← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ولهذا قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٤]، ولذلك أبقى الله سبحانه للنصارى مملكةً في العالم، وسلب اليهود مُلْكَهم وعزَّهم بالكلية إلى قيام الساعة (١). فصولٌ في أحكام مهورهم قال إسحاق بن منصورٍ (٢): قلت لأبي عبد الله: نصراني تزوج نصرانيةً على قُلَّةٍ (٣) من خمرٍ، ثم أسلما. قال: إن دخل بها فهو جائزٌ، وإن لم يكن دخل بها فلها صداق مثلها. وقال مهنا (٤): سألت أبا عبد الله عن نصراني تزوج نصرانيةً على خنزيرٍ أو على دَنِّ (٥) خمرٍ، ثم أسلموا (٦)، فحدثني عن يحيى بن سعيد عن ابن جريجٍ أنه قال لعطاءٍ: أَبلغَك أن رسول الله ﷺ أقرَّ أهلَ الجاهلية على ما

стр. 597

أسلموا عليه من نكاحٍ أو طلاقٍ؟ فقال: ما بلغنا إلا ذلك (١). فسألته: ما قوله؟ نكاحٌ أو طلاقٌ؟ قال: يُقَرُّون على نكاحهم، وجوّز طلاقهم في الجاهلية. وقال الخرقي (٢): وما سُمِّي لها وهما كافران، فقبضته، ثم أسلما، وإن كانت حرامًا فليس لها غيره. ولو لم تقبضه وهو حرامٌ، فلها عليه مهرُ مثلها أو نصفُه حيث وجب ذلك. وهذا الذي ذكره هو الذي دلَّ عليه الكتاب وسيرة رسول الله ﷺ وأصحابه في الكفّار في هذا، وفيما هو أعمُّ منه من عقودهم ومعاملاتهم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، فأمر تعالى بترك ما بقي دون ما قُبِض. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٤] ، وقد أسلم الخلق العظيم على عهد رسول الله ﷺ وخلفائه وأصحابه، فلم يتعرض لأحدٍ منهم في صداقٍ أَصْدَقه في حال الكفر، إلا أن يكون المفسد مقارنًا للإسلام، كنكاح أكثر من أربع ونكاح الأختين، وكذلك ما مضى من بياعاتهم وسائر عقودهم ومواريثهم، وهذا معلومٌ بالاضطرار من دينه وسيرته. فإن لم يتقابضا ثم أسلما، أو ترافعا إلينا، فإن كان المسمى صحيحًا

стр. 598

حكمنا لها به أو بنصفه حيث يتنصف، وإن كان حرامًا كالخمر والخنزير بطل تسميته، ولم نحكم به. ثم اختلف الفقهاء: بماذا نحكم لها به؟ (١). فقال الشافعي وأحمد وأصحابهما: لها مهر المثل أو نصفه؛ لأن التسمية بطلت بالإسلام، فصارت كأن لم تكن، فتعيَّن المصير إلى مهر المثل كالتعويض (٢). وقال أبو حنيفة: إن كان صداقها خمرًا أو خنزيرًا معيَّنينِ فليس لها إلا ذلك، وإن كانا غير معيَّنينِ فلها في الخمر القيمة، وفي الخنزير مهر المثل استحسانًا (٣). قالوا: لأن الملك في ذلك ثابتٌ في حال الكفر، ومعنى اليد ــ وهو التصرف ــ ثابتٌ أيضًا، والمتخلف بالإسلام صورة اليد، والمسلم غير ممنوع من إثبات اليد صورةً، والذي يمتنع بالإسلام إثبات الملك على ذلك أو ما هو بمعناه من إثبات اليد المعنوية، ولا يمتنع إثبات اليد الصورية. وأيضًا فإذا عيَّنَّا خمرًا أو خنزيرًا أُجري تعيينه مُجرى قبضه، لتمكُّنها بالمطالبة متى شاءت، ولإقرارنا لهم على تعيينه والتعاقد عليه. وسرُّ المسألة: أن لها حقَّ القبض في العين، وأما إذا لم تعيَّن فليس لها حق القبض.

стр. 599

ثم اختلف أبو حنيفة وأصحابه (١)، فقال أبو حنيفة: يجب في الخمر القيمة، وفي الخنزير مهر المثل. وقال أبو يوسف: لها مهر المثل فيهما، وقال محمد: لها القيمة فيهما. ووجه قول محمد: أن التسمية صحت في العقد، وصحة التسمية تمنع المصير إلى مهر المثل، لكن تعذَّر القبض بالإسلام، فصار كما لو تعذَّر بالهلاك، فوجبت القيمة. وأبو يوسف يقول: لما تعذَّر القبض كان الفساد في حق القبض بمنزلة الفساد في حق العقد، فوجب مهر المثل. وأبو حنيفة يقول: الأصل صحة التسمية، وهي تمنع المصير إلى مهر المثل، إلا أنا استقبحنا في الخنزير إيجاب قيمته، فأوجبنا مهر المثل؛ لأن القيمة كانت واجبةً قبل الإسلام أصلًا في حق التسليم لا خلفًا، فإن القدرة على الأصل تمنع المصير إلى الخلف، ولو جاءها بالقيمة هاهنا أُجْبِرت على القبول مع القدرة على الخنزير، فدلَّ على أنها وجبت أصلًا، فلا يمكن إيجابها بعد الإسلام خلفًا، ولا يمكن الإيجاب على ما كان قبل الإسلام؛ لأنه إنما وجب قبله ضمنًا لوجوب تسليم الخنزير، وقد سقط وجوب التسليم بالإسلام.

стр. 600

ومن أوجب مهر المثل في هذه المقدمات أو في بعضها يقول (١): الخمر لا قيمةَ له في الإسلام، فهو كالخنزير، فصار وجود تسميته كعدمها، فقد خلا النكاح من التسمية المعتبرة شرعًا، فيجب مهر المثل. قالوا: وليس في شريعة الإسلام للخمر قيمةٌ حتى نعتبرها هاهنا، وإنما يقوِّمه الكفار، ونحن لا نعتبر قيمته عندهم، وليس له عندنا قيمةٌ البتةَ. ويُقوِّي قولَ محمد أنها قد رضيت بإخراج بُضْعها على هذا المسمى، والزوج إنما دخل على ذلك، فلا يلزمه أكثر منه، ولِمَ يلزَمه ولا ألزمه به الشارع، وكون الخمر والخنزير لا قيمة له عندنا لا يمنع من اعتبار قيمته وقتَ العقد، فإنها رضيت بماليته، وانحصار المالية في هذا الجنس، فإذا فات ما انحصرت فيه المالية بالإسلام صرنا إلى قيمته وقتَ العقد كما لو عُدِم ذلك الجنس، ولا محذورَ في تقويم ذلك لتعيين مقدار الواجب للضرورة، كما يقوّم الحر عبدًا في باب الأَرْش (٢) لتعيين مقدار الواجب. يوضحه أن المسمَّى حالَ العقد كان مالًا بالنسبة إليهم، فكان متقومًا بالنسبة إلى هذا العقد والمتعاقدين، وبالإسلام فاتت ماليته، فتعينت قيمتُه حينَ العقد. وهذا القول هو الذي نختاره، والله أعلم.

стр. 601

فصل (١) فإن قبضتْ من المهر بعضَه وبقي بعضه سقط منه بقدر ما قُبِض، ووجب بحصة ما بقي من مهر المثل أو من القيمة على الخلاف، فإن أصدقَها عشرةَ زِقاقِ (٢) خمرٍ متساويةً، فقبضتْ خمسةً، وجب نصف مهر المثل أو قيمة الخمسة، على ما تقدم. فإن كان بعضها أكبر من بعضٍ ففيه وجهان للقائلين بمهر المثل: أحدهما: يعتبر المقبوض، والباقي بالكيل. والثاني: يعتبر العدد، لأنه لا قيمة لها فاستوى كبرها وصغرها (٣). وهذا فاسدٌ (٤)، فإنه إذا أصدقَها زِقًّا كبيرًا وآخرَ صغيرًا، فقبضت الكبير، لم يكن الصغير نصف المهر، كما لو أصدقها زقًّا فقبضت أربعةَ أخماسِه وبقي خُمسه. وكذلك الوجهان (٥): فيما لو أصدقَها عشرة خنازير بعضها شرٌّ من بعضٍ، فقبضت ما خَيرُه دونَه وأخسُّ منه.

стр. 602

فإن أصدَقها كلبًا وخنزيرين وثلاثةَ زِقاقِ خمرٍ، ففيه ثلاثة أوجهٍ (١) لأصحاب أحمد والشافعي: أحدها: يُقسَّم على قدر قيمتها عندهم. والثاني: يُقسَّم على عدد الأجناس، فيجعل لكل جنسٍ ثلثُ المهر، فللكلب ثلثه، وللخنزيرين ثلثه (٢)، وللخمر ثلثه. والثالث: يُقسَّم على العدد كله، فللكلب سُدس المهر، وللخنزيرين ثلثه، وللخمر نصفه (٣). فصل (٤) فإن نكحها نكاحًا لا يُقَرُّون عليه إذا أسلموا، كنكاح ذوات المحارم، فأسلما قبل الدخول، وترافعوا (٥) إلينا= فُرِّق بينهما ولا مهرَ لها. وإن دخل بها فهل يُقضى لها بالمهر؟ فهو على الخلاف فيمن وطئ ذات محرمةٍ بشبهةٍ، وفيه عن أحمد ثلاث رواياتٍ (٦): إحداهن: لها مهر المثل؛ لأنه استوفى منها ما يقابله.

стр. 603

والثانية: لا مهر لها؛ لأن تحريمها تحريمٌ أصلي لا يزول بحالٍ، فلم يوجب وطؤها مهرًا، كاللواط. والثالثة: يجب لمن تحلّ ابنتها كالعمة والخالة، ولا يجب لمن تحرم ابنتها كالأم والأخت، لغلظ التحريم في هذه وخفَّته في تلك. وقد نصَّ أحمد (١) في رواية أبي بكر بن صدقة، في المجوسية تكون تحت أخيها أو أبيها، فيطلّقها أو يموت عنها، فترتفع (٢) إلى المسلمين تطلب مهرها: أنه لا مهرَ لها. ولم يفرِّق بين ما قبل الدخول وبعده، بل صرَّح بسقوط المهر في الحالة التي يكمل بها وهي الموت. وكذلك نصَّ (٣) في رواية أحمد بن هشامٍ في المجوسية تكون تحت أخيها أو أبيها، فيموت أو يطلّقها، فلا صداق لها. فصل (٤) فإن تزوج ذميٌّ ذميةً على أن لا صداق لها، أو سكت عن ذكره، فلها المطالبة بعوضه (٥) إن كان قبل الدخول، وإن كان بعده فلها مهر المثل كما في نكاح المسلمين. هذا قول الجمهور.

стр. 604

وقال أبو حنيفة: إن تزوجها على أن لا مهرَ لها فلا شيء لها، وإن سكت عن ذكره فعنه روايتان، إحداهما: لا مهر لها. والأخرى: لها مهر المثل. قال من رجَّح هذا القول: المهر وجب في النكاح لحقِّ الله، ولهذا لو أسقطاه وتعاقدا على أن لا مهر لها لم يسقط، والذمي لا يُطالَب بحقوق الله من زكاةٍ ولا حجٍ ولا غير ذلك. وأيضًا فنحن نُقِرُّهم على أنكحتهم ما لم يكن المفسد مقارنًا للإسلام في حالة (١) الترافع إلينا، وعدم ثبوت المهر في هذه الحالة لا يقتضي فرضه فيها، وما قبل ذلك لا يتعرض لهم فيه، وهذا قول قوي جدًّا. فصل (٢) في ضابط ما يصحُّ من أنكحتهم وما لا يصحُّ إذا ارتفعوا إلى الحاكم في ابتداء العقد لم يزوِّجهم إلا بشروط نكاح الإسلام، لقوله : ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٥١]. وإن أسلموا أو ترافعوا إلينا بعد العقد لم ننظر إلى الحال التي وقع العقد عليها ولم نسألهم عنها، ونظرنا إلى الحال التي أسلموا أو ترافعوا فيها، فإن

стр. 605

كانت المرأة ممن يجوز عقد النكاح عليها الآن أقررناهما، وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها فرِّق بينهما. وعن أحمد ما يدلُّ على أنا ننظر في المفسد، فإن كان مؤبَّدًا أو مجمعًا على تحريمه لم نُقِرَّهم، وإن لم يكن مؤبَّدًا ولا مجمعًا على تحريمه أقررناهم، فإذا أسلما، والمرأة بنته من رضاعٍ أو زنًا، أو هي في عدةٍ من مسلم متقدمةٍ على العقد= فرِّق بينهما؛ لأن تحريم الرضاع مؤبَّدٌ مجمعٌ عليه، وتحريمُ ابنته من الزنا وإن لم يكن مجمعًا عليه فهو مؤبَّدٌ، والمعتدَّة من مسلمٍ تحريمُها وإن لم يكن مؤبَّدًا فهو مجمعٌ عليه. وإن كانت العدة من كافرٍ فروايتان منصوصتان عن أحمد، مأخذُ الإقرار أن المفسد غير مؤبَّدٍ ولا مُجمع عليه، فإن من لا يرى صحة نكاح الكفار لا يُوجب على من توفِّي زوجها الكافر عدة الوفاة. وإن كانت الزوجة حُبلى قبل العقد، أو قد شرط فيه الخيار مطلقًا أو إلى مدةٍ هما فيها، فوجهان: أحدهما: لا يُقرُّ عليه، لقيام المفسد له. والثاني: يُقر؛ لأن المفسد غير مجمعٍ عليه، فمن الناس من يرى جواز نكاح الحبلى من الزنا، ومنهم من يرى صحة النكاح المشروط فيه الخيار، كما هي إحدى الروايات عن أحمد بل أنصُّها كما تقدم. وإن أسلما وكان العقد بلا ولي أو بلا شهودٍ، أو في عدةٍ قد انقضت، أو على أختٍ وقد ماتت= أُقِرَّا عليه لعدم مقارنة المفسد للإسلام، وحكم حالة الترافع إلى الحاكم حكم حالة الإسلام في ذلك كله.

стр. 606

قال مهنا (١): سألت أحمد عن يهودي أو نصراني أو مجوسي تزوَّج بغير شهودٍ؟ قال: هو كذلك، يُقَرُّون على ما أسلموا عليه. قلت: فإن (٢) تزوج امرأةً في عدتها ثم أسلما، أيُقَرَّانِ (٣) على ذلك؟ قال: نعم، يقران على ذلك، اليهودي والنصراني إذا تزوج امرأةً في عدتها ثم أسلما جميعًا يقران على نكاحهما. قلت لأحمد: بلغك في هذا شيء؟ قال: نعم، حدثني يحيى بن سعيد عن ابن جريجٍ قال: قلت لعطاءٍ: بلغك أن رسول الله ﷺ أقرَّ أهل الجاهلية على ما أسلموا عليه؟ قال ما بلغنا إلا ذلك (٤). قال مهنا (٥): وسألت أحمد عن حربي تزوج حربيةً بغير شهودٍ ثم أسلما؟ قال: نعم، يُقَرَّان على ما أسلما عليه، من أسلم على شيء أُقِرَّ عليه. قلت لأحمد: حربي تزوَّج حربيةً في عدتها من طلاقٍ أو وفاةٍ بغير شهودٍ، ثم أسلما؟ قال: هما على نكاحهما، من أسلم على شيء فهو عليه. قال الخلال (٦): أخبرنا يحيى بن جعفرٍ، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا ابن

стр. 607

جريجٍ، عن عمرو بن شعيبٍ أن رسول الله ﷺ أقرَّ الناس على ما أسلموا عليه، من طلاقٍ أو نكاحٍ أو ميراثٍ توارثوا عليه. قال ابن جريجٍ: فذكرتُ ذلك لعطاءٍ، فقال: ما بلغنا إلا ذلك. فصل في الكافر يكون وليًّا لوليته الكافرة دون المسلمة قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٤]. قال حنبلٌ (١): سمعت أبا عبد الله يقول: لا يزوِّج النصراني ولا اليهودي، ولا يكون النصراني واليهودي وليًّا. قال: وسمعت أبا عبد الله قال: لا يَعقِد نصراني ولا يهودي عقدةَ نكاحٍ لمسلم ولا مسلمةٍ، ولا يكونان وليينِ، لا يكون إلا مسلمًا. وقال في رواية الميموني (٢)، وقد سأله رجل عن النصراني يكون وليًّا إذا كانت ابنته مسلمةً؟ قال: السلطان أولى. وقال مهنا (٣): سألت أبا عبد الله عن نصراني أو يهودي أسلمت ابنته، أيزوِّجها أبوها وهو نصراني أو يهودي؟ قال: لا يزوِّجها إذا كان نصرانيًّا أو

стр. 608

يهوديًّا، فقلت له: فإن زوَّجها؟ قال: لا يجوز النكاح، يعني يُرَدُّ النكاح. قلت: فعلَ، وأذنت الابنة؟ قال: يعيد النكاح. قلت: يسافر معها؟ قال: لا يسافر معها، ثم قال لي أحمد بن حنبلٍ: ليس هو بمحرمٍ. قال الخلال (١): وقال في موضع آخر: قلت لا يسافر معها؟ قال: نعم. قال أبو بكرٍ (٢): وهو الصواب، وبيَّنها مهنا مرةً في قوله: لا. قلت: فكيف يسافر معها وتقول (٣): يعيد النكاح إذا أنكحها بأمرها؟ قال: نعم، هو يعيد نكاحها إذا أنكحها. قلت: فإن كانت المسلمة (٤) وأبوها نصراني وهي محتاجةٌ يُجبَر أبوها على النفقة عليها؟ قال: لم أسمع في هذا شيئًا. قلت له: فإن قومًا يقولون: لا يُجبَر على النفقة عليها، فكيف تقول أنت؟ قال: يُعجبني أن ينفق عليها، فقلت له: يُجبَر؟ فقال: يُعجِبني، ولم يقل: يُجبَر. وقد تضمن هذا النص ثلاثة أمورٍ: أحدها: أن الكافر لا يصح أن يزوِّج وليتَه المسلمة. والثاني: أنه لا يكون مَحرمًا. والثالث: أنه لا يُجبر على النفقة مع اختلاف الدين، وسنذكر الكلام في

стр. 609

هاتين المسألتين عن قربٍ، إن شاء الله تعالى. قال حنبلٌ (١): حدثنا شُريح بن النعمان، حدثنا حماد بن سلمة، عن جعفر بن أبي وحشية أن هانئ بن قبيصة زوَّج ابنته من عروة البارقي على أربعين ألفًا، وهو نصراني، فأتاها القعقاع بن شَوْرٍ، فقال: إن أباكِ زوَّجكِ وهو نصراني لا يجوز نكاحه، زوِّجيني نفسَكِ، فتزوَّجها على ثمانين ألفًا، فأتى عروة علي بن أبي طالب ﵁ فقال: إن القعقاع تزوَّج بامرأتي، فقال: لئن كنتَ تزوَّجتَ امرأته لأرجُمَنَّك، فقال: يا أمير المؤمنين إنَّ أباها زوَّجها وهو نصراني لا يجوز نكاحه. قال: فمن زوَّجك؟ قال: هي زوَّجتني نفسَها، فأجاز نكاحها وأبطلَ نكاح الأب، وقال لعروة: خذ صداقَك من أبيها. قال حنبلٌ (٢): قال أبو عبد الله: إنما جعل الأمر إليها لأن الأب نصراني لا يجوز حكمه فيها، فردَّ الأمر إليها، ولا بدّ أن يجدّد هذا النكاح الآخر إذا رضيت، وإنما صيَّر لها الأمر بالرضا، ولا يجوز أن تزوِّج نفسها إلا بولي. وعليٌّ حينئذٍ السلطان، فأجاز ذلك وليها، وقال: خذ مهرك من أبيها؛ لأنه لم يكن دخل بها، ولو كان دخل بها لكان المهر لها والعدة عليها. وقال حربٌ (٣): قلت لأحمد: امرأةٌ أبوها نصراني وأخوها مسلم، مَن

стр. 610

يزوِّجها؟ قال: الأخ. قلت: فهل للمشركين من الولاية شيء؟ قال: لا. وقال صالحٌ (١): قال أبي في امرأةٍ لها أبٌ ذمي ولها أخٌ مسلم، قال: لا يكون الذمي وليًّا. فصل فإن تزوَّج المسلم ذميةً بولاية أبيها الذمي، فهل ينعقد النكاح؟ فقال القاضي في "الجامع" (٢): لا يجوز النكاح على ظاهر كلام أحمد في رواية حنبلٍ (٣): لا يعقد يهودي ولا نصراني عقدَ نكاحٍ لمسلم ولا لمسلمةٍ، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: يجوز. والدلالة عليه: أن كل عقدٍ افتقرت صحته إلى شهادة مسلمين لا يصح بولاية كتابي، كما لو تزوج مسلمةً. قال: وعلى هذا القياس لا يلي في مالها كما لا يلي في نكاحها. وخالف القاضيَ أبو الخطاب، فقال (٤): يجوز أن يزوِّج الكافر وليته الكافرة (٥) من مسلم، قال: لأنه وليها، فصح تزويجه لها كما لو زوَّجها من

стр. 611

كافرٍ، قال: ولأنها امرأةٌ لها وليٌّ مناسبٌ، فلم يجز أن يليها غيره، كما لو تزوجها ذمي. قال الشيخ في "المغني" (١): وهو أصح. قلت: هو مخالفٌ لنصِّ أحمد، كما تقدم لفظه. فصل ولا يلي المسلم نكاحَ الكافرة، لما تقدَّم من قطع الموالاة بين المسلمين والكفار، إلا أن يكون سلطانًا أو سيدًا لأمةٍ. فإن ولاية السلطان عامةٌ. وأما سيد الأمة فإن له أن يزوِّجها من كافرٍ، وإن لم يملك تزويج ابنته الكافرة من كافرٍ (٢). والفرق بينهما أنه يزوِّجها بحكم الملك، فجاز ذلك كما لو باعها من كافرٍ، بخلاف ابنته، فإنه يزوِّجها بحكم الولاية، وقد انقطعت باختلاف الدين كما انقطع التوارث والإنفاق. فإن قيل: فما تقولون في أم ولد الذمي إذا أسلمت، هل يلي نكاحها؟ قيل: فيه وجهان لأصحابنا (٣): أحدهما: يليه، لأنها مملوكته، فيلي نكاحها كالمسلم، ولأنه عقد على

стр. 612

منافعها، فيليه كما يلي إجارتها. والثاني: لا يليه لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧٢]، ولأنها مسلمةٌ، فلا يلي نكاحها كابنته. قال الشيخ في "المغني" (١): وهذا أولى لما ذكرنا من الإجماع. يعني قول ابن المنذر (٢): أجمع كل من نَحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحالٍ. وقد قال في "المحرر" (٣): ولا يلي مسلمٌ نكاحَ كافرةٍ إلا بالملك أو السلطنة. ولا يلي كافرٌ نكاحَ مسلمةٍ إلا بملكٍ نُقِرُّ له عليها، كمن أسلمت أمُّ ولده أو مكاتبتُه أو مدبَّرتُه في وجهٍ. ويلي الكافر نكاحَ موليته الكافرة من كافرٍ ومسلم. وهل يباشر تزويجَ المسلم في المسألتين، أو بشرط أن يباشره بإذنه مسلم أو الحاكم خاصةً؟ فيه ثلاثة أوجهٍ. قلت: في المسألة الأولى الزوجة هي المسلمة والولي كافرٌ، وفي المسألة الثانية المولية كافرةٌ والزوج مسلم. وقد حكى (٤) الأوجه الثلاثة في المسألتين، فالصواب أن يقرأ: "وهل يباشر تزويج المسلم في المسألتين" ليعمَّ الصورتين، أي الشخص المسلم. وأما على ما رأيته في النسخ: "وهل

стр. 613

يباشر تزويج المسلمة؟ " فإنه يختص بالمسألة الأولى، إلا أن يقال: أراد النفس المسلمة. وبكل حالٍ فمن قال: يباشر تزويجَ المسلم، فحجته أنه يزوِّجها بحكم الملك في المسألة الأولى، ويزوِّج الكافرة بحكم الولاية في المسألة الثانية، وهي ولايةٌ على كافرةٍ، ولا ولاية له على الزوج، فلا يمتنع تزويج الكافرة له. ومن قال: يعقده الحاكم خاصةً، فحجته انقطاع الولاية بين الكافر والمسلم، فهذه المرأة في حكم من لا وليَّ لها في الصورة الأولى. وأما في الثانية فلما كان الزوج مسلمًا وللولي عليه ولايةٌ مَّا فإنه هو الذي يوجب له عقدَ النكاح، والكافر ليس أهلًا (١) لذلك، فكانت الولاية للحاكم. ومن قال: نأذن لمسلم يباشر العقد فلأنه ولي في الحقيقة، ولكن اتصال هذا العقد بمسلم يمنع من مباشرة الكافر له، فيباشره مسلم بإذن الوليِّ جمعًا بين الحقين: حق الولي وحق المسلم. فصل فإن تزوّج المسلم ذميةً بشهادة ذميين، فنصّ أحمد على أنه لا يصح. قال مهنا (٢): سألت أحمد عن رجل مسلم تزوج يهوديةً بشهادة نصرانيين أو مجوسيين، قال: لا يصلح إلا عدولٌ. وهذا قول الشافعي.

стр. 614

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يصح النكاح (١). وخرَّجه الأصحاب (٢) وجهًا في المذهب بناءً على قبول شهادة بعضهم على بعضٍ. وحجة من أبطله قوله: "لا نكاحَ إلا بولي وشاهدَيْ عدلٍ" (٣)، وأن الشهادة إنما شُرطت لإثبات الفراش عند التجاحد، ولا يمكن إثباته بشهادة الكفار، وبأن شهادتهم كلا شهادةٍ، فقد خلا النكاح عن الشهادة، وبأن النكاح لو انعقد بشهادتهما لسمعت شهادتهما على المسلم فيما يرجع إلى حقوق النكاح من وجوب المهر والنفقة والسكنى، وهذا ممتنعٌ. قال المجوِّزون: الشهادة في الحقيقة للمسلم على الكافرة، لأنهما يشهدان عليها بإثبات ملْكِ بُضْعها له أصلًا، فهي في الحقيقة شهادة كافرٍ على كافرٍ، ونحن نقبلها، فنصحح العقد بها. وأما حقوق النكاح فإنما تثبت ضمنًا وتبعًا، ويثبت في التبع ما لا يثبت في المتبوع، ونظائره كثيرةٌ جدًا. فصل ولا يكون الكافر مَحْرمًا للمسلمة. نصَّ عليه أحمد، فقال أبو الحارث (٤):

стр. 615

قيل لأبي عبد الله: المجوسي مَحْرمٌ لأمه وهي مسلمةٌ؟ قال: لا. وقال أبو الحارث أيضًا (١): سئل أبو عبد الله عن امرأةٍ مسلمةٍ لها ابنٌ مجوسي وهي تريد سفرًا، يكون لها مَحْرمًا يسافر بها؟ قال: لا، هذا يرى نكاح أمه، فكيف يكون لها مَحْرمًا وهو لا يُؤمَن عليها؟! وقال مهنا (٢): سألت أحمد عن مجوسي تُسلِم ابنته وهو مجوسي يُفرَّق بينه وبينها؟ قال: نعم، إن كان يتقى منه. فقلت له: وأي شيء يتقى منه؟ فقال: يجامعها. وقال أبو داود (٣): سئل أبو عبد الله عن المجوسي تسلم أخته يُحال بينهما؟ قال: نعم، إذا خافوا أن يأتيها. قال (٤): وسمعت أبا عبد الله يُسأل عن المجوسي يسافر بابنته أو يزوِّجها، قال: ليس هو لها بولي. وقال علي بن سعيد (٥): سألت أحمد عن النصراني واليهودي يكونان مَحْرمًا؟ قال: هما لا يزوّجان، فكيف يكونان مَحْرمًا؟

стр. 616

وقال مهنا (١): سألت أبا عبد الله عن نصراني أو يهودي أسلمت ابنته، أيزوِّجها أبوها وهو نصراني أو يهودي؟ قال: لا يزوِّجها. فقلت له: فإن زوّجها، قال لا يجوز النكاح. قلت: فعلَ وأذنت الابنة. قال: يعيد النكاح. قلت: يسافر معها؟ قال: لا يسافر معها، ثم قال لي: ليس هو بمَحْرمٍ. فقد نصَّ على أن مَحْرم المسلمة لا يكون كافرًا. فإن قيل: فأنتم لا تمنعون من النظر إليها، والخلوة بها، وكونهما في بيت واحدٍ. قيل: بل نمنعه إذا كان مجوسيًّا، كما نصَّ عليه أحمد. وأما اليهودي والنصراني فلا يؤمن عليها في السفر أن يبيعها أو يقتلها بسبب عداوة الدين، وهذا منتفٍ في خلوته بها، ونظره إليها في الحضر، فافترقا. والمقصود من المَحْرم كمالُ الحفظ والشفقة، وعداوة الدين قد تمنع كمال ذلك. فصل فإن قيل: فما تقولون في وجوب الإنفاق على الأقارب مع اختلاف الدين؟ لقوله ﵎: ﴿وَعَلَى اَلْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣١]، واختلاف الدين يمنع الميراث. [قيل: إن كانوا من غير عمودي النسب لم تجب نفقتهم مع اختلاف الدين] (٢)،

стр. 617

وأما عمود النسب ففيهم روايتان (١): إحداهما: لا تجب نفقتهم لذلك. والثانية: تجب لتأكد قرابتهم بالعصبة (٢). وحكى بعض الأصحاب في وجوب نفقة الأقارب مطلقًا مع اختلاف الدين وجهين، وهذه الطريقة أفقه، فإن اختلاف الدين (٣) إن منع وجوب الإنفاق منع في سائر الأقارب، وإن لم يكن مانعًا لم يمنع في حق قرابة الكلالة، كالرقّ والغنى. فأما أن يكون مانعًا في قرابةٍ دون قرابةٍ فلا وجه له، ولا يصح التعليل بتأكد القرابة؛ لأن الأخ والأخت أقرب من أولاد البنات. والذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق وإن اختلف الدينان، لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٧]، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٤]، وليس من الإحسان ولا من المعروف تركُ أبيه وأمه في غاية الضرورة والفاقة، وهو في غاية الغنى. وقد ذمَّ الله ﵎ قاطعي الرحم، وعظَّم قطيعتها، وأوجب حقّها وإن كانت كافرةً، قال تعالى:

стр. 618

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢٦]، وفي الحديث: "لا يدخل الجنةَ قاطعُ رَحِمٍ" (١)، و"الرَّحِم معلَّقةٌ بساق العرش تقول: يا ربِّ، صِلْ من وصلني، واقطَعْ من قطعني" (٢)، وليس من صلة [الرحم] (٣) تركُ القرابة تَهلِك جوعًا وعطشًا وعُريًا، وقريبه من أعظم الناس مالًا. وصلة الرحم واجبةٌ وإن كانت لكافرٍ، فله دينه وللواصل دينه. وقياس النفقة على الميراث قياسٌ فاسدٌ، فإن الميراث مبناه على النصرة والموالاة، بخلاف النفقة فإنها صلةٌ ومواساةٌ من حقوق القرابة، وقد جعل الله للقرابة حقًّا وإن كانت كافرةً، فالكفر لا يُسقِط حقوقها في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. وكل من ذكر في هذه الآية فحقُّه واجبٌ وإن كان كافرًا، فما بال ذي القربى وحده يخرج من جملة من وصَّى الله بالإحسان إليه؟ ورأس الإحسان

стр. 619

الذي لا يجوز إخراجه من الآية هو الإنفاق عليه عند ضرورته وحاجته، وإلا فكيف يوصى بالإحسان إليه في الحالة التي لا يحتاج إلى الإحسان، ولا يجب له الإحسان أحوجَ ما كان إليه؟ والله حرَّم قطيعة الرحم وإن كانت كافرةً، وتركُ رحمِه يموت جوعًا وعطشًا وهو من أغنى الناس وأقدرِهم على دفع ضرورته= أعظمُ قطيعةً. فإن قيل: فهل تقولون بدفع الزكوات والكفارات إليه؟ قيل: إن كان في المسألة إجماعٌ معلومٌ لم يجز مخالفتهم، وإن لم يكن فيها إجماعٌ احتاج القول بعدم الجواز إلى دليلٍ. والفرق بين الزكاة والنفقة أن الزكاة حقُّ الله فرضَها على الأغنياء، تُصرَف في جهاتٍ معينةٍ، وهي عبادةٌ يُشترط لها النية، ولا تؤدى بفعل الغير، ولا تسقط بمضي الزمان، ولا تجوز على رقيقه وبهائمه. والنفقة بخلاف ذلك، فقياس أحد البابين على الآخر قياسٌ فاسدٌ. ثم يقال: إن لم يكن بينهما فرقٌ ولا إجماعٌ فالحق التسوية، وإن كان بينهما فرقٌ امتنع الإلحاق. فصل ويجوز نكاح الكتابية بنصّ القرآن، قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. والمحصنات هنا هن العفائف، وأما المحصنات المحرَّمات في سورة النساء فهن المزوَّجات.

стр. 620

وقيل: المحصنات اللاتي أُبِحن هن الحرائر، ولهذا لم تحلَّ إماء أهل الكتاب. والصحيح الأول، لوجوهٍ: أحدها: أن الحرية ليست شرطًا في نكاح المسلمة. الثاني: أنه ذكر الإحصان في جانب الرجل كما ذكره في جانب المرأة، فقال: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ﴾ [المائدة: ٦]، وهذا إحصان عفةٍ بلا شكٍّ، فكذلك الإحصان المذكور في جانب المرأة. الثالث: أنه سبحانه ذكر الطيبات من المطاعم والطيبات من المناكح، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. والزانية خبيثةٌ بنصِّ القرآن، والله حرَّم على عباده الخبائث من المطاعم والمشارب والمناكح، ولم يبح لهم إلا الطيبات. وبهذا يتبين بطلان قول من أباح تزويج الزواني، وقد بينا بطلان هذا القول من أكثر من عشرين وجهًا في غير هذا الكتاب (١).

стр. 621

والمقصود أن الله سبحانه أباح لنا المحصنات من أهل الكتاب، وفعله أصحاب نبينا ﷺ ، فتزوج عثمان نصرانيةً، وتزوج طلحة بن عبيد الله نصرانيةً، وتزوج حذيفة يهوديةً. قال عبد الله بن أحمد (١): سألت أبي عن المسلم يتزوج النصرانية أو اليهودية؟ فقال: ما أُحِبُّ أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد فعل ذلك بعض أصحاب النبي ﷺ . وقال صالح بن أحمد (٢): حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفرٍ، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن حذيفة بن اليمان وطلحة بن عبيد الله والجارود بن المعلَّى ــ وذكر آخر ــ تزوَّجوا نساءً من أهل الكتاب، فقال لهم عمر: طلِّقوهن، فطلَّقوا إلا حذيفة. فقال عمر: طلِّقْها. فقال: تشهد أنها حرامٌ؟ قال: هي جَمْرةٌ (٣)، طلِّقها. فقال: تشهد أنها حرامٌ؟ فقال: هي جَمْرةٌ! قال حذيفة: قد علمتُ أنها جَمْرةٌ، ولكنها لي حلالٌ. فأبى أن يطلِّقها. فلمَّا كان بعدُ طلَّقَها، فقيل له: ألا طلَّقتَها حين أمرك عمر؟ فقال: كرهتُ أن يظن الناس أني ركبتُ أمرًا لا ينبغي.

стр. 622

وقد تأوَّلت الشيعةُ الآية على غير تأويلها، فقالوا: "المحصنات من المؤمنات" من كانت مسلمةً في الأصل، "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" من كانت كتابيةً ثم أسلمت. قالوا: وحمَلَنا على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا اُلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وأي شركٍ أعظم من قولها: الله ثالث ثلاثةٍ؟! وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وأجاب الجمهور بجوابين (١): أحدهما: أن المراد بالمشركات الوثنيات. قالوا: وأهل الكتاب لا يدخلون في لفظ المشركين في كتاب الله تعالى. قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]. وكذلك الكوافر المنهيّ عن التمسك بعصمتهن إنما هن (٢) المشركات، فإن الآية نزلت في قصة الحديبية، ولم يكن للمسلمين زوجاتٌ من أهل الكتاب إذ ذاك، وغاية ما في ذاك التخصيص، ولا محذورَ فيه إذا دلَّ عليه دليلٌ.

стр. 623

الجواب الثاني: جواب الإمام أحمد، قال في رواية ابنه صالحٍ (١): قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا اُلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، وقال في سورة المائدة، وهي آخر ما نزل من القرآن: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. فصل فإن قيل: فإذا كان قوله: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ المراد به إحصان العفة لا إحصان الحرية، فمن أين حرمتم نكاح الأمة الكتابية؟ قيل: الجواب من وجهين (٢)، أحدهما: أن تحريم الأمة الكتابية لم ينعقد عليه الإجماع، فأبو حنيفة يجوِّزه (٣). وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم (٤): الكراهة في إماء أهل الكتاب ليست بالقوية، إنما هو شيء تأوله الحسن ومجاهدٌ. هذا نصه. وهذا من نصِّه كالصريح بأنه ليس بمحرَّمٍ، وأقلُّ ما في ذلك توقُّفه عن التحريم، لكن قال الخلال (٥): توقُّف أحمد في رواية ابن القاسم لا يَرُدُّ قول

стр. 624

من قطع. وقد روى عنه هذه المسألة أكثرُ من عشرين نفسًا أنه لا يجوز. فالمسألة إذن مسألة نزاعٍ، والحجة تَفصِل بين المتنازعين (١). قال المبيحون: قال الله تعالى: ﴿فَاَنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ اَلنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، فإذا طابت له الأمة الكتابية فقد أذن له في نكاحها. وقال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ولم يذكر في المحرمات الأمة الكتابية. وقال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، والمراد بالصالحين من صلُح للنكاح، هذا أصحُّ التفسيرين. وذهبت طائفةٌ إلى أنه الإيمان (٢). والأول أصح، فإن الله سبحانه لم يأمرهم بإنكاح أهل الصلاح والدين خاصةً من عبيدهم وإمائهم، كما لم يخصَّهم بوجوب الإنفاق عليهم، بل يجب على السيد إعفافُ عبده وأمته كما يجب عليه الإنفاق عليه، فإن ذلك من تمام مصالحه وحقوقه على سيده، فقد أطلق الأمر بتزويج الإماء مسلماتٍ كنّ أو كافراتٍ، ولم يمنع من تزويج الأمة الكافرة بمسلم.

стр. 625

قالوا: وقد قال: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فدلَّ على جواز نكاح النوعين، وأن هذا خيرٌ من هذا. قالوا: وقد أباح الله سبحانه وطأهن بملك اليمين، فكذلك يجب أن يباح وطؤهن بعقد النكاح، وعكسهن المجوسيات والوثنيات. قالوا: فكل جنسٍ جاز نكاح حرائرهم جاز نكاح إمائهم كالمسلمات. قالوا: ولأنه يجوز نكاحها بعد عتقها، فيجوز نكاحها قبله كالأمة المسلمة. قالوا: ولأنها يجوز للذمي نكاحها، فجاز للمسلم نكاحها كالحرة الكتابية، وعكسه الوثنية. قالوا: ولأنه تباح ذبيحتها، فأبيح نكاحها كالحرة. قال المحرّمون: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فأباح تعالى نكاح الأمة بثلاثة شروطٍ: أحدها: عدم الطَّول لنكاح الحرة. والثاني: إيمان الأمة المنكوحة. والثالث: خشية العَنَت. فلا تتحقق الإباحة بدون هذه الأمور الثلاثة؛ لأن الفرج كان حرامًا قبل ذلك، وإنما أبيح على هذا الوجه وبهذا الشرط، فإذا انتفى ذلك بقي على

стр. 626

أصل التحريم. قال المبيحون: غاية هذا أنه مفهومُ شرطٍ، والمفهوم عندنا ليس بحجةٍ. قال المحرّمون: نحن نساعدكم على أن المفهوم ليس بحجةٍ، ولكن الأصل في الفروج التحريم، ولا يباح منها إلا ما أباحه الله ورسوله، والله سبحانه إنما أباح نكاح الأمة المؤمنة، فيبقى ما عداها على أصل التحريم. على أن الإيمان لو لم يكن شرطًا في الحلّ لم يكن في ذكره فائدةٌ، بل كان زيادةً في اللفظ ونقصانًا من المعنى، وتوهُّمًا لاختصاص الحلِّ ببعض محالِّه، وكلام العقلاء فضلًا عن كلام رب الأرض والسماء يُصان عن ذلك. يوضحه أن صفة الإيمان صفةٌ مقصودةٌ، فتعليق الحكم بها يدلُّ على أنها هي العلة في ثبوته، ولو أُلغيت الأوصاف التي عُلِّقت بها الأحكام لفسدت الشريعة، كقوله: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرمُونَ اَلْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، وقوله: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، ونظائره أكثر من أن تحصر. قال المبيحون: لا يمكنكم الاستدلال بالآية؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فلم يبح نكاح الأمة إلا عند عدم الطول لنكاح الحرة المؤمنة. وقلتم: لا يباح له نكاح الأمة إذا قَدَر على حرةٍ كتابيةٍ، فألغيتم وصف الإيمان في الأصل، فكيف تنكرون على من ألغاه في البدل؟ قال المحرمون ــ واللفظ لأبي يعلى ــ: لو خلّينا والظاهر لقلنا: إيمان

стр. 627

المحصنات شرطٌ، لكن قام دليل الإجماع على تركه، ولم يقم دليل على ترك شرطه في الفتيات. قلت: لم تُجمِع الأمّة (١) على أن إيمان المحصنات ليس شرطًا، بل أحد الوجهين للشافعية: أنه إذا قدر على نكاح حرةٍ كتابيةٍ، ولم يقدر على نكاح حرةٍ مسلمةٍ، أنه ينتقل إلى الأمة. وهذا قول قوي، وظاهر القرآن يقتضيه. وقد يقال: إن آية النساء متقدمةٌ على آية المائدة التي فيها إباحة المحصنات من أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فحينئذ أبيح نكاح الكتابيات. قال المحرمون: قال الله تعالى: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، والإحصان هاهنا هو إحصان الحرية. قال القاضي إسماعيل في "أحكام القرآن" (٢): يقع الإحصان على العفة، ويقع على الحرية، وإنما أريد بهذا الموضع الحرية؛ لأنه لو أريد به العفة لما جاز لمسلمٍ أن يتزوج نصرانيةً ولا يهوديةً حتى يثبت عفتها، ولما جاز له أيضًا أن يتزوج ــ بهذه الآية ــ مسلمةً حتى يثبت عفتها؛ لأن اللفظ جاء في

стр. 628

الموضعين على شيء واحدٍ، فعُلِم أنهن الحرائر المؤمنات والحرائر من (١) أهل الكتاب، لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. وقد حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، أخبرنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: لا يحل نكاح إماء أهل الكتاب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢). حدثنا علي، حدثنا يزيد بن زُريعٍ، ثنا يونس: كان الحسن يكره أن يتزوج الأمة اليهودية والنصرانية، وقال: إنما رخّص الله في الأمة المسلمة، قال تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣). ثم ذكر المنع من نكاح الأمة الكتابية عن إبراهيم ومكحولٍ وقتادة ويحيى بن سعيد، وعن الفقهاء السبعة. وأرفع ما روى فيه عن جابر بن عبد الله.

стр. 629

قال القاضي (١): حدثنا ابن أبي أُويسٍ، حدثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا عن الرجل له عبد مسلم، وأمةٌ نصرانيةٌ، أينكحها إياه؟ قال: لا (٢). قال المبيحون: لم يُجمِع الناس على أن الإحصان هاهنا إحصان الحرية. قال سفيان بن عيينة، عن مطرفٍ، عن عامر: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، قال: إذا أحصنت فرجها، واغتسلت من الجنابة (٣). وصحَّ عن مجاهدٍ: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، قال: هن العفائف (٤). قالوا: ولو طولبتم بموضع واحدٍ من القرآن أريد بالإحصان فيه الحرية لا يصلح لغيرها لم تجدوا إليه سبيلًا، والذي اطَّرد مجيء القرآن به في هذه اللفظة شيئان: العفة والتزويج، وأما الإسلام والحرية فلم يتعين إرادة واحدٍ منهما باللفظ. وقولكم: إنه لو أريد به العفة لما جاز التزوُّج بالكتابية ولا بالمسلمة إلا

стр. 630

بعد ثبوت عفتها، فهذا هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة في غير موضع. ومن محاسن الشريعة تحريم نكاح البغايا، فإنه من أقبح الأمور، والناس إذا اجتهدوا في تعيير الرجل قالوا: زوجُ بَغِيٍّ، ومثل هذا فطرةٌ فطر الله عليها الخلق، فلا تأتي شريعةٌ بإباحته. والبغيُّ خبيثةٌ، والله سبحانه حرَّم الخبائث من المناكح كما حرَّمها من المطاعم، ولم يُبِح نكاح المرأة إلا بشرط إحصانها، وقال في نكاح الزواني: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، ولم ينسخ هذه الآيةَ شيء. ويكفي في نكاح الحرة عدم اشتهار زناها، فإن الأصل عفتها، فعفتها ثابتةٌ بالأصل، فلا يشقُّ اشتراطها، فإذا اشتهر زناها حرم نكاحها، فإذا تابت فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وأما ما ذكرتم عن جابرٍ ﵁ والتابعين من التحريم فقد عارضهم آخرون. قال ابن أبي شيبة (١): حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن أبي مَيْسرة قال: إماء أهل الكتاب بمنزلة حرائرهم.

стр. 631

قال المحرِّمون: وأما قياسكم التزوج بالأمة الكتابية على وطئها فقياسٌ فاسدٌ جدًّا، فإن واطئ الأمة بملك اليمين ينعقد ولده حرًّا مسلمًا، فلا يضرُّ وطء الأمة الكافرة بملك اليمين. وأما واطئ الأمة بعقد النكاح فإن ولده ينعقد رقيقًا لمالك الأمة، وفي ذلك التسببُ إلى إثبات ملك الكافر على المسلم، فافترقا. ولهذا يجوز وطء الأمة المسلمة بملك اليمين، ولا يجوز وطؤها بعقد النكاح إلا عند الضرورة بوجود الشرطين، وما ثبت للضرورة يقدَّر بقدرها، ولم يجز أن يتعدَّى، والضرورة تزول بنكاح الأمة المسلمة، فيُقتصَر عليها كما اقتُصِر في جواز أكل الميتة ولحم الخنزير على قدر الضرورة. قال المبيحون: هذا ينتقض عليكم بما لو كانت الأمة الكافرة كبيرةً لا يَحبَلُ مثلها، أو كانت لمسلم، فإن الولد لا يثبت عليه ملك كافرٍ. قال المحرِّمون: أليس الجواز يفضي إلى هذا فيما إذا كانت الأمة لكافرٍ، وهي ممن تحبل؟ ولم يفرِّق أحدٌ. بل القائل قائلان: قائل بالجواز مطلقًا، وقائل بالمنع مطلقًا، والشارع إذا منع من الشيء لمفسدةٍ تتوقع منه سدَّ بابَ تلك المفسدة بالكلية. ولهذا لما حرم نكاح الأمة إلا عند عدم الطول وخوف العَنَت خشية إرقاقِ الولد= لم يبح نكاح العاقر التي لا تَحْبَل ولا تلد بدون الشرطين. قالوا: وأما قولكم: إنه يجوز (١) نكاحها بعد العتق فجاز قبله= فحاصله

стр. 632

قياس الأمة الكتابية على الحرة، وهو قياسٌ باطلٌ لما عُلِم من الفرق. وأما قولكم: إنه يجوز للكافر نكاحها، فجاز للمسلم= فمن أبطل القياس، فإن المجوسية يجوز للمجوسي نكاحها، ولا يجوز للمسلم، والخمر والخنزير مالٌ عندهم دون المسلمين. وأما قياسكم حلَّ النكاح على حلِّ الذبيحة فقياسٌ فاسدٌ، فإن الرقّ لا تأثير له في الذبائح، وله تأثيرٌ في النكاح. قالوا: وأما قوله تعالى: ﴿فَاَنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ اَلنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، فالمراد به ما حلَّ وأُذِن فيه، وهو سبحانه لم يأذن إلا في ثلاثة أصنافٍ من النساء: الحرائر من المسلمات، والحرائر من الكتابيات، والإماء من المسلمات، فبقي الإماء الكتابيات لم يأذن فيهن، فبقين على أصل التحريم. ولمّا أذن في وطئهن بملك اليمين قلنا بإباحته. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ففي الآية ما يدلُّ على التحريم، وهو قوله: ﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، أي غير زناةٍ. والتزوُّج بمن لم يبح الله التزوّج بها حرامٌ باطلٌ، فيكون زنًا. على أنه عامٌّ مخصوصٌ بالإجماع، والعامُّ إذا خُصَّ فمن الناس من لا يحتجُّ به، والأكثرون على الاحتجاج به، لكنه إذا تطرق إليه التخصيص ضعف أمره. وقيل: التخصيص بالمفهوم والقياس وقول الصحابي وغير ذلك. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فمن استدلَّ به فقد أبعد النُّجعة جدًّا، وهو إلى أن يكون حجةً عليه أقرب.

стр. 633

قالوا: وحكمة الشريعة تقتضي تحريمها، لاجتماع النقصين (١) فيها، وهما نقص الدين ونقص الرق، بخلاف الحرة الكتابية والأمة المسلمة، فإن أحد النقصين جُبِر (٢) بعدم الآخر. قالوا: وقد كانت قضية المساواة في الكفاءة تقتضي كون المرأة كفؤًا للرجل كما يكون الرجل كفؤًا لها، ولكن لما كان الرجال قوَّامين على النساء، والنساء عَوانٍ عندهم، لم يشترط مكافأتهن للرجال، وجاز للرجل أن يتزوَّج من لا تكافئه لحاجته إلى ذلك. فإذا فقدت صفات الكفاءة جملةً بحيث لم يوجد منها صفةٌ واحدةٌ في دينٍ ولا حريةٍ ولا عفةٍ اقتضت محاسن الشريعة صيانته عنها بتحريمها عليه. فهذا غاية ما يقال في هذه المسألة، والله أعلم. فصل قال القاضي: يكره نكاح الكتابية، فإن فعل عَزَلَ عنها. نصَّ عليه في رواية ابن هانئٍ. قلت: هذا وهم من القاضي، وإنما الذي نصّ عليه أحمد ما رواه عنه ابنه عبد الله (٣)، قال: أكره أن يتزوج الرجل في دار الحرب، أو يتسرى من أجل ولده.

стр. 634

وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم (١): لا يتزوج ولا يتسرى الأسير في دار الحرب، وإن خاف على نفسه لا يتزوج. وقال في رواية حنبلٍ (٢): ولا يتزوج الأسير، ولا يتسرى بمسلمةٍ، إلا أن يخاف على نفسه، فإذا خاف على نفسه لا يطلب الولد. ولم يقل أحمد: إنه إذا تزوج الكتابية في دار الإسلام يعزِل عنها. ولا وجه لذلك البتة. فصل ويجوز نكاح السامرة، فإنهم صنفٌ من اليهود، وإن كانوا فيهم بمنزلة أهل البدع في المسلمين، فإنهم يدينون بزعمهم بالتوراة، ويَسْبِتون مع اليهود. وأما الصابئة فهل تجوز مناكحتهم؟ قال القاضي: ظاهر كلام أحمد يقتضي روايتين: إحداهما: أنهم صنفٌ من اليهود، قال في رواية محمد بن موسى (٣) في الصابئين: بلغني أنهم يسبتون، فهؤلاء إذا أَسْبتوا (٤) يُشبِهون اليهود.

стр. 635

والثانية: أنهم صنفٌ من النصارى، قال في رواية حنبلٍ (١): الصابئون جنسٌ من النصارى، إذا كان لهم كتابٌ أُكِل من طعامهم. قال القاضي: فينظر في حالهم، فإن وافقوا اليهود والنصارى في أصل دينهم وخالفوهم في الفروع جازت مناكحتهم، وإن خالفوهم في أصل دينهم لم تجز مناكحتهم، وقد تقدمت المسألة مستوفاةً في أول الكتاب (٢). فصل قال القاضي: ومن كان متمسكًا بغير التوراة والإنجيل كزبور داود وصحف شِيث وإبراهيم، هل يُقَرُّون على ذلك؟ وهل تحلُّ مناكحتهم وذبائحهم؟ على وجهين (٣): أحدهما: يُقَرُّون ويناكحون، على ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصورٍ (٤) وقد سئل عن نكاح المجوس، فقال: لا يعجبني إلا من أهل الكتاب. فأطلق القول في أهل الكتاب، ولم يخص أهل الكتابين. وقال في رواية حنبلٍ (٥): قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا اُلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢١٩]، مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام. ففسَّر الآية
следующие страницы →