← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ومنها: أن الجيش ليس لهم أن يَغُلُّوا من الغنيمة، ولا يَغدِروا بالعهد، ولا يَمْثُلوا بالكفّار، ولا يقتلوا من لم يبلغ الحُلُم. ومنها: أن المسلمين يدعون الكفار قبل قتالهم إلى الإسلام، وهذا واجبٌ إن كانت الدعوة لم تبلُغْهم، ومستحبٌّ إن بلغَتْهم الدعوة. هذا إذا كان المسلمون هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم من غير دعوةٍ، لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم. ومنها: إلزامهم بالتحوُّل إلى دار الإسلام إذا كانوا مقيمين بين الكفار، فإن أسلموا كلُّهم وصارت الدار دارَ إسلامٍ لم يُلْزَموا بالتحوُّل منها، بل يقيموا (١) في ديارهم. وكانت دار الهجرة في زمن رسول الله ﷺ هي دار الإسلام، فلما أسلم أهل الأمصار صارت البلاد التي أسلم أهلها بلاد الإسلام، فلا يلزمهم الانتقال منها. ومنها: أن الأعراب ليس لهم شيء في الفيء ولا في الغنائم ما لم يقاتلوا، فإذا قاتلوا استحقُّوا من الغنيمة ما يستحقُّه مَن شهد الوقعةَ، وأما الأعراب الذين لا يقاتلون الكفار مع المسلمين فليس لهم شيء في الفيء ولا في الغنيمة. ومنها: أن الجزية تُؤخذ من كل كافرٍ، هذا ظاهر هذا الحديث، ولم يستثنِ منه كافرًا من كافرٍ. ولا يقال: هذا مخصوصٌ بأهل الكتاب خاصَّةً، فإن اللفظ يأبى

стр. 72

اختصاصَه (١) بأهل الكتاب. وأيضًا فسرايا رسول الله ﷺ وجيوشه أكثرَ ما كانت تقاتل عَبَدةَ الأوثان من العرب. ولا يقال: إن القرآن يدلُّ على اختصاصها بأهل الكتاب، فإن الله سبحانه أمر بقتال أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية، والنبي ﷺ أمر بقتال المشركين حتى يُعطوا الجزية، فيؤخذ من أهل الكتاب بالقرآن ومن عموم الكفار بالسنة، وقد أخذها رسول الله ﷺ من المجوس وهم عُبَّاد النار، لا فرقَ بينهم وبين عبدة الأوثان. ولا يصح أنهم أهل الكتاب ولا كان لهم كتابٌ، ولو كانوا أهلَ كتابٍ عند الصحابة ﵃ لم يتوقَّفْ عمر ﵁ في أمرهم، ولم يقلِ النبي ﷺ : "سُنُّوا بهم سنةَ أهلِ الكتاب"، بل هذا يدلُّ على أنهم ليسوا أهلَ كتابٍ. وقد ذكر الله سبحانه أهل الكتاب في القرآن في غير موضع، وذكر الأنبياء الذين أنزل عليهم الكتب والشرائع العظام، ولم يذكر للمجوس ــ مع أنها أمةٌ عظيمةٌ من أعظم الأمم شوكةً وعددًا وبأسًا ــ كتابًا ولا نبيًّا، ولا أشار إلى ذلك، بل القرآن يدلُّ على خلافه كما تقدَّم، فإذا أُخِذت من عُبَّاد النيران فأيُّ فرقٍ بينهم وبين عُبَّاد الأوثان؟ فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يأخذها من أحدٍ من عُبَّاد الأوثان مع كثرة قتاله لهم. قيل: أجلْ، وذلك لأن آية الجزية إنما نزلت عامَ تبوك في السنة التاسعة من الهجرة بعد أن أسلمت جزيرة العرب ولم يبقَ بها أحدٌ من عبَّاد الأوثان،

стр. 73

فلما نزلت آية الجزية أخذها النبي ﷺ ممن بقي على كفره من النصارى والمجوس، ولهذا لم يأخذها من يهود المدينة حين قدم المدينة، ولا من يهود خيبر، لأنهم (١) صالحهم قبل نزول آية الجزية. وهذه الشبهة هي التي أوقعتْ عند اليهود أن أهل خيبر لا جزية عليهم، وأنهم مخصوصون بذلك من جملة اليهود، ثم أكَّدوا أمرها بأن زوَّروا كتابًا (٢) فيه أن رسول الله ﷺ أسقط عنهم الكُلَفَ (٣) والسُّخَر (٤) والجزية، ووضعوا فيه شهادة سعد بن معاذٍ ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهما. وهذا الكتاب كذِبٌ مختلقٌ بإجماع أهل العلم من عشرة أوجهٍ (٥): منها: أن أحدًا من علماء النقل والسير والمغازي لم يذكر (٦) أن ذلك وقع البتةَ، مع عنايتهم بضبط ما هو دون ذلك بكثيرٍ. الثاني: أن الجزية إنما نزلت بعد فتح خيبر، فحينَ صالح أهل خيبر لم

стр. 74

تكن الجزية نزلت حتى يضَعَها عنهم. الثالث: أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن أسلم بعدُ، فإنه إنما أسلم عامَ الفتح بعد خيبر. الرابع: أن سعد بن معاذٍ توفي عام الخندق قبل فتح خيبر. الخامس: أنه لم يكن في زمن رسول الله ﷺ على أهل خيبر كُلَفٌ ولا سُخَرٌ حتى تُوضَع عنهم. السادس: أنه لم يكن لأهل خيبر من الحرمة ورعاية حقوق المسلمين ما يقتضي وضعَ الجزية عنهم، وقد كانوا من أشدِّ الكفار عداوةً لرسول الله ﷺ وأصحابه، فأيُّ خيرٍ حصل بهم للمسلمين حتى تُوضع عنهم الجزية دون سائر الكفار؟ السابع: أن الكتاب الذي أظهروه ادَّعَوا أنه بخط علي بن أبي طالب ﵁، وهذا كذبٌ قطعًا، وعداوة علي ﵁ لليهود معروفةٌ، وهو الذي قتل مرحبًا اليهودي (١)، وأثخنَ في اليهود يومَ خيبر حتى كان الفتح على يديه. الثامن: أن هذا لا يُعرف إلا من رواية اليهود، وهم القوم البُهت، أكذبُ الخلق على الله وأنبيائه ورسله، فكيف يُصدَّقون على رسول الله ﷺ فيما يخالف كتاب الله تعالى؟!

стр. 75

التاسع: أن هذا الكتاب لو كان صحيحًا لأظهروه في أيام الخلفاء الراشدين، وفي أيام عمر بن عبد العزيز، وفي أيام المنصور والرشيد، وكان أئمة الإسلام يستثنونهم ممن تُوضع عنهم الجزية، أو يذكر (١) ذلك فقيهٌ واحدٌ من فقهاء المسلمين، ولا يجوز على الأمة أن تُجمِع على مخالفة سنة نبيِّها. وكيف يكون بأيدي أعداء الله كتابٌ من رسول الله ﷺ ولا يحتجُّون به كلَّ وقتٍ على من يأخذ الجزية منهم، ولا يذكره عالمٌ واحدٌ من علماء السلف؟ وإن اغترَّ به بعضُ من لا علْمَ له بالسيرة والمنقول من المتأخرين، فَشنَّع (٢) عليه أصحابه، وبيَّنوا خطأه، وحذَّروا من سقطته. العاشر: أن أئمة الحديث والنقل يشهدون ببطلان هذا الكتاب، وأنه زُورٌ مفتعلٌ وكذبٌ مختلقٌ (٣). ولما أظهره اليهود بعد الأربع مائةٍ على عهد الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي أرسل إليه الوزير ابن المسلمة، فأوقفَه عليه فقال الحافظ: هذا الكتاب زورٌ، فقال له الوزير: من أين هذا؟ فقال: فيه شهادة سعد بن معاذٍ ومعاوية بن أبي سفيان، وسعدٌ مات يومَ الخندق قبل خيبر، ومعاوية أسلم يوم الفتح سنة ثمانٍ، وخيبر كانت سنة سبعٍ. فأعجب ذلك الوزير (٤).

стр. 76

والمقصود أن النبي ﷺ لم يأخذ الجزية من أحدٍ من مشركي العرب لأن آية الجزية نزلت بعد عام تبوك، وكانت عُبَّاد الأصنام من العرب كلهم قد دخلوا في الإسلام، فأخذها النبي ﷺ ممن لم يدخل في الإسلام من اليهود ومن النصارى ومن المجوس. قال المخصِّصون بالجزية لأهل الكتاب: المراد من إرسال الرسل وإنزال الكتب إعدامُ الكفر والشرك من الأرض وأن يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَيَكُونَ اَلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. ومقتضى هذا أن لا يُقَرَّ كافرٌ على كفره، ولكن جاء النص بإقرار أهل الكتاب إذا أَعطَوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، فاقتصرنا بها عليهم، وأخذنا في عموم الكفار بالنصوص الدَّالة على قتالهم إلى أن يكون الدين كله لله. قالوا: ولا يصح إلحاق عَبَدة الأوثان بأهل الكتاب؛ لأن كفر المشركين أغلظ من كفر أهل الكتاب، فإن أهل الكتاب معهم من التوحيد وبعض آثار الأنبياء ما ليس مع عبَّاد الأصنام، ويؤمنون بالمعاد والجزاء والنبوات بخلاف عبدة الأصنام. وعَبَدة الأصنام حربٌ لجميع الرسل وأممِهم من عهد نوحٍ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين؛ ولهذا أثَّر هذا التفاوتُ الذي بين الفريقين في حلِّ الذبائح وجواز المناكحة من أهل الكتاب دون عُبَّاد الأصنام.

стр. 77

ولا ينتقض هذا بالمجوس، فإن رسول الله ﷺ أمر أن يُسَنَّ بهم سنةَ أهل الكتاب، وهذا يدلُّ على أن الجزية إنما تُؤخذ من أهل الكتاب، وأنها إنما وُضِعت لأجلهم خاصةً، وإلا لو كانت الجزية تعمُّ جميعَ الكفار لم يكن أهل الكتاب أولى بها من غيرهم، ولقال: لهم حكم أمثالهم من الكفَّار يقاتَلون حتى يُسلِموا أو يعطوا الجزية. وأما تحريم ذبائحهم ومناكحتهم فاتفاقٌ من الصحابة ﵃، ولهذا أنكر الإمام أحمد وغيره على أبي ثورٍ طَرْدَه القياسَ وإفتاءه بحلِّ ذبائحهم وجواز مناكحتهم (١)، ودعا عليه أحمد (٢) حيث أقدمَ على مخالفة أصحاب رسول الله ﷺ . والصحابة كانوا أفقه وأعلم وأسدَّ قياسًا ورأيًا، فإنهم أخذوا في الدماء بحَقْنِها موافقةً لقول رسول الله ﷺ وفعله حيث أخذَها منهم، وأخذوا في الأبضاع والذبائح بتحريمها احتياطًا وإبقاءً لها على الأصل، وإلحاقًا لهم بعبَّاد الأوثان، إذ لا فرقَ في ذلك بين عبَّاد الأوثان وعبَّاد النيران، فالأصل في الدماء حقْنُها، وفي الأبضاع والذبائح تحريمها، فأبقَوا كلَّ شيء على أصله، وهذا غاية الفقه وأسدُّ ما يكون من النظر. قالوا: ولله تعالى حِكَمٌ في إبقاء أهل الكتابين بين أظهُرِنا، فإنهم مع كفرهم شاهدون بأصل النبوات والتوحيد واليوم الآخر والجنة والنار، وفي كتبهم من البشارات بالنبي ﷺ وذكرِ نعوته وصفاته وصفات أمته ما هو من آيات نبوته وبراهين رسالته، وما يشهد بصدق الأول والآخر.

стр. 78

وهذه الحكمة تختص بأهل الكتاب دون عَبَدة الأوثان، فبقاؤهم من أقوى الحجج على منكري النبوات والمعاد والتوحيد، وقد قال الله تعالى لمنكري ذلك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ذكر هذا عقب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، يعني: سلوا أهل الكتاب هل أرسلنا قبل محمد رجالًا يوحى إليهم أم كان محمد بِدْعًا من الرسل لم يتقدمه رسولٌ، حتى يكون إرساله أمرًا منكرًا لم يَطْرُقِ العالمَ رسولٌ قبله؟ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، والمراد بسؤالهم سؤال أممهم عما جاؤوهم به: هل فيه أن الله شرع لهم أن يُعبدَ من دونه إلهٌ غيره؟ قال الفراء (١): المراد سؤال أهل التوراة والإنجيل، فيخبرونه عن كتبهم وأنبيائهم. وقال ابن قتيبة (٢): التقدير: واسألْ من أرسلنا إليهم رُسُلًا من قبلك، وهم أهل الكتاب. وقال ابن الأنباري (٣): التقدير: وسَلْ تُبَّاعَ (٤) من أرسلنا من قبلك.

стр. 79

وعلى كل تقديرٍ، فالمراد التقرير لمشركي قريشٍ وغيرهم ممن أنكر النبوات والتوحيد، وأن الله أرسل رسولًا أو أنزل كتابًا أو حرَّم عبادة الأوثان. فشهادة أهل الكتاب بهذا حجةٌ عليهم، وهي من أعلام صحة رسالته ﷺ ، إذ كان قد جاء على ما جاء به إخوانه الذين تقدَّموه من رسل الله سبحانه، ولم يكن بِدْعًا من الرسل، ولا جاء بضدِّ ما جاؤوا به، بل أخبر بمثل ما أخبروا به من غير شاهدٍ (١) ولا اقترانٍ في الزمان، وهذا من أعظم آيات صدقه. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]. وقد أشكلت هذه الآية على كثيرٍ من الناس، وأورد اليهودُ والنصارى على المسلمين فيها إيرادًا وقالوا: كان في شكٍّ فأُمِر أن يسألنا. وليس فيها بحمد الله إشكالٌ، وإنما أُتِي أشباهُ الأنعام من سوء قصدهم وقلة فهمهم، وإلّا فالآية من أعلام نبوته صلوات الله وسلامه عليه. وليس في الآية ما يدل على وقوع الشك ولا السؤال أصلًا، فإن الشرط لا يدل على وقوع المشروط بل ولا على إمكانه، كما قال تعالى: ﴿كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٢]، ونظائره، فرسول الله ﷺ لم يشكَّ ولم يسألْ.

стр. 80

وفي تفسير سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: "لا أشكُّ ولا أَسأل" (١). وقد ذكر ابن جريجٍ عن ابن عباس ﵄ قال: فإن كنتَ في شكٍّ أنك مكتوبٌ عندهم فسَلْهم (٢). وهذا اختيار ابن جريرٍ؛ قال: يقول تعالى لنبيِّه: فإن كنت يا محمد في شكٍّ من حقيقة ما أخبرناك وأنزلنا إليك، من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن أبعثك رسولًا إلى خلقي، لأنهم يجدونك مكتوبًا عندهم ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوفٌ في كتبهم، فسَلِ الذين يقرؤون الكتاب من قبلك كعبد الله بن سلامٍ ونحوه من أهل الصدق والإيمان بك منهم، دون أهل الكذب والكفر بك. وكذلك قال ابن زيدٍ، قال: هو عبد الله بن سلامٍ. وقال الضحاك: سلْ أهلَ التقوى والإيمان من مؤمني أهل الكتاب (٣). ولم يقع هؤلاء ولا هؤلاء على معنى الآية ومقصودها، وأين كان عبد الله بن سلامٍ وقتَ نزول هذه الآية؟ فإن السورة مكيةٌ، وابن سلامٍ إذ ذاك على دين قومه، وكيف يؤمر رسول الله ﷺ أن يستشهد على منكري نبوته بأتباعه؟

стр. 81

وقال كثيرٌ من المفسرين (١): هذا الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره؛ لأن القرآن نزل عليه بلغة العرب، وهم قد يخاطبون الرجل بالشيء ويريدون غيره، كما يقول متمثِّلُهم: إياكِ أعني واسمعِيْ يا جَاره (٢). وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، والمراد أتباعه بهذا الخطاب. قال أبو إسحاق (٣): إن الله تعالى يخاطب النبي ﷺ والخطاب شاملٌ للخلق، والمعنى: وإن كنتم في شكٍّ [فاسألوا]. والدليل على ذلك قوله تعالى في آخر السورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٠٤]. وقال ابن قتيبة (٤): كان الناس في عصر النبي ﷺ أصنافًا: منهم كافرٌ به مكذِّبٌ، وآخر مؤمنٌ به مصدِّقٌ، وآخر شاكٌّ في الأمر لا يدري كيف هو، فهو يقدِّم رجلًا ويؤخِّر رجلًا، فخاطب الله تعالى هذا الصنف من الناس وقال: فإن كنتَ أيها الإنسان في شكٍّ مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد فسَلْ.

стр. 82

قال (١): ووحَّد وهو يريد الجمع، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، و: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، و ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: ٩]. وهذا وإن كان له وجهٌ فسياق الكلام يأباه، فتأمَّلْه وتأمَّلْ قوله تعالى: ﴿يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، وهذا كله خطاب واحدٌ متصلٌ بعضه ببعضٍ. ولما عرف أرباب هذا القول أن الخطاب لا يتوجَّه إلا على النبي ﷺ قالوا: الخطاب له والمراد به هذا الصنف الشاكّ. وكل هذا فرارٌ من توهُّمِ ما ليس بموهومٍ، وهو وقوع الشك منه والسؤال، وقد بيَّنا أنه لا يلزم إمكان ذلك فضلًا عن وقوعه. فإن قيل: فإذا لم يكن واقعًا ولا ممكنًا فما مقصود الخطاب والمراد به؟ قيل: المقصود به إقامة الحجة على منكري النبوات والتوحيد، وأنهم مقرُّون بذلك لا يجحدونه ولا ينكرونه، وأن الله سبحانه أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بذلك، وأرسل ملائكته إلى أنبيائه بوحيه وكلامه، فمن شكَّ في ذلك فليسأل أهل الكتاب. فأخرج هذا المعنى في أوجز عبارةٍ وأدلِّها

стр. 83

على المقصود، بأن جعل الخطاب لرسوله الذي لم يشكَّ قطُّ ولم يسألْ قطُّ، ولا عرضَ له ما يقتضي ذلك. وأنتَ إذا تأملتَ هذا الخطاب بدا لك على صفحاته: مَن شكَّ فليسألْ فرسولي لم يشكَّ ولم يسألْ. والمقصود ذكر بعض الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية، وهذه الحكمة منتفيةٌ في حق غيرهم، فيجب قتالهم حتى يكون الدين كلُّه لله. والمسألة مبنيةٌ على حرفٍ، وهو أن الجزية هل وُضِعت عاصمةً للدم، أو مُظهِرًا لصَغار الكفر وإذلال أهله فهي عقوبةٌ؟ فمن راعى فيها المعنى الأول قال: لا يلزم من عصمتها لدم من خفَّ كفرُه بالنسبة إلى غيره ــ وهم أهل الكتاب ــ أن تكون عاصمةً لدم من يغلُظ كفره. ومن راعى فيها المعنى الثاني قال: المقصود إظهار صَغار الكفر وأهله وقهرهم، وهذا أمرٌ لا يختصُّ أهلَ الكتاب بل يعمُّ كلَّ كافرٍ. قالوا: وقد أشار النصُّ إلى هذا المعنى بعينه في قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فالجزية صَغارٌ وإذلالٌ، ولهذا كانت بمنزلة ضرب الرقّ. قالوا: وإذا جاز إقرارهم بالرقّ على كفرهم جاز إقرارهم عليه بالجزية بل أولى (١)؛ لأن عقوبة الجزية أعظم من عقوبة الرق؛ ولهذا يُسترقُّ من لا

стр. 84

تجب عليه الجزية من النساء والصبيان وغيرهم. فإن قلتم: لا يُسترقُّ غيرُ (١) الكتابي ــ كما هي إحدى الروايتين عن أحمد (٢) ــ كنتم محجوجين بالسنة واتفاق الصحابة، فإن النبي ﷺ كان يَسترِقُّ سبايا عبدةِ الأوثان، ويجوز لساداتهن وطؤهن بعد انقضاء عدتهن، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في قصة سبايا أوطاسٍ ــ وكانت في آخر غزوات العرب بعد فتح مكة ــ أنه قال: "لا تُوطأُ حاملٌ حتى تضَعَ، ولا حائلٌ حتى تُستبرأَ بحيضةٍ" (٣). فجوَّز وطأهن بعد الاستبراء ولم يشترط الإسلام، وأكثر ما كانت سبايا الصحابة في عصر النبي ﷺ من عَبَدة الأوثان، ورسول الله ﷺ يُقِرُّهم على تملُّكِ السبي. وقد دفع أبو بكر الصديق إلى سلمة بن الأكوع ﵄ امرأةً من السبي نفَّلَها إياه، وكانت من عُبَّاد الأصنام (٤).

стр. 85

وأخذ عمر وابنه ﵄ من سبي هوازن (١)، وكذلك غيرهما من الصحابة. وهذه الحنفية أم محمد بن علي من سبي بني حنيفة (٢). وفي الحديث: "من قال كذا وكذا فكأنما أعتقَ أربعَ رِقابٍ من ولد إسماعيل" (٣)، ولم يكونوا أهل كتابٍ، بل أكثرهم من عبدة الأوثان. قالوا: وإذا جاز المنُّ على الأسير وإطلاقُه بغير مالٍ ولا استرقاقٍ، فلَأن يجوزَ إطلاقه بجزيةٍ تُوضع على رقبته تكون قوةً للمسلمين أولى وأحرى. فضربُ الجزية عليه إن كان عقوبةً فهو أولى بالجواز من عقوبة الاسترقاق، وإن كان عصمةً فهو أولى بالجواز من عصمته بالمنّ عليه مجَّانًا. فإذا جاز إقامته بين المسلمين بغير جزيةٍ فإقامته بينهم بالجزية أجوزُ وأجوزُ، وإلا فيكون أحسنَ حالًا من الكتابي الذي لا يقيم بين أظهُرِ المسلمين إلا بالجزية.

стр. 86

فإن قلتم: إذا مننَّا عليه ألحقناه بمأمنه، ولم نمكِّنه من الإقامة بين المسلمين. قيل: إذا جاز إلحاقه بمأمنه ــ حيث يكون قوةً للكفار وعونًا لهم وبصدد المحاربة لنا ــ مجَّانًا، فلَأن يجوزَ هذا في مقابلة مالٍ يؤخذ منه يكون قوةً للمسلمين وإذلالًا وصَغارًا للكفر وأهله (١) أولى وأولى. يوضحه أنه إذا جازت مهادنتُهم للمصلحة بغير مالٍ ولا منفعةٍ تحصل للمسلمين، فلَأَن يجوز أخذُ المال منهم على وجه الذلِّ والصَّغار وقوة المسلمين أولى، وهذا لا خفاء به. يوضحه أن عَبَدة الأوثان إذا كانوا أمةً كبيرةً لا تُحصى ــ كأهل الهند وغيرهم ــ حيث لا يمكن استئصالهم بالسيف، فإذلالُهم وقهرهم بالجزية أقربُ إلى عزِّ الإسلام وأهله وقوته من إبقائهم بغير جزيةٍ فيكونون أحسنَ حالًا من أهل الكتاب. وسرُّ المسألة: أن الجزية من باب العقوبات، لا أنها كرامةٌ لأهل الكتاب فلا يستحقُّها سواهم. وأما من قال: إن الجزية عوضٌ عن سكنى الدار ــ كما يقوله أصحاب الشافعي (٢) ــ فهذا القول ضعيفٌ من وجوهٍ كثيرةٍ سيأتي التعرضُّ إليها فيما

стр. 87

بعد إن شاء الله تعالى. قالوا: ولأن القتل إنما وجب في مقابلة الحِراب لا في مقابلة الكفر، ولذلك لا يُقتل النساء ولا الصبيان ولا الزَّمْنى والعميان ولا الرهبان الذين لا يقاتلون، بل نقاتل من حاربنا. وهذه كانت سيرة رسول الله ﷺ في أهل الأرض: كان يقاتل من حاربه إلى أن يدخل في دينه أو يُهادِنَه أو يدخل تحت قهره بالجزية، وبهذا كان يأمر سراياه وجيوشه إذا حاربوا أعداءهم كما تقدم من حديث بُريدة، فإذا ترك الكفَّار محاربةَ أهل الإسلام وسالموهم وبذلوا لهم الجزية عن يدٍ وهم صاغرون كان في ذلك مصلحةٌ لأهل الإسلام وللمشركين. أما مصلحة أهل الإسلام فما يأخذونه من المال الذي يكون قوةً للإسلام مع صَغار الكفر وإذلاله، وذلك أنفع لهم من ترك الكفّار بلا جزيةٍ. وأما مصلحة أهل الشرك فما في بقائهم من رجاء إسلامهم إذا شاهدوا أعلام الإسلام وبراهينه، أو بلغَتْهم أخباره، فلا بدَّ أن يدخل في الإسلام بعضهم، وهذا أحبُّ إلى الله من قتلِهم. والمقصود إنما هو أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، وليس في إبقائهم بالجزية ما يناقض هذا المعنى، كما أن إبقاء أهل الكتاب بالجزية بين ظهور المسلمين لا ينافي كونَ كلمةِ الله هي العليا وكونَ الدين كلِّه لله، فإنّ من كون الدين كلِّه لله: إذلالَ الكفر وأهلِه وصَغارَه، وضرْبَ الجزية على رؤوس أهله، والرقَّ على رقابهم. فهذا من دين الله، ولا يناقض

стр. 88

هذا إلا تركُ الكفار على عزِّهم وإقامة دينهم كما يحبُّون، بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة، والله أعلم. فصل وقد احتج بحديث بُريدة هذا من يرى أن قسمة الفيء والخمس موكولٌ (١) إلى اجتهاد الإمام، يضعُه حيث يراه أصلحَ وأهمَّ، والناس إليه أحوج، كما يقول مالك ومن وافقه رحمهم الله تعالى. قالوا: والمهاجرون كانوا في ذلك الوقت أولى بذلك من غيرهم، ولذلك لم يُجعل فيه للأعراب شيء، فإن المهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم لله، ووصلوا إلى المدينة فقراء، وكان أحقّ الناس بالفيء هم ومن واساهم وآواهم. قال القاضي عياضٌ (٢): ولذلك كان النبي ﷺ يُؤثِرهم بالخُمس على الأنصار غالبًا، إلا أن يحتاج أحدٌ من الأنصار. وأما الشافعي (٣) رحمه الله تعالى فإنه أخذ بحديث بُريدة ﵁ في الأعراب، فلم يرَ لهم شيئًا من الفيء، وإنما لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم المردودة في فقرائهم، كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين أحقُّ

стр. 89

بالفيء والصدقة (١). وذهب أبو عبيد إلى أن هذا الحديث منسوخٌ (٢)، وأن هذا كان حكمَ من لم يهاجر أولًا في أنه لا حقَّ له في الفيء، ولا في الموالاة للمهاجرين، ولا في التوارث بينهم وبين المهاجرين. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وبقوله ﷺ : "لا هجرةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيةٌ" (٣). فلم يكن للأعراب إذ ذاك في الفيء نصيبٌ، فلما اتسعت رقعةُ الإسلام وسقط فرض الهجرة صار للمسلمين كلهم حقٌّ في الفيء حتى رعاة الشاء. قال عمر بن الخطاب ﵁: لئن سلَّمني الله ليأتينَّ الراعيَ نصيبُه من هذا المال لم يَعْرَق فيه جبينُه (٤).

стр. 90

فصل وقوله: "فإن سألوك على أن تُنزِلهم على حكم الله فلا تُنزِلْهم على حكم الله، فإنك لا تدري أتصيب حكمَ الله فيهم أم لا" فيه حجةٌ ظاهرةٌ على أنه لا يَسُوغ إطلاق حكم الله على ما لا يعلم العبد أن الله حكم به يقينًا من مسائل الاجتهاد، كما قال بعض السلف (١): ليتَّقِ أحدكم أن يقول: أحلَّ الله كذا أو حرَّم كذا، فيقول الله له كذبتَ، لم أُحِلَّ كذا ولم أُحرِّمه. وهكذا لا يَسُوغ أن يقول: "قال رسول الله ﷺ " لِما لا يعلم صحته ولا ثقةَ رُواته، بل إذا رأى أيَّ حديث كان في أي كتابٍ، يقول: "لقوله ﷺ "، أو "لنا قوله ﷺ ". وهذا خطرٌ عظيمٌ، وشهادةٌ على الرسول بما لا يعلم الشاهد (٢). وكذلك لا يَسُوغ له أن يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما لم

стр. 91

يخبر به سبحانه عن نفسه، ولا أخبر به رسوله عنه، كما يستسهله أهل البدع. بل لا يخبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله إلا بما أخبر به عن نفسه وأخبر به رسوله عنه. وإذا كان النبي ﷺ قد منع الأمير أن يُنزِل أهلَ الحصن على حكم الله وقال: "لعلك لا تدري أَتُصِيبُه أم لا"، فما الظنُّ بالشهادة على الله والحكمِ عليه بأنه كذا أو ليس كذا؟ والحديث صريحٌ في أن حكم الله سبحانه في الحادثة واحدٌ معينٌ، وأن المجتهد يصيبه تارةً ويخطئه تارةً، وقد نصَّ الأئمة الأربعة على ذلك صريحًا. قال أبو عمر بن عبد البر (١): ولا أعلم خلافًا بين الحذَّاق من شيوخ المالكيين ــ ثم عدَّهم ــ ثم قال: كلٌّ يَحكي أن مذهب مالك في اجتهاد المجتهدين والقائسين إذا اختلفوا فيما يجوز فيه التأويل من نوازل الأحكام= أن الحقَّ من ذلك عند الله واحدٌ من أقوالهم واختلافهم، إلا أنَّ كلَّ مجتهدٍ إذا اجتهد كما أُمِر، وبالغ ولم يَألُ، وكان من أهل الصناعة، ومعه آلة الاجتهاد= فقد أدَّى ما عليه، وليس عليه غيرُ ذلك، وهو مأجورٌ على قصده الصوابَ وإن كان الحق من ذلك واحدًا. قال: وهذا القول هو الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي (٢). قال: وهو المشهور من قول أبي حنيفة فيما حكاه محمد بن الحسن

стр. 92

وأبو يوسف والحُذَّاق من أصحابهم (١). قلت: قال القاضي عبد الوهاب (٢): وقد نص مالك على منع القول بإصابة كل مجتهدٍ فقال: ليس في اختلاف أصحاب رسول الله ــ ﷺ ورضي عنهم ــ سعةٌ، إنما هو خطأٌ أو صوابٌ. وسئل أيضًا (٣): ما تقول في قول من يقول: إن كل واحدٍ من المجتهدين مصيبٌ لِما كلِّف؟ فقال: ما هذا هكذا، قولان مختلفان لا يكونان قطُّ صوابًا. وقد نصَّ على ذلك الإمام أحمد، فقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه (٤): إذا اختلفت الرواية عن النبي ﷺ فأخذ رجل بأحد الحديثين وأخذ آخر بحديث آخر ضدّه، فالحق عند الله في واحدٍ، وعلى الرجل أن يجتهد، ثم قال: وإذا اختلف آخر عن رجل آخر منهم فالحق واحد، وعلى الرجل أن يجتهد (٥)، ولا يدري أصاب الحق أم أخطأ.

стр. 93

وأصول الأئمة الأربعة وقواعدهم ونصوصهم على هذا، وأن الصواب من الأقوال كجهة القبلة في الجهات، وعلى هذا أكثر من أربعين دليلًا قد ذكرناها في كتابٍ مفردٍ (١)، وبالله التوفيق. والمقصود أن قول النبي ﷺ في حديث بُريدة: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا" صريحٌ في (٢) أن حكم الله واحدٌ، وأن المجتهد قد يُصيبه وقد يُخطئه، كما قال في الحديث الآخر: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحدٌ" (٣). فمن قال: كل مجتهدٍ مصيبٌ بمعنى أنه يصيب حكم الله الذي حكم به في نفس الأمر فقوله خطأ، وإن أراد أنه مصيب (٤) للأجر بمعنى أنه مطيعٌ لله في أداء ما كُلِّف به، فقوله صحيح إذا استفرغ المجتهد وُسْعَه وبذلَ جهدَه. فصل فلنرجع إلى الكلام في أحكام الجزية. قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا

стр. 94

الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فالجزية هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالًا وصَغارًا، والمعنى: حتى يُعطوا الخراج عن رقابهم. واختُلف في اشتقاقها، فقال القاضي في "الأحكام السلطانية" (١): اسمها مشتقٌّ من الجزاء، إما جزاءً على كفرهم لأخذها منهم صَغارًا، أو جزاءً على أماننا لهم لأخذِها منهم رفقًا. قال صاحب "المغني" (٢): هي مشتقّةٌ من جزاه بمعنى قضاه، لقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٧]. فتكون الجزية مثل الفدية. قال شيخنا: والأول أصح، وهذا يرجع إلى أنها عقوبةٌ أو أجرةٌ. وأما قوله: ﴿عَن يَدٍ﴾، فهو في موضع النصب على الحال، أي يعطوها أذِلَّاء مقهورين. هذا هو الصحيح في الآية. وقالت طائفةٌ (٣): المعنى من يدٍ إلى يدٍ نقدًا غير نسيئةٍ. وقالت فرقةٌ (٤): من يده إلى يد الآخذ، لا باعثًا بها ولا موكِّلًا في دفعها.

стр. 95

وقالت طائفةٌ (١): معناه عن إنعامٍ منكم عليهم بإقراركم لهم وبالقبول منهم. والصحيح القول الأول، وعليه الناس. وأبعدَ كلَّ البعد ولم يُصِبْ مراد الله من قال (٢): المعنى: عن يدٍ منهم، أي عن قدرةٍ على أدائها، فلا تُؤخذ من عاجزٍ عنها. وهذا الحكم صحيح، وحملُ الآية عليه باطلٌ، ولم يفسِّر به أحدٌ من الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة، وإنما هو من حذاقة بعض المتأخرين. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ حالٌ أخرى، فالأول حال المسلمين في أخذ الجزية منهم أن يأخذوها بقهرٍ وعن يدٍ، والثاني حال الدافع لها أن يدفعها وهو صاغرٌ ذليلٌ. واختلف الناس في تفسير "الصغار" الذي يكونون عليه وقتَ أداء الجزية، فقال عكرمة (٣): أن يدفعها وهو قائمٌ، ويكون الآخذ جالسًا. وقالت طائفةٌ (٤): أن يأتي بها بنفسه ماشيًا لا راكبًا، ويُطال وقوفُه عند

стр. 96

إتيانه بها، ويُجَرُّ إلى الموضع الذي تُؤخذ منه بالعنف، ثم تُجَرُّ يدُه ويُمتَهَن. وهذا كله مما لا دليلَ عليه، ولا هو مقتضى الآية، ولا نُقِل عن رسول الله ﷺ ولا عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك. والصواب في الآية أن الصَّغار هو التزامهم لجريان أحكام الملَّة عليهم وإعطاء الجزية، فإن التزام ذلك هو الصَّغار. وقد قال الإمام أحمد في رواية حنبلٍ (١): كانوا يجرون في أيديهم ويختمون في أعناقهم إذا لم يُؤدُّوا، [قيل له: فترى ذلك؟ قال: نعم، وهو] الصَّغار الذي قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وهذا يدلُّ على أن الذمّي إذا بذلَ ما عليه والتزم الصَّغار لم يحتجْ إلى أن يُجَرَّ بيده ويُضْرَب. وقد قال في رواية مهنا بن يحيى (٢): يُستحبُّ أن يتعبوا في الجزية. قال القاضي (٣): ولم يُرِد تعذيبَهم ولا تكليفَهم فوقَ طاقتهم، وإنما أراد الاستخفاف بهم وإذلالَهم.

стр. 97

قلت: لما كانت يد المعطي العليا ويد الآخذ السفلى احترز الأئمة أن يكون الأمر كذلك في الجزية، وأخذوها على وجهٍ تكون يد المعطي السفلى ويد الآخذ العليا. قال القاضي أبو يعلى: وفي هذا دلالةٌ على أن هؤلاء النصارى الذين يتولَّون أعمال السلطان، ويظهر منهم الظلمُ والاستعلاء على المسلمين وأخذُ الضرائب= لا ذمَّةَ لهم، وأن دماءهم مباحةٌ؛ لأن الله تعالى وصفهم بإعطاء الجزية على وجه الصَّغار والذُّل. وهذا الذي استنبطه القاضي من أصحِّ الاستنباط؛ فإن الله مدَّ القتال إلى غايةٍ، وهي إعطاء الجزية مع الصغار، فإذا كانت حالة النصراني وغيره من أهل الجزية منافيةً للذُّل والصَّغار فلا عصمةَ لدمِه ولا ماله، وليست له ذمَّةٌ. ومن هاهنا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ تلك الشروط التي فيها صَغارهم وإذلالهم، وأنهم متى خرجوا عن شيء منها فلا عهدَ لهم ولا ذمةَ، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يَحِلُّ من أهل الشقاق والمعاندة. وسنذكر إن شاء الله في آخر الجواب الشروطَ العمرية وشرحها. فصل وقد تبيَّن بما ذكرنا أن الجزية وُضِعتْ صَغارًا وإذلالًا للكفار، لا أجرةً عن سكنى الدار، وذكرنا أنها لو كانت أجرةً لوجبتْ على النساء والصبيان والزَّمْنى

стр. 98

والعميان. ولو كانت أجرةً لما أنِفَتْ منها العرب من نصارى بني تغلب وغيرهم، والتزموا ضِعْفَ ما يؤخذ من المسلمين من زكاة أموالهم. ولو كانت أجرةً لكانت مقدَّرةَ المدَّة كسائر الإجارات. ولو كانت أجرةً لما وَجَبتْ بوصف الإذلال والصَّغار. ولو كانت أجرةً لكانت مقدَّرةً بحسب المنفعة، فإن سكنى الدار قد يُساوي في السنة أضعافَ أضعافِ الجزية المقدرة. ولو كانت أجرةً لما وجبتْ على الذمّي أجرةُ دارٍ أو أرضٍ يسكنها إذا استأجرها من بيت المال. ولو كانت أجرةً لكان الواجب فيها ما يتفق عليه المُؤجِر والمستأجر. وبالجملة ففساد هذا القول يُعلم من وجوهٍ كثيرةٍ. وقد اختلف أئمة الإسلام في تقدير الجزية، فقال الشافعي (١) رحمه الله تعالى: ويُجعل على الفقير المعتمل دينارٌ، وعلى المتوسط ديناران، وعلى الغني أربعة دنانير. وأقلُّ ما يُؤخذ دينارٌ، وأكثره ما وقع عليه التراضي، ولا يجوز أن يُنقصَ من دينارٍ. وقال أصحاب مالك (٢): أكثر الجزية أربعةُ دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الوَرِق، ولا يُزاد على ذلك. فإن كان منهم ضعيفٌ خُفِّف عنه بقدر ما يراه الإمام.

стр. 99

وقال ابن القاسم (١): لا يُنقَص من فرض عمر ﵁ لمعسرٍ، ولا يُزاد عليه لغني. وقال القاضي أبو الحسن (٢): لا حدَّ لأقلها، قال: وقيل: أقلُّها دينارٌ أو عشرة دراهم. وقال أصحاب أبي حنيفة (٣) رحمهم الله تعالى: تُوضَع على الغني ثمانيةٌ وأربعون درهمًا، وعلى المتوسط أربعةٌ وعشرون، وعلى الفقير اثنا عشر. ثم اختلفوا في حد الغني والفقير والمتوسط، قالوا: والمختار أن يُنظَر في كل بلدٍ إلى حال أهله وما يعتبرونه في ذلك، فإن عادة البلاد في ذلك مختلفةٌ. وأما الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقد اختلفت الرواية عنه، فنقل أكثر أصحابه عنه أنها مقدَّرة الأقل والأكثر، فتؤخذ من الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا، ومن المتوسط أربعةٌ وعشرون، ومن الموسر ثمانيةٌ وأربعون. قال (٤) حربٌ في "مسائله" (٥): وسألت أبا عبد الله قلت: خراج الرؤوس إذا كان الذمي غنيًّا؟ قال: ثمانيةٌ وأربعون درهمًا، قلت: فإن كان دون ذلك؟

стр. 100

قال: أربعةٌ وعشرون، قلت: فإن كان دون ذلك؟ قال: اثنا عشر (١)، قلت: فليسَ دون اثني عشر شيء (٢)؟ قال: لا. وقال في رواية ابنه صالحٍ وإبراهيم بن هانئٍ وأبي الحارث (٣): أكثر ما يؤخذ في الجزية ثمانيةٌ وأربعون، والمتوسط أربعةٌ وعشرون، والفقير اثنا عشر. زاد في رواية أبي الحارث (٤): أن عمر ضربَ على الغني ثمانيةً وأربعين، وعلى الفقير اثني عشر (٥). قال الخلال (٦): والذي عليه العمل من قول أبي عبد الله: أن للإمام أن يزيد في ذلك وينقص، وليس لمن دونه أن يفعل ذلك. وقد روى يعقوب بن بختان خاصةً عن أبي عبد الله أنه لا يجوز للإمام أن ينقص من ذلك. وروى عن أبي عبد الله أصحابُه في عشرة مواضع أنه لا بأسَ بذلك. قال (٧): ولعل أبا عبد الله تكلَّم بهذا في وقتٍ، والعمل من قوله على ما رواه الجماعة أنه لا بأسَ للإمام أن يزيد في ذلك وينقص، وقد أشبعَ الحجة في ذلك.

стр. 101

وقال الأثرم (١): سمعت أبا عبد الله يُسأَل عن الجزية كم هي؟ قال: وضع عمر ﵁ ثمانيةً وأربعين وأربعةً وعشرين واثني عشر. قيل له: كيف هذا؟ قال: على قدر ما يُطيقون. قيل: فيُزاد في هذا اليومَ ويُنقص؟ قال: نعم، يُزاد فيه ويُنقَص على قدر طاقتهم، وعلى قدر ما يرى الإمام. وقال أبو طالب (٢): وسألت أبا عبد الله عن حديث عثمان بن حُنيفٍ تذهب إليه في الجزية (٣)؟ قال: نعم. قلت: ترى الزيادة؟ قال: لمكان قول عمر ﵁: [أنا زدتُ عليهم]، فإن زاد فأرجو أن لا بأسَ إذا كانوا مطيقين، مثل ما قال عمر ﵁. وقال أحمد بن القاسم (٤): سئل أبو عبد الله عن جزية الرؤوس، وقيل له: بلغَك أن عمر ﵁ جعلها على قدْرِ اليسار من أهل الذمة: اثنا عشر وأربعةٌ وعشرون (٥) وثمانيةٌ وأربعون؟ قال: [هكذا] على قدر طاقتهم. فكيف يصنع به إذا كان فقيرًا لا يقدر [على] ثمانيةٍ وأربعين؟ [قال: إنما هو على قدر الطاقة. قيل له: فيزاد عليهم أكثر من ثمانيةٍ وأربعين؟] قال: على حديث الحكم عن عمرو (٦) بن ميمونٍ أنه قال: والله إن زدتُ عليهم درهمين

стр. 102

لا يُجهِدهم، قال: وكانت ثمانيةً وأربعين فجعلها خمسين. قال: ولم يبين قوله في الزيادة أكثر من هذا. قلت لأبي عبد الله (١): يحكى عن الشافعي أنه قال: إذا سأل أهل الحرب أن يؤدُّوا إلى الإمام عن رؤوسهم دينارًا [دينارًا] لم يجز له أن يحاربهم؛ لأنهم قد بذلوا ما حدَّ النبي ﷺ . فأعجبَه هذا وفكَّر فيه، ثم تبسَّم وقال: مسألة فيها نظر. وقال صالح بن أحمد (٢): وسألتُ أبي: [إلى] أيّ شيء تذهب في الجزية؟ قال: أما أهل الشام [فـ] ـعلى ما وظف (٣) عمر ﵁ أربعة دنانير وكسوةٌ وزيتٌ، وأما أهل اليمن فعلى كل حالمٍ دينارٌ، وأما أهل العراق فعلى ما يؤخذ منهم. وقال الأثرم (٤) لأبي عبد الله: على أهل اليمن دينارٌ، شيء لا يزاد عليهم؟ قال: نعم. قيل له: ولا يؤخذ منهم ثمانيةٌ وأربعون؟ قال: كل قومٍ على سنَّتهم. ثم قال: أهل الشام خلاف غيرهم أيضًا، وكل قومٍ على ما قد جُعلوا عليه. فقد ضمِنَ مذهبُه أربعَ رواياتٍ:

стр. 103

إحداها: أنه لا يُزاد فيها ولا يُنقَص على ما وضعه عمر ﵁. والثانية: تجوز الزيادة والنقصان على ما يراه الإمام، قال الخلال: وهو الذي عليه العمل من مذهبه (١). والثالثة: تجوز الزيادة دون النقصان. والرابعة: أن أهل اليمن خاصةً لا يزاد عليهم ولا ينقص. فصل ولا يتعيَّن في الجزية ذهبٌ ولا فضّةٌ، بل يجوز أخذها مما تيسَّر من أموالهم من ثيابٍ وسلاحٍ يعملونه، وحديدٍ ونُحاسٍ ومَواشٍ وحبوبٍ وعُروضٍ وغير ذلك. وقد دلَّ على ذلك سنة رسول الله ﷺ وعمل خلفائه الراشدين، وهو مذهب الشافعي وأبي عبيد. ونصَّ عليه أحمد في رواية الأثرم (٢)، وقد سأله: يؤخذ في الجزية غيرُ الذهب والفضة؟ قال: نعم، دينارٌ أو قيمته مَعَافر. والمَعَافر ثيابٌ تكون باليمن. وذهب في ذلك إلى حديث معاذٍ ﵁، الذي رواه في "مسنده" (٣)

стр. 104

بإسناد جيدٍ عن معاذٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا أو عِدْلَه مَعافِر. ورواه أهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن. وكذلك أهل نجران لم يأخذ في جزيتهم ذهبًا ولا فضةً، وإنما أخذ منهم الحُلَل والسِّلاح. فروى أبو داود في "سننه" (١) عن ابن عباس ﵄ قال: صالح رسول الله ﷺ أهلَ نجران على ألفَي حُلَّةٍ ــ النصف في صفرٍ والنصف في رجبٍ ــ يؤدُّونها إلى المسلمين، وعارية (٢) ثلاثين درعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا وثلاثين من كل صنفٍ من أصناف السلاح يغزون (٣) بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردُّوها عليهم إن كان باليمن كيدٌ أو غَدرةٌ؛ على أن لا تُهدَم لهم بِيعةٌ، ولا يُخرَج لهم قَسٌّ، ولا يُفتَنون عن دينهم، ما لم

стр. 105

يُحدِثوا حَدَثًا أو يأكلوا الربا. وهو صريحٌ في أن أهل الذمة إذا أحدثوا في الإسلام أو لم يلتزموا ما شرطوا عليهم فلا ذمةَ لهم، وقد دلَّ على ذلك القرآن والسنة واتفاق الصحابة ﵃، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى (١). قال الزهري: أول من أعطى الجزيةَ أهلُ نجران، وكانوا نصارى (٢)، وقد أُخذ منهم الحُلَل. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يأخذ النَّعَم في الجزية (٣). وكان علي بن أبي طالب ﵁ يأخذ الجزية من كل ذي صَنْعةٍ من متاعه؛ من صاحب الإبَرِ إبرًا، ومن صاحب المسالِّ مَسَالَّ (٤)، ومن صاحب الحبال حبالًا، ثم يدعو الناس فيعطيهم الذهب والفضة فيقتسمونه، ثم يقول: خذوا فاقتسِموا، فيقولون: لا حاجةَ لنا فيه، فيقول: أخذتم خياره وتركتم

стр. 106

شراره؟ لَتحمِلُنَّه (١)! فيؤخذ من عُروضه بقدر ما عليه من الجزية، هذه سنة رسول الله ﷺ وخلفائه التي لا مَعدلَ عنها. فقد تبيَّن أن الجزية غير مقدَّرةٍ بالشرع تقديرًا لا يقبل الزيادة والنقصان، ولا معيَّنة الجنس. قال الخلال (٢): العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة أنه لا بأسَ للإمام أن يزيد في ذلك وينقص، على ما رواه عنه أصحابه (٣) في عشرة مواضع، فاستقرَّ قوله على ذلك. وهذا قول سفيان الثوري وأبي عبيد وغيرهم من أهل العلم. وأول من جعل الجزية على ثلاث طبقاتٍ عمر بن الخطاب ﵁، جعلها على الغني ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى المتوسط أربعةً وعشرين، وعلى الفقير اثني عشر (٤). وصالحَ بني تغلبَ على مثلَيْ ما على المسلمين من الزكاة (٥).

стр. 107

وهذا يدلُّ على أنها إلى رأي الأمام، ولولا ذلك لكانت على قدرٍ واحدٍ في جميع المواضع، ولم يجُزْ أن تختلف. وقال البخاري (١): قال ابن عيينة: عن ابن أبي نَجيحٍ قلت لمجاهدٍ: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينارٌ؟ قال: جُعل ذلك من أجل اليسار. وقد زادها عمر أيضًا على ثمانيةٍ وأربعين فصيَّرها خمسين درهمًا (٢). واحتجَّ الشافعي (٣) رحمه الله تعالى بأن الواجب دينارٌ على الغني والفقير والمتوسط بأن النبي ﷺ قدَّرها بذلك في حديث معاذٍ ﵁، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا، ولم يُفرِّق بين غني وفقيرٍ، ولا (٤) جعلهم ثلاث طبقاتٍ، وسنةُ رسول الله ﷺ أحقُّ أن تُتَّبع من اجتهاد عمر. ونازعه الجمهور في ذلك وقالوا: لا منافاةَ بين سنة رسول الله ﷺ وبين ما فعله عمر ﵁، بل هو من سنته أيضًا. وقد قرنَ رسول الله ﷺ بين سنته وسنة خلفائه في الاتباع (٥)، فما سنَّه خلفاؤه فهو كسنَّتِه في الاتباع. وهذا

стр. 108

الذي فعله عمر ﵁ اشتهر بين الصحابة، ولم ينكره منكرٌ، ولا خالفه فيه واحدٌ منهم البتةَ، واستقرَّ عليه عمل الخلفاء والأئمة بعده، فلا يجوز أن يكون خطأً أصلًا. وقد نصَّ الشافعي على استحباب العمل به فقال (١): الواجب على كل رجل دينارٌ، لا يُجزئ أقلُّ من ذلك. فإن كان الذميّ مُقِلًّا ولم يكن مُوسِرًا ولا متوسطًا عقد له الإمام الذمة على دينارٍ في كل سنةٍ. وإن كان متوسطًا فيستحبُّ أن يقول له الإمام: جزيةُ مثلك ديناران، فلا أعقد لك ذمةً على أقلَّ منهما، ويحمل عليه بالكلام، فإن لم يقبل حملَ عليه بعشيرته وأهله، فإن لم يقبل وأقام على بذل الدينار قَبِل منه وعَقَد له الذمة. وإن كان موسرًا فيستحب أن يقال: جزيةُ مثلك أربعة دنانير لا أقبل منك أقلَّ منها، ويتحامل عليه بالكلام، ويحمل عليه بعشيرته وقومه، فإن لم يفعل وأقام على بذل الدينار قبل منه وعُقِدت له الذمة عليه. قلت: ولا يخلو حديث معاذٍ من أحد وجوهٍ ثلاثةٍ: الأول: أن يكون أمره بذلك؛ لأن الغالب على أهل ذمة اليمن إذ ذاك الفقر. وقد أشار مجاهدٌ إلى ذلك في قوله: إنما جُعِل على أهل الشام ثمانيةٌ وأربعون درهمًا من أجل اليسار. الوجه الثاني: أنهم كانوا قد أُقرُّوا بالجزية، ولم يتميز الغني منهم من الفقير،

стр. 109

والصحابة إذ ذاك لم يسكنوا اليمن، بل كانوا مع النبي ﷺ إذ هو حيٌ بين أظهرهم، فلما لم يتفرَّغوا لتمييز غنيهم من فقيرهم جعل رسول الله ﷺ الجزية كلها طبقة واحدةً. فلما مات رسول الله ﷺ وتفرق الصحابة في البلاد وسكنوا الشام تفرغوا لتمييز طبقات أهل الذمة، ومعرفةِ غنيهم وفقيرهم ومتوسطهم، فجعلوهم ثلاث طبقاتٍ، وأخذوا من كل طبقةٍ ما لا يَشُقُّ عليهم إعطاؤه. الوجه الثالث: أن النبي ﷺ لم يقدِّرها تقديرًا عامًّا لا يقبل التغيير، بل ذلك موكولٌ إلى المصلحة واجتهاد الإمام. فكانت المصلحة في زمانه أخذَها من أهل اليمن على السواء، وكانت المصلحة في زمن خلفائه الراشدين أخذَها من أهل الشام ومصر والعراق على قدر يَسارِهم وأموالهم. وهكذا فعلَ رسول الله ﷺ ، فإنه أخذها من أهل نجران حُلَلًا في قِسطَينِ، قسطٍ في صفرٍ وقسطٍ في رجبٍ. وقال مالك (١): عن نافعٍ عن أسلم أن عمر ﵁ ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهمًا، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيامٍ. وقال الليث بن سعدٍ: عن كثير بن فَرْقدٍ ومحمد بن عبد الرحمن [عن نافعٍ] عن أسلم، عن عمر ﵁: أنه ضرب الجزية على أهل الشام ــ أو قال:

стр. 110

على أهل الذهب ــ أربعة دنانير، وأرزاق المسلمين من الحنطة مُدَّين وثلاثة أقساطِ زيتٍ لكل إنسانٍ كلَّ شهرٍ. وعلى أهل الوَرِق أربعين درهمًا وخمسة عشر صاعًا لكل إنسانٍ. قال: ومن كان من أهل مصر فإرْدَبٌّ (١) كلَّ شهرٍ لكل إنسانٍ. قال: ولا أدري كم [ذكر لكل إنسانٍ] من الوَدَكِ (٢) والعسل (٣). وعلى هذا فلو كان فيهم من لا يقدر إلا على بعض دينارٍ لوجب قبوله منه بحسب قدرته. وهذا قياسُ جميع الواجبات إذا قدَرَ على أداء بعضها وعجَزَ عن جميعها، كمن قدرَ على أداءِ بعض الدَّين، وإخراجِ بعضِ صاع الفطرة، وأداءِ بعض النفقة إذ لا يقدر على تمامها، وغسْلِ بعض أعضائه إذا عجَزَ عن غَسْل جميعها، وقراءةِ بعض الفاتحة في الصلاة إذا عجَزَ عن جميعها، ونظائر ذلك. قال أبو عبيد (٤): والذي اخترناه أن عليهم الزيادة كما يكون لهم النقصان، للزيادة التي زادها عمر ﵁ على وظيفة النبي ﷺ ، وللزيادة التي زادها هو نفسُه حين كانت ثمانيةً وأربعين فجعلها خمسين. ولو عجَزَ أحدهم عن دينارٍ لحَطَّه من ذلك، حتى قد رُوِي عنه أنه أجرى على شيخٍ
следующие страницы →