دَيرًا لا قَلَّايةً (١)، امتثالًا لقول رسول الله ﷺ : «لا تكون قِبلتان ببلدٍ واحدٍ»، رواه أحمد وأبو داود (٢) بإسناد جيد، ولِما روي عن (٣) عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لا كنيسة في الإسلام (٤).
وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى. وما زال مَن يوفِّقه الله مِن وُلاة أمور المسلمين يُنفِّذ ذلك، ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنَّه إمام هدًى، فروى الإمام أحمد (٥) عنه أنَّه كتب إلى نائبه على (٦) اليمن أن يَهدِم الكنائس التي في أمصار المسلمين، فهدمها بصنعاء وغيرها.
وروى الإمام أحمد (٧) عن الحسن البصري أنَّه قال: من السُّنَّة أن تُهدَم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة.
وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد (٨).
стр. 947
وكذلك المُتوَكِّل لمَّا ألزم أهل الكتاب بشروط عمر استفتى علماءَ وقته في هدْم الكنائس والبِيَع فأجابوه، فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد، فأجابه بهدم كنائس سواد العراق، وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين، فممَّا ذكره ما روي عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: أيُّما مصرٍ مصَّرته العرب (يعني: المسلمين) فليس للعجم (يعني: أهل الذِّمَّة) أن يَبنُوا فيه كنيسةً، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا. وأيُّما مصرٍ مصَّرته العجم ففتحه الله على العرب فإنَّ للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يُوفُوا بعهدهم ولا يكلِّفونهم (١) فوق طاقتهم (٢).
ومُلخَّص الجواب (٣): أنَّ كلَّ كنيسةٍ في مصرَ والقاهرة والكوفة والبصرة وواسطَ وبغدادَ ونحوها من الأمصار التي مصَّرها المسلمون بأرض العَنْوة فإنَّه يجب إزالتها إمَّا بالهدم أو غيره، بحيث لا يبقى لهم معبدٌ في مصرٍ مصَّره المسلمون بأرض العنوة. وسواءٌ كانت تلك المعابد قديمةً قبل الفتح أو محدثةً، لأنَّ القديم منها يجوز أخذُه ويجب عند المفسدة، وقد نهى النبي ﷺ أن تجتمع قِبلتان بأرضٍ، فلا يجوز للمسلمين أن يُمكِّنوا أن يكون بمدائن الإسلام قِبلتان إلا لضرورة كالعهد القديم، لا سِيَّما وهذه الكنائس التي بهذه
стр. 948
الأمصار مُحدَثةٌ يظهر حدوثُها بدلائل متعدِّدة، والمُحدَث يُهدَم باتفاق الأئمة.
وأمَّا الكنائس التي بالصَّعيد وبرِّ الشام ونحوها من أرض العَنْوة، فما كان منها مُحدثًا وجب هدمُه، وإذا اشتبه المُحدَث بالقديم وجب هَدمُهما جميعًا، لأنَّ هدم المُحدَث واجبٌ وهدم القديم جائزٌ، وما لا يَتِمُّ الواجب إلا به فهو واجب.
وما كان منها قديمًا فإنَّه يجوز هدمه ويجوز إقراره بأيديهم، فينظر الإمامُ في المصلحة، فإن كانوا قد قَلُّوا والكنائس كثيرةٌ أخذ منهم أكثرها، وكذلك ما كان على المسلمين فيه مَضرَّةٌ فإنَّه يؤخذ أيضًا، وما احتاج المسلمون إلى أخذه أُخِذ أيضًا.
وأمَّا إذا كانوا كثيرين في قريةٍ ولهم كنيسةٌ قديمةٌ لا حاجة إلى أخذها ولا مصلحة فيه، فالذي ينبغي: تركُها كما ترك النبي ﷺ وخلفاؤه لهم من الكنائس ما كانوا محتاجين إليه، ثم أخذ منهم.
وأمَّا ما كان لهم بصلحٍ قبل الفتح مثل ما في داخل مدينة دمشق ونحوها، فلا يجوز أخذُه ما داموا مُوفِين بالعهد إلا بمُعاوَضةٍ أو طيب أنفسهم، كما فعل المسلمون بجامع دمشق لمَّا بَنَوه.
فإذا عُرِف أنَّ الكنائس ثلاثة أقسام: منها ما لا يجوز هدمه، ومنها ما يجب هدمه كالتي في القاهرة ومصر والمحدثات كلها، ومنها ما يفعل
стр. 949
المسلمون فيه الأصلح كالتي في الصعيد وأرض الشام مما (١) كان قديمًا، على ما بيَّنَّاه.
فالواجب على ولي الأمر فعلُ ما أمره الله به، وما هو أصلح للمسلمين من إعزاز دين الله وقمع أعدائه وإتمام ما فعله الصحابة من إلزامهم بالشروط عليهم، ومنعِهم من الولايات في جميع أرض الإسلام. ولا يَلتفِت في ذلك إلى مُرجِفٍ أو مُخذِّلٍ يقول: إنَّ لنا عندهم مساجدَ وأسرى نخاف عليهم، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اَللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وإذا كان نَورُوز (٢) في مملكة التتار قد هدم عامة الكنائس على رغم أنف أعداء الله، فحزب الله المنصور وجنده الموعود بالنصر إلى قيام الساعة أولى بذلك وأحقُّ، فإنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّهم لا يزالوا (٣) ظاهرين إلى يوم القيامة، ونحن نرجو أن يحقِّق الله وعدَ رسوله حيث قال: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يجدِّدُ لها دينها» (٤)،
ويكون مَن أجرى الله
стр. 950
ذلك على يديه وأعان عليه من أهل القرآن والحديث داخلين في هذا الحديث النبوي، فإنَّ الله بهم يُقيم دينَه كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسْلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ اُلْكِتَابَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ اَلنَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اَللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
فصل
الضرب الثاني من البلاد: الأمصار التي أنشأها المشركون ومصَّروها، ثم فتحها المسلمون عَنوةً وقهرًا بالسيف، فهذه لا يجوز أن يُحدَث فيها شيء من البيع والكنائس.
وأمَّا ما كان فيها من ذلك قبل الفتح، فهل يجوز إبقاؤه أو يجب هدمه؟ فيه قولان في مذهب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره:
أحدهما: يجب إزالتُه وتَحْرُم تبقيتُه، لأنَّ البلاد قد صارت ملكًا للمسلمين، فلم يجُزْ أن يُقَرَّ فيها أمكنة شعار الكفر، كالبلاد التي مصَّرها المسلمون.
ولقول النبي ﷺ : «لا تصلح قبلتان ببلدٍ» (١).
وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير.
стр. 951
ولأنَّ أمكنة البِيَع والكنائس قد صارت ملكًا للمسلمين، فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبَيعهم وإجارتهم إيَّاها لذلك.
ولأنَّ الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدِّين كلُّه له، وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره.
وهذا القول هو الصحيح.
والقول الثاني: يجوز إبقاؤها، لقول ابن عباس ﵄: أيما مصرٍ مصَّرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإنَّ للعجم ما في عهدهم (١).
ولأنَّ رسول الله ﷺ فتح خيبر عنوةً وأقرَّهم على معابدهم فيها ولم يهدمها.
ولأنَّ الصحابة ﵃ فتحوا كثيرًا من البلاد عَنْوةً فلم يَهدِموا شيئًا من الكنائس التي بها. ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فُتِحت عَنْوةً، ومعلومٌ قطعًا أنَّها ما أُحدِثت بل كانت موجودةً قبل الفتح. وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عُمَّاله: أن لا تهدموا كنيسةً ولا بيعةً ولا بيت نارٍ (٢). ولا يناقِض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنَّه أمر بهدم الكنائس (٣)، فإنَّها
стр. 952
التي أُحدِثت في بلاد الإسلام.
ولأنَّ الإجماع قد حصل على ذلك، فإنَّها موجودةٌ في بلاد المسلمين من غير نكيرٍ.
وفصل الخطاب أن يقال: إنَّ الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين. فإن كان أخذُها منهم أو إزالتُها هو المصلحةَ، لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى بعضها وقِلَّة أهل الذِّمة= فله أخذُها أو إزالتها بحسب المصلحة. وإن كان تركها أصلح، لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين عنها= تَرَكها. وهذا الترك تمكينٌ لهم من الانتفاع بها، لا تمليكٌ لهم رِقابَها، فإنَّها قد صارت مِلكًا للمسلمين، فكيف يجوز أن يجعلها ملكًا للكفار؟ وإنَّما هو امتناعٌ بحسب المصلحة، فللإمام انتزاعها متى رأى المصلحة في ذلك.
ويدلُّ عليه أنَّ عمر بن الخطاب والصحابة معه أَجلَوا أهل خيبر من دُورهم ومعابدهم بعد أن أقرَّهم رسول الله ﷺ فيها، ولو كان ذلك الإقرار تمليكًا لم يَجُزْ إخراجهم عن ملكهم إلا برِضًا أو معاوضةٍ.
ولهذا لمَّا أراد المسلمون أخذ كنائس العنوة التي خارج دمشق في زمن الوليد بن عبد الملك صالَحَهم النصارى على تركها وتعويضهم عنها بالكنيسة التي زِيدت في الجامع (١). ولو كانوا قد ملكوا تلك الكنائس بالإقرار لقالوا للمسلمين: كيف تأخذون أملاكنا قهرًا وظلمًا؟ بل أَذْعَنوا إلى
стр. 953
المعاوضة لمَّا علموا أنَّ للمسلمين أخذَ تلك الكنائس منهم، وأنَّها غير ملكهم كالأرض التي هي بها.
فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة، وهو اختيار شيخنا (١)، وعليه يدلُّ فعل الخلفاء الراشدين ومَن بعدهم من أئمة الهدى، وعمر بن عبد العزيز هدَمَ منها ما رأى المصلحة في هدمه وأقرَّ ما رأى المصلحة في إقراره.
وقد أفتى الإمام أحمدُ المُتوَكِّلَ بهدم كنائس السَّواد وهي أرض العنوة.
فصل
الضرب الثالث: ما فُتِح صلحًا ، وهذا نوعان:
أحدهما: أن يصالحهم على أنَّ الأرض لهم ولنا الخراج عليها، أو يصالحهم على مالٍ يبذلونه وهي الهُدْنة، فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها، لأنَّ الدار لهم كما صالح رسول الله ﷺ أهل نَجْران ولم يشترط عليهم أن لا يُحدِثوا كنيسةً ولا ديرًا.
النوع الثاني: أن يصالحهم على أنَّ الدار للمسلمين، ويُؤدُّون الجزية إلينا. فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقيةٍ وإحداثٍ وعمارةٍ، لأنَّه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أنَّ الكلَّ لهم جاز أن يصالَحوا على أن يكون بعض البلد (٢) لهم.
والواجب عند القدرة أن يُصالَحوا على ما صالحهم عليه عمر ﵁،
стр. 954
ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبد الرحمن بن غنم: أن لا يحدثوا بيعةً ولا صومعة راهبٍ ولا قلَّايةً.
فلو وقع الصلح مطلقًا من غير شرطٍ حُمِل على ما وقع عليه صلحُ عمرَ وأخذوا بشروطه، لأنَّها صارت كالشرع، فيُحمَل مطلق صلح الأئمة بعده عليها.
ذكر نصوص أحمد وغيره من الأئمة في هذا الباب
قال الخلال في كتاب «أحكام أهل الملل» (١): باب الحكم فيما أحدثته النصارى مما لم يصالحوا عليه. أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: كان المتوكِّل لمَّا حدث من أمر النصارى ما حدث كتب إلى القضاة ببغداد يسألهم أبي حسَّان الزيادي (٢) وغيرِه، فكتبوا إليه واختلفوا، فلما قُرِئ عليه قال: اكتب بما أجاب به هؤلاء إلى أحمد بن حنبل ليكتب إليَّ بما يرى في ذلك.
قال عبد الله: ولم يكن في أولئك الذين كتبوا أحدٌ يحتجُّ بالحديث إلا أبا حسان الزيادي، واحتجَّ بأحاديث عن الواقدي. فلما قرئ على أبي عرفه وقال: هذا جواب أبي حسَّان، وقال: هذه أحاديث ضِعافٌ، فأجابه أبي واحتجَّ بحديث ابن عباس ﵄، فقال: حدثنا معتمر بن سليمان التيمي،
стр. 955
عن أبيه، عن حنشٍ، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب ــ أو دار العرب ــ هل للعجم أن يُحدثوا فيها شيئًا؟ فقال: أيما مصرٍ مصَّرته العرب ... فذكر الحديث (١).
قال: وسمعت أبي يقول: ليس لليهود والنصارى أن يحدثوا في مصرٍ مصَّره المسلمون بيعةً ولا كنيسةً، ولا يضربوا فيه بناقوس إلا فيما كان لهم صُلْحًا، وليس لهم أن يُظهِروا الخمر في أمصار المسلمين، على حديث ابن عباس: أيُّما مصرٍ مصَّره المسلمون. (٢)
أخبرنا حمزة بن القاسم وعبد الله بن أحمد بن حنبلٍ وعصمة قالوا: حدثنا حنبلٌ قال: قال أبو عبد الله: وإذا كانت الكنائس صلحًا تُركوا على ما صولحوا عليه، فأمَّا العَنْوة فلا، وليس لهم أن يحدثوا بيعةً وكنيسةً لم تكن، ولا يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبًا، ولا يظهروا خنزيرًا، ولا يرفعوا نارًا ولا شيئًا ممَّا يجوز لهم فعله في دينهم، يمنعون من ذلك ولا يتركون.
قلت: للمسلمين أن يمنعوهم من ذلك؟ قال: نعم، على الإمام منعُهم من ذلك، السلطان يمنعهم من الإحداث إذا كانت بلادهم فتحت عنوةً. وأمَّا الصلح فلهم ما صُولِحوا عليه يُوفى لهم به. وقال: الإسلام يعلو ولا يُعلَى، ولا يُظهرون خمرًا.
стр. 956
قال الخلال (١): كتب إليَّ يوسف بن عبد الله الإسكافي (٢): حدثنا الحسن بن علي بن الحسن أنه سأل أبا عبد الله عن البيعة والكنيسة تُحدَث، قال: يرفع أمرها إلى السلطان.
وقال محمد بن الحسن (٣): لا ينبغي أن يترك في أرض العرب كنيسةٌ ولا بِيعةٌ، ولا يباع فيها خمرٌ وخنزيرٌ، مِصرًا (٤) كان أو قريةً.
وقال الشافعي في «المختصر» (٥): «ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسةً ولا مجتمعًا لصلواتهم. ولا يظهروا فيها حمل خمرٍ ولا إدخال خنزيرٍ. ولا يُحدِثون بناءً يطولون به على بناء المسلمين. وأن يُفرِّقوا بين هيئاتهم في المركب والملبس وبين هيئات المسلمين. وأن يعقدوا الزُّنَّار على أوساطهم. ولا يدخلوا مسجدًا. ولا يسقوا مسلمًا خمرًا، ولا يُطعمونه (٦) خنزيرًا.
وإن كانوا في قرية يملكونها منفردين لم يُعرَض لهم في خمرهم وخنازيرهم ورفع بنيانهم. وإن كان لهم بمصر المسلمين كنيسةٌ أو بناءٌ طويلٌ كبناء المسلمين لم يكن للمسلمين هدم ذلك، وتُرِك على ما وُجِد، ومُنعوا من إحداث مثله.
стр. 957
وهذا إذا كان المصر للمسلمين أحيوه أو فتحوه عنوةً، وشُرِط هذا على أهل الذِّمة. وإن كانوا فتحوا بلادهم على صلحٍ منهم على تركهم وإيَّاه خُلُّوا وإياه، ولا يجوز أن يصالَحوا على أن ينزلوا بلاد الإسلام يُحدِثون فيها ذلك».
قال صاحب «النهاية» (١) في شرحه: البلاد قسمان: بلدةٌ ابتناها المسلمون فلا يُمكَّن أهلُ الذمة من إحداث كنيسةٍ فيها ولا بيت نارٍ، فإن فعلوا نُقِض عليهم.
فإن كان البلد للكفار وجرى فيه حكمٌ للمسلمين، فهذا قسمان:
* فإن فتحه المسلمون عنوةً وملكوا رِقاب الأبنية والعِراص تعيَّن نَقْض ما فيها من البِيَع والكنائس. وإذا كنَّا ننقض ما نصادف من الكنائس والبِيَع فلا يخفى أنَّا نمنعهم من استحداث مثلها. ولو رأى الإمام أن يُبقي كنيسةً ويقرَّ في البلد طائفةً من أهل الكتاب، فالذي قطع به الأصحاب: منعُ ذلك، وذكر العراقيون وجهين:
أحدهما: أنَّه يجوز للإمام أن يقرَّهم ويبقي الكنيسة عليهم.
والثاني: لا يجوز ذلك، وهو الأصحُّ الذي قطع به المَراوِزة.
* هذا إذا فتحنا البلد عنوةً، فإن فتحناها صُلحًا فهذا ينقسم قسمين:
أحدهما: أن يقع الفتح على أنَّ رقاب الأراضي للمسلمين، ويُقَرُّون فيها بمالٍ يُؤدُّونه لسُكناها سوى الجزية. فإن استثنوا في الصلح البِيَع والكنائس لم
стр. 958
تُنقضَ عليهم. وإن أطلقوا وما استثنَوا بيعهم وكنائسهم ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أنها تنقض عليهم، لأنَّ المسلمين ملكوا رِقاب الأبنية والبِيَع والكنائس، تُغنَم كما تغنم الدُّور.
والثاني: لا نملكها، لأنَّا شرطنا تقريرهم، وقد لا يتمكَّنون من المقام إلا بتبقية مجتمعٍ لهم فيما يرونه عبادةً.
وحقيقة الخلاف ترجع إلى أنَّ اللفظ في مطلق الصلح هل يتناول البِيَع والكنائس مع القرائن التي ذكرناها؟
القسم الثاني: أن يفتحها المسلمون على أن تكون رقاب الأرض لهم، فإذا وقع الصلح كذلك لم يُتعرَّض للبيع والكنائس، ولو أرادوا إحداث كنائس فالمذهب أنَّهم لا يُمنَعون فإنَّهم متصرفون في أملاكهم. وأبعَدَ بعضُ أصحابنا فمنعهم من استحداث ما لم يكن، فإنه إحداث بيعةٍ في بلدٍ هي تحت حكم الإسلام.
فصل
وأمَّا أصحاب مالك، فقال في «الجواهر» (١): إن كانوا في بلدةٍ بناها المسلمون فلا يمكَّنون من بناء كنيسةٍ. وكذلك لو ملكنا رقبةَ بلدةٍ من بلادهم قهرًا، وليس للإمام أن يقر فيها كنيسةً بل يجب نقض كنائسهم بها.
أما إذا فُتحت صلحًا على أن يسكنوها بخراج، ورقبةُ الأبنية للمسلمين، وشرطوا إبقاء كنيسةٍ= جاز.
стр. 959
وأمَّا إن افتتحت على أن تكون رقبة البلد لهم، وعليهم خراجٌ، ولا تنقض كنائسهم= فذلك لهم، ثم يُمنَعون من رَمِّها.
قال ابن الماجشون (١): ويمنعون مِن رَمِّ كنائسهم القديمة إذا رَثَّتْ، إلا أن يكون ذلك شرطًا في عقدهم فيُوفى لهم. ويمنعون من الزيادة الظاهرة والباطنة.
ونقل الشيخ أبو عمر (٢) أنَّهم لا يُمنَعون من إصلاح ما وهى منها، وإنَّما منعوا من إصلاح (٣) كنيسةٍ فيما بين المسلمين، لقوله ﷺ : «لا تُرفَع فيكم يهوديةٌ ولا نصرانيةٌ» (٤).
فلو صولحوا على أن يتخذوا الكنائس إن شاؤوا، فقال ابن الماجشون: لا يجوز هذا الشرط. ويمنعون منه (٥)، إلا في بلدهم الذي لا يسكنه المسلمون معهم فلهم ذلك وإن لم يشترطوه. قال: وهذا في أهل الصلح، فأمَّا أهل العنوة فلا يترك لهم عند ضرب الجزية عليهم كنيسةٌ إلا هُدِمت، ثم لا
стр. 960
يمكَّنون من إحداث كنيسةٍ بعدُ وإن كانوا معتزلين عن (١) بلاد الإسلام.
فصل
وقد روى أبو داود في «سننه» (٢) عن أَسباط، عن السُّدِّي، عن ابن عباس ﵄ قال: صالح رسول الله ﷺ أهل نجران على ألفي حلةٍ ... الحديث، وفيه: «ولا تُهدَم لهم بيعةٌ، ولا يُخرَج لهم قَسٌّ، ولا يُفتَنون عن دينهم ما لم يُحدِثوا حدثًا أو يأكلوا الربا».
فأبقى كنائسهم عليهم لمَّا كانت البلد لهم، وجعل الأمان فيها تبعًا لأمانهم على أنفسهم. فإذا زال شرط الأمان على أنفسهم بإحداث الحدث وأكل الربا، زال عن رقاب كنائسهم كما زال عن رقابهم.
فصل
في ذكر بناء ما استَهْدَم (٣) منها، ورمِّ شَعَثِه، وذكر الخلاف فيه
قال صاحب «المغني» (٤) فيه: «كل موضع قلنا: يجوز إقرارها، لم يجُزْ
стр. 961
هدمُها».
وهذا ليس على إطلاقه، فإنَّ كنائس العَنْوة يجوز للإمام إقرارُها للمصلحة، ويجوز للإمام هدمُها للمصلحة. وبه أفتى الإمام أحمد المتوكلَ في هدم كنائس العَنوة كما تقدَّم (١). وكما طلب المسلمون أخذ كنائس العنوة منهم في زمن الوليد حتى صالحوهم على الكنيسة التي زِيدَت في جامع دِمَشق (٢)، وكانت مُقَرَّةً بأيديهم من زمن عمر ﵁ إلى زمن الوليد، ولو وجب إبقاؤها وامتنع هدمها لمَّا أقرَّ المسلمون الوليد، ولغيَّره الخليفة الراشد ــ لمَّا وَلِي ــ عمرُ بن عبد العزيز، فلا تلازُمَ بين جواز الإبقاء وتحريم الهدم.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد في بناء المُستهدِم ورمِّ الشَّعِث، فعنه المنع فيهما، ونصر هذه الرواية القاضي في «خلافه». وعنه الجواز فيهما، وعنه يجوز رمُّ شعثها دون بنائها.
قال الخلال في «الجامع» (٣): باب البيعة تَهدَّمُ بأسرها أو تَهدَّمَ بعضُها. أخبرنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي: هل ترى لأهل الذِّمة أن يُحدِثوا الكنائس بأرض العرب؟ وهل ترى لهم أن يزيدوا في كنائسهم التي صولحوا عليها؟ فقال: لا يحدثوا في مصرٍ مصَّرته العرب كنيسةً ولا بيعةً، ولا يضربوا فيها بناقوسٍ. ولهم ما صُولِحوا عليه، فإن كان في عهدهم أن يزيدوا في
стр. 962
الكنائس فلهم، وإلَّا فلا. وما انهدم فليس لهم أن يبنوها.
أخبرني أحمد بن أبي الهيثم (١) أنَّ موسى بن أحمد بن مُشَيشٍ (٢) حدَّثهم في هذه المسألة أنه سأل أبا عبد الله فقال: ليس لهم أن يُحدثوا إلا ما صولحوا عليه، إلا أن يبنوا ما انهدم ممَّا كان لهم قديمًا.
قال الخلال: وإنَّما معنى قول أبي عبد الله هاهنا: «إنَّهم يبنون ما انهدم» يعني: مَرمَّةً يَرُمُّون. وأمَّا إن انهدمت كلُّها بأسرها، فعنده أنَّه لا يجوز إعادتها. وقد بيَّن أيضًا ذلك حنبلٌ عنه:
أخبرني عصمة بن عصامٍ قال: حدثنا حنبلٌ قال: سمعت أبا عبد الله قال: كلُّ ما كان ممَّا فتح المسلمون عَنْوةً فليس لأهل الذِّمة أن يُحدِثوا فيها كنيسةً ولا بِيعةً، فإن كان في المدينة لهم شيء فأرادوا أن يَرُمُّوه فلا يُحدِثوا فيه شيئًا إلا أن يكون قائمًا، فإن انهدمت الكنيسة أو البيعة بأسرها لم يبدلوا غيرها، وما كان من صُلحٍ كان لهم ما صولحوا عليه وشُرِط لهم، لا يغيَّر لهم شرطٌ شُرِط لهم.
стр. 963
قال الخلال: وهكذا هو في شرطهم أنَّه إن انهدم شيء رمُّوه، وإن انهدمت بأسرها لم يعيدوها.
قال القاضي في «تعليقه»: مسألة في البِيَع والكنائس التي يجوز إقرارها على ما هي عليه. إذا انهدم منها شيء أو تشعَّثَ فأرادوا عِمارته فليس لهم ذلك في إحدى الروايات نقلها عبد الله.
قال: ورأيت بخط أبي حفصٍ البَرْمَكي في رسالة أحمد إلى المتوكِّل في هدم البيع ــ روايةِ عبد الله بن أحمد عن أبيه ــ وذكر فيها كلامًا طويلًا إلى أن قال: وما انهدم فلهم أن يبنوها.
قال: وهذا يقتضي اختلاف اللفظ عن عبد الله، ويغلب في ظنِّي أنَّ ما ذكره أبو بكر أضبط ــ يعني: الخلَّال (١) ــ فإنَّه قال: أخبرني عبد الله قال: قال أبي: وما انهدم فليس لهم أن يبنوها. ثم ذكر النصوص التي ذكرناها في رواية حنبلٍ وابن مُشَيشٍ واختيارَ (٢) الخلال منعَ البناء وجوازَ رمِّ الشعث.
واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقال أبو سعيد الإصطخري: يمنعون من ذلك. قال: حتى إن انهدم حائط البيعة مُنعوا من إعادته ورده، وإن انثلم منعوا من سَدِّه، وإن أرادوا أن يطيِّنوا وجه الحائط الذي يلينا منعوا منه، وإن طينوا وجه (٣) الحائط الذي يلي البيعة كان لهم ذلك، وكذلك إن بنوا
стр. 964
دون هذا الحائط الذي يلي البيعة حتى تهدَّم ذلك لم يجُزْ، لأنَّهم يُمنَعون من الإحداث وهذه الإعادةُ إحداثٌ.
وأبى ذلك سائر أصحاب الشافعي وقالوا: نحن قد أقررناهم على البيع، فلو منعناهم من رَقْع ما استَرَمَّ منه (١) وإعادةِ ما انهدم كان بمنزلة القلع والإزالة، إذ لا فرق بين أن يزيلها وبين أن يُقِرَّها عليهم ثم يمنعهم من عمارتها (٢).
واختلفت المالكية على قولين أيضًا، فقال ابن الماجشون: يُمنعون من رمِّ كنائسهم القديمة إذا رثَّت، إلا أن يكون ذلك في شرط عقدهم.
ونقل أبو عمر أنَّهم لا يمنعون من إصلاح ما وهى منها (٣).
واحتجَّ القاضي على المنع بحديث رواه عن الخطيب عن ابن رِزقويه، حدثنا محمد بن عمرو، حدثنا محمد بن غالب بن حرب، حدثنا بكر بن محمد القرشي، حدثنا سعيد بن عبد الجبار، عن سعيد بن سِنان، عن أبي (٤) الزاهرية، عن كثير بن مُرَّة قال: سمعتُ عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تُبنى كنيسةٌ في الإسلام، ولا يُجدَّد ما خرب منها» (٥).
стр. 965
وهذا لو صحَّ لكان كالنصِّ في المسألة، ولكن لا يثبت هذا الإسناد، ولكن في شروط عمر عليهم: ولا نجدِّد ما خرب من كنائسنا.
قالوا: ولأنَّ تجديدها بمنزلة إحداثها وإنشائها، فلا يمكَّنون منه.
قالوا: ولأنَّه بناءٌ لا يَملك إحداثَه فلا يملك تجديدَه، كالبناء في أرض الغير بغير إذنه.
فإن قيل: الباني في ملك الغير بغير إذنه لا يملك الاستدامة فلا يملك التجديد، وهؤلاء يملكون الاستدامة فملكوا التجديد.
قيل: لا يلزم هذا، فإنَّه لو أعاره حائطًا لوضع خشبةٍ عليه جاز له استدامة ذلك، فلو انهدم الحائط فبناه صاحبه لم يملك المستعير تجديد المنفعة.
وكذلك لو ملك الذمِّيُّ دارًا عالية البنيان جاز له أن يستديم ذلك، فلو انهدمت فأراد بناءها لم يكن له أن يبنيها على ما كانت عليه، بل يُساوِي بها بنيان جِيرانه من المسلمين أو يحُطُّها عنه.
وأيضًا: فلو فتح الإمام بلدًا فيه (١) بيعةٌ خرابٌ لم يَجُز له بناؤها بعد الفتح، كذلك هاهنا.
وأيضًا: فإنَّه إذا انهدم جميعها زال الاسم عنها، ولهذا لو حلف: لا
стр. 966
دخلتُ دارًا، فانهدمت جميعها ودخل بَراحَها لم يحنث لزوال الاسم. فلو قلنا: يجوز بناؤها إذا انهدمت، كان فيه إحداث بيعة في دار الإسلام، وهذا لا يجوز كما لو لم يكن هناك بيعةٌ أصلًا.
قال المجوِّزون ــ وهم أصحاب أبي حنيفة والشافعي وكثيرٌ من أصحاب مالك وبعض أصحاب أحمد ــ: لمَّا أقررناهم عليها تضمَّن إقرارُنا لهم جوازَ رمِّها وإصلاحها وتجديد ما خرب منها، وإلا بطَلت رأسًا، لأنَّ البناء لا يبقى أبدًا، فلو لم يجُزْ تمكينهم من ذلك لم يجُزْ إقرارها.
قال المانعون: نحن نُقِرُّهم فيها مُدَّةَ بقائها كما نُقِرُّ المستأمَنَ مدَّةَ أمانه. وسِرُّ المسألة أنَّا أقررناهم إمتاعًا (١) لا تمليكًا، فإنَّا ملكنا رَقبتها بالفتح وليست ملكًا لهم.
واختار صاحب «المغني» (٢) جواز رمِّ الشعث ومنع بنائها إذا استَهْدَمت. قال: لأنَّ في كتاب أهل الجزيرة لعِياض بن غَنْم: ولا نُجدِّد ما خرب من كنائسنا، وروى كثير بن مُرَّة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تُبنَى كنيسةٌ في الإسلام ولا يُجدَّد ما خرب منها» (٣).
قال: ولأنَّ هذا بناءُ كنيسة في الإسلام فلم يَجُز، كما لو ابتُدِئ بناؤها، وفارق رمَّ ما شَعَث منها فإنَّه إبقاءٌ واستدامةٌ، وهذا إحداثٌ.
стр. 967
قال: وقد حمل الخلَّال قولَ أحمد: «لهم أن يبنوا ما انهدم منها» أي: إذا انهدم بعضها، ومَنْعَه مِن بناء ما انهدم على ما إذا انهدمت كلُّها، فجمع بين الروايتين.
فصل
وفي «النهاية» للجويني (١): قال الأصحاب: إذا استرمَّت لم يمنعوا من مرمَّتها. ثم اختلفوا بعد ذلك فقال قائلون: ينبغي أن يَعمُروها بحيث لا يظهر للمسلمين ما يفعلون، فإنَّ إظهار العمارة قريبٌ من الاستحداث.
وقال آخرون: لهم إظهار العمارة، وهو الأصحُّ.
ثمَّ مَن أوجب عليهم الكِتمان قال: لو تَزلزَل جدارُ الكنيسة أو انتقض مُنعوا من الإعادة، فإنَّ الإعادة ظاهرةٌ. وإذا لم يكن من هدمه بدٌّ فالوجه أن يبنوا جدارًا داخل البيعة، ثم قد يُفضي هذا إلى أن يبنوا جدارًا (٢) ثالثًا إذا ارتجَّ الثاني، وهكذا إلى أن تَفنى (٣) ساحة الكنيسة.
قال: وهذا إفراطٌ لا حاصل له. فإن (٤) فرَّعنا على الصحيح وجوَّزنا العمارة إعلانًا، فلو انهدمت الكنيسة، فهل يجوز إعادتها كما كانت؟ فيه وجهان مشهوران:
стр. 968
أحدهما: المنع، لأنَّه استحداث كنيسة.
والثاني: الجواز، لأنَّها وإن انهدمت فالعرصة كنيسةٌ، والتحويط عليها هو الرأي حتى يستتروا بكفرهم.
فإن منعنا الإعادة فلا كلام، وإن جوَّزناها فهل لهم أن يزيدوا في خطها؟ على وجهين، أصحُّهما المنع، لأنَّ الزائد كنيسةٌ جديدةٌ، وإن كانت متصلةً بالأولى.
وإن أبقيناهم على كنيستهم فالمذهب أنَّا نمنعهم من ضرب النواقيس فيها، فإنَّه بمثابة إظهار الخمور والخنازير. وأبعد بعض الأصحاب في تجويز تمكينهم من ضرب الناقوس، قال: لأنَّه من أحكام الكنيسة. قال: وهذا غلط لا يُعتَدُّ به.
فصل
هذا حكم إنشاء الكنائس وإعادتها. فلو أرادوا نقلها من مكان إلى مكان وإخلاء المكان الأول منها، فصرَّح أصحاب الشافعي بالمنع، قالوا: لأنَّه إنشاء لكنيسة في بلاد الإسلام.
والذي يتوجَّه أن يقال: إن منعنا إعادة الكنيسة إذا انهدمت منعنا نقلها بطريق الأولى، فإنَّها إذا لم تُعَد إلى مكانها الذي كانت عليه فكيف تُنشأ في غيره؟
وإن جوَّزنا إعادتها، وكان (١) نقلها من ذلك المكان أصلح للمسلمين،
стр. 969
لكونهم ينقلونها إلى موضع خفيٍّ لا يُجاوِره مُسلِم، ونحو ذلك= جاز بلا ريبٍ، فإنَّ هذا مصلحةٌ ظاهرةٌ للإسلام والمسلمين، فلا معنى للتوقُّف فيه. وقد ناقلهم المسلمون من الكنيسة التي كانت جِوار جامع دمشق إلى بقاء الكنائس التي هي خارج البلد، لكونه أصلح للمسلمين (١).
وأمَّا إن كان النقل لمجرَّد منفعتهم وليس للمسلمين فيه منفعة، فهذا لا يجوز لأنَّه إشغال رقبة أرض الإسلام بجعلها دار كفر، فهو كما لو أرادوا جعلها خمَّارةً أو بيت فسقٍ، وأولى بالمنع، بخلاف ما إذا جعلنا (٢) مكان الأولى مسجدًا يُذكر الله فيه وتقام فيه الصلوات، ومكَّنَّاهم من نقل الكنيسة إلى مكان لا يتأتَّى فيه ذلك، فهذا ظاهر المصلحة للإسلام وأهله، وبالله التوفيق.
فلو انتقل الكفار عن محلَّتهم وأخلوها إلى محلَّة أخرى، فأرادوا نقل الكنيسة إلى تلك المحلة وإعطاءَ القديمة للمسلمين فهو على هذا الحكم.
فصل
هذا حُكم بِيَعهم وكنائسهم. فأمَّا حكم أبنيتهم ودُورهم: فإن كانوا في محلَّة مفردة عن المسلمين لا يجاورهم فيها مسلم تُرِكوا وما يبنونه كيف أرادوا. وإن جاوروا المسلمين لم يمكَّنوا من مطاولتهم في البناء، سواءٌ كان الجار ملاصقًا أو غيرَ ملاصقٍ، بحيث يطلق عليه اسم الجار قَرُب أو بَعُد.
стр. 970
قال الشافعي رحمه الله تعالى (١): «ولا يُحدِثون بناءً يَطُولون به بناءَ المسلمين». وهذا المنع لِحقِّ الإسلام لا لِحقِّ الجار، حتى لو رضي الجار بذلك لم يكن لرضاه أثرٌ في الجواز. وليس هذا المنع معلَّلا بإشرافه على المسلم، بحيث لو لم يكن له سبيلٌ على الإشراف جاز، بل لأنَّ الإسلام يعلُو ولا يُعلَى.
والذي تقتضيه أصول المذهب وقواعد الشرع أنَّهم يُمنَعون من سُكنى الدَّار العالية على المسلمين بإجارةٍ أو عاريةٍ أو بيعٍ أو تمليكٍ بغير عِوَضٍ، فإنَّ المانعين من تعلية البناء جعلوا ذلك من حقوق الإسلام، واحتجُّوا بالحديث وهو قوله: «الإسلام يَعلُو ولا يُعلَى» (٢). واحتجُّوا بأنَّ في ذلك إعلاءَ رتبةٍ لهم على المسلمين، وأهل الذمَّة ممنوعون من ذلك.
قالوا: ولهذا يُمنَعون من صدور المجالس ويُلجَؤون إلى أضيق الطرق، فإذا مُنِعوا من صدور المجالسِ ــ والجلوسُ فيه عارضٌ ــ فكيف يمكَّنون من السُّكنى اللازمة فوق رؤوس المسلمين؟ وإذا مُنِعوا من وسط الطريق
стр. 971
المشترك ــ والمرورُ فيه عارضٌ ــ فأُزِيلوا منه إلى أضيقه وأسفله، كما صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «إذا لقيتموهم في طريقٍ اضطَرُّوهم إلى أضيقه» (١) = فكيف يمكَّنون أن يعلوا في السكنى الدائمة رقابَ المسلمين؟ هذا ممَّا تدفعه أصول الشرع وقواعده.
وقول بعض أصحاب أحمد والشافعي: إنَّهم إذا ملكوا دارًا عاليةً من مسلم لم يجب نقضُها، إن أرادوا به أنَّه لا يمتنع ثبوت ملكهم عليها فصحيح.
وإن أرادوا به أنَّهم لا يُمنَعون من سكناها فوق رقاب المسلمين ــ وقد صرَّح به الشيخ في «المغني» وصرَّح به أصحاب الشافعي (٢)، ولكن الذي نصَّ عليه في «الإملاء» (٣) أنَّه إذا ملكها بشِرًى أو هبةٍ أو غير ذلك أُقِرَّ عليها، ولم يصرِّح بجواز سكناها ــ فهو (٤) في غاية الإشكال. وتعليلُهم واحتجاجهم بما حكيناه عنهم يدل على منع السكنى. وهذا هو الصواب، فإنَّ المفسدة في العلو ليست في نفس البناء، وإنَّما هي في السكنى. ومعلومٌ أنَّه إذا بناها المسلم وباعهم إيَّاها فقد أراحهم من كلفة البناء ومشقَّته وغرامته، ومكَّنهم من سكناها وعلوِّهم على رقاب المسلمين هنيئًا مريًّا. فيا لله العجب! أي مفسدةٍ
стр. 972
زالت عن الإسلام وأهله بذلك؟! بحيث إنَّهم إذا تَعِبوا وقاسَوا الكُلفة والمشقَّة في التعلية مُنعوا من ذلك، فإذا تعب فيه المسلم وصَلِي بحرِّه جازت لهم السكنى وزالت مفسدة التعلية! ولا يخفى على العاقل المُنصِف فساد ذلك.
ثمَّ كيف يستقيم القول به على أصول من يحرِّم الحِيَل، فيمنعه من تعلية البناء، فإذا باع الدار لمسلم ثمَّ اشتراها منه جاز له سُكناها وزالتْ بذلك مفسدة التعلية؟!
ولأنَّهم إذا مُنِعوا من مُساواة المسلمين في لباسهم وزيِّهم ومراكبهم وشعورهم وكناهم، فكيف يمكَّنون من مساواتهم بل من العلو عليهم في دُورهم ومساكنهم؟!
وطردُ قولِ من جوَّز سكنى الدار العالية إذا ملكوها من مسلم: أن يجوِّز لباس الثياب التي مُنعوا منها إذا ملكوها من مسلم، وإنَّما يُمنَعون ممَّا نسجوه واستنسجوه؛ وهذا لا معنى له.
والعجب أنَّهم احتجُّوا لأحد الوجهين في منع المساواة بأنَّهم ممنوعون من مساواة المسلمين في الزيِّ واللباس والركوب، ثم يجوِّزون علوَّهم فوق رؤوس المسلمين بشِرَى الدور العالية منهم، وقد صرَّح المانعون بأنَّ المنع من التعلية المذكورة من حقوق الدين لا من حقوق الجيران.
وهذا فرعٌ تلقَّاه أصحاب الشافعي عن نصِّه في «الإملاء» بإقرارهم على ملك الدار العالية، وتلقَّاه أصحاب أحمد عنهم، ولم أجد لأحمد بعد طول التفتيش نصًّا بجواز تملك الدار العالية فضلًا عن سكناها، ونصوصه وأصول
стр. 973
مذهبه تأبى ذلك، والله أعلم.
فروعٌ تتعلَّق بالمسألة
أحدها: لو كان للذِّمِّي دار (١) فجاء مسلم إلى جانبه فبنى دارًا أنزَلَ منها لم يلزم الذمِّيَّ بحطِّ بنائه ولا مساواته، فإنَّ حقَّ الذمِّي أسبق.
وثانيها: لو جاورهم المسلمون بأبنيةٍ أقصر من أبنيتهم، ثمَّ انهدمت دورهم فأرادوا أن يعلوها على بناء المسلمين، فهل لهم ذلك اعتبارًا بما كانت عليه قبل الانهدام، أم ليس لهم ذلك اعتبارًا بالحال؟
يحتمل وجهين، أظهرهما المنع، لأنَّ حقَّ الذمي في الدار ما دامت قائمةً. فإذا انهدمت، فإعادتها إنشاء جديدٌ يُمنَع فيه من التعلية على المسلمين.
وثالثها: لو ملكوا دارًا عاليةً من مسلم، وأقررناهم على ملكها، فانهدمت لم يكن لهم إعادتها كما كانت، هذا هو الصواب. وحكى أبو عبد الله بن حمدان وجهًا أنَّ لهم إعادتَها عاليةً اعتبارًا بما كانت عليه. وهو شاذٌّ بعيدٌ لا يُعوَّل عليه، فإنَّ ذلك إنشاءٌ وبناءٌ مستأنفٌ فلا يملك فيه التعلية، كما لو اشترى دِمْنةً (٢) من مسلم كان له فيها دارٌ (٣) عاليةٌ.
ورابعها: لو وجدنا دار ذمِّي عاليةً ودارَ مسلم أنزل منها، وشككنا في
стр. 974
السابق منهما، فقال بعض الأصحاب: لم يعرض له فيها. وعندي أنَّه لا يُقَرُّ، لأنَّ التعلية مفسدةٌ وقد شككنا في شرط الجواز. وهذا تفريعٌ على ما ذكره الأصحاب من جواز سكنى الدار العالية إذا ملكوها من مسلم، وعلى ما نصرناه فالمنع ظاهرٌ.
وخامسها: لو كان لأهل الذمة جارٌ من ضَعفة المسلمين، دارُه في غاية الانحطاط، فظاهر ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي أنَّهم كلَّهم يُكلَّفون حطَّ بنائهم عن داره أو مساواته. واستشكله الجويني في «النهاية» (١) ولا وجه لاستشكاله، والله أعلم.
فصل
في تملُّك الذمي بالإحياء في دار الإسلام
وقد اختلف العلماء في الذمي، هل يملك بالإحياء كما يملك المسلم؟ فنصَّ أحمد في رواية حرب، وابن هانئ، ويعقوب بن بختان، ومحمد بن أبي حرب على أنَّه يملك به كالمسلم.
قال حرب (٢): قلت: إنْ أحيا رجلٌ من أهل الذمة مَواتًا ماذا عليه؟ قال: أمَّا أنا فأقول: ليس عليه شيء، وأهل المدينة يقولون فيه قولًا حسنًا، يقولون: لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر، وأهل البصرة يقولون قولًا عجيبًا، يقولون: يُضاعَف عليه العشر!
стр. 975
قال (١): وسألته مرةً أخرى قلت: إنْ أحيا رجلٌ من أهل الذمة مواتًا؟ قال: هو عشر. وقال مرةً: ليس عليه شيء.
وبهذا قالت الحنفية وأكثر المالكية (٢). وذهب بعض أصحاب أحمد إلى المنع (٣)، منهم أبو عبد الله بن حامدٍ أخذًا من امتناع شُفْعَته على المسلم بجامع التمليك لما يخصُّ المسلمين.
وفرَّق الأصحاب بينهما بأنَّ الشفعة تتضمَّن انتزاع ملك المسلم منه قهرًا، والإحياء لا يُنزَع به أحدٌ (٤).
والقول بالمنع مذهب الشافعية وأهل الظاهر وأبي الحسن بن القصَّار من المالكية (٥). وهو مذهب عبد الله بن المبارك إلا أن يأذن له الإمام.
واحتجَّ هؤلاء بأمور، منها: قوله ﷺ : «مَوَتانُ الأرضِ لله ولرسوله ثمَّ هي لكم» (٦)، فأضاف عموم الموات إلى المسلمين، فلم يَبْقَ فيه شيء للكفار.
ومنها: أنَّ ذلك من حقوق الدار، والدار للمسلمين.
стр. 976
ومنها: أنَّ إضافة الأرض إلى المسلم، إمَّا إضافةُ ملك وإمَّا إضافةُ تخصيص، وعلى التقديرين فتملُّك الكافر بالإحياء ممتنعٌ.
وبأنَّ المسلم إذا لم يملك بالإحياء في أرض (١) الكفار المُصالَح عليها، فأحرى أن لا يملك الذميُّ في أرض الإسلام.
واحتجَّ الآخرون (٢) بعموم قوله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له» (٣).
وبأنَّ الإحياء من أسباب الملك، فمَلَك به الذميُّ كسائر أسبابه.
قالوا: وأمَّا الحديث الذي ذكرتموه: «موتان الأرض لله ورسوله»، فلا يُعرَف في شيء من كتب الحديث، وإنما لفظه: «عاديُّ الأرض لله ورسوله ثم هو لكم» (٤)، مع أنَّه مرسلٌ.
стр. 977
قالوا: ولو ثبت هذا اللفظ لم يَمنع تملُّكَ الذمي بالإحياء، كما يتملَّك بالاحتشاش والاحتطاب والاصطياد ما هو للمسلمين، فإنَّ المسلمين إذا ملكوا الأرض ملكوها بما فيها من المعادن والمنافع، ولا يمتنع أن يتملَّك الذمي بعض ذلك. وإقرار الإمام معهم على ذلك جارٍ مَجرى إذنه لهم فيه.
ولأنَّ فيه مصلحةً للمسلمين بعمارة الأرض وتَهْيِئَتها للانتفاع بها وكثرة مُغَلِّها (١)، ولا نقص على المسلمين في ذلك.
وأمَّا كون المسلم لا يملكها بالإحياء في دار العهد، فهذا فيه وجهان.
وأما كون الحربي والمستأمن لا يملكان بالإحياء فقد قال أبو الخطاب: إنَّهما كالذمي في ذلك. ولو سُلِّم أنَّهما ليسا كالذمي فالفرق بينهما ظاهرٌ، فإنَّا لا نُقِرُّ الحربيَّ المستأمَنَ (٢) في دار الإسلام كما نُقِرُّ الذمي.
стр. 978
فصل
قولهم: (ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسِّع أبوابها للمارَّة وابن السبيل).
هذا صريحٌ في أنَّهم لم يملكوا رِقابها كما يملكون دُورهم، إذ لو ملكوا رقابها لم يكن للمسلمين أن ينزلوها إلا برضاهم كدورهم، وإنَّما مُتِّعوها إمتاعًا، وإذا شاء المسلمون نزعوها (١) منهم فإنَّها ملك المسلمين، فإنَّ المسلمين لمَّا ملكوا الأرض لم يستبقوا الكنائس والبِيَع على ملك الكفار، بل دخلت في ملكهم كسائر أجزاء الأرض، فإذا نزلها المارَّة بالليل أو النهار فقد نزلوا في نفس ملكهم.
فإن قيل: فما فائدة الشرط إذا كان الأمر كذلك؟
قيل: فائدته أنَّهم لا يتوهَّمون بإقرارهم فيها أنَّها كسائر دُورِهم ومنازلهم التي لا يجوز دخولها إلَّا بإذنهم.
وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّها لو كانت ملكًا لهم لم يجُزْ للمسلمين الصلاة فيها إلا بإذنهم، فإنَّ الصلاة في ملك الغير بغير إذنه ورضاه صلاةٌ في المكان المغصوب وهي حرام، وفي صحَّتها نزاعٌ معروفٌ، وقد صلَّى الصحابة في كنائسهم وبِيَعهم (٢).
стр. 979
واختلفت الرواية عن أحمد في كراهة الصلاة في البِيَع والكنائس، فعنه ثلاث روايات: الكراهة، وعدمها، والتفريق بين المصوَّرة فتُكرَه الصلاةُ فيها وغير المصوَّرة فلا تُكرَه، وهي ظاهر المذهب. وهذا منقول عن عمر وأبي موسى (١).
ومن كره الصلاةَ فيها احتجَّ بأنَّها من مواطن الكفر والشرك، فهي أولى بالكراهة من الحمام والمَقبرة والمزبلة.
وبأنَّها من أماكن الغضب.
وبأنَّ النبي ﷺ نهى عن الصلاة في أرض بابل، وقال: «إنها ملعونةٌ» (٢)، فعلَّل منعَ الصَّلاة فيها باللعنة. وهكذا كنائسهم هي مواضع اللعنة والسُّخْطَة والغضب ينزل عليهم فيها، كما قال بعض الصحابة: اجتَنِبُوا اليهودَ والنصارى في أعيادهم، فإنَّ السُّخْطة تنزل عليهم (٣).
وبأنَّها من بيوت أعداء الله، ولا يُتعبَّد الله في بيوت أعدائه.
ومَن لم يكرهها قال: قد صلَّى فيها الصحابة، وهي طاهرةٌ، وهي ملكٌ من أملاك المسلمين. ولا يضُرُّ المصلِّيَ شركُ المشرك فيها، فذلك يُشرك (٤)
стр. 980
فيها والمسلم يُوحِّد، فله غُنْمه وعلى المشرك غُرْمه.
ومن فرَّق بين المصوَّرة وغيرها فذلك لأنَّ الصور تقابل المصلِّي وتُواجِهه، وهي كالأصنام إلا أنَّها غير مجسَّدةٍ، فهي شعار الكفر ومأوى الشيطان، وقد كَرِه الفقهاء الصلاة على البسط والحُصُر المصوَّرة كما صرَّح به أصحاب أبي حنيفة وأحمد، وهي تُمتَهَن وتُدَاس بالأرجل، فكيف إذا كانت في الحِيطان والسُّقوف؟!
فصل
قولهم: (ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسًا) .
الجاسوس: عين المشركين وأعداءِ المسلمين. وقد شرط على أهل الذمة أن لا يؤوه في كنائسهم ومنازلهم، فإن فعلوا انتقض عهدهم وحلَّت دماؤهم وأموالهم.
وهل يحتاج ثبوت ذلك إلى اشتراط إمام العصر له على أهل الذمة؟ أو يكفي شرط عمر ﵁؟ على قولين معروفين للفقهاء:
أحدهما: أنَّه لا بد من شرط الإمام له، لأن (١) شرط عمر ﵁ كان على أهل الذمة في ذلك الوقت، ولم يكن شرطًا شاملًا للأئمة (٢) إلى يوم القيامة.
وكلام الشافعي يدلُّ على هذا، فإنَّه قال في رواية المُزَني والرَّبيع (٣):
стр. 981
ويشترط عليهم ــ يعني الإمام ــ أنَّ مَن ذكر كتاب الله أو محمدًا رسولَ الله ﷺ أو دينَ الله بما لا ينبغي، أو زنى بمسلمةٍ أو أصابها بنكاحٍ، أو فتن (١) مسلمًا عن دينه، أو قطع عليه الطريق، أو أعان أهل الحرب بدلالةٍ على المسلمين، أو آوى عينًا لهم= فقد نقض عهدَه وأَحَلَّ دمَه، وبَرِئَت منه ذمَّةُ الله وذمَّةُ رسوله.
والقول الثاني: لا يشترط ذلك، بل يكفي شرط عمر ﵁ وهو مستمِرٌّ عليهم أبدًا قرنًا بعد قرنٍ. وهذا هو الصحيح الذي عليه العمل من أقوال أئمة الإسلام.
ولو كان تجديد اشتراط الإمام شرطًا في ذلك لما جاز إقرار أهل الذمة اليوم ومناكحتهم، ولا أخذ الجزية منهم. وفي اتفاق الأمة دلالةٌ على ذلك قرنًا بعد قرنٍ وعصرًا بعد عصرٍ اكتفاءً بشرط عمر ﵁.
فصل
قولهم: (ولا نكتم غشًّا للمسلمين) .
هذا أعمُّ من إيواء الجاسوس، فمتى علموا أمرًا فيه غشٌّ للإسلام والمسلمين وكتموه انتقض عهدُهم. وبذلك أفتينا وليَ الأمر بانتقاض عهد النصارى لمَّا سَعَوا في إحراق الجامع والمَنَارة وسوق السلاح، ففعل بعضهم وعَلِم بعضُهم وكَتَم ذلك ولم يُطلِع عليه وليَّ الأمر (٢).
стр. 982
وبهذا مضَت سُنَّةُ رسول الله ﷺ في ناقضي العهد، فإنَّ بني قَينُقاع وبني النَّضِير وقُرَيظَة لمَّا حاربوه ونقضوا عهده عمَّ الجميعَ بحكم الناقضين للعهد وإن كان النقض قد وقع من بعضهم، ورضي الباقون وكتموه من رسول الله ﷺ ولم يُطلِعوه عليه.
وكذلك فعل بأهل مكة: لمَّا نقض بعضهم عهده، وكتم الباقون وسكتوا، ولم يُطلِعوه على ذلك= أجرى الجميع على حكم النقض وغزاهم في عُقْرِ دارهم.
وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيرُه، وبالله التوفيق.
وقد اتَّفق المسلمون على أنَّ حكم الرِّدْء والمُباشِر في الجهاد كذا (١). وكذلك اتفق الجمهور على أنَّ حكمَهم سواءٌ في قطع الطريق، وإنَّما خالَف فيه الشافعي وحدَه. وكذلك حُكم البُغاة، يستوي (٢) رِدؤهم ومُباشِرهم (٣). وهذا هو محض الفقه والقياس، فإنَّ المباشِرين إنَّما وصلوا إلى الفعل بقوَّة ردئهم (٤)، فهم مشتركون في السبب: هذا (٥) بالفعل، وهذا بالإعانة، وهذا بالحفظ والحراسة؛ ولا يجب الاتفاق والاشتراك في عين كلِّ سببٍ سببٍ، والله أعلم.
стр. 983
فصل (١)
قولهم: (ولا نضرب نواقيسنا إلا ضربًا خفيًّا في جوف كنائسنا) .
لمَّا كان الضرب بالناقوس هو شعارَ الكفر وعَلَمَه الظاهر اشتُرِط عليهم تركُه. وقد تقدَّم (٢) قول ابن عباس ﵄: أيُّما مصرٍ مصَّرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعةً، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا. ذكره أحمد. وتقدَّم (٣) نصُّه في رواية ابنه عبد الله: ليس لليهود والنصارى أن يُحدِثوا في مصرٍ مصَّره المسلمون بيعةً ولا كنيسةً، ولا يضربوا فيه بناقوسٍ إلا فيما كان لهم صلحًا، وليس لهم أن يظهروا الخمر في أمصار المسلمين.
وقال في رواية أبي طالب (٤): السواد فتح بالسيف، فلا تكون فيه بيعةٌ، ولا يضرب فيه بناقوسٍ، ولا تتخذ فيه الخنازير، ولا يشرب فيه الخمر، ولا يرفعوا أصواتهم في دورهم.
وقال في رواية حنبل (٥): وليس لهم أن يحدثوا بيعةً ولا كنيسةً لم تكن، ولا يضربوا ناقوسًا، ولا يرفعوا صليبًا، ولا يظهروا خنزيرًا، ولا يرفعوا نارًا،
стр. 984
ولا شيئًا مما يجوز لهم. وعلى الإمام أن يمنعهم من ذلك، السلطان يمنعهم من الإحداث إذا كانت بلادهم فتحت عنوةً. وأمَّا الصلح فلهم ما صُولِحوا عليه يُوفى لهم به. وقال: الإسلام يعلو ولا يعلى، ولا يظهرون خمرًا.
وقال الخلال في «الجامع» (١): أخبرني محمد بن جعفر بن سفيان، حدثنا عبيد بن جَنَّادٍ، حدثنا إسماعيل بن عياشٍ، عن صفوان بن عمرٍو قال: كتب عمر ﵁: أنَّ أحقَّ الأصوات أن تُخفَض أصوات اليهود والنصارى في كنائسهم.
وقال الفريابي (٢): حدثنا أبو الأسود قال: كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أن لا يضرب بالناقوس خارجًا من الكنيسة.
وقال أبو الشيخ في «كتاب شروط عمر» (٣): حدثنا طاهر بن عبد الله بن محمد، حدثنا أبو زرعة قال: سمعت علي بن أبي طالب (٤) الرازي يقول:
стр. 985
سمعت مالك بن أنس يقول: إذا نُقِس بالناقوس اشتدَّ غضب الرحمن فتنزل الملائكة فتأخذ بأقطار الأرض، فلا تزال تقول: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يسكن غضب الرب .
وقال إسحاق بن منصور (١): قلت لأبي عبد الله: للنصارى أن يظهروا الصليب أو يضربوا بالناقوس؟ قال: ليس لهم أن يظهروا شيئًا لم يكن في صلحهم.
وقال في رواية إبراهيم بن هانئ (٢): ولا يُترَكوا أن يجتمعوا في كل أحدٍ، ولا يظهروا خمرًا ولا ناقوسًا.
وقال في رواية يعقوب بن بختان: ولا يتركوا أن يجتمعوا في كل أحدٍ، ولا يظهروا لهم (٣) خمرًا ولا ناقوسًا في كل مدينة بناها المسلمون. قيل له: يضربون الخيام في الطريق يوم الأحد؟ قال: لا، إلا أن تكون مدينة صولحوا عليها فلهم ما صولحوا عليه.
وقال في «النهاية» (٤): وإذا أبقيناهم على كنيستهم فالمذهب أنَّا نمنعهم من صوت النواقيس، فإن هذا بمثابة إظهار الخمور والخنازير. وأبعدَ بعضُ الأصحاب في تجويز تمكينهم من صوت النواقيس، فإنَّها من أحكام الكنيسة. قال: وهذا غلطٌ لا يُعتَدُّ به. انتهى.