← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

إنَّمَا هِيَ فِي التَّعَارُضِ وَلَمْ يَقَعْ هَاهُنَا تَعَارُضٌ فَلَمْ يَجْتَمِعْ نَهْيُ الْغَصْبِ وَنَهْيُ التَّعَدِّي وَقَدَّمَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بَلْ انْفَرَدَ نَهْيُ الْمُتَعَدِّي وَحْدَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَثَانِيهَا أَنَّ النَّهْيَ الْخَاصَّ هَاهُنَا نَهْيُ آدَمِيٍّ وَالنَّهْيُ الْعَامُّ نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُرَجَّحُ نَهْيُ الْآدَمِيِّ لِخُصُوصِهِ عَلَى نَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ عُمُومِهِ بَلْ لَا اعْتِبَارَ بِنَهْيِ الْعَبْدِ أَصْلًا وَإِنَّمَا تَنْبَنِي الشَّرَائِعُ عَلَى نَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرِهِ. فَإِنْ قُلْت إذَا نُهِيَ الْعَبْدُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ فِي غَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ فِي حَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّ نَهْيَ اللَّهِ يَصْحَبُهُ فِي تِلْكَ الْغَايَةِ وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَنَحْنُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا رَجَّحْنَا بَيْنَ نَهْيَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى أَحَدُهُمَا خَاصٌّ وَالْآخَرُ عَامٌّ قُلْت هَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ وَلَكِنَّ النَّهْيَ الَّذِي صَحِبَ نَهْيَ الْعَبْدِ هَاهُنَا هُوَ نَهْيٌ عَامٌّ وَهُوَ نَهْيُ الْغَصْبِ بِعَيْنِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الِانْتِفَاعَ بِالْأَمْلَاكِ وَالْأَمْوَالِ إلَّا بِرِضَا أَرْبَابِهَا فَأَيُّ حَالَةٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا الرِّضَا يَكُونُ ذَلِكَ النَّهْيُ مُتَحَقِّقًا فَيَكُونُ نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ الْغَايَةِ هُوَ ذَلِكَ النَّهْيُ الْعَامُّ الَّذِي اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ حَالَةُ الرِّضَا دُونَ غَيْرِهَا وَهَذَا هُوَ عَيْنُ نَهْيِ الْغَصْبِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ الْعَامُّ وَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِهِ وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» وَاسْتَثْنَى حَالَةَ الطِّيبِ عَنْ النَّهْيِ الْعَامِّ وَبَقِيَ مَا عَدَا حَالَةَ طِيبِ النَّفْسِ مُنْدَرِجًا تَحْتَ النَّهْيِ الْعَامِّ وَهُوَ بِعَيْنِهِ نَهْيُ الْغَصْبِ فَظَهَرَ أَنَّ التَّخَيُّلَ الَّذِي قَالَهُ مِنْ تَعَارُضِ نَهْيَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ بَاطِلٍ وَثَالِثُهَا إذَا قِسْنَا تَرْكَ الضَّمَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى تَرْكِ الضَّمَانِ فِي صُورَةِ الْغَصْبِ كَانَ الْقِيَاسُ صَحِيحًا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ وَلَوْ قِسْنَا هُنَالِكَ الْحَرِيرَ عَلَى الْجِنْسِ أَوْ الْمَيْتَةَ عَلَى الصَّيْدِ فَتَرْكُ الْجَمِيعِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى هَلَاكِ الْمُحْرِمِ بِالْجُوعِ وَبَقَاءِ الْمُصَلِّي عُرْيَانًا وَهَذِهِ مَفْسَدَةٌ تُعَارِضُنَا فِي قِيَاسِنَا وَتَمْنَعُ مِنْهُ فَكَيْفَ نُسَوِّي بَيْنَ مَوْضِعٍ لَا مُعَارِضَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ وَبَيْنَ مَوْضِعٍ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مُعَارِضٌ أَقْوَى مِنْهُ أَوْ قَادِحٌ فِيهِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِبَعْضِ تَغْيِيرٍ لِلْإِصْلَاحِ فَجَوَابِرُ الْعِبَادَاتِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ وَسُجُودِ السَّهْوِ لِلسُّنَنِ وَجِهَةِ السَّفَرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْكَعْبَةِ وَجِهَةِ الْعَدُوِّ فِي الْخَوْفِ مَعَ الْكَعْبَةِ إذَا أَلْجَأَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ يَجْبُرُ مَا فَاتَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِالْإِعَادَةِ فِي جَمَاعَةٍ وَأَخْذِ النَّقْدَيْنِ مَعَ دُونِ السِّنِّ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ أَوْ زِيَادَةِ السِّنِّ فِي ابْنِ اللَّبُونِ مَعَ وَصْفِ الْأُنُوثَةِ الْفَائِتِ فِي بِنْتِ الْمَخَاضِ وَالْإِطْعَامِ لِمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ عَنْ سَنَتِهِ إلَى بَعْدَ شَعْبَانَ أَوْ لَمْ يَصُمْ لِعَجْزِهِ وَالصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ وَالنُّسُكُ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوْ الدَّمِ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ أَوْ التَّلْبِيَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ مَا عَدَا الْأَرْكَانَ أَوْ الْعَمَلَ فِي التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ وَجَبْرُ الدَّمِ بِصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أَيْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِ وَسَبْعَةٍ فِي غَيْرِهِ وَجَبْرُ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ بِذَلِكَ لِحَقِّ اللَّه تَعَالَى وَبِقِيمَتِهِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْمَالِكِ فَهَذَا مُتْلَفٌ وَاحِدٌ جُبِرَ بِبَدَلَيْنِ وَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الْمَجْبُورَاتِ وَلَمْ يُشْرَعْ لِشَجَرِ الْحَرَمِ جَابِرٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَبِالْجُمْلَةِ فَالصَّلَاةُ لَا تُجْبَرُ إلَّا بِعَمَلٍ بَدَنِيٍّ. وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالصَّيْدُ تُجْبَرُ بِالْبَدَنِيِّ وَالْمَالِيِّ مَعًا وَمُفْتَرِقَيْنِ وَالصَّوْمُ بِالْبَدَنِيِّ بِالْقَضَاءِ وَبِالْمَالِ فِي الْإِطْعَامِ وَأَمَّا جَوَابِرُ الْمَالِ فَالْأَصْلُ أَنْ يُؤْتَى بِعَيْنِ الْمَالِ مَعَ الْإِمْكَانِ فَإِنْ أَتَى بِهِ كَامِلَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ بَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهِ أَوْ نَاقِصَ الْأَوْصَافِ جَبَرَ نَقْصَهَا بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَيْسَتْ مِثْلِيَّةً إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَوْصَافُ تُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ خَلَلًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجُمْلَةَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَنْ قَطَعَ ذَنَبَ بَغْلَةِ الْقَاضِي وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ رُكُوبُهَا عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ أَصْحَابُنَا الْمَغْصُوبَ لِلْغَاصِبِ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ أَوْ طَحَنَ الْقَمْحَ أَوْ ضَرَبَ الْفِضَّةَ دَرَاهِمَ أَوْ شَقَّ الْخَشَبَةَ أَلْوَاحًا أَوْ زَرَعَ الْحِنْطَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمُفَوِّتَاتِ فَلِلْغَاصِبِ مَنْعُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ أَخْذِ مَا وَجَدَهُ مِنْ مَالِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَلْ لَهُ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ وَالْأَوَّلُ أَنْضَرُ وَأَقْرَبُ لِلْقَوَاعِدِ فَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِأَبِي الْوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ رُشْدٍ مَا لَفْظُهُ وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَسْتَحِلَّ مَالَ الْغَاصِبِ مِنْ أَجْلِ غَصْبِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْفَعَةً أَوْ عَيْنًا إلَّا أَنْ يَحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» لَكِنْ هَذَا مُجْمَلٌ وَمَفْهُومُهُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْفَعَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَالِهِ وَبَيْنَ الشَّيْءِ الَّذِي غَصَبَهُ أَعْنِي مَالَهُ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَغْصُوبِ. اهـ. وَأَمَّا إنْ جَاءَ بِهَا نَاقِصَةَ الْقِيمَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ فَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الْفَائِتَ رَغَبَاتُ النَّاسِ وَهِيَ غَيْرُ مُقَوَّمَةٍ فِي الشَّرْعِ وَلَا قَائِمَةٍ بِالْعَيْنِ وَتُجْبَرُ الْأَمْوَالُ الْمِثْلِيَّةُ بِأَمْثَالِهَا لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَى رَدِّ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ مِنْ الْقِيمَةِ وَقَدْ خُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي صُورَتَيْنِ فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ لِأَجْلِ اخْتِلَاطِ لَبَنِ الْبَائِعِ بِلَبَنِ الْمُشْتَرِي وَعَدَمِ تَمْيِيزِ الْمِقْدَارِ وَفِيمَنْ غَصَبَ مَاءً فِي الْمَعَاطِشِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ يُضَمِّنُونَهُ الْقِيمَةَ فِي مَحَلِّ غَصْبِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا تُجْبَرُ الْأَمْوَالُ إلَّا بِالْمَالِ وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فَلَا تُجْبَرُ احْتِقَارًا لَهَا كَالْمِزْمَارِ وَنَحْوِهِ كَمَا لَا تُجْبَرُ النَّجَاسَاتُ مِنْ الْأَعْيَانِ نَعَمْ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَهْرَ الْمَزْنِيِّ بِهَا كُرْهًا تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَأْتِ مُحَرَّمًا وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ لِسُكْنَى دَارٍ وَلَمْ يُجْبَرْ اللِّوَاطُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَوَّمْ قَطُّ فِي الشَّرْعِ فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ وَالْعِنَاقَ وَإِمَّا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مَنَافِعُ جِسْمِ الْحُرِّ

стр. 212

الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزَّوَاجِرِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْجَوَابِرِ) وَهَاتَانِ قَاعِدَتَانِ عَظِيمَتَانِ وَتَحْرِيرُهُمَا أَنَّ الزَّوَاجِرَ تَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ فَقَدْ يَكُونُ مَعَهُمَا الْعِصْيَانُ فِي الْمُكَلَّفِينَ وَقَدْ لَا يَكُونُ مَعَهَا عِصْيَانٌ كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّا نَزْجُرُهُمْ وَنُؤَدِّبُهُمْ لَا لِعِصْيَانِهِمْ بَلْ لِدَرْءِ مَفَاسِدِهِمْ وَاسْتِصْلَاحِهِمْ وَكَذَلِكَ الْبَهَائِمُ ثُمَّ هِيَ قَدْ يَكُونُ مُقَدَّرَةً كَالْحُدُودِ وَقَدْ لَا تَكُونُ كَالتَّعَازِيرِ وَأَمَّا الْجَوَابِرُ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ لِاسْتِدْرَاكِ الْمَصَالِحِ الْفَائِتَةِ وَالزَّوَاجِرُ مَشْرُوعَةٌ لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ مَنْ يَتَوَجَّهُ فِي حَقِّهِ الْجَابِرُ أَنْ يَكُونَ آثِمًا وَلِذَلِكَ شُرِعَ مَعَ الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ وَالْعِلْمِ وَالنِّسْيَانِ وَالذِّكْرِ وَعَلَى الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ بِخِلَافِ الزَّوَاجِرِ فَإِنَّ مُعْظَمَهُمَا عَلَى الْعُصَاةِ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَزَجْرًا لِمَنْ يَقْدُمُ بَعْدَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَقَدْ تَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْعِصْيَانِ كَمَا نُقَدِّمُ تَمْثِيلَهُ بِالصِّبْيَانِ وَكَذَلِكَ قِتَالُ الْبُغَاةِ دَرْءًا لِتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ مَعَ عَدَمِ التَّأْثِيمِ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي بَعْضِ الْكَفَّارَاتِ هَلْ هِيَ زَوَاجِرُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَشَاقِّ تَحَمُّلِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا أَوْ هِيَ جَوَابِرُ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّاتٍ وَلَيْسَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ زَجْرًا بِخِلَافِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ قُرُبَاتٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِعْلًا لِلْمَزْجُورِينَ بَلْ يَفْعَلُهَا الْأَئِمَّةُ بِهِمْ ثُمَّ الْجَوَابِرُ تَقَعُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِ الْأَعْضَاءِ وَالْجِرَاحِ وَالْأَمْوَالِ وَالْمَنَافِعِ فَجَوَابِرُ الْعِبَادَاتِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ وَسُجُودِ السَّهْوِ لِلسُّنَنِ وَجِهَةِ السَّفَرِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْكَعْبَةِ وَجِهَةِ الْعَدُوِّ فِي الْخَوْفِ مَعَ الْكَعْبَةِ إذَا أَلْجَأَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ. وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ لِأَنَّهُ يَجْبُرُ مَا فَاتَهُ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِالْإِعَادَةِ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى وَأَخْذِ النَّقْدَيْنِ مَعَ دُونِ السِّنِّ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ أَوْ زِيَادَةِ السِّنِّ فِي ابْنِ اللَّبُونِ مَعَ وَصْفِ الْأُنُوثَةِ الْفَائِتِ فِي بِنْتِ الْمَخَاضِ وَالْإِطْعَامِ لِمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ عَنْ سَنَتِهِ إلَى بَعْدِ شَعْبَانَ أَوْ لَمْ يَصُمْ لِعَجْزِهِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ وَالنُّسُكِ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ أَوْ الدَّمِ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ أَوْ التَّلْبِيَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ مَا عَدَا الْأَرْكَانَ أَوْ الْعَمَلَ فِي التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ وَجَبْرِ الدَّمِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَلَا تُضْمَنُ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى مَنَافِعِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فَوَاتُهَا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ مَنَافِعُ الْأَبْضَاعِ ضُمِّنَتْ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَالشُّبْهَةِ وَالْإِكْرَاهِ وَلَا تُجْبَرُ بِالْفَوَاتِ تَحْتَ الْأَيْدِي الْعَادِيَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ قَلِيلَ الْمَنَافِعِ يُجْبَرُ بِالْقَلِيلِ مِنْ الْجَابِرِ وَكَثِيرُهَا بِكَثِيرِهِ وَضَمَانُ الْبُضْعِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ يُسْتَحَقُّ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ فَلَوْ جُبِرَ بِالْفَوَاتِ لَوَجَبَ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَضْلًا عَنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ كُلَّ سَاعَةٍ يَفُوتُ فِيهَا مِنْ الْإِيلَاجَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا وَإِيجَابُ مِثْلِ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَإِنْ كَانَتْ مَنَافِعُ غَيْرِ مَا ذُكِرَ ضُمِّنَتْ بِالْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَالْفَوَاتُ تَحْتَ الْأَيْدِي الْمُبْطِلَةِ. قُلْت وَأَمَّا النُّفُوسُ وَالْأَعْضَاءُ وَمَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ وَالْجِرَاحِ فَمَا رَتَّبَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا مِنْ دِيَاتٍ أَوْ كَفَّارَاتٍ أَوْ حُكُومَةٍ فَجَوَابِرُ وَمَا رَتَّبَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا مِنْ قِصَاصٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ تَأْدِيبٍ فَزَوَاجِرُ فَمِنْ هُنَا قَالَ الْأَصْلُ وَأَمَّا النُّفُوسُ فَإِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ هَذِهِ الْقَوَانِينِ لِمَصَالِحَ تُذْكَرُ فِي الْجِنَايَاتِ فَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ حَرَامٌ وَقَدْ شُرِعَ فِيهِ إذَا وُجِدَ سَبَبُهُ وَشَرْطُهُ وَانْتَفَى مَانِعُهُ الْقِصَاصُ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] اهـ (وَصْلٌ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالزَّوَاجِرِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا شَرِبَ الْحَنَفِيُّ يَسِيرَ النَّبِيذِ أَحُدُّهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْيَسِيرِ مِنْ النَّبِيذِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى الْخَمْرِ لِجَامِعِ الْإِسْكَارِ الْمُقْتَضِي تَحْرِيمَهُ وَعَلَى خِلَافِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ كَقَوْلِهِ ﵊ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَعَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ الْمُقْتَضِيَةِ صِيَانَةَ الْعُقُولِ وَمَنْعَ التَّسَبُّبِ لِإِفْسَادِهَا وَالْحُكْمُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْأُمُورِ إذَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي يُنْقَضُ قَضَاؤُهُ وَلَا نُقِرُّهُ شَرْعًا مَعَ التَّأْكِيدِ لِقَضَاءِ الْقَاضِي فَأَوْلَى أَنْ لَا نُقِرَّهُ شَرْعًا مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ وَمَا لَا يُقَرُّ شَرْعًا لَيْسَ فِيهِ تَقْلِيدٌ وَلَا اجْتِهَادٌ مَقْبُولٌ شَرْعًا وَمَنْ أَتَى الْمَفْسَدَةَ بِغَيْرِ تَقْلِيدٍ صَحِيحٍ أَوْ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ فَهُوَ عَاصٍ فَنَحُدُّهُ لِلْمَعْصِيَةِ وَالْمَفْسَدَةِ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لِفِسْقِهِ حِينَئِذٍ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَمَّا قَبُولُ شَهَادَتِهِ فَلِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ أَوْ مُجْتَهِدٌ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ عَاصٍ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا مَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَأَمَّا حَدُّهُ فَلِدَرْءِ الْمَفْسَدَةِ فِي التَّسَبُّبِ لِإِفْسَادِ الْعَقْلِ إذْ التَّأْدِيبُ قَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَعْصِيَةِ بَلْ لِأَجْلِ الْمَفْسَدَةِ كَتَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ وَفِيهِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ تَأْدِيبٍ قَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى تَتِمَّ كُلِّيَّةُ الْكُبْرَى الْمَشْرُوطَةِ فِي إنْتَاجِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ بَلْ التَّأْدِيبُ إمَّا مُقَدَّرٌ وَهُوَ الْحُدُودُ كَمَا هُنَا فَلَا يَكُونُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَإِمَّا غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَيَكُونُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَا يُفِيدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَافْهَمْ (لَطِيفَةٌ) فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وَضَوْءِ الشُّمُوعِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ اشْتَهَرَ بَيْنَ أَهْلِ الْأَدَبِ وَإِنْ لَمْ يَخْلُ شَرْعًا عَنْ قِلَّةِ أَدَبٍ. قَوْلُ ابْنِ الرُّومِيِّ كَمَا فِي حَلْبَةِ الْكُمَيْتِ أَحَلَّ الْعِرَاقِيُّ النَّبِيذَ وَشُرْبَهُ ... وَقَالَ حَرَامَانِ الْمُدَامَةُ وَالسُّكْرُ وَقَالَ الْحِجَازِيُّ الشَّرَابَانِ وَاحِدٌ ... فَحَلَّتْ لَنَا مِنْ بَيْنِ قَوْلَيْهِمَا الْخَمْرُ أَرَادَ الْخَمْرَ نَبِيذٌ وَالنَّبِيذُ حَلَالٌ فَالصُّغْرَى مِنْ الِاتِّحَادِ عِنْدَنَا وَالْكُبْرَى مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَإِنَّمَا فَسَدَ الْقِيَاسُ الْمُشَارُ إلَيْهِ لِأَنَّ شَرْطَهُ كُلِّيَّةُ الْكُبْرَى وَالْحَنَفِيَّةِ لَا يَقُولُونَ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَخُصُّونَ الْبَعْضَ الَّذِي لَمْ يُسْكِرْ اهـ

стр. 213

بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ فِي غَيْرِهِ وَجَبْرِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ بِالْمِثْلِ أَوْ الْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ بِذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَبِقِيمَتِهِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْمَالِكِ وَهُوَ مُتْلَفٌ وَاحِدٌ جُبِرَ بِبَدَلَيْنِ وَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الْمَجْبُورَاتِ وَلَمْ يُشْرَعْ لِشَجَرِ الْحَرَمِ جَابِرٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْبَرُ إلَّا بِعَمَلٍ بَدَنِيٍّ وَلَا تُجْبَرُ الْأَمْوَالُ إلَّا بِالْمَالِ وَيُجْبَرُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالصَّيْدُ بِالْبَدَنِيِّ وَالْمَالِيِّ مَعًا وَمُفْتَرِقَيْنِ وَالصَّوْمُ بِالْبَدَنِيِّ بِالْقَضَاءِ وَبِالْمَالِ فِي الْإِطْعَامِ وَأَمَّا جَوَابِرُ الْمَالِ فَالْأَصْلُ أَنْ يُؤْتِيَ بِعَيْنِ الْمَالِ مَعَ الْإِمْكَانِ فَإِنْ أَتَى بِهِ كَامِلَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ بَرِئَ مِنْ عُهْدَتِهِ أَوْ نَاقِصَ الْأَوْصَافِ جُبِرَ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ لَيْسَتْ مِثْلِيَّةً إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَوْصَافُ تُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ خَلَلًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجُمْلَةَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَنْ قَطَعَ ذَنَبَ بَغْلَةِ الْقَاضِي وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ رُكُوبُهَا عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ وَكَذَلِكَ ضَمَّنَهُ أَصْحَابُنَا الْمَغْصُوبَ إذَا ذَبَحَ الشَّاةَ أَوْ طَحَنَ الْقَمْحَ أَوْ ضَرَبَ الْفِضَّةَ دَرَاهِمَ أَوْ شَقَّ الْخَشَبَةَ أَلْوَاحًا أَوْ زَرَعَ الْحِنْطَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَلْ لَهُ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا لِلْغَاصِبِ مَنْعُهُ مِمَّا وُجِدَ مِنْ مَالِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَالْأَوَّلُ أَنْضَرُ وَأَقْرَبُ لِلْقَوَاعِدِ وَأَمَّا إنْ جَاءَ بِهَا نَاقِصَةَ الْقِيمَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّ الْفَائِتَ رَغَبَاتُ النَّاسِ وَهِيَ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ فِي الشَّرْعِ وَلَا قَائِمَةً بِالْعَيْنِ. وَتُجْبَرُ الْأَمْوَالُ الْمِثْلِيَّةُ بِأَمْثَالِهَا لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَى رَدِّ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ مِنْ الْقِيمَةِ وَقَدْ خُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي صُورَتَيْنِ فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ لِأَجْلِ اخْتِلَاطِ لَبَنِ الْبَائِعِ بِلَبَنِ الْمُشْتَرِي وَعَدَمِ تَمْيِيزِ الْمِقْدَارِ وَفِيمَنْ غَصَبَ مَاءً فِي الْمَعَاطِشِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ يُضَمِّنُونَهُ الْقِيمَةَ فِي مَحَلِّ غَصْبِهِ. وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَالْمُحَرَّمُ مِنْهَا لَا يُجْبَرُ احْتِقَارًا لَهَا كَالْمِزْمَارِ وَنَحْوِهِ كَمَا لَمْ تُجْبَرْ النَّجَاسَاتُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَهْرُ الْمَزْنِيِّ بِهَا كُرْهًا تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَأْتِ مُحَرَّمًا وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ لِسُكْنَى دَارٍ وَلَمْ يُجْبَرْ اللِّوَاطُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَوَّمْ قَطُّ فِي الشَّرْعِ فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ وَالْعِنَاقَ وَغَيْرُ الْمُحَرَّمِ مِنْهُ مَا يُضْمَنُ بِالْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَالْفَوَاتُ تَحْتَ الْأَيْدِي الْمُبْطِلَةِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) اتَّفَقَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْعَصْرِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ النَّبَاتِ الْمَعْرُوفِ بِالْحَشِيشَةِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أَهْلُ الْفُسُوق أَعْنِي كَثِيرَهَا الْمُغَيِّبَ لِلْعَقْلِ وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهَا مُفْسِدَةً لِلْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ سُكْرٍ فَتَكُونُ طَاهِرَةً وَيَجِبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ أَوْ مُسْكِرَةً فَتَكُونُ نَجِسَةً وَيَجِبُ فِيهَا الْحَدُّ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ لِلْأَصْلِ قَالَ وَاَلَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّهَا مِنْ الْمُفْسِدَاتِ لَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ فَلَا أُوجِبُ فِيهَا الْحَدَّ وَلَا أُبْطِلُ بِهَا الصَّلَاةَ بَلْ التَّعْزِيرُ الزَّاجِرُ عَنْ مُلَابَسَتِهَا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّا نَجِدُهَا تُثِيرُ الْخَلْطَ الْكَامِنَ فِي الْجَسَدِ كَيْفَمَا كَانَ فَصَاحِبُ الصَّفْرَاءِ تُحْدِثُ لَهُ حِدَّةً وَصَاحِبُ الْبَلْغَمِ تُحْدِثُ لَهُ سُبَاتًا وَصَمْتًا وَصَاحِبُ السَّوْدَاءِ تُحْدِثُ لَهُ بُكَاءً وَجَزَعًا وَصَاحِبُ الدَّمِ تُحْدِثُ لَهُ سُرُورًا بِقَدْرِ حَالِهِ فَتَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَدُّ بُكَاؤُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَدُّ صَمْتُهُ وَأَمَّا الْخَمْرُ وَالْمُسْكِرَاتُ فَلَا تَكَادُ تَجِدُ أَحَدًا مِمَّنْ يَشْرَبُهَا إلَّا وَهُوَ نَشْوَانُ مَسْرُورٌ بَعِيدٌ عَنْ الْبُكَاءِ وَالصَّمْتِ وَثَانِيهِمَا أَنَّا نَجِدُ شُرَّابَ الْخَمْرِ تَكْثُرُ عَرْبَدَتُهُمْ وَوُثُوبُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِالسِّلَاحِ وَيَهْجُمُونَ عَلَى الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهَا حَالَةَ الصَّحْوِ حَتَّى إنَّ الْقَتْلَى يُوجَدُونَ كَثِيرًا مَعَهُمْ وَلَا تَجِدُ أَكَلَةَ الْحَشِيشَةِ إذَا اجْتَمَعُوا يَجْرِي مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ مِنْ الْعَوَائِدِ مَا يُسْمَعُ عَنْ شُرَّابِ الْخَمْرِ بَلْ هُمْ هَمَدَةٌ سُكُوتٌ مَسْبُوتُونَ لَوْ أَخَذْت قُمَاشَهُمْ أَوْ سَبَبْتَهُمْ لَمْ تَجِدْ فِيهِمْ قُوَّةَ الْبَطْشِ الَّتِي تَجِدُهَا فِي شَرَبَةِ الْخَمْرِ بَلْ هُمْ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْبَهَائِمِ فَلِذَا لَا تَجِدُ الْقَتْلَى مَعَهُمْ قَطُّ اهـ بِتَصَرُّفٍ وَوَافَقَهُ الْأَمِيرُ فِي مَجْمُوعِهِ قَالَ وَمِنْهُ أَيْ الْمُفْسِدُ الَّذِي يُغَيِّبُ الْعَقْلَ فَقَطْ لَا يَفْرَحُ وَهُوَ الْمُخَدِّرُ الْحَشِيشَةُ وِفَاقًا لِلْقَرَافِيِّ لِغَلَبَةِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَى أَهْلِهَا انْتَهَى وَالثَّانِي لِلْمَنُوفِيِّ قَالَ يَبِيعُونَ لَهَا بُيُوتَهُمْ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُمْ بِهَا طَرَبًا وَفَرَحًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ وَفِي الْأَصْلِ وَنُصُوصُ الْمُتَحَدِّثِينَ عَلَى النَّبَاتِيِّ تَقْتَضِي أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ فَإِنَّهُمْ يَصِفُونَهَا بِذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ اهـ وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا مِنْ الْمُفْسِدَاتِ كَمَا اخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ خِلَافُ مَا لِلْمَنُوفِيِّ قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ لِأَنَّ إتْلَافَ الْأَمْوَالِ فِيهَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِيهَا لَذَّةً مَا وَأَمَّا تَعْيِينُ كَوْنِهَا تُحْدِثُ الطَّرَبَ الْمُمَاثِلَ لِطَرَبِ الْخَمْرِ فَلَا إذْ الْأَعَمُّ لَا إشْعَارَ لَهُ بِأَخَصَّ مُعَيَّنٍ. اهـ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَفِي كَوْنِهَا لَا تُسْكِرُ إلَّا بَعْدَ مُبَاشَرَةِ النَّارِ أَوْ كَوْنِهَا تُسْكِرُ مُطْلَقًا قَوْلَانِ الْأَوَّلُ لِلْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ قَالَ وَذَلِكَ أَيْ كَوْنُهَا مُسْكِرَةً وَنَجِسَةً بَعْدَ غَلْيِهَا لَا قَبْلَهُ فَظَاهِرُهُ اهـ وَعَلَيْهِ مَا فِي الْأَصْلِ سُئِلَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ عَمَّنْ صَلَّى بِالْحَشِيشَةِ مَعَهُ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا فَأَفْتَى أَنَّهُ إنْ صَلَّى بِهَا قَبْلَ أَنْ تُحَمَّصَ أَوْ تُسْلَقَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ مُعَلِّلًا أَنَّهَا إنَّمَا تُغَيِّبُ الْعَقْلَ بَعْدَ التَّحْمِيصِ أَوْ السَّلْقِ أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ وَهِيَ وَرَقٌ أَخْضَرُ فَلَا بَلْ هِيَ كَالْعَصِيرِ الَّذِي لِلْعِنَبِ وَتَحْمِيصُهَا كَغَلَيَانِهِ اهـ وَالثَّانِي لِبَعْضِهِمْ قَالَ وَإِنَّمَا تُحَمَّصُ لِإِصْلَاحِ طَعْمِهَا وَتَعْدِيلِ كَيْفِيَّتِهَا خَاصَّةً انْتَهَى وَعَلَيْهِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِهَا مُطْلَقًا كَمَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهَا مُطْلَقًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ سُكْرٍ كَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ وَجَوْزَةِ بَابِلَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ التَّأْدِيبَاتِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَاتِ فَكُلَّمَا عَظُمَتْ الْجِنَايَةُ عَظُمَتْ الْعُقُوبَةُ فَإِذَا فُرِضَ شَخْصٌ

стр. 214

وَلَا تُضْمَنُ مَنَافِعُ الْحُرِّ بِحَبْسِهِ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى مَنَافِعِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فَوَاتُهَا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَمَنَافِعُ الْأَبْضَاعِ تُضْمَنُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَالشُّبْهَةِ وَالْإِكْرَاهِ وَلَا تُجْبَرُ بِالْفَوَاتِ تَحْتَ الْأَيْدِي الْعَادِيَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ قَلِيلَ الْمَنَافِعِ يُجْبَرُ بِالْقَلِيلِ مِنْ الْجَابِرِ وَكَثِيرَهَا بِكَثِيرِهِ وَضَمَانُ الْبُضْعِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ يُسْتَحَقُّ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ فَلَوْ جُبِرَ بِالْفَوَاتِ لَوَجَبَ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَضْلًا عَنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ كُلَّ سَاعَةٍ يَفُوتُ فِيهَا مِنْ الْإِيلَاجَاتِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا وَإِيجَابُ مِثْلِ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ. وَأَمَّا النُّفُوسُ فَإِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ هَذِهِ الْقَوَانِينِ لِمَصَالِحَ تُذْكَرُ فِي الْجِنَايَاتِ فُرُوعٌ ثَلَاثَةٌ فِي الزَّوَاجِرِ الْأَوَّلُ الْحَنَفِيُّ إذَا شَرِبَ يَسِيرَ النَّبِيذِ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَمَّا حَدُّهُ فَلِدَرْءِ الْمَفْسَدَةِ فِي التَّسَبُّبِ لِإِفْسَادِ الْعَقْلِ وَأَمَّا قَبُولُ شَهَادَتِهِ فَلِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ أَوْ مُجْتَهِدٌ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ عَاصٍ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا مَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَقَالَ مَالِكٌ أَحُدُّهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَمَّا حَدُّهُ فَلِلْمَفْسَدَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مَعًا بِسَبَبِ أَنَّ إبَاحَةَ الْيَسِيرِ مِنْ النَّبِيذِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الْإِسْكَارِ وَعَلَى خِلَافِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ كَقَوْلِهِ ﵇ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَعَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّ الْقَوَاعِدَ تَقْتَضِي صِيَانَةَ الْعُقُولِ وَمَنْعَ التَّسَبُّبِ لِإِفْسَادِهَا وَالْحُكْمُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى خِلَافِ أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ إذَا قَضَى بِهِ الْقَاضِي يُنْقَضُ قَضَاؤُهُ وَمَا لَا يُقَرُّ مَعَ قَضَاءِ الْقَاضِي وَتَأَكُّدِهِ بِالْقَضَاءِ وَلَا نُقِرُّهُ شَرْعًا مَعَ التَّأْكِيدِ فَأَوْلَى أَنْ لَا نُقِرَّهُ شَرْعًا مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ وَمَا لَا يُقَرُّ شَرْعًا لَيْسَ فِيهِ تَقْلِيدٌ وَلَا اجْتِهَادٌ مَقْبُولٌ شَرْعًا وَمَنْ أَتَى الْمَفْسَدَةَ بِغَيْرِ تَقْلِيدٍ صَحِيحٍ أَوْ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ فَهُوَ عَاصٍ فَنَحُدُّهُ لِلْمَعْصِيَةِ وَالْمَفْسَدَةِ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ لِفِسْقِهِ حِينَئِذٍ بِالْمَعْصِيَةِ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّ التَّأْدِيبَ قَدْ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْمَعْصِيَةِ بَلْ لِأَجْلِ الْمَفْسَدَةِ كَتَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ فَلَا يُفِيدُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّا نُسَلِّمُ لَهُ ذَلِكَ فِي التَّأْدِيبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَأَمَّا الْمُقَدَّرُ وَهُوَ الْحُدُودُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ الثَّانِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ الْجُنَاةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التَّأْدِيبُ اللَّائِقُ بِجِنَايَتِهِ رَدْعًا وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَالْقَتْلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لِتِلْكَ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ هَذَا الْجَانِي يَسْقُطُ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا أَمَّا الْمُنَاسِبُ فَيَسْقُطُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَالْإِيلَامُ مَفْسَدَةٌ لَا تُشْرَعُ إلَّا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ فَحَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ لَا تُشْرَعُ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُنَاسِبِ فَلِعَدَمِ سَبَبِ الْمُبِيحِ فَيَسْقُطُ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُتَّجَهٌ اتِّجَاهًا قَوِيًّا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الْفَرْق بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُسْكِرَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُرْقِدَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُفْسِدَات] (الْفَرْقُ الْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُسْكِرَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُرْقِدَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُفْسِدَاتِ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ لِمَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ إمَّا أَنْ يَغِيبَ مَعَهُ الْحَوَاسُّ أَوْ لَا فَإِنْ غَابَتْ مَعَهُ الْحَوَاسُّ كَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَاللَّمْسِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ فَهُوَ الْمُرْقِدُ وَإِنْ لَمْ تَغِبْ مَعَهُ الْحَوَاسُّ فَإِمَّا أَنْ تَحْدُثَ مَعَهُ نَشْوَةٌ وَسُرُورٌ وَقُوَّةُ نَفْسٍ عِنْدَ غَالِبِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ فَهُوَ الْمُسْكِرُ وَإِمَّا أَنْ لَا يَحْدُثَ مَعَهُ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُفْسِدُ فَالْمُرْقِدُ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَالْحَوَاسَّ كَالسَّكْرَانِ بِضَمِّ الْكَافِ أَوَّلُهُ مُهْمَلٌ أَوْ مُعْجَمٌ كَمَا فِي الْحَطَّابِ وَالْمُفْسِدُ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ لَا مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ كَالْأَفْيُونِ وَعَسَلِ الْبَلَادِرِ الَّذِي يُشْرَبُ لِلْحِفْظِ وَمَا أَلْطَفَ قَوْلُ الرَّجْرَاجِيِّ شَرِبَ الْبَلَادِرَ عُصْبَةٌ كَيْ يُحْفَظُوا ... وَنَسُوا الَّذِي فِي ذِكْرِهِ مَنْ قَالَ أَوَمَا رَأَوْا أَنَّ الْبَلَا شَطْرُ اسْمِهِ ... وَالضُّرَّ آخِرُهُ بِقَلْبِ الدَّالِ وَيُسَمَّى الْمُفْسِدُ أَيْضًا بِالْمُخَدِّرِ وَالْمُفَتِّرِ وَمِنْهُ الْحَشِيشَةُ عَلَى مَا لِلْأَصْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا عَرَفْت وَالْمُسْكِرُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ وَزِيَادَةٍ فِي الشَّجَاعَةِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ وَالْمَيْلِ إلَى الْبَطْشِ وَالِانْتِقَامِ مِنْ الْأَعْدَاءِ وَالْمُنَافَسَةِ فِي الْعَطَاءِ وَأَخْلَاقِ الْكُرَمَاءِ كَمَا يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُ حَسَّانَ وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ... وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ مِنْ نَحْوِ الْخَمْرِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الزَّبِيبِ وَالْعِنَبِ وَالْمَزْرِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الْقَمْحِ وَالتِّبْعِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الْعَسَلِ وَالسُّكْرُكَةِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الذُّرَةِ وَلِأَجْلِ اشْتِهَارِ هَذَا فِي الْمُسْكِرَاتِ وَشَاعَ بَيْنَ مُتَنَاوِلِيهَا أَنَّهَا تُوجِبُ السُّرُورَ وَالْأَفْرَاحَ حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ وَلَيْسَتْ الْكِيمْيَاءُ فِي غَيْرِهَا وُجِدَتْ ... وَكُلُّ مَا قِيلَ فِي أَبْوَابِهَا كَذِبُ قِيرَاطُ خَمْرٍ عَلَى الْقِنْطَارِ مِنْ حُزْنٍ ... يَعُودُ فِي الْحَالِ أَفْرَاحًا وَيَنْقَلِبُ أَنْشَدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُجِيبًا لَهُمْ زَعَمَ الْمُدَامَةَ شَارِبُوهَا أَنَّهَا ... تَنْفِي الْهُمُومَ وَتَصْرِفُ الْغَمَّا صَدَقُوا سَرَّتْ بِعُقُولِهِمْ فَتَوَهَّمُوا ... أَنَّ السُّرُورَ لَهُمْ بِهَا تَمَّا سَلَبَتْهُمُو أَدْيَانَهُمْ وَعُقُولَهُمْ ... أَرَأَيْت عَادِمَ ذَيْنِ مُغْتَمًّا وَقَدْ أَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ أَيْضًا أَبُو الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمِصْرَ وَحَكَى ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ وَتَنْفَرِدُ الْمُسْكِرَاتُ عَنْ الْمُرْقِدَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ الْحَدِّ وَالنَّجَاسَةِ وَتَحْرِيمِ الْيَسِيرِ وَمَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ مِنْ أَنَّ مِنْ اللَّبَنِ نَوْعًا يُغَطِّي الْعَقْلَ إذَا صَارَ قَارِصًا وَيُحْدِثُ نَوْعًا مِنْ السُّكْرِ فَإِنْ شَرِبَ لِذَلِكَ حَرُمَ وَيَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُغَطِّي الْعَقْلَ اهـ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَحْرُمُ تَنَاوُلُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ يُحْدِثُ نَوْعًا مِنْ السُّكْرِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ وَلَا حَدَّ فِي الْمُرْقِدَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ وَلَا نَجَاسَةَ فَمَنْ صَلَّى حَامِلَ الْبَنْجِ أَوْ الْأَفْيُونِ أَوْ السَّيْكَرَانِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا وَيَجُوزُ تَنَاوُلُ الْيَسِيرِ مِنْهَا وَهُوَ مَا لَا يَصِلُ إلَى التَّأْثِيرِ فِي الْعَقْلِ أَوْ الْحَوَاسِّ وَيَحْرُمُ تَنَاوُلُ الْكَثِيرِ الَّذِي يَصِلُ إلَى التَّأْثِيرِ فِي الْعَقْلِ أَوْ الْحَوَاسِّ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَحْكَامِ وَقَعَ بِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْكِرَاتِ وَالْآخَرِينَ

стр. 215

النَّبَاتُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَشِيشَةِ الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أَهْلُ الْفُسُوقِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْعَصْرِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهَا أَعْنِي كَثِيرَهَا الْمُغَيِّبَ لِلْعَقْلِ وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ الْوَاجِبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ أَوْ الْحَدُّ عَلَى أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ أَوْ مُفْسِدَةٌ لِلْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ سُكْرٍ وَنُصُوصُ الْمُتَحَدِّثِينَ عَلَى النَّبَاتِ تَقْتَضِي أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ فَإِنَّهُمْ يَصِفُونَهَا بِذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ عَلَى مَا أُقَرِّرُهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَرْعٌ مُرَتَّبٌ سُئِلَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ عَمَّنْ صَلَّى بِالْحَشِيشَةِ مَعَهُ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَمْ لَا؟ فَأَفْتَى أَنَّهُ إنْ صَلَّى بِهَا قَبْلَ أَنْ تُحَمَّصَ أَوْ تُصْلَقَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَقَالَ فِي تَعْلِيلِ الْفَرْقِ بِأَنَّهَا إنَّمَا تُغَيِّبُ الْعَقْلَ بَعْدَ التَّحْمِيصِ أَوْ الصَّلْقِ أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ وَهِيَ وَرَقٌ أَخْضَرُ فَلَا بَلْ هِيَ كَالْعَصِيرِ الَّذِي لِلْعِنَبِ وَتَحْمِيصُهَا كَغَلَيَانِهِ وَسَأَلْت عَنْ هَذَا الْفَرْقِ جَمَاعَةً مِمَّنْ يُعَانِيهَا فَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ هَذَا الْفَرْقَ وَقَالَ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا بَعْدَ مُبَاشَرَةِ النَّارِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ تُؤَثِّرُ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا تُحَمَّصُ لِإِصْلَاحِ طَعْمِهَا وَتَعْدِيلِ كَيْفِيَّتِهَا خَاصَّةً فَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ هَذَا الْفَرْقِ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْفَرْقِ يَكُونُ الْحَقُّ مَا قَالَهُ الْمُفْتِي إنْ صَحَّ أَنَّهَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ وَإِلَّا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهَا مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ وَالْمُفْسِدَةُ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ وَجَوْزَةِ بَابِلَ الثَّالِثُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَاعِدَةُ فِي التَّأْدِيبَاتِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَاتِ فَكُلَّمَا عَظُمَتْ الْجِنَايَةُ عَظُمَتْ الْعُقُوبَةُ فَإِذَا فَرَضَ شَخْصٌ مِنْ الْجُنَاةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التَّأْدِيبُ اللَّائِقُ بِجِنَايَتِهِ رَدْعًا وَاَلَّذِي يُؤَثِّرُ فِيهِ كَالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لِتِلْكَ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ هَذَا الْجَانِيَ يَسْقُطُ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا أَمَّا الْمُنَاسِبُ فَيَسْقُطُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَالْإِيلَامُ مَفْسَدَةٌ لَا تُشْرَعُ إلَّا لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ فَحَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ لَا تُشْرَعُ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُنَاسِبِ فَلِعَدَمِ سَبَبِهِ الْمُبِيحِ فَيَسْقُطُ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مُتَّجَهٌ اتِّجَاهًا قَوِيًّا. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَفِي الْحَطَّابِ مَا نَصُّهُ فَرْعٌ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالظَّاهِرُ جَوَازُ مَا يُسْقَى مِنْ الْمُرْقِدِ لِقَطْعِ عُضْوٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمُرْقِدِ مَأْمُونٌ وَضَرَرُ الْعُضْوِ غَيْرُ مَأْمُونٍ نَقَلَهُ الْأَمِيرُ فِي شَرْحِ مَجْمُوعِهِ قُلْت وَفِي هَذَا الْجَوَازِ يَنْفَرِدُ الْمُرْقِدُ عَنْ الْمُفْسِدِ أَيْضًا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَصْلٌ) فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) اعْلَمْ أَنَّ النَّبَاتَ الْمَعْرُوفَ بِالْحَشِيشَةِ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْمُجْتَهِدُونَ وَلَا غَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِمْ وَإِنَّمَا ظَهَرَ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ وَانْتَشَرَتْ فِي دَوْلَةِ التَّتَارِ قَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَجَمِ قَدِمَ الْقَاهِرَةَ وَطَلَبَ دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشِيشَةِ وَعَقَدَ لِذَلِكَ مَجْلِسًا حَضَرَهُ عُلَمَاءُ الْعَصْرِ فَاسْتَدَلَّ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ» فَأَعْجَبَ الْحَاضِرِينَ قَالَ وَنَبَّهَ السُّيُوطِيّ عَلَى صِحَّتِهِ وَاحْتَجَّ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى حُرْمَةِ الْمُفَتِّرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرَابًا وَلَا مُسْكِرًا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْخَمْرِ وَالْعَسَلِ مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَكَذَا احْتَجَّ بِهِ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. وَذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي جَامِعِهِ وَلَوْلَا صَلَاحِيَّتُهُ لِلِاحْتِجَاجِ مَا احْتَجَّ بِهِ هَؤُلَاءِ وَهُمْ رِجَالُ الْحَدِيثِ وَجَهَابِذَتُهُ وَكَوْنُ الْحَشِيشَةِ مِنْ الْمُفَتِّرِ مِمَّا أَطْبَقَ عَلَيْهِ مُسْتَعْمِلُوهَا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِمْ وَبِخَبَرِهِمْ يُعْتَدُّ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ شَيْئَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ ثُمَّ نَصَّ عَلَى حُكْمِ النَّهْيِ عَنْ أَحَدِهِمَا مِنْ حُرْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أُعْطِيَ الْآخَرُ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِدَلِيلِ اقْتِرَانِهِمَا فِي الذِّكْرِ وَالنَّهْيِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ذُكِرَ الْمُفَتِّرُ مَقْرُونًا بِالْمُسْكِرِ وَتَقَرَّرَ عِنْدنَا تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَيَجِبُ أَنْ يُعْطَى الْمُفَتِّرُ حُكْمَهُ بِقَرِينَةِ النَّهْيِ عَنْهُمَا مُقْتَرِنَيْنِ وَفَسَّرَ غَيْرُ وَاحِدٍ التَّفْتِيرَ بِاسْتِرْخَاءِ الْأَطْرَافِ وَتَخَدُّرِهَا وَصَيْرُورَتِهَا إلَى وَهَنٍ وَانْكِسَارٍ وَذَلِكَ مِنْ مَبَادِئِ النَّشْوَةِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِهَا أَفَادَهُ ابْنُ حَمْدُونٍ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَوَّلُ مَا ظَهَرَتْ الْعُشْبَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالتُّنْبَاكِ وَالتُّتْن وَالدُّخَانِ وَدُخَانِ طَابَهُ وَتَابِغًا وَطَابِغًا وَطَابَهُ بتنبكتو فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الْحَادِي عَشَرَ كَمَا فِي ابْنِ حَمْدُونٍ أَيْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ بَعْدَ الْأَلْفِ كَمَا نَقَلَهُ اللَّكْنَوِيُّ عَنْ الْعَلَّامَةِ الزَّاهِدِ مُحَمَّدٍ أَوْ فِي سَنَةِ خَمْسَةَ عَشْرَ كَمَا نَقَلَهُ اللَّكْنَوِيُّ عَنْ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ شَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ فِي رِسَالَتِهِ تَرْوِيحِ الْجَنَانِ وَمُقْتَضَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ يَا خَلِيلِي عَنْ الدُّخَانِ أَجِبْنِي ... هَلْ لَهُ فِي كِتَابِنَا إيمَاءُ قُلْت مَا فَرَّطَ الْكِتَابُ بِشَيْءِ ... ثُمَّ أَرَّخْت يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ أَنَّهُ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ وَهُوَ مُفَادُ قَوْلِ الشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ اللَّقَانِيِّ فِي عُمْدَةِ الْمُرِيدِ شَرْحِ جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ قَدْ حَدَثَ فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الْحَادِي عَشَرَ وَقُبَيْلَهُ بِمُدَّةِ قَلِيلَةٍ كَمَا فِي تَرْوِيحِ الْجَنَانِ بِتَشْرِيحِ حُكْمِ شُرْبِ الدُّخَّانِ لِلَّكْنَوِيِّ وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ عَلَى مُخْتَصَرِ مَيَّارَةَ عَلَى ابْنِ عَاشِرٍ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقَدْرِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْعَقْلِ مِنْهَا حَرَامٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا الْقَدْرُ الْغَيْرُ الْمُؤَثِّرِ فَأَطْبَقَ الْمَغَارِبَةُ وَأَكْثَرُ الْمَشَارِقَةِ كَالشَّيْخِ سَالِمٍ السَّنْهُورِيِّ وَتِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَلَى تَحْرِيمِهِ وَأَلَّفَ فِي تَحْرِيمِهَا سَيِّدِي الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْفَكُّونُ تَأْلِيفًا فِي عِدَّةِ كَرَارِيسَ مُشْتَمِلًا عَلَى

стр. 216

الْفَرْقُ الْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُسْكِرَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُرْقِدَاتِ وَقَاعِدَةِ الْمُفْسِدَاتِ) هَذِهِ الْقَوَاعِدُ الثَّلَاثُ قَوَاعِدُ تَلْتَبِسُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا أَنَّ الْمُتَنَاوَلَ مِنْ هَذِهِ إمَّا أَنْ تَغِيبَ مَعَهُ الْحَوَاسُّ أَوْ لَا فَإِنْ غَابَتْ مَعَهُ الْحَوَاسُّ كَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَاللَّمْسِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ فَهُوَ الْمُرْقِدُ وَإِنْ لَمْ تَغِبْ مَعَهُ الْحَوَاسُّ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَحْدُثَ مَعَهُ نَشْوَةٌ وَسُرُورٌ وَقُوَّةُ نَفْسٍ عِنْدَ غَالِبِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ أَوْ لَا فَإِنْ حَدَثَ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُسْكِرُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُفْسِدُ فَالْمُسْكِرُ هُوَ الْمُغَيِّبُ لِلْعَقْلِ مَعَ نَشْوَةٍ وَسُرُورٍ كَالْخَمْرِ وَالْمِزْرِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الْقَمْحِ وَالْبِتْعِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الْعَسَلِ وَالسُّكْرُكَةِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ مِنْ الذُّرَةِ وَالْمُفْسِدُ هُوَ الْمُشَوِّشُ لِلْعَقْلِ مَعَ عَدَمِ السُّرُورِ الْغَالِبِ كَالْبَنْجِ وَالسَّيْكَرَانِ وَيَدُلُّك عَلَى ضَابِطِ الْمُسْكِرِ قَوْلُ الشَّاعِرِ وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا ... وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ فَالْمُسْكِرُ يَزِيدُ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْمَسَرَّةِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ وَالْمَيْلِ إلَى الْبَطْشِ وَالِانْتِقَامِ مِنْ الْأَعْدَاءِ وَالْمُنَافَسَةِ فِي الْعَطَاءِ وَأَخْلَاقِ الْكُرَمَاءِ وَهُوَ مَعْنَى الْبَيْتِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي وَصَفَ بِهِ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَلِأَجْلِ اشْتِهَارِ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْمُسْكِرَاتِ أَنْشَدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ ﵀ زَعَمَ الْمُدَامَةَ شَارِبُوهَا أَنَّهَا ... تَنْفِي الْهُمُومَ وَتَصْرِفُ الْغَمَّا صَدَقُوا سَرَّتْ بِعُقُولِهِمْ فَتَوَهَّمُوا ... أَنَّ السُّرُورَ لَهُمْ بِهَا تَمَّا سَلَبَتْهُمْ أَدْيَانَهُمْ وَعُقُولَهُمْ ... أَرَأَيْت عَادِمَ ذَيْنِ مُغْتَمَّا فَلَمَّا شَاعَ أَنَّهَا تُوجِبُ السُّرُورَ وَالْأَفْرَاحَ أَجَابَهُمْ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ. وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَظْهَرُ لَك أَنَّ الْحَشِيشَةَ مُفْسِدَةٌ وَلَيْسَتْ مُسْكِرَةٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّا نَجِدُهَا تُثِيرُ الْخَلْطَ الْكَامِنَ فِي الْجَسَدِ كَيْفَمَا كَانَ فَصَاحِبُ الصَّفْرَاءِ تُحْدِثُ لَهُ حِدَّةً وَصَاحِبُ الْبَلْغَمِ تُحْدِثُ لَهُ سُبَاتًا وَصَمْتًا وَصَاحِبُ السَّوْدَاءِ تُحْدِثُ لَهُ بُكَاءً وَجَزَعًا وَصَاحِبُ الدَّمِ تُحْدِثُ لَهُ سُرُورًا بِقَدْرِ حَالِهِ فَتَجِدُ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَدُّ بُكَاؤُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَدُّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَجْوِبَةٍ عِدَّةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ سَمَّاهُ مُحَدِّدَ السِّنَانِ فِي نُحُورِ إخْوَانِ الدُّخَانِ وَفِي الْعَمَلِيَّاتِ الْفَاسِيَّةِ وَحَرَّمُوا طَابَا لِلِاسْتِعْمَالِ ... وَلِلتِّجَارَةِ عَلَى الْمِنْوَالِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ أَنَّهَا تُحْدِثُ تَفْتِيرًا وَخَدَرًا فَتُشَارِكُ أَوَّلِيَّةَ الْخَمْرِ فِي نَشْوَتِهِ قَالَ الشَّيْخُ سَيِّدِي التَّاوَدِيُّ فِي أَجْوِبَتِهِ وَكَفَى حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمُ حُجَّةً وَدَلِيلًا يَعْنِي عَلَى تَحْرِيمِ دُخَانِ طَابَةَ اُنْظُرْهُ أَوْ أَنَّهَا تُسْكِرُ فِي ابْتِدَاءِ تَعَاطِيهَا إسْكَارًا سَرِيعًا بِغَيْبَةٍ تَامَّةٍ ثُمَّ لَا يَزَالُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَنْقُصُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَطُولَ الْأَمْرُ جِدًّا فَيَصِيرُ لَا يُحَسُّ بِهِ لَكِنَّهُ يَجِدُ نَشْوَةً وَطَرَبًا أَحْسَنَ عِنْدَهُ مِنْ السُّكْرِ وَعَلَى هَذَا فَهِيَ نَجِسَةٌ وَيَحْرُمُ مِنْهَا الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ وَيُحَدُّ شَارِبُهَا وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَا حَدَّ وَلَا نَجَاسَةَ نَعَمْ يَحْرُمُ الْقَلِيلُ كَالْكَثِيرِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي التَّأْثِيرِ إذْ الْغَالِبُ وُقُوعُهُ بِأَدْنَى شَيْءٍ مِنْهَا وَحِفْظُ الْعُقُولِ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَلِ أَوْ أَنَّهَا لَا تَفْتِيرَ بِهَا وَلَا إسْكَارَ إلَّا أَنَّهَا سَرَفٌ وَضَرَرٌ وَنَجَاسَةٌ لِكَوْنِهَا تُبَلُّ بِالْخَمْرِ وَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ الْقَلِيلُ مِنْهَا وَالْكَثِيرُ وَأَفْتَى جَمْعٌ مِنْ أَئِمَّةِ كُلِّ مَذْهَبٍ بِالْإِبَاحَةِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهَا مِمَّا سَكَتَ عَنْهُ الْمَوْلَى فِي كِتَابِهِ فَهِيَ مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ «الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ رَحْمَةً بِكُمْ فَهُوَ مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ» قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ أَيْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى حِلِّهِ وَلَا حُرْمَتِهِ نَصًّا جَلِيًّا وَلَا خَفِيًّا فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ فَيَحِلُّ تَنَاوُلُهُ مَا لَمْ يَرِدْ النَّهْيُ عَنْهُ. اهـ. وَأَلَّفَ الشَّيْخُ عَلِيُّ الْأُجْهُورِيُّ تَأْلِيفًا سَمَّاهُ غَايَةَ الْبَيَانِ لِحِلِّ مَا لَا يُغِيبُ الْعَقْلَ مِنْ الدُّخَّانِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْفُتُورَ الَّذِي يَحْصُلُ لِمُبْتَدِئِ شُرْبِهِ لَيْسَ مِنْ تَغْيِيبِ الْعَقْلِ فِي شَيْءٍ وَإِنْ سَلِمَ أَنَّهُ مِمَّا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ فَلَيْسَ مِنْ الْمُسْكِرِ قَطْعًا لِأَنَّ الْمُسْكِرَ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ كَمَا تَقَرَّرَ وَطَابَةُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا لِمَنْ لَا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ كَاسْتِعْمَالِ الْأَفْيُونِ لِمَنْ لَا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْزِجَةِ وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَقَدْ يُغَيِّبُ عَقْلَ شَخْصٍ وَلَا يُغَيِّبُ عَقْلَ آخَرَ وَقَدْ يُغَيِّبُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْكَثِيرِ دُونَ الْقَلِيلِ وَنَظْمُهُ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ أَنْ تَقُولَ شُرْبُ الدُّخَانِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا يُغَيِّبُ الْعَقْل مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ مِنْهُ لِذَاتِهِ وَالصُّغْرَى مِنْ الْوِجْدَانِيَّاتِ أَوْ الْمُشَاهَدَاتِ وَدَلِيلُ الْكُبْرَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُفْسِدِ وَنَجَاسَتُهَا لِبَلِّهَا بِالْخَمْرِ إنْ تَحَقَّقَتْ فَحُرْمَتُهَا لِعَارِضٍ لَا لِذَاتِهَا وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ وَهَذَا عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَأْتِي مِنْ بِلَادِ النَّصَارَى وَنَحْوِهَا وَأَمَّا مَا يَأْتِي مِنْ بِلَادِ التَّكْرُورِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ مِنْ مُحَقَّقِ السَّلَامَةِ مِنْ هَذَا عَلَى أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ جَازِمٌ بِطَهَارَةِ دُخَانِ النَّجِسِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالشَّيْخُ خ فِي ضبح وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ تَرْجِيحًا وَلِذَا تَعَقَّبَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ قَوْلَهُ فِيهِ أَنَّ دُخَانَ النَّجِسِ نَجِسٌ بِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ ثُمَّ إنَّ الْحُكْمَ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى مَا بُلَّ مِنْ الْعُشْبِ وَنَحْوِهِ بِالْخَمْرِ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ فِي الْخَمْرِ إذَا جَفَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ بُلَّ تَحَلَّلَ مِنْهَا مَا يُسْكِرُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ إذَا بُلَّ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ يَتَحَلَّلُ مِنْهُ مَا لَا يُسْكِرُ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ كَمَا فِي الْخَمْرِ إذَا تَحَجَّرَ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ بُلَّ لَمْ يُسْكِرْ

стр. 217

صَمْتُهُ وَأَمَّا الْخَمْرُ وَالْمُسْكِرَاتُ فَلَا تَكَادُ تَجِدُ أَحَدًا مِمَّنْ يَشْرَبُهَا إلَّا وَهُوَ نَشْوَانُ مَسْرُورٌ بَعِيدٌ عَنْ صُدُورِ الْبُكَاءِ وَالصَّمْتِ وَثَانِيهمَا أَنَّا نَجِدُ شُرَّابَ الْخَمْرِ تَكْثُرُ عَرْبَدَتُهُمْ وَوُثُوبُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِالسِّلَاحِ وَيَهْجُمُونَ عَلَى الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهَا حَالَةَ الصَّحْوِ وَهُوَ مَعْنَى الْبَيْتِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ وَلَا نَجِدُ أَكَلَةَ الْحَشِيشَةِ إذَا اجْتَمَعُوا يَجْرِي بَيْنَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ مِنْ الْعَوَائِدِ مَا يُسْمَعُ عَنْ شُرَّابِ الْخَمْرِ بَلْ هُمْ هَمَدَةٌ سُكُوتٌ مَسْبُوتِينَ لَوْ أَخَذْت قُمَاشَهُمْ أَوْ سَبَبْتَهُمْ لَمْ تَجِدْ فِيهِمْ قُوَّةَ الْبَطْشِ الَّتِي تَجِدُهَا فِي شَرَبَةِ الْخَمْرِ بَلْ هُمْ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْبَهَائِمِ وَلِذَلِكَ إنَّ الْقَتْلَى يُوجَدُونَ كَثِيرًا مِنْ شُرَّابِ الْخَمْرِ وَلَا يُوجَدُونَ مَعَ أَكَلَةِ الْحَشِيشَةِ فَلِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّهَا مِنْ الْمُفْسِدَاتِ لَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ وَلَا أُوجِبُ فِيهَا الْحَدَّ وَلَا أُبْطِلُ بِهَا الصَّلَاةَ بَلْ التَّعْزِيرُ الزَّاجِرُ عَنْ مُلَابِسِهَا (تَنْبِيهٌ) تَنْفَرِدُ الْمُسْكِرَاتُ عَنْ الْمُرْقِدَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ الْحَدِّ وَالتَّنْجِيسِ وَتَحْرِيمِ الْيَسِيرِ وَالْمُرْقِدَاتُ وَالْمُفْسِدَاتُ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا نَجَاسَةَ فَمَنْ صَلَّى بِالْبَنْجِ مَعَهُ أَوْ الْأَفْيُونِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا وَيَجُوزُ تَنَاوُلُ الْيَسِيرِ مِنْهَا فَمَنْ تَنَاوَلَ حَبَّةً مِنْ الْأَفْيُونِ أَوْ الْبَنْجِ أَوْ السَّيْكَرَانِ جَازَ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَدْرًا يَصِلُ إلَى التَّأْثِيرِ فِي الْعَقْلِ أَوْ الْحَوَاسِّ أَمَّا دُونَ ذَلِكَ فَجَائِزٌ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَحْكَامُ وَقَعَ بِهَا الْفَرْقُ بَيْن الْمُسْكِرَاتِ وَالْآخَرِينَ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاضْبُطْهُ فَعَلَيْهِ تَتَخَرَّجُ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفَ التَّكْلِيفِ) (دُونَ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفًا لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ مَعَ التَّكْلِيفِ) هَذَا الْمَوْضِعُ الْتَبَسَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَاخْتَلَطَتْ عَلَيْهِمْ الْقَاعِدَتَانِ فَوَرَدَتْ إشْكَالَاتٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي كَوْنِ الْكُفَّارِ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مُخَاطَبُونَ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّوَاهِي فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا دُونَ الْأَوَامِرِ فَلَا يُخَاطَبُونَ بِهَا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ وَبِقَوَاعِدِ الدِّينِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْفُرُوعِ وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهَا هَاهُنَا بَيَانُ هَذَا الْفَرْقِ خَاصَّةً ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَإِنَّهُ طَاهِرٌ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ وَصَرْفُ الْمَالِ فِي الْمُبَاحَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بِسَرَفٍ لِأَنَّ الْإِسْرَافَ فِي النَّفَقَاتِ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ هُوَ التَّبْذِيرُ وَفَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ التَّبْذِيرَ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ فَإِذَا كَانَ الْإِنْفَاقُ فِي حَقِّهِ وَلَوْ مُبَاحًا فَلَيْسَ بِسَرَفٍ قَالَ مُجَاهِدٌ لَوْ أَنْفَقَ الرَّجُلُ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ سَرَفًا وَلَوْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا وَاحِدًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ سَرَفًا وَحُرْمَتُهُ لِضَرَرِهِ إنْ تَحَقَّقَ فَهِيَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ لَا لِذَاتِهِ وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ يَضُرُّهُ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ وَدَعْوَى أَنَّهُ مُضِرٌّ مُطْلَقًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا اهـ مَا قَالَهُ عج بِاخْتِصَارٍ كَثِيرٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُفَتِّرَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ حَرَامٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمُ اهـ كَلَامُ ابْنِ حَمْدُونٍ بِاخْتِصَارٍ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ هَذِهِ الْعُشْبَةِ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ مُطْلَقًا فَيَكُونُ نَجِسًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ وَحُرْمَةُ قَلِيلِهِ كَكَثِيرِهِ أَوْ مِنْ الْمُفَتِّرَاتِ مُطْلَقًا وَأَنَّهَا تُحْدِثُ اسْتِرْخَاءَ الْأَطْرَافِ وَتُخَدِّرُهَا وَصَيْرُورَتُهَا إلَى وَهَنٍ وَانْكِسَارٍ كَالْحَشِيشَةِ بِحَيْثُ تُشَارِكُ أَوَّلِيَّةَ الْخَمْرِ فِي نَشْوَتِهِ فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْقَدْرِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْعَقْلِ اتِّفَاقًا وَفِي حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ مَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي التَّأْثِيرِ إذْ الْغَالِبُ وُقُوعُهُ بِأَدْنَى شَيْءٍ مِنْهَا وَحِفْظُ الْعُقُولِ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَلِ أَوْ إبَاحَتِهِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْعِلَّةِ تَدُورُ مَعَ الْمَعْلُولِ وُجُودًا وَعَدَمًا قَوْلَانِ أَوْ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ وَلَا مِنْ الْمُفَتِّرَاتِ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ قَلِيلِهَا كَكَثِيرِهَا لِأَنَّهَا سَرَفٌ وَضَرَرٌ وَنَجَاسَةٌ لِكَوْنِهَا تُبَلُّ بِالْخَمْرِ أَوْ تُبَاحُ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا مِمَّا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ فَهِيَ مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ فَالْأَقْوَالُ فِيهَا خَمْسَةٌ اخْتَارَ ابْنُ حَمْدُونٍ مِنْهَا الْقَوْلَ بِأَنَّهَا مِنْ الْمُفَتِّرَاتِ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ قَلِيلِهَا كَكَثِيرِهَا لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمِ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ حُكِيَ الْخِلَافُ فِي إبَاحَةِ قَلِيلِهَا وَاخْتَارَ تَحْرِيمَهُ كَكَثِيرِهَا مَعَ أَنَّ مُفَادَ قَوْلِهِ عَنْ ضَبْحٍ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْكِرَاتِ وَالْمُرْقِدَاتِ وَالْمُفَتِّرَاتِ بِمِثْلِ مَا قَدَّمْته عَنْ الْأَصْلِ مَا نَصُّهُ وَيَنْبَنِي عَلَى الْإِسْكَارِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ الْحَدُّ وَالنَّجَاسَةُ وَتَحْرِيمُ الْقَلِيلِ اهـ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْلِ مِنْ الْمُرْقِدَاتِ كَالْبَنْجِ وَالْمُفَتِّرَاتِ كَالْأَفْيُونِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَيْضًا مِثْلَهُ عَنْ الْأَصْلِ فَلَمْ يُحْكَ الْخِلَافُ فِي إبَاحَةِ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّرْقِيدِ كَالْبَنْجِ وَلَا مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّفْتِيرِ كَالْأَفْيُونِ فَكَيْفَ يُحْكَى فِي إبَاحَةِ مَا هُوَ فَرْعٌ فِي التَّفْتِيرِ كَهَذِهِ الْعُشْبَةِ وَيُرَجَّحُ الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ قَلِيلِهَا كَكَثِيرِهَا الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَدْرِ الْمُفَتِّرِ مِنْهَا فَقَطْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُفَتِّرَ وَإِنْ اقْتَرَنَ فِي الذِّكْرِ وَالنَّهْيِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالسُّكْرِ الْمُتَقَرِّرِ عِنْدَنَا تَحْرِيمُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ أَنْ يُعْطَى الْمُقَارِنُ الْمَجْهُولِ الْحُكْمِ حُكْمَ مُقَارِنِهِ الْمَعْلُومِ إلَّا أَنَّ إعْطَاءَ حُكْمِ الْمُسْكِرِ لِلْمُفَتِّرِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا تَحَقَّقَ فِيهِ التَّفْتِيرُ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْقَلِيلِ مِنْ الْمُسْكِرِ قِيلَ لِنَجَاسَتِهِ وَكَوْنِهِ ذَرِيعَةً لِاسْتِعْمَالِ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ مِنْهُ وَقِيلَ لِنَجَاسَتِهِ فَقَطْ فَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ قَلِيلُ مَا لَيْسَ

стр. 218

بِسَبَبِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ قَالُوا لَوْ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ لَوَجَبَتْ أَمَّا حَالَةُ الْكُفْرِ. وَهُوَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا حِينَئِذٍ أَوْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِهَا بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ أَنْ نَقُولَ نَخْتَارُ أَنَّهَا وَجَبَتْ حَالَةَ الْكُفْرِ وَقَوْلُهُ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ قُلْنَا مُسَلَّمٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ حُصُولِ التَّكْلِيفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَهَذَا الزَّمَانُ لِأَنَّهُ عِنْدَنَا ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ لَا لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ لُزُومُ الصِّحَّةِ أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا الزَّمَانُ ظَرْفًا لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ حَتَّى نَقُولَ يَصِحُّ أَمَّا مَا لَا يُكَلَّفُ بِهِ كَيْفَ يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِالصِّحَّةِ فَإِنَّ وَصْفَ الصِّحَّةِ تَابِعٌ لِلْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ فَحَيْثُ لَا إذْنَ لَا صِحَّةَ وَمَعْنَى كَوْنِ هَذَا الزَّمَانِ ظَرْفًا لِلتَّكْلِيفِ دُونَ إيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ أَنَّهُ أَمْرٌ فِي زَمَنِ الْكُفْرِ أَنْ يُزِيلَهُ وَيُبَدِّلَهُ بِالْإِيمَانِ وَيَفْعَلَ الصَّلَاةَ فِي زَمَنِ الْإِسْلَامِ لَا فِي زَمَنِ الْكُفْرِ وَصَارَ زَمَنُ الْكُفْرِ ظَرْفًا لِلتَّكْلِيفِ فَقَطْ وَزَمَنُ الْإِسْلَامِ هُوَ زَمَنُ إيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فَتَصَوَّرْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ الزَّمَانَ قَدْ يَكُونُ ظَرْفًا لِلتَّكْلِيفِ فَقَطْ وَهَذَا الزَّمَانُ بِخِلَافِ زَمَنِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ زَمَنٌ هُوَ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ بِالصَّوْمِ وَإِيقَاعِهِ مَعًا وَكَذَلِكَ الْقَامَةُ لِلظُّهْرِ فَظَهَرَ بِهَذَا الْفَرْعِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَانْدَفَعَ بِسَبَبِ مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ السُّؤَالُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُحْدِثُ مَأْمُورٌ بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ وَمُخَاطَبٌ بِهَا فِي زَمَنِ الْحَدَثِ إجْمَاعًا وَالْكُفْرُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ أَمَّا زَمَنُ الْحَدَثِ فَلَا ثُمَّ إنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الصَّلَاةُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُحْدِثٌ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ فِي زَمَنِ الْحَدَثِ أَنْ يُزِيلَ الْحَدَثَ وَيُبَدِّلَهُ بِالطَّهَارَةِ فَإِذَا وُجِدَ زَمَنُ الطَّهَارَةِ فَتَوَقَّعَ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ فَزَمَنُ الطَّهَارَةِ هُوَ زَمَنُ التَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ دُونَ زَمَنِ الْحَدَثِ وَزَمَنُ الْحَدَثِ هُوَ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ فَقَطْ فَقَدْ تَصَوَّرْنَا أَيْضًا الزَّمَانَ ظَرْفًا لِلتَّكْلِيفِ فَقَطْ دُونَ إيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَأَمَّا الزَّمَانُ الَّذِي هُوَ ظَرْفٌ لَهُمَا فَقَدْ تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ بِرَمَضَانَ وَغَيْرِهِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الدَّهْرِيُّ مُكَلَّفٌ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ ﵈ مَعَ أَنَّهُ جَاحِدٌ لِلصَّانِعِ وَمَعَ جَحْدِهِ لِلصَّانِعِ يَتَعَذَّرُ مِنْهُ تَصْدِيقُ الرُّسُلِ فَزَمَنُ جَحْدِهِ لِلصَّانِعِ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ دُونَ إيقَاعِ التَّصْدِيقِ لِتَعَذُّرِهِ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ فِي زَمَنِ الْجَهْلِ بِالصَّانِعِ أَنْ يُزِيلَ هَذَا الْجَهْلَ وَيُبَدِّلَهُ بِعِنْدِهِ وَهُوَ الْعِرْفَانُ فَإِذَا حَصَلَ الْعِرْفَانُ بِالصَّانِعِ فَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ هُوَ مُكَلَّفٌ بِإِيقَاعِ التَّصْدِيقِ لِلرُّسُلِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِنَجِسٍ كَغَيْرِ الْخَمْرِ وَالْمُفَتِّرِ لَيْسَ بِنَجِسٍ اتِّفَاقًا فَكَيْفَ يُقَالُ بِتَحْرِيمِ قَلِيلِهِ وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وَكَوْنُ اسْتِعْمَالِ قَلِيلِ الْمُفَتِّرِ ذَرِيعَةً لِاسْتِعْمَالِ الْقَدْرِ الْمُفَتِّرِ مِنْهُ لَا يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ كَوْنِ اسْتِعْمَالِ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ ذَرِيعَةً وَاسْتِعْمَالِ كَثِيرِهِ فِي اقْتِضَائِهِ التَّحْرِيمَ عَلَى أَنَّهُ فِي الْمُسْكِرِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ جُزْءَ عِلَّةٍ لَا عِلَّةً تَامَّةً وَأَيْضًا سَيَأْتِي عَنْ اللَّكْنَوِيِّ أَنَّ التَّفْتِيرَ هُنَا لَيْسَ هُوَ التَّفْتِيرُ الْمُوجِبُ لِلتَّحْرِيمِ حَتَّى يَكُونَ اسْتِعْمَالُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَرِيعَةً فِيمَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ فَافْهَمْ الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْعُشْبَةِ مُفَتِّرَةً بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لَيْسَ مُطَّرِدًا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا زُرِعَ مِنْهَا فِي نَحْوِ وَزَّانَ مِنْ أَعْمَالِ الْمَغْرِبِ الْأَقْصَى وَنَحْوِ الْبُخَارِيّ وَنَحْوِ الْبَاطِنَةِ أَمَّا مَا زُرِعَ مِنْهَا فِي الْأَنَاضُولِ وَنَحْوِ الْيَمَنِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّفْتِيرُ أَصْلًا كَمَا أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ مَنْ يَعْتَمِدُ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعِيَانَ شَاهِدُ صِدْقٍ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّا نَجِدُ الصَّغِيرَ الَّذِي فِي الْخَامِسَةِ إذَا اسْتَعْمَلَ الْكَثِيرَ مِمَّا زُرِعَ مِنْهَا فِي نَحْوِ الْيَمَنِ وَهُوَ لَمْ يَعْتَدْهُ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ أَدْنَى تَفْتِيرٍ فَأُلْحِقَ مَا فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْعُشْبَةَ فِي ذَاتِهَا مُبَاحَةٌ وَيُعْرَضُ لَهَا حُكْمُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا عَلَى الْأَظْهَرِ كَالْبُنِّ وَكَثْرَتُهَا لَهْوٌ اهـ بِتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ نَعَمْ قَالَ اللَّكْنَوِيُّ إنَّ هَاهُنَا اخْتِلَافَيْنِ الْأَوَّلُ فِي الْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالثَّانِي فِي الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهَا وَالْحَقُّ فِي الِاخْتِلَافِ الْأَوَّلِ هُوَ الْإِبَاحَةُ وَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ الْحُرْمَةِ بِدَلِيلٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَفِي الِاخْتِلَافِ الثَّانِي الْحَقُّ فِي جَانِبِ الذَّاهِبِينَ إلَى الْكَرَاهَةِ لِوُجُودِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ النَّارِ وَالْأَشْرَارِ وَاسْتِعْمَالِ مَا يُعَذَّبُ بِهِ أَرْبَابُ الشِّقَاقِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ وَلِإِيرَاثِهِ الرِّيح الْكَرِيهَة غَالِبًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلِّيًّا اهـ. الْمُرَادُ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْجَوْهَرَةِ لِلَّقَانِيِّ آخِرَ رِسَالَتِهِ تَرْوِيحِ الْجَنَانِ فِي تَشْرِيحِ حُكْمِ شُرْبِ الدُّخَّانِ مَا نَصُّهُ حَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ الْأَعْلَامُ فِي حُرْمَةِ الدُّخَانِ وَكَرَاهَتِهِ وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ الْكَرَاهَةُ وَمَعَ وُجُودِ عِدَّةٍ مِنْ الْعَوَارِضِ لَا يَنْتَهِي إلَى دَرَجَةِ الْإِبَاحَةِ أَصْلًا وَلَا يُقَاسُ عَلَى الْقَهْوَةِ كَمَا تَوَهَّمَ الْبَعْضُ لِأَنَّ شُبْهَةَ أَهْلِ الْعَذَابِ لَا تَخْلُو عَنْ كَرَاهَةٍ بِخِلَافِ الْقَهْوَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا هَذَا التَّشَبُّهُ وَأَيْضًا فِيهَا مَنَافِعُ بِلَا شَكٍّ بِخِلَافِ الدُّخَانِ اهـ اُنْظُرْهَا إنْ شِئْت فَمِنْ هُنَا مَا قَدَّمْته عَنْ الشَّيْخِ يُوسُفَ الصَّفْتِيِّ مِنْ أَنَّ شُرْبَ الدُّخَانِ مَكْرُوهٌ عَلَى الْأَظْهَرِ لَا يُقَالُ إنَّ كَلَامَ ابْنِ حَمْدُونٍ يُفِيدُ وُقُوعَ الْإِجْمَاعِ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَثِيرِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْعَقْلِ مِنْهُ كَالْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ عِنْدَ جَمِيعِ الْمَغَارِبَةِ وَأَكْثَرِ الْمَشَارِقَةِ وَبَعْدَ الْإِجْمَاعِ كَيْفَ يَكُونُ الْحَقُّ أَوْ الْأَظْهَرُ الْقَوْل بِكَرَاهَةِ الدُّخَانِ وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ مِنْ الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ قُلْت قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَبْدُ الْحَيِّ اللَّكْنَوِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَذْكُورَةِ الْإِجْمَاعُ الَّذِي هُوَ إحْدَى الْحُجَجُ الْأَرْبَعُ هُوَ إجْمَاعُ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِيِّينَ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ مُنْقَطِعٌ مِنْ رَأْسِ الْأَرْبَعِمِائَةِ وَقِيلَ مِنْ رَأْسِ الْخَمْسِمِائَةِ فَأَيْنَ وُجُودُ الْمُجْتَهِدِينَ حِينَ حُدُوثِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ أَمَّا الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِتَحْرِيمِهِ فَهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ حَتَّى يَجِبَ تَقْلِيدُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَصْحَابِ

стр. 219

فَالزَّمَنُ الثَّانِي فِي الْكَافِرِ وَالْمُحْدِثِ وَالدَّهْرِيِّ هُوَ زَمَنُ التَّكْلِيفِ وَإِيقَاعُ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَزَمَنُ الْكُفْرِ وَالْحَدَثِ وَجَحْدُ الصَّانِعِ هُوَ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ دُونَ إيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَالسِّرَّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ يَتَيَسَّرُ عَلَيْك الْجَوَابُ عَنْ أَسْئِلَةِ الْخُصُومِ وَشُبُهَاتِهِمْ وَهُوَ فَرْقٌ لَطِيفٌ شَرِيفٌ. (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفًا لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فَقَطْ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفًا لِلْإِيقَاعِ) وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ سَبَبٌ لِلتَّكْلِيفِ وَالْوُجُوبِ فَيَجْتَمِعُ الطَّرَفَانِ الظَّرْفِيَّةُ وَالسَّبَبِيَّةُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ وَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ بِذِكْرِ سَبْعِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ كَالْقَامَةِ مَثَلًا بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرِ هِيَ ظَرْفٌ لِلْمُكَلَّفِ بِهِ لِوُقُوعِهِ فِيهَا وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا سَبَبٌ لِلتَّكْلِيفِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سَبَبُ التَّكْلِيفِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ إنَّمَا هُوَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْهَا فَقَطْ لَكَانَ مَنْ بَلَغَ بَعْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ مِنْ الْكُفَّارِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ السَّبَبِ وَزَوَالُ الْمَانِعِ وَاجْتِمَاعُ الشَّرَائِطِ بَعْدَ زَوَالِ الْأَسْبَابِ لَا تُفِيدُ شَيْئًا بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ الْبُلُوغَ إذَا جَاءَ بَعْدَهَا لَا يُحَقِّقُ وُجُوبًا فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ أَنْ يُصَادِفَ الْبُلُوغُ وَنَحْوُهُ سَبَبًا بَعْدَهُ فَوَجَبَ الظُّهْرُ عَلَى مَنْ بَلَغَ فِي الْقَامَةِ بِالْجُزْءِ الَّذِي صَادَفَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ فَظَهَرَ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ مُسَاوٍ لِلزَّوَالِ فِي السَّبَبِيَّةِ وَأَنَّ مَا سَبَقَ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ السَّبَبَ لِلظُّهْرِ إنَّمَا هُوَ الزَّوَالُ فَقَطْ لَيْسَ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهَا كُلُّهَا ظُرُوفٌ لِلتَّكْلِيفِ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهَا ظُرُوفٌ وَأَسْبَابٌ لَهُ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَيَّامُ الْأَضَاحِيّ الثَّلَاثَةُ أَوْ الْأَرْبَعَةُ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ظُرُوفٌ لِلْأَمْرِ بِالْأُضْحِيَّةِ لِوُجُودِهِ فِيهَا وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا سَبَبٌ لِلْأَمْرِ أَيْضًا بِالْأُضْحِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ تَجَدَّدَ إسْلَامُهُ مِنْ الْكُفَّارِ أَوْ بُلُوغُهُ مِنْ الصِّبْيَانِ يَتَجَدَّدُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالْأُضْحِيَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ عَتَقَ مِنْ الْعَبِيدِ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ وَحُصُولُ الشَّرْطِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِلْأَمْرِ بِالْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ الْجُزْءُ الْكَائِنُ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَتَكُونُ كُلُّهَا ظُرُوفًا وَأَسْبَابًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الِاجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا مُخْتَلِفُونَ فَانْتَفَى الْإِجْمَاعُ رَأْسًا اهـ بِلَفْظِهِ. ثُمَّ قَالَ اللَّكْنَوِيُّ وَرَأَيْت فِي تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عَابْدِينَ مَا نَصُّهُ (مَسْأَلَةٌ) أَفْتَى أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ بِتَحْرِيمِ شُرْبِ الدُّخَانِ الْمَشْهُورِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُمْ وَإِفْتَاءُ النَّاسِ بِحُرْمَتِهِ أَمْ لَا فَلْنُبَيِّنْ ذَلِكَ بَعْدَمَا حَقَّقَهُ أَئِمَّةُ أُصُولِ الدِّينِ قَالَ شَارِحُ مِنْهَاجِ الْوُصُولِ إلَى عِلْمِ الْأُصُولِ لِلْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عُمَر الْبَيْضَاوِيِّ وَيَجُوزُ الْإِفْتَاءُ لِلْمُجْتَهِدِينَ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا الْمُقَلِّدُ الْمُجْتَهِدُ وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ الْمُجْتَهِدِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي الْبَيْضَاوِيِّ الْجَوَازُ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفَتْوَى إذْ لَيْسَ فِي زَمَانِهِ مُجْتَهِدٌ اهـ وَكَلَامُ الْإِمَامِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مُجْتَهِدٌ فَكَيْفَ زَمَانُنَا الْآنَ فَإِنَّ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ لَا تَكَادُ تُوجَدُ فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِتَحْرِيمِ التُّنْبَاكِ إنْ كَانَ فَتْوَاهُمْ عَنْ اجْتِهَادٍ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُمْ فَاجْتِهَادُهُمْ لَيْسَ بِثَابِتٍ فَإِنْ كَانَ عَنْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِمْ فَإِمَّا عَنْ مُجْتَهِدٍ آخَرَ حَتَّى سَمِعُوا مَنْ فِيهِ مُشَافَهَةٌ فَهُوَ أَيْضًا لَيْسَ بِثَابِتٍ وَإِمَّا مِنْ مُجْتَهِدٍ ثَبَتَ إفْتَاؤُهُ فِي الْكُتُبِ فَهُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ إذْ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ وَلَمْ يَنْقُلُوا عَنْ دَفْتَرٍ فِي إفْتَائِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَتِهِ فَكَيْفَ سَاغَ لَهُمْ الْفَتْوَى وَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُمْ وَالْحَقُّ فِي إفْتَاءِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ التَّمَسُّكُ بِالْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْبَيْضَاوِيُّ فِي الْأُصُولِ وَوَصَفَهُمَا بِأَنَّهُمَا نَافِعَانِ فِي الشَّرْعِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ وَالْمَأْخَذُ الشَّرْعِيُّ آيَاتٌ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وَاللَّامُ لِلنَّفْعِ فَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْمُنْتَفَعِ بِهِ مَأْذُونٌ بِهِ شَرْعًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وَالزِّينَةُ تَدُلُّ عَلَى الِانْتِفَاعِ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] الْمُرَادُ بِالطَّيِّبَاتِ الْمُسْتَطَابَاتُ طَبْعًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي حِلَّ الْمَنَافِعِ بِأَسْرِهَا وَالثَّانِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَضَارِّ التَّحْرِيمُ وَالْمَنْعُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» وَأَيْضًا ضَبَطَ أَهْلُ الْفِقْهِ حُرْمَةَ التَّنَاوُلِ إمَّا بِالْإِسْكَارِ كَالْبَنْجِ وَإِمَّا بِالْإِضْرَارِ بِالْبَدَنِ كَالتُّرَابِ وَالتِّرْيَاقِ أَوْ بِالِاسْتِقْذَارِ كَالْمُخَاطِ وَالْبُزَاقِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا كَانَ طَاهِرًا وَبِالْجُمْلَةِ إنْ ثَبَتَ فِي هَذَا الدُّخَانِ أَضْرَارٌ صُرِفَ عَنْ الْمَنَافِعِ فَيَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِتَحْرِيمِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَضْرَارُهُ فَالْأَصْلُ الْحِلُّ مَعَ أَنَّ الْإِفْتَاءَ بِحِلِّهِ فِيهِ دَفْعُ الْحَرَجِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ مُبْتَلَوْنَ بِتَنَاوُلِهِ فَتَحْلِيلُهُ أَيْسَرُ مِنْ تَحْرِيمِهِ «وَمَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا» وَأَمَّا كَوْنُهُ بِدْعَةً فَلَا ضَرَرَ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ فِي التَّنَاوُلِ لَا فِي الدِّينِ فَإِثْبَاتُ حُرْمَتِهِ أَمْرٌ عَسِيرٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ نَصِيرُ نَعَمْ لَوْ أَضَرَّ بِبَعْضِ الطَّبَائِعِ فَهُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ أَوْ نَفَعَ بِبَعْضٍ وَقَصَدَ التَّدَاوِيَ فَهُوَ مَرْغُوبٌ هَذَا مَا سَنَحَ فِي الْخَاطِرِ إظْهَارًا لِلصَّوَابِ مِنْ غَيْرِ تَعَنُّتٍ وَلَا عِنَادٍ فِي الْجَوَابِ كَذَا أَجَابَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ حَيْدَرٍ الْكُرْدِيُّ الْجَزَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اهـ كَلَامُ ابْنِ عَابِدِينَ

стр. 220

لِلْأَمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ وَكُلُّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِ سَبَبٌ لِلتَّكْلِيفِ لِمَنْ اسْتَقْبَلَهُ فَمَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ زَالَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَيْضُ أَوْ قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ فَيَلْزَمُهُ لِلْيَوْمِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ وَأَمَّا أَجْزَاءُ الْيَوْمِ فَلَيْسَتْ أَسْبَابًا لِلتَّكْلِيفِ بَلْ ظُرُوفًا لَهُ بِدَلِيلِ حُصُولِ التَّكْلِيفِ فِيهَا وَعَدَمُ التَّكْلِيفِ فِيهَا عَلَى مَنْ بَلَغَ فِي بَعْضِ يَوْمٍ أَوْ أَسْلَمَ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَجْزَاءِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَجْزَاءِ شَهْرِ الصَّوْمِ أَنَّ مُطْلَقَ الْجُزْءِ كَيْفَ كَانَ وَإِنْ قَلَّ مَا لَمْ يَنْقُصْ عَنْ زَمَنٍ يَسَعُ إيقَاعُ رَكْعَةٍ سَبَبُ التَّكْلِيفِ فَإِنْ نَقَصَ عَنْ زَمَنِ رَكْعَةِ فَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ وَعِنْدَ غَيْرِهِ يَجِبُ بِأَقَلَّ مِنْ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ وَيُحْكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا أَجْزَاءُ شَهْرِ الصَّوْمِ فَلَا بُدَّ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ أَنْ يَكُونَ يَوْمًا كَامِلًا فَهُوَ وِزَانُ زَمَنٍ يَسَعُ رَكْعَةً عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ وَالسَّبَبِيَّةُ فَنَذْكُرُ ثَلَاثًا أُخَرَ مِمَّا هُوَ ظَرْفٌ فَقَطْ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَضَاءُ رَمَضَانَ يَجِبُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إلَى شَعْبَانَ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ كَمَا تَجِبُ الظُّهْرُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا مِنْ أَوَّلِ الْقَامَةِ إلَى آخِرِهَا غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الشُّهُورَ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ زَالَ عُذْرُهُ فِيهَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَإِنَّمَا السَّبَبُ فِي وُجُوبِ هَذَا الصَّوْمِ أَجْزَاءُ رَمَضَانَ السَّابِقِ فَكُلُّ يَوْمٍ هُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْ هَذِهِ الشُّهُورِ إذَا لَمْ يَصُمْ فِيهِ وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ هُوَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَقَطْ بَلْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ سَبَبٌ لِجَعْلِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ وَظَرْفًا لَهُ فَيَصِيرُ سَبَبُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ كُلَّ يَوْمٍ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْإِيقَاعِ فِيهِ وَتَفْوِيتُهُ سَبَبًا لِلصَّوْمِ فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْ هَذِهِ الشُّهُورِ فَقَطْ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَقَلَّ مَنْ يَتَفَطَّنُ لَهُ بَلْ يَعْتَقِدُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّ سَبَبَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ هُوَ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ سَبَبٌ لِسَبَبِيَّةِ ثَلَاثِينَ سَبَبًا لِلْقَضَاءِ وَهِيَ ثَلَاثُونَ تَرْكًا إنْ وَقَعَتْ أَوْ بَعْضُهَا وَسَبَبٌ لِوُجُوبِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مُسَبَّبَاتٌ فَقَطْ لَا أَسْبَابٌ فَصَارَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ يَتَعَلَّقُ بِهَا سِتُّونَ يَوْمًا ثَلَاثُونَ يَوْمًا مُسَبَّبَاتُ صَوْمٍ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا أَسْبَابُ تُرُوكٍ هَذَا تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَظَهَرَ أَنَّ شُهُورَ الْقَضَاءِ ظُرُوفٌ لِلتَّكْلِيفِ لَا أَسْبَابٌ لَهُ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) جَمِيعُ الْعُمْرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ بِمَنْعِ مَنْ يَعْتَادُ كَثْرَةَ شُرْبِ الدُّخَانِ كَأَكْلِ الْبَصَلِ وَالثُّومِ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِوُجُودِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فِي فَمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ تَتَأَذَّى مِنْهَا اهـ كَلَامُ اللَّكْنَوِيِّ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ شُرْبِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مُخْتَارِهِ فَيُدْخِلُ عَلَيْهِمْ شَغَبًا فِي أَنْفُسِهِمْ وَحِيرَةً فِي دِينِهِمْ إذْ مِنْ شَرْطِ التَّغْيِيرِ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ مَا نَصُّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ وَإِنَّمَا يُغَيِّرُ مَا اُجْتُمِعَ عَلَى إحْدَاثِهِ وَإِنْكَارِهِ اهـ وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ فِي مِنْهَاجِهِ أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إنْكَارَ فِيهِ وَلَيْسَ لِلْمُفْتِي وَلَا لِلْقَاضِي أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصَّ الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ وَنَحْوُ هَذَا فِي جَامِعِ الذَّخِيرَةِ لِلْقَرَافِيِّ وَنَحْوِهِ فِي قَوَاعِدِ عِزِّ الدِّينِ قَالَ شَيْخُ الشُّيُوخِ ابْنِ لُبٍّ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي كَرَاهِيَةٍ لَا فِي تَحْرِيمٍ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ وَرُبَّمَا يُؤَوَّلُ الْإِنْكَارُ إلَى أَمْرٍ يَحْرُمُ اهـ وَقَدْ نَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ فِي نَوَازِلِهِ كَلَامَ ابْنِ لُبٍّ مَعْزُوًّا لِبَعْضٍ الشُّيُوخِ وَرَشَّحَهُ أَفَادَهُ الْمَوَّاقُ فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَلَا تَنْظُرْ لِمَنْ قَالَ بَلْ لَمَّا قَالَ كَمَا هُوَ دَأْبُ الرِّجَالِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) أَفَادَ الْحَطَّابُ أَنَّ ظُهُورَ قَهْوَةِ الْبُنِّ كَانَ فِي الْقَرْنِ الْعَاشِرِ وَقَبْلَهُ بِيَسِيرٍ وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ شَرِبَهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِشُرْبِهَا لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى السَّهَرِ فِي الْعِبَادَةِ الشَّيْخُ الْوَلِيُّ الصَّالِحُ الْمُتَّفَقُ عَلَى وِلَايَتِهِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ الشَّاذِلِيُّ الْيَمَنِيّ لَا الْمَغْرِبِيُّ وَنَقَلَ الْأُجْهُورِيُّ عَنْ الْجُنَيْدِ أَنَّ الْبُنَّ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ غَرَسَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ تُسَمَّى شَجَرَةَ السُّلْوَانِ فَلَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ هَبَطَ بِهَا مَعَهُ مِنْ الْجَنَّةِ لِلسُّلْوَانِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَرَمَاهَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ وَهِيَ أَرْضُ زَيْلَعِ الْحَبَشَةِ وَقَالَ ابْنُ سِينَا نَقْلًا عَنْ صَاحِبِ الْقَامُوسِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ أَنَّ الْبُنَّ الْمَعْلُومَ فِي بَلَدِ زَيْلَعِ الْحَبَشَةِ هُوَ الْبَنْدُ بِزِيَادَةِ الدَّالِ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا فَمِنْ مُتَغَالٍ فِيهَا يَرَى أَنَّ شُرْبَهَا قُرْبَةٌ وَمِنْ غَالٍ يَرَى أَنَّ شُرْبَهَا مُسْكِرٌ كَالْخَمْرِ وَالْحَقُّ أَنَّهَا فِي ذَاتِهَا لَا إسْكَارَ فِيهَا وَإِنَّمَا فِيهَا تَنْشِيطٌ لِلنَّفْسِ وَيَحْصُلُ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا ضَرَاوَةٌ تُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ عِنْدَ تَرْكِهَا كَمَنْ اعْتَادَ اللَّحْمَ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْمُفْرَدَاتِ فَيَتَأَثَّرُ عِنْدَ تَرْكِهِ وَيَحْصُلُ لَهُ انْشِرَاحٌ بِاسْتِعْمَالِهِ غَيْرَ أَنَّهَا تَعْرِضُ لَهَا الْحُرْمَةُ لِأُمُورٍ ذَكَرَهَا الْحَطَّابُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَاللَّقَانِيِّ فِي شَرْحِ الْجَوْهَرَةِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وَزُبْدَةُ مَا فِي الْحَطَّابِ أَنَّهَا فِي ذَاتِهَا مُبَاحَةٌ وَيَعْرِضُ لَهَا حُكْمُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اهـ وَفِي تَرْوِيحِ الْجَنَانِ لِلَّكْنَوِيِّ وَالْحَقُّ فِي اسْتِعْمَالِ الْقَهْوَةِ هُوَ الْحِلُّ كَشُرْبِ الدُّخَانِ إلَّا أَنَّ حِلَّ اسْتِعْمَالِهَا خَالٍ عَنْ الْكَرَاهَةِ أَيْضًا بِخِلَافِ حِلِّ شُرْبِ الدُّخَانِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْجَوْهَرَةِ لِلَّقَانِيِّ مَا نَصُّهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ الْإِسْكَارُ وَلَا فَسَادُ الْعَقْلِ فِي الْقَهْوَةِ بِنَفْسِهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ الْبَدَنِيَّةِ فَيُبَاحُ تَنَاوُلُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَارَنًا بِالْمُحَرَّمَاتِ الْخَارِجِيَّةِ كَالْإِدَارَةِ عَلَى هَيْئَةِ الْفَسَقَةِ أَوْ تَنَاوُلِهَا فِي الْأَوَانِي الْمُحَرَّمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الأتاي عُشْبٌ يُزْرَعُ بِأَرْضِ الصِّينِ وَوَرَقُهُ وَنَبَاتُهُ كَالْقَصَبِ وَيُحْصَدُ

стр. 221

ظَرْفٌ لِوُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِ النُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ لِوُجُودِ التَّكْلِيفِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ بِالْكَفَّارَةِ أَوْ النَّذْرِ بَلْ سَبَبُ الْكَفَّارَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ وَسَبَبُ لُزُومِ النَّذْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِالْتِزَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) شُهُورُ الْعِدَدِ ظُرُوفٌ لِلتَّكْلِيفِ بِالْعِدَّةِ لِوُجُودِهِ فِيهَا وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ بِالْعِدَّةِ بَلْ سَبَبُ لُزُومِ الْعِدَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَفَاةِ أَوْ الطَّلَاقِ وَهَذِهِ الشُّهُورُ تُشْبِهُ شُهُورَ قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ السَّبَبِيَّةِ وَتُفَارِقُهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ شُهُورَ الْعِدَّةِ التَّكْلِيفُ فِيهَا مُضَيَّقٌ وَالْوُجُوبُ فِي شُهُورِ قَضَاءِ رَمَضَانَ مُوَسَّعٌ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْفُرُوقَ وَإِذَا تَقَرَّرَتْ مَسَائِلُ الْقِسْمَيْنِ فَاذْكُرْ مَسْأَلَةً مُرَكَّبَةً مِنْ الْقِسْمَيْنِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فَأَقُولُ (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) زَكَاةُ الْفِطْرِ اُخْتُلِفَ فِيهَا مَتَى تَجِبُ قِيلَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ أَيَّامِ رَمَضَانَ وَقِيلَ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَقِيلَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْهُ وَقِيلَ تَجِبُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ أَيَّامِ رَمَضَانَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا مِنْ الْغُرُوبِ إلَى الْغُرُوبِ مَعْنَاهُ إنَّهُ لَا يَأْثَمُ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْمَنْقُولُ عَنْ صَاحِبِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَأَنَّهُ إنَّمَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ بَعْدَ الْغُرُوبِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْقَوْلِ الرَّابِعِ وَقَدْ عَسُرَ الْفَرْقُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ الْأَوَّلَ يَقُولُ غُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الصَّوْمِ سَبَبٌ وَمَا بَعْدَهُ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ فَقَطْ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ هَذَا الزَّمَانِ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ وَالْقَائِلُ الرَّابِعُ يَقُولُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ الْغُرُوبِ إلَى الْغُرُوبِ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ وَسَبَبٌ لَهُ فَقَدْ اشْتَرَكَا فِي التَّوْسِعَةِ لَكِنْ تَوْسِعَةُ الْأَوَّلِ كَتَوْسِعَةِ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَتَوْسِعَةُ الثَّانِي كَتَوْسِعَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوْسِعَتَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ وَأَنَّ التَّوْسِعَةَ قَدْ تَسْتَمِرُّ فِيهَا السَّبَبِيَّةُ وَقَدْ لَا تَسْتَمِرُّ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَنْ بَلَغَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي كَاَلَّذِي يَبْلُغُ فِي أَثْنَاءِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَلَا يُتَّجَهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَمَنْ بَلَغَ فِي شُهُورِ قَضَاءِ الصَّوْمِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ إلَّا مَنْ عَلِمَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَوَّلُ حَصَادِهِ لِلْمَلِكِ وَهُوَ أَعْلَاهُ الثَّانِي لِلْعُمَّالِ وَالْخُدَّامِ وَالثَّالِثُ لِسَائِرِ سُكَّانِ الْبَلْدَةِ وَيَجْلِبُهُ التُّجَّارُ لِسَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَهَذَا النَّوْعُ يَكُونُ ضَعِيفًا مِنْ حَيْثُ الْخَاصِّيَّةُ وَالتَّأْثِيرُ وَلَهُ مَنَافِعُ وَخَوَاصُّ أَلَّفَ بَعْضُهُمْ فِيهَا رِسَالَةً وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَحَرَّمَهُ بَعْضُ قُضَاةِ الْعَصْرِ وَأَلَّفَ فِيهِ تَأْلِيفًا سَمَّاهُ رَقَمَ الْآي فِي تَحْرِيمِ الْأَتَاي وَسُئِلَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ فَأَجَابَ أَرَى شُرْبَ الْأَتَايْ الْيَوْمَ جَرْحًا ... فَلَا تَبْقَى إذًا مَعَهُ الْعَدَالَهْ فَلَمْ يَحْرُمْ وَلَمْ يُكْرَهْ وَلَكِنْ ... رَأَيْنَا كُلَّ ذِي سَفَهٍ عِدَالَهْ وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَنْ سَلِمَ مِنْ عَوَارِضِ تَحْرِيمِهِ يَرْجِعُ فِي حَقِّهِ إلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ كَمَا فِي ابْنِ حَمْدُونٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْن قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفَ التَّكْلِيفِ] (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفَ التَّكْلِيفِ دُونَ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفًا لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ مَعَ التَّكْلِيفِ) وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ زَمَنَ الْكُفْرِ وَالْحَدَثِ وَجَحْدِ الصَّانِعِ هُوَ ظَرْفُ التَّكْلِيفِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فِي الْكَافِرِ وَبِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي الْمُحْدِثِ وَبِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الدَّهْرِيِّ وَلَيْسَ هُوَ بِظَرْفٍ لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ لِتَعَذُّرِهِ فِيهِ وَزَمَنُ إسْلَامِ الْكَافِرِ وَطَهَارَةُ الْمُحْدِثِ وَعِرْفَانُ الدَّهْرِيِّ بِالصَّانِعِ بَعْدُ هُوَ ظَرْفٌ لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ مَعَ التَّكْلِيفِ وَيَتَّضِحُ هَذَا الْفَرْقُ بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَا خِلَافَ فِي خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْإِيمَانِ وَبِقَوَاعِدِ الدِّينِ وَفِي خِطَابِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ أَيْضًا أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا بِالنَّوَاهِي دُونَ الْأَوَامِرِ وَحُجَّةُ الْقَائِلِ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ لَوَجَبَتْ أَمَّا حَالَةُ الْكُفْرِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا حِينَئِذٍ وَأَمَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِهَا بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَحُجَّةُ الْقَائِلِ بِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَالَةَ الْكُفْرِ عَدَمُ حُصُولِ التَّكْلِيفِ حِينَئِذٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ وَهَذَا الزَّمَانُ عِنْدَنَا ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ لَا لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ لُزُومُ الصِّحَّةِ أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا الزَّمَانُ ظَرْفًا فَالْإِيقَاعُ الْمُكَلَّفُ بِهِ حَتَّى نَقُولَ يَصِحُّ أَمَّا مَا لَا يُكَلَّفُ بِإِيقَاعِهِ كَيْفَ يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِالصِّحَّةِ وَوَصْفُ الصِّحَّةِ تَابِعٌ لِلْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ فَحَيْثُ لَا إذْنَ لَا صِحَّةَ وَمَعْنَى كَوْنِ هَذَا الزَّمَانِ ظَرْفًا لِلتَّكْلِيفِ دُونَ إيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ أَنَّهُ أَمْرٌ فِي زَمَنِ الْكُفْرِ أَنْ يُزِيلَهُ وَيُبَدِّلَهُ بِالْإِيمَانِ وَيَفْعَلَ الصَّلَاةَ فِي زَمَنِ الْإِسْلَامِ لَا فِي زَمَنِ الْكُفْرِ بِحَيْثُ يَصِيرُ زَمَنُ الْكُفْرِ ظَرْفًا لِلتَّكْلِيفِ فَقَطْ وَزَمَنُ الْإِسْلَامِ هُوَ زَمَنُ إيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَالتَّكْلِيفُ مَعًا كَزَمَنِ رَمَضَانَ وَالْقَامَةِ لِلظُّهْرِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَا خِلَافَ فِي كَوْنِ الْمُحْدِثِ مَأْمُورًا بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ وَمُخَاطَبًا بِهَا فِي زَمَنِ الْحَدَثِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَارُّ إلَّا أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الصَّلَاةُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُحْدِثٌ إجْمَاعًا بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ فِي زَمَنِ الْحَدَثِ أَنْ يُزِيلَ الْحَدَثَ وَيُبَدِّلَهُ بِالطَّهَارَةِ فَإِذَا وَجَدَ زَمَنَ الطَّهَارَةِ أَوْقَعَ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ فَزَمَنُ الطَّهَارَةِ هُوَ زَمَنُ التَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِ

стр. 222

الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ تَلَخَّصَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ تَلْخِيصًا ظَاهِرًا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى. (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اللُّزُومِ الْجُزْئِيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اللُّزُومِ الْكُلِّيِّ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا لَزِمَ شَيْءٌ شَيْئًا فَقَدْ يَكُونُ لُزُومُهُ كُلِّيًّا عَامًّا وَقَدْ يَكُونُ جُزْئِيًّا خَاصًّا وَضَابِطُ اللُّزُومِ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ أَنْ يَكُونَ الرَّبْطُ بَيْنَهُمَا وَاقِعًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَعَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ الْمُمْكِنَةِ كَلُزُومِ الزَّوْجِيَّةِ لِلْعِشْرَةِ فَمَا مِنْ حَالَةٍ تَعْرِضُ وَلَا زَمَانٍ وَلَا تَقْدِيرٍ يُقَدَّرُ مِنْ التَّقَادِيرِ الْمُمْكِنَةِ إلَّا وَالزَّوْجِيَّةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَازِمَةٌ لِلْعِشْرَةِ وَقَدْ يَكُونُ اللُّزُومُ كُلِّيًّا عَامًّا فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ كَقَوْلِنَا كُلَّمَا كَانَ زَيْدٌ يَكْتُبُ فَهُوَ يُحَرِّكُ يَدَهُ أَيْ مَا مِنْ حَالَةٍ تَعْرِضُ وَلَا زَمَانٍ مَا يُشَارُ إلَيْهِ وَزَيْدٌ يَكْتُبُ إلَّا وَهُوَ يُحَرِّكُ يَدَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَاللُّزُومُ بَيْنَ كِتَابَتِهِ وَحَرَكَةِ يَدِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالشَّخْصُ وَاحِدٌ فَهَذَا هُوَ اللُّزُومُ الْكُلِّيُّ وَاللُّزُومُ الْجُزْئِيُّ هُوَ لُزُومُ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِسُؤَالٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مَثَلًا إذَا حَصَلَتْ أَغْنَتْ عَنْ الْوُضُوءِ وَجَازَتْ بِهَا الصَّلَاةُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ فَقَالَ هَذَا السَّائِلُ أَنْتُمْ جَعَلْتُمْ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى لَازِمَةً لِلطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا مِنْ انْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى انْتِفَاءُ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى فَإِذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ تَنْتِفِي الطَّهَارَةُ الْكُبْرَى بَعْدَ انْتِفَاءِ الصُّغْرَى فَيَلْزَمُهُ الْغُسْلُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ الْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ إنَّ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى لَازِمَةٌ لِلطَّهَارَةِ الْكُبْرَى أَمَّا مُخَالَفَةُ الْقَاعِدَةِ الْعَقْلِيَّةِ بِأَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ إنْ أَبْقَوْا الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى بَعْدَ انْتِفَاءِ الصُّغْرَى. وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ إنْ أَوْجَبُوا الْغُسْلَ بِخُرُوجِ الرِّيحِ أَوْ الْغَائِطِ أَوْ الْمُلَامَسَةِ وَكِلْتَا الْقَاعِدَتَيْنِ لَا سَبِيلَ إلَى مُخَالَفَتِهِمَا فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى لِلطَّهَارَةِ الْكُبْرَى هَذَا تَقْرِيرُ السُّؤَالِ وَهُوَ سُؤَالٌ قَوِيٌّ حَسَنٌ يَحْتَاجُ الْجَوَابُ عَنْهُ إلَى مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَمَنْ جَهِلَ هَذَا الْفَرْقَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الصَّلَاةِ دُونَ زَمَنِ الْحَدَثِ وَزَمَنُ الْحَدَثِ هُوَ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ فَقَطْ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الدَّهْرِيُّ مُكَلَّفٌ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَّا أَنَّ زَمَنَ جَحْدِهِ لِلصَّانِعِ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ دُونَ إيقَاعِ التَّصْدِيقِ لِتَعَذُّرِهِ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ فِي زَمَنِ الْجَهْلِ بِالصَّانِعِ أَنْ يُزِيلَ هَذَا الْجَهْلَ وَيُبَدِّلَهُ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْعِرْفَانُ فَإِذَا حَصَلَ الْعِرْفَانُ بِالصَّانِعِ كَانَ زَمَانُ عِرْفَانِهِ بِالصَّانِعِ مُكَلَّفًا بِإِيقَاعِ التَّصْدِيقِ لِلرُّسُلِ فَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَالسِّرَّ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ يَتَيَسَّرُ عَلَيْك الْجَوَابُ عَنْ أَسْئِلَةِ الْخُصُومِ وَشُبُهَاتِهِمْ وَهُوَ فَرْقٌ لَطِيفٌ شَرِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْن قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفًا لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فَقَطْ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفًا لِلْإِيقَاعِ] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفًا لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فَقَطْ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الزَّمَانِ ظَرْفًا لِلْإِيقَاعِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ سَبَبٌ لِلتَّكْلِيفِ وَالْوُجُوبِ فَيَجْتَمِعُ الطَّرَفَانِ الظَّرْفِيَّةُ وَالسَّبَبِيَّةُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ) وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامٍ مَا عَدَا رَمَضَانَ مِنْ الشُّهُورِ مَثَلًا ظَرْفٌ لِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَهُوَ وُجُوبُ قَضَاءِ رَمَضَانَ وُجُوبًا مُوَسَّعًا دُونَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ زَالَ عُذْرُهُ فِيهَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَرُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ سَبَبٌ لِجَعْلِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ وَظَرْفًا لَهُ بِحَيْثُ إنَّ مَنْ بَلَغَ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ زَالَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَيْضُ أَوْ قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ يَلْزَمُهُ صَوْمُ الْيَوْمِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ فَيَصِيرُ سَبَبُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ كُلَّ يَوْمٍ سَبَبًا لِوُجُوبِ إيقَاعِ الصَّوْمِ فِيهِ وَتَفْوِيتُ الْإِيقَاعِ فِيهِ سَبَبًا لِلصَّوْمِ فِي يَوْمٍ آخَرَ مِمَّا عَدَا رَمَضَانَ مِنْ الشُّهُورِ فَقَطْ وَيُوَضِّحُ لَك هَذَا الْفَرْقَ سَبْعُ مَسَائِلَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ وَالسَّبَبِيَّةُ وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا مِمَّا انْفَرَدَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ عَنْ السَّبَبِيَّةِ وَالسَّابِعَةُ مِمَّا تَحْتَمِلُهُمَا أَمَّا مَسَائِلُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ وَالسَّبَبِيَّةُ فَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ كَالْقَامَةِ مَثَلًا بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرِ هِيَ ظَرْفٌ لِلْمُكَلَّفِ بِهِ لِوُقُوعِهِ فِيهَا وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا لَا الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْهَا الَّذِي هُوَ الزَّوَالُ فَقَطْ كَمَا تَوَهَّمَ سَبَبٌ لِلتَّكْلِيفِ إذْ لَوْ كَانَ سَبَبُ التَّكْلِيفِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ هُوَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْهَا فَقَطْ لَكَانَ مَنْ بَلَغَ بَعْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ مِنْ الْكُفَّارِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ السَّبَبِ وَلَا يُفِيدُ شَيْئًا زَوَالُ الْمَانِعِ وَاجْتِمَاعُ الشَّرَائِطِ بَعْدَ زَوَالِ الْأَسْبَابِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْبُلُوغَ إذَا جَاءَ بَعْدَ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ لَا يُحَقِّقُ وُجُوبًا وَإِنَّمَا يُحَقِّقُهُ إذَا صَادَفَ سَبَبًا بَعْدَهُ كَمَنْ بَلَغَ فِي الْقَامَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الظُّهْرُ بِالْجُزْءِ الَّذِي صَادَفَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ فَظَهَرَ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ مُسَاوٍ لِلزَّوَالِ فِي السَّبَبِيَّةِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا ظُرُوفٌ لِلتَّكْلِيفِ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهَا ظُرُوفٌ وَأَسْبَابٌ لَهُ (وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَيَّامُ الْأَضَاحِيّ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ظُرُوفٌ لِلْأَمْرِ بِالْأُضْحِيَّةِ لِوُجُودِهِ فِيهَا وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا سَبَبٌ لِلْأَمْرِ بِالْأُضْحِيَّةِ أَيْضًا بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ تَجَدَّدَ إسْلَامُهُ مِنْ الْكُفَّارِ أَوْ بُلُوغُهُ مِنْ الصِّبْيَانِ يَتَجَدَّدُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالْأُضْحِيَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ عَتَقَ مِنْ الْعَبِيدِ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ وَحُصُولُ الشَّرْطِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِلْأَمْرِ بِالْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ الْجُزْءُ الْكَائِنُ بَعْدَ زَوَالِ

стр. 223

وَانْسَدَّ عَلَيْهِ الْبَابُ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنْ نَقُولَ اللُّزُومُ بَيْنَ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى جُزْئِيٌّ لَا كُلِّيٌّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُغْتَسِلَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ نَاقِضٌ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ لَزِمَ غُسْلَهُ ذَلِكَ الْوُضُوءُ فِي الِابْتِدَاءِ فَقَطْ دُونَ الدَّوَامِ فَاللُّزُومُ بِهَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ عَدَمُ طَرَءَانِ النَّاقِضِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ حَالَةٌ خَاصَّةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ وَحَالَةُ دَوَامِ الْغُسْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْوَالِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا لُزُومٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ إلَّا فِي الْحَالَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا اللُّزُومُ فَلَا جَرَمَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْقَائِلِينَ بِاللُّزُومِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِبَقَاءِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى دُونَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى بَلْ إنَّمَا قَالَ بِهِ فِي حَالَةِ الدَّوَامِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا لُزُومٌ فَانْتِفَاءُ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَقْدَحُ فِي انْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى لِأَنَّ انْتِفَاءَ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ لَا يَقْدَحُ إنَّمَا يَقْدَحُ انْتِفَاءُ مَا هُوَ لَازِمٌ وَالطَّهَارَةُ الصُّغْرَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَتْ لَازِمَةً فَلَا يَضُرُّ انْتِفَاؤُهَا وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي اللُّزُومِ الْجُزْئِيِّ كُلُّ مُؤَثِّرٍ مَعَ أَثَرِهِ فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ يَجِبُ حُضُورُهُ حَالَةَ وُجُودِ أَثَرِهِ وَهُوَ زَمَنُ حُدُوثِهِ دُونَ مَا بَعْدَ زَمَنِ الْحُدُوثِ فَكُلُّ بِنَاءٍ يَلْزَمُهُ الْبِنَاءُ حَالَةَ الْبِنَاءِ دُونَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ يَمُوتُ الْبِنَاءُ وَيَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ الْبِنَاءِ وَكَذَلِكَ النَّاسِجُ مَعَ نَسْجِهِ وَكُلُّ مُؤَثِّرٍ مَعَ أَثَرِهِ لُزُومُهُ جُزْئِيٌّ فِي حَالَةِ الْحُدُوثِ فَقَطْ فَلَا جَرَمَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْمُؤَثِّرِ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمُ الْأَثَرِ لِأَنَّ الْعَدَمَ فِي تِلْكَ الْحَالِ عَدَمٌ لِمَا لَيْسَ بِلَازِمٍ وَعَدَمُ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ لَا يَقْدَحُ لَا عَقْلًا وَلَا عَادَةً وَلَا شَرْعًا فَكَذَلِكَ هَاهُنَا اللُّزُومُ جُزْئِيٌّ فِي حَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فَعَدَمُ اللُّزُومِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَقْدَحُ. وَقَوْلُهُمْ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اللَّازِمِ عَدَمُ الْمَلْزُومِ إنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ حَيْثُ قُضِيَ بِاللُّزُومِ إمَّا عَامًّا وَإِمَّا خَاصًّا إمَّا فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَمْ يَقْضِ فِيهَا بِاللُّزُومِ فَلَا وَنَظِيرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا قَوْلُهُمْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الشَّرْطِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ إنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا شَرْطٌ أَمَّا لَوْ كَانَ شَرْطًا فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِهِ فِي صُورَةٍ مَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهَا عَدَمُ الْمَشْرُوطِ كَمَا تَقُولُ فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ صُوَرِ الصَّلَاةِ وَهِيَ صُورَةُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ وَعَلَى اسْتِعْمَالِهِ فَلَا جَرَمَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فَلَا جَرَمَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمَانِعِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَتَكُونُ كُلُّهَا ظُرُوفًا وَأَسْبَابًا لِلْأَمْرِ بِالْأُضْحِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) شَهْرُ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمُ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ وَكُلُّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِ سَبَبٌ لِلتَّكْلِيفِ لِمَنْ اسْتَقْبَلَهُ فَمَنْ أَسْلَمَ أَوْ بَلَغَ أَوْ قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ أَوْ زَالَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَيْضُ فَيَلْزَمُهُ صَوْمُ الْيَوْمِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ وَأَمَّا أَجْزَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي زَالَ فِيهِ الْمَانِعُ فَلَيْسَتْ أَسْبَابًا لِلتَّكْلِيفِ بَلْ ظُرُوفًا لَهُ بِدَلِيلِ حُصُولِ التَّكْلِيفِ فِيهَا وَعَدَمُ التَّكْلِيفِ بِهَا عَلَى مَنْ بَلَغَ فِي بَعْضِ يَوْمٍ أَوْ أَسْلَمَ فَظَهَرَ بِهَذَا حُصُولُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَجْزَاءِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَجْزَاءِ شَهْرِ الصَّوْمِ بِأَنَّ مُطْلَقَ الْجُزْءِ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ كَيْفَ كَانَ وَإِنْ قَلَّ مَا لَمْ يَنْقُصْ عَنْ زَمَنٍ يَسَعُ إيقَاعَ رَكْعَةِ سَبَبِ التَّكْلِيفِ فَإِنْ نَقَصَ عَنْ زَمَنِ رَكْعَةٍ فَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ وَعِنْدَ غَيْرِهِ يَجِبُ بِأَقَلَّ مِنْ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ وَيُحْكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ وَلَا بُدَّ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ شَهْرِ الصَّوْمِ أَنْ يَكُونَ يَوْمًا كَامِلًا فَالْيَوْمُ الْكَامِلُ مِنْ شَهْرِ الصَّوْمِ وِزَانُ زَمَنٍ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ يَسَعُ رَكْعَةً عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَمَّا مَسَائِلُ مَا انْفَرَدَ فِيهِ الظَّرْفِيَّةُ عَنْ السَّبَبِيَّةِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَضَاءُ رَمَضَانَ وَإِنْ وَجَبَ وُجُوبًا مُوَسَّعًا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامٍ مَا عَدَا رَمَضَانَ مِنْ الشُّهُورِ كَمَا تَجِبُ الظُّهْرُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ أَوَّلِ الْقَامَةِ إلَى آخِرِهَا إلَّا أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ شُهُورٍ مَا عَدَا رَمَضَانَ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ لَا سَبَبٌ لِلتَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ زَالَ عُذْرُهُ فِي أَيِّ يَوْمٍ مِنْهَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَسَبَبٌ لِلتَّكْلِيفِ بِالْأَدَاءِ فِيهِ وَالْقَضَاءُ بَعْدَ فَوَاتِ الْقَامَةِ كَمَا عَرَفْت وَكَذَا كُلُّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَسَبَبٌ لِلتَّكْلِيفِ بِالْأَدَاءِ فِيهِ وَالْقَضَاءُ بَعْدَ فَوَاتِهِ فِي يَوْمٍ مِمَّا عَدَا رَمَضَانَ مِنْ الشُّهُورِ إلَّا أَنَّ جُزْءَ الْيَوْمِ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ وَإِنْ كَانَ ظَرْفًا لِلتَّكْلِيفِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ بِدَلِيلِ حُصُولِ التَّكْلِيفِ فِيهِ وَعَدَمِ التَّكْلِيفِ بِهِ عَلَى مَنْ بَلَغَ فِي بَعْضِ يَوْمٍ أَوْ أَسْلَمَ وَأَيُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ مَثَلًا وَإِنْ قَلَّ مَا لَمْ يَنْقُصْ عَمَّا يَسَعُ إيقَاعُ رَكْعَةٍ عِنْدَنَا وَعِنْدَ غَيْرِنَا وَإِنْ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ سَبَبُ التَّكْلِيفِ بِلَا دَاءٍ فِيهِ وَالْقَضَاءُ بَعْدَ فَوَاتِهِ كَمَا عَلِمْت وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ يَوْمٍ كَامِلٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَظَرْفٌ لَهُ وَتَفْوِيتُهُ سَبَبٌ لِلصَّوْمِ فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْ أَيَّامٍ مَا عَدَا رَمَضَانَ مِنْ الشُّهُورِ وِزَانُ زَمَنٍ يَسَعُ رَكْعَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا عَلَى الْخِلَافِ مِنْ أَزْمَانِ الْقَامَةِ مَثَلًا وَالسَّبَبُ فِي جَعْلِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ وَظَرْفًا لَهُ وَتَفْوِيتُهُ سَبَبًا لِلصَّوْمِ فِي يَوْمٍ آخَرَ مِمَّا عَدَا رَمَضَانَ مِنْ الشُّهُورِ وَهُوَ رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ فَرُؤْيَةُ الْهِلَالِ لَيْسَتْ سَبَبَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُعْتَقَدُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ بَلْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ سَبَبٌ لِسَبَبِيَّةِ ثَلَاثِينَ سَبَبًا لِلْقَضَاءِ وَهِيَ ثَلَاثُونَ تَرْكًا إنْ وَقَعَتْ هِيَ أَوْ بَعْضُهَا وَسَبَبٌ لِوُجُوبِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مُسَبَّبَاتٌ فَقَطْ لَا أَسْبَابٌ فَصَارَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ يَتَعَلَّقُ بِهَا سِتُّونَ يَوْمًا ثَلَاثُونَ يَوْمًا مُسَبَّبَاتُ صَوْمٍ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا أَسْبَابُ تُرُوكٍ فَافْهَمْ هَذَا التَّحْقِيقَ وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ جَمِيعُ الْعُمْرِ ظَرْفٌ لِوُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِ النُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ

стр. 224

لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ لِعَدَمِ الشَّرْطِيَّةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ فَالشَّرْطُ وَاللَّازِمُ فِي هَذَا الْبَابِ سَوَاءٌ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ السَّبَبِ فِي الشَّكِّ) أُشْكِلَ عَلَى جَمْعٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَانْبَنَى عَلَى عَدَمِ تَحْرِيرِ هَذَا الْفَرْقِ الْإِشْكَالُ فِي مَوَاضِعَ وَمَسَائِلَ حَتَّى خَرَقَ بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ فِيهَا فَعَمَدَ إلَى النَّظَرِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الصَّانِعِ قَالَ يُمْكِنُ فِيهِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ مَعَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَعَذُّرِ ذَلِكَ فِيهِ كَمَا حَكَاهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ فَأَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ وَقَالَ كَيْفَ يُحْكَى الْإِجْمَاعُ فِي تَعَذُّرِ هَذَا وَهُوَ وَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ فِي عِدَّةِ صُوَرٍ فَإِنَّ غَايَةَ هَذَا النَّاظِرِ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَانِعٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَأَنْ يَكُونَ هَذَا النَّظَرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَصْدَ التَّقَرُّبِ بِدَلِيلِ مَا وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَنْوِيَ التَّقَرُّبَ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ فَإِنَّهُ يَنْوِي التَّقَرُّبَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخَمْسِ مَعَ شَكِّهِ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ هَلْ تَطَهَّرَ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَتَطَهَّرُ وَيَنْوِي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ التَّقَرُّبَ وَمَنْ شَكَّ هَلْ صَامَ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَصُومُ وَيَنْوِي التَّقَرُّبَ بِذَلِكَ الصِّيَامِ وَمَنْ شَكَّ هَلْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَيَنْوِي التَّقَرُّبَ بِهَا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَإِذَا وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ جَازَ شَكُّهُ فِي النَّظَرِ الْأَوَّلِ وَتَكُونُ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ فِي تَعَذُّرِهِ خَطَأً بَلْ يُمْكِنُ قَصْدُ التَّقَرُّبِ بِهِ قِيلَ لَهُ فَإِنَّ الشَّكَّ فِي صُورَةِ النَّظَرِ الْأَوَّلِ فِي الْمُوجِبِ وَالشَّكُّ هَاهُنَا فِي الْوَاجِبِ فَافْتَرَقَا فَقَالَ بَلْ كَمَا لَا يُمْنَعُ الشَّكُّ فِي الْوَاجِبِ وَهُوَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ فِي الْآخَرِ لِأَنَّ غَايَةَ الشَّكِّ فِي الْمُوجِبِ أَنْ يُفْضِيَ إلَى الشَّكِّ فِي الْوَاجِبِ وَهَذَا لَا يُمْنَعُ فَذَاكَ لَا يُمْنَعُ وَالْجَوَابُ الْحَقُّ فِي هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَ الْأَحْكَامَ وَشَرَعَ لَهَا أَسْبَابًا وَجَعَلَ مِنْ جُمْلَةِ مَا شَرَعَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّكَّ فَشَرَعَهُ فِي عِدَّةٍ مِنْ الصُّوَرِ حَيْثُ شَاءَ فَإِذَا شَكَّ فِي الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ وَالْمَيْتَةِ حَرُمَتَا مَعًا وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ هُوَ الشَّكُّ وَإِذَا شَكَّ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ حَرُمَتَا مَعًا وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ هُوَ الشَّكُّ وَإِذَا شَكَّ فِي عَيْنِ الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ خَمْسُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِوُجُودِ التَّكْلِيفِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ بِالْكَفَّارَةِ أَوْ النَّذْرِ بَلْ سَبَبُ الْكَفَّارَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ وَسَبَبُ لُزُومِ النَّذْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِالْتِزَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) شُهُورُ الْعِدَدِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ كَشُهُورِ قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ السَّبَبِيَّةِ فَهِيَ ظُرُوفٌ لِلتَّكْلِيفِ بِالْعِدَّةِ لِوُجُودِهِ فِيهَا وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ بِالْعِدَّةِ بَلْ سَبَبُ لُزُومِ الْعِدَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَفَاةِ أَوْ الطَّلَاقِ إلَّا أَنَّ شُهُورَ الْعِدَدِ تُفَارِقُ شُهُورَ قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّكْلِيفَ فِيهَا مُضَيَّقٌ وَالْوُجُوبُ فِي شُهُورِ قَضَاءِ رَمَضَانَ مُوَسَّعٌ وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ الَّتِي تَحْتَمِلُهُمَا فَهِيَ أَنَّ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ أَيَّامِ رَمَضَانَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْفِطْرِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا أَوْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ أَيَّامِ رَمَضَانَ أَوْ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْفِطْرِ أَوْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ أَقْوَالٌ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَإِنَّمَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ بَعْدَ الْغُرُوبِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْقَائِلِ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ مُقَابِلِهِ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ يَوْمَ الْفِطْرِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَقُولُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ الْغُرُوبِ إلَى الْغُرُوبِ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ وَسَبَبٌ لَهُ وَالْقَائِلُ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ مُقَابِلِهِ يَقُولُ غُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الصَّوْمِ سَبَبٌ وَمَا بَعْدَهُ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ فَقَطْ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَجْزَائِهِ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ فَهُمَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي التَّوْسِعَةِ إلَّا أَنَّ التَّوْسِعَةَ فِي الْأَوَّلِ كَتَوْسِعَةِ صَلَاةِ الظُّهْرِ تَسْتَمِرُّ فِيهَا السَّبَبِيَّةُ وَفِي الثَّانِي كَتَوْسِعَةِ قَضَاءِ رَمَضَانَ لَا تَسْتَمِرُّ فِيهَا السَّبَبِيَّةُ. وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَنْ بَلَغَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَاَلَّذِي يَبْلُغُ فِي أَثْنَاءِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَلَا يُتَّجَهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ مُقَابِلِهِ كَمَنْ بَلَغَ فِي شُهُورِ قَضَاءِ الصَّوْمِ فَافْهَمْ هَذِهِ الْفُرُوقَ تَنْفَعْك وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اللُّزُومِ الْجُزْئِيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اللُّزُومِ الْكُلِّيِّ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اللُّزُومِ الْجُزْئِيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اللُّزُومِ الْكُلِّيِّ) . وَذَلِكَ أَنَّ ضَابِطَ اللُّزُومِ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ أَنْ يَكُونَ الرَّبْطُ بَيْنَهُمَا وَاقِعًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَعَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ الْمُمْكِنَةِ وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ بِاللُّزُومِ الْبَيِّنِ أَمَّا بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ الْمَلْزُومِ تَصَوُّرُ اللَّازِمِ كَلُزُومِ الزَّوْجِيَّةِ لِلْعِشْرَةِ وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ الْمَلْزُومِ وَاللَّازِمِ مَعًا الْجَزْمُ بِاللُّزُومِ سَوَاءٌ كَفَى تَصَوُّرُ الْمَلْزُومِ فِي تَصَوُّرِ اللَّازِمِ أَوْ لَمْ يَكْفِ تَصَوُّرُهُ فِي تَصَوُّرِهِ بَلْ لَا بُدَّ فِي الْجَزْمِ بِاللُّزُومِ مِنْ تَصَوُّرِهِمَا مَعًا كَلُزُومِ قَبُولِ الْعِلْمِ وَصَنْعَةِ الْكِتَابَةِ لِلْإِنْسَانِ ثُمَّ إنَّ اللُّزُومَ الْكُلِّيَّ الْعَامَّ يَكُونُ لِلْمَاهِيَّةِ كَمَا ذُكِرَ وَقَدْ يَكُونُ لِلشَّخْصِ الْوَاحِدِ فِي حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِهِ كَلُزُومِ حَرَكَةِ الْيَدِ لِزَيْدٍ فِي حَالَةِ كِتَابَتِهِ فَكُلَّمَا كَانَ زَيْدٌ يَكْتُبُ فَهُوَ يُحَرِّكُ يَدَهُ أَيْ مَا مِنْ حَالَةٍ تَعْرِضُ وَلَا زَمَانٍ مَا يُشَارُ إلَيْهِ وَزَيْدٌ يَكْتُبُ إلَّا وَهُوَ يُحَرِّكُ يَدَهُ فَاللُّزُومُ بَيْنَ كِتَابَتِهِ وَحَرَكَةِ يَدِهِ فِي جَمِيعِ

стр. 225

صَلَوَاتٍ وَسَبَبُ وُجُوبِ الْخَمْسِ هُوَ الشَّكُّ وَإِذَا شَكَّ هَلْ تَطَهَّرَ أَمْ لَا وَجَبَ الْوُضُوءُ وَسَبَبُ وُجُوبِهِ الشَّكُّ. وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ النَّظَائِرِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَالْمُتَقَرِّبُ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الصُّوَرِ جَازِمٌ بِوُجُودِ الْمُوجِبِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَبَبُ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الشَّكُّ وَالْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الْإِجْمَاعُ أَوْ النَّصُّ فَالْجَمِيعُ مَعْلُومٌ وَفِي صُورَةِ النَّظَرِ لَا شَيْءَ مِنْهَا بِمَعْلُومٍ بَلْ الْجَمِيعُ مَجْهُولٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَالشَّكُّ فِي السَّبَبِ غَيْرُ السَّبَبِ فِي الشَّكِّ فَالْأَوَّلُ يَمْنَعُ التَّقَرُّبَ وَلَا يَتَقَرَّرُ مَعَهُ حُكْمٌ وَالثَّانِي لَا يَمْنَعُ التَّقَرُّبَ وَتَتَقَرَّرُ مَعَهُ الْأَحْكَامُ كَمَا رَأَيْت فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ فَانْدَفَعَ سُؤَالُ هَذَا السَّائِلِ وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ وَنَقَلَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ وَمَا أَوْرَدَهُ مِنْ النُّقُوضِ عَلَيْهِمْ لَا يَرِدُ وَلَا نَدَّعِي أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ نَصَبَ الشَّكَّ سَبَبًا فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ بَلْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِحَسَبِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَوْ النَّصُّ وَقَدْ يُلْغِي صَاحِبُ الشَّرْعِ الشَّكَّ فَلَا يَجْعَلُ فِيهِ شَيْئًا كَمَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالشَّكُّ لَغْوٌ وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ هَلْ سَهَا أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالشَّكُّ لَغْوٌ فَهَذِهِ صُوَرٌ مِنْ الشَّكِّ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِيهَا كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ وَقِسْمٌ ثَالِثٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَصْبِهِ سَبَبًا كَمَنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا فَاعْتَبَرَهُ مَالِكٌ دُونَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَمْ اثْنَتَيْنِ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ الطَّلْقَةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا دُونَ الشَّافِعِيِّ. وَمَنْ حَلَفَ يَمِينًا وَشَكَّ مَا هِيَ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ فَقَدْ انْقَسَمَ الشَّكُّ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ مُجْمَعٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَمُجْمَعٌ عَلَى إلْغَائِهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ وَيَتَّضِحُ لَك الْفَرْقُ أَيْضًا بَيْنَ الشَّكِّ فِي الْأَسْبَابِ وَبَيْنَ الْأَسْبَابِ فِي الشَّكِّ بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي خَمْسًا وَتَصِحُّ نِيَّتُهُ مَعَ التَّرَدُّدِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَصِحُّ مَعَ التَّرَدُّدِ وَاسْتُثْنِيَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ لِتَعَذُّرِ جَزْمِ النِّيَّةِ فِيهَا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوا بَلْ الْمُصَلِّي جَازِمٌ بِوُجُوبِ الْخَمْسِ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهَا وَهُوَ الشَّكُّ وَإِذَا وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ جَزَمَ الْمُكَلِّفُ بِالْوُجُوبِ وَكَانَتْ نِيَّتُهُ جَازِمَةً لَا مُتَرَدِّدَةً وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ وَقُلْنَا يُصَلِّي أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ جَزَمْنَا بِوُجُوبِ أَرْبَعٍ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الشَّكِّ وَيُصَلِّي الْأَرْبَعَ بِنِيَّةٍ جَازِمَةٍ وَكَذَلِكَ مَنْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْأَجْنَبِيَّةُ بِأُخْتِهِ أَوْ الْمُذَكَّاةِ بِالْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ جَازِمٌ بِالتَّحْرِيمِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ الشَّكُّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَضَابِطُ اللُّزُومِ الْجُزْئِيِّ أَنْ يَكُونَ لُزُومُ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِاللُّزُومِ فِي الْجُمْلَةِ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ فِي الْمَجَازِ وَالْكِنَايَةِ كَلُزُومِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى لِلطَّهَارَةِ الْكُبْرَى الَّتِي هِيَ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مَثَلًا بِمَعْنَى أَنَّ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى إذَا حَصَلَتْ أَغْنَتْ عَنْ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى الَّتِي هِيَ الْوُضُوءُ وَجَازَتْ بِهَا الصَّلَاةُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ لَكِنْ لَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْمَذْكُورِ أَمَّا مُخَالَفَةُ الْقَاعِدَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَهِيَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ بِأَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ أَنْ أَبْقَوْا الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى بَعْدَ انْتِفَاءِ الصُّغْرَى إذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ بِعَدَمِ انْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى بَعْدَ انْتِفَاءِ الصُّغْرَى إذَا أَحْدَثَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ إنْ أَوْجَبُوا الْغُسْلَ بِخُرُوجِ الرِّيحِ أَوْ الْغَائِطِ أَوْ الْمُلَامَسَةِ. وَكِلْتَا الْقَاعِدَتَيْنِ لَا سَبِيلَ إلَى مُخَالَفَتِهِمَا فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى لِلطَّهَارَةِ الْكُبْرَى بَلْ مُرَادُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ لُزُومَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى لِلطَّهَارَةِ الْكُبْرَى مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَقَعْ مِنْ الْمُغْتَسِلِ نَاقِضٌ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ بِمَعْنَى أَنَّ لُزُومَ الْوُضُوءِ لِلْغُسْلِ فِي الِابْتِدَاءِ فَقَطْ دُونَ الدَّوَامِ فَاللُّزُومُ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ عَدَمُ طَرَءَانِ النَّاقِضِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ فَهُوَ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ وَلَا يَحْصُلُ فِي حَالَةِ دَوَامِ الْغُسْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْوَالِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ انْتِفَاءُ الْمَلْزُومِ إلَّا فِي الْحَالَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيهَا اللُّزُومُ فَلَا جَرَمَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْقَائِلِينَ بِاللُّزُومِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِبَقَاءِ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى دُونَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى بَلْ إنَّمَا قَالَ بِهِ فِي حَالَةِ الدَّوَامِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا لُزُومٌ فَانْتِفَاءُ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَقْدَحُ إذْ لَا يَقْدَحُ الِانْتِفَاءُ مَا هُوَ لَازِمٌ وَالطَّهَارَةُ الصُّغْرَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَتْ لَازِمَةً فَلَا يَضُرُّ انْتِفَاؤُهَا وَمِنْ أَمْثِلَةِ اللُّزُومِ الْجُزْئِيِّ أَيْضًا لُزُومُ الْمُؤَثِّرِ لِأَثَرِهِ زَمَنَ حُدُوثِ ذَلِكَ الْأَثَرِ دُونَ مَا بَعْدَ زَمَنِ الْحُدُوثِ فَكُلُّ بِنَاءٍ يَلْزَمُهُ الْبِنَاءُ حَالَةَ الْبِنَاءِ دُونَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ يَمُوتُ الْبِنَاءُ وَيَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ الْبِنَاءِ وَكَذَلِكَ النَّاسِجُ مِنْ نَسْجِهِ فَعَدَمُ اللُّزُومِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحُدُوثِ لَا يَقْدَحُ إذْ لَمْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اللَّازِمِ عَدَمُ الْمَلْزُومِ إلَّا حَيْثُ قُضِيَ بِاللُّزُومِ إمَّا عَامًّا وَإِمَّا خَاصًّا أَمَّا فِي الصُّورَةِ الَّتِي لَمْ يُقْضَ فِيهَا بِاللُّزُومِ فَلَا كَمَا أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الشَّرْطِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا شَرْطٌ. أَمَّا لَوْ كَانَ شَرْطًا فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ عَدَمِهِ فِي صُورَةِ مَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهَا عَدَمُ الْمَشْرُوطِ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي صُورَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ وَعَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فَلَا جَرَمَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ فِي صُورَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ الَّذِي هُوَ صِحَّةُ الصَّلَاةِ لِعَدَمِ الشَّرْطِيَّةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ. فَالشَّرْطُ وَاللَّازِمُ فِي هَذَا الْبَابِ سَوَاءٌ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ

стр. 226

وَكَذَلِكَ مَنْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْأَوَانِي أَوْ الثِّيَابُ وَقُلْنَا يَجْتَهِدُ فَإِنَّهُ يُجْزَمُ بِوُجُوبِ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ وَلَا تَرَدُّدَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ أَلْبَتَّةَ بَلْ الْقَصْدُ جَازِمٌ وَالنِّيَّةُ جَازِمَةٌ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ بَقِيَّةَ النَّظَائِرِ كَمَا تَقَدَّمَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يَجْعَلُهَا ثَلَاثًا وَيُصَلِّي رَكْعَةً وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا لَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَادَ وَأَنْ لَا يَكُونَ فَكَيْفَ يَسْجُدُ مَعَ أَنَّهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَوْ شَكَّ هَلْ زَادَ أَمْ لَا لَا يَسْجُدُ فَتَصِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُشْكِلَاتِ وَيَتَعَذَّرُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا وَبَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَقَدْ ذَكَرْت هَذَا الْإِشْكَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ الْأَعْيَانِ فَلَمْ يَجِدُوا عَنْهُ جَوَابًا ثُمَّ أَنَّهُ كَيْفَ يُصَلِّي هَذِهِ الرَّكْعَةَ الَّتِي قَامَ إلَيْهَا وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فَكَيْفَ يَنْوِي التَّقَرُّبَ بِهَا مَعَ عَدَمِ الْجَزْمِ بِوُجُوبِهَا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً خَامِسَةً وَأَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً رَابِعَةً وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا جَزْمَ وَالْجَوَابُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ جَعَلَ الشَّكَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ سَبَبًا لِوُجُوبِ رَكْعَةٍ وُجُوبَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَقْتَضِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَصْفَ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَصَاحِبُ الشَّرْعِ قَدْ رَتَّبَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ عَلَى الشَّكِّ فَقَالَ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَأْتِ بِرَكْعَةٍ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ يُرْغِمُ بِهِمَا أَنْفَ الشَّيْطَانِ» فَرَتَّبَ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الشَّكِّ الْمَذْكُورِ وَالتَّرْتِيبُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ كَمَا لَوْ قَالَ إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ وَإِذَا أَحْدَثَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ عَنْهُ إلَّا سَبَبِيَّةُ الْأَوْصَافِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ فَيَكُونُ الشَّكُّ سَبَبَ وُجُوبِ هَذِهِ الرَّكْعَةِ وَسُجُودِ السَّهْوِ وَعَلَى هَذَا تَكُونُ أَسْبَابُ السُّجُودِ ثَلَاثَةً الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ وَالشَّكُّ وَهَذَا الثَّالِثُ قَلَّ أَنْ يُتَفَطَّنَ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ وَلَا تَجِدُ مَا يُسَوِّغُ عَلَى مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ غَيْرَهُ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّكِّ فِي سَبَبِ السَّهْوِ وَبَيْنَ الشَّكِّ فِي الْعَدَدِ وَأَنَّ الْأَوَّلَ شَكٌّ فِي السَّبَبِ وَالثَّانِي سَبَبٌ فِي الشَّكِّ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّكَّ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّرْعُ مَحَلَّ السَّبَبِيَّةِ فَذَكَرْته بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ لِيَحْصُلَ التَّقَابُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ طَرْدًا وَعَكْسًا (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) وَقَعَ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِ الْمَذْهَبِ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ السَّبَبِ فِي الشَّكِّ] الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ السَّبَبِ فِي الشَّكِّ) بِمَعْنَى أَنَّ الشَّكَّ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّرْعُ مَحَلَّ السَّبَبِيَّةِ وَمَوْصُوفًا بِهَا وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ السَّبَبَ فِي الشَّكِّ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ مَنْ شَكَّ فِي عَيْنِ الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ وَنَظَائِرُهَا الْوَاقِعَةُ فِي الشَّرِيعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّقَرُّبَ وَتَتَقَرَّرُ مَعَهُ الْأَحْكَامُ ضَرُورَةً أَنَّ الْمُتَقَرِّبَ جَازِمٌ فِيهِ بِوُجُودِ الْمُوجِبِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَبَبُ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الشَّكُّ وَالْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ. وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الْإِجْمَاعُ أَوْ النَّصُّ وَالشَّكُّ فِي السَّبَبِ كَمَا فِي النَّظَرِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الصَّانِعِ يَمْنَعُ التَّقَرُّبَ وَلَا يَتَقَرَّرُ مَعَهُ حُكْمٌ ضَرُورَةً أَنَّ الْمُتَقَرِّبَ لَمْ يَجْزِمْ فِيهِ بِوُجُودِ الْمُوجِبِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا بِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الشَّكُّ وَلَا بِوُجُودِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ وَلَا بِوُجُودِ دَلِيلِ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الْإِجْمَاعُ أَوْ النَّصُّ فَالْجَمِيعُ مَجْهُولٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ لَا مَعْلُومٌ فَلِذَا حَكَى الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَعَذُّرِ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ فِي النَّظَرِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ وَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَحْكِي الْإِجْمَاعَ فِي تَعَذُّرِ هَذَا وَهُوَ وَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ فِي عِدَّةِ صُوَرٍ فَإِنَّ غَايَةَ هَذَا النَّاظِرِ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صَانِعٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَأَنْ يَكُونَ هَذَا النَّظَرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَصْدَ التَّقَرُّبِ بِدَلِيلِ مَا وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَنْوِيَ التَّقَرُّبَ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَإِذَا وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ جَازَ شَكُّهُ فِي النَّظَرِ الْأَوَّلِ وَتَكُونُ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ فِي تَعَذُّرِهِ خَطَأً بَلْ يُمْكِنُ قَصْدُ التَّقَرُّبِ بِهِ وَلَا يَنْفَعُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي صُورَةِ النَّظَرِ الْأَوَّلِ فِي الْمُوجِبِ وَفِي صُورَةِ غَيْرِهِ الْوَاقِعُ فِي الشَّرِيعَةِ فِي الْوَاجِبِ إذْ كَمَا لَا يُمْنَعُ الشَّكُّ فِي الْوَاجِبِ كَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ فِي الْمُوجِبِ لِأَنَّ غَايَةَ الشَّكِّ فِيهِ أَنْ يُفْضِيَ إلَى الشَّكِّ فِي الْوَاجِبِ وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ وُجُودِ الْمُوجِبِ وَسَبَبِ الْوُجُوبِ وَالْوَاجِبِ وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي صُورَةِ النَّظَرِ بَلْ مَجْهُولٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَفِي صُورَةِ غَيْرِهِ الْوَاقِعِ فِي الشَّرِيعَةِ مَجْزُومٌ بِهِ فَالْأَوَّلُ شَكٌّ فِي السَّبَبِ وَالثَّانِي سَبَبٌ فِي الشَّكِّ فَافْتَرَقَا وَبِعِبَارَةٍ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَ الْأَحْكَامَ وَشَرَعَ لَهَا أَسْبَابًا وَجَعَلَ مِنْ جُمْلَةِ مَا شَرَعَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّكَّ فَشَرَعَهُ فِي عِدَّةٍ مِنْ الصُّوَرِ حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا مَا إذَا شَكَّ فِي الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ وَالْمَيْتَةِ حَرُمَتَا مَعًا وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ هُوَ الشَّكُّ وَمِنْهَا مَا إذَا شَكَّ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ حَرُمَتَا مَعًا وَسَبَبُ التَّحْرِيمِ هُوَ الشَّكُّ وَمِنْهَا مَا إذَا شَكَّ فِي عَيْنِ الصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ وَسَبَبُ وُجُوبِ الْخَمْسِ هُوَ الشَّكُّ وَمِنْهَا مَا إذَا شَكَّ هَلْ تَظْهَرُ أَمْ لَا وَجَبَ الْوُضُوءُ. وَسَبَبُ وُجُوبِهِ الشَّكُّ وَمِنْهَا مَا إذَا شَكَّ هَلْ صَامَ أَمْ لَا وَجَبَ الصَّوْمُ وَسَبَبُ وُجُوبِهِ الشَّكُّ وَمِنْهَا مَا إذَا شَكَّ هَلْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ أَمْ لَا وَجَبَ إخْرَاجُهَا وَسَبَبُ الْوُجُوبِ الشَّكُّ وَمِنْهَا بَقِيَّةُ النَّظَائِرِ الْكَثِيرَةِ فِي الشَّرِيعَةِ وَقَدْ يُلْغِي صَاحِبُ الشَّرْعِ الشَّكَّ فَلَا يَجْعَلُ فِيهِ شَيْئًا كَمَا فِي صُورَةِ النَّظَرِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَشْكُوكَ فِيهِ مَجْهُولٌ كَالْمُوجِبِ وَالْوَاجِبِ وَدَلِيلِ الْوُجُوبِ وَسَبَبِهِ كَمَا عَلِمْت فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ الَّذِي هُوَ

стр. 227

ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ مِنْ أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ لَا يَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ؟ فَسَأَلَ الْعُلَمَاءَ فَقَالُوا لَهُ يَلْزَمُك أَنْ تَمْسَحَ رَأْسَك وَتُعِيدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَذَهَبَ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ فَنَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ثُمَّ جَاءَ يَسْتَفْتِي عَنْ ذَلِكَ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا فَقَالُوا لَهُ اذْهَبْ وَامْسَحْ رَأْسَك وَأَعِدْ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا فَأُشْكِلَ ذَلِكَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ وَقَالُوا الشَّكُّ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَتَيْنِ فَكَيْفَ أُمِرَ أَوَّلًا بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَفِي ثَانِي الْحَالِ أُمِرَ بِإِعَادَةِ الْعِشَاءِ وَحْدَهَا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَسْحَ الْمَتْرُوكَ إنْ كَانَ مِنْ وُضُوءِ الصَّلَوَاتِ الْأَرْبَعِ فَقَدْ أَعَادَهَا بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ اسْتَفْتَى أَوَّلًا فَبَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ وُضُوءِ الْعِشَاءِ فَقَدْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْهَا بِوُضُوئِهَا الْأَوَّلِ فَقَدْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْهَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَلَمْ يَبْقَ الشَّكُّ إلَّا فِي الْعِشَاءِ فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ نُسِيَ مِنْ وُضُوئِهَا تَكُونُ ثَابِتَةً فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَلَّاهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ وُضُوءُ الْعِشَاءِ أَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَقَدْ صُلِّيَتْ بِوُضُوءَيْنِ فَتَصِحُّ أَمَّا بِالْأَوَّلِ وَأَمَّا بِالثَّانِي بِخِلَافِ الْعِشَاءِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ جَوَابُ الْمُفْتِي قَبْلَ الْإِعَادَةِ وَبَعْدَهَا. (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ قَبُولِ الشَّرْطِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ قَبُولِ التَّعْلِيقِ عَلَى الشَّرْطِ) الْحَقَائِقُ فِي الشَّرِيعَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ مَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَالتَّعْلِيقَ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَلَا التَّعْلِيقَ عَلَيْهِ وَمَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ دُونَ التَّعْلِيقِ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَيَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَيْهِ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَكَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا فَيَقْبَلُ الشَّرْطَ بِأَنْ يَقُولَ أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفٌ فَهَذِهِ صُورَةُ قَبُولِ الشَّرْطِ فَيَلْزَمُ ذَلِكَ إذَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَيُنَجَّزُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ الْآنَ وَيَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ بِأَنْ يَقُولَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ فَلَا يُنَجَّزُ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ الْآنَ حَتَّى يَقَعَ الشَّرْطُ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي الَّذِي لَا يَقْبَلُهُمَا فَالْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالدُّخُولُ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ فَلَا يَصِحُّ أَسْلَمْت عَلَى أَنَّ لِي أَنْ أَشْرَبَ الْخَمْرَ أَوْ أَتْرُكَ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهُ وَيَسْقُطُ شَرْطُهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْوُجُوبُ وَكَمَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالشَّكُّ لَغْوٌ وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ هَلْ سَهَا أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالشَّكُّ لَغْوٌ فَهَذِهِ صُوَرٌ مِنْ الشَّكِّ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِيهَا كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ فَهَذَانِ قِسْمَانِ وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَصْبِ الشَّكِّ سَبَبًا فِيهِ كَمَنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا فَاعْتَبَرَهُ مَالِكٌ دُونَ الشَّافِعِيِّ. وَمَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَمْ اثْنَتَيْنِ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ الطَّلْقَةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا دُونَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ حَلَفَ يَمِينًا وَشَكَّ مَا هِيَ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ فَقَدْ انْقَسَمَ الشَّكُّ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ مُجْمَعٍ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَمُجْمَعٍ عَلَى إلْغَائِهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ (وَصْلٌ) فِي زِيَادَةِ تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى إذَا نَسِيَ الْمُكَلَّفُ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ صَلَّى خَمْسًا بِنِيَّةٍ جَازِمَةٍ بِوُجُوبِ الْخَمْسِ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهَا وَهُوَ الشَّكُّ لَا بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ حَتَّى يَحْتَاجَ لَأَنْ يُقَالَ اُسْتُثْنِيَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَصِحُّ مَعَ التَّرَدُّدِ لِتَعَذُّرِ جَزْمِ النِّيَّةِ فِيهَا وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَّ فِي جِهَةِ الْكَعْبَةِ يُصَلِّي أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ إلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ بِنِيَّةٍ جَازِمَةٍ بِوُجُوبِ الْأَرْبَعِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الشَّكِّ وَمَنْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْأَوَانِي أَوْ الثِّيَابُ يَجْتَهِدُ بِنِيَّةٍ جَازِمَةٍ بِوُجُوبِ الِاجْتِهَادِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الشَّكِّ وَكَذَلِكَ مَنْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْأَجْنَبِيَّةُ بِأُخْتِهِ أَوْ الْمُذَكَّاةُ بِالْمَيْتَةِ جَازِمٌ بِالتَّحْرِيمِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ الشَّكُّ فَلَا تَرَدُّدَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ أَلْبَتَّةَ بَلْ الْقَصْدُ جَازِمُ النِّيَّةِ جَازِمَةٌ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ بَقِيَّةَ النَّظَائِرِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَاعِدَةُ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَقْتَضِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَصْفَ لِذَلِكَ الْحُكْمِ مَعَ قَوْلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَأْتِ بِرَكْعَةٍ وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ يُرْغِمُ بِهِمَا أَنْفَ الشَّيْطَانِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَمَّا رَتَّبَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وُجُوبَ رَكْعَةٍ وَوُجُوبَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الشَّكِّ جَعَلَ ذَلِكَ الشَّكَّ فِيهَا سَبَبًا لِهَذَيْنِ الْوُجُوبَيْنِ إذْ التَّرْتِيبُ دَلِيلُ السَّبَبِيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ وَإِذَا أَحْدَثَ فَلْيَتَوَضَّأْ وَنَحْوُهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ إلَّا سَبَبِيَّةُ السَّهْوِ لِوُجُوبِ السُّجُودِ وَسَبَبِيَّةُ الْحَدَثِ لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ فَتَكُونُ أَسْبَابُ السُّجُودِ ثَلَاثَةً السَّهْوُ فِي الزِّيَادَةِ وَالسَّهْوُ فِي النُّقْصَانِ وَالشَّكُّ وَقَلَّ أَنْ يُتَفَطَّنَ لِهَذَا الثَّالِثِ فَلَمْ يُصَلِّ الْمُكَلَّفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هَذِهِ الرَّكْعَةَ الَّتِي قَامَ إلَيْهَا إلَّا بِنِيَّةٍ جَازِمَةٍ بِوُجُوبِهَا لِوُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهَا وَهُوَ الشَّكُّ لَا بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ فِي أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً خَامِسَةً وَأَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً رَابِعَةً حَتَّى يُقَالَ كَيْفَ يَنْوِي التَّقَرُّبَ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ مَعَ عَدَمِ الْجَزْمِ بِوُجُوبِهَا وَتَعَيَّنَ كَوْنُ هَذِهِ الصُّورَةِ شَكًّا فِي الْعَدَدِ أَيْ سَبَبًا فِي الشَّكِّ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّكّ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّرْعُ مَحَلَّ السَّبَبِيَّةِ وَمَوْصُوفًا بِهَا بِخِلَافِ صُورَةِ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا فَإِنَّهَا مِنْ الشَّكِّ فِي سَبَبِ السَّهْوِ فَلِذَا جَرَتْ فِيهَا قَاعِدَةُ أَنَّ مَنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا لَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَلَمْ تَجْرِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَعْنِي صُورَةَ مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا وَإِنْ جَازَ فِيهَا أَنْ يَكُونَ زَادَ وَأَنْ لَا يَكُونَ فَلَمْ يَتَعَذَّرْ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا وَبَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ حَتَّى يَرِدَ الْإِشْكَالُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَسْجُدُ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ فِي غَيْرِهَا لَوْ شَكَّ هَلْ زَادَ أَمْ لَا لَا يَسْجُدُ فَافْهَمْ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) سَأَلَ رَجُلٌ بَعْضَ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ

стр. 228

الَّذِي قَرَنَ بِهِ إسْلَامَهُ وَأَمَّا عَدَمُ قَبُولِهِ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ فَكَقَوْلِهِ إنْ كُنْت كَاذِبًا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَأَنَا مُسْلِمٌ أَوْ مُؤْمِنٌ أَوْ إنْ لَمْ آتِ بِالدِّينِ فِي وَقْتِ كَذَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي يُعَلَّقُ عَلَيْهَا فَلَا يَلْزَمُ إسْلَامٌ إذَا وُجِدَ ذَلِكَ الشَّرْطُ بَلْ يَبْقَى عَلَى كُفْرِهِ بِسَبَبِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الدِّينِ يَعْتَمِدُ الْجَزْمَ بِصِحَّتِهِ وَالْمُعَلَّقُ لَيْسَ جَازِمًا فَهَذَا مُتَّجَهٌ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَمَّا الْحَرْبِيُّونَ فَنَحْنُ نُلْزِمُهُمْ الْإِسْلَامَ قَهْرًا بِالسَّيْفِ فَجَازَ أَنْ يُلْزِمَهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الشَّرْطَ دُونَ التَّعْلِيقِ عَلَيْهِ فَكَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَال بِعْتُك عَلَى أَنَّ عَلَيْك أَنْ تَأْتِيَ بِالرَّهْنِ أَوْ الْكَفِيلِ بِالثَّمَنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُقَارِنَةِ لِتَنْجِيزِ الْبَيْعِ وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَقَدْ بِعْتُك أَوْ آجَرْتُك بِسَبَبِ أَنَّ انْتِقَالَ الْأَمْلَاكِ يَعْتَمِدُ الرِّضَى وَالرِّضَى إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْجَزْمِ وَلَا جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ فَإِنَّ شَأْنَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ يَعْتَرِضُهُ عَدَمُ الْحُصُولِ وَقَدْ يَكُونُ مَعْلُومَ الْحُصُولِ كَقُدُومِ الْحَاجِّ وَحَصَادِ الزَّرْعِ وَلَكِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِجِنْسِ الشَّرْطِ دُونَ أَنْوَاعِهِ وَأَفْرَادِهِ فَلُوحِظَ الْمَعْنَى الْعَامُّ دُونَ خُصُوصِيَّاتِ الْأَنْوَاعِ وَالْأَفْرَادِ وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ دُونَ مُقَارَنَتِهِ فَكَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يَصِحُّ أَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَنْ لَا أَسْجُدَ أَوْ أُسَلِّمَ بَعْدَ سَجْدَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَأَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ عَلَى أَنَّ لِي الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ يَوْمٍ فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ فَنَقُولُ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ صَلَاةُ مِائَةِ رَكْعَةٍ وَنَحْوِهَا مِنْ الشُّرُوطِ فِي النُّذُورِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ فِي هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَدُورُ عَلَيْهَا التَّصَرُّفَاتُ فِي الشَّرِيعَةِ وَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِ التَّعْلِيقِ قَبُولُ الشَّرْطِ وَلَا مِنْ قَبُولِ الشَّرْطِ قَبُولُ التَّعْلِيقِ وَتُطْلَبُ الْمُنَاسَبَةُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ مِنْ أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ لَا يَدْرِي أَيَّهمَا هُوَ فَقَالُوا لَهُ يَلْزَمُك أَنْ تَمْسَحَ رَأْسَك وَتُعِيدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ثُمَّ جَاءَ يَسْتَفْتِي عَنْ ذَلِكَ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ أَوَّلًا فَقَالُوا لَهُ اذْهَبْ وَامْسَحْ رَأْسَك وَأَعِدْ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا وَوَجْهُ اخْتِلَافِ جَوَابِ الْمُفْتِي قَبْلَ الْإِعَادَةِ وَبَعْدَهَا أَنَّ الْمَسْحَ الْمَتْرُوكَ إنْ كَانَ مِنْ وُضُوءِ الصَّلَوَاتِ الْأَرْبَعِ فَقَدْ أَعَادَهَا بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ اسْتَفْتَى أَوَّلًا فَبَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ وُضُوءِ الْعِشَاءِ فَقَدْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْهَا بِوُضُوئِهَا الْأَوَّلِ فَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ قَدْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْهَا وَلَمْ يَبْقَ الشَّكُّ إلَّا فِي الْعِشَاءِ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَلَّاهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ لَا بِوُضُوءَيْنِ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمَسْحُ نُسِيَ مِنْ وُضُوءِ الْعِشَاءِ تَكُونُ ثَابِتَةً فِي ذِمَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ قَبُولِ الشَّرْطِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ قَبُولِ التَّعْلِيقِ عَلَى الشَّرْطِ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ قَبُولِ الشَّرْطِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ قَبُولِ التَّعْلِيقِ عَلَى الشَّرْطِ) وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِ التَّعْلِيقِ قَبُولُ الشَّرْطِ وَلَا مِنْ قَبُولِ الشَّرْطِ قَبُولُ التَّعْلِيقِ فَإِنَّ الْحَقَائِقَ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَالتَّعْلِيقَ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَيَقْبَلُ الشَّرْطَ بِأَنْ يَقُولَ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنَّ عَلَيْك أَلْفًا أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْك أَلْفًا فَيَلْزَمُ الشَّرْطُ إنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَيُنَجَّزُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ الْآنَ وَيَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ بِأَنْ يَقُولَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ فَلَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ الْآنَ بَلْ حَتَّى يَقَعَ الشَّرْطُ الْقِسْمُ الثَّانِي مَا لَا يَقْبَلُهُمَا مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالدُّخُولِ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ بِأَنْ يَقُولَ أَسْلَمْت عَلَى أَنَّ لِي أَنْ أَشْرَبَ الْخَمْرَ أَوْ أَتْرُكَ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهُ بَلْ يَسْقُطُ شَرْطُهُ الَّذِي قَرَنَ بِهِ إسْلَامُهُ وَلَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ حَيْثُ اعْتَمَدَ الْجَزْمَ بِصِحَّتِهِ كَمَا فِي دُخُولِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الدِّينِ فَلَا يَلْزَمُ إسْلَامُ الذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ إنْ كُنْت كَاذِبًا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَأَنَا مُسْلِمٌ أَوْ مُؤْمِنٌ أَوْ إنْ لَمْ آتِ بِالدِّينِ فِي وَقْتِ كَذَا فَأَنَا مُسْلِمٌ أَوْ مُؤْمِنٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي يُعَلَّقُ عَلَيْهَا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ الشَّرْطُ بَلْ يَبْقَى عَلَى كُفْرِهِ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ لَيْسَ بِجَازِمٍ وَدُخُولُهُ فِي الدِّينِ يَعْتَمِدُ الْجَزْمَ بِصِحَّتِهِ وَأَمَّا الْحَرْبِيُّونَ فَمِنْ حَيْثُ إنَّا نُلْزِمُهُمْ الْإِسْلَامَ قَهْرًا بِالسَّيْفِ يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَهُمْ إسْلَامُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ دُونَ التَّعْلِيقِ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ بِعْتُك عَلَى أَنْ تَأْتِيَ بِالرَّهْنِ أَوْ الْكَفِيلِ بِالثَّمَنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُقَارِنَةِ لِتَنْجِيزِ الْبَيْعِ وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَقَدْ بِعْتُك أَوْ آجَرْتُك لِأَنَّ انْتِقَال الْأَمْلَاكِ يَعْتَمِدُ الرِّضَا وَالرِّضَا إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْجَزْمِ وَلَا جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي جِنْسِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ دُونَ أَنْوَاعِهِ وَأَفْرَادِهِ أَنْ يَعْتَرِضَهُ عَدَمُ الْحُصُولِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ مَعْلُومَ الْحُصُولِ كَقُدُومِ الْحَاجِّ وَحَصَادِ الزَّرْعِ وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ دُونَ مُقَارَنَتِهِ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَلَا يَصِحُّ أَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أَنْ لَا أَسْجُدَ أَوْ عَلَى أَنْ أُسَلِّمَ بَعْدَ سَجْدَةٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَا أَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ عَلَى أَنَّ لِي الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ يَوْمٍ وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ بِأَنْ تَقُولَ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ صَلَاةُ مِائَةِ رَكْعَةٍ وَنَحْوُهَا مِنْ الشُّرُوطِ فِي النُّذُورِ فَجَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ تَدُورُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ فِي هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَتُطْلَبُ الْمُنَاسَبَةُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 229

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ جَمْعُهُ وَافْتِرَاقُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ افْتِرَاقُهُ دُونَ جَمْعِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ جَمْعُهُ دُونَ افْتِرَاقِهِ) الْمَطْلُوبَاتُ فِي الشَّرِيعَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا يُطْلَبُ وَحْدَهُ وَمَعَ غَيْرِهِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ وَالشَّرْطُ مَطْلُوبُ الْحُصُولِ مَعَ الْمَشْرُوطِ فَالْإِيمَانُ مَطْلُوبُ الْجَمْعِ مَعَ كُلِّ عِبَادَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُكْتَفَى مِنْهُ بِالْإِيمَانِ الْحُكْمِيِّ تَخْفِيفًا عَلَى الْعَبْدِ فَإِنَّ اسْتِحْضَارَهُ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ وَفِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا بِمَا يَشُقُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ فَيُكْتَفَى بِتَقْدِيمِهِ فِعْلًا ثُمَّ يُسْتَصْحَبُ حُكْمًا، وَكَالدُّعَاءِ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ وَالسُّجُودُ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَطْلُوبٌ وَكَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ كُلٌّ مِنْهُمَا مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ وَالرُّكُوعُ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ وَنَحْوُ هَذِهِ النَّظَائِرِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يُطْلَبُ مُنْفَرِدًا دُونَ جَمْعِهِ مَعَ غَيْرِهِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَطْلُوبَيْنِ فِي الشَّرِيعَةِ قَدْ يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرَ مَطْلُوبٍ وَرُبَّمَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَقَدْ يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَطْلُوبًا كَمَا تَقَدَّمَ مِثَالُ هَذَا الْقِسْمِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مَطْلُوبَةٌ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مَطْلُوبَانِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ ﵇ «نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا» عَكْسُ مَا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ مَعَ السُّجُودِ وَقَوْلُهُ ﵇ «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ فَعَسَى أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» . الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يُطْلَبُ جَمْعُهُ دُونَ افْتِرَاقِهِ فَكَالرُّكُوعِ مَعَ سَجْدَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبُ الْجَمْعِ وَلَمْ يُشْرَعْ التَّقَرُّبُ بِأَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا وَكَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَعَ رَمْيِ الْجِمَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَطْلُوبٌ مَعَ الْآخَرِ وَلَيْسَ مَطْلُوبًا مُنْفَرِدًا وَكَالْحِلَاقِ مَعَ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ لَيْسَ قُرْبَةً عَلَى انْفِرَادِهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قُرْبَةٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ الِاسْتِقْرَاءُ عَلَيْهِ فَهَذَا تَمْثِيلُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَأَمَّا وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَقَدْ يَحْصُلُ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَعَبُّدًا لَا يَطَّلِعُ عَلَى حِكْمَتِهِ فَالْإِيمَانُ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي كُلِّ تَقَرُّبٍ اُشْتُرِطَ جَمْعُهُ لِيَتَحَقَّقَ التَّقَرُّبُ فَإِنَّ التَّقَرُّبَ بِالْعِبَادَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ جَمْعُهُ وَافْتِرَاقُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ افْتِرَاقُهُ دُونَ جَمْعِهِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَبِحَمْدِهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ مِنْ بَعْدِهِ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ شَادُوا الدِّينَ. (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ جَمْعُهُ وَافْتِرَاقُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ افْتِرَاقُهُ دُونَ جَمْعِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ جَمْعُهُ دُونَ افْتِرَاقِهِ) أَمَّا أَمْثِلَةُ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ جَمْعُهُ وَافْتِرَاقُهُ فَمِنْهَا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي كُلِّ تَقَرُّبٍ فَإِنَّ التَّقَرُّبَ بِالْعِبَادَةِ فَرْعُ التَّصْدِيقِ بِالْأَمْرِ بِهَا وَالْأَصْلُ شَرْطٌ فِي تَحَقُّقِ الْفَرْعِ، فَالْإِيمَانُ شَرْطٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ وَالشَّرْطُ مَطْلُوبُ الْحُصُولِ مَعَ الْمَشْرُوطِ فَالْإِيمَانُ مَطْلُوبُ الْجَمْعِ مَعَ كُلِّ عِبَادَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُكْتَفَى مِنْهُ بِالْإِيمَانِ الْحُكْمِيِّ تَخْفِيفًا عَلَى الْعَبْدِ فَإِنَّ اسْتِحْضَارَهُ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ وَفِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا رُبَّمَا يَشُقُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ فَيُكْتَفَى بِتَقَدُّمِهِ عَنْ الْعِبَادَةِ فِعْلًا ثُمَّ يُسْتَصْحَبُ حُكْمًا وَمِنْهَا الدُّعَاءُ وَالسُّجُودُ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَطْلُوبٌ فِي

стр. 230

فَرْعُ التَّصْدِيقِ بِالْآمِرِ بِهَا وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَأَصْلِهِ مُنَاسِبٌ وَأَمَّا الدُّعَاءُ مَعَ السُّجُودِ وَالثَّنَاءُ مَعَ الرُّكُوعِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ عَلَى حَسَبِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مَعَ الْأَمَاثِلِ وَالْمُلُوكِ وَالْأَكَابِرِ فَإِنَّ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا وَالْمَعَاصِيَ كُلَّهَا نِسْبَتُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى نِسْبَةً وَاحِدَةً لَا تَزِيدُهُ الطَّاعَاتُ وَلَا تَنْقُصُهُ الْمَعَاصِي وَإِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ لِتَظْهَرَ مِنْهُمْ الطَّاعَةُ عَلَى حَسَبِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مَعَ الْأَكَابِرِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ السُّجُودُ فِي الْعِبَادَةِ أَبْلَغَ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ ﵇ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ إذَا كَانَ سَاجِدًا» وَكَانَ بَذْلُ الدِّينَارِ أَفْضَلَ مِنْ بَذْلِ الدِّرْهَمِ فِي الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ أَبْلَغُ وَارْتِكَابُ الْمَشَاقِّ فِي تَحْصِيلِ الْمَأْمُورِ يَكُونُ مُوجِبًا لِمَزِيدِ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الطَّوَاعِيَةِ فَقَالَ ﵇ «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَحْمَزُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا. وَلَمَّا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ مَعَ الْمُلُوكِ أَنْ يُقَدِّمُوا الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الطَّلَبِ مِنْهُمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَاسْتِعْطَافًا لِأَنْفُسِهِمْ جَعَلَ اللَّهُ الثَّنَاءَ وَالتَّمْجِيدَ لَهُ فِي الرُّكُوعِ وَجَعَلَ الدُّعَاءَ فِي السُّجُودِ بَعْدَ الثَّنَاءِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَمَّا سُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ قَوْلِهِ ﵇ «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَقِيلَ لَهُ هَذَا الثَّنَاءُ فَأَيْنَ الدُّعَاءُ فَأَنْشَدَ أَبْيَاتِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ أَأَطْلُبُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُك إنَّ شِيمَتَك الْحَيَاءُ إذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِك الثَّنَاءُ كَرِيمٌ لَا يُغَيِّرُهُ صَبَاحٌ ... عَنْ الْخُلُقِ الْجَمِيلِ وَلَا مَسَاءُ وَعِلْمُك بِالْحُقُوقِ وَأَنْتَ قِدَمًا ... لَك الْحَسَبُ الْمُهَذَّبُ وَالْوَفَاءُ يَعْنِي فَلَمَّا كَانَ الثَّنَاءُ يُحَصِّلُ مِنْ الْكَرِيمِ مَا يُحَصِّلُهُ الدُّعَاءُ سُمِّيَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى دُعَاءً؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ» فَهَذَا هُوَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي الثَّنَاءِ فِي الرُّكُوعِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ فَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ جَعَلَ لَهَا الشَّرْعُ مَوْطِنًا وَهُوَ الْقِيَامُ؛ لِأَنَّهُ حَالَةُ اسْتِقْرَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْفِكْرُ مِنْ التَّأَمُّلِ لِمَعَانِي الْقِرَاءَةِ وَالِاتِّعَاظِ بِوَعِيدِهَا وَوَعْدِهَا وَالتَّفْكِيرِ فِي مَعَانِيهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا مَعَ حُسْنِ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُنَاجَاةِ، وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ لَا تُنَاسِبُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لِضِيقِ النَّفْسِ وَضَجَرِهَا فِي حَالَةِ الِانْحِنَاءِ وَانْحِصَارِ الْأَعْضَاءِ وَحَبْسِ النَّفَسِ فَتُنَاسِبُ الْمَنْعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَمَّا عُيِّنَ لَهَا مَوْطِنٌ نَاسَبَ أَنْ تُعَيَّنَ بَقِيَّةُ الْمَوَاطِنِ لِغَيْرِهَا مِنْ الثَّنَاءِ الْمَحْضِ وَالدُّعَاءِ الْمَحْضِ فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ قَدْ لَا تَكُونُ ثَنَاءً وَلَا دُعَاءً فَتَشْتَمِلُ الصَّلَاةُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ وَلَا تَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] نَفْسِهِ وَقَدْ وَرَدَ طَلَبُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ ﵇ «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ فَعَسَى أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» وَمِنْهَا الثَّنَاءُ وَالتَّمْجِيدُ لَهُ تَعَالَى بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ وَالرُّكُوعُ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا وَقَدْ وَرَدَ طَلَبُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي نَفْسِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ لَمَّا تَقَرَّرَتْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَتَقَرَّبُوا إلَيْهِ عَلَى حَسَبِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مَعَ الْأَمَاثِلِ وَالْمُلُوكِ وَالْأَكَابِرِ؛ إذْ نِسْبَةُ كُلٍّ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدَةٌ لَا تَزِيدُهُ الطَّاعَاتُ وَلَا تَنْقُصُهُ الْمَعَاصِي وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ مَعَ مَنْ ذَكَرَ أَنْ يُقَدِّمُوا الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الطَّلَبِ مِنْهُمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَاسْتِعْطَافًا لِأَنْفُسِهِمْ نَاسَبَ جَعْلَ اللَّهِ الثَّنَاءَ وَالتَّمْجِيدَ لَهُ فِي الرُّكُوعِ وَجَعْلَ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ بَعْدَ الثَّنَاءِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ السُّجُودُ فِي الْعِبَادَةِ أَبْلَغَ شَرْعًا مِنْ الرُّكُوعِ كَمَا أَنَّ بَذْلَ الدِّينَارِ صَدَقَةً أَبْلَغُ فِي الْعَادَةِ مِنْ بَذْلِ الدِّرْهَمِ وَأَبْلَغِيَّةُ السُّجُودِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْإِفْرَاطُ فِي الْقُرْبِ مِنْ الرَّبِّ تَعَالَى قَالَ ﵇ «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ إذَا كَانَ سَاجِدًا» . وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ أَشَقُّ مِنْ الرُّكُوعِ لِمَا سَيَأْتِي، وَارْتِكَابُ الْأَشَقِّ فِي تَحْصِيلِ الْمَأْمُورِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الطَّوَاعِيَةِ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِمَزِيدِ الْأُجُورِ قَالَ ﵇ «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَحَمْزُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا وَكَانَ الدُّعَاءُ مُخَّ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الطَّلَبِ، وَالثَّنَاءُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ حَتَّى سُمِّيَ دُعَاءً فِي قَوْلِهِ « ﷺ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فَقِيلَ لَهُ هَذَا الثَّنَاءُ فَأَيْنَ الدُّعَاءُ فَأَنْشُد أَبْيَاتِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ وَهِيَ أَأَطْلُبُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُك إنَّ شِيمَتَك الْحَيَاءُ إذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِك الثَّنَاءُ كَرِيمٌ لَا يُغَيِّرُهُ صَبَاحٌ ... عَنْ الْخُلُقِ الْجَمِيلِ وَلَا مَسَاءُ وَعِلْمُك بِالْحُقُوقِ وَأَنْتَ قِدَمًا ... لَك الْحَسَبُ الْمُهَذَّبُ وَالْوَفَاءُ يَعْنِي فَلَمَّا كَانَ الثَّنَاءُ يُحَصِّلُ مِنْ الْكَرِيمِ مَا لَا يُحَصِّلُهُ الدُّعَاءُ سُمِّيَ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى دُعَاءً؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْته أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ»

стр. 231

وَهَذِهِ الْمَوَاطِنُ الثَّلَاثُ مُنَاسِبَةٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لِمَا وُضِعَ فِيهِ فَالْقِرَاءَةُ فِي الْقِيَامِ لِلتَّمَكُّنِ وَالدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ لِفَرْطِ الْقُرْبِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَةُ الْمُلُوكِ وَأَمَّا كَوْنُ الرُّكُوعِ لَا يَتَقَرَّبُ بِهِ وَحْدَهُ بِخِلَافِ السَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّهَا شُرِعَتْ قُرْبَةً فِي التِّلَاوَةِ وَشُكْرِ النِّعَمِ عِنْدَ مَنْ يَرَى سَجْدَةَ الشُّكْرِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ يَرَاهَا دُونَ مَالِكٍ فَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّقَرُّبِ بِالرُّكُوعِ وَحْدَهُ لَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ، وَكَذَلِكَ أَرْكَانُ الْحَجِّ الَّتِي لَا يُتَقَرَّبُ بِهَا مُنْفَرِدَةً الْغَالِبُ عَلَيْهَا التَّعَبُّدُ بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ شُرِعَ قُرْبَةً وَحْدَهُ دُونَ السَّعْيِ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ قُرْبَةً وَحْدَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ اُشْتُرِطَ مَعَ الطَّوَافِ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَالْفُرُوقِ انْبَنَى قَوْلُ الْقَائِلِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الصَّوْمُ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ لَمَا صَارَ شَرْطًا لَهُ بِالنَّذْرِ كَالصَّلَاةِ لَكِنَّهُ إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا لَزِمَهُ ذَلِكَ وَوَجَبَ الصَّوْمُ وَصِحَّةُ هَذَا الْكَلَامِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ: الْقَاعِدَةُ الْأُولَى أَنَّ النَّذْرَ لَا يُؤَثِّرُ إلَّا فِي مَنْدُوبٍ وَلَمَّا أَثَّرَ النَّذْرُ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ مَعَ الِاعْتِكَافِ إذَا نَذَرَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا. وَالْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَائِمًا لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَطْلُوبًا فِي نَفْسِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ النَّذْرُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ يَصِحُّ مَعَ التَّخْيِيرِ وَقَاعِدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَصِحُّ مَعَ التَّخْيِيرِ) وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَعَ التَّخْيِيرِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ يَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِمَفْهُومِ أَحَدِهَا الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا لِصِدْقِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَيَكُونُ الْمُشْتَرَكُ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ وَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ وَالْخُصُوصِيَّاتُ هِيَ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ يَصِحُّ مَعَ التَّخْيِيرِ وَقَاعِدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَصِحُّ مَعَ التَّخْيِيرِ، وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَعَ التَّخْيِيرِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ يَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِمَفْهُومِ أَحَدِهَا الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا لِصِدْقِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا) قُلْت: قَوْلُهُ: إنَّ الْأَمْرَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مُتَعَلِّقٌ بِأَحَدِهَا - صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا - لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَفْهُومُ أَحَدِ الْأُمُورِ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهَا مُبْهَمًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَا الْحَقِيقَةُ الْمُشْتَرَكُ فِيهَا، وَلَوْ تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِالْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ لَلَزِمَ شُمُولُ الْوُجُوبِ لِكُلِّ شَخْصٍ مِمَّا فِيهِ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: لِصِدْقِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، قُلْت: لَا يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحَقِيقَةُ الْمُشْتَرَكُ فِيهَا. قَالَ (فَيَكُونُ الْمُشْتَرَكُ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ وَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ) قُلْت قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ لَيْسَ الْمُشْتَرَكَ قَالَ (وَالْخُصُوصِيَّاتُ هِيَ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] نَاسَبَ تَقْدِيمَ الْوَسِيلَةِ فِي الرُّكُوعِ وَتَأْخِيرَ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ وَأَشَقُّ وَأَفْرَطُ فِي الْقُرْبِ مِنْ الرَّبِّ ، وَأَمَّا أَمْثِلَةُ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ افْتِرَاقُهُ دُونَ جَمْعِهِ فَمِنْهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مَطْلُوبَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ كَمَا أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ مَطْلُوبَانِ كَذَلِكَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَلْ قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﵇ «نُهِيت أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا» عَكْسُ مَا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ مَعَ السُّجُودِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا عَيَّنَ الرُّكُوعَ لِلثَّنَاءِ الْمَحْضِ وَالسُّجُودَ لِلدُّعَاءِ الْمَحْضِ نَاسَبَ أَنْ يُعَيِّنَ الْقِيَامَ مَوْطِنًا لِلْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ لَا تَكُونُ ثَنَاءً وَلَا دُعَاءً لِتَشْمَلَ الصَّلَاةُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ وَلَا تَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» . الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا جَعَلَ الْقِيَامَ مَوْطِنًا لِلْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ حَالَةُ اسْتِقْرَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ الْفِكْرُ مِنْ التَّأَمُّلِ لِمَعَانِي الْقِرَاءَةِ وَالِاتِّعَاظِ بِوَعِيدِهَا وَوَعْدِهَا وَالتَّفَكُّرِ فِي مَعَانِيهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا مَعَ حُسْنِ الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُنَاجَاةِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِمَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ ضِيقِ النَّفْسِ وَضَجَرِهَا فِي حَالَةِ الِانْحِنَاءِ، وَالثَّانِي مِنْ انْحِصَارِ الْأَعْضَاءِ وَحَبْسِ النَّفْسِ وَذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ أَحْوَالَ الْقِرَاءَةِ كَمَا أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ الدُّعَاءَ فِي السُّجُودِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَرْطِ الْقُرْبِ وَالثَّنَاءِ فِي الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلدُّعَاءِ وَلِجَرَيَانِهِ عَلَى عَادَةِ الطَّلَبِ مِنْ الْمُلُوكِ كَمَا عَلِمْتَ وَمِنْهَا الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلَبُ التَّقَرُّبِ مِنْهُ مُنْفَرِدًا وَلَمْ يُطْلَبْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِقَاعِدَتَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَائِمًا لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ وَالْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ النَّذْرَ لَا يُؤَثِّرُ إلَّا فِي مَنْدُوبٍ فَلَمَّا لَمْ يُؤَثِّرْ النَّذْرُ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ مَعَ الصَّلَاةِ كَمَا أَثَّرَ فِي وُجُوبِهِ مَعَ الِاعْتِكَافِ إذًا نَذْرَهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ مَعَ الصَّلَاةِ. وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَطْلُوبًا فِي نَفْسِهِ وَأَنَّهُ مَطْلُوبٌ مَعَ الِاعْتِكَافِ فَمِنْ هُنَا ظَهَرَ صِحَّةُ قَوْلِ الْقَائِلِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الصَّوْمُ شَرْطًا فِي الِاعْتِكَافِ لَمَا كَانَ شَرْطًا لَهُ بِالنَّذْرِ كَالصَّلَاةِ لَكِنَّهُ إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا لَزِمَهُ ذَلِكَ وَوَجَبَ الصَّوْمُ فَافْهَمْ وَأَمَّا أَمْثِلَةُ قَاعِدَةِ مَا يُطْلَبُ جَمْعُهُ دُونَ افْتِرَاقِهِ فَمِنْهَا الرُّكُوعُ مَعَ سَجْدَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبُ الْجَمْعِ وَلَمْ يُشْرَعْ التَّقَرُّبُ بِأَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا قَالَ الْأَصْلُ مَا مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ قُرْبَةً إلَّا

стр. 232

وَلَا وُجُوبَ فِيهَا فَمَفْهُومُ أَحَدِهَا الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَالْخُصُوصِيَّاتُ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ وَلَا وُجُوبَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنُ الْعِتْقِ وَلَا عَيْنُ الْكِسْوَةِ وَلَا عَيْنُ الْإِطْعَامِ بَلْ لَهُ تَرْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ بِفِعْلِ الْآخَرِ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِفِعْلِ الْمُشْتَرَكِ فِي أَيُّهَا شَاءَ فَإِنْ أَعْتَقَ حَصَلَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَسَا أَوْ أَطْعَمَ وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا فَالْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي أَنَّ النَّهْيَ مَتَى تَعَلَّقَ بِمُشْتَرَكٍ حُرِّمَتْ أَفْرَادُهُ كُلُّهَا فَإِذَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مَفْهُومَ الْخِنْزِيرِ حَرَّمَ كُلَّ خِنْزِيرٍ أَوْ مَفْهُومَ الْخَمْرِ حَرَّمَ كُلَّ خَمْرٍ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ فَرْدٌ فِي الْوُجُودِ لَدَخَلَ فِي ضِمْنِهِ الْمُشْتَرَكُ فَيَلْزَمُ الْمَحْذُورُ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُشْتَرَكِ تَحْرِيمُ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَلَا وُجُوبَ فِيهَا) قُلْت ذَلِكَ صَحِيحٌ إنْ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ مِنْ حَيْثُ دُخُولِهَا تَحْتَ الْمُشْتَرَكِ فَلَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تُعْتَبَرَ الْحَقِيقَةُ الشَّامِلَةُ لِأَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَشَبَهُهَا مِنْ حَيْثُ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ أَوَّلًا فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ هِيَ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ فَلَا تَعَلُّقَ لِلْوُجُوبِ بِهَا وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ مِنْ حَيْثُ هِيَ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ فَلَا يَخْلُو أَنْ تُعْتَبَرَ الْأَنْوَاعُ مِنْ حَيْثُ هِيَ تِلْكَ الْأَنْوَاعُ أَوَّلًا، فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ هِيَ تِلْكَ الْأَنْوَاعُ فَلَا تَعَلُّقَ لِلْوُجُوبِ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ مِنْ حَيْثُ هِيَ تِلْكَ الْأَنْوَاعُ بَلْ مِنْ حَيْثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا قِسْطٌ مِنْ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تُعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ مَجْمُوعِهَا أَوَّلًا فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ مَجْمُوعِهَا فَلَا تَعَلُّقَ لِلْوُجُوبِ بِهَا وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ مِنْ حَيْثُ مَجْمُوعِهَا بَلْ مِنْ حَيْثُ آحَادِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ تُعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنِهَا أَوَّلًا فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنِهَا فَلَا تَعَلُّقَ لِلْوُجُوبِ بِهَا وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنِهَا لَكِنْ اُعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ إبْهَامِهَا فَهِيَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا غَيْرُ. قَالَ (فَمَفْهُومُ أَحَدِهَا الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ تَرْكَهُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ إلَى قَوْلِهِ بَلْ لَهُ تَرْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّاتِ بِفِعْلِ الْآخَرِ) قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ فَمَفْهُومُ أَحَدِهَا الَّذِي هُوَ مُشْتَرَكٌ فَإِنَّ مَفْهُومَ أَحَدِهَا لَيْسَ الْمُشْتَرَكُ بَلْ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِي الْمُشْتَرَكِ. قَالَ (وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِفِعْلِ الْمُشْتَرَكِ فِي أَيُّهَا شَاءَ) قُلْت: هَذَا صَحِيحٌ. قَالَ (فَإِنْ أَعْتَقَ حَصَلَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَسَا أَوْ أَطْعَمَ) قُلْت: لَيْسَ أَحَدُهَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَلْ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ. قَالَ (وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا) قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا أَنَّ مَفْهُومَ أَحَدِهَا لَيْسَ الْمُشْتَرَكَ. قَالَ (فَالْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي أَنَّ النَّهْيَ مَتَى تَعَلَّقَ بِمُشْتَرَكٍ حُرِّمَتْ أَفْرَادُهُ كُلُّهَا وَلِذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُشْتَرَكِ تَحْرِيمُ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ) قُلْت ذَلِكَ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ فِي التِّلَاوَةِ وَكَذَا فِي شُكْرِ النِّعَمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ دُونَ مَالِكٍ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّقَرُّبِ بِالرُّكُوعِ وَحْدَهُ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ وَمِنْهَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ مَعَ رَمْي الْجِمَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مَطْلُوبٌ مَعَ الْآخَرِ وَلَيْسَ مَطْلُوبًا مُنْفَرِدًا وَمِنْهَا السَّعْيُ مَعَ الطَّوَافِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ قُرْبَةٌ وَلَيْسَ هُوَ بِانْفِرَادِهِ قُرْبَةٌ وَمِنْهَا الْحِلَاقُ مَعَ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ قُرْبَةٌ وَلَيْسَ هُوَ بِانْفِرَادِهِ قُرْبَةٌ. قَالَ الْأَصْلُ: وَالْغَالِبُ عَلَى أَرْكَانِ الْحَجِّ الَّتِي لَا يَتَقَرَّبُ بِهَا مُنْفَرِدَةً أَيْ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالسَّعْيِ وَكَذَا الْحِلَاقُ عَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهِ التَّعَبُّدُ بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ شُرِعَ قُرْبَةً وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اُشْتُرِطَ مَعَهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ الِاسْتِقْرَاءُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ يَصِحُّ مَعَ التَّخْيِيرِ وَقَاعِدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَصِحُّ مَعَ التَّخْيِيرِ] (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ يَصِحُّ مَعَ التَّخْيِيرِ وَقَاعِدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَصِحُّ مَعَ التَّخْيِيرِ) عَلَى مَا زَعَمَ الْأَصْلُ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُعْتَزِلَةُ دُونَ الْأَصْحَابِ وَأَنَّ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ هُوَ الْحَقُّ وَبُيِّنَ سِرُّهُ بِمَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ أَنَّهُ هُوَ الْمُحَالُ عَقْلًا وَإِنْ مَا حَكَاهُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ بَاطِلٌ وَالصَّحِيحُ مَا حَكَاهُ سَيْفُ الدِّينِ عَنْ الْأَصْحَابِ فَانْظُرْهُمَا وَالصَّوَابُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَصْلًا لَا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ. أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَمْرَ أَوْ النَّهْيَ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ هَلْ يُوجِبُ أَوْ يُحَرِّمُ الْكُلَّ فَيُثَابُ بِفِعْلِ الْكُلِّ أَوْ تَرْكِهِ ثَوَابَ فِعْلِ وَاجِبَاتٍ وَتَرْكِ مُحَرَّمَاتٍ وَيُعَاقَبُ بِتَرْكِ الْكُلِّ أَوْ فِعْلِهِ عِقَابَ تَرْكِ وَاجِبَاتٍ وَفِعْلِ مُحَرَّمَاتٍ وَيَسْقُطُ فِعْلُ الْكُلِّ الْوَاجِبِ أَوْ تَرْكُهُ بِفِعْلِ أَوْ تَرْكِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ أَوْ الْمُحَرَّمِ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْقُطُ طَلَبُ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكُ فِي الْوَاجِبِ أَوْ الْمُحَرَّمِ بِفِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ مِنْهَا أَوْ بِتَرْكِهِ أَوْ تَرْكِ غَيْرِهِ مِنْهَا أَوْ الْوَاجِبِ أَوْ الْمُحَرَّمِ فِي ذَلِكَ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ لِلْفِعْلِ أَوْ لِلتَّرْكِ مِنْهَا بِأَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِينَ إلَّا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى نَفْيِ إيجَابِ أَوْ تَحْرِيمِ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ لِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَ الشَّيْءِ أَوْ إيجَابَهُ لِمَا فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي يُدْرِكُهَا الْفِعْلُ وَإِنَّمَا يُدْرِكُهَا فِي الْمُعَيَّنِ وَأَمَّا الْأَصْحَابُ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ أَوْ النَّهْيَ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ يُوجِبُ أَوْ يُحَرِّمُ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا فِي ضِمْنٍ أَيْ مُعَيَّنٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ أَوْ

стр. 233

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْمُشْتَرَكِ إيجَابُ كُلِّ فَرْدٍ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ تَحْصِيلُ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَإِذَا حَصَلَ فَرْدٌ مِنْهَا حَصَلَتْ فِي ضِمْنِهِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْمُشْتَرَكِ إيجَابُ أَفْرَادِهِ كُلِّهَا فَصَحَّ التَّخْيِيرُ مَعَ الْأَمْرِ بِالْمُشْتَرَكِ وَلَمْ يَصِحَّ التَّخْيِيرُ مَعَ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ فَهَذَا هُوَ سِرُّ الْفَرْقِ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ وَقَعَ النَّهْيُ مَعَ التَّخْيِيرِ فِي الْأُخْتَيْنِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا وَلَا نَعْنِي بِتَحْرِيمِ الْمُشْتَرَكِ إلَّا ذَلِكَ وَحَرَّمَ الْأُمَّ وَابْنَتَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَأَوْجَبَ إحْدَى الْخِصَالِ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِذَا وَجَبَتْ وَاحِدَةٌ لَا بِعَيْنِهَا حُرِّمَتْ وَاحِدَةٌ لَا بِعَيْنِهَا فَهَذِهِ صُوَرٌ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ وَبَيْنَ التَّخْيِيرِ قُلْت هَذَا مُحَالٌ عَقْلًا وَمِنْ الْمُحَالِ عَقْلًا أَنْ يَفْعَلَ الْإِنْسَانُ فَرْدًا مِنْ جِنْسٍ أَوْ نَوْعٍ أَوْ كُلِّيٍّ مُشْتَرَكٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُشْتَرَكَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّ فِيهِ الْكُلِّيُّ بِالضَّرُورَةِ وَفَاعِلُ الْأَخَصِّ فَاعِلُ الْأَعَمِّ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ فِي النَّهْيِ إلَّا بِتَرْكِ كُلِّ فَرْدٍ، وَالتَّخْيِيرُ مَعَ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ مُحَالٌ عَقْلًا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الصُّوَرِ فَوَهْمٌ أَمَّا الْأُخْتَانِ وَالْأُمُّ وَابْنَتُهَا فَلِأَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْمَجْمُوعِ عَيْنًا لَا بِالْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَلَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ أَنْ لَا تَدْخُلَ مَاهِيَّةُ الْمَجْمُوعِ الْوُجُودَ وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّ عَدَمَ الْمَاهِيَّةِ يَتَحَقَّقُ بِأَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَجْزَائِهَا لَا بِعَيْنِهِ فَلَا جَرَمَ أَيَّ أُخْتٍ تَرَكَهَا خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ عَنْ الْمَجْمُوعِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْمُشْتَرَكِ إيجَابُ كُلِّ فَرْدٍ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ تَحْصِيلُ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ إلَى قَوْلِهِ فَهَذَا هُوَ سِرُّ الْفَرْقِ) قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَلَا صَحِيحٌ بَلْ يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْمُشْتَرَكِ إيجَابُ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلَ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَإِنَّمَا لَا يَلْزَمُ إيجَابُ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلَ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ. قَالَ (فَإِنْ قُلْت إلَى قَوْلِهِ فَهَذِهِ صُوَرٌ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيِ وَبَيْنَ التَّخْيِيرِ) . قُلْت: مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ السُّؤَالِ وَارِدٌ. قَالَ (قُلْت: هَذَا مُحَالٌ عَقْلًا وَمِنْ الْمُحَالِ عَقْلًا أَنْ يَفْعَلَ الْإِنْسَانُ فَرْدًا مِنْ جِنْسٍ أَوْ نَوْعٍ أَوْ كُلِّيٍّ مُشْتَرَكٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُشْتَرَكَ إلَى قَوْلِهِ وَالتَّخْيِيرُ مَعَ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ مُحَالٌ عَقْلًا) قُلْت: إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُشْتَرَكَ " الْحَقِيقَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَكَيْفَ وَمِنْ قَاعِدَةِ مَنْ يُثْبِتُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُشْتَرَكَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا مِمَّا فِيهِ الْحَقِيقَةُ فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ. قَالَ (وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الصُّوَرِ فَوَهْمٌ) أَمَّا الْأُخْتَانِ وَالْأُمُّ وَابْنَتُهَا فَلِأَنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْمَجْمُوعِ عَيْنًا لَا بِالْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَلَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ أَنْ لَا تَدْخُلَ مَاهِيَّةُ الْمَجْمُوعِ الْوُجُودَ وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّ عَدَمَ الْمَاهِيَّةِ يَتَحَقَّقُ بِأَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَجْزَائِهَا لَا بِعَيْنِهِ فَلَا جَرَمَ أَيَّ أُخْتٍ تَرَكَهَا خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ عَنْ الْمَجْمُوعِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَتُعْرَفُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ بِالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُحَرَّمِ الْمُخَيَّرِ لِتَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ أَوْ الْمُحَرَّمِ بِأَيٍّ مِنْ الْأَشْيَاءِ يَفْعَلُهُ أَوْ يَتْرُكُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثُ خُصُومِهِ وَاجِبًا أَوْ مُحَرَّمًا عِنْدَ الْأَصْحَابِ بَلْ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَعَ شَرْحِ الْمُحَلَّى وَمُفَادُ ذَلِكَ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ قَوْلِ الْأَصْحَابِ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعْنَوِيٌّ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ كَالْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْعَضُدِ قَالَ السَّعْدُ وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ فَيُثَابُ وَيُعَاقَبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَلَوْ أَتَى بِوَاحِدٍ سَقَطَ عَنْهُ الْبَاقِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ قَدْ يَسْقُطُ بِدُونِ الْأَدَاءِ. اهـ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنْهَا بِخُصُوصِهِ عَلَى وَجْهِ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا قُلْنَا: إنْ سَلَّمَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الْكُلِّ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ وَذَهَبَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ لَفْظِيٌّ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِ أَبِي الْحُسَيْنِ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْوَالِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِجَمِيعِهَا وَلَا يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَلِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّامًا كَانَ فَهُوَ بِعَيْنِهِ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا بِوُجُوبِ الْكُلِّ بِهَذَا الْمَعْنَى فِرَارًا مِنْ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ فِيهِ مَصْلَحَةً بِنَاءً عَلَى عَقِيدَتِهِمْ مِنْ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ وَأَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْأَحْكَامَ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُوَافَقَاتِ حَيْثُ قَالَ وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ يَنْبَنِي عَلَيْهَا فِقْهٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْ الْخِلَافِ فِيهَا خِلَافٌ فِي فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الْفِقْهِ كَالْخِلَافِ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُحَرَّمِ الْمُخَيَّرِ، فَإِنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مُوَافِقَةٌ لِلْأُخْرَى فِي نَفْسِ الْعَمَلِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الِاعْتِقَادِ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ مُحَرَّرٍ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَفِي أُصُولِ الْفِقْهِ لَهُ تَقْرِيرٌ أَيْضًا وَهُوَ هَلْ الْوُجُوبُ أَوْ التَّحْرِيمُ أَوْ غَيْرُهُمَا رَاجِعَةٌ إلَى صِفَاتِ الْأَعْيَانِ أَوْ إلَى خِطَابِ الشَّارِعِ. اهـ. الْمُرَادُ قَالَ الشِّرْبِينِيُّ وَأَشَارَ الْمَحَلِّيُّ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا إلَى الْإِبْهَامِ فِي الْوَاجِبِ أَيْ وَالْمُحَرَّمِ وَبِقَوْلِهِ فِي ضِمْنٍ أَيْ مُعَيَّنٍ إلَى التَّعْيِينِ فِي الْمُخَيَّرِ فِيهِ ثُمَّ إنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهَا أَعْنِي ذَلِكَ الْمَفْهُومَ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ مُعَيَّنٌ فَالْوَاجِبُ مُعَيَّنٌ فَانْدَفَعَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ كُلِّفَ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَأَمَّا خُصُوصِيَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ لَا وَاجِبٌ فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ التَّكْلِيفُ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ هَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي الْحِلِّ الَّذِي بَيَّنَهُ الْعَضُدُ بِمَا تَوْضِيحُهُ أَنَّ الَّذِي

стр. 234

لَا لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْمُشْتَرَكِ بَلْ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْمَجْمُوعِ يَكْفِي فِيهِ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ لَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَ تَعَلَّقَ بِوَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا بَلْ تَعَلَّقَ بِالْمَجْمُوعِ فَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِوَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَرْقَ فَخِلَافُهُ مُحَالٌ عَقْلًا وَالشَّرْعُ لَا يَرِدُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَلَا بِالْمُسْتَحِيلَاتِ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ لَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُشْتَرَكَ حَرَّمَ تَرْكَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْمُشْتَرَكِ فَالْمُحَرَّمُ تَرْكُ الْجَمِيعِ لَا وَاحِدَةٌ بِعَيْنِهَا مِنْ الْخِصَالِ فَلَا نَجِدُ نَهْيًا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَجْمُوعِ لَا بِالْمُشْتَرَكِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ صَحَّ التَّخْيِيرُ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ لَا فِي أَصْلِ النَّهْيِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمَجْمُوعِ النَّهْيَ عَنْ الْجَمْعِ أَوْ يُرِيدَ بِذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ الْجُمْلَةِ فَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ فَقَوْلُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْجُمْلَةِ النَّهْيُ عَنْ آحَادِهَا، وَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مُبْهَم وَهُوَ قَوْلُ خَصْمِهِ فَقَدْ لَزِمَهُ مَا أَنْكَرَ. قَالَ (لَا؛ لِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْمُشْتَرَكِ) قُلْت: لَوْ كَانَ نَهْيًا عَنْ الْمُشْتَرَكِ لَزِمَ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ. قَالَ (بَلْ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْمَجْمُوعِ يَكْفِي فِيهِ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ) قُلْت: إنَّمَا يَكْفِي ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَجْمُوعِ الْجَمْعَ لَا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَجْمُوعِ الْجُمْلَةَ. قَالَ (فَهَذَا هُوَ السَّبَبُ لَا لِأَنَّ التَّحْرِيمَ تَعَلَّقَ بِوَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا بَلْ تَعَلَّقَ بِالْمَجْمُوعِ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِوَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا) قُلْت: قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِوَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا إلَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ لَا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَجْمُوعِ الْجُمْلَةَ. قَالَ (فَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ فَخِلَافُهُ مُحَالٌ عَقْلًا) قُلْت: مَا اخْتَارَهُ هُوَ الْمُحَالُ عَقْلًا وَمَا خَالَفَهُ هُوَ الْجَائِزُ عَقْلًا. قَالَ (وَالشَّرْعُ لَا يَرِدُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَلَا بِالْمُسْتَحِيلَاتِ) قُلْت: ذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَقْصُودُهُ. قَالَ (وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ لَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُشْتَرَكَ حَرَّمَ تَرْكَ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْمُشْتَرَكِ) قُلْت: لَوْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُشْتَرَكَ لَمَا جَازَ تَرْكُ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ. قَالَ (فَالْمُحَرَّمُ تَرْكُ الْجَمِيعِ لَا وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ الْخِصَالِ) قُلْت: إذَا كَانَ الْمُحَرَّمُ تَرْكَ الْجَمِيعِ لَزِمَ مِنْهُ تَحْرِيمُ تَرْكِ وَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا. قَالَ (فَلَا تَجِدُ شَيْئًا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَجْمُوعِ لَا بِالْمُشْتَرَكِ) قُلْت: قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَجْمُوعِ أَيْ بِالْجُمْلَةِ فَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ فَلَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِهَا وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِهَا. قَالَ (فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ صَحَّ التَّخْيِيرُ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ لَا فِي أَصْلِ النَّهْيِ) قُلْت: قَدْ تَأَمَّلْت ذَلِكَ وَصَحَّ ذَلِكَ التَّخْيِيرُ فِي النَّهْيِ كَمَا صَحَّ فِي الْأَمْرِ وَوَقَعَ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ فِي أَصْلِ النَّهْيِ. قَالَ (فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَجَبَ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْمُبْهَمُ أَعْنِي هَذَا الْمَفْهُومَ الْكُلِّيَّ لَمْ يُخَيَّرْ فِيهِ؛ إذْ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ أَلْبَتَّةَ وَالتَّخْيِيرُ إنَّمَا هُوَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ لِتَضَمُّنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا مُبْهَمًا فَلَيْسَ مَعْنَى الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَنَّهُ خُيِّرَ فِي نَفْسِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ كَمَا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ بَلْ مَعْنَاهُ الْوَاجِبُ الَّذِي خُيِّرَ فِي أَفْرَادِهِ وَتَعَدَّدَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَحَدُهَا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ وَالتَّخْيِيرُ يَأْبَى كَوْنُ مُتَعَلِّقِ الْوُجُوبِ وَالتَّخْيِيرِ وَاحِدًا كَمَا لَوْ حَرَّمَ وَاحِدًا مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَأَوْجَبَ وَاحِدًا فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَيَّهمَا فَعَلْت حُرِّمَ الْآخَرُ وَأَيَّهُمَا تَرَكْت وَجَبَ الْآخَرُ وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ أَوْ غَيْرِ وَاجِبٍ بِهَذَا الْمَعْنَى جَائِزٌ وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ بِعَيْنِهِ وَغَيْرِ وَاجِبٍ بِعَيْنِهِ كَالصَّلَاةِ وَأَكْلِ الْخُبْزِ اهـ كَلَامُ الشِّرْبِينِيِّ. وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُشْتَرَكِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ الْمَأْمُورَ بِهِ أَوْ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ كَمَفْهُومِ الْخِنْزِيرِ أَوْ مَفْهُومِ الْخَمْرِ وَكَمَفْهُومِ صَوْمِ رَمَضَانَ خِلَافًا لِلْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُشْتَرَكِ تَحْرِيمُ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ كَكُلِّ خِنْزِيرٍ وَكُلِّ خَمْرٍ كَذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْمُشْتَرَكِ إيجَابُ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ كَكُلِّ صَوْمِ رَمَضَانَ بِعَامٍ مِنْ الْأَعْوَامِ، قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلَ تِلْكَ الْمَاهِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ لَزِمَ مِنْ إيجَابِ الْمُشْتَرَكِ إيجَابُ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ وَإِنَّمَا لَا يَلْزَمُ إيجَابُ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلَ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ اهـ. أَيْ كَإِيجَابِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّ فِي آيَتِهَا الْأَمْرَ بِذَلِكَ تَقْدِيرًا أَيْ مَعْنًى؛ إذْ هِيَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ هُوَ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِيجَابُ بَلْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْإِيجَابُ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْهَا وَهُوَ الْمَفْهُومُ الْكُلِّيُّ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا مُبْهَمًا، فَكَوْنُ الْمَقْصُودِ تَحْصِيلَ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ هُوَ نَفْسُ الْوَاجِبِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ هُوَ نَفْسَ الْوَاجِبِ وَهُوَ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ هُوَ نَفْسَ الْوَاجِبِ لَكَانَ هُوَ بِعَيْنِهِ مَذْهَبَ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ لِلْفِعْلِ مِنْ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِأَنْ يَفْعَلَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِينَ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى

стр. 235

مَعَ أَنَّ الشَّيْخَ سَيْفَ الدِّينِ فِي الْأَحْكَامِ لَهُ الْمَوْضُوعِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ حَكَى عَنْ أَصْحَابِنَا صِحَّةَ النَّهْيِ مَعَ التَّخْيِيرِ كَالْأَمْرِ وَحَكَى عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ مَنْعَهُ وَالْحَقُّ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ أَصْحَابِنَا إلَّا أَنْ يُرِيدُوا التَّخْيِيرَ فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يَبْقَى خِلَافٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهَا) جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَوْ غَيْرَهُ إذَا خَيَّرَ بَيْنَ أَشْيَاءَ يَكُونُ حُكْمُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَاحِدًا وَأَنْ لَا يَقَعَ التَّخْيِيرُ إلَّا بَيْنَ وَاجِبٍ وَوَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ وَمَنْدُوبٍ أَوْ مُبَاحٍ وَمُبَاحٍ وَكَذَلِكَ هُوَ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَكُتُبِ الْفِقْهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هُنَالِكَ تَخْيِيرٌ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَتَخْيِيرٌ لَا يَقْتَضِيهَا وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّ التَّخْيِيرَ مَتَى وَقَعَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَبَايِنَةِ وَقَعَتْ التَّسْوِيَةُ أَوْ بَيْنَ الْجُزْءِ وَالْكُلِّ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَقَعْ التَّسْوِيَةُ وَيَتَّضِحُ لَك هَذَا الْفَرْقُ بِذِكْرِ أَرْبَعِ مَسَائِلَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) تَخْيِيرُهُ تَعَالَى بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فِي الْحِنْثِ اقْتَضَى ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الْوُجُوبُ فِي الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَهُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا وَالتَّخْيِيرُ فِي الْخُصُوصِيَّاتِ وَهُوَ الْعِتْقُ وَالْكِسْوَةُ وَالْإِطْعَامُ فَالْمُشْتَرَكُ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَالْخُصُوصِيَّاتُ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَعَلَى كُلِّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مَعَ أَنَّ الشَّيْخَ سَيْفَ الدِّينِ فِي الْأَحْكَامِ لَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ يَحْكِي عَنْ أَصْحَابِنَا صِحَّةَ النَّهْيِ مَعَ التَّخْيِيرِ كَالْأَمْرِ وَحَكَى عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ مَنْعَهُ) قُلْت: مَا حَكَاهُ سَيْفُ الدِّينِ صَحِيحٌ وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ صَحِيحٌ وَقَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ بَاطِلٌ. قَالَ (وَالْحَقُّ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى آخَرِ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ) قُلْت: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأَمْرَ بِعَكْسِ مَا قَالَ وَأَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الْأَصْحَابِ. قَالَ (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ إلَى قَوْلِهِ وَتَخْيِيرٍ لَا يَقْتَضِيهِ) قُلْت الصَّحِيحُ مَا اعْتَقَدَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَسُطِّرَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ دُونَ مَا اخْتَارَهُ هُوَ وَارْتَضَاهُ. قَالَ (وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ إلَى قَوْلِهِ بِذِكْرِ أَرْبَعِ مَسَائِلَ) قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا مُجَرَّدُ دَعْوَى. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى تَخْيِيرُهُ تَعَالَى بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فِي الْحِنْثِ اقْتَضَى ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الْوُجُوبُ فِي الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَهُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا) قُلْت: قَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ. قَالَ (وَالتَّخْيِيرُ فِي الْخُصُوصِيَّاتِ وَهُوَ الْعِتْقُ وَالْكِسْوَةُ وَالْإِطْعَامُ) قُلْت: ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (فَالْمُشْتَرَكُ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ) قُلْت: لَوْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ لَوَجَبَ الْجَمِيعُ بَلْ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. قَالَ (وَالْخُصُوصِيَّاتُ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَعَلَى كُلِّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِأَيٍّ مِنْهَا يَفْعَلُ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ قَوْلُ الْمَحَلِّيِّ أَنَّ الْخُرُوجَ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ لِكَوْنِهِ أَحَدَهَا لَا لِخُصُوصِهِ أَيْ كَوْنُهُ مُخْتَارَ الْمُكَلَّفِ لِلْقَطْعِ بِاسْتِوَاءِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ انْتَهَى عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِمُرَاعَاةِ الْخُصُوصِيَّةِ نَظَرُ التَّأَدِّي الْوَاجِبِ وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ بِهَا الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ الْخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ مَحَلَّ ثَوَابِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا هَلْ هُوَ الْأَعْلَى أَوْ الْأَوَّلُ أَوْ الْأَحَدُّ وَمَحَلُّ الْعِقَابِ هَلْ هُوَ الْأَدْنَى أَوْ الْأَحَدُّ؟ خِلَافُ التَّحْقِيقِ وَالتَّحْقِيقُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ أَنَّ مَحَلَّ ثَوَابِ الْوَاجِبِ وَالْعِقَابِ أَحَدُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا وَلَا نَظَرَ إلَى خُصُوصِيَّةِ مَا وَقَعَ لِأَنَّهُ حَتَّى بَعْدَ الْوُقُوعِ لَمْ يَزَلْ مِنْ حَيْثُ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ مُخَيَّرًا وَإِلَّا لَاخْتَلَفَ الْوَاجِبُ بِاخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ وَلَا قَائِلَ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ الَّذِي التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى مَنْ يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ مِنْهَا أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ وَمُقْتَضَاهُ الثَّوَابُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ. وَأَمَّا خَصِيصِيَّةُ الْمُتَعَلِّقِ وَمَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ فَيُثَابُ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ دُخُولُهَا فِي الْأَمْرِ بِفِعْلِ الْخَيْرِ ثَوَابُ الْمَنْدُوبِ كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ وَالشِّرْبِينِيِّ وَكَمَا لَا يَلْزَمُ إيجَابُ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلَ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِمُرَاعَاةِ الْخُصُوصِيَّةِ نَظَرًا لِتَأَدِّي الْوَاجِبُ وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ بِهَا أَوْ تَحْصِيلُ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ أَحَدُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا بِنَاءً عَلَى التَّحْقِيقِ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ تَحْرِيمُ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ كَمَا فِي نَحْوِ لَا تَتَنَاوَلْ السَّمَكَ أَوْ اللَّبَنَ أَوْ الْبَيْضَ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَرْكَ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِمُرَاعَاةِ الْخُصُوصِيَّةِ نَظَرًا لِتَأَدِّي تَرْكِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ بِهَا أَوْ تَرْكُ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ أَحَدُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا فِي ضِمْنٍ أَيْ مُعَيَّنٍ مِنْهَا بِنَاءً عَلَى التَّحْقِيقِ فَعَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ فِي أَيِّ مُعَيَّنٍ مِنْهَا، وَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ فِعْلِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ وَاحِدٌ فَتَحْرِيمُ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ بَلْ مِنْ بَابِ سَلْبِ الْعُمُومِ فَيَتَحَقَّقُ فِي وَاحِدٍ فَلَيْسَ النَّهْيُ كَالنَّفْيِ وَيُقَاسُ عَلَى التَّحْرِيمِ الْكَرَاهَةُ إلَّا فِي الْعِقَابِ كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ وَالشِّرْبِينِيِّ. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ يُوجِبُ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَلَا يُوجِبُهُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بَلْ إنَّمَا يُوجِبُ الْكُلَّ وَيَسْقُطُ بِوَاحِدٍ أَوْ وَاحِدًا مِنْهَا مُعَيَّنًا عِنْدَ اللَّهِ أَوْ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ لِلْفِعْلِ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ وَبَيْنَ كَوْنِ النَّهْيِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ يُحَرِّمُ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَلَا يُحَرِّمُهُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بَلْ إنَّمَا يُحَرِّمُ الْكُلَّ وَيَسْقُطُ بِتَرْكِ وَاحِدٍ

стр. 236

تَقْدِيرٍ فَحُكْمُ كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْ الْخِصَالِ حُكْمُ الْخَصْلَةِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ مُتَبَايِنَةٌ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] أَيْ اُنْقُصْ مِنْ النِّصْفِ وَالْمُرَادُ الثُّلُثُ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى النِّصْفِ، وَالْمُرَادُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ السُّدُسُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الثُّلُثَيْنِ كَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذَا تَخْيِيرٌ وَقَعَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالثُّلُثُ وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالنِّصْفُ وَالثُّلُثَانِ مَنْدُوبَانِ يَجُوزُ تَرْكُهَا وَفِعْلُهُمَا أَوْلَى فَقَدْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ بِسَبَبِ أَنَّ التَّخْيِيرَ وَقَعَ بَيْنَ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَالْأَقَلُّ جُزْءٌ فَهَذَا مُفَارِقٌ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فَتَأَمَّلْهُ فَهُوَ لَا يَكَادُ يَخْطُرُ بِالْبَالِ إلَّا أَنَّ التَّخْيِيرَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ مُطْلَقًا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الْآيَةَ خَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسَافِرَ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعٍ وَالرَّكْعَتَانِ وَاجِبَتَانِ جَزْمًا وَالزَّائِدُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] تَقْدِيرٍ فَحُكْمُ كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْ الْخِصَالِ حُكْمُ الْخَصْلَةِ الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ مُتَبَايِنَةٌ قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْخُصُوصِيَّاتِ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ وَأَنَّ حُكْمَ كُلِّ خَصْلَةٍ حُكْمُ الْأُخْرَى صَحِيحٌ لَا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا أُمُورًا مُتَبَايِنَةً. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] إلَى قَوْلِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَالثُّلُثُ وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالنِّصْفُ وَالثُّلُثَانِ مَنْدُوبَانِ يَجُوزُ تَرْكُهُمَا وَفِعْلُهُمَا أَوْلَى قُلْت: لَيْسَ الثُّلُثُ وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ ثُلُثٌ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ وَاجِبًا مُعَيَّنًا وَلَيْسَ النِّصْفُ وَالثُّلُثَانِ مَنْدُوبَيْنِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَجَازَ تَرْكُهُمَا مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُمَا إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الثُّلُثِ. قَالَ (فَقَدْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ بِسَبَبِ أَنَّ التَّخْيِيرَ وَقَعَ بَيْنَ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ) قُلْت: لَمْ يَقَعْ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَلَيْسَ كَوْنُ التَّخْيِيرِ وَقَعَ بَيْنَ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ سَبَبًا فِي ذَلِكَ. قَالَ (فَهَذَا مُفَارِقٌ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ) قُلْت: لَيْسَ مُفَارِقًا لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ بَلْ هُمَا سَوَاءٌ إلَّا عِنْدَ مَنْ اعْتَرَاهُ الْغَلَطُ فَتَوَهَّمَ أَنَّ الْجُزْءَ الْمُنْفَرِدَ الْمُنْفَصِلَ هُوَ الْجُزْءُ الْمُجْتَمِعُ الْمُتَّصِلُ. قَالَ (فَتَأَمَّلْهُ فَهُوَ لَا يَكَادُ يَخْطِرُ بِالْبَالِ إلَّا أَنَّ التَّخْيِيرَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ مُطْلَقًا) قُلْت: يَحِقُّ أَنْ لَا يَخْطُرَ غَيْرُ ذَلِكَ بِالْبَالِ فَإِنَّهُ الْأَمْرُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الْآيَةَ خَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسَافِرَ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعٍ وَالرَّكْعَتَانِ وَاجِبَتَانِ جَزْمًا وَالزَّائِدُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَأَمَّا الرَّكْعَتَانِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَوْ وَاحِدًا مِنْهَا مُعَيَّنًا عِنْدَ اللَّهِ أَوْ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ لِلتَّرْكِ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ نَعَمْ فَرَّقَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ اللُّغَةَ لَمْ تَرِدْ بِصِيغَةٍ مِنْ النَّهْيِ عَنْ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ كَمَا وَرَدَتْ بِالْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ. قَالَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] نَهْيٌ عَنْ طَاعَتِهِمَا إجْمَاعًا أَيْ وَلَيْسَ نَهْيًا عَنْ طَاعَةِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ صِيغَةٌ مِنْ النَّهْيِ عَنْ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ وَرَدَتْ بِهَا اللُّغَةُ لَكِنْ رَدَّ الْمَحَلِّيِّ هَذَا الْجَوَابَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ يُفْهَمُ مِنْهَا النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ فَهِيَ طَرِيقٌ لِذَلِكَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا بِالْإِجْمَاعِ فَقَدْ ثَبَتَ وُرُودُ اللُّغَةِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ مَانِعٌ فَافْهَمْ هَكَذَا يَنْبَغِي تَحْقِيقُ هَذَا الْمَقَامِ وَإِنْ أَرَدْت زِيَادَةَ تَوْضِيحِهِ فَعَلَيْك بِشَرْحِ الْمَحَلِّيِّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَحَوَاشِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهَا] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ الَّذِي يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهَا) عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْأَصْلُ وَارْتَضَاهُ مِنْ تَحَقُّقِ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ خِلَافًا لِمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَاعْتَقَدَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَوْ غَيْرُهُ إذَا خَيَّرَ بَيْنَ أَشْيَاءَ يَكُونُ حُكْمُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وَاحِدًا وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّخْيِيرُ إلَّا بَيْنَ وَاجِبٍ وَوَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ وَمَنْدُوبٍ أَوْ مُبَاحٍ وَمُبَاحٍ. قَالَ: وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّخْيِيرَ مَتَى وَقَعَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمُتَبَايِنَةِ كَمَا فِي تَخْيِيرِهِ تَعَالَى بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فِي الْحِنْثِ اقْتَضَى ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الْوُجُوبُ فِي الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا وَالتَّخْيِيرُ فِي الْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي هِيَ الْعِتْقُ وَالْكِسْوَةُ وَالْإِطْعَامُ؛ لِأَنَّهَا أُمُورٌ مُتَبَايِنَةٌ فَالْمُشْتَرَكُ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَالْخُصُوصِيَّاتُ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَمَتَى وَقَعَ أَيْ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْجُزْءِ وَالْكُلِّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الْآيَةَ فَإِنَّ التَّخْيِيرَ فِيهَا وَقَعَ بَيْنَ جُزْءٍ وَهُمَا رَكْعَتَانِ وَكُلٍّ وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أَوْ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] فَإِنَّ التَّخْيِيرَ فِيهَا وَقَعَ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ

стр. 237

فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُمَا إجْمَاعًا فَقَدْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهَذَا خِلَافُ الْمُتَعَارَفِ الْمَعْهُودِ مِنْ الْقَاعِدَةِ وَسَبَبُهُ أَنَّ التَّخْيِيرَ وَقَعَ بَيْنَ جُزْءٍ وَكُلٍّ لَا بَيْنَ أَشْيَاءَ مُتَبَايِنَةٍ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ النَّظِرَةِ وَالْإِبْرَاءِ وَأَنَّ الْإِبْرَاءَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ وَأَحَدُهُمَا وَاجِبٌ حَتْمًا وَهُوَ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ وَالْإِبْرَاءُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَالسَّبَبُ فِي هَذَا أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَتَضَمَّنُ النَّظِرَةَ وَتَرْكَ الْمُطَالَبَةِ فَصَارَ مِنْ بَابِ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَاعِدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا قَاعِدَةُ التَّخْيِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالثَّانِيَةُ قَاعِدَةُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنْدُوبِ فَإِنَّ الْمَنْدُوبَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ الْإِبْرَاءُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُمَا إجْمَاعًا قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ وَاجِبَتَانِ جَزْمًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَيْفَ وَلَهُ تَرْكُهُمَا وَإِبْدَالُهُمَا بِأَرْبَعٍ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الزَّائِدَ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا فَإِنَّ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ يَجُوزُ تَرْكُهُ مُطْلَقًا وَهَذَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مُطْلَقًا بَلْ يَجُوزُ عِنْدَ فِعْلِ بَدَلِهِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُمَا إجْمَاعًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ يَجُوزُ تَرْكُهُمَا عِنْدَ فِعْلِ بَدَلِهِمَا وَهُوَ الْأَرْبَعُ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ غَلَطُهُ تَوَهُّمَهُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْمُنْفَرِدَتَيْنِ هُمَا الْمُجْتَمِعَتَانِ مَعَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ. قَالَ (فَقَدْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهَذَا خِلَافُ الْمُتَعَارَفِ الْمَعْهُودِ مِنْ الْقَاعِدَةِ) قُلْت: لَمْ يَقَعْ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ فَيَحِقُّ أَنْ يَكُونَ مَا ادَّعَاهُ وَتَوَهَّمَهُ خِلَافَ الْمُتَعَارَفِ مِنْ الْقَاعِدَةِ. قَالَ (وَسَبَبُهُ أَنَّ التَّخْيِيرَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَ جُزْءٍ وَكُلٍّ لَا بَيْنَ أَشْيَاءَ مُتَبَايِنَةٍ) قُلْت: لَيْسَ وُقُوعُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ جُزْءٍ وَكُلٍّ سَبَبًا فِيمَا ذَكَرَ وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ النَّظِرَةِ وَالْإِبْرَاءِ وَأَنَّ الْإِبْرَاءَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ قُلْت: مَا قَالَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى التَّخْيِيرِ هُنَا بِوَجْهٍ أَصْلًا بَلْ النَّظِرَةُ لِلْمُعْسِرِ مُتَعَيَّنٌ وُجُوبُهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ لِرَبِّ الدَّيْنِ إبْرَاءُ غَرِيمِهِ مِنْهُ وَإِسْقَاطُهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا عَنْهُ تُوُهِّمَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي حَقِّ الْمُعْسِرِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ تَسْوِيغُ الْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ مُخْتَصًّا بِالْمُعْسِرِ. قَالَ (وَأَحَدُهُمَا وَاجِبٌ حَتْمًا وَهُوَ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ) قُلْت: ذَلِكَ صَحِيحٌ وَهُوَ مَعْنَى النَّظِرَةِ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَقْصُودُهُ. قَالَ (فَصَارَ مِنْ بَابِ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ) قُلْت: لَيْسَ مِنْ بَابِ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَخْذِ عِنْدَ الْمَيْسَرَةِ أَوْ التَّرْكِ جُمْلَةً، وَلَا يُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا: إنَّهُ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ إلَّا بِنَوْعٍ مِنْ الْمَجَازِ. قَالَ (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَاعِدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا قَاعِدَةُ التَّخْيِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالثَّانِيَةُ قَاعِدَةُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنْدُوبِ فَإِنَّ الْمَنْدُوبَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَهُوَ الْإِبْرَاءُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الثُّلُثِ وَالنِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] أَيْ اُنْقُصْ مِنْ النِّصْفِ. وَالْمُرَادُ الثُّلُثُ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى النِّصْفِ السُّدُسَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الثُّلُثَيْنِ وَكَمَا فِي التَّخْيِيرِ الَّذِي أَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ بَيْنَ النَّظِرَةِ وَالْإِبْرَاءِ فَإِنَّ الْإِبْرَاءَ لَمَّا كَانَ يَتَضَمَّنُ النَّظِرَةَ وَتَرْكَ الْمُطَالَبَةِ صَارَ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّظِرَةِ مِنْ بَابِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ اقْتَضَى ذَلِكَ عَدَمَ التَّسْوِيَةِ فِي الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ الْمُسَافِرَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا وَاجِبَتَانِ جَزْمًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُمَا إجْمَاعًا وَبَيْنَ الزَّائِدِ عَلَيْهِمَا وَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا فَوَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى خِلَافِ الْمُتَعَارَفِ الْمَعْهُودِ مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ التَّخْيِيرَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ جُزْءٍ وَكُلٍّ لَا بَيْنَ أَشْيَاءَ مُتَبَايِنَةٍ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَهُ ﷺ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ الثُّلُثِ وَهُوَ وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَبَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ وَهُمَا مَنْدُوبَانِ يَجُوزُ تَرْكُهُمَا وَفِعْلُهُمَا أَوْلَى فَوَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ وَالْأَقَلُّ جُزْءٌ، وَأَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَقَعَ بِتَخْيِيرِ صَاحِبِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ بَيْنَ النَّظِرَةِ أَيْ تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ حَتْمًا وَبَيْنَ الْإِبْرَاءِ الْمُتَضَمِّنِ لِلنَّظِرَةِ وَتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ وَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: قَاعِدَةُ التَّخْيِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالثَّانِيَةُ قَاعِدَةُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنْدُوبِ؛ لِأَنَّهُ تَخْيِيرٌ فِيمَا هُوَ بَابُ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ كَمَا عَلِمْت اهـ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّاطِّ: وَالصَّحِيحُ مَا اعْتَقَدَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَسُطِّرَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ دُونَ مَا اخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ وَارْتَضَاهُ وَمَا قَالَهُ مِنْ كَوْنِ التَّخْيِيرِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَبَايِنَاتِ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ وَبَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَالْجُزْءِ وَالْكُلِّ لَا يُوجِبُهَا بَاطِلٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ خُصُوصِيَّاتِ الْكَفَّارَةِ وَإِنْ صَحَّ أَنَّهَا مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ وَأَنَّ حُكْمَ كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْهَا حُكْمُ الْأُخْرَى لَمْ يَصِحَّ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا أُمُورًا مُتَبَايِنَةً وَلَا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَإِلَّا لَوَجَبَ الْجَمِيعُ بَلْ إنَّمَا صَحَّ كَوْنُ مُتَعَلِّقِ التَّخْيِيرِ الْخُصُوصِيَّاتِ وَأَنَّ حُكْمَ إلَخْ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مَفْهُومُ أَحَدِ الْخِصَالِ كَمَا عَلِمْت وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ مِنْ وُجُوبِ الرَّكْعَتَيْنِ جَزْمًا عَلَى

стр. 238

أَفْضَلُ مِنْ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْإِنْظَارُ فَتَحَرَّرَ حِينَئِذٍ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَأَنَّ التَّخْيِيرَ إذَا وَقَعَ بَيْنَ الْمُتَبَايِنَاتِ اقْتَضَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَالْجُزْءُ وَالْكُلُّ لَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةُ بَلْ يَتَحَتَّمُ الْأَقَلُّ وَالْجُزْءُ دُونَ الزَّائِدِ عَلَيْهِ. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ الْمُتَبَايِنَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ) وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَرْجِعُ إلَى تَحْرِيرِ اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ لَا لِمَعْنًى يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ خِصَالَ الْكَفَّارَةِ وَاجِبًا مُخَيَّرًا وَلَا يُسَمُّونَ تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ رِقَابِ الدُّنْيَا فِي إعْتَاقِ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَغَيْرِهَا وَاجِبًا مُخَيَّرًا، وَكَذَلِكَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ شِيَاهِ الدُّنْيَا فِي إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ لَا يُسَمُّونَهُ وَاجِبًا مُخَيَّرًا وَكَذَلِكَ دِينَارٌ مِنْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا وَالسُّتْرَةُ بِثَوْبٍ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبًا وَالْوُضُوءُ بِمَاءٍ مِنْ مِيَاهِ الدُّنْيَا وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا يُسَمُّونَ ذَلِكَ وَاجِبًا مُخَيَّرًا بَلْ يَقْصُرُونَ ذَلِكَ عَلَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَنَحْوِهَا، وَضَابِطُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّخْيِيرَ مَتَى وَقَعَ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فَهُوَ الَّذِي اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ وَمَتَى وَقَعَ بَيْنَ أَفْرَادِ جِنْسٍ وَاحِدٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] أَفْضَلُ مِنْ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْإِنْظَارُ) قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمَنْدُوبَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاجِبِ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ وَلَعَلَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا زَعَمَ وَغَايَتُهُ أَوْ غَايَةُ مَنْ يَحْتَجُّ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ النَّظِرَةُ إرَاحَةٌ لِلْغَرِيمِ مِنْ مُؤْنَةِ الدَّيْنِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيْسَرَةِ، وَالْإِبْرَاءُ إرَاحَةٌ لِلْغَرِيمِ مِنْ مُؤْنَةِ الدَّيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِرَاحَةَ الْكُلِّيَّةَ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنْ الْإِرَاحَةِ غَيْرِ الْكُلِّيَّةِ فَتَكُونُ أَعْظَمَ أَجْرًا وَمَا يَحْتَجُّ بِهِ الْمُحْتَجُّ مِنْ ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْمَقَامَ قَاعِدَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَفَاضُلِ الْأَعْمَالِ الْمُتَّحِدَةِ تَفَاضُلُ أَحْوَالِ عَامِلِيهَا أَوَّلًا ثُمَّ تَفَاضُلُ الْأَعْمَالِ أَنْفُسِهَا ثَانِيًا ثُمَّ تَفَاضُلُ أَحْوَالِ الْمُنْتَفِعِ بِهَا إنْ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةَ النَّفْعِ ثَالِثًا. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّرْتِيبِ قَوْلُهُ ﷺ «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ» . فَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ أَوَّلًا تَفَاضُلَ أَحْوَالِ الْمُنْتَفِعِ لَسَبَقَتْ مِائَةُ الْأَلْفِ الدِّرْهَمَ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ نَفْعًا بِالْمُشَاهَدَةِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَوَّلًا حَالُ الْعَامِلِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ تَحَمُّلَ وَظِيفَةِ الْإِنْظَارِ الَّتِي حُمِلَ عَلَيْهَا وَاضْطُرَّ بِإِيجَابِهَا عَلَيْهِ إلَيْهَا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ وَظِيفَةِ الْإِبْرَاءِ الْمَوْكُولَةِ إلَى اخْتِيَارِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْفَرَائِضِ عَلَى غَيْرِهَا وَعَلَى هَذَا لَا تَنْخَرِمُ قَاعِدَةُ أَفْضَلِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ وَمَا قَالَ مِنْ كَوْنِ التَّخْيِيرِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُتَبَايِنَاتِ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ وَبَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ إلَى آخِرِهِ قَدْ تَبَيَّنَّ بُطْلَانُهُ . قَالَ الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمُسَافِرِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُمَا إجْمَاعًا كَيْفَ وَالْمُسَافِرُ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُمَا وَإِبْدَالُهَا بِالْأَرْبَعِ وَاَلَّذِي أَوْجَبَ غَلَطَهُ تَوَهُّمُهُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْمُنْفَرِدَتَيْنِ هُمَا الْمُجْتَمِعَتَانِ مَعَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ وَلَا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الزَّائِدَ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَمَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا فَإِنَّ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ يَجُوزُ تَرْكُهُ مُطْلَقًا وَالزَّائِدُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مُطْلَقًا بَلْ عِنْدَ فِعْلِ بَدَلِهِ فَلَمْ يَقَعْ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ وَلَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ وُقُوعَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ جُزْءٍ وَكُلٍّ فَمَا ادَّعَاهُ وَتَوَهَّمَهُ خِلَافُ الْمُتَعَارَفِ مِنْ الْقَاعِدَةِ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ الثُّلُثَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مِنْ حَيْثُ هُوَ ثُلُثٌ وَإِلَّا لَكَانَ وَاجِبًا مُعَيَّنًا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ مُطْلَقًا حَتَّى يَكُونَا مَنْدُوبَيْنِ بَلْ عِنْدَ قِيَامِ الثُّلُثِ فَلَمْ يَقَعْ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَلَا سَبَبُهُ وُقُوعُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ بَلْ التَّخْيِيرُ هُنَا مُسَاوٍ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ لَا مُفَارِقَ لَهُ إلَّا عِنْدَ مَنْ اعْتَرَاهُ الْغَلَطُ فَتَوَهَّمَ أَنَّ الْجُزْءَ الْمُنْفَرِدَ الْمُنْفَصِلَ هُوَ الْجُزْءُ الْمُجْتَمِعُ الْمُتَّصِلُ، وَأَمَّا رَابِعًا فَلِأَنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تُجْمِعْ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ النَّظِرَةِ لِلْمُعْسِرِ وَإِبْرَائِهِ بَلْ النَّظِرَةُ لَهُ مُتَعَيَّنٌ وُجُوبُهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ لِرَبِّ الدَّيْنِ إبْرَاءُ غَرِيمِهِ مِنْهُ وَإِسْقَاطُهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا عَنْهُ تُوُهِّمَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي حَقِّ الْمُعْسِرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِلَّا لَاخْتَصَّ تَسْوِيغُ الْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ بِالْمُعْسِرِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ التَّخْيِيرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا مِنْ بَابِ الْأَخْذِ عِنْدَ الْمَيْسَرَةِ أَوْ التَّرْكِ جُمْلَةً وَلَا يُقَالُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ إلَّا بِنَوْعٍ مِنْ الْمَجَازِ. فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِنْ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ أَصْلًا وَمَا زَعَمَهُ مِنْ أَنَّ الْمَنْدُوبَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْوَاجِبِ وَإِنْ أَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ النَّظِرَةَ إرَاحَةٌ لِلْغَرِيمِ مِنْ مُؤْنَةِ الدَّيْنِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيْسَرَةِ وَالْإِبْرَاءُ إرَاحَةٌ لِلْغَرِيمِ مِنْ مُؤْنَةِ الدَّيْنِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِرَاحَةَ الْكُلِّيَّةَ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنْ الْإِرَاحَةِ غَيْرِ الْكُلِّيَّةِ فَتَكُونُ أَعْظَمَ أَجْرًا، إلَّا أَنَّ الْقَاعِدَةَ هُنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَفَاضُلِ الْأَعْمَالِ الْمُتَّحِدَةِ تَفَاضُلُ أَحْوَالِ عَامِلِيهَا أَوَّلًا ثُمَّ تَفَاضُلُ الْأَعْمَالِ أَنْفُسِهَا ثَانِيًا ثُمَّ تَفَاضُلُ أَحْوَالِ الْمُنْتَفِعِ بِهَا إنْ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةَ النَّفْعِ ثَالِثًا، وَدَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا التَّرْتِيبِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ» فَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ أَوَّلًا تَفَاضُلَ أَحْوَالِ الْمُنْتَفِعِ لَسَبَقَتْ مِائَةُ الْأَلْفِ الدِّرْهَمَ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ نَفْعًا بِالْمُشَاهَدَةِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَوَّلًا حَالُ

стр. 239

لَا يَكُونُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فَالْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَالْغَنَمُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ الدَّنَانِيرُ وَغَيْرُهَا مِنْ النَّظَائِرِ فَهَذَا هُوَ ضَابِطُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ. (الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَحَدُهُمَا يُخْشَى مِنْ عِقَابِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَحَدُهُمَا يُخْشَى مِنْ عَاقِبَتِهِ لَا مِنْ عِقَابِهِ) هَذَا الْمَوْضِعُ أَشْكَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَتَحْرِيرُهُ وَبَسْطُهُ وَتَقْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنْ نَقُولَ: أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَمُتَعَذِّرُ الْوُقُوعِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَيِّرَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَحَدُهُمَا يُخْشَى مِنْ عِقَابِهِ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إنْ فَعَلْت هَذَا بِعَيْنِهِ عَافَيْتُك فَهَذَا لَا يَجْتَمِعُ مَعَ التَّخْيِيرِ أَبَدًا، وَأَمَّا مَا يُخْشَى مِنْ عَاقِبَتِهِ فَوُقُوعُ التَّخْيِيرِ فِيهِ مُمْكِنٌ وَاقِعٌ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فَمِنْهَا «مَا وَقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِقَدَحَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ خَمْرٌ فَخَيَّرَهُ بَيْنَ شُرْبِ أَيِّهِمَا شَاءَ فَاخْتَارَ اللَّبَنَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇ اخْتَرْت الْفِطْرَةَ وَلَوْ اخْتَرْت الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُك» فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ الْمُغْوِي حَرَامٌ وَالْفِطْرَةُ مَطْلُوبَةٌ فَكَيْفَ يُخَيَّرُ ﵇ بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْمَطْلُوبِ وُجُودُهُ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّهُ حَرَامٌ أَنَّ السَّبَبَ لِلضَّلَالِ حَرَامٌ وَشُرْبُ هَذَا الْقَدَحِ سَبَبُ ضَلَالِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ فَيَكُونُ حَرَامًا وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّبَنِ. وَهَذَا مُشْكِلٌ جِدًّا فَكَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَ سَبَبِ الْهِدَايَةِ وَسَبَبِ الضَّلَالَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَاقِبَةِ لَا مِنْ بَابِ الْعِقَابِ وَالْمُمْتَنِعُ هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَبَسْطُهُ أَنَّ الْعِقَابَ يَرْجِعُ إلَى مَنْعٍ مِنْ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ فَهُوَ تَحْرِيمٌ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهَا وَالْعَاقِبَةُ تَرْجِعُ إلَى أَثَرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ فِي الْحَوَادِثِ لَا بِخِطَابِهِ وَكَلَامِهِ فَلَا مُضَادَّةَ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا يُضَادُّ الْإِذْنَ مِنْ الْكَلَامِ الْمَنْعُ مِنْ الْكَلَامِ حَتَّى يَصِيرَ افْعَلْ لَا تَفْعَلْ، أَمَّا أَثَرُ الْقُدْرَةِ وَالْقَدَرِ فَلَا يُضَادُّ الْإِذْنَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَمَةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُخَيَّرُ بَيْنَ سُكْنَى هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ مَثَلًا أَوْ تَزَوُّجِ إحْدَى هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ أَوْ شِرَاءِ إحْدَى هَاتَيْنِ الْفَرَسَيْنِ فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ النَّاشِئِ مِنْ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ أَمْكَنَ أَنْ يُخْبِرَهُ الْمُخْبِرُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّك لَوْ اخْتَرْت مَا تَرَكْت مِنْ الدَّارَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَالْفَرَسَيْنِ لَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ ضَلَالِك وَهَلَاكَ مَالِكِ وَذُرِّيَّتِك وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ» وَقَالَ بِحَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَمَّا «قِيلَ لَهُ ﵇ عَنْ دَارٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ وَافِرٌ وَالْمَالُ كَثِيرٌ فَذَهَبَ الْعَدَدُ وَالْمَالُ فَقَالَ ﵇ دَعُوهَا ذَمِيمَةً» وَلَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فَإِنَّا نُجَوِّزُ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَالْفَرْقُ الْخَمْسُونَ قُلْت: مَا قَالَهُ فِي هَذَيْنِ الْفَرْقَيْنِ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْعَامِلِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ تَحَمُّلَ وَظِيفَةِ الْإِنْظَارِ الَّتِي حَمَلَ عَلَيْهَا بِإِيجَابِهَا عَلَيْهِ إلَيْهَا أَشَقُّ عَلَيْهِ مِنْ وَظِيفَةِ الْإِبْرَاءِ الْمَوْكُولَةِ إلَى اخْتِيَارِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْفَرَائِضِ عَلَى غَيْرِهَا فَلَمْ تَنْخَرِمْ قَاعِدَةُ أَفْضَلِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ اهـ. قُلْت: وَعَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ فَالصَّوَابُ إبْدَالُ هَذَا الْفَرْقِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُبَاحِ بِالْجُزْءِ الْمَطْلُوبِ الْفِعْلِ بِالْكُلِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُبَاحِ بِالْجُزْءِ الْمَطْلُوبِ التَّرْكِ بِالْكُلِّ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا. قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُوَافَقَاتِهِ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُبَاحَ بِاعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ لَا بِالْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُبَاحِ بِالْجُزْءِ وَبِاعْتِبَارِهِ بِالْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَطْلُوبِ بِالْكُلِّ وَالْأَوَّلُ يُطْلَقُ بِإِطْلَاقَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَالْآخَرُ مِنْ حَيْثُ يُقَالُ لَا حَرَجَ فِيهِ، وَالثَّانِي عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِأَمْرٍ مَطْلُوبِ الْفِعْلِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِأَمْرٍ مَطْلُوبِ التَّرْكِ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِمُخَيَّرٍ فِيهِ، وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ الْمُبَاحُ بِالْجُزْءِ بِاعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ الْمَطْلُوبَ الْفِعْلَ بِالْكُلِّ بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ خَادِمٌ لَهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ الْمُبَاحُ بِالْجُزْءِ الْمَطْلُوبِ التَّرْكِ بِالْكُلِّ بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَأَمَّا الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ فَرَاجِعَانِ إلَى هَذَا الْقَسَمِ الثَّانِي وَذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاحَ إنْ كَانَ خَادِمًا يُعْتَبَرُ بِمَا يَكُونُ خَادِمًا لَهُ وَالْخِدْمَةُ إنْ كَانَتْ فِي طُرُقِ التَّرْكِ كَتَرْكِ الدَّوَامِ عَلَى التَّنَزُّهِ فِي الْبَسَاتِينِ وَسَمَاعِ تَغْرِيدِ الْحَمَامِ وَالْغِنَاءِ الْمُبَاحِ كَانَ تَرْكُ الدَّوَامِ فِيهِ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَادِمٌ لِمَا يُضَادُّ الضَّرُورِيَّاتِ وَهُوَ الْفَرَاغُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي طَرَفِ الْفِعْلِ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالْحَلَالِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ كَانَ الدَّوَامُ فِيهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَادِمُ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ أَصْلُ الضَّرُورِيَّاتِ وَالْخَادِمُ لِلْمُخَيَّرِ فِيهِ عَلَى حُكْمِهِ؛ لِأَنَّهُ خَادِمٌ لَهُ فَصَارَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ خَادِمًا لِقَطْعِ الزَّمَانِ فِي غَيْرِ مَصْلَحَةِ دِينٍ وَلَا دُنْيَا فَهُوَ إذًا خَادِمُ الْمَطْلُوبِ التَّرْكِ فَصَارَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ بِالْكُلِّ. وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلَمَّا كَانَ غَيْرَ خَادِمٍ لِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ كَانَ عَبَثًا أَوْ كَالْعَبَثِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ فَصَارَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ خَادِمًا لِقَطْعِ الزَّمَانِ فِي غَيْرِ مَصْلَحَةِ دِينٍ وَلَا دُنْيَا فَهُوَ إذًا خَادِمُ الْمَطْلُوبِ التَّرْكِ فَصَارَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ بِالْكُلِّ وَتَلَخَّصَ أَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ

стр. 240

فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نُلَابِسُهَا وَيَجْعَلُ عَاقِبَتَهَا رَدِيئَةً وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّخْيِيرَ الثَّابِتَ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ الْكَائِنِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَكَذَلِكَ التَّخْيِيرُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الْقَدَحَيْنِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ مُحَقَّقٌ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ مَأْذُونٌ بِإِقْدَامِهِ عَلَيْهِمَا وَلَوْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ الْقَدَحِ مِنْ الْخَمْرِ لَمْ يَكُنْ إثْمًا وَلَا عِقَابَ فِيهِ نَعَمْ فِيهِ سُوءُ الْعَاقِبَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى أَثَرِ الْقُدْرَةِ وَالْقَدَرِ وَمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَوَادِثِ مِنْ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ لَا لِلْمَنْعِ النَّفْسِيِّ الْمُنَاقِضِ لِلتَّخْيِيرِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْيِيرِ مَعَ سُوءِ الْعَاقِبَةِ وَاتَّضَحَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي اسْتَشْكَلَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَأَنَّهُ لِمَوْضِعِ إشْكَالٍ لَوْلَا هَذَا الْفَرْقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا) اُشْتُهِرَ بَيْنَ النُّظَّارِ وَالْفُضَلَاءِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالْفِقْهِيَّاتِ أَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَنْوَاعِهِ عَيْنًا وَإِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ الْأَعَمُّ مُطْلَقَ الْأَخَصِّ لَا أَخَصَّ مُعَيَّنًا وَإِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ مُطْلَقَ الْأَخَصِّ لِضَرُورَةِ وُقُوعِهِ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّ دُخُولَ الْحَقَائِقِ الْكُلِّيَّةِ فِي الْوُجُودِ مُجَرَّدَةً مُحَالٌ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ شَخْصٍ تَدْخُلُ فِيهِ وَمَعَهُ فَلِذَلِكَ صَارَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْوُجُودِ يَدُلُّ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ عَلَى مُطْلَقِ الْأَخَصِّ وَهُوَ أَخَصُّ مَا لَا أَخَصَّ مُعَيَّنًا وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُطَّرِدُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالنُّظَّارِ لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ اثْنَانِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ وَهُمَا قَاعِدَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ وَتَحْرِيرُ ضَبْطِهِمَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْعَامَّةَ تَارَةً فِي رُتَبٍ مُتَرَتِّبَةٍ بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَالْجُزْءِ وَالْكُلِّ وَتَارَةً تَقَعُ فِي رُتَبٍ مُتَبَايِنَةٍ فَمِثَالُ الْأَوَّلِ مُطَلَّقُ الْفِعْلِ الْأَعَمِّ مِنْ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَالْمَرَّاتِ فَالْمَرَّةُ رُتْبَةٌ دُنْيَا وَالْمَرَّاتُ رُتْبَةٌ عُلْيَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا) اُشْتُهِرَ بَيْنَ النُّظَّارِ وَالْفُضَلَاءِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالْفِقْهِيَّاتِ أَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَنْوَاعِهِ عَيْنًا وَإِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ الْأَعَمُّ مُطْلَقَ الْأَخَصِّ لَا أَخَصَّ مُعَيَّنًا إلَى قَوْلِهِ: (لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ اثْنَانِ) قُلْت: مَا اُشْتُهِرَ بَيْنَ النُّظَّارِ هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ فِيهِ مِنْهُمْ اثْنَانِ وَلَا وَجْهَ هُنَا لِيَكَادُ. قَالَ (وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ وَهُمَا قَاعِدَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ) قُلْت: بَلْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِمُخْتَلِفٍ وَلَيْسَ هَا هُنَا قَاعِدَتَانِ بِوَجْهٍ بَلْ هِيَ قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ فَهَذَا الْفَرْقُ بَاطِلٌ. قَالَ (وَتَحْرِيرُ ضَبْطِهِمَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْعَامَّةَ تَارَةً تَقَعُ فِي رُتَبٍ مُتَرَتِّبَةٍ بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَالْجُزْءِ وَالْكُلِّ وَتَارَةً تَقَعُ فِي رُتَبٍ مُتَبَايِنَةٍ) قُلْت: ذَلِكَ مُسَلَّمٌ. قَالَ (فَمِثَالُ الْأَوَّلِ مُطْلَقُ الْفِعْلِ الْأَعَمِّ مِنْ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَالْمَرَّاتِ فَالْمَرَّةُ رُتْبَةٌ دُنْيَا وَالْمَرَّاتُ رُتْبَةٌ عُلْيَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَيْسَ بِمُبَاحٍ بِإِطْلَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُبَاحٌ بِالْجُزْءِ خَاصَّةً وَأَمَّا بِالْكُلِّ فَهُوَ إمَّا مَطْلُوبُ الْفِعْلِ أَوْ مَطْلُوبُ التَّرْكِ مَثَلًا هَذَا الثَّوْبُ الْحَسَنُ مُبَاحُ اللُّبْسِ قَدْ اسْتَوَى فِي نَظَرِ الشَّرْعِ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فَلَا قَصْدَ لَهُ فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذَا مَعْقُولٌ وَاقِعٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ الْمُقْتَصَرِ بِهِ عَلَى ذَاتِ الْمُبَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ وَهُوَ مِنْ جِهَةٍ مَا هُوَ وِقَايَةٌ لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَمُوَارٍ لِلسَّوْأَةِ وَجَمَالٌ فِي النَّظَرِ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ، وَهَذَا النَّظَرُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ وَلَا بِهَذَا الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ فَهُوَ نَظَرٌ بِالْكُلِّ لَا بِالْجُزْءِ اهـ بِتَغْيِيرٍ وَتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ الْمُتَبَايِنَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ] (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ الْمُتَبَايِنَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ) وَضَابِطُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّخْيِيرَ مَتَى وَقَعَ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ مِنْ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ فَهُوَ الَّذِي اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى وَاجِبًا مُخَيَّرًا، وَمَتَى وَقَعَ بَيْنَ أَفْرَادِ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَتَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ رِقَابِ الدُّنْيَا فِي إعْتَاقِ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَغَيْرِهَا وَبَيْنَ شِيَاهِ الدُّنْيَا فِي إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَبَيْنَ دَنَانِيرِ الدُّنْيَا فِي إخْرَاجِ دِينَارٍ مِنْ أَرْبَعِينَ دِينَارٍ أَوْ بَيْنَ مِيَاهِ الدُّنْيَا فِي الْوُضُوءِ بِمَاءٍ مِنْهَا وَبَيْنَ ثِيَابِ الدُّنْيَا فِي الِاسْتِتَارِ بِثَوْبٍ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ النَّظَائِرِ فَهُوَ الَّذِي اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَاجِبًا مُخَيَّرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَحَدُهُمَا يُخْشَى مِنْ عِقَابِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَحَدُهُمَا يُخْشَى مِنْ عَاقِبَتِهِ لَا مِنْ عِقَابِهِ] (الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَحَدُهُمَا يُخْشَى مِنْ عِقَابِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَحَدُهُمَا يُخْشَى مِنْ عَاقِبَتِهِ لَا مِنْ عِقَابِهِ) حَيْثُ قَالُوا: يَتَعَذَّرُ وُقُوعُ الْأَوَّلِ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَيِّرَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَأَحَدُهُمَا يُخْشَى مِنْ عِقَابِهِ إذْ لَا يَجْتَمِعُ الْعِقَابُ عَلَى فِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَحَدَ الْأُمُورِ بِعَيْنِهِ مَعَ تَخْيِيرِهِ فِي فِعْلِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْهَا أَبَدًا، وَقَالُوا: يُمْكِنُ وُقُوعُ الثَّانِي بَلْ قَدْ «وَقَعَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِقَدَحَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ خَمْرٌ فَخَيَّرَهُ بَيْنَ شُرْبِ أَيِّهِمَا شَاءَ فَاخْتَارَ اللَّبَنَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇ اخْتَرْت الْفِطْرَةَ وَلَوْ اخْتَرْت الْخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُك» وَقَدْ اسْتَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ شُرْبَ هَذَا الْقَدَحِ مِنْ الْخَمْرِ سَبَبُ ضَلَالِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ وَالسَّبَبُ لِلضَّلَالِ حَرَامٌ فَيَكُونُ حَرَامًا فَكَيْفَ يَقَعُ التَّخْيِيرُ لَهُ ﵊ بَيْنَهُ وَهُوَ حَرَامٌ

стр. 241

لِأَنَّهَا فَوْقَ الْمَرَّةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ فِي دُخُولِ الْفِعْلِ فِي الْوُجُودِ مِنْ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ عَيْنًا؛ لِأَنَّهُ إنْ وَقَعَ فِي الْمَرَّاتِ وَقَعَتْ الْمَرَّةُ وَإِنْ وَقَعَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَعَتْ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ فَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ لَازِمَةٌ لِدُخُولِ مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ بِالضَّرُورَةِ وَالْمَاهِيَّةُ الْعَامَّةُ الْكُلِّيَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِهَذَا النَّوْعِ الْأَخَصِّ عَيْنًا بِالضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ إخْرَاجُ مُطْلَقِ الْمَالِ يَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى إخْرَاجِ الْأَقَلِّ عَيْنًا وَكَذَلِكَ كُلُّ أَقَلَّ مَعَ أَكْثَرِ الْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا فَيَلْزَمُ أَحَدُ نَوْعَيْهَا عَيْنًا وَهُوَ الْأَقَلُّ بِالضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَذَا ضَابِطُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَأَمَّا مِثَالُ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدُ أَنْوَاعِهِ عَيْنًا فَهَذَا هُوَ الْمَهِيعُ الْعَامُّ وَالْأَكْثَرُ فِي الْحَقَائِقِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُعْتَقَدُ غَيْرُهُ كَالْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّاطِقَ وَلَا الْبَهِيمَ عَيْنًا مِنْ أَنْوَاعِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي نَاطِقٍ أَوْ بَهِيمٍ وَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمَا وَسَبَبُ عَدَمِ الْتِزَامِهِ لِأَحَدِهِمَا عَيْنًا تَبَايُنُهُمَا. فَإِذَا قُلْنَا: فِي الدَّارِ حَيَوَانٌ لَا يُعْلَمُ أَهُوَ نَاطِقٌ أَوْ بَهِيمٌ وَكَذَلِكَ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ لَهَا نَوْعَانِ الزَّوْجُ وَالْفَرْدُ وَهِيَ لَا تَسْتَلْزِمُ أَحَدَهَا عَيْنًا فَإِذَا قُلْنَا مَعَ زَيْدٍ عَدَدٌ مِنْ الدَّرَاهِمِ لَا يُشْعِرُ هَلْ هُوَ زَوْجٌ أَوْ فَرْدٌ لِحُصُولِ التَّبَايُنِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا لَوْنٌ حَقِيقَةٌ كُلِّيَّةٌ لَا إشْعَارَ لِلَفْظِهَا بِسَوَادٍ وَلَا بَيَاضٍ بِخُصُوصِهِ نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ خُصُوصٍ لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ بِخِلَافٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ أَحَدُ الْأَنْوَاعِ، وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ قَوْلَ الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ بِعْ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لِأَنَّهَا فُوقَ الْمَرَّةِ) قُلْت: وَذَلِكَ مُسَلَّمٌ. قَالَ (وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ فِي دُخُولِ الْفِعْلِ فِي الْوُجُودِ مِنْ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ عَيْنًا إلَى قَوْلِهِ فَهَذَا ضَابِطُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) قُلْت: مَا أَبْعَدَ قَائِلَ هَذَا الْكَلَامِ عَنْ التَّحْقِيقِ وَالتَّحْصِيلِ وَهَلْ يَسْتَرِيبُ ذُو عَقْلٍ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ فِعْلٌ مَا فِي الْوُجُودِ مَرَّاتٍ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَأَنَّهُ إذَا دَخَلَ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَرَّاتٍ؟ وَكَيْفَ يَصِحُّ فِي الْأَفْهَامِ شَيْءٌ ... إذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إلَى دَلِيلِ وَمَا حَمَلَهُ عَلَى مَا قَالَهُ إلَّا تَوَهُّمُهُ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ مِنْ الْفِعْلِ الْمُنْفَرِدَةِ هِيَ بِعَيْنِهَا الْمُجْتَمِعَةُ مَعَ أُخْرَى أَوْ آخَرَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمَ كَيْفَ وَالْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدِ الِانْفِرَادِ وَالْمَرَّةُ الْمَقْرُونَةُ بِأُخْرَى أَوْ آخَرَ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدِ الِاجْتِمَاعِ وَالْقَيْدَانِ وَاضِحٌ تَنَاقُضُهُمَا وُضُوحًا لَا رَيْبَ فِيهِ. قَالَ (وَأَمَّا مِثَالُ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدُ أَنْوَاعِهِ عَيْنًا فَهَذَا هُوَ الْمَهِيعُ الْعَامُّ وَالْأَكْثَرُ فِي الْحَقَائِقِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُعْتَقَدُ غَيْرُهُ كَالْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّاطِقُ وَلَا الْبَهِيمُ عَيْنًا مِنْ أَنْوَاعِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي نَاطِقٍ أَوْ بَهِيمٍ وَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمَا إلَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ أَحَدُ الْأَنْوَاعِ) قُلْت: قَوْلُهُ فَهَذَا هُوَ الْمَهِيعُ الْعَامُّ الْأَكْثَرُ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ الْمَهِيعُ الَّذِي لَا مَهِيعَ سِوَاهُ. وَقَوْلُهُ " بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ " قَدْ تَبَيَّنَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِخِلَافِهِ. قَالَ (وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أَنَّ قَوْلَ الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ بِعْ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَسَبَبُ الضَّلَالَةِ وَبَيْنَ اللَّبَنِ الَّذِي هُوَ الْفِطْرَةُ الْمَطْلُوبَةُ الْوُجُودِ وَسَبَبُ الْهِدَايَةِ وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ الَّذِي يَتَّضِحُ بِهِ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَنَّ الْعِقَابَ لَمَّا كَانَ يَرْجِعُ إلَى الْمَنْعِ النَّاشِئِ عَنْ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ كَانَ تَحْرِيمًا لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْإِبَاحَةِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ النَّاشِئِ عَنْ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهَا وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَمَّا كَانَتْ تَرْجِعُ إلَى أَثَرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدَّرَهُ فِي الْحَوَادِثِ لَا بِخِطَابِهِ وَكَلَامِهِ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ النَّاشِئِ عَنْ الْكَلَامِ مُضَادَّةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُخَيَّرُ بَيْنَ سُكْنَى هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ أَوْ تَزْوِيجِ إحْدَى هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ أَوْ شِرَاءِ إحْدَى هَاتَيْنِ الْفَرَسَيْنِ فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا بِمُقْتَضَى أَنَّ الشَّرْعِيَّ النَّاشِئَ عَنْ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ أَمْكَنَ أَنْ يُخْبِرَ الْمُخْبِرُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّك لَوْ اخْتَرْت مَا تَرَكْت مِنْ الدَّارَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَالْفَرَسَيْنِ لَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ ضَلَالِك وَهَلَاكِ مَالِكَ وَذُرِّيَّتِك وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ» . وَقَالَ بِحَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ «لَمَّا قِيلَ لَهُ ﵇ عَنْ دَارٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَكَنَّاهَا وَالْعَدَدُ وَافِرٌ وَالْمَالُ كَثِيرٌ فَذَهَبَ الْعَدَدُ وَالْمَالُ فَقَالَ ﵇ دَعُوهَا ذَمِيمَةً» بَلْ وَلَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فَإِنَّا نُجَوِّزُ أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُلَابِسُهَا وَيَجْعَلُ عَاقِبَتَهَا رَدِيئَةً قَالَ تَعَالَى ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وَذَلِكَ لَا يُنَافِي التَّخْيِيرَ الثَّابِتَ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ الْكَائِنِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ فَلِذَا وَقَعَ تَخْيِيرُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْقَدَحَيْنِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ مُحَقَّقٌ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُمَا مُحَرَّمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ مَأْذُونٌ بِإِقْدَامِهِ عَلَيْهِمَا وَلَوْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ الْقَدَحِ مِنْ الْخَمْرِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إثْمٌ وَلَا عِقَابٌ نَعَمْ فِيهِ سُوءُ الْعَاقِبَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى أَثَرِ الْقُدْرَةِ وَالْقَدْرِ وَمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَوَادِثِ مِنْ الضَّرَرِ وَالنَّفْعِ لَا لِلْمَنْعِ النَّفْسِيِّ الْمُنَاقِضِ لِلتَّخْيِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا] (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَعَمِّ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا)

стр. 242

مِنْ أَنْوَاعِ هَذَا اللَّفْظِ لَا ثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا النَّاقِصِ وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ ثَمَنُ الْمِثْلِ مِنْ الْعَادَةِ لَا مِنْ اللَّفْظِ فَنَقُولُ أَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ ثَمَنَ الْمِثْلِ إنَّمَا تَعَيَّنَ مِنْ جِهَةِ الْعَادَةِ لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَصَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ اللَّفْظَ لَا إشْعَارَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُشْعِرُ بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى الرُّتَبِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ بِالضَّرُورَةِ فَكَانَ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَيَحْصُلُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ وَالْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّخْيِيرِ أَنَّ ذَوَاتَ الرُّتَبِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَاعِدَتَيْنِ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ فَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ مَعَ التَّخْيِيرِ وَقَاعِدَةِ أَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا فَإِنَّ الْأَعَمَّ فِيهَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الْمَبَاحِثِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مِنْ أَنْوَاعِ هَذَا اللَّفْظِ لَا ثَمَنَ الْمِثْلِ وَلَا الْفَاحِشَ وَلَا النَّاقِصَ وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ ثَمَنُ الْمِثْلِ مِنْ الْعَادَةِ لَا مِنْ اللَّفْظِ فَنَقُولُ أَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ ثَمَنَ الْمِثْلِ إنَّمَا تَعَيَّنَ مِنْ جِهَةِ الْعَادَةِ لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَصَحِيحٌ) قُلْت: تَسْلِيمُهُ مَا سَلَّمَ صَحِيحٌ. قَالَ (وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ اللَّفْظَ لَا إشْعَارَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُشْعِرُ بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى الرُّتَبِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ بِالضَّرُورَةِ فَكَانَ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ) قُلْت: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَفُوهُ أَحَدٌ بِأَشَدَّ فَسَادًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَكَيْفَ يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَى مَا لَا يَقْصِدُهُ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ وَلَا جَرَتْ لَهُ عَادَةٌ وَلَا عُرْفٌ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ وَهَلْ يُرِيدُ عَاقِلٌ بَيْعَ مَبِيعِهِ بِالْبَخْسِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ الْبَخْسُ هُوَ مُطْلَقُ الثَّمَنِ وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ مُطْلَقِ الثَّمَنِ وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّوْعُ هُوَ الْبَخْسُ بِعَيْنِهِ وَهَلْ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُمَا نَقِيضَانِ هَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ فَاحِشٌ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ تَوَهُّمُهُ أَنَّ الْأَقَلَّ الْمُنْفَصِلَ جُزْءٌ مِنْ الْأَكْثَرِ الْمُتَّصِلِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. قَالَ (فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ إلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ الْأَعَمَّ فِيهَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ عَيْنًا) قُلْت: لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا قَاعِدَتَانِ بَلْ قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَفَرَّعُ وَلَا تَنْقَسِمُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِوَجْهٍ وَكَذَلِكَ قَاعِدَةُ التَّخْيِيرِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَالْجُزْءِ وَالْكُلِّ. قَالَ (فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ نَوَادِرِ الْمَبَاحِثِ) قُلْت: فِي اقْتِضَائِهِ مِنْ الْخَطَأِ إلَى أَبْعَدِ الْغَايَاتِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَى مَا زَعَمَهُ الْأَصْلُ مِنْ أَنَّهُمَا قَاعِدَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ لَا قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ أَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدَ أَنْوَاعِهِ عَيْنًا وَإِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ الْأَعَمُّ مُطْلَقَ الْأَخَصِّ ضَرُورَةَ أَنَّ دُخُولَ الْحَقَائِقِ الْكُلِّيَّةِ فِي الْوُجُودِ مُجَرَّدَةً مُحَالٌ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُطْلَقِ شَخْصٍ تَدْخُلُ مَعَهُ فِيهِ وَتَكُونُ مَاهِيَّةً مَخْلُوطَةً وَمَاهِيَّةً بِشَرْطِ لَا شَيْءَ خِلَافٌ لِمَا اُشْتُهِرَ بَيْنَ النُّظَّارِ وَالْفُضَلَاءِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالْفِقْهِيَّاتِ بِنَاءً عَلَى تَوَهُّمِهِ أَنَّ الْأَقَلَّ مِنْ الْفِعْلِ كَالْمَرَّةِ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ هُوَ عَيْنُ نَفْسِهِ فِي حَالِ اجْتِمَاعِهِ مَعَ غَيْرِهِ كَكَوْنِ الْمَرَّةِ مَعَ أُخْرَى أَوْ آخَرَ حَتَّى صَحَّ أَنْ يُوصَفَ بِالْكَثِيرِ وَالْأَكْثَرِ وَكَذَلِكَ الْجُزْءُ مُنْفَرِدًا عَيْنُ نَفْسِهِ مَعَ الْكُلِّ فَقَالَ: إنَّ الْأَعَمَّ إذَا وَقَعَ فِي رُتَبٍ مُتَرَتِّبَةٍ بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَالْجُزْءِ وَالْكُلِّ اسْتَلْزَمَ نَوْعُهُ الْأَقَلَّ وَالْجُزْءَ جَزْمًا ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِدُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ مَعَ الْأَقَلِّ وَالْجُزْءِ عَيْنًا؛ لِأَنَّهُ إنْ وَقَعَ فِي الْأَكْثَرِ وَالْكُلِّ فَقَدْ وَقَعَ الْأَقَلُّ وَالْجُزْءُ عَيْنًا وَإِنْ وَقَعَ فِي الْأَقَلِّ وَالْجُزْءِ فَقَدْ وَقَعَا عَيْنًا أَيْضًا، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْأَعَمُّ فِي رُتَبٍ مُتَبَايِنَةٍ كَالْحَيَوَانِ إنْ وَقَعَ فِي نَوْعَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ هُمَا النَّاطِقُ وَالْبَهِيمُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ أَحَدُ نَوْعَيْهِ عَيْنًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي نَاطِقٍ أَوْ بَهِيمٍ لِتَبَايُنِ نَوْعَيْهِ. فَإِذَا قُلْنَا: فِي الدَّارِ حَيَوَانٌ لَا يُعْلَمُ أَهُوَ نَاطِقٌ أَوْ بَهِيمٌ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ بِعْ فَإِنَّ لَفْظَهُ هَذَا يُشْعِرُ بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى الرُّتَبِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ بِالضَّرُورَةِ فَكَانَ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَثَمَنُ الْمِثْلِ الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ لَا اللَّفْظُ فَظَهَرَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ لَفْظَ بِعْ لَا دَلَالَةَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ لَا ثَمَنَ الْمِثْلِ وَلَا الْفَاحِشَ وَلَا النَّاقِصَ وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ ثَمَنُ الْمِثْلِ مِنْ الْعَادَةِ لَا مِنْ اللَّفْظِ. اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَمَا اُشْتُهِرَ بَيْنَ النُّظَّارِ هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مِنْهُمْ اثْنَانِ وَلَيْسَ هَاهُنَا قَاعِدَتَانِ بَلْ هِيَ قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَفَرَّعُ وَلَا تَنْقَسِمُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ بِوَجْهٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَاطِلٌ إنَّمَا أَوْقَعَهُ فِيهِ تَوَهَّمَهُ أَنَّ الْأَقَلَّ الْمُنْفَصِلَ جُزْءٌ مِنْ الْأَكْثَرِ الْمُتَّصِلِ وَأَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ مِنْ الْفِعْلِ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدِ الِانْفِرَادِ هِيَ عَيْنُ نَفْسِهَا مَقْرُونَةً بِأُخْرَى أَوْ آخَرَ وَمُقَيَّدَةٌ بِقَيْدِ الِاجْتِمَاعِ وَهُوَ وَاضِحُ الْبُطْلَانِ وُضُوحًا لَا رَيْبَ فِيهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الشَّيْءَ مَعَ غَيْرِهِ غَيْرُهُ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّ قَيْدَ الِانْفِرَادِ يُنَاقِضُ قَيْدَ الِاجْتِمَاعِ بِلَا شُبْهَةٍ بَلْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَفُوهُ أَحَدٌ بِأَشَدَّ فَسَادًا مِمَّا بَنَاهُ عَلَى هَذَا التَّوَهُّمِ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ قَوْلَ الْمُوَكِّلِ لِوَكِيلِهِ بِعْ

стр. 243

الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِطَابِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَقَاعِدَةِ الْخِطَابِ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ) وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرِيعَةِ وَالثَّانِي وَاقِعٌ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ خِطَابَ الْمَجْهُولِ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْأَمْرِ وَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ مَا تَعَيَّنَ عَلَى الِامْتِثَالِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْخِطَابُ مَعِي وَلَا نَصَّ عَلَيَّ فَلَا أَفْعَلُ فَتَبْطُلُ مَصْلَحَةُ الْأَمْرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِطَابِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَقَاعِدَةِ الْخِطَابِ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ إلَى قَوْلِهِ فَتَبْطُلُ مَصْلَحَةُ الْأَمْرِ) قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ إنَّ خِطَابَ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرِيعَةِ إنْ أَرَادَ بِالْخِطَابِ مَا هُوَ ظَاهِرُهُ مِنْ الْقَصْدِ لِلْإِفْهَامِ فَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ بِالْخِطَابِ التَّكْلِيفَ وَالْإِلْزَامَ فَمَا قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِجَمَاعَةِ عَبِيدِهِ: لِيَفْعَلْ أَحَدُكُمْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْفَاعِلِ مِنْ قِبَلِي وَلَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَمَنْ فَعَلَهُ أَثَبْته وَمَنْ شَارَكَهُ فِيهِ عَاقَبْته وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ ذَلِكَ الْفِعْلَ عَاقَبَتْكُمْ أَجْمَعِينَ فَالْخِطَابُ فِي هَذَا الْمِثَالِ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْجَمِيعِ بِأَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِهِمْ لِذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْ يُعَيِّنَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ نَفْسَهُ، وَهَكَذَا هُوَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ الْخِطَابُ لِلْجَمِيعِ وَالتَّكْلِيفُ لِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ أَوْ لِجَمَاعَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ مِنْهُمْ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ وَالسِّرَّ فِيهِ أَنَّ خِطَابَ الْمَجْهُولِ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْأَمْرِ لَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّهُ يُرِيدُ هُنَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ بَعْدُ بِالْخِطَابِ التَّكْلِيفَ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ كَمَا فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] إلَى آخِرِهَا. وَكُلُّ هَذِهِ الْآيَاتِ وَقَعَ الْخِطَابُ فِيهَا لِلْجَمِيعِ أَوْ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَالتَّكْلِيفُ لَمْ يَشْمَلْ الْجَمِيعَ وَلَا عُلِّقَ بِمُعَيَّنٍ، أَمَّا فِي الْآيَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَمُطْلَقًا وَأَمَّا فِي آيَةِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَشْمَلْ الْجَمِيعَ التَّكْلِيفُ بِإِقَامَتِهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ إلَى بَعْضِهِمْ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَإِلَى الْبَاقِينَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْحِرَاسَةِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ إلَى الْحَارِسِينَ أَوَّلًا وَبِالْحِرَاسَةِ إلَى الْمُصَلِّينَ أَوَّلًا وَهَذِهِ الْآيَةُ أَوْضَحُ الْآيَاتِ فِي أَنَّ التَّكْلِيفَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ لَا يَشْمَلُ الْجَمِيعَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَالَةَ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْجَمِيعِ إلَى قِسْمَيْنِ كُلُّ قِسْمٍ يَقُومُ بِوَاجِبٍ يَتَعَذَّرُ قِيَامُ الْقِسْمِ الْآخَرِ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِقِيَامِهِ فِيهَا بِالْوَاجِبِ الْآخَرِ، وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ يَتَوَجَّهُ التَّكْلِيفُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ إلَى الْجَمِيعِ ثُمَّ يَسْقُطُ عَنْ الْبَعْضِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ لَا دَلِيلَ أَلْبَتَّةَ عَلَيْهِ وَلَا ضَرُورَةَ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ تَدْعُو إلَيْهِ وَلَمْ يَحْمِلْ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ عَلَيْهِ إلَّا تَوَهُّمُهُمْ أَنَّ الْخِطَابَ بِمَعْنَى الْإِفْهَامِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْخِطَابُ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ أَوْ تَوَهُّمُهُمْ أَنَّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَدُلُّ الْتِزَامًا عَلَى الثَّمَنِ الْبَخْسِ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى الرُّتَبِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ بِالضَّرُورَةِ وَثَمَنُ الْمِثْلِ الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ لَا اللَّفْظُ إذْ كَيْفَ يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَى مَا لَا يَقْصِدُهُ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ وَلَا جَرَتْ عَادَةٌ وَلَا عُرْفٌ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَهَلْ يُرِيدُ عَاقِلٌ بَيْعَ مَبِيعِهِ بِالْبَخْسِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَى ذَلِكَ؟ ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ الْبَخْسُ هُوَ مُطْلَقُ الثَّمَنِ وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ مُطْلَقِ الثَّمَنِ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّوْعُ هُوَ الْبَخْسُ بِعَيْنِهِ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ؟ هَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ فَاحِشٌ لَا رَيْبَ فِيهِ اهـ. قُلْت: وَحَيْثُ ثَبَتَ بُطْلَانُ هَذَا الْفَرْقِ فَالصَّوَابُ إبْدَالُهُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُمُومِ فِي خُصُوصِ الْعَيْنِ وَقَاعِدَةِ الْعُمُومِ فِي خُصُوصِ الْحَالِ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِهِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: مِنْ غَرِيبِ فُنُونِ التَّرْجِيحِ تَرْجِيحُ الْعُمُومِ فِي خُصُوصِ الْعَيْنِ عَلَى الْعُمُومِ فِي خُصُوصِ الْحَالِ وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ عُلَمَائِنَا قَالَ: إنَّ دَمَ الْحَيْضِ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ دُونَ الْقَلِيلِ وَهُوَ عُمُومٌ فِي خُصُوصِ حَالِ الدَّمِ. وَقَالَ الْبَعْضُ الْآخَرُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي التَّحْرِيمِ رَوَاهُ أَبُو ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ سِيرِينَ عَنْ مَالِكٍ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَلْ هُوَ أَذًى فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَهُوَ عُمُومٌ فِي خُصُوصِ عَيْنِ الدَّمِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ حَالَ الْعَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ حَالِ الْحَالِ قَالَ: وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ مَا لَمْ نُسْبَقْ إلَيْهِ وَلَمْ نُزَاحَمْ عَلَيْهِ انْتَهَى بِتَصَرُّفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِطَابِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَقَاعِدَةِ الْخِطَابِ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِطَابِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَقَاعِدَةِ الْخِطَابِ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ) عَلَى مَذْهَبِ الْأَصْلِ الْمَبْنِيِّ عَلَى قَوْلِ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ أَنَّ طَلَبَ الْكِفَايَةِ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْجَمِيعِ لَكِنْ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ مِنْ أَنَّ خِطَابَ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرِيعَةِ إذْ لَوْ وَقَعَ لَأَدَّى إلَى تَرْكِ الْأَمْرِ وَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ مَا تَعَيَّنَ عَلَى الِامْتِثَالِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْخِطَابُ مَعِي وَلَا نَصَّ عَلَيَّ فَلَا أَفْعَلُ فَتَبْطُلُ مَصْلَحَةُ الْأَمْرِ وَلِذَلِكَ جَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْوُجُوبَ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ مُتَعَلِّقًا بِالْكُلِّ ابْتِدَاءً عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ لِتَنْبَعِثَ دَاعِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لِلْفِعْلِ لِيَخْلُصَ عَنْ الْعِقَابِ، فَإِذَا فَعَلَ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْكُلِّ وَإِنْ كَانَ خِطَابُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ خِطَابَ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى

стр. 244

وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ خِطَابُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ خِطَابَ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَقَوْلِهِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي مُخَاطَبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ جَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْوُجُوبَ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ مُتَعَلِّقًا بِالْكُلِّ ابْتِدَاءً عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، فَإِذَا فَعَلَ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْكُلِّ وَسَبَبُ تَعَلُّقِهِ بِالْكُلِّ ابْتِدَاءً لِئَلَّا يَتَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مَجْهُولٍ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى تَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَى الْكُلِّ ابْتِدَاءً انْبَعَثَتْ دَاعِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لِلْفِعْلِ لِيَخْلُصَ عَنْ الْعِقَابِ فَهَذَا هُوَ خِطَابُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَعُرِفَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الشَّرِيعَةِ وَأَمَّا الْخِطَابُ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَهُوَ وَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ كَثِيرًا جِدًّا كَالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ شَاةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَدِينَارٍ مِنْ أَرْبَعِينَ وَالسُّتْرَةِ بِثَوْبٍ وَلَمْ يُعَيَّنْ الشَّرْعُ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ شَيْئًا مِنْ أَشْخَاصِ ذَلِكَ الْمَأْمُورِ بِهِ لِتَمَكُّنِ الْمُكَلَّفِ مِنْ إيقَاعِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فِي ضِمْنِ مُعَيَّنٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَا تَتَعَذَّرُ مَصْلَحَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِخِلَافِ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَأْمُورِ الَّذِي هُوَ الْمُكَلَّفُ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ خِطَابِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَبَيْنَ الْخِطَابِ بِغَيْرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْخِطَابَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمُوهُ. قَالَ (وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ خِطَابُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ يَقْتَضِي مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَقَوْلُهُ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] الْآيَةَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي مُخَاطَبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ جَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْوُجُوبَ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ مُتَعَلِّقًا بِالْكُلِّ ابْتِدَاءً عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ فَإِذَا فَعَلَ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْكُلِّ) قُلْت: لَمْ يَجْعَلْ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْوُجُوبَ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ مُتَعَلِّقًا بِالْكُلِّ بَلْ بِالْبَعْضِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَلَا ضَرُورَةَ تُحْمَلُ عَلَيْهِ. قَالَ (وَسَبَبُ تَعَلُّقِهِ بِالْكُلِّ ابْتِدَاءً لِئَلَّا يَتَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مَجْهُولٍ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ) قُلْت لَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِمَعْنَى الْإِفْهَامِ إلَّا بِالْكُلِّ وَالْإِلْزَامِ وَالتَّكْلِيفِ لِلْبَعْضِ وَلَا يَتَعَذَّرُ الِامْتِثَالُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِالْكُلِّ ثُمَّ سُقُوطِهِ عَنْ الْبَعْضِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. قَالَ (فَإِذَا وَجَبَ عَلَى الْكُلِّ ابْتِدَاءً انْبَعَثَتْ دَاعِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لِلْفِعْلِ لِيَخْلُصَ مِنْ الْعِقَابِ) قُلْت: وَإِذَا وَجَبَ عَلَى الْبَعْضِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مَعَ مُخَاطَبَةِ الْكُلِّ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُمْ مَتَى أَهْمَلُوا الْقِيَامَ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ كُلُّهُمْ لَزِمَهُمْ الْعِقَابُ وَمَتَى قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ الْمُعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِمْ إيَّاهُ أَوْ بِانْبِعَاثِهِ إلَى ذَلِكَ وَعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ إنْ كَانَ مَحَلًّا لِإِمْكَانِ الْعِلْمِ أَوْ ظَنِّهِمْ ذَلِكَ إنْ كَانَ مَحَلًّا يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْعِلْمُ خَصَّهُ الثَّوَابُ انْبَعَثَتْ دَاعِيَةُ كُلِّ وَاحِدٍ لِلْفِعْلِ أَوْ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِأَنَّ غَيْرِي انْبَعَثَ لِذَلِكَ. قَالَ (وَأَمَّا الْخِطَابُ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي مُخَاطَبًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا الْخِطَابُ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَهُوَ وَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ كَثِيرًا جِدًّا كَالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ شَاةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَدِينَارٍ مِنْ أَرْبَعِينَ وَالسُّتْرَةِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُعَيِّنْ الشَّرْعُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ أَشْخَاصِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِتَمَكُّنِ الْمُكَلَّفِ مِنْ إيقَاعِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فِي ضِمْنِ مُعَيَّنٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَا تَتَعَذَّرُ مَصْلَحَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَعَيُّنِهِ أَيْ الْمَأْمُورِ بِهِ بِخِلَافِ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَأْمُورِ الَّذِي هُوَ الْمُكَلَّفُ كَمَا عَلِمْت. قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْإِجْمَاعِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَعْنِي قَاعِدَةَ أَنَّ خِطَابَ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرِيعَةِ لِمَا ذَكَرَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْجَمِيعِ بِالْحُضُورِ عِنْدَ حَدِّ الزُّنَاةِ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ الْحُضُورَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَيَسْقُطَ الْأَمْرُ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِنْ اقْتَضَى لَفْظُ الْآيَةِ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْحُضُورِ الْمَذْكُورِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَالْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ أَعْنِي قَاعِدَةَ أَنَّ الْخِطَابِ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَاقِعٌ وَجَائِزٌ وَإِنْ اقْتَضَتْ عَدَمَ تَوَجُّهِ السُّؤَالُ عَلَى قَوْله تَعَالَى ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] مِنْ جِهَةِ عَدَمِ تَعَيُّنِ الظَّنِّ الْمُحَرَّمِ إلَّا أَنَّهُ يُتَوَجَّهُ عَلَيْهِ سُؤَالَانِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ إذَا حَرَّمَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ مِنْ جِنْسٍ فَإِمَّا أَنْ يُحَرِّمَ الْجَمِيعَ لِيُجْتَنَبَ ذَلِكَ الْمُحَرَّمُ وَإِمَّا أَنْ يَدُلَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فَمَا الْوَاقِعُ هَا هُنَا مِنْ هَذَيْنِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَاقِعَ هَا هُنَا (أَمَّا الْأَوَّلُ) بِأَنْ يُحَرِّمَ الْجَمِيعَ كَمَا حَرَّمَ فِي الْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ تَخْتَلِطُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ وَالْمَيْتَةُ تَخْتَلِطُ بِمُذَكَّيَاتٍ. فَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إبَاحَةِ الظَّنِّ عِنْدَ أَسْبَابِهِ الشَّرْعِيَّةِ كَالظَّنِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُقَوِّمِينَ وَالْمُفْتِينَ وَالرُّوَاةِ لِلْأَحَادِيثِ وَالْأَقْيِسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَظَاهِرِ الْعُمُومَاتِ اعْتَبَرْنَاهُ تَخْصِيصًا لِهَذَا الْعُمُومِ وَلَمْ نَجْتَنِبْهُ بَلْ لَابَسْنَاهُ وَأَبْقَيْنَا مَا لَا دَلِيلَ عَلَى إبَاحَتِهِ تَحْتَ نَهْيِ الْآيَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُمَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ ظَنٍّ حَرَّمْنَاهُ كَالظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْ قَوْلِ الْفَاسِقِ وَالنِّسَاءِ فِي الدِّمَاءِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُثِيرَاتِ لِلظَّنِّ الَّتِي حُرِّمَ عَلَيْنَا اعْتِبَارُ الظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْهَا وَمَا لَمْ يَدُلُّ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَبَحْنَاهُ عَمَلًا بِالْبَرَاءَةِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ وَأَقْوَى وَالسُّؤَالُ الثَّانِي كَيْفَ صَحَّ النَّهْيُ عَنْ الظَّنِّ وَهُوَ ضَرُورِيٌّ

стр. 245

الْمُعَيَّنِ وَلْنَذْكُرْ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ مَسْأَلَتَيْنِ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] يَقْتَضِي أَنَّ الْمَأْمُورَ هَا هُنَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْأَمْرَ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْجَمِيعِ بِالْحُضُورِ عِنْدَ حَدِّ الزُّنَاةِ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَيَسْقُطَ الْأَمْرُ عَلَى الْبَاقِينَ وَهَذَا لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنْ اللَّفْظِ بَلْ مِنْ الْقَاعِدَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] إشَارَةٌ إلَى ظَنٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ بِالتَّحْرِيمِ وَالْخِطَابُ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ يَجُوزُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أَنَّ هَا هُنَا سُؤَالَيْنِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا ضَابِطُ هَذَا الظَّنِّ؟ فَإِنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا وَلَمْ يُعَيِّنْهُ مِنْ جِنْسٍ لَهُ حَالَتَانِ تَارَةً يَدُلُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَتَارَةً يُحَرِّمُ الْجَمِيعُ لِيُجْتَنَبَ ذَلِكَ الْمُحَرَّمُ فَمَا الْوَاقِعُ هَا هُنَا مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ. السُّؤَالُ الثَّانِي: الظَّنُّ يَهْجُمُ عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ حُضُورِ أَسْبَابِهِ وَالضَّرُورِيُّ لَا يُنْهَى عَنْهُ فَكَيْفُ صَحَّ النَّهْيُ عَنْهُ هَا هُنَا؟ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ: أَنْ نَقُولَ لَنَا هَا هُنَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ نَقُولَ الْمُحَرَّمُ الْجَمِيعُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَةِ الْبَعْضِ فَيَخْرُجَ مِنْ الْعُمُومِ كَمَا إذَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَاخْتَلَطَتْ بِأَجْنَبِيَّاتٍ فَإِنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ كُلُّهُنَّ وَكَذَلِكَ الْمَيْتَةُ مَعَ الْمُذَكَّيَاتِ إذَا اخْتَلَطْنَ، فَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إبَاحَةِ الظَّنِّ عِنْدَ أَسْبَابِهِ الشَّرْعِيَّةِ لَابَسْنَاهُ وَلَمْ نَجْتَنِبْهُ وَكَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِهَذَا الْعُمُومِ وَذَلِكَ كَالظَّنِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُقَوِّمِينَ وَالْمُفْتِينَ وَالرُّوَاةِ لِلْأَحَادِيثِ وَالْأَقْيِسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَظَاهِرِ الْعُمُومَاتِ فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ كُلَّهَا تَحْصُلُ الظُّنُونُ الْمَأْذُونُ فِي الْعَمَلِ بِهَا فَأَيُّ شَيْءٍ مِنْ الظُّنُونِ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ اعْتَبَرْنَاهُ وَمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَبْقَيْنَاهُ تَحْتَ نَهْيِ الْآيَةِ. الطَّرِيقُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: أَنْ نَقُولَ لَا نَقُولُ بِالْعُمُومِ فِي تَحْرِيمِ جَمِيعِ الظُّنُونِ بَلْ نَقُولُ هَذَا الْبَعْضُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ الظَّنِّ بِعَيْنِهِ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مُهِمٌّ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ ظَنٍّ حَرَّمْنَاهُ كَالظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْ قَوْلِ الْفَاسِقِ وَالنِّسَاءِ فِي الدِّمَاءِ وَغَيْرِهَا مِنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَلْنَذْكُرْ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ مَسْأَلَتَيْنِ) قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَثِيرٌ جِدًّا صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ بِخِلَافِ عَدَمِ تَعْيِينِ الْمَأْمُورِ الَّذِي هُوَ الْمُكَلَّفُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَمَا سَبَقَ فَلَمْ يَظْهَرْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إلَى آخِرِهَا قُلْت: مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] إشَارَةٌ إلَى ظَنٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ بِالتَّحْرِيمِ وَالْخِطَابُ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ يَجُوزُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ) قُلْت هَكَذَا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ وَلَعَلَّهُ فِيهِ تَصْحِيفٌ أَوْ فِيهِ تَغْيِيرٌ. قَالَ (غَيْرَ أَنَّ هَا هُنَا سُؤَالَيْنِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى الْأَوَّلُ مَا ضَابِطُ هَذَا الظَّنِّ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِأَنَّهُ يَهْجُمُ عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ حُضُورِ أَسْبَابِهِ وَالضَّرُورِيُّ لَا يُنْهَى عَنْهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ النَّهْيَ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى آثَارِ الظَّنِّ وَسَبَبِهِ الَّذِي هُوَ التَّحَدُّثُ عَنْ الْإِنْسَانِ بِمَا ظَنَّ فِيهِ أَوْ أَذِيَّته بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ بَلْ يَكُفُّ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يُوجَدَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ يُبِيحُهُ فَفِي الْآيَةِ مَجَازٌ بِالْحَذْفِ أَيْ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ سَبَبِ الظَّنِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ الْمَحْذُوفَ مَجَازًا مُطْلَقًا أَوْ مُرْسَلًا عِلَاقَتُهُ الْمُسَبِّبِيَّةُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْخِطَابَ فِي التَّكْلِيفِ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَقْدُورٍ مُكْتَسَبٍ لَا بِالضَّرُورِيِّ اللَّازِمِ الْوُقُوعِ أَوْ اللَّازِمِ الِامْتِنَاعِ، فَإِذَا وَرَدَ مَا ظَاهِرُهُ تَعَلُّقُهُ بِغَيْرِ مَقْدُورٍ صُرِفَ إمَّا لِثَمَرَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] فَالرَّأْفَةُ أَمْرٌ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ قَهْرًا عِنْدَ حُصُولِ أَسْبَابِهَا فَالنَّهْيُ عَنْهَا نَهْيٌ عَنْ ثَمَرَتِهَا الَّتِي هِيَ نَقْصُ الْحَدِّ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ لَا تَنْقُصْ مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالسَّبَبِ عَنْ الْمُسَبِّبِ. كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَأَمَّا لِسَبَبِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] فَالْمَغْفِرَةُ مُضَافَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ مَقْدُورَةً لِلْعَبْدِ، فَالْأَمْرُ بِالْمُسَارَعَةِ إلَيْهَا أَمْرٌ بِالْمُسَارَعَةِ لِسَبَبِهَا، وَالْمَعْنَى إمَّا سَارِعُوا إلَى سَبَبِ مَغْفِرَةٍ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ وَإِمَّا أَنَّهُ عَبَّرَ بِهَا عَنْ سَبَبِهَا مَجَازًا عِلَاقَتُهُ الْمُسَبِّبِيَّةُ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ هَذَا مَذْهَبُ الْأَصْلِ وَالْحَقُّ خِلَافُهُ وَأَنَّ خِطَابَ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ بِمَعْنَى تَكْلِيفِهِ وَإِلْزَامِهِ وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ كَمَا وَقَعَ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ بِلَا فَرْقٍ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ بِمَعْنَى الْقَصْدِ لِلْإِفْهَامِ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرِيعَةِ إلَّا لِلْجَمِيعِ لَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ بِأَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِجَمَاعَةِ عَبِيدِهِ لِيَفْعَلْ أَحَدُكُمْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْفَاعِلِ مِنْ قِبَلِي وَلَا يَفْعَلْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَمَنْ فَعَلَهُ أَثَبْته وَمَنْ شَارَكَهُ فِيهِ عَاقَبْته وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ ذَلِكَ الْفِعْلَ عَاقَبْتُكُمْ أَجْمَعِينَ فَالْخِطَابُ فِي هَذَا الْمِثَالِ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْجَمِيعِ بِأَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِهِمْ لِذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْ يُعَيِّنَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ نَفْسَهُ وَهَكَذَا هُوَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ الْخِطَابُ لِلْجَمِيعِ وَالتَّكْلِيفُ لِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ أَوْ لِجَمَاعَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] إلَى آخِرِهَا فَكُلُّ هَذِهِ

стр. 246

الْمُثِيرَاتِ لِلظَّنِّ الَّتِي حُرِّمَ عَلَيْنَا اعْتِبَارُ الظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْهَا وَمَا لَمْ يَدُلَّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ قُلْنَا هُوَ مُبَاحٌ عَمَلًا بِالْبَرَاءَةِ فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي فَنَقُولُ قَاعِدَةً وَهِيَ أَنَّ الْخِطَابَ فِي التَّكْلِيفِ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَقْدُورٍ مُكْتَسَبٍ دُونَ الضَّرُورِيِّ اللَّازِمِ الْوُقُوعِ أَوْ اللَّازِمِ الِامْتِنَاعِ فَإِذَا وَرَدَ خِطَابٌ وَكَانَ مُتَعَلِّقُهُ مَقْدُورًا حُمِلَ عَلَيْهِ نَحْوَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ صُرِفَ الْخِطَابُ لِثَمَرَتِهِ أَوْ لِسَبَبِهِ وَمِثَالُ مَا يُحْمَلُ عَلَى ثَمَرَتِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] فَالرَّأْفَةُ أَمْرٌ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ قَهْرًا عِنْدَ حُصُولِ أَسْبَابِهَا فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى الثَّمَرَةِ وَالْآثَارِ وَهُوَ تَنْقِيصُ الْحَدِّ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ لَا نُنْقِصُ الْحَدَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَيَكُونُ مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالسَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ. وَمِثَالُ مَا هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَيُحْمَلُ عَلَى سَبَبِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَالْمَغْفِرَةُ مُضَافَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ مَقْدُورَةً لِلْعَبْدِ فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى سَبَبِ الْمَغْفِرَةِ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ سَارِعُوا إلَى سَبَبِ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ أَوْ عَبَّرَ بِالْمَغْفِرَةِ عَنْ سَبَبِهَا مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ عَكْسُ الْأَوَّلِ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَالطَّلَاقُ الَّذِي هُوَ التَّحْرِيمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الزَّوْجِ أَنْتِ طَالِقٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالسَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وَالْمَوْتُ لَا يُنْهَى عَنْهُ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى سَبَبٍ يَقْتَضِي حُصُولَ الْمَوْتِ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ وَالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ فَيَأْتِي الْمَوْتُ حِينَئِذٍ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَمَّا تَعَذَّرَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الظَّنِّ نَفْسِهِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى آثَارِهِ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ وَآثَارُهُ التَّحَدُّثُ عَنْ الْإِنْسَانِ بِمَا ظُنَّ فِيهِ أَوْ أَذِيَّتُهُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ بَلْ يَكُفُّ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يُوجَدَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ يُبِيحُ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ) أَمَّا إجْزَاءُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَوْ صَلَّى الْإِنْسَانُ أَلْفَ رَكْعَةٍ مَا أَجْزَأَتْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَدَفَعَ أَلْفَ دِينَارٍ صَدَقَةً لَا تُجْزِئُ عَنْ دِينَارِ الزَّكَاةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ) قُلْت: الطَّرِيقَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا مُحْتَمَلَانِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ عِنْدِي أَظْهَرُ وَأَقْوَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي إلَى آخِرِهِ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ. قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْآيَاتِ وَقَعَ الْخِطَابُ لِلْجَمِيعِ أَوْ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَالتَّكْلِيفُ لَمْ يَشْمَلْ الْجَمِيعَ وَلَا عُلِّقَ بِمُعَيَّنٍ أَمَّا فِي الْآيَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَمُطْلَقًا وَأَمَّا فِي آيَةِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَشْمَلْ الْجَمِيعَ التَّكْلِيفُ بِإِقَامَتِهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ إلَى بَعْضِهِمْ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَإِلَى الْبَاقِينَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْحِرَابَةِ ثُمَّ تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ إلَى الْحَارِسِينَ أَوَّلًا وَبِالْحِرَابَةِ إلَى الْمُصَلِّينَ أَوَّلًا، وَهَذِهِ الْآيَةُ أَوْضَحُ الْآيَاتِ فِي أَنَّ التَّكْلِيفَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ لَا يَشْمَلُ الْجَمِيعَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَالَةَ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْجَمِيعِ إلَى قِسْمَيْنِ كُلُّ قِسْمٍ يَقُومُ بِوَاجِبٍ يَتَعَذَّرُ قِيَامُ الْقِسْمِ الْآخَرِ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِقِيَامِهِ فِيهَا بِالْوَاجِبِ الْآخَرِ فَلَمْ يَظْهَرْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخِطَابِ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَالْخِطَابِ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ انْتَهَى. (وَصْلٌ) وَأَمَّا مَا بَنَى عَلَيْهِ الْأَصْلُ مَذْهَبَهُ مِنْ قَوْلِ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ أَنَّ طَلَبَ الْكِفَايَةِ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْجَمِيعِ لَكِنْ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ فَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ إنَّهُ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ أَلْبَتَّةَ عَلَيْهِ وَلَا ضَرُورَةَ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ تَدْعُو إلَيْهِ وَلَمْ يَحْمِلْ الْقَائِلِينَ بِهِ عَلَيْهِ إلَّا تَوَهُّمُهُمْ أَنَّ الْخِطَابَ بِمَعْنَى الْإِفْهَامِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْخِطَابُ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ أَوْ تَوَهُّمُهُمْ أَنَّ الْخِطَابَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمُوهُ اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُوَافَقَاتِهِ: وَمَا قَالَهُ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ كُلِّيِّ الطَّلَبِ وَأَمَّا مِنْ جِهَةٍ جُزْئِيِّهِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَيَنْقَسِمُ أَقْسَامًا وَرُبَّمَا تَشَعَّبَ تَشَعُّبًا طَوِيلًا وَلَكِنَّ الضَّابِطَ لِلْجُمْلَةِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَبَ وَارِدٌ عَلَى الْبَعْضِ وَلَا عَلَى الْبَعْضِ كَيْفَ كَانَ وَلَكِنْ عَلَى مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ لَا عَلَى الْجَمِيعِ عُمُومًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَوَرَدَ التَّخْصِيصُ عَلَى طَائِفَةٍ لَا عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَوْلِهِ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الْآيَةَ إلَى آخِرِهَا، وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ وَرَدَ الطَّلَبُ فِيهَا نَصًّا عَلَى الْبَعْضِ لَا عَلَى الْجَمِيعِ. وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى أَوْ الصُّغْرَى فَإِنَّهَا إنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ فِيهِ أَوْصَافُهَا الْمَرْعِيَّةُ لَا عَلَى كُلِّ النَّاسِ وَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ إنَّمَا يُطْلَبُ بِهَا شَرْعًا بِاتِّفَاقٍ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقِيَامِ بِهَا

стр. 247

فِي سَبْعِ مَسَائِلَ: الْأُولَى: إذَا تَوَضَّأَ مُجَدِّدًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. الثَّانِيَةُ: إذَا اغْتَسَلَ لِجُمُعَتِهِ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَقِيلَ تُجْزِئُ. الثَّالِثَةُ: إذَا نَسِيَ لُمْعَةً مِنْ الْغَسْلَةِ الْأُولَى فِي وُضُوئِهِ وَكَانَ غَسْلُهَا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ هَلْ تُجْزِئُهُ إذَا غَسَلَ الثَّانِيَةَ بِنِيَّةِ السُّنَّةِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ كَالتَّجْدِيدِ. الرَّابِعَةُ: إذَا سَلَّمَ مِنْ اثْنَيْنِ سَاهِيًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ هَلْ تُجْزِئَاهُ عَنْ رَكْعَتَيْ الْفَرْضِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. الْخَامِسَةُ: إذَا ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ فَرْضِهِ فَصَلَّى بَقِيَّةَ فَرْضِهِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ السَّادِسَةُ: إذَا سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَامَ إلَى خَامِسَةٍ سَاهِيًا هَلْ تُجْزِئُهُ عَنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي نَسِيَ مِنْهَا السَّجْدَةَ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. السَّابِعَةُ: إذَا نَسِيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَرَاحَ إلَى بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي رَأَيْته وَقَعَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا قَاعِدَةُ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ فَلَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ وَالْمُسَافِرَ وَنَحْوَهُمْ لَمَّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ فَإِذَا حَضَرُوهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَهَذَا الَّذِي رَأَيْته وَقَعَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْمَذْهَبِ) قُلْت إجْزَاءُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ خِلَافُ الْأَصْلِ كَمَا. قَالَ وَذَكَرَ مَا وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَسْأَلَةُ الْمُجَدِّدِ وَالْمُغْتَسِلِ لِلْجُمُعَةِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ وَنَاسِي اللُّمْعَةِ مِنْ الْغَسْلَةِ الْأُولَى وَهَذِهِ الثَّلَاثُ مَسَائِلَ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ لَا يَكُونَ الْقَائِلُ بِالْإِجْزَاءِ فِي هَذِهِ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بَلْ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوقِعِينَ لِهَذِهِ الطِّهَارَاتِ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا إحْرَازَ كَمَالِهَا، وَالْكَمَالُ فِي رَأْيِهِ يَتَضَمَّنُ الْإِجْزَاءَ بِخِلَافِ رَأْيِ غَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْكَمَالَ لَا يَتَضَمَّنُ الْإِجْزَاءَ فَيَكُونُ الْخِلَافُ فِي الْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَائِلُ أَيْضًا بِالْإِجْزَاءِ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بَلْ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَعْيِينُ نِيَّةِ الْفَرْضِ وَلَا نِيَّةِ النَّفْلِ فَلَا يَكُونُ عَلَى هَذَا مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُسَلِّمِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَالظَّانُّ أَنَّهُ سَلَّمَ فَمِنْ ذَلِكَ أَعْنِي مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا السَّادِسَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ السَّاهِي عَنْ سَجْدَةٍ مِنْ الْأُولَى الْقَائِمِ إلَى خَامِسَةٍ فَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ إنَّمَا قَامَ فِي الْخَامِسَةِ لِأَدَاءِ بَقِيَّةِ فَرْضِهِ فِيمَا يَعْتَقِدُ، وَأَمَّا السَّابِعَةُ وَهِيَ نَاسِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَمِنْ تِلْكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا قَوْلَيْنِ وَهِيَ مَحَلٌّ لِاحْتِمَالِ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَأَمَّا قَاعِدَةُ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ) فَلَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْغَنَاءِ أَيْ النَّفْعِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ حَيْثُ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْقِيَامُ بِهِ عَلَى مَنْ فِيهِ نَجْدَةٌ وَشَجَاعَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْخُطَطِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَبَ بِهَا مَنْ لَا يُبْدِي فِيهَا وَلَا يُعِيدُ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَلَّفِ وَمِنْ بَابِ الْعَبَثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَصْلَحَةِ الْمُجْتَلَبَةِ أَوْ الْمَفْسَدَةِ الْمُسْتَدْفَعَةِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ شَرْعًا وَالثَّالِثُ مَا وَقَعَ مِنْ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ وَمَا وَقَعَ أَيْضًا فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ يَا أَبَا ذَرٍّ إنِّي أَرَاك ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَهَاهُ عَنْهُمَا فَلَوْ فُرِضَ إهْمَالُ النَّاسِ لَهُمَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ بِدُخُولِ أَبِي ذَرٍّ فِي حَرَجِ الْإِهْمَالِ وَلَا مَنْ كَانَ مِثْلَهُ وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تَسْأَلُ الْإِمَارَةَ» . وَهَذَا النَّهْيُ يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ عَامَّةِ الْوُجُوبِ وَنَهَى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْضَ النَّاسِ عَنْ الْإِمَارَةِ فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: نَهَيْتنِي عَنْ الْإِمَارَةِ ثُمَّ وُلِّيت، فَقَالَ لَهُ: وَأَنَا الْآنَ أَنْهَاك عَنْهَا وَاعْتَذَرَ لَهُ عَنْ وِلَايَتِهِ هُوَ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا، وَرُوِيَ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي أَنْ يَقُصَّ فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقَصَصِ الَّذِي طَلَبَهُ تَمِيمٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ مَطْلُوبَاتِ الْكِفَايَةِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَلَى هَذَا الْمَهِيعِ جَرَى الْعُلَمَاءُ فِي تَقْرِيرِ كَثِيرٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَقَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ أَفَرْضٌ هُوَ فَقَالَ أَمَّا عَلَى كُلِّ النَّاسِ فَلَا يَعْنِي بِهِ الزَّائِدُ عَلَى الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ. وَقَالَ أَيْضًا: أَمَّا مَنْ كَانَ فِيهِ مَوْضِعٌ لِلْإِمَامَةِ فَالِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَالْأَخْذُ فِي الْعِنَايَةِ بِالْعِلْمِ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ فِيهِ فَأَنْتَ تَرَاهُ قَسَّمَ فَجَعَلَ مَنْ فِيهِ قَبُولِيَّةً لِلْإِمَامَةِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا جَعَلَهُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى كُلِّ النَّاسِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ مِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ وَتَقْلِيدِ الْعُلُومِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَمَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ لَا يَعْرِفُ الْمُنْكَرَ كَيْفَ يَنْهَى عَنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَمْرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى

стр. 248

بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ إمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْجُمُعَةُ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ مَفْهُومُ إحْدَاهُمَا كَالْوَاجِبِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ إحْدَى الْخِصَالِ، فَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِالْجُمُعَةِ فَقَدْ أَحْرَمَ بِإِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَعَيَّنَ ذَلِكَ الْمُشْتَرَكَ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ كَمَا يُعَيِّنُ الْمُكَفِّرُ إحْدَى الْخِصَالِ بِالْعِتْقِ فَهُوَ مُعَيِّنٌ لِلْوَاجِبِ لَا فَاعِلٌ لِغَيْرِ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَجْزَأَهُ عَنْ الْوَاجِبِ بَلْ غَيْرِ الْوَاجِبِ هَا هُنَا هُوَ خُصُوصُ الْجُمُعَةِ لَا مُطْلَقُ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَالْجُمُعَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَمْرَيْنِ خُصُوصٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهَا جُمُعَةً وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ كَوْنُهَا إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَأَجْزَأَتْ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهَا الْوَاجِبِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهَا الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا أَنَّ الْمُكَفِّرَ عَنْ الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ فِي عِتْقِهِ أَمْرَانِ: خُصُوصٌ وَهُوَ كَوْنُهُ عِتْقًا، وَعُمُومٌ وَهُوَ كَوْنُهُ إحْدَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فَيُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهِ الْوَاجِبِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهَذَا لَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِخِلَافِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى فِي الِامْتِنَاعِ وَيَتَمَهَّدُ الْفَرْقُ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ أُخَرَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالُوا: الْعَبْدُ لَا يَؤُمُّ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْمُفْتَرِضَ لَا يَأْتَمُّ بِالْمُتَنَفِّلِ، فَقِيلَ: إذَا حَضَرَهَا صَارَ مِنْ أَهْلِهَا وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ فَصَارَ مُفْتَرِضًا فَمَا ائْتَمَّ الْحُرُّ إلَّا بِمُفْتَرِضٍ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا تَجِبُ بِالشُّرُوعِ فَيَكُونُ الشُّرُوعُ غَيْرَ وَاجِبٍ فَيَقَعُ الِائْتِمَامُ بِهِ فِيهِ وَهُوَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَيَتَمَهَّدُ الْفَرْقُ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ. قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا قَوْلَهُ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ مَفْهُومُ إحْدَاهُمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ مَفْهُومُ إحْدَاهُمَا بَلْ مَفْهُومُ إحْدَاهُمَا وَاحِدَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالُوا الْعَبْدُ لَا يَؤُمُّ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْمُفْتَرِضَ لَا يَأْتَمُّ بِالْمُتَنَفِّلِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِيهَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ جَعَلَهَا مِنْ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَمُوقِعُ نَوْعَيْ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَوْ أَنْوَاعِهِ لَا يُوقِعُ إلَّا وَاجِبًا فَالْعَبْدُ إذَا اخْتَارَ إيقَاعَ الْجُمُعَةِ لَا تَقَعُ إلَّا وَاجِبَةً فَالْحُرُّ إذَا اقْتَدَى بِهِ لَمْ يَكُنْ مُفْتَرِضًا ائْتَمَّ بِمُتَنَفِّلٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْخُصُوصَاتِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ مُسَلَّمٌ لَكِنْ مِنْ حَيْثُ هِيَ خُصُوصَاتٌ مُعَيَّنَاتٌ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْعُمُومِ فَإِنَّ الْعُمُومَ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ هُوَ وَاجِبٌ وَهَلْ يُمْكِنُ إيقَاعُ الْعَامِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَامٌّ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصِ الشَّخْصِيِّ خَاصَّةً لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ فَالْعَامُّ عَلَى هَذَا لَا يَقَعُ إلَّا فِي الْخَاصِّ وَهَذَا كُلُّهُ مُجَارَاةٌ لَهُ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَامٌّ وَذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا هُوَ أَعْنِي الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْعَامُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُشْتَرَكُ وَعَلَى هَذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ الْوُجُوبُ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ إلَّا بِخُصُوصٍ لَكِنَّهُ خُصُوصٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ وَتَعَيُّنُهُ مَوْكُولٌ إلَى خِيرَةِ الْمَأْمُورِ هَذَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَاضِحٌ وَبَاقِي الْبَحْثِ فِي الْمَسْأَلَةِ مَوْكُولٌ إلَى عِلْمِ الْأُصُولِ، وَبَيَانُ بَعْضِ تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِيَظْهَرَ وَجْهُهَا وَنَتَبَيَّنَ صِحَّتَهَا بِحَوْلِ اللَّهِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ غَيْرَ عَالِمِينَ بِوُجُوهِ مَصَالِحِهِمْ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] ثُمَّ وَضَعَ فِيهِمْ الْعِلْمَ بِذَلِكَ عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّرْبِيَةِ تَارَةً بِالْإِلْهَامِ كَمَا يُلْهِمُ الطِّفْلَ الْتِقَامَ الثَّدْيِ وَمَصَّهُ وَتَارَةً بِالتَّعْلِيمِ فَطَلَبَ النَّاسَ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ لِجَمِيعِ مَا يُسْتَجْلَبُ بِهِ الْمَصَالِحُ أَوْ كَافَّةِ مَا تُدْرَأُ بِهِ الْمَفَاسِدُ إنْهَاضًا لِمَا جُبِلَ فِيهِمْ مِنْ تِلْكَ الْغَرَائِزِ الْفِطْرِيَّةِ وَالْمَطَالِبِ الْإِلْهَامِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْأَصْلِ لِلْقِيَامِ بِتَفَاصِيلِ الْمَصَالِحِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْأَفْعَالِ أَوْ الْأَقْوَالِ أَوْ الْعُلُومِ وَالِاعْتِقَادَاتِ أَوْ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ الْعَادِيَّةِ. وَفِي أَثْنَاءِ الْعِنَايَةِ بِذَلِكَ يَقْوَى فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلْقِ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ وَمَا أُلْهِمَ إلَيْهِ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ فَيَظْهَرُ فِيهِ وَعَلَيْهِ وَيَبْرُزُ فِيهِ أَقْرَانَهُ مِمَّنْ لَمْ يُهَيَّأْ تِلْكَ التَّهْيِئَةَ فَلَا يَأْتِي زَمَانُ التَّعَقُّلِ إلَّا وَقَدْ نَجَمَ عَلَى ظَاهِرِهِ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِيَّتِهِ فَتَرَى وَاحِدًا قَدْ تَهَيَّأَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَآخَرَ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ وَآخَرَ لِلتَّصَنُّعِ بِبَعْضِ الْمِهَنِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا وَآخَرَ لِلصِّرَاعِ وَالنِّطَاحِ إلَى سَائِرِ الْأُمُورِ، هَذَا وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْ غُرِزَ فِيهِ التَّصَرُّفُ الْكُلِّيُّ فَلَا بُدَّ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ مِنْ غَلَبَةِ الْبَعْضِ عَلَيْهِ فَيَرِدُ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ مُعَلِّمًا وَمُؤَدِّبًا فِي حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْهَضُ الطَّلَبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي نَفْسِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَطْلُوبَاتِ بِمَا هُوَ نَاهِضٌ فِيهِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى النَّاظِرِينَ فِيهِمْ الِالْتِفَاتُ إلَى تِلْكَ الْجِهَاتِ فَيُرَاعُونَهُمْ بِحَسَبِهَا وَيُرَاعُونَهَا إلَى أَنْ تَخْرُجَ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَيُعِينُونَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الدَّوَامِ فِيهَا حَتَّى يَبْرُزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَمَالَ إلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْخُطَطِ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِهَا فَيُعَامِلُونَهُمْ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ لِيَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا إذَا صَارَتْ لَهُمْ كَالْأَوْصَافِ الْفِطْرِيَّةِ وَالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ وَتَظْهَرُ نَتِيجَةُ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ. فَإِذَا فُرِضَ مَثَلًا وَاحِدٌ مِنْ الصِّبْيَانِ ظَهَرَ عَلَيْهِ حُسْنُ إدْرَاكٍ وَجَوْدَةُ فَهْمٍ وَوُفُورُ حِفْظٍ لِمَا يَسْمَعُ وَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ مِيلَ بِهِ نَحْوَ ذَلِكَ الْقَصْدِ وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ مُرَاعَاةً لِمَا يُرْجَى فِيهِ مِنْ الْقِيَامِ بِمَصْلَحَةِ التَّعْلِيمِ فَطُلِبَ بِالتَّعَلُّمِ وَأُدِّبَ بِالْآدَابِ الْمُشْتَرَكَةِ بِجَمِيعِ الْعُلُومِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُمَالَ مِنْهَا

стр. 249

غَيْرُ وَاجِبٍ قِيلَ فَإِنْ كَانَ الشُّرُوعُ غَيْرَ وَاجِبٍ فَقَدْ أَجْزَأَهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ فَخُصُوصُ الْجُمُعَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَغَيْرُ الْوَاجِبِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ فَكَيْفَ أَجْزَأْته تَكْبِيرَةُ إحْرَامِهِ فَقِيلَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ أَيْضًا فِيهَا خُصُوصٌ وَهُوَ كَوْنُهَا بِالْجُمُعَةِ وَعُمُومٌ وَهُوَ كَوْنُهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ أَمَّا بِالْجُمُعَةِ وَأَمَّا بِالظُّهْرِ فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ فَقَدْ عَيَّنَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامٍ خَاصٍّ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ إذَا أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ الرُّبَاعِيَّةِ أَيْضًا خُصُوصُ إحْرَامِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ يُعَيِّنُ الْوَاجِبَ وَإِذَا عَقِلْتَ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَاعْقِلْهُ فِي بَقِيَّةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَفِي الرُّكُوعِ خُصُوصٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ مُطْلَقُ الرُّكُوعِ، وَفِي السُّجُودِ خُصُوصٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي جُمُعَةٍ أَوْ فِي ظُهْرٍ وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ مُطْلَقٌ السُّجُودِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَرْكَانِ فَيَكُونُ الْحُرُّ إذَا اقْتَدَى بِهِ فِي الْخُصُوصِيَّاتِ وَهِيَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ وَعَلَى الْعَبْدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ تَكُونُ مِنْ بَابِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْبَحْثِ أَنْ لَا يَقْتَدِيَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ فِي ظُهْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إذَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا أَيْضًا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُفْتَرِضٍ بِالْخُصُوصِيَّاتِ بِخِلَافِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ظُهْرِ غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ مُفْتَرِضٌ بِالْخُصُوصِيَّاتِ وَالْعُمُومِ فَاسْتَوَى الْحُرُّ مَعَهُ فِي ذَلِكَ فَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ مَعَ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْ أَنِّي رَأَيْت هَذَا الْفَرْعَ مَنْقُولًا غَيْرَ أَنَّهُ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَيَلْحَقُ بِالْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ الْمُسَافِرُ وَالْمَرْأَةُ وَنَحْوُهُمَا حَرْفًا بِحَرْفٍ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْدِيدِ الْمَسَائِلِ بِذِكْرِهِمْ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ فَإِذَا اخْتَارَ صَوْمَ رَمَضَانَ فَهُوَ فَاعِلٌ لِخُصُوصٍ غَيْرِ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ رَمَضَانَ وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ فَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَمَضَانَ وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ شَهْرَ الْقَضَاءِ فَخُصُوصُهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ خُصُوصُ الْقَضَاءِ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ كَمَا يَتَعَيَّنُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] هُوَ الصَّحِيحُ لَا مَا سِوَاهُ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ قُلْت: ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (فَإِذَا اخْتَارَ صَوْمَ رَمَضَانَ فَهُوَ فَاعِلٌ لِخُصُوصٍ غَيْرِ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ رَمَضَانَ وَعُمُومٍ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ فَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَمَضَانَ) قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ إذَا اخْتَارَ صِيَامَ رَمَضَانَ فَهُوَ فَاعِلٌ لِخُصُوصٍ وَاجِبٍ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَهُوَ قَدْ عَيَّنَهُ لِإِيقَاعِ الْوَاجِبِ كَمَا فُوِّضَ إلَيْهِ تَعْيِينُهُ وَقَوْلُهُ فَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَمَضَانَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَهَلْ رَمَضَانُ إلَّا أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ وَهَلْ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ إلَّا رَمَضَانُ. قَالَ (وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ شَهْرَ الْقَضَاءِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إلَى بَعْضٍ فَيُؤْخَذَ بِهِ وَيُعَانَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ رَبَّانِيُّو الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ فَمَالَ بِهِ طَبْعُهُ إلَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ وَأَحَبَّهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ تُرِكَ وَمَا أَحَبَّ وَخُصَّ بِأَهْلِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ إنْهَاضُهُ فِيهِ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ إهْمَالٍ لَهُ وَلَا تَرْكٍ لِمُرَاعَاتِهِ، ثُمَّ إنْ وَقَفَ هُنَالِكَ فَحَسَنٌ وَإِنْ طَلَبَ الْأَخْذَ فِي غَيْرِهِ أَوْ طَلَبَ بِهِ فَعَلَ مَعَهُ فِيهِ مَا فَعَلَ فِيمَا قَبْلَهُ هَكَذَا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ كَمَا لَوْ بَدَأَ بِعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ الْأَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ فَإِنَّهُ يُصَرَّفُ إلَى مُعَلِّمِيهَا فَصَارَ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ وَصَارُوا هُمْ رُعَاةً لَهُ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ حِفْظُهُ فِيمَا طَلَبَ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ وَبِهِمْ، فَإِذَا انْتَهَضَ عَزْمُهُ بَعْدُ إلَى أَنَّ صَارَ يَحْذِقُ الْقُرْآنَ صَارَ مِنْ رَعِيَّةِ مُفَسِّرِيهِ وَصَارُوا هُمْ رُعَاةً لَهُ كَذَلِكَ. وَمِثْلُهُ إنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ أَوْ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ إلَى سَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرِيعَةِ مِنْ الْعُلُومِ وَهَكَذَا التَّرْتِيبُ فِيمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَصْفُ الْإِقْدَامِ وَالشَّجَاعَةِ وَتَدْبِيرِ الْأُمُورِ فَيُمَالُ بِهِ نَحْوَ ذَلِكَ وَيُعَلَّمُ آدَابَهُ الْمُشْتَرَكَةَ ثُمَّ يُصَارُ بِهِ إلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ صَنَائِعِ التَّدْبِيرِ كَالْعِرَافَةِ أَوْ النِّقَابَةِ أَوْ الْجُنْدِيَّةِ أَوْ الْهِدَايَةِ أَوْ الْإِمَامَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ وَمَا ظَهَرَ لَهُ فِيهِ نَجَابَةٌ وَنُهُوضٌ وَبِذَلِكَ يَتَرَبَّى لِكُلِّ فِعْلٍ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةِ قَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ سَيْرٌ أَوَّلًا فِي طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ فَحَيْثُ وَقَفَ السَّائِرُ وَعَجَزَ عَنْ السَّيْرِ فَقَدْ وَقَفَ فِي مَرْتَبَةٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ بِهِ قُوَّةٌ زَادَ فِي السَّيْرِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ فِي الْمَفْرُوضَاتِ الْكِفَائِيَّةِ وَهِيَ الَّتِي يَنْدُرُ مَنْ يَصِلُ إلَيْهَا كَالِاجْتِهَادِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْإِمَارَةِ فَبِذَلِكَ تَسْتَقِيمُ أَحْوَالُ الدُّنْيَا وَأَعْمَالُ الْآخِرَةِ فَلَيْسَ التَّرَقِّي فِي طَلَبِ الْكِفَايَةِ عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ وَلَا هُوَ عَلَى الْكَافَّةِ بِإِطْلَاقٍ وَلَا عَلَى الْبَعْضِ بِإِطْلَاقٍ وَلَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْ حَيْثُ الْمَقَاصِدِ دُونَ الْوَسَائِلِ وَلَا بِالْعَكْسِ بَلْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ نَظَرٌ وَاحِدٌ حَتَّى يُفَصَّلَ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ وَيُوَزَّعُ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِمِثْلِ هَذَا التَّوْزِيعِ وَإِلَّا لَمْ يَنْضَبِطْ الْقَوْلُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ التَّجَوُّزِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ بِذَلِكَ الْفَرْضِ قِيَامٌ بِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ فَهُمْ مَطْلُوبُونَ بِسَدِّهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَبَعْضُهُمْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا مُبَاشَرَةً وَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهَا أَهْلًا وَالْبَاقُونَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَادِرُونَ عَلَى إقَامَةِ الْقَادِرِينَ فَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوِلَايَةِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِإِقَامَتِهَا وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا مَطْلُوبٌ بِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ إقَامَةُ ذَلِكَ الْقَادِرِ وَإِجْبَارُهُ عَلَى الْقِيَامِ

стр. 250

آخِرَ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِتَعَذُّرِ مَا قَبْلَهُ وَتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَ قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُفَرِّطِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي حَقَّةِ الْأَدَاءُ وَبَيْنَ الْقَضَاءِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُفَرِّطِ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَعَلَى الْمُسَافِرِ بِسَبَبَيْنِ أَحَدُهُمَا رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَإِنَّهَا أَوْجَبَتْ الْعُمُومَ الَّذِي فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ، وَثَانِيهِمَا خُرُوجُ شَهْرِ الْأَدَاءِ وَلَمْ يَصُمْ فِيهِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ خُصُوصَ الْقَضَاءِ فَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمَرِيضُ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَا يَخْشَى مَعَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَهَذَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْخِطَابَ بِخُصُوصِ رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَيَبْقَى مُخَاطَبًا بِأَحَدِ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ وَيَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ فِي حَقِّهِ بِالسَّبَبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَإِنْ كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ مَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِهِ فَهَذَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ الصَّوْمَ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْأَدَاءُ لِلتَّحْرِيمِ وَالْقَضَاءِ لِلْوُجُوبِ إنْ بَقِيَ مُسْتَجْمِعَ الشَّرَائِطِ سَالِمَ الْمَوَانِعِ فِي زَمَانِ الْقَضَاءِ، فَإِنْ أَقْدَمَ وَصَامَ وَفَعَلَ الْمُحَرَّمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ بَعْدَ عُمُومِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: يَحْتَمِلُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ وَيَحْتَمِلُ الْإِجْزَاءَ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ مُتَقَرِّبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ شَهْوَتَيْ فَمِهِ وَفَرْجِهِ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مُتَقَرِّبٌ إلَى اللَّهِ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ وَجَانٍ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ وَهُوَ تَخْرِيجٌ حَسَنٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ) قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ. قَالَ (مُفَرِّقٌ بَيْنَ قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُفَرِّطِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ الْأَدَاءُ وَبَيْنَ الْقَضَاءِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت: أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُفَرِّطِ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَصَحِيحٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَعَلَى الْمُسَافِرِ بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَإِنَّهَا أَوْجَبَتْ الْعُمُومَ الَّذِي فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ فَلَمْ تُوجِبْ الرُّؤْيَةُ الْعُمُومَ فَإِنَّ الْعُمُومَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عُمُومٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ وَلَيْسَ الْعُمُومُ هُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ بَلْ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ خُصُوصٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمَرِيضُ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَا يَخْشَى مَعَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَهَذَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْخِطَابُ بِخُصُوصِ رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَيَبْقَى مُخَاطَبًا بِأَحَدِ الشَّهْرَيْنِ إلَى قَوْلِهِ إنْ بَقِيَ مُسْتَجْمِعَ الشَّرَائِطِ سَالِمَ الْمَوَانِعِ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَدَاءِ صَحِيحٌ. قَالَ (فَإِنْ أَقْدَمَ وَصَامَ وَفَعَلَ الْمُحَرَّمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ تَخْرِيجٌ حَسَنٌ) قُلْت: مَا قَالَهُ ظَاهِرٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِهَا فَالْقَادِرُ إذًا مَطْلُوبٌ بِإِقَامَةِ الْفَرْضِ وَغَيْرُ الْقَادِرِ مَطْلُوبٌ بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ الْقَادِرِ إذْ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى قِيَامِ الْقَادِرِ إلَّا بِالْإِقَامَةِ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَبِهَذَا الْوَجْهِ يَرْتَفِعُ مَنَاطُ الْخِلَافِ فَلَا يَبْقَى لِلْمُخَالَفَةِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ اهـ كَلَامُ أَبِي إِسْحَاقَ بِتَغْيِيرٍ مَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى خُصُوصٌ مُعَيَّنٌ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ لَا مَوْكُولٌ تَعَيُّنُهُ إلَى خِيرَةِ الْمَأْمُورِ وَالْوَاجِبُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ خُصُوصٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ وَإِنَّمَا تَعَيُّنُهُ مَوْكُولٌ إلَى خِيرَةِ الْمَأْمُورِ، وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى لَمَّا تَعَيَّنَ فِيهَا الْوَاجِبُ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ إجْزَاءِ غَيْرِهِ عَنْهُ وَإِنَّمَا جَرَى إجْزَاءُ غَيْرِ الْوَاجِبِ عَنْهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً فِي الْمَذْهَبِ أَشَارَ لَهَا الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّوَاوِيُّ كَمَا فِي كَبِيرِ مَيَّارَةَ عَلَى نَظْمِ ابْنِ عَاشِرٍ بِقَوْلِهِ: مَسَائِلُ يَجْرِي نَقْلُهَا عَنْ فَرِيضَةٍ ... شُذُوذًا فَلَا تَتْبَعْ سِوَى قَوْلِ شُهْرَةِ مُجَدِّدٌ طَهُرَ سَاهِيًا وَهُوَ مُحْدِثٌ ... وَلُمْعَةُ عُضْوٍ طَهُرَتْ بِفَضِيلَةِ وَآتٍ بِغُسْلٍ سَاهِيًا عَنْ جَنَابَةٍ ... نَوَى جُمُعَةً وَاحْكُمْ لِتَارِكِ سَجْدَةِ مِنْ الْفَرْضِ يَأْتِي بِالسُّجُودِ لِسَهْوِهِ ... وَمُبْطِلُهَا يَأْتِي بِخَامِسِ رَكْعَةِ وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ ظَنَّ فِيهَا سَلَامَهُ ... وَآتٍ بِنَفْلٍ قَبْلَ خَتْمِ فَرِيضَةِ وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ أَوْ يَظُنُّ سَلَامَهُ ... لِثَالِثَةٍ قَدْ قَامَ فَافْهَمْ بِصُورَةِ وَيُجْزِئُ فِي الْمَشْهُورِ مَنْ طَافَ عِنْدَهُمْ ... طَوَافَ وَدَاعٍ ذَاهِلًا عَنْ إفَاضَةِ وَذُو مُتْعَةٍ قَدْ سَاقَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ ... فَيُجْزِئُ قَدْ قَالُوا لِوَاجِبِ مُتْعَةِ وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا رَمَى ... جِمَارًا لِسَهْوٍ لَا يُعِيدُ لِجَمْرَةِ وَبَيَانُهَا أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مُحْتَوٍ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ مِنْ الطَّهَارَةِ وَقَعَتْ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلَيْنِ بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ مَشْهُورُهُمَا الثَّانِي وَذَكَرَهَا الْأَصْلُ بِقَوْلِهِ: الْأُولَى: إذَا تَوَضَّأَ مُجَدِّدًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. الثَّانِيَةُ: إذَا اغْتَسَلَ لِجُمُعَةٍ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَقِيلَ تُجْزِئُ الثَّالِثَةُ: إذَا نَسِيَ لُمْعَةً مِنْ الْغَسْلَةِ الْأُولَى فِي وُضُوئِهِ وَكَانَ غَسْلُهَا بِنِيَّةِ السُّنَّةِ
следующие страницы →