Полный текст (1 059 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ كَالْكَافِرِ، وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُ فِي وَقْتٍ يَدْخُلُهَا غَيْرُ الْمُتَكَبِّرِينَ أَيْ فِي الْمَبْدَأِ، وَالنَّفْيُ الْعَامُّ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ إذَا اقْتَضَتْهُ النُّصُوصُ أَوْ الْقَوَاعِدُ وَالْكِبْرُ مِنْ أَعْظَمِ ذُنُوبِ الْقَلْبِ نَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - الْعَافِيَةَ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ ذُنُوبِ الْقَلْبِ يَكُونُ مَعَهُ الْفَتْحُ إلَّا الْكِبْرَ، وَأَمَّا التَّجَمُّلُ فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهِمْ إذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَنْفِيذُ الْوَاجِبِ فَإِنَّ الْهَيْئَاتِ الرَّثَّةَ لَا تَحْصُلُ مَعَهَا مَصَالِحُ الْعَامَّةِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا إلَيْهَا فِي الصَّلَوَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ وَفِي الْحُرُوبِ لِرَهْبَةِ الْعَدُوِّ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَفِي الْعُلَمَاءِ لِتَعْظِيمِ الْعِلْمِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ أُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إلَى قَارِئِ الْقُرْآنِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا إذَا كَانَ وَسِيلَةً لِمُحَرَّمٍ كَمَنْ يَتَزَيَّنُ لِلنِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ لِيَزْنِيَ بِهِنَّ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا إذَا عَرِيَ عَنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ وَانْقَسَمَ التَّجَمُّلُ إلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَكَذَلِكَ الْكِبْرُ أَيْضًا قَدْ يَجِبُ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُنْدَبُ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ تَقْلِيلًا لِلْبِدْعَةِ، وَقَدْ يَحْرُمُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَالْإِبَاحَةُ فِيهِ بَعِيدَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّجَمُّلِ فِي تَصَوُّرِ الْإِبَاحَةِ فِيهِ أَنَّ أَصْلَ التَّجَمُّلِ الْإِبَاحَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فَإِذَا عُدِمَ الْمُعَارِضُ النَّاقِلُ عَنْ الْإِبَاحَةِ بَقِيَتْ الْإِبَاحَةُ، وَأَصْلُ الْكِبْرِ التَّحْرِيمُ، فَإِذَا عُدِمَ الْمُعَارِضُ النَّاقِلُ عَنْ التَّحْرِيمِ اُسْتُصْحِبَ فِيهِ التَّحْرِيمُ فَهَذَا فَرْقٌ، وَفَرْقٌ آخَرَ أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَالتَّجَمُّلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وقَوْله تَعَالَى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] وَكَذَلِكَ بِدْعَةُ الْمُنَافِقِينَ حَيْثُ اتَّخَذُوا الدِّينَ ذَرِيعَةً لِحِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُشَكُّ أَنَّهُ كُفْرٌ صُرَاحٌ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِكُفْرٍ أَوْ يُخْتَلَفُ هَلْ هِيَ كُفْرٌ أَمْ لَا كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ وَيُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكُفْرٍ كَبِدْعَةِ التَّبَتُّلِ وَالصِّيَامِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ وَالْخِصَاءِ بِقَصْدِ قَطْعِ شَهْوَةِ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي إتْبَاعِ رَمَضَانَ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالَ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْإِدَارَةِ وَالِاجْتِمَاعِ لِلدُّعَاءِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَذِكْرِ السَّلَاطِينِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّافِعِيُّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) : أَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْهَا صَغَائِرُ، وَمِنْهَا كَبَائِرُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي الضَّرُورِيَّاتِ أَوْ الْحَاجِيَّاتِ أَوْ التَّكْمِيلِيَّاتِ فَإِنَّ مَا كَانَتْ فِي الضَّرُورِيَّاتِ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ، وَمَا كَانَتْ فِي التَّحْسِينَاتِ فَأَدْنَى رُتْبَةً بِلَا إشْكَالٍ، وَمَا وَقَعَتْ فِي الْحَاجِيَّاتِ فَمُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ ثُمَّ إنَّ كُلَّ رُتْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الرُّتَبِ لَهَا مُكَمِّلٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي رُتْبَةِ الْمُكَمِّلِ فَإِنَّ الْمُكَمَّلَ مَعَ الْمُكَمِّلِ فِي نِسْبَةِ الْوَسِيلَةِ مَعَ الْمَقْصِدِ، وَلَا تَبْلُغُ الْوَسِيلَةُ رُتْبَةَ الْمَقْصِدِ، وَأَيْضًا الضَّرُورِيَّاتُ إذَا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ عَلَى مَرَاتِبَ فِي التَّأْكِيدِ وَعَدَمِهِ فَإِنَّ مَرْتَبَةَ النَّفْسِ لَيْسَتْ كَمَرْتَبَةِ الدِّينِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِلدَّمِ وَأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الدِّينِ تُبِيحُ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ وَالْإِتْلَافِ فِي الْأَمْرِ بِمُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ وَالْمَارِقِينَ عَنْ الدِّينِ، وَمَرْتَبَةُ الْعَقْلِ وَالْمَالِ لَيْسَتْ كَمَرْتَبَةِ النَّفْسِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ مُبِيحٌ لِلْقِصَاصِ، فَالْقَتْلُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَالْمَالِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا بَقِيَ، وَإِذَا نَظَرْت فِي مَرْتَبَةِ النَّفْسِ وَجَدْتهَا مُتَبَايِنَةَ الْمَرَاتِبِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَطْعَ الْعُضْوِ لَيْسَ كَالذَّبْحِ، وَأَنَّ الْخَدْشَ لَيْسَ كَقَطْعِ الْعُضْوِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَحَلُّ بَيَانِهِ الْأُصُولُ فَقَدْ ظَهَرَ تَفَاوُتُ رُتَبِ الْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي فَيُتَصَوَّرُ فِيهَا التَّفَاوُتُ أَيْضًا فَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ إخْلَالًا بِهَا وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي الْحَاجِيَاتِ إخْلَالًا بِهَا وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي التَّحْسِينَاتِ إخْلَالًا بِهَا وَمَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي الدِّينِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اخْتِرَاعِ الْكُفَّارِ وَتَغْيِيرِهِمْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ كَنِحَلِ الْهِنْدِ فِي تَعْذِيبِهَا أَنْفُسَهَا بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ الشَّنِيعِ وَالتَّمْثِيلِ الْفَظِيعِ وَالْقَتْلِ بِالْأَصْنَافِ الَّتِي تَفْزَعُ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ اسْتِعْجَالِ الْمَوْتِ لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي زَعْمِهِمْ وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الْأَكْمَلِ بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْعَاجِلَةِ، وَمَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولٍ لَهُمْ فَاسِدَةٍ اعْتَقَدُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا أَعْمَالَهُمْ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي النَّسْلِ كَمَا فِي أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِي شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَلَا غَيْرِهِ بَلْ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَا اخْتَرَعُوا وَابْتَدَعُوا وَهِيَ أَنْوَاعٌ مِنْهَا نِكَاحُ الِاسْتِبْضَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: إذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا أَرْسِلِي إلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا، وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي يُسْتَبْضَعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلَهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي الْعَقْلِ كَزَعْمِ بَعْضِ الْفِرَقِ أَنَّ الْعَقْلَ لَهُ مَجَالٌ فِي التَّشْرِيعِ، وَأَنَّهُ مُحَسَّنٌ وَمُقَبَّحٌ فَابْتَدَعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي الْمَالِ كَاحْتِجَاجِ الْكُفَّارِ عَلَى اسْتِحْلَالِ الْعَمَلِ بِالرِّبَا بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ كَذَّبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
стр. 982
مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَسَنُ دُونَ الْكِبْرِ
(الْفَرْقُ السِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكِبْرِ وَقَاعِدَةِ الْعُجْبِ) قَدْ تَقَدَّمَتْ حَقِيقَةُ الْكِبْرِ، وَأَنَّهُ فِي الْقَلْبِ وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] فَجَعَلَ مَحَلَّهُ الْقَلْبَ وَالصُّدُورَ وَأَمَّا الْعُجْبُ فَهُوَ رُؤْيَةُ الْعِبَادَةِ، وَاسْتِعْظَامُهَا مِنْ الْعَبْدِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ تَكُونُ بَعْدَ الْعِبَادَةِ وَمُتَعَلِّقَةً بِهَا هَذَا التَّعَلُّقَ الْخَاصَّ كَمَا يَتَعَجَّبُ الْعَابِدُ بِعِبَادَتِهِ، وَالْعَالِمُ بِعِلْمِهِ، وَكُلُّ مُطِيعٍ بِطَاعَتِهِ هَذَا حَرَامٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلطَّاعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَهَا بِخِلَافِ الرِّيَاءِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَهَا فَيُفْسِدَهَا، وَسِرُّ تَحْرِيمِ الْعُجْبِ أَنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْظِمَ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ بَلْ يَسْتَصْغِرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَظَمَةِ سَيِّدِهِ لَا سِيَّمَا عَظَمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ فَمَنْ أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ وَعِبَادَتِهِ فَقَدْ هَلَكَ مَعَ رَبِّهِ، وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَعَرَّضَ نَفْسَهُ لِمَقْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَخَطِهِ وَنَبَّهَ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] مَعْنَاهُ يَفْعَلُونَ مِنْ الطَّاعَاتِ مَا يَفْعَلُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِتِلْكَ الطَّاعَةِ احْتِقَارًا لَهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهَا فَالْكِبْرُ رَاجِعٌ لِلْخَلْقِ وَالْعِبَادِ، وَالْعَجَبُ رَاجِعٌ لِلْعِبَادَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَالَ: وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي تَوْجِيهِ طَرِيقَةِ اتِّحَادِ حُكْمِ الْبِدَعِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ عَالِمًا بِكَوْنِهَا بِدْعَةً وَيُقِرُّ بِالْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ بَحْتًا أَمَّا فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا، وَشَأْنُ كُلِّ مَنْ حَكَمْنَا لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يُقِرَّ بِالْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ بَحْتًا بَلْ يَكُونُ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّ مَا عَمِلَهُ بِدْعَةٌ؛ إذْ لَا يَرْضَى مُنْتَمٍ إلَى الْإِسْلَامِ بِإِبْدَاءِ صَفْحَةِ الْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ مُصَادِمٌ لِلشَّارِعِ مُرَاغِمٌ لِلشَّرْعِ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنُّقْصَانِ مِنْهُ وَالتَّحْرِيفِ لَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَأْوِيلٍ فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَفِي اسْتِنْبَاطِهَا وَتَشْرِيعِهَا كَقَوْلِهِ: هِيَ بِدْعَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُسْتَحْسَنَةٌ وَكَفِعْلِهِ لَهَا مُقِرًّا بِكَوْنِهَا بِدْعَةً لِأَجْلِ حَظٍّ عَاجِلٍ كَفَاعِلِ الذَّنْبِ لِقَضَاءِ حَظِّهِ الْعَاجِلِ خَوْفًا عَلَى حَظِّهِ أَوْ فِرَارًا مِنْ خَوْفٍ عَلَى حَظِّهِ أَوْ فِرَارًا مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ الْيَوْمَ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَفِي تَقْلِيدِهِ كَقَوْلِهِ: إنَّهَا بِدْعَةٌ، وَلَكِنَّنِي رَأَيْت فُلَانًا الْفَاضِلَ يَعْمَلُ بِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُ مَالِكٍ: مَنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ وَقَوْلُهُ: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَدِينَةِ أَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّك سَبَقْت إلَى فَضِيلَةٍ قَصَرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ أَنَّهَا إلْزَامٌ لِلْخَصْمِ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ النَّظَرِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَلْزَمُك فِي هَذَا الْقَوْلِ كَذَا لَا أَنَّهُ يَقُولُ: قَصَدْت إلَيْهِ قَصْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ إلَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ وَلَازِمُ الْمَذْهَبِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهِ هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَمْ لَا إلَّا أَنَّ شُيُوخَنَا الْبَجَائِيِّينَ وَالْمَغْرِبِيِّينَ كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، وَيُرْوَى أَنَّهُ رَأْيُ الْمُحَقِّقِينَ أَيْضًا؛ فَلِذَلِكَ إذَا قُرِّرَ عَلَى الْخَصْمِ أَنْكَرَهُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ فَاعْتِبَارُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَى التَّحْقِيقِ لَا يَنْهَضُ إذًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَسْتَوِي الْبِدْعَةُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ.
٢ -
فَكَمَا تَنْقَسِمُ الْمَعْصِيَةُ إلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ كَذَلِكَ تَنْقَسِمُ الْبِدَعُ إلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ نَعَمْ لَا تَكُونُ الْبِدْعَةُ صَغِيرَةً إلَّا بِشُرُوطٍ
(أَحَدُهَا) : أَنْ لَا يُدَاوِمَ عَلَيْهَا كَمَا أَنَّ الصَّغِيرَةَ مِنْ الْمَعَاصِي كَذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ قَالُوا: لَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ إلَّا أَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ شَأْنِهَا فِي الْوَاقِعِ أَنَّهَا قَدْ يُصَرُّ عَلَيْهَا، وَقَدْ لَا يُصَرُّ عَلَيْهَا وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَنِي طَرْحُ الشَّهَادَةِ، وَسَخْطَةُ الشَّاهِدِ بِهَا، وَعَدَمُهُ بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ فَإِنَّ شَأْنَهَا فِي الْوَاقِعِ الْمُدَاوَمَةُ وَالْحِرْصُ عَلَى أَنْ لَا تَزُولَ مِنْ مَوْضِعِهَا، وَأَنْ تَقُومَ عَلَى تَارِكِهَا الْقِيَامَةُ وَتَنْطَلِقَ عَلَيْهِ أَلْسِنَةُ الْمَلَامَةِ وَيُرْمَى بِالتَّسْفِيهِ وَالتَّجْهِيلِ وَيُنْبَزَ بِالتَّبْدِيعِ وَالتَّضْلِيلِ ضِدُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَوَّلًا الِاعْتِبَارُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ الْقِيَامُ بِالنَّكِيرِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ إنْ كَانَ لَهُمْ عُصْبَةٌ أَوْ لَصِقُوا بِسُلْطَانٍ تَجْرِي أَحْكَامُهُ فِي النَّاسِ، وَتَنْفُذُ أَوَامِرُهُ فِي الْأَقْطَارِ، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى
وَثَانِيًا: النَّقْلُ فَقَدْ ذَكَرَ السَّلَفُ أَنَّ الْبِدْعَةَ إذَا أُحْدِثَتْ لَا تَزِيدُ إلَّا مُضِيًّا، وَالْمَعَاصِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَقَدْ يَتُوبُ صَاحِبُهَا وَيُنِيبُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بَلْ قَدْ جَاءَ مَا يَشُدُّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْفِرَقِ فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ، وَمِنْ هُنَا جَزَمَ السَّلَفُ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا تَوْبَةَ لَهُ مِنْهَا
(وَالشَّرْطُ الثَّانِي) : أَنْ لَا يَدْعُوَ إلَيْهَا فَإِنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ صَغِيرَةً بِالْإِضَافَةِ ثُمَّ يَدْعُو مُبْتَدِعُهَا إلَى الْقَوْلِ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَاهَا فَيَكُونُ إثْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ الَّذِي أَثَارَهَا، وَسَبَبُ كَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا فَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا، وَالصَّغِيرَةُ إنَّمَا تُفَاوِتُ الْكَبِيرَةَ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْإِثْمِ وَقِلَّتِهِ فَرُبَّمَا تُسَاوِي الصَّغِيرَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْكَبِيرَةَ أَوْ تُرْبَى عَنْهَا
(وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ لَا تُفْعَلَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُجْتَمَعَاتُ النَّاسِ، أَوْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، وَتَظْهَرُ فِيهَا أَعْلَامُ الشَّرِيعَةِ فَأَمَّا إظْهَارُهَا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِمَّنْ يُقْتَدَى
стр. 983
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَجَبِ وَقَاعِدَةِ التَّسْمِيعِ) كِلَاهُمَا مَعْصِيَةٌ وَيُعَكِّرُ عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُوَازَنَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِحْبَاطِ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ يُنَادِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا فُلَانٌ عَمِلَ عَمَلًا لِي ثُمَّ أَرَادَ بِهِ غَيْرِي، وَهُوَ غَيْرُ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَقَعُ قَبْلَهُ خَالِصًا، وَالرِّيَاءُ مُقَارِنٌ مُفْسِدٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُجْبِ أَنَّهُ يَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَالْعُجْبُ بِالْقَلْبِ كِلَاهُمَا بَعْدِ الْعِبَادَةِ
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ) اعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَلْتَبِسَانِ عَلَيْهِ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّخَطِ بِالْقَضَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِ، وَالسَّخَطِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِالْمُقَضَّى) قُلْت: مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ مَا عَدَا قَوْلَهُ: وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِ فَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا مِنْ الْكَافِرِ عِنَادًا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ ذَلِكَ عَادَةً، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ عَادَةً فَلَا، وَمَا عَدَا قَوْلَهُ فَمَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ أَوْ الْكُفْرِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلَاحِظَ جِهَةَ الْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ فَيَكْرَهُهُمَا، وَأَمَّا قَدَرُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِيهِمَا فَالرِّضَا بِهِ لَيْسَ إلَّا وَمَتَى سَخِطَهُ وَسَفَّهَ الرُّبُوبِيَّةَ فِي ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً أَوْ كُفْرًا مُنْضَمًّا إلَى مَعْصِيَتِهِ وَكُفْرِهِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ كَرَاهَةَ الْكُفْرِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِهِ أَوْ مِمَّنْ يُحْسَنُ الظَّنُّ بِهِ فَذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى سُنَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهَا لَا تَعْدُو أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يُقْتَدَى بِصَاحِبِهَا فِيهَا فَإِنَّ الْعَوَامَّ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ لَا سِيَّمَا الْبِدَعُ الَّتِي وُكِّلَ الشَّيْطَانُ بِتَحْسِينِهَا لِلنَّاسِ، وَاَلَّتِي لِلنُّفُوسِ فِي تَحْسِينِهَا هَوًى، وَعَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ الْإِتْبَاعِ يَعْظُمُ عَلَيْهِ الْوِزْرُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ فَهُوَ كَالدُّعَاءِ إلَيْهَا بِالتَّصْرِيحِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ إظْهَارِ الشَّرَائِعِ الْإِسْلَامِيَّةِ تَوَهُّمُ أَنَّ كُلَّ مَا ظَهَرَ فِيهَا فَهُوَ مِنْ الشَّعَائِرِ فَكَانَ الْمُظْهِرُ لَهَا يَقُولُ: هَذِهِ سُنَّةٌ فَاتَّبِعُوهَا
(وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ) أَنْ لَا يَسْتَصْغِرَهَا، وَلَا يَسْتَحْقِرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ، وَإِنْ فَرَضْنَاهَا صَغِيرَةً اسْتِهَانَةٌ بِهَا، وَالِاسْتِهَانَةُ بِالذَّنْبِ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعِظَمِ مَا هُوَ صَغِيرٌ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ أَنَّهَا أَدْنَى رُتْبَةً فِي الذَّمِّ مِنْ رُتْبَةِ الصَّغِيرَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهَا التَّنْزِيهَ الَّذِي هُوَ نَفْيُ إثْمِ فَاعِلِهَا، وَرَفْعُ الْحَرَجِ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَكَادُ يُوجَدُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْخُصُوصِ أَمَّا الشَّرْعُ فَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَالَ مَنْ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَا أَنَامُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْكِحُ النِّسَاءَ إلَى آخِرِ مَا قَالُوا رَدَّ عَلَيْهِمْ ﵇ ذَلِكَ، وَقَالَ «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ أَشَدُّ شَيْءٍ فِي الْإِنْكَارِ مَعَ أَنَّ مَا الْتَزَمُوا لَمْ يَكُنْ إلَّا فِعْلَ مَنْدُوبٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﵇ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَجْلِسَ، وَيَصُومَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُرْهُ فَلْيَجْلِسْ وَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» قَالَ مَالِكٌ: أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ طَاعَةٌ، وَيَتْرُكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ مَالِكٌ الْقِيَامَ لِلشَّمْسِ وَتَرْكَ الْكَلَامِ وَالْجُلُوسِ مَعَاصِيَ حَتَّى فَسَّرَ بِهَا الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ مَعَ أَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا أَشْيَاءُ مُبَاحَاتٌ لَكِنَّهُ لَمَّا أَجْرَاهَا مَجْرَى مَا يُتَشَرَّعُ بِهِ، وَيُدَانُ لِلَّهِ بِهِ صَارَتْ عِنْدَ مَالِكٍ مَعَاصِيَ لِلَّهِ وَكُلِّيَّةً قَوْلُهُ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» شَاهِدَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى وَالْجَمِيعُ يَقْتَضِي التَّأْثِيمَ وَالتَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ.
وَهِيَ خَاصِّيَّةُ الْمُحَرَّمِ، قَالَ: وَأَمَّا كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ، وَإِنْ أَطْلَقُوا الْكَرَاهِيَةَ فِي الْأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لَا يَعْنُونَ بِهَا كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْقَبِيلَيْنِ فَيُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ فَقَطْ وَيَخُصُّونَ كَرَاهِيَةَ التَّحْرِيمِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ صَرِيحًا أَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، وَيَتَحَامَوْنَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ خَوْفًا مِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] وَحَكَى مَالِكٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ هَذَا الْمَعْنَى، فَإِذَا وَجَدْت فِي كَلَامِهِمْ فِي الْبِدْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا أَكْرَهُ هَذَا، وَلَا أُحِبُّ هَذَا وَهَذَا مَكْرُوهٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا تَقْطَعَنَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ التَّنْزِيهَ فَقَطْ فَإِنَّهُ إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ فِي جَمِيعِ الْبِدَعِ عَلَى أَنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ يَعُدُّ فِيهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُطْلِقُوا لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى مَا يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنْ يُعَارِضُهُ أَمْرٌ آخَرُ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ فَيُكْرَهُ لِأَجْلِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ. اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ فِي الِاعْتِصَامِ قُلْت: وَحَاصِلُ طَرِيقَتَيْ عَدَمِ التَّفْصِيلِ فِي الْبِدَعِ أَنَّهَا عَلَى الْأُولَى لَا تَكُونُ إلَّا كَبَائِرَ.
وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهَا بِكَثْرَةِ الْعِقَابِ وَعَدَمِ كَثْرَتِهِ وَأَنَّهَا عَلَى الثَّانِيَةِ تَكُونُ كَبَائِرَ أَوْ صَغَائِرَ أَوْ مَكْرُوهَةً إلَّا أَنَّ صَغَائِرَهَا وَإِنْ كَانَتْ كَصَغَائِرِ غَيْرِهَا مِنْ الْمَعَاصِي
стр. 984
بِالْمَقْضِيِّ وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِ اعْلَمْ أَنَّ السَّخَطَ بِالْقَضَاءِ حَرَامٌ إجْمَاعًا وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الْمَقْضِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ وَالْقَدَرِ وَالْمَقْدُورِ أَنَّ الطَّبِيبَ إذَا وَصَفَ لِلْعَلِيلِ دَوَاءً مُرًّا، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْمُتَآكِلَةَ، فَإِنْ قَالَ: بِئْسَ تَرْتِيبُ الطَّبِيبِ، وَمُعَالَجَتُهُ، وَكَانَ غَيْرُ هَذَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا هُوَ أَيْسَرُ مِنْهُ فَهُوَ تَسَخُّطٌ بِقَضَاءِ الطَّبِيبِ وَأَذِيَّةٌ لَهُ، وَجِنَايَةٌ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ سَمِعَهُ الطَّبِيبُ كَرِهَ ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: هَذَا دَوَاءٌ مُرٌّ قَاسَيْت مِنْهُ شَدَائِدَ، وَقَطْعُ الْيَدِ حَصَلَ لِي مِنْهَا آلَامٌ عَظِيمَةٌ مُبَرِّحَةٌ فَهَذَا تَسَخُّطٌ بِالْمَقْضِيِّ الَّذِي هُوَ الدَّوَاءُ وَالْقَطْعُ لَا بِالْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ تَرْتِيبُ الطَّبِيبِ، وَمُعَالَجَتُهُ فَهَذَا لَيْسَ قَدْحًا فِي الطَّبِيبِ، وَلَا يُؤْلِمُهُ إذَا سَمِعَ ذَلِكَ بَلْ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْت الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَعَلَى هَذَا إذَا اُبْتُلِيَ الْإِنْسَانُ بِمَرَضٍ فَتَأَلَّمَ مِنْ الْمَرَضِ بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ فَهَذَا لَيْسَ عَدَمَ رِضًا بِالْقَضَاءِ بَلْ عَدَمُ رِضًا بِالْمَقْضِيِّ، وَإِنْ قَالَ: أَيَّ شَيْءٍ عَمِلْت حَتَّى أَصَابَنِي مِثْلُ هَذَا، وَمَا ذَنْبِي وَمَا كُنْت أَسْتَأْهِلُ هَذَا فَهَذَا عَدَمُ رِضًا بِالْقَضَاءِ فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَلَا نَتَعَرَّضُ لِجِهَةِ رَبِّنَا إلَّا بِالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلَا نَعْتَرِضُ عَلَيْهِ فِي مُلْكِهِ وَأَمَّا أَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ تَطِيبَ لَنَا الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
لَا يَتَأَتَّى إلَّا مَعَ الْكُفْرِ عِنَادًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبَعِيدِ الْمُشَبَّهِ بِالْمُحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا كُفْرَ عِنَادًا إلَّا لِحَامِلٍ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ وَيُرَجِّحُهُ عُنُدَهُ فَكَرَاهِيَتُهُ إيَّاهُ مَعَ رُجْحَانِهِ عِنْدَهُ كَالْمُتَنَاقَضِينَ، وَأَمَّا كَرَاهِيَتُهُ الْمَعْصِيَةَ فَهِيَ مُمْكِنَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاصٍ عَالِمٌ بِعِصْيَانِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا يَتَحَقَّقُ صِغَرُهَا إلَّا بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَكِنْ تَحَقُّقُ الشُّرُوطِ فِي صَغَائِرِهَا بَعِيدٌ جِدًّا وَمَكْرُوهُهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ التَّنْزِيهَ وَعَدَمَ الْعِقَابِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ عِقَابَهُ أَقَلُّ مِنْ عِقَابِ الصَّغِيرَةِ فَافْهَمْ، وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ أَنَّ طَرِيقَةَ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى الْأَصْلِ، وَاخْتَارَهَا الشَّاطِبِيُّ وَبَنَى عَلَيْهَا كِتَابَهُ الِاعْتِصَامَ مِنْ أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَكُونُ إلَّا قَبِيحَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا مَبْنِيَّةً عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْبِدْعَةَ حَقِيقَةٌ فِيمَا لَمْ يُفْعَلْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ، وَمَجَازٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ
الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْبِدَعِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْبِدَعَ لَا تَدْخُلُ إلَّا فِي الْعَادِيَّاتِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّعَبُّدِ، وَأَنَّ طَرِيقَةَ انْقِسَامِ الْبِدَعِ إلَى قَبِيحَةٍ وَحَسَنَةٍ وَالْقَبِيحَةِ إلَى حَرَامٍ وَاصِلٍ إلَى حَدِّ الْكُفْرِ أَوْ إلَى حَدِّ الْكَبِيرَةِ أَوَّلًا وَإِلَى مَكْرُوهٍ تَنْزِيهًا وَالْحَسَنَةِ إلَى وَاجِبَةٍ وَمَنْدُوبَةٍ وَمُبَاحَةٍ الَّتِي اخْتَارَهُ الْأَصْلُ وَابْنُ الشَّاطِّ وَمُحَمَّدٌ الزَّرْقَانِيُّ بَلْ جَرَى عَلَيْهَا عَمَلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالزَّقَّاقِ وَغَيْرِهِ وَبَنَى عَلَيْهَا الْأَصْلُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَإِلَيْهَا ذَهَبَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْخُ الشَّيْخِ الْقَرَافِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَبْنِيَّةً عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ أَيْضًا:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْبِدْعَةَ حَقِيقَةٌ فِيمَا لَمْ يُفْعَلْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ أَمْ لَا
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ فِي الْبِدَعِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» عَامٌّ مَخْصُوصٌ
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: الْقَوْلُ بِأَنَّ جَمِيعَ الْمُخْتَرَعَاتِ مِنْ الْعَادِيَّاتِ، وَلَوْ لَمْ يَلْحَقْهَا شَائِبَةُ تَعَبُّدٍ تَلْحَقُ بِالْبِدَعِ وَتَصِيرُ كَالْعِبَادَاتِ الْمُخْتَرَعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَقَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَقَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ)
وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْغِيبَةِ الْحُرْمَةُ لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] أَيْ لَا يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي حَقِّ أَحَدٍ فِي غَيْبَتِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ مِمَّا يَكْرَهُهُ فَفِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ» كَمَا فِي الزَّوَاجِرِ وَفِي الْأَصْلِ أَنْ تَذْكُرَ فِي الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ إنْ سَمِعَ قِيلَ أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ قَالَ الْأَصْلُ فَدَلَّ قَوْلُهُ: ﷺ إنْ سَمِعَ نَصًّا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَا يَكْرَهُهُ الْإِنْسَانُ إذَا سَمِعَهُ غِيبَةً إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا، وَلَيْسَ بِحَاضِرٍ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، قَالَ: وَلَفْظُ مَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَتَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يَكْرَهُ. اهـ. أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنِهِ كَأَحْوَلَ أَوْ قَصِيرٍ أَوْ أَسْوَدَ أَوْ ضِدِّهَا أَوْ فِي نَسَبِهِ كَأَبُوهُ هِنْدِيٌّ أَوْ إسْكَافٌ أَوْ نَحْوُهُمَا مِمَّا يَكْرَهُهُ كَيْفَ كَانَ أَوْ فِي خَلْقِهِ كَسَيِّئِ الْخَلْقِ عَاجِزٍ ضَعِيفٍ أَوْ فِي فِعْلِهِ الدِّينِيِّ كَكَذَّابٍ أَوْ مُتَهَاوِنٍ بِالصَّلَاةِ أَوْ لَا يُحْسِنُهَا أَوْ عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ أَوْ لَا يُعْطِي الزَّكَاةَ أَوْ لَا يُؤَدِّيهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا أَوْ فِي فِعْلِهِ الدُّنْيَوِيِّ كَقَلِيلِ الْأَدَبِ، أَوْ لَا يَرَى لِأَحَدٍ حَقًّا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ كَثِيرِ الْأَكْلِ أَوْ النَّوْمِ أَوْ فِي ثَوْبِهِ كَطَوِيلِ الذَّيْلِ أَوْ قَصِيرِهِ وَسِخِهِ أَوْ فِي دَارِهِ كَقَلِيلَةِ الْمَرَافِقِ أَوْ فِي دَابَّتِهِ كَجَمُوحٍ أَوْ فِي وَلَدِهِ كَقَلِيلِ التَّرْبِيَةِ، أَوْ فِي زَوْجَتِهِ كَكَثِيرَةِ الْخُرُوجِ أَوْ عَجُوزٍ أَوْ تَحْكُمُ عَلَيْهِ، أَوْ قَلِيلَةِ النَّظَافَةِ، أَوْ فِي خَادِمِهِ كَآبِقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْرَهُهُ لَوْ بَلَغَهُ، وَحِكْمَةُ تَحْرِيمِهَا مَعَ أَنَّهَا صِدْقٌ الْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ عِرْضِ الْمُؤْمِنِ، وَالْإِشَارَةُ إلَى عَظِيمِ تَأَكُّدِ حُرْمَتِهِ وَحُقُوقِهِ.
وَزَادَ - تَعَالَى - ذَلِكَ تَأْكِيدًا وَتَحْقِيقًا بِتَشْبِيهِ عِرْضِهِ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا بِالتَّعْبِيرِ فِيهِ بِالْأَحَبِّ
стр. 985
وَمُؤْلِمَاتُ الْحَوَادِثِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَمْ تَرِدْ الشَّرِيعَةُ بِتَكْلِيفِ أَحَدٍ بِمَا لَيْسَ فِي طَبْعِهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ الْأَرْمَدُ بِاسْتِطَابَةِ الرَّمَدِ الْمُؤْلِمِ، وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْمَرَضِ بَلْ ذَمَّ اللَّهُ قَوْمًا لَا يَتَأَلَّمُونَ، وَلَا يَجِدُونَ لِلْبَأْسَاءِ وَقْعًا فَذَمَّهُمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] فَمَنْ لَمْ يَسْكُنْ وَلَمْ يَذِلَّ لِلْمُؤْلِمَاتِ وَيُظْهِرْ الْجَزَعَ مِنْهَا وَيَسْأَلْ رَبَّهُ إقَالَةَ الْعَثْرَةِ مِنْهَا فَهُوَ جَبَّارٌ عَنِيدٌ بَعِيدٌ عَنْ طُرُقِ الْخَيْرِ فَالْمَقْضِيُّ وَالْمَقْدُورُ أَثَرُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَالْوَاجِبُ هُوَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَقَطْ أَمَّا الْمَقْضِيُّ فَقَدْ يَكُونُ الرِّضَا بِهِ وَاجِبًا كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَالْوَاجِبَاتِ إذَا قَدَّرَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - لِلْإِنْسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَحَرَامًا فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَمُبَاحًا فِي الْمُبَاحَاتِ، وَأَمَّا بِالْقَضَاءِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ تَفْصِيلٍ فَمَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ أَوْ الْكُفْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَنْ يُلَاحِظَ جِهَةَ الْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ فَيُكْرِهُهُمَا وَأَمَّا قَدَرُ اللَّهِ فِيهِمَا فَالرِّضَا بِهِ لَيْسَ إلَّا وَمَتَى سَخِطَهُ وَسَفَّهَ الرُّبُوبِيَّةَ فِي ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً أَوْ كُفْرًا مُنْضَمًّا إلَى مَعْصِيَتِهِ وَكُفْرِهِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْفُرُوقَ، وَإِذَا وَضَحَتْ لَك فَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَخَاصَّةِ عِبَادِ اللَّهِ - تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَزِيزِ الْوُجُودِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ أَكْثَرُ الْعَوَامّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا يَتَأَلَّمُونَ مِنْ الْمَقْضِيِّ فَقَطْ، وَأَمَّا التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالتَّجْوِيرِ وَالْقَضَاءِ بِغَيْرِ الْعَدْلِ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يُوجَدُ إلَّا نَادِرًا مِنْ الْفُجَّارِ وَالْمَرَدَةِ وَإِنَّمَا يَبْعَثُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَأَلَّمُ قَلْبُهُ مِنْ قَرْضِ عِرْضِهِ كَمَا يَتَأَلَّمُ بَدَنُهُ مِنْ قَطْعِ لَحْمِهِ لِأَكْلِهِ بَلْ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّ عِرْضَ الْعَاقِلِ عِنْدَهُ أَشْرَفُ مِنْ لَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ مِنْ عَاقِلٍ أَكْلُ لُحُومِ النَّاسِ لَا يَحْسُنُ مِنْهُ قَرْضُ عِرْضِهِمْ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَلَمٌ، وَوَجْهُ الْآكَدِيَّةِ فِي لَحْمِ أَخِيهِ أَنَّ الْأَخَ لَا يُمْكِنُهُ مَضْغُ لَحْمِ أَخِيهِ فَضْلًا عَنْ أَكْلِهِ بِخِلَافِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّهُ يَأْكُلُ لَحْمَ عَدُوِّهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ، وَانْدَفَعَ بِمَيْتًا - الْوَاقِعِ حَالًا إمَّا مِنْ لَحْمِ أَخِيهِ أَوْ أَخِيهِ - مَا قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا تَحْرُمُ الْغِيبَةُ فِي الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُؤْلِمُ حِينَئِذٍ بِخِلَافِهَا فِي الْغِيبَةِ، فَإِنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لِلْمُغْتَابِ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ انْدِفَاعِ هَذَا أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الْأَخِ، وَهُوَ مَيِّتٌ لَا يُؤْلِمُ أَيْضًا، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ فِي غَايَةِ الْقُبْحِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ الِاطِّلَاعُ لَتَأَلَّمَ بِهِ فَإِنَّ الْمَيِّتَ لَوْ أَحَسَّ بِأَكْلِ لَحْمِهِ لَآلَمَهُ فَكَذَا الْغِيبَةُ تَحْرُمُ فِي الْغَيْبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُغْتَابَ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا لَتَأَلَّمَ، وَأَيْضًا فَفِي الْعِرْضِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْغِيبَةَ وَقَعَتْ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْمُغْتَابَ الْعِلْمُ بِهَا حَرُمَتْ أَيْضًا رِعَايَةً لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَفَطْمًا لِلنَّاسِ عَنْ الْأَعْرَاضِ وَالْخَوْضِ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ اللَّهُمَّ إلَّا لِلْأَسْبَابِ الْآتِيَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ ضَرُورَةٍ فَتُبَاحُ حِينَئِذٍ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ كَمَا أَشَارَتْ الْآيَةُ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِذِكْرِ " مَيْتًا " إذْ لَحْمُ الْمَيِّتِ إنَّمَا يَحِلُّ لِلضَّرُورَةِ الْحَاقَّةِ حَتَّى لَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً أُخْرَى مَعَ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ لَمْ تَحِلَّ لَهُ مَيْتَةُ الْآدَمِيِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ، فَإِذَا تَحَقَّقَ الْفَرْضُ الصَّحِيحُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْغِيبَةِ خَرَجَتْ عَنْ أَصْلِهَا مِنْ الْحُرْمَةِ وَحِينَئِذٍ فَتَجِبُ أَوْ تُبَاحُ.
وَتَنْحَصِرُ الَّتِي لَا تَحْرُمُ لِلْغَرَضِ الصَّحِيحِ الشَّرْعِيِّ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ نَظَمَهَا الْكَمَالُ بِقَوْلِهِ
الْقَدْحُ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ ... مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ
وَلِمُظْهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ ... طَلَبَ الْإِعَانَةَ فِي إزَالَةِ مُنْكَرِ
كَمَا فِي حَاشِيَةَ الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَبَيَانُهَا كَمَا فِي الزَّوَاجِرِ
(الْأَوَّلُ) الْمُتَظَلِّمُ فَلِمَنْ ظُلِمَ أَنْ يَشْكُوَ لِمَنْ يَظُنُّ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى إزَالَةِ ظُلْمِهِ أَوْ تَخْفِيفِهِ كَأَنْ يَقُولَ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ: إنَّ فُلَانًا أَخَذَ مَالِي وَغَصَبَنِي أَوْ ثَلَمَ عِرْضِي إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَادِحِ الْمَكْرُوهَةِ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ
الثَّانِي الِاسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِذِكْرِهِ لِمَنْ يَظُنُّ قُدْرَتَهُ عَلَى إزَالَتِهِ بِنَحْوِ فُلَانٌ يَعْمَلُ كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ بِقَصْدِ التَّوَصُّلِ إلَى إزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَإِلَّا كَانَ غِيبَةً مُحَرَّمَةً مَا لَمْ يَكُنْ الْفَاعِلُ مُجَاهِرًا لِمَا يَأْتِي
(الثَّالِثُ) الِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ لِمُفْتٍ ظَلَمَنِي بِكَذَا فُلَانٌ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَمَا طَرِيقِي فِي خَلَاصِي مِنْهُ أَوْ تَحْصِيلِ حَقِّي أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُبْهِمَهُ فَيَقُولُ: مَا تَقُولُ فِي شَخْصٍ أَوْ زَوْجٍ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ وَإِنَّمَا جَازَ التَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ مَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُفْتِيَ قَدْ يُدْرِكُ مِنْ تَعْيِينِهِ مَعْنًى لَا يُدْرِكُهُ مَعَ إبْهَامِهِ فَكَانَ فِي التَّعْيِينِ نَوْعُ مَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّ هِنْدَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ لَمَّا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ «إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلَّا مَا أَخَذْت مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(الرَّابِعُ) تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشَّرِّ وَنَصِيحَتِهِمْ كَجَرْحِ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْمُصَنَّفِينَ وَالْمُتَصَدِّينَ لِإِفْتَاءٍ أَوْ إقْرَاءٍ مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ مَعَ نَحْوِ فِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ، وَهُمْ دُعَاةٌ إلَيْهَا وَلَوْ سِرًّا فَيَجُوزُ إجْمَاعًا بَلْ يَجِبُ وَكَانَ يُذْكَرُ لِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى عَزْلِ ذِي الْوِلَايَةِ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ أَوْ عَلَى نُصْحِهِ وَحَثِّهِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ مَا يَعْلَمُهُ مِنْهُ قَادِحًا فِيهَا كَفِسْقٍ أَوْ تَغَفُّلٍ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُشِيرُ وَلَوْ إنْ لَمْ يَسْتَشِرْ عَلَى مُرِيدِ تَزْوِيجٍ أَوْ مُخَالَطَةٍ لِغَيْرِهِ فِي أَمْرٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ، وَقَدْ عَلِمَ فِي ذَلِكَ الْغَيْرُ قَبِيحًا مُنَفِّرًا كَفِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ طَمَعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَفَقْرٍ فِي الزَّوْجِ «لِقَوْلِهِ ﵇ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ
стр. 986
هَؤُلَاءِ عَلَى قَوْلِهِمْ: إنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْأَوْلِيَاءِ خَاصَّةً أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ هُوَ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ هُوَ عَزِيزُ الْوُجُودِ بَلْ هُوَ كَالْمُتَعَذِّرِ فَإِنَّا نَجْزِمُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَأَلَّمَ لِقَتْلِ عَمِّهِ حَمْزَةَ وَمَوْتِ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ وَرَمْيِ عَائِشَةَ بِمَا رُمِيَتْ بِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ الْمَقْضِيِّ وَنَجْزِمُ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ طِبَاعُهُمْ تَتَأَلَّمُ وَتَتَوَجَّعُ مِنْ الْمُؤْلِمَاتِ وَتُسَرُّ بِالْمَسَرَّاتِ وَإِذَا كَانَ الرِّضَا بِالْمَقْضِيَّاتِ غَيْرَ حَاصِلٍ فِي طَبَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ فَغَيْرُهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَالرِّضَا بِهَذَا التَّفْسِيرِ لَا طَمَعَ فِيهِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ غَلَطٌ بَلْ الْحَقُّ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مُتَيَسِّرٌ عَلَى أَكْثَرِ الْعَوَامّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَضْلًا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَاعْلَمْ ذَلِكَ
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُكَفِّرَاتِ وَقَاعِدَةِ أَسْبَابِ الْمَثُوبَاتِ)
اعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَصَائِبَ سَبَبٌ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَحُصُولِ الْمَثُوبَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَثُوبَاتِ لَهَا شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَمَقْدُورِهِ فَمَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُكَفِّرَاتِ وَقَاعِدَةِ أَسْبَابِ الْمَثُوبَاتِ اعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَصَائِبَ سَبَبٌ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَحُصُولِ الْمَثُوبَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَثُوبَاتِ لَهَا شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَمَقْدُورِهِ فَمَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حِينَ شَاوَرَتْهُ ﵇ لَمَّا خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبُو جَهْمٍ أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَأَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ وَبِهِ يُرَدُّ تَفْسِيرُ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ أَسْفَارِهِ فَذَكَرَ ﷺ فِيهِمَا مَا يَكْرَهَانِهِ لَوْ سَمِعَاهُ وَأُبِيحَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ النَّصِيحَةِ وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ تَكُونَ الْحَاجَةُ مَاسَّةً لِذَلِكَ وَأَنْ يَقْتَصِرَ النَّاصِحُ مِنْ الْعُيُوبِ عَلَى مَا يُخِلُّ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ خَاصَّةً الَّتِي حَصَلَتْ الْمُشَاوَرَةُ فِيهَا أَوْ الَّتِي يَعْتَقِدُ النَّاصِحُ أَنَّ الْمَنْصُوحَ شَرَعَ فِيهَا أَوْ هُوَ عَلَى عَزْمِ ذَلِكَ فَيَنْصَحُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْهُ فَإِنَّ حِفْظَ مَالَ الْإِنْسَانِ وَعِرْضَهُ وَدَمَهُ عَلَيْك وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ لَك بِذَلِكَ فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنْ ذِكْرِ عُيُوبِ النَّاسِ مُطْلَقًا لِجَوَازِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُخَالَطَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَهَذَا حَرَامٌ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبِيحَتْ الْغِيبَةُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ قَائِمٌ فِي الْكُلِّ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي احْتِرَازٌ مِنْ أَنْ يُسْتَشَارَ فِي أَمْرِ الزَّوْجِ فَيَذْكُرَ الْعُيُوبَ الْمُخِلَّةَ بِمَصْلَحَةِ الزَّوَاجِ، وَالْعُيُوبَ الْمُخِلَّةَ بِالشَّرِكَةِ وَالْمُسَاقَاةِ أَوْ يُسْتَشَارَ فِي السَّفَرِ مَعَهُ فَيَذْكُرَ الْعُيُوبَ الْمُخِلَّةَ بِمَصْلَحَةِ السَّفَرِ وَالْعُيُوبَ الْمُخِلَّةَ بِالزَّوَاجِ فَالزِّيَادَةُ عَلَى الْعُيُوبِ الْمُخِلَّةِ بِمَا اُسْتُشِيرَ فِيهِ حَرَامٌ مَثَلًا إنْ كَفَى نَحْوُ لَا يَصْلُحُ لَك لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى ذِكْرِ عَيْبٍ ذَكَرَهُ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ أَوْ عَيْبَيْنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا وَهَكَذَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ فَلَا يَجُوزُ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ بَذْلَ النَّصِيحَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ - تَعَالَى - دُونَ حَظٍّ آخَرَ وَكَثِيرًا مَا يَغْفُلُ الْإِنْسَانُ عَنْ ذَلِكَ فَيُلَبِّسُ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَيَحْمِلُهُ عَلَى التَّكَلُّمِ بِهِ حِينَئِذٍ لَا نُصْحًا وَيُزَيِّنُ لَهُ أَنَّهُ نُصْحٌ وَخَيْرٌ
(الْخَامِسُ) أَنْ يَتَجَاهَرَ بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ كَالْمَكَّاسِينَ وَشَرَبَةِ الْخَمْرِ ظَاهِرًا وَذَوِي الْوِلَايَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَكَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ
(فَمِثْلُك حُبْلَى قَدْ طَرَقْت وَمُرْضِعٍ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ)
فَذِكْرُ مِثْلِ هَذَا عَنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ لَا يَحْرُمُ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَأَذَّوْنَ بِذَلِكَ بَلْ يُسَرُّونَ؛ وَلِأَنَّهُ ﷺ «قَالَ فِي الَّذِي اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي جَوَازِ غِيبَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَأَهْلِ الرَّيْبِ وَرَوَى خَبَرًا مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا قَالَ اللَّيْثُ: كَانَا مُنَافِقَيْنِ هُمَا مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيّ لَكِنْ بِشَرْطِ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَا تُجَاهِرُوا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَيَحْرُمُ ذِكْرُهُمْ بِعَيْبٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِسَبَبٍ آخَرَ مِمَّا مَرَّ فَمِنْ هُنَا قَالَ الْأَصْلُ: سَأَلْت جَمَاعَةً مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ عَمَّنْ يَرْوِي قَوْلَهُ ﷺ «لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ» فَقَالُوا لِي: لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يَجُوزُ التَّفَكُّهُ بِعِرْضِ الْفَاسِقِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَنُقِلَ فِي الزَّوَاجِرِ عَنْ الْخَادِمِ أَنَّهُ وُجِدَ بِخَطِّ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الْقَفَّالَ فِي فَتَاوِيهِ خَصَّصَ الْغِيبَةَ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا تُذَمُّ شَرْعًا بِخِلَافِ نَحْوِ الزِّنَا فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «اُذْكُرُوا الْفَاسِقَ بِمَا فِيهِ تَحْذَرْهُ النَّاسُ» غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ السِّتْرُ حَيْثُ لَا غَرَضَ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ غَرَضٌ كَتَجْرِيحِهِ أَوْ إخْبَارِ مُخَالَطَةٍ فَيَلْزَمُ بَيَانُهُ. اهـ. قَالَ الْخَادِمُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجَوَازِ فِي الْأَوَّلِ لَا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ ضَعِيفٌ لَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ وَقَالَ أَحْمَدُ مُنْكَرٌ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى فَاجِرٍ مُعْلِنٍ بِفُجُورِهِ أَوْ يَأْتِي بِشَهَادَةٍ أَوْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فَيُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ حَالِهِ لِئَلَّا يَقَعَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. اهـ. وَهَذَا الَّذِي حَمَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ لَيْسَ لِلْفَاسِقِ غِيبَةٌ، وَيُقْتَضَى عَلَيْهِ عُمُومُ خَبَرِ مُسْلِمٍ الَّذِي فِيهِ
стр. 987
لَا كَسْبَ لَهُ فِيهِ وَمَا لَا فِي قُدْرَتِهِ، أَوْ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بِمَقْدُورِهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لَا مَثُوبَةَ فِيهِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فَحَصَرَ مَالَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ سَعْيِهِ وَكَسْبِهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] فَحَصَرَ الْجَزَاءَ فِيمَا هُوَ مَعْمُولٌ لَنَا وَمَقْدُورٌ، وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُكْتَسَبُ مَأْمُورًا بِهِ فَمَا لَا أَمْرَ فِيهِ لَا ثَوَابَ فِيهِ كَالْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَكَأَفْعَالِ الْحَيَوَانَاتِ الْعَجْمَاوَاتِ مُكْتَسَبَةٌ مُرَادَةٌ لَهَا وَاقِعَةٌ بِاخْتِيَارِهَا، وَلَا ثَوَابَ لَهَا فِيهَا لِعَدَمِ الْأَمْرِ بِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ فِي قُبُورِهِمْ الْمَوَاعِظَ وَالْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ، وَلَا ثَوَابَ لَهُمْ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا مَنْهِيِّينَ فَلَا إثْمَ، وَلَا ثَوَابَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
لَا كَسْبَ لَهُ فِيهِ وَمَا لَا فِي قُدْرَتِهِ، أَوْ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بِمَقْدُورِهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لَا مَثُوبَةَ فِيهِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فَحَصَرَ مَا لَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ سَعْيِهِ وَكَسْبِهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] فَحَصَرَ الْجَزَاءَ فِيمَا هُوَ مَعْمُولٌ لَنَا وَمَقْدُورٌ، وَثَانِيهمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُكْتَسَبُ مَأْمُورًا بِهِ فَمَا لَا أَمْرَ فِيهِ لَا ثَوَابَ فِيهِ كَالْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَكَأَفْعَالِ الْحَيَوَانَاتِ الْعَجْمَاوَاتِ مُكْتَسَبَةٌ مُرَادَةٌ لَهَا وَاقِعَةٌ بِاخْتِيَارِهَا، وَلَا ثَوَابَ لَهَا فِيهَا لِعَدَمِ الْأَمْرِ بِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ فِي قُبُورِهِمْ الْمَوَاعِظَ وَالْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ، وَلَا ثَوَابَ لَهُمْ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا مَنْهِيِّينَ فَلَا إثْمَ، وَلَا ثَوَابَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حَدَّا الْغِيبَةِ بِأَنَّهَا ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ وَعَلَيْهِ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ، وَهَذَا كُلُّهُ يَرُدُّ مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ. اهـ. الْمُرَادُ
(السَّادِسُ) : التَّعْرِيفُ بِنَحْوِ لَقَبٍ كَالْأَعْوَرِ وَالْأَعْمَشِ وَالْأَصَمِّ وَالْأَقْرَعِ فَيَجُوزُ وَإِنْ أَمْكَنَ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِهِ نَعَمْ إنْ سَهُلَ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِهِ فَهُوَ أَوْلَى، وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ نَحْوِ الْأَعْوَرِ عَلَى جِهَةِ التَّعْرِيفِ لَا التَّنْقِيصِ، وَإِلَّا حَرُمَ فَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ السِّتَّةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ لَهَا مِنْ السُّنَّةِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ. اهـ. أَيْ كَاَلَّذِي تَقَدَّمَ الِاسْتِدْلَال بِهَا، وَزَادَ الْأَصْلُ
(سَابِعًا) : وَهُوَ مَا إذَا كُنْت وَالْمُغْتَابَ عِنْدَهُ قَدْ سَبَقَ لَكُمَا الْعِلْمُ بِالْمُغْتَابِ بِهِ، قَالَ: فَإِنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحُطُّ قَدْرَ الْمُغْتَابِ عِنْدَهُ لِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَا يَعْرَى هَذَا الْقِسْمُ عَنْ نَهْيٍ؛ لِأَنَّكُمَا إذَا تَرَكْتُمَا الْحَدِيثَ فِيهِ رُبَّمَا نُسِيَ فَاسْتَرَاحَ الرَّجُلُ الْمَغِيبُ بِذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ حَالِهِ وَإِذَا تَعَاهَدْتُمَاهُ أَدَّى ذَلِكَ إلَى عَدَمِ نِسْيَانِهِ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ فِي تَلْخِيصِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْغِيبَةِ، وَمَا لَا يَحْرُمُ مِنْهَا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ كِتَابِ الزَّوَاجِرِ لِابْنِ حَجَرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْغِيبَةِ وَقَاعِدَةِ النَّمِيمَةِ وَالْهَمْزِ وَاللَّمْزِ) ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الْغِيبَةِ بِأَنَّهَا ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ إنْ سَمِعَهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا إنَّمَا حَرُمَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ إفْسَادِ الْعِرْضِ وَعَرَّفُوا النَّمِيمَةَ بِأَنَّهَا نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ بَيْنَهُمْ فَحَرُمَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ إلْقَاءِ الْبِغْضَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَا كَانَ النَّقْلُ فِيهَا عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّ فُلَانًا يَقْصِدُ قَتْلَك وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغِيبَةِ قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَمَا ذُكِرَ فِي تَعْرِيفِ النَّمِيمَةِ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ بَلْ هِيَ كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ أَكَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوْ إلَيْهِ أَوْ ثَالِثٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ كَشْفُهُ بِقَوْلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ رَمْزٍ أَوْ إيمَاءٍ، وَسَوَاءٌ فِي الْمَنْقُولِ كَوْنُهُ فِعْلًا، أَوْ قَوْلًا عَيْبًا أَوْ نَقْصًا فِي الْمَنْقُولِ عَنْهُ، أَوْ غَيْرِهِ فَحَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إفْشَاءُ السِّرِّ، وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ، وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي السُّكُوتُ عَنْ حِكَايَةِ كُلِّ شَيْءٍ شُوهِدَ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ إلَّا مَا فِي حِكَايَتِهِ نَفْعٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ كَمَا لَوْ رَأَى مَنْ يَتَنَاوَلُ مَالَ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَى مَنْ يُخْفِي مَالَ نَفْسِهِ فَذَكَرَهُ فَهُوَ نَمِيمَةٌ وَإِفْشَاءٌ لِلسِّرِّ.
فَإِنْ كَانَ مَا يَنُمُّ بِهِ نَقْصًا أَوْ عَيْبًا فِي الْمَحْكِيِّ عَنْهُ فَهُوَ غِيبَةٌ وَنَمِيمَةٌ. اهـ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الزَّوَاجِرِ: وَمَا ذَكَرَهُ إنْ أَرَادَ بِكَوْنِهِ نَمِيمَةً أَنَّهُ كَبِيرَةٌ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَفِيهِ بِإِطْلَاقِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَا فَسَّرُوا بِهِ النَّمِيمَةَ لَا يَخْفَى أَنَّ وَجْهَ كَوْنِهِ كَبِيرَةً مَا فِيهِ مِنْ الْإِفْسَادِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَضَارِّ وَالْمَفَاسِدِ مَا لَا يَخْفَى، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا هُوَ كَذَلِكَ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهُ بَلْ وَلَا قَرِيبًا مِنْهُ مُجَرَّدُ الْإِخْبَارِ بِشَيْءٍ عَمَّنْ يَكْرَهُ كَشْفُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، وَلَا هُوَ عَيْبٌ، وَلَا نَقْصٌ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي هَذَا أَنَّهُ، وَإِنْ سُلِّمَ لِلْغَزَالِيِّ تَسْمِيَتُهُ نَمِيمَةً لَا يَكُونُ كَبِيرَةً، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ نَفْسَهُ شَرَطَ فِي كَوْنِهِ غِيبَةً كَوْنَهُ عَيْبًا وَنَقْصًا حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَا يَنُمُّ بِهِ نَقْصًا إلَخْ فَإِذَنْ لَمْ تُوجَدْ الْغِيبَةُ إلَّا مَعَ كَوْنِهِ نَقْصًا فَالنَّمِيمَةُ الْأَقْبَحُ مِنْ الْغِيبَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُوجَدَ بِوَصْفِ كَوْنِهَا كَبِيرَةً إلَّا إذَا كَانَ فِيمَا يَنُمُّ بِهِ مَفْسَدَةٌ تُقَارِبُ مَفْسَدَةَ الْإِفْسَادِ الَّتِي صَرَّحُوا بِهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَنْقُلُونَ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ، وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لِمَا فِيهِ مِمَّا نَبَّهْت عَلَيْهِ نَعَمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْغِيبَةَ كَبِيرَةٌ مُطْلَقًا يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي النَّمِيمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَفْسَدَةٌ كَمَفْسَدَةِ الْغِيبَةِ، وَإِنْ لَمْ
стр. 988
لِعَدَمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هَذَا أَحَدُ أَسْبَابِ الْمَثُوبَاتِ.
وَأَمَّا الْمُكَفِّرَاتُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ قَدْ تَكُونُ كَذَلِكَ مُكْتَسَبَةً مَقْدُورَةً مِنْ بَابِ الْحَسَنَاتِ لِقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَدْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ كَمَا تُكَفِّرُ التَّوْبَةُ وَالْعُقُوبَاتُ السَّيِّئَاتِ، وَتَمْحُو آثَارَهَا، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَصَائِبُ الْمُؤْلِمَاتُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وَلِقَوْلِهِ ﵇ «لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
لِعَدَمِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ)
قُلْت هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ رَفْعَ الدَّرَجَاتِ لَا يُشْتَرَطُ فِي أَسْبَابِهَا كَوْنُهَا مُكْتَسَبَةً، وَلَا مَأْمُورًا بِهَا فَمِنْهَا مَا يَكُونُ سَبَبُهُ كَذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ الْآلَامُ وَجَمِيعُ الْمَصَائِبِ وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ دَلَائِلُ وَظَوَاهِرُ الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَةٌ يُعَضِّدُهَا قَاعِدَةُ رُجْحَانِ جَانِبِ الْحَسَنَاتِ الْمَقْطُوعِ بِهَا وَمَا اُسْتُدِلَّ بِهِ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْآيِ وَالْأَخْبَارِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْخُصُوصِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ ذَلِكَ: وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَزِيَادَةِ النَّعِيمِ فَلَا يُسَمَّى ثَوَابًا وَلَا أَجْرًا، وَلَا جَزَاءً فَإِنَّهَا أَلْفَاظٌ مُشْعِرَةٌ بِالْإِعْطَاءِ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ فَالْأَمْرُ فِيمَا يَقُولُهُ قَرِيبٌ؛ إذْ لَا مُشَاحَّةَ فِي الْأَلْفَاظِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُهُ الْآيَتَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ مَعَ الْإِجْمَاعِ الْمَعْلُومِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْأَعْمَالِ الْمَالِيَّةِ كُلِّهَا مَعَ الْخِلَافِ فِي الْبَدَنِيَّةِ كُلِّهَا أَوْ مَا عَدَا الصَّلَاةَ مِنْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْآيَتَيْنِ وَشِبْهِهِمَا عَلَى الْإِيمَانِ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ قَالَ (وَأَمَّا الْمُكَفِّرَاتُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ قَدْ تَكُونُ كَذَلِكَ مُكْتَسَبَةً مَقْدُورَةً مِنْ بَابِ الْحَسَنَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَدْ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ كَمَا تُكَفِّرُ التَّوْبَةُ وَالْعُقُوبَاتُ السَّيِّئَاتِ وَتَمْحُو آثَارَهَا وَمِنْ ذَلِكَ الْمَصَائِبُ الْمُؤْلِمَاتُ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا قَوْلَهُ: وَتَمْحُو آثَارَهَا فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَحْوَهَا مِنْ الصَّحَائِفِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ الْإِحْبَاطِ، وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] قُلْتُ لَا دَلِيلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى كَوْنِ الْمَصَائِبِ مُكَفِّرَةً لِلذُّنُوبِ أَوْ غَيْرَ مُكَفِّرَةٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّ الْمَصَائِبَ سَبَبُهَا الذُّنُوبُ، وَأَنَّ مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَا يُقَابَلُ بِمُصِيبَةٍ يَكُونُ سَبَبًا لَهَا بَلْ يُسَامَحُ فِيهِ وَيُعْفَى عَنْهُ.
قَالَ (وَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
تَصِلْ إلَى مَفْسَدَةِ الْإِفْسَادِ بَيْنَ النَّاسِ قَالَ: وَالْبَاعِثُ عَلَى النَّمِيمَةِ مِنْهُ إرَادَةُ السُّوءِ بِالْمَحْكِيِّ عَلَيْهِ أَوْ الْحُبِّ لِلْمَحْكِيِّ لَهُ أَوْ الْفَرَحِ بِالْخَوْضِ فِي الْفُضُولِ، وَعِلَاجُ النَّمِيمَةِ هُوَ نَحْوُ مَا قَالُوهُ فِي عِلَاجِ الْغِيبَةِ.
وَهُوَ إمَّا إجْمَالِيٌّ بِأَنْ تَعْلَمَ أَنَّك قَدْ تَعَرَّضْت بِهَا لِسَخَطِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَعُقُوبَتِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْأَخْبَارُ الَّتِي وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ وَأَنَّهَا تُحْبِطُ حَسَنَاتِك لِمَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ فِي الْمُفْلِسِ مِنْ أَنَّهُ تُؤْخَذُ حَسَنَاتُهُ إلَى أَنْ تَفْنَى فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وُضِعَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ خَصْمِهِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ سَيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَمِنْ أَهْلِ الْأَعْرَافِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ فَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ الْغِيبَةُ سَبَبًا لِفَنَاءِ حَسَنَاتِك وَزِيَادَةِ سَيِّئَاتِك فَتَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ الْغِيبَةَ وَالنَّمِيمَةَ تَحُتَّانِ الْإِيمَانَ كَمَا يُعَضِّدُ الرَّاعِي الشَّجَرَةَ وَمِمَّا يَنْفَعُك أَيْضًا أَنَّك تَتَدَبَّرُ فِي عُيُوبِك، وَتَجْتَهِدُ فِي الطَّهَارَةِ مِنْهَا وَتَسْتَحْيِي مِنْ أَنْ تَذُمَّ غَيْرَك بِمَا أَنْتَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ، أَوْ بِنَظِيرِهِ فَإِنْ كَانَ أَمْرًا خِلْقِيًّا فَالذَّمُّ لَهُ ذَمٌّ لِلْخَالِقِ إذْ مَنْ ذَمَّ صَنْعَةً ذَمَّ صَانِعَهَا فَإِنْ لَمْ تَجِدْ لَك عَيْبًا، وَهُوَ بَعِيدٌ فَاشْكُرْ اللَّهَ؛ إذْ تَفَضَّلَ عَلَيْك بِالنَّزَاهَةِ عَنْ الْعُيُوبِ وَيَنْفَعُك أَيْضًا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ تَأَذِّي غَيْرِك بِالْغِيبَةِ كَتَأَذِّيك بِهَا فَكَيْفَ تَرْضَى لِغَيْرِك مَا تَتَأَذَّى بِهِ، وَإِمَّا تَفْصِيلِيٌّ بِأَنْ تَنْظُرَ فِي بَاعِثِهَا فَتَقْطَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ؛ إذْ عِلَاجُ الْعِلَّةِ إنَّمَا يَكُونُ بِقَطْعِ سَبَبِهَا، وَإِذَا اسْتَحْضَرْت الْبَوَاعِثَ عَلَيْهَا، وَهِيَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الْغَضَبُ وَالْحِقْدُ وَتَشَفِّي الْغَيْظِ بِذِكْرِ مَسَاوِئِ مَنْ أَغْضَبَك، وَمِنْهَا مُوَافَقَةُ الْإِخْوَانِ وَمُجَامَلَتُهُمْ بِالِاسْتِرْسَالِ مَعَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ، أَوْ إبْدَاءُ نَظِيرِ مَا أَبْدَوْهُ خَشْيَةَ أَنَّهُ لَوْ سَكَتَ أَوْ أَنْكَرَ اسْتَثْقَلُوهُ.
وَمِنْهَا الْحَسَد لِثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ وَمَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وَمِنْهَا قَصْدُ الْمُبَاهَاةِ وَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ، وَمِنْهَا السُّخْرِيَةُ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهِ تَحْقِيرًا لَهُ ظَهَرَ لَك السَّعْيُ فِي قَطْعِهَا كَأَنْ تَسْتَحْضِرَ فِي الْغَضَبِ أَنَّك إنْ أَمْضَيْت غَضَبَك فِيهِ بِغِيبَةٍ أَمْضَى اللَّهُ غَضَبَهُ فِيك لِاسْتِخْفَافِك بِنَهْيِهِ وَجَرَاءَتِك عَلَى وَعِيدِهِ، وَفِي حَدِيثٍ أَنَّ «لِجَهَنَّمَ بَابًا لَا يَدْخُلُهُ إلَّا مَنْ شَفَى غَيْظَهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -» وَفِي الْمُوَافَقَةِ أَنَّك إذَا أَرْضَيْت الْمَخَالِيقَ بِغَضَبِ اللَّهِ عَاجَلَك بِعُقُوبَتِهِ؛ إذْ لَا أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - وَفِي الْحَسَدِ أَنَّك جَمَعْت بَيْنَ خَسَارِ الدُّنْيَا بِحَسَدِك لَهُ عَلَى نِعْمَتِهِ وَكَوْنِهِ مُعَذَّبًا بِالْحَسَدِ وَخَسَارَةِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّك نَصَرْته بِإِهْدَاءِ حَسَنَاتِك إلَيْهِ أَوْ طَرْحِ سَيِّئَاتِهِ عَلَيْك فَصِرْت صَدِيقَهُ وَعَدُوَّ نَفْسِك فَجَمَعْت إلَى خُبْثِ حَسَدِك جَهْلَ حَمَاقَتِك، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْك سَبَبَ انْتِشَارِ فَضْلِهِ كَمَا قِيلَ
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ ... طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
стр. 989
مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا ذُنُوبَهُ» فَالْمُصِيبَةُ كَفَّارَةٌ لِلذُّنُوبِ جَزْمًا سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِهَا السَّخَطُ أَوْ الصَّبْرُ وَالرِّضَا فَالسَّخَطُ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى، وَنَعْنِي بِالسَّخَطِ عَدَمَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ لَا التَّأَلُّمَ مِنْ الْمَقْضِيَّاتِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَالصَّبْرُ مِنْ الْقُرَبِ الْجَمِيلَةِ، فَإِذَا تَسَخَّطَ جُعِلَتْ سَيِّئَةً ثُمَّ قَدْ تَكُونُ هَذِهِ السَّيِّئَةُ قَدْرَ السَّيِّئَةِ الَّتِي كَفَّرَتْهَا الْمُصِيبَةُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَعْظَمَ بِحَسَبِ كَثْرَةِ السَّخَطِ وَقِلَّتِهِ وَعِظَمِ الْمُصِيبَةِ وَصِغَرِهَا فَإِنَّ الْمُصِيبَةَ الْعَظِيمَةَ تُكَفِّرُ مِنْ السَّيِّئَاتِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُصِيبَةِ الْيَسِيرَةِ فَالتَّكْفِيرُ وَاقِعٌ قَطْعًا تَسَخَّطَ الْمُصَابُ أَوْ صَبَرَ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ صَبَرَ اجْتَمَعَ التَّكْفِيرُ وَالْأَجْرُ، وَإِنْ تَسَخَّطَ فَقَدْ يَعُودُ الَّذِي تَكَفَّرَ بِالْمُصِيبَةِ بِمَا جَنَاهُ مِنْ التَّسَخُّطِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ تَرْتِيبِهِ الْمَثُوبَاتِ عَلَى الْمَصَائِبِ أَيْ إذَا صَبَرَ لَيْسَ إلَّا فَالْمُصِيبَاتُ لَا ثَوَابَ فِيهَا قَطْعًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُصِيبَةٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ.
وَالتَّكْفِيرُ بِالْمُصِيبَةِ يَقَعُ بِالْمُكْتَسَبِ وَغَيْرِ الْمُكْتَسَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﵇ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «لَا يَمُوتُ لِأَحَدِكُمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ إلَّا كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ قَالَتْ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ وَخِلْته لَوْ قُلْت لَهُ: وَوَاحِدٌ لَقَالَ وَوَاحِدٌ» وَالْحِجَابُ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى التَّكْفِيرِ أَيْ تُكَفِّرُ مُصِيبَةُ فَقْدِ الْوَلَدِ ذُنُوبًا كَانَ شَأْنَهَا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا النَّارَ فَلَمَّا كَفَّرَتْ تِلْكَ الذُّنُوبَ بَطَلَ دُخُولُ النَّارِ بِسَبَبِهَا فَصَارَتْ الْمُصِيبَةُ كَالْحِجَابِ الْمَانِعِ مِنْ دُخُولِ النَّارِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا ذُنُوبَهُ» ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ يَعُودُ يَكُونُ ذَنْبُ السَّخَطِ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يَعُودُ حَقِيقَةً قَالَ (وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ تَرَتُّبِ الْمَثُوبَاتِ عَلَى الْمَصَائِبِ أَيْ إذَا صَبَرَ لَيْسَ إلَّا فَالْمُصِيبَاتُ لَا ثَوَابَ فِيهَا قَطْعًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُصِيبَةٌ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ، وَالتَّكْفِيرُ بِالْمَعْصِيَةِ يَقَعُ بِالْمُكْتَسَبِ وَغَيْرِ الْمُكْتَسَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «لَا يَمُوتُ لِأَحَدِكُمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ إلَّا كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ قَالَتْ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ وَخِلْته لَوْ قُلْت لَهُ وَوَاحِدٌ لَقَالَ وَوَاحِدٌ» فَالْحِجَابُ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى التَّكْفِيرِ أَيْ تُكَفِّرُ مُصِيبَةُ فَقْدِ الْوَلَدِ ذُنُوبًا كَانَ شَأْنَهَا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا النَّارَ فَلَمَّا كَفَّرَتْ تِلْكَ الذُّنُوبَ بَطَلَ دُخُولُ النَّارِ بِسَبَبِهَا فَصَارَتْ الْمُصِيبَةُ كَالْحِجَابِ الْمَانِعِ مِنْ دُخُولِ النَّارِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَفِي قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ أَنَّك بِمَا ذَكَرْته فِيهِ أَبْطَلْت فَضْلَك عِنْدَ اللَّهِ وَأَنْتَ لَسْت عَلَى ثِقَةٍ مِنْ اعْتِقَادِ النَّاسِ فِيك بَلْ رُبَّمَا مَقَتُوك إذَا عَرَفُوك بِثَلْبِ الْأَعْرَاضِ وَقُبْحِ الْأَغْرَاضِ فَقَدْ بِعْت مَا عِنْدَ اللَّهِ يَقِينًا بِمَا عِنْدَ الْمَخْلُوقِ الْعَاجِزِ وَهْمًا، وَفِي الِاسْتِهْزَاءِ أَنَّك إذَا أَخْزَيْت غَيْرَك عِنْدَ النَّاسِ فَقَدْ أَخْزَيْت نَفْسَك عِنْدَ اللَّهِ، وَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا، وَعِلَاجُ بَقِيَّةِ الْبَوَاعِثِ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَرَّرَ فَلَا حَاجَةَ لِلْإِطَالَةِ بِهِ. اهـ. قَالَ الْأَصْلُ: وَالْهَمْزُ تَعْيِيبُ الْإِنْسَانِ بِحُضُورِهِ، وَاللَّمْزُ تَعْيِيبُهُ بِغَيْبَتِهِ فَتَكُونُ هِيَ الْغِيبَةَ وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ. اهـ. أَيْ أَنَّ اللَّمْزَ تَعْيِيبُهُ بِحُضُورِهِ وَالْهَمْزُ تَعْيِيبُهُ بِغَيْبَتِهِ فَتَكُونُ هِيَ الْغِيبَةَ عَلَى مَا لِلْأَصْلِ نَظَرًا لِزِيَادَةِ إنْ سَمِعَ فِي حَدِيثِ تَفْسِيرِ الْغِيبَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَوَافَقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ كَالسَّيِّدِ الْجُرْجَانِيِّ فَقَالَ فِي تَعْرِيفَاتِهِ: الْغِيبَةَ ذِكْرُ مَسَاوِئِ الْإِنْسَانِ فِي غِيبَتِهِ، وَهِيَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَهِيَ بُهْتَانٌ، وَإِنْ وَاجَهَهُ بِهَا فَهُوَ شَتْمٌ. اهـ. بِلَفْظِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الزَّوَاجِرِ: عُلِمَ مِنْ خَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ أَيْ فِي تَفْسِيرِ الْغِيبَةِ بِدُونِ الزِّيَادَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأَصْلُ فِيهِ مَعَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ أَنَّ الْغِيبَةَ أَنْ تَذْكُرَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا عَلَى الْوَجْهِ بَلْ الصَّوَابُ مُعَيَّنًا لِلسَّامِعِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا بِمَا يَكْرَهُ أَنْ يُذْكَرَ بِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ بِحَضْرَتِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْأَخِ فِي الْخَبَرِ كَالْآيَةِ لِلْعَطْفِ، وَالتَّذْكِيرُ بِالسَّبَبِ الْبَاعِثِ عَلَى أَنَّ التَّرْكَ مُتَأَكِّدٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ وَأَعْظَمُ حُرْمَةً قَالَ: وَعَدَمُ الْفَرْقِ فِي الْغِيبَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ فِي غِيبَةِ الْمُغْتَابِ أَوْ بِحَضْرَتِهِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِي الْخَادِمِ: وَمِنْ الْمُهْتَمِّ بِهِ ضَابِطُ الْغِيبَةِ هَلْ هِيَ ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ فِي الْغِيبَةِ كَمَا يَقْتَضِيهِ اسْمُهَا، أَوْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغِيبَةِ وَالْحُضُورِ، وَقَدْ دَارَ هَذَا السُّؤَالُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ فُورَكٍ ذَكَرَ فِي مُشْكِلِ الْقُرْآنِ فِي تَفْسِيرِ الْحُجُرَاتِ ضَابِطًا حَسَنًا فَقَالَ: الْغِيبَةُ ذِكْرُ الْغَيْرِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ وَكَذَا قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِ الْغِيبَةِ: أَنْ تَذْكُرَ الْإِنْسَانَ مِنْ خَلْفِهِ بِسُوءٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ وَفِي الْمُحْكَمِ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا: وَاللَّمْزُ بِالْقَوْلِ وَغَيْرِهِ، وَالْهَمْزُ بِالْقَوْلِ فَقَطْ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْهَمْزَ بِالْعَيْنِ وَالشِّدْقِ وَالْيَدِ، وَاللَّمْزُ بِاللِّسَانِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَبَلَغَنِي عَنْ اللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ اللُّمَزَةُ الَّذِي يَعِيبُك فِي وَجْهِك، وَالْهُمَزَةُ الَّذِي يَعِيبُك بِالْغَيْبِ وَفِي الْإِحْيَاءِ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الْهُمَزَةُ الطَّعَّانُ فِي النَّاسِ وَاللُّمَزَةُ الَّذِي يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ. اهـ. الْمُرَادُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزُّهْدِ وَقَاعِدَةِ ذَاتِ الْيَدِ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزُّهْدِ وَقَاعِدَةِ ذَاتِ الْيَدِ) الزُّهْدُ فِي اللُّغَةِ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ ضِدُّ الرَّغْبَةِ تَقُولُ زَهِدَ فِيهِ وَزَهِدَ عَنْهُ مِنْ بَابِ سَلِمَ وَزَهِدَ أَيْضًا وَزَهَدَ يَزْهَدُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا
стр. 990
مِنْ جِهَةِ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّكْفِيرَ فِي مَوْتِ الْأَوْلَادِ وَنَحْوِهِمْ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ الْآلَامِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ فَقْدِ الْمَحْبُوبِ، فَإِنْ كَثُرَ كَثُرَ التَّكْفِيرُ، وَإِنْ قَلَّ قَلَّ التَّكْفِيرُ فَلَا جَرَمَ يَكُونُ التَّكْفِيرُ عَلَى قَدْرِ نَفَاسَةِ الْوَلَدِ فِي صِفَاتِهِ وَنَفَاسَتِهِ فِي بِرِّهِ وَأَحْوَالِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَكْرُوهًا يُسَرُّ بِفَقْدِهِ فَلَا كَفَّارَةَ بِفَقْدِهِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ ﵇ التَّكْفِيرَ بِمَوْتِ الْأَوْلَادِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ أَنَّهُ يُؤْلِمُ فَظَهَرَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُكَفِّرَاتِ وَأَسْبَابِ الْمَثُوبَاتِ بِهَذِهِ التَّقَادِيرِ وَالْمَبَاحِثِ، وَعَلَى هَذَا الْبَيَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ لِمُصَابٍ بِمَرَضٍ أَوْ فَقْدِ مَحْبُوبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: جَعَلَ اللَّهُ لَك هَذِهِ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةً؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ قَطْعًا وَالدُّعَاءُ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَقَدْ بَسَطْت هَذَا فِي كِتَابِ الْمُنْجِيَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ فِي الْأَدْعِيَةِ بَلْ يُقَالُ: اللَّهُمَّ عَظِّمْ لَهُ الْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ تَعْظِيمَهَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ بِخِلَافِ أَصْلِ التَّكْفِيرِ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ لَنَا بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يَجُوزُ طَلَبُهُ فَاعْلَمْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
مِنْ جِهَةِ مَجَازِ التَّشْبِيهِ)
قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمُصِيبَةَ لَا ثَوَابَ فِيهَا قَطْعًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ تَبَيَّنَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ الْعُمُومَاتِ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِتَعَيُّنِ حَمْلِهَا عَلَى الْخُصُوصِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ وَبِالظَّوَاهِرِ الْمُظَاهَرَةِ بِثُبُوتِ الْحَسَنَاتِ فِي الْآلَامِ وَشِبْهِهَا قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّ التَّكْفِيرَ فِي مَوْتِ الْأَوْلَادِ وَنَحْوِهِمْ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ الْآلَامِ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَكْرُوهًا يَسَّرَ بِفَقْدِهِ فَلَا كَفَّارَةَ بِفَقْدِهِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّكْفِيرَ بِمَوْتِ الْأَوْلَادِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ أَنَّهُ يُؤْلِمُ) .
قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ تَحَكُّمٌ بِتَقْيِيدِ كَلَامِ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَتَضْيِيقٌ لِبَابِ الرَّحْمَةِ الثَّابِتِ سِعَتُهُ قَالَ (فَظَهَرَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُكَفِّرَاتِ وَأَسْبَابِ الْمَثُوبَاتِ بِهَذِهِ التَّقَارِيرِ وَالْمَبَاحِثِ) قُلْت: لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ قَالَ (وَعَلَى هَذَا الْبَيَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: الْمُصَابُ بِمَرَضٍ أَوْ فَقْدِ مَحْبُوبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ لَك هَذِهِ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةً؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ قَطْعًا، وَالدُّعَاءُ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَقَدْ بَسَطْت هَذَا فِي كِتَابِ الْمُنْجِيَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ فِي الْأَدْعِيَةِ بَلْ يُقَالُ: اللَّهُمَّ عَظِّمْ لَهُ الْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ تَعْظِيمَهَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ بِخِلَافِ أَصْلِ التَّكْفِيرِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ لَنَا بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يَجُوزُ طَلَبُهُ فَاعْلَمْ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
زُهْدًا وَزَهَادَةً بِالْفَتْحِ لُغَةٌ فِيهِ، وَالتَّزَهُّدُ التَّعَبُّدُ وَالتَّزْهِيدُ ضِدُّ التَّرْغِيبِ، وَالْمُزْهِدُ بِوَزْنِ الْمُرْشِدِ الْقَلِيلُ الْمُحَالُ، وَفِي الْحَدِيثِ: «أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ مُزْهِدٌ» وَفِي تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ الزُّهْدُ لُغَةً تَرْكُ الْمَيْلِ إلَى الشَّيْءِ، وَفِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَقِّ هُوَ بُغْضُ الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَقِيلَ: هُوَ تَرْكُ رَاحَةِ الدُّنْيَا طَلَبًا لِرَاحَةِ الْآخِرَةِ وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَخْلُوَ قَلْبُك مِمَّا خَلَتْ مِنْهُ يَدُك. اهـ. وَقَالَ الْأَصْلُ: هُوَ عَدَمُ الِاحْتِفَالِ بِالدُّنْيَا وَالْأَمْوَالِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ لَا عَدَمُ الْمَالِ. اهـ. قُلْت: وَتَعْرِيفُهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَدَمِيًّا عَيْنُ التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ لَهُ فِي كَلَامِ الْجُرْجَانِيِّ، وَإِنْ كَانَ وُجُودِيًّا، وَقَرِيبٌ مِنْهُمَا التَّعْرِيفُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْجُرْجَانِيِّ وَذَاتُ الْيَدِ الْغَنِيُّ وَلَوْ لَمْ يَزْهَدْ عَمَّا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ فَبَيْنَ الزُّهْدِ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَصْلِ وَالْأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ وَبَيْنَ ذَاتِ الْيَدِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الزَّاهِدُ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَهُوَ زَاهِدٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَفِلٍ بِمَا فِي يَدِهِ، وَبَذْلُهُ الْأَمْوَالَ الْعَظِيمَةَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ بَذْلِ الْفَلْسِ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فَقِيرًا كَمَا أَنَّ ذَا الْيَدِ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ زَاهِدٍ، وَقَدْ يَكُونُ زَاهِدًا وَكَذَا بَيْنَ الزُّهْدِ وَبَيْنَ الْفَقْرِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ؛ لِأَنَّ الشَّدِيدَ الْفَقْرِ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ زَاهِدٍ بَلْ فِي غَايَةِ الْحِرْصِ لِأَجْلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ مِنْ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَبَيْنَ الزُّهْدِ بِالتَّعْرِيفِ الثَّالِثِ مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ وَبَيْنَ ذَاتِ الْيَدِ التَّبَايُنُ الْكُلِّيُّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَقْرِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ قَالَ الْأَصْلُ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ: وَالزُّهْدُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَاجِبٌ وَفِي الْوَاجِبَاتِ حَرَامٌ، وَفِي الْمَنْدُوبَاتِ مَكْرُوهٌ وَفِي الْمُبَاحَاتِ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً؛ لِأَنَّ الْمَيْلَ إلَيْهَا يُفْضِي إلَى ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ فَتَرْكُهَا مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ الْمَنْدُوبَةِ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزُّهْدِ وَقَاعِدَةِ الْوَرَعِ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزُّهْدِ وَقَاعِدَةِ الْوَرَعِ) وَهُوَ أَنَّ الزُّهْدَ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَصْلِ وَالْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ هَيْئَةٌ فِي الْقَلْبِ، وَعَلَى الثَّانِي مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، وَأَمَّا الْوَرَعُ فَفِي الْأَصْلِ هُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ الْبَأْسُ، وَفِي تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ هُوَ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَقِيلَ: هِيَ مُلَازَمَةُ الْأَعْمَالِ الْجَمِيلَةِ. اهـ. قُلْت: وَمَآلُ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْوَرَعَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ: ﵊ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» أَيْ سَلِمَ دِينُهُ وَعِرْضُهُ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْدِ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَصْلِ وَالْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ
стр. 991
ذَلِكَ فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُدَاهَنَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُدَاهَنَةِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ، وَقَدْ تَجِبُ)
اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْمُدَاهَنَةِ مُعَامَلَةُ النَّاسِ بِمَا يُحِبُّونَ مِنْ الْقَوْلِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أَيْ هُمْ يَوَدُّونَ لَوْ أَثْنَيْت عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ، وَيَقُولُونَ لَك مِثْلَ ذَلِكَ فَهَذِهِ مُدَاهَنَةٌ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ يَشْكُرُ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ أَوْ مُبْتَدِعًا عَلَى بِدْعَتِهِ أَوْ مُبْطِلًا عَلَى إبْطَالِهِ وَبَاطِلِهِ فَهِيَ مُدَاهَنَةٌ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ لِتَكْثِيرِ ذَلِكَ الظُّلْمِ وَالْبَاطِلِ مِنْ أَهْلِهِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّا لَنَشْكُرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ يُرِيدُ الظَّلَمَةَ وَالْفَسَقَةَ الَّذِينَ يُتَّقَى شَرُّهُمْ، وَيُتَبَسَّمُ فِي وُجُوهِهِمْ وَيُشْكَرُونَ بِالْكَلِمَاتِ الْحَقَّةِ فَإِنَّ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَفِيهِ صِفَةٌ تُشْكَرُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَنْحَسِ النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُ ذَلِكَ اسْتِكْفَاءً لِشَرِّهِ فَهَذَا قَدْ يَكُونُ مُبَاحًا، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا إنْ كَانَ يَتَوَصَّلُ بِهِ الْقَائِلُ لِدَفْعِ ظُلْمٍ مُحَرَّمٍ أَوْ مُحَرَّمَاتٍ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَيَكُونُ الْحَالُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا إنْ كَانَ وَسِيلَةً لِمَنْدُوبٍ أَوْ مَنْدُوبَاتٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا إنْ كَانَ عَنْ ضَعْفٍ لَا ضَرُورَةَ تَتَقَاضَاهُ بَلْ خَوْرٌ فِي الطَّبْعِ أَوْ يَكُونُ وَسِيلَةً لِلْوُقُوعِ فِي مَكْرُوهٍ فَانْقَسَمَتْ الْمُدَاهَنَةُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَظَهَرَ - حِينَئِذٍ - الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَاهَنَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَغَيْرِ الْمُحَرَّمَةِ، وَقَدْ شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الْمُدَاهَنَةَ كُلَّهَا مُحَرَّمَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْأَمْرُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
ذَلِكَ فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ الدُّعَاءِ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ أَيْ الْمَعْلُومِ الْحُصُولِ؛ إذْ ذَلِكَ مُرَادُهُ هُنَا، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ: إنَّ ذَلِكَ قِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَدْعُو لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِالْمَغْفِرَةِ» مَعَ الْعِلْمِ بِثُبُوتِهَا لَهُ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَدْعُوَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ، أَوْ يَدْعُوَ لَهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحُصُولِ شَرْطِ التَّكْفِيرِ وَالْغُفْرَانِ، وَهُوَ الْوَفَاةُ عَلَى الْإِيمَانِ.
وَجَمِيعُ مَا قَالَ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ، وَهُوَ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ الْحَادِي وَالسَّبْعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ صَحِيحٌ أَوْ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ التَّبَايُنُ الْكُلِّيُّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْدِ عَلَى الثَّانِي مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ الْمُتَقَدِّمِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ وَالزُّهْدُ هُوَ الْأَعَمُّ فَلْيُتَأَمَّلْ بِإِمْعَانٍ وَفِي الْعَزِيزِيِّ بَعْدَ مَا رَوَاهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَمَّا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا أُعْطِيت شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ إرْشَادٌ يَعْنِي انْتَفِعْ بِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الْمَبْذُولِ عِلْمُ حِلِّهِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْعَلْقَمِيِّ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ حِلَّهُ اُسْتُحِبَّ الْقَبُولُ وَإِنْ عَلِمَ حُرْمَتَهُ حَرُمَ الْقَبُولُ، وَإِنْ شَكَّ فَالِاحْتِيَاطُ رَدُّهُ، وَهُوَ الْوَرَعُ. اهـ. قَالَ الْحِفْنِيُّ: أَوْ مِنْ الشُّبْهَةِ لَكِنْ مَحِلُّهُ إنْ لَمْ يُعَارِضْهُ حُبُّ الثَّنَاءِ كَأَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ زَاهِدٌ لَا يَقْبَلُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ مَا فِيهِ شُبْهَةٌ حِينَئِذٍ أَخَّرَ مِنْ قَبُولِهِ اهـ وَفِي الْعَزِيزِيِّ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ قَرْضًا فَأَهْدَى إلَيْهِ طَبَقًا فَلَا يَقْبَلُهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّتِهِ فَلَا يَرْكَبُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» الْمُرَادُ أَهْدَى إلَيْهِ شَيْئًا أَوْ أَرَادَ أَنْ يُرْكِبَهُ دَابَّتَهُ أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَتَاعًا لَهُ فَلَا يَرْكَبُهَا أَيْ لَا يَسْتَعْمِلُهَا بِرُكُوبٍ وَلَا غَيْرِهِ قَالَ الْعَلْقَمِيُّ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنَزُّهِ وَالْوَرَعِ أَيْ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ (وَصْلٌ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
اخْتَلَفَ الْأَصْلُ وَابْنُ الشَّاطِّ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ هَلْ يُعَدُّ مِنْ الْوَرَعِ أَوْ لَا يُعَدُّ مِنْهُ فَذَهَبَ الْأَصْلُ إلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مِنْهُ، وَقَالَ: فَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِعْلٍ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ، أَوْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ مَعَ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ حَتَّى يُجْزِئَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ، أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ حَذَرًا مِنْ الْعِقَابِ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَفِعْلُ الْمَكْرُوهِ لَا يَضُرُّهُ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ أَمْ لَا فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ مُثْبِتٌ لِأَمْرٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ النَّافِي، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ، وَذَلِكَ كَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَمَالِكٌ يَقُولُ: لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: هِيَ مَشْرُوعَةٌ وَاجِبَةٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ لِتَيَقُّنِ الْخُلُوصِ مِنْ إثْمِ تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَى مَذْهَبِهِ وَكَالْبَسْمَلَةِ قَالَ مَالِكٌ: هِيَ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ وَاجِبَةٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْعِقَابُ مُتَوَقَّعٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا
стр. 992
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُحَرَّمِ وَقَاعِدَةِ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّذِي لَا يَحْرُمُ) وَرَدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ الْمَانِعَةِ مِنْ خَوْفِ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْجُمْهُورِ، وَهَذِهِ النُّصُوصُ مَحْمُولَةٌ عَلَى خَوْفِ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمَانِعِ مِنْ فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ أَوْ خَوْفٍ مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْخَوْفِ كَمَنْ يَتَطَيَّرُ بِمَا لَا يَخَافُ مِنْهُ عَادَةً كَالْعُبُورِ بَيْنَ الْغَنَمِ يُخَافُ لِذَلِكَ أَنْ لَا تُقْضَى حَاجَتُهُ بِهَذَا السَّبَبِ فَهَذَا كُلُّهُ خَوْفٌ حَرَامٌ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ قَلِيلٌ أَنْ يَتَفَطَّنَ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فَمَعْنَى هَذَا التَّشْبِيهِ فِي هَذِهِ الْكَافِ قَلَّ مَنْ يُحَقِّقُهُ، وَهُوَ قَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي سِيَاقِ الذَّمِّ وَالْإِنْكَارِ مَعَ أَنَّ فِتْنَةَ النَّاسِ مُؤْلِمَةٌ، وَعَذَابُ اللَّهِ مُؤْلِمٌ، وَمَنْ شَبَّهَ مُؤْلِمًا بِمُؤْلِمٍ كَيْفَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ هَذَا التَّشْبِيهَ وَمُدْرَكُ الْإِنْكَارِ بَيِّنٌ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَضَعَ عَذَابَهُ حَاثًّا عَلَى طَاعَتِهِ وَزَاجِرًا عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَمَنْ جَعَلَ أَذِيَّةَ النَّاسِ حَاثَّةً عَلَى طَاعَتِهِمْ فِي ارْتِكَابِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَزَاجِرَةً لَهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ عَذَابِ اللَّهِ وَفِتْنَةِ النَّاسِ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ وَشَبَّهَ الْفِتْنَةَ بِعَذَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالتَّشْبِيهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ حَرَامٌ قَطْعًا مُوجِبٌ لِلتَّحْرِيمِ وَاسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ فَأُنْكِرَ عَلَى فَاعِلِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ خَوْفِ غَيْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ سِرُّ التَّشْبِيهِ هَا هُنَا، وَقَدْ يَكُونُ الْخَوْفُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَيْسَ مُحَرَّمًا كَالْخَوْفِ مِنْ الْأُسُودِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالظُّلْمَةِ، وَقَدْ يَجِبُ الْخَوْفُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا أَمَرَنَا بِالْفِرَارِ مِنْ أَرْضِ الْوَبَاءِ وَالْخَوْفِ مِنْهَا عَلَى أَجْسَامِنَا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، وَفِي الْحَدِيثِ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ» فَصَوْنُ النَّفْسِ وَالْأَجْسَامِ وَالْمَنَافِعِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ عَنْ الْأَسْبَابِ الْمُفْسِدَةِ وَاجِبٌ، وَعَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ فَقِسْ يَظْهَرْ لَك مَا يَحْرُمُ مِنْ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَا لَا يَحْرُمُ وَحَيْثُ تَكُونُ الْخَشْيَةُ مِنْ الْخَلْقِ مُحَرَّمَةً وَحَيْثُ لَا تَكُونُ فَاعْلَمْ ذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَرَعَ إلَّا أَنْ تَقُولَ: إنَّ الْمُحَرَّمَ إذَا عَارَضَهُ الْوَاجِبُ قُدِّمَ عَلَى الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ رِعَايَةَ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ حُصُولِ الْمَصَالِحِ، وَهُوَ الْأَنْظَرُ فَيُقَدَّمُ الْمُحَرَّمُ هَا هُنَا فَيَكُونُ الْوَرَعُ التَّرْكَ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ فَلَا وَرَعَ لِتَسَاوِي الْجِهَتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمِ وَالْوَاجِبِ، وَيُمْكِنُ تَرْجِيحُ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ تَجْرِي قَاعِدَةُ الْوَرَعِ، وَهَذَا مَعَ تَقَارُبُ الْأَدِلَّةِ أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ ضَعِيفَ الدَّلِيلِ جِدًّا بِحَيْثُ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ لَمْ يَحْسُنْ الْوَرَعُ فِي مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ إذَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ شَرِيعَةً. اهـ. وَذَهَبَ الْإِمَامُ ابْنُ الشَّاطِّ إلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ لَا يُعَدُّ مِنْ الْوَرَعِ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ الشِّهَابُ لِوُجُوهٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) : أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَرَعَ فِي ذَلِكَ تَوَقُّعُ الْعِقَابِ، وَأَيُّ عِقَابٍ يُتَوَقَّعُ فِي ذَلِكَ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ دُونَ غَيْرِهِ فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى عَدَمِ تَأْثِيمِ الْمُخْطِئِ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ فَلَا يَصِحُّ دُخُولُ الْوَرَعِ فِي خِلَافِ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) : أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى دُخُولِ الْوَرَعِ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ تَوَقُّعِ الْإِثْمِ وَالْعِقَابِ وَذَلِكَ مُنْتَفٍ بِالدَّلِيلِ الْإِجْمَاعِيِّ الْقَطْعِيِّ
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) : كَيْفَ يَصِحُّ دُخُولُ الْوَرَعِ فِي ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» فَأَطْلَقَ الْقَوْلَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَلَا تَفْصِيلٍ، وَلَا تَنْبِيهٍ عَلَى وَجْهِ الْوَرَعِ فِي ذَلِكَ
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ التَّنْبِيهُ فِي ذَلِكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْنِي الصَّحَابَةَ ﵃، وَلَا غَيْرَهُمْ مِنْ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ (الْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْخِلَافِ لَا يَتَأَتَّى فِي مِثْلِ مَا مَثَّلَ بِهِ الشِّهَابُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَالِانْكِفَافِ عَنْهُ، فَإِنْ أَقْدَمَ الْمُكَلَّفُ فَقَدْ وَافَقَ مَذْهَبَ الْمُحَلِّلِ، وَإِنْ انْكَفَّ عَنْهُ فَقَدْ وَافَقَ مَذْهَبَ الْمُحَرِّمِ، فَأَيْنَ الْخُرُوجُ عَنْ الْخِلَافِ إنَّمَا ذَلِكَ عَمَلٌ عَلَى وَفْقِ أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ لَا خُرُوجٌ عَنْ الْمَذْهَبَيْنِ، وَمِثَالُهُ أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَمْنُوعٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى الْأَكْلِ فَذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ انْكَفَّ فَذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ قَالَ: وَمَا قَالَهُ فِيمَا إذَا اخْتَلَفُوا لَنَا فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَعَدَمِهَا مِنْ أَنَّ الْقَائِلَ بِهَا مُثْبِتٌ لِأَمْرٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الثَّانِي، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ إنْ عَنَى بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ كَمَا إذَا قَالَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دَيْنًا وَقَالَتْ الْأُخْرَى: لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلَا تَعَارُضَ؛ لِأَنَّ النَّافِيَةَ مَعْنَى نَفْيِهَا أَنَّهَا لَا تَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَيْئًا أَوْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلَا تَعَارُضَ.
وَلَيْسَ نَفْيُهَا أَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهُ
стр. 993
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّطَيُّرِ وَقَاعِدَةِ الطِّيَرَةِ وَمَا يَحْرُمُ مِنْهُمَا وَمَا لَا يَحْرُمُ)
فَالتَّطَيُّرُ هُوَ الظَّنُّ السَّيِّئُ الْكَائِنُ فِي الْقَلْبِ، وَالطِّيَرَةُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُرَتَّبُ عَلَى هَذَا الظَّنِّ مِنْ فِرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ» وَلِأَنَّهَا مِنْ بَابِ سُوءِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى، وَلَا يَكَادُ الْمُتَطَيِّرُ يَسْلَمُ مِمَّا تَطَيَّرَ مِنْهُ إذَا فَعَلَهُ، وَغَيْرُهُ لَا يُصِيبُهُ مِنْهُ بَأْسٌ، وَسَأَلَ بَعْضُ الْمُتَطَيِّرِينَ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ لَهُ: إنَّنِي لَا أَتَطَيَّرُ فَلَا يَنْخَرِمُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَقَعُ الضَّرَرُ بِي وَغَيْرِي يَقَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ السَّبَبِ فَلَا يَجِدُ مِنْهُ ضَرَرًا، وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَهَلْ لِهَذَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ قَوْلُهُ ﷺ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى -: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ فَلْيَظُنَّ بِي خَيْرًا وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُؤْذِيَك عِنْدَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي تَطَيَّرْت مِنْهُ فَتُسِيءُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ فَيُقَابِلُك اللَّهُ عَلَى سُوءِ ظَنِّك بِهِ بِإِذَايَتِكَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي تَطَيَّرْت بِهِ، وَغَيْرُك لَا يُسِيءُ ظَنَّهُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يُعَاقِبُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فَلَا يَتَضَرَّرُ ثُمَّ هَذَا الْمَقَامُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْقِيقٍ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ خَافَ الْهَلَاكَ عِنْدَ مُلَاقَاةِ السَّبُعِ لَمْ يَحْرُمْ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ فِي الْغَالِبِ قِسْمَانِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ مُؤْذٍ كَالسَّمُومِ وَالسِّبَاعِ وَالْوَبَاءِ وَمُعَادَاةِ النَّاسِ وَالتُّخْمِ وَأَكْلِ الْأَغْذِيَةِ الثَّقِيلَةِ الْمُنَفِّخَةِ عِنْدَ ضُعَفَاءِ الْمَعِدَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْخَوْفُ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَيْسَ حَرَامًا؛ لِأَنَّهُ خَوْفٌ عَنْ سَبَبٍ مُحَقَّقٍ فِي مَجَارِي الْعَادَةِ، وَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ الْقَبَسِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا عَدْوَى» مَحْمُولٌ عَلَى بَعْضِ الْأَمْرَاضِ بِدَلِيلِ تَحْذِيرِهِ ﵇ مِنْ الْوَبَاءِ وَالْقُدُومِ عَلَى بَلَدٍ هُوَ فِيهِ.
وَهَذَا حَقٌّ فَإِنَّ عَوَائِدَ اللَّهِ إذَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ كَمَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَاءَ مُرْوٍ وَالْخُبْزَ مُشْبِعٌ وَالنَّارَ مُحْرِقَةٌ وَقَطْعَ الرَّأْسِ مُمِيتٌ وَمَنْعَ النَّفَسِ مُمِيتٌ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ كَانَ خَارِجًا عَنْ نَمَطِ الْعُقَلَاءِ، وَمَا سَبَبُهُ إلَّا جَرَيَانُ الْعَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي الْعَادَةِ أَكْثَرِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا نَحْوُ كَوْنِ الْمَحْمُودَةِ مُسَهِّلَةً وَالْآسِ قَابِضًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ فَإِنَّ اعْتِقَادَهَا حَسَنٌ مُتَعَيِّنٌ مَعَ عَدَمِ اطِّرَادِهَا بَلْ لِكَوْنِهَا أَكْثَرِيَّةً فَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أَنَّ الَّذِي يَحْرُمُ التَّطَيُّرُ فِيهِ هُوَ الْقِسْمُ الْخَارِجُ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ، وَهُوَ مَا لَمْ تَجْرِ عَادَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهِ فِي حُصُولِ الضَّرَرِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يَتَعَذَّرُ الْعِلْمُ بِهِ عَادَةً، وَإِنْ عَنَى كَمَا إذَا قَالَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ رَأَيْنَاهُ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ عَامِ سَبْعِمِائَةٍ بِمَكَّةَ وَقَالَتْ الْأُخْرَى: رَأَيْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ بِالْمَدِينَةِ فَهَذَا تَعَارُضٌ، وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى إلَّا بِالتَّرْجِيحِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الَّتِي تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا الصُّورَةُ الْأُولَى، فَإِذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي مِثْلِ هَذَا الِاجْتِهَادِ ثَبَتَ الْخِلَافُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ لِأَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إلَّا عِنْدَ مَنْ رَجَحَ عِنْدَهُ كَالْمُجْتَهِدِينَ، وَكُلُّ مَنْ رَجَحَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ لَا يَسُوغُ لَهُ تَرْكُهُ فَلَا وَرَعَ بِاعْتِبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا بُدَّ لِمَنْ حُكْمُهُ التَّقْلِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِالتَّقْلِيدِ، فَإِذَا قَلَّدَ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَتَمَكَّنُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَفِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ أَنْ يُقَلِّدَ الْآخَرَ، وَلَا أَنْ يَنْظُرَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ دَائِرُونَ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ، وَالْمُجْتَهِدُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَخْذِ بِغَيْرِ مَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ، وَالْمُقَلِّدُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَخْذِ بِاَلَّذِي يَقْتَضِي خِلَافَ مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ فِي حَقِّهِ فَلَا يَصِحُّ الْوَرَعُ الَّذِي يَقْتَضِي خِلَافَ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فِي حَقِّهِ وَخِلَافَ مَذْهَبِ الْمُقَلِّدِ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْوَرَعِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِينَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَالِثَ يَصِحُّ ذَلِكَ الْوَرَعُ فِي حَقِّهِ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَلُزُومُ عَمَلِ الْمُجْتَهِدِ، وَمُقَلِّدِهِ عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَى اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ كَمَا يَمْنَعُ حُصُولُ الْوَرَعِ فِي اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ؛ إذْ يَتَعَيَّنُ الْفِعْلُ فِي الْأَوَّلِ.
وَالتَّرْكُ فِي الثَّانِي كَذَلِكَ يَمْنَعُ حُصُولُهُ فِي اخْتِلَافِهَا بِالْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالتَّحْلِيلِ أَوْ بِالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ حَتَّى عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ مُشْتَرَكَةٌ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ وَالِاثْنَانِ مُشْتَرَكَانِ فِي رُجْحَانِ التَّرْكِ وَأَنَّ تَوَهُّمَ صِحَّةِ ذَلِكَ ضَرُورَةَ أَنَّ اللُّزُومَ الْمَذْكُورَ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ فِي الْمُقَلِّدِ: إنَّهُ يَسُوغُ لَهُ تَقْلِيدُ أَحَدِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ مَثَلًا لَا بِعَيْنِهِ، وَيَفْعَلُ الْفِعْلَ بِنِيَّةِ التَّفْوِيضِ لَكِنْ لَا أَعْرِفُهُ لِأَحَدٍ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا قَالَ: وَمَا وَجَّهَ بِهِ الشِّهَابُ تَسْوِيغَ تَقْلِيدِ أَحَدِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ مَثَلًا مِنْ أَنَّ مُقَلِّدَ الشَّافِعِيِّ يَعْتَقِدُ فِي مَسْحِ رَأْسِهِ كُلِّهِ النَّدْبَ عَلَى رَأْيِ الشَّافِعِيِّ وَالْوُجُوبَ عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ النَّدْبُ وَالْوُجُوبُ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ أَضْدَادًا لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا اتَّحَدَ الْمُتَعَلَّقُ، وَالْإِضَافَةُ مَعَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ أَمَّا اتِّحَادُ الْمَحَلِّ فَقَطْ مَعَ اخْتِلَافِ الْإِضَافَةِ كَمَا هُنَا فَإِنَّهُ كَمَا عَلِمْت اعْتَقَدَ مَسْحَ الرَّأْسِ وَاجِبًا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَنْدُوبًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَلَا يُمْنَعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي ذِهْنِهِ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ وَالْإِضَافَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ زَيْدًا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَبٌ لِعَمْرٍو، وَلَيْسَ أَبًا لِخَالِدٍ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ
стр. 994
مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ فَإِذَا عَرَضَ التَّطَيُّرُ حَصَلَ بِهِ الضَّرَرُ عُقُوبَةً لِمَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فِيهِ وَاعْتَقَدَ فِي مِلْكِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَصَرُّفِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ مَعَ سُوءِ الظَّنِّ بِهِ وَهَذَا الْقِسْمُ كَشَقِّ الْأَغْنَامِ وَالْعُبُورِ بَيْنَ الْغَنَمِ وَشِرَاءِ الصَّابُونِ يَوْمَ السَّبْتِ وَنَحْوِ هَذَا مِنْ هَذَيَانِ الْعَوَامّ الْمُتَطَيِّرِينَ فَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الْحَرَامُ الْمَخُوفُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَمِنْ الْأَشْيَاءِ مَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ.
وَلَمْ يَتَمَحَّضْ كَالْعَدْوَى فِي بَعْضِ الْأَمْرَاضِ وَنَحْوِهِ فَالْوَرَعُ تَرْكُ الْخَوْفِ مِنْهُ حَذَرًا مِنْ الطِّيَرَةِ وَمِنْ ذَلِكَ الشُّؤْمُ الْوَارِدُ فِي الْأَحَادِيثِ فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ ﵇ «إنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ الدَّارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْفَرَسُ» وَفِي بَعْضِهَا «إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ - كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - إنْ كَانَ النَّاسُ يَعْتَقِدُونَ الشُّؤْمَ فَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ أَوْ إنْ كَانَ الشُّؤْمُ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَفِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَقِيلَ: أَخْبَرَ ﵇ بِذَلِكَ أَوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ وَاقِعًا فِي الثَّلَاثِ؛ فَلِذَلِكَ أَجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ وَجَزَمَ كَمَا «قَالَ ﵇ فِي الدَّجَّالِ إنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ فَالْمَرْءُ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ ثُمَّ أَخْبَرَ» ﵇ أَنَّ الدَّجَّالَ إنَّمَا يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَأَخْبَرَ بِالدَّجَّالِ أَوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مُفَصَّلًا عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَ الْوَحْيُ بِهِ، وَكَذَلِكَ «سُئِلَ ﵇ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ مُسِخَتْ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ» أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَمْ يَعْقُبْ فَقَدْ أَخْبَرَ بِالْمَسْخِ أَوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مُفَصَّلًا، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي السُّنَّةِ فَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَبِهَا يَحْصُلُ لَك الْجَمْعُ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يُجْرِيَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَادَتَهُ بِجَعْلِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَحْيَانًا سَبَبًا لِلضَّرَرِ فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﵇ «قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا، وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ، وَالْمَالُ وَافِرٌ فَقَلَّ الْعَدَدُ وَذَهَبَ الْمَالُ فَقَالَ ﷺ دَعُوهَا ذَمِيمَةً» وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إنَّمَا تَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَقْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الثَّلَاثِ قَالَ الْبَاجِيَّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَادَةً، وَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ ﵇ «لَا عَدْوَى، وَلَا هَامَ، وَلَا صَفَرَ» ، وَلَا يَحُلُّ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ وَلْيَحِلَّ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ قَالَ الْبَاجِيَّ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: لَا يُعْدِي مَرِيضٌ مَرِيضًا خِلَافًا لِمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُهُ فَبَيَّنَ ﵇ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَا هَامَةَ قَالَ مَالِكٌ: مَعْنَاهُ لَا تَطَيُّرَ بِالْهَامَةِ كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: إذَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
النَّقِيضَانِ بِاعْتِبَارِ إضَافَتَيْنِ. اهـ. فَهُوَ وَإِنْ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ التَّنَاقُضَ وَالتَّضَادَّ لَا يَتَحَقَّقَانِ إلَّا بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ، وَالْمُتَعَلَّقِ وَالْإِضَافَةِ لَا صِحَّةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ اشْتِرَاطُ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِي التَّنَاقُضِ وَالتَّضَادِّ صَحِيحًا، وَذَلِكَ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ وَمُقَلِّدَهُ مُوَافَقَةُ اجْتِهَادِهِ فِي عَمَلِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَعَلَى مُقَلِّدِهِ مُخَالَفَتُهُ فَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ الْوَرَعَ لَا يُدْخِلُ فِي مَسْحِ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا جَمِيعَ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ فَقَدْ تَرَكَ النَّدْبَ فَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ بَلْ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَقَطْ.
وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الْوُجُوبَ لَمْ يُجْزِهِ الْمَسْحُ إلَّا بِنِيَّةِ النَّدْبِ فَمَا حَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيُّ إذَا بَسْمَلَ وَكُلُّ مَوْضِعٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ. اهـ. وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْوَرَعِ فِي مَسْحِ الشَّافِعِيِّ جَمِيعَ رَأْسِهِ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
قَالَ الْأَصْلُ الْوَرَعُ فِي تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا مَالِكًا فِي تَدَلُّكِهِ فِي غُسْلِهِ، وَفِي مَسْحِهِ جَمِيعَ رَأْسِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ صِحَّةَ الْعِبَادَةِ، وَإِنْ اعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَالِكِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إذَا لَمْ يَتَدَلَّك فِي غُسْلِهِ أَوْ لَمْ يَمْسَحْ جَمِيعَ رَأْسِهِ وَنَحْوِهِ، وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ مَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ إذَا لَمْ يُبَسْمِلْ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ وَالْوَرَعَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِصَوْنِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا عَنْ الْبُطْلَانِ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ بَلْ عِبَادَةُ كُلِّ مُقَلِّدٍ لِإِمَامٍ مُعْتَبَرٍ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يُجْمِعْ كُلُّ فَرِيقٍ مَعَ خَصْمِهِ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّقْلِيدِ الْمُعْتَبَرِ بَلْ كَانَ الْمَالِكِيُّ مَثَلًا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ وَبِالْعَكْسِ لَكَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ عِنْدَ الْأُخْرَى مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِسْقًا لِتَرْكِهَا الصَّلَاةَ طُولَ عُمْرِهَا وَلَا تَقْبَلُ لَهَا شَهَادَةً وَتُجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامَ الْفُسَّاقِ أَبَدَ الدَّهْرِ وَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي الْفِرَقِ كُلِّهَا مِنْ جِهَةِ مُخَالِفِهَا، وَهَذَا فَسَادٌ عَظِيمٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بَلْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمِيعُ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَعْدَلِ النَّاسِ، وَلَا يَقُولُ بِفِسْقِ أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا مُنَافِقٌ مَارِقٌ مِنْ الدِّينِ. اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَرَعَ مَا فَائِدَتُهُ وَكَيْفَ يُشْرَعُ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الْعِبَادَةُ الْوَاقِعَةُ صَحِيحَةً.
وَلَا يَصِحُّ دَفْعُ الشِّهَابُ لَهُ بِأَنَّ فَائِدَةَ الْوَرَعِ وَسَبَبَ مَشْرُوعِيَّتِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ أَدِلَّةِ الْمُخْتَلِفِينَ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَى كُلِّ دَلِيلٍ فَلَا يَبْقَى فِي النُّفُوسِ تَوَهُّمٌ أَنَّهُ قَدْ أَهْمَلَ دَلِيلًا لَعَلَّ مُقْتَضَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ فَبِالْجَمْعِ يَنْتَفِي ذَلِكَ فَأَثَرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي جَمِيعِ مُقْتَضَيَاتِ الْأَدِلَّةِ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَالتَّصَرُّفِ. اهـ. إذْ كَيْفَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ مُقْتَضَى دَلِيلَيْنِ مُوجِبٌ وَمُحَرِّمٌ، وَأَحَدُهُمَا يَقْتَضِي لُزُومَ الْفِعْلِ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي لُزُومَ التَّرْكِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَمْرِ الْوَاحِدِ مُحَالٌ، وَلَا يُغْنِي فِي ذَلِكَ اعْتِقَادُ اخْتِلَافِ الْإِضَافَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَامَيْنِ اهـ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ هَلْ يَدْخُلُ الْوَرَعُ وَالزُّهْدُ فِي الْمُبَاحَاتِ أَمْ لَا]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ)
قَالَ الْأَصْلُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ فِي دُخُولِ الْوَرَعِ وَالزُّهْدِ فِي الْمُبَاحَاتِ وَعَدَمِ
стр. 995
وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ إذَا قُتِلَ أَحَدٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ طَائِرٌ لَا يَزَالُ يَقُولُ اسْقُونِي حَتَّى يَقْتُلَ قَاتِلَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْخَبَرُ نَهْيًا وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ تَكْذِيبًا، وَلَا صَفَرَ هُوَ النَّسِيءُ الَّتِي كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُحَرِّمُ فِيهِ صَفَرَ لِتُبِيحَ بِهِ الْمُحَرَّمَ وَقِيلَ: كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ: هُوَ دَاءٌ فِي الْجَوْفِ يَقْتُلُ قَالَ ﵇ لَا يَمُوتُ إلَّا بِأَجَلِهِ وَالْمُمْرِضُ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ الْمَرِيضَةِ وَالْمُصِحُّ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ الصَّحِيحَةِ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ وَمَعْنَى الْمُمْرِضِ الْمُصِحِّ بِإِيرَادِ مَاشِيَةٍ عَلَى مَاشِيَةٍ فَيُؤْذِيهِ بِذَلِكَ فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ «لَا عَدْوَى» وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ الْمَجْذُومُ مَحَلَّ الصَّحِيحِ مَعَهُ يُؤْذِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي فَالنَّفْسُ تَكْرَهُهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الضَّرَرِ لَا مِنْ الْعَدْوَى وَقِيلَ: هُوَ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا عَدْوَى»
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الطِّيَرَةِ، وَقَاعِدَةِ الْفَأْلِ الْحَلَالِ الْمُبَاحِ وَالْفَأْلِ الْحَرَامِ)
أَمَّا التَّطَيُّرُ وَالطِّيَرَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ حَقِيقَتُهُمَا وَأَحْكَامُهُمَا، وَأَمَّا الْفَأْلُ فَهُوَ مَا يُظَنُّ عِنْدَهُ الْخَيْرُ عَكْسُ الطِّيَرَةِ وَالتَّطَيُّرِ غَيْرَ أَنَّهُ تَارَةً يَتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ، وَتَارَةً لِلشَّرِّ وَتَارَةً مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا فَالْمُتَعَيِّنُ لِلْخَيْرِ مِثْلُ الْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ يَسْمَعُهَا الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ نَحْوُ يَا فَلَّاحُ يَا مَسْعُودُ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ حَتَّى مَتَى سَمِعَ اسْتَبْشَرَ الْقَلْبُ فَهَذَا فَأْلٌ حَسَنٌ مُبَاحٌ مَقْصُودٌ وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﵇ حَوَّلَ أَسْمَاءَ مَكْرُوهَةً مِنْ أَقْوَامٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِأَسْمَاءٍ حَسَنَةٍ فَهَذَانِ الْقِسْمَانِ هُمَا الْفَأْلُ الْمُبَاحُ وَعَلَيْهِمَا يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ: «إنَّهُ ﵇ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ» وَأَمَّا الْفَأْلُ الْحَرَامُ فَقَدْ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ إنَّ أَخْذَ: الْفَأْلِ مِنْ الْمُصْحَفِ وَضَرْبَ الرَّمْلِ وَالْقُرْعَةِ وَالضَّرْبِ بِالشَّعِيرِ وَجَمِيعَ هَذَا النَّوْعِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ.
وَالْأَزْلَامُ أَعْوَادٌ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَكْتُوبٌ عَلَى أَحَدِهِمَا افْعَلْ وَعَلَى الْآخَرِ لَا تَفْعَلْ وَعَلَى الْآخَرِ غُفْلٌ فَيَخْرُجُ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ وَجَدَ عَلَيْهِ افْعَلْ أَقْدَمَ عَلَى حَاجَتِهِ الَّتِي يَقْصِدُهَا أَوْ لَا تَفْعَلْ أَعْرَضَ عَنْهَا وَاعْتَقَدَ أَنَّهَا ذَمِيمَةٌ، أَوْ خَرَجَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ غُفْلٌ أَعَادَ الضَّرْبَ فَهُوَ يَطْلُبُ قَسْمَهُ مِنْ الْغَيْبِ بِتِلْكَ الْأَعْوَادِ فَهُوَ اسْتِقْسَامٌ أَيْ طَلَبُ الْقَسْمِ الْجَيِّدِ يَتْبَعُهُ، وَالرَّدِيءِ يَتْرُكُهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَخَذَ الْفَأْلَ مِنْ الْمُصْحَفِ أَوْ غَيْرِهِ إنَّمَا يَعْتَقِدُ هَذَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
دُخُولِهَا فِيهَا خِلَافٌ وَقَعَ فِي أَوَّلِ الْعَصْرِ الَّذِي أَدْرَكْته يَعْنِي أَوَائِلَ الْقَرْنِ السَّابِعِ فَادَّعَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَضَيَّقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَكْثَرُوا التَّشْنِيعَ فَقَالَ الْأَبْيَانِيُّ فِي مُصَنَّفِهِ: لَا يَدْخُلُ الْوَرَعُ فِيهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ سَوَّى بَيْنَ طَرَفَيْهَا، وَالْوَرَعُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَالنَّدْبُ مَعَ التَّسْوِيَةِ مُتَعَذِّرٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ الْحِمْيَرِيُّ: يَدْخُلُ الْوَرَعُ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى الزُّهْدِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وَغَيْرُهُ مِنْ النُّصُوصِ وَكُلٌّ مِنْ الشَّيْخَيْنِ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ؛ إذْ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي الْكَلَامِ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُبَاحَاتِ لَا زُهْدَ فِيهَا، وَلَا وَرَعَ فِيهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مُبَاحَاتٌ، وَفِيهَا الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الِاسْتِكْثَارَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ يَحُوجُ إلَى كَثْرَةِ الِاكْتِسَابِ الْمُوقِعِ فِي الشُّبُهَاتِ بَلْ قَدْ يُوقِعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَكَثْرَةُ الْمُبَاحَاتِ أَيْضًا تَقْضِي إلَى بَطَرِ النُّفُوسِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْعَبِيدِ وَالْخَيْلِ وَالْخَوَلِ وَالْمَسَاكِنِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَآكِلِ الشَّهِيَّةِ وَالْمَلَابِسِ اللَّيِّنَةِ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ صَاحِبُهَا مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ مَوْقِفِ الْعُبُودِيَّةِ، وَعَنْ التَّضَرُّعِ لِعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْفُقَرَاءُ أَهْلُ الْحَاجَاتِ وَالْفَاقَاتِ وَالضَّرُورَاتِ، وَمَا يَلْزَمُ قُلُوبَهُمْ مِنْ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ لِذِي الْجَلَالِ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ مِنْ نَوَالِهِ وَفَضْلِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الضَّرُورَاتِ تَبْعَثُ عَلَى ذَلِكَ قَهْرًا، وَالْأَغْنِيَاءُ بَعِيدُونَ عَنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ فَدُخُولُ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ فِي الْمُبَاحَاتِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُبَاحَاتٌ، وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْأُولَى فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فَلَوْ كَانَ النُّمْرُودُ فَقِيرًا حَقِيرًا مُبْتَلًى بِالْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ لَمْ يَحْتَدَّ نَفْسَهُ إلَى مُنَازَعَةِ إبْرَاهِيمَ وَدَعْوَاهُ الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ وَتَعَرُّضِهِ لِإِحْرَاقِ إبْرَاهِيمَ ﵇ بِالنِّيرَانِ، وَإِنَّمَا وَصَلَ إلَى هَذِهِ الْمَعَاطِبِ وَالْمَهَالِكِ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَلِكٌ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْكُفَّارِ ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اتِّبَاعَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْمُبَادِرِينَ إلَى تَصْدِيقِهِمْ إنَّمَا هُمْ الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ وَأَنَّ أَعْدَاءَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمُعَانِدَيْهِمْ إنَّمَا هُمْ الْأَغْنِيَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] .
وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: ٣٤] وَلَمْ يَقُلْ إلَّا قَالَ فُقَرَاؤُهَا فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي خَلْقِهِ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ فِي هَذِهِ الدَّارِ هُمْ الْأَقَلُّونَ فِي تِلْكَ الدَّارِ، وَأَنَّ الْأَقَلِّينَ فِي هَذِهِ
стр. 996
الْمَقْصِدَ إنْ خَرَجَ جَيِّدًا اتَّبَعَهُ أَوْ رَدِيئًا اجْتَنَبَهُ فَهُوَ عَيْنُ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ الَّذِي وَرَدَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ فَيَحْرُمُ، وَمَا رَأَيْته حَكَى فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ الَّذِي هُوَ مُبَاحٌ أَنَّ هَذَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالْأَوَّلُ مُتَعَيِّنٌ لِلْخَيْرِ فَهُوَ يَبْعَثُ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - فَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْخَيْرِ، وَالثَّانِي بِصَدَدِ أَنْ يُبَيِّنَ سُوءَ الظَّنِّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - فَحَرُمَ لِذَلِكَ، وَهُوَ يَحْرُمُ لِسُوءِ الظَّنِّ بِغَيْرِ سَبَبٍ تَقْتَضِيهِ عَادَةٌ فَيَلْحَقُ بِالطِّيَرَةِ فَهَذَا هُوَ تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّطَيُّرِ وَالْفَأْلِ الْمُبَاحِ وَالْفَأْلِ الْحَرَامِ
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي تَجُوزُ تَعْبِيرُهَا وَقَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي لَا يَجُوزُ تَعْبِيرُهَا)
قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ تَقُولُ الْعَرَبُ: رَأَيْت رُؤْيَةً إذَا عَايَنْت بِبَصَرِك، وَرَأَيْت رَأْيًا إذَا اعْتَقَدْت بِقَلْبِك، وَرَأَيْت رُؤْيَا بِالْقَصْرِ إذَا عَايَنْت فِي مَنَامِك، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْيَقَظَةِ.
(قُلْت:) قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فِي الْيَقَظَةِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ: الرُّؤْيَا ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ سَبْعَةٌ مِنْهَا لَا تُعَبِّرُ، وَوَاحِدَةٌ فَقَطْ تُعَبِّرُ، وَالسَّبْعَةُ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا نَشَأَتْ عَنْ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ الْغَالِبَةِ عَلَى مِزَاجِ الرَّائِي فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ خَلْطٌ رَأَى مَا يُنَاسِبَهُ فَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ السَّوْدَاءُ رَأَى الْأَلْوَانَ السُّودَ وَالْأَشْيَاءَ الْمُحَرَّقَةَ وَالطُّعُومَ الْحَامِضَةَ؛ لِأَنَّهُ طَعْمُ السَّوْدَاءِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الطِّبِّيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى غَلَبَةِ ذَلِكَ الْخَلْطِ عَلَى ذَلِكَ الرَّائِي، وَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الصَّفْرَاءُ رَأَى الْأَلْوَانَ الصُّفْرَ وَالطُّعُومَ الْمُرَّةَ وَالسَّمُومَ وَالْحَرُورَ وَالصَّوَاعِقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ يَرَى الْأَلْوَانَ الْحُمْرَ وَالطُّعُومَ الْحُلْوَةَ وَأَنْوَاعَ الطَّرَبِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مُفْرِحٌ حُلْوٌ، وَالصَّفْرَاءُ مُسَخِّنَةٌ مُرَّةٌ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْبَلْغَمُ رَأَى الْأَلْوَانَ الْبِيضَ وَالْأَمْطَارَ وَالْمِيَاهَ وَالثَّلْجَ (الْقِسْمُ الْخَامِسُ) مَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ بِجَوَلَانِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَكَثْرَةِ الْفِكْرِ فِيهِ فَيَسْتَوْلِي عَلَى النَّفْسِ فَتَتَكَيَّفُ بِهِ فَيَرَاهُ فِي النَّوْمِ (الْقِسْمُ السَّادِسُ) مَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَيُعْرَفُ بِكَوْنِهِ فِيهِ حَثٌّ عَلَى أَمْرٍ تُنْكِرُهُ الشَّرِيعَةُ أَوْ بِأَمْرٍ مَعْرُوفٍ جَائِزٍ غَيْرَ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَمْرٍ مُنْكَرٍ كَمَا إذَا أَمَرَهُ بِالتَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ فَتَضِيعُ عَائِلَتُهُ أَوْ يَعُقَّ بِذَلِكَ أَبَوَيْهِ (الْقِسْمُ السَّابِعُ) مَا كَانَ فِيهِ احْتِلَامٌ (الْقِسْمُ الثَّامِنُ) هُوَ الَّذِي يَجُوزُ تَعْبِيرُهُ، وَهُوَ مَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ، وَهُوَ مَا يَنْقُلُهُ مَلَكُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الدَّارِ هُمْ الْأَكْثَرُونَ فِي تِلْكَ الدَّارِ فَهَذَا وَجْهُ مَا كَانَ السَّلَفُ يَعْتَمِدُونَهُ فِي دُخُولِ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَهُوَ وَجْهُ لُزُومِ الذَّمِّ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّوَكُّلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَرْكِ الْأَسْبَابِ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّوَكُّلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَرْكِ الْأَسْبَابِ) ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِكَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ فِي عِلْمِ الرَّقَائِقِ وَهُمَا هَلْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ تَلَازُمٌ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ التَّوَكُّلُ إلَّا مَعَ تَرْكِ الْأَسْبَابِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَغَيْرُهُ وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَوْ أَنَّهُ مَا بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ أَوْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَتَرْكِ الْأَسْبَابِ، وَلَا هُوَ هُوَ أَيْ بَلْ التَّوَكُّلُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ تَرْكِ الْأَسْبَابِ فَافْهَمْ.
وَهَذَا قَوْلُ آخَرِينَ قَالَ الْأَصْلُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِيمَا يَجْلِبُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ يَدْفَعُهُ مِنْ ضُرٍّ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ مُلَابَسَةِ الْأَسْبَابِ أَوْ مَعَ عَدَمِ مُلَابَسَتِهَا نَعَمْ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ، وَالْأَحْسَنُ مُلَابَسَةُ الْأَسْبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ لِلْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ أَمَّا الْمَنْقُولُ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ أَمَرَ بِمُلَابَسَةِ أَسْبَابٍ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْحَذَرِ مِنْ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] فَأَمَرَ بِالِاسْتِعْدَادِ وَقَدْ أَمَرَ بِاكْتِسَابِ التَّحَرُّزِ مِنْ الشَّيْطَانِ كَمَا يُتَحَرَّزُ مِنْ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أَيْ تَحَرَّزُوا مِنْهُ مَعَ الْأَمْرِ بِالتَّوَكُّلِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] وَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ. وَيَقُولُ مَنْ يَعْصِمُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي» وَكَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنْ الْعَدُوِّ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وَدَخَلَ مَكَّةَ مُظَاهِرًا بَيْنَ دِرْعَيْنِ مِنْ الْحَدِيدِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ وَكَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَأَكْمَلِ أَحْوَالِهِ مَعَ رَبِّهِ - تَعَالَى - يَدَّخِرُ قُوتَ سَنَةٍ لِعِيَالِهِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» أَيْ شُدَّ رُكْبَةَ نَاقَتِك مَعَ ذِرَاعِهَا بِحَبْلٍ وَاعْتَمِدْ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ عَقْلَهَا لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ قَالَ الْعَزِيزِيُّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَسَبَبُهُ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ» فَذَكَرَهُ. اهـ.
قَالَ الْأَصْلُ: وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَظِيمَ إذَا كَانَتْ لَهُ جَمَاعَةٌ عَوَّدَهُمْ بِأَيَّامٍ لَا يَحْسُنُ إلَّا فِيهَا وَبِأَمْكِنَةٍ لَا يَدْفَعُ إلَّا فِيهَا وَبِأَبْوَابٍ لَا يَخْرُجُ إلَّا مِنْهَا فَالْأَدَبُ مَعَهُ أَنْ
стр. 997
الرُّؤْيَا مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَإِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَكًا بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَنْقُلُ لِكُلِّ أَحَدٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لَا يَتْرُكُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ذَكَرَهُ مَنْ ذَكَرَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَجُوزُ تَعْبِيرُهُ، وَمَا عَدَاهُ لَا يُعَبَّرُ وَفِي الْفَرْقِ سَبْعُ مَسَائِلَ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
خَرَّجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَاهُ أَنَّ مُدَّةَ نُبُوَّتِهِ ﷺ كَانَتْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ نُبُوَّةٌ بِالرُّؤْيَا فَأَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ ﵇ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ وَنِسْبَةُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَقِيلَ: أَجْزَاءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ، وَرُوِيَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَرُوِيَ مِنْ سَبْعِينَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا فِي الرُّؤْيَا فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْعَدَدِ عَلَى الرُّؤْيَا الْخَفِيَّةِ أَوْ تَكُونُ السِّتَّةُ وَالْأَرْبَعُونَ هِيَ الْمُبَشِّرَةَ، وَالسَّبْعُونَ هِيَ الْمُحْزِنَةَ وَالْمَخُوفَةَ لِقِلَّةِ تَكَرُّرِهِ، وَلِمَا يَكُونُ جِنْسُهُ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَفِي الْقَبَسِ رُوِيَ أَيْضًا خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ فَاخْتَلَفَتْ الْأَعْدَادُ؛ لِأَنَّهَا رُؤْيَا النُّبُوَّةِ لَا نَفْسُ النُّبُوَّةِ وَجُعِلَتْ بِشَارَاتٍ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ جُزْءًا مِنْ سَبْعِينَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ زَادَ حَتَّى بَلَغَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ قَالَ: وَتَفْسِيرُهَا بِمُدَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِنَقْلٍ صَحِيحٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، قَالَ: الْأَحْسَنُ قَوْلُ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ عَالِمُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: إنَّ نِسْبَةَ هَذِهِ الْأَعْدَادِ إلَى النُّبُوَّةِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الرَّائِي فَرُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ عَلَى نِسْبَتِهِ، وَاَلَّذِي دُونَ دَرَجَتِهِ دُونَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: ﵇ «لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» حَضٌّ عَلَى نَقْلِهَا وَالِاهْتِمَامِ بِهَا لِيَبْقَى لَهُمْ بَعْدَهُ ﵇ جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ فَبَشَّرَ بِذَلِكَ أُمَّتَهُ.
وَلَا يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا إلَّا مَنْ يَعْلَمُهَا وَيُحْسِنُهَا، وَإِلَّا فَلْيَتْرُكْ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيُفَسِّرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ؟ قَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ قِيلَ: لَهُ أَيُفَسِّرُهَا عَلَى الْخَيْرِ، وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الشَّرِّ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الرُّؤْيَا عَلَى مَا أُوِّلَتْ فَقَالَ: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ أَفَيُتَلَاعَبُ بِأَمْرِ النُّبُوَّةِ.
وَفِي الْمُوَطَّإِ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ الشَّيْءَ يَكْرَهُهُ فَلْيَتْفُلْ يَسَارَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إذَا اسْتَيْقَظَ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا يُطْلَبَ مِنْهُ فِعْلٌ إلَّا حَيْثُ جَرَتْ عَادَتُهُ بِإِجْرَائِهِ فِيهِ، وَأَنْ لَا يُخَالِفَ عَوَائِدَهُ بَلْ يَجْرِي عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - مَلِكُ الْمُلُوكِ، وَأَعْظَمُ الْعُظَمَاءِ بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ رَتَّبَ مُلْكَهُ عَلَى عَوَائِدَ أَرَادَهَا وَأَسْبَابٍ قَدَّرَهَا وَرَبَطَ بِهَا آثَارَ قُدْرَتِهِ، وَلَوْ شَاءَ لَمْ يَرْبِطْهَا فَجَعَلَ الرَّيَّ بِالشُّرْبِ، وَالشِّبَعَ بِالْأَكْلِ، وَالِاحْتِرَاقَ بِالنَّارِ، وَالْحَيَاةَ بِالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ فَمَنْ طَلَبَ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - حُصُولَ هَذِهِ الْآثَارِ بِدُونِ أَسْبَابِهَا فَقَدْ أَسَاءَ الْأَدَبَ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - بَلْ يَلْتَمِسُ فَضْلَهُ فِي عَوَائِدِهِ وَالْخَلَائِقُ قَدْ انْقَسَمُوا فِي مَقَامِ طَلَبِهِمْ مِنْهُ هَذِهِ الْآثَارَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) عَامَلُوا اللَّهَ - تَعَالَى - بِاعْتِمَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَى قُدْرَتِهِ - تَعَالَى - مَعَ إهْمَالِ الْأَسْبَابِ وَالْعَوَائِدِ فَلَجَّجُوا فِي الْبِحَارِ فِي زَمَنِ الْهَوْلِ وَسَلَكُوا الْقِفَارَ الْعَظِيمَةَ الْمُهْلِكَةَ بِغَيْرِ زَادٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فَهَؤُلَاءِ حَصَلَ لَهُمْ التَّوَكُّلُ، وَفَاتَهُمْ الْأَدَبُ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِبَادِ أَحْوَالُهُمْ مَسْطُورَةٌ فِي كُتُبِ الرَّقَائِقِ
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) : لَاحَظُوا الْأَسْبَابَ وَأَعْرَضُوا عَنْ التَّوَكُّلِ وَهُمْ عَامَّةُ الْخَلْقِ، وَشَرُّ الْأَقْسَامِ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا وَصَلُوا بِمُلَاحَظَةِ الْأَسْبَابِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُسَبِّبِ إلَى الْكُفْرِ
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) : عَامَلُوا اللَّه - تَعَالَى - بِاعْتِمَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَى قُدْرَتِهِ - تَعَالَى - مَعَ عَدَمِ إهْمَالِ الْأَسْبَابِ وَالْعَوَائِدِ بَلْ طَلَبُوا فَضْلَهُ فِي عَوَائِدِهِ مُلَاحِظِينَ فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ مُسَبِّبَهَا وَمُيَسِّرَهَا فَجَمَعُوا بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ، وَهُمْ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَخَاصَّةُ عِبَادِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْعَارِفُونَ بِمُعَامَلَتِهِ.
وَهُمْ خَيْرُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ جَعَلَنَا اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ قَالَ: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُهْمِلُ الْأَسْبَابَ وَيُفَرِّطُ فِي التَّوَكُّلِ بِحَيْثُ يَجْعَلُ التَّوَكُّلَ عَدَمَ الْأَسْبَابِ، أَوْ مِنْ شَرْطِهِ عَدَمُ الْأَسْبَابِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ: الْإِيمَانُ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالْكُفْرُ سَبَبٌ لِدُخُولِ النَّارِ بِالْجَعْلِ الشَّرْعِيِّ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ فَهَلْ هُوَ تَارِكٌ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ أَوْ مُعْتَبِرُهُمَا فَإِنْ تَرَكَ اعْتِبَارَهُمَا خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ وَإِنْ اعْتَبَرَهُمَا فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَانِ وَتَرَكَ الْكُفْرَ قِيلَ لَهُ: مَا بَالُ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَسْبَابِ، فَإِنَّ هَذَيْنِ إنْ كَانَا لَا يُنَافِيَانِ التَّوَكُّلَ فَغَيْرُهُمَا كَذَلِكَ نَعَمْ الْأَسْبَابُ نَوْعَانِ نَوْعٌ مُطَّرِدٌ فِي مَجْرَى عَوَائِدِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْغِذَاءِ وَالتَّنَفُّسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَنَوْعٌ أَكْثَرِيٌّ غَيْرُ مُطَّرِدٍ أَجْرَى اللَّهُ فِيهِ عَادَةً مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ كَالْأَدْوِيَةِ وَأَنْوَاعِ الْأَسْفَارِ لِلْأَرْبَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْأَدَبَ فِي الْجَمِيعِ الْتِمَاسُ فَضْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي عَوَائِدِهِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالدَّوَاءِ وَالْحِمْيَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ حَتَّى الْكَيِّ بِالنَّارِ «فَأَمَرَ بِكَيِّ سَعْدٍ» وَقَالَ ﵊ «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ وَصَلَاحُ كُلِّ جِسْمٍ مَا اعْتَادَ» وَإِذَا كَانَ حَالُهُ ﵇ فِي
стр. 998
شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -» .
قَالَ الْبَاجِيَّ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ الْمُبَشِّرَةَ وَيُحْتَمَلُ الصَّادِقَةُ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - وَيُرِيدُ بِالْحُلْمِ مَا يُحْزِنُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْكَاذِبَ يُخَيَّلُ بِهِ لِيَفْرَحَ أَوْ يَحْزَنَ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَقُولُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ إذَا نَفَثَ عَنْ يَسَارِهِ: أَعُوذُ بِمَنْ اسْتَعَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت فِي مَنَامِي هَذَا أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ شَيْءٌ أَكْرَهُهُ ثُمَّ يَتَحَوَّلَ عَلَى جَانِبِهِ الْآخَرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الْفَرْقُ بَيْنَ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ رُؤْيَا غَيْرِهِمْ إذَا أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهَا لَا تَخْرُجُ كَمَا أُوِّلَتْ وَرُؤْيَا غَيْرِ الصَّالِحِ لَا يُقَالُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ، وَإِنَّمَا يُلْهِمُ اللَّهُ - تَعَالَى - الرَّائِيَ التَّعَوُّذَ إذَا كَانَتْ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ قَدَّرَ أَنَّهَا لَا تُصِيبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ شَرَّ الْقَدَرِ قَدْ يَكُونُ وُقُوعُهُ مَوْقُوفًا عَلَى عَدَمِ الدُّعَاءِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ: قَالَ صَالِحٌ الْمُعْتَزِلِيُّ: رُؤْيَا الْمَنَامِ هِيَ رُؤْيَةُ الْعَيْنِ، وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ رُؤْيَةٌ بِعَيْنَيْنِ فِي الْقَلْبِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَيْنِ فِي الْقَلْبِ يَسْمَعُ بِهِمَا، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: هِيَ تَخَايِيلُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَلَا دَلِيلَ فِيهَا، وَجَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أُصُولِهَا فِي تَخْيِيلِهَا عَلَى الْعَادَةِ فِي إنْكَارِ أُصُولِ الشَّرْعِ فِي الْجِنِّ وَأَحَادِيثِهَا وَالْمَلَائِكَةِ وَكَلَامِهَا، وَأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ لَوْ كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ بِصَوْتٍ لَسَمِعَهُ الْحَاضِرُونَ، وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَلَهُمْ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ قَالَ الْقَاضِي: هِيَ خَوَاطِرُ وَاعْتِقَادَاتٌ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ هِيَ أَوْهَامٌ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: هِيَ إدْرَاكٌ بِأَجْزَاءٍ لَمْ تَحُلْهَا آفَةُ النَّوْمِ، فَإِذَا رَأَى الرَّائِي أَنَّهُ بِالْمَشْرِقِ، وَهُوَ بِالْمَغْرِبِ أَوْ نَحْوِهِ فَهِيَ أَمْثِلَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - دَلِيلًا عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي كَمَا جُعِلَتْ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ وَالرُّقُومُ لِلْكِتَابَةِ دَلِيلًا عَلَى الْمَعَانِي فَإِذَا رَأَى اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْ النَّبِيَّ ﷺ فَهِيَ أَمْثِلَةٌ تُضْرَبُ لَهُ بِقَدْرِ حَالِهِ فَإِنْ كَانَ مُوَحِّدًا رَآهُ حَسَنًا أَوْ مُلْحِدًا رَآهُ قَبِيحًا، وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «رَأَيْت رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: قَالَ لِي بَعْضُ الْأُمَرَاءِ: رَأَيْت الْبَارِحَةَ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنْ السَّوَادِ فَقُلْت: لَهُ ظَلَمْت الْخَلْقَ وَغَيَّرْت الدِّينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَالتَّغْيِيرُ فِيك لَا شَكَّ فِيهِ وَكَانَ مُتَغَيِّرًا عَلَيَّ وَعِنْدَهُ كَاتِبُهُ وَصِهْرُهُ وَوَلَدُهُ فَأَمَّا الْكَاتِبُ فَمَاتَ، وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَتَنَصَّرَا وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ مُسْتَنِدًا فَجَلَسَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَ يَتَعَذَّرُ، وَكَانَ آخِرُ كَلَامِهِ وَدِدْت أَنْ أَكُونَ حَمِيًّا لِنَخَلَاتٍ أَعِيشُ بِهَا بِالثَّغْرِ قُلْت لَهُ: وَمَا يَنْفَعُك أَنَا أَقْبَلُ أَنَا عُذْرك وَخَرَجْت فَوَاَللَّهِ مَا تَوَقَّفَتْ لِي عِنْدَهُ بَعْدُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْأَسْبَابِ الَّتِي لَيْسَتْ مُطَّرِدَةً مِنْ الْحِمْيَةِ وَإِصْلَاحِ الْبَدَنِ بِمُوَاظَبَةِ عَادَتِهِ فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَوَائِدِ فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْأَبْلَجُ وَالطَّرِيقُ الْأَنْهَجُ اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ بِتَهْذِيبٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
قُلْت: وَتَعْرِيفُهُ التَّوَكُّلُ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي اخْتَارَهُ بِقَوْلِهِ: هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ إلَخْ هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ السَّيِّدِ الْجُرْجَانِيِّ فِي تَعْرِيفَاتِهِ: هُوَ الثِّقَةُ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ اهـ وَقَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الشَّيْخِ زَكَرِيَّا هُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَقَطْعُ النَّظَرِ عَنْ الْأَسْبَابِ مَعَ تَهْيِئَتِهَا، وَقَوْلُهُ: وَيُقَالُ هُوَ تَرْكُ السَّعْيِ فِيمَا لَا تَسَعُهُ قُوَّةُ الْبَشَرِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْلِ عَلَى مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرُهُ بِحَيْثُ يَجْعَلُ التَّوَكُّلَ عَدَمَ الْأَسْبَابِ أَوْ مِنْ شَرْطِهِ عَدَمُ الْأَسْبَابِ فَعَلَى الثَّانِي يُعْرَفُ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا وَيُقَالُ: هُوَ كِلَةُ الْأَمْرِ كُلِّهِ إلَى مَالِكِهِ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُعْرَفُ بِقَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا أَوْ يُقَالُ هُوَ تَرْكُ الْكَسْبِ، وَإِخْلَاءُ الْيَدِ مِنْ الْمَالِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا: وَرُدَّ بِأَنَّ هَذَا تَوَاكُلٌ لَا تَوَكُّلٌ أَفَادَهُ الْعَزِيزِيُّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ الْعَلْقَمِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَسَدِ وَقَاعِدِ الْغِبْطَةِ]
(الْفَرْقُ السِّتُّونَ وَالْمِائَتَيْنِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَسَدِ وَقَاعِدَةِ الْغِبْطَةِ)
وَهُوَ أَنَّ الْقَاعِدَتَيْنِ وَإِنْ اشْتَرَكَتَا فِي أَنَّهُمَا طَلَبٌ مِنْ الْقَلْبِ إلَّا أَنَّ الْحَسَدَ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ الْغَيْرِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الزَّوَاجِرِ وَيَكُونُ حَرَامًا وَفُسُوقًا إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا نِعْمَةً أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا آلَةَ الْفَسَادِ وَالْإِيذَاءِ كَمَا فِي نِعْمَةِ الْفَاجِرِ فَلَا حُرْمَةَ اهـ قَالَ الْأَصْلُ كَانَ الْمُتَمَنِّي زَوَالَهَا عَنْهُ تَمَنَّى حُصُولَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لَا فَالْحَسَدُ نَوْعَانِ، وَالثَّانِي أَشَرُّهُمَا؛ لِأَنَّهُ طَلَبُ الْمَفْسَدَةِ الصِّرْفَةِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ عَادِيٍّ أَوْ طَبِيعِيٍّ قَالَ: وَدَلِيلُ تَحْرِيمِ الْحَسَدِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ (فَأَمَّا الْكِتَابُ) فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] ، وقَوْله تَعَالَى -: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] أَيْ لَا تَتَمَنَّوْا زَوَالَهُ بِقَرِينَةِ النَّهْيِ (وَأَمَّا السُّنَّةُ) فَقَوْلُهُ: ﵊ لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا وَفِي الزَّوَاجِرِ قَالَ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنْ الْحَسَدِ وَأَسْبَابِهِ وَثَمَرَاتِهِ لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةٍ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ اهـ قَالَ الْأَصْلُ: وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَقَدْ انْعَقَدَ مِنْ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ قَالَ: وَيُقَالُ: إنَّ الْحَسَدَ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهَا فِي الْأَرْضِ حَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ فَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ. اهـ.
وَفِي الزَّوَاجِرِ وَمِنْ آفَاتِ الْحَسَدِ أَنَّ فِيهِ سَخَطًا لِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - إذَا أَنْعَمَ عَلَى الْغَيْرِ بِمَا لَا مَضَرَّةَ عَلَيْك فِيهِ وَشَمَاتَةً بِأَخِيك الْمُسْلِمِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]
стр. 999
حَاجَةٌ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ)
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِدْرَاكُ يُضَادُّهُ النَّوْمُ اتِّفَاقًا وَالرُّؤْيَا إدْرَاكُ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فَكَيْفَ تَجْتَمِعُ مَعَ النَّوْمِ وَأَجَابَ بِأَنَّ النَّفْسَ ذَاتُ جَوَاهِرَ فَإِنْ عَمَّهَا النَّوْمُ فَلَا إدْرَاكَ وَلَا مَنَامَ، وَإِنْ قَامَ عَرَضُ النَّوْمِ بِبَعْضِهَا أَمْكَنَ قِيَامُ إدْرَاكِ الْمَنَامِ بِالْبَعْضِ الْآخَرِ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَنَامَاتِ آخِرُ اللَّيْلِ عِنْدَ خِفَّةِ النَّوْمِ
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدْرَكَ إنَّمَا هُوَ الْمِثَالُ، وَبِهِ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرَى فِي الْآنِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ فَإِنَّ الْمَرْئِيَّ فِي الْمَكَانَيْنِ مِثَالَانِ فَلَا إشْكَالَ إذَا تَعَدَّدَتْ الْمَظْرُوفَاتُ بِتَعَدُّدِ الظُّرُوفِ إذْ الْمُشْكِلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَأَجَابَ الصُّوفِيَّةُ بِأَنَّهُ ﵇ كَالشَّمْسِ تُرَى فِي أَمَاكِنَ عِدَّةٍ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ ﵇ يَرَاهُ زَيْدٌ فِي بَيْتِهِ وَيَرَاهُ عَمْرٌو بِجُمْلَتِهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ دَاخِلَ مَسْجِدِهِ وَالشَّمْسُ إنَّمَا تُرَى مِنْ أَمَاكِنَ عِدَّةٍ، وَهِيَ فِي مَكَان وَاحِدٍ فَلَوْ رُئِيَتْ دَاخِلَ بَيْتٍ بِجِرْمِهَا اسْتَحَالَ رُؤْيَةُ جِرْمِهَا فِي دَاخِلِ بَيْتٍ آخَرَ، وَهُوَ الَّذِي يُوَازِنُ رُؤْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتَيْنِ أَوْ مَسْجِدَيْنِ، وَالْإِشْكَالُ لَمْ يَرِدْ رُؤْيَتَهُ ﵇ مِنْ مَوَاضِعَ عِدَّةٍ، وَهُوَ فِي مَكَان وَاحِدٍ إنَّمَا وَرَدَ فِيهِ كَيْفَ يُرَى فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ بِجُمْلَةِ ذَاتِهِ ﵇ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ مَعَ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ حُلُولَ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ مُحَالٌ فَلَا يُتَّجَهُ الْجَوَابُ إلَّا بِأَنَّ الْمَرْئِيَّ مِثَالُهُ ﵇ لَا ذَاتُهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَرْئِيٍّ مِنْ بَحْرٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ إنَّمَا يُرَى مِثَالُهُ لَا هُوَ بِذَاتِهِ، وَبِهِ يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇: «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي» وَأَنَّ التَّقْدِيرَ مَنْ رَأَى مِثَالِي فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِمِثَالِي، وَأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَشْهَدُ بِعِصْمَةِ الْمِثَالِ عَنْ الشَّيْطَانِ، وَنَصَّ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا أَنَّ الرُّسُلَ وَالْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ وَالْمَلَائِكَةَ أَيْضًا كَذَلِكَ مَعْصُومَةٌ عَنْ تَمَثُّلِ الشَّيْطَانِ بِمِثْلِهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْمِثْلِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ وَأَنَّهُ تَمَثَّلَ بِذَلِكَ الْمِثَالِ
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ)
قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّمَا تَصِحُّ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﵇ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا صَحَابِيٌّ رَآهُ فَعَلِمَ صِفَتَهُ فَانْطَبَعَ فِي نَفْسِهِ مِثَالُهُ فَإِذَا رَآهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ رَأَى مِثَالَهُ الْمَعْصُومَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَيَنْتَفِي عِنْدَ اللُّبْسِ وَالشَّكِّ فِي رُؤْيَتِهِ ﵇، وَثَانِيهِمَا: رَجُلٌ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ سَمَاعُ صِفَاتِهِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْكُتُبِ حَتَّى انْطَبَعَتْ فِي نَفْسِهِ صِفَتُهُ ﵇ وَمِثَالُهُ الْمَعْصُومُ كَمَا حَصَلَ ذَلِكَ لِمَنْ رَآهُ فَإِذَا رَآهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩] ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] اهـ وَالْغِبْطَةُ تَمَنِّي حُصُولِ مِثْلِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ لِنَفْسِك مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِطَلَبِ زَوَالِهَا عَنْ صَاحِبِهَا بَلْ تَشْتَهِي مِثْلَهَا لِنَفْسِك مَعَ بَقَائِهَا لِذَوِيهَا، وَقَدْ تُخَصُّ بِاسْمِ الْمُنَافَسَةِ.
وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِلَفْظِ الْحَسَدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ» أَيْ لَا غِبْطَةَ إلَّا فِي هَاتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَفِي الزَّوَاجِرِ: وَلَيْسَتْ الْغِبْطَةُ وَالْمُنَافَسَةُ بِحَرَامٍ أَيْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِمَفْسَدَةٍ أَلْبَتَّةَ بَلْ هِيَ إمَّا وَاجِبَةٌ، وَإِمَّا مَنْدُوبَةٌ، وَإِمَّا مُبَاحَةٌ قَالَ - تَعَالَى - ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١] وَالْمُسَابَقَةُ تَقْتَضِي خَوْفَ الْفَوْتِ فَالْوَاجِبَةُ تَكُونُ فِي النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ الْوَاجِبَةِ كَنِعْمَةِ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَالزَّكَاةِ فَيَجِبُ أَنْ تُحِبَّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ الْقَائِمِ بِذَلِكَ، وَإِلَّا كُنْت رَاضِيًا بِالْمَعْصِيَةِ، وَالرِّضَا بِهَا حَرَامٌ (وَالْمَنْدُوبَةُ) تَكُونُ فِي الْفَضَائِلِ وَالْعُلُومِ وَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِي الْمِيرَاثِ.
وَالْمُبَاحَةُ تَكُونُ فِي النِّعَمِ الْمُبَاحَةِ كَالنِّكَاحِ، وَالْمُنَافَسَةُ فِي الْمُبَاحَاتِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إثْمٌ لَكِنَّهَا تَنْقُصُ مِنْ الْفَضَائِلِ، وَتُنَاقِضُ الزُّهْدَ وَالرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ وَالتَّوَكُّلِ، وَتُحْجَبُ عَنْ الْمَقَامَاتِ الرَّفِيعَةِ نَعَمْ هُنَا دَقِيقَةٌ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهَا، وَإِلَّا وَقَعَ الْإِنْسَانُ فِي الْحَسَدِ الْحَرَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ أَيِسَ أَنْ يَنَالَ مِثْلَ نِعْمَةِ الْغَيْرِ فَبِالضَّرُورَةِ أَنَّ نَفْسَهُ تَعْتَقِدُ أَنَّهُ نَاقِصٌ عَنْ صَاحِبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ وَأَنَّهَا تُحِبُّ زَوَالَ نَقْصِهَا، وَزَوَالُهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمُسَاوَاةِ ذِي النِّعْمَةِ أَوْ بِزَوَالِهَا عَنْهُ، وَقَدْ فَرَضَ يَأْسُهُ عَنْ مُسَاوَاتِهِ فِيهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَحَبَّتُهُ لِزَوَالِهَا عَنْ الْغَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ بِهَا عَنْهُ؛ إذْ بِزَوَالِهَا يَزُولُ تَخَلُّفُهُ.
وَتَقَدُّمُ غَيْرِهِ بِهَا، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَدَرَ عَلَى زَوَالِهَا عَنْ الْغَيْرِ أَزَالَهَا فَهُوَ حَسُودٌ حَسَدًا مَذْمُومًا، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ التَّقْوَى مَا يَمْنَعُهُ عَنْ إزَالَتِهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا، وَعَنْ مَحَبَّةِ زَوَالِهَا عَنْ الْغَيْرِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ لَا تَنْفَكُّ النَّفْسُ عَنْهُ، وَلَعَلَّهُ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ ابْنِ آدَمَ حَسُودٌ» وَفِي رِوَايَةٍ «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْفَكُّ الْمُسْلِمُ عَنْهُنَّ الْحَسَدُ وَالظَّنُّ وَالطِّيَرَةُ، وَلَهُ مِنْهُنَّ مَخْرَجٌ إذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ» أَيْ إنْ وَجَدْتَ فِي قَلْبِك شَيْئًا فَلَا تَعْمَلْ بِهِ، وَيَبْعُدُ مِمَّنْ يُرِيدُ مُسَاوَاةَ غَيْرِهِ فِي النِّعْمَةِ فَيَعْجِزُ عَنْهَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِنْ أَقْرَانِهِ أَنْ يَنْفَكَّ عَنْ الْمَيْلِ إلَى زَوَالِهَا فَهَذَا الْحَدُّ مِنْ الْمُنَافَسَةِ يُشْبِهُ الْحَسَدَ الْحَرَامَ فَيَنْبَغِي الِاحْتِيَاطُ التَّامُّ فَإِنَّهُ مَتَى صَفَّى إلَى مَحَبَّةِ نَفْسِهِ وَمَالَ لِاخْتِيَارِهِ إلَى مُسَاوَاتِهِ لِذِي النِّعْمَةِ بِمَحَبَّةِ زَوَالِهَا عَنْهُ فَهُوَ مُرْتَبِكٌ فِي الْحَسَدِ
стр. 1000
جَزَمَ بِرُؤْيَةِ مِثَالِهِ ﵇ كَمَا يَجْزِمُ بِهِ مَنْ رَآهُ فَيَنْتَفِي عَنْهُ اللَّبْسُ وَالشَّكُّ فِي رُؤْيَتِهِ ﵇ وَأَمَّا غَيْرُ هَذَيْنِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ الْجَزْمُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَآهُ ﵇ بِمِثَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَخْيِيلِ الشَّيْطَانِ، وَلَا يُفِيدُ قَوْلُ الْمَرْئِيِّ لِمَنْ يَرَاهُ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا قَوْلُ مَنْ يَحْضُرُ مَعَهُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَكْذِبُ لِنَفْسِهِ وَيَكْذِبُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَحْصُلُ الْجَزْمُ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ مِثَالِهِ الْمَخْصُوصِ فَيُشْكِلُ ذَلِكَ بِمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ التَّعْبِيرِ أَنَّ الرَّائِيَ يَرَاهُ شَيْخًا وَشَابًّا وَأَسْوَدَ وَذَاهِبَ الْعَيْنَيْنِ وَذَاهِبَ الْيَدَيْنِ وَعَلَى أَنْوَاعٍ شَتَّى مِنْ الْمُثُلِ الَّتِي لَيْسَتْ مِثَالَهُ ﵇ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ صِفَاتُ الرَّائِي، وَأَحْوَالُهُمْ تَظْهَرُ فِيهِ ﵇، وَهُوَ كَالْمِرْآةِ لَهُمْ قُلْت لِبَعْضِ مَشَايِخِي: فَكَيْفَ يَبْقَى الْمِثَالُ مَعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُضَادَّةِ لَهُ فَقَالَ لِي: لَوْ كَانَ لَك أَبٌ شَابٌّ تَغَيَّبْت عَنْهُ ثُمَّ جِئْته فَوَجَدْته شَيْخًا أَوْ أَصَابَهُ يَرَقَانُ أَصْفَرُ أَوْ يَرَقَانُ أَسْوَدُ أَوْ أَصَابَهُ بَرَصٌ، أَوْ جُذَامٌ، أَوْ قُطِعَتْ أَعْضَاؤُهُ أَكُنْت تَشُكُّ فِيهِ أَنَّهُ أَبُوك قُلْت: لَا فَقَالَ لِي مَا ذَاكَ إلَّا لِمَا ثَبَتَ فِي نَفْسِك مِنْ مِثَالِهِ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَك الَّذِي لَا تَجْهَلُهُ بِعُرُوضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ فَكَذَلِكَ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ فِي نَفْسِهِ مِثَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا لَا يَشُكُّ فِيهِ مَعَ عُرُوضِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَثِقُ بِأَنَّهُ رَآهُ ﵇ وَإِذَا صَحَّ لَهُ الْمِثَالُ، وَانْضَبَطَ فَالسَّوَادُ يَدُلُّ عَلَى ظُلْمِ الرَّائِي، وَالْعَمَى يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إيمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ ذَاهِبٌ وَقَطْعُ الْيَدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ ظُهُورِ الشَّرِيعَةِ وَنُفُوذِ أَوَامِرِهَا، فَإِنَّ الْيَدَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْقُدْرَةِ وَكَوْنُهُ أَمْرَدَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ، فَإِنَّ الشَّابَّ يُحْتَقَرُ، وَكَوْنُهُ شَيْخًا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ يُعَظَّمُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ
(فَرْعٌ) فَلَوْ رَآهُ ﵇ فَقَالَ لَهُ: إنَّ امْرَأَتَك طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا فَهَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا وَقَعَ فِيهِ الْبَحْثُ مَعَ الْفُقَهَاءِ وَاضْطَرَبَتْ آرَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ بِالتَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ لِتَعَارُضِ خَبَرِهِ ﵇ عَنْ تَحْرِيمِهَا فِي النَّوْمِ وَإِخْبَارِهِ فِي الْيَقَظَةِ فِي شَرِيعَتِهِ الْمُعَظَّمَةِ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ إخْبَارَهُ ﵇ فِي الْيَقَظَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخَبَرِ فِي النَّوْمِ لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ لِلرَّائِي بِالْغَلَطِ فِي ضَبْطِ الْمِثَالِ، فَإِذَا عَرَضْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا احْتِمَالَ طُرُوءِ الطَّلَاقِ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ وَاحْتِمَالَ طُرُوءِ الْغَلَطِ فِي الْمِثَالِ فِي النَّوْمِ وَجَدْنَا الْغَلَطَ فِي الْمِثَالِ أَيْسَرَ وَأَرْجَحَ، وَمَنْ هُوَ مِنْ النَّاسِ يَضْبِطُ الْمِثَالَ عَلَى النَّحْوِ الْمُتَقَدِّمِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْحَرَامِ.
وَلَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ إلَّا إنْ قَوِيَ إيمَانُهُ وَرَسَخَ قَدَمُهُ فِي التَّقْوَى، وَمَهْمَا حَرَّكَهُ خَوْفَ نَقْصِهِ عَنْ غَيْرِهِ جَرَّهُ إلَى الْحَسَدِ الْمَحْظُورِ، وَإِلَى مَيْلِ الطَّبْعِ إلَى زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ حَتَّى يَنْزِلَ لِمُسَاوَاتِهِ، وَهَذَا لَا رُخْصَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مَقَاصِدِ الدِّينِ أَمْ الدُّنْيَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَكِنَّ ذَلِكَ يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَتَكُونُ كَرَاهَتُهُ لِذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ كَفَّارَةٌ لَهُ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكِبْرِ وَقَاعِدَةِ التَّجَمُّلِ بِالْمَلَابِسِ وَالْمَرَاكِبِ]
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكِبْرِ وَقَاعِدَةِ التَّجَمُّلِ بِالْمُلَابِسِ وَالْمَرَاكِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ)
وَهُوَ مِنْ جِهَتَيْنِ
(الْجِهَةُ الْأُولَى) : أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُسْنُ وَأَمَّا التَّجَمُّلُ فَمِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُسْنُ
(وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنَّ أَصْلَ التَّجَمُّلِ الْإِبَاحَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَنْقُلُهُ عَنْ الْإِبَاحَةِ إمَّا إلَى الْوُجُوبِ كَتَوَقُّفِ تَنْفِيذِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي نَحْوِ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَإِنَّ الْهَيْئَاتِ الرَّثَّةَ لَا تَحْصُلُ مَعَهَا مَصَالِحُ الْعَامَّةِ مِنْهُمْ، وَإِمَّا إلَى النَّدْبِ كَتَوَقُّفِ الْمَنْدُوبِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أَيْ صَلَاةٍ، وَفِي الْجَمَاعَاتِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» بِبِنَاءِ يُرَى لِلْمَجْهُولِ، وَقَوْلُهُ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ سَيَأْتِي وَفِي الْحُرُوبِ لِرَهْبَةِ الْعَدُوِّ، وَفِي الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَفِي الْعُلَمَاءِ لِتَعْظِيمِ الْعِلْمِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ أُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إلَى قَارِئِ الْقُرْآنِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ.
وَقَدْ أَنْشَدَ الْإِمَامُ مَالِكٌ لَمَّا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ مُعَاصِرِيهِ فِي التَّجَمُّلِ بِالثِّيَابِ الثَّمِينَةِ
حَسِّنْ ثِيَابَك مَا اسْتَطَعْت فَإِنَّهَا ... زَيْنُ الرِّجَالِ بِهَا تُعَزُّ وَتُكْرَمُ
وَدَعْ التَّوَاضُعَ فِي اللِّبَاسِ تَخَشُّنًا ... فَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّ وَتُعْلِنُ
فَرَثِيثُ ثَوْبِك لَا يَزِيدُك رِفْعَةً ... عِنْدَ الْإِلَهِ وَأَنْتَ عَبْدٌ مُجْرِمُ
وَجَدِيدُ ثَوْبِك لَا يَضُرُّك بَعْدَمَا ... تَخْشَى الْإِلَهَ وَتَتَّقِي مَا يَحْرُمُ
وَإِمَّا إلَى التَّحْرِيمِ كَكَوْنِهِ وَسِيلَةً لِمُحَرَّمٍ كَمَنْ يَتَزَيَّنُ لِلنِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ لِيَزْنِيَ بِهِنَّ فَإِذَا عُدِمَ الْمُعَارِضُ النَّاقِلُ لَهُ عَنْ الْإِبَاحَةِ وَعَرِيَ عَنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ بَقِيَتْ الْإِبَاحَةُ، وَأَصْلُ الْكِبْرِ التَّحْرِيمُ.
وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَنْقُلُهُ عَنْ التَّحْرِيمِ إمَّا إلَى الْوُجُوبِ كَمَا فِي الْكِبْرِ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا، وَإِمَّا إلَى النَّدْبِ كَمَا فِي الْكِبْرِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ تَقْلِيلًا لِلْبِدْعَةِ، وَالْإِبَاحَةُ فِيهِ بَعِيدَةٌ فَإِذَا عُدِمَ الْمُعَارِضُ النَّاقِلُ عَنْ
стр. 1001
إلَّا أَفْرَادٌ قَلِيلَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ لِصِفَتِهِ ﵇ وَأَمَّا ضَبْطُ عَدَمِ الطَّلَاقِ فَلَا يَخْتَلُّ إلَّا عَلَى النَّادِرِ مِنْ النَّاسِ وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ عَنْ حَلَالٍ: إنَّهُ حَرَامٌ، أَوْ عَنْ حَرَامٍ إنَّهُ حَلَالٌ، أَوْ عَنْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ قَدَّمْنَا مَا ثَبَتَ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَا رَأَى فِي النَّوْمِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ مِنْ أَخْبَارِ الْيَقَظَةِ صَحِيحَانِ فَإِنَّا نُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ بِالسَّنَدِ أَوْ بِاللَّفْظِ أَوْ بِفَصَاحَتِهِ أَوْ قِلَّةِ الِاحْتِمَالِ فِي الْمَجَازِ أَوْ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ خَبَرُ الْيَقَظَةِ، وَخَبَرُ النَّوْمِ يُخَرَّجَانِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَة
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي النَّوْمِ]
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ)
رُؤْيَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي النَّوْمِ تَصِحُّ وَلِذَلِكَ أَحْوَالٌ
(أَحَدُهَا) أَنْ يَرَاهُ فِي النَّوْمِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْقُولُ وَالْمَنْقُولُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْجَلَالِ لَهُ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الصِّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحُدُوثِ مِنْ الْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ فَهَذَا نُجَوِّزُهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا نُجَوِّزُهُ فِي الْآخِرَةِ وَنَجْزِمُ بِوُقُوعِهِ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ مَنْ ادَّعَى هَذِهِ الْحَالَةَ، وَهُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِنْ الْعُصَاةِ، أَوْ مِنْ الْمُقَصِّرِينَ كَذَّبْنَاهُ، أَوْ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْمُتَّقِينَ لَا نُكَذِّبُهُ وَنُسَلِّمُ لَهُ حَالَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فِيهِ تَأْوِيلَاتٌ وَهُوَ عُمُومٌ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَإِخْبَارُ الْوَلِيِّ الْمَوْثُوقِ بِدِينِهِ الْمُبَرَّزِ فِي عَدَالَتِهِ يَصْلُحُ لِتَقْوِيَةِ بَعْضِ التَّأْوِيلَاتِ وَلِتَخْصِيصِ هَذَا الْعَامِّ، وَخَبَرُ الْعَدْلِ مَقْبُولٌ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ، وَنَحْنُ نَقْبَلُ خَبَرَ الْأَوْلِيَاءِ فِي وُقُوعِ الْكَرَامَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ الْمُحَصِّلَةِ لِلْعُلُومِ الْقَطْعِيَّاتِ فَكَيْفَ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ الَّتِي لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَتَأَمَّلْ هَذَا
(وَثَانِيهَا) : أَنْ يَرَاهُ - سُبْحَانَهُ - فِي صُورَةٍ مُسْتَحِيلَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ يَقُولُ: رَأَيْته فِي صُورَةِ رَجُلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْسَامِ الْمُسْتَحِيلَةِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت اللَّهَ - تَعَالَى - فِي صُورَةِ فَرَسٍ وَفَهِمَ هَذَا الرَّائِي أَنَّ هَذَا الْجِسْمَ مِنْ إنْسَانٍ وَغَيْرِهِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَمْرٌ وَارِدٌ مِنْ قِبَلِهِ يَقْتَضِي حَالَةً مِنْ هَذَا الرَّائِي وَيَتَقَاضَاهَا مِنْهُ، أَوْ يَأْمُرُهُ بِخَيْرٍ أَوْ يَنْهَاهُ عَنْ شَرٍّ، وَيَقُولُ لَهُ: أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَامْتَثِلْ أَمْرِي وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْحَالَةُ أَيْضًا صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ عَلَى إطْلَاقِ لَفْظِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى هَذَا الْجِسْمِ فَفِي الْقُرْآنِ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] فَعَبَّرَ - تَعَالَى - عَنْ أَمْرِهِ الْوَارِدِ مِنْ قِبَلِهِ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ لَفْظِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَلَفْظِ الْمُؤَثِّرِ عَلَى الْأَثَرِ، وَهُوَ مَجَازٌ مَشْهُورٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَمَسْطُورٌ فِي كُتُبِ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ وَفِي التَّوْرَاةِ جَاءَ اللَّهُ مِنْ سَيْنَاءَ وَأَشْرَقَ مِنْ سَاغَيْنِ وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ إشَارَةً إلَى التَّوْرَاةِ النَّازِلَةِ بِطُورِ سَيْنَاءَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
التَّحْرِيمِ اُسْتُصْحِبَ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ إمَّا كِبْرٌ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى -، وَهُوَ أَفْحَشُ أَنْوَاعِهِ كَكِبْرِ فِرْعَوْنَ وَنَمْرُودَ حَيْثُ اسْتَنْكَفَا أَنْ يَكُونَا عَبْدَيْنِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَادَّعَيَا الرُّبُوبِيَّةَ قَالَ - تَعَالَى - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أَيْ صَاغِرِينَ ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ [النساء: ١٧٢] الْآيَةَ وَإِمَّا عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الِانْقِيَادِ لَهُ تَكَبُّرًا جَهْلًا وَعِنَادًا كَمَا حَكَى اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ كُفَّارِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ وَإِمَّا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِأَنْ يَسْتَعْظِمَ نَفْسَهُ وَيَحْتَقِرَ غَيْرَهُ وَيَزْدَرِيَهُ فَيَأْبَى عَلَى الِانْقِيَادِ لَهُ أَوْ يَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ، وَيَأْنَفَ مِنْ مُسَاوَاتِهِ وَهَذَا.
وَإِنْ كَانَ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ إلَّا أَنَّهُ عَظِيمٌ اسْمُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ إنَّمَا يَلِيقَانِ بِالْمَلِكِ الْقَادِرِ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ دُونَ الْعَبْدِ الْعَاجِزِ الضَّعِيفِ فَتَكَبُّرُهُ فِيهِ مُنَازَعَةٌ لِلَّهِ فِي صِفَةٍ لَا تَلِيقُ إلَّا بِجَلَالِهِ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - فِي الْحَدِيثِ «إنَّ مَنْ نَازَعَهُ الْعَظَمَةَ وَالْكِبْرِيَاءَ أَهْلَكَهُ» وَلِأَنَّ التَّكَبُّرَ عَلَى عِبَادِهِ لَا يَلِيقُ إلَّا بِهِ ﵎ فَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ جَنَى عَلَيْهِ؛ إذْ مَنْ اسْتَذَلَّ خَوَاصَّ غِلْمَانِ الْمَلِكِ مُنَازِعٌ لَهُ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فَيَسْتَحِقُّ مَقْتَهُ، وَمِنْ لَازِمِ هَذَا الْكِبْرِ بِنَوْعَيْهِ مُخَالَفَةُ أَوَامِرِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ.
وَمِنْهُ الْمُتَجَادِلُونَ فِي مَسَائِلِ الدِّينِ بِالْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ تَأْبَى نَفْسُهُ مِنْ قَبُولِ مَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ اتَّضَحَ سَبِيلُهُ بَلْ يَدْعُوهُ كِبْرُهُ إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي تَزْيِيفِهِ وَإِظْهَارِ إبْطَالِهِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَفَى بِالرَّجُلِ إثْمًا إذَا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ أَنْ يَقُولَ: عَلَيْك بِنَفْسِك «وَقَالَ ﷺ لِرَجُلٍ: كُلْ بِيَمِينِك فَقَالَ مُتَكَبِّرًا لَا أَسْتَطِيعُ فَشُلَّتْ يَدُهُ فَلَمْ يَرْفَعْهَا بَعْدُ» فَإِذَنْ التَّكَبُّرُ عَلَى الْخَلْقِ يَدْعُو إلَى التَّكَبُّرِ عَلَى الْخَالِقِ أَلَا تَرَى أَنَّ إبْلِيسَ لَمَّا تَكَبَّرَ عَلَى آدَمَ وَحَسَدَهُ بِقَوْلِهِ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ جَرَّهُ ذَلِكَ إلَى التَّكَبُّرِ عَلَى اللَّهِ لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَهُ فَهَلَكَ هَلَاكًا مُؤَبَّدًا.
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﵊ «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْكِبْرِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ ﵃: بَطَرُ الْحَقِّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ رَدُّهُ وَدَفْعُهُ عَلَى قَائِلِهِ، وَغَمْصُ النَّاسِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ، وَكَذَا عَمْصُهُمْ بِالْمُهْمَلَةِ، وَقَوْلُهُ: ﵇ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَعِيدٌ عَظِيمٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَعَدَمُ دُخُولِ صَاحِبِهِ الْجَنَّةَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ كَالْكَافِرِ، وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ
стр. 1002
وَالْإِنْجِيلِ النَّازِلِ بِسَاغَيْنِ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ وَالْقُرْآنِ النَّازِلِ بِمَكَّةَ وَاسْمُهَا فَارَانُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَقَّ جَاءَ مِنْ سَيْنَاءَ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَكَثُرَ ظُهُورُهُ وَعَلَنُهُ بِتَقْوِيَةِ الْإِنْجِيلِ لَهُ فَإِنَّ عِيسَى ﵇ بُعِثَ لِنُصْرَةِ التَّوْرَاةِ وَتَقْوِيَتِهَا وَإِرَادَةِ الْعَلَانِيَةِ وَالظُّهُورِ، وَاسْتُكْمِلْ الْحَقُّ وَاسْتُوْفِيَتْ الْمَصَالِحُ وَوَصَلَ الْبَيَانُ وَالْكَمَالُ فِي الشَّرْعِ إلَى أَقْصَى غَايَاتِهِ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْكُتُبُ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِهَتِهِ وَقِبَلِهِ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ ذَلِكَ «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ» الْحَدِيثَ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّهُ تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ فَسَمَّاهَا بِاسْمِهِ لِكَوْنِهَا مِنْ قِبَلِهِ وَمِنْ أَثَرِهِ كَذَلِكَ هَذِهِ الْمُثُلُ الْقَائِلَةُ فِي النَّوْمِ أَنَا اللَّهُ هُوَ صَحِيحٌ جَائِزٌ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ اللَّهَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْخَلَائِقِ فِي صُورَةٍ يُنْكِرُونَهَا وَيَقُولُونَ لَسْت رَبَّنَا» فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِمْ فِي صُورَةٍ وَتَسْمِيَتُهُ لِهَذِهِ الصُّورَةِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهَا صُورَةٌ مِنْ آثَارِهِ وَفِتْنَةٌ يَخْتَبِرُ بِهَا خَلْقَهُ؛ فَلِهَذِهِ الْمُلَازَمَةِ وَالْعَلَاقَةِ حَسُنَ إطْلَاقُ لَفْظِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهَا مَجَازًا كَمَا تَقَدَّمَ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْمُثُلُ فِي النَّوْمِ حُكْمُهَا حُكْمُ هَذِهِ الْأَجْسَامِ فِي الْيَقَظَةِ
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَرَى هَذِهِ الصُّورَةَ الْحَسَنَةَ الْجِسْمِيَّةَ، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهَا اللَّهُ حَقِيقَةً، وَلَا يَخْطِرُ لَهُ فِي النَّوْمِ مَعْنَى الْمَجَازِ أَلْبَتَّةَ فَهَذِهِ الرُّؤْيَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً، وَيَكُونَ الْمُرَادُ الْمَجَازَ، وَهُوَ جَهْلُ الْمَجَازِ فَكَانَ الْغَلَطُ مِنْهُ لَا فِي الرُّؤْيَا كَمَا يَرِدُ اللَّفْظُ فِي الْيَقَظَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَجَازُ وَالسَّامِعُ يَفْهَمُ الْحَقِيقَةَ كَمَا اتَّفَقَ لِلْحَشَوِيَّةِ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ فَكَانَ الْغَلَطُ مِنْهُمْ لَا فِي الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرُّؤْيَا كَذِبًا وَمُحَالًا، وَالشَّيْطَانُ يُخَيِّلُ لَهُ بِذَلِكَ لِيَضِلَّهُ أَوْ يُخْزِيَهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَكَائِدِهِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فَهَذِهِ الرُّؤْيَا مَوْضِعُ التَّثَبُّتِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْغَلَطِ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ هَذَا الرَّائِي وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْزِمَ بِأَنَّ الَّذِي رَآهُ لَيْسَ رَبَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بَلْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَاقِعٌ لَهُ وَيَنْظُرُ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْهُمَا فَيَعْتَقِدُهُ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَعْرَضَ عَنْ الرُّؤْيَا بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يَتَّضِحَ الصَّوَابُ فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا حَقٌّ، وَأَنَّ الَّذِي رَآهُ رَبُّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَقَدْ كَفَرَ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ النَّاشِئِ لَهُ عَنْ هَذِهِ الرُّؤْيَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ الْحَشَوِيَّةِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْجِسْمُ وَتِلْكَ الْحَالَةُ فِيهَا مِنْ الْحَقَارَةِ وَمُنَافَاةِ الرُّبُوبِيَّةِ مَا يُجْمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى تَكْفِيرِهِ وَتُكَفِّرُهُ الْحَشَوِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ كَصُورَةِ الدَّجَّالِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْحَشَوِيَّةَ لَيْسَتْ كُفَّارًا إنَّمَا هُوَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ الْعَوَرِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُهَا وَقْتَ يَدْخُلُهَا غَيْرُ الْمُتَكَبِّرِينَ أَيْ فِي الْمَبْدَأِ، وَالنَّفْيُ الْعَامُّ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ إذَا اقْتَضَتْهُ النُّصُوصُ أَوْ الْقَوَاعِدُ قَالَ الْأَصْلُ: وَالْكِبْرُ مِنْ أَعْظَمِ ذُنُوبِ الْقَلْبِ نَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - الْعَافِيَةَ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ ذُنُوبِ الْقَلْبِ يَكُونُ مَعَهُ الْفَتْحُ إلَّا الْكِبْرَ. اهـ.
هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ الزَّوَاجِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكِبْرِ وَقَاعِدَةِ الْعُجْبِ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكِبْرِ وَقَاعِدَةِ الْعَجَبِ)
وَهُوَ مِنْ جِهَتَيْنِ أَيْضًا
(الْجِهَة الْأُولَى) : مَا فِي الْأَصْلِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ أَنَّ الْكِبْرَ رَاجِعٌ لِلْخَلْقِ وَالْعِبَادِ كَمَا عُلِمَ مِنْ حَقِيقَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْعَجَبُ رَاجِعٌ لِلْعِبَادَةِ؛ إذْ هُوَ رُؤْيَةُ الْعِبَادَةِ وَاسْتِعْظَامُهَا مِنْ الْعَبْدِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ تَكُونُ بَعْدَ الْعِبَادَةِ، وَمُتَعَلِّقَةٌ بِهَا هَذَا التَّعَلُّقَ الْخَاصَّ كَمَا يَتَعَجَّبُ الْعَابِدُ بِعِبَادَتِهِ.
وَالْعَالِمُ بِعِلْمِهِ، وَكُلُّ مُطِيعٍ بِطَاعَتِهِ، وَهُوَ - وَإِنْ كَانَ حَرَامًا - لَا يُفْسِدُ الْعِبَادَةَ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَهَا بِخِلَافِ الرِّيَاءِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَهَا فَيُفْسِدُهَا وَسِرُّ تَحْرِيمِ الْعَجَبِ أَنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْظِمَ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ بَلْ يَسْتَصْغِرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَظَمَةِ سَيِّدِهِ لَا سِيَّمَا عَظَمَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ فَمَنْ أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ وَعِبَادَتِهِ فَقَدْ هَلَكَ مَعَ رَبِّهِ، وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَعَرَّضَ نَفْسَهُ لِمَقْتِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَسَخَطِهِ وَنَبَّهَ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] مَعْنَاهُ يَفْعَلُونَ مِنْ الطَّاعَاتِ مَا يَفْعَلُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِتِلْكَ الطَّاعَةِ احْتِقَارًا لَهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهَا اهـ
(وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ) مَا فِي الزَّوَاجِرِ لِابْنِ حَجَرٍ مِنْ أَنَّ الْكِبْرَ إمَّا بَاطِنٌ، وَهُوَ خُلُقٌ فِي النَّفْسِ وَاسْمُ الْكِبْرِ بِهَذَا أَحَقُّ أَيْ كَمَا يُرْشِدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] فَجَعَلَ مَحِلَّهُ الْقَلْبَ وَالصُّدُورَ، وَإِمَّا ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَعْمَالٌ تَصْدُرُ مِنْ الْجَوَارِحِ، وَهِيَ ثَمَرَاتُ ذَلِكَ الْخُلُقِ، وَعِنْدَ ظُهُورِهَا يُقَالُ لَهُ تَكَبُّرٌ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا يُقَالُ فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ فَالْأَصْلُ هُوَ خُلُقُ النَّفْسِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِرْوَاحُ وَالرُّكُونُ إلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبَّرِ عَلَيْهِ فَهُوَ يَسْتَدْعِي مُتَكَبَّرًا عَلَيْهِ وَمُتَكَبِّرًا بِهِ بِخِلَافِ الْعَجَبِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَدْعِي غَيْرَ الْمُعْجَبِ بِهِ حَتَّى لَوْ فُرِضَ انْفِرَادُهُ دَائِمًا أَمْكَنَ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ الْعَجَبُ دُونَ الْكِبْرِ، وَمُجَرَّدُ اسْتِعْظَامِ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي التَّكَبُّرَ إلَّا إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَرَى أَنَّهُ فَوْقَهُ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1003
وَالْعَمَى وَالْآفَاتِ وَالنَّقَائِصِ بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى الْجِسْمِيَّةِ خَاصَّةً مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَمَنْ اعْتَقَدَ الْجِسْمِيَّةَ مَعَ بَعْضِ صِفَاتِ النَّقْصِ فَأَوَّلُ مَنْ يُكَفِّرُهُ الْحَشَوِيَّةُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ رَآهُ فِي صُورَةِ فَرَسٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ السِّبَاعِ أَوْ غَيْرِهَا فَهَذَا كُلُّهُ كُفْرٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَلَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَشَوِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: رَأَيْته فِي طَلْقٍ أَوْ خِزَانَةٍ أَوْ مَطْمُورَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تُحِيلُهُ الْحَشَوِيَّةُ وَأَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهَذَا تَفْصِيلُ الْأَحْوَالِ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -
(الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ)
فِي تَحْقِيقِ مِثْلِ الرُّؤْيَا وَبَيَانِهَا اعْلَمْ أَنَّ دَلَالَةَ هَذِهِ الْمُثُلِ عَلَى الْمَعَانِي كَدَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ الصَّوْتِيَّةِ، وَالرُّقُومِ الْكِتَابِيَّةِ عَلَيْهَا، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَقَعُ فِيهَا جَمِيعُ مَا يَقَعُ فِي الْأَلْفَاظِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُتَوَاطِئِ وَالْمُتَرَادِفِ وَالْمُتَبَايِنِ وَالْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَفْهُومِ وَالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ وَالْمُطْلَقِ وَالْمُفِيدِ وَالتَّصْحِيفِ وَالْقَلْبِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ وَالْمَعَارِيضِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ مَا يَقَعُ فِي الْأَلْفَاظِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزَيْدٌ زُهَيْرٌ شِعْرًا وَحَاتِمٌ جُودًا، وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ فَالْمُشْتَرَكُ كَالْفِيلِ هُوَ مَلِكٌ أَعْجَمِيٌّ، وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ نَقَلَهُ الْكَرْمَانِيُّ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْهِنْدِ إذَا طَلَّقَ أَحَدٌ ثَلَاثًا جَرَّسُوهُ عَلَى فِيلٍ فَلَمَّا كَانَ مِنْ لَوَازِمِ الطَّلَاقِ عُبِّرَ بِهِ عَنْ الطَّلَاقِ، وَالْمُتَوَاطِئُ كَالشَّجَرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ أَيَّ رَجُلٍ كَانَ دَالَّةً عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الرِّجَالِ ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَنْبُتُ فِي الْعَجَمِ فَهُوَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ، أَوْ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ رَجُلٌ عَرَبِيٌّ أَوْ لَا ثَمَرَ لَهَا فَلَا خَيْرَ فِيهِ أَوْ لَهَا شَوْكٌ فَهُوَ كَثِيرُ الشَّرِّ أَوْ ثَمَرُهَا لَهُ قِشْرٌ فَلَهُ خَيْرٌ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ مَشَقَّةٍ أَوْ لَا قِشْرَ لَهُ كَالتُّفَّاحِ فَيُوصَلُ لِخَيْرِهِ بِلَا مَشَقَّةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُقَيَّدُ وَالْمُطْلَقُ فَحَصَلَتْ الْأُمُورُ بِالْقُيُودِ الْخَارِجَةِ، وَكَذَلِكَ يَقَعُ التَّقْيِيدُ بِأَحْوَالِ الرَّائِي فَالصَّاعِدُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَلِي وِلَايَةً فَالْوِلَايَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْوِلَايَاتِ وَمُطْلَقَةٌ فَإِنْ كَانَ الرَّائِي فَقِيهًا كَانَتْ الْوِلَايَةُ قَضَاءً أَوْ أَمِيرًا فَوَالٍ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ فَمَلِكٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ تَنْصَرِفُ لِلْخَيْرِ بِقَرِينَةِ الرَّائِي وَحَالِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الشَّرَّ، وَتَنْصَرِفُ لِلشَّرِّ بِقَرِينَةِ الرَّائِي وَحَالِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الْخَيْرَ كَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مَاتَ فَالرَّجُلُ الْخَيِّرُ مَاتَتْ حُظُوظُهُ وَصَلَحَتْ نَفْسُهُ، وَالرَّجُلُ الشِّرِّيرُ مَاتَ قَلْبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أَيْ كَافِرًا فَأَسْلَمَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١] أَيْ الْكَافِرَ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلِمَ مِنْ الْكَافِرِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ، وَالْمُتَرَادِفَةُ كَالْفَاكِهَةِ فَالصَّفْرَاءُ تَدُلُّ عَلَى
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَجَبِ وَقَاعِدَةِ التَّسْمِيعِ]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَجَبِ وَقَاعِدَةِ التَّسْمِيعِ) وَهُوَ أَنَّهُمَا، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعْصِيَةً لَا تُحْبِطُ الْعِبَادَةَ لِكَوْنِهَا تَقَعُ قَبْلَهُمَا خَالِصَةً بِخِلَافِ الرِّيَاءِ فَإِنَّهُ يُقَارِنُهَا فَيُحْبِطُهَا، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ كَوْنُ الْعَجَبِ مَعْصِيَةً لَا تُحْبِطُ الْعِبَادَةَ إلَخْ، وَأَمَّا التَّسْمِيعُ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ يُنَادَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا فُلَانُ عَمِلَ عَمَلًا لِي ثُمَّ أَرَادَ بِهِ غَيْرِي فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إخْبَارِ الشَّخْصِ بِمَا عَمِلَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَخْلَصَ فِيهَا لِيُعْتَقَدَ فِيهِ، وَيُكْرَمَ بِخِلَافِ الرِّيَاءِ فَإِنَّهُ كَمَا فِي تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ قَدْ سَرَّهُ تَرْكُ الْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ بِمُلَاحَظَةِ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِيهِ إلَّا أَنَّ التَّسْمِيعَ يُفَارِقُ الْعَجَبَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَالْعَجَبُ يَكُونُ بِالْقَلْبِ كَمَا عَلِمْت، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ]
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ)
وَهُوَ أَنَّ الْقَضَاءَ قِيلَ: مُرَادِفٌ لِلْقَدَرِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ لَكِنَّهُ قَوِيٌّ وَعَلَيْهِ فَهَلْ هُمَا إرَادَةٌ فَقَطْ أَوْ إرَادَةٌ وَعِلْمٌ أَوْ هُمَا وَقُدْرَةٌ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ تَبَايُنُهُمَا وَعَلَيْهِ فَقِيلَ: الْقَضَاءُ إرَادَةٌ وَالْقَدَرُ إيجَادُ مُمْكِنٍ وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ أَيْ الْقَضَاءُ إيجَادُ مُمْكِنٍ وَالْقَدَرُ إرَادَةٌ وَقَالَ السَّنُوسِيُّ: الْقَدَرُ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ مَعًا فِي الْأَزَلِ بِالْمُمْكِنِ، وَالْقَضَاءُ إجْرَاءُ الْمُمْكِنِ عَلَى وَفْقِ مَا مَضَى بِهِ الْقَدَرُ وَالْعِلْمُ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْقَدَرُ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ فِي الْأَزَلِ بِالْمُمْكِنِ وَالْقَضَاءُ الْإِرَادَةُ بِحُكْمٍ خَبَرِيٍّ كَإِرَادَتِهِ - تَعَالَى - لِزَيْدٍ بِالسَّعَادَةِ مَعَ إخْبَارِهِ بِكَلَامِهِ وَقَدْ نَظَمَ الرَّهُونِيُّ حَاصِلَ هَذَا بِقَوْلِهِ
وَفِي تَبَايُنِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرْ ... أَوْ التَّرَادُفِ خِلَافٌ اشْتَهَرْ
وَالْأَوَّلُ الْمَعْزُوُّ لِلْجُمْهُورِ ... وَالثَّانِي قَوْلٌ لَيْسَ بِالْمَهْجُورِ
ثُمَّ عَلَيْهِ هَلْ هُمَا إرَادَةٌ ... أُوتِيَ وَعِلْمٌ أَوْ هُمَا وَقُدْرَةٌ
ثُمَّ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا اخْتُلِفْ ... عَلَى أَقَاوِيلَ فَهَاكَ مَا عُرِفْ
قِيلَ الْقَضَاءُ إرَادَةٌ ثُمَّ الْقَدَرْ ... إيجَادُ مُمْكِنٍ وَعَكْسُ ذَا اشْتَهَرْ
وَلِلسُّنُوسِيِّ الْإِمَامِ وَقَعَا ... تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ مَعَا
فِي أَزَلٍ قُلْ قَدَرٌ ثُمَّ الْقَضَا ... إجْرَاءُ مُمْكِنٍ بِوَفْقِ مَا مَضَى
أَوْ قَدْرُ تَعَلُّقِ الْإِرَادَهْ ... فِي أَزَلٍ فَحَصَلَ الْإِفَادَهْ
ثُمَّ الْإِرَادَةُ بِحُكْمٍ خَبَرِي ... قُضِيَ وَهَذَا لِلْقَرَافِيِّ السَّرِيّ
стр. 1004
الْهَمِّ وَحَمْلُ الصَّغِيرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا وَالْمُتَبَايِنُ كَالْأَخْذِ مِنْ الْمَيِّتِ وَالدَّفْعِ لَهُ الْأَوَّلُ جَيِّدٌ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ مِنْ جِهَةٍ مَيْئُوسٍ مِنْهَا، وَالثَّانِي رَدِيءٌ؛ لِأَنَّهُ صَرْفُ رِزْقٍ لِمَنْ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ لِمَنْ لَا دِينَ لَهُ؛ لِأَنَّ الدِّينَ ذَهَبَ عَنْ الْمَوْتَى لِذَهَابِ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ، وَالْمَجَازُ وَالْحَقِيقَةُ كَالْبَحْرِ هُوَ السُّلْطَانُ حَقِيقَةً وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ سَعَةِ الْعِلْمِ مَجَازًا، وَالْعُمُومُ كَمَنْ رَأَى أَنَّ أَسْنَانَهُ كُلَّهَا سَقَطَتْ فِي التُّرَابِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ أَقَارِبُهُ كُلُّهَا، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إنَّمَا يَمُوتُ بَعْضُ أَقَارِبِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَكَالرُّؤْيَا يَرَاهَا الرَّائِي لِشَخْصٍ، وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ يُشْبِهُهُ أَوْ بَعْضُ أَقَارِبِهِ، أَوْ مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّنْ يُشَارِكُهُ فِي صِفَتِهِ فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِهِ كَمَا عَبَّرْنَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِأَبِي حَنِيفَةَ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي صِفَةِ الْفِقْهِ وَعَبَّرْنَا عَنْ زَيْدٍ بِزُهَيْرٍ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي الشَّعْرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُثُلِ وَالْقَلْبِ كَمَا رَأَى الْمِصْرِيُّونَ أَنَّ رَوَاسَا أَخَذَ مِنْهُمْ الْمُلْكَ فَعَبَّرَ لَهُمْ بِأَنَّ شَاوَرَ يَأْخُذُهُ وَكَانَ كَذَلِكَ وَقَلَبَ رواس شَاوَرَ وَجَمْعُ هَذَا الْمِثَالِ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالتَّصْحِيفِ فَإِنَّ السِّينَ الْمُهْمَلَةَ صُحِّفَتْ بِالْمُعْجَمَةِ الَّتِي هِيَ الشِّينُ وَرَأَى مَلِكُ الْعَرَبِ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: خَالِفْ الْحَقَّ مِنْ عُذْرٍ فَقِيلَ: لَهُ أَنْتَ تَقْصِدُ النَّكْثَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَحَذِرْت مِنْ ذَلِكَ فِي الرُّؤْيَا خَالِفْ الْحَقَّ مِنْ غَدْرٍ فَدَخَلَهُ التَّصْحِيفُ فَقَطْ وَبَسْطُ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ فِي كُتُبِ التَّعْبِيرِ وَإِنَّمَا قَصَدْت التَّنْبِيهَ عَلَى هَذِهِ الْمُثُلِ كَالْأَلْفَاظِ فِي الدَّلَالَةِ، وَأَنَّهَا تُشَارِكُهَا فِي أَحْوَالِهَا (تَنْبِيهٌ)
اعْلَمْ أَنَّ تَفْسِيرَ الْمَنَامَاتِ قَدْ اتَّسَعَتْ تَقْيِيدَاتُهُ وَتَشَعَّبَتْ تَخْصِيصَاتُهُ وَتَنَوَّعَتْ تَعْرِيفَاتُهُ بِحَيْثُ صَارَ الْإِنْسَانُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِيهِ عَلَى مُجَرَّدِ الْمَنْقُولَاتِ لِكَثْرَةِ التَّخْصِيصَاتِ بِأَحْوَالِ الرَّائِينَ بِخِلَافِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالتَّحَدُّثِ فِي الْفِقْهِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ فَإِنَّ ضَوَابِطَهَا إمَّا مَحْصُورَةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ مِنْ الْحَصْرِ وَعِلْمُ الْمَنَامَاتِ مُنْتَشِرٌ انْتِشَارًا شَدِيدًا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ ضَبْطٍ فَلَا جَرَمَ احْتَاجَ النَّاظِرُ فِيهِ مَعَ ضَوَابِطِهِ وَقَرَائِنِهِ إلَى قُوَّةٍ مِنْ قُوَى النُّفُوسِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْفِرَاسَةِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ بِحَيْثُ إذَا تَوَجَّهَ الْحَزْرُ إلَى شَيْءٍ لَا يَكَادُ يُخْطِئُ بِسَبَبِ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي تِلْكَ النُّفُوسِ مِنْ الْقُوَّةِ الْمُعِينَةِ عَلَى تَقْرِيبِ الْغَيْبِ أَوْ تَحَقُّقِهِ كَمَا قِيلَ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إلَى الْغَيْبِ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ إشَارَةً إلَى قُوَّةٍ أَوْدَعَهُ اللَّهُ إيَّاهَا فَرَأَى بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي نَفْسِهِ مِنْ الصَّفَاءِ وَالشُّفُوفِ وَالرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ.
وَقَدْ يَهَبُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - ذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَعَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا، وَالسَّخَطُ وَعَدَمُ الرِّضَا بِهِ حَرَامٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِأَنْ لَا نَتَعَرَّضَ لِجِهَةِ رَبِّنَا إلَّا بِالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلَا نَتَعَرَّضَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُنَا سَاخِطًا لِقَضَائِهِ - تَعَالَى -: أَيَّ شَيْءٍ عَمِلْت حَتَّى أَصَابَنِي مِثْلُ هَذَا وَمَا ذَنْبِي وَمَا كُنْت أَسْتَأْهِلُ هَذَا وَفِي الزَّوَاجِرِ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ «مَنْ سَخِطَ رِزْقَهُ وَبَثَّ شَكْوَاهُ وَلَمْ يَصْبِرْ لَمْ يَصْعَدْ لَهُ إلَى اللَّهِ عَمَلٌ وَلَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . اهـ.
وَأَمَّا الْمَقْضِيُّ وَالْمَقْدُورُ فَهُوَ أَثَرُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَلَيْسَ الرِّضَا بِهِ وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ كَمَا هُوَ زَعْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ هُوَ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ حَتَّى بَعَثَ هَؤُلَاءِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ: إنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْأَوْلِيَاءِ خَاصَّةً فَهُوَ عَزِيزُ الْوُجُودِ بَلْ هُوَ كَالْمُتَعَذِّرِ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ أَنَّ الرِّضَا بِهِ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَالْوَاجِبَاتِ إذَا قَدَّرَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - لِلْإِنْسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا كَمَا فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَحَرَامًا كَمَا فِي الْمُحَرَّمَاتِ نَعَمْ الرِّضَا بِالْكُفْرِ لَا يَكُونُ كُفْرًا كَمَا زَعَمَ الْأَصْلُ إلَّا إذَا كَانَ مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِ، وَهُوَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا مِنْ الْكَافِرِ عِنَادًا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ ذَلِكَ عَادَةً أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ عَادَةً فَلَا عَلَى أَنَّ جَوَازَ الْكُفْرِ عِنَادٌ عَادَةً مِنْ الْبَعِيدِ الْمُشَبَّهِ بِالْمُحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا كُفْرَ عِنَادًا إلَّا لِحَامِلٍ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ وَيُرَجِّحُهُ عِنْدَهُ، وَكَرَاهِيَتُهُ إيَّاهُ مَعَ رُجْحَانِهِ عَادَةً كَالْمُتَنَاقَضِينَ، وَأَمَّا كَرَاهِيَةُ الْمَعْصِيَةِ فَهِيَ مُمْكِنَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاصٍ عَالِمٌ بِعِصْيَانِهِ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَمَا فِي الْمُبَاحَاتِ مِنْ نَحْوِ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا وَمُؤْلِمَاتِ الْحَوَادِثِ فَإِنَّا مَا أُمِرْنَا بِأَنْ تَطِيبَ لَنَا؛ إذْ هُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَيْسَ فِي طَبْعِ الْمُكَلَّفِ، وَالشَّرِيعَةُ لَمْ تَرِدْ بِتَكْلِيفِ أَحَدٍ بِمَا لَيْسَ فِي طَبْعِهِ فَالْأَرْمَدُ مَثَلًا لَمْ يُؤْمَرْ بِاسْتِطَابَةِ الرَّمَدِ الْمُؤْلِمِ بَلْ ذَمَّ اللَّهُ قَوْمًا لَا يَتَأَلَّمُونَ، وَلَا يَجِدُونَ لِلْبَأْسَاءِ وَقْعًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] فَمَنْ لَمْ يَسْتَكِنْ وَلَمْ يَذِلَّ لِلْمُؤْلِمَاتِ وَيُظْهِرْ الْجَزَعَ مِنْهَا، وَيَسْأَلْ رَبَّهُ إقَالَةَ الْعَثْرَةِ مِنْهَا فَهُوَ جَبَّارٌ عَنِيدٌ بَعِيدٌ عَنْ طُرُقِ الْخَيْرِ، وَأَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ لَيْسَ بِنَادِرٍ، وَلَا مُتَعَذِّرٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعَوَامّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا يَأْلَمُونَ مِنْ الْمَقْضِيِّ فَقَطْ.
وَأَمَّا التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالتَّجْوِيرِ، وَالْقَضَاءُ بِغَيْرِ الْعَدْلِ فَهَذَا لَا يَكَادُ يُوجَدُ إلَّا نَادِرًا مِنْ الْفُجَّارِ
стр. 1005
بِاعْتِبَارِ الْمَنَامَاتِ فَقَطْ أَوْ بِحِسَابِ عِلْمِ الرَّمْلِ فَقَطْ أَوْ الْكَتْفِ الَّذِي لِلْغَنَمِ فَقَطْ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَنْفَتِحُ لَهُ بِصِحَّةِ الْقَوْلِ وَالنُّطْقِ فِي غَيْرِهِ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ فِي هَذَا النَّوْعِ صَالِحَةٍ لِعِلْمِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا، وَلَا يَكَادُ يُصِيبُ إلَّا عَلَى النُّدْرَةِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التَّوَجُّهُ إلَى عِلْمِ التَّعْبِيرِ فِي الرُّؤْيَا، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ فَهُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِتَعْبِيرِهِ وَقَدْ رَأَيْت مِمَّنْ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ مَعَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ فَكَانَ يَتَحَدَّثُ بِالْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ فِي الْمَنَامِ اللَّطِيفِ وَيُخْرِجُ مِنْهُ الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ وَالْأَحْوَالَ الْمُتَبَايِنَةَ وَيُخْبِرُ فِيهِ عَنْ الْمَاضِيَاتِ وَالْحَاضِرَاتِ وَالْمُسْتَقْبِلَات وَيَنْتَهِي فِي الْمَنَامِ الْيَسِيرِ إلَى نَحْوِ الْمِائَةِ مِنْ الْأَحْكَامِ بِالْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ حَتَّى يَقُولَ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِأَحْوَالِ قُوَى النُّفُوسِ: إنَّ هَذَا مِنْ الْجَانِّ أَوْ الْمُكَاشَفَةِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ قُوَّةُ نَفْسٍ يَجِدُ بِسَبَبِهَا تِلْكَ الْأَحْوَالَ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ لِلْمَنَامِ، وَلَيْسَ هُوَ صَلَاحٌ، وَلَا كَشْفٌ، وَلَا مِنْ قِبَلِ الْجَانِّ وَقَدْ رَأَيْت أَنَا مِنْ هَذَا النَّوْعِ جَمَاعَةً وَاخْتَبَرْتُهُمْ فَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ عَسُرَ عَلَيْهِ تَعَاطِي عِلْمِ التَّعْبِيرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَك أَنْ تَطْمَعَ فِي أَنْ يَحْصُلَ لَك بِالتَّعَلُّمِ وَالْقِرَاءَةِ وَحِفْظِ الْكُتُبِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَك قُوَّةُ نَفْسٍ فَلَا تَجِدُ ذَلِكَ أَبَدًا، وَمَتَى كَانَتْ لَك هَذِهِ الْقُوَّةُ حَصَلَ ذَلِكَ بِأَيْسَرِ سَعْيٍ وَأَدْنَى ضَبْطٍ فَاعْلَمْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ فَقَدْ خَفِيَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبَاحُ فِي عِشْرَةِ النَّاسِ مِنْ الْمُكَارَمَةِ وَقَاعِدَةِ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يُبَاحُ مِنْ إكْرَامِ النَّاسِ قِسْمَانِ
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) : مَا وَرَدَتْ بِهِ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ مِنْ إفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالْمُصَافَحَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالِاسْتِئْذَانِ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَأَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى تَكْرِمَةِ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ أَيْ عَلَى فِرَاشِهِ، وَلَا يَؤُمَّ فِي مَنْزِلِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ أَحَدًا فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا لَمْ يَرِدْ فِي النُّصُوصِ وَلَا كَانَ فِي السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ أَسْبَابُ اعْتِبَارِهِ مَوْجُودَةً حِينَئِذٍ وَتَجَدَّدَتْ فِي عَصْرِنَا فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ لِتَجَدُّدِ أَسْبَابِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرْعٌ مُسْتَأْنَفٌ بَلْ عُلِمَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ لَوْ وُجِدَتْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ لَكَانَتْ هَذِهِ الْمُسَبِّبَاتُ مِنْ فِعْلِهِمْ وَصُنْعِهِمْ وَتَأَخَّرَ الْحُكْمُ لِتَأَخُّرِ سَبَبِهِ وَوُقُوعُهُ عِنْدَ وُقُوعِ سَبَبِهِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ تَجْدِيدَ شَرْعٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالْمَرَدَةِ، وَإِنَّا نَجْزِمُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَأَلَّمَ لِقَتْلِ عَمِّهِ حَمْزَةَ وَمَوْتِ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ وَرَمْيِ عَائِشَةَ بِمَا رُمِيَتْ بِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ الْمَقْضِيِّ وَنَجْزِمُ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ طِبَاعُهُمْ تَتَأَلَّمُ، وَتَتَوَجَّعُ مِنْ الْمُؤْلِمَاتِ، وَتُسَرُّ بِالْمَسَرَّاتِ وَإِذَا كَانَ الرِّضَا بِالْمَقْضِيَّاتِ غَيْرَ حَاصِلٍ فِي طَبَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ فَغَيْرُهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَقُّ تَفْسِيرُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ بِمَا قُلْنَا لَا بِمَا قَالُوا، وَهُوَ بِتَفْسِيرِنَا مُتَيَسِّرٌ عَلَى أَكْثَرِ الْعَوَامّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَضْلًا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَبِتَفْسِيرِهِمْ لَا طَمَعَ فِيهِ فَهُوَ غَلَطٌ هَذَا تَهْذِيبُ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ مَعَ زِيَادَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ)
كَوْنُ الْمَقْضِيِّ يَكُونُ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، وَلَا يَجِبُ الرِّضَا بِهِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ كَسْبِنَا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ خَلْقِ اللَّهِ إيَّاهُ فَحَسَنٌ يَجِبُ الرِّضَا بِهِ؛ إذْ كُلُّ مَا صَدَرَ عَنْهُ فَضْلٌ أَوْ عَدْلٌ فِي عَبِيدِهِ وَلِسَيِّدِي مُحَمَّدِ وَفَا ﵁
سَمِعْت اللَّهَ فِي سِرِّي يَقُولُ ... أَنَا فِي الْمُلْكِ وَحْدِي لَا أَزُولُ
وَحَيْثُ الْكُلُّ مِنِّي لَا قَبِيحُ ... وَقُبْحُ الْقُبْحِ مِنْ حَيْثِيّ جَمِيلُ
وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ لَهُ جِهَتَانِ كَوْنُهُ مَقْضِيًّا لَهُ - تَعَالَى - وَكَوْنُهُ مُكْتَسَبًا لِلْعَبْدِ فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الرِّضَا بِالْقَدَرِ أَيْ مَا يَقَعُ مِنْ الْعَبْدِ الْمُقَدَّرِ فِي الْأَزَلِ.
وَهُوَ الْمَقْدُورُ مِنْ الْجِهَةِ الْأُولَى لَا الثَّانِيَةِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: يَجِبُ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ يَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ قَالَ ﷺ «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ» وَأَمَّا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] فَوَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ أَيْ كَيْفَ تَكُونُ هَذِهِ التَّفْرِقَةُ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مُجَرَّدِ السَّبَبِيَّةِ رُوِيَ لِأَصْبَغَ بْنِ نَبَاتَةَ أَنَّ شَيْخًا قَامَ إلَى عَلِيٍّ ﵁ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ صِفِّينَ فَقَالَ أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِنَا إلَى الشَّامِ أَكَانَ بِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَقَدَرِهِ فَقَالَ: وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا وَطِئْنَا مَوْطِئًا، وَلَا هَبَطْنَا وَادِيًا، وَلَا عَلَوْنَا تَلْعَةً إلَّا بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ فَقَالَ الشَّيْخُ: عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي مَا أَرَى لِي مِنْ الْأَجْرِ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ: مَهْ أَيُّهَا الشَّيْخُ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ فِي مَسِيرِكُمْ، وَأَنْتُمْ سَائِرُونَ، وَفِي مُنْصَرَفِكُمْ وَأَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ وَلَمْ تَكُونُوا فِي شَيْءٍ مِنْ حَالَاتِكُمْ مُكْرَهِينَ. وَلَا إلَيْهَا مُضْطَرِّينَ فَقَالَ الشَّيْخُ: كَيْفَ وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ سَاقَانَا فَقَالَ: وَيْحَك لَعَلَّك ظَنَنْت قَضَاءً لَازِمًا وَقَدَرًا حَتْمًا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَلَمْ
стр. 1006
وَلَا عَدَمَهُ كَمَا لَوْ أَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - حُكْمًا فِي اللِّوَاطِ مِنْ رَجْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُوبَاتِ فَلَمْ يُوجَدْ اللِّوَاطُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَوُجِدَ فِي زَمَنِنَا اللِّوَاطُ فَرَتَّبْنَا عَلَيْهِ تِلْكَ الْعُقُوبَةَ لَمْ نَكُنْ مُجَدِّدِينَ لِشَرْعٍ بَلْ مُتَّبِعِينَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ بِنَصٍّ أَوْ بِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ مَا فِي زَمَانِنَا مِنْ الْقِيَامِ لِلدَّاخِلِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَإِحْنَاءِ الرَّأْسِ لَهُ إنْ عَظُمَ قَدْرُهُ جِدًّا وَالْمُخَاطَبَةُ بِجَمَالِ الدِّينِ وَنُورِ الدِّينِ وَعِزِّ الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النُّعُوتِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى وَالْمُكَاتَبَاتِ بِالنُّعُوتِ أَيْضًا كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِهِ وَتَسْطِيرِ اسْمِ الْإِنْسَانِ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِالْمَجْلِسِ الْعَالِي وَالسَّامِي وَالْجَنَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْعُرْفِيَّةِ وَالْمُكَاتَبَاتِ الْعَادِيَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ تَرْتِيبُ النَّاسِ فِي الْمَجَالِسِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي ذَلِكَ، وَأَنْوَاعُ الْمُخَاطَبَاتِ لِلْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَأُولِي الرِّفْعَةِ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْعُظَمَاءِ فَهَذَا كُلُّهُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ لَمْ تَكُنْ فِي السَّلَفِ.
وَنَحْنُ الْيَوْمَ نَفْعَلُهُ فِي الْمُكَارَمَاتِ وَالْمُوَلَّاةِ، وَهُوَ جَائِزٌ مَأْمُورٌ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِدْعَةً وَلَقَدْ حَضَرْت يَوْمًا عِنْدَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ وَأُولِي الْجِدِّ فِي الدِّينِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً وَعَامَّةً وَالثَّبَاتِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالْمُلُوكِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَقَدِمَتْ إلَيْهِ فُتْيَا فِيهَا: مَا تَقُولُ أَئِمَّةُ الدِّينِ - وَفَّقَهُمْ اللَّهُ - فِي الْقِيَامِ الَّذِي أَحْدَثَهُ أَهْلُ زَمَانِنَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا يَجُوزُ وَيَحْرُمُ فَكَتَبَ إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» وَتَرْكُ الْقِيَامِ فِي هَذَا الْوَقْتِ يُفْضِي لِلْمُقَاطَعَةِ وَالْمُدَابَرَةِ فَلَوْ قِيلَ: بِوُجُوبِهِ مَا كَانَ بَعِيدًا هَذَا نَصُّ مَا كُتِبَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَلَا نُقْصَانٍ فَقَرَأْتهَا بَعْدَ كِتَابَتِهَا فَوَجَدْتهَا هَكَذَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقَضِيَّةٌ عَلَى قَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ أَيْ يُحْدِثُوا أَسْبَابًا يَقْتَضِي الشَّرْعُ فِيهَا أُمُورًا لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ عَدَمِ سَبَبِهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّهَا شَرْعٌ مُتَجَدِّدٌ كَذَلِكَ هَا هُنَا فَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ يَجْرِي هَذَا الْقِسْمُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُبِيحَ مُحَرَّمًا، وَلَا يَتْرُكَ وَاجِبًا فَلَوْ كَانَ الْمَلِكُ لَا يَرْضَى مِنْهُ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَعَاصِي لَمْ يَحِلَّ لَنَا أَنْ نُوَادَّهُ بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ، وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأَسْبَابُ الْمُتَجَدِّدَةُ كَانَتْ مَكْرُوهَةً مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ فَلَمَّا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
تَأْتِ لَائِمَةٌ مِنْ اللَّهِ لِمُذْنِبٍ، وَلَا مَحْمَدَةٌ لِمُحْسِنٍ وَلَمْ يَكُنْ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِالْمَدْحِ مِنْ الْمُسِيءِ، وَلَا الْمُسِيءُ أَوْلَى بِالذَّمِّ مِنْ الْمُحْسِنِ تِلْكَ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَجُنُودِ الشَّيْطَانِ وَشُهُودِ الزُّورِ وَأَهْلِ الْعَمَى عَنْ الصَّوَابِ وَهُمْ قَدَرِيَّةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَمَجُوسُهَا إنَّ اللَّهَ أَمَرَ تَخْيِيرًا وَنَهَى تَحْذِيرًا وَكَلَّفَ يَسِيرًا لَمْ يُعْصَ مَغْلُوبًا وَلَمْ يُطَعْ مُكْرِهًا. وَلَمْ يُرْسِلْ الرُّسُلَ إلَى خَلْقِهِ عَبَثًا، وَلَمْ يَخْلُقْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] فَقَالَ الشَّيْخُ: وَمَا الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ اللَّذَانِ مَا سِرْنَا إلَّا بِهِمَا قَالَ هُوَ الْأَمْرُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُكْمُ ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] اهـ أَفَادَهُ الْعَطَّارُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ قُلْت: وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ مَا لِلْأَصْلِ مِنْ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ غَيْرُ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ لِلْمَقْضِيِّ، وَأَنَّ اعْتِقَادَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ هُوَ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْأُولَى لِلْمَقْضِيِّ نَعَمْ لَا يَظْهَرُ قَوْلُهُمْ: إنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْأَوْلِيَاءِ إلَخْ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَلَا تَنْظُرْ لِمَنْ قَالَ، بَلْ لِمَا قَالَ كَمَا هُوَ دَأْبُ الرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْكَمَالِ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُكَفِّرَاتِ وَقَاعِدَةِ أَسْبَابِ الْمَثُوبَاتِ]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُكَفِّرَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمَثُوبَاتِ) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَرِيقَةِ الْأَصْلِ، وَهِيَ أَنَّ لِلْمَثُوبَاتِ شَرْطَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ وَمَقْدُورِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: - ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فَحَصَرَ مَالَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ سَعْيِهِ وَكَسْبِهِ وقَوْله تَعَالَى: - ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] فَحَصَرَ الْجَزَاءَ فِيمَا هُوَ مَعْمُولٌ لَنَا وَمَقْدُورٌ
(وَالشَّرْطُ الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُكْتَسَبُ مَأْمُورًا بِهِ فَلَا ثَوَابَ فِيمَا لَا أَمْرَ فِيهِ كَالْأَفْعَالِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَكَأَفْعَالِ الْحَيَوَانَاتِ الْعَجْمَاوَاتِ فَإِنَّهَا لِعَدَمِ الْأَمْرِ بِهَا لَا ثَوَابَ لَهَا فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُكْتَسَبَةً مُرَادُهُ لَهَا وَاقِعَةٌ بِاخْتِيَارِهَا، وَكَالْمَوْتَى يَسْمَعُونَ فِي قُبُورِهِمْ الْمَوَاعِظَ وَالْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ؛ إذْ لَا ثَوَابَ لَهُمْ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ غَيْرُ مَأْمُورِينَ، وَلَا مَنْهِيِّينَ، وَأَنَّ الْمُكَفِّرَاتِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ هِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ لِأَنَّهَا إمَّا مِنْ بَابِ الْحَسَنَاتِ فَتَكُونُ مُكْتَسَبَةً مَقْدُورَةً قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: - ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ، وَإِمَّا مِنْ بَابِ التَّوْبَةِ وَالْعُقُوبَاتِ فَتُكَفِّرُ السَّيِّئَاتِ وَتَمْحُو آثَارَهَا، وَإِمَّا مِنْ بَابِ الْمَصَائِبِ الْمُؤْلِمَاتِ فَتُكَفِّرُ الذُّنُوبَ جَزْمًا سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِهَا السَّخَطُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ لَا التَّأَلُّمِ مِنْ الْمَقْضِيَّاتِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوْ اقْتَرَنَ بِهَا الصَّبْرُ وَالرِّضَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَبَبًا فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَحُصُولِ الْمَثُوبَاتِ ضَرُورَةَ أَنَّهَا غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُصِيبُ
стр. 1007
تَجَدَّدَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ صَارَ تَرْكُهَا يُوجِبُ الْمُقَاطَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ وَإِذَا تَعَارَضَ الْمَكْرُوهُ وَالْمُحَرَّمُ قُدِّمَ الْمُحَرَّمُ وَالْتُزِمَ دَفْعُهُ وَحَسْمُ مَادَّتِهِ، وَإِنْ وَقَعَ الْمُكْرَهُ هَذَا هُوَ قَاعِدَةُ الشَّرْعِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا التَّعَارُضُ مَا وَقَعَ إلَّا فِي زَمَانِنَا فَاخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ إمَّا مُحَرَّمٌ فَلَا تَجُوزُ الْمُوَادَّةُ بِهِ أَوْ مَكْرُوهٌ فَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ تَعَارُضٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَرَّمٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ قُلْت: فَيَنْقَسِمُ الْقِيَامُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ مُحَرَّمٌ إنْ فُعِلَ تَعْظِيمًا لِمَنْ يُحِبُّهُ تَجَبُّرًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَمَكْرُوهٌ إذَا فُعِلَ تَعْظِيمًا لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْجَبَابِرَةِ وَيُوقِعُ فَسَادَ قَلْبِ الَّذِي يُقَامُ لَهُ، وَمُبَاحٌ إذَا فُعِلَ إجْلَالًا لِمَنْ لَا يُرِيدُهُ، وَمَنْدُوبٌ لِلْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ فَرَحًا بِقُدُومِهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَوْ يَشْكُرَ إحْسَانَهُ أَوْ الْقَادِمِ الْمُصَابِ لِيُعَزِّيَهُ بِمُصِيبَتِهِ؛ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ أَوْ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَبَيَّنَ قِيَامَهُ ﵇ لِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ لَمَّا قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ فَرَحًا بِقُدُومِهِ، وَقِيَامِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ لِيُهَنِّئَهُ بِتَوْبَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِ بِحُضُورِهِ ﵇ وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﵇ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَكَانَ كَعْبٌ يَقُولُ: لَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ «وَكَانَ ﵇ يَكْرَهُ أَنْ يُقَامَ لَهُ» فَكَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ إجْلَالًا لِكَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ وَإِذَا قَامَ إلَى بَيْتِهِ لَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ ﷺ لِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ تَعْظِيمِهِ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ، وَقَالَ ﵇ لِلْأَنْصَارِ «قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ» قِيلَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَهُوَ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: لِيُعِينُوهُ عَلَى النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ قُلْت: وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ مَحَبَّةِ الْقِيَامِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ تَجَبُّرًا أَمَّا مَنْ أَرَادَهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّقِيصَةِ بِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَحَبَّةَ دَفْعِ الْأَسْبَابِ الْمُؤْلِمَةِ مَأْذُونٌ فِيهَا بِخِلَافِ التَّكَبُّرِ، وَمَنْ أَحَبَّ ذَلِكَ تَجَبُّرًا أَيْضًا لَا يُنْهَى عَنْ الْمَحَبَّةِ وَالْمَيْلِ لِذَلِكَ الطَّبِيعِيِّ بَلْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ أَذِيَّةِ النَّاسِ إذَا لَمْ يَقُومُوا وَمُؤَاخَذَتِهِمْ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْأُمُورَ الْجِبِلِّيَّةَ لَا يُنْهَى عَنْهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَشْرُوعِ مِنْ الْمُوَادَّةِ وَغَيْرِ الْمَشْرُوعِ
وَهَا هُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
الْمُصَافَحَةُ، وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا تَلَاقَى الرَّجُلَانِ فَتَصَافَحَا تَحَاتَّتْ ذُنُوبُهُمَا، وَكَانَ أَقْرَبُهُمَا إلَى اللَّهِ أَكْثَرَهُمَا بِشْرًا» فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمُصَافَحَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الزَّمَانِ مِنْ الْمُصَافَحَةِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ بِدْعَةٌ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَكَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْهَى عَنْهُ وَيُنْكِرُهُ عَلَى فَاعِلِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا ذُنُوبَهُ» خِلَافًا لِمَا يَعْتَقِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مِنْ أَنَّهَا تَكُونُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ وَمَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ تَرْتِيبِهِ الْمَثُوبَاتِ عَلَى الْمَصَائِبِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا صَبَرَ لَيْسَ إلَّا فَإِنَّهُ إنْ صَبَرَ اجْتَمَعَ لَهُ التَّكْفِيرُ وَالْأَجْرُ.
وَإِنْ تَسَخَّطَ فَقَدْ يَعُودُ الَّذِي تَكَفَّرَ بِالْمُصِيبَةِ بِمَا جَنَاهُ مِنْ السَّخَطِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ فَقَوْلُهُ: ﵇ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «لَا يَمُوتُ لِأَحَدِكُمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ إلَّا كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ قَالَتْ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ وَخِلْته لَوْ قُلْت لَهُ: وَوَاحِدٌ لَقَالَ: وَوَاحِدٌ» مَعْنَاهُ أَنَّ مُصِيبَةَ فَقْدِ الْوَلَدِ تُكَفِّرُ ذُنُوبًا كَانَ شَأْنَهَا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا النَّارَ فَلَمَّا كَفَّرَتْ تِلْكَ الذُّنُوبَ بَطَلَ دُخُولُ النَّارِ بِسَبَبِهَا فَصَارَتْ الْمُصِيبَةُ كَالْحِجَابِ الْمَانِعِ مِنْ دُخُولِ النَّارِ مِنْ جِهَةِ مَجَازِ التَّشْبِيهِ ثُمَّ إنَّ تَكْفِيرَ مَوْتِ الْأَوْلَادِ وَنَحْوِهِمْ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ الْآلَامِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ فَقْدِ الْمَحْبُوبِ فَإِنْ كَثُرَ كَثُرَ التَّكْفِيرُ، وَإِنْ قَلَّ قَلَّ التَّكْفِيرُ فَلَا جَرَمَ يَكُونُ التَّكْفِيرُ عَلَى قَدْرِ نَفَاسَةِ الْوَلَدِ فِي صِفَاتِهِ أَوْ نَفَاسَتِهِ فِي بِرِّهِ وَأَحْوَالِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مَكْرُوهًا يُسَرُّ بِفَقْدِهِ فَلَا كَفَّارَةَ بِفَقْدِهِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ ﵇ التَّكْفِيرَ بِمَوْتِ الْأَوْلَادِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ أَنَّهُ يُؤْلِمُ، قَالَ: فَظَهَرَ بِهَذِهِ التَّقَارِيرِ وَالْمَبَاحِثِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُكَفِّرَاتِ وَأَسْبَابِ الْمَثُوبَاتِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ لِمُصَابٍ بِمَرَضٍ أَوْ فَقْدِ مَحْبُوبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: جَعَلَ اللَّهُ لَك هَذِهِ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةً؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ قَطْعًا، وَالدُّعَاءُ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَقَدْ بَسَطْت هَذَا فِي كِتَابِ الْمُنْجِيَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ فِي الْأَدْعِيَةِ بَلْ يُقَالُ: اللَّهُمَّ عَظِّمْ لَهُ الْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ تَعْظِيمَهَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ بِخِلَافِ أَصْلِ التَّكْفِيرِ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ لَنَا بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يَجُوزُ طَلَبُهُ فَاعْلَمْ ذَلِكَ فِيهِ، وَفِي نَظَائِرِهِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
وَاخْتَارَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْجُمْهُورُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ الطَّرِيقَةَ الثَّانِيَةَ، وَهِيَ أَنَّ رَفْعَ الدَّرَجَاتِ وَحُصُولَ الْمَثُوبَاتِ لَا يُشْتَرَطُ فِي أَسْبَابِهَا كَوْنُهَا مُكْتَسَبَةً، وَلَا مَأْمُورًا بِهَا، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُكَفِّرَاتِ بَلْ هِيَ نَوْعٌ مِنْهَا، وَأَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ نَوْعَانِ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ غَيْرَ مُكْتَسَبٍ، وَلَا مَقْدُورٍ، وَمِنْ ذَلِكَ الْآلَامُ وَجَمِيعُ الْمَصَائِبِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ دَلَائِلُ.
وَظَوَاهِرُ الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَةٌ يُعَضِّدُهَا قَاعِدَةُ رُجْحَانِ جَانِبِ الْحَسَنَاتِ الْمَقْطُوعِ بِهَا اهـ وَقَدْ نَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْجَمَلُ عَلَى الْجَلَالَيْنِ عَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ كَالْكَرْخِيِّ أَنَّ مِنْ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ أَنَّ أَوْلَادَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِعَمَلِ آبَائِهِمْ كَمَا فِي آيَةِ ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور: ٢١]
стр. 1008
وَيَقُولُ: إنَّمَا شُرِعَتْ الْمُصَافَحَةُ عِنْدَ اللِّقَاءِ أَمَّا مَنْ هُوَ جَالِسٌ مَعَ الْإِنْسَانِ فَلَا يُصَافِحُهُ وَرَأَيْت بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: رُوِيَ فِي مُصَافَحَةِ مَنْ هُوَ جَالِسٌ مَعَك فِي حَدِيثٍ.
وَلَا أَعْلَمُ صِحَّةَ قَوْلِهِ، وَلَا صِحَّةَ الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمُصَافَحَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ حُجَّةُ الْكَرَاهَةِ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] قَالَ مَالِكٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَافَحَةَ وَلِأَنَّ السَّلَامَ يُنْتَهَى فِيهِ لِلْبَرَكَاتِ، وَلَا يُزَادُ فِيهِ قَوْلٌ، وَلَا فِعْلٌ حُجَّةُ الْمَشْهُورِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ قَالَ ﵇ «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ»
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) : الْمُعَانَقَةُ كَرِهَهَا مَالِكٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُرْوَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا مَعَ جَعْفَرٍ وَلَمْ يَصْحَبْهَا الْعَمَلُ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِهِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ: وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِوَدَاعٍ مِنْ فَرْطِ أَلَمِ الشَّوْقِ أَوْ مَعَ الْأَهْلِ وَدَخَلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى مَالِكٍ فَصَافَحَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ لَهُ: لَوْلَا أَنَّ الْمُعَانَقَةَ بِدْعَةٌ لَعَانَقْتُك فَقَالَ سُفْيَانُ: عَانَقَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمِنْك، النَّبِيُّ ﷺ عَانَقَ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ خَاصٌّ بِجَعْفَرٍ، قَالَ سُفْيَانُ: بَلْ عَامٌّ مَا يَخُصُّ جَعْفَرًا يَخُصُّنَا، وَمَا يَعُمُّ جَعْفَرًا يَعُمُّنَا إذَا كُنَّا صَالِحِينَ أَفَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُحَدِّثَ فِي مَجْلِسِك، قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ اعْتَنَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَقَالَ جَعْفَرٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِنَا خَلْقًا وَخُلُقًا يَا جَعْفَرُ مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْت بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْت، وَأَنَا أَمْشِي فِي بَعْضِ أَزِقَّتِهَا إذَا سَوْدَاءُ عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ فِيهِ بُرٌّ فَصَدَمَهَا رَجُلٌ عَلَى دَابَّتِهِ فَوَقَعَ مِكْتَلُهَا وَانْتَشَرَ بُرُّهَا فَأَقْبَلَتْ تَجْمَعُهُ مِنْ التُّرَابِ، وَهِيَ تَقُولُ: وَيْلٌ لِلظَّالِمِ مِنْ دَيَّانِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيْلٌ لِلظَّالِمِ مِنْ الْمَظْلُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيْلٌ لِلظَّالِمِ إذَا وُضِعَ الْكُرْسِيُّ لِلْفَصْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ ﵇ لَا يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا تَأْخُذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيِّهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتِعٍ» ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ قَدْ قَدِمْت لِأُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُبَشِّرَك بِرُؤْيَا رَأَيْتهَا فَقَالَ مَالِكٌ: رَأَتْ عَيْنَاك خَيْرًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - فَقَالَ سُفْيَانُ: رَأَيْت كَأَنَّ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَالنَّبِيُّ ﵇ يَرُدُّ بِأَحْسَنَ رَدٍّ قَالَ سُفْيَانُ فَإِنَّنِي بِك - وَاَللَّهِ أَعْرِفُك فِي مَنَامِي كَمَا أَعْرِفُك فِي يَقَظَتِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
إلَخْ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْغُلَامَيْنِ الْيَتِيمَيْنِ ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] فَانْتَفَعَا بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا، وَلَيْسَ مِنْ سَعْيِهِمَا وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] وَقَالَ - تَعَالَى - ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١] فَقَدْ رَفَعَ - تَعَالَى - الْعَذَابَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ بِسَبَبِ بَعْضٍ وَذَلِكَ انْتِفَاعٌ بِعَمَلِ الْغَيْرِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْتَفِعُ بِدُعَاءِ غَيْرِهِ، وَهُوَ انْتِفَاعٌ بِعَمَلِ الْغَيْرِ، وَمِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ فِي الْحِسَابِ ثُمَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي دُخُولِهَا ثُمَّ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ» وَهَذَا انْتِفَاعٌ بِسَعْيِ الْغَيْرِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَدْعُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ.
وَذَلِكَ مَنْفَعَةٌ بِعَمَلِ الْغَيْرِ.
وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْ النَّارِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ بِمَحْضِ رَحْمَتِهِ، وَهَذَا انْتِفَاعٌ بِغَيْرِ عَمَلِهِمْ.
وَمِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدِينِ حَتَّى قَضَى دَيْنَهُ أَبُو قَتَادَةَ وَقَضَى دَيْنَ الْآخَرِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَانْتَفَعَ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مِنْ عَمَلِ الْغَيْرِ، وَمِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» فَقَدْ حَصَلَ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَنْ تَأَمَّلَ الْعِلْمَ وَجَدَ مِنْ انْتِفَاعِ الْإِنْسَانِ بِمَا لَمْ يَعْمَلْهُ مَا لَا يَكَادُ يُحْصَى فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْتَفِعُ إلَّا بِعَمَلِهِ فَقَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَغَيْرِهَا اهـ وَمِثْلُهُ لِلْكَرْخِيِّ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْآيِ وَالْأَخْبَارِ وَالْخُصُوصِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَزِيَادَةِ النَّعِيمِ فَلَا يُسَمَّى ثَوَابًا، وَلَا أَجْرًا وَلَا جَزَاءً فَإِنَّهَا أَلْفَاظٌ مُشْعِرَةٌ بِالْإِعْطَاءِ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ فَالْأَمْرُ فِيمَا يَقُولُهُ قَرِيبٌ؛ إذْ لَا مُشَاحَّةَ فِي الْأَلْفَاظِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُهُ أَيْ الشِّهَابِ الْقَرَافِيِّ الْآيَتَيْنِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا عَلَى الْعُمُومِ مَعَ الْإِجْمَاعِ الْمَعْلُومِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْأَعْمَالِ الْمَالِيَّةِ كُلِّهَا مَعَ الْخِلَافِ فِي الْبَدَنِيَّةِ كُلِّهَا، أَوْ مَا عَدَا الصَّلَاةَ مِنْهَا. اهـ.
فَفِي حَاشِيَةِ الْبُنَانِيِّ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ نَقَلَ الْحَطَّابُ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَمَا تَطَوَّعَ وَلِيُّهُ عَنْهُ مَا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ إهْدَاءِ ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْقُرَبِ قَالَ: وَجُلُّهُمْ أَجَابَ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ أَثَرٌ، وَلَا شَيْءٌ عَمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ السَّلَفِ اُنْظُرْهُ.
وَقَدْ اعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ ابْنُ زِكْرِيٍّ بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَغَيْرِهَا «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْك فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ صَلَاتِي قَالَ مَا شِئْت قُلْت: الرُّبْعَ قَالَ مَا شِئْت، وَإِنْ زِدْت فَهُوَ خَيْرٌ لَك
стр. 1009
فَسَلَّمْتَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْك السَّلَامَ ثُمَّ رَمَى فِي حِجْرِك بِخَاتَمٍ نَزَعَهُ مِنْ أُصْبُعِهِ فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أَعْطَاك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَكَى مَالِكٌ بُكَاءً شَدِيدًا قَالَ سُفْيَانُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ قَالُوا لَهُ أَخَارِجٌ السَّاعَةَ قَالَ نَعَمْ فَوَدَّعَهُ مَالِكٌ وَخَرَجَ فَيُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ الْمُعَانَقَةَ وَرَدَتْ بِهَا السُّنَّةُ وَأَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يَعْتَقِدُ عُمُومَ مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَأَنَّ مَالِكًا كَانَ يَكْرَهُهَا
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ)
تَقْبِيلُ الْيَدِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَدِمَ الرَّجُلُ مِنْ سَفَرِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُقَبِّلَهُ ابْنَتُهُ وَأُخْتُهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ خَدَّ ابْنَتِهِ وَكُرِهَ أَنْ تُقَبِّلَهُ خَتَنَتُهُ وَمُعْتَقَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ أَبِيهِ، وَلَا يُقَبِّلُ خَدَّ أَبِيهِ أَوْ عَمَّهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ الْمَاضِينَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ «سَأَلَتْ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ التِّسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ لَهُمْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَى السُّلْطَانِ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً وَلَا تُوَلُّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةَ الْيَهُودُ أَنْ لَا تَعْدُوَا فِي السَّبْتِ فَقَامُوا فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّك نَبِيٌّ قَالَ فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتْبَعُونِي قَالُوا: إنَّ دَاوُد ﵇ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إنْ اتَّبَعْنَاك أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَتَقْبِيلُ الْيَهُودِ لِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ﵇ وَلَمْ يُنْكِرْهُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبَّلَ سَالِمًا وَقَالَ شَيْخٌ يُقَبِّلُ شَيْخًا إنَّ هَذَا جَائِزٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ «وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ وَاَللَّهِ مَا رَأَيْته عُرْيَانًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ «وَقَبَّلَ ﵇ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ» .
قَالَ وَأَمَّا الْقُبْلَةُ فِي الْفَمِ مِنْ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ فَلَا رُخْصَةَ فِيهَا بِوَجْهٍ قُلْت: بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَاشَوْنَ تَقْبِيلَ أَوْلَادِهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَيُقَبِّلُونَهُمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَرُءُوسِهِمْ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَرَّمَ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْمَحَارِمِ، وَالِاسْتِمْتَاعُ هُوَ أَنْ يَجِدَ لَذَّةً بِالْقُبْلَةِ فَمَنْ كَانَ يَجِدُ لَذَّةً بِهَا امْتَنَعَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ وَمَنْ كَانَ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الْخَدُّ وَالْفَمُ وَالرَّأْسُ وَالْعُنُقُ وَجَمِيعُ الْجَسَدِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْجَبْرِ وَالْحَنَانِ فَهَذَا هُوَ الْمُبَاحُ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا قُلْت: وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ وَلَقَدْ رَأَيْت
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قُلْت النِّصْفَ قَالَ مَا شِئْت، وَإِنْ زِدْت فَهُوَ خَيْرٌ لَك قَالَ: أَجْعَلُ صَلَاتِي كُلَّهَا لَك قَالَ قَالَ إذًا تُكْفَى هَمَّك وَيُغْفَرُ ذَنْبُك» اهـ بِلَفْظِهِ، وَفِي حَاشِيَةِ كَنُونٍ أَنَّ الشَّيْخَ الطَّيِّبَ بْنَ كَيْرَانِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ قَوْلُهُ: أُكْثِرُ الصَّلَاةَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ صَلَاتِي مَعْنَاهُ أُكْثِرُ الدُّعَاءَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ دُعَائِي صَلَاةً عَلَيْك اهـ قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ، وَلَوْ أُرِيدَ لَقِيلَ: فَكَمْ أَصْرِفُ لَك مِنْ وَقْتِ دُعَائِي مَثَلًا، وَيُؤَيِّدُ إرَادَةَ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ مَا فِي الْمَعْهُودِ لِلشُّهُودِ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَتَفْسِيرُ الْمُنْذِرِيِّ الْمُتَقَدِّمُ ذُكِرَ عَنْ أَبِي الْمَوَاهِبِ الشَّاذِلِيِّ أَنَّهُ قَالَ فَذَكَرَ رُؤْيَاهُ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَقَالَ عَقِبَهَا: انْتَهَى، وَهُوَ حَسَنٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ قَالَ أَبُو الْمَوَاهِبِ التُّونُسِيُّ قَالَ لِي الْمُصْطَفَى فِي مَبْشَرَةٍ: أَنْتَ تَشْفَعُ فِي مِائَةِ أَلْفٍ قُلْت: بِمَ نِلْت هَذَا قَالَ بِإِعْطَائِك لِي ثَوَابَ صَلَاتِك عَلَيَّ وَحَجَّ ابْنُ الْمُوَفَّقِ حِجَجًا فَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمُصْطَفَى فَرَآهُ يَقُولُ لَهُ: هَذِهِ يَدٌ لَك عِنْدِي أُكَافِئُك بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخُذُ بِيَدِك فَأُدْخِلُك الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ سُوءَ الْأَدَبِ كَمَا زَعَمُوا.
وَمِنْهُمْ سَيِّدِي زَرُّوقٌ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِهْدَاءِ لِلْعُظَمَاءِ إجْلَالُهُمْ وَإِعْظَامُهُمْ لَا أَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ لِمَا يُهْدَى لَهُمْ، وَالْهَدِيَّةُ عَلَى قَدْرِ مُهْدِيهَا لَا الْمُهْدَى إلَيْهِ، وَالْأَعْمَالُ أَنْفَسُ مَا عِنْدَ الْمُهْدِي، وَهِيَ جَهْدُ مُقِلٍّ فَلَا مَحْذُورَ فِي إهْدَائِهَا مَعَ رُؤْيَةِ قُصُورِهَا وَعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا نَعَمْ إنْ اسْتَعْظَمَ مَا أَهْدَى فَسُوءُ أَدَبٍ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ سَيِّدِي زَرُّوقٍ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ وَأَصْلُهُ لِجَسُّوسٍ وَزَادَ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ أَعْمَالَهُ هَدِيَّةً لِلْأَوْلِيَاءِ أَوْ يَجْعَلُ وِرْدًا لِجَمِيعِهِمْ أَوْ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ مَآبٌ حَسَنُ النِّيَّةِ وَالتَّقَرُّبِ لِجَانِبِهِ الْكَرِيمِ ﷺ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ زَرُّوقٍ فِي عُدَّةِ الْمُرِيدِ بَعْدَ نَقْلِ مَذْهَبِ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ لَيْسَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ إلَّا بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَإِكْرَامِ قَرَابَتِهِ وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ أَعْمَالِنَا وَإِنِّي لَأَرَى ذَلِكَ إسَاءَةَ أَدَبٍ مَعَهُ لِمُقَابَلَتِهِ بِمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مَقْبُولًا فَكَيْفَ الِاعْتِدَادُ بِثَوَابِهِ اهـ فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْجَوَازِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِهْدَاءِ لِلْعُظَمَاءِ إجْلَالُهُمْ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ سَيِّدِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِكْرِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِهِ لِصَلَاةِ الْقُطْبِ مَوْلَانَا عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ مُشَيْشٍ نَفَعَنَا اللَّهُ بِبَرَكَتِهِ آمِينَ. اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ زِكْرِيٍّ ﵀ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: صَلَاةٌ تَلِيقُ بِك مِنْك إلَيْهِ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ إلَّا أَنَّ عِبَارَتَهُ كَلَامُ الْعُهُودِ أَقْوَى وَأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ
стр. 1010
بَعْضَ النَّاسِ يَجِدُ اللَّذَّةَ مِنْ تَقْبِيلِ وَلَدِهِ فِي خَدِّهِ أَوْ فَمِهِ كَمَا يَجِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بِتَقْبِيلِ امْرَأَتِهِ وَيَعْتَقِدُ ذَلِكَ بِرًّا بِوَلَدِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِقَضَاءِ أَرَبِهِ وَلَذَّتِهِ وَيَنْشَرِحُ لِذَلِكَ وَيَفْرَحُ قَلْبُهُ وَيَجِدُ مِنْ اللَّذَّةِ أَمْرًا كَبِيرًا وَمِنْ الْمُنْكَرَاتِ أَنْ يَعْمِدَ الْإِنْسَانُ لِأُخْتِهِ الْجَمِيلَةِ أَوْ ابْنَتِهِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي يَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ لَهُ زَوْجَةٌ مِثْلُهَا فِي مِثْلِ خَدِّهَا وَثَغْرِهَا فَيُقَبِّلَ خَدَّهَا أَوْ ثَغْرَهَا، وَهُوَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِ قُبْلَةَ الْأَجَانِبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الِاجْتِمَاعُ بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا كَالزِّنَا بِهِنَّ أَقْبَحُ مِنْ الزِّنَا بِالْأَجْنَبِيَّاتِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ لَهُ طَبْعٌ سَلِيمٌ، وَيَرَى جَمَالًا فَائِقًا لَا يَمِيلُ إلَيْهِ طَبْعُهُ، وَقَدْ يَزَعُهُ عَقْلُهُ وَشَرْعُهُ رَأَيْت النَّاسَ عِنْدَهُمْ مُسَامَحَةٌ كَثِيرَةٌ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀: إنَّهُ يُقَبِّلُ خَدَّ ابْنَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ هَذَا، وَغَيْرُهُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، أَمَّا مَتَى حَصَلَ الْفَرْقُ فِي النَّفْسِ صَارَ اسْتِمْتَاعًا حَرَامًا وَالْإِنْسَانُ يُطَالِعُ قَلْبَهُ وَيُحَكِّمُهُ فِي ذَلِكَ
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ قِيلَ: إنَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، وَقِيلَ: لِلتَّخْيِيرِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَرُدَّ أَحْسَنَ أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى لَفْظِ الْمُبْتَدِئِ إنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ دُونَ الْبَرَكَاتِ، وَإِلَّا لَبَطَلَ التَّخْيِيرُ لِتَعَيُّنِ الْمُسَاوَاةِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الِانْتِهَاءِ إلَى لَفْظِ الْبَرَكَاتِ مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ تَنْوِيعُ الرَّدِّ إلَى الْمِثْلِ إنْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ انْتَهَى لِلْبَرَكَاتِ، وَإِلَى الْأَحْسَنِ إنْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ اقْتَصَرَ دُونَ الْبَرَكَاتِ، فَهَذَا مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَالتَّنْوِيعِ، وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا هَلْ الِانْتِهَاءُ إلَى الْبَرَكَاتِ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ إذَا انْتَهَى الْمُبْتَدِئُ إلَى الْبَرَكَاتِ فَقَطْ
(الْفَرْقُ السَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ، وَمَا يَحْرُمُ وَمَا يُنْدَبُ)
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَتَأْمُرُنَّ وَلَتَنْهَوُنَّ أَوْ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ فَلِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
(الشَّرْطُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ فَالْجَاهِلُ بِالْحُكْمِ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّهْيُ عَمَّا يَرَاهُ، وَلَا الْأَمْرُ بِهِ (الشَّرْطُ الثَّانِي) : أَنْ يَأْمَنَ مِنْ أَنْ يَكُونَ يُؤَدِّي إنْكَارُهُ إلَى مُنْكَرٍ أَكْبَرَ مِنْهُ مِثْلُ أَنْ يَنْهَى عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَيُؤَدِّيَ نَهْيُهُ عَنْهُ إلَى قَتْلِ النَّفْسِ أَوْ نَحْوِهِ
(الشَّرْطُ الثَّالِثُ) : أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إنْكَارَهُ الْمُنْكَرَ مُزِيلٌ لَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ مُؤَثِّرٌ فِي تَحْصِيلِهِ فَعَدَمُ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَفْظَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ لَهُ؛ إذْ لَوْ أُرِيدَ بَيَانُ كَمْ يَجْعَلُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ أَوْقَاتِ عِبَادَتِهِ لَقَالَ فَكَمْ أَصْرِفُ مِنْ أَوْقَاتِ عِبَادَتِي فِي الصَّلَاةِ عَلَيْك، وَيُؤَيِّدُهُ رُؤْيَا أَبِي الْمَوَاهِبِ الْمُتَقَدِّمَةِ ثُمَّ قَالَ: وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هَدِيَّةٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُصَلِّي كَوْنَ ثَوَابِهَا لَهُ فَمَعْنَى الْإِهْدَاءِ حَاصِلٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِهْدَاءِ لِلْعُظَمَاءِ إجْلَالُهُمْ وَإِعْظَامُهُمْ لَا أَنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إلَى هَدِيَّةِ الْمُهْدِي؛ وَلِذَلِكَ يُجْزِلُونَ الْمَثُوبَاتِ عَلَى أَدْنَى شَيْءٍ، وَأَيْضًا فَيَنْوِي الْمُصَلِّي بِذَلِكَ تَحْصِينَ عَمَلِهِ مِنْ الرَّدِّ لِيَقْوَى بِذَلِكَ رَجَاؤُهُ احْتِرَامًا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ الْهَدَايَا لِلْمُلُوكِ إذَا كَانَتْ لَا تُنَاسِبُ جَلَالَةَ مَقَادِيرِهِمْ، وَيُخْشَى رَدُّهُمْ لَهَا دَخَلَتْ فِي جُمْلَةِ هَدَايَا وَاسِطَةِ عَظِيمٍ عِنْدَ الْمَلِكِ فَتُقْبَلُ حِينَئِذٍ مِنْ جُمْلَةِ هَدَايَاهُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا احْتَقَرَ الْعَامِلُ نَفْسَهُ، وَاعْتَقَدَ قُصُورَهُ وَعَدَمَ أَهْلِيَّتِهِ لِذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا رَأَى عَمَلَهُ شَيْئًا مُعْتَبَرًا فِي نَفْسِهِ مُعْتَدًّا بِهِ فَسُوءُ الْأَدَبِ لَازِمٌ لَهُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا لِسَيِّدِي زَرُّوقٍ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا هِيَ فَحَدِيثُ أَبِي ظَاهِرٍ فِي خِلَافِهِ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ اهـ فَأَنْتَ تَرَاهُ إنَّمَا ذَكَرَ رُؤْيَا أَبِي الْمَوَاهِبِ وَغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّأْيِيدِ وَالِاسْتِئْنَاسِ لِظَاهِرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ.
وَقَبْلَ ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ جَسُّوسُ وَغَيْرُهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ الْمُرَادُ مِنْ كَلَامِ كَنُونٍ وَمُرَادُهُ دَفْعُ تَنْظِيرِ الرُّهُونِ فِي مُسْتَنَدِ ابْنِ زِكْرِيٍّ أَوَّلًا بِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَثْبُتُ بِالرُّؤْيَا، وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لَا سِيَّمَا مِنْ مِثْلِ أَبِي الْمَوَاهِبِ وَثَانِيًا بِأَنَّ مَا فُهِمَ مِنْ الْحَدِيثِ مُعَارَضٌ بِمَا فَهِمَ مِنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ فِيهِ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْت، قُلْت: وَقَدْ وَجَّهَ عَدَمَ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالرُّؤْيَا الْعَلَّامَةُ الْعَطَّارُ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ فَقَالَ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الرُّؤْيَةِ التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لِاحْتِمَالِ الْخَطَأِ فِي التَّحَمُّلِ وَعَدَمِ ضَبْطِ الرَّائِي حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا رَآهُ ﷺ فِي الْمَنَامِ يَقُولُ لَهُ إنَّ فِي الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ رِكَازًا اذْهَبْ فَخُذْهُ، وَلَا خُمُسَ عَلَيْك فَذَهَبَ فَوَجَدَهُ فَاسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَخْرِجْ الْخُمُسَ فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ، وَقُصَارَى رُؤْيَتِك الْآحَادُ اهـ فَافْهَمْ، وَفِي الْخَازِنِ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَنْ الْمَيِّتِ تَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَيَصِلُهُ ثَوَابُهَا وَعَلَى وُصُولِ الدُّعَاءِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَيَصِحُّ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِحَجٍّ تَطَوُّعٍ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّوْمِ إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ فَالرَّاجِحُ جَوَازُهُ عَنْهُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَا يَصِلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُهَا، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَصِلُهُ ثَوَابُهَا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ وَسَائِرُ التَّطَوُّعَاتِ فَلَا تَصِلُهُ
стр. 1011
وَعَدَمُ الشَّرْطِ الثَّالِثِ يُسْقِطُ الْوُجُوبَ وَيُبْقِي الْجَوَازَ وَالنَّدْبَ ثُمَّ مَرَاتِبُ الْإِنْكَارِ ثَلَاثَةٌ أَقْوَاهَا أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَيْنًا مَعَ الْقُدْرَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ انْتَقَلَ لِلتَّغْيِيرِ بِالْقَوْلِ، وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ وَلْيَكُنْ الْقَوْلُ بِرِفْقٍ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَمَرَ مُسْلِمًا بِمَعْرُوفٍ فَلْيَكُنْ أَمْرُهُ كَذَلِكَ» قَالَ اللَّهُ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وَقَالَ ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقَوْلِ انْتَقَلَ لِلرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ، وَهِيَ أَضْعَفُهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ، وَيُرْوَى «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي الصَّحِيحِ نَحْوُهُ
(سُؤَالٌ) قَدْ نَجِدُ أَعْظَمَ النَّاسِ إيمَانًا يَعْجِزُ عَنْ الْإِنْكَارِ، وَعَجْزُهُ لَا يُنَافِي تَعْظِيمَهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَقُوَّةِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَهُ أَوْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنْ الْإِنْكَارِ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ أَوْ نَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْ الْقُرْبَةِ نَقْصُ الْإِيمَانِ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» جَوَابُهُ الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هَا هُنَا الْإِيمَانُ الْفِعْلِيُّ الْوَارِدُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ صَلَاتَكُمْ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالصَّلَاةُ فِعْلٌ، وَقَالَ ﵇ «الْإِيمَانُ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ شُعْبَةً وَقِيلَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ» وَهَذِهِ التَّجْزِئَةُ إنَّمَا تَصِحُّ فِي الْأَفْعَالِ وَقَدْ سَمَّاهَا إيمَانًا وَأَقْوَى الْإِيمَانِ الْفِعْلِيِّ إزَالَةُ الْيَدِ لِاسْتِلْزَامِهِ إزَالَةَ الْمَفْسَدَةِ عَلَى الْفَوْرِ ثُمَّ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا تَقَعُ مَعَهُ الْإِزَالَةُ، وَقَدْ تَقَعُ، وَالْإِنْكَارُ الْقَلْبِيُّ لَا يُورِثُ إزَالَةً أَلْبَتَّةَ، أَوْ يُلَاحَظُ عَدَمُ تَأْثِيرِهِ فِي الْإِزَالَةِ فَيَبْقَى الْإِيمَانُ مُطْلَقًا، وَهَا هُنَا سِتُّ مَسَائِلَ يَكْمُلُ بِهَا الْفَرْقُ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
أَنَّ الْوَالِدَيْنِ يَأْمُرَانِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَيَانِ عَنْ الْمُنْكَرِ، قَالَ مَالِكٌ: وَيَخْفِضُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ مُلَابِسُهُ عَاصِيًا بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُلَابِسًا لِمَفْسَدَةٍ وَاجِبَةِ الدَّفْعِ أَوْ تَارِكًا لِمَصْلَحَةٍ وَاجِبَةِ الْحُصُولِ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا أَمْرُ الْجَاهِلِ بِمَعْرُوفٍ لَا يَعْرِفُ وُجُوبَهُ وَنَهْيَهُ عَنْ مُنْكَرٍ لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَهُ كَنَهْيِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ أُمَمَهَا أَوَّلَ بَعْثَتِهَا، وَثَانِيهَا: قِتَالُ الْبُغَاةِ وَهُمْ عَلَى تَأْوِيلٍ، وَثَالِثُهَا ضَرْبُ الصِّبْيَانِ عَلَى مُلَابَسَةِ الْفَوَاحِشِ، وَرَابِعُهَا قَتْلُ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ إذَا صَالُوا عَلَى الدِّمَاءِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَصِلُهُ ثَوَابُ الْجَمِيعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: فَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْآيَتَيْنِ وَشِبْهِهِمَا عَلَى الْإِيمَانِ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ. اهـ.
وَفِي الْخَازِنِ وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْإِنْسَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ﴾ [النجم: ٣٩] الْآيَةَ الْكَافِرُ وَالْمَعْنَى لَيْسَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ إلَّا مَا عَمِلَ هُوَ فَيُثَابُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُوَسَّعَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ وَيُعَافَى فِي بَدَنِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ، وَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] هُوَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ فَجَائِزٌ أَنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ اهـ وَفِي الْخَطِيبِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذَا مَنْسُوخُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أَيْ: وَإِنَّمَا هُوَ فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فَأَدْخَلَ الْأَبْنَاءَ الْجَنَّةَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ ذَلِكَ لِقَوْمِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَلَهُمْ مَا سَعَوْا وَمَا سَعَى لَهُمْ غَيْرُهُمْ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا لَهَا، وَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ فَقَالَ: نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» «وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّ أُمِّي قَتَلَتْ نَفْسَهَا فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا قَالَ: نَعَمْ» اهـ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَقَوْلُ الْقَرَافِيِّ بِأَنَّ التَّوْبَةَ وَالْعُقُوبَاتِ تُكَفِّرُ السَّيِّئَاتِ، وَتَمْحُو آثَارَهَا إنْ أَرَادَ بِهِ مَحْوَهَا مِنْ الصَّحَائِفِ فَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ الْإِحْبَاطِ، وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ: وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] عَلَى كَوْنِ الْمَصَائِبِ مُكَفِّرَةً لِلذُّنُوبِ أَوْ غَيْرَ مُكَفِّرَةٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا الْمَصَائِبُ سَبَبُهَا الذُّنُوبُ، وَأَنَّ مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَا يُقَابَلُ بِمُصِيبَةٍ يَكُونُ سَبَبًا لَهَا بَلْ يُسَامَحُ فِيهِ وَيُعْفَى عَنْهُ قَالَ: وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمُصِيبَةَ لَا ثَوَابَ فِيهَا قَطْعًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَقَدْ تَبَيَّنَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ الْعُمُومَاتِ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِتَعَيُّنِ حَمْلِهَا عَلَى الْخُصُوصِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ وَبِالظَّوَاهِرِ الْمُتَظَاهِرَةِ بِثُبُوتِ الْحَسَنَاتِ فِي الْآلَامِ وَشِبْهِهَا، قَالَ: فَلَمْ يَظْهَرْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ أَيْ: وَإِنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ قَبْلُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُسَبِّبًا إلَخْ قَالَ: وَمَا قَالَهُ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَطْلَقَ التَّكْفِيرَ بِمَوْتِ الْأَوْلَادِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ أَنَّهُ يُؤْلِمُ فَهُوَ تَحْكِيمٌ بِتَقْيِيدِ كَلَامِ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَتَضْيِيقٌ لِبَابِ الرَّحْمَةِ الثَّابِتِ سِعَتُهُ قَالَ: وَلَا مَانِعَ مِنْ الدُّعَاءِ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ أَيْ الْمَعْلُومِ الْحُصُولِ؛ إذْ ذَلِكَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: وَالدُّعَاءُ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إلَخْ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ: إنَّ ذَلِكَ قِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِالْمَغْفِرَةِ» مَعَ الْعِلْمِ بِثُبُوتِهَا
стр. 1012
وَالْأَبْضَاعِ وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُمْ إلَّا بِقَتْلِهِمْ وَخَامِسُهَا أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا بِالْقِصَاصِ ثُمَّ يَعْفُوَ أَوْ يُخْبِرَ الْوَكِيلَ فَاسِقٌ بِالْعَفْوِ أَوْ مُتَّهَمٌ فَلَا يُصَدِّقُهُ فَأَرَادَ الْقِصَاصَ فَلِلْفَاسِقِ الَّذِي أَخْبَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ الْقِصَاصِ، وَلَوْ بِالْقَتْلِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَسَادِسُهَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ جَارِيَةٍ فَبَاعَهَا، فَأَرَادَ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَطَأَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يَبِعْهَا فَأَخْبَرَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فَلَمْ يُصَدِّقْهُ فَلِلْمُشْتَرِي دَفْعُهُ، وَلَوْ بِالْقَتْلِ وَسَابِعُهَا ضَرْبُ الْبَهَائِمِ لِلتَّعْلِيمِ وَالرِّيَاضَةِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الشِّمَاسِ وَالْجِمَاحِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَعْرُوفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ كَمَنْ يَرَى جَمَاعَةً تَرَكُوا الصَّلَاةَ فَيَأْمُرَهُمْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ قُومُوا لِلصَّلَاةِ
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا رَأَيْنَا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مُخْتَلَفًا فِي تَحْرِيمِهِ وَتَحْلِيلِهِ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَهِكٌ لِلْحُرْمَةِ مِنْ جِهَةِ اعْتِقَادِهِ، وَإِنْ اعْتَقَدَ تَحْلِيلَهُ لَمْ نُنْكِرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَاصِيًا؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَلَكِنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ الْمَفْسَدَةُ الْمُوجِبَةُ لِإِبَاحَةِ الْإِنْكَارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدْرَكُ الْقَوْلِ بِالتَّحْلِيلِ ضَعِيفًا جِدًّا يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِمِثْلِهِ لِبُطْلَانِهِ فِي الشَّرْعِ كَوَاطِئِ الْجَارِيَةِ بِالْإِبَاحَةِ مُعْتَقِدًا لِمَذْهَبِ عَطَاءٍ وَشَارِبِ النَّبِيذِ مُعْتَقِدًا مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمًا، وَلَا تَحْلِيلًا، وَالْمَدَارِكُ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مُتَقَارِبَةٌ أُرْشِدَ لِلتَّرْكِ بِرِفْقٍ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ الْمَنْدُوبِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ هَكَذَا شَأْنُهُمَا الْإِرْشَادُ مِنْ غَيْرِ تَوْبِيخٍ
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الْمَنْدُوبَاتُ وَالْمَكْرُوهَاتُ يَدْخُلُهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْشَادِ لِلْوَرَعِ، وَلِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ، وَلَا تَوْبِيخٍ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قَوْلُنَا فِي شَرْطِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى مَفْسَدَةٍ هِيَ أَعْظَمُ، هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ قِسْمَانِ تَارَةً تَكُونُ إذَا نَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي غَيْرِ النَّاهِي، وَتَارَةً يَفْعَلُهُ فِي النَّاهِي بِأَنْ يَنْهَاهُ عَنْ الزِّنَا فَيَقْتُلَهُ أَعْنِي النَّاهِيَ يَقْتُلُهُ الْمُلَابِسُ لِلْمُنْكَرِ، وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّاهُ بِالْأَوَّلِ نَظَرَ لِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ، وَقَالَ: هَذَا لَا يَمْنَعُ، وَالتَّعْذِيرُ بِالنُّفُوسِ مَشْرُوعٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] مَدَحَهُمْ بِأَنَّهُمْ قُتِلُوا بِسَبَبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَهُ، وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَدْعُوَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ، أَوْ يَدْعُوَ لَهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحُصُولِ شَرْطِ التَّكْفِيرِ وَالْمَغْفِرَةِ وَهُوَ الْمُوَافَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُدَاهَنَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُدَاهَنَةِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُدَاهَنَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُدَاهَنَةِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ وَقَدْ تَجِبُ) وَهُوَ أَنَّ الْمُدَاهَنَةَ، وَهِيَ مُعَامَلَةُ النَّاسِ بِمَا يُحِبُّونَ مِنْ الْقَوْلِ، وَإِنْ شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهَا كُلَّهَا مُحَرَّمَةٌ إلَّا أَنَّهَا تَجْرِي عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ، فَقِسْمُ الْمُحَرَّمَةِ مَا كَانَ وَسِيلَةً لِتَكْثِيرِ الظُّلْمِ وَالْبَاطِلِ مِنْ أَهْلِهِ كَشُكْرِ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ وَالْمُبْتَدِعِ عَلَى بِدْعَتِهِ أَوْ مُبْطِلٍ عَلَى إبْطَالِهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] أَيْ هُمْ يَوَدُّونَ لَوْ أَثْنَيْت عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ وَيَقُولُونَ لَك مِثْلَ ذَلِكَ وَقِسْمُ غَيْرِ الْمُحَرَّمَةِ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ شُكْرِ الظَّلَمَةِ الْفَسَقَةِ وَاَلَّذِينَ يُتَّقَى شَرُّهُمْ بِالْكَلِمَاتِ الْحَقَّةِ وَبِالتَّبَسُّمِ فِي وُجُوهِهِمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ بِقَوْلِهِ: إنَّا لَنَشْكُرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ مُبَاحًا إنْ لَمْ يَكُنْ وَسِيلَةً لِوَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا إنْ كَانَ يَتَوَصَّلُ بِهِ الْقَائِلُ لِدَفْعِ ظُلْمٍ مُحَرَّمٍ أَوْ مُحَرَّمَاتٍ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِذَلِكَ الْقَوْلِ، وَيَكُونُ الْحَالُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا إنْ كَانَ وَسِيلَةً لِمَنْدُوبٍ أَوْ مِنْ مَنْدُوبَاتٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا إنْ كَانَ عَنْ ضَعْفٍ لَا ضَرُورَةَ تَتَقَاضَاهُ بَلْ خَوْرٌ فِي الطَّبْعِ أَوْ كَانَ وَسِيلَةً لِلْوُقُوعِ فِي مَكْرُوهٍ هَذَا تَهْذِيبُ كَلَامِ الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ قُلْت: وَقِسْمُ الْمُدَاهَنَةِ الْمُحَرَّمَةِ هُوَ الَّذِي عَدَّهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الزَّوَاجِرِ مِنْ الْكَبَائِر لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مِنْ أَسْوَأِ النَّاسِ مَنْزِلَةً مَنْ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَشَرُّ النَّاسِ نَدَامَةً، وَفِي أُخْرَى أَنَّهُ أَشَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إلَى النَّاسِ» اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُحَرَّمِ وَقَاعِدَةِ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَحْرُمُ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُحَرَّمِ وَقَاعِدَةِ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - الَّذِي لَا يَحْرُمُ) وَهُوَ أَنَّ الْخَوْفَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ مُحَرَّمٌ إنْ كَانَ مَانِعًا مِنْ فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، أَوْ كَانَ مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْخَوْفِ كَمَنْ يَتَطَيَّرُ بِمَا لَا يَخَافُ مِنْهُ عَادَةً كَالْعُبُورِ بَيْنَ الْغَنَمِ يَخَافُ أَنْ لَا تُقْضَى حَاجَتُهُ بِهَذَا السَّبَبِ وَعَلَى هَذَا الْخَوْفِ الْمُحَرَّمِ يُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى: - ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]
стр. 1013
وَأَنَّهُمْ مَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَذْلَ النُّفُوسِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَأْمُورٌ بِهِ وَقُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا بِسَبَبِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَزْوِيجِ الرَّبِيبَةِ وَقَالَ ﷺ «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَجَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلَ الْجِهَادِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَلِمَةٍ وَكَلِمَةٍ كَانَتْ فِي الْأُصُولِ أَوْ الْفُرُوعِ مِنْ الْكَبَائِرِ أَوْ الصَّغَائِرِ، وَقَدْ خَرَجَ ابْنُ الْأَشْعَثِ مَعَ جَمْعٍ كَبِيرٍ مِنْ التَّابِعِينَ فِي قِتَالِ الْحَجَّاجِ وَعَرَّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْقَتْلِ وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلَائِقُ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ إزَالَةِ ظُلْمِ الْحَجَّاجِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ لَا فِي الْأُصُولِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْجِدِّ وَالْعَزَائِمِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ فَيَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْعُظْمَى إنَّمَا تُمْنَعُ إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْقَبِيلِ أَمَّا هَذَا فَلَا؛ فَتَلَخَّصَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَاجِبٌ إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَمُحَرَّمٌ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ الْمُلَابِسُ تَحْرِيمَهُ، وَإِذَا فُقِدَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَمَنْدُوبٌ إذَا كَانَ لَا يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، وَلَا حُرْمَتَهُ، وَهُوَ مُتَقَارِبُ الْمَدَارِكِ، وَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا لَا حَرَامًا أَوْ الْمَتْرُوكُ مَنْدُوبًا لَا وَاجِبًا فَقَدْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْفَرْقِ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ مِنْ النُّجُومِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ]
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ مِنْ النُّجُومِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ)
ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّوَجُّهَ لِلْكَعْبَةِ لَا يَسُوغُ فِيهِ التَّقْلِيدُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى التَّعَلُّمِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعَلُّمُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَمُعْظَمُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ فِي النُّجُومِ فَيَجِبُ تَعَلُّمُ مَا تُعْلَمُ بِهِ الْقِبْلَةُ كَالْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا فِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ تَعَلُّمَ هَذَا الْقِسْمِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَتَعَلَّمُ مِنْ أَحْكَامِ النُّجُومِ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ وَأَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَمَا مَضَى مِنْهُ وَمَا يَهْتَدِي بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَتُعْرَفُ مَوَاضِعُهَا مِنْ الْفَلَكِ وَأَوْقَاتِ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]
(قُلْت:) وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنْ يَكُونَ مَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْهَا أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي الْأَوْقَاتِ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي أَوْقَاتِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ جَعَلَ أَذِيَّةَ النَّاسِ حَاثَّةً عَلَى طَاعَتِهِمْ فِي ارْتِكَابِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَزَجْرَهُ لَهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا وَضَعَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَذَابَهُ حَاثًّا عَلَى طَاعَتِهِ وَزَاجِرًا عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ عَذَابِ اللَّهِ وَفِتْنَةِ النَّاسِ فِي الْحَثِّ وَالزَّجْرِ فَتَشْبِيهُهُ الْفِتْنَةَ بِعَذَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ هَذَا الْوَجْهِ حَرَامٌ قَطْعًا مُوجِبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ خَوْفِ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُحَرَّمِ وَهُوَ سِرُّ التَّشْبِيهِ هَا هُنَا وَأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - غَيْرُ مُحَرَّمٍ إنْ كَانَ غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ وَكَانَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْخَوْفِ كَالْخَوْفِ مِنْ الْأُسُودِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالظُّلْمَةِ وَكَالْخَوْفِ مِنْ أَرْضِ الْوَبَاءِ، وَمِنْ الْمَجْذُومِ عَلَى أَجْسَامِنَا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ بَلْ صَوْنُ النُّفُوسِ وَالْأَجْسَامِ وَالْمَنَافِعِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ عَنْ الْأَسْبَابِ الْمُفْسِدَةِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
وَقَوْلُهُ: ﷺ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ» وَعَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ فَقِسْ يَظْهَرْ لَك مَا يَحْرُمُ مِنْ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَا لَا يَحْرُمُ، وَحَيْثُ تَكُونُ الْخَشْيَةُ مِنْ الْخَلْقِ مُحَرَّمَةً، وَحَيْثُ لَا تَكُونُ فَاعْلَمْ ذَلِكَ، هَذَا تَنْقِيحُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ قُلْت: وَمُرَادُهُ بِالْخَوْفِ مِنْ أَرْضِ الْوَبَاءِ خَوْفُ مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا مِنْ دُخُولِهَا فَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِمَّا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ ﷺ «إذَا سَمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ: أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ جُرْأَةٌ عَلَى خَطَرٍ وَإِيقَاعٌ لِلنَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ وَالشَّرْعُ نَاهٍ عَنْ ذَلِكَ قَالَ اللَّه - تَعَالَى - ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وَقَالَ الشَّيْخُ: النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ أَفَادَهُ الْعَزِيزِيُّ فَلَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ جَابِرٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْفَارُّ مِنْ الطَّاعُون كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَيْضًا «الْفَارُّ مِنْ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ، وَمَنْ صَبَرَ فِيهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيّ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْعَزِيزِيِّ أَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ يَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدٍ وَقَعَ فِيهَا الطَّاعُونُ بِقَصْدِ الْفِرَارِ اهـ وَفِي حَاشِيَةِ الْحِفْنِيِّ فَإِنْ خَرَجَ لِنَحْوِ زِيَارَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. اهـ.
وَسَيَأْتِي نَقْلُ صَاحِبِ الْقَبَسِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا عَدْوَى» أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَعْضِ الْأَمْرَاضِ بِدَلِيلِ تَحْذِيرِهِ ﵇ -
стр. 1014
الصَّلَاةِ إلَّا الزَّوَالَ فَإِنَّهُ ضَرُورِيٌّ يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ التَّقْلِيدِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ وَاجِبَةٌ يَكُونُ مَا تُعْرَفُ بِهِ الْأَوْقَاتُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَيَكُونُ مَوْطِنُ الِاسْتِحْبَابِ هُوَ مَا يُعِينُ عَلَى الْأَسْفَارِ، وَيُخْرِجُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا مَا يَقْتَضِي إلَى مَعْرِفَةِ نُقْصَانِ الشَّهْرِ وَوَقْتِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَمَكْرُوهٌ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِ مُفِيدٍ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَا يُعْرَفُ بِهِ الْكُسُوفَاتِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُغْنِي شَيْئًا، وَيُوهِمُ الْعَامَّةَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ بِالْحِسَابِ فَيُزْجَرُ عَنْ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ، وَيُؤَدَّبُ عَلَيْهِ قَالَ: وَأَمَّا مَا يُخْبِرُ بِهِ الْمُنَجِّمُ مِنْ الْغَيْبِ مِنْ نُزُولِ الْأَمْطَارِ وَغَيْرِهِ فَقِيلَ: ذَلِكَ كُفْرٌ يُقْتَلُ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ لِقَوْلِهِ ﵇ «قَالَ اللَّهُ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» وَقِيلَ: يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ قَالَهُ أَشْهَبُ وَقِيلَ: يُزْجَرُ عَنْ ذَلِكَ وَيُؤَدَّبُ، وَلَيْسَ اخْتِلَافًا فِي قَوْلٍ بَلْ اخْتِلَافٌ فِي حَالٍ، فَإِنْ قَالَ: إنَّ الْكَوَاكِبَ مُسْتَقِلَّةٌ بِالتَّأْثِيرِ قُتِلَ، وَلَمْ يُسْتَتَبْ إنْ كَانَ يَسُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَإِنْ أَظْهَرَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - هُوَ الْفَاعِلُ عِنْدَهَا زُجِرَ عَنْ الِاعْتِقَادِ الْكَاذِبِ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ تَصْدِيقُهُ قَالَ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَدَ فِيمَا يُصِيبُونَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْغَالِبِ نَحْوُ قَوْلِهِ ﵇ «إذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ» فَهَذَا تَلْخِيصُ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ وَيَحْرُمُ مِنْ تَعَلُّمِ أَحْكَامِ النُّجُومِ
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مِنْ الدُّعَاءِ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ)
اعْلَمْ أَنَّ الدُّعَاءَ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ حُكْمٌ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ طَلَبٌ مِنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (شِهَابُ الدِّينِ الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْن قَاعِدَةِ مَا هُوَ مِنْ الدُّعَاءِ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ. اعْلَمْ أَنَّ الدُّعَاءَ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى آخِرِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ طَلَبٌ صَحِيحٌ وَهَاهُنَا قَاعِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ طَلَبَ الْمُسْتَحِيلِ لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ عَقْلًا وَلَا مُمْتَنِعٍ فَإِنْ مَنَعَهُ الشَّرْعُ امْتَنَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ بِتَرْكِ تَعْذِيبِ الْكَافِرِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْ الْقُدُومِ عَلَى بَلَدٍ فِيهِ الْوَبَاءُ اهـ كَمَا حَصَلَ الْعَزِيزِيُّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ» كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى خُصُوصِ سَبَبِهِ فَقَالَ قَالَهُ لِمَنْ اُسْتُشْهِدَ عَلَى الْعَدْوَى بِإِعْدَاءِ الْبَعِيرِ الْأَجْرَبِ لِلْإِبِلِ، وَهُوَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ الْمُسْكِتَةِ؛ إذْ لَوْ جَلَبَتْ الْأَدْوَاءُ بَعْضَهَا بَعْضًا لَزِمَ فَقْدُ الدَّاءِ الْأَوَّلِ لِفَقْدِ الْجَالِبِ فَاَلَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي، وَهُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ اهـ وَذَلِكَ الْبَعْضُ هُوَ مَا لَمْ تَتَمَحَّضْ، وَلَمْ تَجْرِ لَا بِطَرِيقِ الِاطِّرَادِ وَلَا الْغَلَبَةِ عَادَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهِ فِي حُصُولِ الضَّرَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ كَالْجَرَبِ بِخِلَافِ مَا كَانَتْ عَادَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهِ فِي حُصُولِ الضَّرَرِ اضْطِرَارِيَّةً، أَوْ أَكْثَرِيَّةً كَالْجُذَامِ، فَإِنَّ عَوَائِدَ اللَّهِ إذَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ، وَإِذَا لَمْ تَدُلَّ عَلَى شَيْءٍ حَرُمَ اعْتِقَادُهُ كَمَا سَيَتَّضِحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّطَيُّرِ وَقَاعِدَةِ الطِّيَرَةِ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّطَيُّرِ وَقَاعِدَةِ الطِّيَرَةِ، وَمَا يَحْرُمُ مِنْهُمَا وَلَا يَحْرُمُ)
وَذَلِكَ أَنَّ التَّطَيُّرَ هُوَ الظَّنُّ السَّيِّئُ الْكَائِنُ فِي الْقَلْبِ وَالطِّيَرَةُ هُوَ الْفِعْلُ الْمُرَتَّبُ عَلَى هَذَا الظَّنِّ مِنْ قَرَارٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي يَكُونُ الْخَوْفُ مِنْهَا الْمُرَتَّبُ عَلَى سُوءِ الظَّنِّ الْكَائِنِ فِي الْقَلْبِ تَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ:
(الْأَوَّلُ) : مَا جَرَتْ الْعَادَةُ الثَّابِتَةُ بِاطِّرَادٍ بِأَنَّهُ مُؤْذٍ كَالسَّمُومِ وَالسِّبَاعِ وَالْوَبَاءِ وَالطَّاعُونِ وَالْجُذَامِ وَمُعَادَاةِ النَّاسِ وَالتُّخْمِ وَأَكْلِ الْأَغْذِيَةِ الثَّقِيلَةِ الْمُنَفِّخَةِ عِنْدَ ضُعَفَاءِ الْمَعِدَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْخَوْفُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَنْ سَبَبٍ مُحَقَّقٍ فِي مَجَارِي الْعَادَةِ لَا يَكُونُ حَرَامًا، فَإِنَّ عَوَائِدَ اللَّهِ إذَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ كَمَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَاءَ مُرُورٌ، وَالْخُبْزَ مُشْبِعٌ وَالنَّارَ مُحْرِقَةٌ وَقَطْعَ الرَّأْسِ مُمِيتٌ وَمَنْعَ النَّفْسِ مُمِيتٌ وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ كَانَ خَارِجًا عَنْ نَمَطِ الْعُقَلَاءِ، وَمَا سَبَبُهُ إلَّا جَرَيَانُ الْعَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِهِ بِاطِّرَادٍ
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) : مَا كَانَ جَرَيَانُ الْعَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِهِ فِي حُصُولِ أَمْرٍ أَكْثَرِيًّا لَا اطِّرَادِيًّا كَكَوْنِ الْمَجْمُودَةِ مُسَهِّلَةً وَالْآسِ قَابِضًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ فَالِاعْتِقَادُ وَكَذَا الْفِعْلُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا لَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ هُوَ حَسَنٌ مُتَعَيِّنٌ لِأَكْثَرِيَّتِهِ؛ إذْ الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ فَهُوَ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ قُلْت: وَعَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ تُحْمَلُ جُمْلَةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ» وَمِنْهَا قَوْلُهُ: ﷺ «مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَيَوْمَ السَّبْتِ فَرَأَى فِي جَسَدِهِ وَضَحًا أَيْ بَرَصًا فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) : مَا لَمْ تَجْرِ عَادَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهِ أَصْلًا فِي حُصُولِ الضَّرَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ كَشَقِّ الْأَغْنَامِ وَالْعُبُورِ بَيْنَهَا يَخَافُ لِذَلِكَ أَنْ لَا تُقْضَى حَاجَتُهُ وَنَحْوُ هَذَا مِنْ هَذَيَانِ الْعَوَامّ
стр. 1015
اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ النَّدْبُ لِاشْتِمَالِ ذَاتِهِ عَلَى خُضُوعِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَإِظْهَارِ ذِلَّتِهِ وَافْتِقَارِهِ إلَى مَوْلَاهُ فَهَذَا وَنَحْوُهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ مَا يُوجِبُهُ أَوْ يُحَرِّمُهُ وَالتَّحْرِيمُ قَدْ يَنْتَهِي لِلْكُفْرِ، وَقَدْ لَا يَنْتَهِي
فَاَلَّذِي يَنْتَهِي لِلْكُفْرِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي نَفْيَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْقَاطِعُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ:
(الْأَوَّلُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُعَذِّبْ مَنْ كَفَرَ بِك أَوْ اغْفِرْ لَهُ، وَقَدْ دَلَّتْ الْقَوَاطِعُ السَّمْعِيَّةُ عَلَى تَعْذِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ مَاتَ كَافِرًا بِاَللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كُفْرًا؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِتَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ وَطَلَبُ ذَلِكَ كُفْرٌ فَهَذَا الدُّعَاءُ كُفْرٌ.
(الثَّانِي) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُخَلِّدْ فُلَانًا الْكَافِرَ فِي النَّارِ، وَقَدْ دَلَّتْ النُّصُوصُ الْقَاطِعَةُ عَلَى تَخْلِيدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ فَيَكُونُ الدَّاعِي طَالِبًا لِتَكْذِيبِ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ كُفْرٌ.
(الثَّالِثُ) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُرِيحَهُ مِنْ الْبَعْثِ حَتَّى يَسْتَرِيحَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ بَعْثِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الثَّقَلَيْنِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ كُفْرًا؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ لِتَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَبَرِهِ.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ وُقُوعُهُ سَمْعًا طَلَبٌ لِتَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ وَطَلَبُ ذَلِكَ كُفْرٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ طَلَبَ التَّكْذِيبِ لَيْسَ بِتَكْذِيبٍ بَلْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَجْوِيزِ التَّكْذِيبِ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ طَلَبَ الْمُسْتَحِيلِ، وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ طَلَبَ الْمُسْتَحِيلِ فَلَيْسَ بِمُسْتَلْزِمٍ لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ تَجْوِيزَ التَّكْذِيبِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّكْذِيبَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَكْذِيبُ زَيْدٍ لِعَمْرٍو وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُكَذِّبًا لِعَمْرٍو وَلَا مُجَوِّزًا لِكَذِبِهِ. هَذَا إنْ كَانَ قَصْدُهُ مُقْتَضَى لَفْظِ تَكْذِيبٍ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْكَذِبَ وَوَضَعَ لَفْظَ تَكْذِيبٍ مَوْضِعَ لَفْظِ كَذِبٍ فَلَيْسَ مَا قَالَهُ بِصَحِيحٍ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَنْ طَلَبَ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يُكَذِّبَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُكَذِّبًا لَهُ بَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُجَوِّزًا لِوُقُوعِ الْكَذِبِ مِنْهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُجَوِّزُ طَلَبَ الْمُسْتَحِيلِ، ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ طَلَبَ الْمُسْتَحِيلِ إنَّمَا يَكُونُ تَكْفِيرُ مَنْ يَلْزَمُ مِنْ دُعَائِهِ ذَلِكَ تَكْفِيرًا بِالْمَآلِ، وَقَدْ حَكَى هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَاخْتَارَ هُوَ عَدَمَ التَّكْفِيرِ فَجَزْمُهُ بِتَكْفِيرِ الدَّاعِي بِذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُكَفِّرُ بِالْمَآلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمُتَطَيِّرِينَ كَشِرَاءِ الصَّابُونِ يَوْمَ السَّبْتِ فَالْخَوْفُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ حَرَامٌ لِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﵇ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ» فَالطِّيَرَةُ فِيهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ سُوءِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكَادُ الْمُتَطَيِّرُ يَسْلَمُ مِمَّا تَطَيَّرَ مِنْهُ إذَا فَعَلَهُ جَزَاءً لَهُ عَلَى سُوءِ ظَنِّهِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُسِئْ ظَنَّهُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - لَا يُصِيبُهُ مِنْهُ بَأْسٌ فَمِنْ هُنَا لَمَّا سَأَلَ بَعْضُ الْمُتَطَيِّرِينَ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ لَهُ: إنَّنِي لَا أَتَطَيَّرُ فَلَا يَنْخَرِمُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَقَعُ الضَّرَرُ بِي وَغَيْرِي يَقَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ السَّبَبِ فَلَا يَجِدُ مِنْهُ ضَرَرًا وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَيَّ فَهَلْ لِهَذَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ، قَالَ لَهُ: نَعَمْ قَوْلُهُ ﷺ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ - تَعَالَى - «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ فَلْيَظُنَّ بِي خَيْرًا وَأَنْتَ تَظُنُّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُؤْذِيَك عِنْدَ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي تَطَيَّرْت مِنْهُ فَتُسِيءُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ فَيُقَابِلُك اللَّهُ عَلَى سُوءِ ظَنِّك بِهِ بِإِذَايَتِكَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي تَطَيَّرْت بِهِ وَغَيْرُك لَا يُسِيءُ ظَنَّهُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَا يُعَاقِبُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فَلَا يَتَضَرَّرُ. اهـ.
(وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ) مَا لَمْ يَتَمَحَّضْ بِهِ حُصُولُ ضَرَرٍ لَا بِالْعَادَةِ الِاطِّرَادِيَّةِ وَلَا الْأَكْثَرِيَّةِ، وَلَا عَدَمُ حُصُولِهِ أَصْلًا بَلْ اسْتَوَى بِهِ الْحُصُولُ، وَعَدَمُهُ كَالْجَرَبِ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﷺ لِمَنْ اُسْتُشْهِدَ عَلَى الْعَدْوَى بِإِعْدَاءِ الْبَعِيرِ الْأَجْرَبِ لِلْإِبِلِ «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ» .
وَهُوَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ الْمُسْكِتَةِ إذْ لَوْ جَلَبَتْ الْأَدْوَاءُ بَعْضَهَا بَعْضًا لَزِمَ فَقْدُ الدَّاءِ الْأَوَّلِ لِفَقْدِ الْجَالِبِ فَاَلَّذِي فَعَلَهُ فِي الْأَوَّلِ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ فِي الثَّانِي.
وَهُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْعَزِيزِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَالْوَرَعُ تَرْكُ الْخَوْفِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ حَذَرًا مِنْ الطِّيَرَةِ وَالْمَرَضِ الَّذِي مِنْ هَذَا الْقِسْمِ كَالْجَرَبِ هُوَ الْمُرَادُ بِبَعْضِ الْأَمْرَاضِ فِيمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْقَبَسِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لَا عَدْوَى» مَعْنَاهُ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: لَا يُعْدِي خِلَافًا لِمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُهُ فَبَيَّنَ ﵇ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - اهـ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى بَعْضِ الْأَمْرَاضِ بِدَلِيلِ تَحْذِيرِهِ ﵇ مِنْ الْوَبَاءِ وَالْقُدُومِ عَلَى بَلَدٍ هُوَ فِيهِ اهـ قَالَ الْأَصْلُ: وَهَذَا حَقٌّ فَإِنَّ عَوَائِدَ اللَّهِ إذَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ كَمَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَاءَ مُرٌّ وَإِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ وَالْمُمْرِضُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَا يَحُلُّ عَلَى الْمُمْرِضِ الْمُصِحُّ» هُوَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ الْمَرِيضَةِ وَالْمُصِحُّ هُوَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ الصَّحِيحَةِ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ وَمَعْنَى الْمُمْرِضِ الْمُصِحُّ بِإِيرَادِ مَاشِيَةٍ عَلَى مَاشِيَتِهِ فَيُؤْذِيهِ بِذَلِكَ فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ لَا عَدْوَى وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَحُلُّ الْمَجْذُومُ مَحَلَّ الصَّحِيحِ مَعَهُ يُؤْذِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي فَالنَّفْسُ تَكْرَهُهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الضَّرَرِ لَا مِنْ الْعَدْوَى.
وَقِيلَ:
стр. 1016
(الْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ السَّمْعِيُّ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ:
(الْأَوَّلُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ خَلِّدْ فُلَانًا الْمُسْلِمَ عَدُوِّي فِي النَّارِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا قَاطِعًا بِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الطلاق: ١١] فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كُفْرًا.
(الثَّانِي) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي أَبَدًا حَتَّى أَسْلَمَ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَكَرْبِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ هَذَا الْخَبَرِ فَيَكُونُ كُفْرًا.
(الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ إبْلِيسَ مُحِبًّا نَاصِحًا لِي وَلِبَنِي آدَمَ أَبَدَ الدَّهْرِ حَتَّى يَقِلَّ الْفَسَادُ وَتَسْتَرِيحَ الْعِبَادُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ هَذَا الْخَبَرِ فَيَكُونُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا
. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ:
(الْأَوَّلُ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ عِلْمِهِ أَوْ عَالَمِيَّتِهِ الْقَدِيمَةِ حَتَّى يَسْتَتِرَ الْعَبْدُ فِي قَبَائِحِهِ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ اطِّلَاعِ رَبِّهِ عَلَى فَضَائِحِهِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُوبِ ثُبُوتِ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى أَزَلًا وَأَبَدًا فَيَكُونُ هَذَا الدَّاعِي طَالِبًا لِقِيَامِ الْجَهْلِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ.
(الثَّانِي) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ قُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُوبِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَزَلًا أَبَدًا لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْقَاطِعُ عَلَى نَفْيِهِ) قُلْت الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ كَالْكَلَامِ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
قَالَ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سَلْبَ عِلْمِهِ أَوْ عَالَمِيَّتِهِ الْقَدِيمَةِ حَتَّى يَسْتَتِرَ الْعَبْدُ فِي قَبَائِحِهِ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ اطِّلَاعِ رَبِّهِ عَلَيْهِ إلَخْ. الثَّانِي أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ قُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْمَنَ الْمُؤَاخَذَةَ)
قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ طَلَبَ نَفْيَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لَيْسَ طَلَبًا لِضِدِّهِمَا وَهُمَا الْجَهْلُ وَالْعَجْزُ كَمَا قَالَ لِجَوَازِ غَفْلَةِ الدَّاعِي وَإِضْرَابِهِ عَنْهُمَا وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْغَفْلَةِ وَالْإِضْرَابِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالتَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
هُوَ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا عَدْوَى» اهـ قَالَ الْأَصْلُ: وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ الشُّؤْمُ الْوَارِدُ فِي الْأَحَادِيثِ فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ ﵇ «إنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ الدَّارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْفَرَسُ، وَفِي بَعْضِهَا إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنْ كَانَ النَّاسُ يَعْتَقِدُونَ الشُّؤْمَ فَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ أَوْ إنْ كَانَ الشُّؤْمُ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَفِي هَذِهِ الثَّلَاثِ.
وَقِيلَ: أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ أَوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ وَاقِعًا فِي الثَّلَاثِ فَلِذَلِكَ أَجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ وَجَزَمَ كَمَا أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِالدَّجَّالِ أَوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مُفَصَّلًا عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَ الْوَحْيُ بِهِ فَقَالَ ﵇ «إنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ فَالْمَرْءُ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ ثُمَّ قَالَ ﵇ إنَّ الدَّجَّالَ إنَّمَا يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ» ، وَكَذَلِكَ «سُئِلَ ﵇ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ فَقَالَ: إنَّهُ قَالَ: قَدْ مُسِخَتْ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ» أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَمْ يُعْقَبْ فَقَدْ أَخْبَرَ بِالْمَسْخِ أَوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مُفَصَّلًا، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي السُّنَّةِ فَنُنَبِّهُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَبِهَا يَحْصُلُ لَك الْجَمْعُ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يُجْرِيَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَادَتَهُ بِجَعْلِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَحْيَانَا سَبَبًا لِلضَّرَرِ فَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﵇ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا، وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ، وَالْمَالُ وَافِرٌ فَقَلَّ الْعَدَدُ، وَذَهَبَ الْمَالُ فَقَالَ ﷺ دَعُوهَا ذَمِيمَةً» وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ إنَّمَا تَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَقْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الثَّلَاثِ قَالَ الْبَاجِيَّ.
وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَادَةً اهـ وَاخْتُلِفَ فِي الْهَامَةِ وَصَفَرٍ فِي قَوْلِهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ «لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ» إلَخْ هَلْ هُمَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَمْ لَا قَالَ الْبَاجِيَّ: وَلَا هَامَةَ قَالَ مَالِكٌ: مَعْنَاهُ لَا تَطَيُّرَ بِالْهَامَةِ كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: إذَا وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ إذَا قُتِلَ أَحَدٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ طَائِرٌ لَا يَزَالُ يَقُولُ: اسْبِقْنِي حَتَّى يَقْتُلَ قَاتِلَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْخَبَرُ نَهْيًا وَعَلَى الثَّانِي تَكْذِيبًا، وَلَا صَفَرَ هُوَ النَّسِيءُ الَّتِي كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُحَرِّمُ فِيهِ صَفَرَ لِتُبِيحَ بِهِ الْمُحَرَّمَ، وَقِيلَ: كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ: هُوَ دَاءٌ فِي الْجَوْفِ يَقْتُلُ قَالَ ﵇ لَا يَمُوتُ إلَّا بِأَجْلِهِ اهـ هَذَا تَهْذِيبُ كَلَامِ الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الطِّيَرَةِ وَقَاعِدَةِ الْفَأْلِ الْحَلَالِ وَالْفَأْلِ الْحَرَامِ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الطِّيَرَةِ وَقَاعِدَةِ الْفَأْلِ الْحَلَالِ الْمُبَاحِ وَالْفَأْلِ الْحَرَامِ)
وَهُوَ أَنَّ بَيْنَ الطِّيَرَةِ وَالْفَأْلِ التَّبَايُنَ الْكُلِّيَّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ حَقِيقَةُ التَّطَيُّرِ وَالطِّيَرَةِ، وَأَحْكَامُهَا.
وَأَمَّا الْفَأْلُ فَهُوَ مَا يُظَنُّ عِنْدَهُ
стр. 1017
وَلَا الْفَنَاءَ فَطَلَبُ عَدَمِهَا طَلَبٌ لِعَجْزِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ.
(الثَّالِثُ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَارْتِفَاعَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الدَّاعِي بِالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَيَأْمَنَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى شُمُولِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فَيَكُونُ الدَّاعِي طَالِبًا لِسَلْبِ ذَلِكَ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا
. (الْقِسْمُ الرَّابِعُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِهِ مِمَّا يُخِلُّ ثُبُوتُهُ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ مُثُلٌ: أَنْ يَعْظُمَ شَوْقُ الدَّاعِي إلَى رَبِّهِ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَنْ يَحِلَّ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِهِ أَوْ يَعْظُمَ خَوْفُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْأَلَ اللَّهَ ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَسْتَبْدِلَ مِنْ وَحْشَتِهِ أُنْسًا، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ فَطَلَبُ ذَلِكَ كُفْرٌ.
(الثَّانِي) أَنْ تَعْظُمَ حَمَاقَةُ الدَّاعِي وَتَجَرُّؤُهُ فَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْعَالَمِ مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ مِنْ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَالْقَضَاءِ النَّافِذِ الْمُحَتَّمِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ طَلَبُ ذَلِكَ طَلَبًا لِلشَّرِكَةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُلْكِ وَهُوَ كُفْرٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الثَّالِثُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَارْتِفَاعَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الدَّاعِي بِالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَيَأْمَنَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى شُمُولِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فَيَكُونُ الدَّاعِي طَالِبًا لِسَلْبِ ذَلِكَ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ كُفْرًا وَأَلْحَقَ بِهَذِهِ الْمُثُلَ نَظَائِرَهَا) قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّ كَوْنَ أَمْرٍ مَا كُفْرًا إنَّمَا هُوَ وَضْعٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ طَلَبَ ذَلِكَ كُفْرٌ فَهُوَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا. هَذَا إذَا أَرَادَ أَنَّ عَيْنَ الطَّلَبِ هُوَ الْكُفْرُ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ وَهُوَ الْجَهْلُ يَكُونُ سَلْبُ الِاسْتِيلَاءِ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ أَوْ لَا تَتَعَلَّقُ فَهُوَ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ (الْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِهِ مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ مُثُلٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَعْظُمَ شَوْقُ الدَّاعِي إلَى رَبِّهِ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَنْ يَحِلَّ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاته حَتَّى يَجْتَمِعَ بِهِ) قُلْت الْكَلَامُ فِي هَذَا الْقِسْمِ كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ هُنَاكَ وَهُنَا مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ صَوَابُهُ بِإِجْلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ أَمَّا جَلَالُ الرُّبُوبِيَّةِ فَلَا يُخِلُّ بِهِ شَيْءٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْخَيْرُ عَكْسُ الطِّيَرَةِ وَالتَّطَيُّرِ فَإِنَّ مَا يُتَطَيَّرُ وَيُتَشَاءَمُ بِهِ لِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ هُوَ مَا يُظَنُّ عِنْدَهُ السُّوءُ وَالشَّرُّ فَفِي الْعَزِيزِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «وَإِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا» أَيْ وَإِذَا خَرَجْتُمْ لِنَحْوِ سَفَرٍ، أَوْ عَزَمْتُمْ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فَتَشَاءَمْتُمْ بِهِ لِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعِ مَا فِيهِ كَرَاهَةٌ فَلَا تَرْجِعُوا وَفَوِّضُوا أُمُورَكُمْ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لَا إلَى غَيْرِهِ، وَالْتَجِئُوا إلَيْهِ فِي دَفْعِ شَرِّ مَا تَطَيَّرْتُمْ بِهِ اهـ قُلْت: وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ خَيْبَرَ وَأَبْصَرَ مِسْحَاةً وَزِنْبِيلًا قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» لِمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فَلَا تَغْفُلْ مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ الْفَأْلِ وَالطِّيَرَةِ مُتَبَايِنٌ تَبَايُنًا كُلِّيًّا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِ صَاحِبِ الْمُخْتَارِ: الْفَأْلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَرِيضًا فَيَسْمَعَ آخَرَ يَقُولُ: يَا سَالِمُ، أَوْ يَكُونَ طَالِبًا فَيَسْمَعَ آخَرَ يَقُولُ: يَا وَاجِدُ يُقَالُ تَفَاءَلْ بِكَذَا بِالتَّشْدِيدِ وَفِي الْحَدِيثِ «كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ» اهـ بِلَفْظِهِ.
لَكِنْ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: إنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ أَنَّ الْفَأْلَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ الطِّيَرَةِ وَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُظَنُّ عِنْدَهُ الْخَيْرُ أَوْ الشَّرُّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَارَةً يَتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ وَتَارَةً لِلشَّرِّ، وَتَارَةً يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا فَالْمُتَعَيِّنُ لِلْخَيْرِ مِثْلُ الْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ يَسْمَعُهَا الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ نَحْوُ يَا فَلَاحُ يَا مَسْعُودُ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ حَتَّى مَتَى سَمِعَ اسْتَبْشَرَ الْقَلْبُ وَمِثْلُ الْمَنْظَرِ الْحَسَنِ يَرَاهُ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ.
وَمِنْهُ إرْسَالُ الرَّسُولِ الْحَسَنِ الْوَجْهِ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ مِمَّنْ كَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ أَمَلًا فِي قَضَائِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ «اُطْلُبُوا الْحَوَائِجَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ» وَعَقَدَهُ الصَّرْصَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ:
أَلَا يَا رَسُولَ الْإِلَهِ الَّذِي ... هَدَانَا بِهِ اللَّهُ فِي كُلِّ تِيهٍ
سَمِعْت حَدِيثًا مِنْ الْمُسْنَدَاتِ ... يَسُرُّ فُؤَادَ النَّبِيلِ النَّبِيهِ
وَأَنَّكَ قَدْ قُلْت فِيهِ اُطْلُبُوا الْحَ ... وَائِجَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ
وَلَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْ وَجْهِكَ الْ ... كَرِيمِ فَجُدْ لِي بِمَا أَرْتَجِيهِ
فَهَذَا فَأْلٌ حَسَنٌ مَقْصُودٌ وَالْمُتَعَيِّنُ لِلشَّرِّ مِثْلُ الْكَلِمَةِ الْقَبِيحَةِ يَسْمَعُهَا الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ نَحْوُ يَا خَيْبَةُ يَا وَيْلُ وَمِنْهُ كَرَاهَةُ تَسْمِيَةِ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ بِالِاسْمِ الْقَبِيحِ فَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﵇ «حَوَّلَ أَسْمَاءً مَكْرُوهَةً مِنْ أَقْوَامٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِأَسْمَاءٍ حَسَنَةٍ»
стр. 1018
وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ جُهَّالِ الصُّوفِيَّةِ فَيَقُولُونَ فُلَانٌ أُعْطِيَ كَلِمَةَ كُنْ وَيَسْأَلُونَ أَنْ يُعْطَوْا كَلِمَةَ كُنْ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وَمَا يَعْلَمُونَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَعْلَمُونَ مَا مَعْنَى إعْطَائِهَا إنْ صَحَّ أَنَّهَا أُعْطِيت، وَهَذِهِ أَغْوَارٌ بَعِيدَةُ الرَّوْمِ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُحَصِّلِينَ فَضْلًا عَنْ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَخَرِّصِينَ فَيَهْلَكُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبُونَ وَهُمْ عَنْهُ مُتَبَاعِدُونَ عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفِتَنِ وَأَسْبَابِهَا وَالْجَهَالَاتِ وَشَبَهِهَا.
(الثَّالِثُ) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبًا فَيَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ النَّسَبِ وَأَسْبَابِ الِاسْتِيلَادِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَنْسَابِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ طَلَبًا لِصُدُورِ الِاسْتِيلَادِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا فَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ مُخِلَّةٌ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ تَقَعُ لِلْعِبَادِ الْجُهَّالِ وَمَنْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ جُهَّالِ الصُّوفِيَّةِ فَيَقُولُونَ فُلَانٌ أُعْطِيَ كَلِمَةَ كُنْ وَيَسْأَلُونَ أَنْ يُعْطَوْا كَلِمَةَ كُنْ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وَمَا يَعْلَمُونَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَعْلَمُونَ مَا مَعْنَى إعْطَائِهَا إنْ صَحَّ أَنَّهَا أُعْطِيت وَهَذِهِ أَغْوَارٌ بَعِيدَةُ الرَّوْمِ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُحَصِّلِينَ فَضْلًا عَنْ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَخَرِّصِينَ، فَيَهْلَكُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبُونَ وَهُمْ عَنْهُ مُتَبَاعِدُونَ عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفِتَنِ وَأَسْبَابِهَا وَالْجَهَالَاتِ وَشَبَهِهَا) قُلْت إنْ كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي غَيْرَهُ كَلِمَةَ كُنْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعْطِيهِ الِاقْتِدَارَ فَذَلِكَ جَهْلٌ شَنِيعٌ إنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُعْطِيهِ الِاسْتِقْلَالَ وَإِلَّا فَهُوَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ وَكِلَاهُمَا كُفْرٌ بِالْمَآلِ.
وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي كُنْ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الشَّخْصِ الْكَائِنَاتُ الَّتِي يُرِيدُهَا مَقْرُونَةً بِإِرَادَتِهِ فَعَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِإِعْطَائِهِ كَلِمَةَ كُنْ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ إذَا اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِمْ قَرِينَةٌ تُفْهِمُ الْمَقْصُودَ قَالَ (الثَّانِي أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبًا فَيَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ النَّسَبِ وَأَسْبَابِ الِاسْتِيلَادِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَنْسَابِ) قُلْت الْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِيمَا قَبْلَهُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَخَرَّجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ مَا اسْمُك فَقَالَ جَمْرَةُ فَقَالَ: ابْنُ مَنْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: مِمَّنْ قَالَ الْحَرَّةُ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ قَالَ بِأَيِّهَا قَالَ بِذَاتِ لَظَى قَالَ عُمَرُ أَدْرِك أَهْلَك فَقَدْ احْتَرَقُوا قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَمِثْلُ الْمَنْظَرِ الْقَبِيحِ يَرَاهُ الْمَرْءُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَيَتَشَاءَمُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ «لَمَّا دَخَلَ خَيْبَرَ وَرَأَى زِنْبِيلًا وَمِسْحَاةً قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» وَمِنْهُ كَرَاهَةُ إرْسَالِ الرَّسُولِ الْوَخْشَ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ أَوْ كَرَاهَةُ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِمَّنْ كَانَ قَبِيحَ الْوَجْهِ حَذَرًا مِنْ عَدَمِ قَضَائِهَا فَهَذَا قَالَ قَبِيحٌ مُبَاحٌ، وَالْمُتَرَدِّدُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْفَأْلُ الْحَرَامُ الَّذِي بَيَّنَهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ فَقَالَ: إنَّ أَخْذَ الْفَأْلِ مِنْ الْمُصْحَفِ.
وَضَرْبَ الرَّمْلِ وَالْقُرْعَةِ، وَالضَّرْبَ بِالشَّعِيرِ، وَجَمِيعَ هَذَا النَّوْعِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ لِأَزْلَامِ أَعْوَادٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَكْتُوبٌ عَلَى أَحَدِهَا افْعَلْ، وَعَلَى الْآخَرِ لَا تَفْعَلْ، وَعَلَى الْآخَرِ غُفْلٌ فَيَخْرُجُ أَحَدُهَا، فَإِنْ وَجَدَ عَلَيْهِ افْعَلْ أَقْدَمَ عَلَى حَاجَتِهِ الَّتِي يَقْصِدُهَا أَوْ لَا تَفْعَلْ أَعْرَضَ عَنْهَا، وَاعْتَقَدَ أَنَّهَا ذَمِيمَةٌ أَوْ خَرَجَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهَا غُفْلٌ أَعَادَ الضَّرْبَ فَهُوَ يَطْلُبُ قِسْمَهُ مِنْ الْغَيْبِ بِتِلْكَ الْأَعْوَادِ فَهُوَ اسْتِقْسَامٌ أَيْ طَلَبُ الْقَسْمِ، الْجَيِّدُ يَتْبَعُهُ وَالرَّدِيء يَتْرُكُهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَخَذَ الْفَأْلَ مِنْ الْمُصْحَفِ أَوْ غَيْرِهِ إنَّمَا يَعْتَقِدُ هَذَا الْمَقْصِدَ إنْ خَرَجَ جَيِّدًا اتَّبَعَهُ أَوْ رَدِيئًا اجْتَنَبَهُ فَهُوَ عَيْنُ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ الَّذِي وَرَدَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ فَيَحْرُمُ اهـ قَالَ الْأَصْلُ: وَمَا رَأَيْتُهُ يَعْنِي الطُّرْطُوشِيَّ حَكَى فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ مُتَعَيِّنٌ لِلْخَيْرِ أَوْ لِلشَّرِّ هُوَ أَنَّ تَحْرِيمَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - بِغَيْرِ سَبَبٍ تَقْتَضِيهِ عَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ فَالْحَقُّ بِالطِّيَرَةِ وَإِبَاحَةِ الْمُتَعَيِّنِ لِلْخَيْرِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْخَيْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَبْعَثُ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَإِبَاحَةِ الْمُتَعَيِّنِ لِلشَّرِّ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً لِلشَّرِّ وَسُوءِ ظَنٍّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - إلَّا أَنَّهُ بِسَبَبٍ تَقْتَضِيهِ عَادَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَوَائِدَ اللَّهِ إذَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ فَهَذَا هُوَ تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّطَيُّرِ وَالْفَأْلِ الْمُبَاحِ وَالْفَأْلِ الْحَرَامِ هَذَا تَوْضِيحُ وَتَنْقِيحُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي تَجُوزُ تَعْبِيرُهَا وَقَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي لَا يَجُوزُ تَعْبِيرُهَا]
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ]
(الْفَرْقُ السَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي يَجُوزُ تَعْبِيرُهَا وَقَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي لَا يَجُوزُ تَعْبِيرُهَا) ، وَهُوَ الرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةُ كَمَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ سَبْعَةٌ مِنْهَا لَا تُعَبِّرُ وَوَاحِدَةٌ مِنْهَا تُعَبِّرُ فَأَمَّا السَّبْعَةُ فَأَحَدُهَا وَثَانِيهَا وَثَالِثُهَا وَرَابِعُهَا مَا نَشَأَتْ عَنْ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ الْغَالِبَةِ عَلَى مِزَاجِ الرَّائِي الْمَعْرُوفِ غَلَبَةُ خَلْطٍ مِنْهَا عَلَيْهِ بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ
стр. 1019
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵁ إنَّ بِنَاءَ الْكَنَائِسِ كُفْرٌ إذَا بَنَاهَا مُسْلِمٌ وَيَكُونُ رِدَّةً فِي حَقِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إرَادَةَ الْكُفْرِ وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا قَتَلَ نَبِيًّا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ كَانَ كَافِرًا لِإِرَادَتِهِ إمَاتَةَ شَرِيعَتِهِ وَإِرَادَةُ إمَاتَةِ الشَّرَائِعِ كُفْرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْلَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةُ لَيْسَ عُذْرًا لِلدَّاعِي عِنْدَ اللَّه تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ جَهْلٍ يُمْكِنُ الْمُكَلَّفَ دَفْعُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِلْجَاهِلِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ رُسُلَهُ إلَى خَلْقِهِ بِرَسَائِلِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ كَافَّةً أَنْ يُعَلِّمُوهَا ثُمَّ يَعْمَلُوا بِهَا فَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهَا وَاجِبَانِ فَمَنْ تَرَكَ التَّعَلُّمَ وَالْعَمَلَ وَبَقِيَ جَاهِلًا فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَتَيْنِ لِتَرْكِهِ وَاجِبَيْنِ وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَةً وَاحِدَةً بِتَرْكِ الْعَمَلِ وَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ فَقَدْ نَجَا وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «النَّاسُ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَالِمُونَ وَالْعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَامِلُونَ وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْمُخْلِصُونَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ» فَحَكَمَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ بِالْهَلَاكِ إلَّا الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ شُرُوطًا أُخَرَ مَعَ الْعِلْمِ فِي النَّجَاةِ مِنْ الْهَلَاكِ نَعَمْ الْجَهْلُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ لِلْمُكَلَّفِ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ يَكُونُ عُذْرًا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً أَوْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ خَلًّا أَوْ أَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا يَظُنُّهُ طَاهِرًا مُبَاحًا فَهَذِهِ الْجَهَالَاتُ يُعْذَرُ بِهَا إذْ لَوْ اُشْتُرِطَ الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَشَبَهِهَا لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فَيُعْذَرُونَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْجَهْلُ الَّذِي يُمْكِنُ رَفْعُهُ لَا سِيَّمَا مَعَ طُولِ الزَّمَانِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵁ إنَّ بِنَاءَ الْكَنَائِسِ كُفْرٌ إذَا بَنَاهَا مُسْلِمٌ أَوْ يَكُونُ رِدَّةً فِي حَقِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إرَادَةَ الْكُفْرِ) قُلْت مَعْنَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ إنَّ بِنَاءَ الْكَنَائِسِ كُفْرٌ أَيْ فِي الْحُكْمِ الدُّنْيَوِيِّ، وَأَمَّا الْأُخْرَوِيُّ فَبِحَسَبِ النِّيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَكَذَلِكَ أَفْتَى فِي الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ نَبِيًّا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ كَانَ كَافِرًا لِإِرَادَتِهِ إمَاتَةَ شَرِيعَتِهِ وَإِرَادَةُ إمَاتَةِ الشَّرَائِعِ كُفْرٌ) قُلْت مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْلَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةُ لَيْسَ عُذْرًا إلَى آخِرِهِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلُّهُ صَحِيحٌ إلَّا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ التَّحْرِيمُ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ النَّدْبُ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِهِ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الدَّالَّةِ عَلَى تِلْكَ الْغَلَبَةِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ السَّوْدَاءُ رَأَى الْأَلْوَانَ السُّودَ وَالْأَشْيَاءَ الْمُحَرَّقَةَ وَالطُّعُومَ الْحَامِضَةَ؛ لِأَنَّهُ طَعِمَ السَّوْدَاءَ، وَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الصَّفْرَاءُ رَأَى الْأَلْوَانَ الصُّفْرَ لِطُعُومِ الْمِرَّةِ وَالسَّمُومِ وَالْحَرُورِ وَالصَّوَاعِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّفْرَاءَ مُسَخِّنَةٌ مِرَّةٌ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ يَرَى الْأَلْوَانَ الْحُمْرَ وَالطُّعُومَ الْحُلْوَةَ وَأَنْوَاعَ الطَّرَبِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مُفْرِحٌ حُلْوٌ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْبَلْغَمُ رَأَى الْأَلْوَانَ الْبِيضَ وَالْأَمْطَارَ وَالْمِيَاهَ وَالثَّلْجَ
(وَخَامِسُهَا) مَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَيُفْهَمُ ذَلِكَ بِجَوَلَانِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَكَثْرَةِ الْفِكْرِ فِيهِ فَيَسْتَوْلِي عَلَى النَّفْسِ فَتُكَيَّفُ بِهِ فَيَرَاهُ فِي النَّوْمِ
وَسَادِسُهَا مَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَيُعْرَفُ بِكَوْنِهِ فِيهِ حَثٌّ عَلَى أَمْرٍ تُنْكِرُهُ الشَّرِيعَةُ أَوْ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ جَائِزٍ يُؤَدِّي إلَى أَمْرٍ مُنْكَرٍ كَمَا إذَا أَمَرَهُ بِالتَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ فَتَضِيعُ عَائِلَتُهُ أَوْ يُعْتِقُ بِذَلِكَ أَبَوَيْهِ
وَسَابِعُهَا: مَا كَانَ فِيهِ احْتِلَامٌ
(وَالْقِسْمُ الثَّامِنُ) : الَّذِي يَجُوزُ تَعْبِيرُهُ هُوَ مَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ وَهُوَ مَا يَنْقُلُهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَإِنَّ اللَّهَ ، وَكَّلَ مَلَكًا بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَنْقُلُ لِكُلِّ أَحَدٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لَا يَتْرُكُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ذَكَرَهُ مَنْ ذَكَرَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ اهـ
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ تَقُولُ الْعَرَبُ: رَأَيْت رُؤْيَةً إذَا عَايَنْت بِبَصَرِك وَرَأَيْت رَأْيًا إذَا اعْتَقَدْت بِقَلْبِك، وَرَأَيْت رُؤْيَا بِالْقَصْرِ إذَا عَايَنْت فِي مَنَامِك، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْيَقَظَةِ اهـ قَالَ الْأَصْلُ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] فِي الْيَقَظَةِ اهـ قُلْت: قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] عِيَانًا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أَهْلِ مَكَّةَ إذْ كَذَّبُوا بِهَا وَارْتَدَّ بَعْضُهُمْ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهَا اهـ وَفِي الْجَمَلِ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَعَلَى الْيَقَظَةِ فَهِيَ بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ فَتَسْمِيَتُهَا رُؤْيَا لِوُقُوعِهَا بِاللَّيْلِ وَسُرْعَةِ تَقَضِّيهَا كَأَنَّهَا مَنَامٌ اهـ قَالَ الْمَحَلِّيُّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَاخْتُلِفَ فِي وُقُوعِ رُؤْيَتِهِ - تَعَالَى - فِي الْيَقَظَةِ لَهُ ﷺ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَالصَّحِيحُ نَعَمْ اهـ قَالَ الْعَطَّارُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأُجِيبَ عَمَّا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ رَأَيْت رَبَّك قَالَ رَأَيْت نُورًا» وَفِي رِوَايَةٍ «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» بِرَفْعِ " نُورٌ " عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ بِمَحْذُوفٍ وَفَتْحِ هَمْزَةِ أَنَّى وَتَشْدِيدِ نُونِهَا بِمَعْنَى كَيْفَ أَيْ حَجَبَنِي نُورٌ كَيْفَ أَرَاهُ أَيْ اللَّهَ - تَعَالَى - بِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صَرَاحَتِهَا فَأَبُو ذَرٍّ نَافٍ، وَغَيْرُهُ مُثْبِتٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي اهـ الْمُرَادُ
стр. 1020
وَاسْتِمْرَارِ الْأَيَّامِ وَاَلَّذِي لَا يُعْلَمُ الْيَوْمَ يُعْلَمُ فِي غَدٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ فَسَادٌ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا لِأَحَدٍ وَلِذَلِكَ أَلْحَقَ مَالِكٌ الْجَاهِلَ فِي الْعِبَادَاتِ بِالْعَامِدِ دُونَ النَّاسِي؛ لِأَنَّهُ جَهْلٌ يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] أَيْ بِجَوَازِ سُؤَالِهِ فَاشْتَرَطَ الْعِلْمَ بِالْجَوَازِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ التَّحْرِيمُ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهَا فِي الْفُرُوقِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَحْذَرَ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا حَذَرًا شَدِيدًا لِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ سَخَطِ الدَّيَّانِ وَالْخُلُودِ فِي النِّيرَانِ وَحُبُوطِ الْأَعْمَالِ وَانْفِسَاخِ الْأَنْكِحَةِ وَاسْتِبَاحَةِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَمْوَالِ وَهَذَا فَسَادٌ كُلُّهُ يَتَحَصَّلُ بِدُعَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَا تَرْتَفِعُ أَكْثَرُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ إلَّا بِتَجْدِيدِ الْإِسْلَامِ وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ أَمْرُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ مِنْ مُوجِبَاتِ عِقَابِهِ، وَأَصْلُ كُلِّ فَسَادٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ الْجَهْلُ فَاجْتَهِدْ فِي إزَالَتِهِ عَنْك مَا اسْتَطَعْت كَمَا أَنَّ أَصْلَ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ فَاجْتَهِدْ فِي تَحْصِيلِهِ مَا اسْتَطَعْت وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ كُلِّهِ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَقْسَامُ بِتَمَيُّزِهَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ مُحَرَّمًا) .
وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ اثْنَا عَشَرَ قِسْمًا ثَبَتَ الْحَصْرُ فِيهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ فَتَكُونُ هِيَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَحْذَرَ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا حَذَرًا شَدِيدًا. ثُمَّ قَالَ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَقْسَامُ بِتَمَيُّزِهَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ الدُّعَاءِ، وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ)
قُلْت لَمْ يَحْصُلْ الْمَطْلُوبُ بِمَا قَرَّرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ فِي هَذَا الْفَرْقِ لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ عَلَى أَنَّهُ بِعَيْنِهِ كُفْرٌ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ.
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ مُحَرَّمًا، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ اثْنَا عَشَرَ قِسْمًا ثَبَتَ الْحَصْرُ فِيهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ فَتَكُونُ هِيَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
التَّنْبِيهُ الثَّانِي) خَرَّجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ الَّذِي يَكْرَهُهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إذَا اسْتَيْقَظَ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -» قَالَ الْبَاجِيَّ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَقُولُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ - إذَا نَفَثَ عَنْ يَسَارِهِ: أَعُوذُ بِمَنْ اسْتَعَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت فِي مَنَامِي هَذَا أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ شَيْءٌ أَكْرَهُهُ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَلَى جَانِبِهِ الْآخَرِ اهـ وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْمُبَشِّرَةَ أَوْ الصَّالِحَةَ، وَالْحُلْمُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يُحْزِنُ، أَوْ الْكَاذِبَةُ يُخَيَّلُ بِهَا لِيَفْرَحَ أَوْ يَحْزَنَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الْفَرْقُ بَيْنَ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ رُؤْيَا غَيْرِهِمْ إذَا أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهَا لَا تَخْرُجُ كَمَا أُوِّلَتْ وَرُؤْيَا غَيْرِ الصَّالِحِ لَا يُقَالُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ، وَإِنَّمَا يُلْهِمُ اللَّهُ - تَعَالَى - الرَّائِيَ التَّعَوُّذَ إذَا كَانَتْ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ قَدَّرَ أَنَّهَا لَا تُصِيبُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ شَرَّ الْقَدَرِ قَدْ يَكُونُ وُقُوعُهُ مَوْقُوفًا عَلَى عَدَمِ الدُّعَاءِ اهـ (وَصْلٌ فِي ثَمَانِ مَسَائِلَ) تَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَا (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
خَرَّجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» قَالَ الْبَاجِيَّ فِي الْمُنْتَقَى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ أَنَّ مُدَّةَ نُبُوَّتِهِ ﷺ كَانَتْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ نُبُوَّةٌ بِالرُّؤْيَا فَأَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ ﵇ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ، وَنِسْبَةُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، وَقِيلَ: أَجْزَاءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ، وَرُوِيَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَرُوِيَ مِنْ سَبْعِينَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا فِي الرُّؤْيَا فَيُحْمَلَ الْأَوَّلُ عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَكْثَرِ مِنْ الْعَدَدِ عَلَى الرُّؤْيَا الْخَفِيَّةِ، أَوْ تَكُونَ السِّتَّةُ وَالْأَرْبَعُونَ هِيَ الْمُبَشِّرَةَ، وَالسَّبْعُونَ هِيَ الْمُحْزِنَةَ وَالْمَخُوفَةَ لِقِلَّةِ تَكَرُّرِهِ، وَلِمَا يَكُونُ جِنْسُهُ مِنْ الشَّيْطَانِ اهـ قَالَ الزَّرْقَانِيُّ: وَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مُدَّةَ نُبُوَّتِهِ إلَخْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: بَعِيدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَبْقَى حَدِيثُ سَبْعِينَ جُزْءًا لَا مَعْنَى لَهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ.
هَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا تَحْمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ وَالْعَدَدِ فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ خَبَرًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِيهِ أَثَرًا وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ فِيهِ خَبَرًا، فَكَأَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَيَّامِ الصِّيَامِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ فَإِنَّا لَا نَصِلُ مِنْ عِلْمِهَا إلَى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَهَا تَحْتَ أَعْدَادِهَا.
وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي مُوجِبِ اعْتِقَادِنَا
следующие страницы →