أنكروها وأعلم بالسنة والحديث، وقد حكاه (١) الأشعريُّ اتفاقَ أهل السنة والحديث، وقد بيَّنَّا أنَّه مقتضى قواعد الشرع.
الوجه الثامن: أنَّه قد نصَّ جماعةٌ من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة، وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار. ذكره البيهقي (٢) عن غير واحد من السلف.
الوجه التاسع: ما ثبت في «الصحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا إليها: أنَّ الله تعالى يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غيرَ الذي يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيرَه، فيقول الله له: «ما أغدرك!». وهذا الغدر (٤) منه لمخالفته العهد الذي عاهده ربَّه عليه، وهذه معصيةٌ منه.
الوجه العاشر: قد ثبت أنَّه سبحانه يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المخالفين وبينه (٥). وهذا تكليفٌ بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف يُنكَر التكليف بدخول النار اختبارًا (٦) وامتحانًا؟
стр. 912
الوجه الحادي عشر: أنَّه قد ثبت امتحانهم في القبور، وسؤالُهم وتكليفُهم الجوابَ. وهذا تكليفٌ بعد الموت برَدِّ الجواب.
الوجه الثاني عشر: أنَّ أمرهم بدخول النار ليس عقوبةً لهم، وكيف يعاقبهم على غير ذنب؟ وإنَّما هو امتحان واختبار لهم: هل يطيعونه أو يعصونه؟ فلو أطاعوه ودخلوها لم تضُرَّهم، وكانت عليهم بردًا وسلامًا، فلمَّا عصوه وامتنعوا من دخولها استَوجَبُوا عقوبته بمخالفة (١) أمره.
والملوك قد تَمتحِن مَن يُظهِر طاعتَهم هل هو منطوٍ عليها بباطنه؟ فيأمرونه بأمرٍ شاقٍّ عليه في الظاهر هل يوطِّن نفسَه عليه أم لا؟ فإن أَقدَم عليه ووطَّن نفسه على فعله أعفوه منه، وإن امتنع وعصى ألزموه به أو عاقبوه بما هو أشدُّ منه.
وقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده، ولم يكن مرادُه سوى توطين نفسه على الامتثال والتسليم وتقديم محبة الله على محبة الولد، فلمَّا فعل ذلك رَفَع عنه الأمر بالذبح.
وقد ثبت أنَّ الدجال يأتي معه بمثال الجنة والنار، وهي نارٌ في رأي العين ولكنها لا تحرق، فمن دخلها لم تضره (٢). فلو أنَّ هؤلاء يُوطِّنون أنفسهم على دخول النار التي أُمِروا بدخولها طاعةً لله ومحبةً له وإيثارًا لمرضاته وتقرُّبًا إليه بتحمُّل ما يُؤلِمهم= لكان هذا الإقدام والقصد منهم لمرضاته
стр. 913
ومحابِّه يقلب تلك النار بردًا وسلامًا؛ كما قلب قصدُ الخليل التقرُّبَ إلى ربِّه، وإيثار محبته ومرضاته، وبذل نفسه، وإيثاره إياه على نفسه= تلك النار بأمر الله بردًا وسلامًا.
فليس أمره سبحانه إيَّاهم بدخول النار عقوبةً ولا تكليفًا بالممتنع، وإنما هو امتحانٌ واختبارٌ لهم: هل يوطِّنون أنفسهم على طاعته أم ينطوون على معصيته ومخالفته؟ وقد عَلِم سبحانه ما يقع منهم، ولكنَّه (١) لا يُجازِيهم على مجرَّد علمِه فيهم ما لم يحصل معلومُه الذي يترتَّب عليهم به الحجة. فلا أحسن من هذا يفعله بهم، وهو محض العدل والحكمة.
الوجه الثالث عشر (٢): أنَّ هذا مطابقٌ لتكليفه عبادَه في الدنيا، فإنَّه سبحانه لم يستفِدْ بتكليفهم منفعةً تعود إليه، ولا محتاجٌ إليه. وإنَّما امتحنهم وابتلاهم ليتبيَّن مَن يُؤثِر رضاه ومحبته ويشكره ممن يكفر به ويُؤثِر سخطه. قد علم منهم من يفعل هذا وهذا، ولكنَّه بالابتلاء ظهر معلومه الذي يترتَّب عليه الثواب والعقاب، وتقوم عليهم به الحجة.
وكثيرٌ من الأوامر التي أمرهم بها في الدنيا نظيرُ الأمر بدخول النار، فإنَّ الأمر بإلقاء نفوسهم بين سيوف أعدائهم ورماحهم، وتعريضِهم لأَسْرهم لهم وتعذيبهم واسترقاقهم= لعلَّه أعظم من الأمر بدخول النار. وقد كلَّف بني
стр. 914
إسرائيل قتل أنفسهم وأولادهم وأزواجهم (١) وإخوانهم لمَّا عَبَدوا العِجل لِمَا لهم في ذلك من المصلحة، وهذا قريبٌ من التكليف بدخول النار. وكلَّف على لسان رسوله المؤمنين إذا رأوا نارَ الدَّجَّال أن يقعوا فيها لِمَا لهم في ذلك من المصلحة، وليست في الحقيقة نارًا وإن كانت في رأي العين نارًا، وكذلك النار التي أُمِروا بدخولها في الآخرة إنَّما هي بردٌ وسلامٌ على مَن دخلها. فلو لم يَأتِ بذلك أثرٌ لكان هذا هو مقتضى حكمتِه وعدلِه، ومُوجَب أسمائه وصفاته.
الوجه الرابع عشر: أنَّ القائل قائلان: قائل بأنَّه سبحانه يفعل بمحض المشيئة والإرادة من غير تعليلٍ ولا غاية مطلوبة بالفعل، وقائل بمراعاة الحِكَم والغايات المحمودة والمصالح. وعلى المذهبَين فلا يمتنع الامتحان في عرصات القيامة، بل على القول الأول هو ممكنٌ جائزٌ لا يتوقَّف العلمُ به على أمرٍ غير إخبار الصادق. وعلى المذهب الثاني هو الذي لا يليق بالرب سواه، ولا تقتضي أسماؤه وصفاته غيرَه، فهو متعيِّنٌ.
الوجه الخامس عشر: قوله: «وليس ذلك في وسع المخلوقين» جوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّه في وسعهم، وإن كان يشقُّ عليهم، وهؤلاء عُبَّاد النار يتهافتون فيها، ويُلقُون أنفسَهم فيها طاعةً للشيطان، ولم يقولوا: ليس في وُسْعنا، مع تألُّمهم بها غاية الألم، فعِباد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته باقتحامهم النار كيف لا يكون في وسُعهم وهو إنَّما يأمرهم بذلك
стр. 915
لمصلحتهم ومنفعتهم؟
الثاني: أنَّهم لو وطَّنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته لكانت عين نعيمهم ولم تضرَّهم شيئًا.
الوجه السادس عشر: أنَّ أمرَهم باقتحام النار المُفضِية بهم إلى النَّجاة منها بمنزلة الكيِّ الذي يَحسِمُ الدَّاء، وبمنزلة تناوُل الداء الكريه الذي يَعقُب العافية. وليس من باب العقوبة في شيء، فإنَّ الله سبحانه اقتضت حكمتُه وحمدُه وغناه ورحمتُه أن لا يعذِّب مَن لا ذنبَ له، بل يتعالى ويتقدَّس عن ذلك كما يتعالى عمَّا يُناقِض صفاتِ كماله.
فالأمر باقتحام النار للخلاص منها هو عين الحكمة والرحمة والمصلحة، حتى لو أنَّهم بادروا إليها طوعًا واختيارًا ورضًا حيث علموا أنَّ مرضاته في ذلك قبل أن يأمرهم به لكان ذلك عينَ صلاحهم وسببَ نجاتهم. فلم يفعلوا ذلك ولم يمتثلوا أمره، وقد تيقَّنوا وعَلِموا أنَّ فيه رضاه وصلاحهم، بل هان عليهم أمرُه وعزَّت عليهم أنفسُهم أن يَبذُلوا له منها هذا القدر الذي أمرهم به رحمةً وإحسانًا لا عقوبةً.
الوجه السابع عشر: أنَّ أمرهم باقتحام النار كأمر المؤمنين برُكوب الصراط الذي هو أدقُّ من الشعرة وأحدُّ من السيف، ولا ريبَ أنَّ ركوبه من أشقِّ الأمور وأصعبِها حتى إنَّ الرسل لتُشفِق منه، وكلٌّ منهم يسأل الله السلامة، فركوب هذا الجسر الذي هو في غاية المشقَّة كاقتحام النار، وكلاهما طريقٌ إلى النجاة.
الوجه الثامن عشر: قوله: «ولا يخلو مَن مات في الفترة من أن يكون
стр. 916
كافرًا أو غير كافر، فإن كان كافرًا فإنَّ الله حرم الجنة على الكافرين. وإن كان معذورًا بأنَّه لم يأتهِ رسولٌ فكيف يُؤمَر باقتحام النار؟» جوابه من وجوه:
أحدها: أن يقال: هؤلاء لا يُحكَم لهم بكفر ولا إيمان، فإنَّ الكفر هو جُحُود ما جاء به الرسول، فشرط تحقُّقه بلوغ الرسالة، والإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر وطاعتُه فيما أمر، وهذا أيضًا مشروطٌ ببلوغ الرسالة، ولا يلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه. فلمَّا لم يكن هؤلاء في الدنيا كفارًا ولا مؤمنين كان لهم في الآخرة حكم آخر غير حكم الفريقين.
فإن قيل: فأنتم تَحكُمون لهم بأحكام الكفار في الدُّنيا من التوارُث والولاية والمناكحة، قيل: إنَّما نحكم لهم بذلك في أحكام الدنيا لا في الثواب والعقاب، كما تقدَّم بيانه.
الوجه الثاني: سلَّمنا أنَّهم كفارٌ، لكن انتفاء العذاب عنهم لانتفاء شرطه وهو قيام الحجة عليهم، فإنَّ الله تعالى لا يعذِّب إلا مَن قامت عليه حجته.
الوجه الثالث: قوله: «وإن كان معذورًا كيف يُؤمَر أن يقتحم النار وهي أشدُّ العذاب؟» فالذي قال هذا يُوهِم أنَّ هذا الأمر عقوبة لهم، وهذا غلطٌ. وإنَّما هو تكليفٌ واختبارٌ، فإن بادروا إلى الامتثال لم تضُرَّهم النار شيئًا.
الوجه التاسع عشر: قوله: «كيف يمتحن الطفل ومَن لا يعقل؟» كلامٌ فاسدٌ، فإنَّ الله سبحانه يومَ القيامة يُنشِئهم عُقَلاء بالغين، ويمتحِنهم في هذه الحال. ولا يقع الامتحان بهم وهم على الحالة التي كانوا عليها في الدنيا. فانتهُوا وقِفُوا، فالسنة وأقوال الصحابة ومُوجَب قواعد الشرع وأصولِه لا تُرَدُّ بمثل ذلك، والله أعلم.
стр. 917
ذكر الشروط العمرية وأحكامها وموجَباتها
قال عبد الله بن الإمام أحمد (١): حدثني أبو شُرَحْبِيل الحِمصي عيسى بن خالد، قال: حدثني عمِّي (٢) أبو اليَمَان وأبو المُغيرة جميعًا، قالا: أخبرنا إسماعيل بن عيَّاش، قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غَنْمٍ: «إنَّا حين قَدِمتَ بلادَنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل مِلَّتِنا على أنَّا شرطنا لك على أنفسنا:
- أن لا نُحدِث في مدينتِنا كنيسةً، ولا فيما حولها دَيرًا ولا قَلَّايةً ولا صَوْمَعَةَ راهبٍ، ولا نجدِّد ما خرب من كنائسنا، ولا ما كان منها في خطط المسلمين.
- وأن لا نمنع كنائِسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسِّع أبوابها للمارَّة وابن السبيل.
- ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسًا، وأن لا نكتم غِشًّا للمسلمين (٣).
стр. 918
- وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًّا (١) في جوف كنائسنا، ولا نُظهِر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون.
- وأن لا نُخرِج صليبًا ولا كتابًا في سوق المسلمين.
- وأن لا نُخرِج باعوثًا ــ قال: والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر ــ ولا شعانينًا (٢). ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نُظهِر النِّيران معهم في أسواق المسلمين.
- وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركًا، ولا نرغِّب في دينِنا ولا ندعو إليه أحدًا. ولا نتخذ شيئًا من الرقيق الذي جرَت عليه سِهام المسلمين.
- وأن لا نمنع أحدًا من أقربائنا أرادوا الدخول في الإسلام.
- وأن نلزم زِيَّنا حيثما كنُّا، وأن لا نتشبَّه بالمسلمين في لُبس قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرْق شعرٍ، ولا في مراكبهم، ولا نتكلَّم بكلامهم ولا نكتني بكُناهم. وأن نجُزَّ مقادِم رؤوسنا، ولا نَفرِق نواصينا، ونشدُّ
стр. 919
الزَّنانير على أوساطنا. ولا نَنقُش خواتمنا بالعربية، ولا نَركَب السُّروج، ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله ولا نتقلَّد السيوف.
- وأن نوقِّر المسلمين في مجالسهم، ونرشد (١) الطريق، ونقوم لهم عن المجالس [إذا] (٢) أرادوا الجلوس، ولا نطَّلع عليهم في منازلهم.
- ولا نعلِّم أولادنا القرآن.
- ولا يشارك أحدٌ (٣) منا مسلمًا في تجارةٍ إلا أن يكون إلى المسلم أمرُ التجارة.
- وأن نُضِيف كلَّ مسلم عابر سبيل ثلاثةَ أيام ونُطعِمه من أوسط ما نجد.
ضمِنَّا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا (٤). وإن نحن غيَّرنا أو خالفنا عمَّا شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه، فلا ذِمَّة لنا، وقد حلَّ لك منَّا ما يحِلُّ لأهل المُعانَدة والشِّقاق».
فكتب بذلك عبد الرحمن بن غَنْم إلى عمر بن الخطاب ﵁. فكتب إليه عمر: أن أمْضِ لهم ما سألوا، وأَلحِق فيهم حرفين أشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم: أن لا يشتروا مِن سبايانا، ومن ضرب مسلمًا (٥) فقد خلع
стр. 920
عهده. فأنفذ عبد الرحمن بن غنم ذلك، وأقرَّ مَن أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط.
قال الخلال في كتاب «أحكام أهل الملل» (١): أخبرنا عبد الله بن أحمد ... فذكره.
وذكر سفيان الثوري، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبتُ لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالَحَ نصارى الشام وشرط عليهم فيه أن لا يُحدِثوا في مدينتهم ولا فيما حولَها ديرًا ولا كنيسةً ولا قلَّايةً ولا صَومَعةَ راهبٍ، ولا يُجدَّد ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن يَنزِلها أحدٌ من المسلمين ثلاثَ ليالٍ يُطعِمونهم، ولا يُؤوُوا جاسوسًا، ولا يَكتُموا غِشًّا للمسلمين، ولا يعلِّموا أولادهم القرآن، ولا يُظهِروا شركًا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه، وأن يوقِّروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبَّهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم ولا يتكنَّوا بكُناهم، ولا يركبوا سُرُجًا ولا يتقلَّدوا سَيفًا، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجُزُّوا مقادِم رؤوسهم، وأن يَلزَموا زِيَّهم حيثما كانوا، وأن يشُدُّوا الزنانير على أوساطهم، ولا يُظهِروا صليبًا ولا شيئًا من كُتُبهم في شيء من طُرق المسلمين، ولا يُجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيًّا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا مع موتاهم [أصواتهم] (٢)، ولا
стр. 921
يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سِهام المسلمين. فإن خالفوا شيئًا ممَّا شرطوه فلا ذِمَّة لهم، وقد حلَّ للمسلمين منهم ما يحِلُّ من أهل المُعانَدة والشِّقاق (١).
وقال الرَّبيع بن ثعلب: حدثنا يحيى بن عقبة بن أبي العَيزار، عن سفيان الثوري والوليد بن نوح والسَّرِي (٢) بن مُصرِّف يذكرون عن طلحة بن مُصرِّف، عن مسروق، عن عبد الرحمن بن غَنْم قال: كتبتُ لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالَحَ نصارى أهل الشام: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ لعبد الله عمرَ أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: إنَّكم لمَّا قَدِمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل مِلَّتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نُحدِث في مدائننا ولا فيما حولها ديرًا ولا قلَّايةً ولا كنيسةً ولا صَوْمَعة راهبٍ ... » فذكر نحوه (٣).
стр. 922
وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإنَّ الأئمة تلقَّوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجُّوا بها، ولم يزَل ذكرُ الشروط العُمَرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أَنفَذها بعدَه الخلفاءُ وعَمِلوا بموجَبها.
فذكر أبو القاسم الطَّبري (١) من حديث أحمد بن يحيى الحُلْواني: حدثنا عبيد بن جناد: حدثنا عطاء بن مسلم الحَلَبي، عن صالح المُرادي، عن عبد خير قال: رأيتُ عليًّا صلَّى العصر فصفَّ له أهل نجران صفَّين، فناوله رجل منهم كتابًا، فلمَّا رآه دَمَعَت عينُه ثم رفع رأسَه إليهم قال: يا أهل نجران، هذا والله خطِّي بيدي وإملاء رسول الله ﷺ . فقالوا: يا أمير المؤمنين، أَعطِنا ما فيه. قال: ودنوت منه فقلت: إن كان رادًّا على عمر يومًا فاليوم يَرُدُّ عليه! فقال: لستُ برادٍّ على عمر شيئًا صنَعَه، إنَّ عمر كان رشيد الأمر، وإنَّ عمر أخذ منكم خيرًا ممَّا أعطاكم، ولم يَجُرَّ عمر ما أخذ منكم إلى نفسه، إنَّما جرَّ لجماعة المسلمين.
وذكر ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشعبي: أنَّ عليًّا ﵁ قال لأهل نجران: إنَّ عمر كان رشيد الأمر، ولن أغيِّرَ شيئًا صنعه
стр. 923
عمر (١).
وقال الشعبي: قال عليٌّ حين قَدِم الكوفة: ما جئتُ لأحُلَّ عقدةً شدَّها عمر! (٢).
وقد تضمَّن كتاب عمر ﵁ هذا جُمَلًا من العلم تدور على ستة فصول:
الفصل الأول: في أحكام البِيَع والكنائس والصوامع وما يتعلَّق بذلك.
الفصل الثاني: في أحكام ضيافتهم للمارَّة بهم وما يتعلَّق بها.
الفصل الثالث: فيما يتعلَّق بضرر المسلمين والإسلام.
الفصل الرابع: فيما يتعلَّق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين في المركب واللباس وغيره.
الفصل الخامس: فيما يتعلَّق بإظهار المُنكَر من أفعالهم وأقوالهم ممَّا نُهُوا عنه.
الفصل السادس: في أمر معاملتهم للمسلمين بالشَّرِكة ونحوها.
стр. 924
الفصل الأول
في أحكام البيع والكنائس
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اَلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اَللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اَسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَاَلْأصَالِ﴾ [النور: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اُللَّهِ اِلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَت صَّوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اَسْمُ اُللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠].
قال الزجاج (١): تأويل هذا: لولا دفعُ الله الناسَ بعضَهم ببعضٍ لهُدِّم في كل شريعة نبيٍّ المكانُ الذي يُصلَّى فيه، فلولا الدفع لهُدِّم في زمن موسى الكنائسُ التي كان يُصلَّى فيها في شريعته، وفي زمن عيسى الصَّوامعُ والبِيَع، وفي زمن محمدٍ المساجد.
وقال الأزهري (٢): أخبر الله سبحانه أنَّه لولا دفعه بعضَ الناس عن الفساد ببعضهم لهُدِّمت متعبَّداتُ كلِّ فريق من أهل دينه وطاعته في كل زمان. فبدأ بذكر الصَّوامع والبيع لأنَّ صلوات مَن تقدَّم من أنبياء بني إسرائيل وأصحابهم كانت فيها قبل نزول القرآن، وأُخِّرت المساجد لأنَّها حدثَت بعدهم.
стр. 925
وقال ابن زيد: الصَّلَوات صلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو (١).
قال الأخفش (٢): وعلى هذا القول الصلوات لا تُهدَّم، ولكن يحلُّ (٣) محلَّ فعلٍ آخر، كأنَّه قال: تركت صلواتٌ.
وقال أبو عبيدة (٤): إنما يعني مواضع الصلوات.
وقال الحسن: يدفع عن مصلَّيات أهل الذمة بالمؤمنين (٥).
وعلى هذا القول لا يحتاج إلى التقدير الذي قدَّره أصحاب القول الأول. وهذا ظاهر اللفظ ولا إشكال فيه بوجه، فإنَّ الآية دلَّت على الواقع، لم تدلَّ على كون هذه الأمكنة ــ غير المساجد ــ محبوبةً مرضيَّةً له، لكنَّه أخبر أنه لولا دفعه الناس بعضهم ببعضٍ لهُدِّمَت هذه الأمكنة التي كانت محبوبةً له قبل الإسلام وأقرَّ منها ما أقرَّ بعده وإن كانت مسخوطةً له، كما أقرَّ أهلَ الذِّمة، وإن كان يُبغِضهم ويَمقُتهم ويدفع عنهم بالمسلمين مع بُغضِه لهم. وهكذا يدفع عن مواضع متعبَّداتهم بالمسلمين وإن كان يُبغِضها، وهو
стр. 926
سبحانه يدفع عن متعبداتهم التي أُقِرُّوا عليها شرعًا وقدرًا، فهو يُحِب الدَّفع عنها وإن كان يُبغِضها، كما يحب الدفع عن أربابها وإن كان يُبغِضهم.
وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى. وهو مذهب ابن عباس في الآية. قال ابن أبي حاتمٍ في «تفسيره» (١): حدثنا أبو سعيد الأشجُّ: حدثنا عبيد الله هو ابن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عمَّن حدَّثه عن ابن عباس ﵄: ﴿لَّهُدِّمَت صَّوَامِعُ وَبِيَع﴾، قال: الصوامع: التي يكون [فيها] (٢) الرهبان، والبيع: مساجد اليهود، وصلوات: كنائس النصارى، والمساجد: مساجد المسلمين.
قال ابن أبي حاتم (٣): وأخبرنا الأشج، ثنا حفص بن غياث، عن داود، عن أبي العالية قال: ﴿لَّهُدِّمَت صَّوَامِعُ﴾، قال: صوامع وإن كان يُشرَك به! وفي لفظ: إنَّ الله يُحِب أن يُذكَر ولو من كافر.
وفي تفسير شيبان عن قتادة: الصوامع للصابئين، والبِيَع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين (٤).
وقد تضمَّن الشرط ذِكر الدَّير والقَلَّاية والكنيسة والصومعة.
стр. 927
فأمَّا الدَّير فللنصارى خاصَّةً يبنونه للرهبان خارج البلد، يجتمعون فيه للرهبانية والتفرَّد عن الناس.
وأمَّا القَلَّاية فيَبْنيها رهبانُهم مرتفعةً كالمنارة. والفرق بينها وبين الدير أنَّ الدير يجتمعون فيه، والقلاية لا تكون إلا لواحد ينفرد بنفسه، ولا يكون لها بابٌ بل فيه (١) طاقةٌ يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه (٢).
وأمَّا الصومعة فهي كالقلَّاية تكون للراهب وحدَه. قال الأزهري (٣): الصومعة من البناء سُمِّيت صومعةً لتلطُّف أعلاها. يقال: (صمَّع الثريدةَ) إذا رفع رأسها وحدَّده، وتُسمَّى الثريدة إذا كانت كذلك صومعةً. ومن هذا يقال: (رجل أصمع القلب) إذا كان حادَّ الفِطنة.
ومنهم من فرَّق بين الصومعة والقلاية بأنَّ القلاية تكون منقطعةً في فلاةٍ من الأرض، والصومعة تكون على الطُّرق.
وأمَّا البِيَع فجمع بِيعة، وأهل اللغة والتفسير على أنَّها مُتعبَّد النصارى، إلَّا ما حكيناه عن ابن عباس أنَّه قال: البيع مساجد اليهود.
وأمَّا الكنائس فجمع كنيسة، وهي لأهل الكتابين، ولليهود خاصَّةً الفُهُر بضم الفاء والهاء (٤)، واحدها فُهْر، وهو بيت المِدْرَاس الذي يتدارسون فيه
стр. 928
العلم. وفي الحديث: أنَّ رسول الله ﷺ دَخَل على اليهود بيت مِدْراسهم (١). وفيه أيضًا قول أنس: كأنَّهم اليهود حين خرجوا من فهرهم (٢).
وحُكم هذه الأمكنة كلِّها حُكم الكنيسة، وينبغي التنبيه عليها.
ذكر حكم الأمصار التي وُجدت فيها هذه الأماكن
وما يجوز إبقاؤه وما يجب إزالتُه ومحوُ رسمه
البلاد التي تفرَّقها (٣) أهلُ الذِّمة والعهد ثلاثة أقسام:
أحدها: بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام.
الثاني: بلاد أُنشِئَت قبلَ الإسلام فافتتحها المسلمون عَنْوَةً وملكوا أرضها وساكنيها.
الثالث: بلاد أُنشِئت قبلَ الإسلام وفتحها المسلمون صُلحًا.
فأمَّا القسم الأول، فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة.
أمَّا البصرة والكوفة فأُنشِئَا في خلافة عمر بن الخطاب ﵁. قال
стр. 929
يزيد بن هارون: أخبرنا زِياد بن أبي زِياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن نافع بن الحارث قال: كان أمير المؤمنين قد همَّ أن يتَّخذ للمسلمين مِصْرًا، وكان المسلمون قد غزوا من قِبَلِ البحر وفتحوا الأَهْواز وكابُل وطَبَرِستان، فلمَّا افتتحوها كتبوا إليه: إنَّا وجدنا بطبرستان مكانًا لا بأس به. فكتب إليهم: أنَّ بيني وبينكم دِجْلَة، ولا حاجة لي في شيءٍ بيني وبينكم [فيه] (١) دِجلة أن نتخذه مِصرًا. قال: فقَدِم عليه رجلٌ من بني سَدُوس يُقال (٢) له ثابتٌ فقال له: يا أمير المؤمنين، إنِّي مررتُ بمكان دون دِجلة به باديةٌ يقال لها الخُرَيْبة، ويقال للأرضِ: البصرة، وبينها وبين دِجلة فرسخٌ فيه خليجٌ يجري فيه الماء وأَجَمة (٣) قصبٍ. فأعجب ذلك عمر ﵁ فدعا عُتبَة بن غَزْوان فبعثه في أربعين رجلًا فيهم نافع بن الحارث وزِيادٌ أخوه لأمِّه (٤).
قال سيف بن عمر (٥): مُصِّرَت البصرة سنة ست عشرة، واختُطَّت قبلَ الكوفة بثمانية أشهر (٦).
стр. 930
وقال قتادة: أوَّل مَن مصَّر البصرة رجل من بني شَيبان يُسمَّى المُثنَّى بن حارثة، وأنَّه كتب إلى عمر ﵁: إنِّي نزلتُ أرضًا بصرةَ. فكتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فاثبُتْ حتى يأتيك أمري. فبعث عُتبَة بن غَزْوان مُعلِّمًا وأميرًا، فغزا الأُبُلَّة (١).
وقال حماد بن سلمة، عن حُمَيد، عن الحسن أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ مصَّر البصرة والكوفة (٢).
فصل
وأمَّا وَاسِط فبناها الحجَّاج بن يوسف سنةَ ستٍّ وثمانين من الهجرة (٣)،
стр. 931
في السنة التي مات فيها عبد الملك بن مروان.
وأمَّا بغداد فقال سليمان بن مجالد وزير أبي جعفر: خرجتُ مع أبي جعفرٍ يومًا قبل أن نَبْتني مدينة بغداد، ونحن نرتاد موضعًا نبني فيه مدينةً يكون فيها عسكرُه، قال: فبصُرنا بِقَسٍّ شيخٍ كبيرٍ ومعه جماعةٌ من النصارى، فقال: اذهب بنا إلى هذا القَسِّ نسأله، فمضى إليه فوقف عليه أبو جعفر فسلَّم عليه ثم قال: يا شيخ، أبلغك أنَّه يُبنَى هاهنا مدينة؟ قال: نعم، ولستَ بصاحبها. قال: وما عِلمُك؟ قال القَسُّ: وما اسمك؟ قال اسمي عبد الله. قال: فلستَ بصاحبها. قال: فما اسمُ صاحبها؟ قال: مِقْلاص. قال: فتبسَّم أبو جعفرٍ وأصغى إليَّ فقال: أنا والله مِقْلاص، كان أبي يُسمِّيني وأنا صغيرٌ مِقْلاصًا، فاختطَّ موضعَ مدينةِ أبي جعفرٍ (١).
وتحوَّل أبو جعفرٍ من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها، ثم رجع إلى الكوفة في سنة أربع وأربعين ومائة. وفرغ من بنائها ونَزَلها مع جنده وسمَّاها «مدينة السلام» سنة خمسٍ وأربعين. وفرغ من بناء الرُّصَافة (٢) سنة أربع وخمسين ومائة (٣).
стр. 932
وقال سليمان بن مجالد: الذي تولَّى الوقوف على خطِّ بغداد الحجَّاج بن أرطاة وجماعةٌ من أهل الكوفة (١).
وكذلك سامَرَّا بناها المتوكِّل (٢).
وكذلك المَهْديَّة التي بالمغرب (٣)، وغيرها من الأمصار التي مصَّرها المسلمون.
فهذه البلاد صافيةٌ للإمام، إن أراد الإمام أن يُقِرَّ أهلَ الذمة فيها ببذل الجِزْيَة جاز. فلو أقرَّهم الإمام على أن يُحدِثوا فيها بِيعةً أو كنيسةً أو يُظهِروا (٤) فيها خمرًا أو خنزيرًا أو ناقوسًا لم يجُزْ. وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسدًا. وهو اتفاقٌ من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاعٌ.
قال الإمام أحمد (٥): حدثنا حماد بن خالد الخيَّاط، أخبرنا الليث بن
стр. 933
سعدٍ، عن توبة بن النَّمِر الحضرمي ــ قاضي مصر ــ عمَّن أخبره قال: قال رسول الله ﷺ : «لا خِصَاء في الإسلام ولا كنيسة».
وقال أبو عبيد (١): حدثنا عبد الله بن صالحٍ، عن الليث بن سعدٍ ــ فذكره بإسناده ومتنه.
وقد روي موقوفًا على عمر بغير هذا الإسناد:
قال علي بن عبد العزيز (٢): حدثنا أبو [عُبَيد] القاسم، حدثني أبو الأسود، عن ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مَرْثَد بن عبد الله اليَزَني قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء.
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا معتمر بن سليمان التَّيمي، عن أبيه، عن
стр. 934
حَنَشٍ، عن عِكرمة قال: سُئِل ابن عباس عن أمصار العرب ــ أو دار العرب ــ هل للعجم أن يُحدِثوا فيها شيئًا؟ فقال: أيُّما مصرٍ مصَّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه [بيعةً]، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا، ولا يتَّخذوا فيه خنزيرًا. وأيُّما مصرٍ مصَّرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوا (١)، فإنَّ للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلِّفوهم فوق طاقتهم.
قال عبد الله بن أحمد (٢): وسمعت أبي يقول: ليس لليهود والنصارى أن يُحدثوا في مصرٍ مصَّره المسلمون بيعةً ولا كنيسةً، ولا يضربوا فيه بناقوس إلا في ما كان لهم صُلْح (٣)، وليس لهم أن يُظهِروا الخمر في أمصار المسلمين.
وقال المرُّوذي (٤): قال لي أبو عبد الله: سألوني عن الديارات في
стр. 935
المسائل التي وردت مِن قبل الخليفة. فقلت: أي شيء تذهب أنت؟ فقال: ما كان من صلحٍ يُقَرُّ، وما كان أُحدِث بعدُ يُهدَم.
وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن بيع النصارى: ما كان في السواد، وهل أقرَّها عمر؟ فقال: «السواد فتح بالسيف، فلا يكون فيه بِيعة، ولا يُضرَب فيه ناقوس، ولا يُتَّخذ فيه الخنازير، ولا يُشرَب الخمر، ولا يرفعوا أصواتهم في دُورِهم، إلا الحِيرة وبانِقْيا ودَيْر صَلُوبا، فهؤلاء صُلحٌ صُولِحوا ولم يُحرَّكوا (١)، فما كان منها لم يُخرَب. وما كان غير ذلك فكلُّه مُحدَث يُهدَم، وقد كان أَمَر بهَدْمها هارون. وكلُّ مصرٍ مصَّرته العرب فليس لهم أن يبنوا فيه بِيعةً، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا، ولا يتخذوا فيه خنزيرًا. وما كان من صلح صولحوا عليه فهو على صلحهم وعهدهم. وكلُّ شيء فُتِح عَنْوَةً فلا يُحدثوا فيه شيئًا من هذا. وما كان من صلحٍ أُقِرُّوا على صلحهم». واحتجَّ فيه بحديث ابن عباس ﵄ (٢).
وقال أبو الحارث: سئل أبو عبد الله عن البِيَع والكنائس التي بناها أهل الذِّمة، وما أحدثوا فيها ممَّا لم يكن. قال: تُهدَم، وليس لهم أن يُحدثوا شيئًا من ذلك فيما مصَّره المسلمون، يُمنعون من ذلك إلا ممَّا صُولِحوا عليه. قيل لأبي عبد الله: أَيشٍ الحجة في أن يمنع أهل الذِّمة أن يبنوا بيعةً أو كنيسةً إذا كانت الأرض ملكهم، وهم يؤدُّون الجزية، وقد مُنِعنا من ظُلمهم وأذاهم؟
стр. 936
قال: حديث ابن عباس ﵄: أيُّما مصرٍ مصَّرته العرب (١).
وقال أحمد (٢): حدثنا عبد الرزاق، أخبرني معمر (٣) قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة ــ يعني ابن محمد (٤) ــ أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين. قال: وشهدت عروة بن محمد يهدمها بصنعاء.
قال عبد الرزاق (٥): وأخبرنا مَعْمَر عمَّن سمع الحسن يقول: إنَّ من السُّنَّة أن تُهدَم الكنائسُ التي في الأمصار، القديمةُ والحديثةُ. ذكره أحمد عن عبد الرزاق.
وهذا الذي جاءت به النصوص والآثار هو مُقتضَى أصول الشرع وقواعدِه، فإنَّ إحداث هذه الأمور إحداثُ شعار الكفر، وهو أغلظ من إحداث الخمارات والمواخير، فإن تلك شعار الكفر وهذه شعار الفسق، ولا يجوز للإمام أن يصالحهم في دار الإسلام على إحداث شعائر المعاصي والفسوق، فكيف إحداث موضع الكفر والشرك؟!
стр. 937
فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصَّرها المسلمون؟
قيل: هي على نوعين:
أحدهما: أن تُحدثَ الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر، فهذه تُزَال اتفاقًا.
الثاني: أن تكون موجودةً بفلاةٍ من الأرض، ثمُّ يمصِّر المسلمون حولَها المصر، فهذه لا تُزَال، والله أعلم.
وورد على شيخنا استفتاءٌ في أمر الكنائس صورته (١):
ما يقول السادة العلماء ــ وفقهم الله ــ في إقليمٍ تَوافَق أهلُ الفتوى في هذا الزمان على أنَّ المسلمين فتحوه عَنوةً من غير صلح ولا أمان، فهل مَلَك المسلمون ذلك الإقليم المذكور بذلك؟
وهل يكون الملك شاملًا لِما فيه من أموال الكفار من الأثاث والمزارع والحيوان والرقيق والأرض والدُّور والبِيَع والكنائس والقَلَّايات والدُّيُورة (٢) ونحو ذلك؟ أو يختصُّ الملك بما عدا متعبَّدات أهل الشرك؟
فإنْ مَلَك جميع ما فيه، فهل يجوز للإمام أن يعقد لأهل الشرك مِن
стр. 938
النصارى واليهود ــ بذلك الإقليم أو غيره ــ الذمةَ على أن يبقى ما بالإقليم المذكور من البِيَع والكنائس والدُّيُورة ونحوها متعبَّدًا لهم، وتكون الجزية المأخوذة منهم في كل سنةٍ في مقابلة ذلك بمفرده أو مع غيره أم لا؟
فإن لم يَجُز لأجل ما فيه من تأخير ملك المسلمين عنه، فهل يكون حكم الكنائس ونحوها حكمَ الغنيمة يتصرَّف فيه الإمام تصرُّفَه في الغنائم أم لا؟
وإن جاز للإمام أن يعقد الذِّمة بشرط بقاء الكنائس ونحوها، فهل يملك من عُقِدت له الذمةُ بهذا العقد رقابَ البِيَع والكنائس والدُّيُورة ونحوها، ويزول ملك المسلمين عن ذلك بهذا العقد أم لا؟ لأجل أنَّ الجزية لا تكون عن ثمنِ مبيعٍ؟
وإذا لم يملكوا ذلك وبَقُوا على الانتفاع بذلك وانتقض عهدهم بسببٍ يقتضي انتقاضَه إمَّا بموتِ مَن وقع عقد الذمة معه ولم يُعْقِبوا أو أعقبوا، فإن قلنا: لكن (١) أولادُهم يستأنف معهم عقد الذمة، كما نصَّ عليه الشافعي فيما حكاه ابن الصَّبَّاغ وصحَّحه العراقيون (٢) واختاره ابن أبي عصرون في «المرشد»، فهل لإمام الوقت أن يقول: لا أعقد لكم الذمة إلا بشرطِ أن لا تُدخلوا (٣) الكنائس والبِيَع والدُّيُورة في العقد، فتكون كالأموال التي جُهِل
стр. 939
مستحقوها وأُيِس من معرفتها؟ أم لا يجوز له الامتناع من إدخالها في عقد الذِّمة، بل يجب عليه إدخالها في عقد الذمة؟
فهل ذلك يختصُّ بالبيع والكنائس والديورة التي تحقَّق أنَّها كانت موجودةً عند فتح المسلمين؟ ولا يجب عليه ذلك عند التردُّد في أنَّ ذلك كان موجودًا عند الفتح أو حدث بعد الفتح؟ أو يجب عليه مطلقًا فيما تحقَّق أنَّه كان موجودًا قبل الفتح أو شك فيه؟
وإذا لم يجب في حالة الشك، فهل يكون ما وقع الشك في أنَّه كان قبل الفتح وجُهِل الحال فيمَن أحدثه؛ لمَن هو؟ لبيت المال أم لا؟
وإذا قلنا: إنَّ مَن بلغ من أولاد مَن عُقدت معهم الذمة ــ وإن سَفَلُوا (١) ــ ومِن غيرهم لا يحتاجون أن تُعقَد لهم الذمة، بل يجري عليهم حكم من سلف إذا تحقَّق أنَّه من أولادهم؛ يكون حكم كنائسهم وبِيَعهم حكم أنفسهم أم يحتاج إلى تجديد عقدٍ وذمَّة؟ وإذا قلنا: إنَّهم يحتاجون إلى تجديد عقد عند البلوغ فهل تحتاج بِيَعهم إليه أم لا؟
فأجاب:
الحمد لله، ما فتحه المسلمون كأرض خيبر التي فُتِحت على عهد النبي ﷺ ، وكعامَّة أرض الشام وبعض مُدُنها، وكسواد العراق إلَّا مواضع قليلةً فُتِحت صلحًا، وكأرض مصر؛ فإنَّ هذه الأقاليم فُتِحت عَنْوةً على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 940
وقد روي في أرض مصر أنَّها فُتِحت صُلحًا، وروي أنَّها فتحت عَنوةً، وكلا الأمرين صحيح على ما ذكره العلماء المتأمِّلون (١) للروايات الصحيحة في هذا الباب، فإنَّها فتحت أولًا صُلحًا ثم نقَضَ أهلُها العهد، فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ يستمِدُّه، فأمدَّه بجيشٍ كثيرٍ فيهم الزبير بن العوام، ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوةً (٢). ولهذا روي من وجوهٍ كثيرةٍ أنَّ الزبير سأل عمر بن الخطاب ﵄ أن يقسمها بين الجيش (٣)، كما سأله بلالٌ قَسْم الشام (٤)، فشاور الصحابة في ذلك فأشار عليه كبراؤهم كعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أن يَحبِسها فيئًا للمسلمين ينتفعُ بفائدتها أوَّلُ المسلمين وآخرُهم (٥)، ثم وافق عمرَ على ذلك بعضُ مَن كان خالفه، ومات بعضهم، فاستقرَّ الأمر على ذلك.
فما فتحه المسلمون عَنوةً فقد ملَّكهم الله إياه (٦)، كما ملَّكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعَقار. ويدخل في العقار معابدُ الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول
стр. 941
سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد.
وليس لمعابد الكفار خاصَّةٌ تقتضي خروجها عن ملك المسلمين، فإنَّ ما يقال فيها من الأقوال ويفعل فيها من العبادات إما أن يكون مبدَّلًا، أو مُحدَثًا لم يشرعه الله قط، أو يكون الله قد نهى عنه بعدما شرعه. وقد أوجب الله على أهل دينه جهادَ أهل الكفر حتى يكون الدِّين كلُّه لله، وتكون كلمةُ الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، و ﴿يُعْطُوا اُلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
ولهذا لمَّا استولى رسولُ الله ﷺ على أرض من حاربه من أهل الكتاب وغيرهم كبني قَيْنُقَاع والنَّضِير وقُرَيظة كانت مَعابِدهم ممَّا استولى عليه المسلمون، ودخلت في قوله سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: ٢٧] وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦]، و ﴿مَّا أَفَاءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اِلْقُرى﴾ [الحشر: ٧]، لكن وإنْ ملك المسلمون ذلك فحكم الملك متنوِّعٌ (١)، كما يختلف حكم الملك في المكاتب والمدبَّر وأمِّ الولد والعبد، وكما يختلف حكمه في المُقاتِلين الذين يُؤسَرون وفي النساء والصبيان الذين يُسْبَون، كذلك يختلف حكمه (٢) في المملوك نفسه والعقار والأرض والمنقول.
стр. 942
وقد أجمع المسلمون على أنَّ الغنائم لها أحكامٌ مختصَّةٌ بها لا تُقاس بسائر الأموال المشتركة.
ولهذا لمَّا فتح النبي ﷺ خيبر أقرَّ أهلها ذِمَّةً للمسلمين في مساكنهم، وكانت المزارع مِلكًا للمسلمين عَامَلهم عليها رسولُ الله ﷺ بشطر (١) ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ثمَّ أجلاهم عمر ﵁ في خلافته (٢)، واسترجع المسلمون ما كانوا أقرُّوهم فيه من المساكن والمعابد.
فصل
وأمَّا أنَّه هل يجوز للإمام عقدُ الذِّمة مع إبقاء المَعابِد بأيديهم؟ فهذا فيه خلافٌ معروفٌ في مذاهب الأئمة الأربعة، منهم من يقول: لا يجوز تركُها لهم لأنَّه إخراج مِلك المسلمين عنها وإقرار الكفر بلا عهدٍ قديم.
ومنهم من يقول بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما أقرَّ النبي ﷺ أهل خيبر فيها، وكما أقرَّ الخلفاء الراشدون الكفارَ على المساكن والمعابد التي كانت بأيديهم. فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار.
منهم من يُوجِب إبقاءَه، كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية.
ومنهم من يخيِّر الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة. وهذا قول
стр. 943
الأكثرين، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه. وعليه دلَّت سنة رسول الله ﷺ حيث قَسَم نصفَ خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين (١).
ومن قال: يجوز إقرارها بأيديهم، فقوله أوجه وأظهر، فإنَّهم لا يملكون بهذا الإقرار رِقابَ المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنَّهم لا يملكون ما تُرك لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، وكما لم يملك أهل خيبر ما أقرَّهم فيه رسول الله ﷺ من المساكن والمعابد.
ومجرَّد إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكًا كما لو أُقطِع المسلمُ بعضَ عقار بيت المال ينتفع بغلَّته، أو يُسَلَّم إليه مسجدٌ أو رباطٌ ينتفع به= لم يكن ذلك تمليكًا له.
بل ما أُقرُّوا فيه من كنائس العَنْوة يجوز للمسلمين انتزاعُها منهم إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما انتزعها أصحاب (٢) النبي ﷺ من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها.
وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس (٣) العَنْوة التي خارج دمشق، فصالحوهم على
стр. 944
إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد، وأقرَّ ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ومَن معه في عصره من أهل العلم، فإنَّ المسلمين لمَّا أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه وكانت من كنائس الصُّلح، لم يكن لهم أخذها قهرًا فاصطلحوا على المُعاوَضة بإقرار كنائس العَنْوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عِوَضًا عن كنيسة الصُّلح التي لم يكن لهم أخذُها (١) عَنْوةً (٢).
فصل
ومتى انتقض عهدهم جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلًا عن كنائس العَنْوة، كما أخذ النبي ﷺ ما كان لقُرَيظَة والنَّضِير لمَّا نقضوا العهد، فإنَّ ناقض العهد أسوأُ حالًا من المحارب الأصلي، كما أنَّ ناقض الإيمان بالرِّدَّة أسوأُ حالًا من الكافر الأصلي.
ولذلك لو انقرض أهل مصرٍ من الأمصار ولم يبقَ مَن دخل في عهدهم، فإنَّه يصير للمسلمين جميعُ عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئًا. فإذا عقدت الذِّمة لغيرهم كان كالعهد المبتدأ، وكان لمَن يعقد لهم الذِّمةَ أن يُقرَّهم في المعابد، وله أن لا يُقرَّهم بمنزلة ما فتح ابتداءً، فإنَّه لو أراد الإمام عند فتحه هدْمَ ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدْمه، وإنَّما اختلفوا في جواز بقائه.
стр. 945
وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئًا للمسلمين. أمَّا على قول الجمهور الذين لا يُوجِبون قَسْمَ العَقار، فظاهر. وأمَّا على قول مَن يُوجِب قَسْمَه، فلأنَّ عين المستحقِّ غير معروف كسائر الأموال التي لا يُعرَف لها مالك معيَّن.
وأمَّا تقدير وجوب إبقائها، فهذا تقديرٌ لا حقيقةَ له، فإنَّ إيجاب إعطائهم معابدَ العَنْوَة لا وجهَ له، ولا أعلم به قائلًا، فلا يفرَّع عليه. وإنَّما الخِلاف في الجواز.
نعم، قد يقال في الأبناء إذا لم نقُلْ بدخولهم في عهد آبائهم، لأنَّ لهم شُبهةَ الأمان والعهد بخلاف الناقضين، فلو وجب لم يَجِب إلا ما تحقَّق أنَّه كان له، فإنَّ صاحب الحق لا يجب أن يعطى إلا ما عُرِف أنَّه حقُّه، وما وقع الشكُّ فيه على هذا التقدير فهو لبيت المال.
وأمَّا الموجودون الآن إذا لم يَصدُر منهم نقضُ عهدٍ فهم على الذِّمَّة، فإنَّ الصبيَّ يتبع أباه في الذمَّة وأهلَ داره من أهل الذِّمة، كما يتبع في الإسلام أباه وأهلَ داره من المسلمين، لأنَّ الصبيَّ لمَّا لم يكن مستقلًّا بنفسه جُعِل تابعًا لغيره في الإيمان والأمان. وعلى هذا جرَتْ سنَّةُ رسول الله ﷺ وخلفائه والمسلمين في إقرارهم صبيانَ أهل الكتاب بالعهد القديم من غير تجديد عقدٍ آخر.
وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديمًا قبل فتح المسلمين. أمَّا ما أُحِدث بعد ذلك فإنَّه يجب إزالته، ولا يمكَّنون من إحداث البِيَع والكنائس كما شَرَط عليهم عمرُ بن الخطاب ﵁ في الشروط المشهورة عنه أن لا يجدِّدوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسةً ولا صومعةً ولا
стр. 946
دَيرًا لا قَلَّايةً (١)، امتثالًا لقول رسول الله ﷺ : «لا تكون قِبلتان ببلدٍ واحدٍ»، رواه أحمد وأبو داود (٢) بإسناد جيد، ولِما روي عن (٣) عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا كنيسة في الإسلام (٤).
وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى. وما زال مَن يوفِّقه الله مِن وُلاة أمور المسلمين يُنفِّذ ذلك، ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنَّه إمام هدًى، فروى الإمام أحمد (٥) عنه أنَّه كتب إلى نائبه على (٦) اليمن أن يَهدِم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء وغيرها.
وروى الإمام أحمد (٧) عن الحسن البصري أنَّه قال: من السُّنَّة أن تُهدَم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة.
وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد (٨).
стр. 947
وكذلك المُتوَكِّل لمَّا ألزم أهل الكتاب بشروط عمر استفتى علماءَ وقته في هدْم الكنائس والبِيَع فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين، فممَّا ذكره ما روي عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: أيُّما مصرٍ مصَّرته العرب (يعني: المسلمين) فليس للعجم (يعني: أهل الذِّمَّة) أن يَبنُوا فيه كنيسةً، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا. وأيُّما مصرٍ مصَّرته العجم ففتحه الله على العرب فإنَّ للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يُوفُوا بعهدهم ولا يكلِّفونهم (١) فوق طاقتهم (٢).
ومُلخَّص الجواب (٣): أنَّ كلَّ كنيسةٍ في مصرَ والقاهرة والكوفة والبصرة وواسطَ وبغدادَ ونحوها من الأمصار التي مصَّرها المسلمون بأرض العَنْوة فإنَّه يجب إزالتها إمَّا بالهدم أو غيره، بحيث لا يبقى لهم معبدٌ في مصرٍ مصَّره المسلمون بأرض العنوة. وسواءٌ كانت تلك المعابد قديمةً قبل الفتح أو محدثةً، لأنَّ القديم منها يجوز أخذُه ويجب عند المفسدة، وقد نهى النبي ﷺ أن تجتمع قِبلتان بأرضٍ، فلا يجوز للمسلمين أن يُمكِّنوا أن يكون بمدائن الإسلام قِبلتان إلا لضرورة كالعهد القديم، لا سِيَّما وهذه الكنائس التي بهذه
стр. 948
الأمصار مُحدَثةٌ يظهر حدوثُها بدلائل متعدِّدة، والمُحدَث يُهدَم باتفاق الأئمة.
وأمَّا الكنائس التي بالصَّعيد وبرِّ الشام ونحوها من أرض العَنْوة، فما كان منها مُحدثًا وجب هدمُه، وإذا اشتبه المُحدَث بالقديم وجب هَدمُهما جميعًا، لأنَّ هدم المُحدَث واجبٌ وهدم القديم جائزٌ، وما لا يَتِمُّ الواجب إلا به فهو واجب.
وما كان منها قديمًا فإنَّه يجوز هدمه ويجوز إقراره بأيديهم، فينظر الإمامُ في المصلحة، فإن كانوا قد قَلُّوا والكنائس كثيرةٌ أخذ منهم أكثرها، وكذلك ما كان على المسلمين فيه مَضرَّةٌ فإنَّه يؤخذ أيضًا، وما احتاج المسلمون إلى أخذه أُخِذ أيضًا.
وأمَّا إذا كانوا كثيرين في قريةٍ ولهم كنيسةٌ قديمةٌ لا حاجة إلى أخذها ولا مصلحة فيه، فالذي ينبغي: تركُها كما ترك النبي ﷺ وخلفاؤه لهم من الكنائس ما كانوا محتاجين إليه، ثم أخذ منهم.
وأمَّا ما كان لهم بصلحٍ قبل الفتح مثل ما في داخل مدينة دمشق ونحوها، فلا يجوز أخذُه ما داموا مُوفِين بالعهد إلا بمُعاوَضةٍ أو طيب أنفسهم، كما فعل المسلمون بجامع دمشق لمَّا بَنَوه.
فإذا عُرِف أنَّ الكنائس ثلاثة أقسام: منها ما لا يجوز هدمه، ومنها ما يجب هدمه كالتي في القاهرة ومصر والمحدثات كلها، ومنها ما يفعل
стр. 949
المسلمون فيه الأصلح كالتي في الصعيد وأرض الشام مما (١) كان قديمًا، على ما بيَّنَّاه.
فالواجب على ولي الأمر فعلُ ما أمره الله به، وما هو أصلح للمسلمين من إعزاز دين الله وقمع أعدائه وإتمام ما فعله الصحابة من إلزامهم بالشروط عليهم، ومنعِهم من الولايات في جميع أرض الإسلام. ولا يَلتفِت في ذلك إلى مُرجِفٍ أو مُخذِّلٍ يقول: إنَّ لنا عندهم مساجدَ وأسرى نخاف عليهم، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اَللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وإذا كان نَورُوز (٢) في مملكة التتار قد هدم عامة الكنائس على رغم أنف أعداء الله، فحزب الله المنصور وجنده الموعود بالنصر إلى قيام الساعة أولى بذلك وأحقُّ، فإنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّهم لا يزالوا (٣) ظاهرين إلى يوم القيامة، ونحن نرجو أن يحقِّق الله وعدَ رسوله حيث قال: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يجدِّدُ لها دينها» (٤)،
ويكون مَن أجرى الله
стр. 950
ذلك على يديه وأعان عليه من أهل القرآن والحديث داخلين في هذا الحديث النبوي، فإنَّ الله بهم يُقيم دينَه كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسْلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ اُلْكِتَابَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ اَلنَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اَللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
فصل
الضرب الثاني من البلاد: الأمصار التي أنشأها المشركون ومصَّروها، ثم فتحها المسلمون عَنوةً وقهرًا بالسيف، فهذه لا يجوز أن يُحدَث فيها شيء من البيع والكنائس.
وأمَّا ما كان فيها من ذلك قبل الفتح، فهل يجوز إبقاؤه أو يجب هدمه؟ فيه قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره:
أحدهما: يجب إزالتُه وتَحْرُم تبقيتُه، لأنَّ البلاد قد صارت ملكًا للمسلمين، فلم يجُزْ أن يُقَرَّ فيها أمكنة شعار الكفر، كالبلاد التي مصَّرها المسلمون.
ولقول النبي ﷺ : «لا تصلح قبلتان ببلدٍ» (١).
وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير.