← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عَلَى عُرْفِ بَلَدِك وَاسْأَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ وَاجْرِهِ عَلَيْهِ وَأَفْتِهِ بِهِ دُونَ عُرْفِ بَلَدِك وَالْمُقَرَّرِ فِي كُتُبِك فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ وَالْجُمُودُ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ أَبَدًا ضَلَالٌ فِي الدِّينِ وَجَهْلٌ بِمَقَاصِدِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَخَرَّجُ أَيْمَانُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَصِيَغُ الصَّرَائِحِ وَالْكِنَايَاتِ فَقَدْ يَصِيرُ الصَّرِيحُ كِنَايَةً يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ. وَقَدْ تَصِيرُ الْكِنَايَةُ صَرِيحًا مُسْتَغْنِيَةً عَنْ النِّيَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَوْرًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَسَمُ فَقَطْ ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي النَّذْرِ أَيْضًا وَهُوَ لَيْسَ قَسَمًا بَلْ إطْلَاقُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إمَّا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ أَوْ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَجَمْعُ الْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ عَادَتُهَا تُنْذِرُ كَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ وَالطَّلَاقِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ قَسَمًا وَلَا نَذْرًا يَقْتَضِي ذَلِكَ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ إنْ قُلْنَا إنَّ لَفْظَ الْيَمِينِ حَقِيقَةً فِي الْجَمِيعِ أَوْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ هَلْ تَجُوزُ أَمْ لَا أَعْنِي هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ كَلَامًا عَرَبِيًّا أَمْ لَا وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَتِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي فَتَخَرَّجَ مَا يَلْزَمُهُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْحَلِفِ عِنْدَ الْمُلُوكِ الْمُعَاصِرَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَأَيُّ شَيْءٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مُلُوكِ الْوَقْتِ فِي التَّحْلِيفِ بِهِ فِي بَيْعَتِهِمْ وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ بِحَيْثُ صَارَ عُرْفًا وَمَنْقُولًا مُتَبَادِرًا لِلذِّهْنِ مِنْ غَيْرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَقَدْ تَصِيرُ الْكِنَايَةُ صَرِيحًا مُسْتَغْنِيَةً عَنْ النِّيَّةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَفْظَ الْأَيْمَانِ لَا بُدَّ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى عَادَةِ الْحَالِفِ أَوْ أَهْلِ بَلْدَةِ تَسْمِيَتِهِ يَمِينًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَوْرًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَسَمُ فَقَطْ ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي النَّذْرِ أَيْضًا وَهُوَ لَيْسَ قَسَمًا بَلْ إطْلَاقُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إمَّا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ أَوْ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَجَمَعَ الْأَصْحَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ عَادَتُهَا تُنْذَرُ كَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ وَالطَّلَاقِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ قَسَمًا وَلَا نَذْرًا يَقْتَضِي ذَلِكَ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ فِي ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ وَلَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بَلْ صَارَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ كُلُّهَا تُسَمَّى فِي الْعُرْفِ إيمَانًا وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي اللُّغَةِ مَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَمْلِ يَمِينِهِ عَلَى الْعُرْفِ ثُمَّ عَلَى النِّيَّةِ ثُمَّ عَلَى الْبِسَاطِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى يَمِينِهِ تِلْكَ حُكْمٌ أَوْ لَا يَتَرَتَّبُ فَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا حُكْمٌ فَالْمُعْتَبَرُ النِّيَّةُ ثُمَّ السَّبَبُ أَوْ الْبِسَاطُ ثُمَّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَفِي حَاشِيَةِ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ إمَّا أَنْ يُفَسَّرَ بِإِلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ فَلَا يَشْمَلُ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ وَإِمَّا أَنْ يُفَسَّرَ بِالطَّلَبِ فَيَشْمَلُهُمَا وَعَلَى الْأَوَّلِ يَظْهَرُ مَا رَجَّحَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ تَعَلُّقِ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ بِالصَّبِيِّ كَأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ مِنْ الشَّارِعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ أَمْرٌ وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَلَيْسَتْ تَكْلِيفًا عَلَيْهِمَا وَعَدُّهَا فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ إمَّا أَنَّهُ تَغْلِيبٌ أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُكَلَّفِ لِمَا صُرِّحَ بِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ كَالْبَهَائِمِ مُهْمَلَةٌ وَلَا يُقَالُ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ وَتَقْرِيبُهُ أَنَّ مَعْنَى مُبَاحَةٌ لَا إثْمَ فِي فِعْلِهَا وَلَا فِي تَرْكِهَا وَلَا يُنْفَى الشَّيْءُ إلَّا حَيْثُ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ قَالَ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى ظَاهِرِ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الصَّبِيَّ مُكَلَّفٌ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَأَنَّهُمْ حَمَلُوا رَفْعَ الْقَلَمِ عَنْهُ عَلَى غَيْرِ الْإِيمَانِ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ وَذَلِكَ لِأَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى نَجَاةِ الصِّبْيَانِ مُطْلَقًا وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَلَوْ أَوْلَادَ الْكُفَّارِ نَعَمْ إنْ أَرَادُوا مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا الْمَالِكِيَّةُ رِدَّةُ الصَّبِيِّ وَإِيمَانَهُ مُعْتَبَرَانِ بِمَعْنَى إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَتَسَبَّبُ عَنْهُمَا كَبُطْلَانِ ذَبْحِهِ وَنِكَاحِهِ وَصِحَّتُهُمَا رَجَعَ لِخِطَابِ الْوَضْعِ مِنْ حَيْثُ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ وَهُوَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُكَلَّفِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُقْتَلُ قَبْلَ الْبُلُوغِ اهـ وَقَدْ قَدَّمْنَا تَبَعًا لِابْنِ الشَّاطِّ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِعَيْنِهِ مَشَقَّةٌ لِأَنَّهُ مَنَعَ الْإِنْسَانَ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ دَوَاعِي نَفْسِهِ وَهُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ سُمِّيَ تَكْلِيفًا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ حَتَّى الْإِبَاحَةِ وَيُوَضِّحُ هَذَا مَا قَالَهُ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمُوَافَقَاتِ مِنْ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ أَنَّ الشَّرَائِعَ إنَّمَا جِيءَ بِهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّخْيِيرُ جَمِيعًا رَاجِعَةٌ إلَى حَظِّ الْمُكَلَّفِ وَمَصَالِحِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ الْحُظُوظِ مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَغْرَاضِ غَيْرَ أَنَّ الْحَظَّ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا دَاخِلٌ تَحْتَ الطَّلَبِ فَلِلْعَبْدِ أَخْذُهُ مِنْ جِهَةِ الطَّلَبِ فَلَا يَكُونُ سَاعِيًا فِي حَظِّهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَفُوتُهُ حَظُّهُ لَكِنَّهُ أُخِذَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الطَّلَبِ لَا مِنْ حَيْثُ بَاعِثِ نَفْسِهِ وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ بَرِيئًا مِنْ الْحَظِّ وَقَدْ يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ الْحَظِّ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الطَّلَبِ فَطَلَبُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ صَارَ حَظُّهُ تَابِعًا لِلطَّلَبِ فَلَحِقَ بِمَا قَبْلَهُ فِي التَّجَرُّدِ عَنْ الْحَظِّ وَسُمِّيَ بِاسْمِهِ وَالثَّانِي غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الطَّلَبِ فَلَا يَكُونُ آخِذًا لَهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لِأَنَّ الطَّلَبَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ بِالْغَرَضِ فَهُوَ وَقَدْ أَخَذَهُ إذًا مِنْ جِهَةِ حَظِّهِ فَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمُبَاحِ إنَّهُ الْعَمَلُ الْمَأْذُونُ فِيهِ الْمَقْصُودُ بِهِ مُجَرَّدُ الْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ خَاصَّةً اهـ أَيْ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتِمَّ فِيهِ الْحَظُّ الْمَذْكُورُ بِوَاسِطَةِ الْحَجْرِ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ إلَّا بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ لَمْ يَخْلُ عَنْ كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ

стр. 177

قَرِينَةٍ عَلَى الْقَانُونِ الْمُتَقَدِّمِ حُمِلَ يَمِينُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ أَوْ بِسَاطُ يَمِينِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ) هَذَا الْفَرْقُ أَيْضًا ذَهَبَ عَنْهُ كُلُّ مَنْ يُفْتِي مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ فَلَا يَكَادُونَ يَتَعَرَّضُونَ عِنْدَ الْفَتَاوَى لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَإِذَا جَاءَهُمْ حَالِفٌ وَقَالَ حَلَفْت لَا لَبِسْتُ ثَوْبًا وَنَوَيْتُ الْكَتَّانَ يَقُولُونَ لَهُ لَا تَحْنَثُ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ وَهُوَ خَطَأٌ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ النَّظَائِرِ وَطَرِيقُ كَشْفِ الْغِطَاءِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ إنَّ الْمُطْلِقَ إذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَنَوَى جَمِيعَ أَفْرَادِهِ بِيَمِينِهِ حَنَّثْنَاهُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ لِوُجُودِ اللَّفْظِ فِيهِ وَلِوُجُودِ النِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ هُنَا مُؤَكِّدَةٌ لِصِيغَةِ الْعُمُومِ وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظِ الْعَامَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا بِسَاطٍ وَلَا عَادَةٍ صَارِفَةٍ حَنَّثْنَاهُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ لِلْوَضْعِ الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَنَوَى بَعْضَهَا بِالْيَمِينِ وَغَفَلَ عَنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ حَنَّثْنَاهُ بِالْبَعْضِ الْمَنْوِيِّ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ وَبِالْبَعْضِ الْآخَرِ بِاللَّفْظِ فَإِنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالْحُكْمِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى النِّيَّةِ لِصَرَاحَتِهِ وَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْعُرْفُ ثُمَّ اللُّغَةُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا حُكْمٌ فَالْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ ثُمَّ اللُّغَةُ لَا غَيْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُخَصَّصَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إلَى قَوْلِهِ وَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ تَحْنِيثِ الْحَالِفِ الْمُطْلِقِ اللَّفْظَ الْعَامَّ النَّاوِي لِبَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْغَافِلُ عَنْ سِوَاهُ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ أَوَّلُ مُعْتَبَرٍ فِي الْحَالِفِ ثُمَّ السَّبَبُ وَالْبِسَاطُ وَالسَّبَبُ وَالْبِسَاطُ إذَا اقْتَضَيَا تَقْيِيدَ اللَّفْظِ أَوْ تَخْصِيصَهُ نَزَلَ لَفْظُ الْحَالِفِ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَحْنَثْ بِمَا عَدَاهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ إلَّا لِأَنَّ السَّبَبَ وَالْبِسَاطَ يَدُلَّانِ عَلَى قَصْدِهِ التَّقْيِيدَ أَوْ التَّخْصِيصَ فَإِذَا نَوَى التَّقْيِيدَ وَالتَّخْصِيصَ فَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السَّبَبُ وَالْبِسَاطُ فَلَأَنْ يُعْتَبَرَ التَّقْيِيدُ وَالتَّخْصِيصُ الْمَنْوِيَّانِ أَوْلَى مِنْ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِمَا بِالسَّبَبِ وَالْبِسَاطِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَافْهَمْ وَثَانِي الْأُمُورِ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ الْفِعْلُ لَا الْكَوْنُ كَذَا وَثَالِثُهَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ بِالتَّكْلِيفِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ لِقَوْلِ الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ اهـ. أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَنْ لَا يَدْرِي كَالنَّائِمِ وَالسَّاهِي فَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ تَكْلِيفُهُ لَكَانَ مُسْتَدْعِيَ حُصُولِ الْفِعْلِ مِنْهُ عَلَى قَصْدِ الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ وَهُوَ لَا يَفْهَمُ وَأَنَّهُ مُحَالٌ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ لَا شُعُورَ لَهُ بِالْأَمْرِ قَصْدُ الْفِعْلِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَاسْتِحَالَةُ اللَّازِمِ يَلْزَمُهَا اسْتِحَالَةُ الْمَلْزُومِ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَنْ يَدْرِي وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُ كَمَا أُلْجِئَ إلَيْهِ كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ عَلَى شَخْصٍ يَقْتُلُهُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهِ الْقَاتِلِ لَهُ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ بِالْمُلْجَأِ إلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُلْجَأَ إلَيْهِ وَاجِبُ الْوُقُوعِ عَادَةً وَنَقِيضُهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ كَذَلِكَ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ، وَتَكْلِيفُ الْغَافِلِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ الْخَلَلَ فِي الْأَوَّلِ رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ وَفِي الثَّانِي رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَجْوِيزِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ جَوَازُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ عَلَى أَنَّ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فَائِدَةً مَفْقُودَةً فِي تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّخْصِ هَلْ يَمْتَثِلُ بِالْأَخْذِ فِي الْأَسْبَابِ أَوْ لَا نَعَمْ تَكْلِيفُ الْمُلْجَأِ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْلِيفِ الزَّمِنِ بِالْمَشْيِ وَالْإِنْسَانِ بِالطَّيَرَانِ الَّذِي عَدَّهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مِنْ قَبِيل التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَجَوَّزَهُ قَالَ سم إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِمُجَرَّدِ أَنَّ الْمُلْجَأَ سَاقِطُ الِاخْتِيَارِ رَأْسًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ الْمَحَلِّيّ وَالْعَطَّارِ وَالشِّرْبِينِيُّ قَالَ الشِّرْبِينِيُّ وَالْحَقُّ أَنَّ كَلَامَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُلْجَأِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ جَوَازِ تَكْلِيفِ مَنْ أُزِيلَ رِضَاهُ وَاخْتِيَارُهُ وَصَارَ بِحَيْثُ لَا قُدْرَةَ لَهُ أَصْلًا بِالْإِلْجَاءِ كَمَا أَنَّ كَلَامَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْغَافِلِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِهِ مِنْ حَيْثُ غَفْلَتِهِ وَفِي مَسْأَلَةِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ أَيْ مَا لَا يُطَاقُ عَادَةً إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ تَكْلِيفِ مَنْ لَا تَصْلُحُ قُدْرَتُهُ لِلْمُكَلَّفِ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّكْلِيفِ وَعَدَمِ إكْرَاهِهِ وَإِلْجَائِهِ فَكَلَامُهُمْ فِي كُلٍّ مِنْ حَيْثُ خُصُوصِهِ لَا مِنْ حَيْثُ عُمُومِ غَيْرِهِ لَهُ أَوْ عُمُومِهِ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُمْ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى اكْتَفَوْا فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَشَابِهَةِ بِالْقُيُودِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ عُنْوَانِهَا وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ هِيَ مَحَلَّ الْكَلَامِ فِيهَا فَسَقَطَ مَا لسم وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ هُنَا فَافْهَمْ وَيُضْبَطُ خِطَابُ الْوَضْعِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَيْضًا أَحَدُهَا أَنَّهُ يَنْحَصِرُ فِي الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ وَالْعَزَائِمِ وَالرُّخَصِ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ بَعْدَ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ وَاحِدًا وَالْعَزَائِمِ وَالرُّخْصِ وَاحِدًا كَمَا فِي الْمُوَافَقَاتِ لِلشَّاطِبِيِّ وَلَمْ يَعُدَّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشُرُوحِهِ وَحَوَاشِيهِ الْعَزَائِمَ وَالرُّخَصَ بَلْ اعْتَبَرُوا الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ نَوْعَيْنِ لَا نَوْعًا وَاحِدًا بَلْ قَالَ الْعَطَّارُ الْحَقُّ مَا لِلنَّاصِرِ مِنْ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْعَضُدِ مِنْ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ بِعَرَضِ الْعِبَادَةِ مَثَلًا عَلَى الْأَوَامِرِ فَكَوْنُ الْفِعْلِ مُوَافِقًا لِلْأَوَامِرِ أَوْ مُخَالِفًا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَوْقِيفٍ مِنْ الشَّارِعِ بَلْ يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ كَكَوْنِهِ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ أَوْ تَارِكًا لَهَا فَلَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ عَقْلِيًّا وَعَلَى هَذَا فَالْأَحْكَامُ الْوَضْعِيَّةُ ثَلَاثَةٌ اهـ وَثَانِيهَا أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ

стр. 178

وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَقَالَ نَوَيْتُ إخْرَاجَ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ عَنْ الْيَمِينِ قُلْنَا لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ الْبَعْضِ الْمُخْرَجِ لِأَنَّ نِيَّتَهُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ لَفْظِهِ وَهَذِهِ النِّيَّةُ بِخِلَافِ نِيَّتِهِ الْأُولَى وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ الْأَنْوَاعِ بِالْيَمِينِ وَيَغْفُلَ عَنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْمُخَصَّصِ وَمَتَى لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً لَمْ تَكُنْ مُخَصِّصَةً وَكَذَلِكَ الْمُخَصِّصَاتُ اللَّفْظِيَّةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُعَارِضَةً لَا تَكُونُ مُخَصِّصَةً وَقَصْدُهُ بِدُخُولِ الْبَعْضِ فِي يَمِينِهِ مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ اللَّفْظِ لَيْسَ مُنَافِيًا لِشَيْءٍ مِنْ اللَّفْظِ بَلْ كَاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ وَفِي الْبَعْضِ الْمَغْفُولِ عَنْهُ لَا مُؤَكِّدٌ وَلَا مُنَافٍ فَلَمْ تُوجَدْ حَقِيقَةُ الْمُخَصِّصِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْمُنَافَاةُ وَالْغَفْلَةُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ هِيَ سَبَبُ الْغَلَطِ عِنْدَ مَنْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ فَبِمُجَرَّدِ مَا يَسْمَعُ الْمُسْتَفْتِي يَقُولُ نَوَيْتُ الْكَتَّانَ يَقُولُ لَهُ لَا تَحْنَثْ بِغَيْرِهِ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْحِنْثَ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إلَّا الْقَصْدُ إلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ الْيَمِينِ فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ إخْرَاجَهُ بَقِيَ مُنْدَرِجًا فِي عُمُومِ اللَّفْظِ وَالنِّيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا إنَّمَا هِيَ مُوَافِقَةٌ لِلَفْظِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَقَالَ نَوَيْتُ إخْرَاجَ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ عَنْ الْيَمِينِ قُلْنَا لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ الْبَعْضِ الْمُخْرَجِ لِأَنَّ نِيَّتَهُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ لَفْظِهِ) قُلْت هَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالنِّيَّةِ دُونَ النُّطْقِ وَفِيهِ خِلَافٌ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مَنْشَؤُهُ النَّظَرُ إلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ فَيُجْزِئُ بِالنِّيَّةِ أَوْ النَّظَرِ إلَى حَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا نُطْقًا قُلْت فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ التَّخْصِيصَ بِالنِّيَّةِ أَصْلًا وَذَلِكَ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ وَجَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ فَرْعًا مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ تَخْصِيصٌ عَلَى قَوْلٍ وَعَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ عَلَى آخَرَ وَذَلِكَ عَكْسُ مَا قَالَهُ شِهَابُ الدِّينِ فَإِنَّهُ سَاقَ التَّخْصِيصَ بِالنِّيَّةِ مَسَاقَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَصَوَّبَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ التَّخْصِيصِ بِهَا حَمْلًا عَلَى التَّأْكِيدِ وَسَاقَ الِاسْتِثْنَاءَ بِالنِّيَّةِ مَسَاقَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ (وَهَذِهِ النِّيَّةُ بِخِلَافِ نِيَّةِ الْأُولَى وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ الْأَنْوَاعِ بِالْيَمِينِ وَيَغْفُلَ عَنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْمُخَصَّصِ وَمَتَى لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً لَمْ تَكُنْ مُخَصِّصَةً إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْكَوْنُ كَذَا لَا الْفِعْلُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخِطَابِ بِنَصْبِ الْأَسْبَابِ الْوَقْتِيَّةِ كَالدُّلُوكِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ كَالْإِسْكَارِ لِلتَّحْرِيمِ وَالْخِطَابِ بِنَصْبِ الشُّرُوطِ لِلْحُكْمِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ لِلْمَبِيعِ أَوْ لِسَبَبٍ كَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ وَسَبَبُهَا أَيْ الصَّلَاةِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْخِطَابُ بِنَصْبِ الْمَوَانِعِ إمَّا لِلْحُكْمِ كَالْأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ أَوْ لِلسَّبَبِ كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ وَالْخِطَابُ بِنَصْبِ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ لِلْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَكُلٌّ مِنْ لَفْظَيْ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ آثَارِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَعَدَمِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ وَبِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ آثَارِ الْعَمَلِ فِي الْآخِرَةِ وَعَدَمِ تَرَتُّبِهِ وَالْخِطَابُ بِنَصْبِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ وَالْعَزِيمَةُ مَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ ابْتِدَاءً وَالرُّخْصَةُ مَا شُرِعَ لِعُذْرٍ شَاقٍّ اسْتِثْنَاءً مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ فِيهِ اُنْظُرْ الْمُوَافَقَاتِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ بَعْضِهِ فِي الْفَرْقِ الْحَادِي وَالثَّمَانِينَ فَتَرَقَّبْ وَثَالِثُهَا أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ فَلِذَلِكَ نُوَرِّثُ بِالْأَنْسَابِ مَنْ لَا يُعْلَمُ نَسَبُهُ وَيَدْخُلُ الْعَبْدُ الْمَوْرُوثُ فِي مِلْكِهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ وَعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ وَيُطْلَقُ بِالْإِضْرَارِ وَالْإِعْسَارِ اللَّذَيْنِ هُمَا مُجَوَّزٌ عَنْهُمَا وَيَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ الْمَغْفُولِ عَنْهُ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّ مَعْنَى خِطَابِ الْوَضْعِ قَوْلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي السَّبَبِ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ كَذَا فَقَدْ وَجَبَ كَذَا أَوْ حَرُمَ كَذَا أَوْ نُدِبَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَفِي الْمَانِعِ مَتَى وُجِدَ كَذَا فَقَدْ عُدِمَ كَذَا وَفِي الشَّرْطِ مَتَى عُدِمَ كَذَا فَقَدْ عُدِمَ كَذَا وَقِسْ الْبَاقِيَ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقَصْدِ فِي أَسْبَابِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي هِيَ جِنَايَاتٌ كَالْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ الْمُوجِبَيْنِ لِلْحَدِّ فَلِذَلِكَ لَا قِصَاصَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَلَا يَجِبُ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمُكْرَهِ وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ أَجْنَبِيَّةٌ بَلْ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ سَقَطَ الْحَدُّ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَسْبَابِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةِ وَالْجَعَالَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ سَبَبُ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ فَمَنْ بَاعَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَوْ هَذَا التَّصَرُّفَ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ لِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا أَوْ طَارِئًا عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعٌ وَلَا نَحْوُهُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مَعَهُ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا ذُكِرَ مَعَهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ لَمَّا ازْدَوَجَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَالْوَضْعِ لَحِقَهَا اشْتِرَاطُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لَا مِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ حَتَّى يُقَالَ بِاسْتِثْنَائِهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ نَعَمْ لَمَّا ارْتَفَعَ خِطَابُ التَّكْلِيفِ مَعَ عَدَمِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ ارْتَفَعَ خِطَابُ الْوَضْعِ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسَيَأْتِي آخِرَ الْفَرْقِ السَّابِعِ وَالتِّسْعِينَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَانِعِ اُعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ وُجُودِيًّا وَبَيْنَ السَّبَبِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ ذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَانِعِ الْحُكْمِ وَعَدَمِ السَّبَبِ فَتَرَقَّبْ (وَصْلٌ) فِي ثُبُوتِ الْعَفْوِ وَعَدَمِ ثُبُوتِهِ قَوْلَانِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِثُبُوتِهِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْخَمْسَةَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مَعَ الْقَصْدِ إلَى الْفِعْلِ وَأَمَّا دُونَ ذَلِكَ فَلَا وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمٌ مِنْهَا مَعَ وِجْدَانِهِ أَيْ الْحُكْمِ مِمَّنْ شَرَطَ الْحُكْمَ وَبَيَّنَ مَانِعَ السَّبَبِ وَعَدَمُ شَرْطِ شَأْنِهِ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ فَهُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ أَيْ لَا مُؤَاخَذَةَ بِهِ وَالثَّانِي مَا جَاءَ مِنْ النَّصِّ عَلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَى الْخُصُوصِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا

стр. 179

فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ فِيهِ لَا مُنَافِيَةٌ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ مُسَمَّى اللَّفْظِ أَلْبَتَّةَ فَالْمُعْتَبَرُ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ فِي الْأَيْمَانِ إنَّمَا هُوَ الْقَصْدُ إلَى إخْرَاجِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ عَنْ الْعُمُومِ لَا الْقَصْدُ إلَى دُخُولِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ فِي الْعُمُومِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُنَافٍ وَمُخَصِّصٌ دُونَ الثَّانِي فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ مُؤَكِّدٌ فَفَاتَ فِيهِ شَرْطُ التَّخْصِيصِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُخَصِّصًا وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ اللَّفْظِيَّةِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعَالَى اُقْتُلُوا الْكُفَّارَ وَاقْتُلُوا الْيَهُودَ فَلَا نَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ اُقْتُلُوا الْيَهُودَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ اُقْتُلُوا الْكُفَّارَ بَلْ مُؤَكِّدٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَهُمْ الْيَهُودُ وَلَوْ قَالَ لَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ لَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَهُمْ الْيَهُودُ لِحُصُولِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا فَكَذَلِكَ النِّيَّةُ. فَمَتَى قَالَ الْمُسْتَفْتَى نَوَيْتُ كَذَا فَانْظُرْ لِنِيَّتِهِ تِلْكَ هَلْ هِيَ مُخْرِجَةٌ مُنَافِيَةٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ أَمْ لَا فَإِنْ وَجَدْتهَا مُنَافِيَةً مُخْرِجَةً فَاجْعَلْهَا مُخَصِّصَةً وَلَا تُحَنِّثْهُ بِمَا نَوَى إخْرَاجَهُ عَنْ الْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ تَجِدْهَا مُخْرِجَةً فَقُلْ لَا أَثَرَ لَهَا أَلْبَتَّةَ إلَّا التَّأْكِيدَ وَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمُخَصِّصَاتِ وَمَتَى لَمْ تَجْرِ عَلَى هَذَا الْقَانُونِ أَخْطَأْت ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَمَتَى لَمْ تَجْرِ عَلَى هَذَا الْقَانُونِ أَخْطَأْت) قُلْت أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْمُخَصَّصِ فَصَحِيحٌ وَذَلِكَ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ الدَّالِّ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُخَصِّصَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا اُحْتُمِلَ قَصْدُ التَّأْكِيدِ وَقَصْدُ التَّخْصِيصِ عَلَى السَّوَاءِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ مُقْتَضَى الْعُمُومِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ دَلِيلٌ لِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْمُنَافَاةُ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى التَّخْصِيصِ لِاسْتِحَالَةِ التَّنَاقُضِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمَتَى لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً لَا تَكُونُ مُخَصِّصَةً فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ أَنَّ النِّيَّةَ تَكُونُ مُخَصِّصَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُنَافِيَةً مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَتَرَتَّبُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ إلَّا عَلَى النِّيَّاتِ وَالْقُصُودِ وَمَا لَيْسَ بِمَنْوِيٍّ وَلَا مَقْصُودٍ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وَلَا مُؤَاخَذٍ بِسَبَبِهِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَكَادُ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْ الشَّرْعِ وَلَمْ يَحْمِلْ شِهَابُ الدِّينِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ لَا عَنْ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا رَأَيْت قَوْمًا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا سَأَلُوهُ إلَّا عَنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً حَتَّى قُبِضَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ يَعْنِي أَنَّ هَذَا كَانَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ يَسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ لَمْ يَحْرُمْ فَيَقُولُ عَفْوٌ وَقِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ الْعَفْوُ يَعْنِي لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ زَكَاةٌ وَقَالَ عُبَيْدُ بْنَ عُمَيْرٍ أَحَلَّ اللَّهُ حَلَالًا وَحَرَّمَ حَرَامًا فَمَا حَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرُمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ. ٢ - وَالثَّالِثُ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] الْآيَةَ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فِي الْإِذْنِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ الْعَفْوُ عَنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ حَسْبَمَا بَسَطَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَكْرَهُ كَثْرَةَ السُّؤَالِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ حُكْمٌ» بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ إذْ هِيَ رَاجِعَةٌ إلَى هَذَا الْمَعْنَى وَمَعْنَاهَا أَنَّ الْأَفْعَالَ مَعَهَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ فَحَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» اُنْظُرْ الْمُوَافَقَاتِ لِلشَّاطِبِيِّ وَاَسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِعَدَمِهِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَيْضًا أَحَدُهَا أَنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُكَلَّفُونَ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَهُوَ الِاقْتِضَاءُ أَوْ التَّخْيِيرُ أَوْ لَا تَكُونُ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً فَإِنْ كَانَ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً فَلَا زَائِدَ عَلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً بِجُمْلَتِهَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمُكَلَّفِينَ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَوْ فِي وَقْتٍ أَوْ حَالَةٍ مَا لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّا فَرَضْنَاهُ مُكَلَّفًا فَلَا يَصِحُّ خُرُوجُهُ فَلَا زَائِدَ عَلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا زَائِدٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ وَإِنْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَإِمَّا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَأَنْوَاعُهُ مَحْصُورَةٌ فِي الْخَمْسَةِ وَإِمَّا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَأَنْوَاعُهُ أَيْضًا مَحْصُورَةٌ فِي الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأُصُولِيُّونَ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ هَذِهِ وَلَا مِنْ هَذِهِ فَكَانَ لَغْوًا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَوْ لَا أَنَّهُ مُسَمًّى بِالْعَفْوِ وَالْعَفْوُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُتَوَقَّعُ لِلْمُكَلَّفِ حُكْمُ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ بِهِ قَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَارَدَ عَلَيْهِ حُكْمٌ آخَرُ لِتَضَادِّ الْأَحْكَامِ وَثَانِيًا أَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ أُخْرَوِيٌّ لَا دُنْيَوِيٌّ وَكَلَامُنَا فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَوَجِّهَةِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّالِثُ أَنَّ هَذَا الزَّائِدَ أَيْ مَرْتَبَةَ الْعَفْوِ إنْ كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَهِيَ أَنْ يُقَالَ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَخْلُوَ بَعْضُ الْوَقَائِعِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ أَمْ لَا فَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَلَيْسَ إثْبَاتُهَا أَوْلَى مِنْ نَفْيِهَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْأَدِلَّةُ فِيهَا مُتَعَارِضَةٌ فَلَا يَصِحُّ إثْبَاتُهَا إلَّا بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ وَدَعْوَاهُ وَأَيْضًا إنْ كَانَتْ اجْتِهَادِيَّةً فَالظَّاهِرُ نَفْيُهَا بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَاجِعَةً إلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَلَيْسَتْ بِمَفْهُومَةٍ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى إثْبَاتِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ لَا دَلِيلَ فِيهِ فَالْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْأَحْكَامِ

стр. 180

فَإِنْ قُلْت يَرِدُ عَلَى مَا ذَكَرْته سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ وَأَنَّهُ جَائِزٌ وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا مَا أَنْكَرْته وَثَانِيهِمَا أَنَّ قَوْلَهُ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْتُ ثَوْبًا وَنَوَى الْكَتَّانَ وَغَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا كَتَّانًا وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ غَيْرِ الْكَتَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ قُلْت الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ هُوَ مَا ذَكَرْته بَلْ مَعْنَاهُ أَنْ يُطْلَقَ اللَّفْظُ وَيَخْرُجَ بَعْضُ مُسَمَّيَاتِهِ عَنْ الْحُكْمِ الْمُسْتَنِدِ إلَى الْعُمُومِ أَمَّا قَصْدُ بَعْضِ الْعُمُومِ دُونَ الْبَعْضِ فَلَيْسَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالَ الْعُمُومِ فِي الْخُصُوصِ بَلْ اسْتِعْمَالَ الْعُمُومِ فِي الْعُمُومِ وَأَكَّدَ بِالنِّيَّةِ فِي الْخُصُوصِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ حَسَنٌ قَوِيٌّ. وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَاخْتَارَهُ إلَّا تَوَهُّمُهُ أَنَّ حُكْمَ النِّيَّاتِ كَحُكْمِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَدْلُولَاتِ وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (فَإِنْ قُلْت يَرِدُ عَلَى مَا ذَكَرْته سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ وَأَنَّهُ جَائِزٌ وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا مَا أَنْكَرْته وَثَانِيهِمَا أَنَّ قَوْلَهُ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْتُ ثَوْبًا وَنَوَى الْكَتَّانَ وَغَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا كَتَّانًا وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ غَيْرِ الْكَتَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ) قُلْت السُّؤَالَانِ وَاقِعَانِ لَازِمَانِ قَالَ (قُلْت الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ إلَى قَوْلِهِ وَأُكِّدَ بِالنِّيَّةِ بِالْخُصُوصِ) قُلْت جَوَابُهُ مُجَرَّدُ دَعْوَى يُقَابَلُ بِمِثْلِهَا ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ تَجْوِيزُهُمْ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِالْمُنَافِي وَإِطْبَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ أَرَادَ بِلَفْظِ الْعُمُومِ الْخُصُوصَ لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْعُمُومَ ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بِالتَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ نَسْخًا وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْته بَلْ كُلُّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَعْنَى النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ فَظَهَرَ صِحَّةُ قَوْلِ مُخَالِفِهِ وَبَطَلَتْ دَعْوَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ حَسَنٌ قَوِيٌّ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْخَمْسَةِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَلِأَنَّ الْعَفْوَ أُخْرَوِيٌّ وَأَيْضًا فَإِنْ سَلِمَ لِلْعَفْوِ ثُبُوتٌ فَفِي زَمَانِهِ ﵊ لَا فِي غَيْرِهِ وَلِإِمْكَانِ تَأْوِيلِ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ وَمَا سَيُذْكَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَفْوِ فَدَاخِلَةٌ أَيْضًا تَحْتَ الْخَمْسَةِ فَإِنَّ الْعَفْوَ فِيهَا رَاجِعٌ إلَى رَفْعِ حُكْمِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْحَرَجِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إمَّا الْجَوَازُ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ وَإِمَّا رَفْعُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ مِنْ الذَّمِّ وَتَسْبِيبِ الْعِقَابِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعَ رَفْعِ آثَارِهِمَا لِمُعَارِضٍ فَارْتَفَعَ الْحُكْمُ بِمَرْتَبَةِ الْحُكْمِ وَأَنْ يَكُونَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسَةِ وَفِي هَذَا الْمَجَالِ أَبْحَاثٌ أُخَرُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِثُبُوتِ الْعَفْوِ فَهَلْ هُوَ حُكْمٌ أَمْ لَا احْتِمَالَاتٌ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يَرْجِعُ إلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ أَمْ إلَى خِطَابِ الْوَضْعِ احْتِمَالَاتٌ جَزَمَ الْأَصْلُ بِالثَّانِي وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ وَالنَّظَرُ فِي هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ عَمَلِيٌّ لَمْ يَتَأَكَّدْ الْبَيَانُ فِيهِ فَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ أَفَادَ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي الْمُوَافَقَاتِ وَلِمَوَاقِعِ الْعَفْوِ عَلَى ثُبُوتِهِ إعْمَالًا لِأَدِلَّتِهِ ضَابِطَانِ الضَّابِطُ الْأَوَّلُ لِلْأَصْلِ أَنَّهُ التَّقَادِيرُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ كَتَقْدِيرِ النَّجَاسَةِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فِي صُوَرِ الضَّرُورَاتِ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَوْضِعِ الْحَدَثِ فِي الْمَخْرَجَيْنِ أَوْ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ كَتَقْدِيرِ الْكُفْرِ الْمَعْدُومِ عِنْدَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ لِظَنِّهِ كَافِرًا فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَالضَّابِطُ الثَّانِي لِلشَّاطِبِيِّ فِي الْمُوَافَقَاتِ أَنَّهُ يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا الْوُقُوفُ مَعَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ قَصْدَ نَحْوِهِ وَقَدْ قَوِيَ مُعَارِضُهُ كَالْعَمَلِ بِالْعَزِيمَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ وَإِنْ تَوَجَّهَ حُكْمُ الرُّخْصَةِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنْ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ وَبِالْعَكْسِ فَالرُّجُوعُ إلَى حُكْمِ الرُّخْصَةِ وُقُوفٌ مَعَ مَا مِثْلُهُ مُعْتَمَدٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَصْلُ رَفْعِ الْحَرَجِ وَارِدًا عَلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ وَوَرَدَ الْمُكَمِّلُ تَرَجَّحَ جَانِبُ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ بِوَجْهٍ مَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَخْرِمُ أَصْلَ الرُّجُوعِ لِأَنَّ بِذَلِكَ الْمُكَمِّلِ قِيَامَ أَصْلِ التَّكْلِيفِ وَقَدْ اُعْتُبِرَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ هَذَا فَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرْدٍ فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ بِهِ فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَمَنْ أَفْطَرَ فِيهِ بِتَأْوِيلٍ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ غَيْرَ عِلْمِيٍّ بَلْ هَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مُتَأَوَّلٍ كَشَارِبِ الْمُسْكِرِ يَظُنُّهُ غَيْرَ مُسْكِرٍ وَقَاتِلِ الْمُسْلِمِ يَظُنُّهُ كَافِرًا وَآكِلِ الْمَالِ الْحَرَامِ عَلَيْهِ يَظُنُّهُ حَلَالًا لَهُ وَالْمُتَطَهِّرِ بِمَاءٍ نَجِسٍ يَظُنُّهُ طَاهِرًا وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ فِي اجْتِهَادِهِ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَسَمِعَهُ يَقُولُ اجْلِسُوا فَجَلَسَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَرَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَهُوَ بِطَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ اجْلِسُوا فَجَلَسَ فِي الطَّرِيقِ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مَا شَأْنُك فَقَالَ سَمِعْتُك تَقُولُ اجْلِسُوا فَجَلَسْت فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَك اللَّهُ طَاعَةً» وَقَدْ قَالَ ﵊ «لَا يُصَلِّي أَحَدٌ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَهُمْ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي وَلَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدَةً مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ» وَيَدْخُلُ هَهُنَا كُلُّ قَضَاءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خَطَؤُهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ أَخْطَأَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ بَعْضُ الْقَوَاطِعِ وَكَذَلِكَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ فَإِنَّهُ وُقُوفٌ مَعَ أَحَدِهِمَا وَإِهْمَالٌ لِلْآخَرِ فَإِذَا

стр. 181

بَاطِلٌ بِسَبَبِ قَاعِدَةٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَهِيَ أَنَّ الْعَرَبَ إذَا أَلْحَقَتْ بِلَفْظٍ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ لَفْظًا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ صَارَ اللَّفْظُ الْمُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ نَحْوَ عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا اثْنَيْنِ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَفْظٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ. فَإِذَا اتَّصَلَ بِلَفْظِ الْعَشَرَةِ الْمُسْتَقِلِّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَلَا نُقَرِّرُ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ وَنُلْزِمُهُ الْعَشَرَةَ وَيُعَدُّ نَادِمًا بِقَوْلِهِ إلَّا اثْنَيْنِ بَلْ نَقُولُ الْأَوَّلُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمٌ أَلْبَتَّةَ إلَّا مَعَ الثَّانِي وَالْكَلَامُ بِآخِرِهِ وَهُوَ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَسْكُتَ فَيُتِمَّ الْأَوَّلَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَيَتَعَيَّنَ ضَمُّهُ إلَيْهِ أَمَّا لَوْ جَاءَ بِكَلَامٍ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ عِنْدِي عَشَرَةٌ وَرَدَدْتهَا إلَيْهِ أَلْزَمْنَاهُ الْعَشَرَةَ لِأَنَّ اللَّفْظَ الثَّانِيَ لَوْ نَطَقَ بِهِ وَحْدَهُ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ضَمِّهِ إلَى الْأَوَّلِ وَإِذَا كُنَّا نُبْطِلُ اللَّفْظَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ بِسَبَبٍ إنْ اتَّصَلَ بِهِ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الْأَقَارِيرِ الَّتِي هِيَ أَضْيَقُ مِنْ غَيْرِهَا فَأَوْلَى فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَقُولُ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُهُ لَا لَبِسْت ثَوْبًا مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَحِقَهُ قَوْلُهُ كَتَّانًا وَهُوَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فَبَطَلَ عُمُومُهُ وَصَارَ الْكَلَامُ بِآخِرِهِ وَلَمْ يَتَقَرَّرْ مِنْ الْأَوَّلِ حُكْمٌ فَلَمْ يَنْطِقْ إلَّا بِالْكَتَّانِ فِي حَلِفِهِ وَبَقِيَ غَيْرُ الْكَتَّانِ غَيْرَ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ فَلَا نُحَنِّثُهُ بِهِ وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ وَلَا تَشْمَلُهَا هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَلَا تَتَوَقَّفُ الْأَلْفَاظُ الصَّرِيحَةُ عَلَيْهَا وَإِذَا لَحِقَتْ لَمْ تُعَكِّرْ عَلَى عُمُومٍ بِالتَّخْصِيصِ إلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ أَفْرَادِهِ إمَّا بِتَقْرِيرِ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَلَا لِأَنَّهَا مُؤَكِّدَةٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] بَاطِلٌ بِسَبَبِ قَاعِدَةٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَهِيَ أَنَّ الْعَرَبَ إذَا أَلْحَقَتْ بِلَفْظٍ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ لَفْظًا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ صَارَ اللَّفْظُ الْمُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ وَبَقِيَ غَيْرُ الْكَتَّانِ غَيْرَ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ بِهِ) قُلْت مَا قَالَهُ مُسَلَّمٌ قَالَ (وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ وَلَا تَشْمَلُهَا هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَلَا تَتَوَقَّفُ الْأَلْفَاظُ الصَّرِيحَةُ عَلَيْهَا إلَى قَوْلِهِ أَمَّا بِتَقْرِيرِ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَلَا لِأَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ) قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا دَعْوَى وَهِيَ عَيْنُ رَأْيِهِ وَلَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فُرِضَ مُهْمِلًا لِلرَّاجِحِ فَذَلِكَ لِأَجْلِ وُقُوفِهِ مَعَ الْمَرْجُوحِ وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ مِثْلُهُ وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِدَلِيلٍ مَنْسُوخٍ أَوْ غَيْرِ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ وُقُوفٌ مَعَ ظَاهِرِ دَلِيلٍ يُعْتَمَدُ مِثْلُهُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْعَفْوِ وُقُوفُهُ مَعَ مُقْتَضَى دَلِيلٍ غَيْرِ مُعَارِضٍ لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ تَخْيِيرٌ عُمِلَ عَلَى وَفْقِهِ فَلَا عَتَبَ يُتَوَهَّمُ فِيهِ وَمُؤَاخَذَةٌ تَلْزَمُهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ فَلَا مَوْقِعَ لِلْعَفْوِ فِيهِ وَلَا وُقُوفِهِ مَعَ مَا لَمْ يَقْوَ مُعَارِضُهُ لِأَنَّهُ مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي النَّوْعُ الثَّانِي خُرُوجُهُ عَنْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَوْ عَنْ قَصْدٍ لَكِنْ بِالتَّأْوِيلِ فَمِثَالُ مُخَالَفَتِهِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ عَمَلًا عَلَى اعْتِقَادِ إبَاحَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ دَلِيلُ تَحْرِيمِهِ أَوْ كَرَاهِيَتِهِ أَوْ يَتْرُكَهُ مُعْتَقِدًا إبَاحَتَهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ دَلِيلُ وُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ كَقَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْخَمْرَ مُحَرَّمَةٌ فَيَشْرَبُهَا أَوْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَاجِبٌ فَيَتْرُكُهُ وَكَمَا اُتُّفِقَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ حِينَ لَمْ تَعْلَمْ الْأَنْصَارِ طَلَبَ الْغُسْلِ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ يَتَبَيَّنُ لِلْمُجْتَهِدِينَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى تَخْلِيلَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَيَرَاهُ مِنْ التَّعَمُّقِ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُخَلِّلُ» فَرَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ وَكَمَا اُتُّفِقَ لِأَبِي يُوسُفَ مَعَ مَالِكٍ فِي الْمُدِّ وَالصَّاعِ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ الْعَمَلُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا أَوْ إكْرَاهًا فَفِي الْحَدِيثِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ إلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعَفْوُ عَنْ عَثَرَاتِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ إقَالَتُهُمْ فِي الزَّلَّاتِ وَأَنْ لَا يُعَامَلُوا بِسَبَبِهَا مُعَامَلَةَ غَيْرِهِمْ فَفِي الْحَدِيثِ «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «تَجَافَوْا عَنْ عُقُوبَةِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ وَالصَّلَاحِ» وَرُوِيَ الْعَمَلُ بِذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرُو بْنِ حَزْمٍ فَإِنَّهُ قَضَى بِهِ فِي رَجُلٍ مِنْ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ شَبَحَ رَجُلًا وَضَرَبَهُ فَأَرْسَلَهُ وَقَالَ أَنْتَ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَفِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ اسْتَأْذَى عَلَيَّ مَوْلًى لِي جَرَحْته يُقَالُ لَهُ سَلَامٌ الْبَرْبَرِيُّ إلَى ابْنِ حَزْمٍ فَأَتَانِي فَقَالَ جَرَحْته قُلْت نَعَمْ قَالَ سَمِعْت خَالَتِي عَمْرَةَ تَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» فَخَلَّى سَبِيلَهُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ شُئُونِ رَبِّ الْعِزَّةِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] الْآيَةَ لَكِنَّهَا أَحْكَامٌ أُخْرَوِيَّةٌ وَكَلَامُنَا فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَيَقْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى دَرْءُ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَقُومُ هُنَالِكَ مُفِيدًا لِلظَّنِّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِذَا عَارَضَهُ شُبْهَةٌ وَإِنْ ضَعُفَتْ غَلَبَ حُكْمُهَا وَدَخَلَ صَاحِبُهَا فِي حُكْمِ الْعَفْوِ وَقَدْ يُعَدُّ هَذَا الْمَجَالُ مِمَّا خُولِفَ فِيهِ الدَّلِيلُ بِالتَّأْوِيلِ وَهُوَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا وَمِثَالُ مُخَالَفَتِهِ بِالتَّأْوِيلِ مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِالدَّلِيلِ مَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ حِينَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إنْ كُنْتُ شَرِبْتهَا فَلَيْسَ لَك أَنْ تَجْلِدَنِي قَالَ عُمَرُ وَلِمَ قَالَ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةَ. فَقَالَ عُمَرُ إنَّك أَخْطَأْت التَّأْوِيلَ يَا قُدَامَةُ إذَا اتَّقَيْت اجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّهُ قَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ تُكَفِّرُ مَا كَانَ مِنْ شُرْبِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ اتَّقَى وَآمَنَ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ وَأَخْطَأَ

стр. 182

فَإِنْ قُلْت فَلِمَ تُجْعَلُ الصِّفَةُ اللَّاحِقَةُ لِلْعُمُومِ مُؤَكِّدَةً لِلْعُمُومِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَهُوَ الْكَتَّانُ وَيَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ فِي غَيْرِ الْكَتَّانِ فَيَحْنَثُ بِغَيْرِهِ وَالتَّأْكِيدُ كَمَا يُتَصَوَّرُ بِالنِّيَّةِ يُتَصَوَّرُ بِاللَّفْظِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُؤَكِّدُ بِالْأَلْفَاظِ إجْمَاعًا كَذِكْرِ الشَّيْءِ مَرَّتَيْنِ وَقَوْلُهُمْ قَبَضْت الْمَالَ كُلَّهُ نَفْسَهُ وَأَلْفَاظُ التَّأْكِيدِ كَثِيرَةٌ أَسْمَاءٌ وَحُرُوفٌ كَانَ وَأَنَّ وَاللَّامَ نَحْوَ إنَّ زَيْدًا لَقَائِمٌ فَتَكُونُ الصِّفَةُ الْمُؤَكِّدَةُ لِلْعُمُومِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ فَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ كَمَا قُلْته فِي النِّيَّةِ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَإِنْ جَعَلْتهَا أَعْنِي الصِّفَةَ مُخَصِّصَةً مَعَ صَلَاحِيَّتِهَا لِلتَّأْكِيدِ لَزِمَك أَنْ تَجْعَلَ النِّيَّةَ مُخَصِّصَةً مَعَ صَلَاحِيَّتِهَا لِلتَّأْكِيدِ وَغَايَتُهُ فِي الصِّفَةِ إنْ نَطَقَ بِصِفَةِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ كَمَا نَوَى هَاهُنَا بَعْضَ الْأَنْوَاعِ فَيَكُونُ الْكُلُّ مُؤَكِّدًا أَوْ الْكُلُّ مُخَصِّصًا أَمَّا جَعْلُ الصِّفَةِ مُخَصِّصَةً وَالنِّيَّةُ غَيْرَ مُخَصِّصَةٍ مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَ الْكَتَّانِ بِالْإِخْرَاجِ فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ قُلْت هَذَا السُّؤَالُ حَسَنٌ وَقَوِيٌّ وَقَلَّ مَنْ يَتَفَطَّنُ لَهُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ نَقُولَ إنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ التَّحَكُّمِ بَلْ الْفَرْقُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالنِّيَّةِ أَنَّ الصِّفَةَ لَفْظٌ لَهُ مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ وَهُوَ دَلَالَتُهُ عَلَى عَدَمِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ فَكَانَ دَالًّا بِمَفْهُومِهِ عَلَى عَدَمِ انْدِرَاجِ غَيْرِ الْكَتَّانِ فِي الْيَمِينِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ الَّتِي هِيَ الْمَفْهُومُ وَالنِّيَّةُ لَيْسَ لَهَا دَلَالَةٌ أَلْبَتَّةَ لَا مُطَابَقَةَ وَلَا تَضَمُّنَ وَلَا الْتِزَامَ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَعَانِي وَالْمَعَانِي مَدْلُولَاتٌ لَا دَالَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي النِّيَّةِ مَا يَقْتَضِي إخْرَاجَ غَيْرِ الْكَتَّانِ فَبَقِيَ الْعُمُومُ فِيهِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ بِخِلَافِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُ وُجِدَ فِيهَا الدَّالُّ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ وَهُوَ مَفْهُومُ الصِّفَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (فَإِنْ قُلْت فَلِمَا لَا تَجْعَلُ الصِّفَةَ اللَّاحِقَةَ لِلْعُمُومِ مُؤَكِّدَةً لِلْعُمُومِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَهُوَ الْكَتَّانُ إلَى آخِرِ السُّؤَالِ) قُلْت السُّؤَالُ وَارِدٌ قَالَ (قُلْت هَذَا السُّؤَالُ حَسَنٌ وَقَوِيٌّ وَقَلَّ مَنْ يَتَفَطَّنُ لَهُ) قُلْت يَكْفِي اعْتِرَافُهُ بِقُوَّةِ السُّؤَالِ قَالَ (وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ نَقُولَ إنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّحَكُّمِ بَلْ الْفَرْقُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالنِّيَّةِ أَنَّ الصِّفَةَ لَفْظٌ لَهُ مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ وَهُوَ دَلَالَتُهُ عَلَى عَدَمِ غَيْرِ الْمَذْكُورِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي التَّأْوِيلِ بِخِلَافِ مَنْ اسْتَحَلَّهَا كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ وَلَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثِ قُدَامَةَ أَنَّهُ حُدَّ وَمِمَّا وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ زَمَانًا جَاهِلَةً بِالْعَمَلِ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا فِيمَا تَرَكَتْ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ لَوْ طَالَ بِالْمُسْتَحَاضَةِ وَالنُّفَسَاءِ الدَّمُ فَلَمْ تُصَلِّ النُّفَسَاءُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَلَا الْمُسْتَحَاضَةُ شَهْرًا لَمْ تَقْضِيَا مَا مَضَى إذَا تَأَوَّلَتَا فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ دَوَامَ مَا بِهِمَا مِنْ الدَّمِ وَقِيلَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا تَرَكَتْ بَعْدَ أَيَّامِ أَقْرَائِهَا يَسِيرًا أَعَادَتْهُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهُ بِالْوَاجِبِ وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا إذَا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ بَعْدَ الِاسْتِظْهَارِ جَاهِلَةً لَا تَقْضِي صَلَاةَ تِلْكَ الْأَيَّامِ وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهَا الْقَضَاءَ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْمُسَافِرُ يَقْدُمُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَيَظُنُّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا صَوْمَ لَهُ أَوْ تَطْهُرُ الْحَائِضُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا حَتَّى تَطْهُرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَلَا كَفَّارَةَ هُنَا وَإِنْ خَالَفَ الدَّلِيلَ لِأَنَّهُ مُتَأَوَّلٌ وَإِسْقَاطُ الْكَفَّارَةِ هُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ النَّوْعُ الثَّالِثُ الْعَمَلُ بِمَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْ حُكْمِهِ إمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْخُلُوِّ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى حَدِيثِ «وَمَا سُكِتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» وَأَشْبَاهِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْخُلُوِّ فَيُمْكِنُ أَنْ يُصْرَفَ السُّكُوتُ عَلَيْهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ مَعَ وُجُودِ فِطْنَتِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَإِنَّ هَذَا الْعُمُومَ يَتَنَاوَلُ بِظَاهِرِهِ مَا ذَبَحُوا لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَإِذَا نُظِرَ إلَى الْمَعْنَى أَشْكَلَ لِأَنَّ فِي ذَبَائِحِ الْأَعْيَادِ زِيَادَةً تُنَافِي أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فَكَانَ لِلنَّظَرِ هُنَا مَجَالٌ وَلَكِنَّ مَكْحُولًا سُئِلَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ كُلُّهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا يَقُولُونَ وَأَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْآيَةَ لَمْ يُخَصَّ عُمُومُهَا وَإِنْ وُجِدَ هَذَا الْخَاصُّ الْمُنَافِي وَعَلِمَ اللَّهُ مُقْتَضَاهُ وَدُخُولَهُ تَحْتَ عُمُومِ اللَّفْظِ وَمَعَ ذَلِكَ فَأَحَلَّ مَا لَيْسَ فِيهِ عَارِضٌ وَمَا هُوَ فِيهِ لَكِنْ بِحُكْمِ الْعَفْوِ عَنْ وَجْهِ الْمُنَافَاةِ وَإِلَى نَحْوِ هَذَا يُشِيرُ قَوْلُهُ ﵊ «وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ لَا عَنْ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» وَحَدِيثُ الْحَجِّ أَيْضًا مِثْلُ هَذَا حِينَ قَالَ «أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَوْ لِلْأَبَدِ» لِأَنَّ اعْتِبَارَ اللَّفْظِ يُعْطِي أَنَّهُ لِلْأَبَدِ فَكَرِهَ ﵊ سُؤَالَهُ وَبَيَّنَ لَهُ عِلَّةَ تَرْكِ السُّؤَالِ عَنْ مِثْلِهِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ «إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا» إلَخْ يُشِيرُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّ السُّؤَالَ عَمَّا لَمْ يَحْرُمْ ثُمَّ يَحْرُمْ لِأَجْلِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يَأْتِي فِي الْغَالِبِ مِنْ جِهَةِ إبْدَاءِ وَجْهٍ فِيهِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ مَعَ أَنَّ لَهُ أَصْلًا يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الْحِلِّيَّةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُهُ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ دَخَلَهَا مَعْنًى يُخَيَّلُ الْخُرُوجُ عَنْ حُكْمِ ذَلِكَ الْأَصْلِ وَنَحْوُهُ حَدِيثُ «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ» وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ الْوَجْهُ الثَّانِي السُّكُوتُ عَنْ مَجَارِي الْعَادَاتِ مَعَ اسْتِصْحَابِهَا فِي الْوَقَائِعِ كَمَا فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى حُكْمِ الْإِقْرَارِ ثُمَّ حَرُمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَدْرِيجٍ كَالْخَمْرِ فَإِنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةَ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَتُرِكَتْ عَلَى حَالِهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَزَمَانًا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُتَعَرَّضْ فِي الشَّرْعِ لِلنَّصِّ عَلَى حُكْمِهَا حَتَّى نَزَلَ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَبَيَّنَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ وَأَنَّ الْأَضْرَارَ فِيهَا أَكْبَرُ مِنْ الْمَنَافِعِ وَتُرِكَ الْحُكْمُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إذَا أَرْبَتْ عَلَى الْمَصْلَحَةِ فَالْحُكْمُ لِلْمَفْسَدَةِ وَالْمَفَاسِدُ مَمْنُوعَةٌ فَبَانَ وَجْهُ الْمَنْعِ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَى الْمَنْعِ وَإِنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ تَمَسَّكُوا بِالْبَقَاءِ مَعَ الْأَصْلِ الثَّابِتِ لَهُمْ بِمَجَارِي الْعَادَاتِ

стр. 183

فَظَهَرَ الْفَرْقُ. فَإِنْ قُلْت اعْتَمَدْتُ فِي هَذَا الْجَوَابِ عَلَى الْفَرْقِ بِدَلَالَةِ الْمَفْهُومِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَخَرَّجَ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ فَمَنْ قَالَ بِهَا اسْتَقَامَ عِنْدَهُ الْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَا بَطَلَ عِنْدَهُ الْفَرْقُ وَيَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ هَهُنَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ وَعِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهَا إنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَبِسْتُ ثَوْبًا كَتَّانًا فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الصِّفَةِ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّ الصِّفَةَ هَاهُنَا ظَهَرَ اعْتِبَارُ الْمَفْهُومِ فِيهَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ قُلْت إلْزَامٌ حَسَنٌ غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْمَفْهُومِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الصِّفَةَ هَهُنَا لَمْ تَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهَا فَصُيِّرَتْ مَعَ الْأَصْلِ كَلَامًا وَاحِدًا دَالًّا عَلَى مَا بَقِيَ وَمُخْرِجًا لِغَيْرِ الْكَتَّانِ عَنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ بِسَبَبِ عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ فَهَذَا عُمُومٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَظَهَرَ الْفَرْقُ) قُلْت بُنِيَ جَوَابُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَفْهُومِ فِي قَوْلِ الْحَالِفِ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبَ كَتَّانٍ وَلَا لَبِسْت ثَوْبًا كَتَّانًا وَهُوَ أَضْعَفُ أَنْوَاعِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ. وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الدَّقَّاقُ وَسَمَّاهُ مَفْهُومَ الصِّفَةِ مِنْ حَيْثُ وَجَدَهُ مُتَّبَعًا بِهِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ ثَوْبًا كَتَّانًا وَلَيْسَ بِصِفَةٍ بَلْ هُوَ بَدَلٌ عِنْدَ النُّحَاةِ وَبِالْجُمْلَةِ جَوَابُهُ فِي نِهَايَةِ الضَّعْفِ قَالَ (فَإِنْ قُلْت اعْتَمَدْت فِي هَذَا الْجَوَابِ عَلَى الْفَرْقِ بِدَلَالَةِ الْمَفْهُومِ إلَى آخِرِ السُّؤَالِ) قُلْت هُوَ سُؤَالٌ وَارِدٌ قَالَ (قُلْت إلْزَامٌ حَسَنٌ غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْمَفْهُومِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الصِّفَةَ هَهُنَا لَمْ تَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهَا فَصُيِّرَتْ مَعَ الْأَصْلِ كَلَامًا وَاحِدًا إلَّا عَلَى مَا بَقِيَ وَمُخْرِجًا لِغَيْرِ الْكَتَّانِ عَنْ دَلَالَتِهِ اللَّفْظِيَّةِ بِسَبَبِ عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ) قُلْت لَا صِفَةَ لِمَوْصُوفٍ إلَّا وَهِيَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِنَفْسِهَا فَكَانَ يَلْزَمُ عَلَى مَسَاقِ قَوْلِهِمْ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَفْهُومِ كُلِّ صِفَةٍ وَهَذَا الْإِخْفَاءُ بِبُطْلَانِهِ وَكَوْنُ اللَّفْظِ مُسْتَقِلًّا أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ وَلَا فِي عَدَمِ الْقَوْلِ بِهِ قَالَ (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ فَهَذَا عُمُومٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَدَخَلَ لَهُمْ تَحْتَ الْعَفْوِ إلَى أَنْ نَزَلَ مَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَحِينَئِذٍ اسْتَقَرَّ حُكْمُ التَّحْرِيمِ وَارْتَفَعَ الْعَفْوُ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةَ فَإِنَّهُ لَمَّا حَرُمَتْ قَالُوا كَيْفَ بِمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُهَا فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فَرُفِعَ الْجُنَاحُ وَهُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ وَمِثْلُ ذَلِكَ الرِّبَا الْمَعْمُولُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ بُيُوعُ الْغَرَرِ الْجَارِيَةُ بَيْنهمْ كَبَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَالثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كُلِّهَا كَانَتْ مَسْكُوتًا عَنْهَا وَمَا سُكِتَ عَنْهَا فَهُوَ فِي مَعْنَى الْعَفْوِ وَالنَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَرْفَعُ هَذَا الْمَعْنَى لِوُجُودِ جُمْلَةٍ مِنْهُ بَاقِيَةٍ إلَى الْآنَ عَلَى حُكْمِ إقْرَارِ الْإِسْلَامِ كَالْقِرَاضِ وَالْحُكْمِ فِي الْخُنْثَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ السُّكُوتُ عَنْ أَعْمَالٍ أُخِذَتْ قَبْلُ مِنْ شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ كَمَا فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَسَائِرِ أَفْعَالِهِمَا إلَّا مَا غَيَّرُوا فَقَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ وَيُطَلِّقُونَ وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا وَيَمْسَحُونَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَيَسْعَوْنَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيُلَبُّونَ وَيَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ وَيَأْتُونَ مُزْدَلِفَةَ وَيَرْمُونَ الْجِمَارَ وَيُعَظِّمُونَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ وَيُحَرِّمُونَهَا وَيَغْتَسِلُونَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَيَغْسِلُونَ مَوْتَاهُمْ وَيُكَفِّنُونَهُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيَقْطَعُونَ السَّارِقَ وَيُصَلِّبُونَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ فِيهِمْ مِنْ بَقَايَا مِلَّةِ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَبَقُوا عَلَى حُكْمِهِ حَتَّى أَحْكَمَ الْإِسْلَامُ مِنْهُ مَا أَحْكَمَ وَانْتَسَخَ مَا خَالَفَهُ فَدَخَلَ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْعَفْوِ مِمَّا لَمْ يَتَجَدَّدْ فِيهِ خِطَابٌ زِيَادَةً عَلَى التَّلَقِّي مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَدْ نَسَخَ مِنْهَا مَا نَسَخَ وَأَبْقَى مِنْهَا مَا أَبْقَى عَلَى الْمَعْهُودِ الْأَوَّلِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّاطِبِيِّ فِي الْمُوَافَقَاتِ بِتَصَرُّفٍ (وَصْلٌ) فِي بَيَانِ هَذَا الْفَرْقِ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) يَجْتَمِعُ خِطَابُ الْوَضْعِ مَعَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا الزِّنَا فَإِنَّهُ خِطَابُ تَكْلِيفٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حَرَامٌ وَوَضْعٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَدِّ وَمِنْهَا السَّرِقَةُ فَهِيَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ مِنْ جِهَةِ التَّحْرِيمِ وَوَضْعٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا سَبَبُ الْقَطْعِ وَمِنْهَا بَقِيَّةُ الْجِنَايَاتِ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَهِيَ أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ وَمِنْهَا الْبَيْعُ فَإِنَّهُ خِطَابُ تَكْلِيفٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ حَرَامٌ عَلَى قَدْرِ مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي صُوَرِهِ عَلَى مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَوَضْعٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَبَبُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ الْجَائِزِ أَوْ التَّقْدِيرِ فِي الْمَمْنُوعِ وَمِنْهَا بَقِيَّةُ الْعُقُودِ فَإِنَّهَا تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَيَنْفَرِدُ خِطَابُ الْوَضْعِ عَنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا الزَّوَالُ وَرُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَدَوَرَانُ الْحَوْلِ وَنَحْوُهَا فَإِنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ وَلَا إذْنٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا وُجِدَ الْأَمْرُ فِي أَثْنَائِهَا وَتَرَتُّبِهَا فَقَطْ وَيَنْفَرِدُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ عَنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فِي أُمُورٍ مِنْهَا أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ كَإِيقَاعِ الصَّلَوَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ فَإِنَّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لَمْ يَجْعَلْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ سَبَبًا لِفِعْلٍ آخَرَ نُؤْمَرُ بِهِ أَوْ نُنْهَى عَنْهُ بَلْ وُقِفَ الْحَالُ عِنْدَ أَدَائِهَا وَتَرَتُّبِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الشَّرْعِ قَدْ جَعَلَهَا سَبَبًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ وَدَرْءِ الْعِقَابِ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَفْعَالًا لِلْمُكَلَّفِ وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِكَوْنِ الشَّيْءِ

стр. 184

مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَعَهُ مَا يَجِبُ أَنْ يُصَيِّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَإِذَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» فَعِنْدَ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَا يُخَصِّصُ عُمُومَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الثَّانِي وَإِنَّمَا يُخَصِّصُهُ بِهِ مَنْ يَقُولُ الْمَفْهُومُ حُجَّةٌ وَإِنَّمَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْحَالِفِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا كَتَّانًا قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَخْصِيصِ عُمُومِ هَذَا الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ اللَّاحِقَةِ لَهُ سَوَاءٌ قُلْنَا الْمَفْهُومُ حُجَّةٌ أَمْ لَا أَمَّا الْقَائِلُ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْقَائِلُ الْمَفْهُومُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَيَقُولُ هَذَا الْحَدِيثُ اقْتَضَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ. وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَعْلُوفَةِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَوَافَقَ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي فِيهِ الصِّفَةُ لَمْ يَتَنَاوَلْ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ وَغَايَتُهُ إنْ قَالَ لَمْ يَتَنَاوَلْ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ عَدَمَهُ بَلْ الْمَعْلُوفَةُ فِي حَيِّزِ الْإِعْرَاضِ عَنْهَا أَلْبَتَّةَ أَمَّا الْعُمُومُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الصِّفَةِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَلَمْ يَعُدْ الْحُكْمُ مِنْهُ إلَى الْمَعْلُوفَةِ بَلْ قَصَرَهُ عَلَى السَّائِمَةِ بِسَبَبِ الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ أَنَّ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ يَصِيرُ الْمُسْتَقِلُّ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ وَيَسْلُبُهُ حُكْمَ الْعُمُومِ الْكَائِنِ قَبْلَ الصِّفَةِ وَلَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ الْعُمُومِ إلَّا النَّوْعُ الَّذِي تَشْمَلُهُ الصِّفَةُ خَاصَّةً وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ وَعِنْدَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِهِ بِسَبَبِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَكَانَ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ يَقُولُ مُسْتَنَدِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَا الْمَفْهُومُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَا يُوجِبُ أَنْ يُصَيِّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ إلَى قَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُخَصِّصُهُ بِهِ مَنْ يَقُولُ الْمَفْهُومُ حُجَّةٌ) قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا مُسَلَّمٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَقْصُودُهُ قَالَ وَإِنَّمَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْحَالِفِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا كَتَّانًا قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» إلَى قَوْلِهِ وَكَانَ الْقَائِلُ بِإِنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ يَقُولُ مُسْتَنَدِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَا الْمَفْهُومُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا مُسَلَّمٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَقْصُودُهُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] سَبَبًا إلَّا كَوْنَهُ سَبَبًا لِفِعْلٍ مِنْ قِبَلِ الْمُكَلَّفِ فَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ إذَا أَفْسَدَ الصَّبِيُّ مَالًا لِغَيْرِهِ إخْرَاجُ الْجَابِرِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ فَالْإِتْلَافُ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ عَلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ بُلُوغِهِ إخْرَاجَ الْجَابِرِ مِنْ مَالِهِ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ الْوَلِيُّ مِنْ قَبْلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ فِي زَمَنِ الصِّغَرِ وَتَأَخَّرَ أَثَرُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَأَمَّا بَيْعُهُ وَنِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ فَلَا تَكُونُ أَسْبَابًا لِآثَارِهَا لَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ اعْتِبَارِ سَبَبِيَّةِ الْإِتْلَافِ لِلضَّمَانِ قَبْلُ وَبَيْنَ عَدَمِ اعْتِبَارِ سَبَبِيَّةِ الْبَيْعِ وَمَا بَعْدَهُ لِآثَارِهَا قُبِلَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ يُشْتَرَطُ فِيهَا اعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّ أَثَرَ الطَّلَاقِ التَّحْرِيمُ وَأَثَرَ الْبَيْعِ إلْزَامُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّكْلِيفِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِلْزَامِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ اعْتِبَارِ سَبَبِيَّةِ الْإِتْلَافِ لِلضَّمَانِ بَعْدُ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ سَبَبِيَّةِ الْبَيْعِ وَمَا بَعْدَهُ لِآثَارِهَا بَعْدُ هُوَ أَنَّ تَأَخُّرَ الْمُسَبَّبَاتِ عَنْ أَسْبَابِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا خَالَفْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِي الْإِتْلَافِ لِضَرُورَةِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي جَبْرِ مَالِهِ لِئَلَّا يَذْهَبَ مَجَّانًا فَتَضِيعَ الظُّلَامَةُ وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ عَظِيمَةٌ تَحَقَّقَتْ فِي الْإِتْلَافِ فَاقْتَضَتْ مُخَالَفَةَ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فِيهِ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ فِي الطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَمَا مَعَهُمَا بَلْ إذَا أَسْقَطْنَا الطَّلَاقَ وَاسْتَصْحَبْنَا الْعِصْمَةَ لَمْ يَلْزَمْ فَسَادٌ وَلَا تَفُوتُ ضَرُورَةٌ وَكَذَلِكَ أَيْضًا إذَا أَبْقَيْنَا الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ لِلصَّبِيِّ كُنَّا مُوَافِقِينَ لِلْأَصْلِ وَلَا يَلْزَمُ مَحْظُورٌ أَلْبَتَّةَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فَتَاوَى عُلَمَائِنَا مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ وَسَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ أَنَّ وُجُوبَهَا مُوَسَّعٌ قَبْلَ الْوَقْتِ وَفِي الْوَقْتِ وَأَنَّ الْوُجُوبَ فِيهَا لَيْسَ تَبَعًا لِطَرَآنِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الزَّوَالُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ بَلْ يَقَعُ الْوُجُوبُ فِيهَا تَبَعًا لِطَرَآنِ الْعَزْمِ عَلَى التَّهَيُّؤِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ وَوَقْتُ طَرَآنِ هَذَا الْعَزْمِ مَا بَيْنَ أَقْرَبِ حَدَثٍ يُحْدِثُهُ الْمَرْءُ وَإِيقَاعِ الصَّلَاةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أُمُورٌ الْأَوَّلُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاسْتَتَرَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ جَاءَ الْوَقْتُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَدِّدَ فِعْلًا أَلْبَتَّةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ الثَّانِي تَعَذُّرُ الْقَوْلِ بِإِجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ الثَّالِثُ لُزُومُ نِيَّةِ الْوُجُوبِ الرَّابِعُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجِبَ الشَّرْطُ إلَّا عِنْدَ وُجُوبِ الْمَشْرُوطِ إذْ لَا اسْتِحَالَةَ فِي مُغَايَرَةِ سَبَبِ الْمَشْرُوطِ لِسَبَبِ الشَّرْطِ كَمَا هُنَا فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ وَضْعِيَّةٌ تَقَعُ بِحَسَبِ قَصْدِ وَاضِعِهَا وَنَظِيرُ مَا هُنَا مِنْ الْعَادِيَاتِ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِ اضْطِرَارُهُ إلَى الْغِذَاءِ فِي وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَمِنْ شَرْطِ الْغِذَاءِ الَّذِي يُتَغَذَّى بِهِ طَبْخُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّبْخِ الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ عَلَى وَقْتِ الِاغْتِذَاءِ ثُمَّ لَا يَتَعَيَّنُ لِذَلِكَ الطَّبْخِ الزَّمَنُ الْمُجَاوِرُ لِزَمَنِ الِاغْتِذَاءِ بَلْ لَهُ تَقْدِيمُ الطَّبْخِ وَالِاسْتِعْدَادِ بِهِ مِنْ حِينِ طُرُوءِ عَزْمِهِ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ لِاسْتِوَاءِ حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ بِالِاغْتِذَاءِ بِالْقَرِيبِ الطَّبْخُ وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ اسْتِوَاءِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِ هَذَا الشَّخْصِ وَهَذَا الْغِذَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَوَاقِيتِ الزَّمَانِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَوَاقِيتِ الْمَكَانِيَّةِ] (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَوَاقِيتِ الزَّمَانِيَّةِ لِلْحَجِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَوَاقِيتِ الْمَكَانِيَّةِ لَهُ) أَمَّا الْمَوَاقِيتُ الزَّمَانِيَّةُ فَقَالَ

стр. 185

وَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ يَتَقَرَّرُ عِنْدَك الْفَرْقُ الْوَاضِحُ بَيْنَ النِّيَّةِ الْخَاصَّةِ بِبَعْضِ الْأَنْوَاعِ الْمُوَافِقَةِ لِلَّفْظِ وَبَيْنَ الصِّفَةِ الْخَاصَّةِ بِبَعْضِ الْأَنْوَاعِ الْمُوَافِقَةِ لِلَّفْظِ فَائِدَةُ حَسَنَةِ الْمَعْدُودِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ أَرْبَعَةٌ خَاصَّةٌ الصِّفَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَالْغَايَةُ وَالشَّرْطُ وَقَدْ وَجَدْتهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَثَمَانِيَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الْحَالُ وَظَرْفُ الزَّمَانِ وَظَرْفُ الْمَكَانِ وَالْمَجْرُورُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْبَدَلُ وَالْمَفْعُولُ مَعَهُ وَالْمَفْعُولُ لِأَجْلِهِ فَهَذِهِ الِاثْنَا عَشَرَ لَيْسَ فِيهَا وَاحِدٌ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَمَتَى اتَّصَلَ بِمَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ كَانَ عُمُومًا أَوْ غَيْرُهُ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَقَدْ مَرَّ تَمْثِيلُهَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ فِي مَعْنَى التَّرْتِيبِ فَلْيُطَالَعْ مِنْ هُنَالِكَ وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْفَرْقِ وَهُوَ مِنْ الْمَبَاحِثِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهَا وَالْغَفْلَةُ عَنْهُ تُوجِبُ الْفُسُوقَ وَخَرْقَ الْإِجْمَاعِ فِي الْفُتْيَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَحِلُّ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِهَذَا الْفَرْقِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ يَتَقَرَّرُ عِنْدَك الْفَرْقُ الْوَاضِحُ بَيْنَ النِّيَّةِ الْخَاصَّةِ بِبَعْضِ الْأَنْوَاعِ الْمُوَافِقَةِ لِلَّفْظِ وَبَيْنَ الصِّفَةِ الْخَاصَّةِ بِبَعْضِ الْأَنْوَاعِ الْمُوَافِقَةِ لِلَّفْظِ) قُلْت لَمْ يَتَقَرَّرْ مَا قَالَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ بَلْ لَا فَرْقَ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ وَلَا قَائِلَ بِهِ فِي مِثْلِ مَسْأَلَةِ الْحَالِفِ إلَّا مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (فَائِدَةُ الْمَعْهُودِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ أَرْبَعَةٌ خَاصَّةٌ الصِّفَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَالْغَايَةُ وَالشَّرْطُ وَقَدْ وَجَدْتهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ اثْنَيْ عَشْرَ الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَثَمَانِيَةً أُخْرَى إلَى قَوْلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ التَّرْتِيبِ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ فِي مَعْنَى التَّرْتِيبِ فَلْيُطَالَعْ مِنْ هُنَاكَ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ قَالَ (وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْفَرْقِ وَهُوَ مِنْ الْمَبَاحِثِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهَا وَالْغَفْلَةُ عَنْهُ تُوجِبُ الْفُسُوقَ وَخَرْقَ الْإِجْمَاعِ فِي الْفُتْيَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَحِلُّ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِهَذَا الْفَرْقِ) قُلْت لَا تُوجِبُ الْغَفْلَةُ عَنْ هَذَا الْفَرْقِ فُسُوقًا وَلَا خَرْقَ إجْمَاعٍ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ التَّنْبِيهُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ مَا حَاصِلُهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ إلَّا أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَعْلِهِ ذَا الْحِجَّةِ كُلَّهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَقَتَادَةَ وَطَاوُسٍ وَمَالِكٍ نَظَرَ الْأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ أَشْهُرٌ فِي الْآيَةِ صِيغَةُ جَمْعٍ مُنَكَّرٍ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إلَى آخِرِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ أَوْ جَعَلَهُ ذَا الْحِجَّةِ بَعْضُهُ نَظَرَ الْأَمْرَيْنِ أَيْضًا الْأَوَّلُ تَخْصِيصُ الصِّيغَةِ بِالْوَاقِعِ وَالثَّانِي كَوْنُ بَعْضِ الشَّهْرِ يُسَمَّى شَهْرًا لُغَةً وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْبَعْضِ فَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا وَأَبُو حَنِيفَةَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْهُ لِأَنَّ الطَّوَافَ وَالرَّمْيَ فِي الْعَقَبَةِ رُكْنَانِ يُفْعَلَانِ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيُّ عَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِأَنَّ الْحَجَّ يَكْمُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ لِصِحَّةِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَهُوَ الْحَجُّ كُلُّهُ وَقَالَ مَالِكٌ أَيْضًا إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِأَنَّ الرَّمْيَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَشَعَائِرِهِ وَالْفَائِدَةِ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَشْهُرِ الْحَجِّ وَتَنْصِيصِهِ عَلَيْهَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهَا كَذَلِكَ فِي مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَاسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْحَالُ إلَى أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ فَبَقِيَتْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَتْ الْعَرَبُ تَرَى أَنَّ الْعُمْرَةَ فِيهَا مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُغَيِّرُهَا فَتُنْسِئُهَا وَتُقَدِّمُهَا حَتَّى عَادَتْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ إلَى حَدِّهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَأْثُورِ الْمُنْتَقَى «إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا» الْحَدِيثُ الثَّانِي أَنَّ اللَّهَ لَمَّا ذَكَرَ التَّمَتُّعَ وَهُوَ ضَمُّ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَيَّنَ أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ لَيْسَتْ جَمِيعَ الشُّهُورِ فِي الْعَامِ وَإِنَّمَا هِيَ الْمَعْلُومَاتُ مِنْ لَدُنْ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَبَيَّنَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] أَنَّ جَمِيعَهَا لَيْسَ الْحَجُّ تَفْصِيلًا لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَتَخْصِيصًا لِبَعْضِهَا بِذَلِكَ وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَجَمِيعُ ذِي الْحِجَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَصَحِيحُ قَوْلِ عُلَمَائِنَا فَلَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا مَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْعَامِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا مَنْ أَتَى بِالْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْمَخْصُوصَةِ. اهـ. بِزِيَادَةٍ وَأَمَّا الْمَوَاقِيتُ الْمَكَانِيَّةُ فَهِيَ مَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَقَالَ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ» زَادَ مُسْلِمٌ «وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» وَقَدْ نَظَمْت هَذِهِ الْخَمْسَةَ الْمَوَاقِيتَ الْمَكَانِيَّةَ مُبَيِّنًا بُعْدَهَا مِنْ مَكَّةَ وَأَهْلَ كُلٍّ بِقَوْلِي قَرْنٌ لِنَجْدٍ ذَاتُ عِرْقٍ لِلْعِرَاقِ ... يَلَمْلَمُ الْيَمَنِيُّ مِنْ أُمِّ الْقُرَى لِلْكُلِّ مَرْحَلَتَانِ جُحْفَةُ شَامِنَا ... سِتٌّ حُلَيْفَةُ عَشْرٌ لِلْمَدَنِيِّ تُرَى وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ كَرَاهَةُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ الْمَكَانِيِّ وَالزَّمَانِيِّ مَعًا وَانْعِقَادُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ قَبْلَ الزَّمَانِيِّ وَلَا يَنْعَقِدُ حَجًّا بَلْ إنْ كَانَ حَلَالًا انْعَقَدَ عُمْرَةً وَإِلَّا فَهُوَ لَغْوٌ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَدْخُلُ عَلَى أُخْرَى وَالْحَجَّ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى إيضَاحِ النَّوَوِيِّ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ إنَّ إحْرَامَ الْمُحْرِمِ مِنْ بَلَدِهِ أَفْضَلُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك» وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ بِكَرَاهَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ وَتَأَوَّلَهُ أَهْلُ مَذْهَبِهِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ بَلْ وَلَا عَلَى

стр. 186

(الْفَرْقُ الثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ) فَتَمْلِيكُ الِانْتِفَاعِ نُرِيدُ بِهِ أَنْ يُبَاشِرَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ وَتَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ هُوَ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ فَيُبَاشِرُ بِنَفْسِهِ وَيُمَكِّنُ غَيْرَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِعِوَضٍ كَالْإِجَارَةِ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْعَارِيَّةِ مِثَالُ الْأَوَّلِ سُكْنَى الْمَدَارِسِ وَالرِّبَاطِ وَالْمَجَالِسُ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعُ النُّسُكِ كَالْمَطَافِ وَالْمَسْعَى وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ وَلَوْ حَاوَلَ أَنْ يُؤَاجِرَ بَيْتَ الْمَدْرَسَةِ أَوْ يُسَكِّنَ غَيْرَهُ أَوْ يُعَاوِضَ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمُعَاوَضَاتِ امْتَنَعَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ مَعَهُ وَأَمَّا مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ فَكَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ اسْتَعَارَهَا فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يُسَكِّنَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَيَتَصَرَّفَ فِي هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَلَكَهُ فَهُوَ تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ فِي زَمَنٍ خَاصٍّ حَسْبَمَا تَنَاوَلَهُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ أَوْ أَشْهَدَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْعَارِيَّةِ فَمَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْعَادَةُ فِي الْعَارِيَّةِ بِمُدَّةٍ كَانَتْ لَهُ تِلْكَ الْمُدَّةُ مِلْكًا عَلَى الْإِطْلَاقِ يَتَصَرَّفُ كَمَا يَشَاءُ بِجَمِيعِ الْأَنْوَاعِ السَّائِغَةِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَنْفَعَةِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَيَكُونُ تَمْلِيكُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ كَتَمْلِيكِ الرِّقَابِ. وَهَاهُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) النِّكَاحُ مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ أَنْ يَنْتَفِعَ لَا مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهُ يُبَاشِرُهُ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَ غَيْرَهُ مِنْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَلَيْسَ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ وَلَا لِبُضْعِ الْمَرْأَةِ بَلْ مُقْتَضَى عَقْدِ النِّكَاحِ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ هُوَ خَاصَّةً لَا مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْوَكَالَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ تَقْتَضِي أَنَّهُ مَلَكَ مِنْ الْوَكِيلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْفَعَتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَ الِانْتِفَاعَ بِذَلِكَ الْوَكِيلِ لِغَيْرِهِ بَلْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ يُهْمِلَهُ أَوْ يَعْزِلَهُ فَهِيَ مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ لَا مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لِهَذَا الْفَرْقِ يُوجِبُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْفَرْقُ الثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ نَعَمْ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ بِكَرَاهَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ فِيمَا بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ إنْ لَمْ تُحْمَلْ الْكَرَاهَةُ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ. وَفِي إيضَاحِ النَّوَوِيِّ وَيَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ وُصُولِهِ الْمِيقَاتَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ وَمِنْ غَيْرِهَا وَفِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالثَّانِي مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ اهـ وَلَا يَخْفَاك أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ مِنْ حَمْلِ الْكَرَاهَةِ فِي الْجَدِيدِ عَلَى خِلَافِ الْأَفْضَلِ أَيْضًا بَيْنَ خِلَافِ الْأَفْضَلِ وَالْمَنْعِ وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ فِي الْحَالَتَيْنِ بِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الزَّمَانِيِّ يُفْضِي إلَى طُولِ زَمَانِ الْحَجِّ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى إفْسَادِ الْحَجِّ فَإِنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ شَوَّالٍ لَا يُمْكِنُهُ الْإِحْلَالُ حَتَّى تُقْضَى أَيَّامُ الرَّمْيِ وَأَمَّا الْمَوَاقِيتُ الْمَكَانِيَّةُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَهَا طُولُ الْحَجِّ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى إفْسَادِهِ كَمَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ لَا يَرَى الْإِحْرَامَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا لَا يَرَى أَحَدٌ الْإِحْرَامَ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِهَا وَبَيْنَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ يَقُولَانِ بِصِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ مُعْضِلَةٌ وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْبَيَانَ فِيهَا وَأَوْضَحْنَا لُبَابَهُ فِي كِتَابِ التَّلْخِيصِ وَأَنَّ الْقَوْلَ فِيهَا دَائِرٌ مِنْ قَبْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ رُكْنٌ مِنْ الْحَجِّ مُخْتَصٌّ بِزَمَانِهِ وَمِعْوَلُنَا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَهُنَاكَ تَبَيَّنَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ النَّظَرَيْنِ وَظَهَرَ أَوَّلُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي الْآيَةِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَيْ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ الْحَجُّ حَجُّ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ وَقَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ تَقْدِيرَهَا أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ. اهـ. وَكَذَلِكَ يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ بَيْنَ الْحَجِّ يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَيُلْزَمُ الْمُقَدِّمُ لَهُ بِإِعَادَتِهِ وَاعْتِقَادِ وُجُوبِهِ وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ أَمْرٌ مُسْتَصْحِبٌ بِحَيْثُ لَا يُزَالُ حُكْمُهُ مُنْسَحِبًا عَلَى الْحَاجِّ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ حَجِّهِ الَّتِي لَا يَتَأَتَّى فِعْلُهَا إلَّا فِي وَقْتِهِ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَصْحِبٌ كَذَلِكَ يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ وَإِحْرَامُ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَيُخَصِّصُهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَلَا يُخَصِّصُهَا) اعْلَمْ أَنَّ أَقْسَامَ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَاضِعِ أَوْ الِاصْطِلَاحِ أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَهُوَ مَا وَضَعَهَا وَاضِعُ اللُّغَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَنْ أَحْدَثَ وَضْعَهَا التَّحْقِيقِيَّ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا ذَلِكَ وَمَنْ قَرَّرَهَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى كَالدَّابَّةِ لِكُلِّ مَا دَبَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَالصَّلَاةِ لِلدُّعَاءِ وَالْفِعْلِ لِلْأَمْرِ وَالشَّأْنِ لَا لِلْحَدَثِ كَمَا يُتَوَهَّمُ الثَّانِي الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَهِيَ مَا وَصَفَهَا الشَّارِعُ كَالصَّلَاةِ نَقَلَهَا الشَّارِعُ مِنْ الدُّعَاءِ لِلْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ الثَّالِثُ الْعُرْفِيَّةُ الْخَاصَّةُ وَهِيَ مَا وَضَعَهَا أَهْلُ عُرْفٍ خَاصٍّ وَهُمْ طَائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ مَنْسُوبُونَ لِحِرْفَةٍ كَالنَّحْوِيِّينَ نَقَلُوا الْفِعْلَ مَثَلًا مِنْ الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ لِلَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهِ مُقْتَرِنٍ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ لِاشْتِمَالِ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ وَالرَّابِعُ الْعُرْفِيَّةُ الْعَامَّةُ وَهِيَ مَا وَضَعَهَا أَهْلُ الْعُرْفِ الْعَامِّ أَيْ مَا كَانَ النَّاقِلُ لَهَا مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ كَكَوْنِهِ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرٍ يَضْبِطُ أَهْلُهَا كَالدَّابَّةِ نَقَلَهَا الْعُرْفُ الْعَامُّ مِنْ كُلِّ

стр. 187

وَأَمَّا الْوَكَالَةُ بِعِوَضٍ فَهِيَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ فَمَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ فَلَهُ بَيْعُ مَا مَلَكَ وَيُمَكِّنُ مِنْهُ غَيْرَهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُوَكَّلُ عَلَيْهِ لَا يَقْبَلُ الْبَدَلَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْقِرَاضُ يَقْتَضِي عَقْدُهُ أَنَّ رَبَّ الْعَمَلِ مَلَكَ مِنْ الْعَامِلِ الِانْتِفَاعَ لَا الْمَنْفَعَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَى مَا مَلَكَهُ مِنْ الْعَامِلِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يُؤَاجِرَهُ مِمَّنْ أَرَادَ بَلْ يَقْتَصِرَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ عَقْدُ الْقِرَاضِ وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُغَارَسَةُ وَأَمَّا مَا مَلَكَهُ الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ فَهُوَ مِلْكُ عَيْنٍ لَا مِلْكُ مَنْفَعَةٍ وَلَا انْتِفَاعٍ وَتِلْكَ الْعَيْنُ هِيَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَةٍ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ رِبْحٍ فِي الْقِرَاضِ فَيَمْلِكُ نَصِيبَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَ أَوْ عَلَى السُّكْنَى وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا مَلَّكَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعَ بِالسُّكْنَى دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ غَيْرَهُ وَلَا يُسَكِّنَهُ وَكَذَلِكَ إذَا صَدَرَتْ صِيغَةٌ تَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ الِانْتِفَاعِ أَوْ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ وَشَكَكْنَا فِي تَنَاوُلِهَا لِلْمَنْفَعَةِ قَصَرْنَا الْوَقْفَ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ وَهِيَ تَمْلِيكُ الِانْتِفَاعِ دُونَ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ قَالَ فِي لَفْظِ الْوَقْفِ يُنْتَفَعُ بِالْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا يَقُومُ مَقَامَ هَذَا التَّصْرِيحِ مِنْ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ أَوْ الْحَالِيَةِ فَإِنَّا نَقْضِي بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْقَرَائِنِ وَمَتَى حَصَلَ الشَّكُّ وَجَبَ الْقَصْرُ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْأَمْلَاكِ عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا وَالنَّقْلُ وَالِانْتِقَالُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَمَتَى شَكَكْنَا فِي رُتَبِ الِانْتِقَالِ حَمَلْنَا عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي الْمِلْكِ السَّابِقِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ فِي الْمَذْهَبِ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ حَيْثُ قُلْنَا إنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الِانْتِفَاعَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَقَدْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ تَسْوِيغُ الِانْتِفَاعِ لِغَيْرِ الْمَالِكِ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ كَأَهْلِ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ إنْزَالُ الضَّيْفِ الْمُدَّةَ الْيَسِيرَةَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِذَلِكَ فَدَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ يَسْمَحُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُدَّةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ وَخَصَّهَا بِذَاتِ الْحَوَافِرِ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ بِالْفَرَسِ وَأَهْلِ مِصْرَ بِالْحِمَارِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِشَخْصِ النَّاقِلِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ وَهَلْ اتِّفَاقُ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ لِلَّفْظِ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ مَعْنَاهُ أَوْ فِي مَعْنًى مُنَاسِبٍ لِلْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ حَتَّى يَصِيرُ الْأَصْلُ مَهْجُورًا هُوَ نَفْسُ النَّقْلِ نَظَرًا إلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُحَقَّقُ فِي مُسَمَّى الْمَنْقُولِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُودِ نَقْلٍ مَقْصُودٍ أَوْ لَا وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ نَظَرًا إلَى أَصْلِ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ خِلَافٌ. ثُمَّ النَّقْلُ قِيلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَقِيلَ لَا كَمَا فِي ابْنِ يَعْقُوبَ عَلَى التَّلْخِيصِ بِزِيَادَةٍ مِنْ الدُّسُوقِيِّ والأنبابي وَهَذَا الْقِسْمُ الرَّابِعُ هُوَ مُرَادُ الْأَصْلِ بِالْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ وَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ الْأَوَّلُ مَا يَكُونُ فِي الْمُفْرَدَاتِ نَحْوَ الدَّابَّةِ فِي ذَاتِ الْحَوَافِرِ أَوْ فِي الْفَرَسِ أَوْ الْحِمَارِ كَمَا مَرَّ وَنَحْوَ قَتْلِ زَيْدٍ عَمْرًا فَإِنَّ قَتَلَ فِي اللُّغَةِ لِإِذْهَابِ الرُّوحِ وَفِي عُرْفِ مِصْرَ وَالْحِجَازِ لِلضَّرْبِ الشَّدِيدِ خَاصَّةً وَالثَّانِي مَا يَكُونُ فِي الْمُرَكَّبَاتِ وَهُوَ أَدَقُّهَا عَلَى الْفَهْمِ وَأَبْعَدُهَا عَنْ التَّفَطُّنِ وَضَابِطُهَا أَنْ يَكُونَ شَأْنُ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ تَرْكِيبَ لَفْظٍ مَعَ لَفْظٍ ثُمَّ يَشْتَهِرُ فِي الْعُرْفِ تَرْكِيبُهُ مَعَ غَيْرِهِ وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وَقَوْلُهُ ﵊ «أَلَا وَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» وَهَكَذَا جَمِيعُ مَا يَرِدُ فِي الْعُرْفِ مِنْ الْأَحْكَامِ مُرَكَّبًا مِنْ الذَّوَاتِ فَإِنَّهُ وَضَعَهُ الْعُرْفُ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ حُكْمِ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا تَحْسُنُ فِي اللُّغَةِ إضَافَةُ الْأَحْكَامِ إلَّا لَهَا دُونَ الذَّوَاتِ كَالْأَكْلِ لِلْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْأَمْوَالِ وَالشُّرْبِ لِلْخَمْرِ وَالِاسْتِمْتَاعِ لِلْأُمَّهَاتِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُنَّ وَالسَّفْكِ لِلدِّمَاءِ وَالثَّلْبِ لِلْأَعْرَاضِ وَمِنْهَا الرَّأْسُ مَعَ لَفْظِ الْأَكْلِ كَيْفَمَا كَانَ نَحْوَ أَكَلْت رَأْسًا خَصَّهُ الْعُرْفُ بِرُءُوسِ الْأَنْعَامِ بِخِلَافِهِ مَعَ رَأَيْت وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ نَحْوَ رَأَيْت رَأْسًا فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ الرُّءُوسِ وَمِنْهَا وَضْعُ الْعُرْفِ عَصْرَ الْخَمْرِ فِي قَوْلِهِمْ فُلَانٌ يَعْصِرُ الْخَمْرَ لِعَصْرِ الْعِنَبِ فَلَا يُقَدِّرُونَ مُضَافًا وَمُقْتَضَى اللُّغَةِ أَنْ لَا يَصِحَّ هَذَا الْكَلَامُ إلَّا بِمُضَافٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فُلَانٌ يَعْصِرُ عِنَبَ الْخَمْرِ أَوْ يُجْعَلُ الْخَمْرُ مَجَازًا فِي الْعِنَبِ مُرْسَلًا لِعَلَاقَةِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ. وَمِنْهَا وَضْعُ الْعُرْفِ نَحْوَ الْقَتِيلِ مَعَ قَتَلَ فِي قَوْلِهِمْ قَتَلَ فُلَانٌ قَتِيلًا لِقَتْلِ الْحَيِّ وَنَحْوَ الدَّقِيقِ مَعَ طَحَنَ فِي قَوْلِهِمْ طَحَنَ فُلَانٌ دَقِيقًا لِطَحْنِ الْقَمْحِ فَلَا يُقَدِّرُونَ مُضَافًا وَمُقْتَضَى اللُّغَةِ أَنْ لَا يَصِحَّ هَذَا الْكَلَامُ إلَّا بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ قُتِلَ جَسَدُ قَتِيلٍ أَوْ طُحِنَ قَمْحُ دَقِيقٍ أَوْ بِجَعْلِ فَعِيلًا مَجَازًا مُرْسَلًا لِعَلَاقَةِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا فِيهِ مِمَّا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ وَأَمَّا الْعُرْفُ الْفِعْلِيُّ فَمَعْنَاهُ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ فِي اللُّغَةِ لِمَعْنًى ذِي أَنْوَاعٍ وَيَكْثُرُ اسْتِعْمَالُ أَهْلِ الْعُرْفِ لِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ فَقَطْ كَالثَّوْبِ يَصْدُقُ لُغَةً عَلَى ثِيَابِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالْحَرِيرِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ وَأَهْلُ الْعُرْفِ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ مِنْ أَنْوَاعِهِ الْمَذْكُورَةِ فِي لُبْسِهِمْ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ وَكَالْخُبْزِ يَصْدُقُ لُغَةً عَلَى خُبْزِ الْفُولِ وَالْحِمَّصِ وَالْبُرِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَهْلُ الْعُرْفِ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ فِي أَغْذِيَتِهِمْ خُبْزَ الْبُرِّ دُونَ مَا عَدَاهُ وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ يُقْضَى بِهِ فِي تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ بِبَعْضِ مَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ لُغَةً وَبِغَيْرِ مَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ لُغَةً وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ لَا يُقْضَى بِهِ فِي تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ بِبَعْضِ مَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ لُغَةً هُوَ أَنَّ الْعُرْفَ

стр. 188

الْكَثِيرَةِ لَا تَجُوزُ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْكُنَ بَيْتًا مِنْ الْمَدْرَسَةِ دَائِمًا وَلَا مُدَّةً طَوِيلَةً فَإِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ فِي ذَلِكَ بِتَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ لَا بِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ عَمَدَ أَحَدٌ لِإِيجَارِ بَيْتِ الْمُدَرِّسَةِ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ لَوْ جَعَلَ بَيْتًا فِي الْمَدْرَسَةِ لِخَزْنِ الْقَمْحِ أَوْ غَيْرِهِ دَائِمًا أَوْ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ امْتَنَعَ أَيْضًا لِأَنَّ الْعَادَةَ شَهِدَتْ وَأَلْفَاظُ الْوَاقِفِينَ عَلَى أَنَّ الْبُيُوتَ وَقْفٌ عَلَى السُّكْنَى فَقَطْ فَإِنْ وُضِعَ فِيهَا مَا يُخْزَنُ الزَّمَانَ الْيَسِيرَ جَازَ كَإِنْزَالِ الضَّيْفِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يُوقَفُ مِنْ الصَّهَارِيجِ لِلْمَاءِ وَالشُّرْبِ فِي الْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِكِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ لِلنَّاسِ وَلَا صَرْفُهُ لِنَفْسِهِ فِي وُجُوهٍ غَرِيبَةٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهَا كَالصَّبْغِ وَبَيَاضِ الْكَتَّانِ بِأَنْ يَكُونَ صَبَّاغًا مُبَيِّضًا لِلْكَتَّانِ فَيَصْرِفُ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي الصَّبْغِ وَالْبَيَاضِ دَائِمًا فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْعَادَةَ وَأَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ لِلشُّرْبِ فَقَطْ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الصَّبْغُ الْيَسِيرُ وَالْبَيَاضُ الْيَسِيرُ وَنَحْوُهُ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إطْعَامُ الضَّيْفِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا يُمَلِّكُهُ غَيْرَهُ بَلْ يَأْكُلُهُ هُوَ خَاصَّةً عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ وَلَهُ إطْعَامُ الْهِرِّ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا لِشَهَادَةِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْحُصْرُ الْمَوْضُوعَةُ فِي الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَالْبُسُطُ الْمَفْرُوشَةُ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ لَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّخِذَهَا غِطَاءً بَلْ لَا تُسْتَعْمَلُ الْأَوْطَاءُ فَقَطْ لِأَنَّ الْعَادَةَ وَأَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ شَهِدَتْ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ الزَّيْتُ لِلِاسْتِصْبَاحِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَعَامِ الضَّيْفِ فَهَذِهِ الْأَعْيَانُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ بَابِ الْمَنَافِعِ بَلْ مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ وَلَكِنَّ التَّمْلِيكَ فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى جِهَةٍ خَاصَّةٍ بِشَهَادَةِ الْعَوَائِدِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ أَمْلَاكِ الْوَاقِفِينَ عَلَى الْمَوْقُوفِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى انْتِقَالِهِ عَنْ أَمْلَاكِهِمْ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا يَقَعُ لَك مِنْهَا وَاحْمِلْ مَسَائِلَ تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ عَلَى بَابِهَا وَمَسَائِلَ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى بَابِهَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَوْلِيَّ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ الْعَامِّ لِلَّفْظِ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ أَوْ فِي مَعْنًى مُنَاسِبٍ لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ حَتَّى يَصِيرَ الْأَصْلُ مَهْجُورًا كَمَا عَرَفْت كَانَ نَاسِخًا لِلُّغَةِ وَالنَّاسِخُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَنْسُوخِ وَأَنَّ الْعُرْفَ الْفِعْلِيَّ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ مُسَمَّى اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ فِي عَوَائِدِهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِهِ مَعَ بَقَاءِ ذَلِكَ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ مُسْتَعْمَلًا فِي مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لَهُ بِنَقْلٍ مِنْهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ نَاسِخًا لِلُّغَةِ حَتَّى يُقَدَّمَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ نَاسِخًا عَلَى الْمَنْسُوخِ وَبِالْجُمْلَةِ فَغَلَبَةُ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْمُسَمَّى فِي غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ نَاسِخًا يُخِلُّ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ تَخْصِيصًا وَتَقْيِيدًا وَإِبْطَالًا وَتَرْكُ مُبَاشَرَةِ الْمُسَمَّيَاتِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِنَاسِخٍ لَا يُخِلُّ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ تَخْصِيصًا وَلَا تَقْيِيدًا وَلَا إبْطَالًا فَلِذَا حَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ فِي أَنَّ الْعُرْفَ الْفِعْلِيَّ لَا يُؤَثِّرُ بِخِلَافِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ وَقَدْ حَاوَلَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ نَقَلَ خِلَافًا فِي ذَلِكَ وَنَقَلَ مَثَلًا عَنْهُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ خِلَافًا فِي اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ نَاسِخًا لِلُّغَةِ حَتَّى يُنَافِيَ الْإِجْمَاعَ بَلْ هُوَ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْمَسَائِلِ مِنْ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ التَّخْصِيصُ وَالتَّقْيِيدُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ قَبِيلِ بِسَاطِ الْحَالِ وَالْأَيْمَانُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِالنِّيَّةِ ثُمَّ بِبِسَاطِ الْحَالِ ثُمَّ بِالْعُرْفِ ثُمَّ بِاللُّغَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْهُ بِأَنْصَافِ هَذَا وَمُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ نَحْوَ الدَّابَّةِ فِي ذَاتِ الْحَوَافِرِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ الْحِمَارِ مَجَازًا لُغَةً وَحَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَالثَّانِي تَقْدِيمُ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ عَلَى اللُّغَوِيِّ لِكَوْنِهِ نَاسِخًا لَهُ وَيُنَافِي الْأَوَّلَ قَوْلُ ابْنِ كَمَالِ بَاشَا فِي حَاشِيَةِ التَّلْوِيحِ إنَّ زَيْدًا إذَا اُعْتُبِرَ لَا بِخُصُوصِهِ لَا يَصِحُّ عَنْهُ سَلْبُ الْإِنْسَانِ لَا لُغَةً وَلَا بِحَسْبِ نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا يَكُونُ مَجَازًا بِلَا اشْتِبَاهٍ. وَإِذَا اُعْتُبِرَ بِخُصُوصِهِ يَصِحُّ سَلْبُ الْإِنْسَانِ عَنْهُ لُغَةً وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ سَلْبُهُ عَنْهُ بِحَسْبِ نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَجَازًا أَيْضًا لِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ صِحَّةَ السَّلْبِ لَا بِحَسْبِ اللُّغَةِ فَقَطْ بَلْ بِحَسْبِ نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْضًا عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فَمُوجِبُ هَذَا التَّحْقِيقِ أَنْ لَا يَكُونَ ذِكْرُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْحَقِيقَةِ مُطْلَقًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ وَمَنْ وَافَقَهُ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِمْ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ لَامُ التَّعْلِيلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْمَ الْكُلِّيِّ إنَّمَا وُضِعَ لِأَجْلِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْجُزْئِيِّ وَعَلَّلَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمَجَازَ هُوَ الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ أَوَّلًا وَالْجُزْئِيُّ لَيْسَ غَيْرَ الْكُلِّيِّ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَيْنَهُ نَعَمْ هَذَا التَّحْقِيقُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْعَامَّ فِي الْخَاصِّ حَقِيقَةً إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقِ الْعَامِّ فِيهِ لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصِهِ وَمَجَازًا إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ خُصُوصِهِ لَا مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقِ الْعِلْمِ فِيهِ وَعَلَيْهِ فَيَصِحُّ كَوْنُ الدَّابَّةِ فِي ذَاتِ الْحَوَافِرِ أَوْ فِي الْفَرَسِ أَوْ فِي الْحِمَارِ مَجَازًا لُغَةً وَحَقِيقَةً عُرْفِيَّةً سِيَّمَا فِي نَحْوِ قَوْلِك رَأَيْت دَابَّةَ زَيْدٍ أَوْ رَبَطْت أَوْ عَلَفْتُ الدَّابَّةَ إذْ الرُّؤْيَةُ وَالرَّبْطُ وَالْعَلْفُ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْفَرْدِ الْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ لَا بِالْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا عُمُومُهُ بَدَلِيٌّ أَمَّا مَا عُمُومُهُ شُمُولِيٌّ كَالْقَوْمِ وَالنَّاسِ فَإِنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ نَحْوَ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أُرِيدَ بِالنَّاسِ الْأُوَلِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ

стр. 189

(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيَّةِ وَبَيْنَهُمَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالنَّفْيِ) اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَطْلَقُوا فِي كُتُبِهِمْ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَحَكَوْا فِيهِ الْخِلَافَ مُطْلَقًا وَجَعَلُوا أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ يُفْضِي إلَى الْعَمَلِ بِالدَّلِيلَيْنِ دَلِيلِ الْإِطْلَاقِ وَدَلِيلِ التَّقْيِيدِ وَأَنَّ عَدَمَ الْحَمْلِ يُفْضِي إلَى إلْغَاءِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى التَّقْيِيدِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ هُمَا قَاعِدَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ إذَا قَالَ اعْتِقُوا رَقَبَةً ثُمَّ قَالَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ فَمَدْلُولُ قَوْلِهِ رَقَبَةٌ كُلِّيٌّ وَحَقِيقَةٌ مُشْتَرَكٌ فِيهَا بَيْنَ جَمِيعِ الرِّقَابِ وَتَصْدُقُ بِأَيِّ فَرْدٍ وَقَعَ مِنْهَا فَمَنْ أَعْتَقَ سَعِيدًا فَقَدْ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَوَفَّى مُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ فَإِذَا أَعْتَقْنَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَقَدْ وَفَّيْنَا بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَفْهُومُ الرَّقَبَةِ وَبِمُقْتَضَى التَّقْيِيدِ وَهُوَ وَصْفُ الْأَيْمَانِ فَكُنَّا جَامِعِينَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَهَذَا كَلَامٌ حَقٌّ أَمَّا إذَا وَرَدَ أَمْرُ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيَّةِ وَبَيْنَهُمَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالنَّفْيِ إلَى قَوْلِهِ وَهَذَا كَلَامُ حَقٌّ) قُلْت فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ فَمَدْلُولُ قَوْلِهِ (رَقَبَةً) كُلِّيٌّ وَحَقِيقَةٌ مُشْتَرَكٌ فِيهِمَا بَيْنَ جَمِيعِ الرِّقَابِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ مَدْلُولُ لَفْظِ رَقَبَةً مُطْلَقٌ لَا كُلِّيٌّ وَالْمُطْلَقُ إنَّمَا هُوَ الْوَاحِدُ الْمُبْهَمُ مِمَّا فِيهِ الْحَقِيقَةِ وَالْكُلِّيُّ هُوَ الْحَقِيقَةُ الْوَاقِعُ فِيهَا الِاشْتِرَاكُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِإِثْبَاتِ الْحَقَائِقِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا وَقَوْلُهُ وَيُصَدَّقُ بِأَيِّ فَرْدٍ مِنْهَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ الْأَمْرُ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَإِذَا أَوْقَع وَاحِدًا أَيْ وَاحِدٌ كَانَ مِمَّا فِيهِ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ أَجْزَأَ وَالْوُجُودُ اقْتَضَى التَّعْيِينَ لَا الْوُجُوبَ قَالَ (أَمَّا إذَا وَرَدَ، أَمَرَ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَبِالثَّانِي أَبُو يُوسُفَ وَأَصْحَابُهُ فَهُوَ مَجَازٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ عُمُومَهُ الْمَوْضُوعَ لَهُ لَمْ يَرِدْ تَنَاوُلًا وَلَا حُكْمًا وَإِنْ كَانَ مَخْصُوصًا كَقَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ تَبَعًا لِوَالِدِهِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ نَظَرًا لِإِرَادَةِ عُمُومِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ تَنَاوُلًا. وَإِنْ لَمْ يَرِدْ حُكْمًا وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي بَعْضِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا كَمَا بُسِطَ ذَلِكَ فِي الْأُصُولِ وَعَلَيْهِ فَيَتَّحِدُ الْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ وَيُنَافِي الثَّانِيَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مَا لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ إذْ قَضِيَّتُهُ تَأَخُّرُ الْعُرْفِ عَنْ اللُّغَةِ نَعَمْ قَالَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ مَا إذَا تَعَارَضَ مَعْنَى اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ مَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ حَدُّهُ فِي اللُّغَةِ وَلِهَذَا قَالُوا كُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَمْ يَقُولُوا مَعْنًى اهـ فَافْهَمْ أَفَادَ جَمِيعَ هَذَا الْعَطَّارُ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادٍ مِنْ الدُّسُوقِيِّ والأنبابي عَلَى مُخْتَصَرِ الْمَعَانِي (وَصْلٌ) فِي تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا فَرَضْنَا مَلِكًا أَعْجَمِيًّا يَتَكَلَّمُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَيَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِهَا لِثِقَلِهَا عَلَيْهِ فَلَا يَنْطِقُ بِلَفْظِ الْخُبْزِ وَالثَّوْبِ إلَّا عَلَى النُّدْرَةِ وَقَدْ جَرَتْ عَادَتُهُ فِي غِذَائِهِ وَلُبْسِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ إلَّا خُبْزَ الشَّعِيرِ وَلَا يَلْبَسَ إلَّا ثِيَابَ الْقُطْنِ فَحَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَلَا يَأْكُلُ خُبْزًا كَانَ اقْتِصَارُهُ عَلَى أَكْلِ خُبْزِ الشَّعِيرِ وَلُبْسِ ثِيَابِ الْقُطْنِ مُقَيِّدًا لِمُطْلَقِ لَفْظِهِ فَلَا نُحَنِّثُهُ إلَّا بِأَكْلِ خُبْزِ الشَّعِيرِ وَلُبْسِ ثِيَابِ الْقُطْنِ فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ عُرْفَهُ الْفِعْلِيَّ نَاسِخٌ لِلُّغَةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مِنْ قَبِيلِ بِسَاطِ الْحَالِ وَالْأَيْمَانُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِالنِّيَّةِ ثُمَّ بِبِسَاطِ الْحَالِ ثُمَّ بِالْعُرْفِ. ثُمَّ بِاللُّغَةِ كَمَا مَرَّ فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ اسْتِعْمَالَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِعَدَمِ ثِقَلِهَا عَلَيْهِ لَكَانَ طُولَ أَيَّامِهِ يَقُولُ أَكَلْت خُبْزًا وَلَبِسْت الثَّوْبَ وَأْتُونِي بِخُبْزٍ وَعَجِّلُوا بِالْخُبْزِ وَالْخُبْزُ عَلَى الْمَائِدَةِ قَلِيلٌ وَأْتُونِي بِالثَّوْبِ وَعَجِّلُوا بِالثَّوْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يُرِيدُ فِي هَذَا النُّطْقِ كُلِّهِ إلَّا ثَوْبَ الْقُطْنِ وَخُبْزَ الشَّعِيرِ الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِمَا لَصَارَ لَهُ فِي لَفْظَيْ الْخُبْزِ وَالثَّوْبِ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ نَاسِخٌ لِلُّغَةِ فَلَا نُحَنِّثُهُ بِغَيْرِ خُبْزِ الشَّعِيرِ وَثِيَابِ الْقُطْنِ أَيْضًا لَكِنْ لَا مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْأُولَى بَلْ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقِ الْعُرْفِ النَّاسِخِ لِلُّغَةِ حِينَئِذٍ فَافْهَمْ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَا خِلَافَ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي أَنَّ النَّقْلَ الْعُرْفِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى اللُّغَةِ إذَا وُجِدَ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُءُوسًا فَقَالَ الْأَوَّلُ يَحْنَثُ بِجَمِيعِ الرُّءُوسِ وَقَالَ الثَّانِي لَا يَحْنَثُ إلَّا بِرُءُوسِ الْأَنْعَامِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مُدْرَكَ أَشْهَبَ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ قَدْ نَقَلُوا هَذَا اللَّفْظَ الْمُرَكَّبَ أَعْنِي أَكَلْت رُءُوسًا لِأَكْلِ رُءُوسِ الْأَنْعَامِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ الرُّءُوسِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ لِذَلِكَ الْمُرَكَّبِ فِي هَذَا النَّوْعِ خَاصَّةً دُونَ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ الرُّءُوسِ وَمُدْرَكَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ وَإِنْ سَلِمَ اسْتِعْمَالُ أَهْلِ الْعُرْفِ لِذَلِكَ الْمُرَكَّبِ فِي هَذَا النَّوْعِ خَاصَّةً إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ وَصَلَ إلَى غَايَتِهِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّقْلِ فَإِنَّ الْغَلَبَةَ قَدْ تَقْصُرُ عَنْ النَّقْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْأَسَدِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ اسْتِعْمَالًا مُثِيرًا وَلَمْ يَصِلْ ذَلِكَ إلَى حَدِّ النَّقْلِ فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَضَابِطُ النَّقْلِ أَنْ يَصِيرَ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ هُوَ الْمُتَبَادَرُ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَغَيْرُهُ هُوَ الْمُفْتَقِرُ إلَى الْقَرِينَةِ فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُودِ الْمَنَاطِ هُنَا وَعَدَمِ وُجُودِهِ. وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ

стр. 190

كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» فَمَنْ قَصَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَمْلَ الْمُطْلَقِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْغَنَمُ عَلَى هَذَا الْقَيْدِ الَّذِي هُوَ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَقَدْ فَاتَهُ الصَّوَابُ بِسَبَبِ أَنَّ الْحَمْلَ هُنَا يُوجِبُ أَنَّ الْمُقَيَّدَ خَصَّصَ الْمُطْلَقَ وَأَخْرَجَ مِنْهُ جَمِيعَ الْأَغْنَامِ الْمَعْلُوفَةِ وَالْعُمُومُ يَتَقَاضَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا فَلَيْسَ جَامِعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بَلْ تَارِكًا لِمُقْتَضَى الْعُمُومِ وَحَامِلًا لَهُ عَلَى التَّخْصِيصِ مَعَ إمْكَانِ عَدَمِ التَّخْصِيصِ فَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ مَوْجُودًا هَهُنَا وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ دَلِيلِ الْإِطْلَاقِ وَدَلِيلِ التَّقْيِيدِ وَمَنْ أَثْبَتَ الْحُكْمَ بِدُونِ مُوجِبِهِ وَدَلِيلِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ بَلْ هَذَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْبَعْضَ لَا يُنَافِي الْكُلَّ أَوْ مِنْ قَاعِدَةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ الْحَاصِلِ مِنْ قَيْدِ السَّوْمِ وَفِيهِ خِلَافٌ. أَمَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَلَا لِأَنَّهُ كُلِّيَّةٌ وَلَفْظٌ عَامٌّ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ فِي الْكُلِّيِّ الْمُطْلَقِ لَا فِي الْكُلِّيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَوْ قَالَ لَا تَعْتِقُوا رَقَبَةً ثُمَّ قَالَ لَا تَعْتِقُوا رَقَبَةً كَافِرَةً كَانَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ كَالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ فَيَكُونُ اللَّفْظُ الثَّانِي لَوْ حَمَلْنَا الْأَوَّلَ عَلَيْهِ مُخَصِّصًا لِلْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» فَمَنْ قَصَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَمْلَ الْمُطْلَقِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْغَنَمُ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ الَّذِي هُوَ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَقَدْ فَاتَهُ الصَّوَابُ إلَى قَوْلِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُسَلَّمٌ قَالَ (وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الشُّرَّاحِ وَالْفُقَهَاءِ إذَا مَرَّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ رُءُوسِ الْأَنْعَامِ لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ يَأْكُلُونَ رُءُوسَ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا اهـ مَحْمُولٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّى اللَّفْظِ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْفِعْلِيِّ مِنْ جِنْسِ الْبِسَاطِ فَافْهَمْ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) مَشْهُورُ فَتَاوَى الْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا حَلَفَ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُهُ فَحَنِثَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَعِتْقُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الرَّقِيقِ وَإِنْ كَثُرُوا وَصَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَالْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَطَلَاقُ امْرَأَتِهِ وَفِي كَوْنِهِ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا خِلَافٌ وَالتَّصَدُّقُ بِثُلُثِ الْمَالِ وَلَا يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَا الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَلَا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا الرِّبَاطُ فِي الثُّغُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَلَا تَرْبِيَةُ الْيَتَامَى وَلَا كُسْوَةُ الْعَرَايَا وَلَا إطْعَامُ الْجِيَاعِ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْقُرُبَاتِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلَاحَظُوا مَا غَلَبَ الْحَلِفُ بِهِ فِي الْعُرْفِ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي صَارَتْ تُسَمَّى كُلُّهَا فِي الْعُرْفِ أَيْمَانًا. وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَسَمُ فَقَطْ وَلَمْ يُلَاحِظُوا أَنَّ عَادَتَهُمْ يَفْعَلُونَ مُسَمَّيَاتِهَا وَأَنَّهُمْ يَصُومُونَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ أَوْ يَحُجُّونَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ نَظَرًا لِلْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ تَقْدِيمُ الْمُسَمَّى الْعُرْفِيِّ عَلَى الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ وَعَدَمُ تَقْدِيمِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ عَلَى الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ. فَلِذَا صَرَّحُوا وَقَالُوا مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالْحَلِفِ بِصَوْمٍ لَزِمَهُ صَوْمُ سَنَةٍ فَجَعَلُوا الْمُدْرَكَ الْحَلِفَ اللَّفْظِيَّ دُونَ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ وَعَلَى هَذَا لَوْ اتَّفَقَ فِي وَقْتٍ آخَرَ اشْتِهَارُ حَلِفِهِمْ بِنَذْرِهِمْ الِاعْتِكَافَ وَالرِّبَاطَ وَإِطْعَامَ الْجِيعَانِ وَكُسْوَةَ الْعُرْيَانِ وَبِنَاءَ الْمَسَاجِدِ دُونَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لَكَانَ اللَّازِمُ لِهَذَا الْحَالِفِ إذَا حَنِثَ الِاعْتِكَافَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ دُونَ مَا هُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى الْعَوَائِدِ تَدُورُ مَعَهَا كَيْفَمَا دَارَتْ وَتَبْطُلُ مَعَهَا إذَا بَطَلَتْ كَالنُّقُودِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْعُيُوبِ فِي الْأَغْرَاضِ فِي الْبِيَاعَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ فِي النَّقْدِ وَالسِّكَّةِ إلَى سِكَّةٍ أُخْرَى حُمِلَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى السِّكَّةِ الَّتِي تَجَدَّدَتْ الْعَادَةُ بِهَا دُونَ مَا قَبْلَهَا وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ عَيْبًا فِي الثِّيَابِ فِي عَادَةٍ رَدَدْنَا بِهِ الْمَبِيعَ فَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ وَصَارَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ مَحْبُوبًا مُوجِبًا لِزِيَادَةِ الثَّمَنِ لَمْ نَرُدَّ بِهِ وَبِهَذَا الْقَانُونِ تُعْتَبَرُ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى الْعَوَائِدِ وَهُوَ تَحْقِيقٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ نَعَمْ قَدْ يَقَعُ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي تَحْقِيقِهِ هَلْ وُجِدَ أَمْ لَا. قَالَ الْأَصْلُ وَعُرْفُنَا الْيَوْمَ لَيْسَ فِيهِ الْحَلِفُ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَلَا تَكَادُ تَجِدُ أَحَدًا بِمِصْرَ يَحْلِفُ بِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْفُتْيَا بِهِ وَعَادَتُهُمْ يَقُولُونَ عَبْدِي حُرٌّ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ وَمَالِي صَدَقَةٌ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَتَلْزَمُ هَذِهِ الْأُمُورُ. وَعَلَى هَذَا الْقَانُونَ تُرِكَ الْفَتَاوَى عَلَى طُولِ الْأَيَّامِ فَمَهْمَا تَجَدَّدَ فِي الْعُرْفِ اعْتَبِرْهُ وَمَهْمَا سَقَطَ أَسْقِطْهُ وَلَا تَجْمُدْ عَلَى الْمَسْطُورِ فِي الْكُتُبِ طُولَ عُمْرِك بَلْ إذَا جَاءَك رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ إقْلِيمِك يَسْتَفْتِيك لَا تَجْرِهِ عَلَى عُرْفِ بَلَدِك وَاسْأَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ وَأَجْرِهِ عَلَيْهِ وَأَفْتِهِ بِهِ دُونَ عُرْفِ بَلَدِك وَدُونَ الْمُقَرَّرِ فِي كُتُبِك فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ. وَالْجُمُودُ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ أَبَدًا ضَلَالٌ فِي الدِّينِ وَجَهْلٌ بِمَقَاصِد عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَخَرَّجُ أَيْمَانُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَجَمِيعِ الصَّرَائِحِ وَالْكِنَايَاتِ فَقَدْ يَصِيرُ الصَّرِيحُ كِنَايَةً فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَقَدْ تَصِيرُ الْكِنَايَةُ صَرِيحًا فَتَسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ اهـ وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ عُلَيْشٍ فِيمَنْ حَلَفَ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ مَا دَخَلَ دَارَ فُلَانٍ

стр. 191

الرِّقَابَ الْمُؤْمِنَةَ عَلَى امْتِنَاعِ الْعِتْقِ وَالْعُمُومُ يَتَقَاضَاهُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بَلْ الْتِزَامٌ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَإِلْغَاءٌ لِلْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ بِخِلَافِ هَذِهِ النَّكِرَةِ لَوْ كَانَتْ فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ عَامَّةً بَلْ مُطْلَقَةً فَيَكُونُ حَمْلُهَا عَلَى نَصِّ التَّقْيِيدِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَظَهَرَ أَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ نَصَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَا بِمُسْتَوِيَيْنِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنْته لَك فَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي كُلِّيٍّ دُونَ كُلِّيَّةٍ وَفِي مُطْلَقٍ دُونَ عُمُومٍ وَفِي الْأَمْرِ وَخَبَرِ الثُّبُوتِ دُونَ النَّهْيِ وَخَبَرِ النَّفْيِ لِأَنَّ خَبَرَ النَّفْيِ كَقَوْلِنَا لَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ يَقَعُ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ فَيَئُولُ الْحَالُ إلَى الْكُلِّيَّةِ دُونَ الْكُلِّيِّ وَخَبَرُ الثُّبُوتِ هُوَ كَالْأَمْرِ نَحْوَ فِي الدَّارِ رَجُلٌ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ كُلِّيٌّ لَا كُلِّيَّةٌ لِأَنَّ النَّكِرَةَ لَا تَعُمُّ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ وَإِذَا تَقَرَّرَ الْفَرْقُ وَاتَّضَحَ الْحَقُّ فَهَاهُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْحَنَفِيَّةُ لَا يَرَوْنَ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ صَدْرُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ يَقُولُ إنَّ الْحَنَفِيَّةَ تَرَكُوا أَصْلَهُمْ لَا لِمُوجِبٍ فِيمَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَوَرَدَ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» فَقَوْلُهُ «إحْدَاهُنَّ» مُطْلَقٌ وَقَوْلُهُ ﵇ «أُولَاهُنَّ» مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ أَوَّلًا وَلَمْ يَحْمِلُوا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُعَيِّنُوا الْأَوْلَى بَلْ أَبْقَوْا الْإِطْلَاقَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَكَانَ يُورَدُ هَذَا السُّؤَالُ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فَيَعْسُرُ عَلَيْهِمْ الْجَوَابُ عَنْهُ فَسَمِعْته يَوْمًا يُورِدُهُ فَقُلْت لَهُ هَذَا لَا يَلْزَمُهُمْ لِأَجْلِ قَاعِدَةٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَهَاهُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ) قُلْت مَا قَالَهُ أَيْضًا مُسَلَّمٌ غَيْرَ إطْلَاقِهِ لَفْظَ الْكُلِّيِّ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْوَاحِدَ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ الْمُطْلَقُ فَلَا مُشَاحَّةَ وَإِنْ أَرَادَ الْكُلِّيَّ حَقِيقَةً فَلَيْسَ الْكُلِّيُّ هُوَ الْمُطْلَقُ بَلْ الْكُلِّيُّ الْحَقِيقَةُ وَالْمُطْلَقُ الْوَاحِدُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مِمَّا فِيهِ الْحَقِيقَةُ قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْحَنَفِيَّةُ لَا يَرَوْنَ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَدَخَلَهَا أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ وَكَفَّارَةٌ فَقَطْ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ اتِّفَاقًا إذْ هِيَ مِنْ الْكِنَايَاتِ وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَالطَّلَاقُ كَعُرْفِ أَهْلِ مِصْرَ الْآنَ وَإِلَّا لَزِمَهُ مُقْتَضَى الْحِنْثِ فِي كُلِّ مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ اهـ هَذَا وَلَفْظُ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ فِي الْقَسَمِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ عُرْفًا وَمِنْ قَبِيل الْحَقِيقَةِ. وَالْمَجَازِ لُغَةً إلَّا أَنَّهُ فِي قَوْلِ الْحَالِفِ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ بِحَسْبِ الْعُرْفِ وَلَا مِنْ قَبِيلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِحَسْبِ اللُّغَةِ وَإِنْ قَالَ الْأَصْلُ بِهِ وَبِأَنَّ قَاعِدَةَ جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ نَظَرًا لِكَوْنِ قَرِينَةِ الْمَجَازِ إنَّمَا تَمْنَعُ مِنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَحْدَهُ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ التَّلْوِيحِ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَتِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا. وَذَلِكَ لِأَنَّ قَاعِدَةَ تَقْدِيمِ الْمُسَمَّى الْعُرْفِيِّ عَلَى الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ تَقْتَضِي إبْطَالَ الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ فَكَيْفَ يُعْتَبَرُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ بِحَسْبِهِ وَاسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي لَفْظِهِ الْمُفْرَدِ لَا الْجَمْعِ كَمَا هُنَا أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الزَّيْدُونَ رَفْعًا وَالزَّيْدِينَ نَصْبًا وَجَرًّا يَدُلُّ عَلَى أَشْخَاصٍ مُتَعَدِّدِينَ وُضِعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَفْظُ زَيْدٍ الْمُفْرَدِ بِأَوْضَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَلَمْ يَعُدُّوهُ مِنْ قَبِيلِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعَانِيهِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَوْلُ الْحَالِفِ أَمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي إنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمٌ فَالْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ الَّذِي جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مُلُوكِ الْوَقْتِ فِي التَّحْلِيفِ بِهِ فِي بَيْعَتِهِمْ وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ بِحَيْثُ صَارَ عُرْفًا وَمَنْقُولًا مُتَبَادَرًا لِلذِّهْنِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ عَلَى الْقَانُونِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَاللُّغَةُ لَا غَيْرُ وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمٌ فَالْمُعْتَبَرُ النِّيَّةُ ثُمَّ السَّبَبُ أَوْ الْبِسَاطُ ثُمَّ الْعُرْفُ ثُمَّ اللُّغَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ فِي الْفَرْق بَيْنَ قَاعِدَة النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ] (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ) الصَّحِيحُ إبْدَالُ الْمُؤَكِّدَةِ بِالْمُخْرِجَةِ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تَكُونُ مُؤَكِّدَةً إلَّا بِنَاءً عَلَى مَا تُوُهِّمَ مِنْ أَنَّ حُكْمَ التَّخْصِيصِ بِالنِّيَّاتِ كَحُكْمِ التَّخْصِيصِ بِالْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَدْلُولَاتِ فِي اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصُ مُنَافِيًا لِلْمُخَصَّصِ وَإِلَّا احْتِمَالُ قَصْدِ التَّأْكِيدِ وَقَصْدِ التَّخْصِيصِ عَلَى السَّوَاءِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ مُقْتَضَى الْعُمُومِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ دَلِيلٌ لِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْمُنَافَاةُ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى التَّخْصِيصِ لِاسْتِحَالَةِ التَّنَاقُضِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَمَا تُوُهِّمَ بَلْ الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ أَنَّ النِّيَّةَ تَكُونُ مُخَصِّصَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُنَافِيَةً مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَتَرَتَّبُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ إلَّا عَلَى النِّيَّاتِ وَالْقُصُودِ وَمَا لَيْسَ بِمَنْوِيٍّ وَلَا مَقْصُودٍ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهِ وَلَا مُؤَاخَذٍ بِسَبَبِهِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَكَادُ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْ الشَّرْعِ نَعَمْ إذَا أَطْلَقَ الْمُطَلِّقُ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَلَا نِيَّةَ لَهُ وَلَا بِسَاطَ وَلَا عَادَةَ صَارِفَةٌ حَنَّثْنَاهُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ لِلْوَضْعِ الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أَطْلَقَهُ وَنَوَى جَمِيعَ أَفْرَادِهِ بِيَمِينِهِ حَنَّثْنَاهُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى لِلْوَضْعِ الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ مَعَ النِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ لَهُ وَإِنْ أَطْلَقَهُ وَنَوَى بَعْضَ أَفْرَادِهِ لَفْظُهُ الْعَامُّ بِالْيَمِينِ وَغَفَلَ عَنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ حَنَّثْنَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَنْوِيِّ وَلَمْ نُحَنِّثْهُ بِمَا عَدَاهُ لِأَنَّ نِيَّةَ الْحَالِفِ أَوَّلُ مُعْتَبَرٍ فِيمَا

стр. 192

أُصُولِيَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَهِيَ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَوَرَدَ الْمُطْلَقُ مُقَيَّدًا بِقَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَسَاقَطَا فَإِنْ اقْتَضَى الْقِيَاسُ الْحَمْلَ عَلَى أَحَدِهِمَا تَرَجَّحَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرَدَ الْمُطْلَقُ فِيهِ مُقَيَّدًا بِقَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فَوَرَدَ أُولَاهُنَّ وَوَرَدَ أُخْرَاهُنَّ فَتَسَاقَطَا وَبَقِيَ إحْدَاهُنَّ عَلَى إطْلَاقِهِ فَلَمْ يُخَالِفْ الشَّافِعِيَّةُ أُصُولَهُمْ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَعْرُجُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمُطْلَقِ وَلَا عَلَى قَيْدَيْهِ بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى سَبْعٍ مِنْ غَيْرِ تُرَابٍ، وَأَنَا مُتَعَجِّبٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَ وُرُودِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ « ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ وَوَرَدَ أَيْضًا نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَخَصَّصَ أَصْحَابُنَا الْمَنْعَ بِالطَّعَامِ خَاصَّةً وَجَوَّزُوا بَيْعَ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاخْتَلَفَتْ مَدَارِكُهُمْ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّقْيِيدِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْأَوَّلُ عَامٌّ وَالثَّانِي خَاصٌّ وَإِذَا تَعَارَضَ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ قُدِّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ وَالْمُدْرَكَانِ بَاطِلَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُطْلَقَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيِّ دُونَ الْكُلِّيَّةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَامٌّ فَهُوَ كُلِّيَّةٌ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَأَمَّا الْمُدْرَكُ الثَّانِي فَهُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذِكْرِ الشَّيْءِ وَذِكْرِ بَعْضِهِ وَالطَّعَامُ هُوَ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ الْعُمُومُ الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ فِيهِ فَبَقِيَتْ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةً عَلَيْنَا وَيَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الشَّافِعِيِّ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ مَالِكٌ مَنْ ارْتَدَّ حَبِطَ عَمَلُهُ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُحْبَطُ عَمَلُهُ إلَّا بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ مَالِكٌ مَنْ ارْتَدَّ حَبَطَ عَمَلُهُ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] تَقْتَضِيهِ مِنْ تَقْيِيدِ لَفْظِهِ الْمُطْلَقِ وَتَخْصِيصِ لَفْظِ الْعَامِّ ثُمَّ السَّبَبِ وَالْبِسَاطِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا أُنْزِلَ لَفْظُ الْحَالِفِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ السَّبَبُ وَالْبِسَاطُ مِنْ تَقْيِيدِ اللَّفْظِ أَوْ تَخْصِيصِهِ وَلَمْ يَحْنَثْ بِمَا عَدَاهُ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ إلَّا لِأَنَّ السَّبَبَ وَالْبِسَاطَ يَدُلَّانِ عَلَى قَصْدِ الْحَالِفِ التَّقْيِيدَ أَوْ التَّخْصِيصَ فَلَأَنْ يُعْتَبَرَ التَّقْيِيدُ وَالتَّخْصِيصُ الْمَنْوِيَّانِ أَوْلَى مِنْ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِمَا بِالسَّبَبِ وَالْبِسَاطِ فَافْهَمْ. وَإِنْ أَطْلَقَ الْمُطَلِّقُ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَقَالَ نَوَيْت إخْرَاجَ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ عَنْ الْيَمِينِ كَانَ اسْتِثْنَاءً بِالنِّيَّةِ دُونَ النُّطْقِ وَفِيهِ خِلَافٌ هَلْ يُجْزِئُ أَوْ لَا قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مُنْشَؤُهُ أَيْ الْخِلَافِ النَّظَرُ إلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ فَيُجْزِئُ بِالنِّيَّةِ أَوْ النَّظَرِ إلَى حَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا نُطْقًا اهـ فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ سِرَّ الْفَرْقِ بَيْنَ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ تُعْتَبَرُ بِلَا خِلَافٍ وَبَيْنَ النِّيَّةِ الْمُخْرِجَةِ هَلْ تُعْتَبَرُ أَوْ لَا خِلَافٌ هُوَ أَنَّ النِّيَّةَ الْمُخَصِّصَةَ لَمَّا كَانَتْ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَانَتْ نَصًّا فِي التَّخْصِيصِ لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ وَالنِّيَّةُ الْمُخْرِجَةُ لَمَّا كَانَتْ تُحْتَمَلُ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالنِّيَّةِ دُونَ النُّطْقِ جَرَى الْخِلَافُ فِي اعْتِبَارِهَا فِي التَّخْصِيصِ نَظَرًا لِلِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَوْ عَدَمِ اعْتِبَارِهَا نَظَرًا لِلثَّانِي هَذَا تَحْقِيقُ الْمَقَامِ عَلَى مَا حَرَّرَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَبِهِ يَسْقُطُ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ بِنَاءً عَلَى الْوَهْمِ الْمَارِّ ذِكْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الْفَرْق بَيْن قَاعِدَة تَمْلِيك الِانْتِفَاع وَبَيْن قَاعِدَة تَمْلِيك الْمَنْفَعَة] (الْفَرْقُ الثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ) تَمْلِيكُ الِانْتِفَاعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِذْنِ لِلشَّخْصِ فِي أَنْ يُبَاشِرَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ كَالْإِذْنِ فِي سُكْنَى الْمَدَارِسِ وَالرَّبْطِ وَالْمَجَالِسِ فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ النُّسُكِ كَالْمَطَافِ وَالْمَسْعَى وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلِمَنْ أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ وَيَمْتَنِعَ فِي حَقِّهِ أَنْ يُؤَاجِرَ أَوْ يُعَاوِضَ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمُعَاوَضَاتِ أَوْ يُسَكِّنَ غَيْرَهُ لِبَيْتِ الْمَدْرَسَةِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ النَّظَائِرِ الْمَذْكُورَةِ مَعَهُ وَتَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِذْنِ لِلشَّخْصِ فِي أَنْ يُبَاشِرَ هُوَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُمَكِّنَ غَيْرَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِعِوَضٍ كَالْإِجَارَةِ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْعَارِيَّةِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ اسْتَعَارَهَا فَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يُسَكِّنَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَأَنْ يَتَصَرَّفَ فِي هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ فِي أَمْلَاكِهِمْ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَلَكَهُ فَهُوَ تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ فِي زَمَنٍ خَاصٍّ حَسْبَمَا تَنَاوَلَهُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ أَوْ شَهِدَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْعَارِيَّةِ فَمَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْعَادَةُ فِي الْعَارِيَّةِ بِمُدَّةٍ كَانَتْ لَهُ تِلْكَ الْمُدَّةُ مِلْكًا عَلَى الْإِطْلَاقِ يَتَصَرَّفُ كَمَا يَشَاءُ بِجَمِيعِ الْأَنْوَاعِ السَّائِغَةِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَنْفَعَةِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَيَكُونُ تَمْلِيكُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ كَتَمْلِيكِ الرِّقَابِ (وَصْلٌ) فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) النِّكَاحُ مِنْ حَيْثُ إنَّ مُقْتَضَى عَقْدِهِ أَنْ يُبَاشِرَ الزَّوْجُ مَنْفَعَتَهُ بِنَفْسِهِ خَاصَّةً وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَكِّنَ غَيْرَهُ مِنْ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ وَلَا لِبُضْعِ الزَّوْجَةِ كَانَ مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ لَا مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْوَكَالَةُ إنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَانَتْ مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ لَا مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُوَكِّلَ مَلَكَ مِنْ الْوَكِيلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْفَعَتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَ الِانْتِفَاعَ بِذَلِكَ الْوَكِيلِ لِغَيْرِهِ بَلْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ يُهْمِلَهُ أَوْ يَعْزِلَهُ وَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ كَانَتْ مِنْ

стр. 193

وَتَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ عَلَى إطْلَاقِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مُقَيَّدًا فِي قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] فَيَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَلَا يَحْبَطُ الْعَمَلُ إلَّا بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ مُقَيِّدَةً لِلْآيَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا رُتِّبَ فِيهَا مَشْرُوطَانِ وَهُمَا الْحُبُوطُ وَالْخُلُودُ عَلَى شَرْطَيْنِ وَهُمَا الرِّدَّةُ وَالْوَفَاةُ عَلَى الْكُفْرِ وَإِذَا رُتِّبَ مَشْرُوطَانِ عَلَى شَرْطَيْنِ أَمْكَنَ التَّوْزِيعُ فَيَكُونُ الْحُبُوطُ الْمُطْلَقُ الرِّدَّةَ وَالْخُلُودَ لِأَجْلِ الْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ فَيَبْقَى الْمُطْلَقُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطَيْنِ شَرْطٌ فِي الْإِحْبَاطِ فَلَيْسَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَبَاحِثِ سُؤَالًا وَجَوَابًا. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) وَرَدَ قَوْلُهُ ﵇ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَوَرَدَ «وَتُرَابُهَا طَهُورًا» قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغَيْرِ التُّرَابِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْأَوَّلَ عَامٌّ كُلِّيَّةً لَا يَصِحُّ فِيهِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْكُلِّيِّ دُونَ الْكُلِّيَّةِ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ فَأَصَابَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا أَصَابَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَلَا يُحْبَطُ الْعَمَلُ إلَّا بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ قُلْت مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ هُوَ الْأَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ مُقَيِّدَةً لِلْآيَةِ الْأُولَى إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت لَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ عِنْدِي بِصَحِيحٍ وَقَوْلُهُ إذَا رُتِّبَ مَشْرُوطَانِ عَلَى شَرْطَيْنِ أَمْكَنَ التَّوْزِيعُ صَحِيحٌ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَصِحَّ اسْتِقْلَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشْرُوطَيْنِ عَنْ الْآخَرِ أَمَّا إذَا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِقْلَالُ فَلَا وَالْمَشْرُوطَانِ مِمَّا فِيهِ الْكَلَامُ مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي الَّذِي لَا يَصِحُّ فِيهِ اسْتِقْلَالُ أَحَدِ الْمَشْرُوطَيْنِ عَنْ الْآخَرِ لِأَنَّهُمَا سَبَبٌ وَمُسَبَّبٌ وَالسَّبَبُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ مُسَبَّبِهِ وَبِالْعَكْسِ فَالْأَمْرُ فِي جَوَابِهِ لَيْسَ كَمَا زَعَمَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بَابِ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ فَلِلْمُوَكِّلِ بَيْعُ مَا مَلَكَ وَأَنْ يُمَكِّنَ مِنْهُ غَيْرَهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُوَكَّلُ عَلَيْهِ لَا يَقْبَلُ الْبَدَلَ كَتَوْكِيلِهِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَ مُرْتَهِنٍ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ إبْدَالَ مَنْ وُكِّلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالْوَكِيلِ وَفِي خِصَامٍ إذَا قَاعَدَ الْوَكِيلُ الْخَصْمَ كَثَلَاثٍ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ إبْدَالُ الْوَكِيلِ كَمَا فِي خَلِيلٍ وَشَرْحِهِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) عَقْدُ كُلٍّ مِنْ الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةِ يَقْتَضِي أَنَّ رَبَّ الْمَالِ مَلَكَ مِنْ الْعَامِلِ الِانْتِفَاعَ لَا الْمَنْفَعَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَى مَا مَلَكَهُ مِنْ الْعَامِلِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يُؤَاجِرَهُ مِمَّنْ أَرَادَ بَلْ يَقْتَصِرَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِنَفْسِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ وَأَمَّا مَا مَلَكَهُ الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ فَهُوَ مِلْكُ عَيْنٍ لَا مِلْكُ مَنْفَعَةٍ وَلَا انْتِفَاعٍ وَتِلْكَ الْعَيْنُ هِيَ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَةٍ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ رِبْحٍ فِي الْقِرَاضِ فَيَمْلِكُ نَصِيبَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) ظَاهِرُ قَوْلِ الْوَاقِفِ وَقَفْت هَذَا عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ أَوْ عَلَى سُكْنَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ مَثَلًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا مَلَّكَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعَ بِالسُّكْنَى دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَاجِرَ غَيْرَهُ وَلَا أَنْ يُسَكِّنَهُ دَائِمًا أَوْ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ وَلَا أَنْ يَجْعَلَهُ لِخَزْنِ الْقَمْحِ أَوْ غَيْرِهِ دَائِمًا أَوْ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ وَأَمَّا إنْزَالُ الضَّيْفِ وَخَزْنُ الْقَمْحِ وَغَيْرِهِ الْمُدَّةَ الْيَسِيرَةَ فِي الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمَّا جَرَتْ بِذَلِكَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ يَسْمَحُ فِي ذَلِكَ وَمِمَّا يُحْمَلُ عَلَى تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ لَا تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ الصِّيغَةُ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ الْوَاقِفِ تَحْتَمِلُهَا وَشَكَكْنَا فِي تَنَاوُلِهَا الْمَنْفَعَةَ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْأَمْلَاكِ عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا وَالنَّقْلُ وَالِانْتِقَالُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلِذَا مَتَى شَكَكْنَا فِي رُتَبِ الِانْتِقَالِ حَمَلْنَاهُ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي الْمِلْكِ السَّابِقِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ فِي الْمَذْهَبِ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَوْلُ الْوَاقِف إمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا فِي تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ يُنْتَفَعُ بِالْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ أَوْ بِالْقَرَائِنِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِالْمَنْفَعَةِ مِنْ الْأُمُورِ الْعَادِيَةِ فِي الصِّيغَةِ الْمُحْتَمِلَةِ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ لَا الِانْتِفَاعِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ كَقَوْلِهِ وَقَفْته عَلَى أَنْ يُسْكَنَ أَوْ عَلَى السُّكْنَى وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الِانْتِفَاعِ لَا الْمَنْفَعَةِ كَمَا إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِتَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ أَوْ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِلَا قَرِينَةٍ حَتَّى حَصَلَ الشَّكُّ فِي تَنَاوُلِهَا لِلْمَنْفَعَةِ لِوُجُوبِ حَمْلِهِ حِينَئِذٍ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي الْمِلْكِ السَّابِقِ لِلْقَاعِدَةِ الْمَارَّةِ وَكَذَلِكَ يَجْرِي فِيمَا كَانَ مِنْ بَابِ تَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ وَقَدْ شَهِدَتْ الْعَادَةُ وَأَلْفَاظُ الْوَاقِفِينَ بِقَصْرِهِ عَلَى جِهَةٍ خَاصَّةٍ نَحْوَ مَا يُوقَفُ فِي الْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِكِ مِنْ الصَّهَارِيجِ لِمَاءِ الشُّرْبِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ وَلَا هِبَتُهُ لِلنَّاسِ وَلَا صَرْفُهُ لِنَفْسِهِ فِي وُجُوهٍ غَرِيبَةٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهَا كَالصَّبْغِ وَبَيَاضِ الْكَتَّانِ بِأَنْ يَكُونَ صَبَّاغًا مُبَيِّضًا لِلْكَتَّانِ فَيُصْرَفُ ذَلِكَ الْمَاءُ فِي الصَّبْغِ وَالْبَيَاضِ دَائِمًا لِأَنَّ الْعَادَةَ وَأَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ شَهِدَتْ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ لِلشُّرْبِ فَقَطْ نَعَمْ يَجُوزُ صَرْفُهُ لِلصَّبْغِ الْيَسِيرِ وَالْبَيَاضِ الْيَسِيرِ وَنَحْوِهِ وَنَحْوَ الْحُصْرِ وَالْبُسُطِ الْمَفْرُوشَةِ فِي الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطُ لَا تَسْتَعْمِلُ الْأَوْطَاءَ فَقَطْ وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّخِذَهَا غِطَاءً فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ لِأَنَّ الْعَادَةَ وَأَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ شَهِدَتْ بِذَلِكَ وَكَوَقْفِ الزَّيْتِ لِلِاسْتِصْبَاحِ لَيْسَ

стр. 194

(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِذْنِ الْعَامِّ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَبَيْنَ إذْنِ الْمَالِكِ الْآدَمِيِّ فِي التَّصَرُّفَاتِ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ وَالثَّانِي يُسْقِطُهُ) وَسِرُّ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ فَجَعَلَ مَا هُوَ حَقٌّ لَهُمْ بِتَسْوِيغِهِ وَتَمَلُّكِهِ وَتَفَضُّلِهِ لَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ فِيهِ إلَّا بِرِضَاهُمْ وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ إلَّا بِإِسْقَاطِهِمْ وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ فِي إتْلَافِهِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ فِي إتْلَافِهِ أَوْ بِالْإِذْنِ فِي مُبَاشَرَتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ كَمَا أَنَّ مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى صِرْفٌ لَا يَتَمَكَّنُ الْعِبَادُ مِنْ إسْقَاطِهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ بَلْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَقَّيْنِ مُوَكِّلٌ لِمَنْ هُوَ مَنْسُوبٌ لَهُ ثُبُوتًا وَإِسْقَاطًا وَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْوَدِيعَةُ إذَا شَالَهَا الْمُودِعُ وَحَوَّلَهَا لِمَصْلَحَةِ حِفْظِهَا فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ فَانْكَسَرَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي بِهِ انْكَسَرَتْ وَلَوْ سَقَطَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ يَدِهِ فَانْكَسَرَتْ ضَمِنَ لِأَنَّ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي حَمْلِ ذَلِكَ فِي يَدِهِ فَالْفِعْلُ الَّذِي بِهِ انْكَسَرَتْ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَضْمَنُ فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِهِ فَقَدْ وُجِدَ الْإِذْنُ مِمَّنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ قِيلَ الْإِذْنُ الْعَامُّ الشَّرْعِيُّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِذْنِ الْعَامِّ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَبَيْنَ إذْنِ الْمَالِكِ الْآدَمِيِّ فِي التَّصَرُّفَاتِ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ وَالثَّانِيَ يُسْقِطُهُ إلَى قَوْلِهِ وَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ وَأَمَّا كَلَامُهُ فِي الْمَسَائِلِ فَلَيْسَ بِالْوَاضِحِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذُكِرَ لِبَيَانِهِ فِيمَا زَعَمَ لَمْ يَتَوَارَدْ الْإِذْنَانِ فِيهِمَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بَلْ وَرَدَ الْإِذْنُ الْعَامُّ فِيهِمَا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي غَيْرِ الشَّيْءِ الْمَمْلُوكِ لِلْآدَمِيِّ وَتَرَتُّبُ الضَّمَانِ إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبَبِ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَكَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْفَرْقِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَوَارُدِ الْإِذْنَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَوَرَدَ الْإِذْنُ الْعَامُّ فِيهَا عَلَى الشَّيْءِ الْمَمْلُوكِ لِلْآدَمِيِّ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي تَصْلُحُ مِثَالًا لِمَحَلِّ هَذَا الْفَرْقِ ثُمَّ إنَّهُ لَا فَرْقَ عَلَى قَوْلِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلضَّيْفِ أَنْ يَبِيعَ الطَّعَامَ الْمُعَدَّ لِضِيَافَتِهِ وَلَا أَنْ يُمَلِّكَهُ لِغَيْرِهِ بَلْ يَأْكُلَهُ هُوَ خَاصَّةً عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ نَعَمْ لَهُ إطْعَامُ الْهِرِّ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ وَنَحْوَهُمَا لِشَهَادَةِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا يَقَعُ لَك مِنْهَا وَاحْمِلْ مَسَائِلَ تَمْلِيكِ الِانْتِفَاعِ عَلَى بَابِهَا وَمَسَائِلَ تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى بَابِهَا وَمَسَائِلَ تَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي قَصَرَتْهَا الْعَادَةُ وَأَلْفَاظُ الْوَاقِفِينَ عَلَيْهَا وَأَجْرِ الْمُحْتَمَلَ عَلَى أَصْلِ بَقَاءِ أَمْلَاكِ الْوَاقِفِينَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى انْتِقَالِهِ عَنْ أَمْلَاكِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْن قَاعِدَة حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيَّةِ] (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ حَمْلِ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّقْيِيدِ فِي الْمُطْلَقِ لَا الْكُلِّيَّةِ وَفِي الْأَمْرِ لَا النَّهْيِ وَالنَّفْيِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَإِنْ حَكَوْا فِي حَمْلِ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّقْيِيدِ الْخِلَافَ مُطْلَقًا وَأَنَّ الْحَمْلَ يُفْضِي إلَى الْعَمَلِ بِدَلِيلَيْ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ وَأَنَّ عَدَمَ الْحَمْلِ يُفْضِي إلَى إلْغَاءِ دَلِيلِ التَّقْيِيدِ إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَمَا قَالُوا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ قَاعِدَةُ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فِي الْمُطْلَقِ وَفِي الْأَمْرِ تُبَايِنُ قَاعِدَتَهُ فِي الْكُلِّيَّةِ وَالنَّهْيِ وَالنَّفْيِ، وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ فِي الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا هُوَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ إذَا قَالَ أَعْتِقُوا رَقَبَةً ثُمَّ قَالَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ كَانَ مَدْلُولُ قَوْلِهِ رَقَبَةٌ مُطْلَقًا فَيَصْدُقُ كَلَامُهُ مِنْ جِهَةِ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ بِالْأَمْرِ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْحَقِيقَةُ فَإِذَا أَوْقَعَ وَاحِدًا أَيَّ وَاحِدٍ مِمَّا فِي تِلْكَ الْحَقِيقَةِ أَجْزَأَ وَإِنْ كَانَ الْوُجُودُ يَقْتَضِي التَّعْيِينَ لَا الْوُجُوبَ فَمَنْ أَعْتَقَ سَعِيدًا فَقَدْ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَوَفَّى بِمُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ فَإِذَا أَعْتَقْنَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَقَدْ وَفَّيْنَا بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَفْهُومُ الرَّقَبَةِ وَبِمُقْتَضَى التَّقْيِيدِ وَهُوَ وَصْفُ الْأَيْمَانِ فَكُنَّا جَامِعِينَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. وَإِذَا قَالَ أَخْرِجُوا الزَّكَاةَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» وَوَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» لَمْ يَكُنْ تَقْيِيدُهُ الْغَنَمَ الَّذِي مَدْلُولُهُ الْكُلِّيَّةُ وَالْعُمُومُ بِمُقْتَضَى كُلٍّ لَا الْإِطْلَاقُ بِالسَّائِمَةِ فَمَنْ حَمَلَ الْإِطْلَاقَ عَلَى التَّقْيِيدِ هُنَا فَقَدْ فَاتَهُ الصَّوَابُ بِسَبَبِ أَنَّ الْحَمْلَ يَقْتَضِي أَنَّ قَيْدَ السَّائِمَةِ خَصَّصَ لَفْظَ الْغَنَمِ الْعَامَّ وَأَخْرَجَ مِنْهُ جَمِيعَ الْأَغْنَامِ الْمَعْلُوفَةِ وَالْعُمُومُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا فَلَمْ يَكُنْ الْحَمْلُ جَامِعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بَلْ تَارِكًا لِمُقْتَضَى الْعُمُومِ وَحَامِلًا لَهُ عَلَى التَّخْصِيصِ مَعَ إمْكَانِ عَدَمِ التَّخْصِيصِ فَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى حَمْلِ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّقْيِيدِ مَوْجُودًا هَهُنَا وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ دَلِيلِ الْإِطْلَاقِ وَدَلِيلِ التَّقْيِيدِ وَمَنْ أَثْبَتَ الْحُكْمَ بِدُونِ مُوجِبِهِ وَدَلِيلِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ بَلْ هَذَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ إمَّا تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْبَعْضَ لَا يُنَافِي الْكُلَّ وَإِمَّا تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ الْحَاصِلِ مِنْ قَيْدِ السَّوْمِ فِي اعْتِبَارِهِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ خِلَافٌ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ صَاحِبُ الشَّرْعِ لَا تَعْتِقُوا رَقَبَةً ثُمَّ قَالَ لَا تَعْتِقُوا رَقَبَةً كَافِرَةً لِأَنَّ لَفْظَ الرَّقَبَةِ الْأَوَّلِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِهِ كَالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ فَلَوْ حَمَلْنَا لَفْظَ الرَّقَبَةِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي الْمُقَيَّدِ بِالْكَافِرَةِ لَكَانَ مُخَصِّصًا لِلْأَوَّلِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الرِّقَابُ الْمُؤْمِنَةُ عَلَى امْتِنَاعِ الْعِتْقِ وَالْعُمُومُ فِي الْأَوَّلِ يَقْتَضِي عَدَمَ إخْرَاجِهَا فَلَمْ يَكُنْ فِي الْحَمْلِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بَلْ الْتِزَامٌ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَإِلْغَاءٌ لِلْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ بِخِلَافِ هَذِهِ النَّكِرَةِ لَوْ كَانَتْ فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ

стр. 195

لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ وَإِنَّمَا يُسْقِطُ الْإِذْنَ الْخَاصَّ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ فَانْكَسَرَ وَهَلَكَ فِي الْعَمَلِ الْمُسْتَعَارِ لَهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ وَلَا مُجَاوَزَةٍ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْعَارِيَّةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الَّذِي أَعَارَهُ أَذِنَ لَهُ فِيمَا حَصَلَ بِهِ الْهَلَاكُ وَلَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ عَلَيْهَا شَيْءٌ فَأَهْلَكَهَا ضَمِنَ لِعَدَمِ وُجُودِ إذْنِ صَاحِبِ الْعَارِيَّةِ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ الْخَاصِّ وَإِنَّمَا وُجِدَ الْإِذْنُ الْعَامُّ وَهُوَ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا اُضْطُرَّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ فَأَكَلَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ جَازَ وَهَلْ يَضْمَنُ لَهُ الْقِيمَةَ أَوْ لَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الدَّفْعَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمَالِكِ وَالْوَاجِبُ لَا يُؤْخَذُ لَهُ عِوَضٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْهُرُ لِأَنَّ إذْنَ الْمَالِكِ لَمْ يُوجَدْ وَإِنَّمَا وُجِدَ إذْنُ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا يَنْفِي الْإِثْمَ وَالْمُؤَاخَذَةَ بِالْعِقَابِ وَلِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمِلْكَ إذَا دَار زَوَالُهُ بَيْنَ الْمَرْتَبَةِ الدُّنْيَا وَالْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا حُمِلَ عَلَى الدُّنْيَا اسْتِصْحَابًا لِلْمِلْكِ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ هُوَ أَدْنَى رُتَبِ الِانْتِقَالِ وَهُوَ أَقْرَبُ لِمُوَافَقَةِ الْأَصْلِ مِنْ الِانْتِقَالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ. (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَقَدُّمِ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ دُونَ شَرْطِهِ أَوْ شَرْطِهِ دُونَ سَبَبِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَقَدُّمِهِ عَلَى السَّبَبِ وَالشَّرْطِ جَمِيعًا) وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْحُكْمَ إنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ أَوْ كَانَ لَهُ سَبَبَانِ أَوْ أَسْبَابٌ فَتَقَدَّمَ عَلَى جَمِيعِهَا لَمْ يُعْتَبَرْ أَوْ عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ اُعْتُبِرَ بِنَاءً عَلَى سَبَبِ الْخَاصِّ وَلَا يَضُرُّ فِقْدَانُ بَقِيَّةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مَنْ يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَنْ الْمُضْطَرِّ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُسْقِطُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ. قَالَ شِهَابُ الدِّينِ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَقَدُّمِ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ دُونَ شَرْطِهِ أَوْ شَرْطِهِ دُونَ سَبَبِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَقَدُّمِهِ عَلَى السَّبَبِ وَالشَّرْطِ جَمِيعًا إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ عَامَّةً بَلْ مُطْلَقَةٌ فَيَكُونُ حَمْلُهَا عَلَى نَصِّ التَّقْيِيدِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَبِالْجُمْلَةِ فَحَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّقْيِيدِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمُطْلَقِ لَا فِي الْعُمُومِ وَلَا فِي الْأَمْرِ وَخَبَرُ الثُّبُوتِ لَا فِي النَّهْيِ وَخَبَرِ النَّفْيِ لِأَنَّ خَبَرَ النَّفْيِ كَقَوْلِنَا لَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ يَقَعُ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ فَيَئُولُ الْحَالُ إلَى الْكُلِّيَّةِ وَالْعُمُومِ دُونَ الْإِطْلَاقِ وَخَبَرُ الثُّبُوتِ نَحْوَ فِي الدَّارِ رَجُلٌ هُوَ كَالْأَمْرِ لَا تَعُمُّ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِهِ بَلْ تَكُونُ مُطْلَقَةً فَنَصُّ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ (وَصْلٌ) فِي تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) حَمْلُ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّقْيِيدِ فِي الْمُطْلَقِ دُونَ الْعَامِّ لَا يَرَاهُ الْحَنَفِيَّةُ وَيَرَاهُ الشَّافِعِيَّةُ وإنَّمَا تَرَكُوا أَصْلَهُمْ فِيمَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَوَرَدَ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرَدَ مُقَيَّدًا بِقَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ لِأَنَّهُ كَمَا وَرَدَ «أُولَاهُنَّ» وَرَدَ «أُخْرَاهُنَّ» وَشَرْطُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْأَصْلِ أَنْ يُقَيَّدَ الْمُطْلَقُ بِقَيْدٍ وَاحِدٍ لَا بِقَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ وَإِلَّا تَسَاقَطَا لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا بِاقْتِضَاءِ الْقِيَاسِ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ وَهُنَا لَمْ يَقْتَضِ الْقِيَاسُ الْحَمْلَ عَلَى أَحَدِ الْقَيْدَيْنِ حَتَّى يَتَرَجَّحَ فَوَجَبَ بَقَاءُ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ فَلَمْ تَتْرُكْ الشَّافِعِيَّةُ أَصْلَهُمْ لِغَيْرِ مُوجِبٍ خِلَافًا لِقَاضِي الْقُضَاةِ صَدْرِ الدِّينِ الْحَنَفِيِّ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَعْرُجُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمُطْلَقِ وَلَا عَلَى قَيْدَيْهِ بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى سَبْعٍ مِنْ غَيْرِ تُرَابٍ قَالَ الْأَصْلُ وَأَنَا مُتَعَجِّبٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَ وُرُودِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ اهـ وَفِي حَاشِيَةِ حِجَازِيٍّ عَلَى الْمَجْمُوعِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا تَتْرِيبَ مَا نَصُّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ وَمَحَلُّ قَبُولِ زِيَادَةِ الْعَدْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ الَّذِي لَمْ يَزِدْ أَوْثَقَ وَلِاخْتِلَافِ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ فَفِي بَعْضِهَا إحْدَاهُنَّ وَفِي بَعْضِهَا «أُولَاهُنَّ» وَفِي بَعْضِهَا «أُخْرَاهُنَّ» اهـ فَتَأَمَّلْ قُلْتُ وَمِمَّا وَرَدَ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا بِقَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ حَدِيثُ الِابْتِدَاءِ فَقَدْ وَرَدَ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَبْتَرُ» وَوَرَدَ بِبَسْمِ اللَّهِ إلَخْ وَوَرَدَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَلِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي ابْتِدَاءِ ذَوَاتِ الْبَالِ مُطْلَقَ الذِّكْرِ فَتَنَبَّهْ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» وَخَصَّصَ أَصْحَابُنَا الْمَنْعَ بِالطَّعَامِ خَاصَّةً وَجَوَّزُوا بَيْعَ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَخْذًا بِمَا وَرَدَ أَيْضًا مِنْ «نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ» وَلَهُمْ فِي الْأَخْذِ بِهِ مُدْرَكَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْإِطْلَاقِ فِي الْأَوَّلِ عَلَى التَّقْيِيدِ فِي الثَّانِي وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْأَوَّلَ عَامٌّ وَالثَّانِيَ خَاصٌّ وَإِذَا تَعَارَضَ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ قُدِّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ وَالْمُدْرَكَانِ بَاطِلَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ حَمْلَ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّقْيِيدِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ فِي الْمُطْلَقِ لَا فِي الْعَامِّ وَلَفْظُ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ مَا لَمْ يُقْبَضْ عَامٌّ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى تَقْيِيدِ الثَّانِي لِمَا عَلِمْت وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذِكْرِ الشَّيْءِ وَذِكْرِ بَعْضِهِ وَالطَّعَامُ هُوَ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ عُمُومُ مَا لَمْ يُقْبَضْ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِهِ فَبَقِيَتْ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةً عَلَيْنَا وَيَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الشَّافِعِيِّ

стр. 196

الْأَسْبَابِ فَإِنَّ شَأْنَ السَّبَبِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِثُبُوتِ مُسَبِّبِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ مِثَالُ الْأَوَّلِ الزَّوَالُ سَبَبُ وُجُوبِ الظُّهْرِ فَإِذَا صَلَّيْت قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ تُعْتَبَرْ ظُهْرًا وَمِثَالُ الثَّانِي الْجَلْدُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ الزِّنَى وَالْقَذْفُ وَالشُّرْبُ فَمَنْ جُلِدَ قَبْلَ مُلَابَسَةِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ حَدًّا وَلَا زَجْرًا فَهَذَانِ قِسْمَانِ مَا أَعْلَمُ فِيهِمَا خِلَافًا. الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ وَشَرْطٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ (الْحَالَةُ الْأُولَى) أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ إجْمَاعًا (الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يَتَأَخَّرَ إيقَاعُهُ عَنْ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ فَيُعْتَبَرُ إجْمَاعًا (الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) أَنْ يُتَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا فَيَخْتَلِفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَثِيرٍ مِنْ صُوَرِهِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِذِكْرِ ثَمَانِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) كَفَّارَةُ الْيَمِينِ لَهَا سَبَبٌ وَشَرْطٌ فَالسَّبَبُ هُوَ الْيَمِينُ وَالشَّرْطُ هُوَ الْحِنْثُ فَإِنْ قُدِّمَتْ عَلَيْهِمَا لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ إجْمَاعًا وَإِنْ أُخِّرَتْ عَنْهُمَا أَجْزَأَتْ إجْمَاعًا وَإِنْ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْحِنْثِ فَقَوْلَانِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي إجْزَائِهَا وَعَدَمِ إجْزَائِهَا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ بَيْعُ الشَّرِيكِ وَشَرْطٌ وَهُوَ الْأَخْذُ فَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ حِينَئِذٍ فَإِنْ أَسْقَطَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ لَمْ يُعْتَبَرْ إسْقَاطُهُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا حِينَئِذٍ وَاعْتِبَارِ الْإِسْقَاطِ فَرْعَ اعْتِبَارِ الْمُسْقِطِ أَوْ أَسْقَطَهَا بَعْدَ الْأَخْذِ سَقَطَتْ إجْمَاعًا وَإِنْ أَسْقَطَهَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْأَخْذِ سَقَطَتْ وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) وُجُوبُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِذَكَرِ مَسَائِلَ) قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ ظَاهِرٌ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قُلْت مَا قَالَهُ فِيهَا صَحِيحٌ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ بَيْعُ الشَّرِيكِ وَشَرْطٌ وَهُوَ الْأَخْذُ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ هُوَ الْحُكْمُ بِعَيْنِهِ أَوْ مُتَعَلِّقُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا فِي نَفْسِهِ هَذَا مِمَّا لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الضَّرْبِ الَّذِي لَهُ سَبَبٌ دُونَ شَرْطٍ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ خِلَافٌ فِيمَا إذَا أَسْقَطَهَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَقَبْلَ الْأَخْذِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) تَمَسَّكَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالْإِطْلَاقِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] فَقَالَ مَنْ ارْتَدَّ حَبَطَ عَمَلُهُ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْمِلُ إطْلَاقَهُ عَلَى التَّقْيِيدِ فِي قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] فَقَالَ لَا يَحْبَطُ عَمَلُهُ إلَّا بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ هُوَ الْأَصَحُّ وَإِنْ ادَّعَى الْأَصْلُ أَنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ مُقَيِّدَةً لِلْآيَةِ الْأُولَى وَذَلِكَ لِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ رُتِّبَ فِيهَا مَشْرُوطَانِ هُمَا الْحُبُوطُ وَالْخُلُودُ عَلَى شَرْطَيْنِ هُمَا الرِّدَّةُ وَالْوَفَاةُ عَلَى الْكُفْرِ وَأَنَّهُ إذَا رُتِّبَ مَشْرُوطَانِ عَلَى شَرْطَيْنِ أَمْكَنَ التَّوْزِيعُ إلَّا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ إمْكَانَ التَّوْزِيعِ حِينَئِذٍ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ اسْتِقْلَالُ كُلٍّ مِنْ الْمَشْرُوطَيْنِ بِدُونِ الْآخَرِ كَمَا هُنَا لِأَنَّهُمَا سَبَبٌ وَمُسَبَّبٌ وَالسَّبَبُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ مُسَبَّبِهِ وَبِالْعَكْسِ حَتَّى يَتَأَتَّى التَّوْزِيعُ هُنَا بِجَعْلِ الْحُبُوطِ لِمُطْلَقِ الرِّدَّةِ وَالْخُلُودِ لِأَجْلِ الْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ فَيَبْقَى الْمُطْلَقُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطَيْنِ شَرْطٌ فِي الْإِحْبَاطِ فَلَا تَكُونُ الْآيَتَانِ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بَلْ إنَّمَا يُمْكِنُ التَّوْزِيعُ حِينَئِذٍ بِشَرْطِ أَنْ يَصِحَّ اسْتِقْلَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَشْرُوطَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي دَعْوَاهُ كَمَا زَعَمَ فَافْهَمْ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغَيْرِ التُّرَابِ تَمَسُّكًا بِأَنَّهُ وَرَدَ قَوْلُهُ ﵊ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَوَرَدَ وَتُرَابُهَا طَهُورًا» لَا يَصِحُّ سَوَاءٌ كَانَ مُدْرَكُهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْأَرْضَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَامٌّ كُلِّيَّةً لَا مُطْلَقٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حَمْلَ الْإِطْلَاقِ عَلَى التَّقْيِيدِ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمُطْلَقِ لَا فِي الْعَامِّ وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَقَدْ مَرَّ أَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ بَاطِلٌ فَأَصَابَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا أَصَابَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْق بَيْن قَاعِدَةِ الْإِذْنِ الْعَام مِنْ قِبَل صَاحِب الشَّرْعِ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَبَيْنَ إذْنِ الْمَالِكِ الْآدَمِيِّ فِي التَّصَرُّفَات] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِذْنِ الْعَامِّ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَبَيْنَ إذْنِ الْمَالِكِ الْآدَمِيِّ فِي التَّصَرُّفَاتِ فِي إسْقَاطِ الثَّانِي الضَّمَانَ دُونَ الْأَوَّلِ) وَسِرُّ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ فَجَعَلَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْآدَمِيِّينَ مَوْكُولٌ لِمَنْ هُوَ مَنْسُوبٌ لَهُ ثُبُوتًا وَإِسْقَاطًا فَمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى صَرْفٌ لَا يَتَمَكَّنُ الْعِبَادُ مِنْ إسْقَاطِهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ بَلْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ وَمَا هُوَ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ بِتَسْوِيغِهِ وَتَمَلُّكِهِ وَتَفَضُّلِهِ لَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ فِيهِ إلَّا بِرِضَاهُمْ وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ إلَّا بِإِسْقَاطِهِمْ وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ فِي إتْلَافِهِ إلَّا بِإِذْنِهِمْ فِي إتْلَافِهِ أَوْ بِالْإِذْنِ فِي مُبَاشَرَتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ (وَصْلٌ) فِي تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِمَسْأَلَةٍ فِيهَا تَوَارُدُ الْإِذْنَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهِيَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا اُضْطُرَّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ فَأَكَلَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ جَازَ وَهَلْ يَضْمَنُ لَهُ الْقِيمَةَ أَوْ لَا قَوْلَانِ أَمَّا الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْهُرُ فَلِأَنَّ إذْنَ الْمَالِكِ لَمْ يُوجَدْ وَإِنَّمَا وُجِدَ إذْنُ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا يَنْفِي الْإِثْمَ. وَالْمُؤَاخَذَةَ بِالْعِقَابِ وَلِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمِلْكَ إذَا دَار زَوَالُهُ بَيْنَ الْمَرْتَبَةِ الدُّنْيَا وَالْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا حُمِلَ عَلَى الدُّنْيَا اسْتِصْحَابًا بِالْمِلْكِ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ هُوَ أَدْنَى رُتَبِ الِانْتِقَالِ وَهُوَ أَقْرَبُ لِمُوَافَقَةِ

стр. 197

الزَّكَاةِ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ مَالِكُ النِّصَابِ وَشَرْطٌ وَهُوَ دَوَرَانُ الْحَوْلِ فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ لَا تُجْزِئُ إجْمَاعًا وَبَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَدَوَرَانِ الْحَوْلِ أَجْزَأَتْ إجْمَاعًا وَبَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَقَبْلَ دَوَرَانِ الْحَوْلِ فَقَوْلَانِ فِي الْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا أَخْرَجَ زَكَاةَ الْحَبِّ قَبْلَ نُضْجِ الْحَبِّ وَظُهُورِهِ لَا تُجْزِئُهُ وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ يُبْسِهِ أَجْزَأَتْ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي الْإِجْزَاءِ أَعْنِي الْعُلَمَاءَ الْمَشْهُورِينَ فِي إجْزَاءِ الْمُخْرَجِ بِخِلَافِ زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ إذَا أُخْرِجَتْ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ لِأَنَّ زَكَاةَ الْحَبِّ لَيْسَ لَهَا سَبَبٌ وَشَرْطٌ بَلْ سَبَبٌ وَاحِدٌ فَلَا تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَلْ عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبِهَذَا أَيْضًا يَظْهَرُ بُطْلَانُ قِيَاسِ أَصْحَابِنَا عَدَمَ إجْزَاءِ الزَّكَاةِ إذَا أُخْرِجَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ عَلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي قَوْلِهِمْ وَاجِبٌ أُخْرِجَ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ فَلَا يُجْزِئُ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهَذَا قِيَاسٌ بَاطِلٌ بِسَبَبِ أَنَّ مَا يُسَاوِي الصَّلَاةَ قَبْلَ الزَّوَالِ إلَّا إخْرَاجُ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ وَهُمْ يُسَاعِدُونَ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الْقِصَاصُ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ إنْفَاذُ الْمَقَاتِلِ وَشَرْطٌ وَهُوَ زُهُوقُ الرُّوحِ فَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ قَبْلَهُمَا لَمْ يُعْتَبَرْ عَفْوُهُ وَبَعْدَهُمَا يَتَعَذَّرُ لِعَدَمِ الْحَيَاةِ الْمَانِعَةِ مِنْ التَّصَرُّفِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا بَيْنَهُمَا فَيَنْفُذُ إجْمَاعًا فِيمَا عَلِمْت. (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) إذْنُ الْوَرَثَةِ فِي التَّصَرُّفِ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ إنْ وَقَعَ قَبْلَ حُصُولِ الْمَرَضِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الْقِصَاصُ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ إنْفَاذُ الْمَقَاتِلِ وَشَرْطٌ وَهُوَ زُهُوقُ الرُّوحِ إلَى آخِرِهَا قُلْت الْأَصَحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ السَّبَبَ هُوَ زُهُوقُ الرُّوحِ وَإِنْفَاذُ الْمَقَاتِلِ سَبَبُ السَّبَبِ فَصَحَّ الْعَفْوُ بَيْنَهُمَا لِتَعَذُّرِهِ بَعْدَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) إذْنُ الْوَرَثَةِ فِي التَّصَرُّفِ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْأَصْلِ مِنْ الِانْتِقَالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ فَلِأَنَّ الدَّفْعَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمَالِكِ وَالْوَاجِبُ لَا يُؤْخَذُ لَهُ عِوَضٌ وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَمَسْأَلَتَا الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا الْأَصْلُ هُنَا لِبَيَانِ هَذَا الْفَرْقِ فِيمَا زَعَمَ لَمَّا لَمْ يَتَوَارَدْ الْإِذْنَانِ فِيهِمَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بَلْ وَرَدَ الْإِذْنُ الْعَامُّ فِيهِمَا عَلَى التَّصَرُّفِ فِي غَيْرِ الشَّيْءِ الْمَمْلُوكِ لِلْآدَمِيِّ وَتَرَتُّبُ الضَّمَانِ إنَّمَا هُوَ سَبَبُ الْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَكَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْفَرْقِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَوَارُدِ الْإِذْنَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِمَا فِي بَيَانِ هَذَا الْفَرْقِ وَجْهٌ وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَدِيعَةِ لَا يَضْمَنُهَا الْمُودِعُ إذَا شَالَهَا وَحَوَّلَهَا لِمَصْلَحَةِ حِفْظِهَا فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ فَانْكَسَرَتْ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي بِهِ انْكَسَرَتْ وَيَضْمَنُهَا إذَا سَقَطَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ يَدِهِ فَانْكَسَرَتْ لِأَنَّ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْفِعْلِ الَّذِي بِهِ انْكَسَرَتْ وَالْإِذْنُ الْعَامُّ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَإِنْ وُجِدَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِهِ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَمَسْأَلَةُ الْعَارِيَّةِ لَا يَضْمَنُهَا الْمُسْتَعِيرُ إذَا سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ فَانْكَسَرَتْ أَوْ هَلَكَتْ فِي الْعَمَلِ الْمُسْتَعَارَةِ لَهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ وَلَا مُجَاوَزَةٍ لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْعَارِيَّةِ لِأَنَّ الْمُعِيرَ أَذِنَ لَهُ فِيمَا حَصَلَ بِهِ الْهَلَاكُ وَيَضْمَنُهَا إذَا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ عَلَيْهَا شَيْءٌ فَأَهْلَكَهَا لِعَدَمِ وُجُودِ إذْنِ الْمُعِيرِ فِي هَذَا التَّصَرُّفِ الْخَاصِّ. وَإِنَّمَا وُجِدَ الْإِذْنُ الْعَامُّ وَهُوَ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْق بَيْنَ قَاعِدَة تَقَدُّم الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ دُون شَرْطِهِ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَقَدُّمِ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ دُونَ شَرْطِهِ أَوْ شَرْطِهِ دُونَ سَبَبِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَقَدُّمِهِ عَلَى السَّبَبِ وَالشَّرْطِ جَمِيعًا) حَيْثُ إنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا تَقَدُّمَهُ عَلَيْهِمَا إجْمَاعًا وَاخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِهِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَعُدِمَ اعْتِبَارُهُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ وَالشُّرُوطِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا يَكُونُ لَهُ سَبَبٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَإِذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ إجْمَاعًا وَيَتَّضِحُ بِمَسَائِلَ مِنْهَا وُجُوبُ الظُّهْرِ سَبَبُهُ الزَّوَالُ فَإِذَا صَلَّيْت قَبْلَهُ لَمْ يُعْتَبَرْ ظُهْرًا وَمِنْهَا الشُّفْعَةُ سَبَبُهَا بَيْعُ الشَّرِيكِ فَإِذَا أَسْقَطَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ لَمْ يُعْتَبَرْ إسْقَاطُهَا وَمِنْهَا زَكَاةُ الْحَبِّ سَبَبُهَا يُبْسُ الْحَبِّ فَإِذَا أَخْرَجَهَا قَبْلَ نُضْجِ الْحَبِّ وَظُهُورِهِ لَا تُجْزِئُهُ الْقِسْمُ الثَّانِي مَا يَكُونُ لَهُ سَبَبَانِ أَوْ أَسْبَابٌ وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ الْحَالَةُ الْأُولَى أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى جَمِيعِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ كَالْجَلْدِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ الزِّنَا وَالْقَذْفُ وَالشُّرْبُ فَمَنْ جُلِدَ قَبْلَ مُلَابَسَةِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ جَلْدًا وَلَا زَجْرًا بِلَا خِلَافٍ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ فَيُعْتَبَرُ بِنَاءً عَلَى السَّبَبِ الْخَاصِّ وَلَا يُعْتَبَرُ فِقْدَانُ بَقِيَّةِ الْأَسْبَابِ كَجَلْدِ مَنْ لَابَسَ الزِّنَا وَلَمْ يُلَابِسْ الْقَذْفَ وَالشُّرْبَ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ جَلْدًا وَزَجَرَا لِأَنَّ شَأْنَ السَّبَبِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِثُبُوتِ مُسَبَّبِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ بِلَا خِلَافٍ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ سَبَبَيْهِ سَبَبًا لَهُ وَالثَّانِي سَبَبًا لِسَبَبِهِ فَيُعْتَبَرُ بَيْنَهُمَا لَا قَبْلَهُمَا إجْمَاعًا كَالْقِصَاصِ سَبَبُهُ زُهُوقُ الرُّوحِ وَسَبَبُ سَبَبِهِ إنْفَاذُ الْمُقَاتِلِ فَيُعْتَبَرُ بَيْنَهُمَا فَيَصِحُّ عَفْوُ مَنْفُوذِ الْمُقَاتِلِ عَنْهُ قَبْلَ زُهُوقِ رُوحِهِ وَيَتَعَذَّرُ بَعْدَهُ لِتَحَقُّقِ الْمَانِعِ مِنْ التَّصَرُّفِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْحَيَاةِ وَلَا يُعْتَبَرُ قَبْلَهُمَا الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ سَبَبَيْهِ سَبَبًا لَهُ

стр. 198

الْمَخُوفِ لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهُمْ أَوْ بَعْدَهُ اُعْتُبِرَ وَبَعْدَهُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ يَتَعَذَّرُ الْإِذْنُ بَلْ التَّنْفِيذُ خَاصَّةً لِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِهِمْ هُوَ الْقَرَابَةُ الْخَاصَّةُ عَلَى مَا هُوَ فِي كُتُبِ الْفَرَائِضِ بِشَرْطِ الْمَوْتِ وَالْمَرَضُ الْمَخُوفُ سَبَبُ الشَّرْطِ ظَاهِرًا فَصَارَ تَقَدُّمُهُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ كَتَقَدُّمِ السَّبَبِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَخَرَّجُ هَذِهِ الْمَسَائِلُ فَبَعْضُهَا يَكُونُ فِيهِ خِلَافٌ وَبَعْضُهَا لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ إمَّا لِلضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ إمْكَانِ جَرَيَانِ الْخِلَافِ. (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) إذَا أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ نَفَقَتَهَا عَلَى زَوْجِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ إسْقَاطٌ بَعْدَ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ النِّكَاحُ وَقَبْلَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ التَّمْكِينُ أَوْ يُقَالُ السَّبَبُ هُوَ التَّمْكِينُ خَاصَّةً وَمَا وُجِدَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عِنْدَ الْإِسْقَاطِ فِي الْحَالِ فَقَطْ أُسْقِطَتْ النَّفَقَةُ قَبْلَ سَبَبِهَا فَيَكُونُ كَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ بَيْعِ الشَّرِيكِ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ وَإِسْقَاطُ اعْتِبَارِ الْعِصْمَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَبَعْدَهُمَا يَتَعَذَّرُ الْإِذْنُ قُلْت إنْ أَرَادَ أَنَّ الْمَرَضَ الْمَخُوفَ سَبَبٌ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ وَالْمَوْتُ شَرْطٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمَرَضَ الْمَخُوفَ سَبَبُ السَّبَبِ فَصَحَّ مَا بَيْنَهُمَا لِتَعَذُّرِهِ بَعْدَهُمَا كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ (بَلْ التَّنْفِيذُ خَاصَّةً) قُلْت إنْ أَرَادَ بَلْ الَّذِي يَصِحُّ بَعْدَ الْمَوْتِ التَّنْفِيذُ خَاصَّةً فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَلَا أَدْرِي مَا أَرَادَ قَالَ (لِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِهِمْ هُوَ الْقَرَابَةُ الْخَاصَّةُ عَلَى مَا هُوَ فِي كُتُبِ الْفَرَائِضِ بِشَرْطِ الْمَوْتِ) قُلْت ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (وَالْمَرَضُ الْمَخُوفُ وَسَبَبُ الشَّرْطِ ظَاهِرٌ فَصَارَ تَقَدُّمُهُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ كَتَقَدُّمِ السَّبَبِ) هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ فِي النُّسْخَةِ الْوَاقِعَةِ بِيَدِي وَلَعَلَّهُ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ سَبَبُ الشَّرْطِ فَصَارَ تَقَدُّمُهُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ كَتَقَدُّمِ الشَّرْطِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَبَاقِي كَلَامِهِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) إذَا أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ نَفَقَتَهَا عَلَى زَوْجِهَا قَالَ أَصْحَابُنَا لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ قُلْت مَا قَالَهُ فِيهَا ظَاهِرٌ وَمَا اخْتَارَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ ظَاهِرٌ وَمَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالثَّانِي سَبَبًا لِشَرْطِ سَبَبِهِ فَيُعْتَبَرُ بَيْنَهُمَا لَا قَبْلَهُمَا كَمِلْكِ الْوَرَثَةِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ إذْنُهُمْ فِي التَّصَرُّفِ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ سَبَبُهُ الْقَرَابَةُ الْخَاصَّةُ عَلَى مَا هُوَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ بِشَرْطِ الْمَوْتِ وَسَبَبُ شَرْطِ سَبَبِهِ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ فَتَقَدُّمُهُ قَبْلَ التَّصَرُّفِ كَتَقَدُّمِ الشَّرْطِ فَيُعْتَبَرُ مِلْكُهُمْ بَيْنَهُمَا لَا قَبْلَهُمَا كَإِذْنِهِمْ فِي التَّصَرُّفِ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَبَعْدَهُمَا يَتَعَذَّرُ الْإِذْنُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ وَشَرْطٌ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ الْحَالَةُ الْأُولَى أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ إجْمَاعًا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَأَخَّرَ إيقَاعُهُ عَنْ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ فَيُعْتَبَرُ إجْمَاعًا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يُتَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا فَيَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي كَثِيرٍ مِنْ صُوَرِهِ فِي اعْتِبَارِهِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ وَيُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ أَرْبَعُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) كَفَّارَةُ الْيَمِينِ لَهَا سَبَبٌ وَشَرْطٌ فَالسَّبَبُ الْيَمِينُ وَالشَّرْطُ الْحِنْثُ فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُمَا إجْمَاعًا وَتُعْتَبَرُ بَعْدَهُمَا إجْمَاعًا وَفِي إجْزَائِهَا بَيْنَهُمَا وَعَدَمِ إجْزَائِهَا قَوْلَانِ وَسَيَأْتِي فِي الْجُزْءِ الثَّانِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ فَتَرَقَّبْ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وُجُوبُ الزَّكَاةِ لَهُ سَبَبٌ وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ وَشَرْطٌ وَهُوَ دَوَرَانُ الْحَوْلِ فَيُجْزِئُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ بَعْدَهُمَا إجْمَاعًا لَا قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ إجْمَاعًا فِي الْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَقَبْلَ دَوَرَانِ الْحَوْلِ قَوْلَانِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ نَفَقَتَهَا عَنْ زَوْجِهَا بَعْدَ سَبَبِهَا الَّذِي هُوَ النِّكَاحُ وَقَبْلَ شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ التَّمْكِينُ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهَا بَعْدَ الْإِسْقَاطِ لِأَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الطِّبَاعِ تَرْكُ النَّفَقَاتِ فَلَمْ يَعْتَبِرْ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْإِسْقَاطَ لُطْفًا بِالنِّسَاءِ لَا سِيَّمَا مَعَ ضَعْفِ عُقُولِهِنَّ وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ مَالِكٍ لَيْسَ لِمَنْ تَزَوَّجَتْ مَنْ تَعْلَمُ بِفَقْرِهِ طَلَبُ فِرَاقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ إسْقَاطًا قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ التَّمْكِينِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي هَذَا الْفَرْعِ قَدْ سَكَّنَتْ نَفْسَهَا سُكُونًا كُلِّيًّا فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا فَلَا مُطَالَبَةَ لَهَا لِفَرْطِ سُكُونِ النَّفْسِ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ مَالِكٌ لِلْمَرْأَةِ الرُّجُوعُ وَالْمُطَالَبَةُ فِي حَقِّهَا مِنْ الْقَسَمِ فِي الْوَطْءِ بَعْدَ إسْقَاطِهِ لِأَنَّ الطِّبَاعَ يَشُقُّ عَلَيْهَا الصَّبْرَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَزَوَّجَتْهُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا فَإِنَّهَا لَا مَقَالَ لَهَا لِتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى ذَلِكَ قُلْتُ وَبِالْجُمْلَةِ فُسِّرَ الْفَرْقُ هُوَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ قَبْلَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ وَأَمَّا الْقَوْلَانِ بِاعْتِبَارِهِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ بَعْدَ أَحَدِهِمَا وَقَبْلَ الْآخَرِ فَلِمُرَاعَاةِ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ الْمُتَأَخِّرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعَانِي الْفِعْلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعَانِي الْحُكْمِيَّةِ] (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعَانِي الْفِعْلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعَانِي الْحُكْمِيَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَعْنَى الْفِعْلِيَّ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَتَحَقُّقِهِ فِي زَمَانِ وُجُودِهِ دُونَ زَمَانِ عَدَمِهِ وَالْمَعْنَى الْحُكْمِيُّ عِبَارَةٌ عَنْ حُكْمِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ بَعْدَ عَدَمِهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَفِي حُكْمِ الْمَوْصُوفِ بِهِ دَائِمًا حَقٌّ يُلَابِسُ ضِدَّهُ وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ الْإِيمَانَ إذَا اسْتَحْضَرَهُ الْإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ فَهُوَ إيمَانٌ فِعْلِيٌّ فَإِذَا غَفَلَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَكَمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَلَهُ أَحْكَامُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَهُوَ إيمَانٌ حُكْمِيٌّ وَمِنْهَا الْكُفْرُ إذَا اسْتَحْضَرَهُ الْإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ فَهُوَ الْكُفْرُ الْفِعْلِيُّ فَإِذَا غَفَلَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَكَمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ وَلَهُ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ إبَاحَةِ الدَّمِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ الْكُفْرُ الْحُكْمِيُّ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه: ٧٤]

стр. 199

لَا يُتَّجَهُ فَإِنَّ التَّمْكِينَ بِدُونِ الْعِصْمَةِ مَوْجُودٌ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَا يُوجِبُ نَفَقَةً وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَى الطِّبَاعِ تَرْكُ النَّفَقَاتِ فَلَمْ يَعْتَبِرْ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْإِسْقَاطَ لُطْفًا بِالنِّسَاءِ لَا سِيَّمَا مَعَ ضَعْفِ عُقُولِهِنَّ وَعَلَى التَّعْلِيلَيْنِ يُشْكِلُ بِمَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ وَهِيَ تَعْلَمُ بِفَقْرِهِ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ لَهَا طَلَبُ فِرَاقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ التَّمْكِينِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ مَنْ تَعْلَمُ بِفَقْرِهِ فَقَدْ سَكَّنَتْ نَفْسَهَا سُكُونًا كُلِّيًّا فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا فَلَا مُطَالَبَةَ لَهَا لِفَرْطِ سُكُونِ النَّفْسِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) إذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ فِي الْوَطْءِ قَالَ مَالِكٌ لَهَا الرُّجُوعُ وَالْمُطَالَبَةُ لِأَنَّ الطِّبَاعَ يَشُقُّ عَلَيْهَا الصَّبْرُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَزَوَّجَتْهُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا فَإِنَّهَا لَا مَقَالَ لَهَا لِتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى ذَلِكَ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعَانِي الْفِعْلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعَانِي الْحُكْمِيَّةِ) وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ مَا مِنْ مَعْنَى مَأْمُورٍ بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ وَلَا مَنْهِيٍّ عَنْهُ إلَّا وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إلَى فِعْلِيٍّ وَحُكْمِيٍّ وَنَعْنِي بِالْفِعْلِيِّ وُجُودَهُ فِي زَمَانِ وُجُودِهِ وَتَحَقُّقَهُ دُونَ زَمَانِ عَدَمِهِ وَنَعْنِي بِالْحُكْمِيِّ حُكْمَ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى فَاعِلِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْوَصْفِ وَفِي حُكْمِ الْمَوْصُوفِ بِهِ دَائِمًا حَتَّى يُلَابِسَ ضِدَّهُ وَلِذَلِكَ مَثَّلَ أَحَدُهُمَا الْإِيمَانَ إذَا اسْتَحْضَرَهُ الْإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ فَهَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الْفِعْلِيُّ فَإِذَا غَفَلَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَكَمَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] عَالِمَةً بِفَقْرِهِ ظَاهِرٌ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ظَاهِرٌ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ شِهَابُ الدِّينِ (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعَانِي الْفِعْلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعَانِي الْحُكْمِيَّةِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ. غَيْرَ أَنَّهُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ مَنْ نَوَى الصَّلَاةَ فَإِنَّ نِيَّتَهُ تَتَضَمَّنُ إصْلَاحَهَا إنْ احْتَاجَتْ إلَيْهِ لَكِنِّي لَا أَذْكُرُهُ الْآنَ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالثَّلَاثِينَ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ كَافِرٌ الْكُفْرَ الْفِعْلِيَّ لِأَنَّ كُلَّ كَافِرٍ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ يَضْطَرُّ لِلْإِيمَانِ فَلَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْفِعْلِ وَالْإِيمَانُ الْفِعْلِيُّ يُنَافِي الْكُفْرَ الْفِعْلِيَّ فَهُوَ غَيْرُ كَافِرٍ بِالْفِعْلِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ الْإِيمَانُ وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ إذَا وَقَعَ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ وَالِاضْطِرَارِ إلَيْهِ وَمِنْهَا الْإِخْلَاصُ يَقَعُ مِنْ الْعَبْدِ فِي أَوَّلِ الْعِبَادَةِ فَيَكُونُ إخْلَاصًا فِعْلِيًّا فَإِذَا غَفَلَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَكَمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُخْلِصِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَانَ إخْلَاصًا حُكْمِيًّا حَتَّى يَخْطِرَ لَهُ الرِّيَاءُ وَهُوَ ضِدُّ الْإِخْلَاصِ فَيُنْفَى ذَلِكَ الْحُكْمُ كَمَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِالْإِيمَانِ بِسَبَبِ مُلَابَسَةِ الْكُفْرِ وَيَنْتَفِي الْحُكْمُ بِالْكُفْرِ بِسَبَبِ مُلَابَسَةِ الْإِيمَانِ وَمِنْهَا النِّيَّةُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةُ وَالصَّوْمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ إذَا حَصَلَتْ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ فَهِيَ النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ فَإِذَا غَفَلَ عَنْهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَحَكَمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِأَنَّهُ نَاوٍ وَلَهُ أَحْكَامُ النَّاوِينَ لِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْمَعَانِي الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنْ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَحُبِّ السُّمْعَةِ وَالْإِذْلَالِ وَقَصْدِ الْفَسَادِ وَإِرَادَةِ الْعِنَادِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْمَعَانِي الْمَأْمُورُ بِهَا مِنْ حُبِّ الْمُؤْمِنِينَ وَبُغْضِ الْكَافِرِينَ وَتَعْظِيمِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ وَقَصْدِ نَفْعِ الْإِخْوَانِ وَإِرَادَةِ الْبُعْدِ عَنْ حُرُمَاتِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ فَكُلُّ مَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ مَعْنًى مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي ثُمَّ غَفَلَ عَنْهَا كَانَ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَعْنَى حَتَّى يُلَابِسَ ضِدَّهُ وَكُلٌّ مِنْ الْمَعْنَى الْفِعْلِيِّ وَالْمَعْنَى الْحُكْمِيِّ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّهُمَا إنَّمَا يَتَنَاوَلَانِ الْعِبَادَاتِ الْعَادِيَاتِ دُونَ الطَّارِئَاتِ وَالتَّلْفِيقَاتِ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ جَدِيدَةٍ أَبَدًا لِعَدَمِهَا فِيهَا كَمَا سَيَتَّضِحُ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَتَيْنِ الْجِهَةُ الْأُولَى أَنَّ الْمَعْنَى الْحُكْمِيَّ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ عَدَمِ الْمَعْنَى الْفِعْلِيِّ وَقَبْلَ مُلَابَسَةِ ضِدِّهِ وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْمَعْنَى الْحُكْمِيَّ تَابِعٌ وَفَرْعٌ لِلْمَعْنَى الْفِعْلِيِّ (وَصْلٌ) فِي تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِخَمْسِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) عَدَمُ الْإِيمَانِ الْفِعْلِيِّ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا يَضُرُّ مِمَّنْ أُخْرِسَ لِسَانُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَذَهَبَ عَقْلُهُ فَلَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَا أَحْضَرَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَمَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مَاتَ مُؤْمِنًا وَعَدَمُ الْكُفْرِ الْفِعْلِيِّ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا يَنْفَعُ فَمَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَخْرَسَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ عَاجِزًا عَنْ الْكُفْرِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لَهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَحُكْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ حُكْمُ الَّذِينَ اسْتَحْضَرُوا الْكُفْرَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِالْفِعْلِ فَالْمُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كُفْرٍ وَإِيمَانٍ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا سَهَا عَنْ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَعَنْ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَنْضَافُ سُجُودُ الثَّانِيَةِ لِرُكُوعِ الْأُولَى إلَّا أَنْ يُجَدَّدَ قَصْدُ إضَافَتِهِ لِلْأُولَى عِنْدَ فِعْلِهِ لِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ النِّيَّةَ الْفِعْلِيَّةَ الْمُقَارِنَةَ لِأَوَّلِ الصَّلَاةِ إنَّمَا تَنَاوَلَتْ الْفِعْلَ الشَّرْعِيَّ لَا بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُرْقَعًا بَلْ بِوَصْفِ كَوْنِهِ عَلَى مَجَارِي الْعَادَةِ فِي الْأَكْثَرِ وَإِذَا لَمْ تَتَنَاوَلْ النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ الصَّلَاةَ الْمُرْقَعَةَ الْخَارِجَةَ عَنْ نَمَطِ الْعَادَةِ لَمْ تَتَنَاوَلْهَا النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ الَّتِي هِيَ فَرْعُ الْفِعْلِيَّةِ كَذَلِكَ فَبَقِيَتْ الْمُرْقَعَةُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ وَلَا حُكْمِيَّةٍ فَاحْتَاجَتْ إلَى نِيَّةٍ مُجَدِّدَةٍ لِلتَّرْقِيعِ الثَّانِي أَنَّ الْمُرْقَعَةَ الْمَتْرُوكَ رُكُوعُهَا وَسُجُودُهَا حَتَّى يَنْضَافَ إلَيْهَا سُجُودٌ مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ إجْمَاعًا وَغَيْرُ الْمَشْرُوعَةِ قُرْبَةً لَا يُنْوَى شَرْعًا فَلَيْسَ فِيهَا نِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ قَطْعًا وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِيهَا نِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ قَطْعًا فَإِنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا يَحْكُمُ بِاسْتِصْحَابِ

стр. 200

صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَلَهُ أَحْكَامُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَثَانِيهَا الْكُفْرُ إذَا اسْتَحْضَرَهُ الْإِنْسَانُ فِي قَلْبِهِ فَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ الْفِعْلِيُّ فَإِذَا غُفِلَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَكَمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ وَلَهُ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ إبَاحَةِ الدَّمِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه: ٧٤] فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ كَافِرٌ الْكُفْرَ الْفِعْلِيَّ لِأَنَّ كُلَّ كَافِرٍ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ يَضْطَرُّ لِلْإِيمَانِ فَلَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْفِعْلِ وَالْإِيمَانُ الْفِعْلِيُّ يُنَافِي الْكُفْرَ الْفِعْلِيَّ فَهُوَ غَيْرُ كَافِرٍ بِالْفِعْلِ، مُؤْمِنٌ بِالْفِعْلِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ الْإِيمَانُ وَإِنَّمَا يَنْفَعُهُ إذَا وَقَعَ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ وَالِاضْطِرَارِ إلَيْهِ وَثَالِثُهَا الْإِخْلَاصُ يَقَعُ مِنْ الْعَبْدِ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ فَهَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ الْفِعْلِيُّ فَإِذَا غَفَلَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَكَمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُخْلِصِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى يَخْطِرَ لَهُ الرِّيَاءُ وَهُوَ ضِدُّ الْإِخْلَاصِ فَيَنْتَفِي ذَلِكَ الْحُكْمُ كَمَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِالْإِيمَانِ بِسَبَبِ مُلَابَسَةِ الْكُفْرِ وَالْحُكْمُ بِالْكُفْرِ بِسَبَبِ مُلَابَسَةِ الْإِيمَانِ وَرَابِعُهَا النِّيَّةُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ تَحْصُلُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ فَهَذِهِ هِيَ النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ فَإِذَا غَفَلَ عَنْهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ حَكَمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِأَنَّهُ نَاوٍ وَلَهُ أَحْكَامُ النَّاوِينَ لِتِلْكَ الْعِبَادَاتِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْمَعَانِي الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَالْمَأْمُورِ بِهَا مِنْ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَحُبِّ السُّمْعَةِ وَالْإِذْلَالِ وَقَصْدِ الْفَسَادِ وَإِرَادَةِ الْعِنَادِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَنْهِيَّاتِ وَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ وَبُغْضِ الْكَافِرِينَ وَتَعْظِيمِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَقَصْدِ نَفْعِ الْإِخْوَانِ وَإِرَادَةِ الْبُعْدِ عَنْ حُرُمَاتِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ فَكُلُّ مَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ مَعْنًى مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي ثُمَّ غَفَلَ عَنْهَا كَانَ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَعْنَى حَتَّى يُلَابِسَ ضِدَّهُ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ فِي هَذِهِ الْفُرُوقِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَالْحُكْمِيَّاتُ أَبَدًا فِي هَذَا الْبَابِ فَرْعُ الْفِعْلِيَّاتِ. وَهَاهُنَا خَمْسُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) مَنْ خَرِسَ لِسَانُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَذَهَبَ عَقْلُهُ فَلَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَا أَحْضَرَ الْإِيمَانَ بِقَلْبِهِ وَمَاتَ عَلَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّيَّةِ فَإِذَا لَمْ تَتَقَدَّمْ نِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِاسْتِصْحَابِهَا قَطْعًا فَهَذِهِ الْمُرْقَعَةُ خَالِيَةٌ مِنْ النِّيَّةِ قَطْعًا فَتَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلصَّلَاةِ مِنْ النِّيَّةِ إجْمَاعًا (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَامَ إلَى رَكْعَةٍ خَامِسَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا نِيَّةً بِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ الْأُولَى لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ أَوْ حُكْمِيَّةٍ وَهَذِهِ الرَّكْعَةُ الْخَامِسَةُ تَرْقِيعٌ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى لَا رَكْعَةٌ عَادِيَةٌ مُرَتَّبَةٌ فَلَا تَتَنَاوَلُهَا النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَوَّلَ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمِيَّةُ لِأَنَّهَا فَرْعُ الْفِعْلِيَّةِ وَمَتَى عَرِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ النِّيَّةِ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ مَا لَمْ تُسْتَدْرَكْ بِالنِّيَّةِ عَنْ قُرْبٍ فَافْهَمْ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) السَّبَبُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ﵁ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ بَقِيَتْ رِجْلَاهُ مِنْ وُضُوئِهِ فَخَاضَ بِهِمَا نَهْرًا فَدَلَّكَهُمَا فِيهِ بِيَدَيْهِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِمَا تَمَامَ وُضُوءُهُ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَنْوِيَهُ اهـ هُوَ أَنَّ النِّيَّةَ الْفِعْلِيَّةَ الْأُولَى لَمْ تَتَنَاوَلْ إلَّا الْوُضُوءَ الْعَادِيَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ أَوْ الْوُضُوءِ لَا يَقْدَمُ عَلَى تَرْقِيعِ صَلَاتِهِ وَلَا تَرْقِيعِ وُضُوئِهِ بَلْ إنَّمَا يَقْصِدُ الْعِبَادَةَ الَّتِي لَا تَرْقِيعَ فِيهَا فَالْمُرَقَّعَةُ وَكَذَا الْمُفَرَّقَةُ لَمْ تَتَنَاوَلْهَا النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ فَكَذَلِكَ الْحُكْمِيَّةُ الَّتِي هِيَ فَرْعُ الْفِعْلِيَّةِ فَبَقِيَ جُزْءُ الْعِبَادَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مُطْلَقًا فَتَبْطُلُ الْعِبَادَةُ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ أَجْزَائِهَا فِعْلِيَّةٍ أَوْ حُكْمِيَّةٍ فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةُ احْتَاجَ التَّرْقِيعُ أَبَدًا إلَى النِّيَّةِ الْفِعْلِيَّةِ تُجَدَّدُ لَهُ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ لِرَفْضِ النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَاتِ نَظَرًا لِكَوْنِ النِّيَّةِ الَّتِي حَصَلَ بِهَا الرَّفْضُ وَإِنْ كَانَتْ تُضَادُّ الْفِعْلِيَّةَ الْكَائِنَةَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْفِعْلِ يُضَادُّ الْعَزْمَ عَلَى تَرْكِهِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تُقَارِنْهَا وَتَأْثِيرُهُ نَظَرًا لِكَوْنِ النِّيَّةِ الَّتِي حَصَلَ بِهَا الرَّفْضُ وَهِيَ الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ وَإِنْ لَمْ تُقَارِنْ النِّيَّةَ الْفِعْلِيَّةَ الْمُضَادَّةَ لَهَا إلَّا أَنَّهَا قَارَنَتْ الْحُكْمِيَّةَ الَّتِي هِيَ فَرْعُهَا وَمَا ضَادَّ الْأَصْلَ يُضَادُّ الْفَرْعَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَافْهَمْ كَذَا فِي الْأَصْلِ قَالَ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي كُلٍّ مِنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ بَلْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْأُمْنِيَةِ فِي إدْرَاكِ النِّيَّةِ وَأَنَّهُ جَارٍ فِي الرَّفْضِ قَبْلَ كَمَالِ الْعِبَادَةِ وَبَعْدَ كَمَالِهَا وَنَقَلَهُ عَنْ الْعَبْدِيِّ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ التَّوْضِيحِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَفِي تَأْثِيرِ رَفْضِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ رِوَايَتَانِ اهـ هَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ عَنْ الْعَبْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْمَشْهُورُ فِي الْوُضُوءِ وَالْحَجِّ عَدَمُ الرَّفْضِ عَكْسَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ قَالَ رَفْضُ النِّيَّةِ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ لَا سِيَّمَا بَعْدَ كَمَالِ الْعِبَادَةِ كَمَا نَقَلَهُ الْعَبْدِيُّ فَذَكَرَ الْكَلَامَ السَّابِقَ ثُمَّ قَالَ وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ مُحَالٌ اهـ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوُضُوءِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوُضُوءُ مَعْقُولَ الْمَعْنَى بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَمْ تُوجِبْ فِيهِ النِّيَّةَ وَالْحَجَّ مُحْتَوٍ عَلَى أَعْمَالٍ مَالِيَّةٍ وَبَدَنِيَّةٍ لَمْ يَتَأَكَّدْ طَلَبُ النِّيَّةِ فِيهِمَا فَرَفْضُ النِّيَّةِ فِيهِمَا رَفْضٌ لِمَا هُوَ غَيْرُ مُتَأَكِّدٍ. وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الرَّفْضِ وَلِأَنَّ الْحَجَّ لَمَّا كَانَ عِبَادَةً شَاقَّةً وَيَتَمَادَى فِي فَاسِدِهِ نَاسَبَ أَنْ يُقَالَ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ الرَّفْضِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ عَلَى تَقْدِيرِ رَفْضِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيته مِنْ الشُّيُوخِ يُنْكِرُ إطْلَاقَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَيَقُولُ إنَّ الْعِبَادَةَ الْمُشْتَرَطَ فِيهَا النِّيَّةُ

стр. 201

تِلْكَ الْحَالَةِ مَاتَ مُؤْمِنًا وَلَا يَضُرُّهُ عَدَمُ الْإِيمَانِ الْفِعْلِيِّ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَخْرَسَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ عَاجِزًا عَنْ الْكُفْرِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لَهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَحُكْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ حُكْمُ الَّذِينَ اسْتَحْضَرُوا الْكُفْرَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْفِعْلِ فَالْمُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كُفْرٍ وَإِيمَانٍ وَلَا يَضُرُّ الْعَدَمُ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ الْمَوْتِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا سَهَا عَنْ السُّجُودِ فِي الْأُولَى وَالرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ لَا يَنْضَافُ سُجُودُ الثَّانِيَةِ لِرُكُوعِ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهِ إضَافَتَهُ لِلْأُولَى وَلَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ الْمُقَارِنَةُ لِأَوَّلِ الصَّلَاةِ بِسَبَبِ أَنَّ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ هِيَ فَرْعُ الْفِعْلِيَّةِ عَلَى حَسْبِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَالنِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ الْأُولَى إنَّمَا تَنَاوَلَتْ الْفِعْلَ الشَّرْعِيَّ لَا بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُرَقَّعًا بَلْ عَلَى مَجَارِي الْعَادَةِ فِي الْأَكْثَرِ فَهَذِهِ الصَّلَاةُ الْمُرْقَعَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ نَمَطِ الْعَادَةِ لَا تَتَنَاوَلُهَا النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ لِأَنَّهَا فَرْعُ الْفِعْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةُ لَمْ تَتَنَاوَلْهَا فَكَذَلِكَ الْحُكْمِيَّةُ الَّتِي هِيَ فَرْعُ الْفِعْلِيَّةِ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الصَّلَاةَ الْمُرَتَّبَةَ الْعَادِيَّةَ لَا الصَّلَاةَ الْمُرْقَعَةَ فَبَقِيَتْ الْمُرْقَعَةُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ وَلَا حُكْمِيَّةٍ فَاحْتَاجَتْ إلَى نِيَّةٍ مُجَدِّدَةٍ لِلتَّرْقِيعِ وَلِأَنَّ الْمُرْقَعَةَ الْمَتْرُوكَ رُكُوعُهَا وَسُجُودُهَا حَتَّى يَنْضَافَ إلَيْهَا سُجُودٌ مِنْ رَكْعَةٍ أُخْرَى غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ إجْمَاعًا وَغَيْرُ الْمَشْرُوعِ قُرْبَةٌ لَا يُنْوَى شَرْعًا فَلَيْسَ فِيهَا نِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ قَطْعًا وَلَيْسَ لَهَا نِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ قَطْعًا فَإِنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا يَحْكُمُ بِاسْتِصْحَابِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّيَّةِ فَإِذَا لَمْ تَتَقَدَّمْ نِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِاسْتِصْحَابِهَا قَطْعًا فَهَذِهِ الْمُرْقَعَةُ خَالِيَةٌ مِنْ النِّيَّةِ قَطْعًا فَتَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلصَّلَاةِ مِنْ النِّيَّةِ إجْمَاعًا فَهَذَا تَقْرِيرٌ ظَاهِرٌ قَطْعِيٌّ فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأُمُورِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي يَذْكُرُهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَقُومُ إلَى رَكْعَةٍ خَامِسَةٍ يَجْعَلُهَا عِوَضَ الْأُولَى وَلَا بُدَّ لِهَذِهِ الرَّكْعَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ نِيَّةٍ مُجَدَّدَةٍ بِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ الْأُولَى وَإِلَّا فَلَا تَكُونُ عِوَضًا عَنْ الْأُولَى بِالنِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوَّلَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَنَاوَلْ إلَّا الصَّلَاةَ الْعَادِيَّةَ أَمَّا الْمُرَقَّعَاتُ فَلَا وَكَذَلِكَ الْحُكْمِيَّةُ الَّتِي هِيَ فَرْعُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ جَدِيدَةٍ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إمَّا أَنْ تَنْقَضِيَ حِسًّا وَحُكْمًا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِمَا أَوْ لَا تَنْقَضِي حِسًّا وَحُكْمًا كَمَا فِي حَالِ التَّلَبُّسِ بِهَا أَوْ تَنْقَضِي حِسًّا دُونَ الْحُكْمِ كَالْوُضُوءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ فَإِنَّهُ وَإِنْ انْقَضَى حِسًّا لَكِنَّ حُكْمَهُ وَهُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ بَاقٍ فَالْأَوَّلُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ تَأْثِيرِ الرَّفْضِ فِيهِ وَالثَّانِي لَا خِلَافَ فِي تَأْثِيرِهِ فِيهِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ هُوَ الثَّالِثُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ لَوْ سَاعَدَتْ الْأَنْقَالُ اهـ وَقَدْ نَصَّ صَاحِبُ النُّكَتِ فِي بَابِ الصَّوْمِ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّهُ نُصَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَفَضَ الْوُضُوءَ وَهُوَ لَمْ يُكْمِلْهُ أَنَّ رَفْضَهُ لَا يُؤَثِّرُ إذَا أَكْمَلَ وُضُوءَهُ بِالْقُرْبِ قَالَ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ إذَا رُفِضَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ قَالَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي حَيِّزِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ نَوَى الرَّفْضَ وَفَعَلَهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِ فَهَذَا رَفْضٌ يُعَدُّ كَالتَّارِكِ لِذَلِكَ اهـ مِنْهُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ قُلْت وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ سَوَاءٌ كَانَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا أَوْ بِإِطْلَاقٍ لَا يُرْتَفَضُ وَرَفْضُهُ فِي أَثْنَائِهِ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَلْ قَالَ سَنَدٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مَذْهَبُ الْكَافَّةِ أَنَّهُ لَا يُرْفَضُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ إحْرَامِهِ وَقَالَ دَاوُد يُرْتَفَضُ إحْرَامُهُ وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَنْعَدِمُ بِمَا يُضَادُّهُ حَتَّى لَوْ وَطِئَ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ وَغَايَةُ رَفْضِ الْعِبَادَةِ أَنْ يُضَادَّهَا فِيمَا لَا يَنْتَفِي مَعَ مَا يُفْسِدُهُ لَا يَنْتَفِي مَعَ مَا يُضَادُّهُ. اهـ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إذَا رَفَضَ إحْرَامَهُ لِغَيْرِ شَيْءٍ فَهُوَ بَاقٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْأَئِمَّةِ خِلَافًا لِدَاوُدَ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرُهُمَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَإِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ الرَّفْضُ وَهُوَ فِي أَثْنَائِهِ فَأَحْرَى بَعْدَ كَمَالِهِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ فَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَقَعَ الرَّفْضُ فِي أَثْنَائِهِمَا أَوْ بَعْدَ كَمَالِهِمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَفِي وُجُوبِ إعَادَتِهَا لِرَفْضِهَا بَعْدَ تَمَامِهَا نَقْلًا عَنْ اللَّخْمِيِّ اهـ وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الرَّفْضُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْبُطْلَانُ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ النُّكَتِ وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الرَّفْضُ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ وَكَمَّلَهُ بِالْقُرْبِ فَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ فِي نُكَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ اعْتَمَدَهُ هُنَا أَيْ فِي الْمُخْتَصَرِ حَيْثُ قَالَ فِي فَصْلِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَرَفْضُهَا مُغْتَفَرٌ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ وَكَلَامُ صَاحِبِ الطِّرَازِ وَابْنِ الْجَمَاعَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُرْتَفَضُ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الرَّفْضُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعِبَادَةِ فَنَقَلَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ التَّأْثِيرِ عِنْدِي أَصَحُّ لِأَنَّ الرَّفْضَ يَرْجِعُ إلَى التَّقْدِيرِ لِأَنَّ الْوَاقِعَ يَسْتَحِيلُ رَفْضُهُ وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَلِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْفَرَاغِ مِنْ الْفِعْلِ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِهِ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ التَّكْلِيفَ يَرْجِعُ بَعْدَ سُقُوطِهِ لِأَجْلِ الرَّفْضِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ اهـ وَفِي كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ فِي بَابِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعِبَادَةَ كُلَّهَا الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْإِحْرَامَ لَا يُرْتَفَضُ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ كَمَالِهِ وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ التُّونُسِيُّ وَرَفْضُ الْوُضُوءِ إنْ كَانَ بَعْدَ تَمَامِهِ لَا يُرْتَفَضُ وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ. اهـ. وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْغُسْلِ وَاخْتُلِفَ إذَا رَفَضَ النِّيَّةَ بَعْدَ الْوُضُوءِ عَلَى قَوْلَيْنِ لِمَالِكٍ وَالْفَتْوَى بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ مَا حَصَلَ اسْتَحَالَ رَفْعُهُ اهـ وَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ فِي كِتَابِ الْأُمْنِيَةِ أَيْ وَكَذَا فِي الْفُرُوقِ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الرَّفْضَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ يُؤَثِّرُ وَلَوْ بَعْدَ

стр. 202

مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ أَوْ حُكْمِيَّةٍ فَمَتَى عَرَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ عَنْهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ مَا لَمْ تُسْتَدْرَكْ بِالنِّيَّةِ عَنْ قُرْبٍ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ مَالِكٌ ﵁ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ بَقِيَتْ رِجْلَاهُ مِنْ وُضُوئِهِ فَخَاضَ بِهِمَا نَهْرًا فَدَلَّكَهُمَا فِيهِ بِيَدَيْهِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِمَا تَمَامَ وُضُوئِهِ لَمْ يَجْزِهِ حَتَّى يَنْوِيَهُ قُلْت وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ الْفِعْلِيَّةَ لَمْ تَتَنَاوَلْ إلَّا الْوُضُوءَ الْعَادِيَّ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ أَوْ الْوُضُوءِ لَا يُقْدِمُ عَلَى تَرْقِيعِ الصَّلَاةِ وَلَا تَرْقِيعِ وُضُوئِهِ بَلْ إنَّمَا يَقْصِدُ الْعِبَادَةَ الَّتِي لَا تَرْقِيعَ فِيهَا فَالْمُرَقَّعَةُ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا لَا النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ وَلَا الْحُكْمِيَّةُ الَّتِي هِيَ فَرْعُ الْفِعْلِيَّةِ فَلَا تَتَنَاوَلُ الْمُرَقَّعَةَ وَلَا الْمُفَرَّقَةَ فَبَقِيَ جُزْءُ الْعِبَادَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مُطْلَقًا فَتَبْطُلُ الْعِبَادَةُ لِعَدَمِ شَرْطِهَا فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ احْتَاجَ التَّرْقِيعُ أَبَدًا إلَى النِّيَّةِ الْفِعْلِيَّةِ تُجَدَّدُ لَهُ فَمَتَى وَقَعَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ تُجَدَّدُ لَهُ بَقِيَ جُزْءُ الْعِبَادَةِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَتَبْطُلُ الْعِبَادَةُ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ أَجْزَائِهَا فِعْلِيَّةٍ أَوْ حُكْمِيَّةٍ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) رَفْضُ النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَاتِ فِيهِ قَوْلَانِ هَلْ يُؤَثِّرُ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ التَّأْثِيرِ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ قُلْنَا يُؤَثِّرُ فَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ الَّتِي حَصَلَ بِهَا الرَّفْضُ وَهِيَ الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ لَوْ قَارَنَتْ النِّيَّةَ الْفِعْلِيَّةَ الْكَائِنَةَ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ لَضَادَدَتْهَا وَنَافَتْهَا فَإِنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِهِ مُتَضَادَّانِ وَمَا ضَادَّ الْفِعْلِيَّةَ ضَادَّ الْحُكْمِيَّةَ الَّتِي هِيَ فَرْعُهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَظَهَرَ بِهَذِهِ الْفُرُوعِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعَانِي الْفِعْلِيَّةِ وَالْحُكْمِيَّةِ وَأَنَّ الْحُكْمِيَّاتِ أَبَدًا تَابِعَةٌ فُرُوعَ الْفِعْلِيَّاتِ وَأَنَّ الْفِعْلِيَّاتِ وَالْحُكْمِيَّاتِ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ الْعِبَادَاتِ الْعَادِيَّاتِ دُونَ الطَّارِئَاتِ وَأَنَّ التَّلَفِيَّاتِ تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ جَدِيدَةٍ أَبَدًا لِعَدَمِهَا فِيهَا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. . (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْفِعْلِيَّةِ وَقَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ) فَالْأَسْبَابُ الْفِعْلِيَّةُ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالِاصْطِيَادِ وَالْأَسْبَابُ الْقَوْلِيَّةُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْقِرَاضِ وَمَا هُوَ فِي الشَّرْعِ مِنْ الْأَقْوَالِ سَبَبُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَافْتَرَقَتْ هَاتَانِ الْقَاعِدَتَانِ مِنْ وُجُوهٍ تَظْهَرُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْكَمَالِ وَلَكِنَّهُ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي إبْطَالَ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ وَبَحَثَ فِيهِ وَأَطَالَ وَقَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ إنَّهُ سُؤَالٌ حَسَنٌ لَمْ أَجِدْ مَا يَقْتَضِي انْدِفَاعَهُ فَالْأَحْسَنُ الِاعْتِرَافُ بِذَلِكَ وَقَوْلُ ابْنِ نَاجِي فِي تَرْجَمَةِ مَا لَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ رَفْضُ الطَّهَارَةِ يَنْقُضُهَا فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مَنْ تَصَنَّعَ لِنَوْمٍ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَإِنْ لَمْ يَنَمْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَفْضَ الْوُضُوءِ يَصِحُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُخَالِفُ فِي هَذَا وَيَقُولُ هُوَ كَالْحَجِّ لَا يَصِحُّ رَفْضُهُ وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَصَحَّ رَفْضُهَا كَالصَّلَاةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ طَهَارَةٌ فَلَمْ تَبْطُلْ بِالرَّفْضِ كَالطَّهَارَةِ الْكُبْرَى اهـ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْغُسْلَ لَا يُرْتَفَضُ بِلَا خِلَافٍ اهـ كَلَامُ الْحَطَّابِ بِتَصَرُّفٍ وَمُحَصِّلُهُ مَعَ زِيَادَةِ بَيَانِ مَا فِي رَفْضِ التَّيَمُّمِ وَالِاعْتِكَافِ قَوْلُ الْأَمِيرِ فِي الْمَجْمُوعِ وَشَرْحِهِ (وَارْتُفِضَ وُضُوءٌ وَغُسْلٌ فِي الْأَثْنَاءِ) عَلَى الرَّاجِحِ (فَقَطْ) وَيُغْتَفَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْأَصْلُ (كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ) فِي الْأَثْنَاءِ اتِّفَاقًا. (وَقِيلَ) وَرَجَحَ أَيْضًا يُرْتَفَضُ (هَذَانِ مُطْلَقًا) وَلَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ (وَلَا يُرْتَفَضُ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ مُطْلَقًا) لِمَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ وَلَا يُقَالُ يَأْتَنِفُ إحْرَامًا صَحِيحًا وَيَتْرُكُ مَا رَفَضَهُ لِأَنَّ فَاسِدَهُمَا يَجِبُ إتْمَامُهُ وَقَضَاؤُهُ (وَالتَّيَمُّمُ) وَإِنْ كَانَ طَهَارَةً ضَعِيفَةً (وَالِاعْتِكَافُ) وَإِنْ احْتَوَى عَلَى الصَّوْمِ (كَالْوُضُوءِ عَلَى الظَّاهِرِ) وَيُحْتَمَلُ رَفْضُ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا وَجَرَيَانُ الثَّانِي عَلَى الصَّوْمِ اهـ بِزِيَادَةٍ مِنْ ضَوْءِ الشُّمُوعِ وَالسَّعْيُ وَالطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ فِيمَا ذُكِرَ كَمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَنْسَكِ الْوَالِدِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَقَائِقُ عَشْرَةٌ وُضُوءٌ وَغُسْلٌ وَتَيَمُّمٌ وَاعْتِكَافٌ وَصَلَاةٌ وَصَوْمٌ وَحَجٌّ وَعُمْرَةٌ وَطَوَافٌ وَسَعْيٌ وَلَا خِلَافَ فِي رَفْضِ مَا عَدَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَالْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ وَالِاعْتِكَافَ فِي الْأَثْنَاءِ وَلَا فِي عَدَمِ رَفْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا وَلَا فِي عَدَمِ رَفْضِ الْغُسْلِ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي رَفْضِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بَعْدَ الْفَرَاغِ وَفِي رَفْضِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْأَثْنَاءِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمُوَافَقَاتِ أَثْنَاءَ الْمَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ الْأَسْبَابِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ الْأَحْكَامِ مَا تَوْضِيحُهُ. وَالْحَقُّ صِحَّةُ الرَّفْضِ فِي أَثْنَاءِ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ لَا بَعْدَ كَمَالِهَا عَلَى شُرُوطِهَا لِأَنَّ مَعْنَاهَا فِي الْأَثْنَاءِ أَنَّهُ كَانَ قَاصِدًا بِالْعِبَادَةِ امْتِثَالَ الْأَمْرِ ثُمَّ أَتَمَّهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ بَلْ بِنِيَّةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ بِعِبَادَتِهِ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا كَالْمُتَطَهِّرِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ ثُمَّ يَنْسَخُ تِلْكَ النِّيَّةَ بِنِيَّتِهِ التَّبَرُّدَ أَوْ التَّنَظُّفَ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْبَدَنِيَّةِ وَمَعْنَاهُ بَعْدَ كَمَالِهَا عَلَى شُرُوطِهَا قَصْدُهُ أَنْ لَا تَكُونَ عِبَادَةً وَلَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا حُكْمُهَا مِنْ إجْزَاءٍ أَوْ اسْتِبَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهَا بَلْ هِيَ عَلَى حُكْمِهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَصْدُ وَخِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي رَفْضِ الْوُضُوءِ وَكَذَا التَّيَمُّمُ بَعْدَ الْكَمَالِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ هُنَا لَهَا وَجْهَانِ فِي النَّظَرِ فَمَنْ نَظَرَ إلَى فِعْلِهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي قَالَ إنَّ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ بِهَا لَازِمٌ وَمُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ إلَّا بِنَاقِضٍ طَارِئٍ وَمَنْ نَظَرَ إلَى حُكْمِهِمَا أَعْنِي حُكْمَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مُسْتَصْحِبًا إلَى أَنْ يُصَلِّيَ وَذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ الْأُولَى الْمُقَارِنَةِ لِلطَّهَارَةِ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِنِيَّةِ الرَّفْضِ الْمُنَافِيَةِ لَهَا فَلَا يَصِحُّ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ الْآتِيَةِ بِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ كَالرَّفْضِ الْمُقَارِنِ لِلْفِعْلِ وَمَا قَارَنَ الْفِعْلَ مُؤَثِّرٌ فَكَذَلِكَ مَا شَابَهَهُ فَلَوْ انْتَفَتْ

стр. 203

بِذِكْرِ مَسَائِلِهَا وَلْنَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْأَسْبَابُ الْفِعْلِيَّةُ تَصِحُّ مِنْ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ دُونَ الْقَوْلِيَّةِ فَلَوْ صَادَ مَالِكُ الصَّيْدِ أَوْ احْتَشَّ مَالِكُ الْحَشِيشِ أَوْ احْتَطَبَ مَالِكُ الْحَطَبِ أَوْ اسْتَقَى مَاءَ مِلْكِهِ وَتَرَتَّبَ لَهُ الْمِلْكُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى أَوْ قَبِلَ الْهِبَةَ أَوْ الصَّدَقَةَ أَوْ قَارَضَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ لَا يَتَرَتَّبُ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ بِسَبَبِ أَنَّ الْأَسْبَابَ الْفِعْلِيَّةَ غَالِبُهَا خَيْرٌ مَحْضٌ مِنْ غَيْرِ خَسَارَةٍ وَلَا غَبْنٍ وَلَا ضَرَرٍ فَلَا أَثَرَ لِسَفَهِهِ فِيهَا فَجَعَلَهَا الشَّرْعُ مُعْتَبَرَةً فِي حَقِّهِ تَحْصِيلًا لِلْمَصَالِحِ بِتِلْكَ الْأَسْبَابِ فَإِنَّهَا لَا تَقَعُ إلَّا نَافِعَةً مُفِيدَةً غَالِبًا وَأَمَّا الْقَوْلِيَّةُ فَإِنَّهَا مَوْضِعُ الْمُمَاكَسَةِ وَالْمُغَابَنَةِ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ آخَرَ يُنَازِعُهُ وَيُجَاذِبُهُ إلَى الْغَبْنِ، وَضَعْفُ عَقْلِهِ فِي ذَلِكَ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْهُ ضَيَاعُ مَصْلَحَتِهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَعْتَبِرْهَا الشَّرْعُ مِنْهُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَصْلَحَتِهَا بِخِلَافِ الْفِعْلِيَّةِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَوْ وَطِئَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ أَمَتَهُ صَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ وَهُوَ سَبَبٌ فِعْلِيٌّ يَقْتَضِي الْعِتْقَ وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ مَعَ عُلُوِّ مَنْزِلَةِ الْعِتْقِ عِنْدَ صَاحِبِ الشَّرْعِ لَا سِيَّمَا الْمُنَجَّزُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا السَّبَبِ الْفِعْلِيِّ وَهَذَا السَّبَبِ الْقَوْلِيِّ أَنَّ نَفْسَهُ تَدْعُوهُ إلَى وَطْءِ أَمَتِهِ فَلَوْ مَنَعْنَاهُ مِنْهَا لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى وُقُوعِهِ فِي الزِّنَى وَيَطَؤُهَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ فَيَقَعُ فِي عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا دَاعِيَةَ تَدْعُوهُ لِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ مِنْ جِهَةِ الطَّبْعِ فَإِذَا قُلْنَا لَهُ لَيْسَ لَك ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَحْذُورٌ وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْوَطْءَ وَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِاسْتِحْقَاقِ الْأَمَةِ الْعِتْقَ عِنْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا لِأَنَّ الْوَطْءَ سَبَبٌ تَامٌّ لِلْعِتْقِ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَقَدْ أَبَحْنَا لَهُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ وَالسَّبَبُ التَّامُّ إذَا أُذِنَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُسَبِّبُهُ لِأَنَّ وُجُودَ السَّبَبِ الْمَأْذُونِ فِيهِ دُونَ الْمُسَبِّبِ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ وَالسَّبَبُ الْقَوْلِيُّ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ فَكَانَ كَالْمَعْدُومِ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا وَالسَّبَبُ الْمَعْدُومُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ الْأَسْبَابُ الْفِعْلِيَّةُ أَقْوَى أَوْ الْقَوْلِيَّةُ أَقْوَى فَقِيلَ الْفِعْلِيَّةُ أَقْوَى لِنُفُوذِهَا مِنْ الْمَحْجُورِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمُشَابَهَةُ بِأَنْ رَفَضَ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ بَعْدَمَا أَدَّى بِهَا الصَّلَاةَ وَتَمَّ حُكْمُهَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَفَضَ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ أَتَى بِهَا عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ فَإِنْ قَالَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الرَّفْضِ فِي مِثْلِ هَذَا فَالْقَاعِدَةُ ظَاهِرَةٌ فِي خِلَافِ مَا قَالَ. اهـ. قُلْت وَلَمَّا لَمْ يَجْرِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي الْغُسْلِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ لُزُومَ الْوُضُوءِ لَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ فَقَطْ لِأَنَّ اللُّزُومَ بَيْنَهُمَا مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ طَرَءَانِ النَّاقِضِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ جَزَمَ الْفُقَهَاءُ بِعَدَمِ رَفْضِهِ بَعْدَ كَمَالِهِ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ لَمَّا لَمْ يَجْرِ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ كَمَا لَا يَخْفَى قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ الصَّفْتِيُّ الظَّاهِرُ رَفْضُهُ فِي الْأَثْنَاءِ لَا بَعْدَ الْكَمَالِ وَقَدْ اسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِ الرَّفْضِ فِيهِمَا مُطْلَقًا لِمَا مَرَّ عَنْ الْأَمِيرِ مِنْ مَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ مَعَ وُجُوبِ إتْمَامِ فَاسِدِهِمَا وَقَضَائِهِ فَافْهَمْ قَالَ عبق وَالرَّفْضُ لُغَةً التَّرْكُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا تَقْدِيرُ مَا وُجِدَ مِنْ الْعِبَادَةِ كَالْعَدَمِ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وَضَوْءِ الشُّمُوعِ وَاسْتَظْهَرَ شب جَوَازَ الرَّفْضِ كَالنَّقْضِ وَلَعَلَّ أَقَلَّهُ الْكَرَاهَةُ فَإِنَّ شَأْنَ النَّقْضِ الْحَاجَةُ وَفِي الْمُحَشِّيِّ حُمِلَ ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] عَلَى الْمَقَاصِدِ وَظَاهِرُهُ عُمُومُ الْمَقَاصِدِ الَّتِي هِيَ السَّبْعَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ فِيمَا يَجِبُ مِنْ النَّوَافِلِ بِالشُّرُوعِ صَلَاةٌ وَصَوْمٌ ثُمَّ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ ... طَوَافٌ عُكُوفٌ وَائْتِمَانٌ تَحَتُّمًا وَفِي غَيْرِهَا كَالطُّهْرِ وَالْوَقْفِ خُيِّرْنَ ... فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ وَمَنْ شَاءَ تَمَّمَا قُلْت أَوْ عَلَى مَا يَعُمُّ الْوَسَائِلَ مَعَ رَفْعِ الْمَقَاصِدِ بِغَيْرِ هَذَا كَالرِّيَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ فَجَعَلُوهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] ثُمَّ إنَّ الرَّفْضَ الْمُضِرَّ الْإِفْسَادُ الْمُطْلَقُ أَمَّا إنْ أَرَادَ حَدَثًا أَثْنَاءَ الْوُضُوءِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَرَفْعِ نِيَّةِ الصَّائِمِ لِأَكْلِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَجِدْهُ وَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَزَمَ عَلَى إفْسَادٍ لَمْ يَحْصُلْ لَا إفْسَادٍ بِالْفِعْلِ اهـ كَلَامُ الْأَمِيرِ قُلْت. وَهَذَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي كَلَامِ الْحَطَّابِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ مَنْ تَصَنَّعَ لِنَوْمٍ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَإِنْ لَمْ يَنَمْ نَعَمْ فِي شَرْحِ الْمَوَّاقِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ وَضَعَّفَ الْمَازِرِيُّ وَاللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَوْلَ مَالِكٍ مَنْ تَصَنَّعَ لِنَوْمٍ فَلَمْ يَنَمْ تَوَضَّأَ قَالَ اللَّخْمِيُّ عَلَى هَذَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْوَطْءَ فَكَفُّ ابْنُ عَرَفَةَ يُشَبِّهُ إرَادَةَ الْفِطْرِ أَثْنَاءَ الصَّوْمِ الرَّفْضَ أَثْنَاءَ الْوُضُوءِ لَا بَعْدَهُ اهـ بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْفِعْلِيَّةِ وَقَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْفِعْلِيَّةِ وَقَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ) وَالْأَسْبَابُ الْفِعْلِيَّةُ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالِاصْطِيَادِ وَالْأَسْبَابُ الْقَوْلِيَّةُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْقِرَاضِ وَكُلِّ مَا هُوَ فِي الشَّرْعِ مِنْ الْأَقْوَالِ سَبَبُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَافْتَرَقَتْ هَاتَانِ الْقَاعِدَتَانِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْفِعْلِيَّةَ تَصِحُّ مِنْ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ دُونَ الْقَوْلِيَّةِ الثَّانِي أَنَّ الْفِعْلِيَّةَ لَا تَقَعُ إلَّا نَافِعَةً مُفِيدَةً غَالِبًا بِخِلَافِ الْقَوْلِيَّةِ الثَّالِثُ أَنَّ الْفِعْلِيَّةَ قَدْ تَكُونُ لَهَا دَاعِيَةٌ تَدْعُو لَهَا مِنْ جِهَةِ الطَّبْعِ بِخِلَافِ الْقَوْلِيَّةِ الرَّابِعُ أَنَّ الْفِعْلِيَّةَ لَا تَسْتَعْقِبُ مُسَبِّبَاتِهَا وَالْقَوْلِيَّةَ تَسْتَعْقِبُهَا الْخَامِسُ أَنَّ الْمِلْكَ بِالْفِعْلِيَّةِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ضَعِيفٌ يَزُولُ بِمُجَرَّدِ زَوَالِ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَفِي الْقَوْلِيَّةِ قَوِيٌّ لَا يَزُولُ إلَّا بِسَبَبٍ نَاقِلٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ السَّادِسُ أَنَّ قَاعِدَةَ تَقْدِيمِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ إنَّمَا تَأَتَّى فِي

стр. 204

عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِهِ وَقِيلَ الْقَوْلِيَّةُ أَقْوَى بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِتْقَ بِالْقَوْلِ يَسْتَعْقِبُ الْعِتْقَ وَالْعِتْقَ بِالْوَطْءِ لَا يَسْتَعْقِبُ الْعِتْقَ وَالسَّبَبُ الَّذِي يَسْتَعْقِبُ مُسَبَّبَهُ أَقْوَى مِمَّا لَا يَسْتَعْقِبُهُ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) نَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ السَّفِينَةَ إذَا وَثَبَتَ فِيهَا سَمَكَةٌ فِي حِجْرِ إنْسَانٍ فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ لِأَنَّ حَوْزَهُ أَخَصُّ بِالسَّمَكَةِ مِنْ حَوْزِ صَاحِبِ السَّفِينَةِ لِأَنَّ حَوْزَ السَّفِينَةِ يَشْمَلُ هَذَا الرَّجُلَ وَغَيْرَهُ وَحَوْزَ هَذَا الرَّجُلِ لَا يَتَعَدَّاهُ فَهُوَ أَخَصُّ بِالسَّمَكَةِ مِنْ صَاحِبِ السَّفِينَةِ وَالْأَخَصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَعَمِّ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُصَلِّي لَا يَجِدُ إلَّا نَجِسًا وَحَرِيرًا يُصَلِّي فِي الْحَرِيرِ وَيُقَدَّمُ النَّجِسُ فِي الِاجْتِنَابِ لِأَنَّهُ أَخَصُّ وَالْأَخَصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَعَمِّ وَالْمُحْرِمِ لَا يَجِدُ مَا يَقُوتُهُ إلَّا مَيْتَةً أَوْ صَيْدًا يُقَدَّمُ الصَّيْدُ فِي الِاجْتِنَابِ عَلَى الْمَيْتَةِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ أَخَصُّ بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْمَيْتَةِ وَتَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ يَشْمَلُ الْحَاجَّ وَغَيْرَهُ كَمَا أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَرِيرِ يَشْمَلُ الْمُصَلِّيَ وَغَيْرَهُ فَقَاعِدَةُ تَقْدِيمِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ لَهُ نَظَائِرُ فِي الشَّرِيعَةِ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الْمِلْكُ بِالْإِحْيَاءِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَضْعَفُ مِنْ تَحْصِيلِ الْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ لِأَنَّهُ إذَا زَالَ الْإِحْيَاءُ عَنْهُ بَطَلَ الْمِلْكُ وَلَا يَبْطُلُ الْمِلْكُ فِي الْقَوْلِيِّ إلَّا بِسَبَبٍ نَاقِلٍ وَالْإِحْيَاءُ سَبَبٌ فِعْلِيٌّ فَيَكُونُ هَذَا الْفَرْعُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَسْبَابَ الْفِعْلِيَّةَ أَضْعَفُ مِنْ الْقَوْلِيَّةِ عَلَى قَاعِدَةِ مَالِكٍ أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَا يُزِيلُ الْمِلْكَ بِزَوَالِ الْإِحْيَاءِ فَلَا مَقَالَ مَعَهُ وَكَذَلِكَ يَقُولُ مَالِكٌ إذَا تَوَحَّشَ الصَّيْدُ بَعْدَ حَوْزِهِ أَوْ الْحَمَامُ بَعْدَ إيوَائِهِ أَوْ النَّحْلُ بَعْدَ ضَمِّهِ بِجَبْحِهِ يَزُولُ الْمِلْكُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَكَذَلِكَ السَّمَكَةُ إذَا انْفَلَتَتْ فِي الْبَحْرِ فَصَادَهَا غَيْرُ صَائِدِهَا الْأَوَّلِ. (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ ﷺ بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْفَتْوَى وَهِيَ التَّبْلِيغُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْإِمَامَةِ) اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَالْقَاضِي الْأَحْكَمُ وَالْمُفْتِي الْأَعْلَمُ فَهُوَ ﷺ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ ﵊ بِالْإِمَامَةِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْفِعْلِيَّةِ دُونَ الْقَوْلِيَّةِ (وَصْلٌ) فِي تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِخَمْسِ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَسْبَابَ الْفِعْلِيَّةَ لَا تَقَعُ إلَّا نَافِعَةً مُفِيدَةً غَالِبًا جَعَلَهَا الشَّرْعُ مُعْتَبَرَةً حَتَّى فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِسَفَهِهِ أَثَرًا فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ تَحْصِيلًا لِمَصَالِحِهَا وَأَمَّا الْأَسْبَابُ الْقَوْلِيَّةُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَوْضِعُ الْمُمَاسَكَةِ وَالْمُغَالَبَةِ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ آخَرَ يُنَازِعُهُ وَيُجَاذِبُهُ إلَى الْغَبْنِ وَالْمَحْجُورُ لِضَعْفِ عَقْلِهِ فِي ذَلِكَ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ضَيَاعُ مَصْلَحَةٍ عَلَيْهِ لَمْ يَعْتَبِرْهَا الشَّرْعُ مِنْهُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَصْلَحَتِهَا فَيَمْلِكُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَا يَصْطَادُهُ أَوْ يَحْتَشُّهُ أَوْ يَحْتَطِبُهُ أَوْ يَسْتَقِيهِ لِتَرَتُّبِ الْمِلْكِ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْفِعْلِيَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى أَوْ قَبِلَ الْهِبَةَ أَوْ الصَّدَقَةَ أَوْ قَارَضَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْفَرْقُ بَيْنَ وَطْءِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَمَتَهُ وَهُوَ سَبَبٌ فِعْلِيٌّ يَقْتَضِي الْعِتْقَ وَيُصَيِّرُهَا أُمَّ وَلَدٍ وَبَيْنَ عِتْقِهِ عَبْدَهُ وَهُوَ سَبَبٌ قَوْلِيٌّ لَا يَنْفُذُ عِنْدَ صَاحِبِ الشَّرْعِ لَا سِيَّمَا الْمُنَجَّزُ هُوَ أَنَّ السَّبَبَ الْفِعْلِيَّ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ لَمَّا كَانَتْ نَفْسُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ تَدْعُوهُ إلَى وَطْءِ أَمَتِهِ فَلَوْ مَنَعْنَاهُ مِنْهَا لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى وُقُوعِهِ فِي الزِّنَا بِأَنْ يَطَأَهَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ فَيَقَعَ فِي عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَحْذُورُ جَوَّزَهُ الشَّرْعُ لَهُ وَهُوَ سَبَبٌ تَامٌّ لِلْعِتْقِ عِنْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَالسَّبَبُ التَّامُّ إذَا أُذِنَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُسَبِّبُهُ لِأَنَّ وُجُودَ السَّبَبِ الْمَأْذُونِ فِيهِ دُونَ الْمُسَبِّبِ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ فَلِذَا وَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِاسْتِحْقَاقِ أَمَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الْعِتْقَ عِنْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا حَيْثُ وَطِئَهَا وَوَلَدَتْ لَهُ وَأَمَّا السَّبَبُ الْقَوْلِيُّ الَّذِي هُوَ الْعِتْقُ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا دَاعِيَةَ تَدْعُو الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ مِنْ جِهَةِ الطَّبْعِ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ مَحْذُورٌ لَمْ يُجَوِّزْهُ لَهُ الشَّرْعُ وَالسَّبَبُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ يَكُونُ كَالْمَعْدُومِ شَرْعًا وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي كَوْنِ الْفِعْلِيَّةِ أَقْوَى لِنُفُوذِهَا مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِهِ أَوْ الْقَوْلِيَّةِ أَقْوَى بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِتْقَ بِالْقَوْلِ يَسْتَعْقِبُ الْعِتْقَ وَالْعِتْقَ بِالْوَطْءِ لَا يَسْتَعْقِبُ الْعِتْقَ وَالسَّبَبُ الَّذِي يَسْتَعْقِبُ مُسَبِّبَهُ أَقْوَى مِمَّا لَا يَسْتَعْقِبُهُ خِلَافٌ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْمِلْكُ بِالْإِحْيَاءِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ ضَعِيفٌ يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ زَوَالِ الْإِحْيَاءِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ يَزُولُ الْمِلْكُ بِمُجَرَّدِ تَوَحُّشِ الصَّيْدِ بَعْدَ حَوْزِهِ وَالْحَمَامِ بَعْدَ إيوَائِهِ وَالنَّحْلِ بَعْدَ ضَمِّهِ بِجَبْحِهِ وَبِمُجَرَّدِ انْفِلَاتِ السَّمَكَةِ فِي الْبَحْرِ فَتَكُونُ لِغَيْرِ صَائِدِهَا الْأَوَّلِ إذَا صَادَهَا وَالْمِلْكُ بِنَحْوِ الشِّرَاءِ قَوِيٌّ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِسَبَبٍ نَاقِلٍ أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَا يُزِيلُ الْمِلْكَ بِزَوَالِ الْإِحْيَاءِ وَنَحْوِهِ فَلَا مَقَالَ مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ نَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ السَّفِينَةَ إذَا وَثَبَتَ فِيهَا سَمَكَةٌ فِي حِجْرِ إنْسَانٍ فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ تَقْدِيمِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ لِأَنَّ حَوْزَ هَذَا الْإِنْسَانِ أَخَصُّ مِنْ حَوْزِ صَاحِبِ السَّفِينَةِ لِأَنَّ حَوْزَ السَّفِينَةِ يَشْمَلُ هَذَا الْإِنْسَانَ وَغَيْرَهُ وَحَوْزَ هَذَا الْإِنْسَانِ لَا يَتَعَدَّاهُ فَهُوَ أَخَصُّ بِالسَّمَكَةِ مِنْ صَاحِبِ السَّفِينَةِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَخَصَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَعَمِّ وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْهَا الْمُصَلِّي لَا يَجِدُ إلَّا نَجِسًا وَحَرِيرًا يُصَلِّي فِي الْحَرِيرِ فَقَطْ فَيُقَدَّمُ النَّجِسُ فِي الِاجْتِنَابِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ أَخَصُّ مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ إذْ تَحْرِيمُ الْحَرِيرِ يَشْمَلُ الْمُصَلِّيَ وَغَيْرَهُ وَتَحْرِيمُ النَّجِسِ خَاصٌّ بِالْمُصَلِّي وَالْأَخَصُّ مُقَدَّمٌ

стр. 205

إمَامُ الْأَئِمَّةِ وَقَاضِي الْقُضَاةِ وَعَالِمُ الْعُلَمَاءِ فَجَمِيعُ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ فَوَّضَهَا اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فِي رِسَالَتِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مَنْ تَوَلَّى مَنْصِبًا مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَا مِنْ مَنْصِبٍ دِينِيٍّ إلَّا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ فِي أَعْلَى رُتْبَةٍ غَيْرَ أَنَّ غَالِبَ تَصَرُّفِهِ ﷺ بِالتَّبْلِيغِ لِأَنَّ وَصْفَ الرِّسَالَةِ غَالِبٌ عَلَيْهِ ثُمَّ تَقَعُ تَصَرُّفَاتُهُ ﷺ مِنْهَا مَا يَكُونُ بِالتَّبْلِيغِ وَالْفَتْوَى إجْمَاعًا وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالْقَضَاءِ وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالْإِمَامَةِ وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ فَصَاعِدًا فَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ رُتْبَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ أُخْرَى ثُمَّ تَصَرُّفَاتُهُ ﷺ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ تَخْتَلِفُ آثَارُهَا فِي الشَّرِيعَةِ فَكُلُّ مَا قَالَهُ ﷺ أَوْ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبْلِيغِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا عَامًّا عَلَى الثِّقْلَيْنِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ أَقْدَمَ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ اجْتَنَبَهُ كُلُّ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ وَكُلُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ ﵇ بِوَصْفِ الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ ﵇ وَلِأَنَّ سَبَبَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِوَصْفِ الْإِمَامَةِ دُونَ التَّبْلِيغِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ ﷺ بِوَصْفِ الْقَضَاءِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ وَلِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ ﷺ بِوَصْفِ الْقَضَاءِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَهَذِهِ هِيَ الْفُرُوقُ بَيْنَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَنُحَقِّقُ ذَلِكَ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ) قُلْت لَمْ يُجَوِّدْ التَّعْرِيفَ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَا أَوْضَحَهَا كُلَّ الْإِيضَاحِ وَالْقَوْلُ الَّذِي يُوَضِّحُهَا هُوَ أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَعْرِيفِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَنْفِيذِهِ فَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَعْرِيفِهِ فَذَلِكَ هُوَ الرَّسُولُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُبْلِغَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الرِّسَالَةُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُفْتِي وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الْفَتْوَى وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَنْفِيذِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَنْفِيذُهُ ذَلِكَ بِفَصْلٍ وَقَضَاءٍ وَإِبْرَامٍ وَإِمْضَاءٍ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَذَلِكَ هُوَ الْإِمَامُ وَتَصَرُّفُهُ هُوَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَى الْأَعَمِّ وَمِنْهَا الْمُحْرِمُ لَا يَجِدُ مَا يَقُوتُهُ إلَّا مَيْتَةً أَوْ صَيْدًا تُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ فَقَطْ فَيُقَدَّمُ الصَّيْدُ فِي الِاجْتِنَابِ عَلَى الْمَيْتَةِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ أَخَصُّ بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْمَيْتَةِ إذْ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ يَشْمَلُ الْحَاجَّ وَغَيْرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْفَتْوَى] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْفَتْوَى وَهِيَ التَّبْلِيغُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَصَرُّفِهِ بِالْإِمَامَةِ) لَمَّا كَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرَ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامَ الْأَئِمَّةِ وَقَاضِيَ الْقُضَاةِ وَعَالِمَ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ فَوَّضَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فِي رِسَالَتِهِ جَمِيعَ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ مَنْ تَوَلَّى مَنْصِبًا مِنْهَا فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَا مِنْ مَنْصِبٍ دِينِيٍّ إلَّا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهِ فِي أَعْلَى رُتْبَةٍ نَعَمْ غَالِبُ تَصَرُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ لِأَنَّ وَصْفَ الرِّسَالَةِ غَالِبٌ عَلَيْهِ ثُمَّ إنَّ تَصَرُّفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالتَّبْلِيغِ وَالْفَتْوَى وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالْقَضَاءِ وَمِنْهَا مَا يُجْمِعُ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ بِالْإِمَامَةِ وَمِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ رُتْبَةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ أُخْرَى وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّسَالَةِ هُوَ أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَعْرِيفِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَنْفِيذِهِ فَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَعَرُّفِهِ فَذَلِكَ هُوَ الرَّسُولُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُبَلِّغَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الرِّسَالَةُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُفْتِي وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الْفَتْوَى وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِتَنْفِيذِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَنْفِيذُهُ ذَلِكَ بِفَضْلِ قَضَاءٍ وَإِبْرَامٍ وَإِمْضَاءٍ فَذَلِكَ هُوَ الْقَاضِي وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الْقَضَاءُ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ تَنْفِيذُهُ بِفَصْلِ قَضَاءٍ وَإِبْرَامٍ وَإِمْضَاءٍ فَذَلِكَ هُوَ الْإِمَامُ وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الْإِمَامَةُ (فَائِدَةٌ) الرَّسُولُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ الْجَاهِلَ لِيُعْلِمَهُ بِخِلَافِ الْعَالِمِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَى الْجَاهِلِ أَنْ يَطْلُبَ الْعَالِمَ لِيُعْلِمَهُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ يُقَرِّرُهَا الرَّسُولُ عَلَى النَّاسِ فَلْيَبْحَثُوا بَعْدُ عَمَّنْ يُعْلِمُهُمْ نَعَمْ يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ الْإِجَابَةُ بَعْدَ الطَّلَبِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يُشَاهِدْ مُنْكَرًا مِنْ الْجَاهِلِ فَيَجِبْ حِينَئِذٍ الْمُبَادَرَةُ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّغْيِيرِ حَسْبَ الْإِمْكَانِ أَفَادَهُ الْأَمِيرُ عَلِيٌّ عَبْدُ السَّلَامِ عَلِيٌّ الْجَوْهَرِيُّ (وَصْلٌ) فِي زِيَادَةِ تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كُلُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ ﵊ بِوَصْفِ الْإِمَامَةِ الَّذِي هُوَ التَّنْفِيذُ لَا عَلَى وَجْهِ فَصْلِ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَامِ وَالْإِمْضَاءِ كَبَعْثِ الْجُيُوشِ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ وَالْخَوَارِجِ وَمَنْ تَعَيَّنَ قِتَالُهُ وَصَرْفِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ فِي جِهَاتِهَا وَجَمْعِهَا مِنْ مَحَالِّهَا وَتَوْلِيَةِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ الْعَامَّةِ وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَعَقْدُ الْعُهُودِ لِلْكُفَّارِ ذِمَّةً وَصُلْحًا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ ﵊ وَلِأَنَّ سَبَبَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِوَصْفِ الْإِمَامَةِ دُونَ وَصْفِ التَّبْلِيغِ الَّذِي هُوَ التَّعْرِيفُ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَكُلُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ ﵊ بِوَصْفِ الْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ التَّنْفِيذُ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَامِ وَالْإِمْضَاءِ كَفَصْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي دَعَاوَى الْأَمْوَالِ وَأَحْكَامِ الْأَبَدَانِ وَنَحْوِهَا بِالْبَيِّنَاتِ أَوْ الْأَيْمَانِ وَالنُّكُولَاتِ وَنَحْوِهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي لِأَجْلِهِ تَصَرَّفَ فِيهِ

стр. 206

(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) بَعْثُ الْجُيُوشِ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ وَالْخَوَارِجِ وَمَنْ تَعَيَّنَ قِتَالُهُ وَصَرْفُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ فِي جِهَاتِهَا وَجَمْعُهَا مِنْ مَحَالِّهَا وَتَوْلِيَةُ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ الْعَامَّةَ وَقِسْمَةُ الْغَنَائِمِ وَعَقْدُ الْعُهُودِ لِلْكُفَّارِ ذِمَّةً وَصُلْحًا هَذَا هُوَ شَأْنُ الْخَلِيفَةِ وَالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ فَمَتَى فَعَلَ ﷺ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ ﷺ بِطَرِيقِ الْإِمَامَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَمَتَى فَصَلَ ﷺ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي دَعَاوَى الْأَمْوَالِ أَوْ أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ وَنَحْوِهَا بِالْبَيِّنَاتِ أَوْ الْإِيمَانِ وَالنُّكُولَاتِ وَنَحْوِهَا فَنَعْلَمُ أَنَّهُ ﷺ إنَّمَا تَصَرَّفَ فِي ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ دُونَ الْإِمَامَةِ الْعَامَّةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ هَذَا شَأْنَ الْقَضَاءُ وَالْقُضَاةِ وَكُلُّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ ﷺ فِي الْعِبَادَاتِ بِقَوْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهِ أَوْ أَجَابَ بِهِ سُؤَالَ سَائِلٍ عَنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ فَأَجَابَهُ فِيهِ فَهَذَا تَصَرُّفٌ بِالْفَتْوَى وَالتَّبْلِيغِ فَهَذَا الْمَوَاطِنُ لَا خَفَاءَ فِيهَا وَأَمَّا مَوَاضِعُ الْخَفَاءِ وَالتَّرَدُّدِ فَفِي بَقِيَّةِ الْمَسَائِلِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِي هَذَا الْقَوْلِ هَلْ تُصْرَفُ بِالْفَتْوَى فَيَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَ إذْنَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ الْإِحْيَاءِ أَمْ لَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵄ أَوْ هُوَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ ﵇ بِالْإِمَامَةِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَأَمَّا تَفْرِقَةُ مَالِكٍ بَيْنَ مَا قَرُبَ مِنْ الْعِمَارَةِ فَلَا يُحْيَا إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَبَيْنَ مَا بَعُدَ فَيَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ بَلْ مِنْ قَاعِدَةٍ أُخْرَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْإِمَامَةُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَذَلِكَ هُوَ الْقَاضِي وَتَصَرُّفُهُ هُوَ الْقَضَاءُ قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قُلْت التَّقْسِيمُ الَّذِي ذَكَرْته قَدْ أَتَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِيهَا مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ يُعْطِي ذَلِكَ الْمَعْنَى لَكِنَّ مَا ذَكَرْته مِنْ التَّقْسِيمِ أَمَسُّ بِالتَّحْرِيرِ وَأَقْرَبُ إلَى الْإِيضَاحِ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إلَى آخِرِهَا) قُلْت مَا قَالَهُ فِيهَا ظَاهِرٌ وَمَا رَجَحَ بِهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَاجِحٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ بَعْدُ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَصْفِ الْقَضَاءِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَكُلُّ مَا قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبْلِيغِ وَالْفَتْوَى الَّذِي هُوَ التَّعْرِيفُ لَا عَلَى وَجْهِ كَوْنِهِ الْمُبَلِّغَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى كَتَصَرُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْعِبَادَاتِ بِقَوْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهِ أَوْ أَجَابَ بِهِ سُؤَالَ سَائِلٍ عَنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ فَأَجَابَهُ فِيهِ يَكُونُ حُكْمًا عَامًّا عَلَى الثِّقْلَيْنِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ أَقْدَمَ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ اجْتَنَبَهُ كُلُّ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ وَهَذِهِ الْمَوَاطِنُ لَا خَفَاءَ فِيهَا وَأَمَّا مَوَاضِعُ الْخَفَاءِ وَالتَّرَدُّدِ فَفِي بَقِيَّةِ الْمَسَائِلِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي كَوْنِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» تَصَرُّفًا بِالْفَتْوَى فَيَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَ إذْنَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ الْإِحْيَاءِ أَمْ لَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُوَ الرَّاجِحُ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي تَصَرُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفُتْيَا وَالتَّبْلِيغُ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ إضَافَةَ الدَّائِرِ بَيْنَ الْغَالِبِ وَالنَّادِرِ إلَى الْغَالِبِ أَوْلَى أَوْ كَوْنِهِ تَصَرُّفًا مِنْهُ ﵊ بِالْإِمَامَةِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ تَفْرِقَةَ مَالِكٍ بَيْنَ مَا قَرُبَ مِنْ الْعِمَارَةِ فَلَا يُحْيَا إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَبَيْنَ مَا بَعُدَ فَيَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَلْ هُوَ مِنْ قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْعِمْرَانِ يُؤَدِّي إلَى التَّشَاجُرِ وَالْفِتَنِ وَإِدْخَالِ الضَّرَرِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَظَرِ الْأَئِمَّةِ دَفْعًا لِذَلِكَ الْمُتَوَقَّعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا بَعُدَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَجُوزُ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا قَالَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي وَوَلَدِي مَا يَكْفِينِي. مَا نَصُّهُ: خُذِي لَك وَلِوَلَدِك مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ» تَصَرُّفًا بِطَرِيقِ الْفَتْوَى فَيَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ ظَفِرَ بِحَقِّهِ أَوْ بِجِنْسِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ عِلْمِ خَصْمِهِ بِهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْ كَوْنِهِ تَصَرُّفًا بِالْقَضَاءِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ أَوْ جِنْسَهُ إذَا تَعَذَّرَ أَخْذُهُ مِنْ الْغَرِيمِ إلَّا بِقَضَاءِ قَاضٍ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَحُجَّتُهُ أَنَّهَا دَعْوَى فِي مَالٍ عَلَى مُعَيَّنٍ فَلَا يَدْخُلُهُ إلَّا الْقَضَاءُ لِأَنَّ الْفَتَاوَى شَأْنُهَا الْعُمُومُ وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ غَيْرِ إعْلَامٍ وَلَا سَمَاعِ حُجَّةٍ لَا يَجُوزُ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ فَتْوَى وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ كَذَا قَالَ الْأَصْلُ وَفِي جَعْلِهِ عَدَمَ جَوَازِ أَخْذِ أَحَدٍ حَقَّهُ أَوْ جِنْسَهُ إذَا تَعَذَّرَ أَخْذُهُ مِنْ الْغَرِيمِ إلَّا بِقَضَاءِ قَاضٍ هُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَإِنْ وَافَقَ ظَاهِرَ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا لِمَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا اهـ مُخَالَفَةً لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ هَذَا وَإِنْ قَدَرَ عَلَى شَيْئِهِ فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ يَكُنْ غَيْرَ عُقُوبَةٍ وَأَمِنَ فِتْنَةً وَرَذِيلَةً اهـ قَالَ الْمَوَّاقُ وَحَاصِلُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ وَالْمَازِرِيُّ تَرْجِيحُ الْأَخْذِ اهـ. وَفِي مِنَحِ الْجَلِيلِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ عبق وَالْخَرَشِيَّ قَرَّرَا أَنَّ مُرَادَ خَلِيلٍ بِشَيْئِهِ مَا يَشْمَلُ عَيْنَهُ أَوْ غَيْرَ عَيْنِهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ خَلِيلٍ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ عُقُوبَةٍ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ أَخْذُ عَيْنِهَا فَلَوْ أَرَادَ خَلِيلٌ بِشَيْئِهِ عَيْنَهُ خَاصَّةً لَمْ يَحْتَجْ لِقَوْلِهِ إنْ يَكُنْ غَيْرَ عُقُوبَةٍ لِعَدَمِ شُمُولِ عَيْنِ شَيْئِهِ لَهَا فَيُحْمَلُ شَيْؤُهُ عَلَى حَقِّهِ الشَّامِلِ لِعَيْنِ شَيْئِهِ وَعِوَضِهِ فَيُحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِ الْعُقُوبَةِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْوَدِيعَةَ وَهُوَ

стр. 207

وَهِيَ أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْعِمْرَانِ يُؤَدِّي إلَى التَّشَاجُرِ وَالْفِتَنِ وَإِدْخَالِ الضَّرَرِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَظَرِ الْأَئِمَّةِ دَفْعًا لِذَلِكَ الْمُتَوَقَّعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا بَعُدَ مِنْ ذَلِكَ لَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَجُوزُ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ أَرْجَحُ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي تَصَرُّفِهِ ﷺ الْفُتْيَا وَالتَّبْلِيغُ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الدَّائِرَ بَيْنَ الْغَالِبِ وَالنَّادِرِ إضَافَتُهُ إلَى الْغَالِبِ أَوْلَى. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) «قَوْلُهُ ﷺ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا قَالَتْ لَهُ ﷺ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي وَوَلَدِي مَا يَكْفِينِي فَقَالَ لَهَا ﵇ خُذِي لَك وَلِوَلَدِك مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ» اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهَذَا التَّصَرُّفُ مِنْهُ ﵇ هَلْ هُوَ بِطَرِيقِ الْفَتْوَى فَيَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ ظَفِرَ بِحَقِّهِ أَوْ بِجِنْسِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ عِلْمِ خَصْمِهِ بِهِ وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ خِلَافُهُ بَلْ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْ هُوَ تَصَرُّفٌ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ جِنْسَ حَقِّهِ أَوْ حَقَّهُ إذَا تَعَذَّرَ أَخْذُهُ مِنْ الْغَرِيمِ إلَّا بِقَضَاءِ قَاضٍ حَكَى الْخَطَّابِيُّ الْقَوْلَيْنِ عَنْ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةُ مَنْ قَالَ إنَّهُ بِالْقَضَاءِ أَنَّهَا دَعْوَى فِي مَالٍ عَلَى مُعَيَّنٍ فَلَا يَدْخُلُهُ إلَّا الْقَضَاءُ لِأَنَّ الْفَتَاوَى شَأْنُهَا الْعُمُومُ وَحَجَّةُ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَتْوَى مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ غَيْرِ إعْلَامٍ وَلَا سَمَاعِ حُجَّةٍ لَا يَجُوزُ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ فَتْوَى وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ تَصَرَّفَ فِيهِ ﷺ بِالْإِمَامَةِ فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ سَلَبَ الْمَقْتُولِ إلَّا ` أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَخَالَفَ أَصْلَهُ فِيمَا قَالَهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَهُوَ أَنَّ غَالِبَ تَصَرُّفِهِ ﷺ بِالْفَتْوَى فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْفُتْيَا عَمَلًا بِالْغَالِبِ وَسَبَبُ مُخَالَفَتِهِ لِأَصْلِهِ أُمُورٌ مِنْهَا أَنَّ الْغَنِيمَةَ أَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ لِلْغَانِمِينَ لِقَوْلِهِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَإِخْرَاجُ السَّلَبِ مِنْ ذَلِكَ خِلَافُ هَذَا الظَّاهِرِ وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا أَفْسَدَ الْإِخْلَاصَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمُعْتَمَدُ وَمَا قَدَّمَهُ فِي بَابِهَا مِنْ قَوْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ إلَخْ ضَعِيفٌ اهـ قَالَ الْبُنَانِيُّ وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وَكَوْنُ مَا قَرَّرَ بِهِ عبق هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا قَالَهُ طفى وَصَوَّبَهُ مِنْ حَمْلِ مَا هُنَا عَلَى عَيْنِ شَيْئِهِ إذْ هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَأَمَّا غَيْرُ عَيْنِ شَيْئِهِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ مَشَى فِيهِ خَلِيلٌ مِنْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمَنْعِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ أَظْهَرَ الْأَقْوَالِ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ الْإِبَاحَةُ اهـ وَنَقَلَ كَنُونِ عَنْ التَّوْضِيحِ بِاخْتِصَارٍ أَنَّ الدَّعْوَى إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ مَتَاعِهِ وَإِلَّا جَازَ لَهُ أَخْذُهُ أَيْ بِشَرْطَيْهِ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ إلَى الْحَاكِمِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّفْعِ إنَّمَا هُوَ الْوُصُولُ إلَى الْحَقِّ فَإِذَا أَمْكَنَ بِدُونِهِ فَالرَّفْعُ إلَيْهِ عَنَاءٌ وَرُبَّمَا لَمْ يَجِدْ الرَّافِعُ بَيِّنَةً فَيُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ مَالِهِ وَهُوَ ضِدُّ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ حِفْظِهِ اهـ قَالَ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ اهـ وَلِلَّهِ دُرُّ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْعَاقِبِ بْنِ مَا يَأْبَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ قَالَ إذَا وَجَدَ الْمَظْلُومُ بِالْمَطْلِ قُدْرَةً ... عَلَى أَخْذِ حَقٍّ لَازِمٍ لِمُطَوِّلِ فَأَخَذَ جَمِيعَ الْحَقِّ أَوْ مَا يَنُوبُهُ ... مَعَ الْغَيْرِ مَا عَنْ مَحِلِّهِ مِنْ عُدُولِ بِذَا صَرَّحَ الزَّرْقَانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ ... وَسَلَّمَهُ الْبُنَانِيُّ حَبْرُ النُّقُولِ وَمَنْ يَدْعُهُ بِاسْمِ الْفُضُولِيِّ بَعْدَمَا ... أُبِيحَ لَهُ ذَا الْأَخْذِ فَهُوَ الْفُضُولِيّ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَوْنِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» تَصَرُّفًا بِالْفَتْوَى عَمَلًا بِالْغَالِبِ مِنْ تَصَرُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَسْتَحِلُّ كُلُّ أَحَدٍ سَلَبَ الْمَقْتُولِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ الْإِمَامُ ذَلِكَ أَوْ كَوْنِهِ تَصَرُّفًا بِالْإِمَامَةِ فَلَا يَسْتَحِلُّ أَحَدٌ سَلَبَ الْمَقْتُولِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ ذَلِكَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ خَالَفَ أَصْلَهُ الَّذِي قَالَهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَهُوَ أَنَّ غَالِبَ تَصَرُّفِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْفَتْوَى نَظَرًا لِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّ الْغَنِيمَةَ أَصْلُهَا أَنْ تَكُونَ لِلْغَانِمِينَ لِقَوْلِهِ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَإِخْرَاجُ السَّلَبِ مِنْ ذَلِكَ خِلَافُ هَذَا الظَّاهِرِ وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا أَفْسَدَ الْإِخْلَاصَ عِنْدَ الْمُجَاهِدِينَ فَيُقَاتِلُونَ لِهَذَا السَّلَبِ دُونَ نَصْرِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَمِنْهَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُقْبِلَ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَهُ سَلَبٌ دُونَ غَيْرِهِ فَيَقَعَ التَّخَاذُلُ فِي الْجَيْشِ وَرُبَّمَا كَانَ قَلِيلُ السَّلَبِ أَشَدَّ نِكَايَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ تَرَكَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا الْأَصْلَ هُنَا، فَتَأَمَّلْ هَذَا الْقَانُونَ وَهَذِهِ الْفُرُوقَ لِتُخْرِجَ عَلَيْهِ مَا يَرِدُ عَلَيْك مِنْ هَذَا الْبَابِ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مِنْ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَعْلِيقِ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَقَاعِدَةِ تَعْلِيقِ سَبَبِيَّةِ الْأَسْبَابِ عَلَى الْمَشِيئَة] (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَعْلِيقِ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَقَاعِدَةِ تَعْلِيقِ سَبَبِيَّةِ الْأَسْبَابِ عَلَى الْمَشِيئَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ هِيَ مَا عُلِّقَ عَلَى مِثْلِ الدُّخُولِ وَالْكَلَامُ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ وَغَيْرِهَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَلَيَّ الْحَجُّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَحَصَلَ الدُّخُولُ وَالْكَلَامُ وَالْأَسْبَابُ هِيَ نَحْوُ الدُّخُولِ وَالْكَلَامُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ مِنْ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ فَرَّقُوا فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ أَنْ يُعِيدَ الْمَشِيئَةَ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلدُّخُولِ أَوْ الْكَلَامِ أَيْ لِجَعْلِهِ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالنَّذْرُ وَغَيْرُهَا بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الدُّخُولَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ الَّتِي وَكَّلَهَا اللَّهُ لِخِيرَةِ خَلْقِهِ فَحَيْثُ أَعَادَ الْمَشِيئَةَ لَهُ وَلَمْ يَجْزِمْ بِجَعْلِهِ

стр. 208

عِنْدَ الْمُجَاهِدِينَ فَيُقَاتِلُونَ لِهَذَا السَّلَبِ دُونَ نَصْرِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُقْبَلَ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَهُ سَلَبٌ دُونَ غَيْرِهِ فَيَقَعَ التَّخَاذُلُ فِي الْجَيْشِ وَرُبَّمَا كَانَ قَلِيلُ السَّلَبِ أَشَدَّ نِكَايَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ تُرِكَ هَذَا الْأَصْلُ وَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ وَهَذِهِ الْفُرُوقِ يَتَخَرَّجُ مَا يَرِدُ عَلَيْك مِنْ هَذَا الْبَابِ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ. (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَعْلِيقِ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَقَاعِدَةِ تَعْلِيقِ سَبَبِيَّةِ الْأَسْبَابِ عَلَى الْمَشِيئَةِ) فَالْأَوَّلُ عِنْدَنَا غَيْرُ قَادِحٍ وَلَا يُؤَثِّرُ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى دُونَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِمَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْجَمِيعِ وَفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيُعِيدُ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الدُّخُولِ فَلَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ أَوْ عَلَى الطَّلَاقِ فَيَلْزَمُ وَإِذَا قَالَ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَلَيَّ الْحَجُّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إنْ أَعَادَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى كَلَامِ زَيْدٍ وَيَلْزَمُ إنْ أَعَادَهُ عَلَى الْحَجِّ وَبَسْطُ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوطِ فَيُطَالَعُ مِنْ هُنَالِكَ مَبْسُوطًا مُسْتَوْفًى مُحَرَّرًا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْجَوْدَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّطْوِيلِ بِإِعَادَتِهِ. (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّهْيِ الْخَاصِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّهْيِ الْعَامِّ) هَذَانِ النَّهْيَانِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يَنْقَسِمَانِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَتَضَادَّا وَيَتَنَافَيَا كَقَوْلِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَعْلِيقِ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَقَاعِدَةِ تَعْلِيقِ سَبَبِيَّةِ الْأَسْبَابِ عَلَى الْمَشِيئَةِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْت أَحَالَ هُنَا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ (قَالَ الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالْأَرْبَعِينَ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْفُرُوقِ كُلِّهَا صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] سَبَبًا لِلطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ نَفَعَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُعِيدَ الْمَشِيئَةَ لِلطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ فَيَلْزَمُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ مِنْ اعْتِبَارِ الشَّكِّ فِي الْعِصْمَةِ وَالْعِتْقِ وَالنَّذْرِ وَنَحْوِهَا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَلْزَمُ الْعِتْقُ وَالنَّذْرُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَكِلْهَا اللَّهُ تَعَالَى لِخِيرَةِ خَلْقِهِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا عَدَمُ الْجَزْمِ بِجَعْلِهَا أَسْبَابًا لِمُسَبَّبَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ فَافْهَمْ وَبَيَانُ الشَّكِّ هُنَا أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْمَشِيئَةِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ أَيْ حَلُّ الْعِصْمَةِ وَالْعِتْقِ وَالنَّذْرِ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ حَتَّى تُعْلَمَ فِيهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ بِأَنَّهُ أَرَادَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ وَالنَّذْرَ عَلَى التَّعْيِينِ أَمْ لَا وَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى التَّوَصُّلِ إلَى ذَلِكَ فَالْمَشِيئَةُ عِنْدَنَا لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى دُونَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِمَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ تُؤَثِّرُ الْمَشِيئَةَ فِي الْجَمِيعِ كَذَا قَالَ الْأَصْلُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا بَسَطَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مِنْ حَمْلِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ الْمَشِيئَةَ إذَا عَادَتْ لِلْمُسَبِّبَاتِ مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ مِنْ اعْتِبَارِ الشَّكِّ فِي الْعِصْمَةِ كَمَا عَلِمْت. وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَنَّهَا إذَا عَادَتْ لِلْمُسَبِّبَاتِ مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ أَثَّرَتْ فِيهَا كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ مِنْ إلْغَاءِ الشَّكِّ فِي الْعِصْمَةِ وَالْعِتْقِ وَالنَّذْرِ وَغَيْرِهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ وَحَمْلِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بِأَنَّهَا إذَا عَادَتْ لِنَحْوِ الدُّخُولِ وَالْكَلَامِ لَا تَنْفَعُهُ أَوْ تَنْفَعُهُ عَلَى الْوِفَاقِ مُطْلَقًا وَلَوْ احْتَمَلَ الْمِثَالُ رُجُوعَهُ لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَادَّعَاهُ مَعَ الْبَيِّنَةِ بِأَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ جَزَمَ بِجَعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ الِاسْتِثْنَاءُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ لَمْ يَجْزِمْ بِجَعْلِهِ سَبَبًا نَفَعَهُ كَمَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إذْ الْفِعْلُ مِنْ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ الَّتِي وَكَّلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِخِيرَةِ خَلْقِهِ وَهُوَ خِلَافُ التَّحْقِيقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ وَبَيَانُ مَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ الْفَرْقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّطْوِيلِ بِإِعَادَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّهْيِ الْخَاصِّ وَبَيْنَ قَاعِدَة النَّهْيِ الْعَام] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّهْيِ الْخَاصِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّهْيِ الْعَامِّ) حَيْثُ اُعْتُبِرَ وَتَقْدِيمُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَابْتِنَاءُ الْخَاصِّ عَلَيْهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ حَالَةُ عَدَمِ تَنَافِيهِمَا وَلَا مُنَاسَبَةَ لِأَحَدِهِمَا يَخْتَصُّ بِهَا دُونَ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] لَا تَقْتُلُوا الرِّجَالَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ مِنْ قَاعِدَةِ ذِكْرِ بَعْضِ الْعَامِّ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُخَصِّصُهُ كَانَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا فَإِنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يُنَافِيهِ فَلِذَا قَالُوا إنَّ الْمِثَالَ لَا يُخَصِّصُ الْقَاعِدَةَ وَقِيلَ عَلَى شُذُوذٍ أَنَّهُ يُخَصِّصُهُ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ فَإِنَّ ذِكْرَ الرِّجَالِ يَقْتَضِي مَفْهُومَهُ قَتْلَ غَيْرِهِمْ وَاعْتَبَرُوا تَقْدِيمَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَابْتِنَاءَ الْعَامِّ عَلَيْهِ فِي حَالَتَيْنِ أَحَدُهُمَا تَنَافِيهِمَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ لَا تَقْتُلُوا بَنِي تَمِيمٍ لَا تُبْقُوا مِنْ رِجَالِهِمْ أَحَدًا حَيًّا فَحَكَمُوا بِقَتْلِ رِجَالِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فِي النُّصُوصِ الْمُتَعَارِضَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ وَثَانِيهِمَا عَدَمُ تَنَافِيهِمَا وَلِأَحَدِهِمَا مُنَاسَبَةٌ تَخُصُّهُ فِي مُتَعَلِّقِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ النَّهْيَ الْخَاصَّ بِالْحَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَقْوَى مِمَّا هُوَ عَامٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ تِلْكَ الْحَالَةِ فَيُقَدَّمُ فِي الِاجْتِنَابِ عَلَى الْعَامِّ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى إذَا اضْطَرَّ الْمُحْرِمُ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ الْمُحَرَّمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ أَوْ الصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ مَالِكٌ يَأْكُلُ

стр. 209

لَا تَقْتُلُوا بَنِي تَمِيمٍ لَا تُبْقُوا مِنْ رِجَالِهِمْ أَحَدًا حَيًّا فَحُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ أَنْ يُقَدَّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ وَيُبْتَنَى الْعَامُّ عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ رِجَالُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فِي النُّصُوصِ الْمُتَعَارِضَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ لَا يَتَضَادَّا وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا مُنَاسَبَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا دُونَ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] لَا تَقْتُلُوا الرِّجَالَ فَهَذَانِ مِنْ قَاعِدَةِ ذِكْرِ بَعْضِ الْعَامِّ الصَّحِيحِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُخَصِّصُهُ كَانَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا فَإِنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَا يُنَافِيهِ وَقِيلَ عَلَى الشُّذُوذِ أَنَّهُ يُخَصِّصُهُ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ فَإِنَّ ذِكْرَ الرِّجَالِ يَقْتَضِي مَفْهُومَهُ قَتْلَ غَيْرِهِمْ الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَتَنَافَيَا وَيَكُونُ لِأَحَدِهِمَا مُنَاسَبَةٌ تَخُصُّهُ فِي مُتَعَلِّقِهِ وَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فَيَضْطَرُّ الْمُحْرِمُ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ الصَّيْدِ قَالَ مَالِكٌ ﵁ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَيَتْرُكُ الصَّيْدَ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا إلَّا أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ لَهُ مُنَاسَبَةٌ بِالْإِحْرَامِ وَمَفْسَدَتُهُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا النَّهْيُ إنَّمَا هِيَ فِي الْإِحْرَامِ وَأَمَّا مَفْسَدَةُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَذَلِكَ أَمْرٌ عَامٌّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِخُصُوصِ الْإِحْرَامِ وَالْمُنَاسِبُ إذَا كَانَ لِأَمْرٍ عَامٍّ وَهُوَ كَوْنُهَا مَيْتَةً لَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُصُوصِ الْإِحْرَامِ مُنَافَاةٌ وَلَا تَعَلُّقَ وَالْمُنَافِي الْأَخَصُّ أَوْلَى بِالِاجْتِنَابِ وَنَظِيرُهُ مِنْ الْعُرْفِيَّاتِ مَنْ هُوَ عَدُوٌّ لِقَبِيلَتِك أَوْ مِلَّتِك وَآخَرُ عَدُوٌّ لَك فِي نَفْسِك دُونَ غَيْرِك فَإِنَّ حَذَرَك يَكُونُ مِنْ عَدُوِّك الْخَاصِّ بِك أَشَدَّ، وَاجْتِنَابَك لَهُ أَكْثَرُ وَأَلْيَقُ بِك، إنَّ تَسَلُّطَهُ عَلَيْك أَعْظَمُ وَأَمَّا عَدُوُّ مِلَّتِك فَإِنَّهُ لَا يُلَاحِظُ خُصُوصَك فِي عَدَاوَتِهِ بَلْ رُبَّمَا مَالَ إلَيْك دُونَ أَهْلِ مِلَّتِك لِأَمْرٍ يَجِدُهُ فِيك دُونَهُمْ وَأَمَّا عَدُوُّك فَلَوْ تَرَكَ النَّاسَ كُلَّهُمْ مَا تَرَكَك وَكَذَلِكَ غَرِيمٌ لَا يُطَالِبُ إلَّا أَنْتَ وَغَرِيمٌ يُطَالِبُ جَمَاعَةً أَنْتَ مِنْهُمْ تَجِدُ فِي نَفْسِك الْمِلْكَ مِنْ الْمُطَالِبِ لَك وَحْدَك أَشَدَّ وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ الشَّرْعِيَّةُ الْخَاصُّ مِنْهَا يَكُونُ أَشَدَّ اجْتِنَابًا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُصَلِّي مَا يَسْتُرُهُ إلَّا حَرِيرًا أَوْ نَجِسًا قَالَ أَصْحَابُنَا يُصَلِّي فِي الْحَرِيرِ وَيَتْرُكُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمَيْتَةَ وَيَتْرُكُ الصَّيْدَ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا إلَّا أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ لَهُ مُنَاسَبَةٌ بِالْإِحْرَامِ وَمَفْسَدَتُهُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا النَّهْيُ إنَّمَا هِيَ فِي الْإِحْرَامِ وَأَمَّا مَفْسَدَةُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَأَمْرٌ عَامٌّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِخُصُوصِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ كَوْنُهَا مَيْتَةً فَلَا يَكُونُ بَيْنَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَبَيْنَ خُصُوصِ الْإِحْرَامِ مُنَافَاةٌ وَلَا تَعَلُّقٌ وَالْمُنَافِي الْأَخَصُّ أَوْلَى بِالِاجْتِنَابِ أَلَا تَرَى أَنَّ حَذَرَك مِنْ عَدُوٍّ لَك فِي نَفْسِك دُونَ غَيْرِك أَشَدُّ مِنْ حَذَرِك مِنْ الْعَدُوِّ لِقَبِيلَتِك أَوْ مِلَّتِك فَاجْتِنَابُك لَهُ أَكْثَرُ وَأَلْيَقُ بِك فَإِنَّ تَسَلُّطَهُ عَلَيْك أَعْظَمُ لِأَنَّ عَدُوَّك الْخَاصَّ بِك لَوْ تَرَكَ النَّاسَ كُلَّهُمْ مَا تَرَكَك وَأَمَّا عَدُوُّ مِلَّتِك أَوْ قَبِيلَتِك لَا يُلَاحِظُ خُصُوصَك فِي عَدَاوَتِهِ بَلْ رُبَّمَا مَالَ إلَيْك دُونَ أَهْلِ مِلَّتِك أَوْ أَهْلِ قَبِيلَتِك لِأَمْرٍ يَجِدُهُ فِيك دُونَهُمْ وَإِنَّ أَلَمَك الَّذِي تَجِدُهُ فِي نَفْسِك مِنْ الْغَرِيمِ الَّذِي لَا يُطَالِبُ إلَّا أَنْتَ أَشَدُّ مِنْ أَلَمِك مِنْ الْغَرِيمِ الْمُطَالِبِ لِجَمَاعَةٍ أَنْتَ مِنْهُمْ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُصَلِّي مَا يَسْتُرُهُ إلَّا حَرِيرًا أَوْ نَجِسًا يُصَلِّي فِي الْحَرِيرِ وَيَتْرُكُ النَّجِسَ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ النَّجَاسَةِ خَاصَّةٌ بِالصَّلَاةِ وَمَفْسَدَةُ الْحَرِيرِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِخُصُوصِ الصَّلَاةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ وَالْمُسَاقَاةَ وَإِنْ كَانَتْ حَاصِلَةً إلَّا أَنَّهَا لِأَمْرٍ عَامٍّ يَتَعَلَّقُ بِحَقِيقَةِ الْحَرِيرِ لَا بِخُصُوصِ الصَّلَاةِ وَقَاعِدَةُ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا بِالْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا إذَا تَعَارَضَتَا كَمَا تُقْطَعُ الْيَدُ الْمُتَآكِلَةُ لِبَقَاءِ النَّفْسِ لِأَنَّ مَفْسَدَتَهَا أَعْظَمُ وَأَشْمَلُ وَكُلَّمَا كَانَتْ مَفْسَدَةُ الشَّيْءِ تَثْبُتُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَمَفْسَدَةُ غَيْرِهِ لَا تَثْبُتُ إلَّا فِي حَالَةٍ كَانَ اعْتِنَاءُ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِمَا تَعُمُّ مَفْسَدَتُهُ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ أَقْوَى وَمَفْسَدَتُهُ أَعْظَمُ مَحَلِّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَفْسَدَةُ الدُّنْيَا لَهَا تَعَلُّقٌ بِخُصُوصِ الْحَالِ بِأَنْ تَكُونَ فِي تِلْكَ الْحَقَائِقِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِخُصُوصِ الْحَالِ كَمَا هُنَا فَيَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ الْأَعَمِّ وَالْأَشْمَلِ عَلَيْهَا فَافْهَمْ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ رَامَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ دَفْعَ إشْكَالَ الْمَسْأَلَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّابَّةَ مَنْ تَجَاوَزَ بِهَا الْبَلَدَ الْمُعَيَّنَ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا إلَيْهِ مُتَعَدِّيًا وَإِنْ رَدَّهَا سَالِمَةً وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهَا الْغَاصِبَ إذَا تَعَدَّى بِالْغَصْبِ فِيهَا وَرَدَهَا سَالِمَةً الْمُصَوَّرُ بِأَنَّ غَايَةَ هَذَا التَّعَدِّي أَنْ يَكُونَ كَالْغَاصِبِ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا سَالِمَةً فَخَرَّجَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَعْنِي قَاعِدَةَ أَنَّ النَّهْيَ الْخَاصَّ بِالْحَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَقْوَى مِمَّا هُوَ عَامٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ تِلْكَ الْحَالَةِ بِأَنْ قَالَ النَّهْيُ عَنْ الْغَصْبِ نَهْيٌ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِحَالَةٍ وَلَا بِعَيْنٍ دُونَ عَيْنٍ وَوُجِدَ فِي هَذَا الْمُتَعَدِّي نَهْيٌ خَاصٌّ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِأَنَّهُ لَمَّا آجَرَهُ إلَى الْغَايَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَحَدَّدَ لَهُ الْغَايَةَ فَقَدْ نَهَاهُ أَنْ يُجَاوِزَهَا فَالزَّائِدُ عَلَى هَذِهِ الْغَايَةِ فِيهِ نَهْيٌ يَخُصُّهُ وَيَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الدَّابَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَبِهَذِهِ الْغَايَةِ دُونَ غَيْرِهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ مَعَ رَدِّهَا سَالِمَةً أَنْ لَا يُضَمِّنَ الْمُتَعَدِّيَ مَعَ ذَلِكَ لِقُوَّةِ النَّهْيِ فِي حَقِّهِ بِمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْمَارَّةِ وَفِي هَذَا التَّخْرِيجِ نَظَرٌ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ إنَّمَا هِيَ فِي التَّعَارُضِ وَلَمْ يَقَعْ هَاهُنَا تَعَارُضٌ إذْ لَمْ يَجْتَمِعْ نَهْيُ الْغَصْبِ وَنَهْيُ التَّعَدِّي حَتَّى يُقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بَلْ انْفَرَدَ نَهْيُ التَّعَدِّي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ النَّهْيَ الْخَاصَّ هَاهُنَا نَهْيُ آدَمِيٍّ وَالنَّهْيُ الْعَامُّ نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى فَكَيْفَ يُرَجَّحُ نَهْيُ الْآدَمِيِّ لِخُصُوصِهِ عَلَى نَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ عُمُومِهِ وَالشَّرَائِعُ إنَّمَا تَنْبَنِي عَلَى نَهْيِ

стр. 210

النَّجِسَ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ النَّجَاسَةِ خَاصَّةٌ بِالصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَفْسَدَةِ الْحَرِيرِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِخُصُوصِ الصَّلَاةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ وَالْمُنَافَاةُ حَاصِلَةً لَكِنْ لِأَمْرٍ عَامٍّ يَتَعَلَّقُ بِحَقِيقَةِ الْحَرِيرِ لَا بِخُصُوصِ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَتْ مَفْسَدَةُ الشَّيْءِ تَثْبُتُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَمَفْسَدَةُ غَيْرِهِ لَا تَثْبُتُ إلَّا فِي حَالَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اعْتِنَاءَ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِمَا تَعُمُّ مَفْسَدَتُهُ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ أَقْوَى وَأَنَّ الْمَفْسَدَةَ أَعْظَمُ وَالْقَاعِدَةُ إذَا تَعَارَضَتْ الْمَفْسَدَةُ الدُّنْيَا وَالْمَفْسَدَةُ الْعُلْيَا فَإِنَّا نَدْفَعُ الْعُلْيَا بِالْتِزَامِ الدُّنْيَا كَمَا نَقْطَعُ الْيَدَ الْمُتَآكِلَةَ لِبَقَاءِ النَّفْسِ لِأَنَّ مَفْسَدَتَهَا أَعْظَمُ وَأَشْمَلُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا مَفْسَدَةُ الْحَرِيرِ أَعْظَمُ وَأَشْمَلُ فَكَانَ اجْتِنَابُهُ أَوْلَى مِنْ اجْتِنَابِ النَّجِسِ قُلْت نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إذَا كَانَتْ أَعْظَمَ وَأَشْمَلَ تَكُونُ أَوْلَى بِالِاجْتِنَابِ لَكِنَّ ذَلِكَ حَيْثُ تَكُونُ الْمَفْسَدَةُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِخُصُوصِ الْحَالِ بَلْ هِيَ فِي تِلْكَ الْحَقَائِقِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِخُصُوصِ الْحَالِ فَنَمْنَعُ تَقْدِيمَ الْأَعَمِّ وَالْأَشْمَلِ عَلَيْهَا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ وَهِيَ أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ فَتَجَاوَزَ بِهَا تِلْكَ الْبَلْدَةَ مُتَعَدِّيًا فَإِنَّ لِرَبِّهَا تَضْمِينَهُ الدَّابَّةَ وَإِنْ رَدَّهَا سَالِمَةً وَالْغَاصِبُ إذَا تَعَدَّى بِالْغَصْبِ فِي الدَّابَّةِ وَرَدَّهَا سَالِمَةً لَا يَكُونُ لِرَبِّهَا تَضْمِينَهُ إجْمَاعًا وَغَايَةُ هَذَا الْمُتَعَدِّي أَنْ يَكُونَ كَالْغَاصِبِ وَالْغَاصِبُ إذَا رَدَّ الْمَغْصُوبَ لَا يَضْمَنُ فَكَذَلِكَ هَذَا الْمُتَعَدِّي وَرَامَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ تَخْرِيجَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِأَنْ قَالَ النَّهْيُ عَنْ الْغَصْبِ نَهْيٌ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِحَالَةٍ وَلَا بِعَيْنٍ دُونَ عَيْنٍ وَهَاهُنَا فِي هَذَا الْمُتَعَدِّي وُجِدَ نَهْيٌ خَاصٌّ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِأَنَّهُ لَمَّا آجَرَهُ إلَى الْغَايَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَحَدَّدَ لَهُ الْغَايَةَ فَقَدْ نَهَاهُ أَنْ يُجَاوِزَهَا فَالزَّائِدُ عَلَى هَذِهِ الْغَايَةِ فِيهِ نَهْيٌ يَخُصُّهُ وَيَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ هَذِهِ الدَّابَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَبِهَذِهِ الْغَايَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ النَّهْيَ الْخَاصَّ بِالْحَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ أَقْوَى مِمَّا هُوَ عَامٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ تِلْكَ الْحَالَةِ فَهَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُتَعَدِّي فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ مَعَ الرَّدِّ أَنْ لَا يَضْمَنَ الْمُتَعَدِّي مَعَ الرَّدِّ لِقُوَّةِ النَّهْيِ فِي حَقِّهِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَسْئِلَةٌ أَحَدُهَا أَنَّ الْقَاعِدَةَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِهِ وَنَهْيِ الْعَبْدِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ فِي غَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ فِي حَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِنْ صَحِبَهُ نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْغَايَةِ وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَمَا هُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ قَوْلُهُ ﵊ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» فَاسْتَثْنَى حَالَةَ الطِّيبِ عَنْ النَّهْيِ الْعَامِّ وَبَقِيَ مَا عَدَا حَالَةَ طِيبِ النَّفْسِ مُنْدَرِجًا تَحْتَ النَّهْيِ الْعَامِّ إلَّا أَنَّ نَهْيَ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْغَايَةِ هُوَ عَيْنُ نَهْيِ الْغَصْبِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ الْعَامُّ وَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُورَةٍ فَتَخَيُّلُ تَعَارُضِ نَهْيَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ بَاطِلٌ فَافْهَمْ الْوَجْهُ الثَّالِثُ إنَّا إذَا قِسْنَا تَرْكَ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى تَرْكِ الضَّمَانِ فِي صُورَةِ الْغَصْبِ كَانَ الْقِيَاسُ صَحِيحًا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ وَلَوْ قِسْنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْحَرِيرَ عَلَى النَّجِسِ أَوْ الْمَيْتَةَ عَلَى الصَّيْدِ فَتَرَكَ الْجَمِيعَ أَدَّى ذَلِكَ إلَى هَلَاكِ الْمُحْرِمِ بِالْجُوعِ وَبَقَاءِ الْمُصَلِّي عُرْيَانًا وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ تُعَارِضُنَا فِي قِيَاسِنَا وَتَمْنَعُ مِنْهُ فَكَيْفَ نُسَوِّي بَيْنَ مَوْضِعٍ لَا مُعَارِضَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ وَبَيْنَ مَوْضِعٍ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مُعَارِضٌ أَقْوَى مِنْهُ أَوْ قَادِحٌ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزَّوَاجِرِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْجَوَابِر] (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزَّوَاجِرِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْجَوَابِرِ) وَتَحْرِيرُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا مِنْ وُجُوهٍ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ الزَّوَاجِرَ مَشْرُوعَةٌ لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَالْجَوَابِرُ مَشْرُوعَةٌ لِاسْتِدْرَاكِ الْمَصَالِحِ الْفَائِتَةِ الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ مُعْظَمَ الزَّوَاجِرِ عَلَى الْعُصَاةِ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَزَجْرًا لِمَنْ يَقْدُمُ بَعْدَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَقَدْ تَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْعِصْيَانِ كَمَا فِي الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّا نَزْجُرُهُمْ وَنُؤَدِّبُهُمْ لَا لِعِصْيَانِهِمْ بَلْ لِدَرْءِ مَفَاسِدِهِمْ وَاسْتِصْلَاحِهِمْ وَكَمَا فِي الْبَهَائِمِ وَكَقِتَالِ الْبُغَاةِ دَرْءًا لِتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ مَعَ عَدَمِ التَّأْثِيمِ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ وَمُعْظَمُ الْجَوَابِرِ عَلَى مَنْ لَا يَكُونُ آثِمًا فَقَدْ شَرَعَ الْجَابِرَ مَعَ الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ وَالْعِلْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالذِّكْرِ وَعَلَى الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ مُعْظَمَ الزَّوَاجِرِ إمَّا حُدُودٌ مُقَدَّرَةٌ وَإِمَّا تَعْزِيرَاتٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَهِيَ لَيْسَتْ فِعْلًا لِلْمَزْجُورِينَ بَلْ يَفْعَلُهَا الْأَئِمَّةُ بِهِمْ وَإِنَّمَا الْجَوَابِرُ فِعْلٌ لِمَنْ خُوطِبَ بِهَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بَعْضِ الْكَفَّارَاتِ هَلْ هِيَ زَوَاجِرُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَشَاقِّ تَحَمُّلِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا أَوْ هِيَ جَوَابِرُ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّاتٍ وَلَيْسَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى زَاجِرًا بِخِلَافِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ قُرُبَاتٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِعْلًا لِلْمَزْجُورِينَ كَمَا عَلِمْت الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّ الْجَوَابِرَ تَقَعُ فِي النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ وَالْجِرَاحِ وَالْعِبَادَاتِ وَالْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ بِخِلَافِ الزَّوَاجِرِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَقَعُ فِي الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَالَفَاتِ فَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِابْنِ رُشْدٍ وَالْجِنَايَاتُ الَّتِي لَهَا حُدُودٌ مَشْرُوعَةٌ خَمْسٌ أَحَدُهَا جِنَايَاتٌ عَلَى الْأَبْدَانِ أَوْ النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَهُوَ الْمُسَمَّى قَتْلًا وَجُرْحًا وَثَانِيهَا جِنَايَاتٌ عَلَى الْفُرُوجِ وَهُوَ الْمُسَمَّى زِنًا وَسِفَاحًا وَثَالِثُهَا جِنَايَاتٌ عَلَى الْأَمْوَالِ وَهَذِهِ مَا كَانَ مِنْهَا مَأْخُوذًا بِحِرَابٍ سُمِّيَ حِرَابَةً إذَا كَانَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ سُمِّيَ بَغْيًا وَمَا كَانَ مِنْهَا مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ الْمُعَافَصَةِ مِنْ حِرْزٍ يُسَمَّى سَرِقَةً وَمَا كَانَ مِنْهَا مَأْخُوذًا بِعُلُوِّ مَرْتَبَةٍ وَقُوَّةِ سُلْطَانٍ سُمِّيَ غَصْبًا وَرَابِعُهَا جِنَايَةٌ عَلَى الْأَعْرَاضِ وَهِيَ الْمُسَمَّى قَذْفًا وَخَامِسُهَا جِنَايَاتٌ بِالتَّعَدِّي عَلَى اسْتِبَاحَةِ مَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَهَذِهِ إنَّمَا يُوجَدُ فِيهَا حَدٌّ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فِي الْخَمْرِ فَقَطْ وَهُوَ حَدٌّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَعْدَ صَاحِبِ الشَّرْعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - اهـ

стр. 211

إنَّمَا هِيَ فِي التَّعَارُضِ وَلَمْ يَقَعْ هَاهُنَا تَعَارُضٌ فَلَمْ يَجْتَمِعْ نَهْيُ الْغَصْبِ وَنَهْيُ التَّعَدِّي وَقَدَّمَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بَلْ انْفَرَدَ نَهْيُ الْمُتَعَدِّي وَحْدَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَثَانِيهَا أَنَّ النَّهْيَ الْخَاصَّ هَاهُنَا نَهْيُ آدَمِيٍّ وَالنَّهْيُ الْعَامُّ نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُرَجَّحُ نَهْيُ الْآدَمِيِّ لِخُصُوصِهِ عَلَى نَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ عُمُومِهِ بَلْ لَا اعْتِبَارَ بِنَهْيِ الْعَبْدِ أَصْلًا وَإِنَّمَا تَنْبَنِي الشَّرَائِعُ عَلَى نَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِهِ. فَإِنْ قُلْت إذَا نُهِيَ الْعَبْدُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ فِي غَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ فِي حَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّ نَهْيَ اللَّهِ يَصْحَبُهُ فِي تِلْكَ الْغَايَةِ وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَنَحْنُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا رَجَّحْنَا بَيْنَ نَهْيَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى أَحَدُهُمَا خَاصٌّ وَالْآخَرُ عَامٌّ قُلْت هَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ وَلَكِنَّ النَّهْيَ الَّذِي صَحِبَ نَهْيَ الْعَبْدِ هَاهُنَا هُوَ نَهْيٌ عَامٌّ وَهُوَ نَهْيُ الْغَصْبِ بِعَيْنِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الِانْتِفَاعَ بِالْأَمْلَاكِ وَالْأَمْوَالِ إلَّا بِرِضَا أَرْبَابِهَا فَأَيُّ حَالَةٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا الرِّضَا يَكُونُ ذَلِكَ النَّهْيُ مُتَحَقِّقًا فَيَكُونُ نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْغَايَةِ هُوَ ذَلِكَ النَّهْيُ الْعَامُّ الَّذِي اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ حَالَةُ الرِّضَا دُونَ غَيْرِهَا وَهَذَا هُوَ عَيْنُ نَهْيِ الْغَصْبِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ الْعَامُّ وَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِهِ وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» وَاسْتَثْنَى حَالَةَ الطِّيبِ عَنْ النَّهْيِ الْعَامِّ وَبَقِيَ مَا عَدَا حَالَةَ طِيبِ النَّفْسِ مُنْدَرِجًا تَحْتَ النَّهْيِ الْعَامِّ وَهُوَ بِعَيْنِهِ نَهْيُ الْغَصْبِ فَظَهَرَ أَنَّ التَّخَيُّلَ الَّذِي قَالَهُ مِنْ تَعَارُضِ نَهْيَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ بَاطِلٍ وَثَالِثُهَا إذَا قِسْنَا تَرْكَ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى تَرْكِ الضَّمَانِ فِي صُورَةِ الْغَصْبِ كَانَ الْقِيَاسُ صَحِيحًا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ وَلَوْ قِسْنَا هُنَالِكَ الْحَرِيرَ عَلَى الْجِنْسِ أَوْ الْمَيْتَةَ عَلَى الصَّيْدِ فَتَرْكُ الْجَمِيعِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى هَلَاكِ الْمُحْرِمِ بِالْجُوعِ وَبَقَاءِ الْمُصَلِّي عُرْيَانًا وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ تُعَارِضُنَا فِي قِيَاسِنَا وَتَمْنَعُ مِنْهُ فَكَيْفَ نُسَوِّي بَيْنَ مَوْضِعٍ لَا مُعَارِضَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ وَبَيْنَ مَوْضِعٍ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مُعَارِضٌ أَقْوَى مِنْهُ أَوْ قَادِحٌ فِيهِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِبَعْضِ تَغْيِيرٍ لِلْإِصْلَاحِ فَجَوَابِرُ الْعِبَادَاتِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ وَسُجُودِ السَّهْوِ لِلسُّنَنِ وَجِهَةِ السَّفَرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْكَعْبَةِ وَجِهَةِ الْعَدُوِّ فِي الْخَوْفِ مَعَ الْكَعْبَةِ إذَا أَلْجَأَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ يَجْبُرُ مَا فَاتَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِالْإِعَادَةِ فِي جَمَاعَةٍ وَأَخْذِ النَّقْدَيْنِ مَعَ دُونِ السِّنِّ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ أَوْ زِيَادَةِ السِّنِّ فِي ابْنِ اللَّبُونِ مَعَ وَصْفِ الْأُنُوثَةِ الْفَائِتِ فِي بِنْتِ الْمَخَاضِ وَالْإِطْعَامِ لِمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ عَنْ سَنَتِهِ إلَى بَعْدَ شَعْبَانَ أَوْ لَمْ يَصُمْ لِعَجْزِهِ وَالصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ وَالنُّسُكُ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوْ الدَّمِ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ أَوْ التَّلْبِيَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ مَا عَدَا الْأَرْكَانَ أَوْ الْعَمَلَ فِي التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ وَجَبْرُ الدَّمِ بِصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أَيْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِ وَسَبْعَةٍ فِي غَيْرِهِ وَجَبْرُ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ بِذَلِكَ لِحَقِّ اللَّه تَعَالَى وَبِقِيمَتِهِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْمَالِكِ فَهَذَا مُتْلَفٌ وَاحِدٌ جُبِرَ بِبَدَلَيْنِ وَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الْمَجْبُورَاتِ وَلَمْ يُشْرَعْ لِشَجَرِ الْحَرَمِ جَابِرٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَبِالْجُمْلَةِ فَالصَّلَاةُ لَا تُجْبَرُ إلَّا بِعَمَلٍ بَدَنِيٍّ. وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالصَّيْدُ تُجْبَرُ بِالْبَدَنِيِّ وَالْمَالِيِّ مَعًا وَمُفْتَرِقَيْنِ وَالصَّوْمُ بِالْبَدَنِيِّ بِالْقَضَاءِ وَبِالْمَالِ فِي الْإِطْعَامِ وَأَمَّا جَوَابِرُ الْمَالِ فَالْأَصْلُ أَنْ يُؤْتَى بِعَيْنِ الْمَالِ مَعَ الْإِمْكَانِ فَإِنْ أَتَى بِهِ كَامِلَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ بَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهِ أَوْ نَاقِصَ الْأَوْصَافِ جَبَرَ نَقْصَهَا بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَيْسَتْ مِثْلِيَّةً إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَوْصَافُ تُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ خَلَلًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجُمْلَةَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَنْ قَطَعَ ذَنَبَ بَغْلَةِ الْقَاضِي وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ رُكُوبُهَا عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ أَصْحَابُنَا الْمَغْصُوبَ لِلْغَاصِبِ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ أَوْ طَحَنَ الْقَمْحَ أَوْ ضَرَبَ الْفِضَّةَ دَرَاهِمَ أَوْ شَقَّ الْخَشَبَةَ أَلْوَاحًا أَوْ زَرَعَ الْحِنْطَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمُفَوِّتَاتِ فَلِلْغَاصِبِ مَنْعُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ أَخْذِ مَا وَجَدَهُ مِنْ مَالِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَلْ لَهُ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ وَالْأَوَّلُ أَنْضَرُ وَأَقْرَبُ لِلْقَوَاعِدِ فَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِأَبِي الْوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ رُشْدٍ مَا لَفْظُهُ وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَسْتَحِلَّ مَالَ الْغَاصِبِ مِنْ أَجْلِ غَصْبِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْفَعَةً أَوْ عَيْنًا إلَّا أَنْ يَحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» لَكِنْ هَذَا مُجْمَلٌ وَمَفْهُومُهُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْفَعَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَالِهِ وَبَيْنَ الشَّيْءِ الَّذِي غَصَبَهُ أَعْنِي مَالَهُ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَغْصُوبِ. اهـ. وَأَمَّا إنْ جَاءَ بِهَا نَاقِصَةَ الْقِيمَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ فَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الْفَائِتَ رَغَبَاتُ النَّاسِ وَهِيَ غَيْرُ مُقَوَّمَةٍ فِي الشَّرْعِ وَلَا قَائِمَةٍ بِالْعَيْنِ وَتُجْبَرُ الْأَمْوَالُ الْمِثْلِيَّةُ بِأَمْثَالِهَا لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَى رَدِّ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ مِنْ الْقِيمَةِ وَقَدْ خُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي صُورَتَيْنِ فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ لِأَجْلِ اخْتِلَاطِ لَبَنِ الْبَائِعِ بِلَبَنِ الْمُشْتَرِي وَعَدَمِ تَمْيِيزِ الْمِقْدَارِ وَفِيمَنْ غَصَبَ مَاءً فِي الْمَعَاطِشِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ يُضَمِّنُونَهُ الْقِيمَةَ فِي مَحَلِّ غَصْبِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا تُجْبَرُ الْأَمْوَالُ إلَّا بِالْمَالِ وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فَلَا تُجْبَرُ احْتِقَارًا لَهَا كَالْمِزْمَارِ وَنَحْوِهِ كَمَا لَا تُجْبَرُ النَّجَاسَاتُ مِنْ الْأَعْيَانِ نَعَمْ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَهْرَ الْمَزْنِيِّ بِهَا كُرْهًا تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَأْتِ مُحَرَّمًا وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ لِسُكْنَى دَارٍ وَلَمْ يُجْبَرْ اللِّوَاطُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَوَّمْ قَطُّ فِي الشَّرْعِ فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ وَالْعِنَاقَ وَإِمَّا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مَنَافِعُ جِسْمِ الْحُرِّ

стр. 212

الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزَّوَاجِرِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْجَوَابِرِ) وَهَاتَانِ قَاعِدَتَانِ عَظِيمَتَانِ وَتَحْرِيرُهُمَا أَنَّ الزَّوَاجِرَ تَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ فَقَدْ يَكُونُ مَعَهُمَا الْعِصْيَانُ فِي الْمُكَلَّفِينَ وَقَدْ لَا يَكُونُ مَعَهَا عِصْيَانٌ كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّا نَزْجُرُهُمْ وَنُؤَدِّبُهُمْ لَا لِعِصْيَانِهِمْ بَلْ لِدَرْءِ مَفَاسِدِهِمْ وَاسْتِصْلَاحِهِمْ وَكَذَلِكَ الْبَهَائِمُ ثُمَّ هِيَ قَدْ يَكُونُ مُقَدَّرَةً كَالْحُدُودِ وَقَدْ لَا تَكُونُ كَالتَّعَازِيرِ وَأَمَّا الْجَوَابِرُ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِاسْتِدْرَاكِ الْمَصَالِحِ الْفَائِتَةِ وَالزَّوَاجِرُ مَشْرُوعَةٌ لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ مَنْ يَتَوَجَّهُ فِي حَقِّهِ الْجَابِرُ أَنْ يَكُونَ آثِمًا وَلِذَلِكَ شُرِعَ مَعَ الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ وَالْعِلْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالذِّكْرِ وَعَلَى الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ بِخِلَافِ الزَّوَاجِرِ فَإِنَّ مُعْظَمَهُمَا عَلَى الْعُصَاةِ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَزَجْرًا لِمَنْ يَقْدُمُ بَعْدَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَقَدْ تَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْعِصْيَانِ كَمَا نُقَدِّمُ تَمْثِيلَهُ بِالصِّبْيَانِ وَكَذَلِكَ قِتَالُ الْبُغَاةِ دَرْءًا لِتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ مَعَ عَدَمِ التَّأْثِيمِ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بَعْضِ الْكَفَّارَاتِ هَلْ هِيَ زَوَاجِرُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَشَاقِّ تَحَمُّلِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا أَوْ هِيَ جَوَابِرُ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّاتٍ وَلَيْسَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ زَجْرًا بِخِلَافِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ قُرُبَاتٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِعْلًا لِلْمَزْجُورِينَ بَلْ يَفْعَلُهَا الْأَئِمَّةُ بِهِمْ ثُمَّ الْجَوَابِرُ تَقَعُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِ الْأَعْضَاءِ وَالْجِرَاحِ وَالْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ فَجَوَابِرُ الْعِبَادَاتِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ وَسُجُودِ السَّهْوِ لِلسُّنَنِ وَجِهَةِ السَّفَرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْكَعْبَةِ وَجِهَةِ الْعَدُوِّ فِي الْخَوْفِ مَعَ الْكَعْبَةِ إذَا أَلْجَأَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ. وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ يَجْبُرُ مَا فَاتَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِالْإِعَادَةِ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى وَأَخْذِ النَّقْدَيْنِ مَعَ دُونِ السِّنِّ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ أَوْ زِيَادَةِ السِّنِّ فِي ابْنِ اللَّبُونِ مَعَ وَصْفِ الْأُنُوثَةِ الْفَائِتِ فِي بِنْتِ الْمَخَاضِ وَالْإِطْعَامِ لِمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ عَنْ سَنَتِهِ إلَى بَعْدِ شَعْبَانَ أَوْ لَمْ يَصُمْ لِعَجْزِهِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ وَالنُّسُكِ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ أَوْ الدَّمِ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ أَوْ التَّلْبِيَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ مَا عَدَا الْأَرْكَانَ أَوْ الْعَمَلَ فِي التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ وَجَبْرِ الدَّمِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَلَا تُضْمَنُ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى مَنَافِعِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فَوَاتُهَا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ مَنَافِعُ الْأَبْضَاعِ ضُمِّنَتْ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَالشُّبْهَةِ وَالْإِكْرَاهِ وَلَا تُجْبَرُ بِالْفَوَاتِ تَحْتَ الْأَيْدِي الْعَادِيَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ قَلِيلَ الْمَنَافِعِ يُجْبَرُ بِالْقَلِيلِ مِنْ الْجَابِرِ وَكَثِيرُهَا بِكَثِيرِهِ وَضَمَانُ الْبُضْعِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ يُسْتَحَقُّ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ فَلَوْ جُبِرَ بِالْفَوَاتِ لَوَجَبَ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَضْلًا عَنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ كُلَّ سَاعَةٍ يَفُوتُ فِيهَا مِنْ الْإِيلَاجَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا وَإِيجَابُ مِثْلِ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ مَنَافِعُ غَيْرِ مَا ذُكِرَ ضُمِّنَتْ بِالْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَالْفَوَاتُ تَحْتَ الْأَيْدِي الْمُبْطِلَةِ. قُلْت وَأَمَّا النُّفُوسُ وَالْأَعْضَاءُ وَمَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ وَالْجِرَاحِ فَمَا رَتَّبَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا مِنْ دِيَاتٍ أَوْ كَفَّارَاتٍ أَوْ حُكُومَةٍ فَجَوَابِرُ وَمَا رَتَّبَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا مِنْ قِصَاصٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ تَأْدِيبٍ فَزَوَاجِرُ فَمِنْ هُنَا قَالَ الْأَصْلُ وَأَمَّا النُّفُوسُ فَإِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ هَذِهِ الْقَوَانِينِ لِمَصَالِحَ تُذْكَرُ فِي الْجِنَايَاتِ فَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ حَرَامٌ وَقَدْ شُرِعَ فِيهِ إذَا وُجِدَ سَبَبُهُ وَشَرْطُهُ وَانْتَفَى مَانِعُهُ الْقِصَاصُ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] اهـ (وَصْلٌ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالزَّوَاجِرِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا شَرِبَ الْحَنَفِيُّ يَسِيرَ النَّبِيذِ أَحُدُّهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْيَسِيرِ مِنْ النَّبِيذِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى الْخَمْرِ لِجَامِعِ الْإِسْكَارِ الْمُقْتَضِي تَحْرِيمَهُ وَعَلَى خِلَافِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ كَقَوْلِهِ ﵊ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَعَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ الْمُقْتَضِيَةِ صِيَانَةَ الْعُقُولِ وَمَنْعَ التَّسَبُّبِ لِإِفْسَادِهَا وَالْحُكْمُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْأُمُورِ إذَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي يُنْقَضُ قَضَاؤُهُ وَلَا نُقِرُّهُ شَرْعًا مَعَ التَّأْكِيدِ لِقَضَاءِ الْقَاضِي فَأَوْلَى أَنْ لَا نُقِرَّهُ شَرْعًا مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ وَمَا لَا يُقَرُّ شَرْعًا لَيْسَ فِيهِ تَقْلِيدٌ وَلَا اجْتِهَادٌ مَقْبُولٌ شَرْعًا وَمَنْ أَتَى الْمَفْسَدَةَ بِغَيْرِ تَقْلِيدٍ صَحِيحٍ أَوْ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ فَهُوَ عَاصٍ فَنَحُدُّهُ لِلْمَعْصِيَةِ وَالْمَفْسَدَةِ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لِفِسْقِهِ حِينَئِذٍ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَمَّا قَبُولُ شَهَادَتِهِ فَلِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ أَوْ مُجْتَهِدٌ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ عَاصٍ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا مَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَأَمَّا حَدُّهُ فَلِدَرْءِ الْمَفْسَدَةِ فِي التَّسَبُّبِ لِإِفْسَادِ الْعَقْلِ إذْ التَّأْدِيبُ قَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَعْصِيَةِ بَلْ لِأَجْلِ الْمَفْسَدَةِ كَتَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ وَفِيهِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ قَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى تَتِمَّ كُلِّيَّةُ الْكُبْرَى الْمَشْرُوطَةِ فِي إنْتَاجِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بَلْ التَّأْدِيبُ إمَّا مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْحُدُودُ كَمَا هُنَا فَلَا يَكُونُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَإِمَّا غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَيَكُونُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَا يُفِيدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَافْهَمْ (لَطِيفَةٌ) فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وَضَوْءِ الشُّمُوعِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ اشْتَهَرَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَبِ وَإِنْ لَمْ يَخْلُ شَرْعًا عَنْ قِلَّةِ أَدَبٍ. قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ كَمَا فِي حَلْبَةِ الْكُمَيْتِ أَحَلَّ الْعِرَاقِيُّ النَّبِيذَ وَشُرْبَهُ ... وَقَالَ حَرَامَانِ الْمُدَامَةُ وَالسُّكْرُ وَقَالَ الْحِجَازِيُّ الشَّرَابَانِ وَاحِدٌ ... فَحَلَّتْ لَنَا مِنْ بَيْنِ قَوْلَيْهِمَا الْخَمْرُ أَرَادَ الْخَمْرَ نَبِيذٌ وَالنَّبِيذُ حَلَالٌ فَالصُّغْرَى مِنْ الِاتِّحَادِ عِنْدَنَا وَالْكُبْرَى مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَإِنَّمَا فَسَدَ الْقِيَاسُ الْمُشَارُ إلَيْهِ لِأَنَّ شَرْطَهُ كُلِّيَّةُ الْكُبْرَى وَالْحَنَفِيَّةِ لَا يَقُولُونَ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَخُصُّونَ الْبَعْضَ الَّذِي لَمْ يُسْكِرْ اهـ

стр. 213

بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ فِي غَيْرِهِ وَجَبْرِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ بِذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَبِقِيمَتِهِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْمَالِكِ وَهُوَ مُتْلَفٌ وَاحِدٌ جُبِرَ بِبَدَلَيْنِ وَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الْمَجْبُورَاتِ وَلَمْ يُشْرَعْ لِشَجَرِ الْحَرَمِ جَابِرٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْبَرُ إلَّا بِعَمَلٍ بَدَنِيٍّ وَلَا تُجْبَرُ الْأَمْوَالُ إلَّا بِالْمَالِ وَيُجْبَرُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالصَّيْدُ بِالْبَدَنِيِّ وَالْمَالِيِّ مَعًا وَمُفْتَرِقَيْنِ وَالصَّوْمُ بِالْبَدَنِيِّ بِالْقَضَاءِ وَبِالْمَالِ فِي الْإِطْعَامِ وَأَمَّا جَوَابِرُ الْمَالِ فَالْأَصْلُ أَنْ يُؤْتِيَ بِعَيْنِ الْمَالِ مَعَ الْإِمْكَانِ فَإِنْ أَتَى بِهِ كَامِلَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ بَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهِ أَوْ نَاقِصَ الْأَوْصَافِ جُبِرَ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَيْسَتْ مِثْلِيَّةً إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَوْصَافُ تُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ خَلَلًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجُمْلَةَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَنْ قَطَعَ ذَنَبَ بَغْلَةِ الْقَاضِي وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ رُكُوبُهَا عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَكَذَلِكَ ضَمَّنَهُ أَصْحَابُنَا الْمَغْصُوبَ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ أَوْ طَحَنَ الْقَمْحَ أَوْ ضَرَبَ الْفِضَّةَ دَرَاهِمَ أَوْ شَقَّ الْخَشَبَةَ أَلْوَاحًا أَوْ زَرَعَ الْحِنْطَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَلْ لَهُ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا لِلْغَاصِبِ مَنْعُهُ مِمَّا وُجِدَ مِنْ مَالِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَالْأَوَّلُ أَنْضَرُ وَأَقْرَبُ لِلْقَوَاعِدِ وَأَمَّا إنْ جَاءَ بِهَا نَاقِصَةَ الْقِيمَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ الْفَائِتَ رَغَبَاتُ النَّاسِ وَهِيَ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ فِي الشَّرْعِ وَلَا قَائِمَةً بِالْعَيْنِ. وَتُجْبَرُ الْأَمْوَالُ الْمِثْلِيَّةُ بِأَمْثَالِهَا لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَى رَدِّ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ مِنْ الْقِيمَةِ وَقَدْ خُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي صُورَتَيْنِ فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ لِأَجْلِ اخْتِلَاطِ لَبَنِ الْبَائِعِ بِلَبَنِ الْمُشْتَرِي وَعَدَمِ تَمْيِيزِ الْمِقْدَارِ وَفِيمَنْ غَصَبَ مَاءً فِي الْمَعَاطِشِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ يُضَمِّنُونَهُ الْقِيمَةَ فِي مَحَلِّ غَصْبِهِ. وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَالْمُحَرَّمُ مِنْهَا لَا يُجْبَرُ احْتِقَارًا لَهَا كَالْمِزْمَارِ وَنَحْوِهِ كَمَا لَمْ تُجْبَرْ النَّجَاسَاتُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَهْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا كُرْهًا تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَأْتِ مُحَرَّمًا وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ لِسُكْنَى دَارٍ وَلَمْ يُجْبَرْ اللِّوَاطُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَوَّمْ قَطُّ فِي الشَّرْعِ فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ وَالْعِنَاقَ وَغَيْرُ الْمُحَرَّمِ مِنْهُ مَا يُضْمَنُ بِالْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَالْفَوَاتُ تَحْتَ الْأَيْدِي الْمُبْطِلَةِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) اتَّفَقَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْعَصْرِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ النَّبَاتِ الْمَعْرُوفِ بِالْحَشِيشَةِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أَهْلُ الْفُسُوق أَعْنِي كَثِيرَهَا الْمُغَيِّبَ لِلْعَقْلِ وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهَا مُفْسِدَةً لِلْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ سُكْرٍ فَتَكُونُ طَاهِرَةً وَيَجِبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ أَوْ مُسْكِرَةً فَتَكُونُ نَجِسَةً وَيَجِبُ فِيهَا الْحَدُّ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ لِلْأَصْلِ قَالَ وَاَلَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّهَا مِنْ الْمُفْسِدَاتِ لَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ فَلَا أُوجِبُ فِيهَا الْحَدَّ وَلَا أُبْطِلُ بِهَا الصَّلَاةَ بَلْ التَّعْزِيرُ الزَّاجِرُ عَنْ مُلَابَسَتِهَا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّا نَجِدُهَا تُثِيرُ الْخَلْطَ الْكَامِنَ فِي الْجَسَدِ كَيْفَمَا كَانَ فَصَاحِبُ الصَّفْرَاءِ تُحْدِثُ لَهُ حِدَّةً وَصَاحِبُ الْبَلْغَمِ تُحْدِثُ لَهُ سُبَاتًا وَصَمْتًا وَصَاحِبُ السَّوْدَاءِ تُحْدِثُ لَهُ بُكَاءً وَجَزَعًا وَصَاحِبُ الدَّمِ تُحْدِثُ لَهُ سُرُورًا بِقَدْرِ حَالِهِ فَتَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَدُّ بُكَاؤُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَدُّ صَمْتُهُ وَأَمَّا الْخَمْرُ وَالْمُسْكِرَاتُ فَلَا تَكَادُ تَجِدُ أَحَدًا مِمَّنْ يَشْرَبُهَا إلَّا وَهُوَ نَشْوَانُ مَسْرُورٌ بَعِيدٌ عَنْ الْبُكَاءِ وَالصَّمْتِ وَثَانِيهِمَا أَنَّا نَجِدُ شُرَّابَ الْخَمْرِ تَكْثُرُ عَرْبَدَتُهُمْ وَوُثُوبُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِالسِّلَاحِ وَيَهْجُمُونَ عَلَى الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهَا حَالَةَ الصَّحْوِ حَتَّى إنَّ الْقَتْلَى يُوجَدُونَ كَثِيرًا مَعَهُمْ وَلَا تَجِدُ أَكَلَةَ الْحَشِيشَةِ إذَا اجْتَمَعُوا يَجْرِي مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ مِنْ الْعَوَائِدِ مَا يُسْمَعُ عَنْ شُرَّابِ الْخَمْرِ بَلْ هُمْ هَمَدَةٌ سُكُوتٌ مَسْبُوتُونَ لَوْ أَخَذْت قُمَاشَهُمْ أَوْ سَبَبْتَهُمْ لَمْ تَجِدْ فِيهِمْ قُوَّةَ الْبَطْشِ الَّتِي تَجِدُهَا فِي شَرَبَةِ الْخَمْرِ بَلْ هُمْ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْبَهَائِمِ فَلِذَا لَا تَجِدُ الْقَتْلَى مَعَهُمْ قَطُّ اهـ بِتَصَرُّفٍ وَوَافَقَهُ الْأَمِيرُ فِي مَجْمُوعِهِ قَالَ وَمِنْهُ أَيْ الْمُفْسِدُ الَّذِي يُغَيِّبُ الْعَقْلَ فَقَطْ لَا يَفْرَحُ وَهُوَ الْمُخَدِّرُ الْحَشِيشَةُ وِفَاقًا لِلْقَرَافِيِّ لِغَلَبَةِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَى أَهْلِهَا انْتَهَى وَالثَّانِي لِلْمَنُوفِيِّ قَالَ يَبِيعُونَ لَهَا بُيُوتَهُمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُمْ بِهَا طَرَبًا وَفَرَحًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ وَفِي الْأَصْلِ وَنُصُوصُ الْمُتَحَدِّثِينَ عَلَى النَّبَاتِيِّ تَقْتَضِي أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ فَإِنَّهُمْ يَصِفُونَهَا بِذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ اهـ وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا مِنْ الْمُفْسِدَاتِ كَمَا اخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ خِلَافُ مَا لِلْمَنُوفِيِّ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ لِأَنَّ إتْلَافَ الْأَمْوَالِ فِيهَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِيهَا لَذَّةً مَا وَأَمَّا تَعْيِينُ كَوْنِهَا تُحْدِثُ الطَّرَبَ الْمُمَاثِلَ لِطَرَبِ الْخَمْرِ فَلَا إذْ الْأَعَمُّ لَا إشْعَارَ لَهُ بِأَخَصَّ مُعَيَّنٍ. اهـ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَفِي كَوْنِهَا لَا تُسْكِرُ إلَّا بَعْدَ مُبَاشَرَةِ النَّارِ أَوْ كَوْنِهَا تُسْكِرُ مُطْلَقًا قَوْلَانِ الْأَوَّلُ لِلْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ قَالَ وَذَلِكَ أَيْ كَوْنُهَا مُسْكِرَةً وَنَجِسَةً بَعْدَ غَلْيِهَا لَا قَبْلَهُ فَظَاهِرُهُ اهـ وَعَلَيْهِ مَا فِي الْأَصْلِ سُئِلَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ عَمَّنْ صَلَّى بِالْحَشِيشَةِ مَعَهُ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا فَأَفْتَى أَنَّهُ إنْ صَلَّى بِهَا قَبْلَ أَنْ تُحَمَّصَ أَوْ تُسْلَقَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ مُعَلِّلًا أَنَّهَا إنَّمَا تُغَيِّبُ الْعَقْلَ بَعْدَ التَّحْمِيصِ أَوْ السَّلْقِ أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ وَهِيَ وَرَقٌ أَخْضَرُ فَلَا بَلْ هِيَ كَالْعَصِيرِ الَّذِي لِلْعِنَبِ وَتَحْمِيصُهَا كَغَلَيَانِهِ اهـ وَالثَّانِي لِبَعْضِهِمْ قَالَ وَإِنَّمَا تُحَمَّصُ لِإِصْلَاحِ طَعْمِهَا وَتَعْدِيلِ كَيْفِيَّتِهَا خَاصَّةً انْتَهَى وَعَلَيْهِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِهَا مُطْلَقًا كَمَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهَا مُطْلَقًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ سُكْرٍ كَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ وَجَوْزَةِ بَابِلَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ التَّأْدِيبَاتِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَاتِ فَكُلَّمَا عَظُمَتْ الْجِنَايَةُ عَظُمَتْ الْعُقُوبَةُ فَإِذَا فُرِضَ شَخْصٌ

стр. 214

وَلَا تُضْمَنُ مَنَافِعُ الْحُرِّ بِحَبْسِهِ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى مَنَافِعِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فَوَاتُهَا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَمَنَافِعُ الْأَبْضَاعِ تُضْمَنُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَالشُّبْهَةِ وَالْإِكْرَاهِ وَلَا تُجْبَرُ بِالْفَوَاتِ تَحْتَ الْأَيْدِي الْعَادِيَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ قَلِيلَ الْمَنَافِعِ يُجْبَرُ بِالْقَلِيلِ مِنْ الْجَابِرِ وَكَثِيرَهَا بِكَثِيرِهِ وَضَمَانُ الْبُضْعِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ يُسْتَحَقُّ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ فَلَوْ جُبِرَ بِالْفَوَاتِ لَوَجَبَ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَضْلًا عَنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ كُلَّ سَاعَةٍ يَفُوتُ فِيهَا مِنْ الْإِيلَاجَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا وَإِيجَابُ مِثْلِ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ. وَأَمَّا النُّفُوسُ فَإِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ هَذِهِ الْقَوَانِينِ لِمَصَالِحَ تُذْكَرُ فِي الْجِنَايَاتِ فُرُوعٌ ثَلَاثَةٌ فِي الزَّوَاجِرِ الْأَوَّلُ الْحَنَفِيُّ إذَا شَرِبَ يَسِيرَ النَّبِيذِ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَمَّا حَدُّهُ فَلِدَرْءِ الْمَفْسَدَةِ فِي التَّسَبُّبِ لِإِفْسَادِ الْعَقْلِ وَأَمَّا قَبُولُ شَهَادَتِهِ فَلِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ أَوْ مُجْتَهِدٌ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ عَاصٍ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا مَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَقَالَ مَالِكٌ أَحُدُّهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَمَّا حَدُّهُ فَلِلْمَفْسَدَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مَعًا بِسَبَبِ أَنَّ إبَاحَةَ الْيَسِيرِ مِنْ النَّبِيذِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الْإِسْكَارِ وَعَلَى خِلَافِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ كَقَوْلِهِ ﵇ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَعَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّ الْقَوَاعِدَ تَقْتَضِي صِيَانَةَ الْعُقُولِ وَمَنْعَ التَّسَبُّبِ لِإِفْسَادِهَا وَالْحُكْمُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى خِلَافِ أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ إذَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي يُنْقَضُ قَضَاؤُهُ وَمَا لَا يُقَرُّ مَعَ قَضَاءِ الْقَاضِي وَتَأَكُّدِهِ بِالْقَضَاءِ وَلَا نُقِرُّهُ شَرْعًا مَعَ التَّأْكِيدِ فَأَوْلَى أَنْ لَا نُقِرَّهُ شَرْعًا مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ وَمَا لَا يُقَرُّ شَرْعًا لَيْسَ فِيهِ تَقْلِيدٌ وَلَا اجْتِهَادٌ مَقْبُولٌ شَرْعًا وَمَنْ أَتَى الْمَفْسَدَةَ بِغَيْرِ تَقْلِيدٍ صَحِيحٍ أَوْ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ فَهُوَ عَاصٍ فَنَحُدُّهُ لِلْمَعْصِيَةِ وَالْمَفْسَدَةِ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لِفِسْقِهِ حِينَئِذٍ بِالْمَعْصِيَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّ التَّأْدِيبَ قَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَعْصِيَةِ بَلْ لِأَجْلِ الْمَفْسَدَةِ كَتَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ فَلَا يُفِيدُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّا نُسَلِّمُ لَهُ ذَلِكَ فِي التَّأْدِيبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَأَمَّا الْمُقَدَّرُ وَهُوَ الْحُدُودُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ الثَّانِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ الْجُنَاةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التَّأْدِيبُ اللَّائِقُ بِجِنَايَتِهِ رَدْعًا وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَالْقَتْلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لِتِلْكَ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ هَذَا الْجَانِي يَسْقُطُ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا أَمَّا الْمُنَاسِبُ فَيَسْقُطُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَالْإِيلَامُ مَفْسَدَةٌ لَا تُشْرَعُ إلَّا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ فَحَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ لَا تُشْرَعُ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُنَاسِبِ فَلِعَدَمِ سَبَبِ الْمُبِيحِ فَيَسْقُطُ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُتَّجَهٌ اتِّجَاهًا قَوِيًّا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الْفَرْق بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُسْكِرَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُرْقِدَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُفْسِدَات] (الْفَرْقُ الْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُسْكِرَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُرْقِدَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُفْسِدَاتِ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ لِمَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ إمَّا أَنْ يَغِيبَ مَعَهُ الْحَوَاسُّ أَوْ لَا فَإِنْ غَابَتْ مَعَهُ الْحَوَاسُّ كَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَاللَّمْسِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ فَهُوَ الْمُرْقِدُ وَإِنْ لَمْ تَغِبْ مَعَهُ الْحَوَاسُّ فَإِمَّا أَنْ تَحْدُثَ مَعَهُ نَشْوَةٌ وَسُرُورٌ وَقُوَّةُ نَفْسٍ عِنْدَ غَالِبِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ فَهُوَ الْمُسْكِرُ وَإِمَّا أَنْ لَا يَحْدُثَ مَعَهُ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُفْسِدُ فَالْمُرْقِدُ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَالْحَوَاسَّ كَالسَّكْرَانِ بِضَمِّ الْكَافِ أَوَّلُهُ مُهْمَلٌ أَوْ مُعْجَمٌ كَمَا فِي الْحَطَّابِ وَالْمُفْسِدُ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ لَا مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ كَالْأَفْيُونِ وَعَسَلِ الْبَلَادِرِ الَّذِي يُشْرَبُ لِلْحِفْظِ وَمَا أَلْطَفَ قَوْلُ الرَّجْرَاجِيِّ شَرِبَ الْبَلَادِرَ عُصْبَةٌ كَيْ يُحْفَظُوا ... وَنَسُوا الَّذِي فِي ذِكْرِهِ مَنْ قَالَ أَوَمَا رَأَوْا أَنَّ الْبَلَا شَطْرُ اسْمِهِ ... وَالضُّرَّ آخِرُهُ بِقَلْبِ الدَّالِ وَيُسَمَّى الْمُفْسِدُ أَيْضًا بِالْمُخَدِّرِ وَالْمُفَتِّرِ وَمِنْهُ الْحَشِيشَةُ عَلَى مَا لِلْأَصْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا عَرَفْت وَالْمُسْكِرُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ وَزِيَادَةٍ فِي الشَّجَاعَةِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ وَالْمَيْلِ إلَى الْبَطْشِ وَالِانْتِقَامِ مِنْ الْأَعْدَاءِ وَالْمُنَافَسَةِ فِي الْعَطَاءِ وَأَخْلَاقِ الْكُرَمَاءِ كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُ حَسَّانَ وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ... وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ مِنْ نَحْوِ الْخَمْرِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الزَّبِيبِ وَالْعِنَبِ وَالْمَزْرِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الْقَمْحِ وَالتِّبْعِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الْعَسَلِ وَالسُّكْرُكَةِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الذُّرَةِ وَلِأَجْلِ اشْتِهَارِ هَذَا فِي الْمُسْكِرَاتِ وَشَاعَ بَيْنَ مُتَنَاوِلِيهَا أَنَّهَا تُوجِبُ السُّرُورَ وَالْأَفْرَاحَ حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ وَلَيْسَتْ الْكِيمْيَاءُ فِي غَيْرِهَا وُجِدَتْ ... وَكُلُّ مَا قِيلَ فِي أَبْوَابِهَا كَذِبُ قِيرَاطُ خَمْرٍ عَلَى الْقِنْطَارِ مِنْ حُزْنٍ ... يَعُودُ فِي الْحَالِ أَفْرَاحًا وَيَنْقَلِبُ أَنْشَدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُجِيبًا لَهُمْ زَعَمَ الْمُدَامَةَ شَارِبُوهَا أَنَّهَا ... تَنْفِي الْهُمُومَ وَتَصْرِفُ الْغَمَّا صَدَقُوا سَرَّتْ بِعُقُولِهِمْ فَتَوَهَّمُوا ... أَنَّ السُّرُورَ لَهُمْ بِهَا تَمَّا سَلَبَتْهُمُو أَدْيَانَهُمْ وَعُقُولَهُمْ ... أَرَأَيْت عَادِمَ ذَيْنِ مُغْتَمًّا وَقَدْ أَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ أَيْضًا أَبُو الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمِصْرَ وَحَكَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ وَتَنْفَرِدُ الْمُسْكِرَاتُ عَنْ الْمُرْقِدَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ الْحَدِّ وَالنَّجَاسَةِ وَتَحْرِيمِ الْيَسِيرِ وَمَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ مِنْ أَنَّ مِنْ اللَّبَنِ نَوْعًا يُغَطِّي الْعَقْلَ إذَا صَارَ قَارِصًا وَيُحْدِثُ نَوْعًا مِنْ السُّكْرِ فَإِنْ شَرِبَ لِذَلِكَ حَرُمَ وَيَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُغَطِّي الْعَقْلَ اهـ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ يُحْدِثُ نَوْعًا مِنْ السُّكْرِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ وَلَا حَدَّ فِي الْمُرْقِدَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ وَلَا نَجَاسَةَ فَمَنْ صَلَّى حَامِلَ الْبَنْجِ أَوْ الْأَفْيُونِ أَوْ السَّيْكَرَانِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا وَيَجُوزُ تَنَاوُلُ الْيَسِيرِ مِنْهَا وَهُوَ مَا لَا يَصِلُ إلَى التَّأْثِيرِ فِي الْعَقْلِ أَوْ الْحَوَاسِّ وَيَحْرُمُ تَنَاوُلُ الْكَثِيرِ الَّذِي يَصِلُ إلَى التَّأْثِيرِ فِي الْعَقْلِ أَوْ الْحَوَاسِّ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَحْكَامِ وَقَعَ بِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْكِرَاتِ وَالْآخَرِينَ

стр. 215

النَّبَاتُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَشِيشَةِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أَهْلُ الْفُسُوقِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْعَصْرِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهَا أَعْنِي كَثِيرَهَا الْمُغَيِّبَ لِلْعَقْلِ وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ الْوَاجِبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ أَوْ الْحَدُّ عَلَى أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ أَوْ مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ سُكْرٍ وَنُصُوصُ الْمُتَحَدِّثِينَ عَلَى النَّبَاتِ تَقْتَضِي أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ فَإِنَّهُمْ يَصِفُونَهَا بِذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ عَلَى مَا أُقَرِّرُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَرْعٌ مُرَتَّبٌ سُئِلَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ عَمَّنْ صَلَّى بِالْحَشِيشَةِ مَعَهُ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ فَأَفْتَى أَنَّهُ إنْ صَلَّى بِهَا قَبْلَ أَنْ تُحَمَّصَ أَوْ تُصْلَقَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَقَالَ فِي تَعْلِيلِ الْفَرْقِ بِأَنَّهَا إنَّمَا تُغَيِّبُ الْعَقْلَ بَعْدَ التَّحْمِيصِ أَوْ الصَّلْقِ أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ وَهِيَ وَرَقٌ أَخْضَرُ فَلَا بَلْ هِيَ كَالْعَصِيرِ الَّذِي لِلْعِنَبِ وَتَحْمِيصُهَا كَغَلَيَانِهِ وَسَأَلْت عَنْ هَذَا الْفَرْقِ جَمَاعَةً مِمَّنْ يُعَانِيهَا فَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ هَذَا الْفَرْقَ وَقَالَ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا بَعْدَ مُبَاشَرَةِ النَّارِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ تُؤَثِّرُ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا تُحَمَّصُ لِإِصْلَاحِ طَعْمِهَا وَتَعْدِيلِ كَيْفِيَّتِهَا خَاصَّةً فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ هَذَا الْفَرْقِ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْفَرْقِ يَكُونُ الْحَقُّ مَا قَالَهُ الْمُفْتِي إنْ صَحَّ أَنَّهَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ وَإِلَّا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهَا مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ وَالْمُفْسِدَةُ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ وَجَوْزَةِ بَابِلَ الثَّالِثُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَاعِدَةُ فِي التَّأْدِيبَاتِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَاتِ فَكُلَّمَا عَظُمَتْ الْجِنَايَةُ عَظُمَتْ الْعُقُوبَةُ فَإِذَا فَرَضَ شَخْصٌ مِنْ الْجُنَاةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التَّأْدِيبُ اللَّائِقُ بِجِنَايَتِهِ رَدْعًا وَاَلَّذِي يُؤَثِّرُ فِيهِ كَالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لِتِلْكَ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ هَذَا الْجَانِيَ يَسْقُطُ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا أَمَّا الْمُنَاسِبُ فَيَسْقُطُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَالْإِيلَامُ مَفْسَدَةٌ لَا تُشْرَعُ إلَّا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ فَحَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ لَا تُشْرَعُ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُنَاسِبِ فَلِعَدَمِ سَبَبِهِ الْمُبِيحِ فَيَسْقُطُ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُتَّجَهٌ اتِّجَاهًا قَوِيًّا. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَفِي الْحَطَّابِ مَا نَصُّهُ فَرْعٌ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالظَّاهِرُ جَوَازُ مَا يُسْقَى مِنْ الْمُرْقِدِ لِقَطْعِ عُضْوٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمُرْقِدِ مَأْمُونٌ وَضَرَرُ الْعُضْوِ غَيْرُ مَأْمُونٍ نَقَلَهُ الْأَمِيرُ فِي شَرْحِ مَجْمُوعِهِ قُلْت وَفِي هَذَا الْجَوَازِ يَنْفَرِدُ الْمُرْقِدُ عَنْ الْمُفْسِدِ أَيْضًا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَصْلٌ) فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) اعْلَمْ أَنَّ النَّبَاتَ الْمَعْرُوفَ بِالْحَشِيشَةِ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ وَلَا غَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِمْ وَإِنَّمَا ظَهَرَ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ وَانْتَشَرَتْ فِي دَوْلَةِ التَّتَارِ قَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَجَمِ قَدِمَ الْقَاهِرَةَ وَطَلَبَ دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشِيشَةِ وَعَقَدَ لِذَلِكَ مَجْلِسًا حَضَرَهُ عُلَمَاءُ الْعَصْرِ فَاسْتَدَلَّ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ» فَأَعْجَبَ الْحَاضِرِينَ قَالَ وَنَبَّهَ السُّيُوطِيّ عَلَى صِحَّتِهِ وَاحْتَجَّ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى حُرْمَةِ الْمُفَتِّرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرَابًا وَلَا مُسْكِرًا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَكَذَا احْتَجَّ بِهِ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. وَذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي جَامِعِهِ وَلَوْلَا صَلَاحِيَّتُهُ لِلِاحْتِجَاجِ مَا احْتَجَّ بِهِ هَؤُلَاءِ وَهُمْ رِجَالُ الْحَدِيثِ وَجَهَابِذَتُهُ وَكَوْنُ الْحَشِيشَةِ مِنْ الْمُفَتِّرِ مِمَّا أَطْبَقَ عَلَيْهِ مُسْتَعْمِلُوهَا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِمْ وَبِخَبَرِهِمْ يُعْتَدُّ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ شَيْئَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ ثُمَّ نَصَّ عَلَى حُكْمِ النَّهْيِ عَنْ أَحَدِهِمَا مِنْ حُرْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أُعْطِيَ الْآخَرُ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِدَلِيلِ اقْتِرَانِهِمَا فِي الذِّكْرِ وَالنَّهْيِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ذُكِرَ الْمُفَتِّرُ مَقْرُونًا بِالْمُسْكِرِ وَتَقَرَّرَ عِنْدنَا تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَيَجِبُ أَنْ يُعْطَى الْمُفَتِّرُ حُكْمَهُ بِقَرِينَةِ النَّهْيِ عَنْهُمَا مُقْتَرِنَيْنِ وَفَسَّرَ غَيْرُ وَاحِدٍ التَّفْتِيرَ بِاسْتِرْخَاءِ الْأَطْرَافِ وَتَخَدُّرِهَا وَصَيْرُورَتِهَا إلَى وَهَنٍ وَانْكِسَارٍ وَذَلِكَ مِنْ مَبَادِئِ النَّشْوَةِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِهَا أَفَادَهُ ابْنُ حَمْدُونٍ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَوَّلُ مَا ظَهَرَتْ الْعُشْبَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالتُّنْبَاكِ وَالتُّتْن وَالدُّخَانِ وَدُخَانِ طَابَهُ وَتَابِغًا وَطَابِغًا وَطَابَهُ بتنبكتو فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الْحَادِي عَشَرَ كَمَا فِي ابْنِ حَمْدُونٍ أَيْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ بَعْدَ الْأَلْفِ كَمَا نَقَلَهُ اللَّكْنَوِيُّ عَنْ الْعَلَّامَةِ الزَّاهِدِ مُحَمَّدٍ أَوْ فِي سَنَةِ خَمْسَةَ عَشْرَ كَمَا نَقَلَهُ اللَّكْنَوِيُّ عَنْ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ فِي رِسَالَتِهِ تَرْوِيحِ الْجَنَانِ وَمُقْتَضَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ يَا خَلِيلِي عَنْ الدُّخَانِ أَجِبْنِي ... هَلْ لَهُ فِي كِتَابِنَا إيمَاءُ قُلْت مَا فَرَّطَ الْكِتَابُ بِشَيْءِ ... ثُمَّ أَرَّخْت يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ أَنَّهُ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ وَهُوَ مُفَادُ قَوْلِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ اللَّقَانِيِّ فِي عُمْدَةِ الْمُرِيدِ شَرْحِ جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ قَدْ حَدَثَ فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الْحَادِي عَشَرَ وَقُبَيْلَهُ بِمُدَّةِ قَلِيلَةٍ كَمَا فِي تَرْوِيحِ الْجَنَانِ بِتَشْرِيحِ حُكْمِ شُرْبِ الدُّخَّانِ لِلَّكْنَوِيِّ وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ عَلَى مُخْتَصَرِ مَيَّارَةَ عَلَى ابْنِ عَاشِرٍ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقَدْرِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْعَقْلِ مِنْهَا حَرَامٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا الْقَدْرُ الْغَيْرُ الْمُؤَثِّرِ فَأَطْبَقَ الْمَغَارِبَةُ وَأَكْثَرُ الْمَشَارِقَةِ كَالشَّيْخِ سَالِمٍ السَّنْهُورِيِّ وَتِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَأَلَّفَ فِي تَحْرِيمِهَا سَيِّدِي الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْفَكُّونُ تَأْلِيفًا فِي عِدَّةِ كَرَارِيسَ مُشْتَمِلًا عَلَى
следующие страницы →