← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الْمُثِيرَاتِ لِلظَّنِّ الَّتِي حُرِّمَ عَلَيْنَا اعْتِبَارُ الظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْهَا وَمَا لَمْ يَدُلَّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ قُلْنَا هُوَ مُبَاحٌ عَمَلًا بِالْبَرَاءَةِ فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي فَنَقُولُ قَاعِدَةً وَهِيَ أَنَّ الْخِطَابَ فِي التَّكْلِيفِ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَقْدُورٍ مُكْتَسَبٍ دُونَ الضَّرُورِيِّ اللَّازِمِ الْوُقُوعِ أَوْ اللَّازِمِ الِامْتِنَاعِ فَإِذَا وَرَدَ خِطَابٌ وَكَانَ مُتَعَلِّقُهُ مَقْدُورًا حُمِلَ عَلَيْهِ نَحْوَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ صُرِفَ الْخِطَابُ لِثَمَرَتِهِ أَوْ لِسَبَبِهِ وَمِثَالُ مَا يُحْمَلُ عَلَى ثَمَرَتِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] فَالرَّأْفَةُ أَمْرٌ يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ قَهْرًا عِنْدَ حُصُولِ أَسْبَابِهَا فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى الثَّمَرَةِ وَالْآثَارِ وَهُوَ تَنْقِيصُ الْحَدِّ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ لَا نُنْقِصُ الْحَدَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَيَكُونُ مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالسَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ. وَمِثَالُ مَا هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَيُحْمَلُ عَلَى سَبَبِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَالْمَغْفِرَةُ مُضَافَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ مَقْدُورَةً لِلْعَبْدِ فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى سَبَبِ الْمَغْفِرَةِ فَيَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ سَارِعُوا إلَى سَبَبِ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ أَوْ عَبَّرَ بِالْمَغْفِرَةِ عَنْ سَبَبِهَا مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ عَكْسُ الْأَوَّلِ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَالطَّلَاقُ الَّذِي هُوَ التَّحْرِيمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الزَّوْجِ أَنْتِ طَالِقٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالسَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وَالْمَوْتُ لَا يُنْهَى عَنْهُ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى سَبَبٍ يَقْتَضِي حُصُولَ الْمَوْتِ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ وَالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ فَيَأْتِي الْمَوْتُ حِينَئِذٍ فِي حَالَةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَمَّا تَعَذَّرَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الظَّنِّ نَفْسِهِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى آثَارِهِ مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ وَآثَارُهُ التَّحَدُّثُ عَنْ الْإِنْسَانِ بِمَا ظُنَّ فِيهِ أَوْ أَذِيَّتُهُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ بَلْ يَكُفُّ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يُوجَدَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ يُبِيحُ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ) أَمَّا إجْزَاءُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَوْ صَلَّى الْإِنْسَانُ أَلْفَ رَكْعَةٍ مَا أَجْزَأَتْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَدَفَعَ أَلْفَ دِينَارٍ صَدَقَةً لَا تُجْزِئُ عَنْ دِينَارِ الزَّكَاةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَوَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ) قُلْت: الطَّرِيقَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا مُحْتَمَلَانِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ عِنْدِي أَظْهَرُ وَأَقْوَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ السُّؤَالِ الثَّانِي إلَى آخِرِهِ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ. قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْآيَاتِ وَقَعَ الْخِطَابُ لِلْجَمِيعِ أَوْ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمِيعِ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَالتَّكْلِيفُ لَمْ يَشْمَلْ الْجَمِيعَ وَلَا عُلِّقَ بِمُعَيَّنٍ أَمَّا فِي الْآيَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَمُطْلَقًا وَأَمَّا فِي آيَةِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَشْمَلْ الْجَمِيعَ التَّكْلِيفُ بِإِقَامَتِهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ إلَى بَعْضِهِمْ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَإِلَى الْبَاقِينَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْحِرَابَةِ ثُمَّ تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ بِالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ إلَى الْحَارِسِينَ أَوَّلًا وَبِالْحِرَابَةِ إلَى الْمُصَلِّينَ أَوَّلًا، وَهَذِهِ الْآيَةُ أَوْضَحُ الْآيَاتِ فِي أَنَّ التَّكْلِيفَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ لَا يَشْمَلُ الْجَمِيعَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَالَةَ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْجَمِيعِ إلَى قِسْمَيْنِ كُلُّ قِسْمٍ يَقُومُ بِوَاجِبٍ يَتَعَذَّرُ قِيَامُ الْقِسْمِ الْآخَرِ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِقِيَامِهِ فِيهَا بِالْوَاجِبِ الْآخَرِ فَلَمْ يَظْهَرْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخِطَابِ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَالْخِطَابِ بِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ انْتَهَى. (وَصْلٌ) وَأَمَّا مَا بَنَى عَلَيْهِ الْأَصْلُ مَذْهَبَهُ مِنْ قَوْلِ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ أَنَّ طَلَبَ الْكِفَايَةِ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْجَمِيعِ لَكِنْ إذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ فَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ إنَّهُ قَوْلٌ لَا دَلِيلَ أَلْبَتَّةَ عَلَيْهِ وَلَا ضَرُورَةَ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ تَدْعُو إلَيْهِ وَلَمْ يَحْمِلْ الْقَائِلِينَ بِهِ عَلَيْهِ إلَّا تَوَهُّمُهُمْ أَنَّ الْخِطَابَ بِمَعْنَى الْإِفْهَامِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْخِطَابُ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ أَوْ تَوَهُّمُهُمْ أَنَّ الْخِطَابَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَوَهَّمُوهُ اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُوَافَقَاتِهِ: وَمَا قَالَهُ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ كُلِّيِّ الطَّلَبِ وَأَمَّا مِنْ جِهَةٍ جُزْئِيِّهِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَيَنْقَسِمُ أَقْسَامًا وَرُبَّمَا تَشَعَّبَ تَشَعُّبًا طَوِيلًا وَلَكِنَّ الضَّابِطَ لِلْجُمْلَةِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَبَ وَارِدٌ عَلَى الْبَعْضِ وَلَا عَلَى الْبَعْضِ كَيْفَ كَانَ وَلَكِنْ عَلَى مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ لَا عَلَى الْجَمِيعِ عُمُومًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَوَرَدَ التَّخْصِيصُ عَلَى طَائِفَةٍ لَا عَلَى الْجَمِيعِ، وَقَوْلِهِ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الْآيَةَ إلَى آخِرِهَا، وَفِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ وَرَدَ الطَّلَبُ فِيهَا نَصًّا عَلَى الْبَعْضِ لَا عَلَى الْجَمِيعِ. وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى أَوْ الصُّغْرَى فَإِنَّهَا إنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ فِيهِ أَوْصَافُهَا الْمَرْعِيَّةُ لَا عَلَى كُلِّ النَّاسِ وَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ إنَّمَا يُطْلَبُ بِهَا شَرْعًا بِاتِّفَاقٍ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْقِيَامِ بِهَا

стр. 247

فِي سَبْعِ مَسَائِلَ: الْأُولَى: إذَا تَوَضَّأَ مُجَدِّدًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. الثَّانِيَةُ: إذَا اغْتَسَلَ لِجُمُعَتِهِ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَقِيلَ تُجْزِئُ. الثَّالِثَةُ: إذَا نَسِيَ لُمْعَةً مِنْ الْغَسْلَةِ الْأُولَى فِي وُضُوئِهِ وَكَانَ غَسْلُهَا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ هَلْ تُجْزِئُهُ إذَا غَسَلَ الثَّانِيَةَ بِنِيَّةِ السُّنَّةِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ كَالتَّجْدِيدِ. الرَّابِعَةُ: إذَا سَلَّمَ مِنْ اثْنَيْنِ سَاهِيًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ هَلْ تُجْزِئَاهُ عَنْ رَكْعَتَيْ الْفَرْضِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. الْخَامِسَةُ: إذَا ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ فَرْضِهِ فَصَلَّى بَقِيَّةَ فَرْضِهِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ السَّادِسَةُ: إذَا سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَامَ إلَى خَامِسَةٍ سَاهِيًا هَلْ تُجْزِئُهُ عَنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي نَسِيَ مِنْهَا السَّجْدَةَ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. السَّابِعَةُ: إذَا نَسِيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَرَاحَ إلَى بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي رَأَيْته وَقَعَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا قَاعِدَةُ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ فَلَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ وَالْمُسَافِرَ وَنَحْوَهُمْ لَمَّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ فَإِذَا حَضَرُوهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُمْ مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَهَذَا الَّذِي رَأَيْته وَقَعَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الْمَذْهَبِ) قُلْت إجْزَاءُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ خِلَافُ الْأَصْلِ كَمَا. قَالَ وَذَكَرَ مَا وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَسْأَلَةُ الْمُجَدِّدِ وَالْمُغْتَسِلِ لِلْجُمُعَةِ نَاسِيًا لِلْجَنَابَةِ وَنَاسِي اللُّمْعَةِ مِنْ الْغَسْلَةِ الْأُولَى وَهَذِهِ الثَّلَاثُ مَسَائِلَ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ لَا يَكُونَ الْقَائِلُ بِالْإِجْزَاءِ فِي هَذِهِ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ بَلْ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوقِعِينَ لِهَذِهِ الطِّهَارَاتِ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا إحْرَازَ كَمَالِهَا، وَالْكَمَالُ فِي رَأْيِهِ يَتَضَمَّنُ الْإِجْزَاءَ بِخِلَافِ رَأْيِ غَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْكَمَالَ لَا يَتَضَمَّنُ الْإِجْزَاءَ فَيَكُونُ الْخِلَافُ فِي الْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَائِلُ أَيْضًا بِالْإِجْزَاءِ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بَلْ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَعْيِينُ نِيَّةِ الْفَرْضِ وَلَا نِيَّةِ النَّفْلِ فَلَا يَكُونُ عَلَى هَذَا مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُسَلِّمِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَالظَّانُّ أَنَّهُ سَلَّمَ فَمِنْ ذَلِكَ أَعْنِي مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا السَّادِسَةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ السَّاهِي عَنْ سَجْدَةٍ مِنْ الْأُولَى الْقَائِمِ إلَى خَامِسَةٍ فَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ إنَّمَا قَامَ فِي الْخَامِسَةِ لِأَدَاءِ بَقِيَّةِ فَرْضِهِ فِيمَا يَعْتَقِدُ، وَأَمَّا السَّابِعَةُ وَهِيَ نَاسِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَمِنْ تِلْكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا قَوْلَيْنِ وَهِيَ مَحَلٌّ لِاحْتِمَالِ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَأَمَّا قَاعِدَةُ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ) فَلَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْغَنَاءِ أَيْ النَّفْعِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ حَيْثُ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ الْقِيَامُ بِهِ عَلَى مَنْ فِيهِ نَجْدَةٌ وَشَجَاعَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْخُطَطِ الشَّرْعِيَّةِ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَبَ بِهَا مَنْ لَا يُبْدِي فِيهَا وَلَا يُعِيدُ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَلَّفِ وَمِنْ بَابِ الْعَبَثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَصْلَحَةِ الْمُجْتَلَبَةِ أَوْ الْمَفْسَدَةِ الْمُسْتَدْفَعَةِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ شَرْعًا وَالثَّالِثُ مَا وَقَعَ مِنْ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ وَمَا وَقَعَ أَيْضًا فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ يَا أَبَا ذَرٍّ إنِّي أَرَاك ضَعِيفًا وَإِنِّي أُحِبُّ لَك مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَهَاهُ عَنْهُمَا فَلَوْ فُرِضَ إهْمَالُ النَّاسِ لَهُمَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ بِدُخُولِ أَبِي ذَرٍّ فِي حَرَجِ الْإِهْمَالِ وَلَا مَنْ كَانَ مِثْلَهُ وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تَسْأَلُ الْإِمَارَةَ» . وَهَذَا النَّهْيُ يَقْتَضِي أَنَّهَا غَيْرُ عَامَّةِ الْوُجُوبِ وَنَهَى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْضَ النَّاسِ عَنْ الْإِمَارَةِ فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: نَهَيْتنِي عَنْ الْإِمَارَةِ ثُمَّ وُلِّيت، فَقَالَ لَهُ: وَأَنَا الْآنَ أَنْهَاك عَنْهَا وَاعْتَذَرَ لَهُ عَنْ وِلَايَتِهِ هُوَ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا، وَرُوِيَ أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي أَنْ يَقُصَّ فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقَصَصِ الَّذِي طَلَبَهُ تَمِيمٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ مَطْلُوبَاتِ الْكِفَايَةِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَلَى هَذَا الْمَهِيعِ جَرَى الْعُلَمَاءُ فِي تَقْرِيرِ كَثِيرٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَقَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ أَفَرْضٌ هُوَ فَقَالَ أَمَّا عَلَى كُلِّ النَّاسِ فَلَا يَعْنِي بِهِ الزَّائِدُ عَلَى الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ. وَقَالَ أَيْضًا: أَمَّا مَنْ كَانَ فِيهِ مَوْضِعٌ لِلْإِمَامَةِ فَالِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَالْأَخْذُ فِي الْعِنَايَةِ بِالْعِلْمِ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ فِيهِ فَأَنْتَ تَرَاهُ قَسَّمَ فَجَعَلَ مَنْ فِيهِ قَبُولِيَّةً لِلْإِمَامَةِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا جَعَلَهُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى كُلِّ النَّاسِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ مِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ وَتَقْلِيدِ الْعُلُومِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَمَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ لَا يَعْرِفُ الْمُنْكَرَ كَيْفَ يَنْهَى عَنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَمْرُ فِي هَذَا الْمَعْنَى

стр. 248

بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ إمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْجُمُعَةُ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ مَفْهُومُ إحْدَاهُمَا كَالْوَاجِبِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ إحْدَى الْخِصَالِ، فَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِالْجُمُعَةِ فَقَدْ أَحْرَمَ بِإِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَعَيَّنَ ذَلِكَ الْمُشْتَرَكَ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ كَمَا يُعَيِّنُ الْمُكَفِّرُ إحْدَى الْخِصَالِ بِالْعِتْقِ فَهُوَ مُعَيِّنٌ لِلْوَاجِبِ لَا فَاعِلٌ لِغَيْرِ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَأَجْزَأَهُ عَنْ الْوَاجِبِ بَلْ غَيْرِ الْوَاجِبِ هَا هُنَا هُوَ خُصُوصُ الْجُمُعَةِ لَا مُطْلَقُ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَالْجُمُعَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَمْرَيْنِ خُصُوصٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهَا جُمُعَةً وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ كَوْنُهَا إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَأَجْزَأَتْ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهَا الْوَاجِبِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهَا الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا أَنَّ الْمُكَفِّرَ عَنْ الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ فِي عِتْقِهِ أَمْرَانِ: خُصُوصٌ وَهُوَ كَوْنُهُ عِتْقًا، وَعُمُومٌ وَهُوَ كَوْنُهُ إحْدَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فَيُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهِ الْوَاجِبِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهَذَا لَيْسَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِخِلَافِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى فِي الِامْتِنَاعِ وَيَتَمَهَّدُ الْفَرْقُ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ أُخَرَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالُوا: الْعَبْدُ لَا يَؤُمُّ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْمُفْتَرِضَ لَا يَأْتَمُّ بِالْمُتَنَفِّلِ، فَقِيلَ: إذَا حَضَرَهَا صَارَ مِنْ أَهْلِهَا وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ فَصَارَ مُفْتَرِضًا فَمَا ائْتَمَّ الْحُرُّ إلَّا بِمُفْتَرِضٍ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا تَجِبُ بِالشُّرُوعِ فَيَكُونُ الشُّرُوعُ غَيْرَ وَاجِبٍ فَيَقَعُ الِائْتِمَامُ بِهِ فِيهِ وَهُوَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَيَتَمَهَّدُ الْفَرْقُ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ. قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا قَوْلَهُ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ مَفْهُومُ إحْدَاهُمَا فَإِنَّهُ لَيْسَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ مَفْهُومُ إحْدَاهُمَا بَلْ مَفْهُومُ إحْدَاهُمَا وَاحِدَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَالُوا الْعَبْدُ لَا يَؤُمُّ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْمُفْتَرِضَ لَا يَأْتَمُّ بِالْمُتَنَفِّلِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِيهَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ جَعَلَهَا مِنْ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَمُوقِعُ نَوْعَيْ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَوْ أَنْوَاعِهِ لَا يُوقِعُ إلَّا وَاجِبًا فَالْعَبْدُ إذَا اخْتَارَ إيقَاعَ الْجُمُعَةِ لَا تَقَعُ إلَّا وَاجِبَةً فَالْحُرُّ إذَا اقْتَدَى بِهِ لَمْ يَكُنْ مُفْتَرِضًا ائْتَمَّ بِمُتَنَفِّلٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْخُصُوصَاتِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ مُسَلَّمٌ لَكِنْ مِنْ حَيْثُ هِيَ خُصُوصَاتٌ مُعَيَّنَاتٌ لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْعُمُومِ فَإِنَّ الْعُمُومَ عَلَى مَا الْتَزَمَهُ هُوَ وَاجِبٌ وَهَلْ يُمْكِنُ إيقَاعُ الْعَامِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَامٌّ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصِ الشَّخْصِيِّ خَاصَّةً لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ فَالْعَامُّ عَلَى هَذَا لَا يَقَعُ إلَّا فِي الْخَاصِّ وَهَذَا كُلُّهُ مُجَارَاةٌ لَهُ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَامٌّ وَذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا هُوَ أَعْنِي الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْعَامُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُشْتَرَكُ وَعَلَى هَذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ الْوُجُوبُ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ إلَّا بِخُصُوصٍ لَكِنَّهُ خُصُوصٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ وَتَعَيُّنُهُ مَوْكُولٌ إلَى خِيرَةِ الْمَأْمُورِ هَذَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَاضِحٌ وَبَاقِي الْبَحْثِ فِي الْمَسْأَلَةِ مَوْكُولٌ إلَى عِلْمِ الْأُصُولِ، وَبَيَانُ بَعْضِ تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِيَظْهَرَ وَجْهُهَا وَنَتَبَيَّنَ صِحَّتَهَا بِحَوْلِ اللَّهِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ غَيْرَ عَالِمِينَ بِوُجُوهِ مَصَالِحِهِمْ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] ثُمَّ وَضَعَ فِيهِمْ الْعِلْمَ بِذَلِكَ عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّرْبِيَةِ تَارَةً بِالْإِلْهَامِ كَمَا يُلْهِمُ الطِّفْلَ الْتِقَامَ الثَّدْيِ وَمَصَّهُ وَتَارَةً بِالتَّعْلِيمِ فَطَلَبَ النَّاسَ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ لِجَمِيعِ مَا يُسْتَجْلَبُ بِهِ الْمَصَالِحُ أَوْ كَافَّةِ مَا تُدْرَأُ بِهِ الْمَفَاسِدُ إنْهَاضًا لِمَا جُبِلَ فِيهِمْ مِنْ تِلْكَ الْغَرَائِزِ الْفِطْرِيَّةِ وَالْمَطَالِبِ الْإِلْهَامِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْأَصْلِ لِلْقِيَامِ بِتَفَاصِيلِ الْمَصَالِحِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْأَفْعَالِ أَوْ الْأَقْوَالِ أَوْ الْعُلُومِ وَالِاعْتِقَادَاتِ أَوْ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ الْعَادِيَّةِ. وَفِي أَثْنَاءِ الْعِنَايَةِ بِذَلِكَ يَقْوَى فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلْقِ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ وَمَا أُلْهِمَ إلَيْهِ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ وَالْأَعْمَالِ فَيَظْهَرُ فِيهِ وَعَلَيْهِ وَيَبْرُزُ فِيهِ أَقْرَانَهُ مِمَّنْ لَمْ يُهَيَّأْ تِلْكَ التَّهْيِئَةَ فَلَا يَأْتِي زَمَانُ التَّعَقُّلِ إلَّا وَقَدْ نَجَمَ عَلَى ظَاهِرِهِ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِيَّتِهِ فَتَرَى وَاحِدًا قَدْ تَهَيَّأَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَآخَرَ لِطَلَبِ الرِّيَاسَةِ وَآخَرَ لِلتَّصَنُّعِ بِبَعْضِ الْمِهَنِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا وَآخَرَ لِلصِّرَاعِ وَالنِّطَاحِ إلَى سَائِرِ الْأُمُورِ، هَذَا وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْ غُرِزَ فِيهِ التَّصَرُّفُ الْكُلِّيُّ فَلَا بُدَّ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ مِنْ غَلَبَةِ الْبَعْضِ عَلَيْهِ فَيَرِدُ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ مُعَلِّمًا وَمُؤَدِّبًا فِي حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْهَضُ الطَّلَبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي نَفْسِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَطْلُوبَاتِ بِمَا هُوَ نَاهِضٌ فِيهِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى النَّاظِرِينَ فِيهِمْ الِالْتِفَاتُ إلَى تِلْكَ الْجِهَاتِ فَيُرَاعُونَهُمْ بِحَسَبِهَا وَيُرَاعُونَهَا إلَى أَنْ تَخْرُجَ فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَيُعِينُونَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الدَّوَامِ فِيهَا حَتَّى يَبْرُزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا غَلَبَ عَلَيْهِ وَمَالَ إلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْخُطَطِ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِهَا فَيُعَامِلُونَهُمْ بِمَا يَلِيقُ بِهِمْ لِيَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا إذَا صَارَتْ لَهُمْ كَالْأَوْصَافِ الْفِطْرِيَّةِ وَالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ وَتَظْهَرُ نَتِيجَةُ تِلْكَ التَّرْبِيَةِ. فَإِذَا فُرِضَ مَثَلًا وَاحِدٌ مِنْ الصِّبْيَانِ ظَهَرَ عَلَيْهِ حُسْنُ إدْرَاكٍ وَجَوْدَةُ فَهْمٍ وَوُفُورُ حِفْظٍ لِمَا يَسْمَعُ وَإِنْ كَانَ مُشَارِكًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ مِيلَ بِهِ نَحْوَ ذَلِكَ الْقَصْدِ وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ مُرَاعَاةً لِمَا يُرْجَى فِيهِ مِنْ الْقِيَامِ بِمَصْلَحَةِ التَّعْلِيمِ فَطُلِبَ بِالتَّعَلُّمِ وَأُدِّبَ بِالْآدَابِ الْمُشْتَرَكَةِ بِجَمِيعِ الْعُلُومِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُمَالَ مِنْهَا

стр. 249

غَيْرُ وَاجِبٍ قِيلَ فَإِنْ كَانَ الشُّرُوعُ غَيْرَ وَاجِبٍ فَقَدْ أَجْزَأَهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ فَخُصُوصُ الْجُمُعَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَغَيْرُ الْوَاجِبِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ فَكَيْفَ أَجْزَأْته تَكْبِيرَةُ إحْرَامِهِ فَقِيلَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ أَيْضًا فِيهَا خُصُوصٌ وَهُوَ كَوْنُهَا بِالْجُمُعَةِ وَعُمُومٌ وَهُوَ كَوْنُهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ أَمَّا بِالْجُمُعَةِ وَأَمَّا بِالظُّهْرِ فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ فَقَدْ عَيَّنَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامٍ خَاصٍّ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ إذَا أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ الرُّبَاعِيَّةِ أَيْضًا خُصُوصُ إحْرَامِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ يُعَيِّنُ الْوَاجِبَ وَإِذَا عَقِلْتَ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَاعْقِلْهُ فِي بَقِيَّةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَفِي الرُّكُوعِ خُصُوصٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ مُطْلَقُ الرُّكُوعِ، وَفِي السُّجُودِ خُصُوصٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي جُمُعَةٍ أَوْ فِي ظُهْرٍ وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ مُطْلَقٌ السُّجُودِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَرْكَانِ فَيَكُونُ الْحُرُّ إذَا اقْتَدَى بِهِ فِي الْخُصُوصِيَّاتِ وَهِيَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ وَعَلَى الْعَبْدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ تَكُونُ مِنْ بَابِ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْبَحْثِ أَنْ لَا يَقْتَدِيَ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ فِي ظُهْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إذَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا أَيْضًا فَإِنَّهُ غَيْرُ مُفْتَرِضٍ بِالْخُصُوصِيَّاتِ بِخِلَافِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ظُهْرِ غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ مُفْتَرِضٌ بِالْخُصُوصِيَّاتِ وَالْعُمُومِ فَاسْتَوَى الْحُرُّ مَعَهُ فِي ذَلِكَ فَصَحَّ الِاقْتِدَاءُ مَعَ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْ أَنِّي رَأَيْت هَذَا الْفَرْعَ مَنْقُولًا غَيْرَ أَنَّهُ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَيَلْحَقُ بِالْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ الْمُسَافِرُ وَالْمَرْأَةُ وَنَحْوُهُمَا حَرْفًا بِحَرْفٍ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْدِيدِ الْمَسَائِلِ بِذِكْرِهِمْ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ فَإِذَا اخْتَارَ صَوْمَ رَمَضَانَ فَهُوَ فَاعِلٌ لِخُصُوصٍ غَيْرِ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ رَمَضَانَ وَعُمُومٌ وَاجِبٌ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ فَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَمَضَانَ وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ شَهْرَ الْقَضَاءِ فَخُصُوصُهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ خُصُوصُ الْقَضَاءِ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ كَمَا يَتَعَيَّنُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] هُوَ الصَّحِيحُ لَا مَا سِوَاهُ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُسَافِرُ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ قُلْت: ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (فَإِذَا اخْتَارَ صَوْمَ رَمَضَانَ فَهُوَ فَاعِلٌ لِخُصُوصٍ غَيْرِ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ رَمَضَانَ وَعُمُومٍ وَاجِبٍ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ فَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَمَضَانَ) قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ إذَا اخْتَارَ صِيَامَ رَمَضَانَ فَهُوَ فَاعِلٌ لِخُصُوصٍ وَاجِبٍ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَهُوَ قَدْ عَيَّنَهُ لِإِيقَاعِ الْوَاجِبِ كَمَا فُوِّضَ إلَيْهِ تَعْيِينُهُ وَقَوْلُهُ فَأَجْزَأَ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رَمَضَانَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَهَلْ رَمَضَانُ إلَّا أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ وَهَلْ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ إلَّا رَمَضَانُ. قَالَ (وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ شَهْرَ الْقَضَاءِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إلَى بَعْضٍ فَيُؤْخَذَ بِهِ وَيُعَانَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ رَبَّانِيُّو الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ فَمَالَ بِهِ طَبْعُهُ إلَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ وَأَحَبَّهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ تُرِكَ وَمَا أَحَبَّ وَخُصَّ بِأَهْلِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ إنْهَاضُهُ فِيهِ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ إهْمَالٍ لَهُ وَلَا تَرْكٍ لِمُرَاعَاتِهِ، ثُمَّ إنْ وَقَفَ هُنَالِكَ فَحَسَنٌ وَإِنْ طَلَبَ الْأَخْذَ فِي غَيْرِهِ أَوْ طَلَبَ بِهِ فَعَلَ مَعَهُ فِيهِ مَا فَعَلَ فِيمَا قَبْلَهُ هَكَذَا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ كَمَا لَوْ بَدَأَ بِعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ الْأَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ فَإِنَّهُ يُصَرَّفُ إلَى مُعَلِّمِيهَا فَصَارَ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ وَصَارُوا هُمْ رُعَاةً لَهُ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ حِفْظُهُ فِيمَا طَلَبَ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ وَبِهِمْ، فَإِذَا انْتَهَضَ عَزْمُهُ بَعْدُ إلَى أَنَّ صَارَ يَحْذِقُ الْقُرْآنَ صَارَ مِنْ رَعِيَّةِ مُفَسِّرِيهِ وَصَارُوا هُمْ رُعَاةً لَهُ كَذَلِكَ. وَمِثْلُهُ إنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ أَوْ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ إلَى سَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرِيعَةِ مِنْ الْعُلُومِ وَهَكَذَا التَّرْتِيبُ فِيمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَصْفُ الْإِقْدَامِ وَالشَّجَاعَةِ وَتَدْبِيرِ الْأُمُورِ فَيُمَالُ بِهِ نَحْوَ ذَلِكَ وَيُعَلَّمُ آدَابَهُ الْمُشْتَرَكَةَ ثُمَّ يُصَارُ بِهِ إلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ صَنَائِعِ التَّدْبِيرِ كَالْعِرَافَةِ أَوْ النِّقَابَةِ أَوْ الْجُنْدِيَّةِ أَوْ الْهِدَايَةِ أَوْ الْإِمَامَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ وَمَا ظَهَرَ لَهُ فِيهِ نَجَابَةٌ وَنُهُوضٌ وَبِذَلِكَ يَتَرَبَّى لِكُلِّ فِعْلٍ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةِ قَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ سَيْرٌ أَوَّلًا فِي طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ فَحَيْثُ وَقَفَ السَّائِرُ وَعَجَزَ عَنْ السَّيْرِ فَقَدْ وَقَفَ فِي مَرْتَبَةٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ بِهِ قُوَّةٌ زَادَ فِي السَّيْرِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى أَقْصَى الْغَايَاتِ فِي الْمَفْرُوضَاتِ الْكِفَائِيَّةِ وَهِيَ الَّتِي يَنْدُرُ مَنْ يَصِلُ إلَيْهَا كَالِاجْتِهَادِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْإِمَارَةِ فَبِذَلِكَ تَسْتَقِيمُ أَحْوَالُ الدُّنْيَا وَأَعْمَالُ الْآخِرَةِ فَلَيْسَ التَّرَقِّي فِي طَلَبِ الْكِفَايَةِ عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ وَلَا هُوَ عَلَى الْكَافَّةِ بِإِطْلَاقٍ وَلَا عَلَى الْبَعْضِ بِإِطْلَاقٍ وَلَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْ حَيْثُ الْمَقَاصِدِ دُونَ الْوَسَائِلِ وَلَا بِالْعَكْسِ بَلْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ نَظَرٌ وَاحِدٌ حَتَّى يُفَصَّلَ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ وَيُوَزَّعُ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِمِثْلِ هَذَا التَّوْزِيعِ وَإِلَّا لَمْ يَنْضَبِطْ الْقَوْلُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ التَّجَوُّزِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ بِذَلِكَ الْفَرْضِ قِيَامٌ بِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ فَهُمْ مَطْلُوبُونَ بِسَدِّهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَبَعْضُهُمْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا مُبَاشَرَةً وَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهَا أَهْلًا وَالْبَاقُونَ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَادِرُونَ عَلَى إقَامَةِ الْقَادِرِينَ فَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوِلَايَةِ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِإِقَامَتِهَا وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا مَطْلُوبٌ بِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ إقَامَةُ ذَلِكَ الْقَادِرِ وَإِجْبَارُهُ عَلَى الْقِيَامِ

стр. 250

آخِرَ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِتَعَذُّرِ مَا قَبْلَهُ وَتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَ قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُفَرِّطِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي حَقَّةِ الْأَدَاءُ وَبَيْنَ الْقَضَاءِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُفَرِّطِ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَعَلَى الْمُسَافِرِ بِسَبَبَيْنِ أَحَدُهُمَا رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَإِنَّهَا أَوْجَبَتْ الْعُمُومَ الَّذِي فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ، وَثَانِيهِمَا خُرُوجُ شَهْرِ الْأَدَاءِ وَلَمْ يَصُمْ فِيهِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ خُصُوصَ الْقَضَاءِ فَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمَرِيضُ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَا يَخْشَى مَعَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَهَذَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْخِطَابَ بِخُصُوصِ رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَيَبْقَى مُخَاطَبًا بِأَحَدِ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ وَيَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ فِي حَقِّهِ بِالسَّبَبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَإِنْ كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ مَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِهِ فَهَذَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ الصَّوْمَ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْأَدَاءُ لِلتَّحْرِيمِ وَالْقَضَاءِ لِلْوُجُوبِ إنْ بَقِيَ مُسْتَجْمِعَ الشَّرَائِطِ سَالِمَ الْمَوَانِعِ فِي زَمَانِ الْقَضَاءِ، فَإِنْ أَقْدَمَ وَصَامَ وَفَعَلَ الْمُحَرَّمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ بَعْدَ عُمُومِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: يَحْتَمِلُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ وَيَحْتَمِلُ الْإِجْزَاءَ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّهُ مُتَقَرِّبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ شَهْوَتَيْ فَمِهِ وَفَرْجِهِ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مُتَقَرِّبٌ إلَى اللَّهِ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ وَجَانٍ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ وَهُوَ تَخْرِيجٌ حَسَنٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ) قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ. قَالَ (مُفَرِّقٌ بَيْنَ قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُفَرِّطِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ الْأَدَاءُ وَبَيْنَ الْقَضَاءِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ آخِرَ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت: أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُفَرِّطِ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَصَحِيحٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَعَلَى الْمُسَافِرِ بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَإِنَّهَا أَوْجَبَتْ الْعُمُومَ الَّذِي فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ فَلَمْ تُوجِبْ الرُّؤْيَةُ الْعُمُومَ فَإِنَّ الْعُمُومَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عُمُومٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ وَلَيْسَ الْعُمُومُ هُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ الشَّهْرَيْنِ بَلْ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ خُصُوصٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمَرِيضُ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَا يَخْشَى مَعَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَهَذَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْخِطَابُ بِخُصُوصِ رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَيَبْقَى مُخَاطَبًا بِأَحَدِ الشَّهْرَيْنِ إلَى قَوْلِهِ إنْ بَقِيَ مُسْتَجْمِعَ الشَّرَائِطِ سَالِمَ الْمَوَانِعِ فِي زَمَنِ الْقَضَاءِ قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَدَاءِ صَحِيحٌ. قَالَ (فَإِنْ أَقْدَمَ وَصَامَ وَفَعَلَ الْمُحَرَّمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ تَخْرِيجٌ حَسَنٌ) قُلْت: مَا قَالَهُ ظَاهِرٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِهَا فَالْقَادِرُ إذًا مَطْلُوبٌ بِإِقَامَةِ الْفَرْضِ وَغَيْرُ الْقَادِرِ مَطْلُوبٌ بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ الْقَادِرِ إذْ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى قِيَامِ الْقَادِرِ إلَّا بِالْإِقَامَةِ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَبِهَذَا الْوَجْهِ يَرْتَفِعُ مَنَاطُ الْخِلَافِ فَلَا يَبْقَى لِلْمُخَالَفَةِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ اهـ كَلَامُ أَبِي إِسْحَاقَ بِتَغْيِيرٍ مَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَيُّنِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى خُصُوصٌ مُعَيَّنٌ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ لَا مَوْكُولٌ تَعَيُّنُهُ إلَى خِيرَةِ الْمَأْمُورِ وَالْوَاجِبُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ خُصُوصٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ وَإِنَّمَا تَعَيُّنُهُ مَوْكُولٌ إلَى خِيرَةِ الْمَأْمُورِ، وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى لَمَّا تَعَيَّنَ فِيهَا الْوَاجِبُ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ إجْزَاءِ غَيْرِهِ عَنْهُ وَإِنَّمَا جَرَى إجْزَاءُ غَيْرِ الْوَاجِبِ عَنْهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً فِي الْمَذْهَبِ أَشَارَ لَهَا الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّوَاوِيُّ كَمَا فِي كَبِيرِ مَيَّارَةَ عَلَى نَظْمِ ابْنِ عَاشِرٍ بِقَوْلِهِ: مَسَائِلُ يَجْرِي نَقْلُهَا عَنْ فَرِيضَةٍ ... شُذُوذًا فَلَا تَتْبَعْ سِوَى قَوْلِ شُهْرَةِ مُجَدِّدٌ طَهُرَ سَاهِيًا وَهُوَ مُحْدِثٌ ... وَلُمْعَةُ عُضْوٍ طَهُرَتْ بِفَضِيلَةِ وَآتٍ بِغُسْلٍ سَاهِيًا عَنْ جَنَابَةٍ ... نَوَى جُمُعَةً وَاحْكُمْ لِتَارِكِ سَجْدَةِ مِنْ الْفَرْضِ يَأْتِي بِالسُّجُودِ لِسَهْوِهِ ... وَمُبْطِلُهَا يَأْتِي بِخَامِسِ رَكْعَةِ وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ ظَنَّ فِيهَا سَلَامَهُ ... وَآتٍ بِنَفْلٍ قَبْلَ خَتْمِ فَرِيضَةِ وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ أَوْ يَظُنُّ سَلَامَهُ ... لِثَالِثَةٍ قَدْ قَامَ فَافْهَمْ بِصُورَةِ وَيُجْزِئُ فِي الْمَشْهُورِ مَنْ طَافَ عِنْدَهُمْ ... طَوَافَ وَدَاعٍ ذَاهِلًا عَنْ إفَاضَةِ وَذُو مُتْعَةٍ قَدْ سَاقَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ ... فَيُجْزِئُ قَدْ قَالُوا لِوَاجِبِ مُتْعَةِ وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا رَمَى ... جِمَارًا لِسَهْوٍ لَا يُعِيدُ لِجَمْرَةِ وَبَيَانُهَا أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مُحْتَوٍ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ مِنْ الطَّهَارَةِ وَقَعَتْ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلَيْنِ بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ مَشْهُورُهُمَا الثَّانِي وَذَكَرَهَا الْأَصْلُ بِقَوْلِهِ: الْأُولَى: إذَا تَوَضَّأَ مُجَدِّدًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. الثَّانِيَةُ: إذَا اغْتَسَلَ لِجُمُعَةٍ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ الْمَذْهَبُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَقِيلَ تُجْزِئُ الثَّالِثَةُ: إذَا نَسِيَ لُمْعَةً مِنْ الْغَسْلَةِ الْأُولَى فِي وُضُوئِهِ وَكَانَ غَسْلُهَا بِنِيَّةِ السُّنَّةِ

стр. 251

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الصَّبِيُّ إذَا صَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ بَلَغَ فِي الْقَامَةِ قَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مَا قَارَنَهُ مِنْ إجْزَاءِ الْقَامَةِ فِي زَمَنِ بُلُوغِهِ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهُوَ مَا أَوْقَعَهُ أَوَّلًا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ الَّذِي تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ثَانِيًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الزَّوَالَ مَثَلًا إنَّمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا لِوُجُوبِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ فَعَلَهَا فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ صَلَاةً أُخْرَى لَكَانَ الزَّوَالُ سَبَبًا لِوُجُوبِ صَلَاتَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَامَةَ كُلَّهَا أَسْبَابٌ فَجَمِيعُ أَجْزَائِهَا ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ وَسَبَبٌ لِلْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي هَذَا الْفَرْقِ فَالْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقَامَةِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ سَبَبٌ لِلْفِعْلِ وَالْجُزْءُ الَّذِي قَارَنَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى وَنَحْنُ نَمْنَعُ أَنَّ الزَّوَالَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِصَلَاتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ فِي كُلِّ صُورَةٍ فَيَكُونَ ذَلِكَ مُصَادَرَةً عَلَى صُورَةِ النِّزَاعِ وَإِنْ ادَّعَاهُ فِيمَا عَدَا صُورَةَ النِّزَاعِ فَلَا يُمْكِنُهُ إلْحَاقُ صُورَةِ النِّزَاعِ بِصُورَةِ الْإِجْمَاعِ إلَّا بِالْقِيَاسِ فَإِذَا قَاسَ فَرَّقْنَا بِأَنَّ صُورَةَ النِّزَاعِ وُجِدَ فِيهَا حَالَتَانِ تَقْتَضِيَانِ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَهُمَا الصِّبَا وَالْبُلُوغُ بِخِلَافِ صُورَةِ الْإِجْمَاعِ لَيْسَ فِيهَا إلَّا حَالَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ وَاحِدَةً لِاتِّحَادِ الشَّرْطِ أَمَّا مَعَ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ وَاخْتِلَافِهِ جَازَ اخْتِلَافُ الْمَشْرُوطِ وَالصِّبَا شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ النَّدْبِ وَالْبُلُوغُ شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ الْوُجُوبِ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَآلِ) فَالْأَوَّلُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ وَالثَّانِي قَدْ يُجْزِئُ عَنْهُ وَيَتَّضِحُ الْفَرْقُ بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الزَّكَاةُ إذَا عُجِّلَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ إمَّا بِالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ عِنْدَنَا وَإِمَّا فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَهَذَا الْمُعَجَّلُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَإِنَّ دَوَرَانَ الْحَوْلِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالْمَشْرُوطُ لَا يُوجَدُ قَبْلَ شَرْطِهِ، فَإِذَا دَارَ الْحَوْلُ وَتَوَجَّهَ الْخِطَابُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ أَجْزَأَ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمُخْرَجِ وَبَيْنَ مَا إذَا نَوَى بِإِخْرَاجِهِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ فَلَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ وَأَمَّا الْمُعَجِّلُ لِلزَّكَاةِ فَهُوَ قَاصِدٌ بِالْمُخْرَجِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الصَّبِيُّ إذَا صَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ بَلَغَ فِي الْقَامَةِ، قَالَ مَالِكٌ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّةً أُخْرَى إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ قُلْت: مَا قَالَهُ فِيهَا صَحِيحٌ. قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَآلِ إلَى آخِرِهِ) قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ احْتِمَالِ الْخِلَافِ ظَاهِرٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ لَا بَأْسَ بِهِ وَالْأَصَحُّ نَظَرُ امْتِنَاعِ التَّقْدِيمِ فِي الزَّكَاةِ وَلُزُومُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَنَفِيَّةِ فَيُصَادِمُهُمْ الْإِجْمَاعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ كَالتَّجْدِيدِ اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ لَا يَكُونَ الْقَائِلُ بِالْإِجْزَاءِ فِي هَذِهِ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَيْ إجْزَاءُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ بَلْ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوقِعِينَ لِهَذِهِ الطِّهَارَاتِ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا إحْرَازَ كَمَالِهَا وَالْكَمَالُ فِي رَأْيِهِ يَتَضَمَّنُ الْأَجْزَاءَ بِخِلَافِ رَأْيِ غَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْكَمَالَ لَا يَتَضَمَّنُ الْإِجْزَاءَ فَيَكُونُ الْخِلَافُ فِي الْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَلَا تَكُونُ هَذِهِ الثَّلَاثُ الْمَسَائِلِ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْقَائِلُ أَيْضًا بِالْإِجْزَاءِ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بَلْ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَعْيِينُ نِيَّةِ الْفَرْضِ وَلَا نِيَّةِ النَّفْلِ فَلَا يَكُونُ عَلَى هَذَا مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ. اهـ. (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مُحْتَوٍ عَلَى خَمْسِ مَسَائِلَ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَعَتْ فِي الْمَذْهَبِ أَيْضًا عَلَى قَوْلَيْنِ بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ مَشْهُورُهُمَا الثَّانِي ذَكَرَ الْأَصْلُ مِنْهَا ثَلَاثَةً: الْأُولَى: إذَا سَلَّمَ مِنْ اثْنَيْنِ سَاهِيًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ هَلْ تُجْزِئَاهُ عَنْ رَكْعَتَيْ الْفَرْضِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. الثَّانِيَةُ: إذَا ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ فَرْضِهِ فَصَلَّى بَقِيَّةَ فَرْضِهِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. الثَّالِثَةُ: إذَا سَهَا عَنْ سَجْدَةٍ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَامَ إلَى خَامِسَةٍ سَاهِيًا هَلْ تُجْزِئُهُ عَنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي نَسِيَ مِنْهَا السَّجْدَةَ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَسْأَلَةُ الْمُسَلِّمِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَالظَّانِّ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ السَّاهِي عَنْ سَجْدَةٍ مِنْ الْأُولَى الْقَائِمِ إلَى خَامِسَةٍ فَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ إنَّمَا قَامَ فِي الْخَامِسَةِ لِأَدَاءِ بَقِيَّةِ فَرْضِهِ فِيمَا يَعْتَقِدُ الرَّابِعَةُ أَشَارَ لَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ الزَّوَاوِيُّ بِقَوْلِهِ: وَاحْكُمْ لِتَارِكِ سَجْدَةٍ ... مِنْ الْفَرْضِ يَأْتِي بِالسُّجُودِ لِسَهْوِهِ يَعْنِي وَاحْكُمْ بِالْإِجْزَاءِ عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ لِتَارِكِ سَجْدَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِي حَالِ إتْيَانِهِ بِسَجْدَةِ سَهْوِهِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ. الْخَامِسَةُ: أَشَارَ لَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ الزَّوَاوِيُّ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ أَوْ يَظُنَّ سَلَامَهُ ... لِثَالِثَةٍ قَدْ قَامَ فَافْهَمْ بِصُورَةِ يَعْنِي وَمَنْ قَامَ مِنْ ثَانِيَةِ فَرْضٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلِّمَ أَوْ يَظُنَّ السَّلَامَ لِثَالِثَةٍ بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَيْضًا أَمَّا إنْ سَلَّمَ أَوْ ظَنَّ السَّلَامَ فَهُمَا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى

стр. 252

الْوَاجِبَ عَلَى تَقْدِيرِ دَوَرَانِ الْحَوْلِ وَلَمْ يَقْصِدْ التَّطَوُّعَ وَإِذَا قَصَدَ بِهِ الْوَاجِبَ فِي الْمَآلِ فَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوسِعِ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَفِعْلُ الْمُعَجَّلِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفْلٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الْفَرْضِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ فَقَالَ الْأَصْحَابُ لَهُمْ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَصَحَّ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيُجْزِئُ عَنْهُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَيَكُونُ نَفْلًا سَدَّ مَسَدَّ الْفَرْضِ وَأَجْزَأَ عَنْهُ بَعْدَ طَرَيَانِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَكَذَلِكَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ لِانْحِصَارِ الْوُجُوبِ عِنْدَكُمْ فِي آخِرِ الْقَامَةِ فَمَا وَقَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ سَوَاءٌ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ، فَإِذَا أَجْزَأَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْوَاجِبِ وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ الْآخَرُ عَنْ الْوَاجِبِ، فَإِذَا قُلْتُمْ قَدْ قَصَدَ بِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ عِنْدَ آخِرِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّطَوُّعَ قُلْنَا: وَكَذَلِكَ يَقْصِدُ بِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَيُجْزِئُ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. وَهَذَا السُّؤَالُ قَوِيٌّ جِدًّا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ غَيْرَ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ الزَّوَالِ إذَا قَصَدَ بِهَا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ عِنْدَ آخِرِ الْقَامَةِ إنَّمَا وِزَانُهُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ وَيَنْوِي بِهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ عِنْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَدَوَرَانِ الْحَوْلِ وَهَذَا لَا يُجْزِئُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ إيقَاعُ الْفِعْلِ قَبْلَ سَبَبِهِ وَوِزَانُ مَسْأَلَتِنَا الْإِخْرَاجُ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ؛ فَإِنَّ النِّصَابَ سَبَبٌ وَالزَّوَالُ أَيْضًا سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ آخِرَ الْقَامَةِ كَمَا أَنَّ النِّصَابَ سَبَبُ الْوُجُوبِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَالصَّلَاةُ قَبْلَ الزَّوَالِ إنَّمَا وِزَانُهَا الْإِخْرَاجُ قَبْلَ النِّصَابِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَنْوِي بِهَا الْوَاجِبَ فِي الْمَآلِ فِي أَنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَى الْأَسْبَابِ مُطْلَقًا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي أَنَّهُ بَعْدَ السَّبَبِ فَلَا يَلْزَمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ مَا أَوْقَعَهُ الْمُصَلِّي نَفْلًا مُطْلَقًا لَا يَجِبُ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ بَلْ مَا يَجِبُ فِي الْمَآلِ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ أَيْضًا بَيْنَ صَلَاتِهِ هَذِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) زَكَاةُ الْفِطْرِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِيَوْمٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ عِنْدَنَا وَتُجْزِئُ عَنْ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ إذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ سَبَبِهَا وَلَوْ أَخْرَجَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ أَخْرَجَهَا بِنِيَّةِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ عِنْدَ طَرَيَان السَّبَبِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ فَلَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ، فَإِنْ قُلْت فَهَذَا وَاجِبٌ تَقَدَّمَ عَلَى سَبَبِهِ فَإِنَّ سَبَبَ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ غُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ أَوْ طُلُوعُ الْفَجْرِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَالْإِخْرَاجُ قَبْلَ ذَلِكَ إخْرَاجٌ قَبْلَ السَّبَبِ وَهُوَ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ وَالْإِخْرَاجُ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ لَا يُجْزِئُ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تُجْزِئَ الزَّكَاةُ الْمُخْرَجَةُ هُنَا. قُلْت: سُؤَالٌ حَسَنٌ غَيْرَ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ لَهَا تَعَلُّقٌ بِصَوْمِ رَمَضَانَ فَهِيَ جَابِرَةٌ لِمَا عَسَاهُ اخْتَلَّ عَنْهُ بِالرَّفَثِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّقْصِ كَمَا أَنَّ السُّجُودَ فِي السَّهْوِ جَابِرٌ لِمَا نَقَصَ مِنْ الصَّلَاةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الصَّوْمُ فَيَكُونُ إخْرَاجُهَا بَعْدَ أَحَدِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ وَلِذَا قَالَ فَافْهَمْ بِصُورَةِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مُحْتَوٍ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ مِنْ الْحَجِّ وَقَعَتْ فِي الْمَذْهَبِ أَيْضًا عَلَى قَوْلَيْنِ بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ مِنْهُمَا هُنَا الْإِجْزَاءُ ذَكَرَ الْأَصْلُ مِنْهَا وَاحِدَةً. الْأُولَى: إذَا نَسِيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَرَاحَ إلَى بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَذَا فِي الْأَصْلِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا قَوْلَيْنِ وَهِيَ مَحَلٌّ لِاحْتِمَالِ الْخِلَافِ اهـ. قُلْت: وَقَدْ صَرَّحَ بِالْخِلَافِ فِيهَا كَغَيْرِهَا وَأَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْهُمَا الْإِجْزَاءُ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ الزَّوَاوِيِّ وَيُجْزِئُ فِي الْمَشْهُورِ مَنْ طَافَ عِنْدَهُمْ طَوَافَ وَدَاعٍ ذَاهِلًا عَنْ إفَاضَةٍ الثَّانِيَةُ أَشَارَ إلَيْهَا أَبُو الْعَبَّاسِ الزَّوَاوِيُّ بِقَوْلِهِ: وَذُو مُتْعَةٍ قَدْ سَاقَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ ... فَيُجْزِئُ قَدْ قَالُوا لِوَاجِبِ مُتْعَةِ يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إذَا سَاقَ هَدْيَ التَّطَوُّعِ فِي عُمْرَتِهِ فَلَمَّا حَلَّ مِنْهَا وَجَبَ نَحْرُهُ إلَّا إنْ أَخَّرَهُ لِيَوْمِ النَّحْرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ وَصَارَ مُتَمَتِّعًا فَإِنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ يُجْزِئُهُ عَنْ مُتْعَتِهِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ سَوْقِهِ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي مُتْعَتِهِ عَلَى تَأْوِيلِ سَنَدٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا أَجْزَأَ عَنْ قِرَانِهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ لِلْوَالِدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. الثَّالِثَةُ: أَشَارَ لَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ الزَّوَاوِيُّ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا رَمَى ... جِمَارَ السَّهْوِ لَا يُعِيدُ لِجَمْرَةِ أَيْ إذَا نَسِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ رَمَاهَا سَاهِيًا كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَيْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ كَمَا فِي كَبِيرِ مَيَّارَةَ عَلَى ابْنِ عَاشِرٍ قُلْت وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ شَيْخِنَا فِي حَاشِيَتِهِ كَمَا أَجْزَأَ أَيْ هَدْيُ التَّطَوُّعِ عَنْ قِرَانِهِ زِيَادَةُ مَسْأَلَةٍ رَابِعَةٍ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَنَظَمْتهَا فِي بَيْتٍ يَلْحَقُ بِنَظْمِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِي: وَزِدْ قَارِنًا يُجْزِئُهُ هَدْيُ تَطَوُّعٍ ... بِوَاجِبِ هَدْيٍ لِلْقِرَانِ كَمُتْعَةِ وَمِنْ هُنَا اُشْتُهِرَ أَنَّ تَطَوُّعَاتِ الْحَجِّ تُجْزِئُ عَنْ وَاجِبِ جِنْسِهَا فَتَكُونَ جُمْلَةُ النَّظَائِرِ اثْنَيْ عَشْرَ مَسْأَلَةً أَرْبَعَةٌ مِنْ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ شُذُوذًا عَلَى احْتِمَالٍ وَأَرْبَعَةٌ مِنْ ذَلِكَ شُذُوذًا بِدُونِ احْتِمَالٍ وَأَرْبَعَةٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَمَا عَدَا هَذِهِ النَّظَائِرَ فَهُوَ جَارٍ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ عَدَمِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ اتِّفَاقًا

стр. 253

سَبَبَيْهَا الَّذِي هُوَ الْخَلَلُ الْوَاقِعُ فِي الصَّوْمِ وَالْحُكْمُ إذَا تَوَسَّطَ بَيْنَ سَبَبَيْهِ أَوْ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِخِلَافِ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمَا وَفِي الْإِخْرَاجِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمَا فَلَا جَرَمَ لَمْ يُجْزِئْ وَهَاهُنَا تَوَسَّطَ وَهُوَ سَبَبُ الْإِجْزَاءِ فَظَهَرَ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَآلِ وَأَنَّ الْأَوَّلَ أَبْعَدُ فِي الْإِجْزَاءِ عَنْ الْوَاجِبِ مِنْ إجْزَاءِ الثَّانِي عَنْ الْوَاجِبِ. (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مِلْكِ الْقَرِيبِ مِلْكًا مُحَقَّقًا يَقْتَضِي الْعِتْقَ عَلَى الْمَالِكِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مِلْكِ الْقَرِيبِ مِلْكًا مُقَدَّرًا لَا يَقْتَضِي الْعِتْقَ عَلَى الْمَالِكِ) وَذَلِكَ أَنَّ الْمِلْكَ الْمُحَقَّقَ هُوَ أَنْ يُحَقَّقَ تَنَافِيهِ بِإِجْلَالِ الْآبَاءِ وَاحْتِرَامِ الْأَبْنَاءِ فَيُعْتَقُ الْأَبْنَاءُ وَالْآبَاءُ بِهِ وَغَيْرُهُمْ فِيهِ الْخِلَافُ فَمَنْ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَقِبَلَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَقَدْ مَلَكَهُ مِلْكًا مُحَقَّقًا فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إنْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَعْتِقْ عَنْ كَفَّارَةٍ عَلَيَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِك فَأَعْتَقَ عَنْهُ أَبَا الطَّالِبِ لِلْعِتْقِ الَّذِي عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْعِتْقَ يَصِحُّ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ الْعِتْقِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ فَلِأَجْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَثُبُوتِ الْوَلَاءِ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ الْمِلْكِ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ قَبْلَ صُدُورِ الْعِتْقِ فِي الزَّمَنِ الْفَرْدِ حَتَّى يَكُونَ الْعِتْقُ فِي مِلْكٍ لَهُ فَتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَيَصِيرَ الْوَلَاءُ لَهُ بِمُقْتَضَى الْعِتْقِ فِي مِلْكِهِ فَهَذَا مِلْكٌ مُقَدَّرٌ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ لَا إنَّهُ مِلْكٌ مُحَقَّقٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْمِلْكِ الْمُقَدَّرِ هُوَ أَنَّ بِالْمَمْلُوكِ مِنْ جِهَةِ مَنْ قُدِّرَ الْمِلْكُ لَهُ فَإِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنَّمَا الشَّرْعُ أَعْطَى هَذَا الْمِلْكَ الْمَعْدُومَ حُكْمَ الْمَوْجُودِ وَالْوَاقِعُ الْمُحَقَّقُ عَدَمُ الْمِلْكِ فَلَا جَرَمَ لَا يَلْزَمُ بِهَذَا الْمِلْكِ الْمُقَدَّرِ عِتْقٌ بَلْ يَقَعُ عِتْقُ وَالِدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَتُجْزِئُ عَنْهُ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ لَمْ يُجْزِئْ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْعَتَاقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَا يُجْزِئُ عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ. (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْوَاقِعَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَقْدِيرِ ارْتِفَاعِهَا) هَاتَانِ الْقَاعِدَتَانِ تَلْتَبِسَانِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْفُضَلَاءِ مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى قَاعِدَةُ امْتِنَاعٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ شِهَابُ الدِّينِ (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مِلْكِ الْقَرِيبِ مِلْكًا مُحَقَّقًا يَقْتَضِي الْعِتْقَ عَلَى الْمَالِكِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مِلْكِ الْقَرِيبِ مِلْكًا مُقَدَّرًا لَا يَقْتَضِي الْعِتْقَ عَلَى الْمَالِكِ إلَى آخِرِهِ) قُلْت: هَذَا الْفَرْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى لُزُومِ تَقْدِيرِ الْمِلْكِ فِيمَا مَثَّلَ بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَقْدِيرَ الْمِلْكِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِاللَّازِمِ فَلَا مَانِعَ مِنْ إجْزَاءِ الْعِتْقِ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مِلْكِهِ لِمَنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ. قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْوَاقِعَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَقْدِيرِ ارْتِفَاعِهَا إلَى آخِرِهِ) قُلْت: جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَلَوْ صَلَّى الْإِنْسَانُ أَلْفَ رَكْعَةٍ مَا أَجْزَأَتْ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ دَفَعَ أَلْفَ دِينَارٍ صَدَقَةً مَا أَجْزَأَتْ عَنْ دِينَارِ الزَّكَاةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَمِنْ هُنَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا صَلَّى الصَّبِيُّ بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ بَلَغَ فِي الْقَامَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ وَهُوَ مَا قَارَنَهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ فِي زَمَنِ بُلُوغِهِ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهُوَ مَا أَوْقَعَهُ أَوَّلًا لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ الَّذِي تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ وَسَبَبٌ لِلْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَالْجُزْءُ الْأَوَّلُ الَّذِي قَارَنَهُ شَرْطُ النَّدْبِ الَّذِي هُوَ الصِّبَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ سَبَبُ الْفِعْلِ نَدْبًا لَا وُجُوبًا وَالْجُزْءُ الَّذِي قَارَنَهُ بَعْدَ شَرْطِ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الْبُلُوغُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الزَّوَالَ مَثَلًا إنَّمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا لِوُجُوبِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ فَعَلَهَا فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ صَلَاةً أُخْرَى لَكَانَ الزَّوَالُ سَبَبًا لِوُجُوبِ صَلَاتَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الزَّوَالَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِصَلَاتَيْنِ فِي كُلِّ صُورَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُصَادَرَةً عَلَى صُورَةِ النِّزَاعِ وَإِمَّا أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ فِيمَا عَدَا صُورَةَ النِّزَاعِ فَلَا يُمْكِنُهُ إلْحَاقُ صُورَةِ النِّزَاعِ بِصُورَةِ الْإِجْمَاعِ إلَّا بِالْقِيَاسِ. فَإِذَا قَاسَ فَرَّقْنَا بِأَنَّ صُورَةَ النِّزَاعِ وُجِدَ فِيهَا حَالَتَانِ تَقْتَضِيَانِ النَّدْبَ وَالْوُجُوبَ وَهُمَا الصِّبَا وَالْبُلُوغُ وَلَيْسَ فِي صُورَةِ الْإِجْمَاعِ إلَّا حَالَةٌ وَاحِدَةٌ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ هِيَ الْبُلُوغُ فَاتَّحَدَتْ الصَّلَاةُ فِي صُورَةِ الْإِجْمَاعِ لِاتِّحَادِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْبُلُوغُ وَتَعَدَّدَتْ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ لِتَعَدُّدِ الشَّرْطِ وَاخْتِلَافِهِ فَلِذَا جَازَ فِيهَا اخْتِلَافُ الْمَشْرُوطِ الَّذِي هُوَ الصَّلَاتَانِ بِاخْتِلَافِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الصِّبَا الشَّرْطُ فِي تَوَجُّهِ النَّدْبِ وَالْبُلُوغِ الشَّرْطُ فِي تَوَجُّهِ الْوُجُوبِ وَأَمَّا الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا خُصُوصَ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ لَمْ يَكُنْ إجْزَاءُ الْجُمُعَةِ عَنْ الظُّهْرِ مَثَلًا لِنَحْوِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ إذَا حَضَرُوهَا مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ بَلْ هُوَ عَلَى الْأَصْلِ مِنْ إتْيَانِ الْمَأْمُورِ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ لَا بِغَيْرِهِ إذْ الْوُجُوبُ هُنَا مُتَعَلِّقٌ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ إمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْجُمُعَةُ فَإِذَا أَحْرَمَ كُلٌّ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ بِالْجُمُعَةِ فَقَدْ أَحْرَمَ بِإِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَعُيِّنَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ الْمُبْهَمُ الَّذِي عَلَّقَ الْآمِرُ بِهِ الْوُجُوبَ

стр. 254

وَاسْتِحَالَةٌ عَقْلِيَّةٌ لَا سَبِيلَ إلَى أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الشَّرِيعَةِ وَالْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ وَاقِعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ فِي مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَمَوَاقِعِ الْخِلَافِ وَلَقَدْ حَضَرْت يَوْمًا فِي مَجْلِسٍ فِيهِ فَاضِلَانِ كَبِيرَانِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ قَوْلَانِ أَمَّا مِنْ حِينِهِ فَمُسَلَّمٌ مَعْقُولٌ. وَأَمَّا مِنْ أَصْلِهِ فَغَيْرُ مَعْقُولٍ بِسَبَبِ أَنَّ الْعَقْدَ وَاقِعٌ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَضَمَّنَهُ الزَّمَانُ الْمَاضِي، وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ مُحَالٌ وَإِخْرَاجُ مَا تَضَمَّنَهُ الزَّمَانُ الْمَاضِي مُحَالٌ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ إنَّهُ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ؟ قَالَ لَهُ الْآخَرُ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى رَفْعِ آثَارِهِ دُونَ نَفْسِ الْعَقْدِ فَقَالَ لَهُ: الْآثَارُ وَالْأَحْكَامُ هِيَ أَيْضًا وَاقِعَةٌ مِنْ جُمْلَةِ الْوَاقِعَاتِ وَقَدْ تَضَمَّنَهَا أَيْضًا الزَّمَانُ الْمَاضِي فَيَسْتَحِيلُ رَفْعُهَا كَالْعَقْدِ وَيَمْتَنِعُ إخْرَاجُهَا مِنْ الزَّمَانِ الْمَاضِي كَسَائِرِ الْمَاضِيَاتِ، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: هَذَا السُّؤَالُ يَرِدُ عَلَى مِثْلِي وَأَظْهَرَ الْغَضَبَ وَالنُّفُورَ لِقَلِقِهِ وَقُوَّةِ السُّؤَالِ وَافْتَرَقَا عَنْ غَيْرِ جَوَابٍ وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إلَّا الْجَهْلُ بِهَذَا الْفَرْقِ وَهَا أَنَا أُوَضِّحُهُ لَك بِذِكْرِ مَسَائِلَ أَرْبَعٍ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الرَّدُّ بِالْعَيْبِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَالسُّؤَالُ فِيهَا فَنَقُولُ الْعَقْدُ وَاقِعٌ وَلَا سَبِيلَ إلَى رَفْعِهِ لَكِنَّ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ التَّقْدِيرَاتِ وَهِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَالْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ فَهَذَا الْعَقْدُ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا لَكِنْ يُقَدِّرُهُ الشَّرْعُ مَعْدُومًا أَيْ يُعْطِيهِ الْآنَ حُكْمَ عَقْدٍ لَمْ يُوجَدْ لَا أَنَّهُ يُرْفَعُ بَعْدَ وُجُودِهِ فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ وَالْبَهَائِمِ الْمَبِيعَةِ لِمَنْ تَكُونُ وَكَذَلِكَ الْغَلَّاتُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ هَلْ تَكُونُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي لِلْبَائِعِ إنْ قَدَّرْنَاهُ مَعْدُومًا مِنْ أَصْلِهِ أَوْ الْمُشْتَرِي إنْ جَعَلْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حِينِهِ فَهَذَا كُلُّهُ فِقْهٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةُ قَاعِدَةٍ عَقْلِيَّةٍ حَتَّى يَلْزَمَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ تَقْدِيرِ رَفْعِ الْوَاقِعَاتِ لَا مِنْ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْوَاقِعَاتِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) رَفْضُ النِّيَّاتِ فِي الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالطَّهَارَةِ وَرَفْعُ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ وُقُوعِهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَوْلَانِ وَالْمَشْهُورُ فِي الْحَجِّ وَالْوُضُوءِ عَدَمُ الرَّفْعِ وَفِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ صِحَّةُ الرَّفْضِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ فَإِنَّ النِّيَّةَ وَقَعَتْ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَةُ فَكَيْفَ يَصِحُّ رَفْعُ الْوَاقِعِ وَكَيْفَ يَصِحُّ الْقَصْدُ إلَى الْمُسْتَحِيلِ بَلْ النِّيَّةُ وَاقِعَةٌ قَطْعًا وَالْعِبَادَةُ مُحَقَّقَةٌ جَزْمًا فَالْقَصْدُ لِرَفْضِ ذَلِكَ وَإِبْطَالُهُ قَصْدٌ لِلْمُسْتَحِيلِ وَرَفْعُ الْوَاقِعِ وَإِخْرَاجُ مَا انْدَرَجَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي مِنْهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْدِيرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ يُقَدِّرُ هَذِهِ النِّيَّةَ أَوْ هَذِهِ الْعِبَادَةَ فِي حُكْمِ مَا لَمْ يُوجَدْ لَا أَنَّهُ يُبْطِلُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] غَيْرَ قَوْلِهِ بِتَقْدِيرِ الْمِلْكِ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ فَإِنَّهُ. وَإِنْ كَانَ التَّقْدِيرُ مِمَّا ثَبَتَ لَهُ حُكْمٌ فِي مَوَاضِعَ فَلَا حَاجَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَيْهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَغَيْرَ قَوْلِهِ بِتَقْدِيرِ مِلْكِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ تَقْدِيرِ الْمِلْكِ أَعْنِي بَعْدَ إنْفَاذِ الْمُقَاتِلِ، وَقَبْلَ زُهُوقِ الرُّوحِ بَلْ هُوَ مَوْضِعُ تَحْقِيقٍ لِلْمِلْكِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَوَكَّلَ تَعَيُّنَهُ إلَى خِيرَةِ الْمَأْمُورِ، فَإِذَا اخْتَارَ إيقَاعَ الْجُمُعَةِ لَا تَقَعُ إلَّا وَاجِبَةً فَالْحُرُّ إذَا اقْتَدَى بِهِ لَمْ يَكُنْ مُفْتَرِضٌ ائْتَمَّ بِمُتَنَفِّلٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي الْجُمُعَةِ كَمَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي الظُّهْرِ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ. وَإِنْ قَالَ الْأَصْلُ مَعَ أَنِّي لَمْ أَذْكُرْ أَنِّي رَأَيْت فَرْعَ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ فِي ظُهْرِ غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاقْتِدَاؤُهُ بِهِ فِي ظُهْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ كَاقْتِدَائِهِ بِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ قَوْلُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ لَا يَؤُمُّ الْعَبْدُ فِي الْجُمُعَةِ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْمُفْتَرِضَ لَا يَأْتَمُّ بِالْمُتَنَفِّلِ فَافْهَمْ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْوَاجِبُ نَوْعَانِ مُخَيَّرٌ وَوَاجِبٌ غَيْرُ مُخَيَّرٍ وَالْوُجُوبُ فِي غَيْرِ الْمُخَيَّرِ مُتَعَلِّقٌ بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْعَامُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُشْتَرَكُ أَيْ خَصَّهُ بِهِ الْآمِرُ وَلَمْ يَكِلْ تَعَيُّنَهُ إلَى خِيرَةِ الْمَأْمُورِ فَلِذَا كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ إجْزَاءِ غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ جِنْسِهِ عَنْهُ وَالْقَوْلُ بِإِجْزَائِهِ عَنْهُ إنَّمَا وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً كَمَا عَلِمْت وَالْوُجُوبُ فِي الْمُخَيَّرِ مُتَعَلِّقٌ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْعَامُّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُشْتَرَكُ أَيْ لَمْ يُعَيِّنْهُ الْآمِرُ بَلْ وَكَّلَ تَعَيُّنَهُ إلَى خِيرَةِ الْمَأْمُورِ فَمَا اخْتَارَهُ الْمَأْمُورُ مِنْ الْوَاحِدِ الْمُبْهَمِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَأَوْضَحَ لَك قَاعِدَةَ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ أُخَرَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُكَفِّرِ إحْدَى خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مِنْ الْعِتْقِ أَوْ الْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ بِلَا تَعْيِينٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ بَلْ التَّعْيِينُ مَوْكُولٌ لِخِيرَةِ الْمُكَفِّرِ فَإِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهَا كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصْلِ لَا غَيْرُهُ حَتَّى يَكُونَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. (وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ الْمُسَافِرَ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ بِدُونِ تَعْيِينٍ مِنْ قِبَلِ الْآمِرِ بَلْ التَّعْيِينُ وَكَّلَهُ لِخِيرَةِ الْمُسَافِرِ فَإِذَا اخْتَارَ صَوْمَ رَمَضَانَ أَوْ شَهْرَ الْقَضَاءِ وَصَامَهُ كَانَ قَدْ صَامَ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصْلِ لَا غَيْرُهُ حَتَّى يَكُونَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَتَعَيَّنَ خُصُوصُ شَهْرِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَخْتَرْ صِيَامَ رَمَضَانَ إنَّمَا كَانَ لِتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ كَمَا يَتَعَيَّنُ آخِرُ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِتَعَذُّرِ مَا قَبْلَهُ وَتَعَذُّرِ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ فَقَضَاءُ رَمَضَانَ عَلَى الْمُفَرِّطِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ الْأَدَاءُ يُفَارِقُ الْقَضَاءَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَالثَّانِي لَا يَتَعَلَّقُ بِعُمُومِهِ وُجُوبٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهِ خُصُوصُ شَهْرِ

стр. 255

وُجُودَهَا الْمُنْدَرِجَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي بَلْ يَجْرِي عَلَيْهَا الْآنَ حُكْمُ عِبَادَةٍ أُخْرَى لَمْ تُوجَدْ قَطُّ وَمَا لَمْ يُوجَدْ قَطُّ يُسْتَأْنَفُ فِعْلُهُ فَيُسْتَأْنَفُ فِعْلُ هَذِهِ فَهِيَ مِنْ قَاعِدَةِ تَقْدِيرِ رَفْعِ الْوَاقِعَاتِ لَا مِنْ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْوَاقِعَاتِ فَإِنْ قُلْت وَأَيُّ دَلِيلٍ وُجِدَ فِي الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الْمُكَلَّفِ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ، وَأَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ يَتَحَقَّقُ وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَتَمَكَّنَ الْمُكَلَّفُ مِنْ إسْقَاطِ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي بِطَرِيقِ التَّقْدِيرِ وَالْقَصْدِ إلَيْهَا فَيَقْصِدُ الْإِنْسَانُ إبْطَالَ مَا مَضَى لَهُ مِنْ جِهَادٍ وَهِجْرَةٍ وَسَعْيٍ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ بَلْ يَكُونُ إذَا قَصَدَ إلَى إبْطَالِ مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ الْإِيمَانِ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ مِنْ غَيْرِ كُفْرٍ وَلَا رِدَّةٍ وَلَا مَعْنَى مِنْ الْمَعَانِي الْمُنَافِيَةِ لِلْإِيمَانِ أَنْ يَصِيرَ كَافِرًا غَيْرَ مُؤْمِنٍ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَأَنَّ حُكْمَ إيمَانِهِ الْمُتَقَدِّمِ الْآنَ حُكْمُ عَدَمِهِ وَحُكْمُ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ كُلِّهَا كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَقْصِدُ إلَى إبْطَالِ زِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ وَحِرَابَتِهِ وَأَكْلِهِ الرِّبَا وَأَمْوَالَ الْيَتَامَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَاحِسِ وَالْقَبَائِحِ أَنْ يَصِيرَ حُكْمُهَا الْآنَ حُكْمَ الْمَعْدُومِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي فَيَسْتَرِيحَ مِنْ مُؤَاخَذَتِهَا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ هِيَ أَثَرُ هَذَا التَّقْدِيرِ وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ وَلَا قَالَ فَقِيهٌ بِفَتْحِ هَذَا الْقِيَاسِ وَلَمْ نَجِدْهُ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ وَجَمِيعُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِنْ التَّعْلِيلِ أَمْكَنَ وُجُودُهُ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الصُّوَرِ أَوْ فِي بَعْضِهَا وَلَمْ يَرِدْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ نَصٌّ يُخَصِّصُهَا بِهَذَا الْحُكْمِ وَيَمْنَعُ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَيْهَا بَلْ الْمُقَرَّرُ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِ مَا وَقَعَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي يَتَوَقَّفُ عَلَى أَسْبَابِ غَيْرِ الرَّفْضِ كَالْإِسْلَامِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَالْهِجْرَةُ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا وَكَذَلِكَ التَّوْبَةُ وَالْحَجُّ وَعَكْسُهَا فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَهَا مَا يُبْطِلُهَا وَهِيَ الرِّدَّةُ وَالنُّصُوصُ دَلَّتْ عَلَى اعْتِبَارِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ أَمَّا الرَّفْضُ فَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا يَقْتَضِي اعْتِبَارَهُ وَأَنَّ مُجَرَّدَ الْقَصْدِ مُؤَثِّرٌ فِي الْأَعْمَالِ هَذَا التَّأْثِيرَ قُلْت هَذَا سُؤَالٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ مُتَّجِهٌ وَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا لَهُ اتِّجَاهٌ يَقْتَضِي انْدِفَاعَهُ عَلَى الْوَجْهِ التَّامِّ فَالْأَحْسَنُ الِاعْتِرَافُ بِهِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ آخِرَ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ مِنْ أَوَّلِهِ فَإِنَّهَا مُبَاحَةُ الْوَطْءِ بِالْإِجْمَاعِ إلَى قُدُومِ زَيْدٍ فَإِذَا قَدِمَ زَيْدٌ آخِرَ الشَّهْرِ هَلْ تَطْلُقُ مِنْ الْآنَ أَوْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَهُوَ الَّذِي يَرَاهُ ابْنُ يُونُسَ مِنْ أَصْحَابِنَا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ فَيَقْضِي بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِ وَالتَّحْرِيمُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ فَيَرْفَعُ الْإِبَاحَةَ الْكَائِنَةَ فِي وَسَطِ الشَّهْرِ وَهِيَ كَانَتْ وَاقِعَةً فَيَلْزَمُ رَفْعُ الْوَاقِعِ وَهُوَ مُحَالٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّقْدِيرِ الشَّرْعِيِّ بِمَعْنَى أَنَّا نُقَدِّرُ أَنَّ تِلْكَ الْإِبَاحَةَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ لَا أَنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّهَا ارْتَفَعَتْ مِنْ الزَّمَنِ الْمَاضِي بَلْ حُكْمُهَا الْآنَ حُكْمُ الْمُرْتَفِعَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ فَرْقِ الشُّرُوطِ وَالْبَحْثِ فِيهَا مَعَ الشَّافِعِيِّ فَلْتُطَالَعْ مِنْ هُنَاكَ فَإِنَّهُ مُسْتَوْفًى. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا أَعْتَقَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّا نُقَدِّرُ لَهُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْعِتْقِ عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْوَاقِعَ عَدَمُ مِلْكِهِ لَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ وَذَلِكَ الْعَدَمُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَاقِعَاتِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَضَاءِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَدَاءِ بِسَبَبَيْنِ أَحَدُهُمَا رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَثَانِيهِمَا خُرُوجُ شَهْرِ الْأَدَاءِ وَلَمْ يَصُمْ فِيهِ فَافْهَمْ. (وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ لَا يُخْشَى مَعَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْخِطَابُ بِخُصُوصِ رَمَضَانَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ وَيَبْقَى مُخَاطَبًا بِأَحَدِ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَدَاءِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ وَيَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ فِي حَقِّهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَدَاءِ بِالسَّبَبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُسَافِرِ فَإِنْ كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ مَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِهِ تَعَيَّنَ الْأَدَاءُ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا يَتَعَيَّنُ الْقَضَاءُ لِلْوُجُوبِ إنْ كَانَ مُسْتَجْمِعَ الشَّرَائِطِ سَالِمَ الْمَوَانِعِ زَمَنَهُ فَإِنْ أَقْدَمَ وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَصَامَ الْأَدَاءَ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِ احْتَمَلَ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى عَدَمَ الْإِجْزَاءِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْمُحَرَّمِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ وَالْإِجْزَاءُ نَظَرًا لِكَوْنِهِ مُتَقَرِّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ شَهْوَتَيْ فَمِهِ وَفَرْجِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ غَيْرُ الْوَاجِبِ بَعْدَ عُمُومِهِ كَمَا تَقَدَّمَ جَانِيًا عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ حِفْظِهَا عَنْ الْإِلْقَاءِ فِي التَّهْلُكَةِ كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ مُتَقَرِّبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ وَجَانٍ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَآلِ] (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَآلِ) مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ نَحْوَ مَا يُخْرِجُهُ مَالِكُ النِّصَابِ مُطْلَقًا نَاوِيًا بِإِخْرَاجِهِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا الزَّكَاةَ فَلَا يُجْزِئُهُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي زَكَاةِ مَا مَلَكَهُ مِنْ النِّصَابِ عَلَى تَقْدِيرِ دَوَرَانِ الْحَوْلِ قَطْعًا؛ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ إجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَصْلًا عَنْ الْوَاجِبِ وَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْحَالِ وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْمَآلِ نَحْوَ مَا يُخْرِجُهُ مَالِكُ النِّصَابِ نَاوِيًا بِهِ الزَّكَاةَ لَا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الْحَوْلِ إمَّا بِالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ عِنْدَنَا وَإِمَّا فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَفِي إجْزَائِهِ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي زَكَاةِ مَا مَلَكَهُ مِنْ النِّصَابِ عَلَى تَقْدِيرِ دَوَرَانِ الْحَوْلِ نَظَرٌ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَصَدَ بِالْمُخْرَجِ الْوَاجِبَ فِي الْمَآلِ عَلَى تَقْدِيرِ دَوَرَانِ الْحَوْلِ لَا التَّطَوُّعَ فَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ عَلَى الْأَصْلِ وَثَانِيهِمَا قَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ حَقٍّ وَلَوْ بَدَنِيًّا خِلَافًا لِجَدِيدِ الشَّافِعِيِّ تَعَلَّقَ بِسَبَبَيْنِ أَوْ بِسَبَبٍ وَشَرْطٍ لَا يَمْتَنِعُ قَطْعًا تَقْدِيمُهُ عَلَى شَرْطِهِ أَوْ ثَانِي سَبَبِهِ بِخِلَافِ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ قَطْعًا وَعَدَمُ إجْزَائِهِ خِلَافٌ قَالَ

стр. 256

وَالْوَاقِعُ مِنْ عَدَمٍ أَوْ وُجُودٍ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ عَدَمُ الْمِلْكِ وَيَثْبُتُ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْمِلْكُ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّقْدِيرِ فَيُقَدَّرُ ذَلِكَ الْعَدَمُ فِي حُكْمِ الْمُرْتَفِعِ لَا لِأَنَّا نَرْفَعُهُ بَلْ نُعْطِيهِ الْآنَ حُكْمَ الِارْتِفَاعِ مِنْ إجْزَاءِ الْعِتْقِ وَثُبُوتِ الْوَلَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ تُقَدَّرُ مِلْكُ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ مِنْ قَبْلِ الْمَوْتِ بِالزَّمَنِ لِيَصِحَّ الْإِرْثُ خَاصَّةً وَهَذِهِ التَّقَادِيرُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأُمْنِيَّةِ فِي إدْرَاكِ النِّيَّةِ وَأَنَّهُ لَا يَخْلُو بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ عَنْ التَّقْدِيرِ وَهَذِهِ الْفُرُوعُ كُلُّهَا تَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ قَاعِدَةِ ارْتِفَاعِ الْوَاقِعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَقْدِيرِ ارْتِفَاعِ الْوَاقِعِ وَأَنَّ الْأَوَّلَ مُسْتَحِيلٌ مُطْلَقًا وَالثَّانِيَ مُمْكِنٌ مُطْلَقًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَدَاخُلِ الْأَسْبَابِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَسَاقُطِهَا) اعْلَمْ أَنَّ التَّدَاخُلَ وَالتَّسَاقُطَ بَيْنَ الْأَسْبَابِ قَدْ اسْتَوَيَا فِي أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي دَخَلَ فِي غَيْرِهِ وَلَا عَلَى السَّبَبِ الَّذِي سَقَطَ بِغَيْرِهِ فَهَذَا هُوَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّدَاخُلَ بَيْنَ الْأَسْبَابِ مَعْنَاهُ أَنْ يُوجَدَ سَبَبَانِ مُسَبِّبُهُمَا وَاحِدٌ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مُسَبَّبٌ وَاحِدٌ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي مُسَبَّبًا مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ وَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ يَتَرَتَّبَ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ مُسَبَّبَانِ وَقَدْ وَقَعَ الْأَوَّلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ وَالثَّانِي أَيْضًا وَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ أَمَّا التَّدَاخُلُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ فَقَدْ وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: الطَّهَارَاتُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا تَكَرَّرَتْ أَسْبَابُهُمَا الْمُخْتَلِفَةُ كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ أَوْ الْمُتَمَاثِلَةُ كَالْجَنَابَتَيْنِ وَالْمُلَامَسَتَيْنِ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وُضُوءٌ وَاحِدٌ وَغُسْلٌ وَاحِدٌ وَدَخَلَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ فِي الْآخَرِ فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ وَكَالْوُضُوءِ مَعَ الْغُسْلِ فَإِنَّ سَبَبَ الْوُضُوءِ الَّذِي هُوَ الْمُلَامَسَةُ انْدَرَجَ فِي الْجَنَابَةِ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ وُجُوبُ وُضُوءٍ وَأَجْزَأَهُ الْغُسْلُ، الثَّانِي: الصَّلَوَاتُ كَتَدَاخُلِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مَعَ صَلَاةِ الْفَرْضِ مَعَ تَعَدُّدِ سَبَبِهِمَا فَيَدْخُلُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ التَّحِيَّةِ فِي الزَّوَالِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الظُّهْرِ مَثَلًا فَيَقُومُ سَبَبُ الزَّوَالِ مَقَامَ سَبَبِ الدُّخُولِ فَيُكْتَفَى بِهِ، الثَّالِثُ: الصِّيَامُ كَصِيَامِ رَمَضَانَ مَعَ صِيَامِ الِاعْتِكَافِ، فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ سَبَبٌ لِتَوَجُّهِ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ وَرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ سَبَبُ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ فَيَدْخُلُ سَبَبُ الِاعْتِكَافِ فِي سَبَبِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَيَتَدَاخَلُ الِاعْتِكَافُ وَرُؤْيَةُ الْهِلَالِ. الرَّابِعُ: الْكَفَّارَاتُ فِي الْأَيْمَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي حِلِّ الْأَيْمَانِ عَلَى التَّكْرَارِ دُونَ الْإِنْشَاءِ بِخِلَافِ تَكْرَارِ الطَّلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الْإِنْشَاءِ حَتَّى يُرِيدَ التَّكْرَارَ وَفِي كَفَّارَةِ إفْسَادِ رَمَضَانَ إذَا تَكَرَّرَ الْوَطْءُ مِنْهُ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ عِنْدَنَا عَلَى الْخِلَافِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْيَوْمَيْنِ وَلَهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ السَّابِعِ وَالْخَمْسِينَ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ابْنُ الشَّاطِّ: وَالْأَصَحُّ نَظَرًا امْتِنَاعُ التَّقْدِيمِ فِي الزَّكَاةِ قُلْت وَذَلِكَ لِأَنَّ تَعْلِيقَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِالشَّرْطِ أَوْ السَّبَبِ الثَّانِي يَمْنَعُ تَمَامَ السَّبَبِيَّةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ الْوُجُوبُ قَبْلَ تَمَامِ سَبَبِهِ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ إجْزَاءِ نَفْلٍ عَنْ فَرْضٍ فَمِنْ هُنَا قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ: وَالْأَوْجَهُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ بِعَدَمِ جَوَازِ تَقْدِيمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ لِعَقْلِيَّةِ سَبَبِيَّةِ الْحِنْثِ لَهَا دُونَ عَقْلِيَّةِ سَبَبِيَّةِ الْيَمِينِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي التَّحْقِيقِ لِسَتْرِ مَا وَقَعَ مِنْ الْإِخْلَالِ بِتَوْقِيرِ مَا يَجِبُ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَلَافِيهِ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ عَنْ الْحِنْثِ لَا عَنْ الْيَمِينِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَأَيْضًا أَقَلُّ مَا فِي السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ مُفْضِيًا إلَى الْمُسَبَّبِ وَالْيَمِينُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ عَدَمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ تَكُونُ مُفْضِيَةً إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ أَنَّ الْيَمِينَ سَبَبُهَا فَالْحِنْثُ شَرْطُ وُجُوبِهَا لِلْقَطْعِ بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ قَبْلَهُ وَإِلَّا وَجَبَتْ بِمُجَرَّدِ الْيَمِينِ وَالْمَشْرُوطُ لَا يُوجَدُ قَبْلَ شَرْطِهِ فَلَا تَقَعُ وَاجِبَةً قَبْلَهُ فَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ قَبْلَ ثُبُوتِهِ وَلَا عِنْدَ ثُبُوتِهِ بِفِعْلٍ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَمَا وَقَعَ مِنْ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ كَالزَّكَاةِ يَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِهِ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ. قَالَ: وَمَا فَرَّقُوا بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ الْمَالِيِّ وَالْبَدَنِيِّ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ بِجَوَازِ تَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ لِلْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ دُونَ الْبَدَنِيَّةِ وَهِيَ الصَّوْمُ بِأَنَّ الْحِنْثَ شَرْطٌ فِي الْكَفَّارَةِ وَالْيَمِينُ سَبَبُهَا وَالشَّرْطُ عِنْدَهُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي تَأْخِيرِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا فِي انْعِقَادِ السَّبَبِ، وَالْحَقُّ الْمَالِيُّ لِلَّهِ تَعَالَى يَنْفَصِلُ وُجُوبُ أَدَائِهِ عَنْ نَفْسِ وُجُوبِهِ لِتَغَايُرِ الْمَالِ وَالْفِعْلِ فَجَازَ اتِّصَافُ الْمَالِ بِنَفْسِ الْوُجُوبِ وَلَا يَثْبُتُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ كَمَا فِي الْحَقِّ الْمَالِيِّ لِلْعَبْدِ بِخِلَافِ الْحَقِّ الْبَدَنِيِّ لِلَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ وُجُوبُ أَدَائِهِ عَنْ نَفْسِ وُجُوبِهِ بَلْ نَفْسُ وُجُوبِهِ وُجُوبُ أَدَائِهِ فَلَوْ تَأَخَّرَ وُجُوبُ أَدَائِهِ انْتَفَى الْوُجُوبُ فَلَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَدَاءٌ قَبْلَ الْوُجُوبِ حِينَئِذٍ. وَمِنْ ثَمَّةَ جَازَ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَلَمْ يَجُزْ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ فَهُوَ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ هُوَ الْعِبَادَةُ وَهُوَ فِعْلٌ يُبَاشِرُهُ الْمَرْءُ بِخِلَافِ هَوَى النَّفْسِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِذْنِهِ وَالْمَالُ آلَةٌ يَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ كَمَنَافِعِ الْبَدَنِ فَيَكُونُ الْمَالِيُّ كَالْبَدَنِيِّ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوُجُوبِ الْأَدَاءُ وَأَنَّ تَعَلُّقَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ تَمَامَ السَّبَبِيَّةِ فِيهِمَا جَمِيعًا عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ بَعْدَ تَمَامِ السَّبَبِ قَدْ يَنْفَصِلُ عَنْ نَفْسِ الْوُجُوبِ فِي الْبَدَنِيِّ أَيْضًا فَإِنَّ الْمُسَافِرَ

стр. 257

قَوْلَانِ فِي الرَّمَضَانَيْنِ، الْخَامِسُ: الْحُدُودُ الْمُتَمَاثِلَةُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهَا كَالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ تَمَاثَلَتْ كَالزِّنَى مِرَارًا وَالسَّرِقَةِ مِرَارًا وَالشُّرْبِ مِرَارًا قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَهِيَ مِنْ أَوْلَى الْأَسْبَابِ بِالتَّدَاخُلِ؛ لِأَنَّ تَكَرُّرَهَا مُهْلِكٌ، السَّادِسُ: الْأَمْوَالُ كَالْوَاطِئِ بِالشُّبْهَةِ الْمُتَّحِدَةِ إذَا تَكَرَّرَ الْوَطْءُ فَإِنَّ كُلَّ وَطْأَةٍ لَوْ انْفَرَدَتْ أَوْجَبَتْ مَهْرًا تَامًّا مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ وَلَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ إلَّا صَدَاقٌ وَاحِدٌ وَكَدِيَةِ الْأَطْرَافِ مَعَ النَّفْسِ فَإِنَّهُ إذَا قَطَعَ أَطْرَافَهُ وَسَرَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ اكْتَفَى صَاحِبُ الشَّرْعِ بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ لِلنَّفْسِ مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ قَبْلَ السَّرَيَانِ نَحْوَ عَشْرِ دِيَاتٍ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الْعُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ يَسْقُطُ الْجَمِيعُ وَلَا يَلْزَمُ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ تَفْرِيعٌ عَلَى هَذَا قَدْ يَدْخُلُ الْقَلِيلُ مَعَ الْكَثِيرِ كَدِيَةِ الْأُصْبُعِ مَعَ النَّفْسِ وَالْكَثِيرُ مَعَ الْقَلِيلِ كَدِيَةِ الْأَطْرَافِ مَعَ النَّفْسِ وَالْمُتَقَدِّمُ مَعَ الْمُتَأَخِّرِ كَحَدَثِ الْوُضُوءِ مَعَ الْجَنَابَةِ وَالْمُتَأَخِّرُ مَعَ الْمُتَقَدِّمِ كَالْوَطَآتِ الْمُتَأَخِّرَةِ مَعَ الْوَطْأَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْأُولَى. وَمُوجِبَاتُ أَسْبَابِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مَعَ انْدِرَاجِهِ فِي الْمُوجِبِ الْأَوَّلِ وَالطَّرَفَانِ فِي وَسَطٍ كَانْدِرَاجِ الْوَطْأَةِ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ فَإِنَّهَا قَدْ تُوطَأُ أَوَّلًا وَهِيَ مَرِيضَةُ الْجِسْمِ عَدِيمَةُ الْمَالِ ثُمَّ تَصِحُّ وَتَرِثُ مَالًا عَظِيمًا ثُمَّ تَسْقَمُ فِي جِسْمِهَا وَيَذْهَبُ مَالُهَا وَهِيَ تُوطَأُ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا بِشُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهَا يَجِبُ لَهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ صَدَاقُ الْمِثْلِ فِي أَعْظَمِ أَحْوَالِهَا وَأَعْظَمُ أَحْوَالِهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَالَةُ الْوُسْطَى فَيَجِبُ الصَّدَاقُ بِاعْتِبَارِهَا وَتَدْخُلُ فِيهَا الْحَالَةُ الْأُولَى وَالْحَالَةُ الْأَخِيرَةُ فَيَنْدَرِجُ الطَّرَفَانِ فِي الْوَسَطِ وَهَذَا الْمِثَالُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ الْوَطْأَةَ الْأُولَى كَيْفَ كَانَتْ وَكَيْفَ صَادَفَتْ وَيَنْدَرِجُ مَا بَعْدَهَا فِيهَا وَتَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ انْدِرَاجِ الْمُتَأَخِّرِ فِي الْمُتَقَدِّمِ لَا مِنْ بَابِ انْدِرَاجِ الطَّرَفَيْنِ فِي الْوَسَطِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ فِي الشَّرِيعَةِ وَهُوَ عَدَمُ التَّدَاخُلِ مَعَ تَمَاثُلِ الْأَسْبَابِ فَكَالْإِتْلَافَيْنِ يَجِبُ بِهِمَا ضَمَانَانِ وَلَا يَتَدَاخَلَانِ وَكَالطَّلَاقَيْنِ يَتَعَدَّدُ أَثَرُهُمَا وَلَا يَتَدَاخَلَانِ بَلْ يُنْقِصُ كُلُّ طَلَاقٍ مِنْ الْعِصْمَةِ طَلْقَةً إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ أَوْ الْخَبَرَ عَنْ الْأَوَّلِ وَالزَّوَالَيْنِ فَإِنَّهُمَا يُوجِبَانِ ظُهْرَيْنِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَسْبَابِهَا وَكَالنَّذْرَيْنِ يَتَعَدَّدُ مَنْذُورُهُمَا وَلَا يَتَدَاخَلُ وَكَالْوَصِيَّتَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّدُ لَهُ الْمُوصَى بِهِ عَلَى الْخِلَافِ وَكَالسَّبَبَيْنِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ رَجُلَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ مُخْتَلِفٍ فَإِنَّهُ يُوجِبُ تَعَدُّدَ التَّعْزِيرِ وَالْمُؤَاخَذَةِ وَكَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ شَهْرًا ثُمَّ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ شَهْرًا وَلَمْ يُعَيِّنْ فَإِنَّهُ يَحْمِلْ عَلَى شَهْرَيْنِ وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ صَاعًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ صَاعًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى صَاعَيْنِ وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا فِي الشَّرِيعَةِ، الْأَصْلُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ مُسَبَّبُهُ، وَالتَّدَاخُلُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَأَمَّا تَسَاقُطُ الْأَسْبَابِ فَإِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَتَنَافِي الْمُسَبَّبَاتِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ يَقْتَضِي شَيْئًا وَالْآخَرُ يَقْتَضِي ضِدَّهُ فَيُقَدِّمُ صَاحِبُ الشَّرْعِ الرَّاجِحَ مِنْهُمَا عَلَى الْمَرْجُوحِ فَيَسْقُطُ الْمَرْجُوحُ أَوْ يَسْتَوِيَانِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إذَا صَامَ فِي رَمَضَانَ جَازَ اتِّفَاقًا وَإِنْ تَأَخَّرَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ إلَى مَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ بِالْإِجْمَاعِ اهـ كَلَامُهُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ مَتْنِ التَّحْرِيرِ بِتَصَرُّفٍ وَحَذْفٍ مَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ بِإِمْعَانٍ (وَصْلٌ فِي زِيَادَةِ تَوْضِيحٍ) هَذَا الْفَرْقُ بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ. الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَفِعْلُ الْمُعَجِّلِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفْلٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الْفَرْضِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ فَقَالَ الْأَصْحَابُ لَهُمْ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَصَحَّ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيُجْزِئُ عَنْهُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَيَكُونُ نَفْلًا سَدَّ مَسَدَّ الْفَرْضِ وَأَجْزَأَ عَنْهُ بَعْدَ جَرَيَانِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَكَذَلِكَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ لِانْحِصَارِ الْوُجُوبِ عِنْدَكُمْ فِي آخِرِ الْقَامَةِ فَمَا هُوَ وَاقِعٌ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ سَوَاءٌ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ، فَإِذَا أَجْزَأَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْوَاجِبِ وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ الْآخَرُ عَنْ الْوَاجِبِ، فَإِذَا قُلْتُمْ قَدْ قَصَدَ بِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ عِنْدَ آخِرِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّطَوُّعَ. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ يَقْصِدُ بِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَيُجْزِئُ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ قُلْت وَمَا فَرَّقَ بِهِ الْأَصْلُ لَهُمْ بَيْنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَنْوِي بِهَا الْوَاجِبَ فِي الْمَآلِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَيَنْوِي بِهَا الْوَاجِبَ فِي الْمَآلِ أَيْضًا بِأَنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ الزَّوَالِ إذَا قَصَدَ بِهَا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ عِنْدَ آخِرِ الْقَامَةِ إنَّمَا وِزَانُهَا إخْرَاجُ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ وَيَنْوِي بِهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ عِنْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَدَوَرَانِ الْحَوْلِ وَهَذَا لَا يُجْزِئُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ إيقَاعُ الْفِعْلِ قَبْلَ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ وَالصَّلَاةُ بَعْدَ الزَّوَالِ إذَا قَصَدَ بِهَا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ عِنْدَ آخِرِ الْقَامَةِ إنَّمَا وِزَانُهَا إخْرَاجُ الزَّكَاةِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ إذَا كَمَا أَنَّ النِّصَابَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ بَعْدَ الْحَوْلِ كَذَلِكَ الزَّوَالُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ آخِرَ الْقَامَةِ وَهَذَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَى عَدَمِ إجْزَائِهِ؛ لِأَنَّهُ إيقَاعٌ لِلْفِعْلِ بَيْنَ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ وَالْحُكْمُ إذَا تَوَسَّطَ بَيْنَ سَبَبَيْهِ أَوْ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ بِخِلَافِ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمَا فَكَانَ مَا أَوْقَعَهُ الْمُصَلِّي قَبْلَ الزَّوَالِ نَفْلًا مُطْلَقًا وَإِنْ نَوَى بِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ بِخِلَافِ مَا أَوْقَعَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَفْلًا مُطْلَقًا إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ أَمَّا إذَا نَوَى بِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَفْلًا فِي الْحَالِ إلَّا أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْمَآلِ فَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ اهـ بِتَوْضِيحٍ وَإِنْ كَانَ أَيْ مَا فَرَّقَ

стр. 258

فَيَتَسَاقَطَانِ مَعًا هَذَا هُوَ ضَابِطُ هَذَا الْقِسْمِ وَهُوَ قِسْمَانِ: تَارَةً يَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَتَارَةً فِي الْبَعْضِ. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ التَّنَافِي فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَكَالرَّدَّةِ مَعَ الْإِسْلَامِ وَالْقَتْلِ وَالْكُفْرِ مَعَ الْقَرَابَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمِيرَاثِ فَإِنَّهُمَا يَقْتَضِيَانِ عَدَمَ الْإِرْثِ وَكَالدَّيْنِ مُسْقِطٌ لِلزَّكَاةِ وَأَسْبَابُهَا تُوجِبُهَا، وَكَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا أَوْ الْأَصْلَيْنِ إذَا قُطِعَ رَجُلٌ مَلْفُوفٌ فِي الثِّيَابِ فَتَنَازَعَ هُوَ وَالْوَلِيُّ فِي كَوْنِهِ كَانَ حَيًّا حَالَةَ الْجِنَايَةِ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَالْغَالِبَيْنِ وَهُمَا الظَّاهِرَانِ كَاخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَإِنَّ الْيَدَ لِلرَّجُلِ ظَاهِرَةٌ فِي الْمِلْكِ وَكَوْنُ الْمُدَّعِي فِيهِ مِنْ قُمَاشِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ فَقَدَّمْنَا نَحْنُ هَذَا الظَّاهِرَ وَسَوَّى الشَّافِعِيُّ بَيْنَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهُمَا مَعًا يَدًا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْمِلْكِ وَمَالِكٌ يَقُولُ الْيَدُ خَالِصَةٌ بِالرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَتَاعُ يَصْلُحُ لَهُمَا قُدِّمَ مِلْكُ الرَّجُلِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْيَدِ وَكَالْمُنْفَرِدَيْ نِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ وَالْمِصْرُ كَبِيرٌ قُدِّمَ مِلْكُ ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، وَقَدَّمَ سَحْنُونٌ ظَاهِرَ الْحَالِ وَقَالَ الظَّاهِرُ كَذِبُهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ الْعَظِيمَ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ يَقْتَضِي أَنْ يَرَاهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ فَانْفِرَادُ هَذَيْنِ دَلِيلُ كَذِبِهِمَا وَلَمْ يُوجِبْ الصَّوْمَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَالْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ كَالْمَقْبَرَةِ الْمَنْبُوشَةِ الْأَصْلُ عَدَمُ النَّجَاسَةِ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ وُجُودِهَا بِسَبَبِ النَّبْشِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ كُلُّهَا مُتَنَافِيَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فِي مُسَبَّبَاتِهَا. وَأَمَّا التَّسَاقُطُ بِسَبَبِ التَّنَافِي فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ وَفِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَالنِّكَاحِ مَعَ الْمِلْكِ إذَا عَقَدَ عَلَى أَمَتِهِ فَإِنَّ النِّكَاحَ يُوجِبُ إبَاحَةَ الْوَطْءِ وَالْمِلْكُ يُوجِبُ مَعَ ذَلِكَ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَالْمَنَافِعِ فَسَقَطَ النِّكَاحُ تَغْلِيبًا لِلْمِلْكِ بِسَبَبِ قُوَّتِهِ وَتَكُونُ الْإِبَاحَةُ الْحَاصِلَةُ مُضَافَةً لِلْمِلْكِ فَقَطْ وَلَا يَحْصُلُ تَدَاخُلٌ فَلَا يُقَالُ هِيَ مُضَافَةٌ لَهُمَا أَلْبَتَّةَ وَكَمَا إذَا اشْتَرَى امْرَأَتَهُ وَصَيَّرَهَا أَمَتَهُ فَإِنَّ النِّكَاحَ السَّابِقَ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَكَذَلِكَ الشِّرَاءُ اللَّاحِقُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ مَعَ بَقِيَّةِ آثَارِ الْمِلْكِ فَأَسْقَطَ الشَّرْعُ النِّكَاحَ السَّابِقَ بِالْمِلْكِ اللَّاحِقِ عَكْسُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ قُدِّمَ فِيهِ السَّابِقُ وَهَذَا قُدِّمَ فِيهِ اللَّاحِقُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمِلْكَ أَقْوَى مِنْ النِّكَاحِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى إبَاحَةِ الْوَطْءِ وَغَيْرِهِ فَلَمَّا كَانَ أَقْوَى قَدَّمَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ سَابِقًا وَلَاحِقًا وَلَاحَظْنَا أَنَّ السَّابِقَ يُقَدَّمُ بِحُصُولِهِ فِي الْمَحَلِّ وَسَبْقِهِ وَإِلَّا لَانْدَفَعَ الشِّرَاءُ عَنْ الزَّوْجَةِ وَبَقِيَتْ زَوْجَةً وَبَطَلَ الْبَيْعُ لَكِنَّ السِّرَّ مَا ذَكَرْته لَك، وَمِنْ ذَلِكَ عِلْمُ الْحَاكِمِ مَعَ الْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ بِمَا يَعْلَمُهُ فَإِنَّ الْحُكْمَ مُضَافٌ لِلْبَيِّنَةِ دُونَ عِلْمِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْقَضَاءُ بِالْعِلْمِ سَاقِطٌ حَذَرًا مِنْ الْقُضَاةِ السُّوءِ وَسَدًّا لِذَرِيعَةِ الْفَسَادِ عَلَى الْحُكْمِ بِالتُّهَمِ وَعَلَى النَّاسِ بِالْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْبَاطِلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عِلْمُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَالْعِلْمُ أَوْلَى مِنْ الظَّنِّ وَيَحْتَمِلُ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيَجْعَلُ الْحُكْمَ مُضَافًا إلَيْهِمَا لِعَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ سَبَبَانِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِهِ الْأَصْلُ بَيْنَ الصَّلَاةِ إلَخْ جَوَابًا عَنْ الْحَنَفِيَّةِ لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ إلَّا أَنَّهُ يُعْلَمُ سُقُوطُهُ مِمَّا قَدَّمْته عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ فَمِنْ هُنَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْأَصَحُّ نَظَرًا لُزُومُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَنَفِيَّةِ فَيُصَادِمُهُمْ الْإِجْمَاعُ اهـ فَافْهَمْ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) تَعْجِيلُ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ يَجُوزُ عِنْدَنَا وَتُجْزِئُ عَنْ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ إذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ سَبَبِهَا الَّذِي هُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَنَوَى بِهَا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي الْمَآلِ عِنْدَ جَرَيَانِ السَّبَبِ لَا صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ عَنْهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهَا بَعْدَ أَحَدِ أَسْبَابِهَا الَّذِي هُوَ الْخَلَلُ الْوَاقِعُ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ جَابِرَةٌ لِمَا عَسَاهُ اخْتَلَّ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ بِالرَّفَثِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّقْصِ كَمَا أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ جَابِرٌ لِمَا نَقَصَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الصَّوْمُ وَالْحُكْمُ إذَا تَوَسَّطَ بَيْنَ سَبَبَيْهِ أَوْ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ كَمَا عَلِمْت فَتَنَبَّهْ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ الْحَطَّابُ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ أَيْ وُجُوبًا غَيْرَ مُحَتَّمٍ؛ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلسُّقُوطِ بِالْمَوْتِ وَالْفَوَاتِ فَإِذَا رَمَى الْعَقَبَةَ تَحَتَّمَ الْوُجُوبُ كَمَا نَقُولُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْعَوْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُحَتَّمٍ بِمَعْنَى أَنَّهَا تَسْقُطُ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ وَطَلَاقِهَا فَإِنْ وَطِئَ تَحَتَّمَ الْوُجُوبُ نَقَلَهُ كَنُونِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى عبق وَفِي حَاشِيَةِ الْبُنَانِيِّ عَلَى عبق إنَّ الْأَبِيَّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَحَادِيثِ الْإِشْرَاكِ فِي الْهَدْيِ عَلَى قَوْلِ الرَّاوِي فَأَمَرَنَا إذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ نَقْلٌ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَذْهَبُنَا أَنَّ هَدْيَ التَّمَتُّعِ إنَّمَا يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ. وَفِي وَقْتِ جَوَازِ نَحْرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: فَالصَّحِيحُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَحْرُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ اهـ. وَعَنْ عِيَاضٍ أَنَّهُ قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يُجِيزُ نَحْرَ الْهَدْيِ لِلتَّمَتُّعِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ بِالْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَنَا وَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ جَارٍ عَلَى تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَعَلَى تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ وَقَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأُصُولِ وَالْأَوَّلِ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ لِقَوْلِهِ إذَا أَحْلَلْنَا

стр. 259

لِلتَّوْرِيثِ بِالْفَرْضِ فِي أَنْكِحَةِ الْمَجُوسِ فَإِنَّهُ يَرِثُ بِأَقْوَاهُمَا وَيَسْقُطُ الْآخَرُ مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا يَقْتَضِي الْإِرْثَ كَالِابْنِ إذَا كَانَ أَخًا لِأُمٍّ كَمَا إذَا تَزَوَّجَ أُمَّهُ فَوَلَدُهَا حِينَئِذٍ ابْنُهُ وَهُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ فَإِنَّهُ يَرِثُ بِالْبُنُوَّةِ وَتَسْقُطُ الْأُخُوَّةُ أَمَّا إنْ كَانَا سَبَبَيْنِ الْفَرْضَ وَالتَّعْصِيبَ فَإِنَّهُ يَرِثُ بِهِمَا كَالزَّوْجِ ابْنُ عَمٍّ يَأْخُذُ النِّصْفَ بِالزَّوْجِيَّةِ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ بِكَوْنِهِ ابْنَ عَمٍّ فَهَذِهِ مَثَلٌ وَمَسَائِلُ تُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَدَاخُلِ الْأَسْبَابِ وَتَسَاقُطِهَا عَلَى اخْتِلَافِ التَّدَاخُلِ وَالتَّسَاقُطِ. (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَقَاصِدِ وَقَاعِدَةِ الْوَسَائِلِ) وَرُبَّمَا عَبَّرَ عَنْ الْوَسَائِلِ بِالذَّرَائِعِ وَهُوَ اصْطِلَاحُ أَصْحَابِنَا وَهَذَا اللَّفْظُ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِنَا وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ سَدُّ الذَّرَائِعِ وَمَعْنَاهُ حَسْمُ مَادَّةِ وَسَائِلِ الْفَسَادِ دَفْعًا لَهَا فَمَتَى كَانَ الْفِعْلُ السَّالِمُ عَنْ الْمَفْسَدَةِ وَسِيلَةً لِلْمَفْسَدَةِ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ وَلَيْسَ سَدُّ الذَّرَائِعِ مِنْ خَوَاصِّ مَذْهَبِ مَالِكٍ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ بَلْ الذَّرَائِعُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى سَدِّهِ وَمَنْعِهِ وَحَسْمِهِ كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إهْلَاكِهِمْ وَكَذَلِكَ إلْقَاءُ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ وَسَبُّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ سَبِّهَا وَقِسْمٌ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ مَنْعِهِ وَأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لَا تُسَدُّ وَوَسِيلَةٌ لَا تُحْسَمُ كَالْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ خَشْيَةَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَكَالْمَنْعِ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْبُيُوتِ خَشْيَةَ الزِّنَى. وَقِسْمٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُسَدُّ أَمْ لَا؟ كَبُيُوعِ الْآجَالِ عِنْدَنَا كَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ قَبْلَ الشَّهْرِ فَمَالِكٌ يَقُولُ: إنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ خَمْسَةً الْآنَ وَأَخَذَ عَشْرَةً آخِرَ الشَّهْرِ فَهَذِهِ وَسِيلَةٌ لِسَلَفِ خَمْسَةٍ بِعَشْرَةٍ إلَى أَجَلٍ تَوَسُّلًا بِإِظْهَارِ صُورَةِ الْبَيْعِ لِذَلِكَ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ يُنْظَرُ إلَى صُورَةِ الْبَيْعِ وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْبُيُوعُ يُقَالُ إنَّهَا تَصِلُ إلَى أَلْفِ مَسْأَلَةٍ اخْتَصَّ بِهَا مَالِكٌ وَخَالَفَهُ فِيهَا الشَّافِعِيُّ وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي النَّظَرِ إلَى النِّسَاءِ هَلْ يُحَرَّمُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الزِّنَى أَوْ لَا يُحَرَّمُ وَالْحُكْمُ بِالْعِلْمِ هَلْ يُحَرَّمُ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْقَضَاءِ بِالْبَاطِلِ مِنْ الْقُضَاةِ السُّوءِ أَوْ لَا يُحَرَّمُ وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ؛ لِأَنَّهُمْ يُؤَثِّرُونَ فِي السِّلَعِ بِصَنْعَتِهِمْ فَتَتَغَيَّرُ السِّلَعُ فَلَا يَعْرِفُهَا رَبُّهَا إذَا بِيعَتْ فَيَضْمَنُونَ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الْأَخْذِ أَمْ لَا يَضْمَنُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أُجَرَاءُ وَأَصْلُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْأَمَانَةِ قَوْلَانِ وَكَذَلِكَ تَضْمِينُ حَمَلَةِ الطَّعَامِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَقَاصِدِ وَقَاعِدَةِ الْوَسَائِلِ) قُلْت: جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ غَيْرَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْوَسَائِلِ حُكْمُ مَا أَفَضْت إلَيْهِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فِيمَا لَمْ يُصَرِّحْ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمَا قَالَ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالْخَمْسِينَ وَالْفَرْقِ السِّتِّينَ وَالْحَادِي وَالسِّتِّينَ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَنْ نُهْدِيَ. اهـ. قَالَ وَبِكَلَامِ الْأَبِيِّ هَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ صِحَّةُ حَمْلِ قَوْلِ خَلِيلٍ وَأَجْزَأَ قَبْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَيْ وَأَجْزَأَ نَحْرُ دَمِ التَّمَتُّعِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَسُقُوطُ تَعَقُّبِ الشُّرَّاحِ الْمُعْتَدِّ بِهِمْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ نَحْرَ الْهَدْيِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مُجْزِئٌ وَتَأَوُّلِهِمْ لَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ وَأَجْزَأَ دَمُ التَّمَتُّعِ بِمَعْنَى تَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَلَوْ عِنْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ بَلْ وَلَوْ سَاقَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ كَمَا يَأْتِي لَهُ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ لِذَلِكَ اهـ. بِتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ. وَقَالَ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونِ وَاللَّفْظُ لَهُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ مَا قَالَهُ الشُّرَّاحُ وَلَا دَلِيلَ لِلْبُنَانِيِّ فِي كَلَامِ الْأَبِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَالْجُمْهُورِ إلَخْ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جُمْهُورُ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ حَيْثُ أَطْلَقَهَا أَهْلُ الْخِلَافِ الْكَبِيرِ وَإِنْ كَانَتْ تَشْمَلُ الْإِمَامَ مَالِكًا لَكِنْ لَا تَصْرِيحَ فِيهَا بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ حُفَّاظِ الْمَذْهَبِ أَيْ كَالْبَاجِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَسَنَدٍ وَابْنِ الْفَرَسِ وَالْجُنَيْدِ وَغَيْرِهِمْ نَسَبُوا لَهُ عَكْسَ ذَلِكَ نَصًّا. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ عِيَاضٍ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْجَوَازِ هِيَ الْمَشْهُورَةُ أَوْ الرَّاجِحَةُ أَوْ مُسَاوِيَةٌ لِلْأُخْرَى عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يُجِيزُ نَحْرَ هَدْيِ التَّمَتُّعِ إلَخْ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَبِيِّ كَذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَا لِعِيَاضٍ فِي الْإِكْمَالِ فَإِنَّ الَّذِي فِيهِ تَقْلِيدُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ إلَخْ كَذَا فِي نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ مَظْنُونٍ بِهَا الصِّحَّةُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ أَيْ عِيَاضًا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا جَوَازَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ أَصْلًا وَإِنَّمَا ذَكَرَ جَوَازَ نَحْرِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ لَا قَبْلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَكَيْفَ يَذْكُرُ فِي ذَلِكَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ اللَّخْمِيَّ إنَّمَا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي التَّقْلِيدِ لَا فِي النَّحْرِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ لَفْظَةَ نَحْرٍ فِي نَقْلِ الْأَبِيِّ عَنْ عِيَاضٍ تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا هِيَ تَقْلِيدٌ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ كَلَامُ حُفَّاظِ الْمَذْهَبِ اُنْظُرْهُ فِي الرَّهُونِيِّ وَالْحَطَّابِ اهـ. وَخُلَاصَةُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُمَا أَنَّ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ وَإِنْ أَفَادَ أَنَّ الْقَوْلَ لَهُ بِجَوَازِ نَحْرِ دَمِ التَّمَتُّعِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ قَوْلَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمَشْهُورُ بَلْ هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُجْتَهِدِينَ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ حَيْثُ أَطْلَقَهَا أَهْلُ الْخِلَافِ الْكَبِيرِ وَشُمُولُهَا احْتِمَالًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ حِينَئِذٍ لَا يَقْتَضِي أَنَّهَا الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِهِ كَيْفَ وَقَدْ نَسَبَ لَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ

стр. 260

لِئَلَّا تَمْتَدَّ أَيْدِيهِمْ إلَيْهِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْمَسَائِلِ فَنَحْنُ قُلْنَا بِسَدِّ هَذِهِ الذَّرَائِعِ وَلَمْ يَقُلْ بِهَا الشَّافِعِيُّ فَلَيْسَ سَدُّ الذَّرَائِعِ خَاصًّا بِمَالِكٍ ﵀ بَلْ قَالَ بِهَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَصْلُ سَدِّهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. (تَنْبِيهٌ) اعْلَمْ أَنَّ الذَّرِيعَةَ كَمَا يَجِبُ سَدُّهَا يَجِبُ فَتْحُهَا وَتُكْرَهُ وَتُنْدَبُ وَتُبَاحُ فَإِنَّ الذَّرِيعَةَ هِيَ الْوَسِيلَةُ فَكَمَا أَنَّ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ فَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ كَالسَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ وَمَوَارِدُ الْأَحْكَامِ عَلَى قِسْمَيْنِ مَقَاصِدُ وَهِيَ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِي أَنْفُسِهَا وَوَسَائِلُ وَهِيَ الطُّرُقُ الْمُفْضِيَةُ إلَيْهَا وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا أَفَضْت إلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ غَيْرَ أَنَّهَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ فِي حُكْمِهَا وَالْوَسِيلَةُ إلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ وَإِلَى أَقْبَحِ الْمَقَاصِدِ أَقْبَحُ الْوَسَائِلِ وَإِلَى مَا يُتَوَسَّطُ مُتَوَسِّطَةٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْوَسَائِلِ الْحَسَنَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ فِعْلِهِمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمَا حَصَلَا لَهُمْ بِسَبَبِ التَّوَسُّلِ إلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَصَوْنِ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الِاسْتِعْدَادُ وَسِيلَةَ الْوَسِيلَةِ. (تَنْبِيهٌ) الْقَاعِدَةُ أَنَّهُ كُلَّمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْمَقْصِدِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْوَسِيلَةِ فَإِنَّهَا تَبَعٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ وَقَدْ خُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْحَجِّ فِي إمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إزَالَةِ الشَّعْرِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةُ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ إذَا أَفَضْت إلَى مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ كَالتَّوَسُّلِ إلَى فِدَاءِ الْأَسَارَى بِدَفْعِ الْمَالِ لِلْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَنَا وَكَدَفْعِ مَالٍ لِرَجُلٍ يَأْكُلُهُ حَرَامًا حَتَّى لَا يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ إذَا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ عَنْهَا إلَّا بِذَلِكَ، وَكَدَفْعِ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِ حَتَّى لَا يَقَعَ الْقَتْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَكِنَّهُ اشْتَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، فَهَذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا الدَّفْعُ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَعْصِيَةِ بِأَكْلِ الْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ لِرُجْحَانِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ. (تَنْبِيهٌ) تَفَرَّعَ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ فَرْقٌ آخَرُ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ الْمَعَاصِي أَسْبَابًا لِلرُّخَصِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مُقَارَنَةِ الْمَعَاصِي لِأَسْبَابِ الرُّخَصِ، فَإِنَّ الْأَسْبَابَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَسَائِلِ وَقَدْ الْتَبَسَتْ هَاهُنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَأَمَّا الْمَعَاصِي فَلَا تَكُونُ أَسْبَابًا لِلرُّخَصِ وَلِذَلِكَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ هَذَيْنِ السَّفَرُ وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُنَاسِبُ الرُّخْصَةَ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ التَّرَخُّصِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ سَعْيٌ فِي تَكْثِيرِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِسَبَبِهَا. وَأَمَّا مُقَارَنَةُ الْمَعَاصِي لِأَسْبَابِ الرُّخَصِ فَلَا تَمْتَنِعُ إجْمَاعًا كَمَا يَجُوزُ لِأَفْسَقِ النَّاسِ وَأَعْصَاهُمْ التَّيَمُّمُ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَهُوَ رُخْصَةٌ وَكَذَلِكَ الْفِطْرُ إذَا أَضَرَّ بِهِ الصَّوْمُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ حُفَّاظِ الْمَذْهَبِ عَكْسَ ذَلِكَ نَصًّا وَأَنَّ كَلَامَ عِيَاضٍ عَلَى نَقْلِ الْأَبِيِّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالْجَوَازِ مَشْهُورَةٌ أَوْ رَاجِحَةٌ أَوْ مُسَاوِيَةٌ لِلْأُخْرَى عَلَى أَنَّ فِي نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ مَظْنُونٍ بِهَا الصِّحَّةُ مِنْ نُسَخِ الْإِكْمَالِ مُخَالِفَةٍ لِمَا فِي نَقْلِ الْأَبِيِّ عَنْهُ حَيْثُ إنَّهَا بِلَفْظٍ يُجِيزُ تَقْلِيدَ هَدْيِ التَّمَتُّعِ إلَخْ لَا بِلَفْظٍ يُجِيزُ نَحْرَ هَدْيٍ إلَخْ كَمَا فِي نَقْلِ الْأَبِيِّ وَيُؤَيِّدُهَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: ذَكَرَ عِيَاضٌ الْمَسْأَلَةَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِدُونِ أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا جَوَازَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ جَوَازَ النَّحْرِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ لَا قَبْلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَقَطْ فَكَيْفَ يَذْكُرُ فِي ذَلِكَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ اللَّخْمِيَّ إنَّمَا ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي التَّقْلِيدِ لَا فِي النَّحْرِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ لَفْظَةَ نَحْرٍ فِي نَقْلِ الْأَبِيِّ عَنْ عِيَاضٍ تَصْحِيفٌ وَإِنَّمَا هِيَ تَقْلِيدٌ كَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ كَلَامُ حُفَّاظِ الْمَذْهَبِ، نَعَمْ الْقَوْلُ بِجَوَازِ نَحْرِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَإِنْ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِنَا إلَّا أَنَّهُ قَوِيٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ كُلَّ حَقٍّ مَالِيٍّ تَعَلَّقَ بِسَبَبَيْنِ جَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى ثَانِيهِمَا كَمَا نَقَلَهُ الْجَمَلُ عَلَى الْجَلَالَيْنِ عَنْ شَيْخِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا صَوْمُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ مِمَّنْ فَقَدَ الْهَدْيَ أَوْ ثَمَنَهُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى ثَانِي سَبَبَيْهَا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا مَالِيَّةٌ اهـ. قُلْت: وَقَدْ تَرَتَّبَ الْآنَ عَلَى إخْرَاجِ الْهَدْيِ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْحِلِّ وَذَبْحِهِ بِمَكَّةَ وَعَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مِنًى وَذَبْحُهُ بِمِنًى إمَّا إتْلَافُ مَالٍ وَإِمَّا عَدَمُ انْتِفَاعِ الْفُقَرَاءِ بِالْهَدْيِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ حَجَّ وَشَاهَدَ ذَلِكَ فَالْأَسْهَلُ إمَّا الْعَمَلُ بِمُقَابِلِ الْمَشْهُورِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالشَّاذِّ فِي خَاصَّةِ النَّفْسِ وَأَنَّهُ يُقْدِمُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَغَارِبَةِ وَإِمَّا تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَازِ نَحْرِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ بِنَاءً عَلَى مَا نَقَلَهُ الدُّسُوقِيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْعَمَلِ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ فِي خَاصَّةِ النَّفْسِ بَلْ يُقَدِّمُ الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ رَاجِحًا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْغَيْرِ قَوِيٌّ فِي مَذْهَبِهِ وَتَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْجَمْعِ فِي الْهَدْيِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ عِنْدَنَا فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ نَصٌّ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي نَازِلَةٍ فَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَسَائِلَ الْخِلَافِ الَّتِي بَيْنَ مَالِكٍ وَبَيْنَهُ اثْنَانِ

стр. 261

وَالْجُلُوسُ إذَا أَضَرَّ بِهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَيُقَارِضُ وَيُسَاقِي وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الرُّخَصِ وَلَا تَمْنَعُ الْمَعَاصِي مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ هَذِهِ الْأُمُورِ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ بَلْ هِيَ عَجْزُهُ عَنْ الصَّوْمِ وَنَحْوُهُ وَالْعَجْزُ لَيْسَ مَعْصِيَةً فَالْمَعْصِيَةُ هَاهُنَا مُقَارَنَةٌ لِلسَّبَبِ لَا سَبَبٌ وَبِهَذَا الْفَرْقِ يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ لَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ إذَا اضْطَرَّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ أَكْلِهِ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا سَفَرُهُ فَالْمَعْصِيَةُ مُقَارِنَةٌ لِسَبَبِ الرُّخْصَةِ لَا أَنَّهَا هِيَ السَّبَبُ وَيَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ أَنْ لَا يُبِيحَ لِلْعَاصِي جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَرْقَ فَهُوَ جَلِيلٌ حَسَنٌ فِي الْفِقْهِ وَيَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ أَنْ يَجْعَلَ السَّفَرَ هُوَ سَبَبُ عَدَمِ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ حَتَّى احْتَاجَ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِيَسْرِقَ فَوَقَعَ فَانْكَسَرَتْ يَدُهُ أَنْ لَا يَمْسَحَ عَلَى الْجَبِيرَةِ وَلَا يُفْطِرَ إذَا خَافَ مِنْ الصَّوْمِ وَمِنْ الْكَسْرِ الْهَلَاكَ وَأَنْ لَا يَتَيَمَّمَ إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ حَتَّى يَتُوبَ كَمَا قَالَ فِي الْأَكْلِ فِي السَّفَرِ فَيَلْزَمُ بَقَاءُ الْمُصِرِّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ بِلَا صَلَاةٍ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ وَتَتَعَطَّلُ عَلَيْهِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَا قَائِلَ بِهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ عِلَّةِ الْإِذْنِ أَوْ التَّحْرِيمِ وَبَيْنَ عَدَمِ عِلَّةِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْعِلَلِ) اعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ الْآخَرِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْعِلَلِ فَعَدَمُ عِلَّةِ الْإِذْنِ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ وَعَدَمُ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ عِلَّةُ الْإِذْنِ. وَأَمَّا عَدَمُ عِلَّةِ الْوُجُوبِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَدْ يَكُونُ غَيْرُ الْوَاجِبِ مُحَرَّمًا وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا، وَكَذَلِكَ عَدَمُ عِلَّةِ النَّدْبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ قَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَاجِبًا أَوْ مُحَرَّمًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَتَى عُدِمَتْ عِلَّةُ الْإِذْنِ تَعَيَّنَ التَّحْرِيمُ وَمَتَى عُدِمَتْ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ تَعَيَّنَ الْإِذْنُ وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) عِلَّةُ النَّجَاسَةِ الِاسْتِقْذَارُ فَمَتَى كَانَتْ الْعَيْنُ لَيْسَتْ بِمُسْتَقْذَرَةٍ فَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْعَيْنِ عَدَمُ النَّجَاسَةِ وَأَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً فَعِلَّةُ الطَّهَارَةِ عَدَمُ عِلَّةِ النَّجَاسَةِ فَهَذَا هُوَ شَأْنُ هَذَا الْمَقَامِ إلَّا أَنْ يَحْدُثَ مُعَارِضٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى يُعَارِضُنَا عِنْدَ عَدَمِ الْعِلَّةِ كَمَا فِي الْخَمْرِ، فَإِنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِمُسْتَقْذَرَةٍ وَإِنَّمَا قُضِيَ بِتَنْجِيسِهَا؛ لِأَنَّهَا مَطْلُوبَةُ الْإِبْعَادِ وَالْقَوْلُ بِتَنْجِيسِهَا يُفْضِي إلَى إبْعَادِهَا وَمَا يُفْضِي إلَى الْمَطْلُوبِ مَطْلُوبٌ فَتَنْجِيسُهَا مَطْلُوبٌ فَتَكُونُ نَجِسَةً فَهَذِهِ عِلَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ الِاسْتِقْذَارِ وُجِدَتْ عِنْدَ عَدَمِهِ فَقَامَتْ مَقَامَهُ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ مَا ذَكَرَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَلِّلَ النَّجَاسَةَ وَإِذَا سَأَلَتْهُ عَنْ عِلَّةِ الطَّهَارَةِ لَا يَعْلَمُهَا وَهِيَ عَدَمُ عِلَّةِ النَّجَاسَةِ وَإِذَا سُئِلَ أَيْضًا أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَنْ النَّجَاسَةِ إلَى أَيِّ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ تَرْجِعُ رُبَّمَا عَسِرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَظَنَّ أَنَّهَا حُكْمٌ آخَرُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَضْعِ أَوْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ تَرْجِعُ إلَى أَحَدِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ وَكَذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً فَقَطْ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ وَعَلَيْهِ جَرَى عَمَلُ جَدِّ عج أَنَّهُ يَنْتَقِلُ فِي تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْخَرَشِيِّ لِلشَّيْخِ عَلِيٍّ الْعَدَوِيِّ وَإِذَا قَلَّدَ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ الْهَدْيِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّلْفِيقِ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ مَذْهَبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فُسْحَةٌ فِي الدِّينِ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْخَرَشِيِّ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مِلْكِ الْقَرِيبِ مِلْكًا مُحَقَّقًا يَقْتَضِي الْعِتْقَ عَلَى الْمَالِكِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مِلْكِ الْقَرِيبِ مِلْكًا مُقَدَّرًا] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مِلْكِ الْقَرِيبِ مِلْكًا مُحَقَّقًا يَقْتَضِي الْعِتْقَ عَلَى الْمَالِكِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مِلْكِ الْقَرِيبِ مِلْكًا مُقَدَّرًا لَا يَقْتَضِي الْعِتْقَ عَلَى الْمَالِكِ) بِنَاءً عَلَى مَا زَعَمَهُ الْأَصْلُ مِنْ لُزُومِ تَقْدِيرِ الْمِلْكِ لِلْقَرِيبِ كَالْأَبِ إذَا طَلَبَ قَرِيبُهُ كَابْنِهِ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَعْتِقَ عَنْ كَفَّارَةٍ عَلَيْهِ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ فَأَعْتَقَ الْمَطْلُوبُ عَنْ الطَّالِبِ أَبَاهُ فِي الْكَفَّارَةِ الَّتِي عَلَيْهِ وَأَنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الِابْنِ مِنْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي عَلَيْهِ وَصَيْرُورَةَ وَلَاءِ أَبِيهِ لَهُ بِعِتْقِ مَالِكِهِ لَهُ عَنْهُ فِي كَفَّارَتِهِ يَتَوَقَّفَانِ عَلَى تَقْدِيرِ الْمِلْكِ لِلِابْنِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ قَبْلَ صُدُورِ الْعِتْقِ فِي الزَّمَنِ الْفَرْدِ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لِضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ وَأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ الْمُقَدَّرَ بِضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ يُفَارِقُ الْمِلْكَ الْمُحَقَّقَ الْحَاصِلَ بِنَحْوِ الشِّرَاءِ لِلْآبَاءِ أَوْ لِلْأَبْنَاءِ أَوْ لِنَحْوِهِمْ فِي اقْتِضَاءِ الْمُحَقَّقِ الْعِتْقَ دُونَ الْمُقَدَّرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمِلْكِ الْمُقَدَّرِ هُوَ أَنَّ بِالْمَمْلُوكِ مِنْ جِهَةِ مَنْ قُدِّرَ الْمِلْكُ لَهُ حَتَّى يُنَافِيَ الْإِجْلَالَ لِلْآبَاءِ وَالِاحْتِرَامَ لِلْأَبْنَاءِ وَنَحْوَهُمْ الْمَطْلُوبُ شَرْعًا كَمَا فِي الْمُحَقَّقِ فَإِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنَّمَا الشَّرْعُ أَعْطَى هَذَا الْمِلْكَ الْمَعْدُومَ حُكْمَ الْمَوْجُودِ لِمَا ذَكَرَ وَالْوَاقِعُ الْمُحَقَّقُ عَدَمُ الْمِلْكِ فَلَا جَرَمَ لَا يَلْزَمُ بِهَذَا الْمِلْكِ الْمُقَدَّرِ عِتْقٌ بَلْ يَقَعُ عِتْقُ وَالِدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَتُجْزِئُ عَنْهُ إذْ لَوْ قُلْنَا: إنَّهُ عِتْقٌ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ لَمْ يَجُزْ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْعَتَاقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَا يُجْزِئُ عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ اهـ. وَالْحَقُّ أَنَّ تَقْدِيرَ الْمِلْكِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِاللَّازِمِ بَلْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ إجْزَاءِ الْعِتْقِ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ وَثُبُوتِ الْوَلَاءِ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مِلْكِهِ لِمَنْ أَعْتَقَ عَنْهُ فَفِي شَرْحِ الْمَوَّاقِ عَلَى خَلِيلِ: ابْنُ رُشْدٍ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَوَلَاؤُك لِي لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَالْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ اهـ. وَلَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ وَهُوَ صِحَّةُ الْعِتْقِ عَنْ الْمَيِّتِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ

стр. 262

إذَا قِيلَ لَهُمْ مَا الطَّهَارَةُ عَسِرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ حَتَّى رَأَيْت لِبَعْضِ الْأَكَابِرِ أَنَّ الطَّهَارَةَ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الطَّهُورِ فِي الْعَيْنِ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالطَّهَارَةِ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ بُطُونَ الْجِبَالِ وَتِلَالَ الرِّمَالِ وَبُطُونَ الْأَرْضِ طَاهِرَةٌ مَعَ عَدَمِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهَا بَلْ النَّجَاسَةُ تَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ الْمُلَابَسَةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَالْأَغْذِيَةِ لِأَجْلٍ الِاسْتِقْذَارِ أَوْ التَّوَسُّلِ لِلْإِبْعَادِ فَقَوْلِي لِأَجْلِ الِاسْتِقْذَارِ احْتِرَازًا مِنْ السَّمُومِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ مُلَابَسَتُهَا فِي الْأَغْذِيَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَغْذِيَةُ وَالْأَشْرِبَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْأَسْقَامِ وَالْأَمْرَاضِ تَحْرُمُ مُلَابَسَتُهَا فِي الْأَغْذِيَةِ وَلَيْسَتْ نَجِسَةً وَقَوْلِي أَوْ التَّوَسُّلِ لِلْإِبْعَادِ احْتِرَازًا مِنْ الْخَمْرِ حَتَّى تَنْدَرِجَ فِي الْحَدِّ، وَلَوْ اقْتَصَرْت عَلَى قَوْلِي تَحْرُمُ مُلَابَسَتُهَا فِي الصَّلَوَاتِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا لَكِنْ أَرَدْت بِذِكْرِ الْأَغْذِيَةِ زِيَادَةَ الْبَيَانِ وَالطَّهَارَةُ عِبَارَةٌ عَنْ إبَاحَةِ الْمُلَابَسَةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ تَنْدَرِجُ بُطُونُ الْجِبَالِ وَسَائِرُ الْأَعْيَانِ فَظَهَرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَرْجِعُ لِلتَّحْرِيمِ وَالطَّهَارَةُ تَرْجِعُ لِلْإِبَاحَةِ وَأَنَّ عَدَمَ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ عِلَّةُ الطَّهَارَةِ وَأَنَّ عَدَمَ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) تَحْرِيمُ الْخَمْرِ مُعَلَّلٌ بِالْإِسْكَارِ فَمَتَى زَالَ الْإِسْكَارُ زَالَ التَّحْرِيمُ وَثَبَتَ الْإِذْنُ وَجَازَ أَكْلُهَا وَشُرْبُهَا وَعِلَّةُ إبَاحَةِ شُرْبِ الْعَصِيرِ مُسَالَمَتُهُ لِلْعَقْلِ وَسَلَامَتُهُ عَنْ الْمَفَاسِدِ فَعَدَمُ هَذِهِ الْمُسَالَمَةِ وَالسَّلَامَةِ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِهِ فَظَهَرَ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عَدَمَ التَّحْرِيمِ عِلَّةُ الْإِذْنِ وَعَدَمُ عِلَّةِ الْإِذْنِ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْحَدَثُ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِلْوُضُوءِ فَلِذَلِكَ يُقَالُ أَحْدَثَ إذَا خَرَجَ مِنْهُ خَارِجٌ وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى هَذَا السَّبَبِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْعُلَمَاءِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ بِفِعْلِهِ أَيْ يَنْوِي ارْتِفَاعَ الْمَنْعِ الْمُرَتَّبِ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا يُمْكِنُ فِي نِيَّتِهِ رَفْعُ الْحَدَثِ إلَّا بِهَذَا فَإِنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلْوُضُوءِ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ وَاقِعَةً دَاخِلَةً فِي الْوُجُودِ وَلَا يُمْكِنُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ يَرْفَعُ تِلْكَ الْأَعْيَانَ الْمُسْتَقْذَرَةَ مِنْ غَيْرِهَا بِوُضُوءٍ بَلْ الَّذِي يَنْوِي بِرَفْعِهِ هَذَا الْمَنْعَ الْمُرَتَّبَ عَلَى تِلْكَ الْأَسْبَابِ، وَالْمَنْعُ وَإِنْ كَانَ أَيْضًا وَقَعَ وَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَاقِعَاتِ وَالْوَاقِعَاتُ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهَا غَيْرَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِرَفْعِهِ مَنْعُ اسْتِمْرَارِهِ كَمَا أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَمْنَعُ اسْتِمْرَارَ مَنْعِ الْوَطْءِ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ كَذَلِكَ هَاهُنَا وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَعْرِفُ مَعْنَى الْحَدَثِ أَيْضًا وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ مُلَابَسَةِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَطَهَّرَ وَإِذَا كَانَ الْحَدَثُ عِبَارَةً عَنْ التَّحْرِيمِ، فَإِذَا تَطَهَّرَ الْإِنْسَانُ وَصَارَ يُبَاحُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعِبَادَةِ فَالْإِبَاحَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُضَافَةٌ إلَى عَدَمِ سَبَبٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ فَعِلَّةُ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ عَدَمُ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ فَذَلِكَ الْخَارِجُ مَثَلًا هُوَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ وَعَدَمُهُ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ بَعْدَ التَّطَهُّرِ وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ سَبَبُ ارْتِفَاعِ ذَلِكَ الْمَنْعِ وَحُصُولُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَنْ يَمْلِكَ ثُمَّ أَنَّ الْمُعْتِقَ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ إلَى ذَلِكَ الْمُقَدَّرِ وَلَوْ قَصَدَ إلَيْهِ لَمَا صَحَّ عِتْقُهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ كَأَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ مُعْتِقًا مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَقَدُّمِ تَوْكِيلِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ إنَّمَا يُتَّجَهُ إذَا كَانَ الْعِتْقُ بِإِذْنِهِ أَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا يُتَّجَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِالتَّقْدِيرِ مَا يَرْجِعُ إلَى الْبَارِي تَعَالَى وَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ تَعَالَى تَقْدِيرُ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ بِالْمَعْنَى الَّذِي يُقَالُ ذَلِكَ فِي حَقِّنَا بَلْ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ إلَّا الْعِلْمُ بِوُجُودِ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَوْ بِعَدَمِهِ وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يَرْجِعُ إلَيْنَا وَهُوَ أَيْضًا مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ سَبَبُ قِيَامِ الْخَبَرِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ الِابْنِ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَصَيْرُورَةِ وَلَاءِ أَبِيهِ لَهُ بِعِتْقِ مَالِكِهِ لَهُ عَنْهُ فِي كَفَّارَتِهِ بِذَاتِهِ تَعَالَى تَقْدِيرُنَا نَحْنُ ذَلِكَ الْأَمْرَ وَتَقْدِيرُنَا حَادِثٌ فَيَلْزَمُ حُدُوثُ ذَلِكَ الْخَبَرِ لِضَرُورَةِ سَبْقِ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ أَوْ مَعِيَّتِه، وَبِالْجُمْلَةِ الْقَوْلُ بِتِلْكَ التَّقْدِيرَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَصِحُّ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ الشَّاطِّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ حَاشِيَتِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَوَابُ عَنْ التَّرْدِيدِ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الثَّانِي وَإِرْجَاعِ سَبَبِيَّةِ التَّقْدِيرِ لِلْمُخْبِرِ بِهِ لَا لِقِيَامِ الْخَبَرِ بِذَاتِهِ تَعَالَى فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْوَاقِعَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَقْدِيرِ ارْتِفَاعِهَا] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْوَاقِعَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَقْدِيرِ ارْتِفَاعِهَا) وَهُوَ أَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعَاتِ مُسْتَحِيلٌ مُطْلَقًا وَأَنَّ تَقْدِيرَ ارْتِفَاعِهَا مُمْكِنٌ مُطْلَقًا وَقَدْ ثَبَتَ الْحُكْمُ لِلتَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ بِإِعْطَاءِ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ أَوْ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا تَقْدِيرُ النَّجَاسَةِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فِي صُوَرِ الضَّرُورَاتِ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَوْضِعِ الْحَدَثِ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ. وَمِنْهَا تَقْدِيرُ رَفْعِ الْإِبَاحَةِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا قَبْلَ الرَّدِّ وَنَقَلَ ارْتَفَعَ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ لَا مِنْ حِينِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ يُعْطِيهِ الْآنَ حُكْمَ عَقْدٍ لَمْ يُوجَدْ إلَّا أَنَّهُ يُرْفَعُ بَعْدَ وُجُودِهِ حَتَّى يُقَالَ الْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ مُحَالٌ وَإِخْرَاجُ مَا تَضَمَّنَهُ الزَّمَانُ الْمَاضِي مُحَالٌ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ وَالْبَهَائِمِ الْمَبِيعَةِ لِمَنْ تَكُونُ وَكَذَلِكَ الْغَلَّاتُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي لِلْبَائِعِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَقْدِيرِ الْعَقْدِ مَعْدُومًا مِنْ أَصْلِهِ وَلِلْمُشْتَرِي عَلَى الْقَوْلِ بِتَقْدِيرِهِ مَعْدُومًا مِنْ حِينِهِ، وَمِنْهَا تَقْدِيرُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ إبَاحَةِ وَطْءِ الزَّوْجَةِ الَّتِي قَالَ لَهَا: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ آخِرَ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى أَنْ يُقْدِمَ زَيْدٌ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ لَا أَنَّنَا نَعْتَقِدُ أَنَّهَا ارْتَفَعَتْ

стр. 263

هَذِهِ الْإِبَاحَةِ فَحَصَلَ أَيْضًا فِي هَذَا الْمِثَالِ أَنَّ عِلَّةَ الْإِبَاحَةِ عَدَمُ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وَعَدَمُ سَبَبِ الْإِبَاحَةِ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت لِمَ لَا يَكُونُ الْوُضُوءُ مَثَلًا هُوَ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ وَعَدَمُهُ هُوَ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ وَلَا حَاجَةَ إلَى اعْتِبَارِ تِلْكَ الْفَضَلَاتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَنَحْوِهَا قُلْت لَا خَفَاءَ أَنَّ الْوُضُوءَ مُوجِبٌ لِلْإِبَاحَةِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَمَا هُوَ مُشْتَرَطٌ فِيهِ الْوُضُوءُ وَنَقُولُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الطَّهَارَةُ سَبَبٌ لِلْإِبَاحَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ حَتَّى يَطْرَأَ الْحَدَثُ وَالْحَدَثُ سَبَبُ الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ حَتَّى تَطْرَأَ الطَّهَارَةُ وَيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ فَإِنَّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ بِالْكُلِّيَّةِ سَبَبُ الْمَنْعِ وَعَدَمُ الْحَدَثِ بِالْكُلِّيَّةِ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ فَإِنْ قُلْت فَمَنْ لَمْ يُحْدِثْ قَطُّ يَلْزَمْك أَنْ تُبَاحَ لَهُ الصَّلَاةُ وَإِنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْإِبَاحَةِ مَوْجُودٌ فِي حَقِّهِ وَهُوَ عَدَمُ الْحَدَثِ قُلْت الْتَزَمَهُ مَعَ أَنَّهُ فَرْضٌ مُحَالٌ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ فَضَلَاتُ غِذَائِهِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَعِنْدَ الْوِلَادَةِ فَإِذَا فُرِضَ وُقُوعُ هَذَا الْمُحَالِ وَهُوَ عَدَمُ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ لَا مَانِعَ لِي مِنْ الْتِزَامِ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّهِ لَا بِنَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ. وَكَذَلِكَ أَقُولُ فِي الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فِي سَبَبِ الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ حَتَّى تَطْرَأَ الطَّهَارَةُ وَالطَّهَارَةُ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ حَتَّى تَطْرَأَ هَذِهِ الْأَحْدَاثُ وَعَدَمُ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَلَوْلَا اشْتِرَاطُ صَاحِبِ الشَّرْعِ الْوُضُوءَ لَأَبَحْنَا الصَّلَاةَ لِمَنْ عُدِمَتْ فِي حَقِّهِ هَذِهِ الْأَحْدَاثُ الْكِبَارُ وَصَحَّ لَنَا حِينَئِذٍ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ وَالطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى أَنَّ عَدَمَ سَبَبِ الْإِبَاحَةِ سَبَبُ الْمَنْعِ وَعَدَمُ سَبَبِ الْمَنْعِ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ وَاطَّرَدَتْ الْقَاعِدَةُ وَهَذَا الْخِلَافُ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَعِلَّتُهُ فَإِنَّ سَبَبَ وُجُوبِ إرَاقَةِ دَمِ الْمُرْتَدِّ رِدَّتُهُ فَإِذَا فُقِدَتْ الرِّدَّةُ كَانَ دَمُهُ حَرَامًا وَسَبَبُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ الزَّوْجِيَّةُ أَوْ الْقَرَابَةُ، فَإِذَا عُدِمَ ذَلِكَ لَا تَحْرُمُ النَّفَقَةُ بَلْ يُنْدَبُ إلَيْهَا فِي الْأَجَانِبِ وَسَبَبُ وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ حُضُورُ مَحَلِّهَا الَّذِي هُوَ الْقِيَامُ فَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ وَعُدِمَ الْقِيَامُ كُرِهَتْ الْقِرَاءَةُ فَلَمَّا كَانَ عَدَمُ سَبَبِ الْوُجُوبِ لَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ ذَلِكَ حُكْمًا مُعَيَّنًا فَارَقَ بِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عِلَّةِ الْإِبَاحَةِ وَالْمَنْعِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ. (الْفَرْقُ السِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إثْبَاتِ النَّقِيضِ فِي الْمَفْهُومِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إثْبَاتِ الضِّدِّ فِيهِ) اعْلَمْ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُكْمَ الْمَنْطُوقَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَهَلْ الْقَاعِدَةُ فِيهِ عِنْدَ الْقَضَاءِ بِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ يَقْتَضِي إثْبَاتَ ضِدِّ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ أَوْ إثْبَاتَ نَقِيضِهِ، وَالثَّانِي هُوَ الْحَقُّ بِأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ لِلْمَنْطُوقِ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْمَسْكُوتِ أَلْبَتَّةَ فَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى عَشْرَةِ أَقْسَامٍ كُلُّهَا مُسْتَقِيمَةٌ مَعَ النَّقِيضِ فَقَطْ مَفْهُومُ الْعِلَّةِ نَحْوَ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَهُوَ حَرَامٌ مَفْهُومُهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ كَثِيرُهُ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَمَفْهُومُ الصِّفَةِ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ مَفْهُومُهُ مَا لَيْسَ بِسَائِمَةٍ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ مَنْ تَطَهَّرَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَفْهُومُهُ مَنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَمَفْهُومُ الْمَانِعِ لَا يُسْقِطُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ الزَّمَنِ الْمَاضِي حَتَّى يَلْزَمَ الْمُحَالُ مِنْ رَفْعِ الْوَاقِعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَهَلْ تَطْلُقُ مِنْ الْآنَ أَوْ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَهُوَ الَّذِي يَرَاهُ ابْنُ يُونُسَ مِنْ أَصْحَابِنَا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ فَيَقْضِي بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالتَّحْرِيمِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَيُقَدَّرُ الْآنَ أَنَّ الْإِبَاحَةَ الْكَائِنَةَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَوَسَطِهِ فِي حُكْمِ الْمُرْتَفِعَةِ لَا إنَّنَا نَجْزِمُ بِارْتِفَاعِهَا بِالْفِعْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَالْبَحْثُ فِيهَا مَعَ الشَّافِعِيِّ فِي بَابِ فَرْقِ الشُّرُوطِ فَلْتُطَالَعْ ثَمَّةَ، وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ التَّقْدِيرِ الَّتِي لَا يَخْلُو بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ عَنْهَا، نَعَمْ لَيْسَ مِنْهَا تَقْدِيرُ الْمِلْكِ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ؛ إذْ لَا حَاجَةَ إلَى التَّقْدِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا مِنْهَا تَقْدِيرُ مِلْكِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ بَعْدَ إنْقَاذِ الْمُقَاتِلِ وَقَبْلَ زُهُوقِ الرُّوحِ بَلْ هُوَ مَوْضِعُ تَحْقِيقِ الْمِلْكِ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ الشَّاطِّ. قُلْت: وَلَيْسَ مِنْهَا أَيْضًا مَسْأَلَةُ تَأْثِيرِ رَفْضِ النِّيَّةِ فِيمَا عَدَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فِي الْأَثْنَاءِ اتِّفَاقًا فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَعَلَى الْخِلَافِ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَالِاعْتِكَافِ وَلَا تَأْثِيرِ رَفْضِهَا فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَلَى الْخِلَافِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلرَّفْضِ فِي الْأَثْنَاءِ فَلِأَنَّ الْحَقَّ صِحَّتُهُ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ بِدُونِ احْتِيَاجٍ إلَى التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ قَاصِدًا بِالْعِبَادَةِ امْتِثَالَ الْأَمْرِ ثُمَّ أَتَمَّهَا بِنِيَّةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ بِعِبَادَتِهِ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا كَالْمُتَطَهِّرِ يَنْوِي أَوَّلًا رَفْعَ الْحَدَثِ ثُمَّ يَنْسَخُ تِلْكَ النِّيَّةَ ثَانِيًا بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوْ التَّنَظُّفِ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْبَدَنِيَّةِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلرَّفْضِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ صِحَّتِهِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ ضَرُورَةَ أَنَّ صِحَّتَهُ حِينَئِذٍ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى رُجُوعِهِ لِلتَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ بَعْدَ كَمَالِهَا عَلَى مَشْرُوطِهَا قَصْدُهُ أَنْ لَا تَكُونَ عِبَادَةً وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمُهَا مِنْ إجْزَاءٍ أَوْ اسْتِبَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَالْوَاقِعُ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَلَزِمَ أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِيهَا بَلْ تَكُونُ عَلَى حُكْمِهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَصْدُ. وَخَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ خِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالِاعْتِكَافِ فَمِنْ هُنَا نَقَلَ صَاحِبُ الْجَمْعِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ الرَّفْضِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعِبَادَةِ عِنْدِي أَصَحُّ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَرْجِعُ إلَى التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ يَسْتَحِيلُ رَفْضُهُ وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ

стр. 264

الزَّكَاةَ إلَّا الدَّيْنُ مَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ وَمَفْهُومُ الزَّمَانِ سَافَرْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يُسَافِرْ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَمَفْهُومُ الْمَكَانِ جَلَسْت أَمَامَك مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ عَنْ يَمِينِك وَمَفْهُومُ الْغَايَةِ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مَفْهُومُهُ لَا يَجِبُ بَعْدَ اللَّيْلِ وَمَفْهُومُ الْحَصْرِ إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ وَمَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا مَفْهُومُهُ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ نَحْوَ فِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ مَفْهُومُهُ لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الْغَنَمِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ وَهُوَ أَضْعَفُهَا فَهَذِهِ الْمَفْهُومَاتُ جَمِيعُهَا أَثْبَتْنَا فِيهَا نَقِيضَ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لِلْمَسْكُوتِ وَحَصَلَ فِيهَا مَعْنَى الْمَفْهُومِ فَظَهَرَ أَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ إثْبَاتُ نَقِيضِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لِلْمَسْكُوتِ وَأَنَّ هَذَا هُوَ قَاعِدَتُهُ وَلَيْسَ قَاعِدَتُهُ إثْبَاتَ الضِّدِّ. وَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] أَنَّ مَفْهُومَهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَهُ بَلْ مَفْهُومُهُ عَدَمُ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَعَدَمُ التَّحْرِيمِ صَادِقٌ مَعَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ الْأَعَمَّ مِنْ الشَّيْءِ لَا يُسْتَلْزَمُ فَلَا يَلْزَمُ الْوُجُوبُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ دَأْبُك أَبَدًا فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ إثْبَاتَ النَّقِيضِ فَقَطْ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِلضِّدِّ أَلْبَتَّةَ لِمَا ظَهَرَ لَك مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ. (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَفْهُومَاتِ) فَإِنَّ قَاعِدَةَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ لَمْ يَقُلْ بِهَا إلَّا الدَّقَّاقُ وَقَاعِدَةُ مَفْهُومِ غَيْرِ اللَّقَبِ قَالَ بِهَا جَمْعٌ كَثِيرٌ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ أَصْلُهُ كَمَا قَالَ التَّبْرِيزِيُّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي قَوْلِنَا لَقَبٌ. وَأَمَّا أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ نَحْوِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَنَحْوِهِمَا لَا يُقَالُ لَهَا لَقَبٌ فَالْأَصْلُ حِينَئِذٍ إنَّمَا هِيَ الْأَعْلَامُ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، قَالَ: وَيَلْحَقُ بِهَا أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَلَمَ نَحْوَ قَوْلِنَا أَكْرِمْ زَيْدًا أَوْ اسْمَ الْجِنْسِ نَحْوَ زَكِّ عَنْ الْغَنَمِ لَا إشْعَارَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ وَمَفْهُومُ الصِّفَةِ وَنَحْوُهُ فِيهِ رَائِحَةُ التَّعْلِيلِ فَإِنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ أَيْضًا فَمَتَى جُعِلَ الشَّيْءُ شَرْطًا أَشْعَرَ ذَلِكَ بِسَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الشَّرْطِ عِنْدَ الْمُتَعَلَّقِ عَلَيْهِ أَدْرَكْنَا نَحْنُ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ إذَا حُصِرَ أَوْ جُعِلَ غَايَةً وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ تُشْعِرُ بِالتَّعْلِيلِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْمَعْلُولِ فَيَلْزَمُ فِي صُورَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَدَمُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ عِلَّةِ الثُّبُوتِ فِيهِ أَمَّا الْأَعْلَامُ وَالْأَجْنَاسُ فَلَا إشْعَارَ لَهَا بِالْعِلِّيَّةِ فَلَا جَرَمَ لَا يَكُونُ عَدَمُهَا مِنْ صُورَةِ السُّكُوتِ عِلَّةً لِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَدَمَ عِلَّةٍ فَلَا يَلْزَمُ عَدَمُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَهَذَا هُوَ سَبَبُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَلِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْفَرَاغِ مِنْ الْفِعْلِ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِهِ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ التَّكْلِيفَ يَرْجِعُ بَعْدَ سُقُوطِهِ لِأَجْلِ الرَّفْضِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ اهـ وَجَرَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ إجْمَاعُ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِ الرَّفْضِ بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْغُسْلِ. وَأَمَّا خِلَافُهُمْ فِي رَفْضِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ بَعْدَ الْكَمَالِ فَإِنَّهُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ هُنَا لَهَا وَجْهَانِ فِي النَّظَرِ فَمَنْ نَظَرَ إلَى فِعْلِهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي قَالَ إنَّ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ بِهَا لَازِمٌ وَمُسَبَّبٌ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ إلَّا بِنَاقِضٍ طَارِئٍ وَمَنْ نَظَرَ إلَى حُكْمِهَا أَعْنِي اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مُسْتَصْحَبًا إلَى أَنْ يُصَلِّيَ وَذَلِكَ أَمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ الْأُولَى الْمُقَارِنَةِ لِلطَّهَارَةِ وَهِيَ مَنْسُوخَةٌ بِنِيَّةِ الرَّفْضِ الْمُنَافِيَةِ لَهَا فَلَا يَصِحُّ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ الْآتِيَةِ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالرَّفْضِ الْمُقَارِنِ لِلْفِعْلِ وَمَا قَارَنَ الْفِعْلَ مُؤَثِّرٌ فَكَذَلِكَ مَا شَابَهَهُ فَلَوْ انْتَفَتْ الْمُشَابَهَةُ بِأَنْ رَفَضَ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ بَعْدَ مَا أَدَّى بِهَا الصَّلَاةَ وَتَمَّ حُكْمُهَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَفَضَ تِلْكَ الصَّلَاةَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ أَتَى بِهَا عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ. فَإِنْ قَالَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الرَّفْضِ فِي مِثْلِ هَذَا فَالْقَاعِدَةُ ظَاهِرَةٌ فِي خِلَافِ مَا قَالَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي مُوَافَقَاتِهِ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ اللُّزُومَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ طَرَيَان التَّنَاقُضِ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ فَلِذَا لَمْ يَتَأَتَّ فِيهِ جَرَيَانُ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَأَجْمَعُوا عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِ الرَّفْضِ بَعْدَ كَمَالِهِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَدَاخُلِ الْأَسْبَابِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَسَاقُطِهَا] (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَدَاخُلِ الْأَسْبَابِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَسَاقُطِهَا) التَّدَاخُلُ وَالتَّسَاقُطُ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَإِنْ اتَّفَقَا فِي جِهَتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى السَّبَبِ الَّذِي دَخَلَ فِي غَيْرِهِ وَلَا عَلَى السَّبَبِ الَّذِي سَقَطَ بِغَيْرِهِ، وَثَانِيهِمَا: جَرَيَانُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُمَا تَفَارَقَا فِي جِهَاتٍ: الْجِهَةُ الْأُولَى: أَنَّ تَسَاقُطَ الْأَسْبَابِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَتَنَافِي الْمُسَبَّبَاتِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ يَقْتَضِي شَيْئًا وَالْآخَرُ يَقْتَضِي ضِدَّهُ فَيُقَدِّمُ صَاحِبُ الشَّرْعِ الرَّاجِحَ مِنْهُمَا عَلَى الْمَرْجُوحِ فَيَسْقُطُ الْمَرْجُوحُ أَوْ يَسْتَوِيَانِ فَيَتَسَاقَطَانِ مَعًا وَتَدَاخُلُهَا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اتِّحَادِ مُسَبِّبِهَا بِأَنْ يُوجَدَ سَبَبَانِ مُسَبِّبُهُمَا وَاحِدٌ. الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ التَّدَاخُلَ جَرَى عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي اتِّحَادِ الْمُسَبَّبُ وَالتَّسَاقُطُ جَرَى عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي تَنَافِي الْمُسَبَّبَاتِ؛ إذْ الْأَصْلُ

стр. 265

ضَعْفِهِ وَقِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِهِ وَيَنْبَغِي لَك أَنْ تَتَفَطَّنَ لَهُ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِمَّنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ وَقَعَ فِيهِ عِنْدَ الِاسْتِدْلَالِ وَمَا شَعَرَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ التَّيَمُّمُ بِغَيْرِ التُّرَابِ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ ﵇ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَفِي أُخْرَى «وَتُرَابُهَا طَهُورًا» وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ وَتُرَابُهَا طَهُورًا أَنَّ غَيْرَ التُّرَابِ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِذَلِكَ عَلَى مَالِكٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَقَبٌ لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ اسْمُ جِنْسٍ فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ خَصْمِهِ، وَكَذَلِكَ اسْتَدَلَّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ الْخَلَّ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِقَوْلِهِ ﵇ «حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرِضِيهِ بِالْمَاءِ» فَمَفْهُومُ قَوْلِهِ ﵇ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُغْسَلَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْخَلِّ وَغَيْرِهِ وَهَذَا أَيْضًا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَإِنَّ الْمَاءَ اسْمُ جِنْسٍ فَمَفْهُومُهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ فَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَبْعَدُ مِنْ اسْتِدْلَالِهِ عَلَى مَالِكٍ بِسَبَبِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ بِالْمَفْهُومِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بِالْمِثْلِ. (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ) فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ كَانَ حُجَّةً عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ وَإِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَكُونُ حُجَّةً إجْمَاعًا وَضَابِطُهُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ التَّقْيِيدُ غَالِبًا عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَمَوْجُودًا مَعَهَا فِي أَكْثَرِ صُوَرِهَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مَعَهَا فِي أَكْثَرِ صُوَرِهَا فَهُوَ الْمَفْهُومُ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ، وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصْفَ إذَا كَانَ غَالِبًا عَلَى الْحَقِيقَةِ يَصِيرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ لُزُومٌ فِي الذِّهْنِ فَإِذَا اسْتَحْضَرَ الْمُتَكَلِّمُ الْحَقِيقَةَ لِيَحْكُمَ عَلَيْهَا حَضَرَ مَعَهَا ذَلِكَ الْوَصْفُ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهَا فَإِذَا حَضَرَ فِي ذِهْنِهِ نَطَقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَاضِرٌ فِي ذِهْنِهِ فَعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ مَا وَجَدَهُ فِي ذِهْنِهِ لَا أَنَّهُ قَصَدَ بِالنُّطْقِ بِهِ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ صُورَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ) فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ كَانَ حُجَّةً عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ وَإِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَكُونُ حُجَّةً إجْمَاعًا وَضَابِطُهُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ التَّقْيِيدُ غَالِبًا عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ مَوْجُودًا مَعَهَا فِي أَكْثَرِ صُوَرِهَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا مَعَهَا فِي أَكْثَرِ صُوَرِهَا فَهُوَ الْمَفْهُومُ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصْفَ إذَا كَانَ غَالِبًا عَلَى الْحَقِيقَةِ يَصِيرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ لُزُومٌ فِي الذِّهْنِ فَإِذَا اسْتَحْضَرَ الْمُتَكَلِّمُ الْحَقِيقَةَ لِيَحْكُمَ عَلَيْهَا حَضَرَ مَعَهَا ذَلِكَ الْوَصْفُ الْغَالِبُ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهَا فَإِذَا حَضَرَ فِي ذِهْنِهِ نَطَقَ بِهِ لِأَنَّهُ حَاضِرٌ فِي ذِهْنِهِ فَعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ مَا وَجَدَهُ فِي ذِهْنِهِ لَا أَنَّهُ قَصَدَ بِالنُّطْقِ بِهِ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ صُورَةِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْقِيَاسُ عَدَمُ التَّدَاخُلِ مَعَ تَمَاثُلِ الْأَسْبَابِ بِأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ مُسَبَّبُهُ. الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ التَّدَاخُلَ وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: الطَّهَارَةُ فَمِنْ التَّدَاخُلِ فِيهِ إجْزَاءُ غُسْلٍ وَاحِدٍ مَعَ تَعَدُّدِ أَسْبَابِهِ الْمُخْتَلِفَةِ كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ أَوْ الْمُتَمَاثِلَةِ كَالْجَنَابَتَيْنِ وَمِنْهُ إجْزَاءُ وُضُوءٍ وَاحِدٍ مَعَ تَعَدُّدِ أَسْبَابِهِ الْمُتَمَاثِلَةِ كَالْمُلَامَسَتَيْنِ أَوْ الْمُخْتَلِفَةِ كَالْمُلَامَسَةِ وَإِخْرَاجِ الرِّيحِ، وَمِنْهُ إجْزَاءُ الْغُسْلِ عَنْ الْوُضُوءِ وَإِنْ تَحَقَّقَ سَبَبُهُ الَّذِي هُوَ الْمُلَامَسَةُ مَعَ سَبَبِ الْغُسْلِ الَّذِي هُوَ الْجَنَابَةُ لِانْدِرَاجِ سَبَبِهِ فِي الْجَنَابَةِ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ وُجُوبُ وُضُوءٍ. الثَّانِي: الصَّلَوَاتُ فَمِنْ التَّدَاخُلِ فِيهَا تَدَاخُلُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ مَعَ تَعَدُّدِ سَبَبَيْهِمَا فَيَدْخُلُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ التَّحِيَّةِ فِي الزَّوَالِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الظُّهْرِ مَثَلًا فَيَقُومُ سَبَبُ الزَّوَالِ مَقَامَ سَبَبِ الدُّخُولِ فَيُكْتَفَى بِهِ. الثَّالِثُ: الصِّيَامُ فَمِنْ التَّدَاخُلِ فِيهِ تَدَاخُلُ الصَّوْمِ الَّذِي سَبَبُهُ الِاعْتِكَافُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ الَّذِي سَبَبُهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَيَقُومُ سَبَبُ الرُّؤْيَةِ مَقَامَ سَبَبِ الِاعْتِكَافِ فَيُكْتَفَى بِهِ. الرَّابِعُ: الْكَفَّارَاتُ فَمِنْ التَّدَاخُلِ فِيهِ حَمْلُ الْأَيْمَانِ فِي الْمَشْهُورِ عَلَى التَّكْرَارِ لَا عَلَى الْإِنْشَاءِ فَتَكْفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَمِنْهُ تَكْرَارُ الْوَطْءِ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مِنْ رَمَضَانَ عِنْدَنَا عَلَى الْخِلَافِ وَفِي الْيَوْمَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَكْفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَهُ قَوْلَانِ فِي الرَّمَضَانَيْنِ. الْخَامِسُ: الْحُدُودُ الْمُتَمَاثِلَةُ فَمِنْ التَّدَاخُلِ فِيهِ تَدَاخُلُ أَسْبَابِهَا الْمُخْتَلِفَةِ كَالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ الْمُتَمَاثِلَةِ كَالزِّنَا مِرَارًا وَالسَّرِقَةِ مِرَارًا وَالشُّرْبِ مِرَارًا قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَهِيَ مِنْ أَوْلَى الْأَسْبَابِ بِالتَّدَاخُلِ؛ لِأَنَّ تَكَرُّرَهَا مُهْلِكٌ. السَّادِسُ: الْأَمْوَالُ فَمِنْ التَّدَاخُلِ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي تَكْرَارِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ الْمُتَّحِدَةِ إلَّا صَدَاقٌ وَاحِدٌ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَطْأَةٍ لَوْ انْفَرَدَتْ أَوْجَبَتْ مَهْرًا تَامًّا مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ وَمِنْهُ اكْتِفَاءُ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِيمَا إذَا قَطَعَ أَطْرَافَهُ وَسَرَى ذَلِكَ لِنَفْسِهِ بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ لِلنَّفْسِ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ قَبْلَ السَّرَيَانِ نَحْوَ عَشْرِ دِيَاتٍ بِحَسَبِ تَعَدُّدِ الْعُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَدَخَلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْكَثِيرُ وَهُوَ دِيَةُ الْأَطْرَافِ فِي الْقَلِيلِ وَهُوَ دِيَةُ النَّفْسِ، وَقَدْ يَدْخُلُ الْقَلِيلُ كَدِيَةِ الْأُصْبُعِ فِي الْكَثِيرِ كَدِيَةِ النَّفْسِ (تَنْبِيهٌ) : لَا يَتَنَافَى عِنْدَنَا فِي التَّدَاخُلِ إلَّا أَرْبَعُ صُوَرٍ: أَحَدُهَا دُخُولُ الْقَلِيلِ فِي الْكَثِيرِ. وَثَانِيهَا: دُخُولُ الْكَثِيرِ فِي الْقَلِيلِ وَقَدْ مَرَّتْ مِثْلُهُمَا. وَثَالِثُهَا:

стр. 266

عَدَمِهِ بَلْ الْحَالُ تَضْطَرُّهُ لِلنُّطْقِ بِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ غَالِبًا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا يَلْزَمُهَا فِي الذِّهْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْحَقِيقَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا حُضُورُهُ فَيَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ حِينَئِذٍ لَهُ غَرَضٌ فِي النُّطْقِ بِهِ وَإِحْضَارُهُ مَعَ الْحَقِيقَةِ وَلَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ بِسَبَبِ الْحُضُورِ فِي الذِّهْنِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِيهِ وَسَلْبُ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ غَرَضَهُ فَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يُصَرِّحَ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ لِلذِّهْنِ مِنْ التَّقْيِيدِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَسِرُّ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ وَكَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ﵀ يُورِدُ عَلَى هَذَا سُؤَالًا فَيَقُولُ الْوَصْفُ الْغَالِبُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّةً مِمَّا لَيْسَ بِغَالِبٍ. وَمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ يَقْتَضِي الْحَالُ فِيهِ الْعَكْسَ بِسَبَبِ أَنَّ الْوَصْفَ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَكَانَتْ الْعَادَةُ شَاهِدَةً بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ ذِكْرِهِ لِلسَّامِعِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَادَةَ كَافِيَةٌ فِي إفْهَامِ السَّامِعِ ذَلِكَ فَلَوْ أَخْبَرَهُ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لَكَانَ ذَلِكَ تَحْصِيلًا لِلْحَاصِلِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ غَالِبًا فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى ثُبُوتِهِ لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ مِنْ جِهَةِ الْعَادَةِ فَيَتَّجِهُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِخَبَرِهِ بِهِ لِعَدَمِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ حِينَئِذٍ يُفِيدُهُ فَائِدَةً جَدِيدَةً وَغَيْرُ مُفِيدٍ لَهُ فِي الْوَصْفِ الْغَالِبِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ، وَإِذَا كَانَ فِي الْغَالِبِ غَيْرُ مُفِيدٍ بِإِخْبَارِهِ عَنْ ثُبُوتِهِ لِلْحَقِيقَةِ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ إنَّمَا نَطَقَ بِهِ لِقَصْدٍ آخَرَ غَيْرِ الْإِخْبَارِ عَنْ ثُبُوتِهِ لِلْحَقِيقَةِ وَهُوَ سَلْبُ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَهَذَا الْغَرَضُ لَا يَتَعَيَّنُ إذَا لَمْ يَكُنْ غَالِبًا؛ لِأَنَّهُ غَرَضُهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْإِخْبَارَ عَنْ ثُبُوتِهِ لِلْحَقِيقَةِ لَا سَلْبَ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَظَهَرَ أَنَّ الْوَصْفَ الْغَالِبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّةً ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] عَدَمِهِ بَلْ الْحَالُ تَضْطَرُّهُ لِلنُّطْقِ بِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ غَالِبًا عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا يَلْزَمُهَا فِي الذِّهْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِحْضَارِ حَقِيقَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا حُضُورُهُ فَيَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ حِينَئِذٍ لَهُ غَرَضٌ فِي النُّطْقِ بِهِ وَإِحْضَارُهُ مَعَ الْحَقِيقَةِ وَلَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ بِسَبَبِ الْحُضُورِ فِي الذِّهْنِ وَإِذَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِيهِ وَسُلِبَ الْحُكْمُ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ غَرَضَهُ فَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَرِّحَ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ لِلذِّهْنِ مِنْ التَّقْيِيدِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَسِرُّ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ قُلْت: مَا أَبْعَدَ مَا قَالَهُ أَنْ يَكُونَ سِرًّا وَسَبَبًا لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ يَكُونُ الشَّارِعُ مُضْطَرًّا إلَى النُّطْقِ بِمَا لَا يَقْصِدُهُ؟ ، هَذَا مُحَالٌ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّارِعِ اللَّهَ تَعَالَى فَاضْطِرَارُهُ إلَى أَمْرٍ مَا مُحَالٍ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّارِعِ الرَّسُولَ ﷺ فَكَذَلِكَ هُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْصُومٌ وَالْحَامِلُ عَلَى هَذَا الْحَالِ إنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ بِالْمَفْهُومِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بَاطِلٌ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفْهِمَةِ لِمُقْتَضَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَكَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ﵀ يُورِدُ عَلَى هَذَا سُؤَالًا إلَى آخِرِ السُّؤَالِ) قُلْت: السُّؤَالُ وَارِدٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] دُخُولُ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمُتَأَخِّرِ كَحَدَثِ الْوُضُوءِ الْمُتَقَدِّمِ مَعَ الْجَنَابَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ. وَرَابِعُهَا: دُخُولُ الْمُتَأَخِّرِ فِي الْمُتَقَدِّمِ كَالْوَطَآتِ الْمُتَأَخِّرَةِ مَعَ الْوَطْأَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَأَسْبَابِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ الْمُتَأَخِّرَةِ فِي الْمُوجِبِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَزِيدُ صُورَةٌ خَامِسَةٌ وَهِيَ دُخُولُ الطَّرَفَانِ فِي الْوَسَطِ فِيمَا إذَا وُطِئَتْ الْمَرْأَةُ بِالشُّبْهَةِ الْوَاحِدَةِ أَوَّلًا وَهِيَ مَرِيضَةُ الْجِسْمِ عَدِيمَةُ الْمَالِ، وَثَانِيًا: بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ وَوَرِثَتْ مَالًا عَظِيمًا وَثَالِثًا بَعْدَ سَقَمِ جِسْمِهَا وَذَهَابِ مَالِهَا فَإِنَّهَا عِنْدَهُمْ يَجِبُ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ فِي أَعْظَمِ أَحْوَالِهَا وَأَعْظَمُ أَحْوَالِهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَالَةُ الْوُسْطَى فَيَجِبُ الصَّدَاقُ بِاعْتِبَارِهَا وَتَدْخُلُ فِيهَا الْحَالَةُ الْأُولَى وَالْحَالَةُ الْأَخِيرَةُ فَيَنْدَرِجُ الطَّرَفَانِ فِي الْوَسَطِ وَلَا يُعْتَبَرُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمِثَالِ إلَّا الْوَطْأَةُ الْأُولَى كَيْفَ كَانَتْ وَكَيْفَ صَادَفَتْ؟ وَيَنْدَرِجُ مَا بَعْدَهَا فِيهَا فَهَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ انْدِرَاجِ الْمُتَأَخِّرِ فِي الْمُتَقَدِّمِ لَا مِنْ بَابِ انْدِرَاجِ الطَّرَفَيْنِ فِي الْوَسَطِ. وَأَمَّا التَّسَاقُطُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ التَّنَافِي فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَلَهُ مُثُلٌ مِنْهَا الرِّدَّةُ مَعَ الْإِسْلَامِ وَمِنْهَا الْقَتْلُ وَالْكُفْرُ يَقْتَضِيَانِ عَدَمَ الْإِرْثِ وَالْقَرَابَةُ تَقْتَضِي الْإِرْثَ وَمِنْهَا الدَّيْنُ مُسْقِطٌ لِلزَّكَاةِ وَأَسْبَابِهَا تُوجِبُهَا، وَمِنْهَا تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَمِنْهَا تَعَارُضُ الْأَصْلَيْنِ فِيمَا إذَا قُطِعَ رَجُلٌ مَلْفُوفٌ فِي الثِّيَابِ فَتَنَازَعَ الْقَاطِعُ وَالْوَلِيُّ فِي كَوْنِهِ كَانَ حَيًّا حَالَةَ الْجِنَايَةِ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَمِنْهَا تَعَارُضُ الْغَالِبَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ فِي بَحْثِ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَإِنَّ الْيَدَ لِلرَّجُلِ ظَاهِرَةٌ فِي الْمِلْكِ فَإِذَا كَانَ الْمُدَّعِي فِيهِ مِنْ قُمَاشِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ وَكَانَ ظَاهِرًا فِي كَوْنِهِ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ قَدَّمْنَا نَحْنُ هَذَا الظَّاهِرَ وَسَوَّى الشَّافِعِيُّ بَيْنَهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهُمَا مَعًا يَدًا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْمِلْكِ وَالْيَدُ عِنْدَ مَالِكٍ خَاصَّةً بِالرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ وَإِذَا كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا قَدَّمَ مِلْكَ الرَّجُلِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْيَدِ وَنَحْوَ الْمُنْفَرِدِينَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ وَالْمِصْرُ كَبِيرٌ فَمَالِكٌ قَدَّمَ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ وَسَحْنُونٌ قَدَّمَ ظَاهِرَ الْحَالِ وَلَمْ يُوجِبْ الصَّوْمَ بِشَهَادَتِهِمَا وَقَالَ: الظَّاهِرُ كَذِبُهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ الْعَظِيمَ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ يَقْتَضِي أَنْ يَرَاهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ فَانْفِرَادُ هَذَيْنِ دَلِيلُ كَذِبِهِمَا. وَمِنْهَا تَعَارُضُ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرُ فِي نَحْوِ الْمَقْبَرَةِ الْمَنْبُوشَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّجَاسَةِ وَالظَّاهِرُ وُجُودُهَا بِسَبَبِ النَّبْشِ قُلْت وَمِنْهَا مَا قَدَّمْته عَنْ كِتَابِ

стр. 267

وَهُوَ سُؤَالٌ حَسَنٌ مُتَّجِهٌ غَيْرَ أَنَّهُ عَارَضْنَا فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حُجَّةً وَهُوَ أَنَّهُ اضْطَرَّ لِلنُّطْقِ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْغَالِبِ وَأَوْرَدَ لَك ثَلَاثَ مَسَائِلَ تُوَضِّحُ لَك الْقَاعِدَتَيْنِ وَالْفَرْقَ بَيْنَهُمَا. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» أَوْ «زَكُّوا عَنْ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ» اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَيَكُونُ مِنْ الْمَفْهُومِ الَّذِي لَيْسَ حُجَّةً إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ السَّوْمَ يَغْلِبُ عَلَى الْغَنَمِ فِي أَقْطَارِ الدُّنْيَا لَا سِيَّمَا فِي الْحِجَازِ لِعِزَّةِ الْعَلَفِ هُنَالِكَ وَالِاسْتِدْلَالُ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً إجْمَاعًا لَا يَسْتَقِيمُ الثَّانِي أَنَّ هَذَا مَفْهُومٌ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ حُجَّةٌ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِالْمَنْطُوقِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» فَهَذَا الِاسْتِدْلَال بَاطِلٌ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ ﵇ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهَا وَلِيُّهَا صَحَّ نِكَاحُهَا وَهَذَا الْمَفْهُومُ مَلْغِيٌّ بِسَبَبِ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تُنْكِحُ نَفْسَهَا فِي مَجْرَى الْعَادَةِ إلَّا وَوَلِيُّهَا غَيْرُ آذِنٍ بَلْ غَيْرُ عَالِمٍ فَصَارَ عَدَمُ إذْنِ الْوَلِيِّ غَالِبًا فِي الْعَادَةِ عَلَى تَزْوِيجِهَا لِنَفْسِهَا فَالتَّقْيِيدُ بِهِ تَقْيِيدٌ بِمَا هُوَ غَالِبٌ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] وَمَفْهُومُهُ أَنَّكُمْ إذَا لَمْ تَخْشَوْا الْإِمْلَاقَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْكُمْ الْقَتْلُ وَهُوَ مَفْهُومٌ مَلْغِيٌّ إجْمَاعًا بِسَبَبِ أَنَّهُ قَدْ غَلَبَ فِي الْعَادَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقْتُلُ وَلَدَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَأَمْرٍ قَاهِرٍ؛ لِأَنَّ حِنَّةَ الْأُبُوَّةِ مَانِعَةٌ مِنْ قَتْلِهِ فَتَقْيِيدُ الْقَتْلِ بِخَشْيَةِ الْإِمْلَاقِ تَقْيِيدٌ لَهُ بِوَصْفٍ هُوَ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ فِي الْقَتْلِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَكَانُوا لَا يَقْتُلُونَ إلَّا خَوْفَ الْفَقْرِ أَوْ الْفَضِيحَةِ فِي الْبَنَاتِ وَهُوَ الْوَأْدُ الَّذِي صُرِّحَ بِهِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] وَالْوَأْدُ الثِّقَلُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَدْفِنُونَهُنَّ أَحْيَاءً فَيَمُتْنَ مِنْ غَمِّ التُّرَابِ وَثِقَلِهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أَيْ لَا يُثْقِلُهُ وَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ اُعْتُبِرَ الْمَفْهُومُ الْغَالِبُ مِنْ غَيْرِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَهُوَ سُؤَالٌ حَسَنٌ غَيْرَ أَنَّهُ عَارَضْنَا فِيهِ مَا تَقَدَّمَ إلَى آخِرِ قَوْلِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا) قُلْت: قَدْ سَبَقَ مَا وَرَدَ عَلَى دَعْوَى الِاضْطِرَارِ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» إلَى آخِرِهَا قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِلشَّافِعِيَّةِ لِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ قَدْ سَبَقَ مَا أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ عِزُّ الدِّينِ وَقَوْلُهُ الثَّانِي أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْمَنْطُوقِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ ﵇ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» إلَى آخِرِهِ قُلْت: يَرِدُ عَلَى مَا قَالَهُ فِيهَا سُؤَالُ عِزِّ الدِّينِ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] إلَى آخِرِهَا قُلْت: إنَّمَا أُلْغِيَ هَذَا الْمَفْهُومُ لِمُعَارَضَتِهِ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِ مَنْ لَمْ يَجْنِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقَتْلَ وَلَدًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَلَدٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْأَحْكَامِ لِلْإِمَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ تَعَارُضِ الْعُمُومِ فِي خُصُوصِ الْعَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى فِي دَمِ الْحَيْضِ بَلْ هُوَ أَذًى وَالْعُمُومُ فِي خُصُوصِ الْحَالِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَيَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ وَيَكُونُ قَلِيلُ دَمِ الْحَيْضِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءً فِي التَّحْرِيمِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ سِيرِينَ عَنْ مَالِكٍ عَلَى الثَّانِي الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فَقَالَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ كَسَائِرِ الدِّمَاءِ؛ لِأَنَّ حَالَ الْعَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ حَالِ الْحَالِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَيْ التَّسَاقُطُ بِسَبَبِ التَّنَافِي فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ وَفِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَلَهُ مَسَائِلُ مِنْهَا اقْتِضَاءُ النِّكَاحِ مَعَ الْمِلْكِ إبَاحَةَ الْوَطْءِ فَيَغْلِبُ الْأَقْوَى وَهُوَ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ يُوجِبُ إبَاحَةَ الْوَطْءِ كَالنِّكَاحِ يُوجِبُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَالْمَنَافِعِ وَتَكُونُ الْإِبَاحَةُ الْحَاصِلَةُ مُضَافَةً لَهُ فَقَطْ وَيَسْقُطُ النِّكَاحُ وَلَا يَحْصُلُ تَدَاخُلٌ فَلَا يُقَالُ الْإِبَاحَةُ مُضَافَةٌ لَهُمَا أَلْبَتَّةَ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْمِلْكُ كَمَا إذَا عَقَدَ عَلَى أَمَتِهِ أَوْ تَأَخَّرَ كَمَا إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ وَصَيَّرَهَا أَمَتَهُ، وَمِنْهَا عِلْمُ الْحَاكِمِ مَعَ الْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ بِمَا يَعْلَمُهُ فَإِنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ لِلْبَيِّنَةِ دُونَ عِلْمِهِ فَيَسْقُطُ الْقَضَاءُ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ حَذَرًا مِنْ الْقُضَاةِ السُّوءِ وَسَدًّا لِذَرِيعَةِ الْفَسَادِ عَلَى الْحُكَّامِ بِالتُّهَمِ وَعَلَى النَّاسِ بِالْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْبَاطِلِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقَدِّمُ الْقَضَاءَ بِعِلْمِهِ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَالْعِلْمُ أَوْلَى مِنْ الظَّنِّ وَيَحْتَمِلُ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيَجْعَلُ الْحُكْمَ مُضَافًا إلَيْهِمَا لِعَدَمِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا وَمِنْهَا مَنْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ سَبَبَا تَوْرِيثٍ بِالْفَرْضِ فِي أَنْكِحَةِ الْمَجُوسِ فَإِنَّهُ يَرِثُ بِأَقْوَاهُمَا وَيَسْقُطُ الْآخَرُ مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا يَقْتَضِي الْإِرْثَ كَالِابْنِ إذَا كَانَ أَخًا لِأُمٍّ كَمَا إذَا تَزَوَّجَ أُمَّهُ فَوَلَدُهَا حِينَئِذٍ ابْنُهُ وَهُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ فَيَرِثُ بِالْبُنُوَّةِ وَتَسْقُطُ الْأُخُوَّةُ، أَمَّا إنْ كَانَا سَبَبَيْنِ لِلتَّوْرِيثِ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ فَإِنَّهُ يَرِثُ بِهَا كَالزَّوْجِ ابْنُ عَمٍّ يَأْخُذُ النِّصْفَ بِالزَّوْجِيَّةِ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ بِكَوْنِهِ ابْنَ عَمٍّ. (تَنْبِيهٌ) عَدَمُ تَدَاخُلِ الْأَسْبَابِ مَعَ تَمَاثُلِهَا الْجَارِي عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ وَالْأَصْلُ مِنْ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ سَبَبٍ مُسَبَّبُهُ هُوَ الْأَكْثَرُ فِي الشَّرِيعَةِ فَمِنْ مَسَائِلِهِ الْإِتْلَافَانِ يَجِبُ بِهِمَا ضَمَانَانِ وَلَا يَتَدَاخَلَانِ، وَمِنْهَا الطَّلَاقَانِ يُنْقِصُ كُلُّ طَلَاقٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعِصْمَةِ طَلْقَةً وَلَا يَتَدَاخَلَانِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ أَوْ الْخَبَرَ عَنْ الْأَوَّلِ، وَمِنْهَا الزَّوَالَانِ يُوجِبَانِ ظُهْرَيْنِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَأَسْبَابُهَا وَمِنْهَا النَّذْرَانِ يَتَعَدَّدُ مَنْذُورُهُمَا وَلَا يَتَدَاخَلُ وَمِنْهَا الْوَصِيَّتَانِ

стр. 268

الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ: وَهُوَ مَعْرِفَةٌ أَوْ ظَرْفٌ أَوْ مَجْرُورٌ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ وَهُوَ نَكِرَةٌ. اعْلَمْ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجِبُ انْحِصَارُهُ فِي خَبَرِهِ مُطْلَقًا كَانَ مَعْرِفَةً أَوْ نَكِرَةً بِسَبَبِ أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ بَلْ مُسَاوِيًا أَوْ أَعَمَّ فَالْمُسَاوِي نَحْوُ: الْإِنْسَانُ نَاطِقٌ، وَالْأَعَمُّ نَحْوُ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، وَالْعَشَرَةُ عَدَدٌ أَوْ زَوْجٌ هَذَا شَأْنُ الْخَبَرِ وَلَوْ قُلْت الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ أَوْ الْعَدَدُ عَشَرَةٌ لَمْ يَصِحَّ وَالْمُبْتَدَأُ عَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا إنْ كَانَ الْخَبَرُ مُسَاوِيًا أَوْ أَخَصَّ إنْ كَانَ الْخَبَرُ أَعَمَّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ أَوْ ظَرْفٌ أَوْ مَجْرُورٌ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ وَهُوَ نَكِرَةٌ، اعْلَمْ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجِبُ انْحِصَارُهُ فِي خَبَرِهِ مُطْلَقًا كَانَ مَعْرِفَةً أَوْ نَكِرَةً بِسَبَبِ أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ بَلْ مُسَاوِيًا أَوْ أَعَمَّ) قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا مِنْ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجِبُ انْحِصَارُهُ فِي الْخَبَرِ مُطْلَقًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ إلَّا فِيهِ وَمَعَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ لَا مُطْلَقًا وَلَا مُقَيَّدًا وَقَوْلُهُ بِسَبَبِ أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ بَلْ مُسَاوِيًا أَوْ أَعَمَّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ إلَّا مُسَاوِيًا لِلْمُبْتَدَأِ لَا أَخَصَّ مِنْهُ وَلَا أَعَمَّ، فَإِنَّهُ إذَا أَخْبَرَ بِشَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا أَنَّ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ هُوَ بِعَيْنِهِ الْخَبَرُ وَلَوْ صَحَّ مَا قَالَهُ لَكَانَ قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْخَاصَّ هُوَ الْحَيَوَانُ الْعَامُّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ، فَيَكُونُ مِنْ مَضْمُونِ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ حِمَارٌ وَثَوْرٌ وَكَلْبٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ مَعْنَى قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ مَا. قَالَ (فَالْمُسَاوِي نَحْوُ الْإِنْسَانُ نَاطِقٌ وَالْأَعَمُّ نَحْوُ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ إلَى قَوْلِهِ هَذَا شَأْنُ الْخَبَرِ) قُلْتُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ الْإِنْسَانُ نَاطِقٌ وَالْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ بِالْخَبَرِ نَعَمْ بَيْنَهُمَا الْفَرْقُ فِي اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ إنَّ لَفْظَ النَّاطِقِ يَخْتَصُّ بِالْإِنْسَانِ وَلَفْظُ الْحَيَوَانِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ أَيْ يَصْدُقُ فِي غَيْرِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى غَيْرِ الْإِنْسَانِ وَأَمَّا فِي هَذَا الْقَوْلِ فَلَا يَصِحُّ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُرَادَ بِهِ إلَّا الْإِنْسَانُ لَا غَيْرُهُ وَلَا هُوَ وَغَيْرُهُ. قَالَ (وَلَوْ قُلْتُ: الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ أَوْ الْعَدَدُ عَشَرَةٌ لَمْ يَصِحَّ) قُلْتُ: إنْ أُرِيدَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ اللَّتَيْنِ فِي الْحَيَوَانِ وَالْعَدَدِ الْعَهْدُ فِي الْإِنْسَانِ وَفِي الْعَشَرَةِ صَحَّ وَإِنْ أُرِيدَ الْعَهْدُ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ الْعُمُومِ لَمْ يَصِحَّ لِلُزُومِ مُسَاوَاةُ الْمُبْتَدَأِ لِلْخَبَرِ وَأَنَّهُ هُوَ بِعَيْنِهِ. قَالَ (وَالْمُبْتَدَأُ عَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا إنْ كَانَ الْخَبَرُ مُسَاوِيًا أَوْ أَخَصَّ إنْ كَانَ الْخَبَرُ أَعَمَّ) قُلْتُ قَوْلُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا إنْ كَانَ الْخَبَرُ مُسَاوِيًا كَلَامٌ لَا حَاصِلَ لَهُ فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا مَعَ أَنَّ الْخَبَرَ غَيْرُ مُسَاوٍ وَقَوْلُهُ وَأَخَصُّ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَخَصَّ بَلْ مُسَاوِيًا مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ وَالْمُرَادُ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِلَفْظٍ وَاحِدٍ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّدُ لَهُ الْمُوصَى بِهِ عَلَى الْخِلَافِ وَمِنْهَا الْقَذَفَاتُ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ رَجُلَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ مُخْتَلِفٍ فَإِنَّهُ يُوجِبُ تَعَدُّدَ التَّعْزِيرِ وَالْمُؤَاخَذَةِ وَمِنْهَا مَا إذَا اسْتَأْجَرَ مِنْهُ شَهْرًا ثُمَّ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ شَهْرًا وَلَمْ يُعَيِّنْ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى شَهْرَيْنِ وَمِنْهَا مَا إذَا اشْتَرَى مِنْهُ صَاعًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ صَاعًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى صَاعَيْنِ وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ جِدًّا فِي الشَّرِيعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَقَاصِدِ وَقَاعِدَةِ الْوَسَائِلِ] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَقَاصِدِ وَقَاعِدَةِ الْوَسَائِلِ) وَكَذَا بَيْنَ قَاعِدَةِ كَوْنِ الْمَعَاصِي أَسْبَابًا لِلرُّخَصِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مُقَارَنَةِ الْمَعَاصِي لِأَسْبَابِ الرُّخَصِ. أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَقَاصِدِ وَالْوَسَائِلِ فَهُوَ أَنَّ مَوَارِدَ الْأَحْكَامِ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأُولَى الْمَقَاصِدُ وَهِيَ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِي أَنْفُسِهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُوَافَقَاتِهِ وَقَوْلُ الرَّازِيّ إنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ لَيْسَتْ مُعَلَّلَةً بِعِلَّةٍ أَلْبَتَّةَ كَمَا أَنَّ أَفْعَالَهُ كَذَلِكَ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّا اسْتَقْرَيْنَا مِنْ الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا وُضِعَتْ لِمَصَالِح الْعِبَادِ اسْتِقْرَاءً لَا يُنَازِعُ فِيهِ الرَّازِيّ وَلَا غَيْرُهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَهِيَ الْأَصْلُ ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وَقَالَ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الملك: ٢] . وَأَمَّا التَّعَالِيلُ لِتَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى كَقَوْلِهِ بَعْدَ آيَةِ الْوُضُوءِ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ فِي الصِّيَامِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] وَفِي الصَّلَاةِ ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] . وَقَالَ فِي الْقِبْلَةِ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: ١٥٠] وَفِي الْجِهَادِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] وَفِي الْقِصَاصِ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] وَفِي التَّقْرِيرِ عَلَى التَّوْحِيدِ بِ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وَالْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ وَإِذَا دَلَّ الِاسْتِقْرَاءُ عَلَى هَذَا وَكَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ فَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ الْأَمْرَ مُسْتَمِرٌّ فِي جَمِيعِ تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ وَمِنْ هَذِهِ

стр. 269

وَإِذَا وَجَبَ لِلْمُبْتَدَأِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا أَوْ أَخَصَّ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ كَانَ الْحَصْرُ لَازِمًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوِيَ مُنْحَصِرٌ فِي مُسَاوِيهِ وَالْأَخَصُّ مُنْحَصِرٌ فِي الْأَعَمِّ فَالْإِنْسَانُ كَمَا هُوَ مُنْحَصِرٌ فِي النَّاطِقِ مُنْحَصِرٌ فِي الْحَيَوَانِ فَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا بُرْهَانٌ عَقْلِيٌّ قَطْعِيٌّ فِي وُجُوبِ انْحِصَارِ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ قَوْلِنَا زَيْدٌ قَائِمٌ لَمْ يَجْعَلُوهُ لِلْحَصْرِ وَبَيْنَ قَوْلِنَا زَيْدٌ الْقَائِمُ فَجَعَلُوهُ لِلْحَصْرِ فَكَيْفَ صَحَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ فِي الْمُبْتَدَأِ إذَا كَانَ خَبَرُهُ نَكِرَةً. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الْحَصْرَ حَصْرَانِ حَصْرٌ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّقِيضِ فَقَطْ وَحَصْرٌ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّقِيضِ وَالضِّدِّ وَالْخِلَافُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ الْوَصْفَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهَذَا الْحَصْرُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي نَفَاهُ الْعُلَمَاءُ عَنْ الْخَبَرِ إذَا كَانَ نَكِرَةً، وَأَمَّا الْحَصْرُ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّك إذَا قُلْت: زَيْدٌ قَائِمٌ فَزَيْدٌ مُنْحَصِرٌ فِي مَفْهُومِ قَائِمٍ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَى نَقِيضِهِ لَكِنْ قَوْلُنَا قَائِمٌ مُطْلَقٌ فِي الْقِيَامِ فَهِيَ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَنَقِيضُهُ إنَّمَا هُوَ السَّالِبَةُ الدَّائِمَةُ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ زَيْدٌ قَائِمًا دَائِمًا لَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الِاسْتِقْبَالِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا النَّقِيضَ مَنْفِيٌّ إذَا صَدَقَ قَوْلُنَا زَيْدٌ قَائِمٌ فِي وَقْتِ كَذَا فَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَخْبَارِ الَّتِي هِيَ نَكِرَاتٌ فَالْحَصْرُ ثَابِتٌ بِحَسَبِ النَّقِيضِ لَا بِحَسَبِ غَيْرِهِ فَإِذَا صَدَقَ مَفْهُومُ الْحَصْرِ بِاعْتِبَارِ النَّقِيضِ صَدَقَ الْخَبَرُ وَلَمْ يُخَالِفْ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَإِذَا وَجَبَ لِلْمُبْتَدَأِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا أَوْ أَخَصَّ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ كَانَ الْحَصْرُ لَازِمًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوِيَ مُنْحَصِرٌ فِي مُسَاوِيهِ وَالْأَخَصُّ مُنْحَصِرٌ فِي الْأَعَمِّ فَالْإِنْسَانُ كَمَا هُوَ مُنْحَصِرٌ فِي النَّاطِقِ مُنْحَصِرٌ فِي الْحَيَوَانِ فَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا بُرْهَانٌ عَقْلِيٌّ قَطْعِيٌّ فِي وُجُوبِ انْحِصَارِ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ مُنْحَصِرٌ فِي الْخَبَرِ إذَا كَانَ الْخَبَرُ مُسَاوِيًا أَوْ أَعَمَّ غَيْرُ مُسَلَّمٍ كَمَا سَبَقَ. قَالَ (وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ قَوْلِنَا زَيْدٌ قَائِمٌ لَمْ يَجْعَلُوهُ لِلْحَصْرِ وَبَيْنَ قَوْلِنَا زَيْدٌ الْقَائِمُ فَجَعَلُوهُ لِلْحَصْرِ فَكَيْفَ صَحَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُخَالَفَةُ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ فِي الْمُبْتَدَأِ إذَا كَانَ خَبَرُهُ نَكِرَةً. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الْحَصْرَ حَصْرَانِ حَصْرٌ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّقِيضِ فَقَطْ وَحَصْرٌ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّقِيضِ وَالضِّدِّ وَالْخِلَافُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ الْوَصْفُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهَذَا الْحَصْرُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي نَفَاهُ الْعُلَمَاءُ عَنْ الْخَبَرِ إذَا كَانَ نَكِرَةً وَأَمَّا الْحَصْرُ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ) . قُلْتُ قَوْلُهُ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّقِيضِ فَقَطْ إنْ أَرَادَ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّقِيضِ نُطْقًا وَصَرِيحًا فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِصَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ يَقْتَضِي ذَلِكَ ضَرُورَةً فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ فَإِنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: زَيْدٌ قَائِمٌ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ الْقِيَامَ وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْقِيَامِ انْتِفَاءُ عَدَمِهِ فَالْقَائِلُ زَيْدٌ قَائِمٌ إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ ثُبُوتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ انْتِفَاءِ عَدَمِ الْقِيَامِ عَنْهُ وَلَكِنْ ذَلِكَ لَازِمٌ ضَرُورَةً. قَالَ (وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّكَ إذَا قُلْتَ زَيْدٌ قَائِمٌ فَزَيْدٌ مُنْحَصِرٌ فِي مَفْهُومِ قَائِمٌ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَى نَقِيضِهِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُخَالِفْ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ كَمَا قَالَ لَكِنْ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْلِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْجُمْلَةِ ثَبَتَ الْقِيَاسُ وَالِاجْتِهَادُ فَلْنَجْرِ عَلَى مُقْتَضَاهُ وَيَبْقَى الْبَحْثُ فِي كَوْنِ ذَلِكَ وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ مَوْكُولًا إلَى عِلْمِهِ ثُمَّ إنَّهُ قَسَّمَ الْمَقَاصِدَ وَبَيَّنَ أَقْسَامَهَا بِمَسَائِلَ بَدِيعَةٍ فَانْظُرْهُ. الْقِسْمُ الثَّانِي: الْوَسَائِلُ وَالْمَشْهُورُ فِي الِاصْطِلَاحِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِالذَّرَائِعِ وَهِيَ الطُّرُقُ الْمُفْضِيَةُ إلَى الْمَقَاصِدِ قِيلَ وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا أَفْضَتْ إلَيْهِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهَا أَخْفَضُ رُتْبَةً فِي حُكْمِهَا مِمَّا أَفْضَتْ إلَيْهِ فَلَيْسَ كُلُّ ذَرِيعَةٍ يَجِبُ سَدُّهَا بَلْ الذَّرِيعَةُ كَمَا يَجِبُ سَدُّهَا يَجِبُ فَتْحُهَا وَتُكْرَهُ وَتُنْدَبُ وَتُبَاحُ بَلْ قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ إذَا أَفْضَتْ إلَى مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ كَالتَّوَسُّلِ إلَى فِدَاءِ الْأَسَارَى بِدَفْعِ الْمَالِ لِلْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَنَا مِنْ خِطَابِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَكَدَفْعِ مَالٍ لِرَجُلٍ يَأْكُلُهُ حَرَامًا حَتَّى لَا يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ إذَا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ عَنْهَا إلَّا بِذَلِكَ وَكَدَفْعِ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِ حَتَّى لَا يَقَعَ الْقَتْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَكِنَّهُ اشْتَرَطَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْوَسَائِلِ الْحَسَنَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ فِعْلِهِمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ حَصَلَا لَهُمْ بِسَبَبِ التَّوَسُّلِ إلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَصَوْنِ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الِاسْتِعْدَادُ وَسِيلَةَ الْوَسِيلَةِ فَالذَّرَائِعُ الْمُفْضِيَةُ إلَى الْمُحَرَّمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. (وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى سَدِّهِ وَمَنْعِهِ وَحَسْمِهِ وَلَهُ مَثَلٌ مِنْهَا حَفْرُ الْآبَارِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إهْلَاكِهِمْ فِيهَا وَمِنْهَا إلْقَاءُ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ، وَمِنْهَا سَبُّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ سَبِّهَا. (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ مَنْعِهِ وَأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لَا تُسَدُّ وَوَسِيلَةٌ لَا تُحْسَمُ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا زِرَاعَةُ الْعِنَبِ وَسِيلَةٌ إلَى الْخَمْرِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْمَنْعِ مِنْهَا خَشْيَةَ الْخَمْرِ وَمِنْهَا الْمُجَاوَرَةُ فِي الْبُيُوتِ وَسِيلَةٌ إلَى الزِّنَا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِمَنْعِهَا خَشْيَةَ الزِّنَا. (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُسَدُّ أَمْ لَا، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا بُيُوعُ الْآجَالِ وَهِيَ كَمَا قِيلَ تَصِلُ إلَى أَلْفِ مَسْأَلَةٍ كَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ قَبْلَ الشَّهْرِ فَاخْتَصَّ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 270

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الِاتِّصَافِ بِالنَّقِيضِ عَدَمُ الِاتِّصَافِ بِالضِّدِّ وَالْخِلَافِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ قَائِمًا جَالِسًا فِي وَقْتٍ آخَرَ وَنَحْوُهُ وَمِنْ الْأَضْدَادِ وَحَيًّا وَفَقِيهًا وَعَابِدًا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَكَذَلِكَ كُلُّ وَصْفٍ هُوَ خِلَافٌ أَوْ ضِدٌّ فَجَمِيعُ ذَلِكَ يَجُوزُ ثُبُوتُهُ. وَأَمَّا النَّقِيضُ فَلَا سَبِيلَ لِلِاتِّصَافِ بِهِ أَلْبَتَّةَ فَالْحَصْرُ بِاعْتِبَارِهِ لَا بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ هَذَا فِي النَّكِرَاتِ وَأَمَّا غَيْرُ النَّكِرَاتِ فَأَذْكُرُ فِيهِ سَبْعَ مَسَائِلَ تُوَضِّحُهُ وَتُبَيِّنُ الْفَرْقَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْلُهُ ﵇ فِي الصَّلَاةِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ اسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى انْحِصَارِ سَبَبِ تَحْرِيمِهَا فِي التَّكْبِيرِ وَسَبَبِ تَحْلِيلِهَا فِي التَّسْلِيمِ فَلَا يَدْخُلُ فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ حُرُمَاتِهَا إلَى حِلِّهَا إلَّا بِالتَّسْلِيمِ فَهَذَا خَبَرٌ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ اقْتَضَى الْحَصْرَ فِي التَّكْبِيرِ دُونَ نَقِيضِهِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّكْبِيرِ وَضِدُّهُ الَّذِي هُوَ الْهَزْلُ وَاللَّعِبُ وَالنَّوْمُ وَالْجُنُونُ وَخِلَافُهُ الَّذِي هُوَ الْخُشُوعُ وَالتَّعْظِيمُ، فَأَيُّ شَيْءٍ فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الْأَضْدَادِ وَالْخِلَافَاتِ وَلَمْ يَفْعَلْ التَّكْبِيرَ لَمْ يَدْخُلْ فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ يَقْتَضِي الْحَصْرَ فِي التَّسْلِيمِ دُونَ نَقِيضِهِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّسْلِيمِ وَضِدِّهِ الَّذِي هُوَ النَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ وَخِلَافُهُ الَّذِي هُوَ الْحَدَثُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَخْرُجُ مِنْ حِلِّ الصَّلَاةِ إلَى حُرُمَاتِهَا إلَّا بِالتَّسْلِيمِ فَقَطْ. وَنَعْنِي بِالْحُرُمَاتِ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْرُمُ فِي الصَّلَاةِ وَنَعْنِي بِحِلِّهَا إبَاحَةَ جَمِيعِ مَا حَرُمَ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْت فَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالضِّدِّ الَّذِي هُوَ النَّوْمُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَبِالْخِلَافِ الَّذِي هُوَ الْحَدَثُ وَنَعْنِي بِالضِّدِّ مَا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ وَبِالْخِلَافِ مَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ قُلْت لَيْسَ مُرَادُنَا بِالْخُرُوجِ مِنْ حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ إلَى حِلِّهَا بُطْلَانَ الصَّلَاةِ كَيْفَ كَانَ إنَّمَا مُرَادُنَا بِذَلِكَ الْخُرُوجُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْخُرُوجُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لَا مِنْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ. قَالَ (وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الِاتِّصَافِ بِالضِّدِّ وَالْخِلَافِ إلَى قَوْلِهِ فَاذْكُرْ فِيهِ سَبْعَ مَسَائِلَ تُوَضِّحُهُ وَتُبَيِّنُ الْفَرْقَ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْلُهُ ﵇ (فِي الصَّلَاةِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ إلَى قَوْلِهِ وَخِلَافُهُ الَّذِي هُوَ الْخُشُوعُ وَالتَّعْظِيمُ قُلْتُ مَا قَالَهُ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الْأَضْدَادِ وَالْخِلَافَاتِ وَلَمْ يَفْعَلْ التَّكْبِيرَ لَمْ يَدْخُلْ فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي صَرِيحًا الْمَنْعَ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ التَّكْبِيرِ فَذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مَفْهُومًا فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَفْهُومِ فَذَلِكَ مُسَلَّمٌ. قَالَ (وَكَذَلِكَ تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ يَقْتَضِي الْحَصْرَ فِي التَّسْلِيمِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ وَمَعْنَى تَحْلِيلِهَا إبَاحَةُ جَمِيعِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ) قُلْتُ الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ (فَإِنْ قُلْتُ: فَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالضِّدُّ الَّذِي هُوَ النَّوْمُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ إلَى آخَرِ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَجَوَابَاتُهُ صَحِيحَةٌ وَاسْتِشْكَالُهُ لِمَا اُسْتُشْكِلَ مِنْ مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِالْقَوْلِ بِوُجُوبِ سَدِّهَا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ تَوَسُّلٌ بِإِظْهَارِ صُورَةِ الْبَيْعِ لِسَلَفِ خَمْسَةٍ بِعَشَرَةٍ إلَى أَجَلٍ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ خَمْسَةً الْآنَ وَأَخَذَ عَشَرَةً آخِرَ الشَّهْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُنْظَرُ إلَى صُورَةِ الْبَيْعِ وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَمِنْهَا النَّظَرُ إلَى النِّسَاءِ قِيلَ يُحَرَّمُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الزِّنَا وَقِيلَ لَا يُحَرَّمُ وَمِنْهَا حَكَمَ بِعِلْمِهِ قِيلَ يُحَرَّمُ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْقَضَاءِ بِالْبَاطِلِ مِنْ الْقُضَاةِ السُّوءِ، وَقِيلَ لَا يُحَرَّمُ وَمِنْهَا صُنَّاعُ السِّلَعِ قِيلَ يَضْمَنُونَهَا إذَا ادَّعَوْا ضَيَاعَهَا سَدًّا لِذَرِيعَةِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُمْ يُؤَثِّرُونَ فِيهَا بِصَنْعَتِهِمْ فَتَتَغَيَّرُ فَلَا يَعْرِفُهَا رَبُّهَا إذَا بِيعَتْ وَقِيلَ لَا يَضْمَنُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أُجَرَاءُ وَأَصْلُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْأَمَانَةِ، وَمِنْهَا حَمَلَةُ الطَّعَامِ قِيلَ: يَضْمَنُونَهُ إذَا تَلِفَ لِئَلَّا تَمْتَدَّ أَيْدِيهِمْ إلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُونَهُ قُلْت وَمِنْهَا آلَاتُ الْمَلَاهِي فَإِنَّهَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا إنْ تَرَتَّبَ فُسُوقٌ وَمَشْهُورُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا كَمَا فِي مَجْمُوعِ الْأَمِيرِ وَالصَّاوِيِّ عَلَى أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ بَلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الزَّوَاجِرِ وَقَدْ حَكَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ الْمِزْمَارِ الْعِرَاقِيِّ وَمَا يُضْرَبُ بِهِ مِنْ الْأَوْتَارِ اهـ. وَاخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً وَالْأَصَحُّ الثَّانِي كَمَا فِي الدُّسُوقِيِّ عَلَى الدَّرْدِيرِ عَلَى خَلِيلٍ وَفِي الْإِحْيَاءِ الْمَنْعُ مِنْ الْأَوْتَارِ كُلِّهَا لِثَلَاثِ عِلَلٍ: كَوْنُهَا تَدْعُو إلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فَإِنَّ اللَّذَّةَ الْحَاصِلَةَ تَدْعُو إلَيْهَا فَلِهَذَا حُرِّمَ شُرْبُ قَلِيلِهَا، وَكَوْنُهَا فِي قَرِيبِ الْعَهْدِ بِشُرْبِهَا تُذَكِّرُهُ مَجَالِسَ الشُّرْبِ وَالذِّكْرُ سَبَبُ انْبِعَاثِ الْفُسُوقِ وَانْبِعَاثُهُ سَبَبُ الْإِقْدَامِ، وَكَوْنُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْأَوْتَارِ صَارَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْفِسْقِ مَعَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ كَمَا فِي الزَّوَاجِرِ قَالَ أَيْ فَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ حَرَامٌ وَفِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وَلَا يَبْعُدُ مَا فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّظَرِ لِمَا يَتَرَتَّبُ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ حِجَازِيٌّ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ فَمَنْ حَسُنَ قَصْدُهُ وَتَطَهَّرَ مِنْ حُظُوظِ الشَّهَوَاتِ وَرَذَائِلِ الشُّبُهَاتِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى سَمَاعِهِ بِالْحُرْمَةِ اهـ الْمُرَادُ. وَفِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ دَاعِي دَرْءِ الْمَفَاسِدِ فَلِذَا قَالَ وَلَا يَبْعُدُ إلَخْ وَلَمْ يَجْزِمْ اهـ. بِتَغْيِيرٍ. وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي قُلْنَا بِسَدِّهَا وَلَمْ يَقُلْ بِسَدِّهَا الشَّافِعِيُّ فَلَيْسَ سَدُّ الذَّرَائِعِ خَاصًّا بِمَالِكٍ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ بَلْ قَالَ بِهَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ وَأَصْلُ سَدِّهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَكَوْنُ مَا أَفْضَى إلَى الْوَاجِبِ وَاجِبًا مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ

стр. 271

عَنْ الْعُهْدَةِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا سَبَبَ لَهُ إلَّا السَّلَامُ الْمَشْرُوعُ وَالْخُرُوجُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ مُرَادَنَا فَإِنْ قُلْت السَّلَامُ إذَا وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ يَخْرُجُ مِنْ حُرُمَاتِهَا وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا إبَاحَةَ وَلَا بَرَاءَةَ ذِمَّةٍ قُلْت إنَّمَا أَخْرَجَ السَّلَامُ مِنْ حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهَا؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَهُوَ كَسَبْقِ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ وَمِنْ الْمُبْطِلَاتِ وَإِخْرَاجُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَيْسَ مِنْ بَابِ إخْرَاجِهِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَالْحَصْرُ إنَّمَا تَعَرَّضَ لَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ مِنْ الْوَجْهِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ نَافِعٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ السَّلَامَ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَا يَحْتَاجُ فِي الرُّجُوعِ إلَى تَكْبِيرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَجَعَلَ السَّلَامَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَالْكَلَامُ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ سَهْوًا وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ أُرِيدَ بِهِ السَّلَامُ الْمَأْذُونُ فِيهِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ أَمَّا سَهْوُ السَّلَامِ وَعَمْدُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرِدْ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ إلَّا التَّكْبِيرَ الْأَوَّلَ الْمَشْرُوعَ سَبَبًا لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ الَّذِي هُوَ فِي آخِرِهَا الْمَشْرُوعُ سَبَبًا فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا لَا سِيَّمَا وَلَفْظُ السَّلَامِ خَبَرٌ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ بِالسَّلَامَةِ وَالدُّعَاءُ لَا يَقْدَحُ فِي الصَّلَاةِ لَا سَهْوًا وَلَا عَمْدًا فَالْقَوْلُ بِكَوْنِهِ إذَا وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مُحْوِجٌ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ مُخْرِجٌ مِنْهَا مُطْلَقًا مُشْكِلٌ فَإِنْ قُلْت النِّيَّةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِهِ تَقْتَضِي رَفْضَ الصَّلَاةِ وَرَفْضُ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي إبْطَالَهَا فَذَلِكَ أَحْوَجُ لِلتَّكْبِيرِ وَلِأَنَّ جِنْسَهُ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ إجْمَاعًا وَقَعَ فِي أَجْزَائِهَا وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الْفَرْدِ بَقِيَّةُ صُوَرِهِ بِالْقِيَاسِ أَوْ نَقُولُ اللَّامُ فِيهِ لِلْعُمُومِ فَيَشْمَلُ صُورَةَ النِّزَاعِ. قُلْتُ السَّلَامُ قَدْ يَقَعُ مَعَ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَدْ لَا يَقَعُ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ نِيَّةٌ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ وَقَعَتْ فَلَيْسَتْ رَفْضًا؛ لِأَنَّ الرَّفْضَ هُوَ قَصْدُ إبْطَالِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْصِدْ إبْطَالَهَا إنَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ صَلَاتَهُ كَمُلَتْ فَأَتَى بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَهَذَا لَيْسَ رَفْضًا وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ السَّلَامَ كَوْنُهُ مُخْرِجًا مِنْ الصَّلَاةِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى وَلَا يُنَاسِبُ لَفْظٌ هُوَ دُعَاءُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يُنَاسِبُ فِي ذَلِكَ مَا يُنَافِيهَا وَالدُّعَاءُ لَا يُنَافِي الصَّلَاةَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْقُولَ الْمَعْنَى امْتَنَعَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ بِلَا جَامِعٍ لَا يَصِحُّ فَإِنْ قُلْت هُوَ قِيَاسُ الشَّبَهِ لَا قِيَاسُ الْمَعْنَى قُلْت قِيَاسُ الشَّبَهِ ضَعِيفٌ وَقَدْ مَنَعَ الْقَاضِي شَيْخُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ حُجَّةٌ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ لَكِنْ الْفَرْقُ أَنَّهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مُعَارِضٌ فَالْمُقْتَضَى لَا كَمَالُ الصَّلَاةِ الَّذِي يَقْتَضِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا وَفِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ سَالِمٌ عَنْ هَذَا الْمُعَارِضِ فَافْتَرَقَا،. وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ قَرِينَةَ السِّيَاقِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّامَ هَهُنَا إنَّمَا أُرِيدَ بِهَا حَقِيقَةُ الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ لَا الْعُمُومُ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنْ الطَّهُورِ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْفَرْدُ الْمُقَارِنُ لِلْأَوَّلِ فَقَطْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فِيمَا لَمْ يُصَرِّحْ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ اهـ. (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَقَاعِدَةُ الذَّرِيعَةِ الَّتِي يَجِبُ سَدُّهَا شَرْعًا هُوَ مَا يُؤَدِّي مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ إلَى مَحْظُورٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ لَا مُطْلَقِ مَحْظُورٍ فَمِنْ هُنَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِي الْوَلِيُّ فِي مَشْهُورِ الْأَقْوَالِ مِنْ مَالِ يَتِيمِهِ إذَا كَانَ نَظَرًا لَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِصْلَاحِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي آيَةِ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] إلَخْ فَلَا يُقَالُ لِمَ تَرَكَ مَالِكٌ أَصْلَهُ فِي التُّهْمَةِ وَالذَّرَائِعِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ مَعَ يَتِيمَتِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى هَاهُنَا فِي صُورَةِ الْمُخَالَطَةِ وَوَكَلَ الْحَاضِنِينَ إلَى أَمَانَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وَكُلُّ أَمْرٍ مَخُوفٍ وَوَكَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ الْمُكَلَّفَ إلَى أَمَانَتِهِ لَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ يَتَذَرَّعُ إلَى مَحْظُورٍ فَمَنَعَ مِنْهُ كَمَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النِّسَاءَ مُؤْتَمَنَاتٍ عَلَى فُرُوجِهِنَّ مَعَ عِظَمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَوْلِهِنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَيَرْتَبِطُ بِهِ مِنْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْأَنْسَابِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكْذِبْنَ وَهَذَا فَنٌّ بَدِيعٌ فَتَأَمَّلُوهُ وَاِتَّخِذُوهُ دُسْتُورًا فِي الْأَحْكَامِ وَأَصِّلُوهُ اهـ. (التَّنْبِيهُ الثَّانِي) قَالَ الْأَصْلُ الْقَاعِدَةُ أَنَّهُ كُلَّمَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْمَقْصِدِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْوَسِيلَةِ فَإِنَّهَا تَبَعٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ وَقَدْ خُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْحَجِّ فِي إمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إزَالَةِ الشَّعْرِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ اهـ. قُلْت: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَغْلَبِيَّةٌ كَقَاعِدَةِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَكَذَا كَوْنُ الْوَسِيلَةِ إلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ أَفْضَلَ الْوَسَائِلِ وَإِلَى أَقْبَحِ الْمَقَاصِدِ أَقْبَحَ الْوَسَائِلِ وَإِلَى مَا يَتَوَسَّطُ مُتَوَسِّطَةً كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ. (وَأَمَّا الْفَرْقُ) بَيْنَ كَوْنِ الْمَعَاصِي أَسْبَابًا لِلرُّخَصِ وَبَيْنَ مُقَارَنَةِ الْمَعَاصِي لِأَسْبَابِ الرُّخَصِ فَهُوَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تَكُونُ أَسْبَابًا لِلرُّخْصِ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ التَّرَخُّصِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ سَعْيٌ فِي تَكْثِيرِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِسَبَبِهَا فَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَالْآبِقِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَلَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ هَذَيْنِ الرُّخْصَتَيْنِ السَّفَرُ وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُنَاسِبُ الرُّخْصَةَ. وَأَمَّا مُقَارَنَةُ الْمَعَاصِي لِأَسْبَابِ الرُّخَصِ فَلَا تَمْتَنِعُ إجْمَاعًا وَمِنْ مِثْلِهِ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ أَفْسَقُ النَّاسِ وَأَعْصَاهُمْ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَهُوَ رُخْصَةٌ، وَإِذَا أَضَرَّ الصَّوْمُ

стр. 272

فَكَذَلِكَ التَّكْبِيرُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا بِالْمُقَارِنِ الْأَوَّلِ وَاَلَّذِي فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مِنْهُ لَا يَدْخُلُ بِهِ فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ يُحْمَلُ السَّلَامُ عَلَى الْمُقَارِنِ لِآخِرِ الصَّلَاةِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قُرِنَ مَعَهُ وَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ لِلذِّهْنِ وَلَوْ كَانَ السَّلَامُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ يُحْوِجُ لِلتَّكْبِيرِ وَيُخْرِجُ مِنْ حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ لَبَطَلَ مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ وَابْتُدِئَتْ مِنْ أَوَّلِهَا وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ فِي السَّهْوِ أَلْبَتَّةَ فَلَمَّا لَمْ تُعَدْ الصَّلَاةُ مِنْ أَوَّلِهَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا أَجِدُ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أَنَّ السَّلَامَ سَهْوًا مُحْوِجٌ لِلتَّكْبِيرِ إلَّا مُشْكِلًا وَالْمُتَّجَهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ ﵇ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ يَقْتَضِي حَصْرَ ذَكَاةِ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ فَلَا يُحْوِجُ إلَى ذَكَاةٍ أُخْرَى وَمَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ ذَكَاةَ الْجَنِينِ تُغْنِي عَنْهَا ذَكَاةُ أُمِّهِ فَإِنْ قُلْت فَذَكَاةُ الْجَنِينِ هِيَ الذَّبْحُ الْخَاصُّ فِي حَلْقِهِ هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ فَجَعَلَ هَذِهِ الذَّكَاةَ عَيْنَ ذَكَاةِ أُمِّهِ إنَّمَا يَصْدُقُ حِينَئِذٍ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَقَوْلِنَا أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ هَذَا اللَّفْظَ بِوَضْعِهِ يَقْتَضِي أَنَّ عَيْنَ ذَكَاةِ الْجَنِينِ هِيَ عَيْنُ ذَكَاةِ أُمِّهِ؟ قُلْت: سُؤَالٌ حَسَنٌ وَالْجَوَابُ عَنْهُ يَحْتَاجُ إلَى جَوْدَةِ ذِهْنٍ وَفِكْرٍ فِي فَهْمِهِ بِسَبَبِ النَّظَرِ فِي قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ إضَافَةَ الْمَصَادِرِ مُخَالِفَةٌ لِإِسْنَادِ الْأَفْعَالِ فَالْإِضَافَةُ تَكْفِي فِيهَا أَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً كَقَوْلِنَا صَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ فَنُضِيفُ الصَّوْمَ لِرَمَضَانَ وَالْحَجَّ لِلْبَيْتِ فَتَكُونُ إضَافَةً حَقِيقَةً وَلَوْ أَسْنَدْنَا الْفِعْلَ فَقُلْنَا صَامَ رَمَضَانُ بِأَنْ يُجْعَلَ الشَّهْرُ هُوَ الْفَاعِلَ أَوْ الْبَيْتَ يَحُجُّ لَمْ يَصْدُقْ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَيَنْفِرُ مِنْهُ سَمْعُ السَّامِعِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي هَاهُنَا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ ذَكَّيْت الْجَنِينَ وَبَيْنَ ذَكَاةِ الْجَنِينِ فَذَكَّيْت الْجَنِينَ لَا يَصْدُقُ إلَّا إذَا قَطَعَ مِنْهُ مَوْضِعَ الذَّكَاةِ وَذَكَاةُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ ﷺ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ يَقْتَضِي حَصْرَ ذَكَاةِ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ فَلَا يَحُوجُ إلَى ذَكَاةٍ أُخْرَى وَمَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ ذَكَاةَ الْجَنِينِ تُغْنِي عَنْهَا ذَكَاةُ أُمِّهِ فَإِنْ قُلْتَ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ هُوَ الذَّبْحُ الْخَاصُّ فِي حَلْقِهِ هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ قُلْتُ لَيْسَ الذَّكَاةُ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً بَلْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً شَرْعِيَّةً. قَالَ (فَجَعَلَ هَذِهِ الذَّكَاةَ عَيْنَ ذَكَاةِ أُمِّهِ إنَّمَا يَصْدُقُ حِينَئِذٍ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَقَوْلِنَا أَبُو يُوسُف أَبُو حَنِيفَة وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَقْتَضِي بِوَضْعِهِ أَنَّ عَيْنَ ذَكَاةِ الْجَنِينِ هُوَ عَيْنُ ذَكَاةِ أُمَّةِ) قُلْتُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ عَيْنَ ذَكَاةِ الْجَنِينِ هِيَ عَيْنُ ذَكَاةِ أُمِّهِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لَا غَيْرُ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّحِدُ مُتَعَدِّدًا. قَالَ (قُلْتُ سُؤَالٌ حَسَنٌ وَالْجَوَابُ عَنْهُ يَحْتَاجُ إلَى جَوْدَةِ ذِهْنٍ وَفِكْرٍ فِي فَهْمِهِ بِسَبَبِ النَّظَرِ فِي قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ إضَافَةَ الْمَصَادِرِ مُخَالِفَةٌ لِإِسْنَادِ الْأَفْعَالِ فَالْإِضَافَةُ تَكْفِي فِيهَا أَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً كَقَوْلِنَا صَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ وَاسْتَغْنَى الْجَنِينُ عَنْ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِأَفْسَقِ النَّاسِ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ وَإِذَا أَضَرَّ بِهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ جَازَ لَهُ الْجُلُوسُ وَيُقَارِضُ وَيُسَاقِي وَلَا يَمْنَعُهُ عِصْيَانُهُ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الرُّخْصِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ هَذِهِ الرُّخَصِ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ مُقَارِنَةٌ لِلسَّبَبِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْمَاءِ أَوْ الْعَجْزُ عَنْ الصَّوْمِ أَوْ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا لَيْسَ هُوَ بِمَعْصِيَةٍ لَا أَنَّهَا هِيَ السَّبَبُ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ لَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ إذَا اضْطَرَّ إلَيْهَا وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُبِيحَ لِلْعَاصِي جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ مُسَاوٍ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ضَرُورَةَ أَنَّ سَبَبَ أَكْلِهِ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا سَفَرِهِ الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ فَالْمَعْصِيَةُ مُقَارِنَةٌ لِسَبَبِ الرُّخْصَةِ لَا أَنَّهَا هِيَ السَّبَبُ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ عِلَّةِ الْإِذْنِ أَوْ التَّحْرِيمِ وَبَيْنَ عَدَمِ عِلَّةِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْعِلَلِ] (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ عِلَّةِ الْإِذْنِ أَوْ التَّحْرِيمِ وَبَيْنَ عَدَمِ عِلَّةِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْعِلَلِ) وَذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى عَدِمَتْ عِلَّةُ الْإِذْنِ تَعَيَّنَ التَّحْرِيمُ وَمَتَى عَدِمَتْ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ تَعَيَّنَ الْإِذْنُ فَعَدَمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ الْآخَرِ أَيْ عَدَمُ عِلَّةِ الْإِذْنِ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ وَعَدَمُ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ عِلَّةُ الْإِذْنِ. وَأَمَّا عَدَمُ عِلَّةِ كُلٍّ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ قَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا وَغَيْرُ الْمَنْدُوبِ كَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا أَوْ مُحَرَّمًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَكْرُوهًا وَغَيْرُ الْمَكْرُوهِ كَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا أَوْ مُحَرَّمًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِذِكْرِ أَرْبَعِ مَسَائِلَ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ تُوَضِّحُ اطِّرَادَ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى وَالرَّابِعَةُ تُوَضِّحُ عَدَمَ اطِّرَادِ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) النَّجَاسَةُ تَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ الْمُلَابَسَةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَالْأَغْذِيَةِ لِلِاسْتِقْذَارِ أَوْ التَّوَسُّلِ لِلْإِبْعَادِ فَقُيِّدَ لِلِاسْتِقْذَارِ إلَخْ مُخْرِجٌ لِمَا تَحْرُمُ مُلَابَسَتُهُ فِي الْأَغْذِيَةِ لَا لِأَجْلِ ذَلِكَ بَلْ لِكَوْنِهِ مُضِرًّا كَالسَّمُومِ وَالْأَغْذِيَةِ وَالْأَشْرِبَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَسْقَامِ وَالْأَمْرَاضِ فَلَا تَكُونُ نَجِسَةً وَمُدْخِلٌ لِلْخَمْرِ وَنَحْوَهَا مِمَّا قُضِيَ بِتَنْجِيسِهِ لَا لِاسْتِقْذَارِهِ بَلْ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِتَنْجِيسِهِ يُفْضِي إلَى إبْعَادٍ وَإِبْعَادُهُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا فَالْقَوْلُ بِتَنْجِيسِهِ يُفْضِي إلَى مَطْلُوبٍ شَرْعًا وَمَا يُفْضِي إلَى الْمَطْلُوبِ مَطْلُوبٌ فَتَنَجُّسُهُ مَطْلُوبٌ فَيَكُونُ نَجِسًا لِلتَّوَسُّلِ لِلْإِبْعَادِ لَا لِلِاسْتِقْذَارِ وَزِيَادَةٍ، وَالْأَغْذِيَةُ لَا لِلِاحْتِرَازِ بَلْ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُنَا تَحْرِيمَ الْمُلَابَسَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كَافِيًا وَالطَّهَارَةُ تَرْجِعُ إلَى إبَاحَةِ الْمُلَابَسَةِ فِي الصَّلَوَاتِ لِعَدَمِ عِلَّةِ النَّجَاسَةِ

стр. 273

الْجَنِينِ تَصْدُقُ بِأَيْسَرِ مُلَابَسَةٍ، وَأَحَدُ طُرُقِ الْمُلَابَسَةِ أَنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ تُبِيحُهُ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَكَاةِ أُمِّهِ مُلَابَسَةٌ تَصْدُقُ أَنَّهَا ذَكَاتُهُ فَيَكُونُ عَلَى التَّقْدِيرِ ذَكَاةُ أُمِّهِ هِيَ عَيْنُ ذَكَاتِهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ النُّحَاةِ عَنْ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يَكْفِي فِي الْإِضَافَةِ أَدْنَى مُلَابَسَةٍ كَقَوْلِ أَحَدِ حَامِلِي الْخَشَبَةِ لِلْآخَرِ شِلْ طَرَفَك فَجَعَلَ طَرَفَ الْخَشَبَةِ طَرَفًا لَهُ بِسَبَبِ الْمُلَابَسَةِ وَأَنْشَدُوا: إذَا كَوْكَبُ الْخَرْقَاءِ لَاحَ بِسُحْرَةٍ فَأَضَافَ الْكَوْكَبَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ لِشُغْلِهَا عِنْدَ طُلُوعِهِ وَإِذَا اسْتَقْرَيْت ذَلِكَ وَجَدْته كَثِيرًا عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ فَصَحَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إضَافَةِ الذَّكَاةِ لِلْجَنِينِ وَأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْحَصْرَ وَاسْتَغْنَى الْجَنِينُ عَنْ الذَّكَاةِ بِسَبَبِ ذَكَاةِ أُمِّهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُرْوَى بِالرَّفْعِ فِي الذَّكَاةِ الثَّانِيَةِ وَبِالنَّصْبِ فَتَمَسَّكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِرَاوِيَةِ الرَّفْعِ عَلَى اسْتِغْنَاءِ الْجَنِينِ عَنْ الذَّكَاةِ وَتَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ بِرِوَايَةِ النَّصْبِ عَلَى احْتِيَاجِهِ لِلذَّكَاةِ وَأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُمْ ذَكَاةُ الْجَنِينِ أَنْ يُذَكَّى ذَكَاةً مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ فَأُعْرِبَ كَإِعْرَابِهِ وَهُوَ الْقَاعِدَةُ فِي حَذْفِ الْمُضَافِ. وَالْجَوَابُ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَاهُنَا تَقْدِيرًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ دَاخِلَةٌ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ فَانْتَصَبَتْ الذَّكَاةُ عَلَى أَنَّهَا مَفْعُولٌ كَقَوْلِك دَخَلْت الدَّارَ وَيَكُونُ الْمَحْذُوفُ أَقَلَّ مِمَّا قَدَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَيَكُونُ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ جَمْعٌ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ التَّعَارُضِ وَالتَّنَافِي بَيْنَهُمَا فَيُرَجَّحُ بِقِلَّةِ الْمَحْذُوفِ وَالْجَمْعِ لَا يَبْقَى لَهُمْ فِيهِ مُسْتَنَدٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الذَّكَاةِ بِسَبَبِ ذَكَاةِ أُمِّهِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْإِضَافَةَ تَصِحُّ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَهِيَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَالْإِسْنَادِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ يَلْزَمُ فِيهِ مُرَاعَاةُ الْفَاعِلِ وَهَلْ هُوَ مِمَّا وَقَعَ فِي إسْنَادِ ذَلِكَ الْفِعْلِ إلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَقِيقَةً فِيهِ أَوْ لَا؟ فَيَكُونُ مَجَازًا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْحَصْرَ وَاسْتَغْنَى الْجَنِينُ عَنْ الذَّكَاةِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُرْوَى بِالرَّفْعِ فِي الذَّكَاةِ الثَّانِيَةِ وَبِالنَّصْبِ فَتَمَسَّكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِرَاوِيَةِ الرَّفْعِ عَلَى اسْتِغْنَاءِ الْجَنِينِ عَنْ الذَّكَاةِ وَتَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ بِرِوَايَةِ النَّصْبِ عَلَى احْتِيَاجِهِ لِلذَّكَاةِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ وَمِنْ أَنَّ قَوْلَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يُرَجَّحُ بِقِلَّةِ الْحَذْفِ مُسَلَّمٌ إلَّا أَنَّهُ يُرَجَّحُ أَيْضًا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ تَقْدِيرَهُمْ مِنْ مُقْتَضَى مَسَاقِ الْكَلَامِ وَتَقْدِيرُ غَيْرِهِمْ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مِنْ مُقْتَضَى رَأْيِهِ وَمَذْهَبِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي مَسَاقِ الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ ذَكَاةِ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ وَمَا قَالَهُ وَمِنْ أَنَّ قَوْلَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يُرَجَّحُ بِالْجَمْعِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعَذُّرِ الْجَمْعِ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الْجَمْعُ مُتَّجَهٌ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا وَالشَّأْنُ إنَّمَا هُوَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَمْعَيْنِ عَلَى الْآخِرِ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَبَسْطُهُ يَطُولُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الَّتِي هِيَ الِاسْتِقْذَارُ فَمَتَى كَانَتْ الْعَيْنُ لَيْسَتْ بِمُسْتَقْذَرَةٍ فَحُكْمُ اللَّهِ فِيهَا عَدَمُ النَّجَاسَةِ وَأَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً مَا لَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةَ الْإِبْعَادِ كَالْخَمْرِ وَإِلَّا قَضَى بِتَنْجِيسِهَا مَعَ عَدَمِ الِاسْتِقْذَارِ لِقِيَامِ عِلَّةِ التَّوَسُّلِ إلَى الْإِبْعَادِ مَقَامَ الِاسْتِقْذَارِ فَظَهَرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ الْخَمْسَةِ بَلْ النَّجَاسَةُ تَرْجِعُ لِلتَّحْرِيمِ وَالطَّهَارَةُ تَرْجِعُ لِلْإِبَاحَةِ وَأَنَّ عَدَمَ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ عِلَّةُ الطَّهَارَةِ وَأَنَّ عَدَمَ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) عِلَّةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْإِسْكَارُ فَمَتَى زَالَ الْإِسْكَارُ بِنَحْوِ تَخْلِيلِهِ أَوْ تَحْجِيرِهِ زَالَ التَّحْرِيمُ وَثَبَتَ الْإِذْنُ بِجَوَازِ أَكْلِهَا وَشُرْبِهَا وَعِلَّةُ إبَاحَةِ شُرْبِ الْعَصِيرِ مُسَالَمَتُهُ لِلْعَقْلِ وَسَلَامَتُهُ عَنْ الْمَفَاسِدِ فَعَدَمُ هَذِهِ الْمُسَالَمَةِ وَالسَّلَامَةِ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الْعَصِيرِ فَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ عَدَمَ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ عِلَّةُ الْإِذْنِ وَعَدَمُ عِلَّةِ الْإِذْنِ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْحَدَثُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ فَيُقَالُ أَحْدَثَ إذَا خَرَجَ مِنْهُ خَارِجٌ كَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَنْعِ الْمُرَتَّبِ عَلَى هَذَا السَّبَبِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ بِفِعْلِهِ أَيْ يَنْوِي ارْتِفَاعَ الْمَنْعِ الْمُرَتَّبِ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ الْمُتَقَدِّمِ لَا أَنَّهُ يَنْوِي ارْتِفَاعَ أَعْيَانِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ الْمُسْتَقْذَرَةِ بِوُضُوئِهِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ وَاقِعَةً دَاخِلَةً فِي الْوُجُودِ وَالْوَاقِعَاتُ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهَا وَالْمَنْعُ وَإِنْ كَانَ أَيْضًا وَقَعَ وَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَاقِعَاتِ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِرَفْعِهِ مَنْعُ اسْتِمْرَارِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ إنَّمَا يَمْنَعُ اسْتِمْرَارَ مَنْعِ الْوَطْءِ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ لَا نَفْسَ الْوَطْءِ وَلَا مَنْعَهُ فَالْحَدَثُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ مِنْ مُلَابَسَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ أَيْضًا يَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ الْمُلَابَسَةِ الْمَذْكُورَةِ حَتَّى يَتَطَهَّرَ فَيُبَاحَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعِبَادَةِ. فَالْإِبَاحَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُضَافَةٌ إلَى عَدَمِ سَبَبٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ فَالسَّبَبُ الَّذِي هُوَ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ وَالِاعْتِيَادِ مَثَلًا هُوَ عِلَّةُ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ التَّحْرِيمُ وَعَدَمُهُ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ بَعْدَ التَّطَهُّرِ، وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ سَبَبُ ارْتِفَاعِ ذَلِكَ التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ وَحُصُولِ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ فَحَصَلَ فِي هَذَا الْمِثَالِ أَيْضًا أَنَّ عِلَّةَ الْإِبَاحَةِ عَدَمُ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وَعَدَمُ سَبَبِ الْإِبَاحَةِ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ نَعَمْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْوُضُوءَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْإِبَاحَةِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا اُشْتُرِطَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَتَقُولُ إنَّ الطَّهَارَةَ سَبَبٌ لِلْإِبَاحَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ حَتَّى

стр. 274

(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ ﷺ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ يَقْتَضِي حَصْرَ الشُّفْعَةِ الَّذِي هُوَ قَابِلٌ لِلْقِسْمَةِ وَلَمْ يُقْسَمْ بَعْدُ وَالْخَبَرُ هَاهُنَا لَيْسَ مَعْرِفَةً بَلْ مَجْرُورًا وَتَقْدِيرُ الْخَبَرِ الشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» يَقْتَضِي حَصْرَ الْأَعْمَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي النِّيَّاتِ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ الْأَعْمَالُ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّيَّاتِ فَالْعَمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا كَمَا أَنَّ طَلَبَ الشُّفْعَةِ فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] تَقْدِيرُهُ زَمَانُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَيَكُونُ وَقْتُ الْحَجِّ مَحْصُورًا فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَهُوَ الْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ وَهَلْ هَذَا الْحَصْرُ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَهُ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْفَضِيلَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَيُكْرَهُ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ فَإِنْ وَقَعَ صَحَّ قَوْلَانِ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) قَالَ الْغَزَالِيُّ إذَا قُلْت صَدِيقِي زَيْدٌ أَوْ زَيْدٌ صَدِيقِي اخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِي زَيْدٍ فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي حَصْرَ أَصْدِقَائِك فِي زَيْدٍ فَلَا تُصَادِقُ أَنْتَ غَيْرَهُ وَهُوَ يَجُوزُ أَنْ يُصَادِقَ غَيْرَك وَالثَّانِي يَقْتَضِي حَصْرَهُ فِي صَدَاقَتِك فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَادِقَ غَيْرَك وَأَنْتَ يَجُوزُ أَنْ تُصَادِقَ غَيْرَهُ عَلَى عَكْسِ الْأَوَّلِ. (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي كِتَابِ الْإِعْجَازِ لَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ قَدْ تَرِدُ لِحَصْرِ الثَّانِي فِي الْأَوَّلِ كَقَوْلِك زَيْدٌ الْقَائِمُ أَيْ لَا قَائِمَ إلَّا زَيْدٌ فَيُحْصَرُ وَصْفُ الْقِيَامِ وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ الْخِلَافَةُ بَعْدَهُ ﵇ مُنْحَصِرَةٌ فِي أَبِي بَكْرٍ وَمِنْهُ زَيْدٌ النَّاقِلُ لِهَذَا الْخَبَرِ وَالْمُتَسَبِّبُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فَالثَّانِي أَبَدًا مُنْحَصِرٌ فِي الْأَوَّلِ بِخِلَافِ قَاعِدَةِ الْحَصْرِ أَبَدًا الْأَوَّلُ مُنْحَصِرٌ فِي الثَّانِي. (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) إذَا قُلْتَ السَّفَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فُهِمَ مِنْهُ الْحَصْرُ فِي هَذَا الظَّرْفِ وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ وَكَذَلِكَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْخَبَرِ فَقَدْ اتَّضَحَ لَكَ الْحَصْرُ لِلْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ مَعَ التَّعْرِيفِ وَالظَّرْفِ وَالْمَجْرُورِ بِخِلَافِ قَوْلِنَا زَيْدٌ قَائِمٌ وَعَمْرٌو خَارِجٌ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ ﵇ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ يَقْتَضِي حَصْرَ الشُّفْعَةِ فِي الَّذِي هُوَ قَابِلٌ لِلْقِسْمَةِ وَلَمْ يُقْسَمْ بَعْدُ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ قُلْتُ مَا قَالَهُ دَعْوَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] إلَى آخِرِهَا قُلْتُ وَمَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَعْوَى أَيْضًا. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) قَالَ الْغَزَالِيُّ إذَا قُلْتُ: صَدِيقِي زَيْدٌ وَزَيْدٌ صَدِيقِي إلَى آخِرِهَا قُلْتُ: قَوْلُ الْغَزَالِيِّ دَعْوَى أَيْضًا. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ، قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي كِتَابِ الْإِعْجَازِ لَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ قَدْ تَرُدُّ الْحَصْرَ الثَّانِيَ فِي الْأَوَّلِ كَقَوْلِك زَيْدٌ الْقَائِمُ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ وَقَوْلُ الْفَخْرِ دَعْوَى أَيْضًا. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) إذَا قُلْتُ: السَّفَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فُهِمَ مِنْهُ الْحَصْرُ فِي هَذَا الظَّرْفِ إلَى آخِرِهَا قُلْتُ مَا قَالَهُ لَهُ هُنَا أَيْضًا دَعْوَى لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا بِحُجَّةٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَطْرَأَ الْحَدَثُ وَالْحَدَثُ بِمَعْنَى الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ سَبَبُ الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ حَتَّى تَطْرَأَ الطَّهَارَةُ وَيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ فَيَكُونَ عَدَمُ الطَّهَارَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بِسَبَبِ الْمَنْعِ وَعَدَمُ الْحَدَثِ بِالْكُلِّيَّةِ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ فَإِذَا فُرِضَ وُقُوعُ عَدَمِ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ الْإِنْسَانِ أَلْبَتَّةَ فَلَا مَانِعَ لَا بِنَصٍّ وَلَا بِإِجْمَاعٍ وَلَا بِقِيَاسٍ مِنْ الْتِزَامِنَا الْإِبَاحَةَ فِي حَقِّهِ. قُلْت: وَمِمَّا يُقَرِّبُ هَذَا الْفَرْضَ مَا حَكَاهُ السُّبْكِيُّ فِي طَبَقَاتِهِ مِنْ حَدِيثِ رَحْمَةَ بِنْتِ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْبَرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الطَّهْمَانِيِّ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ وَرَدَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ مَدِينَةً مِنْ مَدَائِنِ خُوَارِزْمَ تُدْعَى هِزَارَنِيفْ وَهِيَ فِي غَرْبِيِّ وَادِي جَيْحُونٍ وَمِنْهَا إلَى الْمَدِينَةِ الْعُظْمَى مَسَافَةُ نِصْفِ يَوْمٍ قَالَ وَأُخْبِرْت أَنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ الشُّهَدَاءِ رَأَتْ رُؤْيَا كَأَنَّهَا أُطْعِمَتْ فِي مَنَامِهَا شَيْئًا فَهِيَ لَا تَأْكُلُ شَيْئًا وَلَا تَشْرَبُ مُنْذُ عَهْدِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ طَاهِرٍ وَالِي خُرَاسَانَ وَكَانَ تُوُفِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ بِثَمَانِ سِنِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. ثُمَّ مَرَرْت بِتِلْكَ الْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ فَرَأَيْتهَا وَحَدَّثَتْنِي بِحَدِيثِهَا فَلَمْ أَسْتَقْصِ عَلَيْهَا لِحَدَاثَةِ سِنِّي ثُمَّ إنِّي عُدْت إلَى خُوَارِزْمَ فِي آخِرِ سَنَةِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ فَرَأَيْتهَا بَاقِيَةً وَوَجَدْت حَدِيثَهَا شَائِعًا مُسْتَفِيضًا وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ عَلَى مُدْرَجَةِ الْقَوَافِلِ وَكَانَ الْكَثِيرُ مِمَّنْ يَنْزِلُهَا إذَا بَلَغَهُمْ قِصَّتَهَا أَحَبُّوا أَنْ يَنْظُرُوا إلَيْهَا فَلَا يَسْأَلُونَ عَنْهَا رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً وَلَا غُلَامًا إلَّا عَرَفَهَا وَدَلَّ عَلَيْهَا فَلَمَّا وَافَيْت النَّاحِيَةَ طَلَبْتهَا فَوَجَدْتهَا غَائِبَةً عَلَى عِدَّةِ فَرَاسِخَ فَمَضَيْت فِي أَثَرِهَا مِنْ قَرْيَةٍ إلَى أُخْرَى فَأَدْرَكْتهَا بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ تَمْشِي مِشْيَةً قَوِيَّةً وَإِذَا هِيَ امْرَأَةٌ نِصْفُ جَيِّدَةِ الْقَامَةِ ظَاهِرَةُ الدَّمِ مُتَوَرِّدَةُ الْخَدَّيْنِ زَكِيَّةُ الْفُؤَادِ فَسَايَرَتْنِي وَأَنَا رَاكِبٌ فَعَرَضْت عَلَيْهَا مَرْكَبًا فَلَمْ تَرْكَبْهُ وَأَقْبَلَتْ تَمْشِي مَعِي بِقُوَّةٍ وَحَضَرَ مَجْلِسِي قَوْمٌ مِنْ التُّجَّارِ وَالدَّهَاقِينِ وَفِيهِمْ فَقِيهٌ يُسَمَّى مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ الْحَارِثِيُّ وَقَدْ كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْبَزَّارُ بِمَكَّةَ، وَكَهْلٌ لَهُ عِبَارَةٌ وَرِوَايَةٌ لِلْحَدِيثِ، وَشَابٌّ حَسَنٌ يُسَمَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَ يُحَلِّقُ أَصْحَابُ الْمَظَالِمِ بِنَاحِيَتِهِ فَسَأَلْتهمْ عَنْهَا فَأَحْسَنُوا الثَّنَاءَ عَلَيْهَا وَقَالُوا عَنْهَا خَيْرًا وَقَالُوا إنَّ أَمْرَهَا ظَاهِرٌ عِنْدَنَا فَلَيْسَ فِينَا مَنْ يَخْتَلِفُ فِيهَا قَالَ الْمُسَمَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَا أَسْمَعُ حَدِيثَهَا مُنْذُ أَيَّامِ الْحَدَاثَةِ وَنَشَأْت وَالنَّاسُ يَتَفَاوَضُونَ فِي خَبَرِهَا وَقَدْ فَرَّغْت بَالِي لَهَا وَشَغَلْت

стр. 275

(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْبِيهِ فِي الدُّعَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْبِيهِ فِي الْخَبَرِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْخَبَرِ يَصِحُّ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ فَتُشَبِّهُ مَا وَقَعَ لَكَ أَمْسِ بِمَا وَقَعَ أَمْسِ لِشَخْصٍ آخَرَ وَتُشَبِّهُ مَا وَقَعَ لَكَ الْيَوْمَ بِمَا وَقَعَ لِغَيْرِكَ الْيَوْمَ وَتُشَبِّهُ مَا يَقَعُ لَكَ غَدًا بِمَا يَقَعُ لِغَيْرِك غَدًا وَكُلُّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وَلَا يَقَعُ التَّشْبِيهُ فِي الدُّعَاءِ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ خَاصَّةً بِسَبَبِ أَنَّ عَشَرَةَ أَلْفَاظٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِمُسْتَقْبَلٍ وَهِيَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالدُّعَاءُ وَالشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالتَّرَجِّي وَالتَّمَنِّي وَالْإِبَاحَةُ فَلَا يُؤْمَرُ إلَّا بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ وَلَا يُنْهَى إلَّا عَنْ مَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ وَلَا يُدْعَى إلَّا بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبِلٍ وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الْمَعْدُومَ الْمُسْتَقْبَلَ فَمَتَى وَقَعَ التَّشْبِيهُ فِي بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ بَيْنَ لَفْظَيْنِ دُعَاءٍ أَوْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ مَعَهَا إنَّمَا يَقَعُ فِي أَمْرَيْنِ مُسْتَقْبَلَيْنِ مَعْدُومَيْنِ لَمْ يُوجَدَا بَعْدُ. وَبِاعْتِبَارِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ ظَهَرَتْ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ كَانَ يُورِدُ سُؤَالًا فِي قَوْلِهِ ﵇ «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» فَيَقُولُ كَيْفَ وَقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ إعْطَاؤُهُ وَإِحْسَانُهُ وَعَطِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْ عَطِيَّةِ اللَّهِ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ وَالتَّشْبِيهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُشَبَّهُ أَدْنَى رُتْبَةً مِنْ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَوْ مُسَاوِيًا فَكَيْفَ وَقَعَ هَذَا التَّشْبِيهُ وَكَانَ يُجِيبُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ آلَ إبْرَاهِيمَ ﵇ أَنْبِيَاءُ وَآلُ النَّبِيِّ ﵇ لَيْسُوا أَنْبِيَاءَ وَالتَّشْبِيهُ إنَّمَا وَقَعَ بَيْنَ الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْبِيهِ فِي الدُّعَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْبِيهِ فِي الْخَبَرِ إلَى قَوْلِهِ إنَّمَا يَقَعُ فِي أَمْرَيْنِ مُسْتَقْبَلَيْنِ مَعْدُومَيْنِ لَمْ يُوجَدَا بَعْدُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ وَأَطْلَقَ قَوْلَهُ فِيهِ مِنْ أَنَّ التَّشْبِيهَ لَا يَقَعُ فِي الدُّعَاءِ إلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ عَشَرَةَ أَلْفَاظٍ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ صَحِيحٌ إلَّا فِي الشَّرْطِ خَاصَّةً وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ فِي التَّشْبِيهِ فِي الدُّعَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ كَوْنُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُسْتَقْبِلِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَشْبِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بِغَيْرِ الْمُسْتَقْبِلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ تَشْبِيهَ دُعَاءٍ بِدُعَاءٍ وَأَمْرٍ بِأَمْرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ. قَالَ (وَبِاعْتِبَارِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ ظَهَرَتْ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ وَذَكَرَ مَا كَانَ يُورِدُهُ عِزُّ الدِّينِ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ «اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] نَفْسِي بِالِاسْتِقْصَاءِ عَلَيْهَا فَلَمْ أَرَ إلَّا سَتْرًا وعَفَافًا وَلَمْ أَعْثُرْ مِنْهَا عَلَى كَذِبٍ فِي دَعْوَاهَا وَلَا حِيلَةٍ فِي التَّلْبِيسِ، وَذَكَرَ أَنَّ مَنْ كَانَ يَلِي خُوَارِزْمَ مِنْ الْعُمَّالِ كَانُوا فِيمَا خَلَا يَشْخَصُونَهَا وَيَحْضُرُونَهَا الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَالْأَكْثَرَ فِي بَيْتٍ يُغْلِقُونَهُ عَلَيْهَا وَيُوَكِّلُونَ عَلَيْهَا مَنْ يُرَاعِيهَا فَلَا يَرَوْنَهَا تَأْكُلُ وَلَا تَشْرَبُ وَلَا يَجِدُونَ لَهَا أَثَرَ بَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ فَيَبَرُّونَهَا وَيَكْسُونَهَا وَيُخَلُّونَ سَبِيلَهَا، فَلَمَّا تَوَاطَأَ أَهْلُ النَّاحِيَةِ عَلَى تَصْدِيقِهَا قَصَصْتهَا عَنْ حَدِيثِهَا وَسَأَلْتُهَا عَنْ اسْمِهَا وَشَأْنِهَا كُلِّهِ فَذَكَرَتْ أَنَّ اسْمَهَا رَحْمَةُ بِنْتُ إبْرَاهِيمَ وَأَنَّهُ كَانَ لَهَا زَوْجٌ نَجَّارٌ فَقِيرٌ مَعِيشَتُهُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا فَضْلَ فِي كَسْبِهِ عَنْ قُوتِ أَهْلِهِ وَأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ عِدَّةَ أَوْلَادٍ وَجَاءَ الْأَقْطَعُ مَلِكُ التُّرْكِ إلَى الْقَرْيَةِ وَكَانَ كَافِرًا عَاتِيًا كَثِيرَ الْعَدَاوَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي زُهَاءِ ثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ وَعَاثَ وَأَفْسَدَ وَقَتَلَ وَمَثَّلَ وَعَجَزَتْ عَنْهُ خُيُولُ خُوَارِزْمَ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُ أَبَا الْعَبَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ أَنْهَضَ إلَيْهِمْ أَرْبَعَةً مِنْ الْقُوَّادِ وَشَحَنَ الْبَلَدَ بِالْعَسَاكِرِ وَالْأَسْلِحَةِ وَرَتَّبَهُمْ فِي أَرْبَاعِ الْبَلَدِ كُلٌّ فِي رُبْعٍ فَحَمَوْا الْحَرِيمَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ إنَّ وَادِيَ جَيْحُونٍ وَهُوَ الَّذِي فِي أَعْلَى نَهْرِ بَلْخٍ جَمَدَ لَمَّا اشْتَدَّ الْبَرْدُ قَالَتْ الْمَرْأَةُ فَعَبَرَ الْكَافِرُ فِي خَيْلِهِ إلَى بَابِ الْحِصْنِ وَقَدْ تَحَصَّنَ النَّاسُ وَضَمُّوا أَمْتِعَتَهُمْ فَحَضَرَ أَهْلُ النَّاحِيَةِ وَأَرَادُوا الْخُرُوجَ فَمَنَعَهُمْ الْعَامِلُ عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا فِي عَسَاكِرِ السُّلْطَانِ فَشَدَّ طَائِفَةٌ مِنْ شُبَّانِ النَّاسِ وَأَحْدَاثِهِمْ فَتَقَارَبُوا مِنْ السُّورِ بِمَا أَطَاقُوا حَمْلَهُ مِنْ السِّلَاحِ وَحَمَلُوا عَلَى الْكَفَرَةِ فَتَهَارَجَ الْكَفَرَةُ وَاسْتَحَرُّوهُمْ مِنْ بَيْنِ الْأَبْنِيَةِ وَالْحِيطَانِ فَلَمَّا أَصْحَرُوا أَكْثَرَ التُّرْكُ عَلَيْهِمْ وَانْقَطَعَ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحِصْنِ وَبَعُدَتْ الْمُؤْنَةُ عَنْهُمْ فَحَارَبُوا كَأَشَدِّ حَرْبٍ وَثَبَتُوا حَتَّى تَقَطَّعَتْ الْأَوْتَارُ وَالْقِسِيُّ وَأَدْرَكَهُمْ التَّعَبُ وَمَسَّهُمْ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَقُتِلَ عَامَّتُهُمْ وَأُثْخِنَ الْبَاقُونَ بِالْجِرَاحَاتِ، وَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِمْ اللَّيْلُ تَحَاجَزَ الْفَرِيقَانِ قَالَتْ الْمَرْأَةُ وَرُفِعَتْ النَّارُ عَلَى الْمَنَاظِرِ سَاعَةَ عُبُورِ الْكَافِرِ فَاتَّصَلَتْ بالجرجانية وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ فِي قَاصِيَةِ خُوَارِزْمَ وَكَانَ مِيكَالُ مَوْلَى طَاهِرٍ مُرَابِطًا بِهَا فِي عَسْكَرٍ فَخَفَّ فِي الطَّلَبِ وَرَكَضَ إلَى هِزَارَنِيفْ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَرْبَعِينَ فَرْسَخًا بِفَرَاسِخِ خُوَارِزْمَ وَفِيهَا فَضْلٌ كَثِيرٌ عَلَى فَرَاسِخِ خُرَاسَانَ وَعَنَّ لِلتُّرْكِ الْفَرَاغُ مِنْ أَمْرِ أُولَئِكَ النَّفَرِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ ارْتَفَعَتْ

стр. 276

لِلنَّبِيِّ ﵇ وَآلِهِ وَالْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ وَآلِهِ فَيَحْصُلُ؛ لِآلِ إبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ لِآلِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ هَذِهِ الْعَطِيَّةِ فَيَكُونُ الْفَاضِلُ لِلنَّبِيِّ ﵇ بَعْدَ أَخْذِ آلِهِ مِنْ هَذِهِ الْعَطِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْ الْفَاضِلِ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ مِنْ تِلْكَ الْعَطِيَّةِ وَإِذَا كَانَتْ عَطِيَّةُ النَّبِيِّ ﵇ أَعْظَمَ كَانَ أَفْضَلَ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ فَجَعَلَ التَّشْبِيهَ فِي الدُّعَاءِ كَالتَّشْبِيهِ فِي الْخَبَرِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ عَطِيَّةٍ تَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ ﵇ لَمْ تَكُنْ حَصَلَتْ لَهُ قَبْلَ الدُّعَاءِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ الْمُسْتَقْبَلِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الَّذِي حَصَلَ لِلنَّبِيِّ ﵇ قَبْلَ الدُّعَاءِ لَمْ يَدْخُلْ فِي التَّشْبِيهِ وَهُوَ الَّذِي فُضِّلَ بِهِ إبْرَاهِيمُ ﵇ فَهُمَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا كَرَجُلَيْنِ أُعْطِيَ لِأَحَدِهِمَا أَلْفٌ وَلِلْآخَرِ أَلْفَانِ ثُمَّ طُلِبَ لِصَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ مِثْلُ مَا أُعْطِيَ لِصَاحِبِ الْأَلْفِ فَيَحْصُلُ لَهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَالْآخَرُ أَلْفٌ فَقَطْ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي دُعَاءٍ لَا فِي خَبَرٍ نَعَمْ لَوْ قِيلَ إنَّ الْعَطِيَّةَ الَّتِي حَصَلَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ الْعَطِيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ لَزِمَ الْإِشْكَالُ لِكَوْنِ التَّشْبِيهِ وَقَعَ فِي الْخَبَرِ لَكِنْ التَّشْبِيهُ مَا وَقَعَ إلَّا فِي الدُّعَاءِ فَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَاضْبِطْ الْقَاعِدَةَ وَالْفَرْقُ يَنْدَفِعُ لَك بِهِمَا أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ وَإِشْكَالَاتٌ عَظِيمَةٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ) قُلْتُ قَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَوَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا. قَالَ (فَجَعَلَ التَّشْبِيهَ فِي الدُّعَاءِ كَالتَّشْبِيهِ فِي الْخَبَرِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا وَقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ عَطِيَّةٍ تَحْصُلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ تَكُنْ حَصَلَتْ لَهُ قَبْلَ الدُّعَاءِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ الْمُسْتَقْبَلِ إلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي دُعَاءٍ لَا فِي خَبَرٍ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ بِهِ عَطَاءً مُسَاوِيًا لِعَطَاءِ الْمُشَبَّهِ بِهِ زَائِدًا عَلَى مَا ثَبَتَ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ مِنْ الْعَطَاءِ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَعَلَى ذَلِكَ لَا يَرِدُ السُّؤَالُ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا قَالَ (قَالَ: نَعَمْ لَوْ قِيلَ إنَّ الْعَطِيَّةَ الَّتِي حَصَلَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ الْعَطِيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ لَزِمَ الْإِشْكَالُ لِكَوْنِ التَّشْبِيهِ وَقَعَ فِي الْخَبَرِ إلَى آخَرِ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْفَرْقِ) . قُلْتُ: قَوْلُهُ لِكَوْنِ التَّشْبِيهِ وَقَعَ فِي الْخَبَرِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الدَّاعِي أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ بِالدُّعَاءِ تَسْوِيَةَ الْمَدْعُوِّ لَهُ وَمَعَ الشَّبَهِ بِعَطَائِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ لَهُ قَدْ أُعْطِيَ قَبْلَ الدُّعَاءِ عَطَاءً فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ بِالدُّعَاءِ زِيَادَةً تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يُتَّجَهُ وُرُودُ السُّؤَالِ وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِمِثَالٍ وَهُوَ أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: أَعْطِ زَيْدًا كَمَا أَعْطَيْتَ عَمْرًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ سَوِّ بَيْنَهُمَا فِي مُطْلَقِ الْعَطَاءِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَصْدِ التَّسْوِيَةِ فِي مِقْدَارِ الْعَطِيَّةِ وَلَا صِفَتِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ سَوِّ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ الْعَطِيَّةِ وَصِفَتِهَا وَمِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةِ زَيْدٍ بِمَا أَعْطَيْتَهُ قَبْلَ هَذَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ سَوِّ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ الْعَطِيَّةِ وَصِفَتِهَا مَعَ مُحَاسَبَةِ زَيْدٍ بِمَا أَعْطَيْتَهُ قَبْلَ هَذَا وَسُؤَالُ عِزِّ الدِّينِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَهُمْ الْأَعْلَامُ السُّودُ سَمِعُوا أَصْوَاتَ الطُّبُولِ فَأَفْرَجُوا عَنْ الْقَوْمِ وَوَافَى مِيكَالُ مَوْضِعَ الْمَعْرَكَةِ فَوَارَى الْقَتْلَى وَحَمَلَ الْجَرْحَى. قَالَتْ الْمَرْأَةُ وَأَدْخَلَ الْحِصْنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ زُهَاءَ أَرْبَعِمِائَةِ جِنَازَةٍ فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ إلَّا حُمِلَ إلَيْهَا قَتِيلٌ وَعَمَّتْ الْمُصِيبَةُ وَارْتَجَّتْ النَّاحِيَةُ بِالْبُكَاءِ قَالَتْ: وَوُضِعَ زَوْجِي بَيْنَ يَدَيَّ قَتِيلًا فَأَدْرَكَنِي مِنْ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ عَلَيْهِ مَا يُدْرِكُ الْمَرْأَةَ الشَّابَّةَ عَلَى الزَّوْجِ أَبِي الْأَوْلَادِ وَكَانَتْ لَنَا عِيَالٌ قَالَتْ فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ مِنْ قَرَابَاتِي وَالْجِيرَانُ يُسَاعِدْنَنِي عَلَى الْبُكَاءِ وَجَاءَ الصِّبْيَانُ وَهُمْ أَطْفَالٌ لَا يَعْقِلُونَ مِنْ الْأُمُورِ شَيْئًا يَطْلُبُونَ الْخُبْزَ وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أُعْطِيهِمْ فَضِقْت صَدْرًا بِأَمْرِي. ثُمَّ إنِّي سَمِعْت أَذَانَ الْمَغْرِبِ فَفَزِعْت إلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّيْت مَا قَضَى لِي رَبِّي ثُمَّ سَجَدْت أَدْعُو وَأَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْأَلُهُ الصَّبْرَ وَأَنْ يَجْبُرَ يُتْمَ صِبْيَانِي قَالَتْ: فَذَهَبَ بِي النَّوْمُ فِي سُجُودِي فَرَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَنِّي فِي أَرْضٍ خَشْنَاءَ ذَاتِ حِجَارَةٍ وَأَنَا أَطْلُبُ زَوْجِي فَنَادَانِي رَجُلٌ إلَى أَيْنَ أَيَّتُهَا الْحُرَّةُ قُلْت أَطْلُبُ زَوْجِي فَقَالَ: خُذِي ذَاتَ الْيَمِينِ فَرُفِعَ لِي أَرْضٌ سَهْلَةٌ طَيِّبَةُ الرَّيِّ ظَاهِرَةُ الْعُشْبِ وَإِذَا قُصُورٌ وَأَبْنِيَةٌ لَا أَحْفَظُ أَنْ أَصِفَهَا وَلَمْ أَرَ مِثْلَهَا وَإِذَا أَنْهَارٌ تَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ غَيْرَ أَخَادِيدَ لَيْسَتْ لَهَا حَافَّاتٌ فَانْتَهَيْت إلَى قَوْمٍ جُلُوسٍ حِلَقًا حِلَقًا عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ خُضْرٌ قَدْ عَلَاهُمْ النُّورُ فَإِذَا هُمْ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي الْمَعْرَكَةِ يَأْكُلُونَ عَلَى مَوَائِدَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَجَعَلْت أَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُمْ لِأَلْقَى زَوْجِي فَنَادَانِي يَا رَحْمَةُ يَا رَحْمَةُ فَيَمَّمْت الصَّوْتَ فَإِذَا أَنَا بِهِ فِي مِثْلِ حَالِ مَنْ رَأَيْت مِنْ الشُّهَدَاءِ وَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَهُوَ يَأْكُلُ مَعَ رِفْقَةٍ لَهُ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ مَعَهُ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ إنَّ هَذِهِ الْبَائِسَةَ جَائِعَةٌ مُنْذُ الْيَوْمِ أَفَتَأْذَنُوا لِي أَنْ أُنَاوِلَهَا شَيْئًا تَأْكُلُهُ فَأَذِنُوا لِي فَنَاوَلَنِي كَسْرَةَ خُبْزٍ قَالَتْ وَأَنَا أَعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ خُبْزٌ وَلَكِنْ لَا أَدْرِي كَيْفَ هُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ الثَّلْجِ وَاللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ وَأَلْيَنُ مِنْ الزُّبْدِ فَأَكَلْته فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي جَوْفِي قَالَ اذْهَبِي كَفَاكِ اللَّهُ مُؤْنَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَا حَيِيت فِي الدُّنْيَا فَانْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي شَبْعَى رَيَّانَةً لَا أَحْتَاجُ إلَى طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَمَا ذُقْتُهُمَا مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى يَوْمِي هَذَا وَلَا شَيْئًا يَأْكُلُهُ النَّاسُ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَكَانَتْ تَحْضُرُنَا وَكُنَّا نَأْكُلُ فَتَأْخُذُ عَلَى أَنْفِهَا تَزْعُمُ أَنَّهَا تَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَةِ الطَّعَامِ فَسَأَلْتهَا تَتَغَذِّي بِشَيْءٍ أَوْ تَشْرَبِي شَيْئًا غَيْرَ الْمَاءِ فَقَالَتْ لَا فَسَأَلْتهَا هَلْ يَخْرُجُ مِنْهَا

стр. 277

(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَاجِبًا) اعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُورَاتِ قِسْمَانِ مَا صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةٌ فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْغُصُوبِ وَدَفْعِ الْوَدَائِعِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ صُورَةُ هَذَا الْفِعْلِ تَحْصُل مَقْصُودَةً وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ التَّقَرُّبُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا نِيَّةٍ وَقَعَ ذَلِكَ وَاجِبًا مُجْزِئًا وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ الْإِعَادَةُ وَلَا ثَوَابَ فِيهِ حَتَّى يَنْوِيَ بِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرَ قَاصِدٍ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا عَالِمٍ بِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابٌ وَإِنْ سَدَّ الْفِعْلُ مَسَدَّهُ وَوَقَعَ وَاجِبًا وَمِنْ هَذَا الْبَابِ النِّيَّةُ لَا يُقْصَدُ بِهَا التَّقَرُّبُ وَتَقَعُ وَاجِبَةً وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى وَكَذَلِكَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ أَفْضَى إلَى الْعِلْمِ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لَا يَصِحُّ وُرُودُهُ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوْلَيْنَ وَيَصِحُّ وُرُودُهُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَإِنْ وَقَعَ وَاجِبًا اعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُورَاتِ قِسْمَانِ مَا صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةٌ فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَدَفْعِ الْوَدَائِعِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ الْمُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِثُبُوتِ الصَّانِعِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي أَدَاءِ الدُّيُونِ وَشَبَهِهِ وَمِنْ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ حَتَّى يَنْوِيَ بِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْضَارِ نِيَّةِ الِامْتِثَالِ وَلَا يَكْتَفِي بِنِيَّةِ أَدَاءِ الدُّيُونِ فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ فَإِنَّ الَّذِي يُؤَدِّي دَيْنَهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَنْوِيَ بِأَدَائِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ أَوْ لَا فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ فَلَا نِزَاعَ فِي الثَّوَابِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَنْوِيَ سَبَبًا لِلْأَدَاءِ غَيْرَ الِامْتِثَالِ كَتَخَوُّفِهِ أَنْ لَا يُدَايِنَهُ أَحَدٌ إذَا عُرِفَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَدَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَوْ لَا فَإِنْ نَوَى بِالْأَدَاءِ شَيْئًا غَيْرَ الِامْتِثَالِ فَلَا نِزَاعَ أَيْضًا فِي عَدَمِ الثَّوَابِ. وَإِنْ عَرَى عَنْ نِيَّةِ الِامْتِثَالِ وَنِيَّةِ سَبَبٍ غَيْرِهِ وَلَمْ يَنْوِ إلَّا مُجَرَّدَ أَدَاءِ دَيْنِهِ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يُحْرَمُ صَاحِبُ هَذِهِ الْحَالَةِ الثَّوَابَ اسْتِدْلَالًا بِسَعَةِ بَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ النِّيَّةَ وَالنَّظَرَ الْأَوَّلَ لَا يَنْوِي بِهِمَا التَّقَرُّبَ صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ وَغَيْرُهُ صَحِيحٌ فِي النِّيَّةِ فَإِنَّ نِيَّةَ الظُّهْرِ مَثَلًا يُمْكِنُ فِيهِ التَّقَرُّبُ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهَا شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالشَّرْطُ كَالرُّكْنِ فَكَمَا يَنْوِي الرُّكْنَ يَنْوِي الشَّرْطَ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لَا فِي النِّيَّةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّسَلْسُلِ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِالنِّيَّةِ فَلَا تَسَلْسُلَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهِمَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْأَعْمَالِ إنَّمَا هُوَ حَدِيثُ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَمُطْلَقُهُ مُقَيَّدٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] رِيحٌ أَوْ أَذًى كَمَا يَخْرُجُ مِنْ النَّاسِ؟ فَقَالَتْ: لَا عَهْدَ لِي بِالْأَذَى مُنْذُ ذَلِكَ الزَّمَانِ قُلْت: وَالْحَيْضُ؟ أَظُنُّهَا قَالَتْ: انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِ الطَّعَامِ قُلْت: فَهَلْ تَحْتَاجِينَ حَاجَةَ النِّسَاءِ إلَى الرِّجَالِ؟ قَالَتْ: أَمَا تَسْتَحِي مِنِّي تَسْأَلُنِي عَنْ مِثْلِ هَذَا قُلْت: إنِّي لَعَلِّي أُحَدِّثُ النَّاسَ عَنْك وَلَا بُدَّ أَنْ أَسْتَقْصِيَ قَالَتْ: لَا أَحْتَاجُ، قُلْت: فَتَنَامِينَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَطْيَبُ نَوْمٍ قُلْت: فَمَا تَرَيْنَ فِي مَنَامِك؟ قَالَتْ: مِثْلَ مَا تَرَوْنَ قُلْت: فَتَجِدِينَ لِفَقْدِ الطَّعَامِ وَهْنًا فِي نَفْسِك؟ قَالَتْ: مَا أَحْسَسْت بِالْجُوعِ مُنْذُ طَعِمْت ذَلِكَ الطَّعَامَ وَكَانَتْ تَقْبَلُ الصَّدَقَةَ فَقُلْت: مَا تَصْنَعِينَ بِهَا؟ قَالَتْ: أَكْتَسِي وَأَكْسُو وَلَدِي قُلْت فَهَلْ تَجِدِينَ الْبَرْدَ وَتَتَأَذَّيْنَ بِالْحَرِّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قُلْت: يُدْرِكُك اللُّغُوبُ وَالْإِعْيَاءُ إذَا مَشَيْت؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَلَسْت مِنْ الْبَشَرِ؟ قُلْت: فَتَتَوَضَّئِينَ لِلصَّلَاةِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْت: لِمَ؟ قَالَتْ: أَمَرَنِي بِذَلِكَ الْفُقَهَاءُ، فَقُلْت: إنَّهُمْ أَفْتَوْهَا عَلَى حَدِيثِ لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَوْمٍ وَذَكَرَتْ لِي أَنَّ بَطْنَهَا لَاصِقٌ بِظَهْرِهَا وَأَمَرْتُ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِنَا فَنَظَرَتْ فَإِذَا بَطْنُهَا كَمَا وَصَفَتْ وَإِذَا قَدْ اتَّخَذَتْ كِيسًا مُصْمَتًا بِالْقُطْنِ وَشَدَّتْهُ عَلَى بَطْنِهَا كَيْ لَا يَقْصِفَ ظَهْرُهَا إذَا مَشَتْ. ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَخْتَلِفُ إلَى هِزَارَنِيفْ، بَيْنَ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ فَتَحْضُرُنِي فَأُعِيدُ مَسْأَلَتَهَا فَلَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ وَعَرَضْت كَلَامَهَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهِ فَقَالَ: أَنَا أَسْمَعُ هَذَا الْكَلَامَ مُنْذُ نَشَأْت فَلَا أَجِدُ مَنْ يَدْفَعُهُ أَوْ يَزْعُمُ أَنَّهَا تَأْكُلُ أَوْ تَشْرَبُ أَوْ تَتَغَوَّطُ اهـ. الْمُرَادُ هَذَا وَالْجَنَابَةُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ مِثْلُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فِي سَبَبِ الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ حَتَّى تَطْرَأَ الطَّهَارَةُ وَالطَّهَارَةُ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَلَوْلَا اشْتِرَاطُ صَاحِبِ الشَّرْعِ الْوُضُوءَ لَأَبَحْنَا الصَّلَاةَ لِمَنْ عُدِمَتْ فِي حَقِّهِ هَذِهِ الْأَحْدَاثُ الْكِبَارُ وَصَحَّ لَنَا حِينَئِذٍ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ وَالطَّهَارَةِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى أَنَّ عَدَمَ سَبَبِ الْإِبَاحَةِ سَبَبُ الْمَنْعِ وَعَدَمُ سَبَبِ الْمَنْعِ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ وَاطَّرَدَتْ الْقَاعِدَةُ الْأُولَى. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الرِّدَّةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عِلَّةٌ وَسَبَبٌ لِوُجُوبِ إرَاقَةِ دَمِ الْمُرْتَدِّ فَإِذَا فُقِدَتْ الرِّدَّةُ كَانَ دَمُهُ حَرَامًا وَالزَّوْجِيَّةُ وَالْقَرَابَةُ عِلَّةٌ وَسَبَبٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ فَإِذَا عُدِمَتْ الزَّوْجِيَّةُ وَالْقَرَابَةُ لَا تَحْرُمُ وَالنَّفَقَةُ بَلْ يَنْدُبُ إلَيْهَا فِي الْأَجَانِبِ وَحُضُورُ مَحَلِّ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ الْقِيَامُ عِلَّةٌ وَسَبَبٌ لِوُجُوبِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ وَعُدِمَ الْقِيَامُ كُرِهَتْ الْقِرَاءَةُ فَلَمْ يَسْتَلْزِمْ عَدَمُ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَعِلَّتُهُ كَمَا

стр. 278

وَالْقِسْمُ الْآخَرُ لَا يَقَعُ وَاجِبًا إلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالطِّهَارَاتِ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّاتُ فَهَذَا الْقِسْمُ إذَا وَقَعَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَقَعُ وَاجِبًا وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ مَنْوِيًّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ كَانَ قَابِلًا لِلثَّوَابِ وَهُوَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا قَاعِدَةً وَهِيَ أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ الْإِجْزَاءِ وَغَيْرُ الْفِعْلِ الصَّحِيحِ فَالْمُجْزِئُ مِنْ الْأَفْعَالِ هُوَ مَا اجْتَمَعَتْ شَرَائِطُهُ وَأَرْكَانُهُ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ فَهَذَا يُبْرِئُ الذِّمَّةَ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَيَكُونُ فَاعِلُهُ مُطِيعًا بَرِيءَ الذِّمَّةِ فَهَذَا أَمْرٌ لَازِمٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الثَّوَابُ عَلَيْهِ فَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُبْرِئُ الذِّمَّةَ بِالْفِعْلِ وَلَا يُثِيبُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْقَبُولِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ أَحَدُهَا: قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ ابْنَيْ آدَمَ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] لَمَّا قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ مَعَ أَنَّ قُرْبَانَهُ كَانَ عَلَى وَفْقِ الْأَمْرِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَخَاهُ عَلَّلَ عَدَمَ الْقَبُولِ بِعَدَمِ التَّقْوَى وَلَوْ أَنَّ الْفِعْلَ مُخْتَلٌّ فِي نَفْسِهِ لَقَالَ لَهُ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ الْعَمَلَ الصَّحِيحَ الصَّالِحَ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الْقَرِيبُ لِعَدَمِ الْقَبُولِ فَحَيْثُ عَدَلَ عَنْهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ كَانَ صَحِيحًا مُجْزِئًا وَإِنَّمَا انْتَفَى الْقَبُولُ لِأَجْلِ انْتِفَاءِ التَّقْوَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمُجْزِئَ قَدْ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ بِهِ وَصَحَّ فِي نَفْسِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] بِإِمْكَانِ النِّيَّاتِ فَبَقِيَ مَحَلُّ امْتِنَاعِهَا غَيْرَ مُتَنَاوِلٍ لَهُ دَلِيلُ اشْتِرَاطِهَا فَيُسْتَدَلُّ عَلَى إثْبَاتِ الثَّوَابِ فِي النِّيَّةِ وَالنَّظَرِ الْأَوَّلِ بِقَاعِدَةِ سَعَةِ بَابِ الثَّوَابِ إذْ لَا مُعَارِضَ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (شِهَابُ الدِّينِ وَالْقِسْمُ الْآخَرُ لَا يَقَعُ وَاجِبًا إلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ سَبَبٌ شَرْعِيٌّ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ صَحِيحٌ. قَالَ (غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا قَاعِدَةً وَهِيَ أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ الْإِجْزَاءِ وَغَيْرُ الْفِعْلِ الصَّحِيحِ فَالْمُجْزِئُ مِنْ الْأَفْعَالِ هُوَ مَا اجْتَمَعَتْ شَرَائِطُهُ وَأَرْكَانُهُ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ وَهَذَا يُبْرِئُ الذِّمَّةَ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَيَكُونُ فَاعِلُهُ مُطِيعًا بَرِيءَ الذِّمَّةِ فَهَذَا أَمْرٌ لَازِمٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الثَّوَابُ عَلَيْهِ فَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُبْرِئُ الذِّمَّةَ بِالْفِعْلِ وَلَا يُثِيبُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْقَبُولِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ أَحَدُهُمَا قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنْ ابْنَيْ آدَمَ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمُجْزِئَ قَدْ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ بِهِ وَصَحَّ فِي نَفْسِهِ) قُلْتُ الْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ لَا يَكْفِي فِيهَا مِثْلُ هَذَا الدَّلِيلِ وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا ظَنِّيَّةٌ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ مِنْ الْآيَةِ بِظَاهِرٍ لِاحْتِمَالِ الْآيَةِ أَنْ يُرِيدَ بِالتَّقْوَى الْإِيمَانَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْإِيمَانَ الْمُوَافِيَ عَلَيْهِ وَعَلَى تَسْلِيمِ ظُهُورِ تَأْوِيلِهِ لَعَلَّهُ كَانَ شَرْعًا لَهُمْ اشْتِرَاطُ عَدَمِ الْعِصْيَانِ فِي الْقَبُولِ ثُمَّ جَمِيعُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةُ لِوَعْدِ الْمُطِيعِ بِالثَّوَابِ مُعَارِضَةٌ لِذَلِكَ الظَّاهِرِ إنْ قُلْنَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] رَأَيْت حُكْمًا مُعَيَّنًا كَمَا اسْتَلْزَمَ عَدَمُ سَبَبِ الْمَنْعِ وَعِلَّتُهُ الْإِبَاحَةُ وَعَدَمُ سَبَبِ الْإِبَاحَةِ وَعِلَّتُهَا الْمَنْعُ فِي الْمَسَائِلِ قَبْلُ وَاتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ إثْبَاتِ النَّقِيضِ فِي الْمَفْهُومِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إثْبَاتِ الضِّدِّ فِيهِ] (الْفَرْقُ السِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إثْبَاتِ النَّقِيضِ فِي الْمَفْهُومِ بَيْنَ قَاعِدَةِ إثْبَاتِ الضِّدِّ فِيهِ) مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ أَبَدًا يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ غَيْرُ ثَابِتٍ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ قَطْعًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ هَلْ يَثْبُتُ لَهُ ضِدُّ الْحُكْمِ الثَّابِتِ لِلْمَنْطُوقِ بِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا حَيْثُ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] فَقَالَ إنَّ مَفْهُومَهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ لِلْمَنْطُوقِ بِهِ وَنَقِيضُ كُلِّ شَيْءٍ رَفْعُهُ أَيْ يُثْبِتُ لَهُ عَدَمَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ لِلْمَنْطُوقِ بِهِ وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْحَقُّ فِي جَمِيعِ مَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَفْهُومِ الصِّفَةِ كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ مَفْهُومَ مِنْهُمْ فِيهَا عَدَمُ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ صَادِقٌ مَعَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ الْأَعَمَّ مِنْ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ وَكَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» فَإِنَّ مَفْهُومَهُ مَا لَيْسَ بِسَائِمَةٍ لَا زَكَاةَ فِيهِ. وَمَفْهُومُ الْعِلَّةِ كَمَا فِي نَحْوِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَهُوَ حَرَامٌ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَا لَمْ يُسْكِرْ كَثِيرُهُ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ كَمَا فِي نَحْوِ مَنْ تَطَهَّرَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَمَفْهُومُ الْمَانِعِ كَمَا فِي نَحْوِ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ إلَّا الدَّيْنُ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ وَمَفْهُومُ الزَّمَانِ كَمَا فِي نَحْوِ سَافَرْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَمْ يُسَافِرْ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَمَفْهُومُ الْمَكَانِ كَمَا فِي نَحْوِ جَلَسْت أَمَامَك فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ عَنْ يَمِينِك وَمَفْهُومُ الْغَايَةِ كَمَا فِي نَحْوِ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَجِبُ بَعْدَ اللَّيْلِ، وَمَفْهُومُ الْحَصْرِ كَمَا فِي «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ، وَمَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا فِي نَحْوِ قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْمَفَاهِيمِ التِّسْعَةِ تَرْجِعُ إلَى مَفْهُومِ الصِّفَةِ فَفِي حَاشِيَةِ السَّعْدِ عَلَى عَضُدِ ابْنِ الْحَاجِبِ ذَكَرَ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ أَنَّ جَمِيعَ جِهَاتِ التَّخْصِيصِ تَرْجِعُ إلَى الصِّفَةِ فَإِنَّ الْمَحْدُودَ وَالْمَعْدُودَ مَوْصُوفَانِ بِعَدَدِهِمَا وَحَدَّهُمَا وَالْمُخَصَّصُ بِالْكَوْنِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ مَوْصُوفٌ بِالِاسْتِقْرَارِ فِيهِمَا اهـ.

стр. 279

وَثَانِيهَا قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] فَسُؤَالُهُمَا الْقَبُولَ فِي فِعْلِهِمَا مَعَ أَنَّهُمَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ لَا يَفْعَلَانِ إلَّا فِعْلًا صَحِيحًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ الْفِعْلِ الصَّحِيحِ وَلِذَلِكَ دَعَوْا بِهِ لِأَنْفُسِهِمَا. وَثَالِثُهَا: الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ وَأَحْسَنَ فِي إسْلَامِهِ فَإِنَّهُ يُجْزَى بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ» فَاشْتَرَطَ فِي الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الثَّوَابُ أَنْ يُحْسِنَ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانُ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ التَّقْوَى وَهُوَ يَرِدُ عَلَى مَنْ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] أَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤْمِنُونَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ صَرَّحَ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ ذَكَرَ الْإِحْسَانَ فِيهِ. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ ﵇ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَمَّا ذَبَحَهَا «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» فَسَأَلَ ﵇ الْقَبُولَ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ كَانَ عَلَى وَفْقِ الشَّرِيعَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا. قَالَ (ثَانِيهَا قَوْلُهُ ﷻ حِكَايَةً عَنْ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] فَسُؤَالُهُمَا الْقَبُولَ فِي فِعْلِهِمَا مَعَ أَنَّهُمَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ لَا يَفْعَلَانِ إلَّا فِعْلًا صَحِيحًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْفِعْلِ فِي الصَّحِيحِ وَلِذَلِكَ دَعَوَا بِهِ لِأَنْفُسِهِمَا) قُلْتُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمَا ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِمَا بِعَاقِبَةِ أَمْرِهِمَا لِيَقْتَدِيَ بِهِمَا مَنْ لَا يَعْلَمُ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِمَا وَهَذَا الِاحْتِمَالُ حَالٌ لَا مَقَالِيٌّ وَالِاحْتِمَالَاتُ الْحَالِيَّةُ لَا تَفَاوُتَ فِيهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهَا أَظْهَرَ مِنْ بَعْضٍ فَيُسْتَدَلُّ بِالظَّاهِرِ مِنْهَا بِخِلَافِ الْحَالَاتِ الْمَقَالِيَّةِ فَإِنَّهُ تَكُونُ مُسْتَوِيَةً فِي الْمُحْتَمَلَاتِ وَغَيْرِهِ مُسْتَوِيَةً فِي الظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلَاتِ. قَالَ (وَثَالِثُهَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ وَأَحْسَنَ فِي إسْلَامِهِ فَإِنَّهُ يُجْزَى بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ» فَاشْتُرِطَ فِي الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الثَّوَابُ أَنْ يُحْسِنَ فِي إسْلَامِهِ وَالْإِحْسَانُ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ التَّقْوَى وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] إنَّ الْمُرَادَ الْمُؤْمِنُونَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ صَرَّحَ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ ذَكَرَ الْإِحْسَانَ فِيهِ) قُلْتُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِحْسَانِ الْمُوَافَاةَ عَلَى الْإِيمَانِ لَا اجْتِنَابَ الْعِصْيَانِ، وَالْمُوَافَاةُ عَلَى الْإِيمَانِ هُوَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْأَعْمَالِ الَّذِي لَا شَرْطَ لِثُبُوتِ الْأَعْمَالِ سِوَاهُ فَكُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ وَمِمَّا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ وَبَرَاءَةَ الذِّمَّةِ فَهُوَ مُتَأَوَّلٌ بِأَنَّهُ الْمُرَادُ هَذَا إنْ سُلِّمَ ظُهُورُ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فِي غَيْرِهِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. قَالَ (وَرَابِعُهُمَا قَوْلُهُ ﷺ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَمَّا ذَبَحَهَا ﷺ «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» فَسَأَلَ ﵊ الْقَبُولَ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَكَذَا الْبَاقِي كَمَا لَا يَخْفَى وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ أَيْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ كَمَا فِي نَحْوِ فِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الْغَنَمِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْمَفْهُومِ وَهُوَ الدَّقَّاقُ وَمَنْ مَعَهُ كَمَا سَيَأْتِي وَهَذَا الْمَفْهُومُ أَضْعَفُ الْمَفَاهِيمِ الْعَشَرَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقَاعِدَةُ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ أَبَدًا إثْبَاتُ نَقِيضِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ فَقَطْ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى الْقَوْلِ الْحَقِّ وَلَيْسَ قَاعِدَتُهُ إثْبَاتَ ضِدِّ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فَلْيَكُنْ دَأْبُك أَبَدًا فِيهِ إثْبَاتَ النَّقِيضِ فَقَطْ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِلضِّدِّ أَلْبَتَّةَ لِمَا ظَهَرَ لَك مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَفْهُومَاتِ] (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ) لَمْ يَقُلْ بِهَا إلَّا الدَّقَّاقُ وَالصَّيْرَفِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ خُوَيْزٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَفْهُومَاتِ قَالَ بِهَا جَمْعٌ كَثِيرٌ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ مَفْهُومِ اللَّقَبِ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَفَاهِيمِ كَمَفْهُومِ الصِّفَةِ وَالْغَايَةِ وَالْحَصْرِ فِيهِ رَائِحَةُ التَّعْلِيلِ ضَرُورَةَ أَنَّ الصِّفَةَ وَالْغَايَةَ وَالْحَصْرَ وَالزَّمَانَ وَالْمَكَانَ وَالْمَانِعَ وَالِاسْتِثْنَاءَ وَالشَّرْطَ شُرُوطٌ لُغَوِيَّةٌ وَالشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ شَرْعِيَّةٌ كَالْعِلَّةِ فَمَتَى جُعِلَ الشَّيْءُ شَرْطًا أَشْعَرَ بِسَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَدْرَكْنَا نَحْنُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ تُشْعِرُ بِالتَّعْلِيلِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ الْمَعْلُولِ كَانَ اللَّازِمُ فِي صُورَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَدَمَ الْحُكْمِ لِعَدَمِ عِلَّةِ الثُّبُوتِ فِيهِ وَأَمَّا مَفْهُومُ اللَّقَبِ فَإِنَّهُ وَإِنْ اسْتَدَلَّ لَهُ مَنْ احْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهِ إلَّا نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ كَالصِّفَةِ وَنَحْوِهَا إلَّا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصِّفَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ جِهَتَيْنِ الْأُولَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِ ذِكْرِهِ بِخِلَافِ الصِّفَةِ وَنَحْوِهَا. وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَصْلُهُ كَمَا قَالَ التَّبْرِيزِيُّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَنْ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فِي قَوْلِنَا لَقَبٌ، وَأَمَّا أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ نَحْوَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ فَلَا يُقَالُ لَهَا لَقَبٌ إلَّا أَنَّهَا تُلْحَقُ بِهَا فَتَجْرِي مَجْرَاهَا جَامِدَةً كَانَتْ أَوْ مُشْتَقَّةً غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَاسْتُعْلِمَتْ اسْتِعْمَالَ الْأَسْمَاءِ كَالطَّعَامِ فِي حَدِيثِ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» كَمَا مَثَّلَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى لِلَّقَبِ وَلَمْ تَكُنْ لِلْأَعْلَامِ وَلَا لِلْأَجْنَاسِ إشْعَارٌ بِالْعِلَّةِ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ فِيهِمَا بِخِلَافِ الصِّفَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا عَلِمْت كَانَ عَدَمُهُمَا مِنْ صُورَةِ السُّكُوتِ لَيْسَ عِلَّةً

стр. 280

وَرَاءَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَالْإِجْزَاءِ وَإِلَّا لَمَا سَأَلَهُ ﵇ فَإِنَّ سُؤَالَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ لَا يَجُوزُ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ صُلَحَاءُ الْأُمَّةِ وَخِيَارُهَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الْقَبُولَ فِي الْعَمَلِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ لَكَانَ هَذَا الدُّعَاءُ إنَّمَا يَحْسُنُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى تَيْسِيرَ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَانْتِفَاءَ الْمَوَانِعِ أَمَّا بَعْدَ الْجَزْمِ بِوُقُوعِهَا فَلَا يَحْسُنُ ذَلِكَ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ الْإِجْزَاءِ وَغَيْرُ الصِّحَّةِ وَأَنَّهُ الثَّوَابُ. وَسَادِسُهَا: قَوْلُهُ ﵇ «إنَّ مِنْ الصَّلَاةِ لَمَا يُقْبَلُ نِصْفُهَا وَثُلُثُهَا وَرُبْعُهَا وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا» فَحَمَلَهُ الصُّوفِيَّةُ وَقَلِيلٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ وَأَنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ إذَا غَفَلَ عَنْ صَلَاتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا» وَحَكَى الْغَزَالِيُّ الْإِجْمَاعَ فِي إجْزَائِهَا إذَا عَلِمَ عَدَدَ رَكَعَاتِهَا وَأَرْكَانَهَا وَشَرَائِطَهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِالْخُشُوعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا. وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إنَّ الْمُرَادَ بِالثُّلُثِ وَبِالرُّبْعِ وَنَحْوِهِ الثَّوَابُ لَا الْإِجْزَاءُ وَالصِّحَّةُ فَظَهَرَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ الْإِجْزَاءِ وَأَنَّ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ يُثَابُ عَلَيْهَا دُونَ بَعْضٍ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْفَرْقِ إذَا تَقَرَّرَ الْفَرْقُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ وَصْفَ التَّقْوَى شَرْطٌ فِي الْقَبُولِ بَعْدَ الْإِجْزَاءِ وَالتَّقْوَى هَاهُنَا لَيْسَ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مُجَرَّدُ الِاتِّقَاءِ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَإِنَّ الْفَسَقَةَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ لَا يُسَمَّوْنَ أَتْقِيَاءَ وَلَا مِنْ الْمُتَّقِينَ وَلَوْ اعْتَبَرْنَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ بَلْ التَّقْوَى فِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَإِنَّ سُؤَالَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ لَا يَجُوزُ) قُلْتُ الِاحْتِمَالُ فِي قَوْلِهِ ﷺ ذَلِكَ كَالِاحْتِمَالِ فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ ﵊. قَالَ (وَخَامِسُهَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ صُلَحَاءُ الْأُمَّةِ وَخِيَارُهَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الْقَبُولَ فِي الْعَمَلِ إلَى آخِرِهِ) قُلْتُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ طَلَبُوا حُصُولَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْمُوَافَاةُ عَلَى الْإِيمَانِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ أَوْ طَلَبُوا الْمُسَامَحَةَ فِي إغْفَالِ بَعْضِ شُرُوطِ الْأَعْمَالِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ عَلَى الْكَمَالِ. قَالَ (وَسَادِسُهَا قَوْلُهُ ﵊ «أَنَّ مِنْ الصَّلَاةِ لَمَا يُقْبَلُ نِصْفُهَا وَثُلُثُهَا وَرُبْعُهَا وَأَنَّ مِنْهَا لَمَا يُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا» إلَى آخِرِ قَوْلِهِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْفَرْقِ) قُلْتُ قَوْلُهُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِثْلَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الثَّوَابُ مَعَ تَقْدِيرِ كَمَالِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَجَمِيعِ أَوْصَافِهَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ «وَأَنَّ مِنْهَا لَمَا يُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا» إذْ لَوْ كَانَتْ مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا وَأَوْصَافِهَا لَمْ يَكُنْ لِتَشْبِيهِهَا بِالثَّوْبِ الْخَلَقِ وَجْهٌ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّمَا هُوَ مَغْزَاهُ التَّحْذِيرُ مِنْ التَّهَاوُنِ بِشُرُوطِهَا وَالتَّحْرِيضُ عَلَى مُرَاعَاةِ أَحْوَالِهَا فَلَا دَلِيلَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا أَرَادَ لَا بِظَاهِرٍ وَلَا بِنَصٍّ أَلْبَتَّةَ. قَالَ (وَإِذَا تَقَرَّرَ الْفَرْقُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ وَصْفَ التَّقْوَى شَرْطٌ فِي الْقَبُولِ بَعْدَ الْإِجْزَاءِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَدَمَ عِلَّةٍ فَلَا يَلْزَمُ عَدَمُ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَلِذَا قَلَّ الْقَائِلُونَ بِهِ وَحُكِمَ بِضَعْفِهِ، وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ صِحَّةَ اسْتِدْلَالِ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَالِكٍ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ التُّرَابِ بِقَوْلِهِ ﵇ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «وَتُرَابُهَا طَهُورًا» حَيْثُ قَالَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ وَتُرَابُهَا طَهُورًا أَنَّ غَيْرَ التُّرَابِ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ اهـ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ اسْمُ جِنْسٍ فَمَفْهُومُهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ مَالِكٍ فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ خَصْمِهِ وَكَذَا عَدَمُ صِحَّةِ اسْتِدْلَالِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ الْخَلَّ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ «بِقَوْلِهِ ﵇ لِأَسْمَاءِ فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرِضِيهِ بِالْمَاءِ» حَيْثُ قَالَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ ﵇ بِالْمَاءِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَغْسِلَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْخَلِّ وَغَيْرِهِ اهـ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ اسْمُ جِنْسٍ فَمَفْهُومُهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَلْ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ مُطْلَقًا فَضْلًا عَنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ فَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَبْعَدُ مِنْ اسْتِدْلَالِهِ عَلَى مَالِكٍ بِسَبَبِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ بِالْمَفْهُومِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا كَذَا قَالَ الْأَصْلُ وَفِي حَاشِيَةِ الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ؛ لِأَنَّهُ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَقَعُ الِامْتِثَالُ إلَّا بِذَلِكَ الشَّيْءِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ صِفَةً أَوْ لَقَبًا وَلِأَنَّهُ بِالْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَرِينَةَ الِامْتِنَانِ تَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ فِيهِ وَأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ أُسْلُوبِ التَّعْمِيمِ مَعَ الْإِيجَازِ إلَى التَّخْصِيصِ مَعَ تَرْكِ الْإِيجَازِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نُكْتَةٍ وَنُكْتَتُهُ اخْتِصَاصُ الطَّهُورِيَّةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ بِأَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ حُجَّةٌ مَعَ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنْ يُقَالَ اللَّقَبُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ رَائِحَةُ التَّعْلِيقِ فَإِنْ وُجِدَتْ كَانَ حُجَّةً فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا» يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَمْنَعُ امْرَأَتَهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ لِأَجْلِ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالْخُرُوجِ لِلْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ لِمَا فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَحَلَّ الْعِبَادَةِ فَلَا تُمْنَعُ مِنْهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ اهـ. فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 281

عُرْفِ الشَّرْعِ الْمُبَالَغَةُ فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْغَالِبَ عَلَى الشَّخْصِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْوَصْفُ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَقِدَ أَيْضًا أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ الْمَحَلُّ قَابِلٌ لَهُ لِحُصُولِ الشَّرْطِ وَأَنَّ الْقَبُولَ مَشْرُوطٌ بِالتَّقْوَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الشَّرْطِ حُصُولُ الْمَشْرُوطِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحَلَّ يَبْقَى قَابِلًا لِلْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا بِالْقَبُولِ مَعَ أَنَّهُ سَيِّدُ الْمُتَّقِينَ وَكَذَلِكَ إبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ ﵉ وَالْمَدْعُوُّ بِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِصَدَدِ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ؛ إذْ لَوْ تَعَيَّنَ وُقُوعُهُ لَكَانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ يُمْكِنُ حُصُولُهُ وَعَدَمُ حُصُولِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْغَالِبَ عَلَى الشَّخْصِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ فِي أَنَّ التَّقْوَى شَرْطٌ فِي الْقَبُولِ مُسَلَّمٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ وَصْفَ التَّقْوَى فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ الْمُبَالَغَةُ فِي اجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ وَفِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ مُسَلَّمٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّقْوَى الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْقَبُولِ التَّقْوَى الْعُرْفِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ لِمُعَارَضَةِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَظَافِرَةِ بِتَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّحِيحَةِ، وَلَيْسَ كَوْنُ التَّقْوَى عُرْفًا مَا فَسَّرَهَا بِهِ بِالْمُقَاوِمِ فِي الظُّهُورِ لِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ هَذَا إنْ لَمْ تَقُلْ بِانْتِهَاءِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ إلَى الْقَطْعِ بِلُزُومِ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُسْتَوْفِيَةِ لِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَالْقَطْعُ بِذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَمَنْ تَتَبَّعَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ وَتَأَمَّلَ مَسَاقَ الْكَلَامِ فِيهِ عَلِمَ صِحَّةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْوَصْفُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَدَ أَيْضًا أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ لَازِمٍ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ يُمْكِنُ حُصُولُهُ وَعَدَمُ حُصُولِهِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الشَّرْطِ حُصُولُ الْمَشْرُوطِ صَحِيحٌ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ حُصُولِ الثَّوَابِ بَلْ يَلْزَمُ حُصُولُهُ لَا لِمُجَرَّدِ حُصُولِ الشَّرْطِ بَلْ لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى حُصُولِهِ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ كَوْنِ الرَّسُولِ ﵇ دَعَا بِالْقَبُولِ قَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُهُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمَدْعُوَّ بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِصَدَدِ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ إنْ أَرَادَ بِاعْتِبَارِ عِلْمِنَا فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ تَعَلَّقَ أَزَلًا بِمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ وُقُوعُهُ لَكَانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَكَلَامٌ لَيْسَ لَهُ حَاصِلٌ فَإِنَّ الدُّعَاءَ مَشْرُوعٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَالْمَدْعُوُّ بِهِ مُسْتَقَرٌّ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى حُصُولُهُ أَوْ عَدَمُ حُصُولِهِ فَعَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِحُصُولِهِ يَكُونُ الدُّعَاءُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَعَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ حُصُولِهِ يَكُونُ الدُّعَاءُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْمُمْتَنِعِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ فِي بَادِي الرَّأْيِ مُحَالٌ. وَذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الطَّلَبُ عَقْلًا جَوَازَ الْمَطْلُوبِ بَلْ يَجُوزُ طَلَبُ الْجَائِزِ وَغَيْرِ الْجَائِزِ فَلَا فَرْقَ فِي الْعَقْلِ بَيْنَ طَلَبِ تَحْصِيلِ الْوَاقِعِ الْحَاصِلِ وَبَيْنَ طَلَبِ تَحْصِيلِ غَيْرِهِ فَإِنْ ثَبَتَ فِي ذَلِكَ فَرْقٌ شَرْعِيٌّ فَذَاكَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ] الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ) قِيلَ: لَا يَكُونُ حُجَّةً إجْمَاعًا وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ قِيلَ: يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ وَالصَّحِيحُ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي وَقَعَ بِهِ تَقْيِيدُ الْحَقِيقَةِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ بِأَنْ وُجِدَ مَعَهَا فِي أَكْثَرِ صُوَرِهَا كَوَصْفِ الرَّبَائِبِ بِاَللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وَهُنَّ جَمْعُ رَبِيبَةٍ بِنْتُ زَوْجَةِ الرَّجُلِ مِنْ آخَرَ سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرَبِّيهَا غَالِبًا كَمَا يُرَبِّي وَلَدَهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَسُمِّيَتْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَرِبْهَا وَإِنَّمَا لَحِقَتْهُ الْهَاءُ مَعَ أَنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ اسْمًا فَكَوْنُهُنَّ فِي حُجُورِ أَزْوَاجِ الْأُمَّهَاتِ هُوَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِنَّ فَوَصَفَهُنَّ بِهِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فَلَا يَدُلُّ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ لِلْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحَقِيقَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِهِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالْكَلَامِ الْمُفِيدِ لِتَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِهِنَّ فِي حُجُورِهِمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا إجْمَاعًا. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ جَعَلَهُ شَرْطًا حَتَّى إنَّ الْبَعِيدَةَ عَنْ الزَّوْجِ لَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ وَأَسْنَدَهُ إلَيْهِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ فَتُوُفِّيَتْ وَقَدْ وَلَدَتْ لِي فَوَجَدْت عَلَيْهَا فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَا لَكَ فَقُلْت تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ فَقَالَ عَلِيٌّ: هَلْ لَهَا ابْنَةٌ؟ فَقُلْت: نَعَمْ وَهِيَ بِالطَّائِفِ قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِك؟ قُلْت: لَا، قَالَ: فَانْكِحْهَا قُلْت: فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قَالَ: إنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِك إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ فِي حِجْرِك، قَالَ الْحَافِظُ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: إسْنَادُهُ قَوِيٌّ ثَابِتٌ إلَى عَلِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا اهـ بِتَوْضِيحٍ وَزِيَادَةٍ مِنْ الْعَطَّارِ. نَعَمْ قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ إجْمَاعُ الْأَرْبَعَةِ الْأَئِمَّةِ لَا جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ لَكِنْ فِي الْمُحَلَّى عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ. وَقَدْ مَشَى فِي النِّهَايَةِ فِي آيَةِ الرَّبِيبَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْقَيْدَ فِيهَا لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَ بِمَفْهُومِهِ وَمِنْ أَنَّ الرَّبِيبَةَ الْكَبِيرَةَ وَقْتَ التَّزَوُّجِ بِأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ وَتَرْبِيَتِهِ وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ

стр. 282

وَعَلَى هَذِهِ الْمَدَارِكِ وَهَذِهِ التَّقَادِيرِ يَكُونُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] مَشْرُوطًا بِالتَّقْوَى فَإِنَّ أَمْثَالَ الْعَشْرِ هِيَ الْمَثُوبَاتُ وَلَا تَحْصُلُ إلَّا لِلْمُتَّقِينَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَ وَالزَّائِدَ عَلَيْهَا هِيَ مَثُوبَاتٌ تَتَضَاعَفُ، وَقَوْلُهُ ﵇ «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ وَصَلَاةٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِسِتِّمِائَةِ صَلَاةٍ» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] يَقْتَضِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْرِيرِ أَنْ يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ مَشْرُوطًا بِالتَّقْوَى وَقَوْلُهُ ﵇ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ كُلَّهَا تَقْتَضِي الْمَثُوبَاتِ مُطْلَقًا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْدِيرِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالتَّقْوَى فَيَتَعَيَّنُ رَدُّ أَحَدِ الظَّاهِرَيْنِ إلَى الْآخَرِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَسَدِّ وَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ وَجْهَ التَّعَارُضِ وَوَجْهَ الْجَمْعِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مَوْضِعٌ صَعْبٌ مُشْكِلٌ وَاَلَّذِي رَأَيْتُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ الْمُحَقِّقِينَ هُوَ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ فَتَأَمَّلْهُ. (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ فَيُوصَفُ فِيهِ بِالْأَدَاءِ وَبَعْدَهُ بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ وَلَا يُوصَفُ فِيهِ بِالْأَدَاءِ وَلَا بَعْدَهُ بِالْقَضَاءِ وَالتَّعْيِينُ فِي الْقِسْمَيْنِ شَرْعِيٌّ) ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بِوَجْهٍ. قَالَ (وَعَلَى هَذِهِ الْمَدَارِكِ وَهَذِهِ التَّقَادِيرِ يَكُونُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] مَشْرُوطًا بِالتَّقْوَى إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَشْرُوطٌ بِالتَّقْوَى مُسَلَّمٌ لَكِنْ بِمَعْنَى الْمُوَافَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ لَا بِمَعْنَى مُجَانَبَةِ الْعِصْيَانِ. قَالَ (فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ كُلَّهَا تَقْتَضِي الْمَثُوبَاتِ مُطْلَقًا وَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْ التَّقْرِيرِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالتَّقْوَى) قُلْتُ لَا يُقَاوِمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْرِيرِ تِلْكَ الظَّوَاهِرَ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ الْقَطْعَ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا قَدْ بَلَغَتْهُ فَإِنَّ الظَّوَاهِرَ إذَا تَظَاهَرَتْ وَتَكَاثَرَتْ وَلَمْ يُعَارِضْهَا سِوَاهَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِمَعْنَاهَا وَهَذِهِ الظَّوَاهِرُ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ وَتَكَاثَرَتْ وَلَمْ يُعَارِضْهَا سِوَاهَا فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مُعَارِضًا لَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِاسْتِوَاءِ احْتِمَالَاتِهِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ. قَالَ (فَيَتَعَيَّنَ رَدُّ أَحَدِ الظَّاهِرَيْنِ إلَى الْآخَرِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَسَدِّ) قُلْتُ إنْ سُلِّمَ عَدَمُ الْقَطْعِ فَلَيْسَ الْوَجْهُ الْأَسَدُّ مَا ذَكَرَهُ وَاخْتَارَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَلَّمْ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ الْأَسَدُّ. قَالَ (وَقَدْ بَيَّنْت لَك وَجْهَ التَّعَارُضِ وَوَجْهَ الْجَمْعِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مَوْضِعٌ صَعْبٌ مُشْكِلٌ) قُلْتُ قَدْ تَبَيَّنَ مَا قَالَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَتَأَمَّلْتُهُ كَمَا أَمَرَ وَلَمْ أَجِدْ مَا وَجَدَ مِنْ الصُّعُوبَةِ وَالْإِشْكَالِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ذِي الْمِنَّةِ وَالْإِفْضَالِ. قَالَ (وَاَلَّذِي رَأَيْتُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ الْمُحَقِّقِينَ هُوَ مَا ذَكَرْتُهُ فَتَأَمَّلْهُ) قُلْتُ لَعَلَّهُمْ مُحَقِّقُونَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمَّا فِي هَذِهِ فَلَا وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالسِّتِّينَ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَيْهِ مَالِكٌ فَقَدْ نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ كَالْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ دَاوُد كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَمَرْجِعُ مَا نَقَلَ عَنْ دَاوُد وَعَلِيٍّ ﵁ إلَى أَنَّ الْقَيْدَ لَيْسَ لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ أَيْ بَلْ لِنَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ اهـ فَافْهَمْ. وَأَوْرَدَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ لِغَيْرِ الْغَالِبِ مَفْهُومًا دُونَ الْغَالِبِ وَالْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي الْعَكْسَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ لَا إذَا لَمْ يَكُنْ غَالِبًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ تَدُلُّ الْعَادَةُ عَلَى ثُبُوتِهِ لَهَا فَالْمُتَكَلِّمُ يَكْتَفِي بِدَلَالَتِهَا عَلَى ثُبُوتِهِ لَهَا عَنْ ذِكْرِهِ فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ بِانْحِصَارِ غَرَضِهِ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَادَةٌ فَغَرَضُ الْمُتَكَلِّمِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ إفْهَامُ السَّامِعِ بِثُبُوتِهَا لِلْحَقِيقَةِ. وَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَفْهُومِ لِخُلُوِّ الْقَيْدِ عَنْ الْفَائِدَةِ لَوْلَاهُ وَهُوَ إذَا كَانَ الْغَالِبُ يُفْهَمُ مِنْ الظَّنِّ بِاللَّفْظِ أَوَّلًا لِغَلَبَتِهِ فَذِكْرُهُ بَعْدَهُ يَكُونُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْقَيْدِ فِيهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمَفْهُومِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْغَالِبِ. وَأَجَابَ الْأَصْلُ بِأَنَّ الْغَالِبَ مُلَازِمٌ لِلْحَقِيقَةِ فِي الذِّهْنِ فَذِكْرُهُ مَعَهَا عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا لِحُضُورِهِ فِي ذِهْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهَا فَيَضْطَرُّهُ الْحَالُ لِلنُّطْقِ بِهِ لِذَلِكَ لَا لِتَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْحَقِيقَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا حُضُورُهُ مَعَهَا فَلَا يَضْطَرُّهُ الْحَالُ لِنُطْقِهِ بِهِ مَعَهَا فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْمُتَكَلِّمِ غَرَضٌ فِي نُطْقِهِ بِهِ، وَإِحْضَارُهُ مَعَ الْحَقِيقَةِ وَسَلْبُ الْحُكْمِ عَنْ صُورَةِ عَدَمِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ غَرَضَهُ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَرِّحَ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ مِنْ التَّقْيِيدِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَارِدٌ وَدَعْوَى الِاضْطِرَارِ بَاطِلَةٌ إذْ كَيْفَ يَكُونُ الشَّارِعُ سَوَاءٌ قُلْنَا اللَّهُ تَعَالَى أَوْ الرَّسُولُ ﷺ مُضْطَرًّا إلَى النُّطْقِ بِمَا لَا يَقْصِدُهُ وَاضْطِرَارُ اللَّهِ تَعَالَى إلَى أَمْرٍ مَا مُحَالٌ وَكَذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْصُومٌ، وَالْحَامِلُ عَلَى هَذَا الْحَالِ إنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ بِالْمَفْهُومِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بَاطِلٌ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفْهِمَةِ لِمُقْتَضَاهُ. (قُلْت) يُعَيَّنُ أَنَّ الْبَاطِلَ هُوَ مَا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْأَشْعَرِيِّ وَالْإِمَامِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ بِأَقْسَامِهِ الرَّاجِعَةِ إلَى مَفْهُومِ الصِّفَةِ كَمَا مَرَّ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفْهِمَةِ لِمُقْتَضَاهُ إذَا تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ لِتَحَقُّقِهِ وَهِيَ أُمُورٌ أَحْرَى

стр. 283

اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ وَهَذَا الْفَرْقَ لَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِيمَ رَأَيْتُهُ وَلَمْ يَقَعْ التَّصْرِيحُ بِهِ فِيمَا وَجَدْتُهُ وَلَا التَّعْرِيضُ بَلْ التَّصْرِيحُ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ بِضِدِّهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَيَقُولُونَ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ هُوَ إيقَاعُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا وَفِي حَدِّ الْقَضَاءِ هُوَ إيقَاعُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا وَهَذَانِ التَّفْسِيرَانِ بَاطِلَانِ بِسَبَبِ أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةَ كَرَدِّ الْغُصُوبِ وَالْوَدَائِعِ إذَا طُلِبَتْ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَقْضِيَةِ الْحُكَّامِ إذَا نَهَضَتْ الْحِجَاجُ كُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ لَهَا إنَّهَا أَدَاءٌ إذَا وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ لَهَا شَرْعًا وَلَا قَضَاءً إذَا وَقَعَتْ بَعْدَهُ فَإِنَّ الشَّرْعَ حَدَّدَ لَهَا زَمَانًا وَهُوَ زَمَانُ الْوُقُوعِ فَأَوَّلُهُ أَوَّلُ زَمَانِ التَّكْلِيفِ وَآخِرُهُ الْفَرَاغُ مِنْهَا بِحَسَبِهَا فِي طُولِهَا وَقِصَرِهَا فَزَمَانُهَا مَحْدُودٌ شَرْعًا مَعَ انْتِفَاءِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ عَنْهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ إنْقَاذُ الْغَرِيقِ حَدَّدَ لَهُ الشَّرْعُ الزَّمَانَ فَأَوَّلُهُ مَا يَلِي زَمَنَ السُّقُوطِ وَآخِرُهُ الْفَرَاغُ مِنْ عِلَاجِهِ بِحَسَبِ حَالِهِ وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ أَدَاءٌ فِي الْوَقْتِ وَلَا قَضَاءٌ بَعْدَهُ مَعَ التَّحْدِيدِ الشَّرْعِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَجُّ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنَّ الشَّارِعَ حَدَّدَ لَهُ زَمَانًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ قَضَاءٌ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ إذَا أُخِّرَتْ هَذِهِ الْحِجَّةُ وَلَا يَلْزَمُ مَعَهَا هَدْيُ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ ﵀ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ زَمَانٍ لِلسَّمَاعِ وَزَمَانٍ لِلتَّأَمُّلِ وَتَعَرُّفِ مَعْنَى الْخِطَابِ وَفِي الزَّمَنِ الثَّالِثِ يَكُونُ الْفِعْلُ زَمَانِيًّا وَبِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ يُوصَفُ الْمُكَلَّفُ بِالْمُخَالَفَةِ. وَقَدْ حَدَّدَ الشَّرْعُ الزَّمَانَ حِينَئِذٍ أَوَّلُهُ الزَّمَنُ الثَّالِثُ مِنْ زَمَنِ السَّمَاعِ وَآخِرُهُ الْفَرَاغُ مِنْ الْفِعْلِ بِحَسَبِهِ وَهَذِهِ النُّقُوضُ كُلُّهَا تُبْطِلُ حَدَّ الْأَدَاءِ فَإِنَّ حَدَّهُ يَتَنَاوَلُهَا وَلَيْسَتْ أَدَاءً فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ وَإِيقَاعُهَا بَعْدَ وَقْتِهَا يَتَنَاوَلُهُ حَدُّ الْقَضَاءِ وَلَيْسَتْ قَضَاءً فَيَكُونُ غَيْرَ جَامِعٍ فَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ الْعِنَايَةُ بِتَحْرِيرِ الْفَرْقِ وَتَحْرِيرِ هَذِهِ الضَّوَابِطِ وَالْحُدُودِ حَتَّى يَتَّضِحَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ نَقُولَ الْأَدَاءُ هُوَ إيقَاعُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَالْقَضَاءُ إيقَاعُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ فِيهِ بِالْأَمْرِ الثَّانِي فَقَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْقَضَاءِ، وَقَوْلُنَا: " الْمَحْدُودُ لَهُ " احْتِرَازٌ مِنْ الْمُغَيَّا بِجَمِيعِ الْعُمْرِ، وَقَوْلُنَا: " شَرْعًا " احْتِرَازٌ مِمَّا يَحُدُّهُ أَهْلُ الْعُرْفِ، وَقَوْلُنَا: " لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ " احْتِرَازٌ مِنْ تِلْكَ النُّقُوضِ كُلِّهَا، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا عَيَّنَ شَهْرَ رَمَضَانَ لِمَصْلَحَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ فَإِنَّا إذَا لَاحَظْنَا الشَّرَائِعَ وَجَدْنَاهَا مَصَالِحَ فِي الْأَغْلَبِ أَدْرَكْنَا ذَلِكَ وَخَفِيَ عَلَيْنَا فِي الْأَقَلِّ فَقُلْنَا ذَلِكَ الْأَقَلُّ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْأَكْثَرِ كَمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ مَلِكٍ بِأَنْ لَا يَخْلَعَ الْأَخْضَرَ إلَّا عَلَى الْفُقَهَاءِ فَإِذَا رَأَيْنَا مَنْ خَلَعَ عَلَيْهِ الْأَخْضَرَ وَلَا نَعْلَمُ قُلْنَا هُوَ فَقِيهٌ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ ذَلِكَ الْمَلِكِ وَكَذَلِكَ نَعْتَقِدُ فِيمَا لَمْ نَطَّلِعْ فِيهِ عَلَى مَفْسَدَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَنْ لَا تُظْهِرَ أَوْلَوِيَّةَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَكَانَ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ لَا مُخَالَفَةٍ كَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَتَأْدِيَةِ مَا دُونَ الْقِنْطَارِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] . وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ مِثْلَ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ الرَّبَائِبِ فِي الْحُجُورِ وَمِنْ شَأْنِهِنَّ ذَلِكَ فَقَيَّدَ بِهِ لِذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّاتِي لَسْنَ فِي الْحُجُورِ بِخِلَافَةِ وَمِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إذْ الْخُلْعُ غَالِبًا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خَوْفِ أَنْ لَا يَقُومَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ وَمِثْلَ قَوْلِهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» إذْ الْمَرْأَةُ إنَّمَا تُبَاشِرُ نِكَاحَ نَفْسِهَا عِنْدَ مَنْعِ الْوَلِيِّ فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا إذَا نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا لَمْ يَكُنْ بَاطِلًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ لِسُؤَالِ سَائِلٍ عَنْ الْمَذْكُورِ وَلَا لِحَادِثَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمَذْكُورِ مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَ هَلْ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ فَيَقُولُ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ أَوْ يَكُونُ الْغَرَضُ بَيَانَ ذَلِكَ لَهُ السَّائِمَةُ دُونَ الْمَعْلُوفَةِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ تَقْدِيرُ جَهَالَةٍ بِحُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَإِلَّا رُبَّمَا تَرَكَ التَّعَرُّضَ لَهُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِحَالِهِ وَلَا يَكُونُ خَوْفٌ يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِهِ كَقَوْلِ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ لِعَبْدِهِ بِحُضُورِ الْمُسْلِمِينَ تَصَدَّقْ بِهَذَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ وَغَيْرِهِمْ وَتَرَكَهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتَّهَمَ بِالنِّفَاقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ كَمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] نَزَلَتْ كَمَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي قَوْمٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالَوْا الْيَهُودَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَمَّا إذَا لَمْ تَتَوَفَّرْ هَذِهِ الشُّرُوطُ بِانْتِفَاءِ الْمَذْكُورَاتِ بَلْ ثَبَتَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَلَا يَسْتَنِدُ فِي الْعَمَلِ إلَى الْمَفْهُومِ ضَرُورَةَ أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَوَائِدُ ظَاهِرَةٌ وَالْمَفْهُومُ فَائِدَةٌ خَفِيفَةٌ فَيُؤَخَّرُ عَنْهَا وَيَكُونُ الْعَمَلُ حِينَئِذٍ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وَلَوْ خَالَفَ الْمَفْهُومَ، فَإِذَا دَلَّ عَلَى إعْطَاءِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ بِهِ عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا فِي نَحْوِ آيَتَيْ الرَّبِيبَةِ وَالْمُوَالَاةِ وَقَوْلُ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ إلَخْ فَإِنَّ إرَادَةَ قَرِيبِ الْعَهْدِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا عَلِمْت وَتَحَقُّقَ عِلَّةِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الرَّبِيبَةَ

стр. 284

أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ إنْ كَانَ فِي جَانِبِ الْأَمْرِ وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ إنْ كَانَ فِي جَانِبِ النَّوَاهِي طَرْدًا لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ الْعَقْلِيِّ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَكَذَا نَقُولُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ إنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَصَالِحَ لَا نَعْلَمُهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ تَعَبُّدِيٍّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَا نَعْلَمُهَا فَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ أَوْقَاتُ الْعِبَادَاتِ لِمَصَالِحَ فِيهَا ، وَتَعْيِينُ الْفَوْرِيَّاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَبَعٌ لِلْمَأْمُورَاتِ وَطَرَيَانِ الْأَسْبَابِ فَالْغَرِيقُ لَوْ تَأَخَّرَ سُقُوطُهُ فِي الْبَحْرِ تَأَخَّرَ الزَّمَانُ أَوْ تَعَجَّلَ تَعَجَّلَ الزَّمَانُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ الْحَجُّ تَابِعٌ لِلِاسْتِطَاعَةِ فَلَوْ تَأَخَّرَتْ تَأَخَّرَتْ السَّنَةُ أَوْ تَقَدَّمَتْ تَقَدَّمَتْ السَّنَةُ فَصَارَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ تَابِعًا لِلِاسْتِطَاعَةِ لَا لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ الْفَوْرَ تَعَيُّنُ الْوَقْتِ إذَا قُلْنَا الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ تَابِعٌ لِوُرُودِ الصِّيغَةِ فَإِنْ تَقَدَّمَتْ تَقَدَّمَ الْوَقْتُ أَوْ تَأَخَّرَتْ تَأَخَّرَ الْوَقْتُ وَكَذَلِكَ أَقْضِيَةُ الْحُكَّامِ الْوَقْتُ تَابِعٌ لِنُهُوضِ الْحِجَاجِ فَتَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ وَبَقِيَّةُ النُّقُوضِ قَدْ اتَّضَحَ لَك التَّخْرِيجُ فِي ذَلِكَ وَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ لِمَصَالِحَ فِيهَا وَلَوْلَاهَا لَمَا تَعَيَّنَ بَعْدَ الزَّوَالِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَلَا رَمَضَانُ دُونَ بَقِيَّةِ شُهُورِ السَّنَةِ إذَا اتَّضَحَ لَك الْفَرْقُ فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِّ لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ احْتِرَازٌ مِنْ تَعْيِينِ الْوَقْتِ لِمَصْلَحَةِ الْمَأْمُورِ وَالتَّبَعِيَّةِ لِطَرَيَانِ الْأَسْبَابِ. وَاتُّجِهَ أَيْضًا حَدُّ الْقَضَاءِ بِذَلِكَ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ إيقَاعُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ فَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ مَوْصُوفًا بِالْقَضَاءِ إلَّا إذَا وَقَعَ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ، وَقَوْلُنَا فِي الْقَضَاءِ بِالْأَمْرِ الثَّانِي احْتِرَازٌ مِنْ نَقْضٍ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِقَضَاءِ رَمَضَانَ جُمْلَةَ السَّنَةِ كُلِّهَا الَّتِي تَلِي شَهْرَ الْأَدَاءِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا وَلَيْسَ أَدَاءً فَخَرَجَ بِقَوْلِنَا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَضَاءَ وَجَبَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَدَخَلَ فِي حَدِّ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِقَوْلِنَا بِالْأَمْرِ الثَّانِي وَسَبَبُ انْدِرَاجِهِ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَيَّنَ السَّنَةَ لِمَصْلَحَةٍ تَخْتَصُّ بِهَا لَا نَعْلَمُهَا فَالسَّنَةُ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لَيْسَتْ تَابِعَةً لِغَيْرِهَا بِخِلَافِ سَنَةِ الْحَجِّ تَابِعَةٌ لِلِاسْتِطَاعَةِ فَإِنْ قُلْت وَسَنَةُ الْقَضَاءِ أَيْضًا تَابِعَةٌ لِتَرْكِ الصَّوْمِ قُلْت مُسَلَّمٌ لَكِنْ هَذَا وَقْتٌ حُدِّدَ طَرَفَاهُ وَجُعِلَ وَاجِبًا مُوَسَّعًا بِخِلَافِ الْحَجِّ. وَلَمَّا تَرَتَّبَ رَمَضَانُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشُّهُورِ لِلْأَدَاءِ رُتِّبَ مَا بَعْدَهُ لِلْقَضَاءِ إلَى شَعْبَانَ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ مُعَيَّنًا فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ بِخِلَافِ الْحَجِّ لَمْ يُعَيَّنْ لَهُ إلَّا مَا كَانَ عَقِيبَ الِاسْتِطَاعَةِ وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَسَنَةُ الْقَضَاءِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ فَإِنْ قُلْتَ مَا ذَكَرْتَهُ لَا يَتِمُّ لِاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ مَعَ خُرُوجِهِ عَمَّا ذَكَرْته مِنْ التَّحْدِيدِ فَيَقُولُونَ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الْحِجَّةِ الْفَاسِدَةِ قَضَاءٌ وَيَقُولُونَ إنَّ النَّوَافِلَ تُقْضَى وَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْضَى مَا لَهُ سَبَبٌ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ مَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَأَبْطَلَهُ عَلَى تَفْصِيلٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] حُرِّمَتْ لِئَلَّا يَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّهَا التَّبَاغُضُ لَوْ أُبِيحَتْ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَيُوجَدُ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ أَمْ لَا، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِ الْكَافِرَ حُرِّمَتْ لِعَدَاوَةِ الْكَافِرِ لَهُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ سَوَاءٌ وَالَى الْمُؤْمِنَ أَمْ لَا، وَقَدْ عَمَّ مَنْ وَالَاهُ وَمَنْ يُوَالِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٧] إلَى قَوْلِهِ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَقِيَاسُ الْمَسْكُوتِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَنْطُوقِ لَا يَمْتَنِعُ؛ إذْ كَيْفَ يَمْتَنِعُ وَهُنَاكَ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْمَعْرُوضَ لِلصِّفَةِ وَنَحْوِهَا كَالْغَنَمِ فِي حَدِيثِ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» يَعُمُّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ كَالْمَعْلُوفَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِدُونِ قِيَاسٍ؛ لِأَنَّ عَارِضَهُ مِنْ الصِّفَةِ وَنَحْوِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَسْكُوتِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْعِلَّةِ كَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ. نَعَمْ الْحَقُّ عَدَمُ الْعُمُومِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَقَوْلُ إمَامِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْمَعْلُوفَةَ فِيهَا الزَّكَاةُ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثُ شُمُولُ الْغَنَمِ لِلْمَعْلُوفَةِ فِي الْحُكْمِ كَمَا قِيلَ بَلْ إمَّا لِكَوْنِ حَدِيثِ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» مَنْطُوقًا عَارَضَ مَفْهُومَ حَدِيثِ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوا بِالْمِنَّةِ مَنْ قَتَلَ مَنْ لَمْ يَجْنِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقَتْلَ وَلَدًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَلَدٍ لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ الْمُعَارِضَةِ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] لَا لِكَوْنِهِ غَالِبًا فِي مَجْرَى الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْتُلُونَ إلَّا خَوْفَ الْفَقْرِ وَالْفَضِيحَةِ فِي الْبَنَاتِ وَهُوَ الْوَأْدُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] وَالْوَأْدُ الْقَتْلُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَدْفِنُونَهُنَّ أَحْيَاءً فَيَمُتْنَ مِنْ غَمِّ التُّرَابِ وَثِقَلِهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أَيْ لَا يُثْقِلُهُ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ عُمُومًا فِي خُصُوصِ عَيْنِ الْغَنَمِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى حَدِيثِ فِي الْغَنَمِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ عُمُومٌ فِي خُصُوصِ حَالِ الْغَنَمِ لِمَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَنَّ حَالَ الْعَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ حَالِ الْحَالِ. وَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إعْطَاءِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ نَقِيضَ حُكْمِ الْمَنْقُوضِ بِهِ عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا فِي نَحْوِ الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِعَدَمِ الزَّكَاةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَتَبْقَى الْمَعْلُوفَةُ الَّتِي لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا الْأَصْلُ كَمَا سَيَأْتِي وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ بَاطِلًا كَانَ الصَّحِيحُ مُقَابِلَهُ وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِقَوْلِهِ وَأَنْكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ الْكُلَّ مُطْلَقًا قَالَ الْمَحَلِّيُّ أَيْ لَمْ يَقُلْ بِشَيْءٍ مِنْ مَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةِ وَإِنْ قَالَ فِي الْمَسْكُوتِ

стр. 285

عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ لِلْفَرِيقَيْنِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى الْقَضَاءِ فِي النَّوَافِلِ وَيَقُولُونَ الْمَأْمُومُ فِيمَا فَاتَهُ هَلْ يَكُونُ قَاضِيًا أَمْ بَانِيًا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْيِينِ الْقَضَاءِ لَا فِي أَنَّهُ يُسَمَّى قَضَاءً لَوْ وَقَعَ فَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَا فَاتَهُ مِنْ الْمَغْرِبِ جَهْرًا لَكَانَ قَضَاءً اتِّفَاقًا إنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ أَمْ لَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَقَضَاءَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْوَقْتِ فَبَطَلَ بِهَذِهِ الْأَنْوَاعِ حَدُّ الْأَدَاءِ وَحَدُّ الْقَضَاءِ قُلْتُ الْقَضَاءُ فِي اصْطِلَاحِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثِ مَعَانٍ: أَحَدُهُمَا إيقَاعُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَحْدِيدُهُ، وَثَانِيهَا: إيقَاعُ الْوَاجِبِ بَعْدَ تَعْيِينِهِ بِالشُّرُوعِ وَمِنْهُ حِجَّةُ الْقَضَاءِ وَمِنْهُ قَضَاءُ النَّوَافِلِ إذَا شُرِعَ فِيهَا وَهَذَا مُغَايِرٌ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِنَا خَارِجَ وَقْتِهِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِنَا بَعْدَ تَعَيُّنِهِ بِالشُّرُوعِ فَإِنَّ بَعْدِيَّةَ الْوَقْتِ غَيْرُ بَعْدِيَّةِ الشُّرُوعِ، وَثَالِثُهَا: مَا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ وَضْعِهِ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَقْتِ وَالتَّعْيِينِ بِالشُّرُوعِ، وَمِنْهُ قَضَاءُ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ إذَا صُلِّيَتَا جَهْرًا فَهَذَا خِلَافُ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ فَإِنَّ وَضْعَ الشَّرِيعَةِ تَقَدُّمُ الْجَهْرِ عَلَى السِّرِّ فَتَأْخِيرُهُ خِلَافُ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ فِي الِاصْطِلَاحِ وَيُلْحَقُ بِهَا قِسْمٌ رَابِعٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: إنَّ السُّنَنَ تُقْضَى لِتَقَدُّمِ أَسْبَابِهَا لَا لِلشُّرُوعِ فِيهَا فَيَكُونُ مُفَسَّرًا عِنْدَهُ أَيْضًا بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ بَعْدَ تَقَدُّمِ سَبَبِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] فَذَلِكَ وَضْعٌ لُغَوِيٌّ لَا اصْطِلَاحِيٌّ فَيُقَالُ قُضِيَ الْفِعْلُ إذَا فُعِلَ كَيْفَ كَانَ فَقَضَى بِمَعْنَى فَعَلَ وَهَذَا غَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ لَفْظُ الْقَضَاءِ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ عَلَى خَمْسَةِ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ وَوَاحِدٌ لُغَوِيٌّ وَاللَّفْظُ إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَحَدَّدْنَا بَعْضَ تِلْكَ الْمَعَانِي لَا يَرِدُ عَلَيْنَا غَيْرُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي نَقْضًا وَلَا سُؤَالًا كَمَا إذَا حَدَّدْنَا الْعَيْنَ بِمَعْنَى الْحَدَقَةِ بِأَنَّهَا عُضْوٌ يَتَأَتَّى بِهِ الْإِبْصَارُ فَيَقُولُ السَّائِلُ يُنْتَقَضُ عَلَيْكَ بِعَيْنِ الْمَاءِ وَبِالذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسَمَّى عَيْنًا فَلَا يُسْمَعُ هَذَا السُّؤَالُ فَإِنَّ الْحَقَائِقَ الْمُخْتَلِفَةَ أَنْ تَكُونَ حُدُودُهَا مُخْتَلِفَةً فَحِينَئِذٍ لَا يَرِدُ عَلَيْنَا حَقِيقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْحَقَائِقِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى تَحْدِيدِنَا الْقَضَاءَ بِالْمُوقَعِ خَارِجَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٌ فَانْدَفَعَتْ الْأَسْئِلَةُ الَّتِي وَرَدَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَاسْتَقَامَ حَدُّ الْقَضَاءِ وَحَدُّ الْأَدَاءِ وَظَهَرَ حِينَئِذٍ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ فَيُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَتَعَيَّنُ وَقْتُهُ فَلَا يُوصَفُ لَا بِالْأَدَاءِ وَلَا بِالْقَضَاءِ. (فَائِدَةٌ) الْعِبَادَاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَرَمَضَانَ، وَمِنْهَا مَا لَا يُوصَفُ بِهِمَا كَالنَّوَافِلِ إلَّا بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ الْآخَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ، وَمِنْهَا مَا يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ فَقَطْ كَالْجُمُعَةِ. [الْمُكَلَّفَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ عَاشَ] فَائِدَةٌ: اتَّضَحَ بِمَا تَحَرَّرَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ عَاشَ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ مِنْهُ أَدَاءً ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِخِلَافِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فَلِأَمْرٍ آخَرَ كَمَا فِي انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ، قَالَ: إنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّكَاةِ وَوَرَدَتْ فِي السَّائِمَةِ فَبَقِيَتْ الْمَعْلُوفَةُ عَلَى الْأَصْلِ اهـ. وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ فِي الْعَمَلِ إلَى الْمَفْهُومِ وَلَوْ تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ تَحَقُّقِهِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ إنَّمَا يَسْتَنِدُ إلَى الْقَرَائِنِ الْمُفْهِمَةِ لِمُوَافَقَتِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ مُطْلَقًا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَوْ كَلَامِ النَّاسِ. نَعَمْ قَالَ الْعَطَّارُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: إنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا نَقَلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عَنْ أَصْحَابِهِ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يُنْكِرُونَ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، أَمَّا فِي كَلَامِ النَّاسِ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَهُمْ عَكْسُ مَا لِوَالِدِ الْمُصَنِّفِ مِنْ إنْكَارِهِ الْكُلَّ فِي غَيْرِ الشَّرْعِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِينَ وَالْوَاقِفِينَ لِغَلَبَةِ الذُّهُولِ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِهِ فِي الشَّرْعِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ قَالَ سم: وَحَاصِلُ كَلَامِ وَالِدِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَفْهُومَ مَعْنًى يُقْصَدُ تَبَعًا لِلْمَنْطُوقِ فَلَا يُعْتَبَرُ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ؛ إذْ الْأُمُورُ التَّابِعَةُ إنَّمَا يُعْتَدُّ بِهَا مِمَّنْ قَصَدَهَا وَلَاحَظَهَا وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ وَلَا وُثُوقَ بِقَصْدِهِ وَمُلَاحَظَتِهِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَوَقُّفُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْإِرَادَةِ بَلْ الَّذِي فِيهِ تَوَقُّفٌ اعْتِبَارُهَا فِي الْمَعَانِي التَّابِعَةِ لَا مُطْلَقًا عَلَى مَنْ يُوثَقُ فِيهِ بِإِرَادَتِهِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ اهـ. ٢ - وَوَجْهُ بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفْهِمَةِ لِمُقْتَضَاهُ إذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ تَحَقُّقِهِ وَإِنْ قَالُوا إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ دَاعٍ إلَى دَعْوَى الِاضْطِرَارِ إلَى النُّطْقِ بِمَا لَا يَقْصِدُ وَاضْطِرَارُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الرَّسُولِ ﷺ إلَى أَمْرٍ مَا مُحَالٌ كَمَا عَلِمْت. الثَّانِي: أَنَّ وُجُوهَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ ضَعِيفَةٌ. أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ يُقَرِّرَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا لِلْحَصْرِ لَزِمَ اشْتِرَاكُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِلْمَذْكُورِ فِي الْحُكْمِ إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الِاخْتِصَاصِ وَالِاشْتِرَاكِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْمَذْكُورِ قَطْعًا فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَهُوَ الِاخْتِصَاصُ وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ الِاشْتِرَاكُ وَهَذَا تَرْدِيدٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَاللَّازِمُ أَعْنِي الِاشْتِرَاكَ الْمَذْكُورَ مُنْتَفٍ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلِاشْتِرَاكِ غَايَتُهُ أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَإِمَّا أَنْ يُقَرِّرَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفِدْ الْحَصْرَ لَمْ يُفِدْ الِاخْتِصَاصَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِلْحَصْرِ فِيهِ إلَّا اخْتِصَاصَهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَمْ يَحْصُلْ وَاللَّازِمُ أَعْنِي انْتِفَاءَ إفَادَتِهِ اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِالْمَذْكُورِ دُونَ غَيْرِهِ مُنْتَفٍ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّهُ يُفِيدُ اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِالْمَذْكُورِ
следующие страницы →