فهل يقول أحدٌ: إنها باطلةٌ من الكفار؟ وهل النكاح إلا عقدٌ من عقودهم، كبياعاتهم وإجاراتهم ورهونهم وسائر عقودهم؟ وليس النكاح من قبيل العبادات المحضة التي يُشترط في صحتها الإسلام، كالصلاة والصوم والحج، بل هو من عقود المعاوضات التي تصح من المسلم والكافر.
وأما قولهم: المسألة إجماعٌ من الصحابة، فهو ذلك الأثر الذي لا يصحُّ عن عبد الرحمن، ولو صحَّ لم يكن فيه حجةٌ، فأين قول رجل واحدٍ من الصحابة فضلًا عن جميعهم؟
وأما قولكم: كيف يُحكم بصحة نكاحٍ عَرِي عن الولي والشهود وشروط النكاح= فمن أضعف الاستدلال، فإن هذه إنما صارت شروطًا بالإسلام، ولم تكن شروطًا قبله حتى نحكم ببطلان كل نكاحٍ وقع قبلها، وإنما اشترطت في الإسلام في حق من التزم الإسلام، وأما من لم يلتزمه فإن حكم النكاح بدونها كحكم ما يعتقدون صحته من العقود الفاسدة التي لا مساغ لها في الإسلام، فإنها تصح منهم، ولو أسلموا وقد تعاملوا بها وتقايضوا لم تنقضِ وأُمضِيتْ.
فإن قيل: الإسلام صحّحها لهم، وهكذا صحّح النكاح.
стр. 494
قلنا: لكن الإسلام لم يُبطِل ترتُّبَ آثارها عليها قبله، فيجب أن لا يبطل ترتبُ آثار النكاح عليه من الطلاق والظهار والإيلاء.
وأما استدلالكم بقوله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نكحتْ نفسها بدون إذن وليها فنكاحها باطلٌ" فهذا عجبٌ منكم، فإنها لو زوَّجها الولي كان النكاح فاسدًا عندكم. فإن قلتم: الولي الكافر كلا ولي، قيل: نعم، هذا في نكاح المسلمة، فأما الكافرة فقد قال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].
وأما قوله ﷺ : "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" ففي غاية الصحة، والاستدلال به ضعيفٌ من وجوهٍ:
أحدها: أن هذا في حق المسلمين، وأما الكفار فإنا لا نردُّ عليهم كل ما خرج عن أمره ﷺ ، فإنا نُقِرُّهم على عقودهم التي يعتقدون صحتها، وإن لم تكن على أمر النبي ﷺ .
الثاني: أن إقرار الله تعالى ورسوله ﷺ لهم على أحكام هذه الأنكحة هو من أمر الشارع، ولا جَرمَ ما كان منها على غير أمره فهو ردٌّ، كنكاح المحارم وما لا يعتقدون صحته، فأما ما اعتقدوا صحته فإقرارهم عليه من أمره.
الثالث: أن هذا لا يمكن أن يُستدلَّ به على بطلان أنكحتهم، كما لم يُستدل به على بطلان عقود معاوضاتهم التي يعتقدون صحتها وإن وقعت على غير أمره.
وأما استبراء الحربية بحيضةٍ إذا سُبيت، وحكمُنا بزوال النكاح، فليس
стр. 495
ذلك لكون أنكحتهم كانت باطلةً، ولكن لتجديد الملك على زوجته، وكونها صارت أمةً للثاني، واستولى على محلِّ حق الكافر وأزاله، وانتقلت من كونها زوجةً إلى كونها أمةً رقيقةً تُباع وتشترى.
وأما قوله تعالى إنهم لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دينَ الحق من الذين أوتوا الكتاب، فلم يزيدوا بذلك على كونهم كفارًا. ومن نازع في كفرهم حتى يحتج عليه بذلك؟ وهل وقع النزاع إلا في نكاح من هو كذلك؟ ولا ريبَ أن هذا القدر كما لم يؤثِّر في بطلان عقود معاوضاته من البيع والشراء والإجارة والقرض والسلم والجعالة وغيرها لم يؤثر في بطلان نكاحه.
فصل
وأما إن كان الكافر لا يعتقد وقوعَ الطلاق ولا نفوذَه فطلَّق، فهل يصح طلاقه؟ فيه روايتان منصوصتان عن أحمد، أصحهما أنه لا يصح طلاقه، وهذا هو مقتضى أصوله، فإنا نُقِرُّهم على ما يعتقدون صحته من العقود، فإذا لم يعتقد نفوذ الطلاق فهو يعتقد بقاء نكاحه، فيُقَرَّ عليه وإن أسلم.
وأيضًا، فإن وجود هذا الطلاق وعدمه في حقه واحدٌ، فإنه لم يلتزم حكم الطلاق ولا اعتقد نفوذه، فلم يلزمه حكمه.
وهذا التفصيل في طلاقه هو فصل الخطاب.
فصل
وأما المسألة الثانية: وهي إذا تزوجها الذمي، فإنه يُحِلُّها للأول عند
стр. 496
الجمهور؛ لأنه زوجٌ وهي امرأةٌ له، فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فأطلق النكاح والزوج، ولم يقيده بحرّ ولا عبدٍ، ولا مسلم ولا كافرٍ، وهذه قد نكحت زوجًا غيره، فتحلُّ للأول. ودليل كونه زوجًا: الحقيقةُ والحكمُ.
أما الحقيقة: فلأن الزوج والتزويج حاصلٌ فيه حسًّا، وكفرُه لا يمنع ثبوت حقيقة الزوجية.
وأما الحكم: فثبوت النسب، ووجوب المهر والعدة، والتمكين من الوطء، وتخييره بين الأختين إذا أسلم وفي الأربع، وغير ذلك من أحكام النكاح. وثبوتُ الأحكام يدلُّ على ثبوت الحقيقة.
فصل
إذا ثبتت صحةُ نكاحهم فهاهنا مسائل:
المسألة الأولى (١): إذا أسلم الزوجان أو أحدهما، فإن كانت المرأة كتابيةً لم يؤثِّر إسلامه في فسخ النكاح، وكان بقاؤه كابتدائه. وإن كانت غير كتابيةٍ وأسلم الزوجان معًا، فهما على النكاح سواءٌ قبل الدخول وبعده، وليس بين أهل العلم في هذا اختلافٌ.
قال ابن عبد البر (٢): أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معًا في حالةٍ واحدةٍ أن لهما المُقامَ على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسبٌ ولا رضاعٌ.
стр. 497
وقد أسلم خلقٌ في زمن النبي ﷺ وأسلم (١) نساؤهم، وأُقِرُّوا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله ﷺ عن شروط النكاح، ولا عن كيفيته، وهذا أمرٌ عُلِم بالتواتر والضرورة، فكان يقينًا (٢).
ثم قال كثيرٌ من الفقهاء (٣): المعتبر أن يتلفظا بالإسلام تلفظًا واحدًا، يكون ابتداء أحدهما مع ابتداء صاحبه، وانتهاؤه مع انتهائه.
والصواب أن هذا غير معتبرٍ، ولم يدلَّ على ذلك كتابٌ ولا سنةٌ، ولا اشترط رسول الله ﷺ ذلك قطُّ، ولا اعتبره في واقعةٍ واحدةٍ مع كثرة من أسلم في حياته ﷺ ، ولم يقل يومًا واحدًا لرجل أسلم هو وامرأته: تلفظا بالإسلام تلفظًا واحدًا لا يسبق أحدكما الآخر. وهل هذا إلا من التكلف الذي ألغتْه الشريعة ولم تعتبره؟ وليس لهذا نظيرٌ في الشريعة، بل إذا أسلما في المجلس الواحد فقد اجتمعا على الإسلام، ولا يؤثِّر سبقُ أحدهما الآخر بالتلفظ به. وهذا اختيار شيخنا (٤).
وإن أسلم أحدهما ثم أسلم الآخر بعده، فاختلف السلف والخلف في ذلك اختلافًا كثيرًا.
стр. 498
فقالت طائفةٌ: متى أسلمت المرأة انفسخ نكاحها منه، سواءٌ كانت كتابيةً أو غير كتابيةٍ، سواءٌ أسلم بعدها بطَرْفة عينٍ أو أكثر، ولا سبيلَ له عليها إلا بأن يسلما معًا في آنٍ واحدٍ، فإن أسلم هو قبلها انفسخ نكاحها ساعة إسلامه، ولو أسلمت بعده بطرفة عينٍ. هذا قول جماعةٍ من التابعين وجماعةٍ من أهل الظاهر، وحكاه أبو محمد بن حزمٍ (١) عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وحماد بن زيدٍ والحكم بن عتيبة (٢) وسعيد بن جبيرٍ وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعدي بن عدي وقتادة والشعبي.
قلت: وحكاية ذلك عن عمر بن الخطاب غلطٌ عليه، أو يكون رواية عنه، فسنذكر من آثار عمر بن الخطاب ﵁ خلاف ذلك مما ذكره أبو محمد وغيره. فهذا قول.
وقال أبو حنيفة (٣): أيهما أسلم قبل الآخر، فإن كانا في دار الإسلام عُرِض الإسلام على الذي لم يسلم، فإن أسلما بقيا على نكاحهما، وإن أبى فحينئذٍ تقع الفرقة، ولا تُراعى العدة في ذلك.
ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة ومحمد: الفسخ هاهنا طلاقٌ، لأن الزوج ترك الإمساك بالمعروف مع القدرة عليه، فينوب القاضي منابَه في التسريح
стр. 499
بالإحسان، فيكون قوله كقول الزوج.
وقال أبو يوسف: لا يكون طلاقًا، لأنه سببٌ يشترك فيه الزوجان، فلا يكون طلاقًا، كما لو ملكها أو ملكته، فلو كانت الزوجة مجوسيةً كانت الفرقة فسخًا قولًا واحدًا.
قالوا: والفرق أن المجوسية ليست من أهل الطلاق بخلاف الذمية.
وإن كانا في دار الحرب فخرجت المرأة إلينا مسلمةً أو معاهدةً، فساعةَ حصولها في دار الإسلام تقع الفرقة بينهما، لا قبل ذلك. فإن لم تخرج من دار الحرب، بأن حاضت ثلاثَ حِيضٍ قبل أن يسلم هو وقعت الفرقة حينئذٍ، وعليها أن تبتدئ ثلاث حيضٍ أخر عدةً منه. وهل هذه الفرقة فسخٌ أو طلاقٌ؟ فيه عن أبي حنيفة روايتان، وهي فسخٌ عند أبي يوسف. ولو أسلم الآخر قبل مضيِّ ثلاث حيضٍ فهما على نكاحهما. فهذا قول ثانٍ.
وقال مالك (١): إن أسلمت المرأة ولم يسلم الرجل، فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة، وإن كان بعده فإن أسلم في عدتها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها فقد بانت منه، فإن أسلم هو ولم تسلم هي عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت بقيا على نكاحهما وإن أبت انفسخ النكاح ساعة إبائها، سواءٌ كان قبل الدخول أو بعده.
وقال أشهب: إنما تتعجل الفرقة إذا كان قبل الدخول، وتقف على العدة
стр. 500
إن كان بعد الدخول.
ثم قال ابن القاسم: إذا غَفَل عنها حتى مضى لها شهرٌ وما قرب منه فليس بكثيرٍ، وهما على نكاحهما. والفرقة حيث وقعت فسخٌ.
وعن ابن القاسم رواية أخرى: أنها طلقةٌ بائنة (١)، فهذا قول ثالث.
وقال ابن شُبرمة (٢) عكس هذا، وأنها إن أسلمت قبله وقعت الفرقة في الحين، وإن أسلم قبلها فأسلمت في العدة فهي امرأته، وإلا وقعت الفرقة بانقضاء العدة، فهذا قول رابع.
وقال الأوزاعي والزهري والليث والإمام أحمد والشافعي وإسحاق: إذا سبق أحدهما بالإسلام، فإن كان قبل الدخول انفسخ النكاح، وإن كان بعده فأسلم الآخر في العدة فهما على نكاحهما، وإن انقضت العدة قبل إسلامه انفسخ النكاح، فهذا قول خامس (٣).
وقال حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وقتادة، كلاهما عن محمد بن سيرين، عن عبد الله بن يزيد الخَطْمي أن نصرانيًّا أسلمت امرأته، فخيرها عمر بن الخطاب ﵁ إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه (٤).
стр. 501
وعبد الله بن يزيد الخَطْمي هذا له صحبةٌ. وليس معناه أنها تقيم تحته وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص، فمتى أسلم فهي امرأته، ولو مكثتْ سنين. فهذا قول سادسٌ، وهو أصحُّ المذاهب في هذه المسألة، وعليه تدلُّ السنة كما سيأتي بيانه، وهو اختيار شيخ الإسلام.
وقال حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب ﵁ قال في الزوجين الكافرين يُسلِم أحدهما: هو أملك ببُضْعها ما دامت في دار هجرتها (١).
وقال سفيان بن عيينة، عن مطرِّف بن طريفٍ، عن الشعبي، عن علي: هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها (٢). فهذا قول سابعٌ.
وقال ابن أبي شيبة (٣): نا معتمر بن سليمان، عن معمرٍ، عن الزهري: إن
стр. 502
أسلمَتْ ولم يُسلم زوجُها فهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطانٌ. فهذا قول ثامنٌ.
وقال داود بن علي: إذا أسلمت زوجة الذمي ولم يسلم فإنها تقرّ عنده ولكن يمنع من وطئها (١).
وقال شعبة: نا حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي في ذميةٍ أسلمت تحت ذمي، فقال: تقرُّ عنده (٢). وبه أفتى حماد بن أبي سليمان.
قلت: ومرادهم أن العصمة باقيةٌ، فتجب لها النفقة والسكنى، ولكن لا سبيلَ له إلى وطئها، كما يقوله الجمهور في أم ولد الذمي إذا أسلمت سواءً، فهذا قول تاسعٌ.
ونحن نذكر مآخذ هذه المذاهب، وما في تلك المآخذ من قوي وضعيفٍ، وما هو الأولى بالصواب.
فأما أصحاب القول الأول ــ وهم الذين يُوقِعون الفرقة بمجرد الإسلام ــ فلا نعلم أحدًا من الصحابة قال به البتةَ، وما حكاه أبو محمد بن حزمٍ عن عمر وجابرٍ وابن عباس فبحسب ما فهمه من آثارٍ رويت عنهم مطلقةً، ونحن
стр. 503
نذكرها:
قال شعبة: أخبرني أبو إسحاق الشيباني قال: سمعت يزيد بن علقمة أن جدَّه وجدَّته كانا نصرانيين، فأسلمت جدته ففرَّق عمر بن الخطاب بينهما (١).
وليس في هذا دليل على تعجُّلِ الفرقة مطلقًا بنفس الإسلام، فلعله لم يكن دخل فيها، أو لعله فرق بعد انقضاء العدة، أو لعلها اختارت الفسخ دون انتظار إسلامه، أو لعل هذا مذهب من يرى أن النكاح باقٍ حتى يفسخ السلطان.
وقد روي عن عمر في هذا آثارٌ تُظَنُّ متعارضةً، ولا تعارض بينها، بل هي موافقةٌ للسنة، فمنها هذا.
ومنها ما تقدم حكايته عنه أنه خيَّر المرأة: إن شاءت أقامتْ عليه، وإن شاءت فارقتْه.
стр. 504
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة (١)، عن عبّاد بن العوّام، عن أبي إسحاق الشيباني، عن يزيد بن علقمة أن عُبادة بن النعمان التغلبي كان ناكحًا امرأةً من بني تميمٍ فأسلمت، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: إما أن تُسلِم وإما أن نَنزِعها منك، فأبى، فنزعها عمر ﵁.
وقد تمسَّك بها من يرى عرض الإسلام على الثاني، فإن أبى فرِّق بينهما.
وهذه الآثار عن أمير المؤمنين لا تعارضَ بينها، فإن النكاح بالإسلام يصير جائزًا بعد أن كان لازمًا، فيجوز للإمام أن يُعجِّل الفرقة، ويجوز له أن يعرض الإسلام على الثاني، ويجوز إبقاؤه إلى انقضاء العدة، ويجوز للمرأة التربُّصُ به إلى أن يسلم، ولو مكثت سنين، كل هذا جائزٌ لا محذور فيه.
والنكاح له ثلاثة أحوالٍ:
- حال لزومٍ.
- وحال تحريمٍ وفسخٍ ليس إلا، كمن أسلم وتحته من لا يجوز ابتداء العقد عليها.
- وحال جوازٍ ووقفٍ، وهي مرتبةٌ بين المرتبتين لا يُحكم فيها بلزوم النكاح ولا بانقطاعه بالكلية، وفي هذه الحال تكون الزوجة بائنةً من وجهٍ دون وجهٍ.
ولما قدم أبو العاص بن الربيع المدينةَ في زمن الهُدْنة وهو مشركٌ،
стр. 505
سألت امرأته زينب بنت رسول الله ﷺ : هل ينزل في دارها؟ فقال: "إنه زوجك، ولكن لا يصل إليك" (١).
فالنكاح في هذه المدة لا يُحكم ببطلانه، ولا بلزومه وبقائه من كل وجهٍ، ولهذا خيَّر أمير المؤمنين المرأة تارةً، وفرَّق تارةً، وعرض الإسلام على الثاني تارةً، فلما أبى فرَّق بينهما. ولم يفرِّق رسول الله ﷺ بين رجل وامرأته أسلم أحدهما قبل الآخر أصلًا، ولا في موضع واحدٍ.
قال مالك (٢): قال ابن شهابٍ: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنتِ الوليد بن المغيرة نحوٌ من شهرٍ، أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد حنينًا و الطائف وهو كافرٌ، ثم أسلم، فلم يفرِّق النبي ﷺ بينهما، واستقرَّت عنده امرأته بذلك النكاح.
قال ابن عبد البر (٣): وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.
وقال الزهري: أسلمت أم حكيمٍ يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة حتى
стр. 506
أتى اليمن، فارتحلت حتى قَدِمت عليه اليمنَ، فدعته إلى الإسلام، فأسلم وقَدِمَ فبايع النبي ﷺ فثبتا على نكاحهما (١).
وقال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته، فإن أسلم بعد العدة فلا نكاح بينهما (٢).
وأسلم أبو سفيان عام الفتح قبل دخول النبي ﷺ مكة، ولم تُسلِم امرأته هند حتى فتح النبي ﷺ مكة، فثبتا على نكاحهما (٣).
وخرج أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن [أبي] أمية فلقيا النبي ﷺ عامَ الفتح بالأبواء، فأسلما قبل نسائهما (٤).
وقد ثبت أن النبي ﷺ ردَّ زينب ابنته على أبي العاص بالنكاح الأول بعد ست سنين.
قال أبو داود (٥): حدثنا عبد الله بن محمد النُّفيلي، نا محمد بن سلمة،
стр. 507
عن محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ردَّ زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يُحدِث شيئًا. وفي لفظ له: بعد ست سنين. وفي لفظ: بعد سنتين.
قال شيخ الإسلام (١): هذا هو الثابت عند أهل العلم بالحديث، والذي روي أنه جدَّد النكاح ضعيفٌ (٢).
قال: وكذلك كانت المرأة تُسلِم، ثم يسلم زوجها بعد مدّةٍ (٣)، والنكاح بحاله، مثل أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، فإنها أسلمت قبل العباس بمدةٍ. قال عبد الله بن عباس: كنت أنا وأمي ممن عذَرَ الله بقوله: ﴿إِلَّا اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجَالِ وَاَلنِّسَاءِ وَاَلْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٧] (٤).
стр. 508
ولما فُتح مكة أسلم نساء الطلقاء، وتأخَّر إسلامُ جماعةٍ منهم ــ مثل صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهلٍ وغيرهما ــ الشهرين والثلاثة وأكثر، ولم يذكر النبي ﷺ فرقًا بين ما قبل انقضاء العدة وما بعدها. وقد أفتى علي بن أبي طالب ﵁ بأنها تُردُّ إليه، وإن طال الزمان.
وعكرمة بن أبي جهل قدم على النبي ﷺ المدينةَ بعد رجوعه من حصار الطائف، وقَسْم غنائم حنينٍ (١) في ذي القعدة، وكان فتح مكة في رمضان، فهذا نحو ثلاثة أشهرٍ يمكن انقضاء العدة فيها وفيما دونها، فأبقاه على نكاحه، ولم يسأل امرأته هل انقضت عدتك أم لا؟ ولا سأل عن ذلك امرأةً واحدةً، مع أن كثيرًا منهن أسلم بعد مدةٍ يجوز انقضاء العدة فيها.
وصفوان بن أمية شهد مع النبي ﷺ حنينًا وهو مشركٌ، وشهد معه الطائف كذلك إلى أن قُسِم غنائم حنينٍ بعد الفتح بقريبٍ من شهرين، فإن مكة فتحت لعشرٍ بقين من رمضان، وغنائم حنينٍ قُسِمت في ذي القعدة، ويجوز انقضاء العدة في مثل هذه المدة.
قال: وبالجملة، فتجديد ردِّ المرأة على زوجها بانقضاء العدة لو كان هو شرعه الذي جاء به لكان هذا مما يجب بيانه للناس من قبل ذلك الوقت، فإنهم أحوجُ ما كانوا إلى بيانه. وهذا كله ــ مع حديث زينب ــ يدلُّ على أن المرأة إذا أسلمت وامتنع زوجها من الإسلام فلها أن تتربَّص وتنتظر إسلامه. فإذا اختارت أن تقيم منتظرةً لإسلامه، فإذا أسلم أقامت معه= فلها ذلك، كما
стр. 509
كان النساء يفعلن في عهد النبي ﷺ كزينب ابنته وغيرها، ولكن لا تُمكِّنه من وطئها، ولا حكمَ له عليها ولا نفقةَ ولا قسْمَ، والأمر في ذلك إليها لا إليه، فليس هو في هذه الحال زوجًا مالكًا لعصمتها من كل وجهٍ، ولا يحتاج إذا أسلم إلى ابتداء عقدٍ يحتاج فيه إلى ولي وشهودٍ ومهرٍ وعقدٍ، بل إسلامه بمنزلة قبوله للنكاح، وانتظارها بمنزلة الإيجاب.
وسرُّ المسألة أن العقد في هذه المدة جائزٌ لا لازمٌ، ولا محذورَ في ذلك، ولا ضررَ على الزوجة فيه، ولا يناقض ذلك شيئًا من قواعد الشرع.
وأما الرجل إذا أسلم، وامتنعت المشركة أن تُسلم، فإمساكه لها يضرُّ بها، ولا مصلحةَ لها فيه، فإنه إذا لم يقم لها بما تستحقه كان ظالمًا، فلهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فنهى الرجال أن يستديموا نكاحَ الكافرة، فإذا أسلم الرجل أُمِرتْ امرأته بالإسلام، فإن لم تُسلِم فرق بينهما.
قال شيخنا: وقد يقال: بل هذا النهي للرجال ثابتٌ في حقّ النساء، ويقال: إن قضية زينب منسوخةٌ، فإنها كانت قبل نزول آية التحريم لنكاح المشركات، وهذا مما قاله طائفةٌ منهم محمد بن الحسن.
قلت: وهذا قاله غير واحدٍ من العلماء. قال أبو محمد بن حزمٍ (١): أما خبر زينب فصحيح، ولا حجة فيه، لأن إسلام أبي العاص كان قبل الحديبية،
стр. 510
ولم يكن نزلَ بعدُ تحريمُ المسلمة على المشرك. وكذلك قال البيهقي (١).
قال شيخنا: لكن يقال: فهذه الآية كانت قبل فتح مكة بعد الحديبية، ثم لما فُتح مكة ردَّ نساءً كثيرًا على أزواجهن بالنكاح الأول، لم يُحدِث نكاحًا، وقد احتبس أزواجهن عليهن (٢)، ولم يأمر رجلًا واحدًا بتجديد النكاح البتة. ولو وقع ذلك لنُقِل، ولما أهملت الأمة نقْلَه.
قلت: وبهذا يُعلم بطلان ما قاله أبو محمد بن حزمٍ، فإنه قال (٣): ولا سبيلَ إلى خبرٍ صحيح بأن إسلام رجل تقدَّم على إسلام امرأته، أو تقدَّم إسلامها عليه، وأقرهما على النكاح الأول، فإذْ لا سبيلَ إلى هذا فلا يجوز أن يطلق على رسول الله ﷺ ، لأنه إطلاق الكذب والقول بغير علمٍ.
قال (٤): فإن قيل: قد روي أن أبا سفيان أسلم قبل هند، وامرأة صفوان أسلمت قبل صفوان. قلنا: من أين لكم أنهما بقيَا على نكاحهما فلم يجدِّدا عقدًا؟ وهل جاء ذلك قطُّ بإسناد صحيح متصلٍ إلى النبي ﷺ أنه عرف ذلك فأقرَّه؟ حاشَ لله من هذا. انتهى كلامه.
стр. 511
وهذا من أوابده، وإقدامِه على إنكار المعلوم لأهل الحديث والسير بالضرورة. بل من له إلمامٌ بالسنة وأيامِ الإسلام وسيرةِ رسول الله ﷺ وكيفيةِ إسلام الصحابة ونسائهم= يعلم علمًا ضروريًّا لا يشكُّ فيه أن النبي ﷺ لم يكن يعتبر في بقاء النكاح أن يتلفظ الزوجان بالإسلام تلفظًا واحدًا، لا يتقدم أحدهما على الآخر بحرفٍ ولا يتأخر عنه بحرفٍ، لا قبلَ الفتح ولا بعده إلى أن توفّاه الله .
ويَعلم علمًا ضروريًّا أنه لم يفسخْ نكاح أحدٍ سبقَ امرأته بالإسلام أو سبقتْه، ثم أسلم الثاني، لا في العدة ولا بعدها.
وكذلك أيضًا يَعلم أنه لم يُجدِّد نكاحَ أحدٍ سبقتْه امرأته بالإسلام أو سبقها (١)، ثم أسلم الثاني، لا في العدة ولا بعدها.
وكذلك أيضًا يَعلم أنه لم يجدِّد نكاح أحدٍ سبقته امرأته أو سبقها بالإسلام، بحيث أحضر الولي والشهود وجدّد العقد والمهر. وتجويز وقوع مثل هذا ــ ولا ينقله بشرٌ على وجه الأرض ــ يفتح بابَ تجويز المحالات، وأنه كان لنا صلاةٌ سادسةٌ ولم ينقلها أحدٌ، وأذانٌ زائدٌ ولم ينقله أحدٌ، ومن هذا النمط، وذلك من أبطل الباطل وأبينِ المحال. فهذه سيرة رسول الله ﷺ وأحواله وأحوال أصحابه بين أظهر الأمة تشهد ببطلان ما ذكره، وأن إضافته إليه محضُ الكذب والقول عليه بلا علمٍ.
فإن قيل: فقد روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ردَّ
стр. 512
ابنته على أبي العاص بمهرٍ جديدٍ ونكاحٍ جديدٍ. رواه الترمذي (١). فكيف تقولون: إنه لم يجدِّد لأحدٍ ممن تقدَّم إسلام امرأته نكاحًا؟
قيل: هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، قاله أئمة الحديث. قال الترمذي (٢): في إسناده مقال.
وقال الإمام أحمد (٣): هذا حديث ضعيف، والحديث الصحيح الذي روي أنه أقرَّها على النكاح الأول. هذا لفظه.
وقال الدارقطني (٤): هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس أن النبي ﷺ ردَّها بالنكاح الأول.
وقال الترمذي في حديث ابن عباس ﵄ "أنه ردَّها بالنكاح الأول،
стр. 513
فكان إسلامها قبل إسلامه بست سنين، ولم يُحدِث نكاحًا": هذا حديث حسن، ليس بإسناده بأسٌ.
فإن قيل: الكلام مع من صحَّح هذا الحديث، فإنه حديث مضطربٌ. قد روي أنه كان بين إسلامهما سنتان، وروي ستُّ سنين، ولا يصح واحدٌ من الأمرين، فإن زينب لم تزل مسلمةً من بعث رسول الله ﷺ ، وأبو العاص أسلم في السنة السادسة في زمن الهدنة، فبين إسلامه وإسلامها ثمان عشرة سنةً أو ما يزيد عليها، وكذلك رواية من روى سنتين هي غلطٌ قطعًا، فإن زينب لم تبق مشركةً إلى السنة الرابعة من الهجرة، والحديث من رواية ابن إسحاق، وكلام الأئمة فيه معروفٌ.
فالجواب أن يقال: من أين لكم تقدُّم إسلام زينب من أول المبعث، فإنها كانت تحت أبي العاص بن الربيع وهو مشركٌ، وأصحُّ ما في تقدُّم إسلامها حديث ابن عباس هذا، وهو يقتضي أنها أسلمت حين هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة. وكذلك قال ابن شهابٍ: أسلمت زينب وهاجرت بعد هجرة النبي ﷺ ، وسيأتي ذكر ذلك.
على أنه إن (١) كان إسلامها من حين المبعث كما حكى فيه الإجماع أبو محمد بن حزمٍ، فقال (٢): وقد أسلمت زينب في أول مبعث أبيها ﷺ ، لا خلاف في ذلك، ثم هاجرت إلى المدينة وزوجها كافرٌ، فكان بين إسلامها
стр. 514
وإسلامه أزيدُ من ثمان عشرة سنةً، وقد ولدتْ في خلال ذلك عليَّ بن أبي العاص.
وهذا الذي قاله أبو محمد هو الحق، وأنها لم تزل مسلمةً من حين بعث رسول الله ﷺ ، ويمكن التوقيت بالسنتين أو بالست كان بين إسلامه وظهور إسلامها وإعلانه بالهجرة، فإن نساء المؤمنات كن يَستخفينَ من أزواجهن بالإسلام في مكة، فلما هاجر رسول الله ﷺ أظهر من هاجر معه منهن إسلامها، وزينب هاجرت بعد رسول الله ﷺ وبعد وقعة بدرٍ، فكان بين ظهور إسلامها بهجرتها وإسلامِ أبي العاص سنتان. وأما الست سنين فهي بين ظهورِ الإسلام العام بالهجرة وإسلامِ أبي العاص.
على أن عبد الرزاق (١) قد ذكر عن ابن جريجٍ، عن رجلٍ، عن ابن شهابٍ قال: أسلمت زينب بنت رسول الله ﷺ وهاجرت بعد النبي ﷺ في الهجرة الأولى، وزوجها أبو العاص بن الربيع بمكة مشركٌ، ثم شهد أبو العاص بدرًا مشركًا، فأُسِر ففَدى وكان موسرًا، ثم شهد أحدًا مشركًا، ورجع إلى مكة ومكث بها ما شاء الله، ثم خرج إلى الشام تاجرًا فأُسِر بطريق الشام، أسره نفرٌ من الأنصار، فدخلت زينب على النبي ﷺ فقالت: إن المسلمين يُجِير عليهم أدناهم، فقال: "وما ذاك يا زينب؟ "، فقالت: أجرتُ أبا العاص،
стр. 515
فقال: "قد أجزتُ جِوارَكِ"، ثم لم يُجِزْ جِوارَ امرأةٍ بعدها، ثم أسلما (١)، فكانا على نكاحهما. وكان عمر خطبها إلى النبي ﷺ ، فذكر لها النبي ﷺ ذلك، فقالت: أبو العاص يا رسول الله حيثُ علمتَ، وقد كان نِعَم الصهر، فإن رأيتَ أن تنتظره، فسكت النبي ﷺ عند ذلك.
قلت: قوله: "ثم أسلما" أي اجتمعَا على الإسلام، وإلا فزينب أسلمت قبله قطعًا، وهاجرت بعد بدرٍ قطعًا كما في "المسند" و"السنن" (٢) من حديث عائشة ﵄ قالت: لما بَعثَ أهل مكة في فداء أسراهم بَعثتْ زينب في فداء أبي العاص بمالٍ، وبَعثتْ فيه بقلادةٍ لها كانت عند خديجة أدخلَتْها بها على أبي العاص. قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رقَّ لها رقَّةً شديدةً، وقال: "إن رأيتم أن تُطلِقوا لها أسيرَها وتردُّوا عليها الذي لها"، قالوا: نعم. وكان رسول الله ﷺ أخذ عليه أو وعدَه أن يُخلي سبيلَ زينبَ إليه، فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار، فقال: "كونا ببطن يَأْجَجَ (٣) حتى تمرَّ
стр. 516
بكما زينب، فتَصْحَباها حتى تَأتِيا بها".
وأما تعلُّقكم على محمد بن إسحاق (١) فتعلُّقٌ ضعيفٌ، وقد صحَّح الأئمة حديثَه هذا، وبيَّنُوا أنه أولى بالصحة من حديث عمرو بن شعيبٍ أنه ردَّها بنكاحٍ جديدٍ، وأن ذلك لا يثبت، كما تقدم حكاية كلامهم. وثناء الأئمة على ابن إسحاق وشهادتهم له بالإمامة والحفظ والصدق أضعافُ أضعافِ القدح فيه.
وقد أجيب عن حديث زينب ﵂ بأجوبةٍ كلها ضعيفةٌ أو فاسدةٌ، ونحن نذكرها.
قال أبو عمر (٢): إن صحَّ حديث ابن عباس هذا، فلا يخلو من أحد وجهين: إما أنها لم تَحِضْ ثلاث حِيَضٍ حتى أسلم زوجها، وإما أن الأمر فيها منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، يعني في عدتهن، وهذا ما لا خلافَ فيه بين العلماء: أنه عنى به العدة.
وقال ابن شهابٍ في قصة زينب هذه: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض (٣).
стр. 517
وقال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بين المسلمين والمشركين (١).
وقد روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ردَّ ابنته إلى أبي العاص بن الربيع بنكاحٍ جديدٍ. وإذا كان هذا سقطَ القول في قصة زينب.
وكذلك قال الشعبي ــ مع علمه بالمغازي ــ: إن النبي ﷺ لم يردَّ زينب إلى أبي العاص إلا بنكاحٍ جديدٍ (٢).
ولا خلاف بين العلماء في الكافرة تُسلم، ويأبى زوجها من (٣) الإسلام حتى تنقضي عدتها، أنه لا سبيلَ له عليها إلا بنكاحٍ جديدٍ.
وهذا كله يتبين به أن قول ابن عباس ﵄: "ردَّها على النكاح الأول" أنه أراد به على مثل الصداق الأول إن صحَّ، وحديث عمرو بن
стр. 518
شعيبٍ عندنا صحيح. انتهى كلامه (١).
قلت (٢): أما كونها لم تَحِضْ في تلك السنين الست إلا ثلاثَ حِيَضٍ، فهذا مع أنه في غاية البعد، وخلاف ما طبع الله عليه النساء، فمثله لو وقع لَنُقِل، ولم ينقل ذلك أحدٌ، ولم يحدّ النبي ﷺ بقاء النكاح بمدة العدة حتى يقال: لعل عدتها تأخرت، فلا التحديدُ بالثلاث حيضٍ ثابتٌ، ولا تأخُّرُها ست سنين معتادٌ.
وأما ادعاء نسخ الحديث فأبعدُ وأبعدُ، فإن شروط النسخ منتفيةٌ، وهي وجود المعارض ومقاومته وتأخُّره، فأين معكم واحدٌ من هذه الثلاثة؟
وأعجب من هذا دعوى أن يكون الناسخ قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فإن هذا في المطلَّقات الرجعيات بنص القرآن واتفاق الأمة. ولم يقل أحدٌ: إن إسلام المرأة طلقةٌ رجعيةٌ يكون بعلُها أحقَّ بردها في عدتها، والذين يحكمون بالفرقة بعد انقضاء العدة لا يوقعونها من حين الإسلام، بخلاف الطلاق فإنه ينفُذ من حين التطليق، ويكون للزوج الرجعةُ في زمن العدة.
وأما قول الزهري: إن هذا كان قبل أن تنزل الفرائض، فكأنه أراد أن الحديث منسوخٌ. فيقال: وأين الناسخ له (٣) من كتاب الله أو سنة رسوله؟ فإن
стр. 519
قال: الناسخ له قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فيقال: هذه الآية نزلت في قصة صلح الحديبية باتفاق الناس، وردُّ زينب على أبي العاص كان بعد ذلك لما قدم من الشام في زمن الهدنة، ولهذا قال النبي ﷺ لزينب: "أَكرِمي مَثْواه، ولكن لا يصلُ إليك"، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. ثم ذهب أبو العاص إلى مكة، فردَّ الودائع والأمانات التي كانت عنده، ثم جاء فأسلم، فردَّها عليه بالنكاح الأول.
وقوله: "إن ذلك كان قبلَ أن تنزل الفرائض" لم يُرِد به فرائض الإسلام، فابن شهابٍ أعلم وأجلُّ من أن يريد ذلك، والظاهر أنه إنما أراد فريضة تحريم نكاح المشرك والمشركة.
وأقصى ما يقال: أن ردَّ زينب على أبي العاص ونزول آية التحريم كانا في زمن الهدنة، فمن أين يُعلم تأخُّر نزول الآية عن قصة الزوجين لتكون ناسخةً لها؟ ولا يمكن دعوى النسخ بالاحتمال.
وأما قول قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بين المسلمين والمشركين= فلا ريبَ أنه كان قبل نزول براءة، ولكن أين في سورة براءة ما يدل على إبطال ما مضت به سنة رسول الله ﷺ من حين بُعِث إلى أن توفَّاه الله تعالى من عدم التفريق بين الرجل والمرأة، إذا سبق أحدهما بالإسلام؟ والعهود التي نبذها رسول الله ﷺ إلى المشركين هي عهود الصلح التي كانت بينه وبينهم، فهي براءةٌ من العقد والعهد الذي كان بينه وبينهم، ولا تعرُّضَ فيها للنكاح بوجهٍ من الوجوه. وقد أكد الله سبحانه
стр. 520
البراءة بين المسلمين والكفار قبل ذلك في سورة الممتحنة وغيرها، ولكن هذا لا يناقض تربُّصَ المرأة بنكاحها إسلام زوجها، فإن أسلم كانت امرأته وإلا فهي بريئةٌ منه.
وأما قوله: "وقد روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده أنه ردَّها بنكاحٍ جديدٍ"، فلو وصل إلى عمرٍو لكان حجةً، فإنا لا ندفع حديث عمرو بن شعيبٍ، ولكن دون الوصول إليه مفاوزُ مُجدِبةٌ معطشةٌ لا تُسلَك، فلا يُعارَض بحديثه الحديثُ الذي شهد الأئمة بصحته.
وأما قول الشعبي: "إن النبي ﷺ لم يردَّها إلا بنكاحٍ جديدٍ"، فهذا إن صح عن الشعبي (١) فإن كان قاله برأيه فلا حجة فيه، وإن كان قاله رواية فهو منقطعٌ لا تقوم به حجةٌ، فبينَ الشعبي وبين رسول الله ﷺ مفازةٌ لا يُدرى حالها.
وأما قوله: لا خلافَ بين العلماء في الكافرة تُسلم، ويأبى زوجها من (٢) الإسلام حتى تنقضي عدتها، أنه لا سبيل له عليها إلا بنكاحٍ جديد (٣) = فهذا قاله أبو عمر رحمه الله تعالى بحسب ما بلغه، وإلا فقد ذكرنا في المسألة (٤) مذاهب تسعةً، وذكرنا مذهب عليّ، ولا يُحفَظ اعتبار العدَّة عن صاحبٍ
стр. 521
واحدٍ البتةَ، وأرفعُ ما فيه قول الزهري الذي رواه مالك عنه في "الموطأ" (١)، ولفظه: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشامٍ أسلمت يومَ الفتح بمكة، وهربَ زوجُها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدِمَ اليمن، فارتحلت أم حكيمٍ حتى قدِمتْ على زوجها باليمن، ودَعتْه إلى الإسلام فأسلم، وقدِمَ على رسول الله ﷺ فبايعه، فثبَتا على نكاحهما ذلك.
قال ابن شهابٍ: ولم يبلغنا أن امرأةً هاجرت إلى الله وإلى رسوله، وزوجها كافرٌ مقيمٌ بدار الكفر، إلا فرَّقَت هجرتُها بينها وبين زوجها، إلا أن يَقْدَم زوجُها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدَّتُها. وأنه لم يبلغنا أن امرأةً فُرِّق بينها وبين زوجها إذا قَدِم وهي في عدَّتها (٢). فلا يُعرف في اعتبار العدة غيرُ هذا الأثر.
وأما قوله: "إنه ردَّها على النكاح الأول، أي: على مثل الصَّداق الأول"، فلا يخفى ضعفه وفساده، وأنه عكس المفهوم من لفظ الحديث، وقولُه: "لم يُحدِثْ شيئًا" يأباه. ونحن نذكر ألفاظ الحديث لنبيِّن أنها لا تحتمل ذلك:
ففي "المسند" و"السنن" (٣) من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي
стр. 522
- ﷺ ردَّ ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، لم يُحدِث شيئًا.
وفي لفظ (١): بنكاحها الأول لم يُحدِث صداقًا.
وفي لفظ (٢): لم يُحدِث (٣) شهادةً ولا صداقًا.
وفي لفظ (٤): لم يُحدِث نكاحًا.
فهذا كله صريحٌ في أنه بقَّاهما على نفس النكاح الأول، لا يحتمل الحديث غير ذلك.
وأما قوله: فحديث عمرو بن شعيبٍ عندنا صحيح= فنعم إذا وُصِل إليه بسندٍ صحيح، وهذا منتفٍ في هذا الحديث كما تقدَّم.
قال الترمذي في كتاب "العلل" (٥): سألت عنه محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: حديث ابن عباس أصحُّ في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيبٍ.
стр. 523
وذكر أبو عبيد (١) عن يحيى بن سعيد القطّان أن حجاج بن أرطاة ــ وهو راويه عن عمرو بن شعيبٍ ــ لم يسمعه من عمرٍو، وأنه من حديث محمد بن عبيد الله العَرْزمي عن عمرٍو.
قال البيهقي (٢): فهذا الحديث لا يَعْبأ به أحدٌ يدري ما الحديث.
قال: والذي ذكره بعض الناس في الجمع بين حديث عبد الله بن عمرٍو وحديث ابن عباس، بأن قال: علم عبد الله بن عمرٍو بتحريم الله سبحانه رجوعَ المؤمنات إلى الكفار، فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاحٍ جديدٍ. وأما ابن عباس فلم يعلم بتحريم الله المؤمناتِ على الكفار حتى علِمَ بردِّ زينب على أبي العاص فقال: ردَّها بالنكاح الأول؛ لأنه لم يكن بينهما عنده فسخُ نكاحٍ.
قال البيهقي (٣): وليس هذا بجمعٍ صحيح، وما هو إلا سوء ظنٍّ بالصحابة، حيث نسبَهم إلى المجازفة برواية الحديث على ما وقع لهم من غير سماعٍ. وحديث عبد الله بن عمرٍو لم يُثبِته الحفّاظ على ما قدّمنا ذكره، وابن عباس لم يقل: "ردَّها عليه بالنكاح الأول، ولم يُحدِث شيئًا" إلا بعد إحاطة العلم به بنفسه أو عمن يثق به، وكيف يشتبه على مثله نزول الآية في
стр. 524
الممتحنة قبل ردِّ النبي ﷺ ابنته على أبي العاص؟ وإن اشتبه ذلك عليه في وقت نزولها لم يشتبه على مثله الخبر بعد وفاة النبي ﷺ ، وقد علم منازلَ القرآن وتأويله، هذا بعيدٌ لا يجوز الحمل عليه. انتهى كلامه.
قال أصحاب هذا القول: ثم نقول: دعونا من هذا كله، وهَبْ أنه صحَّ لكم جميع ما ذكرتم في قصة زينب، فمن أين لكم أن المُراعى في أمر أبي العاص وأمرِ هندٍ وامرأةِ صفوان وأم حكيمٍ وسائرِ من أسلم إنما هو العدّة؟ ومَن أخبركم بهذا، وليس في شيء من الأحاديث الصحاح ولا الحسان ذكْرُ عدّةٍ في ذلك، ولا دليلَ عليها أصلًا من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع الصحابة؟
قالوا: ولا عدَّةَ في دين الله إلا في طلاقٍ أو خلعٍ أو وفاةٍ أو عتقٍ تحت عبدٍ أو حرٍّ، فمن أين جئتمونا بهذه العدة، وجعلتموها حدًّا فاصلًا بين الزوج المالك للعصمة وغيره؟
فصل
قال المعجِّلون للفرقة: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠].
стр. 525
قالوا: فهذا حكم الله الذي لا يحلُّ لأحدٍ أن يخرج عنه، وقد حرَّم فيه رجوع المؤمنة إلى الكافر، وصرَّح سبحانه بإباحة نكاحها، ولو كانت في عصمة الزوج حتى يُسلم في العدة أو بعدها لم يجزْ نكاحها، لا سيما والمهاجرة تُستبرأ بحيضةٍ، وهذا صريحٌ في انقطاع العصمة بالهجرة.
وقوله: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾ صريحٌ في أن المسلم مأمورٌ أن لا يُمسِك عصمةَ امرأته إذا لم تُسلم، فصحَّ أن ساعةَ وقوع الإسلام منه تنقطع عصمة الكافرة منه.
وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، صريحٌ في تحريم أحدهما على الآخر في كل وقتٍ. فهذه أربعة أدلةٍ من الآية، ودَعُونا من تلك المنقطعات والمراسيل والآثار المختلفة، ففي كتاب الله الشفاء والعصمة.
قال الآخرون: مرحبًا وأهلًا وسهلًا بكتاب الله، وسمعًا وطاعةً لقول ربنا، ولكن تأولتم الآية على غير تأويلها، ووضعتموها على غير مواضعها، وليس فيها ما يقتضي تعجيلَ الفرقة إذا سبق أحدهما الآخر بألفٍ أو ها (١)، ولا فهم هذا منها أحدٌ قطُّ من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من التابعين، ولا يدلُّ على ما ذهبتم إليه أصلًا.
أما قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفّارِ﴾ فإنما يدلُّ على النهي عن ردِّ النساء المهاجرات إلى الله ورسوله إلى الكفار، فأين في هذا ما يقتضي أنها
стр. 526
لا تنتظر زوجها حتى يصير مسلمًا مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم تُرَدُّ إليه؟ ولقد أبعد النجعةَ كلَّ الإبعاد مَن فهم هذا من الآية.
وكذلك قوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ إنما فيه إثبات التحريم بين المسلمين والكفار، وأن أحدهما لا يحلُّ للآخر، وليس فيه أن أحدهما لا يتربَّص بصاحبه للإسلام فيحلُّ له إذا أسلما.
وأما قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فهذا خطاب للمسلمين ورفعٌ للحرج عنهم أن ينكحوا المؤمنات المهاجرات إذا بِنَّ من أزواجهن وتخلَّين منهم، وهذا إنما يكون بعد انقضاء عدة المرأة واختيارها لنفسها. ولا ريبَ أن المرأة إذا انقضت عدتها تُخيَّر بين أن تتزوج من شاءت وبين أن تقيم حتى يسلم زوجها، فترجع إليه إما بالعقد الأول على ما نصرناه، وإما بعقد جديدٍ على قول من يرى انفساخَ النكاح بمجرد انقضاء العدة.
فلو أنا قلنا: إن المرأة تبقى محبوسةً على الزوج، لا نُمكِّنها أن تتزوج بعد انقضاء العدة، شاءت أم أبت= لكان في الآية حجةٌ علينا، ونحن لم نقل ذلك ولا غيرنا من أهل الإسلام، بل هي أحقُّ بنفسها، إن شاءت تزوَّجتْ وإن شاءت تربَّصتْ.
فأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾ فإنما تضمَّن النهيَ عن استدامة نكاح المشركة والتمسك بها وهي مقيمةٌ على شركها وكفرها، وليس فيه النهي عن الانتظار بها أن تُسلم ثم يمسك بعصمتها.
فإن قيل: فهو في التربص ممسكٌ بعصمتها، قلنا: ليس كذلك، بل هي
стр. 527
متمكنةٌ بعد انقضاء عدتها من مفارقتِه والتزوُّجِ بغيره، ولو كانت العصمة بيده لما أمكنها ذلك.
وأيضًا فالآية إنما دلَّت على أن الرجل إذا أسلم ولم تسلم المرأة، أنه لا يُمسكها بل يفارقها، فإذا أسلمت بعده فله أن يمسك بعصمتها، وهو إنما أمسك بعصمة مسلمةٍ لا كافرةٍ.
وأيضًا فإن تحريم النساء المشركات على المؤمنين لم يُستفَد بهذه الآية، بل كان ثابتًا قبل ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا اُلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وإنما اقتضت هذه الآية حكمه سبحانه بين المؤمنين والكفار في النساء اللاتي يرتددن إلى الكفار واللاتي يهاجرن إلى المسلمين، فإن الشرط كان قد وقع على أنَّ من شاء أن يدخل في دين رسول الله ﷺ وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في دين قريشٍ وعهدهم دخل، فهاجر نسوةٌ اخترن الإسلام، وارتدَّ نسوةٌ اخترن الشرك، فحكَمَ الله أحسنَ حكمٍ بين الفريقين في هذه الآية، ونهى المسلمين فيها أن يمسكوا بعصمة المرأة التي اختارت الكفر والشرك، فإن ذلك منع لها من التزوج بمن شاءت وهي في عصمة المسلم، والعهد اقتضى أن من جاء من المسلمين رجالهم ونسائهم إلى الكفار يقرُّ على ذلك، ومن جاء من الكفار إلى المسلمين يُرَدُّ إليهم، فإذا جاءت امرأةُ كافرٍ (١) إلى المسلمين زالت عصمة نكاحها، وأبيح للمسلمين أن يزوِّجوها. فإذا فاتت امرأةٌ من المسلمين إلى الكفار فلو بقيت في عصمته ممسكًا لها لكان في ذلك ضررٌ بها إن لم يُمكِنها أن تزوَّج، وضررٌ به إن أمكنها أن تتزوج وهي في
стр. 528
عصمته، فاقتضى حكمُه العدلُ الذي لا أحسن منه تعجيلَ التفريق بينه وبين المرأة المرتدة أو الكافرة عندهم، لتتمكن من التزويج كما تتمكن المسلمة من التزويج إذا هاجرت. فهذا مقتضى الآية، وهي لا تقتضي أن المرأة إذا أسلمت وقعت الفرقة بمجرد إسلامها بينها وبين زوجها، فلو أسلم بعد ذلك لم يكن له عليها سبيلٌ. فينبغي أن تُعطى النصوصُ حقَّها، والسنةُ حقَّها، فلا تعارض بين هذه الآية وبين ما جاءت به السنة بوجهٍ ما، والكل من مشكاةٍ واحدةٍ يصدِّق بعضها بعضًا.
قال شيخ الإسلام (١): وأما القول بأنه بمجرد إسلام أحد الزوجين المشركين تحصل الفرقة قبل الدخول أو بعده، فهذا قول في غاية الضعف، فإنه خلاف المعلوم المتواتر من شريعة الإسلام، فإنه قد عُلِم أن المسلمين الذين دخلوا في الإسلام كان يَسبِق بعضهم بعضًا بالتكلم بالشهادتين، فتارةً يُسلم الرجل وتبقى المرأة مدةً ثم تسلم، كما أسلم كثيرٌ من نساء قريشٍ وغيرهم قبل الرجال. وروي أن أم سليمٍ امرأة أبي طلحة أسلمت قبل أبي طلحة (٢). وتارةً يسلم الرجل قبل المرأة، ثم تسلم بعده بمدةٍ قريبةٍ أو بعيدةٍ.
وليس لقائل أن يقول: هذا كان قبل تحريم نكاح المشركين، لوجهين:
стр. 529
أحدهما: أنه لو قدِّر تقدُّم ذلك فدعوى المدَّعي أن هذا منسوخٌ تحتاج إلى دليلٍ.
الوجه الثاني: أن يقال: فقد أسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا بعد نزول تحريم المشركات، ونزول النهي عن التمسك بعِصَم الكوافر، فأسلم الطُّلقاء بمكة وهم خلقٌ كثيرٌ، وأسلم أهل الطائف وهم أهل مدينة، وكان إسلامهم بعد أن حاصرهم ونصب عليهم المنجنيق ولم يفتحها، ثم قسم غنائم حنينٍ بالجِعرانة، واعتمر عمرة الجعرانة، ثم رجع بالمسلمين إلى المدينة، ثم وفدَ وفدُ الطائف فأسلموا، ونساؤهم بالبلد لم يسلمن، ثم رجعوا وأسلم نساؤهم بعد ذلك. فمن قال: إن إسلام أحد الزوجين قبل الآخر يوجب تعجيلَ الفرقة قبل الدخول أو بعده، فقوله مقطوعٌ بخطئه.
ولم يسأل النبي ﷺ أحدًا ممن أسلم: هل دخلتَ بامرأتك أم لا؟ بل كل من أسلم وأسلمت امرأته بعده فهي امرأته من غير تجديد نكاحٍ. وقد قدِمَ عليه وفود العرب، وكانوا يسلمون ثم يرجعون إلى أهليهم، فيسلم نساؤهم على أيديهم بعد إسلام أزواجهن، وبعث عليًّا ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فأسلم على أيديهم من لا يحصيهم إلا الله من الرجال والنساء، ومعلومٌ قطعًا أن الرجل كان يأتيهم فيسلم قبل امرأته، والمرأة تأتيهم فتسلم قبل الرجل، ولم يقولوا لأحدٍ: ليكن تلفظُك وتلفظُ امرأتك بالإسلام في آنٍ واحدٍ، لئلا ينفسخ النكاح، ولم يفرِّقوا بين من دخل بامرأته وبين من لم يدخل، ولا حدُّوا ذلك بثلاثة قروءٍ، ثم يقع الفسخ بعدها، بل علي بن أبي طالب ﵁ ــ وقد باشر ذلك بنفسه مع رسول الله ﷺ وفي غيبته عنه ــ قد قال:
стр. 530
"هو أحقُّ بها ما لم تخرج من مصرها"، وفي رواية عنه: "ما لم تخرج من دار هجرتها" (١)، ولم يعجِّل الفرقة، ولا حدَّها بثلاثة قروءٍ. وفي قضية زينب الشفاءُ والعصمة.
وكانت سنته ﷺ أنه يجمع بين الزوجين إذا أسلم أحدهما قبل الآخر وتراضيا ببقائهما على النكاح، لا يفرِّق بينهما، ولا يُحوِجهما إلى عقد جديدٍ، فإذا أسلمت المرأة أولًا فلها أن تتربص بإسلام زوجها، أيَّ وقتٍ أسلم فهي امرأته، وإذا أسلم الرجل فليس له أن يحبس المرأة على نفسه ويُمسك بعصمتها، فلا يُكرِهها على الإسلام، ولا يحبسها على نفسه، فلا يظلمها في الدين ولا في النكاح، بل إن اختارت هي أن تتربص بإسلامه تربصت، طالت المدة أو قصرت، وإن اختارت أن تتزوج غيره بعد انقضاء عدتها فلها ذلك، والعدة هاهنا لحفظ ماء الزوج الأول. وأيهما أسلم في العدة أو بعدها فالنكاح بحاله، إلا أن يختار الرجل الطلاق فيطلِّق، كما طلَّق عمر ﵁ امرأتين له مشركتين لما أنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾، أو تختار المرأة أن تزوَّج بعد استبرائها فلها ذلك.
وأيضًا فإن في هذا تنفيرًا عن الإسلام، فإن المرأة إذا علمت أو الزوج أنه بمجرد الإسلام يزول النكاح، ويفارق من يحب، ولم يبقَ له عليها سبيلٌ إلا برضاها ورضا وليِّها ومهرٍ جديدٍ= نفَرَ عن الدخول في الإسلام. بخلاف ما إذا علم كلٌّ منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله، ولا فراقَ بينهما إلا أن يختار