Полный текст (1 059 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
عُرْفِ الشَّرْعِ الْمُبَالَغَةُ فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْغَالِبَ عَلَى الشَّخْصِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْوَصْفُ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَقِدَ أَيْضًا أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ الْمَحَلُّ قَابِلٌ لَهُ لِحُصُولِ الشَّرْطِ وَأَنَّ الْقَبُولَ مَشْرُوطٌ بِالتَّقْوَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الشَّرْطِ حُصُولُ الْمَشْرُوطِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحَلَّ يَبْقَى قَابِلًا لِلْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا بِالْقَبُولِ مَعَ أَنَّهُ سَيِّدُ الْمُتَّقِينَ وَكَذَلِكَ إبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ ﵉ وَالْمَدْعُوُّ بِهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بِصَدَدِ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ؛ إذْ لَوْ تَعَيَّنَ وُقُوعُهُ لَكَانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ يُمْكِنُ حُصُولُهُ وَعَدَمُ حُصُولِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْغَالِبَ عَلَى الشَّخْصِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ فِي أَنَّ التَّقْوَى شَرْطٌ فِي الْقَبُولِ مُسَلَّمٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ وَصْفَ التَّقْوَى فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ الْمُبَالَغَةُ فِي اجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ وَفِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ مُسَلَّمٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّقْوَى الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْقَبُولِ التَّقْوَى الْعُرْفِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ لِمُعَارَضَةِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَظَافِرَةِ بِتَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّحِيحَةِ، وَلَيْسَ كَوْنُ التَّقْوَى عُرْفًا مَا فَسَّرَهَا بِهِ بِالْمُقَاوِمِ فِي الظُّهُورِ لِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ هَذَا إنْ لَمْ تَقُلْ بِانْتِهَاءِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ إلَى الْقَطْعِ بِلُزُومِ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُسْتَوْفِيَةِ لِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَالْقَطْعُ بِذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَمَنْ تَتَبَّعَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ وَتَأَمَّلَ مَسَاقَ الْكَلَامِ فِيهِ عَلِمَ صِحَّةَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْوَصْفُ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَدَ أَيْضًا أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ لَازِمٍ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الثَّوَابُ يُمْكِنُ حُصُولُهُ وَعَدَمُ حُصُولِهِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الشَّرْطِ حُصُولُ الْمَشْرُوطِ صَحِيحٌ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ حُصُولِ الثَّوَابِ بَلْ يَلْزَمُ حُصُولُهُ لَا لِمُجَرَّدِ حُصُولِ الشَّرْطِ بَلْ لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى حُصُولِهِ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ كَوْنِ الرَّسُولِ ﵇ دَعَا بِالْقَبُولِ قَدْ تَقَدَّمَ تَأْوِيلُهُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمَدْعُوَّ بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِصَدَدِ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ إنْ أَرَادَ بِاعْتِبَارِ عِلْمِنَا فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ أَرَادَ مُطْلَقًا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ تَعَلَّقَ أَزَلًا بِمَا يَكُونُ وَمَا لَا يَكُونُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ وُقُوعُهُ لَكَانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَكَلَامٌ لَيْسَ لَهُ حَاصِلٌ فَإِنَّ الدُّعَاءَ مَشْرُوعٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَالْمَدْعُوُّ بِهِ مُسْتَقَرٌّ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى حُصُولُهُ أَوْ عَدَمُ حُصُولِهِ فَعَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِحُصُولِهِ يَكُونُ الدُّعَاءُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَعَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ حُصُولِهِ يَكُونُ الدُّعَاءُ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْمُمْتَنِعِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ فِي بَادِي الرَّأْيِ مُحَالٌ.
وَذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الطَّلَبُ عَقْلًا جَوَازَ الْمَطْلُوبِ بَلْ يَجُوزُ طَلَبُ الْجَائِزِ وَغَيْرِ الْجَائِزِ فَلَا فَرْقَ فِي الْعَقْلِ بَيْنَ طَلَبِ تَحْصِيلِ الْوَاقِعِ الْحَاصِلِ وَبَيْنَ طَلَبِ تَحْصِيلِ غَيْرِهِ فَإِنْ ثَبَتَ فِي ذَلِكَ فَرْقٌ شَرْعِيٌّ فَذَاكَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ]
الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ)
قِيلَ: لَا يَكُونُ حُجَّةً إجْمَاعًا وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ قِيلَ: يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ وَالصَّحِيحُ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي وَقَعَ بِهِ تَقْيِيدُ الْحَقِيقَةِ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ بِأَنْ وُجِدَ مَعَهَا فِي أَكْثَرِ صُوَرِهَا كَوَصْفِ الرَّبَائِبِ بِاَللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وَهُنَّ جَمْعُ رَبِيبَةٍ بِنْتُ زَوْجَةِ الرَّجُلِ مِنْ آخَرَ سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُرَبِّيهَا غَالِبًا كَمَا يُرَبِّي وَلَدَهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَسُمِّيَتْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَرِبْهَا وَإِنَّمَا لَحِقَتْهُ الْهَاءُ مَعَ أَنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ اسْمًا فَكَوْنُهُنَّ فِي حُجُورِ أَزْوَاجِ الْأُمَّهَاتِ هُوَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِنَّ فَوَصَفَهُنَّ بِهِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فَلَا يَدُلُّ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ لِلْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحَقِيقَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِهِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالْكَلَامِ الْمُفِيدِ لِتَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِمْ عِنْدَ عَدَمِ كَوْنِهِنَّ فِي حُجُورِهِمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا إجْمَاعًا.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ جَعَلَهُ شَرْطًا حَتَّى إنَّ الْبَعِيدَةَ عَنْ الزَّوْجِ لَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ وَأَسْنَدَهُ إلَيْهِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ فَتُوُفِّيَتْ وَقَدْ وَلَدَتْ لِي فَوَجَدْت عَلَيْهَا فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَا لَكَ فَقُلْت تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ فَقَالَ عَلِيٌّ: هَلْ لَهَا ابْنَةٌ؟ فَقُلْت: نَعَمْ وَهِيَ بِالطَّائِفِ قَالَ: كَانَتْ فِي حِجْرِك؟ قُلْت: لَا، قَالَ: فَانْكِحْهَا قُلْت: فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] قَالَ: إنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِك إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ فِي حِجْرِك، قَالَ الْحَافِظُ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: إسْنَادُهُ قَوِيٌّ ثَابِتٌ إلَى عَلِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا اهـ بِتَوْضِيحٍ وَزِيَادَةٍ مِنْ الْعَطَّارِ. نَعَمْ قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ إجْمَاعُ الْأَرْبَعَةِ الْأَئِمَّةِ لَا جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ لَكِنْ فِي الْمُحَلَّى عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
وَقَدْ مَشَى فِي النِّهَايَةِ فِي آيَةِ الرَّبِيبَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْقَيْدَ فِيهَا لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَ بِمَفْهُومِهِ وَمِنْ أَنَّ الرَّبِيبَةَ الْكَبِيرَةَ وَقْتَ التَّزَوُّجِ بِأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حِجْرِهِ وَتَرْبِيَتِهِ وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ
стр. 282
وَعَلَى هَذِهِ الْمَدَارِكِ وَهَذِهِ التَّقَادِيرِ يَكُونُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] مَشْرُوطًا بِالتَّقْوَى فَإِنَّ أَمْثَالَ الْعَشْرِ هِيَ الْمَثُوبَاتُ وَلَا تَحْصُلُ إلَّا لِلْمُتَّقِينَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَ وَالزَّائِدَ عَلَيْهَا هِيَ مَثُوبَاتٌ تَتَضَاعَفُ، وَقَوْلُهُ ﵇ «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ وَصَلَاةٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِسِتِّمِائَةِ صَلَاةٍ» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] يَقْتَضِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْرِيرِ أَنْ يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ مَشْرُوطًا بِالتَّقْوَى وَقَوْلُهُ ﵇ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ كُلَّهَا تَقْتَضِي الْمَثُوبَاتِ مُطْلَقًا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْدِيرِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالتَّقْوَى فَيَتَعَيَّنُ رَدُّ أَحَدِ الظَّاهِرَيْنِ إلَى الْآخَرِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَسَدِّ وَقَدْ بَيَّنْتُ لَكَ وَجْهَ التَّعَارُضِ وَوَجْهَ الْجَمْعِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مَوْضِعٌ صَعْبٌ مُشْكِلٌ وَاَلَّذِي رَأَيْتُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ الْمُحَقِّقِينَ هُوَ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ فَتَأَمَّلْهُ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ فَيُوصَفُ فِيهِ بِالْأَدَاءِ وَبَعْدَهُ بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ وَلَا يُوصَفُ فِيهِ بِالْأَدَاءِ وَلَا بَعْدَهُ بِالْقَضَاءِ وَالتَّعْيِينُ فِي الْقِسْمَيْنِ شَرْعِيٌّ)
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بِوَجْهٍ.
قَالَ (وَعَلَى هَذِهِ الْمَدَارِكِ وَهَذِهِ التَّقَادِيرِ يَكُونُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] مَشْرُوطًا بِالتَّقْوَى إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَشْرُوطٌ بِالتَّقْوَى مُسَلَّمٌ لَكِنْ بِمَعْنَى الْمُوَافَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ لَا بِمَعْنَى مُجَانَبَةِ الْعِصْيَانِ.
قَالَ (فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ كُلَّهَا تَقْتَضِي الْمَثُوبَاتِ مُطْلَقًا وَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْ التَّقْرِيرِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالتَّقْوَى) قُلْتُ لَا يُقَاوِمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْرِيرِ تِلْكَ الظَّوَاهِرَ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ الْقَطْعَ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا قَدْ بَلَغَتْهُ فَإِنَّ الظَّوَاهِرَ إذَا تَظَاهَرَتْ وَتَكَاثَرَتْ وَلَمْ يُعَارِضْهَا سِوَاهَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِمَعْنَاهَا وَهَذِهِ الظَّوَاهِرُ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ وَتَكَاثَرَتْ وَلَمْ يُعَارِضْهَا سِوَاهَا فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مُعَارِضًا لَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِاسْتِوَاءِ احْتِمَالَاتِهِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
قَالَ (فَيَتَعَيَّنَ رَدُّ أَحَدِ الظَّاهِرَيْنِ إلَى الْآخَرِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَسَدِّ) قُلْتُ إنْ سُلِّمَ عَدَمُ الْقَطْعِ فَلَيْسَ الْوَجْهُ الْأَسَدُّ مَا ذَكَرَهُ وَاخْتَارَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَلَّمْ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ الْأَسَدُّ.
قَالَ (وَقَدْ بَيَّنْت لَك وَجْهَ التَّعَارُضِ وَوَجْهَ الْجَمْعِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مَوْضِعٌ صَعْبٌ مُشْكِلٌ) قُلْتُ قَدْ تَبَيَّنَ مَا قَالَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَتَأَمَّلْتُهُ كَمَا أَمَرَ وَلَمْ أَجِدْ مَا وَجَدَ مِنْ الصُّعُوبَةِ وَالْإِشْكَالِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ذِي الْمِنَّةِ وَالْإِفْضَالِ.
قَالَ (وَاَلَّذِي رَأَيْتُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ الْمُحَقِّقِينَ هُوَ مَا ذَكَرْتُهُ فَتَأَمَّلْهُ) قُلْتُ لَعَلَّهُمْ مُحَقِّقُونَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمَّا فِي هَذِهِ فَلَا
وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالسِّتِّينَ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَيْهِ مَالِكٌ فَقَدْ نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ كَالْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ دَاوُد كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَمَرْجِعُ مَا نَقَلَ عَنْ دَاوُد وَعَلِيٍّ ﵁ إلَى أَنَّ الْقَيْدَ لَيْسَ لِمُوَافَقَةِ الْغَالِبِ أَيْ بَلْ لِنَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ اهـ فَافْهَمْ.
وَأَوْرَدَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ لِغَيْرِ الْغَالِبِ مَفْهُومًا دُونَ الْغَالِبِ وَالْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي الْعَكْسَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ لَا إذَا لَمْ يَكُنْ غَالِبًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ تَدُلُّ الْعَادَةُ عَلَى ثُبُوتِهِ لَهَا فَالْمُتَكَلِّمُ يَكْتَفِي بِدَلَالَتِهَا عَلَى ثُبُوتِهِ لَهَا عَنْ ذِكْرِهِ فَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ بِانْحِصَارِ غَرَضِهِ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَادَةٌ فَغَرَضُ الْمُتَكَلِّمِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ إفْهَامُ السَّامِعِ بِثُبُوتِهَا لِلْحَقِيقَةِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَفْهُومِ لِخُلُوِّ الْقَيْدِ عَنْ الْفَائِدَةِ لَوْلَاهُ وَهُوَ إذَا كَانَ الْغَالِبُ يُفْهَمُ مِنْ الظَّنِّ بِاللَّفْظِ أَوَّلًا لِغَلَبَتِهِ فَذِكْرُهُ بَعْدَهُ يَكُونُ تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْقَيْدِ فِيهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْمَفْهُومِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْغَالِبِ.
وَأَجَابَ الْأَصْلُ بِأَنَّ الْغَالِبَ مُلَازِمٌ لِلْحَقِيقَةِ فِي الذِّهْنِ فَذِكْرُهُ مَعَهَا عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا لِحُضُورِهِ فِي ذِهْنِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِهَا فَيَضْطَرُّهُ الْحَالُ لِلنُّطْقِ بِهِ لِذَلِكَ لَا لِتَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْحَقِيقَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا حُضُورُهُ مَعَهَا فَلَا يَضْطَرُّهُ الْحَالُ لِنُطْقِهِ بِهِ مَعَهَا فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْمُتَكَلِّمِ غَرَضٌ فِي نُطْقِهِ بِهِ، وَإِحْضَارُهُ مَعَ الْحَقِيقَةِ وَسَلْبُ الْحُكْمِ عَنْ صُورَةِ عَدَمِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ غَرَضَهُ فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَرِّحَ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ مِنْ التَّقْيِيدِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَارِدٌ وَدَعْوَى الِاضْطِرَارِ بَاطِلَةٌ إذْ كَيْفَ يَكُونُ الشَّارِعُ سَوَاءٌ قُلْنَا اللَّهُ تَعَالَى أَوْ الرَّسُولُ ﷺ مُضْطَرًّا إلَى النُّطْقِ بِمَا لَا يَقْصِدُهُ وَاضْطِرَارُ اللَّهِ تَعَالَى إلَى أَمْرٍ مَا مُحَالٌ وَكَذَلِكَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْصُومٌ، وَالْحَامِلُ عَلَى هَذَا الْحَالِ إنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ بِالْمَفْهُومِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بَاطِلٌ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفْهِمَةِ لِمُقْتَضَاهُ.
(قُلْت) يُعَيَّنُ أَنَّ الْبَاطِلَ هُوَ مَا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْأَشْعَرِيِّ وَالْإِمَامِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ بِأَقْسَامِهِ الرَّاجِعَةِ إلَى مَفْهُومِ الصِّفَةِ كَمَا مَرَّ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفْهِمَةِ لِمُقْتَضَاهُ إذَا تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ لِتَحَقُّقِهِ وَهِيَ أُمُورٌ أَحْرَى
стр. 283
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ وَهَذَا الْفَرْقَ لَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِيمَ رَأَيْتُهُ وَلَمْ يَقَعْ التَّصْرِيحُ بِهِ فِيمَا وَجَدْتُهُ وَلَا التَّعْرِيضُ بَلْ التَّصْرِيحُ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ بِضِدِّهِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فَيَقُولُونَ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ هُوَ إيقَاعُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا وَفِي حَدِّ الْقَضَاءِ هُوَ إيقَاعُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا وَهَذَانِ التَّفْسِيرَانِ بَاطِلَانِ بِسَبَبِ أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةَ كَرَدِّ الْغُصُوبِ وَالْوَدَائِعِ إذَا طُلِبَتْ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَقْضِيَةِ الْحُكَّامِ إذَا نَهَضَتْ الْحِجَاجُ كُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ لَهَا إنَّهَا أَدَاءٌ إذَا وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ لَهَا شَرْعًا وَلَا قَضَاءً إذَا وَقَعَتْ بَعْدَهُ فَإِنَّ الشَّرْعَ حَدَّدَ لَهَا زَمَانًا وَهُوَ زَمَانُ الْوُقُوعِ فَأَوَّلُهُ أَوَّلُ زَمَانِ التَّكْلِيفِ وَآخِرُهُ الْفَرَاغُ مِنْهَا بِحَسَبِهَا فِي طُولِهَا وَقِصَرِهَا فَزَمَانُهَا مَحْدُودٌ شَرْعًا مَعَ انْتِفَاءِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ عَنْهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْقَاذُ الْغَرِيقِ حَدَّدَ لَهُ الشَّرْعُ الزَّمَانَ فَأَوَّلُهُ مَا يَلِي زَمَنَ السُّقُوطِ وَآخِرُهُ الْفَرَاغُ مِنْ عِلَاجِهِ بِحَسَبِ حَالِهِ وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ أَدَاءٌ فِي الْوَقْتِ وَلَا قَضَاءٌ بَعْدَهُ مَعَ التَّحْدِيدِ الشَّرْعِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحَجُّ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنَّ الشَّارِعَ حَدَّدَ لَهُ زَمَانًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ قَضَاءٌ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ إذَا أُخِّرَتْ هَذِهِ الْحِجَّةُ وَلَا يَلْزَمُ مَعَهَا هَدْيُ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ ﵀ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ زَمَانٍ لِلسَّمَاعِ وَزَمَانٍ لِلتَّأَمُّلِ وَتَعَرُّفِ مَعْنَى الْخِطَابِ وَفِي الزَّمَنِ الثَّالِثِ يَكُونُ الْفِعْلُ زَمَانِيًّا وَبِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ يُوصَفُ الْمُكَلَّفُ بِالْمُخَالَفَةِ.
وَقَدْ حَدَّدَ الشَّرْعُ الزَّمَانَ حِينَئِذٍ أَوَّلُهُ الزَّمَنُ الثَّالِثُ مِنْ زَمَنِ السَّمَاعِ وَآخِرُهُ الْفَرَاغُ مِنْ الْفِعْلِ بِحَسَبِهِ وَهَذِهِ النُّقُوضُ كُلُّهَا تُبْطِلُ حَدَّ الْأَدَاءِ فَإِنَّ حَدَّهُ يَتَنَاوَلُهَا وَلَيْسَتْ أَدَاءً فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ وَإِيقَاعُهَا بَعْدَ وَقْتِهَا يَتَنَاوَلُهُ حَدُّ الْقَضَاءِ وَلَيْسَتْ قَضَاءً فَيَكُونُ غَيْرَ جَامِعٍ فَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ الْعِنَايَةُ بِتَحْرِيرِ الْفَرْقِ وَتَحْرِيرِ هَذِهِ الضَّوَابِطِ وَالْحُدُودِ حَتَّى يَتَّضِحَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ نَقُولَ الْأَدَاءُ هُوَ إيقَاعُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَالْقَضَاءُ إيقَاعُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ فِيهِ بِالْأَمْرِ الثَّانِي فَقَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْقَضَاءِ، وَقَوْلُنَا: " الْمَحْدُودُ لَهُ " احْتِرَازٌ مِنْ الْمُغَيَّا بِجَمِيعِ الْعُمْرِ، وَقَوْلُنَا: " شَرْعًا " احْتِرَازٌ مِمَّا يَحُدُّهُ أَهْلُ الْعُرْفِ، وَقَوْلُنَا: " لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ " احْتِرَازٌ مِنْ تِلْكَ النُّقُوضِ كُلِّهَا، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا عَيَّنَ شَهْرَ رَمَضَانَ لِمَصْلَحَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ
الْمَصَالِحِ
عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ فَإِنَّا إذَا لَاحَظْنَا الشَّرَائِعَ وَجَدْنَاهَا مَصَالِحَ فِي الْأَغْلَبِ أَدْرَكْنَا ذَلِكَ وَخَفِيَ عَلَيْنَا فِي الْأَقَلِّ فَقُلْنَا ذَلِكَ الْأَقَلُّ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْأَكْثَرِ كَمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ مَلِكٍ بِأَنْ لَا يَخْلَعَ الْأَخْضَرَ إلَّا عَلَى الْفُقَهَاءِ فَإِذَا رَأَيْنَا مَنْ خَلَعَ عَلَيْهِ الْأَخْضَرَ وَلَا نَعْلَمُ قُلْنَا هُوَ فَقِيهٌ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ ذَلِكَ الْمَلِكِ وَكَذَلِكَ نَعْتَقِدُ فِيمَا لَمْ نَطَّلِعْ فِيهِ عَلَى مَفْسَدَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنْ لَا تُظْهِرَ أَوْلَوِيَّةَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَكَانَ مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ لَا مُخَالَفَةٍ كَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَتَأْدِيَةِ مَا دُونَ الْقِنْطَارِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] .
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ مِثْلَ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ الرَّبَائِبِ فِي الْحُجُورِ وَمِنْ شَأْنِهِنَّ ذَلِكَ فَقَيَّدَ بِهِ لِذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّاتِي لَسْنَ فِي الْحُجُورِ بِخِلَافَةِ وَمِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إذْ الْخُلْعُ غَالِبًا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خَوْفِ أَنْ لَا يَقُومَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ وَمِثْلَ قَوْلِهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» إذْ الْمَرْأَةُ إنَّمَا تُبَاشِرُ نِكَاحَ نَفْسِهَا عِنْدَ مَنْعِ الْوَلِيِّ فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا إذَا نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا لَمْ يَكُنْ بَاطِلًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ لِسُؤَالِ سَائِلٍ عَنْ الْمَذْكُورِ وَلَا لِحَادِثَةٍ خَاصَّةٍ بِالْمَذْكُورِ مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَ هَلْ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ فَيَقُولُ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ أَوْ يَكُونُ الْغَرَضُ بَيَانَ ذَلِكَ لَهُ السَّائِمَةُ دُونَ الْمَعْلُوفَةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ تَقْدِيرُ جَهَالَةٍ بِحُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَإِلَّا رُبَّمَا تَرَكَ التَّعَرُّضَ لَهُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِحَالِهِ وَلَا يَكُونُ خَوْفٌ يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِهِ كَقَوْلِ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ لِعَبْدِهِ بِحُضُورِ الْمُسْلِمِينَ تَصَدَّقْ بِهَذَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ وَغَيْرِهِمْ وَتَرَكَهُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتَّهَمَ بِالنِّفَاقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ كَمُوَافَقَةِ الْوَاقِعِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] نَزَلَتْ كَمَا قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي قَوْمٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالَوْا الْيَهُودَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ تَتَوَفَّرْ هَذِهِ الشُّرُوطُ بِانْتِفَاءِ الْمَذْكُورَاتِ بَلْ ثَبَتَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَلَا يَسْتَنِدُ فِي الْعَمَلِ إلَى الْمَفْهُومِ ضَرُورَةَ أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَوَائِدُ ظَاهِرَةٌ وَالْمَفْهُومُ فَائِدَةٌ خَفِيفَةٌ فَيُؤَخَّرُ عَنْهَا وَيَكُونُ الْعَمَلُ حِينَئِذٍ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وَلَوْ خَالَفَ الْمَفْهُومَ، فَإِذَا دَلَّ عَلَى إعْطَاءِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ بِهِ عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا فِي نَحْوِ آيَتَيْ الرَّبِيبَةِ وَالْمُوَالَاةِ وَقَوْلُ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ إلَخْ فَإِنَّ إرَادَةَ قَرِيبِ الْعَهْدِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا عَلِمْت وَتَحَقُّقَ عِلَّةِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الرَّبِيبَةَ
стр. 284
أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ إنْ كَانَ فِي جَانِبِ الْأَمْرِ وَفِيهِ مَفْسَدَةٌ إنْ كَانَ فِي جَانِبِ النَّوَاهِي طَرْدًا لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ الْعَقْلِيِّ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَكَذَا نَقُولُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ إنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَصَالِحَ لَا نَعْلَمُهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ تَعَبُّدِيٍّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَا نَعْلَمُهَا فَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ أَوْقَاتُ الْعِبَادَاتِ
لِمَصَالِحَ فِيهَا
، وَتَعْيِينُ الْفَوْرِيَّاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَبَعٌ لِلْمَأْمُورَاتِ وَطَرَيَانِ الْأَسْبَابِ فَالْغَرِيقُ لَوْ تَأَخَّرَ سُقُوطُهُ فِي الْبَحْرِ تَأَخَّرَ الزَّمَانُ أَوْ تَعَجَّلَ تَعَجَّلَ الزَّمَانُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْحَجُّ تَابِعٌ لِلِاسْتِطَاعَةِ فَلَوْ تَأَخَّرَتْ تَأَخَّرَتْ السَّنَةُ أَوْ تَقَدَّمَتْ تَقَدَّمَتْ السَّنَةُ فَصَارَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ تَابِعًا لِلِاسْتِطَاعَةِ لَا لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ الْفَوْرَ تَعَيُّنُ الْوَقْتِ إذَا قُلْنَا الْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ تَابِعٌ لِوُرُودِ الصِّيغَةِ فَإِنْ تَقَدَّمَتْ تَقَدَّمَ الْوَقْتُ أَوْ تَأَخَّرَتْ تَأَخَّرَ الْوَقْتُ وَكَذَلِكَ أَقْضِيَةُ الْحُكَّامِ الْوَقْتُ تَابِعٌ لِنُهُوضِ الْحِجَاجِ فَتَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ وَبَقِيَّةُ النُّقُوضِ قَدْ اتَّضَحَ لَك التَّخْرِيجُ فِي ذَلِكَ وَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ لِمَصَالِحَ فِيهَا وَلَوْلَاهَا لَمَا تَعَيَّنَ بَعْدَ الزَّوَالِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَلَا رَمَضَانُ دُونَ بَقِيَّةِ شُهُورِ السَّنَةِ إذَا اتَّضَحَ لَك الْفَرْقُ فَقَوْلُهُ فِي الْحَدِّ لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ احْتِرَازٌ مِنْ تَعْيِينِ الْوَقْتِ لِمَصْلَحَةِ الْمَأْمُورِ وَالتَّبَعِيَّةِ لِطَرَيَانِ الْأَسْبَابِ.
وَاتُّجِهَ أَيْضًا حَدُّ الْقَضَاءِ بِذَلِكَ لِمَا قُلْنَا إنَّهُ إيقَاعُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ فَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ مَوْصُوفًا بِالْقَضَاءِ إلَّا إذَا وَقَعَ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ، وَقَوْلُنَا فِي الْقَضَاءِ بِالْأَمْرِ الثَّانِي احْتِرَازٌ مِنْ نَقْضٍ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِقَضَاءِ رَمَضَانَ جُمْلَةَ السَّنَةِ كُلِّهَا الَّتِي تَلِي شَهْرَ الْأَدَاءِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا وَلَيْسَ أَدَاءً فَخَرَجَ بِقَوْلِنَا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَضَاءَ وَجَبَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَدَخَلَ فِي حَدِّ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِقَوْلِنَا بِالْأَمْرِ الثَّانِي وَسَبَبُ انْدِرَاجِهِ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَيَّنَ السَّنَةَ لِمَصْلَحَةٍ تَخْتَصُّ بِهَا لَا نَعْلَمُهَا فَالسَّنَةُ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لَيْسَتْ تَابِعَةً لِغَيْرِهَا بِخِلَافِ سَنَةِ الْحَجِّ تَابِعَةٌ لِلِاسْتِطَاعَةِ فَإِنْ قُلْت وَسَنَةُ الْقَضَاءِ أَيْضًا تَابِعَةٌ لِتَرْكِ الصَّوْمِ قُلْت مُسَلَّمٌ لَكِنْ هَذَا وَقْتٌ حُدِّدَ طَرَفَاهُ وَجُعِلَ وَاجِبًا مُوَسَّعًا بِخِلَافِ الْحَجِّ.
وَلَمَّا تَرَتَّبَ رَمَضَانُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشُّهُورِ لِلْأَدَاءِ رُتِّبَ مَا بَعْدَهُ لِلْقَضَاءِ إلَى شَعْبَانَ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ مُعَيَّنًا فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ بِخِلَافِ الْحَجِّ لَمْ يُعَيَّنْ لَهُ إلَّا مَا كَانَ عَقِيبَ الِاسْتِطَاعَةِ وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَسَنَةُ الْقَضَاءِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ فَإِنْ قُلْتَ مَا ذَكَرْتَهُ لَا يَتِمُّ لِاتِّفَاقِ النَّاسِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ مَعَ خُرُوجِهِ عَمَّا ذَكَرْته مِنْ التَّحْدِيدِ فَيَقُولُونَ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الْحِجَّةِ الْفَاسِدَةِ قَضَاءٌ وَيَقُولُونَ إنَّ النَّوَافِلَ تُقْضَى وَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مَحْدُودٌ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْضَى مَا لَهُ سَبَبٌ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ مَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَأَبْطَلَهُ عَلَى تَفْصِيلٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حُرِّمَتْ لِئَلَّا يَقَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّهَا التَّبَاغُضُ لَوْ أُبِيحَتْ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَيُوجَدُ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ أَمْ لَا، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِ الْكَافِرَ حُرِّمَتْ لِعَدَاوَةِ الْكَافِرِ لَهُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ سَوَاءٌ وَالَى الْمُؤْمِنَ أَمْ لَا، وَقَدْ عَمَّ مَنْ وَالَاهُ وَمَنْ يُوَالِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٧] إلَى قَوْلِهِ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَقِيَاسُ الْمَسْكُوتِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَنْطُوقِ لَا يَمْتَنِعُ؛ إذْ كَيْفَ يَمْتَنِعُ وَهُنَاكَ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْمَعْرُوضَ لِلصِّفَةِ وَنَحْوِهَا كَالْغَنَمِ فِي حَدِيثِ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» يَعُمُّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ كَالْمَعْلُوفَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِدُونِ قِيَاسٍ؛ لِأَنَّ عَارِضَهُ مِنْ الصِّفَةِ وَنَحْوِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَسْكُوتِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْعِلَّةِ كَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ.
نَعَمْ الْحَقُّ عَدَمُ الْعُمُومِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَقَوْلُ إمَامِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْمَعْلُوفَةَ فِيهَا الزَّكَاةُ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثُ شُمُولُ الْغَنَمِ لِلْمَعْلُوفَةِ فِي الْحُكْمِ كَمَا قِيلَ بَلْ إمَّا لِكَوْنِ حَدِيثِ «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» مَنْطُوقًا عَارَضَ مَفْهُومَ حَدِيثِ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ كَمَا قَالُوا بِالْمِنَّةِ مَنْ قَتَلَ مَنْ لَمْ يَجْنِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقَتْلَ وَلَدًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَلَدٍ لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ الْمُعَارِضَةِ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] لَا لِكَوْنِهِ غَالِبًا فِي مَجْرَى الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْتُلُونَ إلَّا خَوْفَ الْفَقْرِ وَالْفَضِيحَةِ فِي الْبَنَاتِ وَهُوَ الْوَأْدُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] وَالْوَأْدُ الْقَتْلُ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَدْفِنُونَهُنَّ أَحْيَاءً فَيَمُتْنَ مِنْ غَمِّ التُّرَابِ وَثِقَلِهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أَيْ لَا يُثْقِلُهُ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ عُمُومًا فِي خُصُوصِ عَيْنِ الْغَنَمِ فَيَتَرَجَّحُ عَلَى حَدِيثِ فِي الْغَنَمِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ عُمُومٌ فِي خُصُوصِ حَالِ الْغَنَمِ لِمَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَنَّ حَالَ الْعَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ حَالِ الْحَالِ.
وَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إعْطَاءِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ نَقِيضَ حُكْمِ الْمَنْقُوضِ بِهِ عُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ كَمَا فِي نَحْوِ الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِعَدَمِ الزَّكَاةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَتَبْقَى الْمَعْلُوفَةُ الَّتِي لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا الْأَصْلُ كَمَا سَيَأْتِي وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ بَاطِلًا كَانَ الصَّحِيحُ مُقَابِلَهُ وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِقَوْلِهِ وَأَنْكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ الْكُلَّ مُطْلَقًا قَالَ الْمَحَلِّيُّ أَيْ لَمْ يَقُلْ بِشَيْءٍ مِنْ مَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةِ وَإِنْ قَالَ فِي الْمَسْكُوتِ
стр. 285
عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ لِلْفَرِيقَيْنِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى الْقَضَاءِ فِي النَّوَافِلِ وَيَقُولُونَ الْمَأْمُومُ فِيمَا فَاتَهُ هَلْ يَكُونُ قَاضِيًا أَمْ بَانِيًا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْيِينِ الْقَضَاءِ لَا فِي أَنَّهُ يُسَمَّى قَضَاءً لَوْ وَقَعَ فَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَا فَاتَهُ مِنْ الْمَغْرِبِ جَهْرًا لَكَانَ قَضَاءً اتِّفَاقًا إنَّمَا الْخِلَافُ هَلْ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ أَمْ لَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ وَقَضَاءَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الْوَقْتِ فَبَطَلَ بِهَذِهِ الْأَنْوَاعِ حَدُّ الْأَدَاءِ وَحَدُّ الْقَضَاءِ قُلْتُ الْقَضَاءُ فِي اصْطِلَاحِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثِ مَعَانٍ: أَحَدُهُمَا إيقَاعُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَحْدِيدُهُ، وَثَانِيهَا: إيقَاعُ الْوَاجِبِ بَعْدَ تَعْيِينِهِ بِالشُّرُوعِ وَمِنْهُ حِجَّةُ الْقَضَاءِ وَمِنْهُ قَضَاءُ النَّوَافِلِ إذَا شُرِعَ فِيهَا وَهَذَا مُغَايِرٌ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِنَا خَارِجَ وَقْتِهِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِنَا بَعْدَ تَعَيُّنِهِ بِالشُّرُوعِ فَإِنَّ بَعْدِيَّةَ الْوَقْتِ غَيْرُ بَعْدِيَّةِ الشُّرُوعِ، وَثَالِثُهَا: مَا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ وَضْعِهِ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَقْتِ وَالتَّعْيِينِ بِالشُّرُوعِ، وَمِنْهُ قَضَاءُ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ إذَا صُلِّيَتَا جَهْرًا فَهَذَا خِلَافُ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ فَإِنَّ وَضْعَ الشَّرِيعَةِ تَقَدُّمُ الْجَهْرِ عَلَى السِّرِّ فَتَأْخِيرُهُ خِلَافُ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ فِي الِاصْطِلَاحِ وَيُلْحَقُ بِهَا قِسْمٌ رَابِعٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: إنَّ السُّنَنَ تُقْضَى لِتَقَدُّمِ أَسْبَابِهَا لَا لِلشُّرُوعِ فِيهَا فَيَكُونُ مُفَسَّرًا عِنْدَهُ أَيْضًا بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ بَعْدَ تَقَدُّمِ سَبَبِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] فَذَلِكَ وَضْعٌ لُغَوِيٌّ لَا اصْطِلَاحِيٌّ فَيُقَالُ قُضِيَ الْفِعْلُ إذَا فُعِلَ كَيْفَ كَانَ فَقَضَى بِمَعْنَى فَعَلَ وَهَذَا غَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ لَفْظُ الْقَضَاءِ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ عَلَى خَمْسَةِ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ وَوَاحِدٌ لُغَوِيٌّ وَاللَّفْظُ إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَحَدَّدْنَا بَعْضَ تِلْكَ الْمَعَانِي لَا يَرِدُ عَلَيْنَا غَيْرُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَعَانِي نَقْضًا وَلَا سُؤَالًا كَمَا إذَا حَدَّدْنَا الْعَيْنَ بِمَعْنَى الْحَدَقَةِ بِأَنَّهَا عُضْوٌ يَتَأَتَّى بِهِ الْإِبْصَارُ فَيَقُولُ السَّائِلُ يُنْتَقَضُ عَلَيْكَ بِعَيْنِ الْمَاءِ وَبِالذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسَمَّى عَيْنًا فَلَا يُسْمَعُ هَذَا السُّؤَالُ فَإِنَّ الْحَقَائِقَ الْمُخْتَلِفَةَ أَنْ تَكُونَ حُدُودُهَا مُخْتَلِفَةً فَحِينَئِذٍ لَا يَرِدُ عَلَيْنَا حَقِيقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْحَقَائِقِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى تَحْدِيدِنَا الْقَضَاءَ بِالْمُوقَعِ خَارِجَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٌ فَانْدَفَعَتْ الْأَسْئِلَةُ الَّتِي وَرَدَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَاسْتَقَامَ حَدُّ الْقَضَاءِ وَحَدُّ الْأَدَاءِ وَظَهَرَ حِينَئِذٍ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ فَيُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَتَعَيَّنُ وَقْتُهُ فَلَا يُوصَفُ لَا بِالْأَدَاءِ وَلَا بِالْقَضَاءِ.
(فَائِدَةٌ) الْعِبَادَاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَرَمَضَانَ، وَمِنْهَا مَا لَا يُوصَفُ بِهِمَا كَالنَّوَافِلِ إلَّا بِذَلِكَ التَّفْسِيرِ الْآخَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ، وَمِنْهَا مَا يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ فَقَطْ كَالْجُمُعَةِ.
[الْمُكَلَّفَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ عَاشَ]
فَائِدَةٌ: اتَّضَحَ بِمَا تَحَرَّرَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ عَاشَ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ مِنْهُ أَدَاءً
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِخِلَافِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فَلِأَمْرٍ آخَرَ كَمَا فِي انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ، قَالَ: إنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّكَاةِ وَوَرَدَتْ فِي السَّائِمَةِ فَبَقِيَتْ الْمَعْلُوفَةُ عَلَى الْأَصْلِ اهـ. وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ فِي الْعَمَلِ إلَى الْمَفْهُومِ وَلَوْ تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ تَحَقُّقِهِ الْمَذْكُورَةِ بَلْ إنَّمَا يَسْتَنِدُ إلَى الْقَرَائِنِ الْمُفْهِمَةِ لِمُوَافَقَتِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ مُطْلَقًا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَوْ كَلَامِ النَّاسِ.
نَعَمْ قَالَ الْعَطَّارُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: إنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا نَقَلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عَنْ أَصْحَابِهِ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يُنْكِرُونَ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، أَمَّا فِي كَلَامِ النَّاسِ فَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَهُمْ عَكْسُ مَا لِوَالِدِ الْمُصَنِّفِ مِنْ إنْكَارِهِ الْكُلَّ فِي غَيْرِ الشَّرْعِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِينَ وَالْوَاقِفِينَ لِغَلَبَةِ الذُّهُولِ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِهِ فِي الشَّرْعِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ قَالَ سم: وَحَاصِلُ كَلَامِ وَالِدِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَفْهُومَ مَعْنًى يُقْصَدُ تَبَعًا لِلْمَنْطُوقِ فَلَا يُعْتَبَرُ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ؛ إذْ الْأُمُورُ التَّابِعَةُ إنَّمَا يُعْتَدُّ بِهَا مِمَّنْ قَصَدَهَا وَلَاحَظَهَا وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الذُّهُولُ وَلَا وُثُوقَ بِقَصْدِهِ وَمُلَاحَظَتِهِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَوَقُّفُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْإِرَادَةِ بَلْ الَّذِي فِيهِ تَوَقُّفٌ اعْتِبَارُهَا فِي الْمَعَانِي التَّابِعَةِ لَا مُطْلَقًا عَلَى مَنْ يُوثَقُ فِيهِ بِإِرَادَتِهِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ اهـ.
٢ -
وَوَجْهُ بُطْلَانِ الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ الْمُفْهِمَةِ لِمُقْتَضَاهُ إذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ تَحَقُّقِهِ وَإِنْ قَالُوا إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ دَاعٍ إلَى دَعْوَى الِاضْطِرَارِ إلَى النُّطْقِ بِمَا لَا يَقْصِدُ وَاضْطِرَارُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الرَّسُولِ ﷺ إلَى أَمْرٍ مَا مُحَالٌ كَمَا عَلِمْت.
الثَّانِي: أَنَّ وُجُوهَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ ضَعِيفَةٌ.
أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ يُقَرِّرَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا لِلْحَصْرِ لَزِمَ اشْتِرَاكُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِلْمَذْكُورِ فِي الْحُكْمِ إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الِاخْتِصَاصِ وَالِاشْتِرَاكِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْمَذْكُورِ قَطْعًا فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَهُوَ الِاخْتِصَاصُ وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ الِاشْتِرَاكُ وَهَذَا تَرْدِيدٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَاللَّازِمُ أَعْنِي الِاشْتِرَاكَ الْمَذْكُورَ مُنْتَفٍ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلِاشْتِرَاكِ غَايَتُهُ أَنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَإِمَّا أَنْ يُقَرِّرَ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفِدْ الْحَصْرَ لَمْ يُفِدْ الِاخْتِصَاصَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ إذْ لَا مَعْنَى لِلْحَصْرِ فِيهِ إلَّا اخْتِصَاصَهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَمْ يَحْصُلْ وَاللَّازِمُ أَعْنِي انْتِفَاءَ إفَادَتِهِ اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِالْمَذْكُورِ دُونَ غَيْرِهِ مُنْتَفٍ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّهُ يُفِيدُ اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِالْمَذْكُورِ
стр. 286
لِأَنَّ تَعْيِينَ الْوَقْتِ لَمْ تَكُنْ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ بَلْ تَبَعٌ لِلظَّنِّ الْكَاذِبِ وَقِيلَ هُوَ قَضَاءٌ قَوْلَانِ لِلْقَاضِي وَالْغَزَالِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدَاءِ الَّذِي يَثْبُتُ مَعَهُ الْإِثْمُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدَاءِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْإِثْمُ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدَاءِ الَّذِي يَثْبُتُ مَعَهُ الْإِثْمُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدَاءِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْإِثْمُ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ قَدْ أَشْكَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَاسْتَشْكَلُوا كَيْفَ تَكُونُ الْعِبَادَةُ أَدَاءً وَفَاعِلُهَا آثِمٌ وَسِرُّ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَرْبَابَ الْأَعْذَارِ يُدْرِكُونَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِإِدْرَاكِ وَقْتٍ يَسَعُ خَمْسَ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الطَّهَارَةِ وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ قَبْلَ زَوَالِ الْعُذْرِ لَا يَلْزَمُ أَرْبَابَ الْأَعْذَارِ فَدَلَّ لُزُومُ الصَّلَاتَيْنِ لَهُمْ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى بَقَاءِ وَقْتِهَا وَلَمَّا كَانَ الْأَدَاءُ كَمَا تَقَدَّمَ إيقَاعُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا كَمَا تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ أَدَاءً فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّا لَمَّا حَدَّدْنَا الْأَدَاءَ لَمْ نَحُدَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَاعِلِينَ وَإِنَّمَا حَدَّدْنَاهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادَةِ خَاصَّةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْفَاعِلِ مَنْ هُوَ هَلْ هُوَ ذُو عُذْرٍ أَمْ لَا.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ لِأَحْوَالِ الْمُكَلَّفِ فِي حَدِّهِمَا بَلْ لِلْعِبَادَةِ فَقَطْ فَصَارَ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ تَابِعًا لِكَوْنِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا أَمْ لَا فَكَانَ الظُّهْرُ أَدَاءً إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِنَاءً عَلَى صِدْقِ حَدِّ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ الشَّرْعُ قَدْ مَنَعَ الْمُكَلَّفَ الَّذِي لَا عُذْرَ لَهُ مِنْ تَأْخِيرِ الْعِبَادَاتِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مُطْلَقًا بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُوقِعَ فِي آخَرَ فَسُمِّيَ الْوَقْتُ وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ الزَّوَالِ إلَى آخِرِ الْقَامَةِ وَيَبْقَى مِنْ آخِرِ الْقَامَةِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ هُوَ مِنْ الْوَقْتِ بِاعْتِبَارِ حَدِّ الْأَدَاءِ، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فَإِذَا أَخَّرَ الْفِعْلَ إلَيْهِ وَأَوْقَعَهُ فِيهِ كَانَ مُؤَدِّيًا آثِمًا أَمَّا أَدَاؤُهُ فَلِصِدْقِ حَدِّ الْأَدَاءِ.
وَأَمَّا ثَمَّةَ فَلِتَأْخِيرِهِ عَنْ الْحَدِّ الَّذِي حُدِّدَ لَهُ مِنْ الْوَقْتِ وَلِصَاحِبِ الشَّرْعِ أَنْ يُحَدِّدَ لِلْعِبَادَةِ وَقْتًا وَيَجْعَلَ نِصْفَهُ الْأَوَّلَ لِطَائِفَةٍ وَنِصْفَهُ الْآخَرَ لِطَائِفَةٍ أُخْرَى فَتَأْثَمُ الْأُولَى بِتَعَدِّيهَا لِغَيْرِ وَقْتِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَامَةَ وَقْتُ أَدَاءً بِلَا خِلَافٍ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ طَائِفَةٍ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ إلَى آخِرِ الْقَامَةِ بَلْ لِنِصْفِهَا جَعَلَ صَاحِبُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدَاءِ الَّذِي يَثْبُتُ مَعَهُ الْإِثْمُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدَاءِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْإِثْمُ إلَى قَوْلِهِ فَيَأْثَمُ الْأَوَّلُ بِتَعَدِّيهَا إلَى غَيْرِ وَقْتِهَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ اصْطِلَاحَ الْفُقَهَاءِ مُوَافِقٌ لِتَحْدِيدِهِ الْأَدَاءَ وَإِلَّا فَهُوَ اصْطِلَاحٌ اخْتَرَعَهُ وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ أَيْضًا عَلَى تَسْلِيمِ اصْطِلَاحِهِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ.
قَالَ (أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَامَةَ وَقْتَ أَدَاءً بِلَا خِلَافٍ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ طَائِفَةٍ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ إلَى آخِرِ الْقَامَةِ بَلْ لِنِصْفِهَا جَعَلَ صَاحِبُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
دُونَ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَمِنْ جِهَتَيْنِ الْجِهَةُ الْأُولَى أَنَّهُ عَلَى التَّقْرِيرِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي إنْ أَرَادَ بِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِالْمَذْكُورِ دُونَ الْمَسْكُوتِ أَنَّ الْحُكْمَ النَّفْسِيَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالذِّكْرِ اللَّفْظِيِّ مُخْتَصٌّ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّا حَكَمْنَا عَلَى السَّائِمَةِ مَثَلًا وَلَمْ نَحْكُمْ عَلَى الْمَعْلُوفَةِ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ النَّفْسِيِّ وَهُوَ النِّسْبَةُ الْوَاقِعَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالْحُكْمِ الْخَارِجِيِّ مُخْتَصٌّ بِالْمَذْكُورِ بِمَعْنَى أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي السَّائِمَةِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فِي الْمَعْلُوفَةِ فَمَمْنُوعٌ؛ إذْ غَايَةُ الْأَمْرِ عَدَمُ الْحُكْمِ بِالْوُجُوبِ فِي الْمَعْلُوفَةِ وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهَا لِجَوَازِ أَنْ تَثْبُتَ نِسْبَتُهُ وَلَا يُحْكَمَ بِثُبُوتِهَا وَحَاصِلُهُ تَسْلِيمُ اخْتِصَاصِ النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ دُونَ الْخَارِجِيَّةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْإِخْبَارِ دُونَ الْإِنْشَاءِ إذْ لَيْسَ لِنَفْسِهِ مُتَعَلِّقٌ هُوَ الْخَارِجِيُّ إلَّا أَنْ يَئُولَ بِالْخَبَرِ أَوْ يُقَالَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَعَلِّقِ هَاهُنَا هُوَ طَرَفُ الْحُكْمِ كَالسَّائِمَةِ مَثَلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُتَعَلِّقَ الذِّكْرِ النَّفْسِيِّ هُوَ الطَّرَفَانِ لِيَصِحَّ فِي الْإِخْبَارِ وَالْإِنْشَاءِ جَمِيعًا.
الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِكِلَا تَقْرِيرَيْهِ كَمَا يَجْرِي هُنَا يَجْرِي فِي اللَّقَبِ بِأَنْ يُقَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَصْرِ لَكَانَ لِلِاشْتِرَاكِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ أَوْ يُقَالَ لَوْ لَمْ يُفِدْ الْحَصْرَ لَمْ يُفِدْ الِاخْتِصَاصُ وَأَنَّهُ يُفِيدُهُ قَطْعًا مَعَ أَنَّ اللَّقَبَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَهُوَ أَنَّهُ إذَا قِيلَ الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ فُضَلَاءُ وَلَا مُقْتَضَى لِتَخْصِيصِ الْحَنَفِيَّةِ بِالْفَضْلِ نَفَرَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَلَوْلَا فَهْمُهُمْ نَفْيَ الْفَضْلِ عَنْ غَيْرِهِمْ لَمَا نَفَرُوا.
وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَبِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ النَّفْرَةِ وَفَهْمِهِمْ نَفْيِ الْفَضْلِ عَنْ غَيْرِهِمْ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ النَّفْرَةُ إمَّا لِتَصْرِيحٍ بِغَيْرِهِمْ وَتَرْكِهِمْ عَلَى الِاحْتِمَالِ كَمَا يَنْفِرُ مِنْ التَّقْدِيرِ فِي الذِّكْرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ وَإِمَّا لِتَوَهُّمِ الْمُعْتَقِدِينَ لِإِفَادَةِ النَّفْيِ عَنْ الْغَيْرِ قَصْدَ تِلْكَ الْإِفَادَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إمَّا بِمَعْنَى أَنَّهُمْ نَفَرُوا عَنْ أَنْ تُذْكَرَ عِبَارَةٌ يَتَوَهَّمُ مِنْهَا بَعْضُ النَّاسِ نَفْيَ الْفَضْلِ عَنْهُمْ أَوْ بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْرَةَ إنَّمَا هُوَ لِلْمُعْتَقِدَيْنِ تِلْكَ الْإِفَادَةَ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِمْ وَأَنَّهُ تَوَهُّمٌ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ فَهُوَ أَنَّهُ ﷺ عَقِبَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قَالَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا قَدْحَ فِي رُوَاتِهِ «لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ فَهِمَ مِنْ الْآيَةِ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ حُكْمُهُ بِخِلَافِ السَّبْعِينَ وَذَلِكَ مَفْهُومُ الْعَدَدِ وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِهِ قَالَ بِمَفْهُومِ
стр. 287
الشَّرْعِ نِصْفَ الْقَامَةِ وَقْتًا لِهَؤُلَاءِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ الْقَامَةِ لَيْسَ وَقْتًا لَهُمْ كَذَلِكَ هَاهُنَا وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَحَجَرَ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَى الْمُخْتَارِينَ الْوُصُولَ إلَيْهِ وَحَدَّدَ لَهُمْ آخِرَ الْقَامَةِ فَإِذَا تَعَدَّوْا الْقَامَةَ كَانُوا مُؤَدِّينَ آثِمِينَ فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْمَغْرِبِ أَدَاءً إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ بِسَبَبِ أَنَّ أَرْبَابَ الْأَعْذَارِ يُدْرِكُونَ صَلَاتَيْ اللَّيْلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ لَا يَلْزَمُ أَرْبَابَ الْأَعْذَارِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يُدْرِكُونَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِدْرَاكِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَا يَلْزَمُ بِذَلِكَ صَلَاةُ النَّهَارِ الْمُتَقَدِّمِ بِسَبَبِ أَنَّ وَقْتَهُ خَرَجَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ.
فَإِذَا أَخَّرَ أَيْضًا الْمُكَلَّفُ الْمُخْتَارُ الْمَغْرِبَ أَوْ الْعِشَاءَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ كَانَ مُؤَدِّيًا آثِمًا أَمَّا أَدَاؤُهُ فَلِوُجُودِ الْأَدَاءِ فِي حَقِّهِ.
وَأَمَّا إثْمُهُ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّصَهُ بِقِطْعَةٍ مِنْ الْوَقْتِ فَتَعَدَّاهَا لِنَصِيبِ غَيْرِهِ مِنْهُ وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ الْإِشْكَالُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْإِثْمِ أَنْ لَوْ كَانَ حَدُّ الْأَدَاءِ إيقَاعَ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الِاخْتِيَارِيِّ لَهُ فَكَانَ حِينَئِذٍ إيقَاعُهُ فِي غَيْرِ الِاخْتِيَارِيِّ قَضَاءً لَكِنْ حَدُّ الْأَدَاءِ إيقَاعُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ مُطْلَقًا وَالْقَضَاءُ إيقَاعُهُ خَارِجَ وَقْتِهِ مُطْلَقًا وَلَمْ نَقُلْ إنَّهُ خَارِجَ وَقْتِهِ الِاخْتِيَارِيِّ وَكُتُبُ أُصُولِ الْفِقْهِ مُجْمِعَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَمُصَرِّحَةٌ بِهِ فَظَهَرَ إمْكَانُ اجْتِمَاعِ الْأَدَاءِ وَالْإِثْمِ فِي حَقِّ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْوَقْتِ وَعَدَمُ اجْتِمَاعِ الْإِثْمِ مَعَ الْأَدَاءِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الشَّرْعِ نِصْفَ الْقَامَةِ وَقْتًا لِهَؤُلَاءِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ الْقَامَةِ لَيْسَ وَقْتًا لَهُمْ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ جَعَلَ نِصْفَ الْقَامَةِ وَقْتًا لِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى نِصْفِهَا بَاطِلٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَإِنْ كَانَ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ فَهُوَ مَذْهَبٌ ذَاهِبٌ وَدَعْوَى لَا حُجَّةَ عَلَيْهَا أَلْبَتَّةَ وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّهُ أَوْ لَا، فَإِنْ وَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْقَعَ الصَّلَاةَ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْقَعَهَا فَقَدْ أَوْقَعَ الْوَاجِبَ وَفَازَ بِأَجْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْقَعَهَا فَلَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ فَلَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا بِوَجْهٍ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُوقِعَ الصَّلَاةَ فِي بَقِيَّةِ الْقَامَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ أَوْقَعَهَا فَقَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَمْ تَلْحَقْهُ مُؤَاخَذَةٌ وَلَمْ يُعَدَّ مُفَرِّطًا وَإِنْ لَمْ يُوقِعْهَا إلَّا بَعْدَ الْقَامَةِ فَهُوَ مُفَرِّطٌ أَثِمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهُ بِقِطْعَةٍ مِنْ الْوَقْتِ فَتَعَدَّاهَا لِنَصِيبِ غَيْرِهِ مِنْهُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ صَحِيحٌ عَلَى تَسْلِيمِ اصْطِلَاحِهِ وَتَصْحِيحِ حَدِّهِ بِخِلَافِ مَا نَظَرَ بِهِ وَمِنْ مَسْأَلَةِ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى تَمَامِ الْوَقْتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ تَحْدِيدَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ بِالْقَامَةِ ثَابِتٌ مِنْ الشَّرْعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتَحْدِيدَ الْوَقْتِ بِالظَّنِّ الْمَذْكُورِ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ الشَّرْعِ وَلَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَلَا قَطْعِيٍّ بِوَجْهٍ.
قَالَ (وَإِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ الْإِشْكَالُ إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الصِّفَةِ فَيَثْبُتُ مَفْهُومُ الصِّفَةِ.
وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَبِمَنْعِ فَهْمِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ السَّبْعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ وَمَا زَادَ عَلَى السَّبْعِينَ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ السَّبْعِينَ وَمَا فَوْقَهَا وَهُوَ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ عَدَمِ الْمَغْفِرَةِ فَلَا يَتَبَادَرُ مِنْ ذِكْرِ السَّبْعِينَ أَنَّ مَا فَوْقَهَا بِخِلَافِهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ «لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» فَلَعَلَّهُ مِنْ جِهَةِ عِلْمِهِ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ السَّبْعِينَ وَمَا فَوْقَهَا غَيْرُ مُرَادٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِخُصُوصِهِ لَا مِنْ جِهَةِ فَهْمِهِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَلَوْ سَلِمَ أَنَّهُ فَهِمَهُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْعَدَدِ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَصْلَ قَبُولُ اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﵊ وَقَدْ تَحَقَّقَ النَّفْيُ فِي السَّبْعِينَ فَبَقِيَ مَا فَوْقَهَا عَلَى الْأَصْلِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ فَهُوَ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَهِمَا مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] حَيْثُ قَيَّدَ قَصْرَ الصَّلَاةِ بِحَالِ الْخَوْفِ أَنَّ عَدَمَ قَصْرِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ «وَأَقَرَّ الرَّسُولُ ﵊ عُمَرَ عَلَيْهِ فَقَالَ يَعْلَى لِعُمَرَ مَا بَالُنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: ١٠١] إلَخْ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» إذْ لَوْلَا إفَادَةُ تَقْيِيدِ الْقَصْرِ بِالْخَوْفِ فِي الْآيَةِ لِعَدَمِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ لُغَةً مَا فَهِمَاهُ وَلَمَا أَقَرَّهُ الرَّسُولُ ﵊.
وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَبِمَنْعِ فَهْمِهَا مِنْهُ لِجَوَازِ أَنَّهُمَا حَكَمَا بِذَلِكَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي وُجُوبِ إتْمَامِ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ الْأَصْلُ وَخُولِفَ فِي الْخَوْفِ بِالْآيَةِ، وَلِذَا ذَكَرُوا الْآيَةَ عِنْدَ التَّعَجُّبِ يَعْنُونَ أَنَّ الْقَصْرَ حَالَ الْخَوْفِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْآيَةِ فَمَا بَالُ حَالِ الْأَمْنِ لَمْ يَبْقَ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ مِنْ الْإِتْمَامِ بِحَيْثُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ فِيهِ إلَّا لِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ الْفَهْمُ مِنْهُ فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ فِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مَفْهُومَ الشَّرْطِ لَا الصِّفَةِ وَلَعَلَّ الْغَرَضَ مِنْهُ إلْزَامُ مَنْ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الْخَامِسُ فَهُوَ أَنَّ إفَادَتَهُ لِتَخْصِيصٍ تُفْضِي إلَى تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ فَإِنَّ إثْبَاتَ الْمَذْكُورِ وَنَفْيَ غَيْرِهِ أَكْثَرُ فَائِدَةً مِنْ إثْبَاتِ الْمَذْكُورِ وَحْدَهُ وَكَثْرَةُ فَائِدَتِهِ تُرَجِّحُ الْمَصِيرَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُلَائِمٌ لِغَرَضِ الْعُقَلَاءِ وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا لَا يَلْزَمُ إلَّا الْقَائِلِينَ بِأَنَّ تَكْثِيرَ الْفَائِدَةِ دَالٌّ عَلَى الْوَضْعِ كَعَبَّادٍ الصَّيْمَرِيِّ وَالْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْوَضْعِ إنَّمَا هُوَ النَّقْلُ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي
стр. 288
الْوَقْتِ كَمَا يَجْتَمِعُ الْأَدَاءُ وَالْإِثْمُ فِيمَنْ أَخَّرَ إلَى آخِرِ الْقَامَةِ وَهُوَ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيقَاعِ الْفِعْلِ آخِرَ الْقَامَةِ فَقَدَرَ وَأَخَّرَ وَصَلَّى فَإِنَّهُ مُؤَدٍّ آثِمٌ وَيَجْتَمِعُ فِي حَقِّهِ الْأَدَاءُ عَلَى الْخِلَافِ وَالْإِثْمُ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اجْتِمَاعِهِمَا آخِرَ النَّهَارِ وَعِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ اجْتِمَاعُهُمَا وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ عَدَمُ اجْتِمَاعِهِمَا فَعَلَى هَذَا يَجْتَمِعُ الْإِثْمُ وَالْأَدَاءُ فِي حَقِّ فَرِيقَيْنِ مِنْ النَّاسِ أَحَدُهُمَا الْمُخْتَارُونَ الَّذِينَ لَا عُذْرَ لَهُمْ إذَا أَخَّرُوا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَ الْقَامَةِ وَمِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَوْ أَخَّرُوا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ إلَى بَعْدِ ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ هَلْ هُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُهُ وَهَلْ تُؤَخَّرُ الْمَغْرِبُ إلَى الشَّفَقِ أَمْ لَا وَثَانِيهِمَا الْفَرْقُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمْ عَدَمُ الْمُكْنَةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ فَيُؤَخِّرُونَ إلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُمْ آثِمُونَ مَعَ الْأَدَاءِ إذَا فَعَلُوا آخِرَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ فِي الْقَامَةِ لِلظُّهْرِ مَثَلًا وَنَحْوُهُ مِنْ الْأَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَتَحَرَّرَ بِهَذَا الْفَرْقِ زَوَالُ مَا اسْتَشْكَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْنَا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْإِثْمِ فَإِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِهِ فِي الْفَرِيقِ الثَّانِي فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ فِي الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ اجْتِمَاعُهُمَا وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ عَدَمُ اجْتِمَاعِهِمَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ الْإِشْكَالُ لَوْ كَانَ حَدُّ الْأَدَاءِ إيقَاعَ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الِاخْتِيَارِيِّ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ كُتُبَ الْأُصُولِ مُجْمِعَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَمُصَرِّحَةٌ بِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّهَا مُجْمِعَةٌ عَلَى إطْلَاقِ لَفْظِ أَنَّ الْإِجْزَاءَ فِعْلُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ هَكَذَا فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ كُتُبَ الْأُصُولِ مُصَرِّحَةٌ بِلَفْظِ الْإِطْلَاقِ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَثَلًا لِأَدَاءِ فِعْلِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ مُطْلَقًا أَوْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا أَعْرِفُ أَنِّي وَقَفْتُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيقَاعِ الْفِعْلِ آخِرَ الْقَامَةِ فَقَدْرَ تَمَكُّنِهِ وَصَلَّى مَدًّا آثِمٌ إجْمَاعًا غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ لِبَعْضِ النَّاسِ وَهُوَ بَاطِلٌ لَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِ.
قَالَ (فَعَلَى هَذَا يَجْتَمِعُ الْأَدَاءُ وَالْإِثْمُ فِي حَقِّ فَرِيقَيْنِ مِنْ النَّاسِ أَحَدُهُمَا الْمُخْتَارُونَ الَّذِينَ لَا عُذْرَ لَهُمْ إذَا أَخَّرُوا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَ الْقَامَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ إلَى آخِرِ قَوْلِهِ وَهَلْ تُؤَخَّرُ الْمَغْرِبُ إلَى الشَّفَقِ أَمْ لَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ الِاصْطِلَاحِ الْمُتَقَدِّمِ وَتَصْحِيحِ حَدِّهِ.
قَالَ (وَثَانِيهِمَا الْفَرِيقُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمْ عَدَمُ الْمُكْنَةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ فَيُؤَخِّرُونَ إلَى آخِرِهِ فَإِنَّهُمْ آثِمُونَ مَعَ الْأَدَاءِ إذَا فَعَلُوا آخِرَ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ فِي الْقَامَةِ لِلظُّهْرِ مَثَلًا وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ) قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
قَالَ (وَتَحَرَّرَ بِهَذَا الْفَرْقِ زَوَالُ مَا اسْتَشْكَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْنَا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْإِثْمِ فَإِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِهِ فِي الْفَرِيقِ الثَّانِي فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ فِي الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ) قُلْتُ يَلْزَمُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ لِمَنْ.
قَالَ بِهِ مِنْ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَحَلِّهِ وَعَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى النَّفْيِ عَنْ الْغَيْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْوَضْعِ تَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَى تَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ إذْ بِهِ تَثْبُتُ وَتَكْثِيرُ الْفَائِدَةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِدَلَالَتِهِ عَلَى النَّفْيِ عَلَى الْغَيْرِ وَذَلِكَ دَوْرٌ ظَاهِرٌ. نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ تَعَقُّلُ كَثْرَةِ الْفَائِدَةِ لَا حُصُولُهَا وَالْمَوْقُوفُ عَلَى الدَّلَالَةِ حُصُولُ كَثْرَةِ الْفَائِدَةِ لَا تَعَقُّلُهَا.
وَأَمَّا الْوَجْهُ السَّادِسُ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُخَالِفًا لِلْمَذْكُورِ فِي الْحُكْمِ فَفِي نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» يَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ السَّبْعُ مُطَهِّرَةً؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ إذَا حَصَلَتْ بِدُونِ السَّبْعِ فَلَا تَحْصُلُ بِالسَّبْعِ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَأَنَّهُ مُحَالٌ وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «خَمْسُ رَضَعَاتٍ يُحَرِّمْنَ» يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَمْسُ مُحَرِّمَةً؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَحْصُلُ بِدُونِ الْخَمْسِ فَلَا تَحْصُلُ بِالْخَمْسِ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَأَنَّهُ مُحَالٌ.
وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَبِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ دَلَالَةِ السَّبْعِ عَلَى نَفْيِ الطَّهَارَةِ فِيمَا دُونَهَا حُصُولُ الطَّهَارَةِ قَبْلَ السَّابِعَةِ وَلَا مِنْ عَدَمِ دَلَالَةِ الْخَمْسِ عَلَى نَفْيِ تَحْرِيمِ الْمُرْضِعَةِ حُصُولُ التَّحْرِيمِ قَبْلَ الْخَمْسِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ التَّحْرِيمُ وَأَنْ تَثْبُتَ النَّجَاسَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ.
أَمَّا فِي الرَّضَاعِ فَظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ، وَأَمَّا فِي الْإِنَاءِ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ الطَّهَارَةَ مَا لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ إلَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى التَّنَجُّسِ قَائِمٌ هُنَا بِوُجُودِ النَّجَسِ وَهُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ فَإِذَا لَمْ يَدُلَّ الْعَدَدُ عَلَى النَّفْيِ فِيمَا دُونَهُ بَقِيَ مَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ النَّجَاسَةِ وَعَدَمِ التَّحْرِيمِ حَتَّى يَظْهَرَ الدَّلِيلُ كَذَا فِي شَرْحِ الْعَضُدِ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَحَاشِيَةِ السَّعْدِ عَلَيْهِ وَلَا يَخْفَاك أَنَّ بُطْلَانَ الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ لَا يُنْتِجُهُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَفْهُومِ فِي غَيْرِ الْغَالِبِ لَا فِي الْغَالِبِ دَاعٍ إلَى الِاضْطِرَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْغَالِبِ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ الْأَصْلُ بِذَلِكَ فِي بَيَانِ سِرِّ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا غَيْرَ ذَلِكَ وَهُوَ مَا مَرَّ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ فِي جَوَابِهِ عَمَّا أَوْرَدَهُ مِنْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْغَالِبِ لَمَّا كَانَتْ فَائِدَتُهُ هِيَ التَّأْكِيدُ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لِغَلَبَتِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ يُفْهَمُ مِنْ النُّطْقِ بِلَفْظِهَا أَوَّلًا لَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلَى الْمَفْهُومِ ضَرُورَةَ أَنَّ فَائِدَةَ التَّأْكِيدِ فِيهِ ظَاهِرَةٌ وَالْمَفْهُومُ فَائِدَةٌ خَفِيَّةٌ؛ لِأَنَّ اسْتِفَادَتَهُ بِوَاسِطَةِ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَائِدَةٍ وَغَيْرُ
стр. 289
وَيَتَّضِحُ مَذْهَبُنَا اتِّضَاحًا جَيِّدًا وَأَنَّا لَمْ نُخَالِفْ قَاعِدَةً بَلْ مَشَيْنَا عَلَى الْقَوَاعِدِ وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ إشْكَالٌ لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُمْ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ فِي كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ فِيهَا وَلَيْسَ مُطْلَقًا عَلَى مَا زَعَمُوا بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْأَدَاءُ فِي كُتُبِهِمْ إيقَاعُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ وَالْقَضَاءُ إيقَاعُ الْعِبَادَةِ خَارِجَ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ أَصْلٌ لَكِنَّهُمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لَمْ يَصْنَعُوا ذَلِكَ.
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا قِيلَ بِهِ مِنْ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ) قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الصَّوْمِ وَلَوْ أَوْقَعَتْهُ حِينَئِذٍ وَعَلَى أَنَّهَا آثِمَةٌ إذَا فَعَلَتْ فَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ إنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ وَيَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَوُجُوبِهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الشَّافِعِيَّةِ وَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنَّهُ أَدَاءٌ أَمَّا إذَا قَالَ: إنَّهُ قَضَاءٌ فَلَا يَلْزَمُهُ.
قَالَ (وَيَتَّضِحُ مَذْهَبُنَا اتِّضَاحًا جَيِّدًا فَإِنَّا لَمْ نُخَالِفْ قَاعِدَةً بَلْ مَشَيْنَا عَلَى الْقَوَاعِدِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا قُرِّرَ.
قَالَ (وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ إشْكَالٌ لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُمْ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ فِي كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ بَاطِلًا فَإِنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ فِيهَا إلَى قَوْلِهِ لَكِنَّهُمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ لَمْ يَصْنَعُوا ذَلِكَ) قُلْتُ وَلَا صَنَعَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا عَلِمْتُ وَلَيْسَ بِنَكِيرٍ أَنْ يُطْلَقَ الْقَوْلُ وَالْمُرَادُ التَّقْيِيدُ وَغَايَتُهُ أَنْ تَقُولَ تَجَنُّبُ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ أَكِيدٌ.
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ إلَى قَوْلِهِ وَيَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَوُجُوبِهَا) قُلْتُ لَيْسَ مُرَادُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ أَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِإِيقَاعِ الصَّوْمِ فِي حَالِ الْحَيْضِ كَيْفَ وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ إنْ أَوْقَعَتْهُ وَعَلَى أَنَّهَا آثِمَةٌ بِذَلِكَ وَلَكِنْ مُرَادُهُمْ أَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِالتَّعْوِيضِ وَمِنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ الَّتِي هِيَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أَنَّ تَكْلِيفَهَا بِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ بَلْ فِي أَيَّامِ التَّعْوِيضِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُونَ زَمَنُ التَّكْلِيفِ غَيْرَ زَمَنِ إيقَاعِ الْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَلَوْ لَزِمَ ذَلِكَ لَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مُكَلَّفًا بِجُمْلَةِ عِبَادَةٍ مُتَرَتِّبَةِ الْأَجْزَاءِ بَلْ بِكُلِّ جُزْءٍ زَمَنَهُ وَذَلِكَ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ قَطْعًا وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ تَقْرِيرٌ أَنَّ زَمَنَ التَّكْلِيفِ يَكُونُ غَيْرَ زَمَنِ إيقَاعِ الْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فِي الْفَرْقِ الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ وَمِنْ لُزُومِ تَقَدُّمِ زَمَنِ التَّكْلِيفِ عَلَى زَمَنِ إيقَاعِ الْفِعْلِ فِي الْعِبَادَاتِ ذَوَاتِ الْأَجْزَاءِ الْمُتَرَتِّبَةِ ظَهَرَتْ صِحَّةُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِتَرَتُّبِ الْعِبَادَاتِ فِي الذِّمَمِ كَالدُّيُونِ وَظَهَرَ بُطْلَانُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
التَّخْصِيصِ بِالْحُكْمِ مُنْتَفٍ فَتَعَيَّنَ التَّخْصِيصُ بِخِلَافِ غَيْرِ الْغَالِبِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّقْيِيدِ بِهِ فَائِدَةٌ غَيْرُ التَّخْصِيصِ تَعَيَّنَ فِيهِ التَّخْصِيصُ وَمِنْ هُنَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ فَلَا تُسْقِطُهُ مُوَافَقَةُ الْغَالِبِ بَلْ قَالَ زَكَرِيَّا: لِلشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الرِّسَالَةِ كَلَامٌ آخَرُ يَنْدَفِعُ بِهِ أَيْضًا تَوْجِيهَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لِمَا نَفَاهُ مُخَالِفًا لِلشَّافِعِيِّ بِمَا ذَكَرَ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ لِتَخْصِيصِ الْمَنْطُوقِ فَائِدَةٌ غَيْرُ نَفْيِ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ إلَى الْمَفْهُومِ فَيَصِيرُ الْكَلَامُ مُجْمَلًا حَتَّى لَا يَقْضِيَ فِيهِ بِمُوَافَقَةٍ أَوْ مُخَالَفَةٍ اهـ فَافْهَمْ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ ضَعْفَ دَلِيلِ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهُ عَلَى أَنَّ وُجُوهَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْقَوْلِ بِإِنْكَارِ الْمَفْهُومِ مُطْلَقًا قَدْ ضَعُفَتْ أَيْضًا فَمَا وَجْهُ إبْطَالِ مُقَابِلِهِ دُونَهُ، أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْمَفْهُومُ لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا عَقْلِيٌّ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي مِثْلِهِ وَإِمَّا نَقْلِيٌّ إمَّا مُتَوَاتِرٌ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ فِيهِ وَإِمَّا آحَادٌ وَأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي مِثْلِهِ.
وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَيَمْنَعُ اشْتِرَاطَ التَّوَاتُرِ وَعَدَمَ إفَادَةِ الْآحَادِ فِي مِثْلِهِ وَإِلَّا امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِأَكْثَرِ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ لِعَدَمِ التَّوَاتُرِ فِي مُفْرَدَاتِهَا وَأَيْضًا فَإِنَّا نَقْطَعُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ كَانُوا يَكْتَفُونَ فِي فَهْمِ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ بِالْآحَادِ كَنَقْلِهِمْ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ وَالْخَلِيلِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَسِيبَوَيْهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْمَفْهُومُ لَلَزِمَ ثُبُوتُهُ فِي الْخَبَرِ لِأَنَّ الَّذِي بِهِ ثَبَتَ فِي الْأَمْرِ وَهُوَ الْحَذَرُ مِنْ عَدَمِ الْفَائِدَةِ قَائِمٌ فِي الْخَبَرِ وَالْعِلَّةُ تَدُورُ مَعَ الْمَعْلُولِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَاللَّازِمُ وَهُوَ ثُبُوتُهُ فِي الْخَبَرِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي الشَّامِ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ الْمَعْلُوفَةِ بِهَا وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ قَطْعًا.
وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَيَمْنَعُ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ لِقَوْلِ السَّعْدِ الْحَقُّ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ كَمَا فِي قَوْلِنَا الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ أَئِمَّةٌ فُضَلَاءُ وَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ عِنْدَ قَصْدِ الْإِخْبَارِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ وَنَفْيَ الْمَفْهُومِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ كَمَا فِي قَوْلِنَا فِي الشَّامِ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ لَا يُنَافِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقَوْلُ بِالْمَفْهُومِ لَلَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ مُجْتَمِعًا أَوْ أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ مُتَفَرِّقًا وَتَحَقَّقَ التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ فِي صُورَةِ الِاجْتِمَاعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بِالسَّائِمَةِ تَارَةً بِالْمَعْلُوفَةِ أُخْرَى أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ وِزَانَ قَوْلِك فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا وِزَانُ قَوْلِك فِي مَفْهُومِ
стр. 290
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا يُشِيرُونَ بِهَذِهِ التَّوْسِعَةِ إلَى عَدَمِ تَحَتُّمِ الصَّوْمِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ حَتَّى لَا يَجْتَمِعَ الْوُجُوبُ وَالْإِثْمُ فِي الْفِعْلِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ لَا يُمْنَعُ وَهَذِهِ تُمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهَا وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهَا بِوُجُوهٍ أَحَدُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَهِيَ شَهِدَتْ الشَّهْرَ فَيَلْزَمُهَا الصَّوْمُ لِعُمُومِ النَّصِّ وَثَانِيهَا أَنَّهَا تَنْوِي رَمَضَانَ وَلَوْلَا تَقَدُّمُ الْوُجُوبِ لَمَا كَانَ لِهَذَا الصَّوْمِ بِرَمَضَانَ تَعَلُّقٌ وَثَالِثُهَا أَنَّ الْقَضَاءَ يُقَدَّرُ بِقَدَرِ الْأَدَاءِ الْفَائِتِ فَأَشْبَهَ قِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ الْأَعْيَانِ الْمُتْلَفَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا الْقَضَاءُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَاجِبِ الَّذِي فَاتَ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ مُتَقَدِّمٌ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ يَقُومُ هَذَا الْقَضَاءُ مَقَامَهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ عُمُومَ النَّصِّ يَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِالدَّلِيلِ الضَّرُورِيِّ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْوَاجِبِ مَا لَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ وَهَذِهِ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْفِعْلِ وَلَمَّا كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ ذَلِكَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا بِالضَّرُورَةِ وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَوْجَبَ عَلَى مُكَلَّفٍ شَيْئًا وَيُعَاقِبُهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يُعَاقِبُهُ إذَا فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ.
وَهَذَا لَمْ يُعْهَدْ فِي الشَّرِيعَةِ أَصْلًا وَنَحْنُ وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ فَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَرِدْ بِهَذَا الْجَائِزِ بَلْ بِالرَّحْمَةِ وَتَرْكِ الْمَشَاقِّ وَالتَّيْسِيرِ وَالْإِحْسَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْلُومَ النَّفْيِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ فَيُتَخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الْآيَةِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ تَرَتُّبِهَا فِي الذِّمَمِ بِخِلَافِ الدُّيُونِ.
قَالَ (وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا يُشِيرُونَ بِهَذِهِ التَّوَسُّعَةِ إلَى عَدَمِ تَحَتُّمِ الصَّوْمِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ حَتَّى لَا يَجْتَمِعَ عَلَيْهَا الْوُجُوبُ وَالْإِثْمُ فِي الْفِعْلِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ لَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ وَهَذِهِ تُمْنَعُ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّهَا) قُلْتُ إنْ سَلَّمَ الْحَنَفِيَّةُ مَنْعَهَا مِنْ الصَّوْمِ فَكَيْفَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهَا وَذَلِكَ مُتَنَاقِضٌ إلَّا أَنْ يَعْنُوا بِذَلِكَ أَنَّ التَّعْوِيضَ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ مُوَسَّعُ الْوَقْتِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ أَمَّا أَنْ يَعْنُوا بِذَلِكَ التَّوْسِعَةَ فِي إيقَاعِ الصَّوْمِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ أَوْ غَيْرِهَا فَذَلِكَ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ.
قَالَ: (وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهَا بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَهِيَ شَهِدَتْ الشَّهْرَ فَيَلْزَمُهَا الصَّوْمُ لِعُمُومِ النَّصِّ، وَثَانِيهَا: أَنَّهَا تَنْوِي رَمَضَانَ وَلَوْلَا تَقَدُّمُ الْوُجُوبِ لَمَا كَانَ لِهَذَا الصَّوْمِ بِرَمَضَانَ تَعَلُّقٌ وَثَالِثُهَا أَنَّ الْقَضَاءَ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْأَدَاءِ الْفَائِتِ فَأَشْبَهَ قِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ الْأَعْيَانِ الْمُتْلَفَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا الْقَضَاءُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَاجِبِ الَّذِي فَاتَ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ مُتَقَدِّمٌ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ يَقُومُ هَذَا الْقَضَاءُ مَقَامَهُ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ عُمُومَ النَّصِّ يَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِالدَّلِيلِ الضَّرُورِيِّ فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْوَاجِبِ مَا لَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ وَهَذِهِ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْفِعْلِ إلَى قَوْلِهِ فَيُتَخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الْآيَةِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يَسْتَقِيمُ التَّمَسُّكُ بِهَا)
قُلْتُ إنْ أَرَادَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمُوَافَقَةِ لَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ وَاضْرِبْهُ فِي مُنَافَاةِ الْمَفْهُومِ لِلْمَنْطُوقِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ بِلَا شَكٍّ أَنْ يُقَالَ لَا تَقُلْ لَهُ أُفٌّ وَاضْرِبْهُ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ لَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ وَهُوَ حُرْمَةُ الضَّرْبِ يُنَاقِضُ مَنْطُوقَ اضْرِبْهُ وَهُوَ جَوَازُ الضَّرْبِ وَمَفْهُومُ اضْرِبْهُ وَهُوَ جَوَازُ أَنْ يُقَالَ لَهُ أُفٍّ يُنَاقِضُ مَنْطُوقَ لَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ وَهُوَ حُرْمَةُ أَنْ يُقَالَ لَهُ أُفٍّ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمَنْطُوقَيْنِ مَعَ الْمَفْهُومَيْنِ مُتَعَارِضَانِ وَالْمَنْطُوقُ أَقْوَى مِنْ الْمَفْهُومِ فَيَنْدَفِعُ الْمَفْهُومَانِ فَلَا يَبْقَى لِذِكْرِ الْقَيْدَيْنِ فَائِدَةٌ إذْ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ الْمَفْهُومَةِ وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ قَوْلِك أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ فَيَضِيعُ ذِكْرُ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ بِخُصُوصِهِمَا وَاللَّازِمُ أَعْنِي صِحَّةَ أَنْ يُقَالَ أَدِّ زَكَاةَ الْغَنَمِ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَيَمْنَعُ الْمُلَازَمَةَ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا أَنَّ دَلَالَةَ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ قَطْعِيَّةٌ وَدَلَالَةُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ ظَنِّيَّةٌ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِي الظَّوَاهِرِ مَعَ إمْكَانِ الصَّرْفِ عَنْ مَعَانِيهَا لِدَلِيلٍ وَدَفْعُ التَّنَاقُضِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْفَائِدَةَ فِي ذِكْرِ الْقَيْدَيْنِ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ عَدَمُ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْعَامِّ فَإِنَّ الْعَامَّ ظَاهِرٌ فِي تَنَاوُلِ الْخَاصِّينَ وَيُمْكِنُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْهُ تَخْصِيصًا لَهُ، إذَا ذَكَرَهُمَا بِالنُّصُوصِيَّةِ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْمَفْهُومُ لَلَزِمَ أَنْ لَا يَثْبُتَ خِلَافُهُ إذَا لَوْ ثَبَتَ خِلَافُهُ مَعَ ثُبُوتِهِ لَثَبَتَ التَّعَارُضُ بَيْنَ دَلِيلِ الْمَفْهُومِ وَدَلِيلِ خِلَافِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَارُضِ وَاللَّازِمُ أَعْنِيَ عَدَمَ ثُبُوتِ خِلَافِ الْمَفْهُومِ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ خِلَافَ الْمَفْهُومِ قَدْ ثَبَتَ فِي نَحْوِ ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] فَإِنَّ قَوْلَهُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً فِي مَعْنَى الْوَصْفِ وَمَفْهُومُهُ عَدَمُ النَّهْيِ عَنْ الْقَلِيلِ مِنْهُ وَقَدْ تَحَقَّقَ التَّحْرِيمُ فِي الْقَلِيلِ مَعَ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ كَمَا تَحَقَّقَ فِي الْكَثِيرِ لِتَحَقُّقِ الْوَصْفِ.
وَأَمَّا ضَعْفُهُ فَبِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا مَنْعُ الْمُلَازَمَةِ فِي أَصْلِ الدَّلِيلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْهُومُ حَقًّا وَثَبَتَ خِلَافُهُ أَحْيَانَا بِنَاءً عَلَى دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لَا يُعَارِضُهُ دَلِيلُ الْمَفْهُومِ لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا.
وَثَانِيهِمَا: مَنْعُ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ التَّعَارُضُ لِقِيَامِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَصْلَ الْبَرَاءَةُ وَيُخَالِفُهَا بِالدَّلِيلِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْعَضُدِ وَالسَّعْدِ بِزِيَادَةٍ مِنْ الْمَحَلِّيِّ وَالْعَطَّارِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 291
وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهَا إنَّمَا تَنْوِي رَمَضَانَ بِسَبَبِ أَنَّ هَذَا الصَّوْمَ لَيْسَ تَطَوُّعًا وَلَا وَاجِبًا ابْتِدَاءً وَلَا بِسَبَبٍ حَدَثَ الْآنَ وَلَا نَذْرًا وَلَا كَفَّارَةً بَلْ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ الصَّوْمِ غَيْرِ الْأَنْوَاعِ الْمَعْهُودَةِ فِي الشَّرِيعَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ تُمَيِّزُهُ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ وَلِتَمْيِيزِ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ وَسَبَبُ هَذَا الصَّوْمِ هُوَ التَّرْكُ فِي رَمَضَانَ فَأُضِيفَ لِسَبَبِهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ لَا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ تَقَدَّمَ بَلْ جَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ رُؤْيَةَ هِلَالِ رَمَضَانَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُخْتَارِينَ الَّذِينَ لَا مَانِعَ فِي حَقِّهِمْ وَسَبَبًا لِجَعْلِ تَرْكِ كُلِّ يَوْمٍ سَبَبًا لِوُجُوبِ فِعْلِ يَوْمٍ آخَرَ بَعْدَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بِقَوْلِهِ إنَّ حَقِيقَةَ الْوَاجِبِ مَا لَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِهِ أَلْبَتَّةَ وَإِنْ مُنِعَ عَلَى وَجْهٍ مَا فَذَلِكَ مُسَلَّمٌ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ فَإِنَّهَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ فَقَطْ وَإِنْ أَرَادَ مَا لَا يُمْنَعُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
قَالَ (وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهَا إنَّمَا نَوَتْ رَمَضَانَ بِسَبَبِ أَنَّ هَذَا الصَّوْمَ لَيْسَ تَطَوُّعًا وَلَا وَاجِبًا ابْتِدَاءً وَلَا بِسَبَبٍ حَدَثَ الْآنَ وَلَا نَذْرًا وَلَا كَفَّارَةً بَلْ هُوَ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ الصَّوْمِ غَيْرُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَعْهُودَةِ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ بِالْأَنْوَاعِ الْمَعْهُودَةِ الْأَنْوَاعَ الَّتِي سَمَّاهَا فَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ وَلَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الصَّوْمِ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الشَّرْعِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ صَوْمٌ مَعْهُودٌ فِي الشَّرْعِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِهِ.
قَالَ (فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ تُمَيِّزُهُ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ وَلِتَمْيِيزِ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ) قُلْتُ لَمْ تُشْرَعْ النِّيَّاتُ لِذَلِكَ وَلَكِنْ شُرِعَتْ لِلتَّقَرُّبِ بِالْعِبَادَاتِ لِمَنْ أُمِرَ بِالْعِبَادَاتِ وَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَمِنْ لَازِمِ التَّقَرُّبِ بِهَا لِلْمَعْبُودِ الْوَاجِبِ الطَّاعَةِ أَنْ يُتَقَرَّبَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ وَلِلسَّبَبِ الَّذِي نَصَبَ فَالتَّمْيِيزُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِشَرْعِ النِّيَّاتِ بَلْ هُوَ لَازِمٌ لِمَا شُرِعَتْ لَهُ النِّيَّاتُ.
قَالَ (وَسَبَبُ هَذَا الصَّوْمِ هُوَ التَّرْكُ فِي رَمَضَانَ فَأُضِيفَ لِسَبَبِهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ لَا لِأَنَّ الْوُجُوبَ تَقَدَّمَ) قُلْتُ وَلِمَ كَانَ تَرْكُهَا لِلصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ سَبَبًا فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ فِي غَيْرِهِ بِنِيَّةِ التَّعْوِيضِ مِنْهُ وَكَيْفَ يَجِبُ التَّعْوِيضُ مِنْ غَيْرِ وَاجِبٍ هَذَا مِمَّا لَا خَفَاءَ بِبُطْلَانِهِ بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهَا فِي رَمَضَانَ لَكِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا فِعْلُ هَذَا الْوَاجِبِ تَعَذُّرًا شَرْعِيًّا وَحُكْمُ الْعُذْرِ الشَّرْعِيِّ كَحُكْمِ الْعُذْرِ الْحِسِّيِّ أَمَّا الْحِسِّيُّ فَكَالنَّوْمِ الْمُسْتَغْرِقِ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الشَّرْعِيُّ فَكَمُزَاحَمَةِ وَاجِبٍ تَفُوتُ مَصْلَحَتُهُ إنْ أُخِّرَ كَمَا فِي إنْقَاذِ غَرِيقٍ يَسْتَغْرِقُ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَكِلَا الْمُكَلَّفَيْنِ بِذَلِكَ يَقْضِيَانِ بَعْدَ الْوَقْتِ وَقَدْ كَانَ الْوُجُوبُ تَعَلَّقَ بِهِمَا عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَاسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِمَا إلَى حِينِ الْقَضَاءِ وَلَيْسَ يُشْكِلُ وُجُوبُ وَاجِبٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي وَقْتٍ يَمْتَنِعُ إيقَاعُهُ فِيهِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَرَى تَرَتُّبَ الْعِبَادَاتِ فِي الذِّمَمِ كَالدُّيُونِ وَإِنَّمَا يُشْكِلُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالدُّيُونِ.
قَالَ (بَلْ جَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُخْتَارِينَ الَّذِينَ لَا مَانِعَ فِي حَقِّهِمْ وَسَبَبًا لِجَعْلِ تَرْكِ كُلِّ يَوْمٍ سَبَبًا لِوُجُوبِ فِعْلِ يَوْمٍ آخَرَ بَعْدَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ وَهُوَ مَعْرِفَةٌ بِاللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ وَهُوَ نَكِرَةٌ)
اعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمُبْتَدَأِ مِنْ حَيْثُ قَصْدُ الْإِخْبَارِ بِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ لَفْظُهُ أَعَمَّ مِنْ الْمُبْتَدَأِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ بِشَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا أَنَّ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ هُوَ بِعَيْنِهِ الْخَبَرُ فَمَعْنَى قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ مَا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِنْسَانُ الْخَاصُّ هُوَ الْحَيَوَانُ الْعَامُّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَإِلَّا لَتَضَمَّنَ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ حِمَارٌ وَثَوْرٌ وَكَلْبٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْحَيَوَانِ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ الْإِنْسَانُ نَاطِقٌ وَقَوْلِهِ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ مِنْ حَيْثُ الْقَصْدُ بِالْخَبَرِ وَإِنَّمَا بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ لَفْظَ النَّاطِقِ يَخْتَصُّ بِالْإِنْسَانِ لِوَضْعِهِ لِمَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ وَلَفْظُ الْحَيَوَانِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ لِوَضْعِهِ لِمَا هُوَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ فَيَصْدُقُ فِي غَيْرِ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى غَيْرِ الْإِنْسَانِ.
وَأَمَّا فِي هَذَا الْقَوْلِ فَلَا يَصِحُّ أَلْبَتَّةَ أَنْ يُرَادَ بِهِ إلَّا الْإِنْسَانَ لَا غَيْرُهُ وَلَا هُوَ وَغَيْرُهُ وَأَنَّ الْحَصْرَ حَصْرَانِ حَصْرٌ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّقِيضِ فَقَطْ وَحَصْرٌ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّقِيضِ وَالضِّدِّ وَالْخِلَافُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ الْوَصْفَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْأَوَّلُ حَاصِلٌ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ لِكُلِّ مُبْتَدَأٍ فِي خَبَرِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَبَرُهُ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ ضَرُورَةَ أَنَّ انْتِفَاءَ نَقِيضِهِ لَازِمٌ لِثُبُوتِهِ لِلْمُبْتَدَأِ فَنَحْوُ قَوْلِكَ زَيْدٌ قَائِمٌ مُخْبِرًا عَنْ ثُبُوتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ يَلْزَمُهُ عَقْلًا انْتِفَاءُ عَدَمِ الْقِيَامِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ صَرِيحًا وَالثَّانِي حَاصِلٌ صَرِيحًا يَدُلُّ عَلَيْهِ خُصُوصُ الْخَبَرِ الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ بِمُقْتَضَى اسْتِقْرَارِ تَرَاكِيبِ الْبُلَغَاءِ فَهَذَا الْحَصْرُ الثَّانِي وَهُوَ مُرَادُ مَنْ فَرَّقَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ قَوْلِنَا زَيْدٌ قَائِمٌ وَبَيْنَ قَوْلِنَا زَيْدٌ الْقَائِمُ بِجَعْلِهِ الثَّانِيَ لِلْحَصْرِ دُونَ الْأَوَّلِ فَزَيْدٌ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ لَا اللَّفْظِ مُنْحَصِرًا فِي مَفْهُومِ قَائِمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَى نَقِيضِهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ زَيْدٌ قَائِمًا دَائِمًا لَا فِي الْمَاضِي وَلَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الِاسْتِقْبَالِ ضَرُورَةَ أَنَّ لَفْظَ قَائِمٍ مُطْلَقٌ فِي الْقِيَامِ.
فَقَوْلُنَا زَيْدٌ قَائِمٌ مُوجَبَةٌ جُزْئِيَّةٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَنَقِيضُهُ إنَّمَا هُوَ السَّالِبَةُ الدَّائِمَةُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِي مَفْهُومِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَى ضِدِّهِ أَوْ خِلَافِهِ أَيْضًا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الِاتِّصَافِ بِالنَّقِيضِ عَدَمُ الِاتِّصَافِ بِالضِّدِّ وَالْخِلَافِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ كَوْنِهِ قَائِمًا جَالِسًا فِي وَقْتٍ
стр. 292
رَمَضَانَ فَرُؤْيَةُ الْهِلَالِ سَبَبٌ لِسَبَبِيَّةِ تَرْكِ الصَّوْمِ وَنَصْبُ التَّرْكِ سَبَبًا لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِيقَاعِ فِيهِ بَلْ لَوْ صَرَّحَ الشَّارِعُ هَكَذَا.
وَقَالَ جَعَلْتُ تَرْكَ رَمَضَانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ مِثْلِهِ خَارِجَ رَمَضَانِ وَلَا يَجِبُ الْفِعْلُ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَنَاقِضًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ إذَا تُرِكَ إخْرَاجُ قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي زَمَنِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ يَكُونُ ذَلِكَ التَّرْكُ سَبَبًا لِوُجُوبِ دَفْعِ الْقِيَمِ بَعْدَ زَوَالِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ وَيُكَلَّفُونَ ح بِالْغَرَامَاتِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي ذِمَمِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِمْ وُجُوبٌ قَبْلَ ذَلِكَ وَصَارَ التَّرْكُ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ كَذَلِكَ هَاهُنَا جُعِلَ التَّرْكُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ فِي زَمَانِ التَّرْكِ وَيُضَافُ هَذَا الصَّوْمُ لِذَلِكَ التَّرْكِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا تُضَافُ الْقِيمَةُ لِلْإِتْلَافِ فِي زَمَانِ الصِّبَا أَوْ الْجُنُونِ لِيَتَمَيَّزَ هَذَا الْمَالُ الْمَدْفُوعُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْوَاجِبَاتِ وَمِنْ النَّفَقَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
رَمَضَانَ فَرُؤْيَةُ الْهِلَالِ سَبَبٌ لِسَبَبِيَّةِ تَرْكِ الْيَوْمِ وَنَصْبُ التَّرْكِ سَبَبًا لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِيقَاعِ فِيهِ) قُلْتُ إيقَاعُ صَوْمِهَا فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ مُسَلَّمٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ وَجَعْلُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ سَبَبًا لِسَبَبِيَّةِ التَّرْكِ دَعْوَى، وَقَوْلُهُ إنَّ نَصْبَ التَّرْكِ سَبَبًا لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِيقَاعِ فِي الْيَوْمِ الْمَتْرُوكِ دَعْوَى أَيْضًا وَبِالْجُمْلَةِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذِهِ الدَّعَاوَى الَّتِي لَا حُجَّةَ عَلَيْهَا.
قَالَ (بَلْ لَوْ صَرَّحَ الشَّارِعُ هَكَذَا وَقَالَ جَعَلْتُ تَرْكَ رَمَضَانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ مِثْلِهِ خَارِجَ رَمَضَانَ وَلَا يَجِبُ الْفِعْلُ فِي رَمَضَانَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَنَاقِضًا أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ إذَا تُرِكَ إخْرَاجُ قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي زَمَنِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ يَكُونُ ذَلِكَ التَّرْكُ سَبَبًا لِوُجُوبِ دَفْعِ الْقِيَمِ بِعُذْرِ زَوَالِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ وَيُكَلَّفُونَ ح بِالْغَرَامَاتِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي ذِمَمِهِمْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِمْ وُجُوبٌ قَبْلَ ذَلِكَ وَصَارَ التَّرْكُ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ كَذَلِكَ هَاهُنَا جُعِلَ التَّرْكُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ فِي زَمَنِ التَّرْكِ وَيُضَافُ هَذَا الصَّوْمُ لِذَلِكَ التَّرْكِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا تُضَافُ الْقِيَمُ لِلْإِتْلَافِ فِي زَمَنِ الصِّبَا أَوْ الْجُنُونِ لِيَتَمَيَّزَ هَذَا الْمَالُ الْمَدْفُوعُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْوَاجِبَاتِ مِنْ النَّفَقَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الدَّفْعِ) قُلْتُ إضَافَةُ وُجُوبِ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ إلَى تَرْكِهِ فِي رَمَضَانَ مُشْعِرٌ بِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُكَلَّفَةِ بِذَلِكَ فِي رَمَضَانَ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِتِلْكَ الْإِضَافَةِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ إنَّمَا تَرَكَتْ غَيْرَ وَاجِبٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَهَلْ عُهِدَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ تَرْكَ غَيْرِ الْوَاجِبِ يَكُونُ سَبَبًا فِي الْوُجُوبِ وَمَا سَبَبُ هَذَا الِارْتِبَاكِ الْمُوجِبِ لِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ الْوَاضِحِ الضَّعْفِ إلَّا الْغَفْلَةُ عَنْ تَقَرُّرِ الْعِبَادَاتِ فِي الذِّمَمِ عِنْدَ وُجُودِ أَسْبَابِهَا كَالدُّيُونِ وَالْغَرَامَاتِ أَوْ التَّغَافُلِ عَنْ ذَلِكَ وَالصَّبِيُّ وَالْحَائِضُ وَإِنْ كَانَ حَالُهُمَا مُسْتَوِيًا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَا تُكَلَّفُ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ رَمَضَانُ بِإِيقَاعِ الصَّوْمِ فِيهِ وَالصَّبِيُّ أَيْضًا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
آخَرَ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ مِنْ الْأَضْدَادِ وَحَيًّا وَفَقِيهًا وَعَابِدًا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ مِنْ خِلَافِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ.
وَأَمَّا زَيْدٌ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي فَكَمَا أَنَّهُ مُنْحَصِرٌ فِي مَفْهُومِ الْقَائِمِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَى نَقِيضِهِ كَذَلِكَ وَهُوَ مُنْحَصِرٌ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَى ضِدِّهِ أَوْ خِلَافِهِ أَيْضًا وَيُوَضِّحُ لَك هَذَا مَسْأَلَةً وَهِيَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﵊ فِي الصَّلَاةِ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» عَلَى انْحِصَارِ سَبَبِ تَحْرِيمِهَا أَيْ الدُّخُولِ فِي حُرُمَاتِهَا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْرُمُ فِيهَا فِي التَّكْبِيرِ وَانْحِصَارِ سَبَبِ تَحْلِيلِهَا أَيْ حِلِّهَا بِإِبَاحَةِ جَمِيعِ مَا حُرِّمَ بِهَا فِي التَّسْلِيمِ فَلَا يَدْخُلُ فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ حُرُمَاتِهَا إلَى حِلِّهَا إلَّا بِالتَّسْلِيمِ فَالتَّكْبِيرُ فِي قَوْلِهِ ﷺ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ خَبَرٌ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ اقْتَضَى حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ تَحْرِيمُهَا فِيهِ فَيَكُونُ مَفْهُومُهُ أَنَّ تَحْرِيمَهَا لَا يَثْبُتُ مَعَ نَقِيضِهِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّكْبِيرِ وَلَا مَعَ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الْهَزْلُ وَاللَّعِبُ وَالنَّوْمُ وَالْجُنُونُ وَلَا مَعَ خِلَافِهِ الَّذِي هُوَ الْخُشُوعُ وَالتَّعْظِيمُ بِحَيْثُ إذَا فَعَلَ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَضْدَادِ وَالْخِلَافَاتِ وَلَمْ يَفْعَلْ التَّكْبِيرَ لَمْ يَدْخُلْ فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ.
وَكَذَا التَّسْلِيمُ فِي قَوْلِهِ ﷺ «تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» خَبَرٌ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ اقْتَضَى حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ تَحْلِيلُهَا فِيهِ فَيَكُونُ مَفْهُومُهُ أَنَّ تَحْلِيلَهَا لَا يَثْبُتُ مَعَ نَقِيضِهِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّسْلِيمِ وَلَا مَعَ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ النَّوْمُ وَالْإِغْمَاءُ وَلَا مَعَ خِلَافِهِ الَّذِي هُوَ الْحَدَثُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ بِحَيْثُ إذَا فَعَلَ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَضْدَادِ وَالْخِلَافَاتِ وَلَمْ يَفْعَلْ التَّسْلِيمَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ إلَى حِلِّهَا أَيْ إبَاحَةِ جَمِيعِ مَا حَرُمَ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا عَلَى وَجْهِ بُطْلَانِهَا كَيْفَ كَانَ فَلَا سَبَبَ لَهُ إلَّا السَّلَامُ الْمَشْرُوعُ الْمَأْذُونُ فِيهِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ أَمَّا سَهْوُ السَّلَامِ وَعَمْدُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَرِدْ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ «تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» لَا سِيَّمَا وَلَفْظُ السَّلَامِ خَبَرٌ مَعْنَاهُ الدُّعَاءُ بِالسَّلَامَةِ وَالدُّعَاءُ لَا يَقْدَحُ فِي الصَّلَاةِ لَا سَهْوًا وَلَا عَمْدًا أَمَّا نَقُولُ بِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مُخْرِجٌ مِنْهَا مُطْلَقًا وَمُحْوِجٌ لِتَكْبِيرَةِ
стр. 293
الْأَمْوَالِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي الدَّفْعِ وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا قُدِّرَ بِقَدْرِ الْمَتْرُوكِ مِنْ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ جَعَلَ تَرْكَ كُلِّ يَوْمٍ سَبَبًا لِوُجُوبِ صَوْمِ يَوْمٍ بَعْدَ رَمَضَانَ كَمَا قُدِّرَتْ قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِزَوَالِ الْجُنُونِ بِحَسَبِ قَدْرِ الْمُتْلَفَاتِ مَعَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِي زَمَانِ الصِّبَا وَالْجُنُونِ، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ شَيْءٌ مِنْ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ رُتَبِ الْوَاجِبِ أَنْ يُؤْذَنَ فِي فِعْلِهِ وَهَذَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا فِي فِعْلِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ فَهُوَ فِي بَادِي الرَّأْيِ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ مَحْذُورٌ لِعَدَمِ التَّضْيِيقِ وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ يَبْطُلُ مَا قَالُوهُ بِسَبَبِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ مِنْ شَرْطِهِ إمْكَانُ وُقُوعِهِ فِي أَوَّلِ أَزْمِنَةِ التَّوْسِعَةِ وَهَذِهِ مَمْنُوعَةٌ إجْمَاعًا إلَى زَمَنِ الطُّهْرِ فِي جَمِيعِ زَمَنِ الْحَيْضِ فَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّهَا أَنَّهُ وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ.
وَلَوْ صَحَّ مَا قَالُوهُ لَصَحَّ أَنْ يُقَالَ إنَّ الظُّهْرَ يَجِبُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا فَإِنَّهَا تُفْعَلُ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا تَفْعَلُ فِي الصَّوْمِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ رَمَضَانَ يَجِبُ مِنْ رَجَبٍ وُجُوبًا مُوَسَّعًا وَيُفْعَلُ بَعْدَ انْسِلَاخِ شَعْبَانَ كَمَا يُفْعَلُ الصَّوْمُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ وَلَكِنْ هَذَا كُلُّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَصِحُّ مَا قَالُوهُ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَيَتَّضِحُ حِينَئِذٍ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَبَيْنَ صَوْمِ الْحَائِضِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي أَوَّلِ أَزْمِنَةِ التَّوْسِعَةِ وَهَذِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
لَا يُطْلَبُ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْإِتْلَافُ بِإِيقَاعِ الْغَرَامَةِ يَوْمَ الْإِتْلَافِ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّبِيَّ خَالٍ عَنْ شَرْطِ التَّكْلِيفِ بِخِلَافِهَا فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهَا إنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِاعْتِبَارِ اتِّصَافِهَا بِشَرْطِ التَّكْلِيفِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنَّهُ مُكَلَّفٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ وَيَصِحُّ فِيهِمَا مَعًا أَنْ يُقَالَ تَرَتُّبُ الْعِوَضِ فِي ذِمَّتِهِمَا يَوْمَ وُجُودِ السَّبَبِ وَالْمُوجِبُ لِصِحَّةِ الْقَوْلِ بِتَرَتُّبِ الْعِوَضِ فِي ذِمَّتِهِمَا وَصِحَّةِ الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِهَا دُونَهُ أَنَّ لَفْظَ التَّكْلِيفِ وَلَفْظَ التَّرْتِيبِ فِي الذِّمَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ اخْتِلَافُ عِبَارَاتٍ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارَاتٍ وَالِاعْتِبَارَاتُ أُمُورٌ وَضْعِيَّةٌ تَتْبَعُ الْمَقَاصِدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا قُدِّرَ بِقَدْرِ الْمَتْرُوكِ مِنْ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ جَعَلَ تَرْكَ يَوْمٍ سَبَبًا لِوُجُوبِ صَوْمِ يَوْمٍ بَعْدَ رَمَضَانَ إلَى قَوْلِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا فِيهِ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ أَنَّهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا إيقَاعُ الصَّوْمِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَقَدْ حَكَى هُوَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّ الْوُجُوبَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهَا عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَهُوَ رَمَضَانُ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ لُزُومِ تَقَرُّرِ الْعِبَادَاتِ فِي الذِّمَمِ بِدَلِيلِ أَوَائِلِ إجْزَاءِ الْعِبَادَاتِ ذَوَاتِ الْأَجْزَاءِ الْمُرَتَّبَةِ مَعَ أَوَاخِرِ أَجْزَائِهَا فَإِنَّهُ لَا قَائِلَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا تَوَجَّهَ عَلَى الْمُكَلَّفِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَاتِ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا دُونَ سَائِرِ أَجْزَائِهَا ثُمَّ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ تَوَجَّهَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ بِالْجُزْءِ الثَّانِي ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى آخِرِ الْأَجْزَاءِ.
قَالَ (وَأَمَّا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ فَهُوَ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ مَحْذُورٌ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْإِحْرَامِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ مُشْكِلٌ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ فِي أَثْنَائِهَا سَهْوًا فِي كَوْنِهِ لَا يُبْطِلُهَا وَلَا يُحْوِجُ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلدُّخُولِ فِيهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ نَافِعٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالسَّلَامُ فِي أَثْنَائِهَا قَدْ يَقَعُ مَعَ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَدْ لَا يَقَعُ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ وَلَيْسَتْ النِّيَّةُ إذَا وَقَعَتْ بِرَفْضٍ حَتَّى يُقَالَ إنَّ رَفْضَ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي إبْطَالَهَا فَلِذَلِكَ أَحْوَجَ لِلتَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّ مَنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ سَلَامِهِ أَثْنَاءَهَا لَمْ يَقْصِدْ إبْطَالَهَا بَلْ إنَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ صَلَاتَهُ كَمُلَتْ فَأَتَى بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ وَهَذَا لَيْسَ رَفْضًا وَكَوْنُ جِنْسِ السَّلَامِ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ إجْمَاعًا فَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الْفَرْدِ بَقِيَّةُ صُوَرِهِ بِالْقِيَاسِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ بِلَا جَامِعٍ ضَرُورَةَ أَنَّ السَّلَامَ دُعَاءٌ وَالدُّعَاءُ لَا يُنَافِي الصَّلَاةَ فَلَمْ يَكُنْ جَعْلُهُ مُخْرِجًا مِنْ الصَّلَاةِ بِمَعْقُولِ الْمَعْنَى حَتَّى يَتَأَتَّى الْقِيَاسُ عَلَيْهِ.
وَالْقِيَاسُ بِلَا جَامِعٍ لَا يَصِحُّ وَكَوْنُ عَدَمِ الصِّحَّةِ إنَّمَا هِيَ فِي قِيَاسِ الْمَعْنَى وَهَذَا قِيَاسُ الشَّبَهِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ ضَعِيفٌ، وَقَدْ مَنَعَ الْقَاضِي شَيْخُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مُعَارَضٌ بِالْمُقْتَضَى لِإِكْمَالِ الصَّلَاةِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا وَفِي آخِرِ الصَّلَاةِ هُوَ سَالِمٌ عَنْ هَذِهِ الْمُعَارَضَةِ فَافْتَرَقَا وَلَا قِيَاسَ مَعَ الْفَارِقِ وَكَوْنُ اللَّامِ فِي السَّلَامِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» لِلْعُمُومِ فَيَشْمَلُ السَّلَامَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ قَرِينَةَ السِّيَاقِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّامَ هَا هُنَا إنَّمَا أُرِيدَ بِهَا حَقِيقَةُ الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ إلَى الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ مَعَهُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» مِنْ الطَّهُورِ وَالتَّكْبِيرِ الْمُحَلَّيَيْنِ بِاللَّامِ إنَّمَا أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَرْدُ الْمُقَارِنُ لِأَوَّلِ الصَّلَاةِ فَقَطْ فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا بِفَرْدِ التَّكْبِيرِ الَّذِي فِي أَثْنَائِهَا فَكَذَلِكَ بِحَمْلِ السَّلَامِ عَلَى فَرْدِهِ الْمُقَارِنِ لِآخِرِ الصَّلَاةِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قُرِنَ مَعَهُ وَلِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ لِلذِّهْنِ، وَلَوْ كَانَ السَّلَامُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ يُخْرِجُ مِنْ حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ وَيُحْوِجُ لِلتَّكْبِيرِ لَبَطَلَ مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ وَابْتُدِئَتْ مِنْ أَوَّلِهَا، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ فِي السَّهْوِ أَلْبَتَّةَ فَلَمَّا لَمْ تَعُدْ الصَّلَاةُ مِنْ أَوَّلِهَا كَانَ الْمُصَلِّي فِي حُرُمَاتِ الصَّلَاةِ قَالَ الْأَصْلُ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا أَجِدُ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أَنَّ السَّلَامَ سَهْوًا مُحْوِجٌ لِلتَّكْبِيرِ إلَّا مُشْكِلًا وَالْمُتَّجَهُ
стр. 294
لَا يُمْكِنُ أَنْ تَفْعَلَ فِي أَوَّلِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَلَا يَكُونُ زَمَنُ الْحَيْضِ مِنْ أَزْمِنَةِ التَّوْسِعَةِ لَهَا فَإِنْ أَرَادُوا بِأَنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبًا مُوَسَّعًا إنَّهُ يَجِبُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ فَقَطْ فَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَا يُصَرِّحُونَ بِالْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَيَقُولُونَ إنَّ هَذَا مَذْهَبٌ يَخْتَصُّونَ بِهِ فَظَهَرَ الْحَقُّ وَاتَّضَحَ الْفَرْقُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ الْكُلِّيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْكُلِّيِّ الْوَاجِبِ فِيهِ وَبِهِ وَعَلَيْهِ وَعِنْدَهُ وَمِنْهُ وَمِثْلُهُ وَإِلَيْهِ) فَهَذِهِ عَشْرُ قَوَاعِدَ فِي الْكُلِّيِّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ خَاصَّةً وَهِيَ عَشْرُ قَوَاعِدَ كُلُّهَا يَتَعَلَّقُ فِيهَا الْوُجُوبُ بِالْكُلِّيِّ دُونَ الْجُزْئِيِّ وَهِيَ مُتَبَايِنَةُ الْحَقَائِقِ مُخْتَلِفَةُ الْمُثُلِ وَالْأَحْكَامِ فَأَذْكُرُ كُلَّ قَاعِدَةٍ عَلَى حِيَالِهَا لِيَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا.
اعْلَمْ أَنَّ خِطَابَ الشَّرْعِ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ كَوُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلَى خُصُوصِ الْكَعْبَةِ الْحَرَامِ وَالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ الْمُعَيَّنِ وَالتَّصْدِيقِ بِالرِّسَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ كَالْقُرْآنِ وَقَدْ لَا يُعَيَّنُ مُتَعَلِّقُ التَّكْلِيفِ بَلْ يَجْعَلُهُ دَائِرًا بَيْنَ أَفْرَادِ جِنْسٍ وَيَكُونُ مُتَعَلِّقُ الْخِطَابِ هُوَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْجِنْسِ دُونَ خُصُوصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَفْرَادِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْفَرْقِ وَهُوَ الْمُنْقَسِمُ إلَى عَشْرَةِ أَجْنَاسٍ كَمَا يَأْتِي إنْ بَيَانَهُ شَاءَ اللَّهُ .
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: الْوَاجِبُ الْكُلِّيُّ هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ وَحَيْثُ قِيلَ بِهِ فَالْوَاجِبُ هُوَ أَحَدُ الْخِصَالِ وَهُوَ مَفْهُومٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا لِصِدْقِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالصَّادِقُ عَلَى أَشْيَاءَ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ الْكُلِّيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْكُلِّيِّ الْوَاجِبِ فِيهِ وَبِهِ وَعَلَيْهِ وَعِنْدَهُ وَمِنْهُ وَعَنْهُ وَمِثْلُهُ وَإِلَيْهِ إلَى آخَرِ قَوْلِهِ فَاذْكُرْ كُلَّ قَاعِدَةٍ عَلَى حِيَالِهَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي هَذِهِ الْقَوَاعِدِ يَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّيِّ لَا بِالْجُزْئِيِّ إنْ أَرَادَ ظَاهِرَ لَفْظِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَكَيْفَ يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ بِالْكُلِّيِّ وَهُوَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّيِّ أَيْ بِإِيقَاعِ مَا فِيهِ الْكُلِّيُّ بِمَعْنَى مَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْكُلِّيِّ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَعْيِينِ مَا وَقَعَ بِهِ التَّكْلِيفُ فَذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ (اعْلَمْ أَنَّ خِطَابَ الشَّرْعِ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ كَوُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلَى خُصُوصِ الْكَعْبَةِ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الْمُنْقَسِمُ إلَى عَشَرَةِ أَجْنَاسٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) قُلْتُ قَوْلُهُ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْفَصْلِ قَدْ لَا يُعَيَّنُ مُتَعَلَّقُ التَّكْلِيفِ بَلْ يَجْعَلُهُ دَائِرًا بَيْنَ أَفْرَادِ جِنْسٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْكُلِّيِّ أَنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ بَلْ مِنْ حَيْثُ يَكُونُ الْفِعْلُ الْمُوقَعُ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ.
قَالَ (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الْوَاجِبُ الْكُلِّيُّ هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ إلَى قَوْلِهِ وَالصَّادِقُ عَلَى أَشْيَاءَ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهَا) قُلْتُ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ تَعَلُّقَ التَّكْلِيفِ بِالْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ تَعَلَّقَ بِإِيقَاعِ شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ الْكُلِّيُّ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ اهـ هَذَا حَاصِلُ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ هُنَا.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْلِ إنَّ قَوْلَهُ ﷺ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَقَدْ رُوِيَ بِرَفْعِ الذَّكَاةِ الثَّانِيَةِ وَبِهَا تَمَسَّكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمْ بِاسْتِغْنَاءِ الْجَنِينِ عَنْ الذَّكَاةِ وَأَنَّهُ يُؤْكَلُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَقْتَضِي حَصْرَ ذَكَاتِهِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ بِمَعْنَى أَنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ تُبِيحُهُ فَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الذَّكَاةِ الَّتِي هِيَ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّبْحِ الْخَاصِّ فِي حَلْقِهِ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ مُلَابَسَةٌ تُصَحِّحُ أَنْ تَكُونَ ذَكَاةُ أُمِّهِ هِيَ عَيْنَ ذَكَاتِهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ إضَافَةَ الْمَصَادِرِ مُخَالِفَةٌ لِإِسْنَادِ الْأَفْعَالِ فِي أَنَّهُ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً أَدْنَى مُلَابَسَةٍ كَقَوْلِنَا: صَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ بِخِلَافِ إسْنَادِ الْأَفْعَالِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً مُرَاعَاةُ الْفَاعِلِ الْحَقِيقِيِّ لَا مُطْلَقُ مُلَابِسٍ.
وَرُوِيَ بِنَصْبِ الذَّكَاةِ الثَّانِيَةِ وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ تَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلِهِمْ بِاحْتِيَاجِ الْجَنِينِ لِلذَّكَاةِ وَأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ أَنْ يُذَكَّى ذَكَاةً مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ فَأُعْرِبَ كَإِعْرَابِهِ عَلَى قَاعِدَةِ حَذْفِ الْمُضَافِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ ذَكَاةَ الْجَنِينِ دَاخِلَةً فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ فَحَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ فَانْتَصَبَتْ الذَّكَاةُ عَلَى أَنَّهَا مَفْعُولٌ عَلَى حَدِّ دَخَلْت الدَّارَ بَلْ هَذَا التَّقْدِيرُ أَرْجَحُ مِمَّا قَدَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قِلَّةُ الْحَذْفِ.
وَثَانِيهِمَا: الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَدَفْعُ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا اهـ.
فَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْحَصْرَ وَاسْتَغْنَى الْجَنِينُ عَنْ الذَّكَاةِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَمَا قَالَهُ مِنْ تَرْجِيحِ التَّقْدِيرِ عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِقِلَّةِ الْحَذْفِ وَإِنْ سَلِمَ إلَّا أَنَّهُ يَضْعُفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَسَاقِ الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ ذَكَاةِ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ كَمَا أَنَّ التَّقْدِيرَ عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِنْ ضَعُفَ بِكَثْرَةِ الْحَذْفِ إلَّا أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَى مَسَاقِ الْكَلَامِ، وَمَا قَالَهُ مِنْ تَرْجِيحِ التَّقْدِيرِ عَلَى مَا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِالْجَمْعِ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ عَلَى مَا لِلْحَنَفِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ مُتَّجَهٌ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا وَالشَّأْنُ إنَّمَا هُوَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَمْعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَبَسْطُهُ يَطُولُ اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْلِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ يَقْتَضِي حَصْرَ الشُّفْعَةِ فِي الَّذِي هُوَ قَابِلٌ لِلْقِسْمَةِ وَلَمْ يُقْسَمْ بَعْدُ وَالتَّقْدِيرُ الشُّفْعَةُ
стр. 295
وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ مُتَعَلِّقُ خَمْسَةِ أَحْكَامٍ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: الْوُجُوبُ فَلَا وُجُوبَ إلَّا فِيهِ وَالْخُصُوصَاتُ الَّتِي هِيَ الْعِتْقُ وَالْكِسْوَةُ وَالْإِطْعَامُ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَالْمُشْتَرَكُ هُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ فَلَمْ يُخَيِّرْ اللَّهُ الْمُكَلَّفَ بَيْنَ فِعْلِ أَحَدِهَا وَبَيْنَ تَرْكِ هَذَا الْمَفْهُومِ، فَإِنَّ تَرْكَ هَذَا الْمَفْهُومِ إنَّمَا هُوَ بِتَرْكِ جَمِيعِهَا وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بَلْ مَفْهُومُ أَحَدِهَا الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا مُتَعَيِّنٌ لِلْفِعْلِ مُتَحَتِّمُ الْإِيقَاعِ فَالْمُشْتَرَكُ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ وَالْخُصُوصَاتُ مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ وَلَا وُجُوبَ فِيهَا فَالْوَاجِبُ وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ مُخَيَّرٌ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إيجَابِ الْحُكْمِ الثَّانِي الْمُتَعَلِّقِ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الثَّوَابُ عَلَى تَقْدِيرِ الْفِعْلِ فَإِذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ أَوْ بَعْضَهُ لَا يُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ إلَّا عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَمَا وَقَعَ مَعَهُ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ النَّدْبِ أَوْ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَا يَخْتَارُهُ إنْ اخْتَارَ أَفْضَلَهَا حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ النَّدْبِ عَلَى ذَلِكَ الْخُصُوصِ.
وَإِنْ اخْتَارَ أَدْنَاهَا إنْ كَانَ بَيْنَهَا تَفَاوُتٌ أَوْ إحْدَاهَا وَلَيْسَ بَيْنَهَا تَفَاوُتٌ فَلَا ثَوَابَ فِي الْخُصُوصِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
لَا بِالْكُلِّيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ.
قَالَ (وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ مُتَعَلِّقُ خَمْسَةِ أَحْكَامٍ إلَى قَوْلِهِ فَالْوَاجِبُ وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ مُخَيَّرٌ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ) قُلْتُ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ قَوْلِهِ بَلْ مَفْهُومُ أَحَدِهَا الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ عِنْدَهُ هُوَ الْكُلِّيُّ وَاحِدُ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ هُوَ الْمُشْتَرَكُ الَّذِي هُوَ الْكُلِّيُّ لِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ بَلْ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ وَاحِدٌ مِنْهَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ الْآحَادِ الصَّادِقِ عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمُشْتَرَكُ وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي مَوَاضِعَ غَيْرِ هَذَا.
قَالَ (الْحُكْمُ الثَّانِي الْمُتَعَلِّقُ بِهَذَا الْمُشْتَرَكِ الثَّوَابُ عَلَى تَقْدِيرِ الْفِعْلِ فَإِذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ أَوْ بَعْضَهُ لَا يُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ إلَّا عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَمَا وَقَعَ مَعَهُ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ النَّدْبِ أَوْ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُثَابُ إلَّا عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الثَّوَابَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي وَقَعَ مِنْ الْمُكَلَّفِ وَهَذَا لَمْ يُوقِعْ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ إيقَاعُهُ وَإِنَّمَا أَوْقَعَ مَا كُلِّفَ أَنْ يُوقِعَهُ وَيَصِحُّ مِنْهُ إيقَاعُهُ وَهُوَ فَرْدٌ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُشْتَرَكِ وَتَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ عَلَى الْإِبْهَامِ وَلَكِنْ الْوُجُودُ عَيَّنَهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْوُجُودُ إلَّا فِي الْمُعَيَّنِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَا أَوْقَعَهُ مَعَ ذَلِكَ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ النَّدْبِ أَوْ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ فَإِنَّهُ دَعْوَى لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا بِحُجَّةٍ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يُثَابُ عَلَى الزَّائِدِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ اسْتِظْهَارًا وَتَأْكِيدًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ فَإِنْ اتَّفَقَ أَنْ يَفْعَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْقَصْدِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُثَابَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ لِذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ لِوَجْهٍ مَشْرُوعٍ وَمَا لَمْ يُفْعَلْ لِوَجْهٍ مَشْرُوعٍ فَلَا دَلِيلَ عَلَى ثُبُوتِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ.
قَالَ (وَبِحَسَبِ مَا يَخْتَارُهُ إنْ اخْتَارَ أَفْضَلَهَا حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ النَّدْبِ عَلَى ذَلِكَ الْخُصُوصِ وَإِنْ اخْتَارَ أَدْنَاهَا إنْ كَانَ بَيْنَهَا تَفَاوُتٌ أَوْ إحْدَاهَا وَلَيْسَ بَيْنَهَا تَفَاوُتٌ فَلَا ثَوَابَ فِي الْخُصُوصِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ إنَّمَا يُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ لَا ثَوَابَ النَّدْبِ بَعْدَ اخْتِيَارِ أَفْضَلِهَا أَوْ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مُسْتَحَقَّةٌ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» يَقْتَضِي حَصْرَ الْأَعْمَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي النِّيَّاتِ وَالتَّقْدِيرُ الْأَعْمَالُ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّيَّاتِ فَكَمَا أَنَّ الْعَمَلَ لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَذَلِكَ طَلَبُ الشُّفْعَةِ لَا يُعْتَبَرُ شَرْعًا فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ اهـ.
فَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ هُوَ دَعْوَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَمِثْلُهُ فِي كَوْنِهِ دَعْوَى لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا بِحُجَّةٍ قَوْلُهُ إنَّ الْحَجَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] بِتَقْدِيرِ زَمَانِ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ يَقْتَضِي حَصْرَ وَقْتِ الْحَجِّ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ وَهِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَفِي كَوْنِهِ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ فَلَا يُحْرِمُ بِالْحَجِّ قَبْلَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْفَضِيلَةِ فَيَصِحُّ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ إذَا وَقَعَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ قَوْلَانِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ: إنَّ مِثْلَ قَوْلِنَا السَّفَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْحَصْرُ لِلسَّفَرِ فِي هَذَا الظَّرْفِ وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا فِي كَوْنِهِ دَعْوَى قَوْلُ الْغَزَالِيِّ إذَا قُلْت: صَدِيقِي زَيْدٌ أَوْ زَيْدٌ صَدِيقِي اقْتَضَى الْأَوَّلُ حَصْرَ أَصْدِقَائِك فِي زَيْدٍ فَلَا تُصَادِقْ أَنْتَ غَيْرَهُ وَهُوَ يَجُوزُ أَنْ يُصَادِقَ غَيْرَك وَالثَّانِي حَصْرُ زَيْدٍ فِي صَدَاقَتِك فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَادِقَ غَيْرَك وَأَنْتَ يَجُوزُ أَنْ تُصَادِقَ غَيْرَهُ عَلَى عَكْسِ الْأَوَّلِ وَمِثْلُهُ فِي كَوْنِهِ دَعْوَى أَيْضًا قَوْلُ الْفَخْرِ الرَّازِيّ فِي كِتَابِهِ الْإِعْجَازُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ قَدْ تَرِدُ لِحَصْرِ الثَّانِي فِي الْأَوَّلِ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ الْحَصْرِ مِنْ كَوْنِ الْأَوَّلِ أَبَدًا مُنْحَصِرًا فِي الثَّانِي كَقَوْلِك زَيْدٌ الْقَائِمُ تُرِيدُ لَا قَائِمَ إلَّا زَيْدٌ بِحَصْرِ وَصْفِ الْقِيَامِ فِي زَيْدٍ، وَقَوْلُك أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُرِيدُ أَنَّ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ ﵇ مُنْحَصِرَةٌ فِي أَبِي بَكْرٍ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ زَيْدٌ النَّاقِلُ لِهَذَا الْخَبَرِ وَالْمُتَسَبِّبُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ اهـ كَلَامُ ابْنِ الشَّاطِّ.
قُلْتُ: وَلَا يَخْفَاك أَنَّ فِي اخْتِيَارِهِ حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي خَبَرِهِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ الْفَخْرِ بِعَكْسِهِ فِي نَحْوِ زَيْدٌ الْقَائِمُ أَوْ النَّاقِلُ لِهَذَا الْخَبَرِ أَوْ الْمُتَسَبِّبُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ دَعْوَى لَا حُجَّةَ لَهَا وَإِنَّ الْمُسْنَدَ النَّكِرَةَ لَا يَقْتَضِي لُغَةً الْحَصْرَ أَلْبَتَّةَ وَلَوْ عُرِّفَ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ بِاللَّامِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي عَقْلًا حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِيهِ دُونَ نَقِيضِهِ مُخَالَفَةً لِمَا قَالَهُ عُلَمَاءُ الْمَعَانِي فِي مَبْحَثِ الْقَصْرِ مِمَّا حَاصِلُهُ كَمَا فِي الدُّسُوقِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ السَّعْدِ وَابْنِ يَعْقُوبَ عَلَى التَّلْخِيصِ أَنَّ التَّعْرِيفَ فَاللَّامُ الْجِنْسِ إنْ كَانَ الْمُسْنَدَ إلَيْهِ فَهُوَ الْمَقْصُورُ عَلَى الْمُسْنَدِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْنَدُ مَعْرِفَةً نَحْوُ الْأَمِيرُ زَيْدٌ أَوْ نَكِرَةً نَحْوُ
стр. 296
أَمَّا ثَوَابُ الْوُجُوبِ فَلَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُشْتَرَكِ خَاصَّةً فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ وَمُتَعَلِّقَ ثَوَابِهِ يَجِبُ أَنْ يَتَّحِدَا أَمَّا إنَّهُ يَجِبُ شَيْءٌ وَيُفْعَلُ وَيُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا الْحُكْمُ الثَّالِثُ الْعِقَابُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا فَإِذَا تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ الْجَمِيعَ وَتَرْكُهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَ الْبَعْضَ وَفَعَلَ الْبَعْضَ فَقَدْ فَعَلَ الْمُشْتَرَكَ وَهُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا؛ لِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنِ فَيَسْتَحِقُّ حِينَئِذٍ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ إذَا تَرَكَهُ تَرَكَ الْجَمِيعَ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ وَمُتَعَلِّقُ الثَّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ الْفِعْلِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
أَدْنَاهَا وَلَكِنْ يَكُونُ ثَوَابُ أَفْضَلِهَا ثَوَابَ وَاجِبٍ أَفْضَلَ وَثَوَابُ أَدْنَاهَا ثَوَابَ وَاجِبٍ أَدْوَنَ وَلَا وَجْهَ لِدُخُولِ النَّدْبِ هُنَا وَقَوْلُهُ فَلَا ثَوَابَ فِي الْخُصُوصِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الثَّوَابَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَا أَوْقَعَ وَلَمْ يُوقِعْ إلَّا الْخُصُوصَ.
قَالَ (أَمَّا ثَوَابُ الْوُجُوبِ فَلَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُشْتَرَكِ خَاصَّةً فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ وَمُتَعَلِّقَ ثَوَابِهِ يَجِبُ أَنْ يَتَّحِدَا أَمَّا أَنَّهُ يَجِبُ شَيْءٌ وَيَفْعَلُ وَيُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا مِنْ أَنَّ ثَوَابَ الْوُجُوبِ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُشْتَرَكِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَمَا قَالَهُ مِنْ لُزُومِ تَوَارُدِ الْوُجُوبِ وَثَوَابِهِ عَلَى شَيْءٍ مُتَّحِدٍ صَحِيحٌ لَكِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي أَوْقَعَهُ وَلَيْسَ هُوَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ وَلَا تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ بِفَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ وَالْإِيقَاعُ إفَادَةُ التَّعْيِينِ.
قَالَ (الْحُكْمُ الثَّالِثُ الْعِقَابُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا) قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ مِرَارًا أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ لَيْسَ مَفْهُومَ أَحَدِهَا.
قَالَ (فَإِذَا تَرَكَهُ فَقَدْ تَرَكَ الْجَمِيعَ وَتَرْكُهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ فَإِنَّهُ إذَا تَرَكَ الْبَعْضَ وَفَعَلَ الْبَعْضَ فَقَدْ فَعَلَ الْمُشْتَرَكَ وَهُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا؛ لِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنِ فَيَسْتَحِقُّ حِينَئِذٍ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ إذَا تَرَكَهُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ وَمُتَعَلِّقُ الثَّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ الْفِعْلِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْبَعْضَ فَقَدْ فَعَلَ الْمُشْتَرَكَ إنَّمَا يَعْنِي فِعْلَ مَا فِيهِ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ لَا الْكُلِّيُّ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ مَفْهُومُ أَحَدِهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَأَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْنِي مَا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ أَوْ يَحْوِيهِ الْمُشْتَرَكُ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَلَا وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ حِينَئِذٍ عَلَى تَرْكِهِ إذَا تَرَكَهُ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ وَمُتَعَلِّقُ الثَّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ الْفِعْلِ لَيْسَ كَمَا.
قَالَ فَإِنَّ مُتَعَلِّقَ الثَّوَابِ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فِعْلُ إحْدَى الْخِصَالِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا وَمُتَعَلِّقُ الْعِقَابِ تَرْكُ جَمِيعِهَا فَلَيْسَ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ هُوَ بِعَيْنِهِ مُتَعَلِّقَ الثَّوَابِ وَمُتَعَلِّقَ الْعِقَابِ مَعًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ هُوَ مُتَعَلِّقُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى الْجُمْلَةِ فَلِذَلِكَ وَجْهٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ أَيْ لَا عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ لِلْمُسْنَدِ فَهُوَ الْمَقْصُورُ عَلَى الْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَهَلْ وَلَوْ عُرِّفَ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ أَيْضًا نَحْوُ الْكَرْمُ التَّقْوَى وَبِهِ صَرَّحَ السَّعْدُ فِي الْمُطَوَّلِ أَوْ إنْ عُرِّفَ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ بِهَا أَيْضًا احْتَمَلَ قَصْرَهُ عَلَى الْمُسْنَدِ أَوْ قَصْرَ الْمُسْنَدِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ حِينَئِذٍ قَصْرُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِغْرَاقِ وَشُمُولِ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ وَذَلِكَ أَنْسَبُ بِالْمُسْنَدِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِيهِ إلَى الذَّاتِ وَفِي الْمُسْنَدِ إلَى الصِّفَةِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ السَّيِّدُ أَوْ إنْ عُرِّفَ الْمُسْنَدُ إلَيْهِ بِهَا أَيْضًا فَالْأَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْهُمَا سَوَاءٌ قُدِّمَ وَجُعِلَ مُبْتَدَأً أَوْ أُخِّرَ وَجُعِلَ خَبَرًا يُقْصَرُ عَلَى الْأَخَصِّ نَحْوُ الْعُلَمَاءُ النَّاسُ أَوْ النَّاسُ الْعُلَمَاءُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ فَبِحَسَبِ الْقَرَائِنِ فَفِي نَحْوِ الْعُلَمَاءُ الْخَاشِعُونَ تَارَةً يُقْصَدُ قَصْرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْخَاشِعِينَ وَتَارَةً يُقْصَدُ عَكْسُهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ فَالْأَظْهَرُ قَصْرُ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ وَمَعْنَى تَصَوُّرِ الْعُمُومِ فِي الْقَصْرِ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ مَفْهُومًا وَإِنْ تَسَاوَيَا مَا صَدَقَا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَبْدُ الْحَكِيمِ أَقُولُ: وَالْجِنْسُ فِي الْخَبَرِ قَدْ يَبْقَى عَلَى إطْلَاقِهِ وَقَدْ يُقَيَّدُ بِوَصْفٍ أَوْ حَالٍ أَوْ ظَرْفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ نَحْوُ هُوَ الرَّجُلُ الْكَرِيمُ وَهُوَ السَّائِرُ رَاكِبًا وَهُوَ الْأَمِيرُ فِي الْبَلَدِ وَهُوَ الْوَاهِبُ أَلْفَ قِنْطَارٍ وَكَوْنُ التَّعْرِيفِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ وَإِنْ عُلِمَ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَتَصَفُّحِ تَرَاكِيبِ الْبُلَغَاءِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَعْرِيفَ الْخَبَرِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ فِي قَوْلِ الْخَنْسَاءِ فِي مَرْثِيَةِ أَخِيهَا صَخْرٍ:
إذَا قَبُحَ الْبُكَاءُ عَلَى قَتِيلٍ ... رَأَيْتُ بُكَاءَكَ الْحَسَنَ الْجَمِيلَا
لَمْ يَكُنْ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ بُكَاءَكَ هُوَ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ فَقَطْ دُونَ بُكَاءِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ كَمَا تُوُهِّمَ بَلْ إنَّمَا هُوَ لِإِفَادَةِ الْإِشَارَةِ إلَى مَعْلُومِيَّةِ الْحَسَنِ لِذَلِكَ ادِّعَاءً وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ لَا يُلَائِمُهُ إذَا قَبُحَ الْبُكَاءُ عَلَى قَتِيلٍ لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ الْكَلَامَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْبُكَاءَ عَلَى هَذَا الْمَرْثِيِّ قَبِيحٌ كَغَيْرِهِ وَالرَّدُّ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَوَهَّمِ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ إخْرَاجِ بُكَائِهِ مِنْ الْقُبْحِ إلَى كَوْنِهِ حَسَنًا وَيُتَصَوَّرُ فِي تَعْرِيفِ كُلٍّ مِنْ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ وَالْمُسْنَدِ كُلٌّ مِنْ قَصْرِ الْأَفْرَادِ وَقَصْرِ الْقَلْبِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي تَعْرِيفِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَاللَّامُ الْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ قَصْرُ الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا فِيهِ عُمُومٌ كَالْجِنْسِ فَيُحْصَرُ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ وَلَا عُمُومَ فِي الْمَفْهُومِ الْخَارِجِيِّ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ قَصْرُ الْقَلْبِ فَيُقَالُ لِمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْمُنْطَلِقَ الْمَعْهُودَ هُوَ عَمْرٌو الْمُنْطَلِقُ
стр. 297
وَلَا وَجْهَ لِمَنْ قَالَ إنَّهُ إذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ أُثِيبَ ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى أَكْثَرِهَا ثَوَابًا وَإِذَا تَرَكَ الْجَمِيعَ عُوقِبَ عَلَى تَرْكِ أَدْوَنِهَا عِقَابًا فَإِنَّ أَكْثَرَهَا ثَوَابًا لَوْ أُثِيبَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ لَكَانَ هُوَ الْوَاجِبَ وَلَتَعَيَّنَ الْوَاجِبُ وَلَمْ يَكُنْ الْوَاجِبُ أَحَدَهَا لَا بِعَيْنِهِ فَكَانَ يُبْطِلُ مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَالتَّقْدِيرُ ثُبُوتُهُ.
وَأَمَّا أَدْوَنُهَا عِقَابًا فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِنَا إنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَلَكِنْ تَشْخِيصُهُ فِي خَصْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَهُ فَيُقَالُ هَذَا أَقَلُّهَا عِقَابًا لَهُ وَهِيَ مُتَعَلِّقُ الْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ يَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ بِعَيْنِهَا مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ فَيَبْطُلُ مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَالتَّقْدِيرُ ثُبُوتُهُ هَذَا خَلْفٌ بَلْ التَّصْرِيحُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِي ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَلَا وَجْهَ لِمَنْ قَالَ إنَّهُ إذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ أُثِيبَ ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى أَكْثَرِهَا ثَوَابًا وَإِذَا تَرَكَ الْجَمِيعَ عُوقِبَ عَلَى تَرْكِ أَدْوَنِهَا عِقَابًا)
قُلْتُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بَلْ لِقَوْلِ قَائِلِ ذَلِكَ وَجْهٌ ثَبَتَ تَقْدِيرُهُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ سَعَةِ بَابِ الثَّوَابِ بِدَلِيلِ تَضْعِيفِ الْحَسَنَاتِ وَضِيقِ الْعِقَابِ بِدَلِيلِ عَدَمِ تَضْعِيفِ السَّيِّئَاتِ فَالثَّوَابُ عَنْ الْأَكْثَرِ ثَوَابًا وَالْعِقَابُ عَلَى الْأَدْوَنِ عِقَابًا مُنَاسِبٌ لِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ.
قَالَ (فَإِنَّ أَكْثَرَهَا ثَوَابًا لَوْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ لَكَانَ هُوَ الْوَاجِبَ وَلَتَعَيَّنَ الْوَاجِبُ وَلَمْ يَكُنْ الْوَاجِبُ أَحَدَهَا لَا بِعَيْنِهِ فَكَانَ يُبْطِلُ مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَالتَّقْدِيرُ ثُبُوتُهُ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَلَتَعَيَّنَ الْوَاجِبُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ فَذَلِكَ مَمْنُوعٌ وَكَيْفَ يَتَعَيَّنُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ وَقَدْ فُرِضَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ هَذَا مَا لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ وَإِنْ أَرَادَ وَلَتَعَيَّنَ الْوَاجِبُ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ فَذَلِكَ مُسَلَّمٌ وَلَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّ الْوُجُودَ يَسْتَلْزِمُ التَّعْيِينَ بِخِلَافِ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوبَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ وَالْوُجُودُ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ أَمْرَانِ حَقِيقَانِ لَا يَتَرَتَّبَانِ إلَّا عَلَى الْأَمْرِ الْحَقِيقِيِّ فَهُمَا يَسْتَلْزِمَانِ مَا يَتَرَتَّبَانِ عَلَيْهِ وَتَعْيِينَهُ وَإِنَّمَا أَوْقَعَ شِهَابُ الدِّينِ فِي هَذَا الْإِشْكَالِ ذَهَابُ وَهْمِهِ إلَى أَنَّ التَّعْيِينَ فِي الْوُجُودِ يَسْتَلْزِمُ التَّعْيِينَ فِي الْوُجُوبِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنْته آنِفًا.
قَالَ (وَأَمَّا أَدْوَنُهَا عِقَابًا فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِنَا إنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنْ الْمُشْتَرَكِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ إنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى أَدْوَنِهَا عِقَابًا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ إنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنْ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ الَّذِي هُوَ الْكُلِّيُّ لَا يَلْحَقُهُ وَصْفُ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَلَا مَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ الْأَوْصَافِ.
قَالَ (وَلَكِنْ تَشْخِيصُهُ فِي خَصْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَهُ فَيُقَالُ هَذِهِ أَقَلُّهَا عِقَابًا وَهِيَ مُتَعَلِّقُ الْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ يَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ بِعَيْنِهَا مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ فَيَبْطُلُ مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَالتَّقْدِيرُ ثُبُوتُهُ هَذَا خُلْفٌ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ تَشْخِيصَهُ خَصْلَةً يُقَالُ إنَّهَا أَقَلُّهَا عِقَابًا يَقْتَضِي أَنَّهَا بِعَيْنِهَا مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ لَا يَقْتَضِي تَشْخِيصَهَا ذَلِكَ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ.
قَالَ (بَلْ التَّصْرِيحُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِي ذَلِكَ هُوَ الصَّوَابُ) قُلْتُ لَيْسَ مَا صَوَّبَهُ بِصَوَابٍ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
زَيْدٌ أَيْ لَا عَمْرٌو كَمَا تَعْتَقِدُ وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ.
وَقَدْ نَظَمْتُ هَذَا الْحَاصِلَ مُذَيِّلًا لِبَيْتَيْ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْأُجْهُورِيِّ بِقَوْلِي:
مُبْتَدَأٌ فَاللَّامُ جِنْسٍ عُرِّفَا ... مُنْحَصِرٌ فِي مُخْبَرٍ بِهِ وَفَا
وَإِنْ خَلَا عَنْهَا وَعُرِّفَ الْخَبَرْ ... بِاللَّامِ مُطْلَقًا فَبِالْعَكْسِ اسْتَقَرْ
كَذَا إذَا مَا عُرِّفَ الْجُزْءَانِ ... بِاللَّامِ عِنْدَ السَّعْدِ ذِي الْإِتْقَانِ
وَالسَّيِّدِ بِأَنَّ ذَا يَحْتَمِلُ ... أَيْضًا لِحَصْرِ الْمُبْتَدَأِ بَلْ أَكْمَلُ
وَالثَّالِثُ الْأَعَمُّ مِنْهُمَا بِنَصِّ ... حِينَئِذٍ يُحْصَرُ دَوْمًا مَا فِي الْأَخَصِّ
وَإِنْ أَتَى عُمُومُهُ وَجْهِيًّا ... حِيلَ عَلَى قَرَائِنَ مَلِيًّا
وَحَيْثُ لَا قَرَائِنَ فَالْأَظْهَرُ ... مُبْتَدَأٌ فِي خَبَرٍ يَنْحَصِرُ
وَكُلُّ أَقْسَامِ الْحَصْرِ قَدْ أَتَتْ ... فِيمَا فَاللَّامُ الْجِنْسِ حَصْرُهُ ثَبَتْ
وَقَدْ أَتَى مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ ... لِغَيْرِ حَصْرٍ فَافْهَمْ كَلَامِي
وَمَا فَاللَّامُ الْعَهْدِ خَارِجًا فَلَا ... حَصْرَ لِإِفْرَادٍ بِهِ تَحَصَّلَا
وَقَدْ مَرَّ عَنْ السَّعْدِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى عَضُدِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْحَقَّ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ كَمَا فِي قَوْلِنَا الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ أَئِمَّةً فُضَلَاءَ وَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ عِنْدَ قَصْدِ الْإِخْبَارِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ وَنَفْيُهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ كَمَا فِي قَوْلِنَا فِي الشَّامِ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ لَا يُنَافِي ذَلِكَ. اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّرْبِينِيُّ فِي تَقْرِيرَاتِهِ عَلَى حَوَاشِي مَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ كَوْنِ مَدْلُولِ الْخَبَرِ الْإِيقَاعُ وَالِانْتِزَاعُ أَوْ الْوُقُوعُ وَاللَّا وُقُوعُ لَفْظِيٌّ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ مِنْ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ مَدْلُولَهُ الْإِيقَاعُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْوُقُوعِ وَالْقَائِلُ بِأَنَّ مَدْلُولَهُ الْوُقُوعُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْإِيقَاعِ وَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْمَوْضُوعَ لَهُ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ أَوْ الْخَارِجِيَّةُ بَلْ وَلَوْ بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ أَعْنِي الْحُكْمَ بِالنِّسْبَةِ قُلْنَا أَنْ نَقُولَ هُوَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِفَادَةِ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ الَّذِي هُوَ النِّسْبَةُ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ أَوْ اللَّا وُقُوعِ إذْ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ الْمُتَكَلِّمُ وَلِهَذَا جَزَمَ السَّعْدُ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَوْضُوعُ لَهُ هَذَا وَغَيْرُ خَافٍ عَلَيْكَ أَنَّ طَرِيقَ حُجَّةِ الْمَفْهُومِ سَوَاءٌ فِي الْإِنْشَاءِ وَالْخَبَرِ هُوَ أَنَّهُ الْمَفْهُومُ لُغَةً اهـ.
وَمَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ الْفَخْرِ جَارٍ عَلَى هَذَا الَّذِي قَالَهُ عُلَمَاءُ الْمَعَانِي فَكَيْفَ يَكُونُ دَعْوَى لَا حُجَّةَ لَهَا وَإِنَّمَا
стр. 298
الْحُكْمُ الرَّابِعُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا فَإِذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ أَوْ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْهَا إنَّمَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ ذَلِكَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ سَبَبُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الْوَاجِبِ إذَا وَقَعَ بِعَيْنِهِ وَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ مِنْ الْوَاجِبِ بِشَيْءٍ غَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ وَلِذَلِكَ نَقُولُ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ إنَّمَا بَرَأَتْ ذِمَّتُهُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ صَلَاتِهِ هَذِهِ وَجَمِيعِ صَلَوَاتِ النَّاسِ وَهُوَ مَفْهُومُ الظُّهْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ظُهْرٌ أَمَّا خُصُوصُ هَذَا الظُّهْرِ وَهُوَ كَوْنُهُ وَاقِعًا فِي الْبُقْعَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَعَلَى الْهَيْئَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوُجُوبِ وَكَذَلِكَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إنَّمَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ بِمَا فِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْحُكْمُ الرَّابِعُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا) قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ لَيْسَ مَفْهُومَ أَحَدِهَا مِرَارًا عَدِيدَةً.
قَالَ (فَإِذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ أَوْ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْهَا فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ إلَّا بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ) قُلْتُ لَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُهُ وَلَا دُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ وَإِنَّمَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِمَا أَوْقَعَهُ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ أَيْ قِسْطٌ مِنْهُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَهْلُ هَذَا الْعِلْمِ.
قَالَ (لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ سَبَبُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْوَاجِبِ إذَا وَقَعَ بِعَيْنِهِ وَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ مِنْ الْوَاجِبِ بِشَيْءٍ غَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إذَا وَقَعَ بِعَيْنِهِ إذَا وَقَعَ وَتَعَيَّنَ بِالْوُقُوعِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إذَا وَقَعَ بِعَيْنِهِ إذَا وَقَعَ عَلَى حَسَبِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ فَذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِبْهَامِ وَلَيْسَ تَعَلُّقُ الْوُجُودِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ بَلْ عَلَى التَّعْيِينِ.
قَالَ (وَلِذَلِكَ تَقُولُ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ إنَّمَا بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ صَلَاتِهِ هَذِهِ وَجَمِيعِ صَلَوَاتِ النَّاسِ وَهُوَ مَفْهُومُ الظُّهْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ظُهْرٌ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ ظَاهِرَ لَفْظِهِ وَهُوَ أَنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّةِ مُصَلِّي الظُّهْرِ إنَّمَا تَقَعُ بِصَلَاتِهِ وَصَلَاةِ غَيْرِهِ فَذَلِكَ وَاضِحُ الْبُطْلَانِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا تَبْرَأَ ذِمَّةُ زَيْدٍ حَتَّى يُصَلِّيَ عَمْرٌو وَغَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّةِ مُصَلِّي الظُّهْرِ إنَّمَا تَقَعُ بِالْكُلِّيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ كُلِّيٌّ فَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الْمُصَلِّي إنَّمَا تَقَعُ بِصَلَاتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهَا بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهَا مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَكِنْ هَذَا الِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِهِ وَمَسَاقُ كَلَامِهِ.
قَالَ (أَمَّا خُصُوصُ هَذَا الظُّهْرِ وَهُوَ كَوْنُهُ وَاقِعًا فِي الْبُقْعَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَعَلَى الْهَيْئَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوُجُوبِ) قُلْتُ كَوْنُ الصَّلَاةِ وَاقِعَةً فِي بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَعَلَى هَيْئَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْوُجُوبِ أَيْ لَمْ تُشْتَرَطْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ وَلَا تِلْكَ الْهَيْئَةُ فِي الْوُجُوبِ فَلَمْ تَقَعْ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ إلَّا بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الْمُقَيَّدَةِ بِتِلْكَ الْقُيُودِ وَذَلِكَ لِتَعْيِينِ الْوُجُودِ لَا لِتَعْيِينِ الْوُجُوبِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إنَّمَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ بِمَا فِي
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَبَرِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ غَيْرُ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ أَوْ الْمَعْرُوفُ بِهَا إذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ مُعَرَّفًا بِهَا أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ مَحْصُورًا فِيهِ بِمَعْنَى اتِّصَافِهِ بِهِ دُونَ نَقِيضِهِ وَضِدُّهُ وَخِلَافُهُ عَلَى قَاعِدَةِ حَصْرِ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي وَالْأَصْلُ فِي الْخَبَرِ الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ إذَا لَمْ يُعَرَّفْ مُبْتَدَؤُهُ بِاللَّامِ أَنْ يَكُونَ مَحْصُورًا فِي الْمُبْتَدَأِ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ الْحَصْرِ لِلْأَوَّلِ فِي الثَّانِي وَقَدْ يَجِيءُ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْأَصْلِ فَيَجْرِي عَلَى قَاعِدَةِ الْحَصْرِ لِلْأَوَّلِ فِي الثَّانِي كَمَا فِي حَدِيثِ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَأْتِي لِغَيْرِ الْحَصْرِ كَمَا فِي:
وَجَدْتُ بُكَاءَكَ الْحَسَنَ الْجَمِيلَا
وَإِذَا كَانَ هَذَا كَذَلِكَ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخَبَرِ الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ إذَا لَمْ يُعَرَّفْ مُبْتَدَؤُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ حَصْرُ الثَّانِي فِي الْأَوَّلِ وَقَدْ يَجِيءُ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْأَصْلِ إمَّا بِحَصْرِ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي وَإِمَّا بِدُونِ الْحَصْرِ، وَغَيْرُهُ إنَّمَا يَكُونُ لِحَصْرِ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ حَصْرَهُ لُغَوِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ فَقَطْ وَحَصْرُ غَيْرِهِ عَقْلِيٌّ فَقَطْ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ حَصْرَهُ الْحَقِيقِيَّ يَقْتَضِي نَفْيَ النَّقِيضِ وَالضِّدِّ وَالْخِلَافِ جَمِيعًا وَحَصْرُ غَيْرِهِ إنَّمَا يَقْتَضِي حَصْرَ النَّقِيضِ فَقَطْ.
هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ فَتَأَمَّلْهُ بِإِنْصَافٍ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْبِيهِ فِي الدُّعَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْبِيهِ فِي الْخَبَرِ]
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْبِيهِ فِي الدُّعَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْبِيهِ فِي الْخَبَرِ)
بِنَاءً عَلَى مَا زَعَمَهُ الْأَصْلُ مِنْ أَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالتَّرَجِّي وَالتَّمَنِّي وَالْإِبَاحَةِ لَا يَقَعُ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ خَاصَّةً بِسَبَبِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الثَّمَانِيَةَ لَا تَتَعَلَّقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إلَّا بِمُسْتَقْبَلٍ كَمَا مَرَّ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ بِخِلَافِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَعَلَّقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِالْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ يَصِحُّ التَّشْبِيهُ فِيهِ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ بِأَنْ تُشَبِّهَ مَا وَقَعَ لَك أَمْسِ بِمَا وَقَعَ أَمْسِ لِشَخْصٍ آخَرَ، وَتُشَبِّهَ مَا وَقَعَ لَكَ الْيَوْمَ بِمَا وَقَعَ لِغَيْرِكَ الْيَوْمَ، وَتُشَبِّهَ مَا يَقَعُ لَكَ غَدًا بِمَا يَقَعُ لِغَيْرِكَ غَدًا وَكُلُّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّمَانِيَةِ مِنْ الدُّعَاءِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إلَخْ لَا تَتَعَلَّقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَشْبِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهَا بِغَيْرِ الْمُسْتَقْبَلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: أَعْطِ زَيْدًا كَمَا أَعْطَيْتَ عَمْرًا كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ سَوِّ بَيْنَهُمَا فِي مُطْلَقِ الْعَطِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَصْدِ التَّسْوِيَةِ
стр. 299
صَوْمِهِ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ صَوْمِهِ هَذَا وَبَيْنَ صَوْمِ عَامَّةِ النَّاسِ وَهُوَ مَفْهُومُ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أَمَّا خُصُوصُ هَذَا الشَّهْرِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْبَرَاءَةِ كَمَا أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْوُجُوبِ فَكَوْنُهُ صَامَهُ الْمُكَلَّفُ فِي الْبَلَدِ الْمُعَيَّنِ أَوْ وَهُوَ يَأْكُلُ الْغِذَاءَ الْمُعَيَّنَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ خُصُوصَاتٍ سَاقِطٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي الْبَرَاءَةِ وَالْوُجُوبِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ هَذَا الْبَابِ إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ.
الْحُكْمُ الْخَامِسُ: النِّيَّةُ فَلَا يَنْوِي الْمُكَلَّفُ إيقَاعَهُ بِنِيَّةِ الْوُجُوبِ وَأَدَاءِ الْفَرْضِ إلَّا الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ فَهُوَ الْمَنْوِيُّ فَقَطْ دُونَ الْخُصُوصَاتِ فَإِذَا أَعْتَقَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ لَا يَنْوِي بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَلَا فِعْلَ الْوَاجِبِ بِالْعِتْقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِتْقٌ بَلْ لِكَوْنِ الْعِتْقِ أَحَدَ الْخِصَالِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ لَا يَنْوِي فِعْلَ الْوَاجِبِ إلَّا بِمَا فِي الْمَجْمُوعِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
صَوْمِهِ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ صَوْمِهِ هَذَا وَبَيْنَ صَوْمِ عَامَّةِ النَّاسِ وَهُوَ مَفْهُومُ شَهْرِ رَمَضَانَ أَمَّا خُصُوصُ هَذَا الشَّهْرِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْبَرَاءَةِ كَمَا أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْوُجُوبِ) قُلْتُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ بِمَا فِي صَوْمِهِ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ كَانَ كَلَامُهُ كَافِيًا صَحِيحًا لَكِنَّهُ زَادَ مَا أَفْسَدَهُ بِهِ وَهُوَ بَاقِي كَلَامُهُ وَقَوْلُهُ أَمَّا خُصُوصُ هَذَا الشَّهْرِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْبَرَاءَةِ كَمَا أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْوُجُوبِ مِنْ أَشَدِّ الْكَلَامِ فَسَادًا وَأَوْضَحِهِ بُطْلَانًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَنْهُ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ الْمُعَيَّنَ مِنْ السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِصَوْمِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا.
قَالَ (فَكَوْنُهُ صَامَهُ الْمُكَلَّفُ فِي الْبَلَدِ الْمُعَيَّنِ أَوْ وَهُوَ يَأْكُلُ الْغِذَاءَ الْمُعَيَّنَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ خُصُوصَاتٍ سَاقِطٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي الْبَرَاءَةِ وَالْوُجُوبِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ هَذَا الْبَابِ إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ تِلْكَ الْخُصُوصَاتِ سَاقِطَةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ لَمْ تَقَعْ بِالْمُقَيَّدِ بِتِلْكَ الْخُصُوصَاتِ وَكَذَلِكَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ لِكَوْنِ الْوُجُوبِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْمُقَيَّدِ بِهَا فَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنْهَا مُرَتَّبًا عَلَى الْوَاجِبِ الْمَفْعُولِ أَوْ الْمَتْرُوكِ مَشْرُوطًا بِتِلْكَ الْخُصُوصَاتِ بَلْ مُرَتَّبٌ عَلَى مَا عَرَضَ لَهُ مِنْ جِهَةِ ضَرُورَةِ الْوُجُودِ مِنْ تِلْكَ الْخُصُوصَاتِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ اشْتِرَاطُهَا فَذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ (الْحُكْمُ الْخَامِسُ النِّيَّةُ فَلَا يَنْوِي الْمُكَلَّفُ إيقَاعَهُ بِنِيَّةِ الْوُجُوبِ وَأَدَاءِ الْفَرْضِ إلَّا الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ فَهُوَ الْمَنْوِيُّ فَقَطْ دُونَ الْخُصُوصَاتِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ تَعَلُّقِ النِّيَّةِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْخُصُوصِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي يَخْتَارُ إيقَاعَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ أَوْ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ لَا بِخُصُوصِهِ.
قَالَ (فَإِذَا أَعْتَقَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ لَا يَنْوِي بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَلَا فِعْلَ الْوَاجِبِ بِالْعِتْقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِتْقٌ بَلْ لِكَوْنِ الْعِتْقِ أَحَدَ الْخِصَالِ فَقَطْ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ لَا يَنْوِي فَهَلْ الْوَاجِبُ إلَّا بِمَا فِي الْمَجْمُوعِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا فِي مِقْدَارِ الْعَطِيَّةِ وَلَا فِي صِفَتِهَا أَوْ مُرَادُهُ سَوِّ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ الْعَطِيَّةِ وَصِفَتِهَا مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةِ زَيْدٍ بِمَا أَعْطَيْتَهُ قَبْلَ هَذَا كَذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ سَوِّ بَيْنَهُمَا فِي مِقْدَارِ الْعَطِيَّةِ وَصِفَتِهَا مَعَ مُحَاسَبَةِ زَيْدٍ بِمَا أَعْطَيْتَهُ قَبْلَ هَذَا فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ مَا أَعْطَى لِزَيْدٍ أَمْسِ أَوْ فِي الْحَالِ بِمَا أَعْطَى لِعَمْرٍو أَمْسِ أَوْ فِي الْحَالِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ تَشْبِيهَ دُعَاءٍ بِدُعَاءٍ وَأَمْرٍ بِأَمْرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ اهـ. وَقَدْ مَرَّ عَنْ ابْنِ الشَّاطِّ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ أَنَّ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَ كَذَلِكَ تَأْتِي فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ؟ قُولُوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» وَأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ قَاعِدَةَ الْعَرَبِ تَقْتَضِي أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ أَخْفَضَ رُتْبَةً مِنْهُ وَأَعْظَمُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ وَهَا هُنَا صَلَاةُ اللَّهِ مَعْنَاهَا الْإِحْسَانُ مَجَازٌ أَوْ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ إحْسَانَ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْظَمُ مِنْ إحْسَانِهِ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ التَّشْبِيهُ فَمَا وَجْهُ التَّشْبِيهِ إنَّمَا يَصِحُّ وُرُودُهُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ لَا عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْإِشْكَالَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى التَّشْبِيهِ لَوْ وَقَعَ فِي الْخَبَرِ بِأَنْ قِيلَ إنَّ الْعَطِيَّةَ الَّتِي حَصَلَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ الْعَطِيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْهَا]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُثَابُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَاجِبًا)
اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا لِلْأَصْلِ مِنْ أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ الْإِجْزَاءِ وَغَيْرُ الْفِعْلِ الصَّحِيحِ وَأَنَّ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ يُثَابُ عَلَيْهَا وَيَكُونُ مَقْبُولًا دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُبَرِّئُ الذِّمَّةَ بِالْفِعْلِ وَلَا يُثِيبُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَكْمِلًا لِشُرُوطِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْطَ تَحْقِيقِ الْقَبُولِ وَالثَّوَابِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا قَصْدُ الِامْتِثَالِ بِالْعَمَلِ وَثَانِيهِمَا التَّقْوَى الْعُرْفِيَّةُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُورَاتِ قِسْمَانِ الْأَوَّلُ مَا صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةٌ فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْغُصُوبِ وَدَفْعِ الْوَدَائِعِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَسُدُّ فِعْلُهُ مَسَدَّهُ وَيَقَعُ وَاجِبًا مُجْزِئًا لَا يَلْزَمُ فِيهِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ بِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى
стр. 300
مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْخِصَالِ دُونَ الْخُصُوصِيَّاتِ وَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَ وَاجِبًا مُطْلَقًا فِي ضِمْنِ مُعَيَّنٍ إنَّمَا يَنْوِي ذَلِكَ الْمُطْلَقَ الَّذِي هُوَ فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنِ فَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مَثَلًا يَنْوِي مَفْهُومَ صَلَاةِ الظُّهْرِ الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ غَيْرِهِ فِيهِ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ وَهُوَ الَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ نِيَّتُهُ فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ دُونَ الْخُصُوصَاتِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ جَمِيعُ الشُّكُوكِ وَالْأَسْئِلَةُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ كُلِّيٌّ وَالْكُلِّيُّ لَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ إنَّمَا يَقَعُ الْكُلِّيُّ فِي الذِّهْنِ دُونَ الْخَارِجِ وَجَمِيعُ مَا يَقَعُ فِي الْخَارِجِ إنَّمَا هُوَ جُزْئِيٌّ أَمَّا الْكُلِّيُّ فَلَا يُوجَدُ إلَّا فِي الذِّهْنِ وَمَا لَا يَقَعُ فِي الْخَارِجِ لَا يَجِبُ فِعْلُهُ فِي الْخَارِجِ وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاق وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ بَطَلَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقَ الثَّوَابِ أَوْ الْعِقَابِ أَوْ الْبَرَاءَةِ أَوْ النِّيَّةِ قُلْتُ الْمُشْتَرَكَاتُ وَالْكُلِّيَّاتُ لَا تَقَعُ فِي الْأَعْيَانِ مُجَرَّدَةً عَنْ الْمُشَخَّصَاتِ وَالْمُعَيَّنَاتِ بَلْ ذَلِكَ إنَّمَا يُوجَدُ فِي الْأَذْهَانِ.
وَأَمَّا وُقُوعُهَا فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنَاتِ فَحَقٌّ فَمَنْ أَعْتَقَ الرَّقَبَةَ الْمُعَيَّنَةَ فَقَدْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُطْلَقَةً وَمَنْ أَخْرَجَ الشَّاةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ أَخْرَجَ شَاةً مُطْلَقَةً فِي ضِمْنِ تِلْكَ الْمُعَيَّنَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْخِصَالِ دُونَ الْخُصُوصَاتِ) قُلْتُ وَمَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ أَيْضًا غَيْرُ قَوْلِهِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْخِصَالِ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ لَيْسَ أَحَدَ الْخِصَالِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ إذَا فَعَلَ وَاجِبًا مُطْلَقًا فِي ضِمْنِ مُعَيَّنٍ إنَّمَا يَنْوِي ذَلِكَ الْمُطْلَقَ الَّذِي هُوَ فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنِ) قُلْتُ هَذَا هُوَ سَبَبُ ارْتِبَاكِهِ وَاخْتِلَالِ أَقْوَالِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشَبَهِهَا وَهُوَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ وَذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ هُوَ الْحَقِيقَةُ الْكُلِّيَّةُ وَالْمُطْلَقُ هُوَ الْوَاحِدُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مِمَّا فِيهِ الْحَقِيقَةُ قَالَ (فَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مَثَلًا يَنْوِي مَفْهُومَ صَلَاةِ الظُّهْرِ الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ غَيْرِهِ فَبِهِ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ وَهُوَ الَّذِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ نِيَّتُهُ إلَى آخَرِ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ ظَاهِرَ لَفْظِهِ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ إيقَاعَ الْمُشْتَرَكِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُشْتَرَكٌ فَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْوِيَ إيقَاعَ الْمُعَيَّنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ (فَإِنْ قُلْتَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ كُلِّيٌّ وَالْكُلِّيُّ لَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ إلَى قَوْلِهِ وَأَمَّا وُقُوعُهَا فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنَاتِ فَحَقٌّ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا مِنْ أَنَّ وُقُوعَهُ ضِمْنَ الْمُعَيَّنَاتِ حَقٌّ وَإِنْ أَرَادَ وُقُوعَهَا كُلِّيَّاتٍ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ وُقُوعَ مَا فِيهِ قِسْطٌ مِنْ الْكُلِّيِّ أَوَمَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْكُلِّيِّ فَذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ (فَمَنْ أَعْتَقَ الرَّقَبَةَ الْمُعَيَّنَةَ فَقَدْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُطْلَقَةً وَمَنْ أَخْرَجَ الشَّاةَ الْمُعَيَّنَةَ فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ أَخْرَجَ شَاةً مُطْلَقَةً فَمَنْ ضَمِنَ تِلْكَ الْمُعَيَّنَةَ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَعْتَقَ الرَّقَبَةَ الْمُطْلَقَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُطْلَقَةً فَذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ هُوَ الْإِبْهَامُ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِلتَّعْيِينِ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ النَّقِيضَانِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَلَا عَالِمًا بِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَقْبُولًا إلَّا إذَا نَوَى بِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ هَذَا الْبَابِ النِّيَّةُ لَا يُقْصَدُ بِهَا التَّقَرُّبُ وَتَقَعُ وَاجِبَةً وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى لِئَلَّا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ الْمُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ لِمَا مَرَّ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنَ عَشَرَ وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَا لَا تَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالطَّهَارَاتِ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّاتُ فَلَا يَقَعُ وَاجِبًا مُجْزِئًا بِحَيْثُ لَا تَلْزَمُ فِيهِ الْإِعَادَةُ إلَّا إذَا وَقَعَ مَنْوِيًّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ غَيْرَ أَنَّ هَا هُنَا قَاعِدَةً وَهِيَ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْقَبُولَ غَيْرُ لَازِمٍ لِصِحَّةِ الْفِعْلِ وَإِجْزَائِهِ كَمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ أَحَدُهَا:
أَنَّ ابْنَيْ آدَمَ لَمَّا قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ مَعَ أَنَّ قُرْبَانَهُ كَانَ عَلَى وَفْقِ الْأَمْرِ بِدَلِيلِ أَنَّ أَخَاهُ عَلَّلَ عَدَمَ الْقَبُولِ بِعَدَمِ التَّقْوَى كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَفْقِ الْأَمْرِ بَلْ كَانَ مُخْتَلًّا فِي نَفْسِهِ لَقَالَ لَهُ إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ الْعَمَلَ الصَّحِيحَ الصَّالِحَ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الْقَرِيبُ لِعَدَمِ الْقَبُولِ فَدَلَّ عُدُولُهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ كَانَ صَحِيحًا مُجْزِئًا وَإِنَّمَا انْتَفَى عَنْهُ الْقَبُولُ لِأَجْلِ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ الَّذِي هُوَ التَّقْوَى فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَأَنَّ الْعَمَلَ الْمُجْزِئَ قَدْ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ بَرَأَتْ الذِّمَّةُ بِهِ وَصَحَّ فِي نَفْسِهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ سُؤَالَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ الْقَبُولَ فِي فِعْلِهِمَا كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا بِقَوْلِهِ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] وَهُمَا لَا يَفْعَلَانِ إلَّا فِعْلًا صَحِيحًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْفِعْلِ الصَّحِيحِ بَلْ الْمَحَلُّ قَابِلٌ لَهُ لِحُصُولِ شَرْطِهِ الَّذِي هُوَ التَّقْوَى فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الشَّرْطِ حُصُولُ الْمَشْرُوطِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ اشْتِرَاطَهُ ﷺ فِي الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الثَّوَابُ أَنْ يُحْسِنَ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ «أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ وَأَحْسَنَ فِي إسْلَامِهِ فَإِنَّهُ يُجْزَى بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْسَانَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ التَّقْوَى فِي عُرْفِ الشَّرْعِ الَّتِي هِيَ الْمُبَالَغَةُ فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ لَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ الِاتِّقَاء لِلْمَكْرُوهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِالْمُتَّقِينَ فِي
стр. 301
وَيَدُلُّ مِنْ حَيْثُ الْعَقْلُ عَلَى وُجُودِ الْمُطْلَقَاتِ فِي الْخَارِجِ فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنَاتِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَفْهُومَ الْإِنْسَانِ بِالضَّرُورَةِ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ فِي الْخَارِجِ إمَّا وَحْدَهُ فَقَدْ وُجِدَ مُطْلَقُ الْإِنْسَانِ فِي الْخَارِجِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْخَارِجِ مَعَ قَيْدٍ وَمَتَى وُجِدَ مَعَ قَيْدٍ فَقَدْ وُجِدَ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مَعَ غَيْرِهِ مَوْجُودٌ بِالضَّرُورَةِ فَمُطْلَقُ الْإِنْسَانِ فِي الْخَارِجِ بِالضَّرُورَةِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي نَجْزِمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهَا وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا خَلَقَ الْأَجْنَاسَ مِنْ الْجَمَادِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ فَقَدْ خَالَفَ الضَّرُورَةَ وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ زَيْدٌ إنْسَانٌ فِي الْخَارِجِ بِالضَّرُورَةِ وَنَجِدُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
أَعْتَقَ الرَّقَبَةَ الْمُعَيَّنَةَ فَحَصَلَ بِهَا مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ بِالْمُطْلَقَةِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ (وَيَدُلُّ مِنْ حَيْثُ الْعَقْلُ عَلَى وُجُودِ الْمُطْلَقَاتِ فِي الْخَارِجِ فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنَاتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَفْهُومَ الْإِنْسَانِ بِالضَّرُورَةِ فِي الْخَارِجِ) قُلْتُ قَوْلُهُ هَذَا جَارٍ عَلَى فَاسِدِ اعْتِقَادِهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَرُدُّهُ وَهُوَ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ هِيَ الْمُطْلَقَاتُ وَقَدْ وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ مِرَارًا وَقَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَفْهُومَ الْإِنْسَانِ بِالضَّرُورَةِ فِي الْخَارِجِ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ جُمْهُورِ مُثْبِتِي الْكُلِّيِّ وَصَحِيحٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْقَائِلِينَ بِالْكُلِّيِّ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وَقَدْ نَوَّعَ بَعْضُهُمْ الْكُلِّيَّ إلَى مَنْطِقِيٍّ وَعَقْلِيٍّ وَطَبِيعِيٍّ وَجَزَمَ بِأَنَّ الْمَنْطِقِيَّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وَأَنَّ الطَّبِيعِيَّ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَأَنَّ الْعَقْلِيَّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
قَالَ (فَهُوَ فِي الْخَارِجِ إمَّا وَحْدَهُ فَقَدْ وُجِدَ مُطْلَقُ الْإِنْسَانِ فِي الْخَارِجِ وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْخَارِجِ مَعَ قَيْدٍ وَمَتَى وُجِدَ مَعَ قَيْدٍ فَقَدْ وُجِدَ) قُلْتُ لَا كَلَامَ أَشَدَّ فَسَادًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ فَإِنَّهُ إنْ حُمِلَ قَوْلُهُ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَوْجُودٌ فِي الْمُقَيَّدِ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ الْمُطْلَقَ حَقِيقَةً وَالْمُقَيَّدَ حَقِيقَةً فَذَلِكَ بَيِّنُ الْبُطْلَانِ وَالْفَسَادِ فَإِنَّهُ كَيْفَ يَجْتَمِعَانِ مَعًا فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ وَهُمَا نَقِيضَانِ وَإِنْ حُمِلَ قَوْلُهُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْمُطْلَقِ الْكُلِّيَّ فَذَلِكَ بَاطِلٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ كَيْفَ يَجْتَمِعُ الْكُلِّيُّ بِمَا هُوَ كُلِّيٌّ وَالْجُزْئِيُّ بِمَا هُوَ جُزْئِيٌّ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ وَهُمَا نَقِيضَانِ أَيْضًا هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ هَذِهِ الْعُلُومَ وَلَا أَشْرَفَ عَلَى هَذِهِ الْمَبَاحِثِ بِوَجْهٍ أَصْلًا.
قَالَ (لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مَعَ غَيْرِهِ مَوْجُودٌ بِالضَّرُورَةِ) قُلْتُ ذَلِكَ صَحِيحٌ لَكِنْ وُجُودُ الْمُطْلَقِ بِمَا هُوَ مُطْلَقٌ مَعَ الْمُقَيَّدِ وَوُجُودُ الْكُلِّيِّ بِمَا هُوَ كُلِّيٌّ مَعَ الْجُزْئِيِّ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ مُمْتَنِعٌ فَدَلِيلُهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
قَالَ (فَمُطْلَقُ الْإِنْسَانِ فِي الْخَارِجِ بِالضَّرُورَةِ) قُلْتُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ دَلِيلَهُ لَمْ يُنْتِجْ مَقْصُودَهُ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي تَجْزِمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهَا وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا خَلَقَ الْأَجْنَاسَ مِنْ الْجَمَادِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ فَقَدْ خَالَفَ الضَّرُورَةَ)
قُلْتُ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فَمَنْ أَنْكَرَ الْكُلِّيَّاتِ أَنْكَرَ تِلْكَ الضَّرُورَةَ وَكَذَلِكَ مَنْ أَثْبَتَهَا فِي الْخَارِجِ أَيْضًا قَالَ (وَكَذَلِكَ يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ إنَّ زَيْدًا إنْسَانٌ فِي الْخَارِجِ بِالضَّرُورَةِ وَنَجِدُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] الْمُؤْمِنُونَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ صَرَّحَ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ ذَكَرَ الْإِحْسَانَ فِيهِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّ سُؤَالَهُ ﷺ الْقَبُولَ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَمَّا ذَبَحَهَا بِقَوْلِهِ ﷺ «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ ﷺ فِي الْأُضْحِيَّةِ كَانَ عَلَى وَفْقِ الشَّرِيعَةِ قَطْعًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ وَرَاءَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَالْإِجْزَاءِ وَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ وَإِنْ حَصَلَ شَرْطُهُ الَّذِي هُوَ التَّقْوَى فِي عُرْفِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ سَيِّدُ الْمُتَّقِينَ وَإِلَّا لَمَا سَأَلَهُ ﵇ فَإِنَّ سُؤَالَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ لَا يَجُوزُ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّ صُلَحَاءَ الْأُمَّةِ وَخِيَارَهَا لَمْ يَزَالُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الْقَبُولَ فِي الْعَمَلِ بَعْدَ فِعْلِهِ وَفِي أَثْنَائِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ لَكَانَ إنَّمَا يَحْسُنُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى تَيْسِيرَ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ وَانْتِفَاءَ الْمَوَانِعِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْجَزْمِ بِوُقُوعِهَا فَإِنَّمَا يَحْسُنُ إذَا كَانَ الْقَبُولُ غَيْرَ الْإِجْزَاءِ وَغَيْرَ الصِّحَّةِ وَأَنَّهُ الثَّوَابُ.
وَسَادِسُهَا: أَنَّ حَمْلَ الصُّوفِيَّةِ وَقَلِيلٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ قَوْلَهُ ﷺ «إنَّ مِنْ الصَّلَاةِ لَمَا يَقْبَلُ اللَّهُ نِصْفَهَا وَثُلُثَهَا وَرُبْعَهَا وَأَنَّ مِنْهَا لَمَا يُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا» عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَأَنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ إذَا غَفَلَ عَنْ صَلَاتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا» مَعَ حِكَايَةِ الْغَزَالِيِّ الْإِجْمَاعَ فِي إجْزَائِهَا إذَا عَلِمَ عَدَدَ رَكَعَاتِهَا وَأَرْكَانَهَا وَشَرَائِطَهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِالْخُشُوعِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالثُّلُثِ وَبِالرُّبْعِ وَنَحْوِهِ الثَّوَابُ وَالْإِجْزَاءُ لَا الصِّحَّةُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ الْإِجْزَاءِ وَأَنَّ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ يُثَابُ عَلَيْهَا دُونَ بَعْضٍ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْفَرْقِ وَكَوْنُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَدَارِكِ وَالتَّقَارِيرِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَثُوبَاتِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالتَّقْوَى فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَإِنْ عَارَضَهُ ظَوَاهِرُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وَقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» ، وَقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ وَصَلَاةٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِسِتِّمِائَةِ صَلَاةٍ» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] ، وَقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ تَقْتَضِي حُصُولَ الْمَثُوبَاتِ مُطْلَقًا فَإِنَّ أَمْثَالَ
стр. 302
الْخَبَرِ وَبَيْنَ قَوْلِنَا زَيْدٌ فِي الْخَارِجِ بِالضَّرُورَةِ وَأَنَّ الْأَوَّلَ مُفِيدٌ دُونَ الثَّانِي وَكَذَلِكَ نَقُولُ هَذَا السَّوَادُ الْمُعَيَّنُ سَوَادٌ وَنُدْرِكُ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِنَا الْمُعَيَّنُ مُعَيَّنٌ وَيُدْرِكُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ مَفْهُومُ الْجِسْمِ وَمَفْهُومُ الْحَيَوَانِ وَمَفْهُومُ الْإِنْسَانِ وَمَفْهُومُ الْمُمْكِنِ وَمَفْهُومُ الْمَخْلُوقِ وَجَمِيعُ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ يَجْزِمُ كُلُّ عَاقِلٍ بِثُبُوتِهَا لَهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَجَحْدُ كَوْنِ الْكُلِّيَّاتِ وَالْمُشْتَرَكَاتِ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنَاتِ خِلَافُ الضَّرُورَةِ فَهَذَا هُوَ تَلْخِيصُ قَاعِدَةِ الْكُلِّيِّ الْوَاجِبِ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) الْوَاجِبُ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ فَإِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الظُّهْرَ مِنْ أَوَّلِ الْقَامَةِ إلَى آخِرِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى سَبْعَةِ مَذَاهِبَ وَتَحْرِيرُهَا أَنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ قَائِلٌ بِالْوُجُوبِ الْمُوَسَّعِ وَقَائِلٌ بِجَحْدِهِ وَالْأَوَّلُونَ لَهُمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى الْعَزْمِ إذَا تَأَخَّرَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ وَلَا يَجِبُ الْعَزْمُ فَهَذَانِ قَوْلَانِ وَالْقَائِلُونَ بِجَحْدِهِ مِنْهُمْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْخَبَرِ وَبَيْنَ قَوْلِنَا زَيْدٌ فِي الْخَارِجِ بِالضَّرُورَةِ وَأَنَّ الْأَوَّلَ مُفِيدٌ دُونَ الثَّانِي) قُلْتُ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ هُمَا مُفِيدَانِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفَادَ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَلَا صِدْقٍ وَالثَّانِي أَفَادَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ وَصِدْقٌ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ نَقُولُ هَذَا السَّوَادُ الْمُعَيَّنُ سَوَادٌ وَنُدْرِكُ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِنَا الْمُعَيَّنُ مُعَيَّنٌ) قُلْتُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ الْفَائِدَةِ.
قَالَ (وَيُدْرِكُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ مَفْهُومُ الْجِسْمِ وَمَفْهُومُ الْحَيَوَانِ وَمَفْهُومُ الْإِنْسَانِ وَمَفْهُومُ الْمُمْكِنِ وَمَفْهُومُ الْمَخْلُوقِ وَجَمِيعُ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ يَجْزِمُ كُلُّ عَاقِلٍ بِثُبُوتِهَا لَهُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ) قُلْتُ لَمْ يَجْزِمْ كُلُّ عَاقِلٍ بِذَلِكَ بَلْ مِنْ الْعُقَلَاءِ مَنْ جَزَمَ بِنَفْيِهَا جُمْلَةً عَنْ الْوُجُودَيْنِ مَعًا وَزَعَمَ أَنَّ الشَّرِكَةَ لَمْ تَقَعْ إلَّا فِي مُجَرَّدِ الْأَلْفَاظِ لَا فِي الْمَعَانِي وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِإِثْبَاتِهَا فِي الْأَذْهَانِ وَهُمْ جُمْهُورُ الْمُثْبِتِينَ وَمُحَقِّقُوهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهَا فِي الْأَعْيَانِ وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ إنْ أَرَادَ أَنَّ هَذَا الْعَاقِلَ الَّذِي جَزَمَ بِثُبُوتِ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ لَهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا فَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ خِلَافُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ فَرَضَ ثَابِتًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ثُبُوتُ كُلِّ جُزْئِيٍّ فِي الْإِمْكَانِ لِكُلِّ كُلِّيٍّ وَيَكُونُ ثُبُوتُهُ فِي الْخَارِجِ أَيْ لَا يَلْزَمُ حُصُولُ جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ فِي الْوُجُودِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ (فَجَحْدُ كَوْنِ الْكُلِّيَّاتِ وَالْمُشْتَرَكَاتِ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنَاتِ خِلَافُ الضَّرُورَةِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ) قُلْتُ قَدْ تَبَيَّنَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ وَتَبَيَّنَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ بِإِثْبَاتِ الْكُلِّيَّاتِ فِي الْأَذْهَانِ أَنَّ وُجُودَهَا فِي الْجُزْئِيَّاتِ لَيْسَ عَلَى أَنَّهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا مِنْ كَوْنِهَا كُلِّيَّةً بَلْ عَلَى أَنَّ فِي الْجُزْئِيَّاتِ قِسْطًا مِنْ الْكُلِّيَّاتِ يَخْتَصُّ كُلُّ جُزْئِيٍّ بِقِسْطٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ جُزْئِيٌّ سِوَاهُ.
قَالَ (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ الْوَاجِبُ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ إلَى آخِرِ مَا قَالَ فِيهِ) .
قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ حِكَايَةِ الْمَذَاهِبِ وَرَدِّ مَا رَدَّهُ مِنْهَا صَحِيحٌ وَمَا مَالَ إلَى تَحْسِينِهِ مِنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إنَّمَا الصَّحِيحُ أَنْ لَا حَاجَةَ إلَى بَدَلٍ أَصْلًا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْعَشْرِ حَسَنَاتٍ وَالْأَلْفِ صَلَاةٍ وَالزَّائِدِ عَلَيْهَا وَالسِّتِّمِائَةِ صَلَاةٍ وَالْمُضَاعَفَةِ لِمَنْ يَشَاءُ تَعَالَى وَالْخَمْسِ أَوْ السَّبْعِ وَالْعِشْرِينَ دَرَجَةً هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَثُوبَاتٍ تَتَضَاعَفُ إلَّا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ رَدُّ أَحَدِ الظَّاهِرَيْنِ إلَى الْآخَرِ وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَسَدِّ بِحَمْلِ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الْمَدَارِكُ وَالتَّقَارِيرُ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّقْوَى فِي الْجَمِيعِ هَذَا مَا لِلْأَصْلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَرَتُّبَ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُسْتَوْفِيَةِ لِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا مَشْرُوطٌ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى تِلْكَ الْمَدَارِكِ وَالتَّقَارِيرِ بِالتَّقْوَى الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمُبَالَغَةُ فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَإِجْزَائِهِ حَيْثُ قَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي خِلَافُهُ وَإِنْ قَالَ: إنَّهُ رَأَى عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَوْ لَعَلَّهُمْ مُحَقِّقُونَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمَّا فِي هَذِهِ فَلَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الْقَطْعِ فَتَتَعَارَضُ ظَوَاهِرُ الْأَدِلَّةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَظَافِرَةِ بِتَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّحِيحَةِ بِدُونِ اشْتِرَاطِ التَّقْوَى الْعُرْفِيَّةِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّقْوَى الْعُرْفِيَّةِ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
لَكِنْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ بِعَدَمِ تَرْتِيبِ الثَّوَابِ عَلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ بِلُزُومِ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُسْتَوْفِيَةِ لِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا هُوَ أَنَّ مَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الْمَدَارِكُ وَالتَّقَارِيرُ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّقْوَى الْعُرْفِيَّةِ لَا يُقَاوِمُ تِلْكَ الظَّوَاهِرَ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ الْقَطْعَ حَتَّى يَتَعَيَّنَ دَفْعُ التَّعَارُضِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الظَّوَاهِرَ الْمَذْكُورَةَ قَدْ بَلَغَتْ الْقَطْعَ فَإِنَّهَا قَدْ تَظَافَرَتْ وَتَكَاثَرَتْ وَلَمْ يُعَارِضْهَا سِوَاهَا وَلَيْسَ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ مُعَارِضٌ بِمُعَارِضٍ لِاسْتِوَاءِ احْتِمَالَاتِهِ أَمَّا قَوْله تَعَالَى حِكَايَتُهُ عَنْ ابْنَيْ آدَمَ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] فَلَيْسَ الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ بِهِ بِظَاهِرٍ لِاحْتِمَالِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّقْوَى الْإِيمَانَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْإِيمَانُ الْمُوَافِي عَلَيْهِ وَعَلَى تَسْلِيمِ ظُهُورِ تَأْوِيلِهِ لَعَلَّهُ كَانَ شَرْعًا لَهُمْ اشْتِرَاطُ عَدَمِ الْعِصْيَانِ فِي الْقَبُولِ وَكَوْنُ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُعَارَضْ وَجَمِيعُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِوَعْدِ الْمُطِيعِ بِالثَّوَابِ مُعَارِضَةٌ لِذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُمَا ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِمَا بِعَاقِبَةِ أَمْرِهِمَا لِيَقْتَدِيَ بِهِمَا مَنْ لَا يَعْلَمُ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ فَيَتْبَعُهُمَا فِي ذَلِكَ وَهَذَا
стр. 303
بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ مُعْتَمِدًا عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ مَعَ جَوَازِ التَّأْخِيرِ مُتَنَافِيَانِ وَالْأَصْلُ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبِ عَلَى سَبَبِهِ وَالزَّوَالُ سَبَبٌ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ مُسَبَّبُهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَمَا يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الْأَدَاءِ فَهَذَا مُسْتَنَدُهُ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِذْنَ فِي تَفْوِيتِ الْأَدَاءِ لِفِعْلِ الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ خِلَافُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ نَعَمْ يَجُوزُ الْإِذْنُ فِي تَفْوِيتِ الْأَدَاءِ لِفِعْلِ الْقَضَاءِ لِضَرُورَةِ السَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ كَمَا فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَجُوزُ تَرْكُ أَدَائِهَا لِلْقَضَاءِ لِأَجْلِ الْعُذْرِ أَمَّا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَغَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الشَّرِيعَةِ وَأَخْفَقَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ فَهَذَا مُسْتَنَدُ هَذَا الْمَذْهَبِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ الْمَذْهَبُ الثَّانِي لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَمُسْتَنَدُهُ أَنَّا نَسْتَدِلُّ بِثُبُوتِ خَصِيصَةِ الشَّيْءِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَبِعَدَمِ خَصِيصَةِ الشَّيْءِ عَلَى عَدَمِهِ.
وَمِنْ خَصَائِصِ الْوُجُوبِ الْعِقَابُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ وَوَجَدْنَا هَذِهِ الْخِصِّيصَةَ مُنْتَفِيَةً فِي غَيْرِ آخِرِ الْوَقْتِ فَقُلْنَا بِنَفْيِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِ آخِرِ الْوَقْتِ وَوَجَدْنَاهَا آخِرَ الْوَقْتِ فَقُلْنَا بِالْوُجُوبِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَإِنْ وَقَعَ الْفِعْلُ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ نَفْلًا يَسُدُّ مَسَدَّ الْفَرْضِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ إجْزَاءَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ مَذْهَبُ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْفِعْلَ مَوْقُوفٌ إذَا عَجَّلَهُ الْمُكَلَّفُ فَإِنْ جَاءَ آخِرُ الْوَقْتِ وَفَاعِلُهُ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ كَانَ فِعْلُهُ هَذَا وَاجِبًا فَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ كَانَ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَسَبَبُ هَذَا الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ أَنَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ يَقُولُ يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَرَأَى مَا وَرَدَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ مِنْ إجْزَاءِ النَّفْلِ عَنْ الْفَرْضِ فَاخْتَارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ حَالَةَ الْإِيقَاعِ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا وَلَا تَتَعَيَّنُ فِيهِ نِيَّةٌ لِأَحَدِهِمَا خِلَافُ الْمَعْهُودِ فِي الْقَوَاعِدِ.
وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ لِلْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ الْمُكَلَّفَ إنْ عَجَّلَ الْفِعْلَ مَنَعَ تَعْجِيلَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْوُجُوبِ بِآخِرِ الْوَقْتِ فَلَا يُجْزِئُ نَفْلٌ عَنْ فَرْضٍ وَلَا يَكُونُ مَوْقُوفًا بَلْ يَنْوِي بِهِ النَّفَلَ وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْهُ كَانَ آخِرُ الْوَقْتِ وَاجِبًا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الْوُجُوبِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى الْكَرْخِيِّ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ وَأَصْحَابَهُ ﵃ لَمْ يُطِيعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِصَلَاةٍ وَاجِبَةٍ وَلَا أُثِيبُوا ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَذَلِكَ حَظٌّ عَظِيمٌ يَفُوتُ عَلَيْهِمْ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ ﵇ عَنْ رَبِّهِ «مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدٌ أَوْ أَحَدٌ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ فَثَوَابُ الْوَاجِبَاتِ هُوَ أَفْضَلُ الْمَثُوبَاتِ فَالْقَوْلُ بِفَوَاتِهِ عَلَيْهِمْ مَحْذُورٌ كَبِيرٌ.
الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ حَكَاهُ سَيْفُ الدِّينِ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَمَا قَالَهُ مِنْ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ إنْ أَرَادَ الْكُلِّيَّ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِفَرْدٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَمَا اخْتَارَهُ وَصَحَّحَهُ وَنَسَبَهُ إلَى الْمَالِكِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الِاحْتِمَالُ حَالِيٌّ لَا مَقَالِيٌّ وَالِاحْتِمَالَاتُ الْحَالِيَّةُ لَا تَفَاوُتَ فِيهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهَا أَظْهَرَ مِنْ بَعْضٍ فَيُسْتَدَلُّ بِالظَّاهِرِ مِنْهَا بِخِلَافِ الْحَالَاتِ الْمَقَالِيَّةِ فَإِنَّهُ تَكُونُ مُسْتَوِيَةً فِي الْمُحْتَمَلَاتِ وَغَيْرَ مُسْتَوِيَةٍ فِي الظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلَاتِ، وَأَمَّا مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «أَمَّا مَنْ أَسْلَمَ وَأَحْسَنَ فِي إسْلَامِهِ فَإِنَّهُ يُجْزَى بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِحْسَانِ الْمُوَافَاةَ عَلَى الْإِيمَانِ الَّذِي لَا شَرْطَ لِثُبُوتِ الْأَعْمَالِ سِوَاهُ بَلْ لَوْ سُلِّمَ ظُهُورُ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ فِي اشْتِرَاطِ غَيْرِهِ لَكَانَ كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ مِمَّا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ أَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ وَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مُتَأَوَّلًا بِأَنَّهُ الْمُرَادُ لِاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي مَعَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَمَّا ذَبَحَهَا «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» فَالِاحْتِمَالُ فِيهِ كَالِاحْتِمَالِ فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ ﵊، وَأَمَّا كَوْنُ صُلَحَاءِ الْأُمَّةِ وَخِيَارِهَا لَمْ يَزَالُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الْقَبُولَ فِي الْعَمَلِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ طَلَبُوا حُصُولَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْمُوَافَاةُ عَلَى الْإِيمَانِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ أَوْ طَلَبُوا الْمُسَامَحَةَ فِي إغْفَالِ بَعْضِ شُرُوطِ الْأَعْمَالِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ عَلَى الْكَمَالِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ﷺ «إنَّ مِنْ الصَّلَاةِ لَمَا يُقْبَلُ نِصْفُهَا وَثُلُثُهَا وَرُبْعُهَا وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ الْخَلَقُ فَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا» فَلَا دَلِيلَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ فِيهِ عَلَى مَا أَوْرَدَ لَا بِظَاهِرٍ وَلَا بِبَاطِنٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَكُنْ مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا وَأَوْصَافِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يُلَفُّ كَمَا تُلَفُّ إلَخْ إذْ لَوْ كَانَتْ مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا وَأَوْصَافِهَا لَمْ يَكُنْ لِشَبَهِهَا بِالثَّوْبِ الْخَلَقِ وَجْهٌ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَغْزَى هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ التَّحْذِيرُ مِنْ التَّهَاوُنِ بِشُرُوطِهَا وَالتَّحْرِيضُ عَلَى مُرَاعَاةِ أَحْوَالِهَا فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الثَّوَابُ مَعَ تَقْدِيرِ كَمَالِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَجَمِيعِ أَوْصَافِهَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ كَمَا عَلِمْت يُنَافِي قَوْلَهُ إنَّ أَدَاءَ الدُّيُونِ وَشَبَهَهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ حَتَّى يَنْوِيَ بِهِ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: إنْ أَرَادَ بِهِ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِحْضَارِ نِيَّةِ الِامْتِثَالِ وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ أَدَاءِ الدُّيُونِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يُحْرَمُ صَاحِبُ هَذِهِ الْحَالَةِ الثَّوَابَ اسْتِدْلَالًا بِقَاعِدَةِ سَعَةِ بَابِ الثَّوَابِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ لَهُ إذَا نَوَى سَبَبًا لِلْأَدَاءِ غَيْرَ الِامْتِثَالِ كَتَخَوُّفِهِ أَنْ لَا يُدَايِنَهُ أَحَدٌ إذَا عُرِفَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَدَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
стр. 304
الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِوَقْتِ الْإِيقَاعِ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ أَوَّلُهُ أَوْ وَسَطُهُ أَوْ آخِرُهُ فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ الْإِشْكَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ شَأْنَ الْوُجُوبِ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْفِعْلِ وَيَكُونَ الْفِعْلُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْوُجُوبِ وَتَابِعًا، أَمَّا كَوْنُ الْوُجُوبِ تَابِعًا لِلْفِعْلِ فَغَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الشَّرِيعَةِ وَعِنْدَهُ الْوُجُوبُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَتَحَتُّمُ الْإِيقَاعِ فِيهِ تَابِعٌ لِلْفِعْلِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ فَهَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَمَا فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَاتِ لِلْقَوَاعِدِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ فِي التَّوْسِعَةِ وَالْقَوْلُ فِيهِمَا أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الْخَارِجِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ طَرَفَيْ الْقَامَةِ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَالَ صَلِّ إمَّا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ فَالْوَاجِبُ الصَّلَاةُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَهُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُوَسَّعِ هُوَ أَحَدُ الْخِصَالِ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ مُرَتَّبًا عَلَى الزَّوَالِ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِبَقَاءِ الْمُشْتَرَكِ وَيَبْرَأُ بِالْفِعْلِ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِوُجُودِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ وَأَيُّ وَقْتٍ فَعَلَ فِيهِ صَادَفَ الْمُشْتَرَكَ فَلَا يَلْزَمُ تَأْخِيرُ الْمُسَبَّبِ عَنْ سَبَبِهِ وَلَا أَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ أَوَّلِ الْوَقْتِ قَضَاءٌ وَأَوَّلُهُ نَفْلٌ يَنُوبُ مَنَابَ الْفَرْضِ وَلَا يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ قَاعِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي لَزِمَتْ الْأَقْوَالَ الْأُوَلَ بَلْ تَجْتَمِعُ أَسْبَابُ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ كُلِّهَا.
وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ غَيْرَ أَنَّ أَرْبَابَ هَذَا الْمَذْهَبِ اخْتَلَفُوا إذَا قُصِدَ التَّأْخِيرُ لِوَسَطِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ بَدَلٍ هُوَ الْعَزْمُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مَا دَلَّ إلَّا عَلَى الصَّلَاةِ، أَمَّا هَذَا الْعَزْمُ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَوَجَبَ نَفْيُهُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ فِي بَقِيَّةِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ يُعَدُّ مُعْرِضًا عَنْ أَمْرِ سَيِّدِهِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَمْرِ حَرَامٌ وَمَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْحَرَامُ وَاجِبٌ فَالْعَزْمُ وَاجِبٌ وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ طَرِيقَةً وُسْطَى وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْغَافِلِ عَنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ وَبَيْنَ مَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ فَهَذَا إنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ عَزَمَ عَلَى التَّرْكِ بِالضَّرُورَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ وَهِيَ طَرِيقَةٌ حَسَنَةٌ.
(فَرْعٌ) مُرَتَّبٌ إذَا قُلْنَا بِالتَّوْسِعَةِ فَهَلْ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ فَقَدْ أَخَّرَ مُخْتَارًا يَأْثَمُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ أَوْ لَا يَأْثَمُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَذِنَ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ فَهُوَ فَعَلَ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَفِعْلُ الْمَأْذُونِ فِيهِ لَا إثْمَ فِيهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ فَهَذَا هُوَ قَاعِدَةُ الْوَاجِبِ فِيهِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ كُلِّيٌّ لَا جُزْئِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ الْوَاجِبُ بِهِ وَهُوَ سَبَبٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْمُؤَخِّرِ الَّذِي يَمُوتُ قَبْلَ الْفِعْلِ صَحِيحٌ.
قَالَ (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ الْوَاجِبُ بِهِ وَهُوَ سَبَبٌ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ زَوَالَ الشَّمْسِ سَبَبًا لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَجَعَلَ مُطْلَقَ الْإِتْلَافِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَمُطْلَقَ النِّصَابِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَمُسَلَّمٌ إذْ لَا نِزَاعَ فِي عَدَمِ الثَّوَابِ حِينَئِذٍ لَكِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ وَثَالِثًا فِي قَوْلِهِ إنَّ النِّيَّةَ وَالنَّظَرَ الْأَوَّلَ وَلَا يَنْوِي بِهِمَا التَّقَرُّبَ حَيْثُ قَالَ: هَذَا صَحِيحٌ فِي النَّظَرِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ وَغَيْرُ صَحِيحٍ فِي النِّيَّةِ فَإِنَّ نِيَّةَ الظُّهْرِ مَثَلًا يُمْكِنُ فِيهِ التَّقَرُّبُ بِهَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهَا شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالشَّرْطُ كَالرُّكْنِ فَكَمَا يَنْوِي الرُّكْنَ يَنْوِي الشَّرْطَ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لَا فِي النِّيَّةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ إلَّا لَوْ شُرِعَ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِالنِّيَّةِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا شَرْطًا فَافْهَمْ.
وَرَابِعًا: فِي قَوْلِهِ إنَّ النِّيَّةَ وَالنَّظَرَ لَا ثَوَابَ فِيهِمَا حَيْثُ قَالَ: يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ الثَّوَابِ فِيهِمَا قَاعِدَةُ سَعَةِ بَابِ الثَّوَابِ؛ إذْ لَا يُعَارِضُهَا حَدِيثُ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَمَا فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَهُ مُقَيَّدٌ بِإِمْكَانِ النِّيَّاتِ فَبَقِيَ مَحَلُّ امْتِنَاعِهَا غَيْرَ مُتَنَاوِلٍ لَهُ دَلِيلُ اشْتِرَاطِهَا فَافْهَمْ اهـ.
قُلْتُ: وَقَاعِدَةُ إنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَكُونُ مُعْتَبَرَةً حَتَّى تُقْرَنَ بِهَا الْمَقَاصِدُ مُسْتَمِرَّةٌ فِي بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ خَاصَّةً لَا فِي بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُوَافَقَاتِهِ: وَإِذَا عَرَّيْت الْأَفْعَالَ وَالتُّرُوكَ عَنْ الْمَقَاصِدِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ، وَالدَّلِيلُ عَنْ ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَهُوَ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ وَالْأَدِلَّةُ عَلَيْهِ لَا تَقْصُرُ عَنْ مَبْلَغِ الْقَطْعِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْأَعْمَالِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَحْسُوسَةٌ فَقَطْ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا عَلَى حَالٍ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ خَاصَّةً أَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَالْقَاعِدَةُ مُسْتَمِرَّةٌ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَبَرَةً حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا الْمَقَاصِدُ كَانَ مُجَرَّدُهَا فِي الشَّرْعِ بِمَثَابَةِ حَرَكَاتِ الْعَجْمَاوَاتِ وَالْجَمَادَاتِ وَالْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا عَقْلًا وَلَا سَمْعًا فَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَهَا.
وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَأَنَّهَا لَا حُكْمَ لَهَا فِي الشَّرْعِ فَلَا يُقَالُ فِيهَا جَائِزٌ أَوْ مَمْنُوعٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا لَا اعْتِبَارَ بِهَا مِنْ الْبَهَائِمِ وَفِي الْقُرْآنِ ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ: قَدْ فَعَلْت، وَفِي مَعْنَاهُ رُوِيَ الْحَدِيثُ أَيْضًا «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ فَذَكَرَ الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ حَتَّى يُفِيقَ» فَجَمِيعُ هَؤُلَاءِ لَا قَصْدَ لَهُمْ وَهِيَ الْعِلَّةُ فِي رَفْعِ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ.
وَالثَّالِثُ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الشَّرِيعَةِ وَتَكْلِيفُ مَنْ لَا قَصْدَ لَهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ وَالْمُبَاحُ وَإِنْ كَانَ لَا تَكْلِيفَ فِيهِ
стр. 305
وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مُطْلَقَ زَوَالِ الشَّمْسِ سَبَبَ وُجُوبِ الظُّهْرِ مَتَى وُجِدَ فِي أَيِّ يَوْمٍ كَانَ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَجَعَلَ مُطْلَقَ الْإِتْلَافِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَمُطْلَقَ مِلْكِ النِّصَابِ مُوجِبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ أَمَّا خُصُوصُ كَوْنِهَا هَذِهِ الدَّنَانِيرَ أَوْ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَلَوْ قُدِّرَ نِصَابٌ مَكَانَ نِصَابٍ فِي مِلْكِ الْمُزَكِّي لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ وَكَذَلِكَ إتْلَافٌ بَدَلَ إتْلَافٍ فَالْمَنْصُوبُ سَبَبًا إنَّمَا هُوَ الْمُطْلَقُ الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النُّصُبِ وَالْخُصُوصَاتِ سَاقِطَةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ثُبُوتُهُ الثُّبُوتَ فَهَذَا كُلُّهُ مُشْتَرَكٌ وَهُوَ وَاجِبٌ بِهِ أَيْ بِسَبَبِهِ.
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْوَاجِبُ بِهِ وَهُوَ أَدَاةٌ يُفْعَلُ بِهَا فَإِنَّ الْبَاءَ كَمَا تَكُونُ سَبَبِيَّةً تَكُونُ لِلِاسْتِعَانَةِ نَحْوُ كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ وَنَجَرْتُ بِالْقُدُومِ فَالْوَاجِبُ بِهِ الَّذِي هُوَ أَدَاةٌ فِي الشَّرِيعَةِ لَهُ مِثْلٌ أَحَدُهَا الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ وَيُغْتَسَلُ فَإِنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ بَلْ هُوَ أَدَاةٌ يُعْمَلُ بِهَا الْفِعْلُ وَسَبَبُ الطَّهَارَةِ إنَّمَا هُوَ الْحَدَثُ، وَكَذَلِكَ التُّرَابُ فِي التَّيَمُّمِ أَدَاةٌ وَلَيْسَ سَبَبًا وَثَانِيهَا الثَّوْبُ لِلسُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى السُّتْرَةَ بِثَوْبٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِمُطْلَقِ الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ الثِّيَابِ كَمَا لَمْ يُوجِبْ الطَّهَارَةَ بِمَاءٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الْمِيَاهِ وَكَذَلِكَ نُجِيبُ عَنْ مَغْلَطَةٍ عَادَتُهَا تُلْقَى عَلَى الطَّلَبَةِ فَيُقَالُ الْوُضُوءُ وَاجِبٌ وَمِنْ هَذِهِ الْفَسْقِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ لَا يَجِبُ مِنْ غَيْرِهَا بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَتْ هِيَ وَإِلَّا لَبَطَلَ الْوُجُوبُ وَكَذَلِكَ يُقَالُ السُّتْرَةُ وَاجِبَةٌ بِهَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّ السُّتْرَةَ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهِيَ لَا تَجِبُ بِغَيْرِ هَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ بِالْإِجْمَاعِ لِجَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ فَتَعَيَّنَ هَذَا الثَّوْبُ.
وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ تُورَدُ هَذِهِ الشُّبُهَاتُ وَالْجَوَابُ عَنْهَا وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذِهِ الْفَسْقِيَّةِ وَغَيْرِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا وَاجِبًا بِالْإِجْمَاعِ لَا تَتَعَيَّنُ هِيَ بَلْ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا لَا هِيَ وَلَا غَيْرُهَا وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ تَجِبْ السُّتْرَةُ بِغَيْرِ هَذَا الثَّوْبِ لَا يَتَعَيَّنُ هَذَا الثَّوْبُ بَلْ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ بَلْ الْخُصُوصَاتُ كُلُّهَا سَاقِطَةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ، وَثَالِثُهَا: الْجِمَارُ فِي النُّسُكِ أَدَاةٌ يُعْمَلُ بِهَا الْوَاجِبُ لَا أَنَّهَا سَبَبُ الْوُجُوبِ بَلْ سَبَبُ الْوُجُوبِ هُوَ تَعْظِيمُ الْبَيْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلِتَذَكُّرِ قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فِي ذَبْحِ وَلَدِهِ وَفِدَائِهِ بِالْكَبْشِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَقَدْ سَبَقَ لَهُ هَذَا مِرَارًا عَدِيدَةً وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ وَأَنَّ مُرَادَهُ بِالْمُطْلَقِ ذَلِكَ أَيْضًا لَوْلَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَقَعَ لَهُ فِيهَا ذَلِكَ الْقَوْلُ يُصَرِّحُ فِيهَا بِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ هُوَ الْكُلِّيُّ وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ تَأْوِيلِ كَلَامِهِ بِذَلِكَ.
قَالَ (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ الْوَاجِبُ بِهِ وَهُوَ أَدَاةٌ يَفْعَلُ بِهَا فَإِنَّ الْبَاءَ كَمَا تَكُونُ سَبَبِيَّةً تَكُونُ لِلِاسْتِعَانَةِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي الْقَاعِدَةِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِيهَا صَحِيحٌ غَيْرُ مَا فِي قَوْلِهِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ عَلَى مَا سَبَقَ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
إلَّا تَعْلِيقَ التَّخْيِيرِ وَمَتَى صَحَّ تَعَلُّقُ التَّخْيِيرِ صَحَّ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الْمُخْبِرِ وَقَدْ فَرَضْنَاهُ غَيْرَ قَاصِدٍ هَذَا خُلْفٌ.
وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْغَرَامَاتِ وَالزَّكَاةِ بِالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِالسَّكْرَانِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَدْخَلَ السُّكْرَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ كَالْقَاصِدِ لِرَفْعِ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ فَعُومِلَ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ وَلَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ كَمَا حُجِرَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إلَّا فِي خُصُوصِ عُقُودِهِ وَبُيُوعِهِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ سَبَبٌ لِمَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ فَصَارَ اسْتِعْمَالُهُ تَسَبُّبًا فِي تِلْكَ الْمَفَاسِدِ فَيُؤَاخِذُهُ الشَّرْعُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهَا كَمَا وَقَعَتْ مُؤَاخَذَةُ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ بِكُلِّ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا وَكَمَا يُؤَاخَذُ الزَّانِي بِمُقْتَضَى الْمَفْسَدَةِ فِي اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ غَيْرُ الْإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ اهـ بِتَصَرُّفٍ فَافْهَمْ.
وَحَاصِلُ مَا لِابْنِ الشَّاطِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْعِ وَاجِبٌ صَحِيحٌ مُجْزِئٌ إلَّا وَهُوَ مَقْبُولٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ سَعَةِ بَابِ الثَّوَابِ وَالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِوَعْدِ الْمُطِيعِ بِالثَّوَابِ بِدُونِ أَدْنَى مُعَارِضٍ صَحِيحٍ سَالِمٍ مِنْ الِاحْتِمَالِ وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي لُزُومِ الثَّوَابِ وَالْقَبُولِ لِلْعَمَلِ الصَّحِيحِ الْمُجْزِئِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ فِي الثَّوَابِ وَالْقَبُولِ هُوَ التَّقْوَى بِمَعْنَى الْإِيمَانِ الْمُوَافِي عَلَيْهِ وَعَدَمُ لُزُومِ الثَّوَابِ وَالْقَبُولِ لِلْعَمَلِ الْمَذْكُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ شَرْطَ الثَّوَابِ وَالْقَبُولِ أَمْرٌ إنْ قَصَدَ الِامْتِثَالَ وَالتَّقْوَى الْعُرْفِيَّةَ الَّتِي هِيَ الْمُبَالَغَةُ فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ قَوْلَا ابْنِ الشَّاطِّ وَالشِّهَابِ، وَعَلَى الثَّانِي تَتَحَقَّقُ الْقَاعِدَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَحِيحٍ مُجْزِئٍ يُثَابُ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ -
(فَائِدَتَانِ) الْأُولَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُضَاعَفَةِ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّهُ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الثَّوَابِ فَقَطْ وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى الْإِجْزَاءِ عَنْ الْفَوَائِتِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ أَوْ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى صَلَاةً لَمْ تُجْزِهِ عَنْهُمَا قَطْعًا خِلَافًا لِمَا يَغْتَرُّ بِهِ بَعْضُ الْجَهَلَةِ أَفَادَهُ شَيْخُنَا نَقْلًا عَنْ الْوَالِدِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى كِتَابِهِ تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ، وَنَقَلَ الصَّاوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي رِسَالَتِهِ أَنَّ الْمُضَاعَفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَرَمِ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَوَاتِ بَلْ
стр. 306
وَأَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ فَلَحِقَهُ وَرَمَاهُ بِالْحِجَارَةِ هُنَاكَ فَشُرِعَ رَمْيُ الْجِمَارِ لِتَذَكُّرِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ السُّنِّيَّةِ وَالطَّوَاعِيَةِ التَّامَّةِ وَالْإِنَابَةِ الْجَمِيلَةِ لِيُقْتَدَى بِهِمَا فِي ذَلِكَ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْجِمَارُ لَيْسَتْ سَبَبًا بَلْ أَدَاةً يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا شَيْئًا مُعَيَّنًا بَلْ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا فَأَيُّ حَصَاةٍ أَخَذَهَا أَجْزَأَتْ وَسَدَّتْ الْمَسَدَّ وَخُصُوصُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا سَاقِطٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ وَالْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا دُونَ خُصُوصَاتِهَا، وَرَابِعُهَا: الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا أَدَوَاتٌ يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ وَسَبَبُ الْوُجُوبِ هُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ فِي الضَّحَايَا وَالتَّمَتُّعِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْهَدْيِ.
وَأَمَّا هَذِهِ الْأَنْعَامُ فَلَيْسَتْ أَسْبَابًا لِلْوُجُوبِ بَلْ أَدَوَاتٌ يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى خُصُوصَ بَدَنَةٍ دُونَ أُخْرَى بَلْ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ فَأَيُّهَا فَعَلَ سَدَّ الْمَسَدَّ وَلَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْخُصُوصِ مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الصِّفَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الثَّوَابِ وَالْمَاءِ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَخَامِسُهَا: الرِّقَابُ فِي الْعِتْقِ لَيْسَتْ أَسْبَابًا لِلْحُكْمِ بَلْ السَّبَبُ الظِّهَارُ مَثَلًا أَوْ الْيَمِينُ أَوْ إفْسَادُ صَوْمِ رَمَضَانَ عَمْدًا أَوْ الْقَتْلُ فَهَذِهِ هِيَ الْأَسْبَابُ، وَأَمَّا الرِّقَابُ فَهِيَ أَدَوَاتٌ يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ كَالْمَاءِ وَالسُّتْرَةِ وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى خُصُوصَ رَقَبَةٍ دُونَ أُخْرَى مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الصِّفَاتِ بَلْ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَهُوَ وَاجِبٌ بِهِ أَدَاةً لَا وَاجِبٌ بِهِ سَبَبًا.
الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْخِطَابِ فِيهِ التَّعَلُّقُ بِطَائِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ بَلْ هُوَ بِمُطْلَقِ الطَّائِفَةِ الصَّالِحَةِ لَا إيقَاعُ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِالْكُلِّ حَتَّى لَا يَضِيعَ الْوَاجِبُ وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ إنَّمَا هُوَ طَائِفَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ وَأَيُّ طَائِفَةٍ فَعَلَتْ سَدَّتْ الْمَسَدَّ كَالثَّوْبِ فِي السُّتْرَةِ وَالْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي الطَّوَائِفِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُكَلَّفُ وَالْمُكَلَّفُ يَجِبُ عَلَيْهِ لَا بِهِ وَلَا فِيهِ، فَإِذَا فَعَلَتْ طَائِفَةٌ سَقَطَ عَنْ الْبَقِيَّةِ لِتَحَقُّقِ الْفِعْلِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَإِذَا تَرَكَ الْجَمِيعُ أَثِمُوا لِتَعْطِيلِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا عَنْ الْفِعْلِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ تَعَيَّنَ الْفِعْلُ عَيْنًا لِانْحِصَارِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ كَآخِرِ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ وَتَعَذُّرِ غَيْرِ الثَّوْبِ الْمَوْجُودِ فِي السُّتْرَةِ حَرْفًا بِحَرْفٍ.
الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: الْوَاجِبُ عِنْدَهُ وَلَهُ مِثْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ أَحَدُهَا الشَّرْطُ فَإِنَّ الْحَوْلَ إذَا دَارَ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ لَا بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ دَوَرَانُ الْحَوْلِ بَلْ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ مِلْكُ النِّصَابِ وَلَكِنْ أَثَرُ السَّبَبِ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ دَوَرَانِ الْحَوْلِ فَدَوَرَانُ الْحَوْلِ وَاجِبٌ عِنْدَهُ لَا بِهِ وَلَمْ يَخْتَصَّ حَوْلٌ مُعَيَّنٌ بِالْوُجُوبِ عِنْدَهُ بَلْ مُطْلَقُ الْحَوْلِ وَهَذِهِ هِيَ الْحَقِيقَةُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِيهَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ مَا قَالَهُ مِنْ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْكُلِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ
قَالَ (الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِيهَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ مَا قَالَهُ مِنْ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَا سَبَقَ..
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
كُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا الْعَبْدُ فِيهِ بِمِائَةِ أَلْفٍ فَمَنْ صَامَ فِيهِ يَوْمًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ صَوْمَ مِائَةِ أَلْفِ يَوْمٍ وَمَنْ تَصَدَّقَ فِيهِ بِدِرْهَمٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً وَمَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ خَتْمَةٍ بِغَيْرِهِ وَمَنْ سَبَّحَ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ مَرَّةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ مَرَّةٍ بِغَيْرِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ اهـ.
٢ -
(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ الْبَاجِيَّ: وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ الْمَسْجِدَيْنِ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ مُخَالَفَةَ حُكْمِ مَسْجِدِ مَكَّةَ لِسَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَكَذَا مَسْجِدِ الرَّسُولِ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهَا حُكْمُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي التَّفَاضُلِ إلَّا أَنَّ حَدِيثَ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ بِمِائَةِ أَلْفٍ إذْ أُثِيبَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ نَفْسَ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ نَفْسِ الْمَدِينَةِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْوَالِدِ عَلَى كِتَابِهِ تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ قُلْتُ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَدِيثَ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ لَا تَنْحَصِرُ فِي مَزِيدِ الْمُضَاعَفَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِمِنًى عِنْدَ التَّوَجُّه بِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَإِنْ انْتَفَتْ عَنْهَا نَعَمْ إنْ ثَبَتَ حَدِيثُ «خَيْرِ بَلَدٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَأَحَبُّهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَكَّةُ» كَمَا فِي مَنَاسِكِ الصَّاوِيُّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي رِسَالَتِهِ لِأَخِيهِ كَانَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ فَيُوصَفُ فِيهِ بِالْأَدَاءِ وَبَعْدَهُ بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَنَ وَقْتُهُ وَلَا يُوصَفُ فِيهِ بِالْأَدَاءِ وَلَا بَعْدَهُ بِالْقَضَاءِ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ فَيُوصَفُ فِيهِ بِالْأَدَاءِ وَبَعْدَهُ بِالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ وَلَا يُوصَفُ فِيهِ بِالْأَدَاءِ وَلَا بَعْدَهُ بِالْقَضَاءِ وَالتَّعَيُّنُ فِي الْقِسْمَيْنِ شَرْعِيٌّ)
اعْلَمْ وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ أَنَّ تَحْرِيرَ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْوَاجِبَ قِسْمَانِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ وَهُوَ مَا جَعَلَ الشَّارِعُ لِأَدَائِهِ وَقَضَائِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَقْتًا حُدِّدَ طَرَفَاهُ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ مُعَيَّنًا فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ وَقْتُ أَدَائِهِ وَلَا وَقْتُ قَضَائِهِ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ كَالصَّوْمِ عَيَّنَ الشَّارِعُ لِأَدَائِهِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ وَلِقَضَائِهِ مَا بَعْدَهُ إلَى شَعْبَانَ بِالْأَمْرِ الثَّانِي فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ أَيْضًا بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: الْوَاجِبُ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ مَا جَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ مِنْ الْفَوْرِيَّاتِ وَقْتًا مُرَتَّبًا عَلَى ثُبُوتِ أَمْرٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ لَا لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ كَالْحَجِّ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الشَّارِعُ إلَّا مَا كَانَ عَقِيبَ الِاسْتِطَاعَةِ وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ بِحَيْثُ لَوْ
стр. 307
اللُّغَوِيَّةُ مِنْ الْحَوْلِ فَمَتَى وُجِدَتْ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ حَصَلَ الْوُجُوبُ عِنْدَهَا لَا بِهَا لَا لِخُصُوصِ ذَلِكَ الْحَوْلِ بَلْ لِمُطْلَقِ الْحَوْلِ الْمُوجِبِ لِحُصُولِ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّنْمِيَةِ فِي النِّصَابِ فَالْمُحَصِّلُ لِمَقْصُودِ الشَّرْعِ هُوَ مُطْلَقُ الْحَوْلِ لَا خُصُوصُ هَذَا الْحَوْلِ فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ كَمَا أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ النُّصُبِ هُوَ الْوَاجِبُ بِهِ وَثَانِيهَا عَدَمُ الْمَانِعِ نَحْوُ عَدَمِ الدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ وَالْحَيْضِ فِي الصَّلَاةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ مِلْكُ النِّصَابِ أَوْ زَوَالُ الشَّمْسِ فِي الصَّلَاةِ لَا لِعَدَمِ الدَّيْنِ وَلَا لِعَدَمِ الْحَيْضِ فَعَدَمُ الدَّيْنِ وَالْحَيْضِ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَعْتَبِرْ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَدَمَ خُصُوصِ دَيْنٍ دُونَ دَيْنٍ وَلَا خُصُوصِ حَيْضٍ دُونَ حَيْضٍ بَلْ مُطْلَقُ الدَّيْنِ وَمُطْلَقُ الْحَيْضِ فَهَذَا الْمُشْتَرَكُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ، وَثَالِثُهَا: وُجُوبُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فَإِنَّ عَدَمَ الْمَاءِ يَجِبُ عِنْدَهُ التَّيَمُّمُ وَلَيْسَ هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ لِلصَّلَاةِ أَوْقَاتُهَا وَأَسْبَابُ الطَّهَارَاتِ الْأَحْدَاثُ أَمَّا عَدَمُ الْمَاءِ فَلَيْسَ سَبَبًا لِوُجُوبِ التَّيَمُّمِ بَلْ الْحَدَثُ اقْتَضَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَإِنْ عُدِمَتْ طَهَارَةُ الْمَاءِ تَعَيَّنَتْ طَهَارَةُ التُّرَابِ فَعَدَمُ الْمَاءِ وَاجِبٌ عِنْدَهُ لَا بِهِ وَلَمْ يُلَاحِظْ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَدَمَ مَاءٍ مُعَيَّنٍ بَلْ عَدَمُ الْمَاءِ الطَّهُورِ الْكَافِي لِلطَّهَارَةِ دُونَ خُصُوصِ مَاءٍ فَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هَاهُنَا وَاجِبٌ عِنْدَهُ.
وَرَابِعُهَا: وُجُوبُ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ إذَا خَافَ الْهَلَاكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لَا لِأَنَّ السَّبَبَ عَدَمُ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ بَلْ السَّبَبُ إحْيَاءُ النَّفْسِ وَعَدَمُ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ وَاجِبٌ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ إحْيَاءَ النَّفْسِ اقْتَضَى أَحَدَ الْغِذَاءَيْنِ إمَّا الْمُبَاحَ أَوْ الْمَيْتَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْمُبَاحُ تَعَيَّنَتْ الْمَيْتَةُ كَاقْتِضَاءِ الْحَدَثِ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ وَلَمْ يُلَاحِظْ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَدَمَ طَعَامٍ مُبَاحٍ بِعَيْنِهِ بَلْ مُطْلَقَ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ الَّذِي يَصْلُحُ لِإِقَامَةِ الْبِنْيَةِ، وَخَامِسُهَا: عَدَمُ الْخَصْلَةِ الْأُولَى مِنْ الْخِصَالِ الْمُرَتَّبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ نَحْوُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَإِنَّ تَعَذُّرَ الْعِتْقِ يُوجِبُ الصِّيَامَ وَعَدَمُ الْعِتْقِ لَيْسَ هُوَ سَبَبَ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هُوَ الظِّهَارُ وَعَدَمُ الْعِتْقِ وَاجِبٌ عِنْدَهُ لَا بِهِ وَلَمْ يُلَاحِظْ الشَّرْعُ عَدَمَ رَقَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ عَدَمُ مُطْلَقِ الرَّقَبَةِ الصَّالِحَةِ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الظِّهَارِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ كُلُّهَا كُلِّيٌّ مُشْتَرَكٌ لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ وَالْوُجُوبُ فِيهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ أَفْرَادِهِ وَهُوَ كُلُّهُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ.
الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ الْكُلِّيُّ الْمُشْتَرَكُ الْوَاجِبُ مِنْهُ وَلَهُ مِثْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ أَحَدُهَا الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْإِبِلِ غَنَمًا فِي الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ الْكُلِّيُّ الْمُشْتَرَكُ الْوَاجِبُ مِنْهُ إلَى آخَرِ مَا قَالَهُ فِيهَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ الْكُلِّيُّ وَكَذَلِكَ مَا قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ وَالْعَاشِرَةِ غَيْرُ مَا يُشْعِرُ كَلَامُهُ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ بِالْكُلِّيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِرَارًا بَلْ الصَّحِيحُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِفَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمُعَيَّنُ الْمُشْتَرَكُ فَإِنْ عَنَى ذَلِكَ فَمُرَادُهُ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
تَأَخَّرَتْ الِاسْتِطَاعَةُ تَأَخَّرَتْ السُّنَّةُ أَوْ تَقَدَّمَتْ تَقَدَّمَتْ السُّنَّةُ فَصَارَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ تَابِعًا لِلِاسْتِطَاعَةِ لَا لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ فَحِينَئِذٍ تَعَيَّنَ أَوْقَاتُ الْعِبَادَاتِ لِمَصَالِحَ فِيهَا بِحَيْثُ إنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا عَيَّنَ شَهْرَ رَمَضَانَ لِلصَّوْمِ مَثَلًا لِمَصْلَحَةٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ الشَّرْعِ فِي
رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ
عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ فَإِنَّا إذَا لَاحَظْنَا الشَّرَائِعَ وَجَدْنَاهَا مَصَالِحَ فِي الْأَغْلَبِ أَدْرَكْنَا ذَلِكَ وَخَفِيَ عَلَيْنَا فِي الْأَقَلِّ فَقُلْنَا: ذَلِكَ الْأَقَلُّ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْأَكْثَرِ كَمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ مَلِكٍ بِأَنْ لَا يَخْلَعَ الْأَخْضَرَ إلَّا عَلَى الْفُقَهَاءِ فَإِذَا رَأَيْنَا مَنْ خُلِعَ عَلَيْهِ الْأَخْضَرُ وَلَا نَعْلَمُ قُلْنَا: هُوَ فَقِيهٌ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ ذَلِكَ الْمَلِكِ.
وَهَكَذَا لَمَّا كَانَتْ قَاعِدَةُ الشَّرْعِ
رِعَايَةَ الْمَصَالِحِ
فِي جَانِبِ الْأَوَامِرِ وَالْمَفَاسِدِ فِي جَانِبِ النَّوَاهِي عَلَى سَبِيلِ التَّفْضِيلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ الْعَقْلِيِّ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ لَزِمَ أَنْ نَعْتَقِدَ فِيمَا لَمْ نَطَّلِعْ فِيهِ عَلَى مَفْسَدَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ إنْ كَانَ فِي جَانِبِ الْأَوَامِرِ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً وَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِ النَّوَاهِي أَنَّ فِيهِ مَفْسَدَةً كَأَنْ نَقُولَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ: إنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَصَالِحَ لَا نَعْلَمُهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ تَعَبُّدِيٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَا نَعْلَمُهَا.
وَأَمَّا تَعَيُّنُ أَوْقَاتِ الْفَوْرِيَّاتِ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ إذَا طُلِبَتْ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَقْضِيَةِ الْحُكَّامِ إذَا نَهَضَتْ الْحِجَاجُ وَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ زَمَانٍ لِلسَّمَاعِ وَزَمَانٍ لِلتَّأَمُّلِ وَتَعَرُّفِ مَعْنَى الْخِطَابِ وَفِي الزَّمَنِ الثَّالِثِ يَكُونُ الْفِعْلُ زَمَانِيًّا وَبِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ يُوصَفُ الْمُكَلَّفُ بِالْمُخَالَفَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَبَعٌ لِلْمَأْمُورَاتِ وَطَرَيَانِ الْأَسْبَابِ فَتَعَيُّنُ وَقْتِ إنْقَاذِ الْغَرِيقِ تَابِعٌ لِسُقُوطِهِ فِي الْبَحْرِ فَلَوْ تَأَخَّرَ سُقُوطُهُ فِي الْبَحْرِ تَأَخَّرَ الزَّمَانُ أَوْ تَعَجَّلَ تَعَجَّلَ الزَّمَانُ.
وَتَعَيُّنُ وَقْتِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ تَابِعٌ لِوُرُودِ الصِّيغَةِ فَإِنْ تَقَدَّمَتْ تَقَدَّمَ الْوَقْتُ أَوْ تَأَخَّرَتْ تَأَخَّرَ الْوَقْتُ وَتَعَيُّنُ وَقْتِ أَقْضِيَةِ الْأَحْكَامِ تَابِعٌ لِنُهُوضِ الْحِجَاجِ لَا لِمَصْلَحَةٍ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ وَهَكَذَا يُقَالُ فِي الْبَاقِي.
وَالْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةَ وَإِنْ حَدَّ الشَّارِعُ لَهَا زَمَانًا وَهُوَ زَمَانُ الْوُقُوعِ الَّذِي أَوَّلُهُ أَوَّلُ زَمَانِ التَّكْلِيفِ وَآخِرُهُ الْفَرَاغُ مِنْهَا بِحَسَبِهَا فِي طُولِهَا وَقِصَرِهَا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَابِعًا لِمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ لَا لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ مَحْدُودَ الطَّرَفَيْنِ بِخِلَافِ زَمَانِ الْعِبَادَاتِ لَمْ يُقَلْ
стр. 308
إبِلًا فِيمَا فَوْقَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ جِنْسٌ كُلِّيٌّ يَجِبُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ وَلَمْ يُلَاحِظْ الشَّرْعُ شَاةً مُعَيَّنَةً وَلَا حِقَّةً مُعَيَّنَةً مَعَ اسْتِوَاءِ الصِّفَاتِ فِي الْجِنْسِ الْمُجْزِئِ بَلْ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ الْكُلِّيُّ هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ فَقَطْ وَثَانِيهَا الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ النَّقْدَيْنِ، وَهُوَ النَّقْدَانِ أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُمَا مِقْدَارَ رُبْعِ الْعُشْرِ زَكَاةً عَمَّا يَمْلِكُهُ وَلَمْ يُلَاحِظْ الشَّرْعُ خُصُوصَ دِينَارٍ وَلَا دِرْهَمٍ، وَثَالِثُهَا: الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَهُوَ الْحَبُّ الَّذِي غَالِبُ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْهُ يَجِبُ أَنْ يُخْرَجَ مِنْهُ صَاعٌ عَنْ كُلِّ آدَمِيٍّ إلَّا مَنْ اُسْتُثْنِيَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَرَابِعُهَا: الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ الْكَفَّارَاتُ فِي الْإِطْعَامِ وَهُوَ الْجِنْسُ الَّذِي تُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ بِعَيْنِهِ، وَخَامِسُهَا: الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ يَجِبُ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ مِمَّا فِي الْمِلْكِ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنْ يُحَصِّلَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيُخْرِجُ مِنْهُ الْعُشْرَ عَمَّا مَلَكَهُ مِنْ الْحَبِّ أَوَ الثَّمَنِ فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ كُلُّهَا أَجْنَاسٌ كُلِّيَّةٌ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً يَجِبُ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا وَلَمْ يُلَاحِظْ الشَّارِعُ فِيهَا مُعَيَّنًا بَلْ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ تِلْكَ الْمُعَيَّنَاتِ.
الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ الْوَاجِبُ عَنْهُ وَهُوَ جِنْسُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يُخْرَجَ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُ صَاعٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَلَمْ يُلَاحِظْ الشَّارِعُ خُصُوصَ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ بَلْ مَفْهُومُ الْإِنْسَانِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لِأَجْلِهَا تَجِبُ عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ كَانَ ذَلِكَ الْمُخْرَجُ عَنْهُ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِوَصِيَّةٍ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ وَلِيٍّ بِقَرَابَةٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ رَقِيقٍ فَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ دُونَ خُصُوصِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ زَوْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ الْوَاجِبُ مِثْلُهُ وَلَهُ مِثَالَانِ: أَحَدُهُمَا جَزَاءُ الصَّيْدِ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُ مِثْلِ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مُطْلَقُ الْغَزَالِ وَمُطْلَقُ بَقَرِ الْوَحْشِ دُونَ خُصُوصِ ظَبْيٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ الْوَاجِبُ مَنُوطٌ بِمُطْلَقِ ذَلِكَ الْجِنْسِ الْكُلِّيِّ وَخُصُوصِ كُلِّ صَيْدٍ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ سَاقِطٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي الْجَزَاءِ فَهَذَا الْجِنْسُ الْكُلِّيُّ هُوَ الْوَاجِبُ مِثْلُهُ، وَثَانِيهِمَا: الْمُتْلَفُ الْمِثْلِيُّ مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ تَجِبُ غَرَامَةُ مِثْلِهِ كَمَنْ أَتْلَفَ قَفِيزَ قَمْحٍ يَجِبُ عَلَيْهِ غَرَامَةُ قَفِيزٍ مِثْلِهِ أَوْ رِطْلَ زَيْتٍ يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ رِطْلِ زَيْتٍ مِثْلِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِ ذَلِكَ الرِّطْلِ الزَّيْتِ وَتَعَيُّنِهِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ كَوْنُهُ زَيْتًا مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ هِيَ مُتَعَلِّقُ الْأَغْرَاضِ نَحْوُ كَوْنِهِ زَيْتًا اتِّفَاقًا وَزَيْتَ بِزْرِ كَتَّانٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ إخْرَاجِ مِثْلِهِ حَتَّى إنَّ أَفْرَادَ الْأَرْطَالِ مِنْ الْغَلَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الزَّيْتِ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ وَالْمُعْتَبَرُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا دُونَ خُصُوصِ رِطْلٍ دُونَ رِطْلٍ، وَكَذَلِكَ الْمِثْلِيَّاتُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ أَجْنَاسُهَا وَصِفَاتُهَا الْعَامَّةُ دُونَ خُصُوصِ الْمُعَيَّنَاتِ، فَهَذَا جِنْسٌ كُلِّيٌّ هُوَ الْوَاجِبُ مِثْلُهُ.
الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ الْوَاجِبُ إلَيْهِ وَلَهُ مِثْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ أَحَدُهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ فِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لِلْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ لَهَا شَرْعًا أَدَاءً وَلَا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَهُ قَضَاءً بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ.
وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَدَاءَ هُوَ إيقَاعُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَقَيْدُ فِي وَقْتِهِ يُخْرِجُ الْقَضَاءَ وَقَيْدُ الْمَحْدُودِ لَهُ يُخْرِجُ الْوَاجِبَ الْمُغَيَّا بِجَمِيعِ الْعُمْرِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقَيْدُ شَرْعًا يُخْرِجُ الْمَحْدُودَ عُرْفًا وَقَيْدُ لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ يُخْرِجُ الْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّ تَحْدِيدَ وَقْتِهَا شَرْعًا تَابِعٌ لِحُصُولِ أَمْرٍ لَا لِمَصْلَحَةٍ فِي الْوَقْتِ كَمَا عَلِمْتَ فَلَا يُوصَفُ الْفِعْلُ بِالْأَدَاءِ إلَّا إذَا وَقَعَ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ فَوَقْتُ الْأَدَاءِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ الْكُلُّ لَا جُزْءٌ مِنْهُ لَا بِعَيْنِهِ يَتَعَيَّنُ بِالْوُقُوعِ فِيهِ سَوَاءٌ وَقَعَ فِي الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْفِعْلُ بِمَعْنَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ جُزْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ لَا بِعَيْنِهِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا يَتَعَيَّنُ بِالْوُقُوعِ فِيهِ إنْ فُعِلَ فِي الْوَقْتِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ الْآخِرُ فَالْوُجُوبُ لِلْأَدَاءِ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ مَعَ الشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ السَّعْدُ فِي شَرْحِ التَّوْضِيحِ أَفَادَهُ الشِّرْبِينِيُّ عَلَى حَوَاشِي مَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ فِعْلُ الشَّيْءِ كَيْفَ كَانَ وَعَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] أَيْ فَإِذَا فُعِلَتْ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ لَهُ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ أَحَدُهَا مَا يُقَابِلُ الْأَدَاءَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ إيقَاعُ الْوَاجِبِ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ بِالْأَمْرِ الثَّانِي فَقَيْدُ خَارِجَ وَقْتِهِ يُخْرِجُ الْأَدَاءَ وَقَيْدُ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا يُخْرِجُ الْمَحْدُودَ وَقْتُهُ عُرْفًا وَقَيْدُ لِمَصْلَحَةٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْوَقْتُ يُخْرِجُ الْوَاجِبَاتِ الْفَوْرِيَّةَ؛ لِأَنَّ تَحْدِيدَ وَقْتِهَا شَرْعًا تَابِعٌ لِحُصُولِ أَمْرٍ لَا لِمَصْلَحَةٍ كَمَا عَلِمْتَ فَلَا يُوصَفُ الْفِعْلُ بِالْقَضَاءِ إلَّا إذَا وَقَعَ خَارِجَ وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ وَقَيَّدَ بِالْأَمْرِ الثَّانِي لِدَفْعِ نَقْضٍ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِقَضَاءِ رَمَضَانَ جُمْلَةَ السَّنَةِ كُلِّهَا الَّتِي تَلِي شَهْرَ الْأَدَاءِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ الْمَحْدُودِ لَهُ شَرْعًا وَلَيْسَ أَدَاءً، وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ وَإِنْ دَخَلَ فِي حَدِّ الْأَدَاءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَيَّنَ لَهُ السَّنَةَ تَعْيِينًا لَا كَسَنَةِ الْحَجِّ لِخُصُوصِ كَوْنِهَا تَابِعَةً لِلِاسْتِطَاعَةِ غَيْرَ مَحْدُودَةِ الطَّرَفَيْنِ بَلْ إنَّمَا عَيَّنَهَا لَهُ مَحْدُودَةَ الطَّرَفَيْنِ
لِمَصْلَحَةٍ
يَخْتَصُّ بِهَا لَا نَعْلَمُهَا لَا لِخُصُوصِ كَوْنِهَا تَابِعَةً لِتَرْكِ الصَّوْمِ إلَّا أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ
стр. 309
الصَّوْمِ يَجِبُ الصَّوْمُ إلَيْهِ وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ جِنْسُ الْغُرُوبِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ أَمَّا كَوْنُهُ غُرُوبَ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَسَاقِطٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ بَلْ مَتَى تَحَقَّقَ الْغُرُوبُ فِي أَيِّ يَوْمٍ كَأَنْ سَقَطَ وُجُوبُ الصَّوْمِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ وَانْتَقَلَ الْمُكَلَّفُ إلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ لِوُجُودِ مَفْهُومِ الْغُرُوبِ فِي أَيِّ يَوْمٍ كَانَ وَلَا عِبْرَةَ بِخُصُوصِ الْأَيَّامِ فَهَذَا جِنْسٌ عَامٌّ كُلِّيٌّ يَجِبُ الْفِعْلُ إلَيْهِ وَهُوَ مُلَابَسَةٌ ضِدُّ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ.
وَثَانِيهَا: هِلَالُ شَوَّالٍ يَجِبُ تَتَابُعُ الصَّوْمِ فِي الْأَيَّامِ إلَيْهِ كَمَا يَجِبُ إيصَالُ الصَّوْمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَمُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ هُوَ كَوْنُهُ هِلَالَ شَوَّالٍ أَمَّا كَوْنُهُ هَذَا الْهِلَالَ أَوْ ذَلِكَ أَوْ كَوْنُهُ مِنْ سَنَةِ سِتِّينَ أَوْ مِنْ سَنَةِ سَبْعِينَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَلْ مُطْلَقُ هِلَالِ شَوَّالٍ كَيْفَ كَانَ مِنْ أَيِّ سَنَةٍ كَانَ.
وَثَالِثُهَا: أَوَاخِرُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَالْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ يَجِبُ إيصَالُ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ إلَى تِلْكَ الْغَايَاتِ، وَكَذَلِكَ الْإِحْدَادُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الْغَايَةِ مِنْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ كَوْنُهُ كَمَالَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ هَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ وَمَا عَدَاهُ لَغْوٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَهَذِهِ أَجْنَاسٌ عَشَرَةٌ اشْتَرَكَتْ كُلُّهَا فِي تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِمَعْنًى كُلِّيٍّ وَاخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِخُصُوصٍ كَمَا تَقَدَّمَ كَكَوْنِهِ فِيهِ وَبِهِ وَعَنْهُ وَمِنْهُ وَإِلَيْهِ وَعَلَيْهِ وَعِنْدَهُ وَبِهِ نُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْأَبْوَابِ كُلِّهَا مُتَعَلِّقًا بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَلْيَكُنْ الْكُلُّ وَاجِبًا مُخَيَّرًا فَلِمَ اخْتَلَفَتْ الْأَسْمَاءُ؟ فَنُجِيبُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ الْعَامَّ الَّذِي هُوَ تَعَلَّقَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ قَدْ حَصَلَ تَحْتَهُ أَيْضًا أَجْنَاسٌ كُلِّيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أَفْرَادِهَا وَلِكُلِّ جِنْسٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ خُصُوصٌ عَامٌّ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْجِنْسِ، وَالْأَصْلُ إذَا اخْتَلَفَتْ الْحَقَائِقُ الْكُلِّيَّةُ أَوْ الْجُزْئِيَّةُ أَنْ تَخْتَلِفَ الْأَسْمَاءُ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا حَتَّى تَحْصُلَ فَائِدَةُ التَّعْبِيرِ عَنْ خُصُوصِ كُلِّ حَقِيقَةٍ كَانَتْ جِنْسًا أَوْ شَخْصًا فَهَذَا تَقْرِيرُ هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ قَوَاعِدِهِ الْعَشَرَةِ.
(الْفَرْقُ السَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ فِي نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا) هَذَا الْفَرْقُ بَالَغَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي اعْتِبَارِهِ حَتَّى أَثْبَتَ عُقُودَ الرِّبَا وَإِفَادَتَهَا الْمِلْكَ فِي أَصْلِ الْمَالِ الرِّبَوِيِّ وَرَدِّ الزَّائِدِ فَإِذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ أَوْجَبَ الْعَقْدُ دِرْهَمًا مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ وَيُرَدُّ الدِّرْهَمُ الزَّائِدُ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الرِّبَوِيَّاتِ وَبَالَغَ قُبَالَتَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إلْغَاءِ هَذَا الْفَرْقِ حَتَّى أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِالثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (شِهَابُ الدِّينِ الْفَرْقُ السَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ فِي نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ إلَى قَوْلِهِ وَهَذَا فِقْهٌ حَسَنٌ) قُلْتُ مَا قَالَهُ حِكَايَةُ مَذْهَبٍ وَتَقْرِيرُهُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُرَكَّبَةَ كَمَا تَعْدَمُ لِعَدَمِ كُلِّ أَجْزَائِهَا تَعْدَمُ بِعَدَمِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ إذَا عَدِمَ بَعْضَ الْأَجْزَاءُ لَمْ تَتَرَكَّبْ تِلْكَ الْمَاهِيَّةُ فَلَا يَكُونُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حَدِّ الْأَدَاءِ بِقَيْدِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ وَدَخَلَ فِي حَدِّ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِقَيْدِ بِالْأَمْرِ الثَّانِي فِيهِ فَافْهَمْ.
وَثَانِيهَا: إيقَاعُ الْوَاجِبِ تَعْيِينُهُ بِالشُّرُوعِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ بِقَضَاءِ مَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَأَبْطَلَهُ لِوُجُوبِهَا بِالشُّرُوعِ عَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَ الْإِمَامَيْنِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ لِلْفَرِيقَيْنِ وَمِنْهُ حِجَّةُ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الْحِجَّةِ الْفَاسِدَةِ.
وَثَالِثُهَا: مَا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ وَضْعِهِ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَقْتِ وَالتَّعْيِينِ بِالشُّرُوعِ وَمِنْهُ قَضَاءُ الْمَأْمُومِ الْمَسْبُوقِ مَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فَاتَتَاهُ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ جَهْرًا تُسَمَّى قَضَاءً اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا صُلِّيَتَا جَهْرًا وَقَدْ صَارَا أَخِيرَيْنِ كَانَا عَلَى خِلَافِ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ مِنْ تَقَدُّمِ الْجَهْرِ عَلَى السِّرِّ، وَقَوْلُهُمْ الْمَأْمُورُ فِيمَا فَاتَهُ هَلْ يَكُونُ قَاضِيًا أَوْ بَانِيًا إنَّمَا هُوَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَعْيِينِ الْقَضَاءِ أَيْ هَلْ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ أَوَّلًا لَا فِي أَنَّهُ يُسَمَّى قَضَاءً لَوْ وَقَعَ كَذَلِكَ فَافْهَمْ.
وَرَابِعُهَا: إيقَاعُ الْفِعْلِ بَعْدَ تَقَدُّمِ سَبَبِهِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ إنَّ السُّنَنَ تُقْضَى لِتَقَدُّمِ أَسْبَابِهَا لَا لِلشُّرُوعِ فِيهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَمَعَانِي لَفْظِ الْقَضَاءِ خَمْسَةٌ مُخْتَلِفَةٌ أَرْبَعَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ وَوَاحِدٌ لُغَوِيٌّ فَلَا يَرِدُ صِدْقُهُ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ مَعَانِيهِ عَلَى غَيْرِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّنَا لَهُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ الْآخَرِ لَا نَقْضًا وَلَا سُؤَالًا أَلَا تَرَى أَنَّا إذَا حَدَّدْنَا الْعَيْنَ بِمَعْنَى الْحَدَقَةِ بِأَنَّهَا عُضْوٌ يَتَأَتَّى بِهِ الْإِبْصَارُ لَا نَلْتَفِتُ لِلْقَوْلِ بِنَقْضِهِ بِعَيْنِ الْمَاءِ وَبِالذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَعَانِيَ الْمُخْتَلِفَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ حُدُودُهَا مُخْتَلِفَةً فَحِينَئِذٍ اسْتَقَامَ مَا ذُكِرَ مِنْ حَدِّ الْقَضَاءِ وَحَدِّ الْأَدَاءِ وَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ بِتَحْدِيدِ طَرَفَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ فَيُوصَفُ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَعَيَّنَ وَقْتُهُ بِغَيْرِ تَحْدِيدِ طَرَفَيْهِ لِانْتِفَاءِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ بَلْ تَعْيِينًا تَابِعًا لِتَحَقُّقِ أَمْرٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فَلَا يُوصَفُ لَا بِالْأَدَاءِ وَلَا بِالْقَضَاءِ.
وَظَهَرَ أَيْضًا أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ثُمَّ عَاشَ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ مِنْهُ أَدَاءً؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْوَقْتِ لَمْ تَكُنْ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ بَلْ تَبَعٌ لِلظَّنِّ الْكَاذِبِ وَهَلْ هُوَ قَضَاءٌ قَوْلَانِ لِلْقَاضِي وَالْغَزَالِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَسَيَأْتِي عَنْ ابْنِ الشَّاطِّ أَنَّ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّهُ قَضَاءٌ دَعْوَى لَا حُجَّةَ عَلَيْهَا أَلْبَتَّةَ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَاتِ بِاعْتِبَارِ الِاتِّصَافِ بِالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ مَا يُوصَفُ بِهِمَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ الِاصْطِلَاحِيِّ
стр. 310
وَالْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْمَسْرُوقِ وَالذَّبْحَ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ وَسَوَّى فِيهِ بَيْنَ مَوَارِدِ النَّهْيِ وَتَوَسَّطَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ فَأَوْجَبَا الْفَسَادَ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ دُونَ بَعْضٍ، وَأَنَا أَذْكُرُ حُجَجَ الْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ أُذَيِّلُ بِمَسَائِلَ تُوَضِّحُ الْفَرْقَ.
احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِأَنَّ النَّهْيَ إذَا كَانَ فِي نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ فِي نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ وَالْمُتَضَمِّنُ لِلْمُفْسِدَةِ فَاسِدٌ فَإِنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا يَعْتَمِدُ الْمَصَالِحَ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَبَيْعِ السَّفِيهِ، وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ أَرْكَانَ الْعَقْدِ أَرْبَعَةٌ: عِوَضَانِ وَعَاقِدَانِ فَمَتَى وُجِدَتْ الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ سَالِمَةً عَنْ النَّهْيِ فَقَدْ وُجِدَتْ الْمَاهِيَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا سَالِمَةً عَنْ النَّهْيِ فَيَكُونُ النَّهْيُ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا وَمَتَى انْخَرَمَ وَاحِدٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ عُدِمَتْ الْمَاهِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُرَكَّبَةَ كَمَا تُعْدَمُ لِعَدَمِ كُلِّ أَجْزَائِهَا تُعْدَمُ لِعَدَمِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا فَإِذَا بَاعَ سَفِيهٌ مِنْ سَفِيهٍ خَمْرًا بِخِنْزِيرٍ فَجَمِيعُ الْأَرْكَانِ مَعْدُومَةٌ فَالْمَاهِيَّةُ مَعْدُومَةٌ وَالنَّهْيُ وَالْفَسَادُ فِي نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ وَإِذَا بَاعَ رَشِيدٌ مِنْ رَشِيدٍ ثَوْبًا بِخِنْزِيرٍ فَقَدْ فُقِدَ رُكْنٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَتَكُونُ الْمَاهِيَّةُ مَعْدُومَةً شَرْعًا وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
فَإِذَا بَاعَ رَشِيدٌ مِنْ رَشِيدٍ فِضَّةً بِفِضَّةٍ فَالْأَرْكَانُ الْأَرْبَعَةُ مَوْجُودَةٌ سَالِمَةٌ عَنْ النَّهْيِ الشَّرْعِيِّ فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى الْفِضَّتَيْنِ أَكْثَرَ فَالْكَثْرَةُ وَصْفٌ حَصَلَ لِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فَالْوَصْفُ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ دُونَ الْمَاهِيَّةِ فَهَذَا هُوَ تَحْرِيرُ كَوْنِ النَّهْيِ فِي الْمَاهِيَّةِ أَوْ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا وَخَرَجَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ عُقُودِ الرِّبَا وَجَمِيعُ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الضَّابِطِ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ فِي الْمِثَالِ فَمَتَى وُجِدَتْ الْأَرْكَانُ كُلُّهَا وَأَجْزَاءُ الْمَاهِيَّةِ فَالنَّهْيُ فِي الْخَارِجِ وَمَتَى كَانَ النَّهْيُ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاهِيَّةِ أَوْ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَالنَّهْيُ فِي الْمَاهِيَّةِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلُ الْمَاهِيَّةِ سَالِمٌ عَنْ الْمَفْسَدَةِ وَالنَّهْيُ إنَّمَا هُوَ فِي الْخَارِجِ عَنْهَا فَلَوْ قُلْنَا بِالْفَسَادِ مُطْلَقًا لَسَوَّيْنَا بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ الْمُتَضَمَّنَةِ لِلْفَسَادِ وَبَيْنَ السَّالِمَةِ عَنْ الْفَسَادِ، وَلَوْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا لَسَوَّيْنَا بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ السَّالِمَةِ فِي ذَاتِهَا وَصِفَاتِهَا وَبَيْنَ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْفَسَادِ فِي صِفَاتِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَوَاطِنِ الْفَسَادِ وَبَيْنَ السَّالِمِ عَنْ الْفَسَادِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
ذَلِكَ الْجُزْءُ الْمَعْدُومُ جُزْءًا مِنْهَا إلَّا بِالتَّوَهُّمِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا فِي غَيْرِ هَذَا الْفَرْضِ أَمَّا فِي هَذَا فَلَا وَغَيْرُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِقْهٌ حَسَنٌ وَهُوَ قَوْلُهُ.
(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلُ الْمَاهِيَّةِ سَالِمٌ عَنْ الْمَفْسَدَةِ وَالنَّهْيُ إنَّمَا هُوَ فِي الْخَارِجِ عَنْهَا فَلَوْ قُلْنَا بِالْفَسَادِ مُطْلَقًا لَسَوَّيْنَا بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْفَسَادِ وَبَيْنَ السَّالِمَةِ عَنْ الْفَسَادِ وَلَوْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا لَسَوَّيْنَا بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ السَّالِمَةِ فِي ذَاتِهَا وَصِفَاتِهَا وَبَيْنَ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْفَسَادِ فِي صِفَاتِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَوَاطِنِ الْفَسَادِ وَبَيْنَ السَّالِمِ عَنْ الْفَسَادِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَرَمَضَانَ.
وَالثَّانِي: مَا لَا يُوصَفُ بِهِمَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ الِاصْطِلَاحِيِّ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهِمَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي الِاصْطِلَاحِيِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْأَحْنَافِ أَوْ بِالْمَعْنَى الرَّابِعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَالنَّوَافِلِ فَافْهَمْ.
وَالثَّالِثُ: مَا يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ فَقَطْ كَالْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْعِبَادَاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدَاءِ الَّذِي يَثْبُتُ مَعَهُ الْإِثْمُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدَاءِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْإِثْمُ)
وَذَلِكَ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ حَدِّ الْأَدَاءِ وَحَدِّ الْقَضَاءِ لَمَّا لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِمَا لِأَحْوَالِ الْمُكَلَّفِ بَلْ لِلْعِبَادَةِ فَقَطْ وَكَانَ حَدُّ الْأَدَاءِ يَصْدُقُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ أَدَاءِ الظُّهْرِ مِنْ أَوَّلِ الزَّوَالِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ أَدَاءِ الْمَغْرِبِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ بِسَبَبِ أَنَّ أَرْبَابَ الْأَعْذَارِ يُدْرِكُونَ الظُّهْرَيْنِ بِزَوَالِ عُذْرِهِمْ فِي مِقْدَارِ مَا يَسَعُ خَمْسَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَيُدْرِكُونَ صَلَاتَيْ اللَّيْلِ بِزَوَالِهِ فِي مِقْدَارِ مَا يَسَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ لَا يَلْزَمُ أَرْبَابَ الْأَعْذَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ صَلَاةُ النَّهَارِ إذَا لَمْ يَزُلْ عُذْرُهُمْ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَا صَلَاةُ اللَّيْلِ إذَا لَمْ يَزُلْ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا مَنَعَ الْمُكَلَّفَ الَّذِي لَا عُذْرَ لَهُ مِنْ تَأْخِيرِ الْعِبَادَاتِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ مُطْلَقًا وَحَدُّ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ فِي الظُّهْرِ بِآخِرِ الْقَامَةِ وَفِي الْعَصْرِ بِالِاصْفِرَارِ وَفِي الْمَغْرِبِ عَلَى زَاوِيَةِ اتِّحَادِهِ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهِيَ الْأَشْهَرُ وَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ الِاتِّحَادُ هُوَ الْمَشْهُورُ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ فِعْلُهَا بَعْدَ شُرُوطِهَا وَعَلَى رِوَايَةِ امْتِدَادِهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ الْقَوْلُ بِالِامْتِدَادِ هُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ فِي أَحْكَامِهِ إنَّهُ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلُهُ الَّذِي فِي مُوَطَّئِهِ الَّذِي قَرَأَهُ طُولَ عُمْرِهِ وَأَمْلَاهُ حَيَاتَهُ اهـ. بِغِيَابِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ عَلَى خَلِيلٍ، وَفِي الْعِشَاءِ أَمَّا بِثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا بِنِصْفِهِ عَلَى الْخِلَافِ وَحَدُّ وَقْتِ الِاضْطِرَارِ فِي الظُّهْرِ مِنْ بَعْدِ الْقَامَةِ وَالْعَصْرِ مِنْ بَعْدِ الِاصْفِرَارِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فِيهِمَا وَفِي الْمَغْرِبِ إمَّا مِنْ بَعْدِ مَا يَسَعُهَا بِشُرُوطِهَا أَوْ مِنْ بَعْدِ غِيَابِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي الْعِشَاءِ إمَّا مِنْ بَعْدِ الثُّلُثِ أَوْ النِّصْفِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فِيهِمَا بِحَيْثُ إنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ حَجَرَ عَلَى الْمُخْتَارِينَ مِنْ إيقَاعِ الظُّهْرِ مَثَلًا فِيمَا بَعْدَ الْقَامَةِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَمِنْ إيقَاعِ الْمَغْرِبِ مَثَلًا فِيمَا بَعْدَ مَا يَسَعُهَا بِشُرُوطِهَا أَوْ فِيمَا بَعْدَ غِيَابِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْوَقْتَيْنِ
стр. 311
خِلَافُ الْقَوَاعِدِ فَتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَابَلَ الْأَصْلُ بِالْأَصْلِ وَالْوَصْفُ بِالْوَصْفِ فَنَقُولُ أَصْلُ الْمَاهِيَّةِ سَالِمٌ عَنْ النَّهْيِ.
وَالْأَصْلُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَعُقُودِهِمْ الصِّحَّةُ حَتَّى يَرِدَ نَهْيٌ فَيَثْبُتُ لِأَصْلِ الْمَاهِيَّةِ الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ الصِّحَّةُ وَيَثْبُتُ لِلْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَفْسَدَةِ الْوَصْفُ الْعَارِضُ وَهُوَ النَّهْيُ فَيَفْسُدُ الْوَصْفُ دُونَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁ بِأَنَّ النَّهْيَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ وَمَتَى وَرَدَ نَهْيٌ أَبْطَلْنَا ذَلِكَ الْعَقْدَ وَذَلِكَ التَّصَرُّفَ بِجُمْلَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ إنَّمَا اقْتَضَى تِلْكَ الْمَاهِيَّةَ بِذَلِكَ الْوَصْفِ أَمَّا بِدُونِهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ غَيْرَ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ فَيُرَدُّ مِنْ يَدِ قَابِضِهِ بِغَيْرِ عَقْدٍ، وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ مَعْدُومٌ شَرْعًا وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ حِسًّا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، فَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ بَاطِلَةٌ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ وَالذَّبْحُ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمَسْرُوقَةِ فَهِيَ كُلُّهَا مَعْدُومَةٌ شَرْعًا فَتَكُونُ مَعْدُومَةً حِسًّا وَمَنْ فَرَى الْأَوْدَاجَ بِغَيْرِ أَدَاةٍ حِسًّا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ فَكَذَلِكَ ذَبِيحَةُ الذَّابِحِ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبَةٍ وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ.
وَأَمَّا نَحْنُ فَتَوَسَّطْنَا بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ فَقُلْنَا بِالْفَسَادِ لِأَجْلِ النَّهْيِ عَنْ الْوَصْفِ فِي مَسَائِلَ دُونَ مَسَائِلَ وَلْنَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
خِلَافُ الْقَوَاعِدِ فَتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَابَلَ الْأَصْلُ بِالْأَصْلِ وَالْوَصْفُ بِالْوَصْفِ فَنَقُولُ أَصْلُ الْمَاهِيَّةِ سَالِمٌ عَنْ النَّهْيِ وَالْأَصْلُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَعُقُودِهِمْ الصِّحَّةُ حَتَّى يَرِدَ نَهْيٌ فَيُثْبِتَ لِأَصْلِ الْمَاهِيَّةِ الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ الصِّحَّةُ وَيُثْبِتَ لِلْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَفْسَدَةِ الْوَصْفَ الْعَارِضَ وَهُوَ النَّهْيُ فَيَفْسُدُ الْوَصْفُ دُونَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ) قُلْتُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْوَصْفَ إذَا نَهَى عَنْهُ سَرَى النَّهْيُ إلَى الْمَوْصُوفِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا وُجُودَ لَهُ مُفَارِقًا لِلْمَوْصُوفِ فَيَئُولُ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ يَتَسَلَّطُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ فَتَكُونُ الْمَاهِيَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ عَارٍ عَنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ فَلَا يَتَسَلَّطُ النَّهْيُ عَلَيْهِ وَمُتَّصِفٌ بِذَلِكَ الْوَصْفِ فَيَتَسَلَّطُ النَّهْيُ عَلَيْهِ.
قَالَ (وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَنَّ النَّهْيَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ إلَى قَوْلِهِ وَلِنَذْكُرَ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ) قُلْتُ فِيمَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَمِنْ تَسْوِيَتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الرِّبَا نَظَرٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَمْ يَتَسَلَّطْ النَّهْيُ فِيهَا عَلَى الْمَاهِيَّةِ وَلَا عَلَى وَصْفِهَا بَلْ تَسَلَّطَ عَلَى الْغَصْبِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضِ لِكَوْنِهِ فِي وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِ وُضُوءٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الرِّبَا فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ فِي الْآيَةِ ظَاهِرُهُ التَّسَلُّطُ عَلَى الرِّبَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِهِ فِي الْبَيْعِ أَوْ لَا فَإِنَّ الْحَدِيثَ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمَذْكُورَيْنِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَدَاءِ الْمَارِّ كَانَ إيقَاعُ الْمُخْتَارِينَ الظُّهْرَ بَعْدَ الْقَامَةِ وَالْعَصْرَ بَعْدَ الِاصْفِرَارِ وَالْمَغْرِبَ بَعْدَ مَا يَسَعُهَا بِشُرُوطِهَا أَوْ بَعْدَ غِيَابِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ وَالْعِشَاءَ بَعْدَ الثُّلُثِ أَوْ النِّصْفِ أَدَاءً مَعَهُ الْإِثْمُ لِتَعَدِّيهِمْ مَا حَدَّدَهُ لَهُمْ صَاحِبُ الشَّرْعِ وَإِيقَاعِهِمْ الظُّهْرَ فِي الْقَامَةِ وَالْمَغْرِبَ فِيمَا يَسَعُهَا بِشُرُوطِهَا أَدَاءً لَيْسَ مَعَهُ إثْمٌ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِمْ مَا حَدَّدَهُ لَهُمْ صَاحِبُ الشَّرْعِ إذْ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ أَنْ يُحَدِّدَ لِلْعِبَادَةِ وَقْتًا وَيَجْعَلَ نِصْفَهُ الْأَوَّلَ لِطَائِفَةٍ وَنِصْفَهُ الْآخَرَ لِطَائِفَةٍ أُخْرَى فَتَأْثَمُ الْأُولَى بِتَعَدِّيهَا لِغَيْرِ وَقْتِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَامَةَ وَقْتُ أَدَاءً بِلَا خِلَافٍ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ طَائِفَةٍ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ إلَى آخِرِ الْقَامَةِ بَلْ لِنِصْفِهَا لَجَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ نِصْفَ الْقَامَةِ وَقْتًا لِهَؤُلَاءِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مِنْ الْقَامَةِ لَيْسَ وَقْتًا لَهُمْ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا جَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ وَقْتَ الظُّهْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ الْمَغْرِبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَحَجَرَ عَلَى الْمُخْتَارِينَ الْوُصُولَ إلَيْهِ وَجَعَلَهُمْ بِتَعَدِّي الْقَامَةِ وَغِيَابِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ مُؤَدِّينَ آثِمِينَ وَجَعَلَ لِأَرْبَابِ الْأَعْذَارِ إدْرَاكَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَدَاءً بِلَا إثْمٍ فِيمَا يَسَعُ خَمْسَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِدْرَاكُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ أَدَاءً بِلَا إثْمٍ فِيمَا يَسَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ.
فَظَهَرَ بِهَذَا تَحْرِيرُ الْفَرْقِ وَزَالَ مَا اسْتَشْكَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْنَا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْإِثْمِ عَلَى أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِهِ فِيمَنْ ظَنَّ مَا ذَكَرَ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِهِ فِي الْمُخْتَارِينَ بِالْأَوْلَى هَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ اصْطِلَاحَ الْفُقَهَاءِ مُوَافِقٌ لِتَحْدِيدِهِ الْأَدَاءَ أَوْ عَلَى تَسْلِيمِ اصْطِلَاحِهِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَتَصْحِيحُ تَحْدِيدِهِ إلَّا أَنَّ دَعْوَاهُ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ جَعَلَ نِصْفَ الْقَامَةِ وَقْتًا لِمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى نِصْفِهَا بَاطِلَةٌ بِلَا شَكٍّ وَإِنْ كَانَ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ فَهُوَ مَذْهَبٌ ذَاهِبٌ وَدَعْوَى لَا حُجَّةَ عَلَيْهَا أَلْبَتَّةَ فَلَا يَصِحُّ التَّنْظِيرُ بِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ تَحْدِيدَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ بِالْقَامَةِ مَثَلًا ثَابِتٌ مِنْ الشَّرْعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتَحْدِيدُ الْوَقْتِ بِالظَّنِّ الْمَذْكُورِ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ الشَّرْعِ وَلَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَلَا قَطْعِيٍّ بِوَجْهٍ بَلْ الْحَقُّ أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ إنْ وَقَعَ الْأَمْرُ لِمَا ظَنَّهُ فَأَمَّا أَنْ يُوقِعَ الصَّلَاةَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ قَدْ أَوْقَعَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَفَازَ بِأَجْرِهِ.
وَأَمَّا أَنْ لَا يُوقِعَهَا فَلَا يُؤَاخَذُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ
стр. 312
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ قُلْنَا نَحْنُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ بِصِحَّتِهَا وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ بِبُطْلَانِهَا فَنَحْنُ نُلَاحِظُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ قَدْ وُجِدَ فِيهَا بِكَمَالِهِ مَعَ مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ فَالصَّلَاةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ حَاصِلَةٌ غَيْرَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ جَنَى عَلَى حَقِّ صَاحِبِ الدَّارِ فَالنَّهْيُ فِي الْمُجَاوِرِ وَالْحَنَابِلَةُ مَشَوْا عَلَى أَصْلِهِمْ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) غَاصِبُ الْخُفِّ إذَا مَسَحَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا صَحَّتْ طَهَارَتُهُ وَصَلَاتُهُ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَبْطُلُ وَالْمُدْرَكُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مُحَصِّلٌ لِلطَّهَارَةِ بِكَمَالِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا وَإِنَّمَا هُوَ جَانٍ عَلَى حَقِّ صَاحِبِ الْخُفِّ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْفَرْعِ وَبَيْنَ الْمُحْرِمِ إذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ مُخَاطَبٌ فِي طَهَارَتِهِ بِالْغُسْلِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَمْ تَحْصُلْ بِهِ حَقِيقَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِكَمَالِهِ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ حَصَّلَ حَقِيقَةَ الْمَأْمُورِ بِهِ بِكَمَالِهِ مَعَ حَقِيقَةِ النَّهْيِ فَكَانَ النَّهْيُ فِي الْمُجَاوِرِ، وَكَثِيرًا مَا يُسْأَلُ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأُمُورٍ وَعِبَارَاتٍ لَيْسَ فِيهَا إبَانَةٌ عَنْ الْمَقْصُودِ وَسِرُّ الْفَرْقِ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ وُجُودِ كَمَالِ حَقِيقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْغَاصِبِ وَعَدَمُ وُجُودِهَا فِي الْمُحْرِمِ فَفِي صُورَةِ الْغَاصِبِ نَهْيٌ عَنْ مُجَاوِرٍ وَفِي صُورَةِ الْمُحْرِمِ عَدَمُ الْمَأْمُورِ بِهِ فَبَقِيَتْ الذِّمَّةُ مَشْغُولَةً بِالْمَأْمُورِ فَالْبَابَانِ مُخْتَلِفَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَاصٍ بِاللُّبْسِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الَّذِي يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ يَتَوَضَّأُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ يَحُجُّ بِمَالٍ حَرَامٍ كُلُّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ فِي الصِّحَّةِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَالْعِلَّةُ وَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْحَجِّ وَالسُّتْرَةِ وَصُورَةِ التَّطَهُّرِ قَدْ وُجِدَتْ مِنْ حَيْثُ الْمَصْلَحَةُ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِذْنُ الشَّرْعِيُّ وَإِذَا حَصَلَتْ حَقِيقَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَصْلَحَةُ كَانَ النَّهْيُ مُجَاوِرًا وَهِيَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْغَيْرِ كَمَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنْ قُلْتَ لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ حَقِيقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَتَكُونُ السُّتْرَةُ مَعْدُومَةً حِسًّا مَعَ الْعَمْدِ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ بِعَيْنِ هَذَا التَّقْرِيرِ وَلَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا وَلَا صُرِفَتْ فِي رُكْنٍ بَلْ نَفَقَةُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بِمِثْلٍ» فَسَلَّطَ النَّهْيَ عَلَى الْبَيْعِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الزِّيَادَةِ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ.
قَالَ لَا تَتَوَضَّأْ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ فَبَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ فَرْقٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا خَفَاءَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ لَمْ يَزِدْ عَلَى حِكَايَةِ الْمَذَاهِبِ وَمُسْتَنِدِهَا وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ غَاصِبُ الْخُفِّ إذَا مَسَحَ عَلَيْهِ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ وَصَلَاتُهُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَبْطُلُ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ إلَى مُنْتَهَى الْمَسْأَلَةِ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْوَقْتِ فَلَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا بِوَجْهٍ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّهُ فَأَمَّا أَنْ يُوقِعَ الصَّلَاةَ فِي بَقِيَّةِ الْقَامَةِ فَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ فَلَا يَلْحَقُهُ مُؤَاخَذَةٌ وَلَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا، وَأَمَّا أَنْ لَا يُوقِعَهَا إلَّا بَعْدَ الْقَامَةِ فَيَكُونُ مُفَرِّطًا آثِمًا وَأَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْإِثْمِ فِي حَقِّ مَنْ ظَنَّ مَا ذَكَرَ إذَا صَلَّى فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ الْقَامَةِ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي الْمُخْتَارِينَ بِالْأَوْلَى إلَّا إذَا قَالَ: إنَّهُ أَدَاءٌ هُوَ إنَّمَا قَالَ أَنَّهُ قَضَاءٌ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا قِيلَ بِهِ مِنْ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا قِيلَ بِهِ مِنْ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ)
وَذَلِكَ هُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ لِقَضَاءِ رَمَضَانَ يَجِبُ مُوَسَّعًا مِنْ شَوَّالٍ إلَى آخِرِ شَعْبَانَ مِنْ السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ شَرْطُهُ أَنْ يُمْكِنَ فِعْلُهُ فِي أَوَّلِ أَزْمِنَةِ التَّوْسِعَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ الصَّوْمُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ فَقَطْ بِالْإِجْمَاعِ فَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ ﵃ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الصَّوْمِ لَوْ أَوْقَعَتْهُ زَمَنَ الْحَيْضِ وَعَلَى أَنَّهَا آثِمَةٌ إذَا فَعَلَتْ فَمُرَادُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَكُلِّ مَنْ قَالَ: إنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ وَيَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَوُجُوبَهَا أَنَّ الْحَائِضَ مُكَلَّفَةٌ زَمَنَ الْحَيْضِ بِالتَّعْوِيضِ مِنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ الَّتِي هِيَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَكْلِيفَهَا بِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ بَلْ فِي أَيَّامِ التَّعْوِيضِ إذْ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ زَمَنُ التَّكْلِيفِ غَيْرَ زَمَنِ إيقَاعِ الْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَإِلَّا لَلَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مُكَلَّفًا بِجُمْلَةِ عِبَادَةٍ مُتَرَتِّبَةِ الْأَجْزَاءِ بَلْ بِكُلِّ جُزْءٍ فِي زَمَنِهِ وَذَلِكَ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ.
وَقَدْ مَرَّ فِي الْفَرْقِ الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ أَنَّ زَمَنَ التَّكْلِيفِ يَكُونُ غَيْرَ زَمَنِ إيقَاعِ الْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فَظَهَرَ لُزُومُ تَقَدُّمِ زَمَنِ التَّكْلِيفِ عَلَى زَمَنِ الْإِيقَاعِ فِي الْعِبَادَاتِ ذَوَاتِ الْأَجْزَاءِ الْمُتَرَتِّبَةِ وَمِنْهُ تَظْهَرُ صِحَّةُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِتَرَتُّبِ الْعِبَادَاتِ فِي الذِّمَمِ كَالدُّيُونِ وَبُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ تَرَتُّبِهَا فِي الذِّمَمِ بِخِلَافِ الدُّيُونِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْأَحْنَافِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا مُحْتَجِّينَ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَهِيَ شَهِدَتْ الشَّهْرَ فَيَلْزَمُهَا الصَّوْمُ لِعُمُومِ النَّصِّ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهَا تَنْوِي رَمَضَانَ وَلَوْلَا تَقَدُّمُ الْوُجُوبِ لَمَا كَانَ لِهَذَا الصَّوْمِ بِرَمَضَانَ تَعَلُّقٌ.
وَثَالِثُهَا: الْقَضَاءُ يُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْأَدَاءِ الْفَائِتِ فَأَشْبَهَ قِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ الْأَعْيَانِ الْمُتْلَفَةِ فَكَذَلِكَ هَذَا الْقَضَاءُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَاجِبِ الَّذِي فَاتَ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ
стр. 313
الطَّرِيقِ لِحِفْظِ حَيَاةِ الْمُسَافِرِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ هَاهُنَا صُرِفَ فِيمَا هُوَ شَرْطٌ فَكَانَ الشَّرْطُ مَعْدُومًا قُلْتُ نَمْنَعُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّهَارَةِ وَالسُّتْرَةِ وَاشْتَرَطَ فِيهِمَا أَنْ تَكُونَ الْأَدَاةُ مُبَاحَةً بَلْ حَرَّمَ الْغَصْبَ مُطْلَقًا وَأَوْجَبَ الطَّهَارَةَ مُطْلَقًا وَلَمْ يُقَيِّدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْبَتَّةَ فَكَمَا يَتَحَقَّقُ الْغَصْبُ وَإِنْ قَارَنَ مَأْمُورًا يَتَحَقَّقُ الْمَأْمُورُ وَإِنْ قَارَنَ تَحْرِيمًا فَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا بُقْعَةً مُبَاحَةً بَلْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا وَحَرَّمَ الْغَصْبَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُهُ شَرْطًا كَمَا أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَزَمَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى قَتْلِ إنْسَانٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ مَعَ مُقَارَنَةِ الْمُحَرَّمِ فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ فَإِنْ قُلْتَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَبَيْنَ مَسَائِلِ الرِّبَا وَلِمَ لَا وَافَقْتَ الْحَنَفِيَّةَ فِي تَصْحِيحِ الْعَقْدِ فِيهَا كَمَا صَحَّتْ الْعِبَادَةُ مَعَ ثُبُوتِ النَّهْيِ فِي الْوَصْفِ وَفِي الْجَمِيعِ النَّهْيُ فِي الْوَصْفِ دُونَ الْأَصْلِ وَالْحَنَفِيَّةُ طَرَدَتْ أَصْلهَا وَأَنْتَ لَمْ تَطْرُدْ أَصْلَكَ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ قُلْتُ السِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْحَقَائِقَ مُتَعَلِّقَاتُ الْعُقُودِ وَالرِّضَا لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِمُقَابَلَةِ الْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ فَلَوْ صَحَّحْنَا الْعَقْدَ فِي الْبَعْضِ لَنَقَلْنَا مِلْكَ الْبَائِعِ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» وَهَذَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ إلَّا بِمَا تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ فَكَانَ الدِّرْهَمُ الْبَاقِي بَعْدَ إسْقَاطِ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ بَاذِلِهِ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْعَقْدِ مُقَابَلَتَهُ بِمِثْلِهِ بَلْ بِمِثْلَيْهِ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ حَيْثُ قُلْتُ بِالصِّحَّةِ فَالْمَوْجُودُ كَمَالُ مُتَعَلِّقِ الْأَمْرِ فَقُلْتُ بِالصِّحَّةِ لِكَمَالِ وُجُودِ الْمُتَعَلِّقِ وَهُنَاكَ لَمْ يُوجَدْ كَمَالُ الْمُتَعَلِّقِ وَهَذَا فَرْقٌ جَلِيٌّ جَلِيلٌ فَإِنْ قُلْتَ مَنْ رَضِيَ بِأَنْ يَكُونَ دِرْهَمَانِ مِنْ عِنْدِهِ بِإِزَاءِ دِرْهَمٍ فَقَدْ رَضِيَ بِأَنْ يَكُونَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ مِنْ قِبَلِهِ بِإِزَاءِ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَقَوْلُهُ لَمْ يَحْصُلْ الرِّضَا مَمْنُوعٌ بَلْ الرِّضَا حَاصِلٌ.
قُلْتُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ هَبْ أَنَّ بَاذِلَ الدِّرْهَمَيْنِ رَاضٍ فَبَاذِلُ الدِّرْهَمِ غَيْرُ رَاضٍ بِبَذْلِهِ بِإِزَاءِ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِهِ بِإِزَاءِ دِرْهَمَيْنِ سَلَّمْنَا حُصُولَ الرِّضَا لَكِنْ الرِّضَا لَا يَكْفِي وَحْدَهُ فِي نَقْلِ الْأَمْلَاكِ فَإِنَّهُ لَوْ رَضِيَ بِنَقْلِ مِلْكِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ وَلَمْ يَنْتَقِلْ مِلْكُهُ فِيمَا عَلِمْته إجْمَاعًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عَقْدٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، أَمَّا الرِّضَا وَحْدَهُ فَلَيْسَ هُوَ سَبَبًا شَرْعِيًّا بَلْ السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الدَّالُّ عَلَى الرِّضَا وَهَذَا السَّبَبُ لَهُ مُتَعَلِّقٌ وَلَمْ يُوجَدْ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْضَى بِاللُّزُومِ حِينَئِذٍ فَهَذَا هُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّبَوِيَّاتِ وَالْعِبَادَاتِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ حَسَنٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
شَيْءٌ مُتَقَدِّمٌ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ يَقُومُ هَذَا الْقَضَاءُ مَقَامَهُ فَيَتَعَيَّنُ حَيْثُ سَلَّمَ الْأَحْنَافُ مَنْعَهَا مِنْ الصَّوْمِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ التَّعْوِيضَ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ مُوَسَّعُ الْوَقْتِ لَا أَنَّ التَّوْسِعَةَ فِي إيقَاعِ الصَّوْمِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ أَوْ غَيْرِهَا لِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ إذْ كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُمْ بِأَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ بِإِيقَاعِ الصَّوْمِ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَهُمْ يَقُولُونَ بِعَدَمِ صِحَّتِهِ إنْ أَوْقَعَتْهُ وَبِأَنَّهَا آثِمَةٌ بِذَلِكَ وَهَلْ يُجَامِعُ الْوُجُوبُ الْإِثْمَ وَالْوَاجِبُ لَا يَمْتَنِعُ إذْ لَمْ يُعْهَدْ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ يُعَاتِبُ الْمُكَلَّفَ إذَا فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّا وَإِنْ جَوَّزْنَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ إلَّا أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَرِدْ بِهَذَا الْجَائِزِ بَلْ بِالرَّحْمَةِ وَتَرْكِ الْمَشَاقِّ وَالتَّيْسِيرِ وَالْإِحْسَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ: ﵊ «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» وَحِينَئِذٍ فَيَرْجِعُ خِلَافُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيًّا بَلْ لَا وَجْهَ لِتَصْرِيحِهِمْ بِالْخِلَافِ فِيهَا وَاحْتِجَاجِهِمْ لِمَا قَالُوهُ بِتِلْكَ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فَلَا دَاعِيَ إلَى الْإِطَالَةِ بِالْجَوَابِ عَنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ بِتَكَلُّفِ الدَّعَاوَى الَّتِي لَا حُجَّةَ عَلَيْهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ الْكُلِّيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْكُلِّيِّ الْوَاجِبِ فِيهِ وَبِهِ]
[الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الْوَاجِبُ الْكُلِّيُّ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ الْكُلِّيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْكُلِّيِّ الْوَاجِبِ فِيهِ وَبِهِ وَعَلَيْهِ وَعِنْدَهُ وَمِنْهُ وَعَنْهُ وَمِثْلُهُ وَإِلَيْهِ)
اعْلَمْ أَنَّ مُتَعَلِّقَ خِطَابِ الشَّرْعِ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: جُزْئِيٌّ مُعَيَّنٌ كَوُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلَى خُصُوصِ الْكَعْبَةِ الْحَرَامِ وَالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ الْمُعَيَّنِ وَالتَّصْدِيقِ بِالرِّسَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ كَالْقُرْآنِ.
وَثَانِيهِمَا: جُزْئِيٌّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ فَيَتَعَلَّقُ حِينَئِذٍ الْخِطَابُ بِالْكُلِّيِّ لَكِنْ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كُلِّيٌّ ضَرُورَةَ أَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ وَالْكُلِّيُّ لَا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفِعْلَ الْمُوقَعَ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْكُلِّيِّ وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْفَرْقِ وَهُوَ الْمُنْقَسِمُ إلَى عَشَرَةِ أَجْنَاسٍ مُتَبَايِنَةِ الْحَقَائِقِ مُخْتَلِفَةِ الْمِثْلِ وَالْأَحْكَامِ يَذْكُرُ كُلُّ جِنْسٍ مِنْهَا قَاعِدَةً عَلَى حِيَالِهَا لِيَظْهَرَ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا.
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) الْوَاجِبُ الْكُلِّيُّ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا مِنْ حَيْثُ صِدْقُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا غَيْرِ مُعَيَّنٍ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ خَمْسَةِ أَحْكَامٍ.
الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: الْوُجُوبُ فَلَا وُجُوبَ إلَّا فِي ذَلِكَ الْوَاحِدِ الْمُبْهَمِ مِنْهَا فَمَفْهُومُ أَحَدِهَا
стр. 314
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ حِكَايَةُ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حِكَايَةُ الْحَالِ إذَا تُرِكَ فِيهَا الِاسْتِفْصَالُ تَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَيَحْسُنُ بِهَا الِاسْتِدْلَال) هَذَا مَوْضِعٌ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِ هَذَانِ الْأَمْرَانِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَاخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ الْفُضَلَاءِ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هَذَا مُشْكِلٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّهُمَا لَيْسَتَا قَاعِدَةً وَاحِدَةً فِيهَا قَوْلَانِ بَلْ هُمَا قَاعِدَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا تَنَاقُضَ وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا يَنْبَنِي عَلَى قَوَاعِدَ: الْقَاعِدَةُ الْأُولَى أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ لَا يَقْدَحُ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ وَإِلَّا لَسَقَطَتْ دَلَالَةُ الْعُمُومَاتِ كُلُّهَا لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ إلَيْهَا بَلْ تَسْقُطُ دَلَالَةُ جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ إلَى جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الَّذِي يُوجِبُ الْإِجْمَالَ إنَّمَا هُوَ الِاحْتِمَالُ الْمُسَاوِي أَوْ الْمُقَارِبُ أَمَّا الْمَرْجُوحُ فَلَا.
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الشَّرْعِ إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا احْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ صَارَ مُجْمَلًا وَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حِكَايَةِ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حِكَايَةِ الْحَالِ إذَا تُرِكَ فِيهَا الِاسْتِفْصَالُ تَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَيَحْسُنُ بِهَا الِاسْتِدْلَال إلَى قَوْلِهِ وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا يَنْبَنِي عَلَى قَوَاعِدَ) قُلْت قَوْلُهُ بَلْ هُمَا قَاعِدَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِصَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَتَانِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا قَاعِدَةً مُسْتَقِلَّةً مُسَاوِيَةً لِلْأُخْرَى فِي الِاسْتِقْلَالِ فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ.
قَالَ (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ لَا يَقْدَحُ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ وَإِلَّا لَسَقَطَتْ دَلَالَةُ الْعُمُومَاتِ كُلِّهَا لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ إلَيْهَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ (بَلْ تَسْقُطُ دَلَالَةُ جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ إلَى جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ مِنْ الْأَلْفَاظِ مَا لَا يَلْحَقُهُ ذَلِكَ وَقَدْ سَبَقَ لَهُ مِنْ هَذَا أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْدَادِ لَا يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ.
قَالَ (لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الَّذِي يُوجِبُ الْإِجْمَالَ إنَّمَا هُوَ الِاحْتِمَالُ الْمُسَاوِي أَوْ الْمُقَارِبُ أَمَّا الْمَرْجُوحُ فَلَا) قُلْتُ إيجَابُ الِاحْتِمَالِ الْمُسَاوِي الْإِجْمَالَ مُسَلَّمٌ وَأَمَّا إيجَابُ الْمُقَارِبِ فَلَا فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُتَحَقِّقَ الْمُقَارَبَةِ فَهُوَ مُتَحَقِّقُ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ وَإِنْ كَانَ مُتَحَقِّقَ عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ فَهُوَ مُتَحَقِّقُ الْمَرْجُوحِيَّةِ فَلَا إجْمَالَ.
قَالَ (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ إنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الشَّرْعِ إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا احْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ صَارَ مُجْمَلًا وَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مُتَعَيَّنٌ لِلْفِعْلِ مُتَحَتِّمُ الْإِيقَاعِ لَا تَخْيِيرَ فِيهِ وَإِنَّمَا مُتَعَلِّقُ التَّخْيِيرِ الْخُصُوصِيَّاتُ الَّتِي هِيَ الْعِتْقُ وَالْكِسْوَةُ وَالْإِطْعَامُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِخُصُوصِهِ لَا إيجَابَ فِيهِ نَعَمْ لَمَّا كَانَ وُجُودُ مُتَعَلِّقَ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الْوَاحِدُ الْمُبْهَمُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي مُعَيَّنٍ كَانَ تَعَلُّقُ التَّكْلِيفِ بِهِ لَكِنْ عَلَى الْإِبْهَامِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ الَّذِي اقْتَضَاهُ تَحَقُّقُ الْوُجُودِ فَلَمْ يَكُنْ التَّعْيِينُ الزَّائِدُ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقَ التَّخْيِيرِ وَاجِبًا فَافْهَمْ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: ثَوَابُ الْوَاجِبِ فَلَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلٍ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ إلَّا فِي الْمُعَيَّنِ كَانَ ثَوَابُ الْوَاجِبِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ الْمُعَيَّنِ عَلَى الْإِبْهَامِ لَا عَلَى تَعْيِينِهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ تَحَقُّقُ الْوُجُودِ لِكَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى الْإِبْهَامِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَثَوَابُهُ. نَعَمْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يُثَابُ عَلَى التَّعْيِينِ الزَّائِدِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ اسْتِظْهَارًا وَتَأْكِيدًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ حَتَّى إنَّهُ إذَا اخْتَارَ أَفْضَلَ الْخِصَالِ أُثِيبَ ثَوَابَ وَاجِبٍ أَفْضَلَ أَوْ أَدْنَاهَا أُثِيبَ ثَوَابَ وَاجِبٍ أَدْوَنَ، فَإِنْ اتَّفَقَ أَنْ يَفْعَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْقَصْدِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُثَابَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ لِذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ لِوَجْهٍ مَشْرُوعٍ فَلَا دَلِيلَ عَلَى ثُبُوتِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ فَافْهَمْ.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: الْعِقَابُ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ إذْ بِفِعْلِ الْبَعْضِ يَتَحَقَّقُ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَثَوَابُهُ الَّذِي هُوَ الْوَاحِدُ الْمُبْهَمُ فِي ضِمْنِ الْمُعَيَّنِ، فَإِذَا تَرَكَ الْجَمِيعَ عُوقِبَ عَلَى تَرْكِ أَدْوَنِهَا عِقَابًا بِخِلَافِ مَا إذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ فَإِنَّهُ يُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى أَكْثَرِهَا ثَوَابًا نَظَرًا لِقَاعِدَةِ سَعَةِ الثَّوَابِ بِدَلِيلِ تَضْعِيفِ الْحَسَنَاتِ وَقَاعِدَةِ ضِيقِ بَابِ الْعِقَابِ بِدَلِيلِ عَدَمِ تَضْعِيفِ السَّيِّئَاتِ فَالثَّوَابُ عَلَى الْأَكْثَرِ ثَوَابًا وَالْعِقَابُ عَلَى الْأَدْوَنِ عِقَابًا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَاعِدَتَيْهِمَا الْمَذْكُورَتَيْنِ فَافْهَمْ.
الْحُكْمُ الرَّابِعُ: بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الْوَاجِبِ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ فَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِمَا أَوْقَعَهُ مِمَّا فِيهِ الْمُشْتَرَكُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُوقَعُ جَمِيعَ الْخِصَالِ أَوْ شَيْئًا مِنْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَاحِدَ الْمُبْهَمَ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ مُتَحَقِّقٌ بِهِ لَا مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنُهُ؛ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلْمُعَيَّنِ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ الْوَاجِبِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ بِهِ تَعْيِينَ وُجُودِ الْوَاجِبِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ بِهِ تَعْيِينَ الْوُجُوبِ فَافْهَمْ.
الْحُكْمُ الْخَامِسُ النِّيَّةُ فَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِمَا يَخْتَارُ إيقَاعَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ بِهِ
стр. 315
الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ لَفْظَ صَاحِبِ الشَّرْعِ إذَا كَانَ ظَاهِرًا أَوْ نَصًّا فِي جِنْسٍ وَذَلِكَ الْجِنْسُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْوَاعِهِ وَأَفْرَادِهِ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي الدَّلَالَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي إعْتَاقِ جِنْسِ الرَّقَبَةِ وَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالطَّوِيلَةِ وَالْقَصِيرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى إيجَابِ الرَّقَبَةِ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِجَمِيعِ الْمُطْلَقَاتِ الْكُلِّيَّاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا عَشْرَةٌ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ مِثْلِهَا قَدْحٌ وَلَا إجْمَالٌ إذَا تَحَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ فَنَقُولُ الِاحْتِمَالَاتُ تَارَةً تَكُونُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى السَّوَاءِ فَتَقْدَحُ وَتَارَةً تَكُونُ فِي مَحَلِّ مَدْلُولِ اللَّفْظِ فَلَا تَقْدَحُ فَحَيْثُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إنَّ حِكَايَةَ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال مُرَادُهُ إذَا اسْتَوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَمُرَادُهُ أَنَّ حِكَايَةَ الْحَالِ إذَا تُرِكَ فِيهَا الِاسْتِفْصَالُ قَامَتْ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ إذَا كَانَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فِي مَحَلِّ الْمَدْلُولِ دُونَ الدَّلِيلِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ إنَّ لَفْظَ صَاحِبِ الشَّرْعِ إذَا كَانَ ظَاهِرًا أَوْ نَصًّا فِي جِنْسٍ وَذَلِكَ الْجِنْسُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْوَاعِهِ وَأَفْرَادِهِ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي الدَّلَالَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ مِثْلِهَا قَدْحٌ وَلَا إجْمَالٌ) قُلْتُ لَيْسَ مَا مَثَّلَ بِهِ الْجِنْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَفْظُ رَقَبَةٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جِنْسًا وَلَكِنَّهُ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ الْجِنْسِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِجَمِيعِ الْمُطْلَقَاتِ الْكُلِّيَّاتِ فَإِنَّ الْمُطْلَقَاتِ لَيْسَتْ الْكُلِّيَّاتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ مِرَارًا.
قَالَ (إذَا تَحَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ فَنَقُولُ الِاحْتِمَالَاتُ تَارَةً تَكُونُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ عَلَى السَّوَاءِ فَتَقْدَحُ وَتَارَةً تَكُونُ فِي مَحَلِّ مَدْلُولِ اللَّفْظِ فَلَا تَقْدَحُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ.
قَالَ (فَحَيْثُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إنَّ حِكَايَةَ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال مُرَادُهُ إذَا اسْتَوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ) قُلْتُ الْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَادَهُ وَإِنَّ مُرَادَهُ أَنَّ قَضَايَا الْأَعْيَانِ إذَا نُقِلَتْ إلَيْنَا وَنُقِلَ حُكْمُ الشَّارِعِ فِيهَا وَاحْتَمَلَ عِنْدَنَا وُقُوعُهَا عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ أَوْ وُجُوهٍ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا عَلَى أَيِّ الْوَجْهَيْنِ أَوْ الْوُجُوهِ وَقَعَ الْأَمْرُ فِيهَا فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا يَثْبُتُ فِيهِ الْإِجْمَالُ وَيَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَال وَدَلِيلُ ظُهُورِ مَا قُلْته دُونَ مَا قَالَهُ أَنَّ مَا قُلْته يُطْلَقُ عَلَيْهِ حِكَايَةُ حَالٍ حَقِيقَةً وَمَا قَالَهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ حِكَايَةُ حَالٍ مَجَازًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَمُرَادُهُ أَنَّ حِكَايَةَ الْحَالِ إذَا تُرِكَ فِيهَا الِاسْتِفْصَالُ قَامَتْ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ إذَا كَانَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فِي مَحَلِّ الْمَدْلُولِ دُونَ الدَّلِيلِ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ بِمَحَلِّ الْمَدْلُولِ أَنَّ قَضَايَا الْأَعْيَانِ إذَا عُرِضَتْ عَلَى الشَّارِعِ وَهِيَ مُحْتَمِلَةُ الْوُقُوعِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ أَوْ وُجُوهٍ وَتُرِكَ الِاسْتِفْصَالُ فِيهَا فَتَرْكُهُ الِاسْتِفْصَالَ فِيهَا دَلِيلٌ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مُتَّحِدٌ فِي الْوَجْهَيْنِ أَوْ الْوُجُوهِ فَقَوْلُهُ فِيهَا صَحِيحٌ وَهُوَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِلَا شَكٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يَحْصُلُ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ بِالْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ الْوَاحِدُ الْمُبْهَمُ لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ فَإِذَا أَعْتَقَ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ لَا يَنْوِي بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَلَا فِعْلَ الْوَاجِبِ بِالْعِتْقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِتْقٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعِتْقَ أَحَدُ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَقَطْ وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ لَا يَنْوِي بِالْمَجْمُوعِ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ وَلَا فِعْلَ الْوَاجِبِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ فِي الْمَجْمُوعِ أَحَدَ الْخِصَالِ لَا مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصِيَّاتُ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ مِنْ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَا نَفْسُ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ كَمَا قِيلَ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْإِطْلَاقُ عِبَارَةً عَنْ الْإِبْهَامِ وَالْإِبْهَامُ لَا يَتَأَتَّى تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ بَلْ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِيهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ إطْعَامُ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ أَوْ إعْطَاءُ كِسْوَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَانَ حُصُولُ الْوَاجِبِ وَالثَّوَابِ عَلَيْهِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْهُ بِنِيَّةِ فِعْلِ ذَلِكَ الْخَاصِّ مِنْ حَيْثُ حُصُولُ مُقْتَضَى التَّكْلِيفِ بِالْمُطْلَقَةِ بِهِ لَا مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُ الْإِطْلَاقِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ كَمَا قِيلَ.
إذْ كَيْفَ يَجْتَمِعُ الْإِبْهَامُ وَالتَّعْيِينُ فِيهِ وَهُمَا نَقِيضَانِ؟ وَلَيْسَتْ الْمُطْلَقَاتُ هِيَ الْكُلِّيَّاتِ حَتَّى يُقَالَ إنَّ الْمَنَاطِقَةَ قَدْ نَوَّعُوا الْكُلِّيَّ إلَى مَنْطِقِيٍّ وَعَقْلِيٍّ وَطَبِيعِيٍّ وَقَالُوا الْمَنْطِقِيُّ هُوَ مَفْهُومُ الْكُلِّيِّ أَعْنِي مَا لَا يَمْنَعُ نَفْسَ تَصَوُّرِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ وَالطَّبِيعِيُّ هُوَ مَعْرُوضُهُ كَمَفْهُومِ الْإِنْسَانِ أَيْ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَالْعَقْلِيُّ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُرَكَّبِ مِنْ هَذَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ وَاتَّفَقَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَاهِيَّةَ مَعَ اتِّصَافِهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَاعْتِبَارُ عُرُوضِهَا لَهَا لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ، قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ سِينَا إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى وُجُودِهَا فِيهِ بَلْ بَدِيهِيَّةُ الْعَقْلِ حَاكِمَةٌ بِأَنَّ الْكُلِّيَّةَ تُنَافِي الْوُجُودَ الْخَارِجِيَّ اهـ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُوجَدُ الْكُلِّيُّ الطَّبِيعِيُّ خَارِجًا بِوُجُودِ أَشْخَاصِهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ غَيْرِ مُمْتَنِعِ الْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ كَشَرِيكِ الْبَارِي وَمِنْ غَيْرِ الْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ كَالْعَنْقَاءِ أَوْ هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الِانْتِزَاعِيَّةِ وَتَحَقُّقُهُ فِي الْفَرْدِ بِالذِّهْنِ فَقَطْ وَالثَّانِي لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَالْأَوَّلُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَهُوَ الْحَقُّ ضَرُورَةَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِنْسَانِ مَثَلًا حَالَ اقْتِرَانِ الْعَوَارِضِ الَّتِي هِيَ خَارِجَةٌ عَنْهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ فَتَكُونُ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ وَذَاتِيَّاتُهَا الَّتِي هِيَ مُتَّحِدَةٌ مَعَهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْخَارِجِ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً فِي حَدِّ ذَاتِهَا؛ لِأَنَّ تَعَيُّنَهَا لَيْسَ عَيْنَهَا وَلَا جُزْأَهَا بَلْ يُمْكِنُ أَنْ نُلَاحِظَهَا بِشَرْطِ لَا شَيْءَ فَتَعْرِضُ
стр. 316
وَلْنُوَضِّحْ ذَلِكَ بِذِكْرِ ثَمَانِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ قَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ إلَّا أَنَّ التَّمْرَةَ طَاهِرَةٌ طَيِّبَةٌ وَالْمَاءُ طَهُورٌ فَيَبْقَى إذَا جَمَعَ بَيْنَ التَّمْرَةِ وَالْمَاءِ الطَّهُورِ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ هَلْ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةُ أَمْ لَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ وَصْفِهِ فَلِذَلِكَ وَصَفَهُمَا بِمَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا تَغَيَّرَا عَنْ حَالَتِهِمَا الْأُولَى فَتَفَتَّتَتْ التَّمْرَةُ وَاحْمَرَّ الْمَاءُ وَحَلَا وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمَاءُ طَهُورٌ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ مُرَادُ الْحَنَفِيَّةِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ إشْعَارٌ بِالتَّفَتُّتِ وَلَا بِعَدَمِهِ فَقَوْلُهُ ﵊ «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي ذَلِكَ لِمَا قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَلَا لِمَا بَعْدَهُ فَإِنْ قُلْت لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَمْ يَكُنْ الْجَوَابُ حَاصِلًا فَإِنَّهُ ﵇ إنَّمَا سُئِلَ عَنْهُمَا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا قُلْتُ مُسَلَّمٌ إنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمَا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِلسَّائِلِ تَوَضَّأْ وَلَا لَا تَتَوَضَّأْ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّغَيُّرِ وَلَا لِعَدَمِهِ فَلَا جَرَمَ لَمَّا تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فِي ذَلِكَ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ التَّغَيُّرِ فَإِنَّ الدَّالَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَلْنُوَضِّحْ ذَلِكَ بِذِكْرِ ثَمَانِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ ﵇ «لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ قَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» لَيْسَ فِي اللَّفْظِ إلَّا أَنَّ التَّمْرَةَ طَاهِرَةٌ طَيِّبَةٌ وَالْمَاءُ طَهُورٌ فَيَبْقَى إذَا جَمَعَ بَيْنَ التَّمْرَةِ وَالْمَاءِ الطَّهُورِ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ هَلْ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةُ أَمْ لَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ وَصْفِهِ فَلِذَلِكَ وَصَفَهُمَا بِمَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا تَغَيَّرَا عَنْ حَالَتِهِمَا الْأُولَى فَتَفَتَّتَتْ التَّمْرَةُ وَاحْمَرَّ الْمَاءُ وَحَلَا وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمَاءُ طَهُورٌ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ مُرَادُ الْحَنَفِيَّةِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ إشْعَارٌ بِالتَّفَتُّتِ وَلَا بِعَدَمِهِ فَقَوْلُهُ ﵇ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي ذَلِكَ لِمَا قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَلَا لِمَا بَعْدَهُ) قُلْتُ لَا يَجُوزُ عَلَى الشَّارِعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - أَنْ يُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ لَا يُجِيبُ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَهُوَ ﷺ إنَّمَا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَالنَّبِيذُ اسْمُ الْمَاءِ الْمُسْتَنْقَعِ فِيهِ التَّمْرُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ حَقِيقَةً أَمَّا قَبْلَ التَّغَيُّرِ فَلَا يُسَمَّى بِنَبِيذٍ إلَّا مَجَازًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَئُولُ إلَى ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَرَادَ ﷺ أَنَّ أَصْلَ النَّبِيذِ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ الطِّيبِ وَالطَّهُورِيَّةِ.
قَالَ (فَإِنْ قُلْت لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا قَبْلَ التَّغَيُّرِ لَمْ يَكُنْ الْجَوَابُ حَاصِلًا فَإِنَّهُ ﵊ إنَّمَا سُئِلَ عَنْهُمَا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا قُلْتُ مُسَلَّمٌ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمَا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِلسَّائِلِ تَوَضَّأْ وَلَا لَا تَتَوَضَّأْ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّغَيُّرِ وَلَا لِعَدَمِهِ فَلَا جَرَمَ لَمَّا تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فِي ذَلِكَ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ التَّغَيُّرِ فَإِنَّ الدَّالَّ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَهَا الْكُلِّيَّةُ وَيَكُونُ كُلِّيًّا طَبِيعِيًّا وَيُمْكِنُ أَنْ تُلَاحِظَهَا بِشَرْطِ شَيْءٍ فَتَعْرِضُ لَهَا الْجُزْئِيَّةُ وَيَكُونُ فَرْدًا وَحِصَّةً فَالْمَاهِيَّةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْأَعْرَاضِ الْمَخْصُوصَةِ مَوْجُودَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَحْسُوسَةٍ اُنْظُرْ رِسَالَتِي السَّوَانِحِ الْجَازِمَةِ فِي التَّعَارِيفِ اللَّازِمَةِ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ نَظِيرُ الْكُلِّيَّةِ فِي كَوْنِ بَدِيهِيَّةِ الْعَقْلِ حَاكِمَةٌ بِمُنَافَاتِهَا لِلْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ فَافْهَمْ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ الْوَاجِبُ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) الْوَاجِبُ فِيهِ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ كَإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى الظُّهْرَ مِنْ أَوَّلِ الْقَامَةِ إلَى آخِرِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهِ وَبِجَحْدِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا قَصَدَ التَّأْخِيرَ لِوَسَطِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ بَدَلٍ هُوَ الْعَزْمُ لِعَدَمِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ؛ إذْ الدَّلِيلُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الصَّلَاةِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ فِي بَقِيَّةِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ يُعَدُّ مُعْرِضًا عَنْ أَمْرِ سَيِّدِهِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَمْرِ حَرَامٌ وَمَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْحَرَامُ وَاجِبٌ فَالْعَزْمُ وَاجِبٌ قَوْلَانِ ثَالِثُهَا لِلْغَزَالِيِّ وُجُوبُ الْعَزْمِ عَلَى مَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ عَزَمَ عَلَى التَّرْكِ بِالضَّرُورَةِ بِخِلَافِ الْغَافِلِ عَنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا حَاجَةَ إلَى بَدَلٍ أَصْلًا وَعَلَى الثَّانِي فَفِي مُتَعَلِّقِ الْوُجُوبِ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ:
(الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ أَوَّلُ الْوَقْتِ مُسْتَنِدًا إلَى أَنَّ الْوُجُوبَ يُنَافِي جَوَازَ التَّأْخِيرِ وَأَنَّ الزَّوَالَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَالْأَصْلُ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبِ عَلَى سَبَبِهِ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَمَا يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الْأَدَاءِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِذْنَ فِي تَفْوِيتِ الْأَدَاءِ لِفِعْلِ الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ خِلَافُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا الْمَعْهُودُ فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِأَجْلِ الْعُذْرِ كَضَرُورَةِ السَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ.
(الْمَذْهَبُ الثَّانِي) لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ آخِرُ الْوَقْتِ مُسْتَنِدٌ إلَى أَنَّ ثُبُوتَ خِصِّيصَةِ الشَّيْءِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ وَعَدَمُ خِصِّيصَتِهِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِهِ وَالْعِقَابُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ مِنْ خَصَائِصِ الْوُجُوبِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي غَيْرِ آخِرِ الْوَقْتِ وَثَابِتٌ فِي آخِرِهِ فَيُسْتَدَلُّ بِثُبُوتِهِ آخِرَ الْوَقْتِ عَلَى ثُبُوتِ الْوُجُوبِ آخِرَ الْوَقْتِ وَبِنَفْيِهِ فِي غَيْرِ آخِرِ الْوَقْتِ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِ آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ
стр. 317
عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ وَحَالَةُ التَّغَيُّرِ أَخَصُّ مِمَّا فُهِمَ مِنْ اللَّفْظِ مِنْ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) اسْتَدَلَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ الشَّرَّ مِنْ الْعَبْدِ لَا مِنْ اللَّهِ «بِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْحَجِّ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك» وَهَذَا سَلْبٌ عَامٌّ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْأَشْعَرِيَّةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ لَيْسَ إلَيْك هَذَا الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَامِلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَالْمُعْتَزِلَةُ يُقَدِّرُونَهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ مَنْسُوبًا إلَيْك حَتَّى يَكُونَ مِنْ الْعَبْدِ عَلَى زَعْمِهِمْ وَنَحْنُ نُقَدِّرُهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ قُرْبَةً إلَيْك لِأَنَّ الْمُلُوكَ كُلَّهُمْ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِالشَّرِّ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ إلَّا بِالْخَيْرِ وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ جَمِيلٌ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ هَذَا يَكُونُ لَفْظُ صَاحِبِ الشَّرْعِ مُحْتَمِلًا لِمَا قُلْنَاهُ وَلِمَا قَالُوهُ وَلَيْسَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي أَحَدِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ بَلْ الِاحْتِمَالَانِ مُسْتَوِيَانِ فَيَسْقُطُ اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ بِهِ لِحُصُولِ الْإِجْمَالِ فِيهِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) «قَوْلُهُ ﵇ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ فِي هَذَا الْمُحْرِمِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ لِكُلِّ مُحْرِمٍ أَوْ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَإِذَا تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَقِيَّةِ الْمُحْرِمِينَ سَقَطَ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيَّةِ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ لَا يُغَسَّلُ وَلَمْ يَقُلْ ﵇
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ وَحَالَةُ التَّغَيُّرِ أَخَصُّ مِمَّا فُهِمَ مِنْ اللَّفْظِ مِنْ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ) قُلْتُ السُّؤَالُ وَارِدٌ لَازِمٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقُلْ لِلسَّائِلِ تَوَضَّأْ وَلَا لَا تَوَضَّأْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ قَالَ تَوَضَّأْ لَكِنْ لَا بِاللَّفْظِ وَلَكِنْ بِاقْتِضَاءِ الْمُسَاقِ وَضَرُورَةِ حَمْلِ كَلَامِهِ ﷺ عَلَى الْفَائِدَةِ وَعَلَى الْجَوَابِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَمْ يَقْتَصِرْ لِضَرُورَةِ الْمُسَاقِ وَحَمْلِ كَلَامِهِ ﷺ عَلَى الْجَوَابِ وَعَلَى الْفَائِدَةِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّغَيُّرِ وَلَا لِعَدَمِهِ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَنْ النَّبِيذِ سُئِلَ وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ لَمْ تَتَسَاوَ الِاحْتِمَالَاتُ وَلَا سَقَطَ الِاسْتِدْلَال وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ ذَلِكَ بَلْ مِنْ الدَّالِّ عَلَى الْأَخَصِّ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ إنَّمَا سُئِلَ عَنْ النَّبِيذِ وَلَيْسَ النَّبِيذُ إلَّا الْمُتَغَيِّرَ. .
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الشَّرَّ مِنْ الْعَبْدِ لَا مِنْ اللَّهِ]
قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اسْتَدَلَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ الشَّرَّ مِنْ الْعَبْدِ لَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى «بِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْحَجِّ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك» إلَى آخِرِهِ مَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ الْأَظْهَرُ أَنَّ مَا قَدَّرَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ أَظْهَرُ وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالظَّوَاهِرِ مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ الْقَطْعِيَّ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّرَّ بِقُدْرَتِهِ كَمَا أَنَّ الْخَيْرَ كَذَلِكَ فَبَطَلَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الظَّاهِرِ وَتَعَيَّنَ التَّأْوِيلُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
كَانَ نَفْلًا يَسُدُّ مَسَدَّ الْفَرْضِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ إجْرَاءَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ.
(الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ) لِلْكَرْخِيِّ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ آخِرُ الْوَقْتِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا عَجَّلَ الْفِعْلَ فَإِنْ جَاءَ آخِرُ الْوَقْتِ وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ كَانَ فِعْلُهُ وَاجِبًا فَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ وَإِنْ جَاءَ آخِرُ الْوَقْتِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهَا كَانَ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَسَبَبُ اخْتِيَارِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَةِ مَا أَوْرَدَ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِآخِرِ الْوَقْتِ مِنْ إجْزَاءِ النَّفْلِ عَنْ الْفَرْضِ كَمَا عَلِمْتَ مَعَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ حَالَةَ الْإِيقَاعِ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا وَلَا تَتَعَيَّنُ فِيهِ نِيَّةٌ لِأَحَدِهِمَا خِلَافُ الْمَعْهُودِ فِي الْقَوَاعِدِ.
(الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ) لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ آخِرُ الْوَقْتِ حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ الْمُكَلَّفُ الْفِعْلَ بَعْدَ فِعْلِهِ آخِرَ الْوَقْتِ فَصَارَ آخِرُ الْوَقْتِ مَوْصُوفًا بِالْوُجُوبِ فَإِنْ عَجَّلَ الْمُكَلَّفُ الْفِعْلَ لَمْ يَكُنْ آخِرُ الْوَقْتِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الْوُجُوبِ فَالتَّعْجِيلُ مَانِعٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْوُجُوبِ بِآخِرِ الْوَقْتِ فَلَمْ يُجْزِ نَفْلٌ عَنْ فَرْضٍ وَلَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ الْمُعَجَّلُ مَوْقُوفًا بَلْ يَنْوِي بِهِ النَّفَلَ نَعَمْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ ﵃ لَمْ يُطِيعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِصَلَاةٍ وَاجِبَةٍ وَلَا أَثِيبُوا ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَذَلِكَ حَظٌّ عَظِيمٌ يَفُوتُ عَلَيْهِمْ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ ﵊ عَنْ رَبِّهِ «مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدٌ أَوْ أَحَدٌ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ وَبِالْجُمْلَةِ فَثَوَابُ الْوَاجِبَاتِ هُوَ أَفْضَلُ الْمَثُوبَاتِ وَالْقَوْلُ بِفَوَاتِهِ عَلَيْهِمْ مَحْذُورٌ كَبِيرٌ.
(الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ) حَكَاهُ سَيْفُ الدِّينِ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ وَقْتُ الْإِيقَاعِ أَيُّ وَقْتٍ كَانَ أَوَّلُهُ أَوْ وَسَطُهُ أَوْ آخِرُهُ فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ الْإِشْكَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَوَاعِدَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ وَتَابِعًا لَهُ وَهَذَا الْمَذْهَبُ جَعَلَ تَحَتُّمَ الْإِيقَاعِ فِي الْوَقْتِ تَابِعًا لِلْفِعْلِ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ فَظَهَرَ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى جَحْدِ التَّوْسِعَةِ مُخَالِفَاتٍ لِلْقَوَاعِدِ وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِقَاعِدَةٍ مَا بَلْ تَجْتَمِعُ أَسْبَابُ الْقَوَاعِدِ كُلِّهَا فِيهِ إلَّا الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى التَّوْسِعَةِ وَأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُطْلَقِ
стр. 318
وَالْمُحْرِمُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ عُمُومٌ وَلَا رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى وَصْفٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الصُّوَرِ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ بَلْ عِلَلُ حُكْمِ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ فَقَطْ فَكَانَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ أَرَادَ ﵇ التَّرْتِيبَ عَلَى الْوَصْفِ لَقَالَ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا وَلَمْ يَقُلْ فَإِنَّهُ وَلَقَالَ لَا تَقْرَبُوا الْمُحْرِمَ ولَمْ يَقُلْ لَا تَقْرَبُوهُ فَلَمَّا عَدَلَ عَنْ هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ إلَى الضَّمَائِرِ الْجَامِدَةِ دَلَّ ذَلِكَ ظَاهِرًا عَلَى عَدَمِ إرَادَتِهِ لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ فَبَقِيَتْ الِاحْتِمَالَاتُ مُسْتَوِيَةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ بِثَلَاثٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ الْبَتْرَاءِ وَهِيَ الرَّكْعَةُ الْمُنْفَرِدَةُ قُلْنَا لَيْسَ فِي لَفْظِ الْبَتْرَاءِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ بَلْ الْأَبْتَرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الَّذِي لَا ذَنَبَ وَلَا عَقِبَ لَهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﵊ ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أَيْ لَا عَقِبَ لَهُ فَالْبَتْرَاءُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا رَكْعَةً لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا رَكْعَةً مُنْفَرِدَةً وَالِاحْتِمَالَانِ مُتَقَارِبَانِ فَلَا يَحْصُلُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْمُنْفَرِدَةَ لَا تُجْزِي نَعَمْ لَوْ كَانَ الْأَبْتَرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمُنْفَرِدُ وَحْدَهُ صَحَّ ذَلِكَ بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَتْبَعُهُ غَيْرُهُ وَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ ذَنَبٍ أَوْ عَقِبٍ وَنَحْنُ نَقُولُ الرَّكْعَتَانِ مُتَقَدِّمَتَانِ تَابِعَتَانِ لِلْوِتْرِ وَتَوْطِئَةٌ لَهُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا الِاحْتِمَالَاتُ فِيهَا فِي نَفْسِ الدَّلِيلِ وَقَدْ تَقَارَبَتْ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَال بِهَا فَمَتَى وَقَعَتْ وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَوَقَعَ فِيهَا مِثْلُ هَذَا سَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَهِيَ الَّتِي أَفْتَى فِيهَا الشَّافِعِيُّ بِالْإِجْمَالِ وَعَدَمِ الدَّلَالَةِ وَأَشْرَعُ الْآنَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ بِسَبَبِ عَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ.
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) «قَوْلُهُ ﵇ لِغَيْلَانَ لَمَّا أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ عُقُودًا مُرَتَّبَةً عَقْدًا بَعْدَ عَقْدٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْمُؤَخَّرَاتِ لِفَسَادِ عُقُودِهِنَّ بَعْدَ أَرْبَعِ عُقُودٍ فَإِنَّ الْخَامِسَةَ وَمَا فَوْقَهَا بَاطِلٌ وَالْخِيَارُ فِي الْبَاطِلِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ عَقْدًا وَاحِدًا جَازَ أَنْ يَخْتَارَ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُنَّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ﵄ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْحَالَيْنِ لِأَنَّهُ ﵇ أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ فَكَانَ ذَلِكَ كَالتَّصْرِيحِ بِالْعُمُومِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَيَجُوزُ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا وَلَوْ أَرَادَ ﵇ أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لَاسْتَفْصَلَ غَيْلَانُ عَنْ ذَلِكَ وَحَيْثُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِي الْحُكْمِ فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّهُ عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ اتِّحَادُ الْعَقْدِ فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْقَوْلَ قُلْت الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِحَالَةِ غَيْلَانَ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَقْرِيرِ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَمِثْلُ هَذَا شَأْنُهُ الْبَيَانُ وَالْإِيضَاحُ فَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِهِ ﵇ عِلْمٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ وَحَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْهُ وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ فَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ إجْمَالٌ وَالِاحْتِمَالَاتُ مُسْتَوِيَةٌ بَلْ اللَّفْظُ ظَاهِرٌ ظُهُورًا قَوِيًّا فِي الْإِذْنِ وَالتَّخْيِيرِ وَإِنَّمَا الِاحْتِمَالَاتُ الْمُسْتَوِيَةُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَعْنِي جُزْءًا مُبْهَمًا مِنْ الْأَجْزَاءِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ طَرَفَيْ الْقَامَةِ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَالَ: صَلِّ إمَّا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ فَالْوَاجِبُ الصَّلَاةُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ هُوَ أَحَدُ الْخِصَالِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ مُرَتَّبًا عَلَى الزَّوَالِ فِي جُزْءٍ مُبْهَمٍ مِمَّا بَيْنَ طَرَفَيْ الْقَامَةِ فَأَيُّ جُزْءٍ صَلَّى فِيهِ صَادَفَ الْمُطْلَقَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ وَلَمْ يَلْزَمْ تَأْخِيرُ الْمُسَبَّبِ عَنْ سَبَبِهِ وَلَا أَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ أَوَّلِ الْوَقْتِ قَضَاءً وَلَا أَنَّهُ فِي أَوَّلِهِ نَفْلٌ يَنُوبُ مَنَابَ الْفَرْضِ حَتَّى يَكُونَ مُخَالِفًا لِقَاعِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي لَزِمَتْ مُخَالَفَتُهَا لِلْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ الْمَارَّةِ فَالْقَوْلُ بِالتَّوْسِعَةِ هُوَ الْحَقُّ وَقَدْ مَرَّ عَنْ ابْنِ الشَّاطِّ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِيمَا إذَا قَصَدَ الْمُكَلَّفُ التَّأْخِيرَ لِوَسَطِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى بَدَلٍ أَصْلًا وَبَقِيَ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّوْسِعَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَقَدْ أَخَّرَ مُخْتَارًا يَأْثَمُ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ فَلَا يَأْثَمُ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَقَدْ أَخَّرَ مُخْتَارًا قَوْلَانِ الْأَوَّلُ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَذِنَ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ وَقَدْ فَعَلَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَفِعْلُ الْمَأْذُونِ فِيهِ لَا إثْمَ فِيهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ.
[الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ الْوَاجِبُ بِهِ وَهُوَ سَبَبٌ]
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) الْوَاجِبُ بِهِ أَيْ بِسَبَبِهِ كَمُطْلَقِ زَوَالِ الشَّمْسِ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبَ وُجُوبِ الظُّهْرِ مَتَى وُجِدَ فِي أَيِّ يَوْمٍ كَانَ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَكَمُطْلَقِ الْإِتْلَافِ جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَكَمُطْلَقِ مِلْكِ النِّصَابِ جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَا مَدْخَلَ لِخُصُوصِ كَوْنِهَا هَذِهِ الدَّنَانِيرَ أَوْ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَلَوْ قُدِّرَ نِصَابٌ مَكَانَ نِصَابٍ فِي مِلْكِ الْمُزَكِّي لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ إذْ الْمَنْصُوبُ سَبَبًا إنَّمَا هُوَ الْمُطْلَقُ الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ النُّصُبِ وَكَذَلِكَ كُلُّ سَبَبِ وُجُوبٍ يَقْتَضِي بِثُبُوتِهِ الثُّبُوتَ إنَّمَا هُوَ الْمُطْلَقُ أَيْ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِهِ وَخُصُوصَاتُ أَفْرَادِهِ سَاقِطَةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي ذَلِكَ الْوُجُوبِ فَلَوْ قُدِّرَ إتْلَافُ بَدَلَ إتْلَافٍ لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ.
[الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْوَاجِبُ بِهِ وَهُوَ أَدَاةٌ يُفْعَلُ بِهَا]
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) الْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ أَدَاةٌ يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ لَا سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ فَإِنَّ الْبَاءَ كَمَا تَكُونُ سَبَبِيَّةً كَذَلِكَ تَكُونُ لِلِاسْتِعَانَةِ كَكَتَبْتُ بِالْقَلَمِ وَنَجَرْتُ بِالْقَدُومِ وَلِهَذَا الْوَاجِبُ مُثُلٌ: أَحَدُهَا: مُطْلَقُ الْمَاءِ الطَّهُورِ فِي الطَّهَارَةِ وُضُوءً كَانَتْ أَوْ غُسْلًا أَدَاةٌ يُعْمَلُ بِهَا الطَّهَارَةُ
стр. 319
وَهَذِهِ النِّسْوَةُ وَعُقُودُهُنَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَقْدًا وَاحِدًا أَوْ عُقُودًا وَالِاحْتِمَالَاتُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا تَقْدَحُ وَإِنَّمَا يَقْدَحُ فِي الدَّلَالَةِ الِاسْتِوَاءُ فِي الِاحْتِمَالَاتِ فِي الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْحُكْمِ أَمَّا إذَا كَانَ الدَّلِيلُ ظَاهِرًا وَمَحَلُّ الْحُكْمِ فِيهِ احْتِمَالَاتٌ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) «قَوْلُهُ ﵇ لِلْمُفْطِرِ فِي رَمَضَانَ أَعْتِقْ رَقَبَةً» ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِ الْإِعْتَاقِ لَا إجْمَالَ فِيهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا سَوْدَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ أَوْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً وَمِنْ هَذَا التَّنْوِيعِ كَثِيرٌ فِي الرَّقَبَةِ وَلَا تَقْدَحُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَإِنْ اسْتَوَتْ فِي دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ إعْتَاقِ رَقَبَةٍ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا فِي دَلِيلِهِ
(الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) قَوْلُهُ ﵇ «إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا» لَفْظٌ ظَاهِرٌ فِي رَبْطِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْعَدْلَانِ عَرَبِيَّيْنِ أَوْ عَجَمِيَّيْنِ شَيْخَيْنِ أَوْ كَهْلَيْنِ أَبْيَضَيْنِ أَوْ أَسْوَدَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَعُمُّ الْحُكْمُ الْجَمِيعَ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا فِي دَلِيلِهِ وَنَقُولُ جَمِيعُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ تَنْدَرِجُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] اللَّفْظُ نَصٌّ قَطْعِيٌّ فِي السَّبْعَةِ وَالثَّلَاثَةِ لَا احْتِمَالَ فِي الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَصْلًا وَالِاحْتِمَالَاتُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَرْبًا أَوْ شَرْقًا أَوْ شَمَالًا أَوْ جَنُوبًا أَوْ مَدِينَةً أَوْ بَرِّيَّةً أَوْ قَرْيَةً وَجَمِيعُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَعُمَّ الْحُكْمُ جَمِيعَهَا وَيَسْتَوِيَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ فَهَذَا مِثَالُ الدَّلِيلِ يَكُونُ نَصًّا وَالِاحْتِمَالَاتُ مُسْتَوِيَةٌ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ الْمُسْتَوِيَةُ فِي الدَّلِيلِ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَال وَصَارَ مُجْمَلًا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَهَذِهِ الْمَسَائِلِ الْفَرْقُ بَيْنَ حِكَايَةِ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الْحَالِ تَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَلَمْ يَتَنَاقَضْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَلَا اخْتَلَفَ بَلْ كُلُّ قَوْلٍ لَهُ مَوْضِعٌ يَخُصُّهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ]
قَالَ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) «قَوْلُهُ ﵊ لِلْمُفْطِرِ فِي رَمَضَانَ أَعْتِقْ رَقَبَةً» إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ قُلْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَالْمَسْأَلَتَانِ بَعْدَهَا لَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ لِتَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ بَلْ هِيَ مَسَائِلُ الْإِطْلَاقِ الْمُقْتَضِي تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ فِي مُخْتَلِفَاتِ الْأَشْخَاصِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ فَلَيْسَ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لِمَا وَقَعَ تَصْدِيقُ الْكَلَامِ بِهِ بِمِثَالٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالسَّبْعِينَ أَكْثَرُهُ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا سَبَبٌ لِلطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا إنَّمَا هُوَ الْحَدَثُ وَكَذَلِكَ التُّرَابُ فِي التَّيَمُّمِ أَدَاةٌ وَلَيْسَ سَبَبًا وَلَا مَدْخَلَ لِعَيْنِ الْمَاءِ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَلَا لِتَعَيُّنِ التُّرَابِ فِي وُجُوبِ التَّيَمُّمِ إذْ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى الطَّهَارَةَ بِمَاءٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِفَرْدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَاءِ وَلَا التَّيَمُّمَ بِتُرَابٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِفَرْدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَفْرَادِ التُّرَابِ.
وَثَانِيهَا: مُطْلَقُ الثَّوَابِ الَّذِي هُوَ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ الثِّيَابِ أَدَاةٌ لِلسُّتْرَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا مَدْخَلَ لِلثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ فِي وُجُوبِ السُّتْرَةِ إذْ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى السُّتْرَةَ بِثَوْبٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِمُطْلَقِ الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ الثِّيَابِ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ لَكَ جَوَابُ الْمُغَالَطَةِ الَّتِي تُلْقَى عَادَةً عَلَى الطَّلَبَةِ فَيُقَالُ السُّتْرَةُ وَاجِبَةٌ بِهَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّ السُّتْرَةَ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهِيَ لَا تَجِبُ بِغَيْرِ هَذَا الثَّوْبِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ هُوَ وَإِلَّا لَبَطَلَ الْوُجُوبُ أَوْ يُقَالُ الْوُضُوءُ وَاجِبٌ مِنْ هَذِهِ الْفَسْقِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ لَا يَجِبُ مِنْ غَيْرِهَا بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَتْ هِيَ وَإِلَّا لَبَطَلَ الْوُجُوبُ، وَهَكَذَا إذَا أُورِدَتْ هَذِهِ الشُّبُهَاتُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ كَانَ الْجَوَابُ عَنْهَا وَاحِدًا وَهُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ لِكُلٍّ مِنْ الْوُضُوءِ وَالسُّتْرَةِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِفَرْدٍ مُبْهَمٍ دَاخِلٍ تَحْتَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذِهِ الْفَسْقِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَبَيْنَ هَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا وَلَا غَيْرُهُ وَاجِبًا بِالْإِجْمَاعِ لَا تَتَعَيَّنُ هِيَ وَلَا هُوَ فَالْخُصُوصَاتُ كُلُّهَا سَاقِطَةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ.
وَثَالِثُهَا: مُطْلَقُ الْجِمَارِ فِي النُّسُكِ أَدَاةٌ يُعْمَلُ بِهَا الْوَاجِبُ لَا سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ بَلْ سَبَبُ الْوُجُوبِ إمَّا تَعْظِيمُ الْبَيْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَإِمَّا تَذَكُّرُ قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فِي ذَبْحِ ابْنِهِ وَفِدَائِهِ بِالْكَبْشِ قِيلَ؛ لِأَنَّ مِنْهَا أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ فَلَحِقَهُ وَرَمَاهُ بِالْحِجَارَةِ هُنَاكَ قُلْتُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَالصَّوَابُ مَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ أَنَّ فِي الْقِصَّةِ هُوَ أَنَّ الشَّيْطَانَ تَعَرَّضَ لِلذَّبِيحِ ﵇ لَمَّا ذَهَبَ مَعَ أَبِيهِ لِلذَّبْحِ وَقَالَ لَهُ إنَّ أَبَاك يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَكَ فَأَمَرَهُ إبْرَاهِيمُ ﵇ أَنْ يَرْجُمَهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ اهـ فَشُرِعَ رَمْيُ الْجِمَارِ لِتَذَكُّرِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَالطَّوَاعِيَةِ التَّامَّةِ وَالْإِنَابَةِ الْجَمِيلَةِ لِيُقْتَدَى بِهِمَا فِي ذَلِكَ وَلَا مَدْخَلَ لِتَعَيُّنِ الْجِمَارِ فِي وُجُوبِ الرَّمْيِ بَلْ أَيَّ حَصَاةٍ أَخَذَهَا أَجْزَأَتْ وَسَدَّتْ الْمَسَدَّ وَخُصُوصُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا سَاقِطٌ عَنْ
стр. 320
الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ فِي الْأَيْمَانِ) اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ هَذِهِ قَاعِدَتُهُ فِي الْأَقَارِيرِ وَقَاعِدَتُهُ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ أَنَّ الْجَمِيعَ إثْبَاتٌ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ وَافَقَنَا وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا إلَّا كَتَّانًا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَقَعَدَ عُرْيَانًا فَالْكَتَّانُ قَدْ اُسْتُثْنِيَ مِنْ النَّفْيِ السَّابِقِ فَيَكُونُ إثْبَاتًا فَيَكُونُ كَلَامُهُ جُمْلَتَيْنِ جُمْلَةٌ سَلْبِيَّةٌ وَجُمْلَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ وَقَبْلَهُ وَقَدْ دَخَلَ الْقَسَمُ عَلَيْهِمَا فَيَحْنَثُ إذَا قَعَدَ عُرْيَانًا نُحْنِثُهُ فِي الْجُمْلَةِ الثُّبُوتِيَّةِ وَيَكُونُ قَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ غَيْرَ الْكَتَّانِ وَلْيَلْبَسْ الْكَتَّانَ وَمَا لَبِسَ الْكَتَّانَ فَيَحْنَثُ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ اللُّغَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَالشَّافِعِيَّةُ مَشَوْا عَلَى ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَحَنَّثُوهُ، وَوَافَقُونَا فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلَمْ يُحْنِثُوهُ لَنَا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ أَنَّ إلَّا تُسْتَعْمَلُ لِلْإِخْرَاجِ وَتُسْتَعْمَلُ صِفَةً وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتَا وَلَوْ أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ بِهِ لَنَصَبَ فَقَالَ إلَّا اللَّهَ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مُوجِبٍ وَهِيَ فِي الْعُرْفِ قَدْ جَعَلُوهَا فِي الْأَيْمَانِ بِمَعْنَى غَيْرٍ فَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا إلَّا الْكَتَّانَ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى لُبْسِ الْكَتَّانِ بَلْ يُفْهَمُ لَا لَبِسْت ثَوْبًا غَيْرَ الْكَتَّانِ وَأَنَّ غَيْرَ الْكَتَّانِ هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَمَّا الْكَتَّانُ فَلَا يَفْهَمُ أَهْلُ الْعُرْفِ ذَلِكَ فِيهِ وَإِذَا كَانَ الْكَتَّانُ غَيْرَ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ إذَا قَعَدَ عُرْيَانًا الثَّانِي سَلَّمْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَمْ يَنْقُلُوهَا لِمَعْنَى غَيْرِ وَسِوَى وَلَكِنَّ الْقَسَمَ يَحْتَاجُ فِي جَوَابِهِ إلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ جَوَابَهُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَإِنَّهُ لَوْ سَكَتَ هُنَالِكَ كَانَ كَلَامًا عَرَبِيًّا وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ إلَّا وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْقَسَمُ كَانَ لُبْسُ الْكَتَّانِ غَيْرَ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ إذَا جَلَسَ عُرْيَانًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الثَّالِثُ سَلَّمْنَا أَنَّهُ تَنَاوَلَ الْجُمْلَتَيْنِ لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عِنْدَنَا مِنْ إثْبَاتٍ فَيَكُونُ نَفْيًا بَيَانُ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ جَمِيعَ الثِّيَابِ مَحْلُوفٌ عَلَيْهَا إلَّا الْكَتَّانَ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحْلِفُ عَلَى عَدَمِ لُبْسِ كُلِّ ثَوْبٍ إلَّا الْكَتَّانَ فَلَا أَحْلِفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ مِنْ الْحَلِفِ الَّذِي هُوَ ثُبُوتِيٌّ وَإِذَا كَانَ الْكَتَّانُ غَيْرَ مُقْسَمٍ عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ هِيَ الْفُرُوقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْأَيْمَانِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) حَكَى صَاحِبُ الْقَبَسِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ جَلَسَ رَجُلَانِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ يَلْعَبَانِ بِالشِّطْرَنْجِ فَتَعَارَضَا فِي الْكَلَامِ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا لَا لَعِبَ مَعَ صَاحِبِهِ غَيْرَ هَذَا الدُّسَتِ فَجَاءَ رَجُلٌ وَنَقَضَ الرُّقْعَةَ وَخَلَطَهَا وَجَهِلَ تَرْتِيبَهَا كَيْفَ كَانَ وَامْتَنَعَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الِاعْتِبَارِ.
وَرَابِعُهَا: مُطْلَقُ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا أَدَوَاتٌ يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ لَا سَبَبَ لِلْوُجُوبِ بَلْ سَبَبُهُ فِي الضَّحَايَا أَيَّامُ النَّحْرِ وَفِي الْهَدَايَا التَّمَتُّعُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَسْبَابِ الْهَدْيِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْبَدَنَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي الْوُجُوبِ؛ إذْ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى خُصُوصَ بَدَنَةٍ دُونَ أُخْرَى بَلْ الْمَطْلُوبُ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذِهِ الْبَدَنَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبَدَنِ فَأَيُّهَا فَعَلَ سَدَّ الْمَسَدَّ وَلَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْخُصُوصِ مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الصِّفَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الثَّوْبِ وَالْمَاءِ حَرْفًا بِحَرْفٍ.
وَخَامِسُهَا: مُطْلَقُ الرِّقَابِ فِي الْعِتْقِ أَدَوَاتٌ يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ لَا أَسْبَابٌ لِلْوُجُوبِ بَلْ السَّبَبُ الظِّهَارُ أَوْ الْيَمِينُ أَوْ إفْسَادُ صَوْمِ رَمَضَانَ عَمْدًا أَوْ الْقَتْلُ وَلَا مَدْخَلَ لِتَعَيُّنِ الرَّقَبَةِ فِي الْوُجُوبِ؛ إذْ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى خُصُوصَ رَقَبَةٍ دُونَ أُخْرَى مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الصِّفَاتِ بَلْ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذِهِ الرَّقَبَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا فَأَيَّ رَقَبَةٍ عَتَقَهَا سَدَّتْ الْمَسَدَّ كَمَا عَلِمْت.
[الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ]
الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ هُوَ الْمُكَلَّفُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْخِطَابِ فِيهِ التَّعَلُّقُ بِطَائِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ أَيْ بِمُطْلَقِ طَائِفَةٍ صَالِحَةٍ لِإِيقَاعِ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَأَيُّ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ الصَّالِحَةِ لِإِيقَاعِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ الشَّرْعِيِّ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا هِيَ الْمُكَلَّفَةُ وَالْمُكَلَّفُ يَجِبُ عَلَيْهِ لَا بِهِ وَلَا فِيهِ فَإِذَا فَعَلَتْ سَدَّتْ الْمَسَدَّ كَالثَّوْبِ فِي السُّتْرَةِ وَالْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ وَسَقَطَ بِفِعْلِهَا الطَّلَبُ عَنْ بَقِيَّةِ الطَّوَائِفِ لِتَحَقُّقِ الْفِعْلِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَإِذَا تَرَكَ الْجَمِيعُ أَثِمُوا لِتَعْطِيلِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا عَنْ الْفِعْلِ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ تَعَيَّنَ الْفِعْلُ عَلَيْهِ عَيْنًا لِانْحِصَارِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ كَآخِرِ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ وَتَعَذُّرِ غَيْرِ الثَّوْبِ الْمَوْجُودِ فِي السُّتْرَةِ حَرْفًا بِحَرْفٍ.
[الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ]
ُ لَهُ أَمْثِلَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ: أَحَدُهَا: الشَّرْطُ كَدَوَرَانِ مُطْلَقِ الْحَوْلِ تَجِبُ عِنْدَهُ الزَّكَاةُ بِسَبَبِهَا الَّذِي هُوَ مِلْكُ النِّصَابِ فَأَثَرُ السَّبَبِ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ دَوَرَانِ مُطْلَقِ الْحَوْلِ الْمُوجِبِ لِحُصُولِ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّنْمِيَةِ فِي النِّصَابِ فَمُطْلَقُ الْحَوْلِ هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَصِّلُ لِمَقْصُودِ الشَّرْعِ وَلَا مَدْخَلَ لِخُصُوصِ الْحَوْلِ الْمُعَيَّنِ فِي حُصُولِ مَقْصُودِ الشَّرْعِ كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ نِصَابٍ دَاخِلٌ تَحْتَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ النُّصُبِ هُوَ الْوَاجِبُ بِهِ لَا خُصُوصُ النِّصَابِ الْمُعَيَّنِ.
وَثَانِيهَا: عَدَمُ الْمَانِعِ كَعَدَمِ مُطْلَقِ الدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ وَعَدَمِ مُطْلَقِ الْحَيْضِ فِي الصَّلَاةِ فَتَجِبُ
следующие страницы →