تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفّارِ﴾، ثم قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.
وأما قوله: ﴿وَءَاتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾، فقد تنازع الناس فيه، فقالت طائفةٌ: هذا منسوخٌ (١)، وإنما كان ذلك في الوقت الذي كان يجب فيه ردُّ المهر إلى الزوج الكافر إذا أسلمت امرأته، وهذا عندكم أيضًا منسوخٌ.
وأما من لم يره منسوخًا فلم يجب عنده ردُّ المهر لاختلاف الدارين، بل لاختلاف الدين ورغبة المرأة عن التربُّص بإسلامه، فإنها إذا حاضت حيضةً ملكت نفسها، فإن شاءت تزوجت، وحينئذٍ تردُّ عليه مهره، وإن شاءت أقامت وانتظرت إسلامه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾، فإنما ذلك بعد انقضاء عدتها، ورغبتها عن زوجها وعن التربص بإسلامه، كما قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمراد بعد انقضاء عدتها ورضاها.
وأما قوله: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾، فهذا لا يدلُّ على وقوع الفرقة باختلاف الدار، وإنما يدلُّ على أن المسلم ممنوع من نكاح الكافرة المشركة، ونحن لا نقول ببقاء النكاح مع شركها، بل نقول: إنه موقوفٌ، فإن أسلمت في عدتها أو بعدها فهي امرأته.
قالت الحنفية: زوجان اختلفت بهما الدار فعلًا وحكمًا، فوجب أن تقع
стр. 562
الفرقة بينهما، أصله الحربية إذا دخلت دار الإسلام بأمانٍ، ثم أسلمت قبل الدخول، وإذا سُبِي الزوج وأُخرج إلى دار الإسلام فإن الفرقة تقع، كذلك هاهنا.
قال الجمهور: هذا منتقضٌ بما ذكرنا من انتقال المسلم إلى دار الحرب، ودخول الحربية إلى دار الإسلام، ودخول الحربي بأمانٍ لتجارةٍ أو رسالةٍ.
وأما الحربية إذا دخلت دار الإسلام وأسلمت فالموجب للفرقة هناك اختلاف الدين دون اختلاف الدارين، ألا ترى أنه لو وجد ذلك في دارٍ واحدةٍ كان الحكم كذلك.
وأما السِّباء فليست العلة في الفرقة فيه اختلاف الدارين، ولا طَريانُ الرق، لأنا نحكم بالفرقة قبل حصول المرأة في دارنا بظهور الإمام عليها، ولأنا لا نحكم بالفرقة بسبب طريان الرقّ عليهما. ولهذا لو سُبي الزوجان معًا فهما على نكاحهما. وإنما نحكم بالفرقة لأن الغالب أن السباء إذا وقع في أحد الزوجين فلا سبيلَ إلى معرفة بقاء الزوج أو هلاكه، فينزل المجهول المشكوك فيه كالمعدوم.
قالوا: ولا يلزمنا هذا (١) إذا علمنا وجود الزوج في دار الحرب؛ لأنه نادرٌ، والغالب عدم العلم به.
قالوا: ولهذا المعنى حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سَابِيه؛ لأنه لا سبيلَ
стр. 563
إلى معرفة أبويه غالبًا، فجعلناه كالمتحقق، وإن علمنا وجودهما حكمنا بإسلامه أيضًا لأنه نادرٌ. هذا جواب القاضي وأصحابه، وهو بناءً على أن الزوجين إذا سُبِيا معًا فهما على نكاحهما، وأن الفسخ لم يكن للاستيلاء على بُضْع المرأة ومِلكه، وهذا هو المشهور عن أحمد.
والصحيح أن الفسخ لم يكن لهذه العلة، بل للاستيلاء على جميع ملك الرجل وحقوقه، وبُضْعُ زوجته من أملاكه، وقد استولى عليه وملَكَه السابي كما ملك رقبتَها، فلا معنى لبقاء العصمة في البضع وحده دون سائر أملاكه ودون سائر أجزاء المرأة ومنافعها. وعلى هذا فلا فرقَ بين أن تُسبى وحدها أو مع الزوج، وعلى هذا دلَّ القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، نزلت في السبايا، فحرَّم الله نكاح المتزوجات إلا المَسْبيَّات إذا انقضت عدتهن. كذلك قال أبو سعيد (١). ولم يُفرِّق بين أن تُسبى وحدها أو مع زوجها، وبين أن يُعلم هلاك الزوج أو يُعلم بقاؤه أو يُشكّ فيه. ولو كانت العلة إنما هي الجهل ببقاء الزوج، وتنزيل المجهول كالمعدوم= لما انفسخ النكاح مع العلم بوجوده في دار الحرب.
وقولهم: إن هذا نادرٌ، والحكم للغالب= قول (٢) في غاية الفساد، فإن الحكم إذا ثبت لعلةٍ زال بزوالها، وليس بقاء الزوج في دار الحرب نادرًا، ولو
стр. 564
كان نادرًا وهو معلومٌ كان بمنزلة المفقود في المَهْلَكة إذا عُلم بقاؤه، ومثل هذا لا يقال فيه: نادرٌ، ونكاح الأول قائمٌ، ووجود الزوج مقطوعٌ به، هذا في غاية الفساد.
والصواب الذي دلَّ عليه القرآن وسيرةُ النبي ﷺ في السبايا والقياسُ: أن النكاح ينفسخ بسباء المرأة مطلقًا، فإنها قد صارت مِلكًا للسابي، وزالت العصمة عن ملك الزوج لها، كما زالت عن ملكه لرقبتها ومنافعها. وهذا اختيار أبي الخطاب وشيخنا (١)، وهو مذهب الشافعي.
وأما قولهم: إنا إنما حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سَابِيه؛ لأنه لا سبيلَ إلى معرفة أبويه غالبًا، فجعلناه كالمحقَّق، وإن علمنا وجودهما حكمنا بإسلامه أيضًا؛ لأنه نادرٌ= فالصحيح خلاف هذا القول، وأنه يُحكم بإسلامه تبعًا لسابيه، ولو كان مع الأبوين أو أحدهما، فهذا أنصُّ (٢) الروايتين عن أحمد، وهو مذهب الأوزاعي وأهل الشام (٣)، فإن السابي له أحقُّ به من أبويه، وقد انقطعت تبعيته للأبوين بسباء المسلم له، وهو مولودٌ على الفطرة، وإنما جعلناه على دين أبويه تبعًا لهما، فإذا زالت التبعية صار مالكه أولى به، وصار تابعًا له.
قالت الحنفية: فإن اختلاف الدارين يؤثِّر في قطع العصمة، ألا ترى أن
стр. 565
ذميًّا لو مات في دار الإسلام وخلف مالًا وله ورثةٌ من أهل الحرب في دار الحرب لم يستحقوا من إرثه شيئًا، وجُعل ماله في بيت المال لاختلاف الدارين، ولو كان ورثته ذميين في دار الإسلام لكانوا هم أحقَّ بتركته من جماعة المسلمين، لأنه لم يختلف به وبهم الدار. وكذلك لو سُبي من أهل الحرب دون أبويه فمات صُلِّي عليه، لأنه اختلف به وبأبويه الدار، فانقطعت العصمة بينه وبينهما، فصار مسلمًا بالدار كاللقيط، ولو سُبي مع أبويه أو أحدهما فمات لم يُصلَّ عليه، لأنه لم يختلف به وبهما أو بأحدهما الدارُ.
قال الآخرون: انقطاع الإرث بينهما لم يرجع إلى اختلاف الدارين، لكن رجع إلى قطع الموالاة والنصرة، ولهذا لو كان ذميًّا في دار [الإسلام] (١) فدخل قريبه الحربي مستأمنًا ليقيم مدةً ويرجع إلى دار الحرب لم يتوارثا، وإن كانت الدار واحدةً.
وكذلك إذا سُبي الصبي دون أبويه ومات فإنه يصلَّى عليه، وإن كان موته في دار الحرب، لأنا نحكم بإسلامه بإسلام سَابِيه. وعلى أنا لا نسلِّم انقطاع التوارث بينهما، فإن يعقوب بن بختان سأل أحمد عن رجل من أهل الذمة دخل بأمانٍ فقتله رجل من المسلمين، فقال: يُبعث بديته إلى أهل بلاده (٢). فقد نصَّ على أن ديته يُنفذ بها إلى بلاده، وإنما أراد بذلك إلى
стр. 566
ورثته؛ لأنه لو لم يكن له ورثةٌ كانت ديته في بيت المال. وقد نصَّ على ذلك في رواية أبي طالب (١) في النصراني إذا مات وليس له وارثٌ، جُعل ماله في بيت مال المسلمين.
والوجه فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩١]، وهذا عامٌّ في الذمي والمسلم، وعامٌّ فيه إذا كان أهله في دار الإسلام أو دار الحرب. ولأنهما قد اتفقا في الدين، فجاز أن يتوارثا كما لو كانا في دارٍ واحدةٍ، ولأنهما لو اجتمعا في دارٍ توارثا، فيجب أن يتوارثا وإن اختلفت بهما الدار، دليله المستأمن.
يبيِّن صحة هذا: أن أحكام المستأمن والحربي مختلفةٌ؛ لأن المستأمن يحرم قتلُه، وتُضمَن نفسه، ويُقطع بسرقة ماله، والحربي بخلافه؛ ولأن اختلاف الدارين لا يوجب انقطاع العصمة، بدليل أنه لا يوجب فسخ الأنكحة.
وقولهم: إن الميراث يثبت بالموالاة والنصرة، واختلاف الدارين يمنع من ذلك= لا يصح كما لم يصح إذا اختلفت الداران بالمسلمين، ولأن هذا يبطل باليهود والنصارى، فإنهم لا يتناصرون، ويتوارثون عند المنازع لنا وعندنا على إحدى الروايتين، ولا يتوارثون على الرواية الأخرى، لا لهذه العلة لكن لاختلاف الدين، فإن دينهم مختلفٌ، ولأن الصبي والمجنون والنساء يرثون (٢)، ولا نصرة فيهم، ولهذا لما كان العقل طريقه النصرة لم
стр. 567
يكن لهم مدخلٌ فيه.
فصل
ومن فروع هذه المسألة أنه قبل الاختيار هنَّ على النكاح في حكم الإنفاق، فعليه نفقة الجميع إلى أن يختار، لأنهن محبوساتٌ عليه وإن لم يكن النكاح صحيحًا لازمًا بعد الإسلام، ولأنهن في حكم الزوجات، ولهذا أيتهنّ اختارها كانت زوجةً من غير تجديد عقدٍ (١).
فصل
ولو زوَّج الكافرُ ابنَه الصغير أكثرَ من أربع نسوةٍ، ثم أسلم الزوج والزوجات= لم يكن له الاختيار قبل بلوغه، فإنه لا حكم لقوله ، وليس لأبيه الاختيار، لأن ذلك حقٌّ يتعلق بالشهوة، فلا يقوم غيره مقامه فيه، وتُحبَس عليه الزوجات إلى أن يبلغ، فيختار حينئذٍ، وعليه نفقتهن إلى أن يختار.
هكذا قال أصحابنا (٢) والشافعية (٣). وهو في غاية الإشكال، فإنه ليس في الإسلام مسلم تحته عشر نسوةٍ مسلماتٍ يبقى نكاحهن مدة سنين، وفي ذلك إضرارٌ بالزوجات في هذه المدة بحيث تبقى المرأة ممنوعةً من الزوج مدة سنين، محبوسةً على صبي لا تدري أيختارها أم يفارقها، وفي ذلك
стр. 568
إضرارٌ عظيمٌ بها، وهو منتفٍ شرعًا. وقياسُ المذهب أن يختار عنه وليُّه كما لو كان مجنونًا.
فإن قلتم: والحكم في المجنون كذلك، فهو في غاية الفساد، إذ تبقى المرأة ما شاء الله من السنين محبوسةً عليه.
وإن فرَّقتم بأن البلوغ له حدٌّ ينتهي الصبي إليه، فلا يشقُّ انتظاره بخلاف الجنون.
قيل أولًا: لا بدَّ لهذا الفرق من شاهدٍ بالاعتبار.
وقيل ثانيًا: لا ريبَ أنه يشقُّ على المرأة الانتظارُ بضعَ عشرةَ سنةً لا يُدرى أيعيش الزوج حتى يصل إليها، أم يموت قبل ذلك.
وقيل ثالثًا: والجنون قد يزول عن قربٍ أو بعدٍ، وإن لم يكن لزواله أمدٌ شرعي، وقد صرَّح الأصحاب بأنه إذا جُنَّ انتظر به عود عقله، ثم يختار.
والصواب أن الولي يقوم مقامه في الموضعين.
فصل
والاختيار واجبٌ على الفور؛ لأن النبي ﷺ أمر به، والأمر المطلق على الفور، ولا سيما إذا تضمَّن التأخير إمساكَ المسلم أكثر من أربع، وهذا لا يجوز، فإن أبى الاختيار أُجبِر عليه بالحبس والضرب؛ لأنه حقٌّ عليه، وهو قادرٌ على الإتيان به، فأُجبِر عليه كإيفاء الدين (١).
стр. 569
قال الشيخ في "الكافي" (١): وهكذا كلُّ من عليه حقٌّ إذا امتنع من أدائه.
قال القاضي في "الجامع" (٢): فإن لم يختر حبسه، ويكون الحبس ضربًا من التعزير، فإن لم يختر ضربه وعزَّره، ويفعل ذلك ثانيًا وثالثًا حتى يختار؛ لأن هذا حقٌّ تعيَّن عليه، ولا يقوم غيره مقامه، فوجب حبسه وتعزيره حتى يفعله.
وهكذا إذا كان على رجل دينٌ، وله مالٌ فائضٌ لا يعرف بمكانه (٣)، وامتنع من قضاء دينه، فإن الحاكم يحبسه ويضربه.
فصل
فإذا اختار أربعًا فهل يكون اختياره لهن فراقًا لسائرهن أم لا يَبِنَّ منه حتى يفارقهن بفعله؟ فصرَّح الشيخ في "المحرر" (٤)، وصاحب "المغني" (٥) أنهن يَبِنَّ منه بنفس الاختيار، ووقع في كلام بعض الأصحاب (٦) أنه يجب عليه أن يفارق غير المختارات. وهذه العبارة تُوهِم أنهن لا يَبِنَّ حتى ينشئ لهن فراقًا.
стр. 570
وحكاه الخطابي (١) عن بعض أهل العلم قال: وحديث فَيروزٍ الديلمي حجةٌ لمن قال ذلك، يعني قوله: "وفارق سائرهن"، ولو بِنَّ منه بنفس الاختيار لم يأمره بتحصيل الحاصل، وهذا مذهب مالك. والمسألة محتملةٌ.
فصل
فإن مات قبل الاختيار، فقال القاضي: قياس المذهب يقتضي أنه يجب على جماعتهن عدة الوفاة؛ لأن أكثر ما فيه أنه ممنوع من استدامة نكاحِ ما زاد على أربع، وهذا لا يمنع من عدة الوفاة، كالنكاح الفاسد إذا اتصل به الموت وجب فيه عدة الوفاة، نص عليه. وهذا أولى، لأنا نحكم بصحة العقد في الجميع.
وتبعه الشيخ في "المقنع" (٢)، وقال في "الكافي" و"المغني" (٣): والأولى أن من كانت منهن حاملًا فعدتها بوضعه؛ لأن ذلك تنقضي به العدة في كل حالٍ. ومن كانت آيسةً أو صغيرةً فعدتها عدة الوفاة لأنها أطول العدتين في حقها. ومن كانت من ذوات الأقراء اعتدَّتْ أطولَ الأجلين من ثلاثة قروءٍ أو أربعة أشهرٍ وعشرٍ (٤)، لتنقضي العدة بيقينٍ، ولأن كلَّ واحدةٍ منهن يحتمل أن
стр. 571
تكون مختارةً أو مفارقةً، وعدة المختارة عدة الوفاة، وعدة المفارقة ثلاثة قروءٍ، فأوجبنا أطولَهما لتنقضي العدة بيقينٍ، كما قلنا فيمن نسي صلاةً من يومٍ لا يعلم عينَها: عليه خمس صلواتٍ، وهذا مذهب الشافعي.
ولو قيل: إن من كانت منهن حاملًا اعتدت بالوضع، ومن كانت حائلًا فعدتها عدة الوفاة بكل حالٍ= لكان قويًّا؛ لأن وضع الحمل يأتي على جميع العدة، فلا عدة بعده. وأما الحائل فلأن النكاح قبل الاختيار في حكم الثابت، بدليل أن من اختارها منهن فهي زوجةٌ من غير تجديد عقدٍ، ومن طلقها نفذ طلاقه، وغايته أنه نكاحٌ غير مستقرٍّ، وهو آئلٌ إلى الفسخ في حق بعضهن، ولم تتعيَّن المفسوخُ نكاحها، والأصل في كل واحدةٍ منهن بقاء النكاح، وهذا أولى إن شاء الله تعالى.
فصل
فأما ميراثهن، فقال القاضي: فيهن أربع يستحققن الميراث، وأربع لا يستحققنه، فينظر؛ فإن اصطلحوا على أن يكون ذلك بينهن على السواء أو على التفاضل أو يكون لبعضهن= جاز، وإن تشاحّوا فقياس المذهب أنه يُقرَع بينهن، فإذا وقعت القرعة لأربع منهن كان الميراث بينهن بالسوية (١).
قال: وأصل هذا ما نصَّ عليه أحمد في من طلق واحدةً من نسائه لا بعينها، أو بعينها لكنه أُنسِيها، فإنه يُقرَع بينهن، وتخرج بالقرعة، فإن مات قبل
стр. 572
ذلك أقرع الورثة، وكان الميراث للبواقي منهن (١). ومذهب الشافعي أن الميراث يُوقَف حتى يصطلحن عليه.
فصل
وأما المهر فيُنظر، فإن كان بعد الدخول فالمهر واجبٌ لكل واحدةٍ منهن لأجل الدخول، وكذلك إن كان قد دخل ببعضهن كان لها المهر، وإن مات قبل الدخول نظر في السابق منهما إلى الإسلام، فإن كان الزوج وجب عليه نصف المهر لأربعٍ منهن كما أوجبنا الميراث لأربع منهن، وإن كان السابق الزوجات فلا مهر لواحدةٍ منهن؛ لأن الفرقة جاءت من جهتهن قبل الدخول.
فصل
فإن طلَّق الجميع، فقال أصحابنا: يخرج منهن أربع بالقرعة، فيكُنَّ المختارات، ويقع الطلاق بهن وينفسخ نكاح البواقي، وله تجديد العقد عليهن. فإن كان الطلاق ثلاثًا فمتى انقضت عدتهن فله أن ينكح من الباقيات، لأنهن لم يطلقن منه، ولا يحلُّ له المطلقات إلا بعد زوجٍ وإصابةٍ (٢).
قلت: وهذا بناءً على أن الطلاق يكون اختيارًا (٣) للمطلقات، فيكُنَّ هن الزوجات ومن عداهن أجنبيات، وعلى أنه إذا كان تحته أربع فطلقهن لم
стр. 573
يحلَّ له نكاح خامسةٍ حتى تنقضي عدة واحدةٍ منهن.
وعندي ينفذ الطلاق في الجميع، لأنهن في حكم الزوجات قبل الاختيار، وكل واحدةٍ منهن صالحةٌ للإبقاء من غير تجديد عقدٍ. وكون النكاح [فاسدًا] (١) لا في الجميع، وآئلًا إلى الفسخ فيما زاد على الأربع= لا يمنع وقوع الطلاق، فإن الطلاق عندنا يقع في النكاح الفاسد الذي لا سبيل إلى الاستمرار به، وهنا له سبيلٌ إلى الاستمرار بكل واحدةٍ على انفرادها، ومع ثلاثٍ أخر.
فصل (٢)
فلو أسلم، ثم طلق الجميع قبل إسلامهن، ثم أسلمن (٣) في العدة= أُمِر أن يختار أربعًا منهن، فإذا اختارهن تبينَّا أن طلاقه وقع بهن لأنهن زوجاتٌ، ويعتددن من حين طلاقه، وبانَ البواقي باختياره لغيرهن، ولا يقع بهن طلاقه، وله نكاح أربعٍ منهن إذا انقضت عدة المطلَّقات؛ لأن هؤلاء غير مطلقاتٍ.
والفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها: أن طلاقهن قبل إسلامهن في زمنٍ ليس له الاختيار فيه، فإذا أسلمن تجدَّد له الاختيار حينئذٍ، وفي التي قبلها طلَّقهن وله الاختيار، والطلاق يصلُح اختيارًا، وقد أوقعه في الجميع، وليس بعضهن أولى من بعضٍ، فصرنا إلى القُرعة لتساوي الحقوق.
стр. 574
فصل (١)
وإذا اختار منهن أربعًا وفارق البواقيَ، فهل العدة من حين الاختيار أم من حين الإسلام؟ فيه وجهان:
أشهرهما: أنها من حين الاختيار، لأنهن إنما بِنَّ منه بالاختيار.
ووجه الوجه الثاني: أنهن يَبِنَّ منه بالإسلام، وإنما يتبين ذلك بالاختيار، فيثبت حكم البينونة من حين الإسلام، كما إذا أسلم أحد الزوجين ولم يُسلم الآخر حتى انقضت عدتها، فإنها تَبِين بانقضاء عدتها من حين الإسلام، وفرقتهن فسخٌ لا طلاقٌ.
وأما عدتهن، فقال أصحابنا: كعدة المطلَّقات ثلاثة قروءٍ؛ لأن عدة من انفسخ نكاحها كذلك.
وقال شيخنا (٢): عدتهن حيضةٌ واحدةٌ، وكذلك عدة المختلعة وسائرِ من فسخ نكاحها، لأن العدة إنما جُعلت ثلاثة قروءٍ لتمكُّنِ الزوج من الرجعة فيها، وأما الفسوخ ــ كالخلع وغيره ــ فالمقصود منها براءة الرحم، فيكتفى فيها بحيضةٍ.
قال: وبذلك أفتى النبي ﷺ المختلعة (٣).
стр. 575
قال: وهو مذهب ابن عباس، ولا يُعرف له مخالفٌ من الصحابة (١).
قلت له: فما تقول في المطلقة تمام الثلاث؟ فقال: الطلقة الثالثة من جنس الطلقتين اللتين قبلها، فكان حكمها حكمهما، هذا إن كان في المسألة إجماعٌ. انتهى.
وإن ماتت إحدى المختارات أو بانت منه وانقضت عدتها، فله أن ينكح واحدةً من المفارقات، وتكون عنده (٢) على طلاق ثلاثٍ؛ لأنه لم يطلقها قبل ذلك.
فصل (٣)
وإذا أسلم وتحته ثمان نسوةٍ، فأسلم أربعٌ منهن، فله اختيارهن، وله الوقوف إلى أن يُسلم البواقي. فإن مات اللاتي أسلمن ثم أسلم الباقياتُ فله اختيار الميِّتات، وله اختيار الباقيات، وله اختيار بعض هؤلاء وبعض هؤلاء؛ لأن الاختيار ليس بعقدٍ، وإنما هو تصحيح للعقد الأول في المختارات،
стр. 576
والاعتبار في الاختيار بحال ثبوته وصحته، لا بحال وقوعه، وحالَ ثبوته كنَّ أحياءً.
وإن أسلمت واحدةٌ منهن، فقال: اخترتُها جاز، فإذا اختار أربعًا على هذا الوجه انفسخ نكاح البواقي. وإن قال: اخترتُ فسخَ نكاحها لم يصح، لأن الفسخ إنما يكون فيما زاد على الأربع، والاختيار للأربع، إلا أن يريد بالفسخ الطلاق فيقع لأنه كنايةٌ، ويكون طلاقه لها اختيارًا لها، ذكره أصحابنا (١).
والصحيح أنه يصح، فإنه ما منهن واحدةٌ إلا وله أن يختارها ويختار مفارقتها، فإذا قال: فسختُ نكاح هذه فهو اختيارٌ لفراقها، وله أن يفارقها وحدها، ويفارقها (٢) مع جملتهن، ويفارقها مع الزائدات على النصاب. فإذا قال: اخترت فسخ نكاحها، فكأنه قال: هذه من المفارقات، وهو لو اختار أربعًا سواها ولم يصرِّح بفسخ نكاحها (٣) انفسخ نكاحها، فكيف إذا صرَّح به؟!
فإن قيل: هي زوجةٌ، والرجل لا يستقلُّ بفسخ النكاح في غير المعيَّنة.
قيل: وإن كانت زوجةً، لكنه يخيَّر (٤) في إبقائها ومفارقتها، فإذا عجَّل مفارقتها كان اختيارًا منه لأحد الأمرين.
стр. 577
وقولهم: إن الفسخ إنما يكون فيما زاد على الأربع، قلنا: إن أردتم الانفساخ فصحيح، فإنه إذا اختار أربعًا انفسخ نكاح الزائد عليهن، وإن أردتم أن إنشاء الفسخ بالاختيار لا يكون إلا فيما زاد على الأربع فليس كذلك، فإن له أن يفارق الجميع بغير طلاقٍ، بل متى قال: فارقتُ الجميع أو سيَّبتُهن أو فسختُ نكاحهن= بِنَّ منه، كما لو قال: طلَّقتُهن.
فصل (١)
وإذا أسلم قبلهن ولم يُسلمن حتى انقضت عدتهن تبينَّا أنهنَّ بِنَّ منه منذ اختلف الدينان، فإن كان قد طلَّقهن قبل انقضاء عدتهن تبينَّا أن طلاقه لم يقع بهن، وله نكاح أربعٍ منهن إذا أسلمن. فإن كان قد وطئهن في العدة تبينَّا أنه وطئ أجنبياتٍ. وكذلك إن آلى منهن أو ظاهَرَ تبينَّا أن ذلك وقع في أجنبيةٍ. فإن أسلم بعضهن في العدة تبينَّا أنها زوجةٌ، فيقع طلاقه بها، فإذا وطئها بعد ذلك كان قد وطئ مطلقته. وإن كانت المطلَّقةُ غيرها فوطؤُه لها وطءٌ لامرأته. وإن طلّق الجميع، فأسلم أربعٌ منهن أو أقلُّ في عدتهن، ولم يسلم البواقي= تعيَّنت الزوجية في المسلمات، ووقع الطلاق بهن، فإذا أسلم البواقي فله أن يتزوَّج منهن، لأنه لم يقع طلاقه بهن.
قلت: هذا مبنيٌّ على أن الطلاق اختيارٌ، وقد علمتَ ما فيه، وعلى أن البينونة إذا انقضت العدة تكون من حين الإسلام لا من حين الاختيار.
ويحتمل أن يقال: إن البينونة إنما تقع من حين الاختيار؛ لأن كل واحدةٍ
стр. 578
منهن قبل الاختيار في حكم الزوجة، ولهذا له اختيارها وعليه نفقتها، وإنما عُلِم خروجها عن زوجيته باختيار غيرها، فكان اختيار غيرها فراقًا لها، فتكون البينونة من حين ثبتت مفارقتها، وقد صرَّح الأصحاب بأنه إذا اختار منهن أربعًا وفارق البواقي فعدتهن من حين الاختيار، لا من حين إسلامه.
فصل (١)
وإن اختار أربعًا وفارق البواقي، فماتت إحدى المختارات، أو بانت منه وانقضتْ عدتها، فله أن ينكح من المفارقات تمام أربع، وتكون عنده على طلاق ثلاثٍ، لأنه (٢) لم يطلقها قبل ذلك.
وإن اختار أقلَّ من أربع، بأن اختار واحدةً من ثمانٍ، أو اختار ترْكَ الجميع، فقال في "المغني" (٣): أُمر بطلاقِ أربعٍ أو تمامِ أربع، يعني: أُمر بطلاق أربعٍ فيما إذا اختار ترك الثمان، أو بتمام أربعٍ فيما إذا اختار واحدةً وترك السبع. قال: لأن الأربع زوجاتٍ لا يَبِنَّ منه إلا بطلاقٍ أو ما يقوم مقامه.
قلت: اختياره ترْكَ الجميع أو الأكثرِ كافٍ في فسخ نكاحهن، فلأيِّ شيء يؤمر بطلاقِ أربعٍ في إحدى الصورتين، وتمامِ أربعٍ في الصورة الثانية؟
قوله: لأن الأربع زوجاتٍ لا يَبِنَّ منه إلا بطلاقٍ أو ما يقوم مقامه، فلا ريبَ أن اختياره ترْكَهن قائمٌ مقام الطلاق في إحدى الصورتين، فإنه إذا قال:
стр. 579
اخترتُ ترْكَهن كان بمنزلة قوله: اخترتُ فراقهن، وهذا كافٍ في مفارقتهن، واختيارُه بعضهن فسخٌ لنكاح من عدا المختارات، فإن قوله: اخترت هذه هو اختيارٌ لها ومفارقةٌ لمن عداها، كما لو قال: اخترتُ هؤلاء الأربع فإنه لا يلزمه أن يطلق الأربع البواقي، بل بمجرد اختياره للأربع تَبِينُ منه البواقي.
فإن قيل: الفرق بين الصورتين أنه إذا اختار أربعًا كنّ هنّ الزوجات، فانفسخ نكاح من سواهن لزيادتهن على النصاب، فلا يحتاج أن يطلِّقهن، ولا ينشئ ما يقوم مقام طلاقهن، بخلاف ما إذا اختار واحدةً من ثمانٍ فإنه لا يكون اختيارها فراقًا لمن عداها، فلهذا أمرناه بطلاقِ أربعٍ أو تمامِ أربعٍ.
قيل: هذا لا يصحُّ أولًا لأنه قد يريد فراق الجميع أو مَن عدا المختارة، فكيف يؤمر بطلاق أربعٍ وهو مريدٌ لفراق الثمان؟ هذا لا معنى له.
وقوله: اخترتُ تركَهن ومفارقتهن ونحو ذلك قائمٌ مقام الطلاق، وكافٍ في فسخ نكاحهن.
وأيضًا فإن قوله: اخترتُ هذه جعل إبقاءً لنكاح المختارة، وفسخًا لنكاح من عداها، كما لو قال: اخترتُ هؤلاء الأربع.
فصل
فإن قال: كلَّما أسلمت واحدةٌ اخترتُها، فقال الأصحاب (١): لا يصح، لأن الاختيار لا يصح تعليقه على الشرط، ولا يصح في غير معيَّنٍ.
стр. 580
ويحتمل (١) أن يصح، ولا يمتنع تعليق الاختيار على الشرط، كما يصح تعليق الجعالة والولاية والوكالة والعتق والطلاق، وكذلك يصح أيضًا تعليق الرجعة بالشرط، وإن قال كثيرٌ من أصحابنا وغيرهم: لا يصح. والأصل في الشروط الصحة، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا.
وكذلك الهبة يجوز تعليقها بالشرط، كما ثبت ذلك في قوله ﷺ : "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك" (٢).
وكذلك هبة الثواب يجوز تعليقها بالشرط، نحو: اللهم إن كنتَ قَبِلتَ منّي هذا العمل فاجعلْ ثوابه لفلانٍ.
وكذلك الدعاء في صلاة الجنازة يجوز تعليقه بالشرط، نحو: اللهم إن كان محسنًا فزِدْ في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوزْ عنه (٣).
وكذلك الإبراء يجوز تعليقه بالشرط، وقد نصَّ عليه أحمد. والعجب
стр. 581
ممن منع تعليقه، وهو إسقاطٌ محضٌ، فهو كالطلاق والعتق.
وكذلك الفسوخ كلها يجوز تعليقها بالشرط.
وقد صح عنه ﷺ : "أميركم زيدٌ، فإن قُتِل فجعفرٌ، فإن قُتِل فعبد الله بن رواحة" (١).
وفي "سنن أبي داود" (٢) من حديث طارق بن المُرَقَّع أنه قال: من يعطي رمحًا بثوابه؟ فقال له رجلٌ: وما ثوابه؟ قال: أزوِّجه أولَ بنتٍ تكون لي. فلما ولدت طلبها منه بعد كبرِها، فحلف أن لا يعطيها إياه إلا بصداقٍ آخر، وحلف الزوج أن لا يُصدِقها غير ذلك، فقال النبي ﷺ : " [أرى] أن تتركها" (٣)، ثم قال: "لا تأثم ولا يأثم صاحبك". ولم ينكر عليه الشرط ولم يقل له: لا نكاحَ بينكما.
وقد نصَّ أحمد وقبله ابن عباس على جواز تعليق النكاح بالشرط، وهذا هو الصحيح.
стр. 582
فقال الأثرم (١): سألت أبا عبد الله عن الرجل تزوَّج المرأة على أنه إن جاءها بالمهر إلى كذا وكذا، وإلا فلا نكاح بيننا. فقال: لا أدري، فقيل له: حديث ابن عباس: النكاح ثابتٌ والشرط فاسدٌ؟ قال: نعم.
ونقل عنه ابن منصورٍ (٢): إذا قال: إن جئت بالمهر إلى كذا وكذا، وإلا فليس بيننا نكاحٌ، فالنكاح والشرط جائزان.
وهذا هو الذي تقتضيه أصوله وقواعد مذهبه، ومَن ضعَّف هذه الرواية لم يضعِّفها بما يقتضي تضعيفها. وغاية ما قالوا: أن النكاح مما لا يدخله الخيار، فشرطه فيه يفسده كالصرف والسلم.
فيقال: نَقْنَع منكم بسؤال المطالبة، وهو تأثير الوصف في الأصل وثبوته في الفرع، ثم نتبرع بالفرق بأن السلم والصرف يجب تسليم العوض فيه في مجلس العقد بخلاف النكاح.
قالوا: الخيار ينفي الإباحة في وقتٍ يقتضي إطلاق العقد ثبوته، فصار كما لو تزوَّجها شهرًا.
وحقيقة هذا القياس التسويةُ بين العقد المطلق والمقيَّد، وهذا منتقضٌ بسائر الشروط التي تثبت في العقد المقيَّد دون المطلق. ثم يقال: كون العقد المطلق لا يقتضي ثبوتها لا يقتضي أن العقد المقيّد لا يقتضي ثبوتها، بل
стр. 583
مقتضى العقد المقيَّد ما قيِّد به، فهذا إذن مقتضى هذا العقد، وإن لم يكن مقتضى العقد المطلق.
قالوا: فقد قال أحمد في رواية حنبلٍ (١): المتعة حرامٌ، وكلُّ نكاحٍ فيه وقتٌ أو شرطٌ فهو فاسدٌ.
قيل: هذا لفظ عامٌّ، وما ذكرناه عنه فهو خاصٌّ. وكلام "المغني" (٢) يقيِّد مطلقَه بمقيَّده وخاصَّه بعامِّه، كيف وقد عُلِم من مذهبه تخصيص هذا العام؟ فإنه يصحح النكاح بشرط (٣) أن لا يُخرجها من دارها، وأن لا يتزوج ولا يتسرَّى عليها، ومتى فعل ذلك فلها الخيار، وهذا نظير إن جاءها بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلها الخيار، فالصواب التسوية بينهما.
وقوله: "كل نكاحٍ فيه وقتٌ أو شرطٌ فهو فاسدٌ"، إنما أراد به شرط التحليل كما صرح به في غير موضع، ولهذا قرنَه بالمتعة، والجامع بينهما أن المستمتع والمحلِّل لا غرضَ لهما في نكاح الرغبة.
فإن قيل: قياس قواعده وأصوله بطلان هذا النكاح المشروط فيه الخيار؛ لأنه قد أبطل نكاح المحلل لما فيه من الشرط المانع من لزومه.
قيل: هو لم يُبطل نكاح المحلِّل لذلك، وإنما أبطله لأنه نكاحٌ محرَّمٌ،
стр. 584
ملعونٌ فاعله، منهيٌّ عنه. ولهذا لو قصد بقلبه التحليل ولم يشرطه، أو شرط أن يُحِلَّها للأول فقط ولم يشرط طلاقها= كان نكاحًا باطلًا، مع أنه لا شرط هناك يمنع لزومه.
وأحمد عنه في هذه المسألة ثلاث رواياتٍ منصوصاتٍ (١): صحة النكاح والشرط. وهي أنصُّ الروايات عنه وأصرحُها، نقلها [ابن] منصورٍ كما تقدم. وصحة النكاح وفساد الشرط، كما نقل الأثرم. وفساد الشرط والنكاح، وهي التي نقلها حنبلٌ باللفظ العام.
والمقصود أن تعليق الاختيار على الإسلام يصح.
ويصح تعليق الفسخ أيضًا على الشرط، وهو أولى بالصحة لأنه إزالة ملكٍ، فهو كتعليق الطلاق والعتاق. وقال أصحابنا: لا يصح. ولهم في صحة تعليق الطلاق هاهنا وجهان (٢): فإذا قال: كل من تمسَّكتْ بدينها فهي طالقٌ، فهل يصح؟ على وجهين. ووجه البطلان أن الطلاق يتضمن الاختيار، وهو مما لا يصح تعليقه بالشرط، والمقدمتان ممنوعتان كما تقدم.
فصل (٣)
وإذا أسلم ثم أحرم بحجٍ أو عمرةٍ، ثم أسلمنَ، فله الاختيار؛ لأن الاختيار استدامةٌ للنكاح وتعيينٌ للمنكوحة، وليس بابتداءٍ له.
стр. 585
وفيه وجهٌ آخر: أنه ليس له الاختيار، وهو اختيار القاضي ومذهب الشافعي. والخلاف هاهنا كالخلاف في رجعة المحرم.
والصحيح في الموضعين الجواز، لأنها إمساكٌ، فلا ينافيها الإحرام.
فصل (١)
وإذا أسلم الجميع معه ثم مِتْنَ قبل أن يختار فله أن يختار منهن أربعًا، فيكون له ميراثهن، ولا يرث من الباقيات لأنهن لسنَ بزوجاتٍ. وإن مات منهن أربع وبقي أربع فله اختيار الميتات فيرثهن، وتَبِينُ الحيات، وله اختيار الحيَّات فيستمرُّ بهن، ولا يرِث الميتات، وله اختيار بعض هؤلاء وبعض هؤلاء.
فصل (٢)
وإذا تزوج أختين ودخل بهما، ثم أسلم (٣) وأسلمتا معه، فاختار إحداهما= لم يطأها حتى تنقضي عدة أختها، لئلا يكون واطئًا لإحدى الأختين في عدة الأخرى. وكذلك إذا أسلم وتحته ثمانٍ قد دخل بهن، فأسلمن معه، فاختار أربعًا وفارق البواقي= لم يطأ واحدةً من المختارات حتى تنقضي عدة واحدةٍ من المفارقات، فإذا انقضت عدة واحدةٍ فله وطء أيِّ المختارات شاء، فإن انقضت عدة اثنتين فله وطء اثنتين، وكذلك إلى
стр. 586
تمام الأربع. فإن كنَّ خمسًا ففارق إحداهن فله وطء ثلاثٍ من المختارات دون الرابعة. وإن كن ستًّا ففارق اثنتين فله وطء اثنتين من المختارات. وإن كنَّ سبعًا ففارق ثلاثًا (١) فله وطء واحدةٍ من المختارات، وكلما انقضت عدة واحدةٍ من المفارقات فله وطء واحدةٍ من المختارات.
وهذا مبنيٌّ على أن الرجل إذا طلَّق امرأته لم ينكح أختَها ولا الخامسةَ في عدة المطلقة، لئلا يكون جامعًا لمائه في رحم أختين أو أكثرَ من أربع. قال ذلك أصحابنا قياسًا على نصِّ أحمد فيما إذا طلَّق إحدى الأختين أو الخامسة، وذلك لحديث زُرارة بن أوفى (٢): ما أجمع أصحاب محمد على شيء ما أجمعوا على أن الأخت لا تُنكح في عدة أختها. ولأنه بذلك يكون جامعًا ماءه في رحم أختين، فلا يجوز كجمع العقد وأولى.
وعندي أنه إذا اختار أربعًا جاز وطؤهن من غير انتظارٍ لانقضاء عدة المفارقات، وهو قول الجمهور، لأن النبي ﷺ أمره أن يُمسِك أربعًا ويفارقَ سائرهن، وأمر مَن تحته أختان أن يفارِق أيتَهما شاء، وهو حديث عهدٍ بالإسلام، ولم يأمره أن ينتظر بوطء من أمسك انقضاءَ عدةِ من فارق، ولا ذكر له ما يدلُّ على ذلك بوجهٍ، وتأخير البيان لا يجوز عن وقت الحاجة. والمفارقات قد بِنَّ عنه وخرجن عن عصمته، وقد يسافرن إلى أهاليهن، وقد
стр. 587
يذهبن حيث شئن، فلا تُعلم أحوالهن، فما يُدرِيه بانقضاء عدتهن؟
فإن قلتم: ينتظر علمه بذلك، أو حتى يصرن إلى حد الإياس فيحسب ثلاثة أشهرٍ= كان هذا في غاية البعد، ولا تأتي الشريعة به.
وإن قلتم: ينتظر مقدار ثلاث حيضٍ= فالحيضة قد يطول زمن مجيئها، فلا يُعلم متى تجيء، فكيف تنقضي العدة بالشك؟
فإن قلتم: هذا بعينه واردٌ فيمن طلَّق إحدى الأختين أو واحدةً من أربع، فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الحكم في صورة النقض لم يثبت بنصٍّ يجب التسليم له، ولا إجماعٍ لا تجوز مخالفته.
وأما ما ذكرتم من إجماع الصحابة فسألتُ شيخنا عنه فقال لي: الظاهر أنه أراد عدة الرجعية، وهاهنا يتحقق الإجماع، وأما البائن فأين الإجماع فيها؟ (١).
قال الشافعي (٢): والحجة على جواز ذلك انقطاعُ أحكام الزوجية بانقطاع أحكامها من الإيلاء والظهار واللعان والميراث وغير ذلك.
قال: وهو قول القاسم وسالمٍ وعروة وأكثرِ أهلِ دارِ السنة وحرمِ الله.
стр. 588
وقال مالك في "الموطأ" (١): عن ربيعة أن عروة والقاسم كانا يقولان في الرجل يكون عنده أربع فيطلِّق إحداهن [البتة]: إنه يتزوج إذا شاء، ولا ينتظر حتى تمضي عدتها.
وقال سعيد بن المسيب في رجل كانت تحته أربع نسوةٍ [فطلَّق واحدةً منهن]: إن شاء تزوج الخامسة في العدة، وكذلك قال في الأختين (٢).
قال البيهقي (٣): ورويناه عن الحسن وعطاءٍ وبكر بن عبد الله، وخِلاس بن عمرٍو.
الوجه الثاني: الفرق بين المسألة المذكورة وبين مسألة الطلاق بأن في مسألة الإسلام تبيَّنَّا أن المفارقات لم يكنَّ زوجاتٍ بين الإسلام والاختيار، وما قبل ذلك لا نحكم عليه بشيء، فيجري وطؤهن قبل الإسلام مجرى وطء الشبهة. بخلاف المطلَّقة، فإنها كانت زوجه ظاهرًا وباطنًا، فالعدة في حقها أثرٌ من آثار نكاحٍ صحيح لازمٍ قابلٍ للدوام، فلا يلحق به الوطء في نكاحٍ لا يجيزه الإسلام، ولا نحكم له بالصحة.
فصل (٤)
نقرُّ أهل الذمة على الأنكحة الفاسدة بشرطين:
стр. 589
أحدهما: أن لا يتحاكموا فيها إلينا، فإن تحاكموا فيها إلينا لم نُقِرَّهم على ما لا مساغَ له في الإسلام.
الثاني: أن يعتقدوا إباحة ذلك في دينهم، فإن كانوا يعتقدون تحريمه وبطلانه لم نُقِرَّهم عليه، كما لا نُقِرُّهم على الربا وقَتْلِ بعضهم بعضًا وسرقةِ أموال بعضهم بعضًا، وقد رجم رسول الله ﷺ اليهوديين لما زنيا، ولم يُقِرَّهم على ذلك.
فإن قيل: فهل تُقِرُّون المجوس على نكاح ذوات محارمهم لاعتقادهم جوازَ ذلك، إذا لم يترافعوا إلينا؟
قيل: هذه المسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد:
إحداهما: أنهم يُقَرُّون على ذلك، نصَّ عليه في رواية مهنا (١)، وقد سأله عن المجوسي هل يُحال بينه وبين التزويج بمحرمٍ؟ وذكر له حديث عمر: فرِّقوا بين كل ذاتِ مَحرمٍ من المجوس (٢). فقال: قال الحسن ــ يعني البصري ــ بعث النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، فأقرَّهم على ذلك ولم يَهِجْهم (٣).
وقال في رواية أبي طالب (٤): لا يُفرَّق بين حريمه وبينه، إنما قال: "سُنُّوا
стр. 590
بهم سنةَ أهل الكتاب"، وليس هم أهل كتابٍ.
فإن قيل: فهل تُقِرُّونهم على الزنا واللواط والربا، وهو دون نكاح الأم والبنت؟
قيل: لا نُقِرُّهم عليه، نصَّ عليه أحمد في رواية إبراهيم بن أبانٍ (١) في مجوسي في زُقاقٍ ليس له منفذٌ، وطريق المسلمين عليه، وهو يزني (٢) على الطريق، فقال: يُخرَج ولا يُترك؛ لأن المسلمين يزنون معه.
والفرق بين إقراره على نكاح محرمه وإقراره على الزنا والربا واللواط: أن ذلك يتعدَّى ضرره إلى المسلمين، وأما نكاح محرمه فيختص ضرره به دون المسلمين.
وعارض أحمد قولَ (٣) عمر ﵁ بإقرار النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ أخذ الجزية من المجوس ولم يشترط عليهم تركَ أنكحتهم، ولم يفرِّق بينهم وبين أزواجهم من ذوات المحارم مع علمه بما هم عليه. ومضى على ذلك الصديق ﵁ خلفه. وهم إنما بذلوا الجزية ليقَرُّوا على كفرِهم وشركهم
стр. 591
الذي هو أعظم من نكاح محارمهم، فإقرارهم كإقرار اليهود على نكاح بنات الإخوة والأخوات، وعلى سائر أنكحتهم الفاسدة.
والثانية: لا يُقَرُّون، فإن أحمد قال في مجوسي تزوج نصرانيةً، قال: يحال بينه وبينها. قيل: من يحول بينهما؟ قال: الإمام (١). ذكره أبو بكرٍ (٢) ثم قال: لأن علينا ضررًا في ذلك، يعني بتحريم أولاد النصرانية علينا. قال: وهكذا يجيء على قوله في تزويج النصراني المجوسية.
قال في "المغني" (٣): ويجيء على هذا القول أن يُحال بينهم وبين نكاح محارمهم (٤) فإن عمر ﵁ كتب أن فرِّقوا بين كل ذي رحمٍ من المجوس. وقال أحمد في مجوسي ملك أمةً نصرانيةً: يحال بينه وبينها، ويُجبَر على بيعها؛ لأن النصارى لهم دينٌ. فإن ملكَ نصراني مجوسيةً فلا بأسَ أن يطأها، وقال أبو بكرٍ: لا يجوز له وطؤها أيضًا، لما ذكرنا من الضرر.
قلت: لم يمنع أحمد من تزوُّج المجوسي بالنصرانية لما يلحقنا من الضرر بتحريم ابنتها علينا، ولا خطَرَ هذا التعليلُ ببال أحمد! وأيُّ ضررٍ علينا في ترك نكاح نسائهم بالكلية؟ ولو كان التسبُّب إلى تحريم البنت ضررًا علينا لكان في تحريم نكاح نسائهم مطلقًا ضررٌ، ولا ضررَ علينا بحمد الله من ذلك
стр. 592
بوجهٍ من الوجوه. وإنما مأخذ أحمد أن دين أهل الكتاب خيرٌ من دين المجوس، فلا يجوز أن يُمكَّن المجوسي والوثني أن يعلو امرأةً دينُها خيرٌ منه، كما لا يُمكَّن الذميُّ من نكاح مسلمةٍ، وعلى هذا فلا يُمنع النصراني من تزويج المجوسية؛ لأنه أعلى دينًا منها، وإن حرم علينا نحن نكاحها، ولا يلزم من تحريمها علينا تحريمُها على أهل الكتاب وأن لا نُقِرَّهم على نكاحها كما نُقِرُّهم على أكل الخنزير وشرب الخمر. وإذا أقررنا المجوس على نكاح ذوات محارمهم فإقرار أهل الكتاب على مناكحتهم أولى وأحرى.
ولا يخرج من هذا النص عدمُ إقرار المجوس على نكاح ذوات محارمهم لما ذكرنا من مأخذه.
وكذلك نصُّه على مجوسي ملك أمةً نصرانيةً يُحال بينهما، إنما ذلك لأن دينها أعلى من دينه، وقد صرَّح بهذا التعليل بعينه، فقال: لأن النصارى لهم دينٌ. فإن كان الأصحاب إنما أخذوا هذه الرواية من هذا النص فليست برواية، والمسألة رواية واحدةٌ. وقد تأملتُ نصوصه في هذا الباب في "الجامع"، فلم أجد عنه نصًّا بأنهم لا يُقَرُّون على نكاح ذوات المحارم.
وأما تفريق عمر ﵁ بينهم وبين ذوات محارمهم فاجتهادٌ منه ﵁، وقد أقرَّهم رسول الله ﷺ وخليفته. وقد يقال: كانت شوكتهم قوية في زمن رسول الله ﷺ (١) وزمن أبي بكر ﵁، فلما عزَّ الإسلام وذلَّ المجوس في عهد عمر ﵁ وكانوا أذلَّ ما كانوا= رأى أن يُلزِمهم بترك
стр. 593
نكاح ذوات المحارم وأن يُفرِّق بينهم وبينهن.
وعلى هذا، فإذا قويت شوكة قومٍ من أهل الذمة وتعذَّر إلزامهم بأحكام الإسلام أقررناهم وما هم عليه، فإذا ذلُّوا وضعُفَ أمرهم ألزمناهم بذلك، فهذا له مساغٌ.
إلا أنه قد يقال: فقد صالحهم رسول الله ﷺ وضرب عليهم الجزية، ولم يشترط عليهم التفريق بينهم وبين ذوات محارمهم، وهو ﷺ لا يُقِرُّ على ما لا يَسُوغُ الإقرار عليه.
وقد يُجاب عن ذلك: بأنه أقرَّهم في ابتداء الأمر والملكُ فيهم والشوكةُ لهم، وبلاد فارس وما والاها تحت قهرهم وملكهم، فلما صارت ممالكهم للمسلمين وصاروا أهلَ ذمةٍ منعهم عمر ﵁ من ذلك، وحال بينهم وبينه. وهذا من أحسن اجتهاده ﵁ وأقواه، وأحبِّه إلى الله ورسوله، فإنه (١) من أعظم القبائح التي يُبغضها الله ورسوله: نكاح الرجل أمَّه وابنته وعمَّتَه وخالته، ولا ريبَ أن إزالة هذا من الوجود أحبُّ إلى الله ورسوله من الإقرار عليه، ويكفينا في ذلك النقلُ الصحيح عمن ضرب الله الحقَّ على لسانه وقلبه، ومن كانت السكينة تنطق على لسانه، ومن وافق ربَّه في غير حكمٍ، ومن أمرنا نبينا ﷺ باتباع سنته (٢). وهو أحبُّ إلينا من النقل في ذلك
стр. 594
عن أحمد والشافعي ومالك وأمثالهم من الأئمة ﵃.
فصل
فإن قيل: فما تقولون في نصراني تزوج يهوديةً أو بالعكس، هل تُقِرُّونهم على ذلك أم لا؟ وإذا فعلوه فما حكم هذا الولد؟
قيل: لا يخلو إما أن يعتقدوا حلَّ ذلك أو تحريمَه، فإن اعتقدوا حلَّه جاز ذلك، ولم يُعرض لهم فيه. وإن اعتقدوا تحريمه لم نُقِرَّهم عليه، فإنا لا نُقِرّهم على نكاحٍ يعتقدون بطلانه وأنه زنًا.
وقد نصَّ أحمد (١) أنه إذا تزوَّج المجوسي كتابيةً يُفرَّق بينهما، وأطلق الجواب، وظاهره التفريقُ وإن لم يترافعوا إلينا.
وأما إن تزوَّج الذمي وثنيةً أو مجوسيةً، فهل يُقَرُّ على ذلك؟ فيه وجهان (٢):
أحدهما: يُقرّ؛ لأنه أعلى دينًا منها، فيقر على نكاحها كما يُقَرُّ المسلم
стр. 595
على نكاح الكتابية.
والثاني: لا يُقرّ، لأنها لا يُقَرُّ المسلم على نكاحها، فلا يُقرُّ الذمي عليه.
وعندي أنه إن اعتقد جواز هذا النكاح أُقِرَّ عليه، وإن اعتقد تحريمه لم يُقَرَّ.
فإن قيل: فإن أسلموا على ذلك فهل يحتاج إلى تجديد النكاح أم يستمرُّون عليه؟
قيل: يحتمل أن يقال: لا بدَّ من تجديد النكاح؛ لأن الأول لم يكن نكاحًا يعتقدون صحته. ويحتمل أن يقال ــ وهو أصح ــ: لا يحتاج إلى تجديد نكاحٍ، والإسلام صحَّح ذلك النكاح كما يصحِّح الأنكحة الفاسدة في حال الكفر إذا لم يكن المفسد قائمًا.
وأما حكم الولد هل يتبع أباه أو أمه، فالولد يتبع خيرَ أبويه دينًا، فإن نكح الكتابي مجوسيةً فالولد كتابي، وإن وطئ مجوسيٌّ كتابيةً بشبهةٍ، فالولد كتابي أيضًا، وإن كان أحدهما يهوديًّا والآخر نصرانيًّا، فالظاهر أن الولد يكون نصرانيًّا، وصرَّح به أصحاب أبي حنيفة، فإن النصارى تؤمن بموسى والمسيح، واليهود تكفُر بالمسيح، فالنصارى أقرب إلى المسلمين، واليهود خيرٌ من منكري النبوات، وكلما كان إيمان الرجل بالنبوات أكثر كان خيرًا ممن ينكر ما صدّق به.
وأيضًا فإن اليهود بعد مبعث عيسى خرجوا عن شريعة موسى وعيسى جميعًا، فإن شريعة موسى موقَّتةٌ بمجيء المسيح، فكان يجب عليهم اتباعه،
стр. 596
ولهذا قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٤]، ولذلك أبقى الله سبحانه للنصارى مملكةً في العالم، وسلب اليهود مُلْكَهم وعزَّهم بالكلية إلى قيام الساعة (١).
فصولٌ في أحكام مهورهم
قال إسحاق بن منصورٍ (٢): قلت لأبي عبد الله: نصراني تزوج نصرانيةً على قُلَّةٍ (٣) من خمرٍ، ثم أسلما. قال: إن دخل بها فهو جائزٌ، وإن لم يكن دخل بها فلها صداق مثلها.
وقال مهنا (٤): سألت أبا عبد الله عن نصراني تزوج نصرانيةً على خنزيرٍ أو على دَنِّ (٥) خمرٍ، ثم أسلموا (٦)، فحدثني عن يحيى بن سعيد عن ابن جريجٍ أنه قال لعطاءٍ: أَبلغَك أن رسول الله ﷺ أقرَّ أهلَ الجاهلية على ما
стр. 597
أسلموا عليه من نكاحٍ أو طلاقٍ؟ فقال: ما بلغنا إلا ذلك (١). فسألته: ما قوله؟ نكاحٌ أو طلاقٌ؟ قال: يُقَرُّون على نكاحهم، وجوّز طلاقهم في الجاهلية.
وقال الخرقي (٢): وما سُمِّي لها وهما كافران، فقبضته، ثم أسلما، وإن كانت حرامًا فليس لها غيره. ولو لم تقبضه وهو حرامٌ، فلها عليه مهرُ مثلها أو نصفُه حيث وجب ذلك.
وهذا الذي ذكره هو الذي دلَّ عليه الكتاب وسيرة رسول الله ﷺ وأصحابه في الكفّار في هذا، وفيما هو أعمُّ منه من عقودهم ومعاملاتهم.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، فأمر تعالى بترك ما بقي دون ما قُبِض.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٤] ، وقد أسلم الخلق العظيم على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه وأصحابه، فلم يتعرض لأحدٍ منهم في صداقٍ أَصْدَقه في حال الكفر، إلا أن يكون المفسد مقارنًا للإسلام، كنكاح أكثر من أربع ونكاح الأختين، وكذلك ما مضى من بياعاتهم وسائر عقودهم ومواريثهم، وهذا معلومٌ بالاضطرار من دينه وسيرته.
فإن لم يتقابضا ثم أسلما، أو ترافعا إلينا، فإن كان المسمى صحيحًا
стр. 598
حكمنا لها به أو بنصفه حيث يتنصف، وإن كان حرامًا كالخمر والخنزير بطل تسميته، ولم نحكم به.
ثم اختلف الفقهاء: بماذا نحكم لها به؟ (١).
فقال الشافعي وأحمد وأصحابهما: لها مهر المثل أو نصفه؛ لأن التسمية بطلت بالإسلام، فصارت كأن لم تكن، فتعيَّن المصير إلى مهر المثل كالتعويض (٢).
وقال أبو حنيفة: إن كان صداقها خمرًا أو خنزيرًا معيَّنينِ فليس لها إلا ذلك، وإن كانا غير معيَّنينِ فلها في الخمر القيمة، وفي الخنزير مهر المثل استحسانًا (٣). قالوا: لأن الملك في ذلك ثابتٌ في حال الكفر، ومعنى اليد ــ وهو التصرف ــ ثابتٌ أيضًا، والمتخلف بالإسلام صورة اليد، والمسلم غير ممنوع من إثبات اليد صورةً، والذي يمتنع بالإسلام إثبات الملك على ذلك أو ما هو بمعناه من إثبات اليد المعنوية، ولا يمتنع إثبات اليد الصورية.
وأيضًا فإذا عيَّنَّا خمرًا أو خنزيرًا أُجري تعيينه مُجرى قبضه، لتمكُّنها بالمطالبة متى شاءت، ولإقرارنا لهم على تعيينه والتعاقد عليه.
وسرُّ المسألة: أن لها حقَّ القبض في العين، وأما إذا لم تعيَّن فليس لها حق القبض.
стр. 599
ثم اختلف أبو حنيفة وأصحابه (١)، فقال أبو حنيفة: يجب في الخمر القيمة، وفي الخنزير مهر المثل. وقال أبو يوسف: لها مهر المثل فيهما، وقال محمد: لها القيمة فيهما.
ووجه قول محمد: أن التسمية صحت في العقد، وصحة التسمية تمنع المصير إلى مهر المثل، لكن تعذَّر القبض بالإسلام، فصار كما لو تعذَّر بالهلاك، فوجبت القيمة.
وأبو يوسف يقول: لما تعذَّر القبض كان الفساد في حق القبض بمنزلة الفساد في حق العقد، فوجب مهر المثل.
وأبو حنيفة يقول: الأصل صحة التسمية، وهي تمنع المصير إلى مهر المثل، إلا أنا استقبحنا في الخنزير إيجاب قيمته، فأوجبنا مهر المثل؛ لأن القيمة كانت واجبةً قبل الإسلام أصلًا في حق التسليم لا خلفًا، فإن القدرة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف، ولو جاءها بالقيمة هاهنا أُجْبِرت على القبول مع القدرة على الخنزير، فدلَّ على أنها وجبت أصلًا، فلا يمكن إيجابها بعد الإسلام خلفًا، ولا يمكن الإيجاب على ما كان قبل الإسلام؛ لأنه إنما وجب قبله ضمنًا لوجوب تسليم الخنزير، وقد سقط وجوب التسليم بالإسلام.
стр. 600
ومن أوجب مهر المثل في هذه المقدمات أو في بعضها يقول (١): الخمر لا قيمةَ له في الإسلام، فهو كالخنزير، فصار وجود تسميته كعدمها، فقد خلا النكاح من التسمية المعتبرة شرعًا، فيجب مهر المثل.
قالوا: وليس في شريعة الإسلام للخمر قيمةٌ حتى نعتبرها هاهنا، وإنما يقوِّمه الكفار، ونحن لا نعتبر قيمته عندهم، وليس له عندنا قيمةٌ البتةَ.
ويُقوِّي قولَ محمد أنها قد رضيت بإخراج بُضْعها على هذا المسمى، والزوج إنما دخل على ذلك، فلا يلزمه أكثر منه، ولِمَ يلزَمه ولا ألزمه به الشارع، وكون الخمر والخنزير لا قيمة له عندنا لا يمنع من اعتبار قيمته وقتَ العقد، فإنها رضيت بماليته، وانحصار المالية في هذا الجنس، فإذا فات ما انحصرت فيه المالية بالإسلام صرنا إلى قيمته وقتَ العقد كما لو عُدِم ذلك الجنس، ولا محذورَ في تقويم ذلك لتعيين مقدار الواجب للضرورة، كما يقوّم الحر عبدًا في باب الأَرْش (٢) لتعيين مقدار الواجب.
يوضحه أن المسمَّى حالَ العقد كان مالًا بالنسبة إليهم، فكان متقومًا بالنسبة إلى هذا العقد والمتعاقدين، وبالإسلام فاتت ماليته، فتعينت قيمتُه حينَ العقد. وهذا القول هو الذي نختاره، والله أعلم.