← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لا تنتظر زوجها حتى يصير مسلمًا مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم تُرَدُّ إليه؟ ولقد أبعد النجعةَ كلَّ الإبعاد مَن فهم هذا من الآية. وكذلك قوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ إنما فيه إثبات التحريم بين المسلمين والكفار، وأن أحدهما لا يحلُّ للآخر، وليس فيه أن أحدهما لا يتربَّص بصاحبه للإسلام فيحلُّ له إذا أسلما. وأما قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فهذا خطاب للمسلمين ورفعٌ للحرج عنهم أن ينكحوا المؤمنات المهاجرات إذا بِنَّ من أزواجهن وتخلَّين منهم، وهذا إنما يكون بعد انقضاء عدة المرأة واختيارها لنفسها. ولا ريبَ أن المرأة إذا انقضت عدتها تُخيَّر بين أن تتزوج من شاءت وبين أن تقيم حتى يسلم زوجها، فترجع إليه إما بالعقد الأول على ما نصرناه، وإما بعقد جديدٍ على قول من يرى انفساخَ النكاح بمجرد انقضاء العدة. فلو أنا قلنا: إن المرأة تبقى محبوسةً على الزوج، لا نُمكِّنها أن تتزوج بعد انقضاء العدة، شاءت أم أبت= لكان في الآية حجةٌ علينا، ونحن لم نقل ذلك ولا غيرنا من أهل الإسلام، بل هي أحقُّ بنفسها، إن شاءت تزوَّجتْ وإن شاءت تربَّصتْ. فأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾ فإنما تضمَّن النهيَ عن استدامة نكاح المشركة والتمسك بها وهي مقيمةٌ على شركها وكفرها، وليس فيه النهي عن الانتظار بها أن تُسلم ثم يمسك بعصمتها. فإن قيل: فهو في التربص ممسكٌ بعصمتها، قلنا: ليس كذلك، بل هي

стр. 527

متمكنةٌ بعد انقضاء عدتها من مفارقتِه والتزوُّجِ بغيره، ولو كانت العصمة بيده لما أمكنها ذلك. وأيضًا فالآية إنما دلَّت على أن الرجل إذا أسلم ولم تسلم المرأة، أنه لا يُمسكها بل يفارقها، فإذا أسلمت بعده فله أن يمسك بعصمتها، وهو إنما أمسك بعصمة مسلمةٍ لا كافرةٍ. وأيضًا فإن تحريم النساء المشركات على المؤمنين لم يُستفَد بهذه الآية، بل كان ثابتًا قبل ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا اُلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وإنما اقتضت هذه الآية حكمه سبحانه بين المؤمنين والكفار في النساء اللاتي يرتددن إلى الكفار واللاتي يهاجرن إلى المسلمين، فإن الشرط كان قد وقع على أنَّ من شاء أن يدخل في دين رسول الله ﷺ وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في دين قريشٍ وعهدهم دخل، فهاجر نسوةٌ اخترن الإسلام، وارتدَّ نسوةٌ اخترن الشرك، فحكَمَ الله أحسنَ حكمٍ بين الفريقين في هذه الآية، ونهى المسلمين فيها أن يمسكوا بعصمة المرأة التي اختارت الكفر والشرك، فإن ذلك منع لها من التزوج بمن شاءت وهي في عصمة المسلم، والعهد اقتضى أن من جاء من المسلمين رجالهم ونسائهم إلى الكفار يقرُّ على ذلك، ومن جاء من الكفار إلى المسلمين يُرَدُّ إليهم، فإذا جاءت امرأةُ كافرٍ (١) إلى المسلمين زالت عصمة نكاحها، وأبيح للمسلمين أن يزوِّجوها. فإذا فاتت امرأةٌ من المسلمين إلى الكفار فلو بقيت في عصمته ممسكًا لها لكان في ذلك ضررٌ بها إن لم يُمكِنها أن تزوَّج، وضررٌ به إن أمكنها أن تتزوج وهي في

стр. 528

عصمته، فاقتضى حكمُه العدلُ الذي لا أحسن منه تعجيلَ التفريق بينه وبين المرأة المرتدة أو الكافرة عندهم، لتتمكن من التزويج كما تتمكن المسلمة من التزويج إذا هاجرت. فهذا مقتضى الآية، وهي لا تقتضي أن المرأة إذا أسلمت وقعت الفرقة بمجرد إسلامها بينها وبين زوجها، فلو أسلم بعد ذلك لم يكن له عليها سبيلٌ. فينبغي أن تُعطى النصوصُ حقَّها، والسنةُ حقَّها، فلا تعارض بين هذه الآية وبين ما جاءت به السنة بوجهٍ ما، والكل من مشكاةٍ واحدةٍ يصدِّق بعضها بعضًا. قال شيخ الإسلام (١): وأما القول بأنه بمجرد إسلام أحد الزوجين المشركين تحصل الفرقة قبل الدخول أو بعده، فهذا قول في غاية الضعف، فإنه خلاف المعلوم المتواتر من شريعة الإسلام، فإنه قد عُلِم أن المسلمين الذين دخلوا في الإسلام كان يَسبِق بعضهم بعضًا بالتكلم بالشهادتين، فتارةً يُسلم الرجل وتبقى المرأة مدةً ثم تسلم، كما أسلم كثيرٌ من نساء قريشٍ وغيرهم قبل الرجال. وروي أن أم سليمٍ امرأة أبي طلحة أسلمت قبل أبي طلحة (٢). وتارةً يسلم الرجل قبل المرأة، ثم تسلم بعده بمدةٍ قريبةٍ أو بعيدةٍ. وليس لقائل أن يقول: هذا كان قبل تحريم نكاح المشركين، لوجهين:

стр. 529

أحدهما: أنه لو قدِّر تقدُّم ذلك فدعوى المدَّعي أن هذا منسوخٌ تحتاج إلى دليلٍ. الوجه الثاني: أن يقال: فقد أسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا بعد نزول تحريم المشركات، ونزول النهي عن التمسك بعِصَم الكوافر، فأسلم الطُّلقاء بمكة وهم خلقٌ كثيرٌ، وأسلم أهل الطائف وهم أهل مدينة، وكان إسلامهم بعد أن حاصرهم ونصب عليهم المنجنيق ولم يفتحها، ثم قسم غنائم حنينٍ بالجِعرانة، واعتمر عمرة الجعرانة، ثم رجع بالمسلمين إلى المدينة، ثم وفدَ وفدُ الطائف فأسلموا، ونساؤهم بالبلد لم يسلمن، ثم رجعوا وأسلم نساؤهم بعد ذلك. فمن قال: إن إسلام أحد الزوجين قبل الآخر يوجب تعجيلَ الفرقة قبل الدخول أو بعده، فقوله مقطوعٌ بخطئه. ولم يسأل النبي ﷺ أحدًا ممن أسلم: هل دخلتَ بامرأتك أم لا؟ بل كل من أسلم وأسلمت امرأته بعده فهي امرأته من غير تجديد نكاحٍ. وقد قدِمَ عليه وفود العرب، وكانوا يسلمون ثم يرجعون إلى أهليهم، فيسلم نساؤهم على أيديهم بعد إسلام أزواجهن، وبعث عليًّا ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فأسلم على أيديهم من لا يحصيهم إلا الله من الرجال والنساء، ومعلومٌ قطعًا أن الرجل كان يأتيهم فيسلم قبل امرأته، والمرأة تأتيهم فتسلم قبل الرجل، ولم يقولوا لأحدٍ: ليكن تلفظُك وتلفظُ امرأتك بالإسلام في آنٍ واحدٍ، لئلا ينفسخ النكاح، ولم يفرِّقوا بين من دخل بامرأته وبين من لم يدخل، ولا حدُّوا ذلك بثلاثة قروءٍ، ثم يقع الفسخ بعدها، بل علي بن أبي طالب ﵁ ــ وقد باشر ذلك بنفسه مع رسول الله ﷺ وفي غيبته عنه ــ قد قال:

стр. 530

"هو أحقُّ بها ما لم تخرج من مصرها"، وفي رواية عنه: "ما لم تخرج من دار هجرتها" (١)، ولم يعجِّل الفرقة، ولا حدَّها بثلاثة قروءٍ. وفي قضية زينب الشفاءُ والعصمة. وكانت سنته ﷺ أنه يجمع بين الزوجين إذا أسلم أحدهما قبل الآخر وتراضيا ببقائهما على النكاح، لا يفرِّق بينهما، ولا يُحوِجهما إلى عقد جديدٍ، فإذا أسلمت المرأة أولًا فلها أن تتربص بإسلام زوجها، أيَّ وقتٍ أسلم فهي امرأته، وإذا أسلم الرجل فليس له أن يحبس المرأة على نفسه ويُمسك بعصمتها، فلا يُكرِهها على الإسلام، ولا يحبسها على نفسه، فلا يظلمها في الدين ولا في النكاح، بل إن اختارت هي أن تتربص بإسلامه تربصت، طالت المدة أو قصرت، وإن اختارت أن تتزوج غيره بعد انقضاء عدتها فلها ذلك، والعدة هاهنا لحفظ ماء الزوج الأول. وأيهما أسلم في العدة أو بعدها فالنكاح بحاله، إلا أن يختار الرجل الطلاق فيطلِّق، كما طلَّق عمر ﵁ امرأتين له مشركتين لما أنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾، أو تختار المرأة أن تزوَّج بعد استبرائها فلها ذلك. وأيضًا فإن في هذا تنفيرًا عن الإسلام، فإن المرأة إذا علمت أو الزوج أنه بمجرد الإسلام يزول النكاح، ويفارق من يحب، ولم يبقَ له عليها سبيلٌ إلا برضاها ورضا وليِّها ومهرٍ جديدٍ= نفَرَ عن الدخول في الإسلام. بخلاف ما إذا علم كلٌّ منهما أنه متى أسلم فالنكاح بحاله، ولا فراقَ بينهما إلا أن يختار

стр. 531

هو المفارقة= كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبتِه ما هو أدعى إلى الدخول فيه. وأيضًا فبقاء مجرد العقد جائزًا غيرَ لازمٍ من غير تمكينٍ من الوطء خيرٌ محضٌ ومصلحةٌ بلا مفسدةٍ، فإن المفسدة إما بابتداء استيلاء الكافر على المسلمة، فهذا لا يجوز كابتداء نكاحه للمسلمة، وإن لم يكن فيه وطءٌ، كما لا يجوز استيلاؤه بالاسترقاق. وإما بالوطء بعد إسلامها، وهذا لا يجوز أيضًا، فصار إبقاء النكاح جائزًا فيه مصلحةٌ راجحةٌ للزوجين في الدين والدنيا من غير مفسدةٍ، وما كان هكذا فإن الشريعة لا تأتي بتحريمه. وكذلك الردة أيضًا، القولُ بتعجيل الفرقة فيها خلافُ المعلوم من سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فقد ارتدَّ على عهدهم خلقٌ كثيرٌ، ومنهم من لم ترتدَّ امرأته، ثم عادوا إلى الإسلام، وعادت إليهم نساؤهم، وما عُرِف أن أحدًا منهم أُمِر أن يجدِّد عقد نكاحه، مع العلم بأن منهم من عاد إلى الإسلام بعد مدةٍ أكثر من مدة العدة، ومع العلم بأن كثيرًا من نسائهم لم ترتدَّ، ولم يستفصل رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه أحدًا من أهل الردة هل عاد إلى الإسلام بعد انقضاء العدة أم قبلها؟ بل المرتد إن استمرَّ على ردته قُتِل، وإن عاد إلى الإسلام فامرأته وماله باقٍ عليه بحاله، فماله وامرأته موقوفٌ، وفي تعجيل الفرقة تنفيرٌ لهم عن العود إلى الإسلام، والمقصود تأليف القلوب على الإسلام بكل طريقٍ.

стр. 532

فصل ومن هذا أمر العقود التي وقعت منهم في الشرك، فإن الذين أسلموا على عهد النبي ﷺ لم يسأل أحدًا منهم: كيف كان عقدك على امرأتك؟ وهل نكحتَها في عدَّتها أم بعد انقضاء عدَّتها؟ وهل نكحتَ بولي وشهودٍ أم لا؟ ولا سأل من كان تحته أختان: هل جمعتَ بينهما في عقد واحدٍ أم تزوجتَ واحدةً بعد واحدةٍ؟ وقد أسلم على عهد رسول الله ﷺ الخلق الذين أسلموا، ودخلوا في دين الله أفواجًا، ولم يسأل أحدًا منهم عن صفة نكاحه، بل أقرَّهم على أنكحتهم، إلا أن يكون حين الإسلام أحدهم على نكاحٍ محرمٍ، كنكاح أكثر من أربع أو نكاح أختين، فكان يأمره أن يختار أربعًا منهن وإحدى الأختين، سواءٌ وقع ذلك في عقدٍ أو عقودٍ. وإن كان متزوجًا بذاتِ مَحرمٍ كامرأة أبيه أمره بفراقها، وهذا قول أصحاب رسول الله ﷺ وجمهور التابعين ومن بعدهم. وأبو حنيفة ينظر إلى صفة العقد في الكفر: هل له مَساغٌ في الإسلام أم لا؟ فإن كان له مساغٌ صحَّحه، وإلا أبطله، فإن تزوج أكثر من أربع في عقد واحدٍ فسد نكاح الجميع، وإن كان في عقودٍ ثبت نكاح الأربع، وقد فسد نكاحُ من بعدهن من غير تخييرٍ، وكذلك الأختان. والذي مضت به السنة قول الجمهور، كما في "السنن" (١) من حديث

стр. 533

الضحاك بن فَيروزٍ عن أبيه قال: أسلمتُ وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلِّق إحداهما. وفي لفظ للترمذي: "اختَرْ أيتَهما شئتَ". قال الإمام أحمد (١): حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفرٍ قالا: حدثنا معمرٌ، عن الزهري، عن سالمٍ، عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوةٍ، فقال له النبي ﷺ : "اختَرْ منهن أربعًا". فلما كان في عهد عمر طلَّق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال: إني لأظنُّ الشيطان فيما يسترِقُ من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك، ولعلك أن لا تمكثَ إلا قليلًا، وايمُ اللهِ لتُراجعَنَّ نساءَك ولتَرجعَنَّ في مالك، أو لأُورِثهن ولآمرنَّ بقبرك فيُرجَم كما رُجم قبر أبي رِغالٍ.

стр. 534

قال أحمد (١): حدثنا محمد بن جعفرٍ، ثنا معمرٌ، أخبرنا ابن شهابٍ الزهري، عن سالمٍ، عن أبيه قال: أسلم غيلان بن سلمة، وتحته عشر نسوةٍ، فقال رسول الله ﷺ : "اتّخِذْ (٢) منهن أربعًا". وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٣): حدثنا عبد السلام، حدثنا إسحاق بن عبد الله، عن أبي وهبٍ الجيشاني، عن أبي خِراشٍ (٤) الرُّعيني، عن الديلمي قال: قدمتُ على النبي ﷺ وعندي أختان تزوَّجتُهما في الجاهلية، فقال: "إذا رجعتَ فطلِّقْ إحداهما". ورواه الشالَنْجي (٥)، عن الضحاك بن فيروزٍ، عن أبيه قال: أسلمتُ وعندي امرأتان أختان، فقال رسول الله ﷺ : "اختَرْ إحداهما".

стр. 535

وفي "المسند" (١) من حديث قيس بن الحارث قال: أسلمتُ وتحتي ثمان نسوةٍ، فأتيت النبي ﷺ فقلت له ذلك فقال: "اختَرْ منهن أربعًا". وحديث غيلان قد رواه الإمام أحمد والشافعي (٢) ومالك (٣)، لكنْ مالك أرسله عن الزهري، ومعمر وصله. وحكم الناس لمالك في إرساله، وغلَّطوا معمرًا في وصله، وقالوا: هو غير محفوظٍ (٤). قال الأثرم (٥): ذكرت لأبي عبد الله الحديث الذي رواه البصريون [عن معمر] عن الزهري، عن سالمٍ، عن أبيه أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوةٍ،

стр. 536

أصحيح هو؟ قال: لا ما هو صحيح. قال مهنا (١): سألت أحمد عن حديث معمرٍ عن الزهري، عن سالمٍ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أن غيلان أسلم وعنده عشر نسوةٍ، قال: ليس بصحيح، والعمل عليه. كان عبد الرزاق يقول (٢): عن معمرٍ، عن الزهري مرسلًا. وقال مسلم بن الحجاج (٣): هذا الحديث رواه معمر بالبصرة متصلًا هكذا، فإن رواه عنه ثقةٌ خارج البصريين حكمنا له بالصحة، أو قال: صار الحديث صحيحًا (٤)، وإلا فالإرسال أولى. قال البيهقي (٥): فوجدنا سفيان بن سعيد الثوري وعبد الرحمن بن

стр. 537

محمد وعيسى بن يونس ــ وثلاثتهم كوفيون ــ حدَّثوا به عن معمر متصلًا. قال (١): ورواه يحيى بن أبي كثيرٍ وهو يمامي، عن (٢) الفضل بن موسى وهو خراساني؛ عن معمرٍ، عن الزهري، عن سالمٍ، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ فصحَّ الحديث بذلك، والله أعلم. وقد قال النسائي (٣): ثنا عمرو بن يزيد (٤) الجَرْمي، ثنا سيف بن عبيد الله، ثنا سرَّار (٥) بن مُجَشِّرٍ، عن أيوب، عن نافعٍ وسالمٍ، عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوةٍ، فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا. قال البيهقي: قال لنا أبو عبد الله: رواة هذا الحديث كلهم ثقاتٌ تقوم بهم الحجة. وقال أبو علي الحافظ: تفرد به سرَّار بن مجشِّرٍ، وهو بصري ثقةٌ.

стр. 538

وبالجملة، فشهرة القصة تُغني عن إسنادها، فالنبي ﷺ خيَّره، ولم يُفرِّق بين الأوائل والأواخر ولم يستفصله، ولو اختلف الحال لتعيَّن الاستفصال، فإن الرجل حديثُ عهدٍ بالإسلام، غير عارفٍ بشرائع الأحكام وتفاصيل الحلال من الحرام، فجعل الاختيار إليه، ولم يَحْجُر في ذلك عليه. قال المنازعون: قد ثبت عن النبي ﷺ في حديث بُريدة ومعاذٍ وغيرهما الأمرُ بدعاء الكفار إلى أن يكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، والمسلم ليس له أن يتزوج أكثرَ من أربع، والأختين في عقد واحدٍ، وقد قال ﷺ : "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌ" (١)، وهذا نصٌّ في المسألة قاطعٌ للنزاع. قالوا: ونكاح الخمس في عقد واحدٍ لا يختلف فيه حكم البقاء والدوام في المنع، فكان باطلًا كنكاح ذوات المحارم. قالوا: ولا يرِدُ علينا النكاح بغير شهودٍ ولا ولي، والنكاح في العدة؛ لأن ذلك يمنع الابتداء دون البقاء. قالوا: وليس تحريم الخامسة من جهة الجمع، فلم يختلف فيه حال الابتداء والاستدامة، والإسلام والكفر، كعقد المرأة على زوجين. قالوا: ولو باع ذميٌّ درهمًا بدرهمين، ثم أسلم قبل القبض لم يُخيَّر في أحد الدرهمين، كذلك إذا أسلم وتحته أختان يجب أن لا يخيَّر في إحدى

стр. 539

الأختين، وبأن العقد على الخمس في حال الشرك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن تقولوا: إنه صحيح أو فاسدٌ، ولا يجوز أن يقال: إنه صحيح، إذ لو كان كذلك لم يجز نقضُه بعد الإسلام، فثبت أنه فاسدٌ، وإذا كان فاسدًا لم يصحِّحه الإسلام، كنكاح ذوات المحارم. قالوا: ولأنه عقد على عددٍ محرمٍ، فلا يثبت فيه التخيير، كعقد السلم. قالوا: وأما الحديث، فنحن أول آخذٍ به، إذ المراد بقوله: "اختَرْ منهن أربعًا" تعقد عليهن عقدًا جديدًا. وكذلك قوله في الأختين: "اختَرْ أيتَهما شئتَ"، إنما هو تخيير ابتداءٍ لا تخيير استدامةٍ، لما ذكرنا من الأدلة. ولو كان تخيير استدامةٍ لاحتملَ أن يكون غيلان عقد عليهن في الحال التي كان يجوز فيها العقد على أكثر من أربع، وذلك في أول الإسلام، فإن القصر على أربع إنما وقع في سورة النساء وهي مدنيةٌ بالاتفاق. سلَّمنا انتفاء ذلك، فيجوز أن يكون النبي ﷺ قد علم صورة الحال، وأنه تزوجهن في عقد واحدٍ، فأمره أن يختار منهن أربعًا يبتدئ نكاحهن، ولا سبيل إلى العلم بانتفاء هذا. قال المصححون: الآن اشتدَّ اللزام، واحتدَّ الخصام، ووجب التحيُّز إلى فئة الحديث الذين قصْدُهم الانتصار له، أين كان ومع من كان. قالوا: أما احتجاجكم بقوله ﷺ : "فأَعْلِمْهم أن لهم ما للمسلمين" (١) فما أصحَّه من حديث! وما أضعَفَه من استدلالٍ! وهل نازع في هذا مسلم

стр. 540

حتى تحتجون (١) عليه به؟ وهكذا نقول نحن وكل مسلم: إن الرجل إذا أسلم فحينئذٍ يصير له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وأما قبل ذلك فلم يكن كذلك. فالحديث حجةٌ عليكم، فإنه لم يقل: أخبِرْهم أن عليهم ما على المسلمين قبل الإسلام. والذي على المسلم: أنه لا يُمكَّن من العقد على أختين ابتداءً ولا استدامةً. وهكذا قوله ﷺ "كل عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"، وليس أمره ﷺ على الجمع بين الأختين والتزوج بأكثر من أربع، فلذلك كان ردًّا بالإسلام، وهو ﷺ لم يقل: إن ما كان في الجاهلية مما يخالف أمري ومضى وانقضى فهو ردٌّ، وإنما يُردُّ منه ما قام الإسلام وهو على خلاف أمره، وهكذا فعلَ سواءً، فإنه أبطل نكاح إحدى الأختين وما زاد على الأربع إذ ذلك خلاف أمره، وجعل الخيرةَ في المُمْسَكات إلى الزوج، وهذا نفس أمره، فما خالف هذا وهذا فهو ردٌّ، فالحديث حجةٌ على بطلان قولكم، وبالله التوفيق. وأما قولكم: إن نكاح الخمس في عقد واحدٍ لا يختلف فيه حكم الابتداء والدوام، فكان باطلًا كنكاح ذوات المحارم، فجوابه من وجوهٍ: أحدها: أن تحريم ما زاد على الأربع إنما كان من جهة الزيادة على العدد المباح، والزيادة يمكن إبطالها دون النصاب، فإن المفسدة تختص بها، فلا معنى لتعدية الإبطال إلى النصاب، فإن في ذلك إضرارًا به وتنفيرًا له عن الإسلام من غير مصلحةٍ، وقد أمكن إزالة المفسدة بمفارقة ما زاد على

стр. 541

النصاب، فيبقى النكاح في حق الأربع صحيحًا، فهذا محض القياس، كما أنه مقتضى السنة. وهذا بخلاف نكاح ذوات المحارم، فإن المفسدة التي فيه لا تزول إلا ببطلان النكاح، لقيام سبب التحريم. الوجه الثاني: أن تحريم الزائد على أربع إنما نشأ من جهة انضمامه إلى القدر الجائز، وإلا فكلُّ واحدةٍ منهن لو انفردت صح العقد عليها، بخلاف تحريم ذوات المحارم، فإنه ثابتٌ لذاتها وعينها، فقياس أحد النوعين على الآخر فاسدٌ. الوجه الثالث: أن تحريم الزائد على الأربع أخفُّ من تحريم ذوات المحارم، ولهذا أبيح لنبينا ﷺ الزيادة على أربع، ولم تُبَحْ له ذوات المحارم، فلا يصح اعتبار أحد النوعين بالآخر. ونحن لا ننظر إلى ابتداء العقد كيف وقع، بل إلى حاله عند الإسلام، ولهذا قد ساعدتم (١) على أنه لو تزوجها بغيرٍ ولي ولا شهودٍ ولا مهرٍ، أو في عدةٍ ثم انقضت، أو بغير تراضٍ= لم يُبطله الإسلام، فكذلك إذا عقد على خمسٍ لم نُبطله بالإسلام، وإنما يبطل الزائد على النصاب. وأما قولكم: إن تحريم الزائد على الأربع إنما كان من جهة الجمع، فلم يفترق الحال فيه بين الابتداء والاستدامة، كعقد المرأة على زوجين= فما أفسدَه من قياسٍ! فإن هذا مما لم تختلف فيه الشرائع ولا الطبائع، ولا تُسوِّغه أمةٌ من الأمم على اختلاف أديانها وآرائها. وأما الجمع بين الأختين وبين

стр. 542

أكثر من أربع فقد كان جائزًا في بعض الشرائع، كما قال تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَينِ إِلَّا مَا قَد سَّلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، والجمع بين أكثر من أربع قد فعله داود وسليمان وخاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وبالجملة، فعقدُ الرجل على أكثر من امرأةٍ مصلحةٌ راجحةٌ، وعقدُ المرأة على أكثر من رجل مفسدةٌ خالصةٌ أو راجحةٌ، فاعتبار أحدهما بالآخر فاسدٌ عقلًا وطبعًا وشرعًا. وأما قولكم: لو باع ذميٌّ درهمًا بدرهمين ثم أسلم لم يُخيَّر في أحد الدرهمين، كذلك لا يُخيَّر في الأختين= فما أفسده من قياسٍ! فإن الصرف إذا لم يقبض لم يلزم في العقد إن قبض ثم أسلم أن يفسخ (١) العقد، فإنهم إذا تعاقدوا عقود الربا وتقابضوا ثم أسلموا لم نفسخها، وإن لم يتقابضوا لم نُمْضِها. وهكذا النكاح، فإنه إذا اتصل به الدخول، وسبب التحريم قائمٌ= أبطلناه، وإن كان قد انقضى لم نَعرِضْ له. وإنما لم نخيِّره في أحد الدرهمين، وخيَّرناه في إحدى الأختين؛ لأنه لا فائدة له في تخييره في أحد الدرهمين، ولا غرضَ له في ذلك ولا مصلحة، بخلاف تخييره بين إحدى الأختين. على أنه لا يمتنع أن يُخيَّر العقد في درهم بدرهمٍ، ويجعل له الخيار في أيهما شاء، فنفيُ الحكم في ذلك غير معلومٍ بنصٍّ ولا إجماعٍ. وأما قولكم: العقد على الخمس في حال الشرك إما أن يقع صحيحًا أو فاسدًا ... إلى آخره، فجوابه من وجهين:

стр. 543

أحدهما: أنه صحيح في الجميع، فإذا أسلم فسخ العقد في إحداهن. هذا جواب القاضي أبي يعلى. قال: وقد نصَّ أحمد على هذا: إذا تزوج الحربي أمًّا وبنتًا، ثم أسلم قبل الدخول، انفسخ نكاح الأم (١). قال: وهذا يدلُّ على أنه قد صحَّ النكاح في البنت حتى صارت هي من أمهات النساء فحرمت عليه، ولو لم يكن صحيحًا فيهما كان له أن يختار أيهما شاء، لأنها لم تكن من أمهات النساء، والجمع بين الأم والبنت في العقد كالجمع بين خمسةٍ. قال: وإنما حكمنا بصحة العقد في الجميع؛ لأن له أن يختار الخامسة بعد إسلامه، ويستديم نكاحها على حديث غيلان وغيره، ولا يجوز أن يستديم نكاحًا حكمنا بفساده. وقولكم (٢): إنه لو كان صحيحًا لم يجز تغييره ونقضه بعد الإسلام، كما لو عقد على أربع لا يصح؛ لأن الإسلام لا يغيِّر ما يطابق حكم الإسلام، وما زاد على الأربع يخالف حكمه، فلهذا غيَّره، كما لو تعاقدا (٣) عقدَ صرفٍ وأسلما قبل التقابض حكمنا بفساده، وإن كان الصرف في الجملة جائزًا.

стр. 544

ولأنه لو أسلم الوثني قبل الدخول انفسخ النكاح بعد الحكم بصحته. ولأن تغييره بعد الإسلام إنما هو إلزامٌ، ولا يمتنع أن يوجب الإسلام إزالة أشياء لم تكن حال الكفر، كالعبادات. وعندي جوابٌ آخر: وهو أن العقد الذي وقع في حال الكفر ــ على هذا الوجه ــ لا يُحكم له بصحةٍ ولا فسادٍ، بل يُقَرّون عليه كما يقرّون على كفرهم، فإن استمرُّوا على الكفر لم نتعرض لعقودهم، وإن أسلموا حُكِم ببطلان ما يقتضي الإسلام بطلانَه من حين الإسلام، لا قبل ذلك، كالحكم في سائر عقودهم من بياعاتهم وغيرها، فما كان قبل الإسلام فهو عفوٌ لا نحكم له بأحكام الإسلام، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ ءَامَنُوا اُتَّقُوا اُللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ اَلرِّبَوا﴾ [البقرة: ٢٧٧]، فأمر بترك ما بقي دون ردِّ ما قبض، ولم يكن صحيحًا بل كان عفوًا، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، فجعل له ما سلف من الربا وإن لم يكن مباحًا له، وكذلك سائر العقود له ما سلف منها، ويجب عليه ترك ما يحرمه الإسلام. وهذه الآية هي الأصل في هذا الباب جميعه، فإنه تعالى لم يُبطِل ما وقع في الجاهلية على خلاف شرعه، وأمر بالتزام شرعه من حين قام الشرع. ومن تأملَ حكم رسول الله ﷺ في باب أنكحة الكفار إذا أسلموا عليها وجده مشتقًّا من القرآن مطابقًا له. وأما قولكم: إنه عقد على أكثر من أربع، فلم يصح فيه التخيير كعقد السلم= فهل في القياس أفسدُ من هذا؟ وهل يمكن أحدًا أن يطرد هذا القياس

стр. 545

فيفسخَ كلَّ نكاحٍ وقع في الشرك، وكلَّ بيعٍ وكل إجارةٍ وكل عقدٍ لم يستوفِ شروطه في الإسلام، كالنكاح بلا ولي ولا شهودٍ ولا مهرٍ، وكلَّ عقد فاسدٍ وقع فيه التقابض؟! وأما قولكم: إنكم أول من أخذ بالحديث= فكلَّا، بل أول من تلطَّف في ردِّه بما لا يُردُّ به، وما تأولتم به الحديث من أن المراد به تخييره في ابتداء العقد على من شاء منهن= باطلٌ لوجوهٍ: أحدها: قوله في بعض ألفاظه: "أمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرهن"، وهذا يقتضي إمساكهنَّ بالعقد الأول، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، ولا يُعقل الإمساك غير هذا. فإن قلتم: يعني "أمسِكْ أربعًا منهن": تزوَّجْ أربعًا، خرج اللفظ عن القياس إلى الإلغاز واللبس الذي يتنزَّه عنه كلام المبيِّن عن الله. الثاني: أنه جعل الإمساك والاختيار [إليه] (١)، ولو كان المراد به العقد لكان الاختيار إليهن لا إليه؛ لأنه لا يعقد عليهن إلا برضاهن. الثالث: أنه أمره بالاختيار، وذلك واجبٌ عليه، ولو كان المراد تجديد العقد لم يجب عليه. ولهذا لو أبى الاختيار أجبره عليه الحاكم، فإن امتنع ضربه حتى يختار لأنه واجبٌ عليه.

стр. 546

الرابع: أن هذا التأويل لا يصحُّ عندكم إلا إذا كان قد تزوَّجهن (١) في عقد واحدٍ، فأما إذا تزوجهن بعقودٍ متفرقةٍ، فإنه يصح نكاح الأربع الأول ويبطل نكاح من عداهن، وحينئذٍ فيكون المراد من الحديث: إذا كنتَ قد تزوَّجتَهن في عقد واحدٍ فنكاح الجميع باطلٌ، ولك (٢) أن تتزوج أربعًا منهن. ومعلومٌ أن هذا لا يُفهم أصلًا من قوله: "اختَرْ أربعًا، وفارِقْ سائرهن"، ولا يَفهم المخاطب ولا غيره هذا المعنى من هذا اللفظ البتةَ. الخامس: أن النبي ﷺ لم يسأل هذا الحديثَ العهدِ بالإسلام الجاهلَ بالأحكام عن كيفية عقده، ولا استفصلَه. السادس: ما رواه الشافعي (٣) عن عوف (٤) بن الحارث، عن (٥) نوفل بن معاوية الدِّيلي (٦) قال: أسلمتُ وعندي خمسُ نسوةٍ، فقال النبي ﷺ : "أمسِكْ أربعًا، وفارق الأخرى" فعمَدتُ إلى أقدمهن صحبةً: عجوزٍ عاقرٍ معي منذ ستين سنةً، ففارقتُها. ففهم المخاطب من هذا اللفظ حقيقته،

стр. 547

وعمل بها. السابع: أنه قال للذي أسلم على أختين: "طلِّقْ أيتَهما شئتَ"، وهذا لا معنى له على قول المنازع، فإنه إن تزوَّج إحداهما بعد الأخرى فنكاح الثانية باطلٌ، وليست محلًّا للطلاق، وإن تزوَّجهما معًا فنكاحهما عنده باطلٌ، وليست واحدةٌ منهما محلًّا للطلاق. الثامن: أن في بعض طرق الحديث: "أمسِكْ إحداهما"، وهذا على قولكم لا يتأتى، فإنه إن جمعهما في عقد لم يكن له سبيلٌ على واحدةٍ منهما حتى يمسكهما، وإن سبق عقد إحداهما الأخرى كان الواجب عندكم أن يقال: أَمسِكِ الأولى دون الثانية، وهذا لا يصح أن يعبَّر عنه بقوله: "أمسِكْ إحداهما" و"أيتَهما شئتَ". وأما قولكم: إن هذا يجوز أن يكون في الوقت الذي كان يجوز فيه العقد على أكثر من أربع، فجوابه من وجوهٍ: أحدها: أنه لا يُعلم أنه كان العقد على أكثر من أربع جائزًا في وقتٍ من الأوقات في الإسلام، لا قبل الهجرة ولا بعدها، ولو كان ذلك لنُقِل مع ما نُقِل من الناسخ والمنسوخ، ولم ينقل أحدٌ هذا قطُّ. فإن قيل: نحن لم ندَّعِ أن ذلك أبيح لفظًا ثم نُسِخ، بل كان على أصل الإباحة والعفو حتى حرَّمه القرآن. قيل: هذا لا يصح، فإن الأصل في الفروج التحريم إلا ما أباحه الله ورسوله، كما أن الأصل في العبادات البطلان إلا ما شرعه الله ورسوله،

стр. 548

وعكسُ هذا العقودُ والمطاعم، الأصل فيها الصحة والحلُّ إلا ما أبطله الله ورسوله وحرمه، وهذا تقرر في موضعه. الثاني: أن هذا لو كان مشروعًا أو مباحًا إباحةَ العفو لكان في المسلمين ولو رجل واحدٌ يفعله في الإسلام قبل التحريم، مع حرصهم على النكاح والاستكثار منه. ألا ترى أنهم فعلوا المتعة لما كانت مباحةً، وشرب الخمر منهم من شربها قبل التحريم. الثالث (١): أن النبي ﷺ لم يسأله عن وقت العقد: هل كان قبل التحريم أو بعده؟ كما لم يسأله عن كيفيته. الرابع (٢): أن هذا لا يصح على أصول المنازع، فإن أبا حنيفة قال: إذا تزوج الحر بأربع نسوةٍ ثم استرقَّ، فإنه يبطل نكاحهن، ومعلومٌ أنه إنما حرم عليه نكاح ما زاد على الثنتين بالاسترقاق، ونكاح الأربع وقع في الوقت الذي كان يجوز له فيه نكاحهن، فكان يجب ــ على ما ذكروا من التأويلات ــ أن يختار منهن اثنتين؛ لأنه عقد على أربع في حالٍ كان ذلك مباحًا له فيها، ثم ورد التحريم. وهذه المسألة ذكرها محمد بن الحسن في "الجامع الكبير" (٣). وأما قولكم: إن النبي ﷺ يجوز أن يكون علم الحال، وأنه تزوجهن في عقد واحدٍ، فخيَّره بين أربع يبتدئ نكاحهن= فهو باطلٌ من الوجوه التي

стр. 549

تقدمت. ونزيد هاهنا وجهًا آخر: وهو أن ذلك يتضمن تعليق الحكم على غير السبب المذكور في الحديث، وإلغاء السبب الذي ذكر فيه، وهذا باطلٌ من الوجهين جميعًا، فإنه إنما علّق الاختيار بكونه أسلم على أكثر من أربع، وعندكم الاختيار إنما علّق على اجتماعهن في عقد واحدٍ لو كان اختيارًا. وبالله التوفيق. فإن قيل: ما تقولون لو أسلم وتحته أمٌّ وبنتها؟ قيل: إن أسلم قبل دخوله بواحدةٍ منهما فسد نكاح الأم، لأنها صارت من أمهات نسائه، وثبت نكاح البنت لأنها ربيبةٌ غير مدخولٍ بأمها. هذا مذهب أحمد وأحد قولي الشافعي، اختاره المزني (١). وقال في القول الآخر: له أن يختار أيتهما شاء؛ لأن عقد الشرك إنما يثبت له حكم الصحة إذا انضم إليه الاختيار، فإذا اختار الأم فكأنه لم يعقد على البنت، فلا تكون من أمهات نسائه. والمنازعون له ينازعونه في هذه المقدمة ويقولون: أنكحة الكفار صحيحةٌ يثبت لها أحكام الصحة، ولذلك لو انفردت إحداهما بالنكاح كان صحيحًا لازمًا من غير اختيارٍ، ولهذا فُوِّض إليه الاختيار هاهنا، ولا يصحُّ أن يختار من ليس نكاحها صحيحًا.

стр. 550

قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذه من (١) أمهات نسائه، فتكون محرمةً. قالوا: ولأنها أمُّ (٢) زوجته فتحرم عليه، كما لو طلَّق ابنتها في حال الشرك. ولأنه لو تزوَّج البنتَ وحدها ثم طلقها حرمتْ عليه أمُّها إذا أسلم، فإذا لم يُطلِّقها وتمسَّك بنكاحها فأولى بالتحريم. وإنما اختصَّت الأمُّ بفساد نكاحها لأنها تحرم بمجرد العقد على البنت، فلم يمكن اختيارها، والبنت لا تَحرُم قبل الدخول بأمها، فيتعيَّن النكاح فيها. فصل (٣) وإن كان قد دخلَ [بهما] (٤) حَرُمَتا على التأبيد: أما الأم فلكونها أم زوجته، وأما البنت فلأنها ربيبته من زوجته التي دخل بها. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من يُحفظ عنه من أهل العلم. وكذلك إن كان دخل بالأم وحدها؛ لأن البنت ربيبتُه المدخولُ بأمها، والأم حرمت بمجرد العقد على البنت. وإن دخل بالبنت وحدها ثبت نكاحها وفسد نكاح أمها، كما لو لم

стр. 551

يدخل بهما. ولو أسلم وله جاريتان إحداهما أمُّ الأخرى، وقد وطئهما جميعًا حرمتا عليه على التأبيد، وإن كان قد وطئ إحداهما حرمت الأخرى على التأبيد ولم تحرم الموطوءة، وإن كان لم يطأ واحدةً منهما فله وطءُ أيَّتِهما شاء، فإذا وطئها حرمت الأخرى على التأبيد. فصل فإن طلَّق إحداهما أو طلَّق ما زاد على الأربع (١) ثبت النكاح في غير المطلَّقة، وكانت المطلَّقة هي المفارقة. ذكره شيخنا (٢)، وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد والشافعي. وقال الأصحاب: تكون المطلقة هي المختارة، وينفسخ نكاح البواقي، وهذا الذي قاله أصحاب الشافعي، وأظنه نصه. وقاله أصحاب مالك، ولكنه غير منصوصٍ عنه. وحجتهم أن الطلاق لا يكون إلا في زوجةٍ (٣)، قالوا: فتطليقه لها اختيارٌ لها، ويقع عليها الطلاق لأنها زوجةٌ، وقد أوقع عليها الطلاق، فتطلَّق، وينفسخ نكاح البواقي باختيار المطلَّقات. قال القاضي (٤): فإذا قال: أمسكتُ هذه، أو أمسكتُ نكاحها، أو

стр. 552

اخترتُها، أو اخترتُ نكاحها= لزم نكاحها وانفسخ نكاح من عداها. وإن قال: فسختُ نكاح هذه أو عقْدَها، أو أخرجتُها من حِبالي، أو تركتها، ونحو ذلك= كان ذلك فراقًا لها. فإن قال: فارقتُها، أو فارقتُ عقدها، أو سرَّحتُها= احتمل أن يكون فسخًا؛ لأنه يحتمله، فتَبِين منه ويبقى نكاح البواقي. واحتمل أن يكون اختيارًا لها، ويقع الطلاق؛ لأنه صريحٌ في الطلاق. وإن قال: طلَّقتُ هذه كان ذلك اختيارًا لنكاحها وطلاقًا؛ لأن الطلاق لا يوقع إلا في زوجةٍ، فتطليقه لها [يكون] اختيارًا وتطليقًا. فإن وطئ واحدةً فقياس المذهب أنه يكون اختيارًا لها؛ لأنه قد نصّ على أن الوطء يكون رجعةً؛ لأن الوطء يدل على الرضا بها، فحصل بذلك الإمساك. ولهذا قلنا في الأمة إذا أعتقت تحت عبدٍ: لها الخيار، فإن وطئها قبل الخيار بطل خيارها؛ لأن تمكينها يدلُّ على الرضا، وكذلك إذا خيَّرها ثم وطئها كان وطؤها قطعًا لخيارها؛ لأنه يدل على الرغبة فيها والرجوع في طلاقها، خلافًا لأصحاب الشافعي: لا يكون الوطء اختيارًا لأنه لم يوضع لذلك، وكذلك لا تحصل به الرجعة. والدليل على أن الوطء اختيارٌ: أنه يوجب الاختيار باللفظ ومقصودِه ومآلِه، فهو أقوى من مجرد قوله: اخترتها؛ لأن قوله: "اخترتها" جعل اختيارًا لدلالته على إيثاره لها ورضاه بها، فوطؤها أقوى في الدلالة من مجرد اللفظ. ولهذا كان الوطء رجعةً عند جمهور العلماء، وإنما نازع فيه الشافعي وحده. إذا عُرِف هذا فالصواب أن تطليق إحداهن لا يكون اختيارًا لها، بل اختيارًا لغير المطلقة، والنبي ﷺ لما قال للديلمي: "طلِّقْ إحداهما" لم يُرِد

стр. 553

بهذا: أمسِكْها، ولا فَهِم هو إمساكها من هذا اللفظ، ولا فهمه أحدٌ من أهل التخاطب، وإنما فهم من قوله: "طلِّقْ أيتَهما شئتَ" مفارقتَها وإخراجها عنه وإمساك الأخرى، ولو كان قوله: "طلِّق أيتهما شئتَ" (١) اختيارًا لها لنفذ الطلاق عليها، وانفسخ نكاح الأخرى بأنه لم يخترها (٢)، فيكون أمرًا له بإرسال الاثنتين: هذه بالتطليق، والأخرى باختيار غيرها. وقد صرَّح به أصحاب هذا القول فقالوا: لا يكون الطلاق إلا في زوجةٍ، ففي ضمن تطليقه لها اختيارٌ (٣) منه لها، فينفذ الطلاق وتنقطع العصمة بينه وبين البواقي. وهذا باطلٌ قطعًا، وكيف يكون الطلاق الذي جُعل لرفع النكاح وإزالته وحلِّ قَيْدِه دالًّا على ضدِّ موضوعه من الإمساك والاختيار؟! وهل هذا إلا قلب الحقائق! وهو بمنزلة جعل الإمساك والاختيار دليلًا على الفراق والطلاق، وأي فرقٍ حقيقةً أو لغةً بين قوله: أرسلتُكِ، وسيَّبتكِ، وأخرجتُكِ من نكاحي، وطلقتُكِ؟! وقولهم: إن الطلاق لا يكون إلا في زوجةٍ، فجوابه من وجوهٍ: أحدها: أن الطلاق المضاف إلى زوجةٍ لا يكون إلا في زوجةٍ، وأما الطلاق الذي هو عبارةٌ عن اختيار غير المطلقة، وإخراج المطلقة عن نكاحه فلا يلزم أن يصادف زوجةً.

стр. 554

الثاني: أن الطلاق هاهنا كنايةٌ عن التسيُّب والإرسال، فهو بمنزلة قوله رغبتُ عنك وأرسلتُك، فهو طلاقٌ مقيَّدٌ بقيد القرينة، وهي من أقوى القرائن. الثالث: أنه كيف يمكن أن يقول هذا القول من يقول: إن أنكحة الكفار صحيحةٌ؟ ولهذا قال: ينفذ الطلاق في المطلقة، وإذا كانت صحيحةً فطلق واحدةً صارت كأنها لم يعقد عليها، وصار البواقي هن المعقود عليهن، فكأنه أسلم وتحته أربع أو إحدى الأختين فقط. فإن قيل: بالإسلام زال صحة نكاح الجميع، فلا يمكن أن يقال: نكاح الخمس صحيح بعد إسلامه، ولا يُحكم ببطلان نكاحهن، فإذا طلق واحدةً علمنا أنها حينئذٍ زوجةٌ، ومن ضرورة كونها زوجةً بطلانُ نكاح من عداها، فإذا كان تحته ثمان فطلق أربعًا علمنا أنهن حين الطلاق زوجاته، فبالضرورة يكون نكاح من عداهن مفسوخًا، إذ لا يمكن أن يكون حالَ الطلاق نكاحُ الثمان صحيحًا. قيل: هذه الشبهة التي لأجلها قالوا: إن الطلاق يكون اختيارًا. وجواب هذه الشبهة أن النكاح بين الإسلام والاختيار موقوفٌ لم ينفسخ بنفس الإسلام، ولا بقي صحيحًا لازمًا، إذ لو انفسخ بنفس الإسلام لم يختر، وهذا واضحٌ. ولهذا له أن يُمسك من شاء من الثمان إلى تمام النصاب، فما منهن واحدةٌ إلا والنكاح في حقها صحيح إذا اختارها، وباطلٌ إذا أخرجها عن عصمته، فالطلاق صادف هذه الزوجة الموقوفة، ولا يلزم منه اجتماع الثمان في الإسلام في عقد لازمٍ، وليس المحذور سوى ذلك.

стр. 555

فصل واختلاف الدارين لا يوقع الفرقة، وإنما التأثير لاختلاف الدين. قال أحمد في رواية ابن القاسم (١): الزوجان على نكاحهما ما دامت في العدة، فإذا أسلمت فهما على نكاحهما لا يُفرَّق بينهما. وكان الشافعي يحتج على أصحاب أبي حنيفة إذا أسلمت وهي في دار الحرب، ثم أسلم هو: أنها امرأته، وكذلك أقول. وقال أبو حنيفة (٢): اختلاف الدارين يوقع الفرقة، فعنده إذا خرجت الحربية إلينا مسلمةً وخلفت زوجها في دار الحرب كافرًا وقد دخل بها (٣) وقعت الفرقة بينهما في الحال. وقد تناظر الشافعي هو ومحمد بن الحسن ــ رحمهما الله تعالى ــ في هذه المسألة، وساق الربيع المناظرة (٤)، فقال الشافعي: [إن] قال قائل: ما دلَّك على ذلك؟ قيل له: أسلم أبو سفيان بن حربٍ بمرِّ الظهران (٥)، وهي دار خزاعة، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة

стр. 556

مقيمةٌ على غير الإسلام، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال. ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيامٍ كثيرةٍ، وكانت كافرةً مقيمةً بدارٍ ليست بدار الإسلام يومئذٍ، وزوجها مسلم في دار الإسلام، وهي في دار حربٍ. ثم صارت مكة دارَ إسلام، وأبو سفيان بها مسلم، وهند كافرةٌ، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة، فاستقرَّا على النكاح؛ لأن عدتها لم تنقضِ حتى أسلمت. وكان كذلك حكيم بن حِزامٍ وإسلامه وأسلمت امرأة صفوان بن أمية، وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، فصارت دارهما دار الإسلام، وظهر حكم رسول الله ﷺ بمكة، وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حربٍ [وصفوان يريد اليمن وهي دار حربٍ،] ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام، وشهد حنينًا وهو كافرٌ، ثم أسلم، واستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول [ورجع عكرمة وأسلم، فاستقرَّت عنده امرأته بالنكاح الأول،] وذلك أنه لم تنقض عدتها. فقلت له: ما وصفتُ لك من أمرِ أبي سفيان وحكيمٍ وأزواجهما [وأمرِ صفوان وعكرمة وأزواجهما] أمرٌ معروفٌ عند أهل العلم بالمغازي. وقد حفظ أهل المغازي أن امرأةً من الأنصار كانت عند رجل بمكة، فأسلمت وهاجرت إلى المدينة، [فقدم زوجها] وهي في العدة، [فأسلم]، فاستقرَّا على النكاح. انتهى كلامه (١). وقد روى البخاري في "صحيحه" (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: كان

стр. 557

المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين: [كانوا] مشركي (١) أهل حربٍ يقاتلهم ويقاتلونه، [ومشركي أهل عهدٍ لا يقاتلهم ولا يقاتلونه. وكان إذا] هاجرت (٢) امرأةٌ من أهل الحرب لم تُخطَب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حلَّ [لها] النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح رُدَّت إليه. فهذا هو الفصل في هذه المسألة، وهو الصواب. وليس هذا الحيض هو العدة التي قدَّرها كثيرٌ من الفقهاء أجلًا لانقضاء النكاح، بل هو استبراءٌ بحيضةٍ تحلُّ بعدها للأزواج، فإن شاءت نكحت، وإن شاءت أقامت وانتظرت إسلام زوجها، فمتى أسلم فهي امرأته انقضت العدة أو لم تنقضِ. هذا الذي كان عليه أمر رسول الله ﷺ ، وهو الصواب بلا ريبٍ. قالت الحنفية: مَرُّ الظهران لم تكن صارت من بلاد الإسلام لأنها قريبةٌ من مكة، وهي كانت دار حربٍ، فكان حكم ما قرب منها حكمها إلى أن استولى النبي ﷺ على مكة وقهر أهلَها وغلبهم، فصارت هي وما حولها من دار الإسلام، فثبت بهذا أن أبا سفيان أسلم في دار الحرب، فلم تختلف به وبامرأته الدارُ. قال الجمهور: أبو سفيان أسلم بمرِّ الظهران عند النبي ﷺ ، وقد نزلها والمسلمون الذين معه وثبتتْ أيديهم عليها، وجرتْ أحكام الإسلام فيهم، وإذا كان كذلك كانت من دار الإسلام، وكانت في ذلك بمنزلة المدينة وسائر

стр. 558

مدن الإسلام. قالت الحنفية: ولا حجة لكم في هروب عكرمة بن أبي جهل يوم الفتح، وصفوان بن أمية إلى اليمن أو الطائف أو الساحل، حتى وافاهما نساؤهما، وأخذن (١) لهما الأمان، فإن مكة لما فُتحت صار ما قرب منها من دار الإسلام، فساحل البحر قريبٌ منها. والطائف وإن كانت دار كفرٍ إذ ذاك، فليس في القصة أنه وصل إليها بل قصدها، ولعله لم يخرج من دار الإسلام، ولم يصل إليها. وأما اليمن فإنها كانت قد صارت دار إسلام، وأقرَّ أهل الكتاب منهم بالجزية، وأما عبَّاد الأوثان فأسلموا على يد علي ومعاذٍ وأبي موسى، فلم تختلف الدار بين هؤلاء وبين نسائهم. قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون، وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجرِ عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصَقَها، فهذه الطائف قريبةٌ إلى مكة جدًّا، ولم تصر دار إسلام بفتح مكة، وكذلك الساحل. وأما اليمن فلا ريبَ أنه كان قد فشا فيهم الإسلام، ولم يستوثق كلّ بلادها بالإسلام إلا بعد وفاة النبي ﷺ في زمن خلفائه، ولهذا أتوا بعد موت النبي ﷺ أرسالًا، وفتحوا البلاد مع الصحابة. وعكرمة لم يهرب من الإسلام إلى بلد إسلام، وإنما هرب إلى موضع يرى أن أهله على دينه.

стр. 559

نزلنا عن هذا كله، فالذين أسلموا وهاجروا قبل فتح مكة لم يفرِّق رسول الله ﷺ بينهم وبين نسائهم قطعًا مع اختلاف الدار قطعًا، ولو لم تكن الآثار متظافرةً بذلك لكان القياس يقتضي عدم التفريق باختلاف الدار، فإن المسلم لو دخل دار الحرب وأقام بها وامرأته مسلمةٌ، أو أقامت امرأة الحربي في دار الحرب، وخرج هو إلى دار الإسلام بأمانٍ لتجارةٍ أو رسالةٍ= فإن النكاح لا ينفسخ. فإن قلتم: الدار لم تختلف بهما هاهنا فعلًا وحكمًا، وإنما اختلفت فعلًا؛ لأن حكم المسلمة في دار الحرب حكمها في دار الإسلام، وكذلك حكم المسلم فعلًا. قيل لكم: إذا استوطنها كان من أهلها، ولهذا إذا قتله جيشُ المسلمين ولم يعلموا حاله لم تجب عليهم الدية؛ لأن الدار دار إباحةٍ، فلم يتعلق بالقتل وجوب الدية، ولو تعمّد قتل مسلم لم يجب عليه القود عندكم، ولكان الحربي إذا دخل إلينا مستأمنًا ثبت له حكم الدار، ولهذا من قتله وجبت عليه ديته، ولم يجز سبْيُه واسترقاقُه وأخذُ ماله. وأيضًا فالنكاح عقد من العقود، فلم ينفسخ باختلاف الدارين كالبيع وغيره. وأيضًا فإن المسلم لو دخل دار الحرب وتزوَّج حربيةً صحّ النكاح، ولو كان اختلاف الدارين يوجب فسخ النكاح لوجب أن لا يصح النكاح بينهما؛ لأن المسلم من أهل دار الإسلام وإن كان في دار الحرب، والحربية من أهل

стр. 560

دار الحرب، فالدار مختلفةٌ بينهما في الحقيقة. ولا يجوز أن يقال: إنهما مقيمان في دارٍ واحدةٍ فلم تختلف بهما؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بينه وبين امرأته التي في دار الإسلام؛ لأنه قد اختلفت بهما الدار، ولوجب إذا دخل الحربي دار الإسلام وله زوجةٌ في دار الحرب أن ينفسخ النكاح بينهما لاختلاف الدار، فلما لم ينفسخ عُلِم أن المسلم إذا كان في دار الإسلام فهو من أهل دار الإسلام، والحربي إذا كان في دار الإسلام فهو من أهل دار الحرب، ومع هذا النكاحُ لا ينفسخ، كذلك هاهنا. قالت الحنفية: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]، فالدلالة منها من وجوهٍ: أحدها: قوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وعندكم إذا خرج مسلمًا قبل أن تحيض ثلاث حيضٍ فهي حلٌّ له، وهو حلٌّ لها. الثاني: قوله: ﴿وَءَاتُوهُم مَّا أَنْفَقُوا﴾، ولو لم تقع الفرقة بينهما باختلاف الدارين لم تؤمر بردِّ المهر عليه. الثالث: قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾، فأباح نكاحهن على الإطلاق، وعندكم لا يباح نكاحها في الحال إذا كانت مدخولًا بها. الرابع: قوله: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾، وفي المنع من العقد عليها تمسُّكٌ بعصمة الكوافر. قال الجمهور: لا حجة لكم في شيء من ذلك، فإن قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ إنما هو في حال الكفر، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٌ فَلَا

стр. 561

تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفّارِ﴾، ثم قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. وأما قوله: ﴿وَءَاتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾، فقد تنازع الناس فيه، فقالت طائفةٌ: هذا منسوخٌ (١)، وإنما كان ذلك في الوقت الذي كان يجب فيه ردُّ المهر إلى الزوج الكافر إذا أسلمت امرأته، وهذا عندكم أيضًا منسوخٌ. وأما من لم يره منسوخًا فلم يجب عنده ردُّ المهر لاختلاف الدارين، بل لاختلاف الدين ورغبة المرأة عن التربُّص بإسلامه، فإنها إذا حاضت حيضةً ملكت نفسها، فإن شاءت تزوجت، وحينئذٍ تردُّ عليه مهره، وإن شاءت أقامت وانتظرت إسلامه. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾، فإنما ذلك بعد انقضاء عدتها، ورغبتها عن زوجها وعن التربص بإسلامه، كما قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمراد بعد انقضاء عدتها ورضاها. وأما قوله: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾، فهذا لا يدلُّ على وقوع الفرقة باختلاف الدار، وإنما يدلُّ على أن المسلم ممنوع من نكاح الكافرة المشركة، ونحن لا نقول ببقاء النكاح مع شركها، بل نقول: إنه موقوفٌ، فإن أسلمت في عدتها أو بعدها فهي امرأته. قالت الحنفية: زوجان اختلفت بهما الدار فعلًا وحكمًا، فوجب أن تقع

стр. 562

الفرقة بينهما، أصله الحربية إذا دخلت دار الإسلام بأمانٍ، ثم أسلمت قبل الدخول، وإذا سُبِي الزوج وأُخرج إلى دار الإسلام فإن الفرقة تقع، كذلك هاهنا. قال الجمهور: هذا منتقضٌ بما ذكرنا من انتقال المسلم إلى دار الحرب، ودخول الحربية إلى دار الإسلام، ودخول الحربي بأمانٍ لتجارةٍ أو رسالةٍ. وأما الحربية إذا دخلت دار الإسلام وأسلمت فالموجب للفرقة هناك اختلاف الدين دون اختلاف الدارين، ألا ترى أنه لو وجد ذلك في دارٍ واحدةٍ كان الحكم كذلك. وأما السِّباء فليست العلة في الفرقة فيه اختلاف الدارين، ولا طَريانُ الرق، لأنا نحكم بالفرقة قبل حصول المرأة في دارنا بظهور الإمام عليها، ولأنا لا نحكم بالفرقة بسبب طريان الرقّ عليهما. ولهذا لو سُبي الزوجان معًا فهما على نكاحهما. وإنما نحكم بالفرقة لأن الغالب أن السباء إذا وقع في أحد الزوجين فلا سبيلَ إلى معرفة بقاء الزوج أو هلاكه، فينزل المجهول المشكوك فيه كالمعدوم. قالوا: ولا يلزمنا هذا (١) إذا علمنا وجود الزوج في دار الحرب؛ لأنه نادرٌ، والغالب عدم العلم به. قالوا: ولهذا المعنى حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سَابِيه؛ لأنه لا سبيلَ

стр. 563

إلى معرفة أبويه غالبًا، فجعلناه كالمتحقق، وإن علمنا وجودهما حكمنا بإسلامه أيضًا لأنه نادرٌ. هذا جواب القاضي وأصحابه، وهو بناءً على أن الزوجين إذا سُبِيا معًا فهما على نكاحهما، وأن الفسخ لم يكن للاستيلاء على بُضْع المرأة ومِلكه، وهذا هو المشهور عن أحمد. والصحيح أن الفسخ لم يكن لهذه العلة، بل للاستيلاء على جميع ملك الرجل وحقوقه، وبُضْعُ زوجته من أملاكه، وقد استولى عليه وملَكَه السابي كما ملك رقبتَها، فلا معنى لبقاء العصمة في البضع وحده دون سائر أملاكه ودون سائر أجزاء المرأة ومنافعها. وعلى هذا فلا فرقَ بين أن تُسبى وحدها أو مع الزوج، وعلى هذا دلَّ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، نزلت في السبايا، فحرَّم الله نكاح المتزوجات إلا المَسْبيَّات إذا انقضت عدتهن. كذلك قال أبو سعيد (١). ولم يُفرِّق بين أن تُسبى وحدها أو مع زوجها، وبين أن يُعلم هلاك الزوج أو يُعلم بقاؤه أو يُشكّ فيه. ولو كانت العلة إنما هي الجهل ببقاء الزوج، وتنزيل المجهول كالمعدوم= لما انفسخ النكاح مع العلم بوجوده في دار الحرب. وقولهم: إن هذا نادرٌ، والحكم للغالب= قول (٢) في غاية الفساد، فإن الحكم إذا ثبت لعلةٍ زال بزوالها، وليس بقاء الزوج في دار الحرب نادرًا، ولو

стр. 564

كان نادرًا وهو معلومٌ كان بمنزلة المفقود في المَهْلَكة إذا عُلم بقاؤه، ومثل هذا لا يقال فيه: نادرٌ، ونكاح الأول قائمٌ، ووجود الزوج مقطوعٌ به، هذا في غاية الفساد. والصواب الذي دلَّ عليه القرآن وسيرةُ النبي ﷺ في السبايا والقياسُ: أن النكاح ينفسخ بسباء المرأة مطلقًا، فإنها قد صارت مِلكًا للسابي، وزالت العصمة عن ملك الزوج لها، كما زالت عن ملكه لرقبتها ومنافعها. وهذا اختيار أبي الخطاب وشيخنا (١)، وهو مذهب الشافعي. وأما قولهم: إنا إنما حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سَابِيه؛ لأنه لا سبيلَ إلى معرفة أبويه غالبًا، فجعلناه كالمحقَّق، وإن علمنا وجودهما حكمنا بإسلامه أيضًا؛ لأنه نادرٌ= فالصحيح خلاف هذا القول، وأنه يُحكم بإسلامه تبعًا لسابيه، ولو كان مع الأبوين أو أحدهما، فهذا أنصُّ (٢) الروايتين عن أحمد، وهو مذهب الأوزاعي وأهل الشام (٣)، فإن السابي له أحقُّ به من أبويه، وقد انقطعت تبعيته للأبوين بسباء المسلم له، وهو مولودٌ على الفطرة، وإنما جعلناه على دين أبويه تبعًا لهما، فإذا زالت التبعية صار مالكه أولى به، وصار تابعًا له. قالت الحنفية: فإن اختلاف الدارين يؤثِّر في قطع العصمة، ألا ترى أن

стр. 565

ذميًّا لو مات في دار الإسلام وخلف مالًا وله ورثةٌ من أهل الحرب في دار الحرب لم يستحقوا من إرثه شيئًا، وجُعل ماله في بيت المال لاختلاف الدارين، ولو كان ورثته ذميين في دار الإسلام لكانوا هم أحقَّ بتركته من جماعة المسلمين، لأنه لم يختلف به وبهم الدار. وكذلك لو سُبي من أهل الحرب دون أبويه فمات صُلِّي عليه، لأنه اختلف به وبأبويه الدار، فانقطعت العصمة بينه وبينهما، فصار مسلمًا بالدار كاللقيط، ولو سُبي مع أبويه أو أحدهما فمات لم يُصلَّ عليه، لأنه لم يختلف به وبهما أو بأحدهما الدارُ. قال الآخرون: انقطاع الإرث بينهما لم يرجع إلى اختلاف الدارين، لكن رجع إلى قطع الموالاة والنصرة، ولهذا لو كان ذميًّا في دار [الإسلام] (١) فدخل قريبه الحربي مستأمنًا ليقيم مدةً ويرجع إلى دار الحرب لم يتوارثا، وإن كانت الدار واحدةً. وكذلك إذا سُبي الصبي دون أبويه ومات فإنه يصلَّى عليه، وإن كان موته في دار الحرب، لأنا نحكم بإسلامه بإسلام سَابِيه. وعلى أنا لا نسلِّم انقطاع التوارث بينهما، فإن يعقوب بن بختان سأل أحمد عن رجل من أهل الذمة دخل بأمانٍ فقتله رجل من المسلمين، فقال: يُبعث بديته إلى أهل بلاده (٢). فقد نصَّ على أن ديته يُنفذ بها إلى بلاده، وإنما أراد بذلك إلى
следующие страницы →