← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَلْنُوَضِّحْ ذَلِكَ بِذِكْرِ ثَمَانِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ قَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ إلَّا أَنَّ التَّمْرَةَ طَاهِرَةٌ طَيِّبَةٌ وَالْمَاءُ طَهُورٌ فَيَبْقَى إذَا جَمَعَ بَيْنَ التَّمْرَةِ وَالْمَاءِ الطَّهُورِ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ هَلْ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةُ أَمْ لَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ وَصْفِهِ فَلِذَلِكَ وَصَفَهُمَا بِمَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا تَغَيَّرَا عَنْ حَالَتِهِمَا الْأُولَى فَتَفَتَّتَتْ التَّمْرَةُ وَاحْمَرَّ الْمَاءُ وَحَلَا وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمَاءُ طَهُورٌ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ مُرَادُ الْحَنَفِيَّةِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ إشْعَارٌ بِالتَّفَتُّتِ وَلَا بِعَدَمِهِ فَقَوْلُهُ ﵊ «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي ذَلِكَ لِمَا قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَلَا لِمَا بَعْدَهُ فَإِنْ قُلْت لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَمْ يَكُنْ الْجَوَابُ حَاصِلًا فَإِنَّهُ ﵇ إنَّمَا سُئِلَ عَنْهُمَا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا قُلْتُ مُسَلَّمٌ إنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمَا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِلسَّائِلِ تَوَضَّأْ وَلَا لَا تَتَوَضَّأْ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّغَيُّرِ وَلَا لِعَدَمِهِ فَلَا جَرَمَ لَمَّا تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فِي ذَلِكَ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ التَّغَيُّرِ فَإِنَّ الدَّالَّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَلْنُوَضِّحْ ذَلِكَ بِذِكْرِ ثَمَانِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ ﵇ «لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ قَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» لَيْسَ فِي اللَّفْظِ إلَّا أَنَّ التَّمْرَةَ طَاهِرَةٌ طَيِّبَةٌ وَالْمَاءُ طَهُورٌ فَيَبْقَى إذَا جَمَعَ بَيْنَ التَّمْرَةِ وَالْمَاءِ الطَّهُورِ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ هَلْ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةُ أَمْ لَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ وَصْفِهِ فَلِذَلِكَ وَصَفَهُمَا بِمَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا تَغَيَّرَا عَنْ حَالَتِهِمَا الْأُولَى فَتَفَتَّتَتْ التَّمْرَةُ وَاحْمَرَّ الْمَاءُ وَحَلَا وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمَاءُ طَهُورٌ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ مُرَادُ الْحَنَفِيَّةِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ إشْعَارٌ بِالتَّفَتُّتِ وَلَا بِعَدَمِهِ فَقَوْلُهُ ﵇ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي ذَلِكَ لِمَا قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَلَا لِمَا بَعْدَهُ) قُلْتُ لَا يَجُوزُ عَلَى الشَّارِعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - أَنْ يُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ لَا يُجِيبُ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَهُوَ ﷺ إنَّمَا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَالنَّبِيذُ اسْمُ الْمَاءِ الْمُسْتَنْقَعِ فِيهِ التَّمْرُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ حَقِيقَةً أَمَّا قَبْلَ التَّغَيُّرِ فَلَا يُسَمَّى بِنَبِيذٍ إلَّا مَجَازًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَئُولُ إلَى ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَرَادَ ﷺ أَنَّ أَصْلَ النَّبِيذِ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ الطِّيبِ وَالطَّهُورِيَّةِ. قَالَ (فَإِنْ قُلْت لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا قَبْلَ التَّغَيُّرِ لَمْ يَكُنْ الْجَوَابُ حَاصِلًا فَإِنَّهُ ﵊ إنَّمَا سُئِلَ عَنْهُمَا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا قُلْتُ مُسَلَّمٌ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمَا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِلسَّائِلِ تَوَضَّأْ وَلَا لَا تَتَوَضَّأْ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّغَيُّرِ وَلَا لِعَدَمِهِ فَلَا جَرَمَ لَمَّا تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فِي ذَلِكَ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ التَّغَيُّرِ فَإِنَّ الدَّالَّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَهَا الْكُلِّيَّةُ وَيَكُونُ كُلِّيًّا طَبِيعِيًّا وَيُمْكِنُ أَنْ تُلَاحِظَهَا بِشَرْطِ شَيْءٍ فَتَعْرِضُ لَهَا الْجُزْئِيَّةُ وَيَكُونُ فَرْدًا وَحِصَّةً فَالْمَاهِيَّةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْأَعْرَاضِ الْمَخْصُوصَةِ مَوْجُودَةٌ وَلَيْسَتْ بِمَحْسُوسَةٍ اُنْظُرْ رِسَالَتِي السَّوَانِحِ الْجَازِمَةِ فِي التَّعَارِيفِ اللَّازِمَةِ عَلَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ نَظِيرُ الْكُلِّيَّةِ فِي كَوْنِ بَدِيهِيَّةِ الْعَقْلِ حَاكِمَةٌ بِمُنَافَاتِهَا لِلْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ فَافْهَمْ. [الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ الْوَاجِبُ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ] (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) الْوَاجِبُ فِيهِ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ كَإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى الظُّهْرَ مِنْ أَوَّلِ الْقَامَةِ إلَى آخِرِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَوْلِ بِهِ وَبِجَحْدِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا قَصَدَ التَّأْخِيرَ لِوَسَطِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ بَدَلٍ هُوَ الْعَزْمُ لِعَدَمِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ؛ إذْ الدَّلِيلُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الصَّلَاةِ فَوَجَبَ نَفْيُهُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ فِي بَقِيَّةِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ يُعَدُّ مُعْرِضًا عَنْ أَمْرِ سَيِّدِهِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَمْرِ حَرَامٌ وَمَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْحَرَامُ وَاجِبٌ فَالْعَزْمُ وَاجِبٌ قَوْلَانِ ثَالِثُهَا لِلْغَزَالِيِّ وُجُوبُ الْعَزْمِ عَلَى مَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ عَزَمَ عَلَى التَّرْكِ بِالضَّرُورَةِ بِخِلَافِ الْغَافِلِ عَنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالصَّحِيحُ أَنْ لَا حَاجَةَ إلَى بَدَلٍ أَصْلًا وَعَلَى الثَّانِي فَفِي مُتَعَلِّقِ الْوُجُوبِ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ: (الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ) لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ أَوَّلُ الْوَقْتِ مُسْتَنِدًا إلَى أَنَّ الْوُجُوبَ يُنَافِي جَوَازَ التَّأْخِيرِ وَأَنَّ الزَّوَالَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَالْأَصْلُ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبِ عَلَى سَبَبِهِ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَمَا يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الْأَدَاءِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِذْنَ فِي تَفْوِيتِ الْأَدَاءِ لِفِعْلِ الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ خِلَافُ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا الْمَعْهُودُ فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِأَجْلِ الْعُذْرِ كَضَرُورَةِ السَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ. (الْمَذْهَبُ الثَّانِي) لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ آخِرُ الْوَقْتِ مُسْتَنِدٌ إلَى أَنَّ ثُبُوتَ خِصِّيصَةِ الشَّيْءِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِ ثُبُوتِهِ وَعَدَمُ خِصِّيصَتِهِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَدَمِهِ وَالْعِقَابُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ مِنْ خَصَائِصِ الْوُجُوبِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي غَيْرِ آخِرِ الْوَقْتِ وَثَابِتٌ فِي آخِرِهِ فَيُسْتَدَلُّ بِثُبُوتِهِ آخِرَ الْوَقْتِ عَلَى ثُبُوتِ الْوُجُوبِ آخِرَ الْوَقْتِ وَبِنَفْيِهِ فِي غَيْرِ آخِرِ الْوَقْتِ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِ آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ

стр. 317

عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ وَحَالَةُ التَّغَيُّرِ أَخَصُّ مِمَّا فُهِمَ مِنْ اللَّفْظِ مِنْ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) اسْتَدَلَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ الشَّرَّ مِنْ الْعَبْدِ لَا مِنْ اللَّهِ «بِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْحَجِّ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك» وَهَذَا سَلْبٌ عَامٌّ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْأَشْعَرِيَّةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ لَيْسَ إلَيْك هَذَا الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَامِلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَالْمُعْتَزِلَةُ يُقَدِّرُونَهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ مَنْسُوبًا إلَيْك حَتَّى يَكُونَ مِنْ الْعَبْدِ عَلَى زَعْمِهِمْ وَنَحْنُ نُقَدِّرُهُ وَالشَّرُّ لَيْسَ قُرْبَةً إلَيْك لِأَنَّ الْمُلُوكَ كُلَّهُمْ يُتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ بِالشَّرِّ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ إلَّا بِالْخَيْرِ وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ جَمِيلٌ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ هَذَا يَكُونُ لَفْظُ صَاحِبِ الشَّرْعِ مُحْتَمِلًا لِمَا قُلْنَاهُ وَلِمَا قَالُوهُ وَلَيْسَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي أَحَدِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ بَلْ الِاحْتِمَالَانِ مُسْتَوِيَانِ فَيَسْقُطُ اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ بِهِ لِحُصُولِ الْإِجْمَالِ فِيهِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) «قَوْلُهُ ﵇ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ فِي هَذَا الْمُحْرِمِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ لِكُلِّ مُحْرِمٍ أَوْ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَإِذَا تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَقِيَّةِ الْمُحْرِمِينَ سَقَطَ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيَّةِ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ لَا يُغَسَّلُ وَلَمْ يَقُلْ ﵇ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ وَحَالَةُ التَّغَيُّرِ أَخَصُّ مِمَّا فُهِمَ مِنْ اللَّفْظِ مِنْ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ) قُلْتُ السُّؤَالُ وَارِدٌ لَازِمٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقُلْ لِلسَّائِلِ تَوَضَّأْ وَلَا لَا تَوَضَّأْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ قَالَ تَوَضَّأْ لَكِنْ لَا بِاللَّفْظِ وَلَكِنْ بِاقْتِضَاءِ الْمُسَاقِ وَضَرُورَةِ حَمْلِ كَلَامِهِ ﷺ عَلَى الْفَائِدَةِ وَعَلَى الْجَوَابِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ ﷺ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَمْ يَقْتَصِرْ لِضَرُورَةِ الْمُسَاقِ وَحَمْلِ كَلَامِهِ ﷺ عَلَى الْجَوَابِ وَعَلَى الْفَائِدَةِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّغَيُّرِ وَلَا لِعَدَمِهِ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَنْ النَّبِيذِ سُئِلَ وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ لَمْ تَتَسَاوَ الِاحْتِمَالَاتُ وَلَا سَقَطَ الِاسْتِدْلَال وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ ذَلِكَ بَلْ مِنْ الدَّالِّ عَلَى الْأَخَصِّ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ إنَّمَا سُئِلَ عَنْ النَّبِيذِ وَلَيْسَ النَّبِيذُ إلَّا الْمُتَغَيِّرَ. . [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الشَّرَّ مِنْ الْعَبْدِ لَا مِنْ اللَّهِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اسْتَدَلَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ الشَّرَّ مِنْ الْعَبْدِ لَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى «بِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْحَجِّ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك» إلَى آخِرِهِ مَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ الْأَظْهَرُ أَنَّ مَا قَدَّرَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ أَظْهَرُ وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالظَّوَاهِرِ مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ الْقَطْعِيَّ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّرَّ بِقُدْرَتِهِ كَمَا أَنَّ الْخَيْرَ كَذَلِكَ فَبَطَلَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الظَّاهِرِ وَتَعَيَّنَ التَّأْوِيلُ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَانَ نَفْلًا يَسُدُّ مَسَدَّ الْفَرْضِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ إجْرَاءَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ. (الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ) لِلْكَرْخِيِّ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ آخِرُ الْوَقْتِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا عَجَّلَ الْفِعْلَ فَإِنْ جَاءَ آخِرُ الْوَقْتِ وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ كَانَ فِعْلُهُ وَاجِبًا فَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ وَإِنْ جَاءَ آخِرُ الْوَقْتِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهَا كَانَ نَفْلًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ قَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَسَبَبُ اخْتِيَارِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَةِ مَا أَوْرَدَ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِآخِرِ الْوَقْتِ مِنْ إجْزَاءِ النَّفْلِ عَنْ الْفَرْضِ كَمَا عَلِمْتَ مَعَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ حَالَةَ الْإِيقَاعِ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا وَلَا تَتَعَيَّنُ فِيهِ نِيَّةٌ لِأَحَدِهِمَا خِلَافُ الْمَعْهُودِ فِي الْقَوَاعِدِ. (الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ) لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ آخِرُ الْوَقْتِ حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ الْمُكَلَّفُ الْفِعْلَ بَعْدَ فِعْلِهِ آخِرَ الْوَقْتِ فَصَارَ آخِرُ الْوَقْتِ مَوْصُوفًا بِالْوُجُوبِ فَإِنْ عَجَّلَ الْمُكَلَّفُ الْفِعْلَ لَمْ يَكُنْ آخِرُ الْوَقْتِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الْوُجُوبِ فَالتَّعْجِيلُ مَانِعٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْوُجُوبِ بِآخِرِ الْوَقْتِ فَلَمْ يُجْزِ نَفْلٌ عَنْ فَرْضٍ وَلَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ الْمُعَجَّلُ مَوْقُوفًا بَلْ يَنْوِي بِهِ النَّفَلَ نَعَمْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ ﵃ لَمْ يُطِيعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِصَلَاةٍ وَاجِبَةٍ وَلَا أَثِيبُوا ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا وَذَلِكَ حَظٌّ عَظِيمٌ يَفُوتُ عَلَيْهِمْ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ ﵊ عَنْ رَبِّهِ «مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدٌ أَوْ أَحَدٌ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ وَبِالْجُمْلَةِ فَثَوَابُ الْوَاجِبَاتِ هُوَ أَفْضَلُ الْمَثُوبَاتِ وَالْقَوْلُ بِفَوَاتِهِ عَلَيْهِمْ مَحْذُورٌ كَبِيرٌ. (الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ) حَكَاهُ سَيْفُ الدِّينِ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ وَقْتُ الْإِيقَاعِ أَيُّ وَقْتٍ كَانَ أَوَّلُهُ أَوْ وَسَطُهُ أَوْ آخِرُهُ فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ الْإِشْكَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَوَاعِدَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ وَتَابِعًا لَهُ وَهَذَا الْمَذْهَبُ جَعَلَ تَحَتُّمَ الْإِيقَاعِ فِي الْوَقْتِ تَابِعًا لِلْفِعْلِ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ فَظَهَرَ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى جَحْدِ التَّوْسِعَةِ مُخَالِفَاتٍ لِلْقَوَاعِدِ وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِقَاعِدَةٍ مَا بَلْ تَجْتَمِعُ أَسْبَابُ الْقَوَاعِدِ كُلِّهَا فِيهِ إلَّا الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى التَّوْسِعَةِ وَأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُطْلَقِ

стр. 318

وَالْمُحْرِمُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ عُمُومٌ وَلَا رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى وَصْفٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الصُّوَرِ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ بَلْ عِلَلُ حُكْمِ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ فَقَطْ فَكَانَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ أَرَادَ ﵇ التَّرْتِيبَ عَلَى الْوَصْفِ لَقَالَ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا وَلَمْ يَقُلْ فَإِنَّهُ وَلَقَالَ لَا تَقْرَبُوا الْمُحْرِمَ ولَمْ يَقُلْ لَا تَقْرَبُوهُ فَلَمَّا عَدَلَ عَنْ هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ إلَى الضَّمَائِرِ الْجَامِدَةِ دَلَّ ذَلِكَ ظَاهِرًا عَلَى عَدَمِ إرَادَتِهِ لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ فَبَقِيَتْ الِاحْتِمَالَاتُ مُسْتَوِيَةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ بِثَلَاثٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ الْبَتْرَاءِ وَهِيَ الرَّكْعَةُ الْمُنْفَرِدَةُ قُلْنَا لَيْسَ فِي لَفْظِ الْبَتْرَاءِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ بَلْ الْأَبْتَرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الَّذِي لَا ذَنَبَ وَلَا عَقِبَ لَهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﵊ ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أَيْ لَا عَقِبَ لَهُ فَالْبَتْرَاءُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا رَكْعَةً لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا رَكْعَةً مُنْفَرِدَةً وَالِاحْتِمَالَانِ مُتَقَارِبَانِ فَلَا يَحْصُلُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْمُنْفَرِدَةَ لَا تُجْزِي نَعَمْ لَوْ كَانَ الْأَبْتَرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمُنْفَرِدُ وَحْدَهُ صَحَّ ذَلِكَ بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَتْبَعُهُ غَيْرُهُ وَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ ذَنَبٍ أَوْ عَقِبٍ وَنَحْنُ نَقُولُ الرَّكْعَتَانِ مُتَقَدِّمَتَانِ تَابِعَتَانِ لِلْوِتْرِ وَتَوْطِئَةٌ لَهُ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا الِاحْتِمَالَاتُ فِيهَا فِي نَفْسِ الدَّلِيلِ وَقَدْ تَقَارَبَتْ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَال بِهَا فَمَتَى وَقَعَتْ وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَوَقَعَ فِيهَا مِثْلُ هَذَا سَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَهِيَ الَّتِي أَفْتَى فِيهَا الشَّافِعِيُّ بِالْإِجْمَالِ وَعَدَمِ الدَّلَالَةِ وَأَشْرَعُ الْآنَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ بِسَبَبِ عَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) «قَوْلُهُ ﵇ لِغَيْلَانَ لَمَّا أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ عُقُودًا مُرَتَّبَةً عَقْدًا بَعْدَ عَقْدٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْمُؤَخَّرَاتِ لِفَسَادِ عُقُودِهِنَّ بَعْدَ أَرْبَعِ عُقُودٍ فَإِنَّ الْخَامِسَةَ وَمَا فَوْقَهَا بَاطِلٌ وَالْخِيَارُ فِي الْبَاطِلِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ عَقْدًا وَاحِدًا جَازَ أَنْ يَخْتَارَ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُنَّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ﵄ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْحَالَيْنِ لِأَنَّهُ ﵇ أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ فَكَانَ ذَلِكَ كَالتَّصْرِيحِ بِالْعُمُومِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَيَجُوزُ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا وَلَوْ أَرَادَ ﵇ أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لَاسْتَفْصَلَ غَيْلَانُ عَنْ ذَلِكَ وَحَيْثُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِي الْحُكْمِ فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّهُ عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ اتِّحَادُ الْعَقْدِ فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْقَوْلَ قُلْت الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِحَالَةِ غَيْلَانَ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَقْرِيرِ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَمِثْلُ هَذَا شَأْنُهُ الْبَيَانُ وَالْإِيضَاحُ فَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِهِ ﵇ عِلْمٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ وَحَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْهُ وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ فَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ إجْمَالٌ وَالِاحْتِمَالَاتُ مُسْتَوِيَةٌ بَلْ اللَّفْظُ ظَاهِرٌ ظُهُورًا قَوِيًّا فِي الْإِذْنِ وَالتَّخْيِيرِ وَإِنَّمَا الِاحْتِمَالَاتُ الْمُسْتَوِيَةُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَعْنِي جُزْءًا مُبْهَمًا مِنْ الْأَجْزَاءِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ طَرَفَيْ الْقَامَةِ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَالَ: صَلِّ إمَّا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ فَالْوَاجِبُ الصَّلَاةُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَمَا أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ هُوَ أَحَدُ الْخِصَالِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَيَكُونُ الْوُجُوبُ مُرَتَّبًا عَلَى الزَّوَالِ فِي جُزْءٍ مُبْهَمٍ مِمَّا بَيْنَ طَرَفَيْ الْقَامَةِ فَأَيُّ جُزْءٍ صَلَّى فِيهِ صَادَفَ الْمُطْلَقَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ وَلَمْ يَلْزَمْ تَأْخِيرُ الْمُسَبَّبِ عَنْ سَبَبِهِ وَلَا أَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ أَوَّلِ الْوَقْتِ قَضَاءً وَلَا أَنَّهُ فِي أَوَّلِهِ نَفْلٌ يَنُوبُ مَنَابَ الْفَرْضِ حَتَّى يَكُونَ مُخَالِفًا لِقَاعِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي لَزِمَتْ مُخَالَفَتُهَا لِلْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ الْمَارَّةِ فَالْقَوْلُ بِالتَّوْسِعَةِ هُوَ الْحَقُّ وَقَدْ مَرَّ عَنْ ابْنِ الشَّاطِّ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِيمَا إذَا قَصَدَ الْمُكَلَّفُ التَّأْخِيرَ لِوَسَطِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى بَدَلٍ أَصْلًا وَبَقِيَ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّوْسِعَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَقَدْ أَخَّرَ مُخْتَارًا يَأْثَمُ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ فَلَا يَأْثَمُ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَقَدْ أَخَّرَ مُخْتَارًا قَوْلَانِ الْأَوَّلُ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالثَّانِي لِلْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَذِنَ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ وَقَدْ فَعَلَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ وَفِعْلُ الْمَأْذُونِ فِيهِ لَا إثْمَ فِيهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ الْوَاجِبُ بِهِ وَهُوَ سَبَبٌ] (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) الْوَاجِبُ بِهِ أَيْ بِسَبَبِهِ كَمُطْلَقِ زَوَالِ الشَّمْسِ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبَ وُجُوبِ الظُّهْرِ مَتَى وُجِدَ فِي أَيِّ يَوْمٍ كَانَ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَكَمُطْلَقِ الْإِتْلَافِ جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَكَمُطْلَقِ مِلْكِ النِّصَابِ جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَا مَدْخَلَ لِخُصُوصِ كَوْنِهَا هَذِهِ الدَّنَانِيرَ أَوْ تِلْكَ الدَّنَانِيرَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَلَوْ قُدِّرَ نِصَابٌ مَكَانَ نِصَابٍ فِي مِلْكِ الْمُزَكِّي لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ إذْ الْمَنْصُوبُ سَبَبًا إنَّمَا هُوَ الْمُطْلَقُ الَّذِي هُوَ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ النُّصُبِ وَكَذَلِكَ كُلُّ سَبَبِ وُجُوبٍ يَقْتَضِي بِثُبُوتِهِ الثُّبُوتَ إنَّمَا هُوَ الْمُطْلَقُ أَيْ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِهِ وَخُصُوصَاتُ أَفْرَادِهِ سَاقِطَةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي ذَلِكَ الْوُجُوبِ فَلَوْ قُدِّرَ إتْلَافُ بَدَلَ إتْلَافٍ لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ. [الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْوَاجِبُ بِهِ وَهُوَ أَدَاةٌ يُفْعَلُ بِهَا] (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) الْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ أَدَاةٌ يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ لَا سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ فَإِنَّ الْبَاءَ كَمَا تَكُونُ سَبَبِيَّةً كَذَلِكَ تَكُونُ لِلِاسْتِعَانَةِ كَكَتَبْتُ بِالْقَلَمِ وَنَجَرْتُ بِالْقَدُومِ وَلِهَذَا الْوَاجِبُ مُثُلٌ: أَحَدُهَا: مُطْلَقُ الْمَاءِ الطَّهُورِ فِي الطَّهَارَةِ وُضُوءً كَانَتْ أَوْ غُسْلًا أَدَاةٌ يُعْمَلُ بِهَا الطَّهَارَةُ

стр. 319

وَهَذِهِ النِّسْوَةُ وَعُقُودُهُنَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَقْدًا وَاحِدًا أَوْ عُقُودًا وَالِاحْتِمَالَاتُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا تَقْدَحُ وَإِنَّمَا يَقْدَحُ فِي الدَّلَالَةِ الِاسْتِوَاءُ فِي الِاحْتِمَالَاتِ فِي الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْحُكْمِ أَمَّا إذَا كَانَ الدَّلِيلُ ظَاهِرًا وَمَحَلُّ الْحُكْمِ فِيهِ احْتِمَالَاتٌ لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) «قَوْلُهُ ﵇ لِلْمُفْطِرِ فِي رَمَضَانَ أَعْتِقْ رَقَبَةً» ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِ الْإِعْتَاقِ لَا إجْمَالَ فِيهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا سَوْدَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ أَوْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً وَمِنْ هَذَا التَّنْوِيعِ كَثِيرٌ فِي الرَّقَبَةِ وَلَا تَقْدَحُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَإِنْ اسْتَوَتْ فِي دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ إعْتَاقِ رَقَبَةٍ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا فِي دَلِيلِهِ (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) قَوْلُهُ ﵇ «إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا» لَفْظٌ ظَاهِرٌ فِي رَبْطِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْعَدْلَانِ عَرَبِيَّيْنِ أَوْ عَجَمِيَّيْنِ شَيْخَيْنِ أَوْ كَهْلَيْنِ أَبْيَضَيْنِ أَوْ أَسْوَدَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَعُمُّ الْحُكْمُ الْجَمِيعَ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا فِي دَلِيلِهِ وَنَقُولُ جَمِيعُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ تَنْدَرِجُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] اللَّفْظُ نَصٌّ قَطْعِيٌّ فِي السَّبْعَةِ وَالثَّلَاثَةِ لَا احْتِمَالَ فِي الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَصْلًا وَالِاحْتِمَالَاتُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ غَرْبًا أَوْ شَرْقًا أَوْ شَمَالًا أَوْ جَنُوبًا أَوْ مَدِينَةً أَوْ بَرِّيَّةً أَوْ قَرْيَةً وَجَمِيعُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَعُمَّ الْحُكْمُ جَمِيعَهَا وَيَسْتَوِيَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ صَاحِبُ الشَّرْعِ فَهَذَا مِثَالُ الدَّلِيلِ يَكُونُ نَصًّا وَالِاحْتِمَالَاتُ مُسْتَوِيَةٌ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ الْمُسْتَوِيَةُ فِي الدَّلِيلِ سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَال وَصَارَ مُجْمَلًا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَهَذِهِ الْمَسَائِلِ الْفَرْقُ بَيْنَ حِكَايَةِ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الْحَالِ تَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَلَمْ يَتَنَاقَضْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَلَا اخْتَلَفَ بَلْ كُلُّ قَوْلٍ لَهُ مَوْضِعٌ يَخُصُّهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) «قَوْلُهُ ﵊ لِلْمُفْطِرِ فِي رَمَضَانَ أَعْتِقْ رَقَبَةً» إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ قُلْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَالْمَسْأَلَتَانِ بَعْدَهَا لَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ لِتَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ بَلْ هِيَ مَسَائِلُ الْإِطْلَاقِ الْمُقْتَضِي تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ فِي مُخْتَلِفَاتِ الْأَشْخَاصِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ فَلَيْسَ مَا أَوْرَدَهُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لِمَا وَقَعَ تَصْدِيقُ الْكَلَامِ بِهِ بِمِثَالٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالسَّبْعِينَ أَكْثَرُهُ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَا سَبَبٌ لِلطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا إنَّمَا هُوَ الْحَدَثُ وَكَذَلِكَ التُّرَابُ فِي التَّيَمُّمِ أَدَاةٌ وَلَيْسَ سَبَبًا وَلَا مَدْخَلَ لِعَيْنِ الْمَاءِ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَلَا لِتَعَيُّنِ التُّرَابِ فِي وُجُوبِ التَّيَمُّمِ إذْ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى الطَّهَارَةَ بِمَاءٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِفَرْدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَاءِ وَلَا التَّيَمُّمَ بِتُرَابٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِفَرْدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَفْرَادِ التُّرَابِ. وَثَانِيهَا: مُطْلَقُ الثَّوَابِ الَّذِي هُوَ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ الثِّيَابِ أَدَاةٌ لِلسُّتْرَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا مَدْخَلَ لِلثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ فِي وُجُوبِ السُّتْرَةِ إذْ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى السُّتْرَةَ بِثَوْبٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِمُطْلَقِ الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ الثِّيَابِ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ لَكَ جَوَابُ الْمُغَالَطَةِ الَّتِي تُلْقَى عَادَةً عَلَى الطَّلَبَةِ فَيُقَالُ السُّتْرَةُ وَاجِبَةٌ بِهَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّ السُّتْرَةَ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهِيَ لَا تَجِبُ بِغَيْرِ هَذَا الثَّوْبِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ هُوَ وَإِلَّا لَبَطَلَ الْوُجُوبُ أَوْ يُقَالُ الْوُضُوءُ وَاجِبٌ مِنْ هَذِهِ الْفَسْقِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ لَا يَجِبُ مِنْ غَيْرِهَا بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَتْ هِيَ وَإِلَّا لَبَطَلَ الْوُجُوبُ، وَهَكَذَا إذَا أُورِدَتْ هَذِهِ الشُّبُهَاتُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ كَانَ الْجَوَابُ عَنْهَا وَاحِدًا وَهُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ لِكُلٍّ مِنْ الْوُضُوءِ وَالسُّتْرَةِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِفَرْدٍ مُبْهَمٍ دَاخِلٍ تَحْتَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذِهِ الْفَسْقِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَبَيْنَ هَذَا الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا وَلَا غَيْرُهُ وَاجِبًا بِالْإِجْمَاعِ لَا تَتَعَيَّنُ هِيَ وَلَا هُوَ فَالْخُصُوصَاتُ كُلُّهَا سَاقِطَةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ. وَثَالِثُهَا: مُطْلَقُ الْجِمَارِ فِي النُّسُكِ أَدَاةٌ يُعْمَلُ بِهَا الْوَاجِبُ لَا سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ بَلْ سَبَبُ الْوُجُوبِ إمَّا تَعْظِيمُ الْبَيْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَإِمَّا تَذَكُّرُ قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﵇ فِي ذَبْحِ ابْنِهِ وَفِدَائِهِ بِالْكَبْشِ قِيلَ؛ لِأَنَّ مِنْهَا أَنَّهُ هَرَبَ مِنْهُ فَلَحِقَهُ وَرَمَاهُ بِالْحِجَارَةِ هُنَاكَ قُلْتُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَالصَّوَابُ مَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ أَنَّ فِي الْقِصَّةِ هُوَ أَنَّ الشَّيْطَانَ تَعَرَّضَ لِلذَّبِيحِ ﵇ لَمَّا ذَهَبَ مَعَ أَبِيهِ لِلذَّبْحِ وَقَالَ لَهُ إنَّ أَبَاك يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَكَ فَأَمَرَهُ إبْرَاهِيمُ ﵇ أَنْ يَرْجُمَهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ اهـ فَشُرِعَ رَمْيُ الْجِمَارِ لِتَذَكُّرِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَالطَّوَاعِيَةِ التَّامَّةِ وَالْإِنَابَةِ الْجَمِيلَةِ لِيُقْتَدَى بِهِمَا فِي ذَلِكَ وَلَا مَدْخَلَ لِتَعَيُّنِ الْجِمَارِ فِي وُجُوبِ الرَّمْيِ بَلْ أَيَّ حَصَاةٍ أَخَذَهَا أَجْزَأَتْ وَسَدَّتْ الْمَسَدَّ وَخُصُوصُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا سَاقِطٌ عَنْ

стр. 320

الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ فِي الْأَيْمَانِ) اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ هَذِهِ قَاعِدَتُهُ فِي الْأَقَارِيرِ وَقَاعِدَتُهُ فِي الْأَيْمَانِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ أَنَّ الْجَمِيعَ إثْبَاتٌ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا وَمِنْهُمْ مَنْ وَافَقَنَا وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا إلَّا كَتَّانًا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَقَعَدَ عُرْيَانًا فَالْكَتَّانُ قَدْ اُسْتُثْنِيَ مِنْ النَّفْيِ السَّابِقِ فَيَكُونُ إثْبَاتًا فَيَكُونُ كَلَامُهُ جُمْلَتَيْنِ جُمْلَةٌ سَلْبِيَّةٌ وَجُمْلَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ وَقَبْلَهُ وَقَدْ دَخَلَ الْقَسَمُ عَلَيْهِمَا فَيَحْنَثُ إذَا قَعَدَ عُرْيَانًا نُحْنِثُهُ فِي الْجُمْلَةِ الثُّبُوتِيَّةِ وَيَكُونُ قَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ غَيْرَ الْكَتَّانِ وَلْيَلْبَسْ الْكَتَّانَ وَمَا لَبِسَ الْكَتَّانَ فَيَحْنَثُ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ اللُّغَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَالشَّافِعِيَّةُ مَشَوْا عَلَى ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَحَنَّثُوهُ، وَوَافَقُونَا فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلَمْ يُحْنِثُوهُ لَنَا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ أَنَّ إلَّا تُسْتَعْمَلُ لِلْإِخْرَاجِ وَتُسْتَعْمَلُ صِفَةً وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتَا وَلَوْ أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ بِهِ لَنَصَبَ فَقَالَ إلَّا اللَّهَ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مُوجِبٍ وَهِيَ فِي الْعُرْفِ قَدْ جَعَلُوهَا فِي الْأَيْمَانِ بِمَعْنَى غَيْرٍ فَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا إلَّا الْكَتَّانَ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى لُبْسِ الْكَتَّانِ بَلْ يُفْهَمُ لَا لَبِسْت ثَوْبًا غَيْرَ الْكَتَّانِ وَأَنَّ غَيْرَ الْكَتَّانِ هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَمَّا الْكَتَّانُ فَلَا يَفْهَمُ أَهْلُ الْعُرْفِ ذَلِكَ فِيهِ وَإِذَا كَانَ الْكَتَّانُ غَيْرَ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ إذَا قَعَدَ عُرْيَانًا الثَّانِي سَلَّمْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَمْ يَنْقُلُوهَا لِمَعْنَى غَيْرِ وَسِوَى وَلَكِنَّ الْقَسَمَ يَحْتَاجُ فِي جَوَابِهِ إلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ جَوَابَهُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَإِنَّهُ لَوْ سَكَتَ هُنَالِكَ كَانَ كَلَامًا عَرَبِيًّا وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ إلَّا وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْقَسَمُ كَانَ لُبْسُ الْكَتَّانِ غَيْرَ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ إذَا جَلَسَ عُرْيَانًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الثَّالِثُ سَلَّمْنَا أَنَّهُ تَنَاوَلَ الْجُمْلَتَيْنِ لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عِنْدَنَا مِنْ إثْبَاتٍ فَيَكُونُ نَفْيًا بَيَانُ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ جَمِيعَ الثِّيَابِ مَحْلُوفٌ عَلَيْهَا إلَّا الْكَتَّانَ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحْلِفُ عَلَى عَدَمِ لُبْسِ كُلِّ ثَوْبٍ إلَّا الْكَتَّانَ فَلَا أَحْلِفُ عَلَيْهِ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ مِنْ الْحَلِفِ الَّذِي هُوَ ثُبُوتِيٌّ وَإِذَا كَانَ الْكَتَّانُ غَيْرَ مُقْسَمٍ عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ هِيَ الْفُرُوقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْأَيْمَانِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) حَكَى صَاحِبُ الْقَبَسِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ جَلَسَ رَجُلَانِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ يَلْعَبَانِ بِالشِّطْرَنْجِ فَتَعَارَضَا فِي الْكَلَامِ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا لَا لَعِبَ مَعَ صَاحِبِهِ غَيْرَ هَذَا الدُّسَتِ فَجَاءَ رَجُلٌ وَنَقَضَ الرُّقْعَةَ وَخَلَطَهَا وَجَهِلَ تَرْتِيبَهَا كَيْفَ كَانَ وَامْتَنَعَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الِاعْتِبَارِ. وَرَابِعُهَا: مُطْلَقُ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا أَدَوَاتٌ يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ لَا سَبَبَ لِلْوُجُوبِ بَلْ سَبَبُهُ فِي الضَّحَايَا أَيَّامُ النَّحْرِ وَفِي الْهَدَايَا التَّمَتُّعُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَسْبَابِ الْهَدْيِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْبَدَنَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي الْوُجُوبِ؛ إذْ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى خُصُوصَ بَدَنَةٍ دُونَ أُخْرَى بَلْ الْمَطْلُوبُ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذِهِ الْبَدَنَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبَدَنِ فَأَيُّهَا فَعَلَ سَدَّ الْمَسَدَّ وَلَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْخُصُوصِ مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الصِّفَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الثَّوْبِ وَالْمَاءِ حَرْفًا بِحَرْفٍ. وَخَامِسُهَا: مُطْلَقُ الرِّقَابِ فِي الْعِتْقِ أَدَوَاتٌ يُفْعَلُ بِهَا الْوَاجِبُ لَا أَسْبَابٌ لِلْوُجُوبِ بَلْ السَّبَبُ الظِّهَارُ أَوْ الْيَمِينُ أَوْ إفْسَادُ صَوْمِ رَمَضَانَ عَمْدًا أَوْ الْقَتْلُ وَلَا مَدْخَلَ لِتَعَيُّنِ الرَّقَبَةِ فِي الْوُجُوبِ؛ إذْ لَمْ يُوجِبْ اللَّهُ تَعَالَى خُصُوصَ رَقَبَةٍ دُونَ أُخْرَى مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي الصِّفَاتِ بَلْ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَفْرَادِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذِهِ الرَّقَبَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا فَأَيَّ رَقَبَةٍ عَتَقَهَا سَدَّتْ الْمَسَدَّ كَمَا عَلِمْت. [الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ] الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِ هُوَ الْمُكَلَّفُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْخِطَابِ فِيهِ التَّعَلُّقُ بِطَائِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ أَيْ بِمُطْلَقِ طَائِفَةٍ صَالِحَةٍ لِإِيقَاعِ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَأَيُّ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ الصَّالِحَةِ لِإِيقَاعِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ الشَّرْعِيِّ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا هِيَ الْمُكَلَّفَةُ وَالْمُكَلَّفُ يَجِبُ عَلَيْهِ لَا بِهِ وَلَا فِيهِ فَإِذَا فَعَلَتْ سَدَّتْ الْمَسَدَّ كَالثَّوْبِ فِي السُّتْرَةِ وَالْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ وَسَقَطَ بِفِعْلِهَا الطَّلَبُ عَنْ بَقِيَّةِ الطَّوَائِفِ لِتَحَقُّقِ الْفِعْلِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَإِذَا تَرَكَ الْجَمِيعُ أَثِمُوا لِتَعْطِيلِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا عَنْ الْفِعْلِ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا مَنْ يَقُومُ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ تَعَيَّنَ الْفِعْلُ عَلَيْهِ عَيْنًا لِانْحِصَارِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ كَآخِرِ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ وَتَعَذُّرِ غَيْرِ الثَّوْبِ الْمَوْجُودِ فِي السُّتْرَةِ حَرْفًا بِحَرْفٍ. [الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ] ُ لَهُ أَمْثِلَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ: أَحَدُهَا: الشَّرْطُ كَدَوَرَانِ مُطْلَقِ الْحَوْلِ تَجِبُ عِنْدَهُ الزَّكَاةُ بِسَبَبِهَا الَّذِي هُوَ مِلْكُ النِّصَابِ فَأَثَرُ السَّبَبِ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ دَوَرَانِ مُطْلَقِ الْحَوْلِ الْمُوجِبِ لِحُصُولِ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّنْمِيَةِ فِي النِّصَابِ فَمُطْلَقُ الْحَوْلِ هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَصِّلُ لِمَقْصُودِ الشَّرْعِ وَلَا مَدْخَلَ لِخُصُوصِ الْحَوْلِ الْمُعَيَّنِ فِي حُصُولِ مَقْصُودِ الشَّرْعِ كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ نِصَابٍ دَاخِلٌ تَحْتَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ النُّصُبِ هُوَ الْوَاجِبُ بِهِ لَا خُصُوصُ النِّصَابِ الْمُعَيَّنِ. وَثَانِيهَا: عَدَمُ الْمَانِعِ كَعَدَمِ مُطْلَقِ الدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ وَعَدَمِ مُطْلَقِ الْحَيْضِ فِي الصَّلَاةِ فَتَجِبُ

стр. 321

تَكْمِيلُ ذَلِكَ الدُّسَتِ فَسَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ تَحْنِيثِهِ بِذَلِكَ فَاخْتَلَفُوا فِي تَحْنِيثِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ قَالَ ثُمَّ اجْتَمَعْت بِشَيْخِنَا أَبِي الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيِّ فَأَخْبَرْتُهُ بِالْمَسْأَلَةِ فَاخْتَارَ عَدَمَ الْحِنْثِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمًا مِنْ دَيْنِك إلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَعْطَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ سَائِرِ الْأَيَّامِ فَإِنَّ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ يَجْرِي فِيهِ وَإِنْ كَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ إثْبَاتٍ لِأَنَّ إلَّا بِمَعْنَى سِوَى فِي الْأَيْمَانِ عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ وَلَا يَفْهَمُونَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ الْإِعْطَاءِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَلْ اسْتِثْنَاءُ تَوْسِعَةٍ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ لَوْ أَعْطَى فِيهِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْ الْيَمِينِ أَنْ لَا يُخِلَّ بِالْإِعْطَاءِ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَغَيْرُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْيَمِينِ لَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ نَحْوُ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الطَّلَاقِ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ) فَلَوْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَمْ يَلْزَمْهُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَمُقْتَضَى اللُّغَةِ أَنْ يَلْزَمَهُ الثَّلَاثُ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ أَنَّهُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ دَخَلَ عَلَى مَفْهُومِ الطَّلَاقِ فَيَعُمُّ أَفْرَادَهُ إلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَلْزَمَهُ مِنْ الطَّلَاقِ عَدَدٌ غَيْرُ مُتَنَاهٍ إلَّا أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَقْبَلُ إلَّا ثَلَاثًا فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِائَةً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فَقَطْ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ الْيَوْمَ عَلَى خِلَافِهِ وَلَا يُلْزِمُونَ بِهِ إلَّا وَاحِدَةً بِسَبَبِ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ نَحْوُ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَلِلْمَعْهُودِ مِنْ الْجِنْسِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] فَهَذِهِ اللَّامُ لِلْمَعْهُودِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلِحَقِيقَةِ الْجِنْسِ كَقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ اذْهَبْ إلَى السُّوقِ فَاشْتَرِ لَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ يُرِيدُ إثْبَاتَ هَاتَيْنِ الْحَقِيقَتَيْنِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ نَحْوُ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] . وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الطَّلَاقِ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ فَلَوْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَمْ يَلْزَمْهُ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَمُقْتَضَى اللُّغَةِ أَنْ يَلْزَمَهُ الثَّلَاثُ إلَى قَوْلِهِ فَهَذِهِ اللَّامُ لِلْمَعْهُودِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ إلَّا فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ [الأنعام: ١٥١] إنَّهُ لِلْجِنْسِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ يَعْنِي الْحَقِيقَةَ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ يَعْنِي أَنَّهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَلَا. قَالَ (وَلِحَقِيقَةِ الْجِنْسِ كَقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ اذْهَبْ إلَى السُّوقِ فَاشْتَرِ لَنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ يُرِيدُ إثْبَاتَ هَاتَيْنِ الْحَقِيقَتَيْنِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الزَّكَاةُ عِنْدَ عَدَمِ مُطْلَقِ الدَّيْنِ بِسَبَبِهَا الَّذِي هُوَ مِلْكُ النِّصَابِ وَالصَّلَاةُ عِنْدَ عَدَمِ مُطْلَقِ الْحَيْضِ بِسَبَبِهَا الَّذِي هُوَ زَوَالُ الشَّمْسِ مَثَلًا وَلَمْ يَعْتَبِرْ صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي الْوُجُوبِ عِنْدَهُ عَدَمَ خُصُوصِ دَيْنٍ دُونَ دَيْنٍ وَلَا عَدَمَ خُصُوصِ حَيْضٍ دُونَ حَيْضٍ. وَثَالِثُهَا: عَدَمُ مُطْلَقِ الْمَاءِ الطَّهُورِ يَجِبُ التَّيَمُّمُ عِنْدَهُ لَا بِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ لِلصَّلَاةِ أَوْقَاتُهَا وَأَسْبَابُ الطَّهَارَاتِ الْأَحْدَاثُ فَالْحَدَثُ اقْتَضَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَإِنْ عُدِمَتْ طَهَارَةُ الْمَاءِ تَعَيَّنَتْ طَهَارَةُ التُّرَابِ فَعَدَمُ مُطْلَقِ الْمَاءِ الطَّهُورِ الْكَافِي لِلطَّهَارَةِ هُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ التَّيَمُّمُ لَا عَدَمُ خُصُوصِ مَاءٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَمْ يُلَاحِظْ عَدَمَ مَاءٍ مُعَيَّنٍ. وَرَابِعُهَا: عَدَمُ مُطْلَقِ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ عِنْدَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ إذَا خَافَ الْهَلَاكَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِهِ بَلْ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ لِوُجُوبِ إحْيَاءِ النَّفْسِ بِدَلِيلِ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] فَإِحْيَاءُ النَّفْسِ اقْتَضَى أَحَدَ الْغِذَاءَيْنِ إمَّا الْمُبَاحَ وَإِمَّا الْمَيْتَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْمُبَاحُ تَعَيَّنَتْ الْمَيْتَةُ كَاقْتِضَاءِ الْحَدَثِ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ بِلَا فَرْقٍ وَلَمْ يُلَاحِظْ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَدَمَ طَعَامٍ مُبَاحٍ بِعَيْنِهِ بَلْ مُطْلَقُ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ الَّذِي يَصْلُحُ لِإِقَامَةِ الْبِنْيَةِ وَخَامِسُهَا عَدَمُ الْخَصْلَةِ الْأُولَى مِنْ الْخِصَالِ الْمُرَتَّبَةِ فِي نَحْوِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَعَدَمِ مُطْلَقِ الرَّقَبَةِ الصَّالِحَةِ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ يَجِبُ عِنْدَهُ الصِّيَامُ لَا بِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الظِّهَارُ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ اقْتَضَى أَحَدَ الْخِصَالِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَإِذَا تَعَذَّرَتْ الْأُولَى تَعَيَّنَتْ الثَّانِيَةُ نَظِيرَ مَا مَرَّ وَلَمْ يُلَاحِظْ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَدَمَ رَقَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ. [الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ الْكُلِّيُّ الْمُشْتَرَكُ الْوَاجِبُ مِنْهُ] الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ الْوَاجِبُ مِنْهُ لَهُ أَمْثِلَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ: أَحَدُهَا: الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْإِبِلِ كَانَتْ غَنَمًا كَمَا فِي الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ إبِلًا مُطْلَقًا كَمَا فِيمَا فَوْقَهَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ بِمُطْلَقِ شَاةٍ مِنْ الْغَنَمِ فِي الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جِنْسِ الْإِبِلِ وَمُطْلَقُ حَقِّهِ فِيمَا فَوْقَ الْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جِنْسِ الْإِبِلِ؛ إذْ لَمْ يُلَاحِظْ الشَّرْعُ شَاةً مُعَيَّنَةً وَلَا حِقَّةً مُعَيَّنَةً مَعَ اسْتِوَاءِ الصِّفَاتِ فِي الْجِنْسِ الْمُجْزِئِ فَافْهَمْ. وَثَانِيهَا: الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ النَّقْدَيْنِ بِشَرْطِهِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ بِمُطْلَقِ النَّقْدِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً؛ إذْ لَمْ يُلَاحِظْ الشَّرْعُ خُصُوصَ دِينَارٍ لَا دِرْهَمٍ. وَثَالِثُهَا: الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَهُوَ مَا كَانَ غَالِبَ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْهُ كَالْحَبِّ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ بِمُطْلَقِ

стр. 322

وَلَا يُرِيدُ الْعُمُومَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مَعْهُودٌ يَنْصَرِفُ الْكَلَامُ إلَيْهِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةُ الْجِنْسِ أَيْ الْمَاهِيَةُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تَصْدُقُ بِفَرْدٍ إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ تُسْتَعْمَلُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ قَدْ نَقَلُوهَا وَخَصَّصُوهَا بِحَقِيقَةِ الْجِنْسِ دُونَ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَيَصِيرُ مَعْنَى كَلَامِ الْمُطَلِّقِ أَنَّ حَقِيقَةَ جِنْسِ الطَّلَاقِ يَلْزَمُنِي وَإِذَا لَزِمَتْهُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ وَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ تَصْدُقُ بِفَرْدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا فَرْدٌ وَهُوَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا حَدَثَ عُرْفٌ بَعْدَ اللُّغَةِ قُدِّمَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لَهَا وَالنَّاسِخُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَنْسُوخِ وَهَاتَانِ قَاعِدَتَانِ فِي الْأُصُولِ خَالَفَهُمَا الْفُقَهَاءُ فِي الْفُرُوعِ وَهُمَا قَاعِدَةُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَلَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ فِي الْأَيْمَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ وَقَاعِدَةُ الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ قَالُوا بِأَنَّهُ لِلْعُمُومِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ فِي الطَّلَاقِ وَالسَّبَبُ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الشُّرُوطِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ فِي الشُّرُوطِ خَاصَّةً دُونَ بَقِيَّةِ أَبْوَابِ الِاسْتِثْنَاءِ) هَذَا الْفَرْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ السَّبَبَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَالشَّرْطُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ وَالْمَانِعُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَلَا يُرِيدُ الْعُمُومَ إلَى قَوْلِهِ أَيْ الْمَاهِيَةُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي تَصْدُقُ بِفَرْدٍ) قُلْتُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ اشْتَرِ الْخُبْزَ وَمَا أَشْبَهَهُ الْمَاهِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُحَالِ عِنْدَ مُثْبِتِيهَا وُجُودُهَا فِي الْخَارِجِ وَمَا اشْتَرَى لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ. قَالَ (إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ تُسْتَعْمَلُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ قَدْ نَقَلُوهَا وَخَصَّصُوهَا بِحَقِيقَةِ الْجِنْسِ دُونَ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ) قُلْتُ إذَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ حَقِيقَةُ الْجِنْسِ فَلَا نَقْلَ أَمَّا التَّخْصِيصُ فَنَعَمْ. قَالَ (فَيَصِيرُ مَعْنَى كَلَامِ الْمُطْلَقِ أَنَّ حَقِيقَةَ جِنْسِ الطَّلَاقِ يَلْزَمُنِي وَإِذَا لَزِمَتْهُ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ وَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ تَصْدُقُ بِفَرْدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا فَرْدٌ وَهُوَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ إلَى قَوْلِهِ وَالنَّاسِخُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَنْسُوخِ) قُلْتُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمَقْصُودَةَ فِي قَوْلِهِ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ الِاسْتِغْرَاقَ أَوْ الْعَهْدَ فَعَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الثَّلَاثُ احْتِيَاطًا كَمَنْ طَلَّقَ وَلَا يَدْرِي أَوَاحِدَةً أَمْ ثَلَاثًا تَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ احْتِيَاطًا وَلَكِنْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَلْزَمَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ فَهُوَ عُرْفٌ فِي مُطْلَقِ الطَّلَاقِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَمَا قَالَهُ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ ظَاهِرٌ وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَعْدَهُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَكِيلِ صَاعٍ عَنْ كُلِّ آدَمِيٍّ إلَّا مَنْ اُسْتُثْنِيَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَرَابِعُهَا الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ الْكَفَّارَاتُ فِي الْإِطْعَامِ وَهُوَ مَا تُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ بِعَيْنِهِ وَخَامِسُهَا الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ بِمُطْلَقِ عُشْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا فِي مِلْكِهِ أَوْ مِمَّا يُحَصِّلُهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ. [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ الْوَاجِبُ عَنْهُ وَهُوَ جِنْسُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ] الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ الْوَاجِبُ عَنْهُ هُوَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يُخْرَجَ صَاعٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مُبْهَمٍ دَاخِلٍ تَحْتَ مَفْهُومِ الْإِنْسَانِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لِأَجْلِهَا تَجِبُ عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِوَصِيَّةٍ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ وَلِيٍّ بِقَرَابَةٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ رِقٍّ فَمُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ هُوَ الْفَرْدُ الْمُبْهَمُ مِنْ أَفْرَادِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ دُونَ خُصُوصِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ زَوْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُلَاحِظْ خُصُوصَ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ. [الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ الْوَاجِبُ مِثْلُهُ] ُ لَهُ مِثَالَانِ فِي الشَّرِيعَةِ: أَحَدُهُمَا: جَزَاءُ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ أَيْ جَزَاءُ مُطْلَقِ الْغَزَالِ وَمُطْلَقِ بَقَرِ الْوَحْشِ دُونَ خُصُوصِ ظَبْيٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَالْوَاجِبُ مِثْلُهُ مَنُوطٌ بِمُطْلَقِ ذَلِكَ الْجِنْسِ الْكُلِّيِّ وَخُصُوصُ كُلِّ صَيْدٍ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ سَاقِطٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي الْجَزَاءِ. وَثَانِيهِمَا: غَرَامَةُ مِثْلِ مُطْلَقِ الْمُتْلَفِ الْمِثْلِيِّ مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ فَمَنْ أَتْلَفَ قَفِيزَ قَمْحٍ وَجَبَ عَلَيْهِ غَرَامَةُ قَفِيزٍ مِثْلِهِ مِنْ مُطْلَقِ قَمْحٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ هِيَ مُتَعَلِّقُ الْأَغْرَاضِ وَمَنْ أَتْلَفَ رِطْلَ زَيْتٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُ رِطْلٍ مِنْ مُطْلَقِ زَيْتٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ هِيَ مُتَعَلِّقُ الْأَغْرَاضِ كَكَوْنِهِ زَيْتًا اتِّفَاقًا وَزَيْتُ بِزْرِ الْكَتَّانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى إنَّ أَفْرَادَ الْأَرْطَالِ مِنْ الْغَلَّةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الزَّيْتِ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ وَالْمُعْتَبَرُ الْفَرْدُ الْمُبْهَمُ الدَّاخِلُ تَحْتَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ سَائِرِ الْأَفْرَادِ دُونَ خُصُوصِ رِطْلٍ دُونَ رِطْلٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ أَجْنَاسِ الْمِثْلِيَّاتِ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِهَا الْعَامَّةِ دُونَ خُصُوصِ الْمُعَيَّنَاتِ. [الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ الْوَاجِبُ إلَيْهِ] ِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَمْثِلَةٍ فِي الشَّرِيعَةِ: أَحَدُهَا: غُرُوبُ الشَّمْسِ فِي الصَّوْمِ يَجِبُ الصَّوْمُ إلَى فَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ أَفْرَادِ الْغُرُوبِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ فَمَتَى تَحَقَّقَ الْغُرُوبُ فِي أَيِّ يَوْمٍ كَانَ سَقَطَ وُجُوبُ الصَّوْمِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ وَانْتَقَلَ الْمُكَلَّفُ إلَى تَحْرِيمِ الصَّوْمِ لِوُجُودِ مَفْهُومِ الْغُرُوبِ فِي أَيِّ يَوْمٍ كَانَ وَلَا عِبْرَةَ بِخُصُوصِ الْأَيَّامِ فِي الْغُرُوبِ كَكَوْنِهِ غُرُوبَ شَمْسِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَهُوَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ. وَثَانِيهَا: مُطْلَقُ هِلَالِ شَوَّالٍ

стр. 323

وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذِهِ الْحَقَائِقِ وَتَحْرِيرُهَا وَتَعْلِيلُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا فَلَا حَاجَةَ لِإِعَادَتِهَا غَيْرَ أَنَّ الْمَقْصُودَ هَا هُنَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ شَيْءٌ إنَّمَا الْمُؤَثِّرُ عَدَمُهُ فَإِذَا قُلْنَا الْحَيَاةُ شَرْطٌ فِي الْعِلْمِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْحَيَاةِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْحَيَاةِ الْعِلْمُ بِهِ وَلَا عَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ فَكَمْ مِنْ حَيٍّ لَا يَعْلَمُ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الطَّهَارَةِ الْجَزْمُ بِعَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الطَّهَارَةِ الْجَزْمُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَوْ يُصَلِّيَ وَلَكِنْ بِغَيْرِ نِيَّةٍ أَوْ سِتَارَةٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْحَوْلِ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَمَّا إذَا دَارَ الْحَوْلُ فَقَدْ تَجِبُ الزَّكَاةُ. وَقَدْ لَا تَجِبُ لِكَوْنِهِ فَقِيرًا أَوْ مِدْيَانًا فَوُجُودُ الشَّرْطِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ إنَّمَا اللُّزُومُ عِنْدَ عَدَمِهِ إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَقَوْلُهُ ﵇ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إلَّا بِطَهُورٍ» لَا يَلْزَمُ مِنْ الْقَضَاءِ قَبْلُ إلَّا بِعَدَمِ الْقَبُولِ لِعَدَمِ الطَّهَارَةِ الْقَضَاءُ بِالْقَبُولِ بَعْدُ إلَّا لِوُجُودِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» لَا يَلْزَمُ مِنْ الْقَضَاءِ بِنَفْيِ النِّكَاحِ قَبْلُ إلَّا لِأَجْلِ عَدَمِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْوَلِيُّ الْقَضَاءُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ بَعْدُ إلَّا لِأَجْلِ وُجُودِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْوَلِيُّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ شَيْءٌ إنَّمَا الْمُؤَثِّرُ عَدَمُهُ لَا وُجُودُهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ تَحْصُلُ لَهُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ أَوْ الْفَضِيلَةُ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ لِجَوَازِ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَتَكُونَ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً وَالسِّرُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا مُطَّرِدًا فِيمَا عَدَا الشَّرْطَ وَتَكُونُ الشُّرُوطُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ إطْلَاقِ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَإِنَّ مُرَادَهُمْ غَيْرُ الشُّرُوطِ. وَأَمَّا الشُّرُوطُ فَلَا وَهَذَا التَّخْصِيصُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ غَرِيبٌ قَلَّ مَنْ يَتَفَطَّنُ لَهُ وَبِسَبَبِ التَّفَطُّنِ لَهُ يَبْطُلُ مَا يُورِدُهُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَيْنَا فِي مَسْأَلَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَيَقُولُونَ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا لَلَزِمَ الْقَضَاءُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الطَّهُورِ وَبِصِحَّةِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْوَلِيِّ الْوَارِدِ فِي الْأَحَادِيثِ وَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ وَإِلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ الْمَدْلُولِ عَنْ الدَّلِيلِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَنُجِيبُ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ مِنْ بَابِ الشُّرُوطِ وَنَحْنُ إنَّمَا نَدَّعِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ الشُّرُوطِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا الشُّرُوطُ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ فَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءَاتُ الْوَاقِعَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ وَالْحَالِفِينَ وَغَيْرِهِمْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَيْفَ كَانَ يَجِبُ تَتَابُعُ الصَّوْمِ فِي أَيَّامِ رَمَضَانَ إلَيْهِ كَمَا يَجِبُ إيصَالُ الصَّوْمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَا دَخْلَ لِلْحُكْمِ فِي كَوْنِهِ خُصُوصَ هَذَا الْهِلَالِ أَوْ ذَلِكَ أَوْ كَوْنِهِ مِنْ سَنَةِ سِتِّينَ أَوْ مِنْ سَنَةِ تِسْعِينَ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ. وَثَالِثُهَا: مُطْلَقُ غَايَاتِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَالْإِحْدَادِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ الْعَامَّةِ كَكَوْنِهِ كَمَالَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ كَمَالَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ الْمُعْتَبَرُ فِي الشَّرِيعَةِ لِوُجُوبِ إيصَالِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَالْإِحْدَادِ إلَيْهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ تِلْكَ الْغَايَةِ مِنْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَهَذِهِ أَجْنَاسٌ عَشَرَةٌ تَشْتَرِكُ كُلُّهَا فِي تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِفَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الْمُشْتَرَكُ وَيَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِخُصُوصٍ كَكَوْنِهِ فِيهِ وَبِهِ وَعَنْهُ وَمِنْهُ وَعَلَيْهِ وَعِنْدَهُ وَإِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَبِهَذَا الِاخْتِصَاصِ نُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي أَبْوَابِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْعَشَرَةِ كُلِّهَا مُتَعَلِّقًا بِفَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ فَلِيَكُنْ الْكُلُّ وَاجِبًا مُخَيَّرًا فَلِمَ اخْتَلَفَتْ الْأَسْمَاءُ؟ فَنَقُولُ: إنَّ هَذَا الْقَدْرَ الْعَامَّ الَّذِي هُوَ التَّعَلُّقُ بِفَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ قَدْ حَصَلَ تَحْتَهُ أَيْضًا أَجْنَاسٌ كُلِّيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَالْأَصْلُ اخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا إذَا اخْتَلَفَتْ الْحَقَائِقُ الْكُلِّيَّةُ أَوْ الْجُزْئِيَّةُ لِتَحْصُلَ فَائِدَةُ التَّعْبِيرِ عَنْ خُصُوصِ كُلِّ حَقِيقَةٍ كَانَتْ جِنْسًا أَوْ شَخْصًا فَهَذَا تَقْرِيرُ هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ قَوَاعِدِهِ الْعَشَرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ فِي نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا] (الْفَرْقُ السَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ فِي نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا) مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّهْيَ إذَا كَانَ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ مَاهِيَّةِ الْبَيْعِ مَثَلًا الَّتِي هِيَ الْعَاقِدَانِ وَالْعِوَضَانِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَبَيْعِ السَّفِيهِ وَتَحْرِيرِهِ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ فِي نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا يَعْتَمِدُ الْمَصَالِحَ وَالْمُتَضَمِّنُ لِلْمَفْسَدَةِ فَاسِدٌ وَإِذَا كَانَ أَيْ النَّهْيُ إنَّمَا هُوَ فِي خَارِجٍ عَنْهَا كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ نَقْدٍ بِنَقْدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فَإِنَّ مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ وَصْفُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ بِالْكَثْرَةِ لَا نَفْسُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ كَانَ أَصْلُ الْمَاهِيَّةِ سَالِمًا عَنْ الْمَفْسَدَةِ النَّهْيُ إنَّمَا هُوَ فِي الْخَارِجِ عَنْهَا فَلَا يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَاهِيَّةِ كَمَا اقْتَضَاهُ تَعَلُّقُ النَّهْيِ بِرُكْنٍ مِنْ

стр. 324

(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ إنْ وَقَاعِدَةِ إذَا وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا لِلشَّرْطِ) لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا إنْ تَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ بِالِالْتِزَامِ وَعَلَى الشَّرْطِ بِالْمُطَابَقَةِ وَإِذَا عَلَى الْعَكْسِ فِي ذَلِكَ. فَإِذَا قُلْت إنْ جَاءَ زَيْدٌ فَأَكْرِمْهُ فَلَفْظُك يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إنْ شَرْطٌ وَالْإِكْرَامُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَجِيءِ مُطَابَقَةً وَيَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى أَنَّ الْمَجِيءَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَانِ وَإِذَا قُلْت إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَكْرِمْهُ فَإِذَا تَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ بِالْمُطَابَقَةِ وَعَلَى الشَّرْطِ بِالِالْتِزَامِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَإِنَّهَا قَدْ يَلْزَمُهَا الشَّرْطُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ نَحْوُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ﴾ وَقَدْ لَا يَلْزَمُهَا وَتَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ٢] أَيْ أُقْسِمُ بِاللَّيْلِ فِي حَالَةِ غَشَيَانِهِ وَبِالنَّهَارِ فِي حَالِ تَجَلِّيهِ لِأَنَّهُمَا أَكْمَلُ أَحْوَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقَسَمُ تَعْظِيمٌ وَالتَّعْظِيمُ يُنَاسِبُ أَعْظَمَ الْأَحْوَالِ فَإِذَا فِي مِثْلِ هَذَا ظَرْفٌ مَحْضٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ فَصَارَتْ إذَا الظَّرْفِيَّةُ قَدْ يَلْزَمُهَا الشَّرْطُ فَتَدُلُّ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَقَدْ لَا يَلْزَمُهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْتِزَامًا وَثَانِيهَا أَنَّ إنْ وَإِذَا وَإِنْ كَانَا مُطْلَقَيْنِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الزَّمَانِ لَا عُمُومَ فِيهِمَا غَيْرَ أَنَّ إنْ لَا تَوْسِعَةَ فِيهَا وَإِذَا ظَرْفٌ وَالظَّرْفُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ. وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ إنْ مِتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إذَا مِتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا طَلَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَلْزَمُهُ فِي الثَّانِي لِأَنَّ الظَّرْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ فَظَرْفُ الْمَوْتِ يَحْتَمِلُ دُخُولَ زَمَنٍ مِنْ أَزْمِنَةِ الْحَيَاةِ فِيهِ فَيَقَعُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ الطَّلَاقُ فِي زَمَنِ الْحَيَاةِ فَيَلْزَمُهُ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى مُلَاحَظَةِ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الْفُرُوقِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الظَّرْفَ قَدْ يَكُونُ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ أَنْ تَقُولَ وُلِدَ النَّبِيُّ ﵇ عَامَ الْفِيلِ وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ سِتِّينَ مِنْ عَامِ الْفِيلِ وَهُوَ لَمْ يُولَدْ فِي جُمْلَةِ عَامِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إنْ وَقَاعِدَةِ إذَا وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا لِلشَّرْطِ إلَى قَوْلِهِ وَقَدْ لَا يَلْزَمُهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْتِزَامًا) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا قَوْلَهُ فِي إنْ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ الْتِزَامًا فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ الْتِزَامًا بِنَفْسِهَا وَعَلَى مَا شَرَطُوهُ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ مِنْ أَنَّهَا يَسْبِقُ ذَلِكَ فَهْمُ السَّامِعِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ الْتِزَامًا بِمَعْنَى أَنَّهَا مِنْ الْحُرُوفِ الَّتِي تُلَازِمُ الدُّخُولَ عَلَى الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ الْتِزَامًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (وَثَانِيهَا أَنَّ إنْ وَإِذَا وَإِنْ كَانَا مُطْلَقَيْنِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الزَّمَانِ لَا عُمُومَ فِيهِمَا غَيْرَ أَنَّ إنْ لَا تَوْسِعَةَ فِيهَا وَإِذَا ظَرْفٌ وَالظَّرْفُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ إنْ مِتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إذَا مِتَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَرْكَانِهَا الْأَرْبَعَةِ قَالَ: إذْ لَوْ قُلْنَا بِالْفَسَادِ مُطْلَقًا لَسَوَّيْنَا بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْفَسَادِ وَبَيْنَ السَّالِمَةِ عَنْ الْفَسَادِ كَمَا أَنَّا لَوْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا لَسَوَّيْنَا بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ السَّالِمَةِ فِي ذَاتِهَا وَصِفَاتِهَا وَبَيْنَ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْفَسَادِ فِي صِفَاتِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَوَاطِنِ الْفَسَادِ وَبَيْنَ السَّالِمِ عَنْ الْفَسَادِ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ فَتَعَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَابَلَ الْأَصْلُ بِالْأَصْلِ وَالْوَصْفُ بِالْوَصْفِ فَنَقُولُ أَصْلُ الْمَاهِيَّةِ سَالِمٌ عَنْ النَّهْيِ وَالْأَصْلُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَعُقُودِهِمْ الصِّحَّةُ حَتَّى يَرِدَ نَهْيٌ فَيَثْبُتُ لِأَصْلِ الْمَاهِيَّةِ الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ الصِّحَّةُ وَيَثْبُتُ لِلْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِلْمَفْسَدَةِ الْوَصْفُ الْعَارِضُ وَهُوَ النَّهْيُ فَيَفْسُدُ الْوَصْفُ دُونَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْوَصْفَ إذَا نُهِيَ عَنْهُ سَرَى النَّهْيُ إلَى الْمَوْصُوفِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا وُجُودَ لَهُ مُفَارِقًا لِلْمَوْصُوفِ فَيَئُولُ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ يَتَسَلَّطُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ فَتَكُونُ الْمَاهِيَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ عَارٍ عَنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ فَلَا يَتَسَلَّطُ النَّهْيُ عَلَيْهِ وَمُتَّصِفُ بِذَلِكَ الْوَصْفِ فَيَتَسَلَّطُ النَّهْيُ عَلَيْهِ اهـ. وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِ النَّهْيِ حَتَّى أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِالثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ وَالْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْمَسْرُوقِ وَالذَّبْحَ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ النَّهْيَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ وَمَتَى وَرَدَ نَهْيٌ أَبْطَلْنَا ذَلِكَ الْعَقْدَ وَذَلِكَ التَّصَرُّفَ بِجُمْلَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ إنَّمَا اقْتَضَى تِلْكَ الْمَاهِيَّةَ بِذَلِكَ الْوَصْفِ أَمَّا بِدُونِهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ غَيْرَ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ فَيُرَدُّ مِنْ يَدِ قَابِضِهِ بِغَيْرِ عَقْدٍ. وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ مَعْدُومٌ شَرْعًا وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ حِسًّا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ فَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ بَاطِلَةٌ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ وَالذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمَسْرُوقَةِ فَهِيَ كُلُّهَا مَعْدُومَةٌ شَرْعًا فَتَكُونُ مَعْدُومَةٌ حِسًّا وَمَنْ فَرَى الْأَوْدَاجَ بِغَيْرِ أَدَاةٍ حِسًّا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ فَكَذَلِكَ ذَبِيحَةُ الذَّابِحِ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبَةٍ وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَفِي تَسْوِيَتِهِ بَيْنَ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الرِّبَا نَظَرٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَمْ يَتَسَلَّطْ النَّهْيُ فِيهَا عَلَى الْمَاهِيَّةِ وَلَا عَلَى وَصْفِهَا بَلْ

стр. 325

الْفِيلِ بَلْ فِي جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ مَعَ أَنَّك جَعَلْته بِجُمْلَتِهِ ظَرْفًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الظَّرْفُ أَوْسَعَ مِنْ مَظْرُوفِهِ الَّذِي هُوَ الْوِلَادَةُ وَكَذَلِكَ جُعِلَتْ جُمْلَةُ سَنَةَ سِتِّينَ ظَرْفًا لِلْمَوْتِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ بَلْ فِي جُزْءٍ مِنْهَا فَيَكُونُ هَذَا الظَّرْفُ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] . أَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِيهِ سُؤَالًا فَقَالَ الشَّرْطُ وَجَوَابُهُ إذَا جُعِلَ الشَّرْطُ ظَرْفًا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَا مَعًا وَاقِعَيْنِ فِيهِ نَحْوُ إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَكْرِمْهُ فَالْمَجِيءُ وَالْإِكْرَامُ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِإِذَا وَكَذَلِكَ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] الْآيَةُ كِلَاهُمَا وَاقِعٌ فِي إذَا الْمَجِيءُ وَالتَّسْبِيحُ وَلِذَلِكَ جَوَّزُوا أَنْ يَعْمَلَ فِي إذَا كِلَا الْفِعْلَيْنِ وَاخْتَارُوا فِعْلَ الْجَوَابِ لِلْعَمَلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُضَافًا إلَيْهِ بِخِلَافِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ مُضَافٌ إلَى مَخْفُوضٍ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ لَا يَعْمَلُ فِي الْمُضَافِ وَإِذَا جَوَّزُوا عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ فِي هَذَا الظَّرْفِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعِهِمَا فِيهِ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعَامِلِ فِي الظَّرْفِ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ مَظْرُوفَهُ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالذِّكْرُ ضِدُّ النِّسْيَانِ وَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَيَكُونُ هَذَا الظَّرْفُ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الظَّرْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُجَاءُ بِلَفْظِ الْيَوْمِ مَثَلًا فَيُقَالُ أَكَلْت يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِنْ كَانَ الْأَكْلُ لَمْ يَقَعْ فِي جَمِيعِهِ بَلْ فِي بَعْضِهِ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ لَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ ظَرْفٍ كَذَلِكَ وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ ظَرْفٍ كَذَلِكَ فَالصَّحِيحُ فِي إذَا أَنَّهَا لَا تَخْلُو أَنْ تَدْخُلَ عَلَى شَرْطٍ وَمَشْرُوطٍ أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ عَلَى شَرْطٍ وَمَشْرُوطٍ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى شَرْطٍ وَمَشْرُوطٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ وُقُوعُ ذَلِكَ الْمَشْرُوطِ بَعْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ مُمْكِنًا أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا كَقَوْلِهِ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَإِنْ كَانَ وُقُوعُ ذَلِكَ الْمَشْرُوطِ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ كَقَوْلِهِ إذَا مِتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ قَوْلَهُ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَيْسَ مَعْنَاهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الدُّخُولِ بِعَيْنِهِ بَلْ مَعْنَاهُ إيقَاعُهُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَلِي زَمَنَ الدُّخُولِ لِضَرُورَةِ مُقْتَضَى الْفَاءِ فَإِنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ إذَا يُرَادُ بِهَا ظَرْفُ الدُّخُولِ لَا ظَرْفُ الطَّلَاقِ وَظَرْفُ الطَّلَاقِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ تَعَلُّقُ إذَا بِدَخَلْت الَّذِي هُوَ فِعْلُ الشَّرْطِ وَلَا يُعْتَرَضُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ الْمُضَافُ إلَيْهِ لَا يَعْمَلُ فِي الْمُضَافِ لِأَنَّهَا قَاعِدَةٌ لَا يُسَلَّمُ فِيهَا الْإِطْلَاقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] إلَى آخِرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ) قُلْتُ إنَّمَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ظَرْفُ النِّسْيَانِ هُوَ بِعَيْنِهِ ظَرْفُ الذِّكْرِ أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ ظَرْفَ الذِّكْرِ غَيْرُ ظَرْفِ النِّسْيَانِ لَكِنَّهُ يَعْقُبُهُ فَتَكُونُ إذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] ظَرْفًا لِلنِّسْيَانِ خَاصَّةً فَظَرْفُ الذِّكْرِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الظَّرْفَ يَكُونُ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ فَيَفْضُلُ مِنْ إذَا زَمَنٌ لَا نِسْيَانَ فِيهِ وَهُوَ جَوَابٌ رَافِعٌ لِلسُّؤَالِ مِنْ أَصْلِهِ لَا جَوَابٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْغَصْبُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِهِ فِي وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِ وُضُوءٍ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الرِّبَا فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ فِي الْآيَةِ ظَاهِرُهُ التَّسَلُّطُ عَلَى الرِّبَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِهِ فِي الْبَيْعِ أَوْ لَا فَإِنَّ الْحَدِيثَ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» فَسَلَّطَ النَّهْيَ عَلَى الْبَيْعِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الزِّيَادَةِ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَتَوَضَّأْ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ فَبَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ فَرْقٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا خَفَاءَ فِيهِ اهـ. وَبِالْجُمْلَةِ فَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُبَالَغَةُ فِي اعْتِبَارِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ حَتَّى أَثْبَتَ عُقُودَ الرِّبَا وَإِفَادَتَهَا الْمِلْكَ فِي أَصْلِ الْمَالِ الرِّبَوِيِّ وَرَدِّ الزَّائِدِ، فَإِذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ أَوْجَبَ الْعَقْدُ دِرْهَمًا مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ وَيُرَدُّ الدِّرْهَمُ الزَّائِدُ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الرِّبَوِيَّاتِ وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْمُبَالَغَةُ فِي إلْغَاءِ هَذَا الْفَرْقِ حَتَّى أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِالثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ قَدْ عَلِمْته وَتَوَسَّطَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَخُلَاصَةُ مَا فَرَقَّا بِهِ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّهْيَ إذَا كَانَ فِي حَقِيقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِأَنْ كَانَ فِي رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ أَيْ فِي نَفْسِ الرُّكْنِ أَوْ صِفَتِهِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْخِنْزِيرِ وَكَالنَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْخُفِّ فِي الْإِحْرَامِ وَكَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ كَانَ مُقْتَضِيًا لِفَسَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ ضَرُورَةَ عَدَمِ حُصُولِ الْحَقِيقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِكَمَالِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا يَعْتَمِدُ الْمَصَالِحَ. وَإِذَا كَانَ أَيْ النَّهْيُ لَا فِي حَقِيقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بَلْ فِي الْمُجَاوِرِ كَالنَّهْيِ عَنْ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ كَانَ مُقْتَضِيًا لِفَسَادِ الْمُجَاوِرِ لَا لِفَسَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَطَهَارَةُ غَاصِبِ الْخُفِّ إذَا مَسَحَ عَلَيْهِ مَعَ نَهْيِهِ عَنْ الْغَصْبِ فَإِنَّ طَهَارَتَهُ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا لِكَوْنِهِ مُحَصِّلًا لَهَا بِكَمَالِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا وَإِنَّمَا هُوَ جَانٍ عَلَى حَقِّ صَاحِبِ الْخُفِّ بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْمُحْرِمِ إذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَصِّلْهَا بِكَمَالِهَا مَعَ نَهْيِهِ عَنْ لُبْسِ الْخُفِّ لِكَوْنِهِ مُخَاطَبًا فِي طَهَارَتِهِ بِالْغُسْلِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فَلَمْ تَحْصُلْ حَقِيقَةُ الطَّهَارَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا بِكَمَالِهَا مَعَ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْخُفِّ لِكَوْنِهِ فِي نَفْسِ الْحَقِيقَةِ لَا فِي مُجَاوِرِهَا فَبِكُلٍّ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْمُحْرِمِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي الْعِصْيَانِ بِلُبْسِ الْخُفِّ بِسَبَبِ نَهْيِهِ عَنْهُ إلَّا أَنَّ النَّهْيَ فِي الْغَاصِبِ لَمَّا تَعَلَّقَ بِالْمُجَاوِرِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ لَا بِنَفْسِ حَقِيقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ اقْتَضَى فَسَادَ الْمُجَاوِرِ لَا فَسَادَ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَمْ تَبْقَ الذِّمَّةُ مَشْغُولَةً

стр. 326

عَلَى وُقُوعِهِمَا فِي إذَا وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فَكَيْفَ أَمَرَ بِالذِّكْرِ فِي زَمَنِ النِّسْيَانِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ الظَّرْفَ قَدْ يَكُونُ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ فَيَفْضُلُ مِنْ زَمَانِ إذَا زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ نِسْيَانٌ يَقَعُ فِيهِ الذِّكْرُ فَلَا يَجْتَمِعُ الضِّدَّانِ وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْإِشْكَالُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] فَإِعْرَابُ الْيَوْمَ ظَرْفٌ وَإِذْ ظَرْفٌ أَيْضًا وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ الْيَوْمِ وَالْبَدَلُ هُنَا غَيْرُ الْمُبْدَلِ مِنْهُ فَيَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ عَيْنُ زَمَنِ الظُّلْمِ لَكِنَّ زَمَنَ الظُّلْمِ فِي الدُّنْيَا وَالدُّنْيَا لَيْسَتْ هِيَ عَيْنَ الْآخِرَةِ وَلَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكَيْفَ صَحَّتْ الْبَدَلِيَّةُ أَوْرَدَ ابْنُ جِنِّي هَذَا السُّؤَالَ فَقَالَ الظَّرْفُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ وَزَمَنُ الظُّلْمِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْهُ حَتَّى يَمْتَدَّ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ وَيَقْبَلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الِامْتِدَادُ حَتَّى يُطْلَقَ عَلَى يَوْمِ الظُّلْمِ فَيَتَّحِدَانِ فَتَحْسُنُ الْبَدَلِيَّةُ. وَهَذَا الْمَوْضِعُ فِي الِاتِّسَاعِ أَبْعَدُ مِنْ آيَةِ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانُ بِطُولِ الْبُعْدِ وَإِفْرَاطِهِ وَبُعْدِهِ عَنْ أَكْثَرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ وَبِالْجُمْلَةِ قَدْ ظَهَرَ لَك بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَهَذَا التَّقْرِيرُ أَنَّ الظَّرْفَ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَقْبَلُ السَّعَةَ أَكْثَرَ مِنْ مَظْرُوفِهِ فَيَكُونُ أَوْسَعَ مِنْهُ وَقَدْ لَا يَسَعُ أَكْثَرَ مِنْهُ نَحْوَ صُمْت رَمَضَانَ وَصُمْت يَوْمَ الْخَمِيسِ فَإِنَّ الظَّرْفَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مُسَاوٍ لِلْمَظْرُوفِ فَتَلَخَّصَ الْفَرْقُ أَيْضًا بَيْنَ إنْ وَإِذَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَثَالِثُهَا أَنَّ إنْ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا إلَّا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا تَقُولُ إنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأْتِ وَإِذَا تَقْبَلُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مُتَرَتِّبٌ عَلَى صِحَّةِ السُّؤَالِ. قَالَ (وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْإِشْكَالُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] إلَى قَوْلِهِ وَبُعْدِهِ عَنْ أَكْثَرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ) قُلْتُ إنَّمَا وَقَعَ الْإِشْكَالُ فِي الْآيَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إذْ بَدَلٌ مِنْ الْيَوْمِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بِلَا إشْكَالٍ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ الْيَوْمَ اشْتِرَاكُكُمْ فِي الْعَذَابِ بِسَبَبِ ظُلْمِكُمْ إذْ ظَلَمْتُمْ هَذَا لَا مَانِعَ مِنْهُ أَلْبَتَّةَ. قَالَ (وَبِالْجُمْلَةِ قَدْ ظَهَرَ لَك بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الظَّرْفَ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَقْبَلُ السَّعَةَ أَكْثَرَ مِنْ مَظْرُوفِهِ فَيَكُونُ أَوْسَعَ إلَى قَوْلِهِ فَتَلَخَّصَ الْفَرْقُ أَيْضًا بَيْنَ إنْ وَإِذَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) قُلْتُ لَمْ يَظْهَرْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ بِوَجْهٍ وَلَا يَصِحُّ تَقْرِيرُ مَا قَرَّرَهُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا مَعْنَى كَوْنِ الظَّرْفِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ أَنَّهُ يُطْلَقُ لَفْظُ الْيَوْمِ مَثَلًا فِي فِعْلٍ يَقَعُ فِي بَعْضِهِ لَا فِي جَمِيعِهِ وَذَلِكَ الْإِطْلَاقُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ لِلْإِطْرَادِ وَلَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقَةً مَعْنَوِيَّةً بِمَعْنَى أَنَّ ظَرْفَ الْفِعْلِ يَكُونُ أَوْسَعَ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ وَلَمْ يَزَلْ الْإِشْكَالُ يَقَعُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بَيْنَ الْحَقَائِقِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْحَقَائِقِ اللَّفْظِيَّةِ فَيَظُنُّهَا شَيْئًا وَاحِدًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. قَالَ (وَثَالِثُهَا أَنَّ إنْ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا إلَّا مَشْكُوكٌ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَالنَّهْيُ فِي الْمُحْرِمِ لَمَّا تَعَلَّقَ بِنَفْسِ حَقِيقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا بِمُجَاوِرِهِ اقْتَضَى فَسَادَ الْمَأْمُورِ بِهِ فَبَقِيَتْ الذِّمَّةُ مَشْغُولَةً بِالْمَأْمُورِ بِهِ. (وَصْلٌ) فِي زِيَادَةِ تَوْضِيحِ الْمَقَامِ بِمَسْأَلَتَيْنِ: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَوْ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ وَالْوُضُوءُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ وَالْحَجُّ بِمَالٍ حَرَامٍ سَوَاءٌ فِي الصِّحَّةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نُلَاحِظُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَدْ وُجِدَ فِيهَا بِكَمَالِهِ مَعَ مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ فَحَقِيقَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْمَكَانِ الطَّاهِرِ وَالسُّتْرَةِ الْكَامِلَةِ وَصُورَةُ التَّطْهِيرِ وَالْحَجُّ قَدْ وُجِدَتْ مِنْ حَيْثُ الْمَصْلَحَةُ لَا مِنْ حَيْثُ الْإِذْنُ الشَّرْعِيُّ وَإِذَا حَصَلَتْ حَقِيقَةُ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَصْلَحَةُ كَانَ النَّهْيُ فِي مُجَاوِرٍ وَهِيَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْغَيْرِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ مَشَى عَلَى أَصْلِهِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ نَظَرًا لِعَدَمِ وُجُودِ حَقِيقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْمَكَانِ وَالسُّتْرَةِ وَصُورَةِ التَّطَهُّرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَيَكُونُ الْمَكَانُ وَالسُّتْرَةُ وَصُورَةُ التَّطْهِيرِ مَعْدُومَةً حِسًّا مَعَ الْعَمْدِ وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَلَا يَخْفَاك أَنَّ هَذَا النَّظَرَ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّهَارَةِ وَالسُّتْرَةِ وَالْمَكَانِ الطَّاهِرِ وَاشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْأَدَاةُ مُبَاحَةً وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ نَقُولُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا وَحَرَّمَ الْغَصْبَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُهُ شَرْطًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ مَعَ مُقَارَنَةِ الْمُحَرَّمِ فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّظَرُ لَا يَتَأَتَّى فِي الْحَجِّ فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا وَلَا صُرِفَتْ فِي رُكْنٍ بَلْ نَفَقَةُ الطَّرِيقِ لِحِفْظِ حَيَاةِ الْمُسَافِرِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَكَانِ وَالسُّتْرَةِ وَصُورَةِ التَّطْهِيرِ فَإِنَّهُ صُرِفَ فِيمَا هُوَ شَرْطٌ فَكَانَ الشَّرْطُ مَعْدُومًا فَافْهَمْ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَنَحْوُهُ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ لَا بِنَفْسِ حَقِيقَةِ الْبَيْعِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَكَانِ وَالسُّتْرَةِ وَصُورَةِ التَّطْهِيرِ وَالْحَجِّ إلَّا أَنَّ الْوَصْفَ هُنَا أَيْ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ لَمَّا كَانَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ إنَّ رِضَا الْبَائِعِ لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِمُقَابَلَةِ الْوَاحِدِ بِالِاثْنَيْنِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» وَهَذَا الْبَائِعُ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ إلَّا بِمَا تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ لَمْ تَحْصُلْ حَقِيقَةُ الْعَقْدِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِكَمَالِهِ بَلْ كَانَ

стр. 327

الْمَعْلُومَ وَالْمَشْكُوكَ فِيهِ فَتَقُولُ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأْتِ وَإِذَا دَخَلَ الْعَبْدُ الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ فَهَذِهِ فُرُوقٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعَانِي وَأَمَّا الْفَرْقُ مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ النَّحْوِيَّةِ فَإِنَّ إنْ حَرْفٌ وَإِذَا اسْمٌ وَظَرْفٌ وَإِنْ لَا يُخْفَضُ مَا بَعْدَهَا بَلْ يَكُونُ مَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِالشَّرْطِ وَإِذَا مَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالظَّرْفِ. وَإِذَا عَرَضَ لَهَا الْبِنَاءُ لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي الْأَسْمَاءِ عَارِضٌ وَالْبِنَاءُ فِي إنْ أَصْلٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحُرُوفِ الْبِنَاءُ فَكُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوقِ النَّحْوِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَسَائِلُ الْفُرُوعِيَّةُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا لِلْآخَرِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَسَائِلُ الْأَوَانِي وَالنِّسْيَانِ وَالْكَعْبَةِ وَنَحْوِهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا أَنْ يُقَلِّدَ الْآخَرَ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نُقِلَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ سُئِلَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ أَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الشَّافِعِيُّ خَلْفَ الْمَالِكِيِّ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُرُوعِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْكَعْبَةِ وَالْأَوَانِي أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُجْتَهِدِ الْآخَرِ فَسَكَتَ عَنْ الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ وَكَانَ الشَّيْخُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَحْكِي ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَكَانَ هُوَ ﵀ يُفَرِّقُ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبَةٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ فَلَوْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ الِائْتِمَامِ لِمَنْ يُخَالِفُ فِي الْمَذْهَبِ وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ الْمَالِكِيُّ إلَّا خَلْفَ الْمَالِكِيِّ وَلَا شَافِعِيٌّ إلَّا خَلْفَ شَافِعِيٍّ لَقَلَّتْ الْجَمَاعَاتُ وَإِذَا مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ وَنَحْوِهَا لَمْ يُخِلَّ لَنَا ذَلِكَ بِالْجَمَاعَاتِ كَبِيرَ خَلَلٍ لِنُدْرَةِ وُقُوعِ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَهَذَا جَوَابُهُ ﵀ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَهَذِهِ فُرُوقٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعَانِي) قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ دُخُولُ إنْ عَلَى الْمَشْكُوكِ وَأَنَّهَا لِمُطْلَقِ الرَّبْطِ فَقَطْ. قَالَ (وَأَمَّا الْفَرْقُ مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ النَّحْوِيَّةِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ لَا نِزَاعَ فِيهِ قَالَ. (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَسَائِلُ الْفُرُوعِيَّةُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا لِلْآخَرِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَسَائِلُ الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ وَالْكَعْبَةِ وَنَحْوِهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا أَنْ يُقَلِّدَ الْآخَرَ إلَى قَوْلِهِ فَسَكَتَ عَنْ الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ) قُلْتُ قَوْلُهُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ قَوْلٌ مُوهِمٌ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ وَهُوَ مُرَادُهُ بِلَا شَكٍّ. قَالَ (وَكَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ ﵀ يَحْكِي ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَكَانَ هُوَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُفَرِّقُ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبَةٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ فَلَوْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ الِائْتِمَامِ لِمَنْ يُخَالِفُ فِي الْمَذْهَبِ وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ الْمَالِكِيُّ إلَّا خَلْفَ الْمَالِكِيِّ وَلَا شَافِعِيٌّ إلَّا خَلْفَ شَافِعِيٍّ لَقَلَّتْ الْجَمَاعَاتُ وَإِذَا مَنَعْنَا مِنْ ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ وَنَحْوِهَا لَمْ يُخِلَّ ذَلِكَ بِالْجَمَاعَاتِ كَبِيرَ خَلَلٍ لِنُدْرَةِ وُقُوعِ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ) قُلْتُ ذَلِكَ فَرْقٌ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِالْفَرْقِ بَلْ الْفَرْقُ الصَّحِيحُ أَنَّ مَسْأَلَةَ اقْتِدَاءِ الْمَالِكِيِّ بِالشَّافِعِيِّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الدِّرْهَمُ الْبَاقِي بَعْدَ إسْقَاطِ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ بَاذِلِهِ. وَأَمَّا الْوَصْفُ فِي مَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ الْمَارَّةِ فَلَمَّا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْمَأْمُورِ بِهِ بِحَيْثُ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى صِحَّتِهِ كَانَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ مَوْجُودًا بِكَمَالِهِ، فَقَوْلُنَا بِالصِّحَّةِ فِي مَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ وَعَدَمِهَا فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِكَمَالِ وُجُودِ مُتَعَلِّقِ الْأَمْرِ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ بَاذِلُ الدِّرْهَمَيْنِ مِنْ عِنْدِهِ بِإِزَاءِ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ وَإِنْ رَضِيَ بِمُقَابَلَةِ الدِّرْهَمِ بِمِثْلِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى إلَّا أَنَّ بَاذِلَ الدِّرْهَمِ غَيْرُ رَاضٍ بِبَذْلِهِ بِإِزَاءِ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا يَرْضَى بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مِنْ بَذْلِهِ بِإِزَاءِ دِرْهَمَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَضِيَ بِذَلِكَ أَيْضًا لَا يَكْفِي حُصُولُ الرِّضَا وَحْدَهُ فِي نَقْلِ الْأَمْلَاكِ فَإِنَّهُ لَوْ رَضِيَ بِنَقْلِ مِلْكِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ لَمْ يَنْتَقِلْ مِلْكُهُ إجْمَاعًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عَقْدٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ لَا الرِّضَا وَحْدَهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَقْضِيَ بِاللُّزُومِ حِينَئِذٍ هَذَا هُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّبَوِيَّاتِ وَالْعِبَادَاتِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ حَسَنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ حِكَايَةُ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حِكَايَةُ الْحَالِ إذَا تُرِكَ فِيهَا الِاسْتِفْصَالُ] (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حِكَايَةِ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حِكَايَةِ الْحَالِ إذَا تُرِكَ فِيهَا الِاسْتِفْصَالُ تَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَيَحْسُنُ بِهَا الِاسْتِدْلَال) هَاتَانِ قَاعِدَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ نُقِلَتَا عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ فِيهَا قَوْلَانِ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ إنَّ حِكَايَةَ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَخْ أَنَّ الدَّلِيلَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ إذَا اسْتَوَتْ فِيهِ الِاحْتِمَالَاتُ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهَا سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَال لِقَاعِدَتَيْنِ (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ الِاحْتِمَالَ الَّذِي يُوجِبُ الْإِجْمَالَ إنَّمَا هُوَ الِاحْتِمَالُ الْمُسَاوِي أَمَّا الْمَرْجُوحُ فَلَا وَإِلَّا لَسَقَطَتْ دَلَالَةُ الْعُمُومَاتِ كُلُّهَا لِتَطَرُّقِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ إلَيْهَا وَذَلِكَ بَاطِلٌ (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ كَلَامَ صَاحِبِ الشَّرْعِ إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا احْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ صَارَ مُجْمَلًا وَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَإِنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ إنَّ حِكَايَةَ الْحَالِ إذَا تُرِكَ فِيهَا إلَخْ أَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ إذَا كَانَتْ فِي مَحَلِّ مَدْلُولِ اللَّفْظِ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ دُونَ الدَّلِيلِ تَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ وَيَحْسُنُ بِهَا الِاسْتِدْلَال بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ إذَا تَرَكَ الِاسْتِفْصَالَ فِي قَضَايَا الْأَعْيَانِ وَهِيَ مُحْتَمَلَةُ الْوُقُوعِ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ أَوْ وُجُوهٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مُتَّحِدٌ فِي

стр. 328

وَقَدْ ظَهَرَ لِي فِي ذَلِكَ جَوَابٌ هُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مَتَى خَالَفَ إجْمَاعًا أَوْ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا أَوْ الْقَوَاعِدَ نَقَضْنَاهُ. وَإِذَا كُنَّا لَا نُقِرُّ حُكْمًا تَأَكَّدَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَأَوْلَى أَنْ لَا نُقِرَّهُ إذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي حُكْمٍ هُوَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لِأَنَّا لَا نُقِرُّهُ شَرْعًا وَمَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ فَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كُلُّ مَنْ اعْتَقَدْنَا أَنَّهُ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ فِي غَايَةِ الْجُودَةِ وَبَيَانُهُ بِذِكْرِ أَرْبَعِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْكَعْبَةِ إذَا اخْتَلَفُوا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ الْآخَرَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ تَرَكَ أَمْرًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَهُوَ الْكَعْبَةُ وَتَارِكُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ لَا يُقَلِّدُ أَمَّا الْمُخْتَلِفَانِ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ فَإِنَّمَا يَعْتَقِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي صَاحِبِهِ أَنَّهُ خَالَفَ ظَاهِرًا مِنْ نَصٍّ أَوْ مَنْطُوقٍ بِهِ أَوْ مَفْهُومِ لَفْظٍ وَذَلِكَ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَى اعْتِبَارِهِ وَلَا وَصَلَ إلَى حَدِّ الْقَطْعِ بَلْ هُوَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَجَازَ لَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَتَقْلِيدُهُ بِخِلَافِ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ خَالَفَ الْكَعْبَةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا الْمَقْطُوعَ بِاعْتِبَارِهَا وَهَذَا الْفَرْقُ فِي غَايَةِ الْجَلَاءِ فَأَيْنَ الْمَقْطُوعُ مِنْ الْمَظْنُونِ وَأَيْنَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْأَوَانِي الَّتِي اخْتَلَطَ طَاهِرُهَا بِنَجَسِهَا إذَا اخْتَلَفُوا وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النَّجَاسَةَ مُبْطِلَةٌ لِلصَّلَاةِ إمَّا بِاجْتِهَادِهِمْ وَصَلُوا إلَى ذَلِكَ أَوْ قَلَّدُوا مَنْ وَصَلَ إلَى ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ بِالْإِجْمَاعِ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ أَوْ اجْتِهَادُ إمَامِهِمْ الَّذِي قَلَّدُوهُ وَإِذَا كَانَ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِمْ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْتَقِدُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَدَلَّكُ لَا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ لَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ الْخَطَأِ فِيهَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّصْوِيبِ وَمَسْأَلَةُ الْأَوَانِي وَنَحْوِهَا لَا بُدَّ مِنْ الْخَطَأِ فِيهَا وَيُمْكِنُ تَعْيِينُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَقَدْ ظَهَرَ لِي فِي ذَلِكَ جَوَابٌ هُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مَتَى خَالَفَ إجْمَاعًا أَوْ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا أَوْ الْقَوَاعِدَ قَضَاهُ وَإِذَا كُنَّا لَا نُقِرُّ حُكْمًا تَأَكَّدَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَأَوْلَى أَنْ لَا تُقِرَّهُ إذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي حُكْمٍ هُوَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لِأَنَّا لَا نُقِرُّهُ شَرْعًا وَمَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ فَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كُلُّ مَنْ اعْتَقَدْنَا أَنَّهُ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ وَبَيَانُهُ بِذِكْرِ أَرْبَعِ مَسَائِلَ) قُلْتُ مَا ذَكَرَهُ فَرْقًا لَيْسَ بِفَرْقٍ لِأَنَّ الْفَرْقَ إنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْته لَا فِيمَا ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إلَى آخِرِ الْفَرْقِ قُلْت مَا قَالَهُ فِي الْمَسَائِلِ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا قَرَّرَ وَهُوَ أَنَّ الْفَرْقَ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لِتَعَيُّنِ الْمَنَاطِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَوَانِي وَنَحْوِهَا وَعَدَمِ تَعَيُّنِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَسْمَلَةِ وَنَحْوِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْوَجْهَيْنِ أَوْ الْوُجُوهِ. (قَاعِدَةٌ) وَهِيَ أَنَّ لَفْظَ صَاحِبِ الشَّرْعِ لَا يَقْدَحُ الِاسْتِدْلَال بِهِ إذَا كَانَ ظَاهِرًا أَوْ نَصًّا فِي فَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فَإِنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي إعْتَاقِ مُطْلَقِ رَقَبَةٍ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالطَّوِيلَةِ وَالْقَصِيرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى إيجَابِ الرَّقَبَةِ وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِجَمِيعِ الْمُطْلَقَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالسِّتِّينَ أَنَّهَا عَشْرَةٌ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ مِثْلِهَا قَدْحٌ وَلَا إجْمَالٌ وَصَلَ فِي تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ. [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ] (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ «لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ لَا يُغَسَّلُ سَاقِطٌ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُرَتِّبْ الْحُكْمَ عَلَى وَصْفٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الصُّوَرِ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ بَلْ عِلَلُ حُكْمِ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ فَقَطْ وَلَوْ أَرَادَ ﵇ التَّرْتِيبَ عَلَى الْوَصْفِ لَقَالَ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا وَلَمْ يَقُلْ فَإِنَّهُ وَلَقَالَ لَا تَمَسُّوا الْمُحْرِمَ وَلَمْ يَقُلْ لَا تَمَسُّوهُ فَلَمَّا عَدَلَ فِيهِمَا عَنْ الْوَصْفِ إلَى الضَّمِيرِ الْجَامِدِ دَلَّ ذَلِكَ ظَاهِرًا عَلَى عَدَمِ إرَادَتِهِ لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ فَبَقِيَتْ الِاحْتِمَالَاتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَقِيَّةِ الْمُحْرِمِينَ مُسْتَوِيَةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ بِثَلَاثٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَا يَحْصُلُ بِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ الْبَتْرَاءِ اسْتِدْلَالٌ لِلْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الْمُنْفَرِدَةَ لَا تُجْزِئُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ بِثَلَاثٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ إذْ لَيْسَ الْأَبْتَرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمُنْفَرِدُ وَحْدَهُ حَتَّى يَحْصُلَ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ بَلْ الْأَبْتَرُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الَّذِي لَا يَتْبَعُهُ غَيْرُهُ وَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ ذَنَبٍ أَوْ عَقِبٍ وَحِينَئِذٍ فَالْبَتْرَاءُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا رَكْعَةً لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا رَكْعَةً مُنْفَرِدَةً وَالِاحْتِمَالَانِ مُسْتَوِيَانِ وَنَحْنُ نَقُولُ الرَّكْعَتَانِ مُتَقَدِّمَتَانِ تَابِعَتَانِ لِلْوِتْرِ وَتَوْطِئَةٌ لَهُ فَلَا حُجَّةَ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالُوا فَالِاحْتِمَالَاتُ وَقَعَتْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي نَفْسِ الدَّلِيلَيْنِ وَتَسَاوَتْ فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَال بِهِمَا وَكَذَا يَسْقُطُ فِي كُلِّ وَاقِعَةِ عَيْنٍ وَقَعَ فِيهَا مِثْلُ هَذَا وَهِيَ الَّتِي أَفْتَى فِيهَا الشَّافِعِيُّ بِالْإِجْمَالِ وَعَدَمِ الدَّلَالَةِ. [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ أَسْلَمَ عَلَى عَشْر نِسْوَة] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) اللَّفْظُ فِي قَوْلِهِ ﷺ لِغَيْلَانَ لَمَّا أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ «أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» ظَاهِرٌ ظُهُورًا قَوِيًّا فِي الْإِذْنِ وَالتَّخْيِيرِ فِي الْحَالَيْنِ حَالَ مَا إذَا عَقَدَ عَلَيْهِنَّ عُقُودًا

стр. 329

أَنَّ صَاحِبَهُ لَابِسٌ فِي صَلَاتِهِ مَا هُوَ مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ بِالْإِجْمَاعِ فَقَدْ خَالَفَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَمَقْطُوعًا بِهِ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِخِلَافِ مَنْ لَا يَتَدَلَّكُ فِي غُسْلِهِ أَوْ لَمْ يُبَسْمِلْ لَمْ يُخَالِفْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَلَا مَقْطُوعًا بِهِ بَلْ ظَاهِرًا مُحْتَمِلَ التَّأْوِيلِ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمُجْتَهِدُونَ فِي الثِّيَابِ الَّتِي اخْتَلَطَ طَاهِرُهَا بِنَجَسِهَا إذَا اخْتَلَفُوا وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النَّجَاسَةَ مُبْطِلَةٌ لِلصَّلَاةِ إمَّا بِاجْتِهَادِهِمْ أَوْ بِاجْتِهَادِ إمَامٍ قَلَّدُوهُ لَا يُقَلِّدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَوَانِي بِعَيْنِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إنَاءٌ وَقَعَ فِيهِ رَوْثُ عُصْفُورٍ وَتَوَضَّأَ بِهِ مَالِكِيٌّ وَصَلَّى يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّ كَمَا لَا يَضُرُّهُ تَرْكُ الْمَالِكِيِّ الْبَسْمَلَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا يَعْتَقِدُهُ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ اخْتَلَطَ هَذَا الْإِنَاءُ بِإِنَاءٍ طَاهِرٍ فَاجْتَهَدَ فِيهِ هَذَا الشَّافِعِيُّ مَعَ شَافِعِيٍّ آخَرَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْآخَرِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الِاجْتِهَادِ وَلَوْ اجْتَمَعَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵄ وَاجْتَهَدَا فِي رَوْثِ الْعُصْفُورِ فَحَكَمَ مَالِكٌ بِطَهَارَتِهِ وَالشَّافِعِيُّ بِنَجَاسَتِهِ جَازَ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ مَالِكٍ إذَا تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مَعَ تَعَيُّنِ رَوْثِ الْعُصْفُورِ فِي جِهَةِ الْإِمَامِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَجُوزُ الْمَأْمُومُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي إنَاءِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ أَنْ يُعَيِّنَ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي الْإِنَاءَيْنِ إذَا اجْتَهَدَا فِي الطَّاهِرِ مِنْهُمَا دُونَ أَنْ يَتَعَيَّنَ فِي جِهَةِ الْإِمَامِ. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَشْكَلِ الْمَسَائِلِ وَجَوَابُهُ أَنَّ لِلشَّافِعِيَّيْنِ إذَا اجْتَهَدَا فِي الْإِنَاءَيْنِ فَهُمَا مُقَلِّدَانِ لِمَنْ يَعْتَقِدُ نَجَاسَةَ رَوْثِ الْعُصْفُورِ وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الشَّافِعِيِّ وَحَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ مَا ظَهَرَ فِي اجْتِهَادِهِ فَالشَّافِعِيُّ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ الْآخَرَ قَدْ أَصَابَ فِي صَلَاتِهِ مَا هُوَ مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَمَنْ اعْتَقَدْنَا فِيهِ مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ لَا نُقَلِّدُهُ بِخِلَافِ صَلَاةِ هَذَا الشَّافِعِيِّ خَلْفَ الْمَالِكِيِّ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ مَالِكٍ وَالْمَالِكِيِّ صِحَّةُ صَلَاتِهِ بِرَوْثِ الْعُصْفُورِ إجْمَاعًا وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ إجْمَاعًا بَلْ خَالَفَ قِيَاسًا مَظْنُونًا أَوْ ظَاهِرَ نَصٍّ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ إذَا صَلَّى خَلْفَ مَالِكٍ وَعَلَيْهِ رَوْثُ عُصْفُورٍ أَوْ فِي مَائِهِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَعْتَقِدُ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُخَالِفْ إجْمَاعًا وَلَا مَقْطُوعًا بِهِ بَلْ ظَاهِرَ قِيَاسٍ أَوْ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الِاجْتِهَادِ فَجَازَ لَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ بِخِلَافِ أَنْ يَكُونَ إمَامُهُ يَعْتَقِدُ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ إبْطَالِ رَوْثِ الْعُصْفُورِ لِلصَّلَاةِ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَهَذِهِ الْمَبَاحِثَ فَهِيَ كُلُّهَا دَائِرَةٌ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ اعْتَقَدْنَا فِيهِ أَنَّهُ خَالَفَ مَقْطُوعًا بِهِ لَمْ يَجُزْ لَنَا تَقْلِيدُهُ وَإِنْ لَمْ نَعْتَقِدْ فِيهِ ذَلِكَ جَازَ لَنَا تَقْلِيدُهُ وَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَهُوَ رُوحُ الْفَرْقِ وَهُوَ فَرْقٌ جَيِّدٌ جِدًّا وَلَكِنْ بَعْدَ التَّأَمُّلِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَهُوَ أَجْلَى مِنْ قَوْلِنَا إنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى قِلَّةِ الْجَمَاعَاتِ أَوْ كَثْرَتِهَا. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مُرَتَّبَةً عَقْدًا بَعْدَ عَقْدٍ وَحَالَ مَا إذَا عَقَدَ عَلَيْهِنَّ عَقْدًا وَاحِدًا فَالِاحْتِمَالَاتُ الْمُسْتَوِيَةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ لَيْسَتْ فِي الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْحُكْمِ حَتَّى يَقْدَحَ فِي الدَّلَالَةِ بَلْ هِيَ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ وَالِاحْتِمَالَاتُ الْمُسْتَوِيَةُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا تَقْدَحُ فِي الدَّلَالَةِ فَمِنْ هُنَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵄ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْحَالَيْنِ بِلَا فَرْقٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى مِنْ الْمُؤَخَّرَاتِ لِفَسَادِ عُقُودِهِنَّ بَعْدَ أَرْبَعِ عُقُودٍ فَإِنَّ عَقْدَ الْخَامِسَةِ وَمَا فَوْقَهَا بَاطِلٌ وَالْخِيَارُ فِي الْبَاطِلِ لَا يَجُوزُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﵊ لَوْ أَرَادَ أَحَدَ الْحَالَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى لَاسْتَفْصَلَ غَيْلَانُ عَنْ ذَلِكَ وَحَيْثُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ عِلْمِهِ ﷺ بِحَالَةِ غَيْلَانَ وَهُوَ فِي مَقَامِ تَقْرِيرِ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ وَمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ شَأْنُهُ الْبَيَانُ وَالْإِيضَاحُ كَانَ أَبَيْنَ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْحَالَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ. ٢ - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ لَيْسَ فِي جَوَابِهِ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ فَقَالَ «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» احْتِمَالُ مَا فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ بَلْ وَلَا فِيهِ احْتِمَالَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ كَمَا قِيلَ فِي نَفْسِ الدَّلِيلِ حَتَّى يَدَّعِيَ سُقُوطَ اسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةُ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ بِالتَّمْرِ إذْ لَا شَكَّ كَمَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَرَادَ ﷺ أَنَّ أَصْلَ النَّبِيذِ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ الطِّيبِ وَالطَّهُورِيَّةِ لِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَالنَّبِيذُ اسْمٌ لِلْمَاءِ الْمُسْتَنْقَعِ فِيهِ التَّمْرُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ حَقِيقَةً أَمَّا قَبْلَ التَّغَيُّرِ فَلَا يُسَمَّى نَبِيذًا إلَّا مَجَازًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَئُولُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الشَّارِعِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - أَنْ يُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ لَا يُجِيبَ عَنْهُ وَلَا أَنْ يُخْبِرَ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ ﷺ قَالَ تَوَضَّأْ بِالنَّبِيذِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ إلَّا الْمُتَغَيِّرُ لَكِنْ لَا بِاللَّفْظِ بَلْ بِاقْتِضَاءِ الْمُسَاقِ وَضَرُورَةِ حَمْلِ كَلَامِهِ ﷺ عَلَى الْفَائِدَةِ وَعَلَى جَوَابٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قِيلَ إنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّغَيُّرِ وَلَا لِعَدَمِهِ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ وَصْفَيْ الْمُجْتَمِعَيْنِ اهـ. ٢ - (التَّنْبِيهُ الثَّانِي) لَيْسَ الِاحْتِمَالَانِ فِي تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقِ إلَيْك فِي «قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَجِّ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْك وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك» أَعْنِي تَقْدِيرَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشَّرُّ لَيْسَ مَنْسُوبًا إلَيْك وَتَقْدِيرَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالشَّرُّ لَيْسَ قُرْبَةً إلَيْك بِمُسْتَوِيَيْنِ حَتَّى يُقَالَ بِسُقُوطِ

стр. 330

(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخِلَافُ يَتَقَرَّرُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ يَبْطُلُ الْخِلَافُ فِيهَا وَيَتَعَيَّنُ قَوْلُ وَاحِدٍ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ) وَذَلِكَ الْقَوْلُ هُوَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيَرْجِعُ الْمُخَالِفُ عَنْ مَذْهَبِهِ لِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ وَتَتَغَيَّرُ فُتْيَاهُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فَمَنْ لَا يَرَى وَقْفَ الْمُشَاعِ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ وَقْفِهِ ثُمَّ رُفِعَتْ الْوَاقِعَةُ لِمَنْ كَانَ يُفْتِي بِبُطْلَانِهِ نَفَّذَهُ وَأَمْضَاهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُفْتِيَ بِبُطْلَانِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ فَاَلَّذِي كَانَ يَرَى لُزُومَ الطَّلَاقِ لَهُ يُنْفِذُ هَذَا النِّكَاحَ وَلَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُفْتِيَ بِالطَّلَاقِ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَلِذَلِكَ وَقَعَ لَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا يُرَدُّ وَلَا يُنْقَضُ وَأَفْتَى مَالِكٌ فِي السَّاعِي إذَا أَخَذَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ شَاةً لِرَجُلَيْنِ خَلِيطَيْنِ فِي الْغَنَمِ شَاةً أَنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِهَا بَيْنَهُمَا وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مَعَ أَنَّهُ يُفْتِي إذَا أَخَذَهَا السَّاعِي الْمَالِكِيُّ أَنَّهَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخِلَافُ يَتَقَرَّرُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ يَبْطُلُ الْخِلَافُ فِيهَا وَيَتَعَيَّنُ قَوْلٌ وَاحِدٌ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَذَلِكَ الْقَوْلُ هُوَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ يُوهِمُ أَنَّ الْخِلَافَ يَبْطُلُ مُطْلَقًا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا حُكْمُ الْحَاكِمِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ الْخِلَافُ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا اسْتَفْتَى الْمُخَالِفُ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَ حُكْمٌ فِيهَا لَا تَسُوغُ الْفَتْوَى فِيهَا بِعَيْنِهَا لِأَنَّهُ قَدْ نَفَذَ فِيهَا الْحُكْمُ بِقَوْلَةِ قَائِلٍ وَمَضَى الْعَمَلُ بِهَا فَإِذَا اسْتَفْتَى فِي مِثْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْحُكْمُ فِيهَا أَفْتَى بِمَذْهَبِهِ عَلَى أَصْلِهِ فَكَيْفَ يَقُولُ يَبْطُلُ الْخِلَافُ وَلَوْ بَطَلَ الْخِلَافُ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ نَعَمْ يَبْطُلُ الْخِلَافُ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْمُعَيَّنَةِ خَاصَّةً. قَالَ (اعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ إلَى قَوْلِهِ وَلِذَلِكَ وَقَعَ لَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا يُرَدُّ وَلَا يُنْقَضُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ وَقْفِ الْمُشَاعِ ثُمَّ رُفِعَتْ الْوَاقِعَةُ لِمَنْ كَانَ يُفْتِي بِبُطْلَانِهِ نَفَّذَهُ وَأَمْضَاهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يُنَفِّذُهُ وَلَا يُمْضِيهِ وَلَكِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ وَلَا يَنْقُضُهُ وَفَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِهِ يُنَفِّذُهُ وَيُمْضِيهِ وَكَوْنِهِ لَا يَرُدُّهُ وَلَا يَنْقُضُهُ. قَالَ (وَأَفْتَى مَالِكٌ فِي السَّاعِي إذَا أَخَذَ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً لِرَجُلَيْنِ خَلِيطَيْنِ فِي الْغَنَمِ شَاةً أَنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِهَا بَيْنَهُمَا وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعَ أَنَّهُ يُفْتِي إذَا أَخَذَهَا لِلسَّاعِي الْمَالِكِيُّ أَنَّهَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] اسْتِدْلَالِ الْمُعْتَزِلَةِ بِهِ عَلَى زَعْمِهِمْ مِنْ أَنَّ الشَّرَّ مِنْ الْعَبْدِ لِحُصُولِ الْإِجْمَالِ فِي نَفْسِ الدَّلِيلِ بَلْ مَا قَدَّرَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ هُوَ الْأَظْهَرُ وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالظَّوَاهِرِ مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ الْقَطْعِيَّ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّرَّ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى كَمَا أَنَّ الْخَيْرَ كَذَلِكَ فَبَطَلَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الظَّاهِرِ وَتَعَيَّنَ التَّأْوِيلُ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ. [الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وُجُوبِ الْإِعْتَاقِ لَا إجْمَالَ فِيهِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا سَوْدَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ لِلْمُفْطِرِ فِي رَمَضَان] (التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) «قَوْلُهُ ﷺ لِلْمُفْطِرِ فِي رَمَضَانَ أَعْتِقْ رَقَبَةً» وَإِنْ احْتَمَلَ عَلَى السَّوَاءِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا فِي دَلِيلِهِ أَنْ تَكُونُ الرَّقَبَةُ سَوْدَاءَ أَوْ بَيْضَاءَ أَوْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. [الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ] وَقَوْلُهُ ﷺ «إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَانْسُكُوا» وَإِنْ احْتَمَلَ عَلَى السَّوَاءِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا فِي دَلِيلِهِ أَنْ يَكُونَ الْعَدْلَانِ عَرَبِيَّيْنِ أَوْ عَجَمِيَّيْنِ شَيْخَيْنِ أَوْ كَهْلَيْنِ أَبْيَضَيْنِ أَوْ أَسْوَدَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ الدَّلِيلِ يَكُونُ نَصًّا وَالِاحْتِمَالَاتُ مُسْتَوِيَةٌ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِنْ احْتَمَلَ عَلَى السَّوَاءِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا فِي دَلِيلِهِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ غَرْبًا أَوْ شَرْقًا أَوْ شَمَالًا أَوْ جَنُوبًا أَوْ مَدِينَةً أَوْ بَرِّيَّةً أَوْ قَرْيَةً لَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ مَا يَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ لِتَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ كَمَا قِيلَ بَلْ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْإِطْلَاقِ الْمُقْتَضِي تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ فِي مُخْتَلِفَاتِ الْأَشْخَاصِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَحْوَالِ فَافْهَمْ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ حِكَايَةُ الْحَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال إنَّمَا هُوَ فِي الِاحْتِمَالَاتِ الثَّابِتَةِ فِي نَفْسِ دَلِيلِ الْحُكْمِ لَا فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ عَكْسُ قَوْلِهِ إنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الْحَالِ تَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ فَإِنَّهُ فِي الِاحْتِمَالَاتِ الثَّابِتَةِ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَا فِي دَلِيلِهِ فَكِلَا قَوْلَيْهِ لَمْ يَتَنَاقَضَا وَلَمْ يَخْتَلِفَا بَلْ كُلُّ قَوْلٍ لَهُ مَوْضِعٌ يَخُصُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ فِي الْأَيْمَانِ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا إلَّا كَتَّانًا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَقَعَدَ عُرْيَانًا] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ فِي الْأَيْمَانِ) مَذْهَبُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ جَرْيًا عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ كَمَا أَنَّهُ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ مَذْهَبُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ جَرْيًا عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ كَمَا أَنَّهُ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ قَاعِدَةَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ إنَّمَا هِيَ فِي غَيْرِ الْأَيْمَانِ كَالْأَقَارِيرِ. وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْأَيْمَانِ فَقَاعِدَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ لَا إثْبَاتٍ أَيْضًا كَمَا فِي الْأُصُولِ لِوُجُوهٍ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ إلَّا كَمَا تُسْتَعْمَلُ لِلْإِخْرَاجِ

стр. 331

تَكُونُ مَظْلِمَةً مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ وَعَلَّلَ مَالِكٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ فَأَبْطَلَ مَا كَانَ يُفْتِي بِهِ عِنْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ مَالِكٌ وَوَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ إذَا حَكَمَ الْإِمَامُ فِيهَا أَنَّهَا لَا تُصَلَّى إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَوَقَعَ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا رُفِعَ لِمَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ لَا يَنْفُذُ وَلَا يَنْقُضُهُ وَيَتْرُكُهُ عَلَى حَالِهِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّنْفِيذِ لِوَجْهَيْنِ وَهُمَا الْفَرْقُ الْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اسْتَقَرَّتْ لِلْحُكَّامِ قَاعِدَةٌ وَلَبَقِيَتْ الْخُصُومَاتُ عَلَى حَالِهَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَذَلِكَ يُوجِبُ دَوَامَ التَّشَاجُرِ وَالتَّنَازُعِ وَانْتِشَارِ الْفَسَادِ وَدَوَامِ الْعِنَادِ وَهُوَ مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا نُصِبَ الْحُكَّامُ وَثَانِيهِمَا وَهُوَ أَجَلُّهُمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُنْشِئَ الْحُكْمَ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ إمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ فَهُوَ مُنْشِئٌ لِحُكْمِ الْإِلْزَامِ فِيمَا يَلْزَمُ وَالْإِبَاحَةُ فِيمَا يُبَاحُ كَالْقَضَاءِ بِأَنَّ الْمَوَاتَ الَّذِي ذَهَبَ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا مُطْلَقًا كَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِنْشَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُفْتِي بِأَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ كَالْمُتَرْجِمِ مَعَ الْحَاكِمِ وَالْحَاكِمُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَنَائِبِ الْحَاكِمِ مَعَهُ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ مُسْتَنِيبِهِ بَلْ يُنْشِئُ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ وَالْمُتَرْجِمُ لَا يَتَعَدَّى صُورَةَ مَا وَقَعَ فَيَنْقُلُهُ. وَقَدْ بَسَطْت هَذَا الْمَعْنَى بِشُرُوطِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي كِتَابِ الْإِحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ وَتَصَرُّفِ الْقَاضِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] تَكُونُ مَظْلِمَةً مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ وَعَلَّلَ مَالِكٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا نُصِبَ الْحُكَّامُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى التَّنْفِيذِ إنْ أَرَادَ بِهِ إبْقَاءَ الْحُكْمِ عَلَى حَالِهِ وَإِقْرَارِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لَهُ بِرَدٍّ وَلَا نَقْضٍ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْحَاكِمَ الثَّانِيَ الَّذِي يُخَالِفُ رَأْيُهُ ذَلِكَ الْحُكْمَ يُنْشِئُ تَنْفِيذُهُ الْآنَ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ مُوَافَقَةً لِرَأْيِ مَنْ قَدْ حَكَمَ بِهِ قَبْلَهُ وَنَفَّذَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وَفِيهِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَالْحُكْمُ بِمَا يُخَالِفُ رَأْيَ الْحَاكِمِ أَمَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِتَنْفِيذِهِ إقْرَارَهُ وَعَدَمَ نَقْضِهِ وَالزَّجْرَ عَنْ الْخُصُومَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ قَدْ نَفَّذَهُ حَاكِمٌ فَذَلِكَ صَحِيحٌ أَوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إنَّهُ إذَا رُفِعَ لِمَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ لَا يُنَفِّذُهُ وَلَا يَنْقُضُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ لَا يُقِرَّهُ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الْحَاكِمِ وَيُزْجَرَ عَنْ الْخُصُومَةِ فِيهِ وَلَا يَنْقُضَهُ أَيْضًا ابْتِدَاءً بَلْ يُمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَثَانِيهِمَا وَهُوَ أَجَلُّهُمَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُنْشِئَ الْحُكْمَ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ إمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَذَلِكَ تُسْتَعْمَلُ صِفَةً وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الِاسْتِثْنَاءَ وَإِلَّا لَوَجَبَ النَّصْبُ اسْتِثْنَاءً مِنْ مُوجَبٍ بَلْ مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتَا وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَأَهْلُ الْعُرْفِ قَدْ جَعَلُوا إلَّا فِي الْأَيْمَانِ بِمَعْنَى غَيْرِ صِفَةً لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَا لِلْإِخْرَاجِ الْوَجْهُ الثَّانِي سَلَّمْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَمْ يَنْقُلُوهَا عَنْ الْإِخْرَاجِ لِمَعْنَى غَيْرٍ وَسِوَى وَهُوَ الْوَصْفِيَّةُ لَكِنَّ الْقَسَمَ إنَّمَا يَحْتَاجُ فِي جَوَابِهِ إلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ لَا إلَى جُمْلَتَيْنِ وَلِذَا قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ جَوَابَ الْقَسَمِ فِي نَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا إلَّا الْكَتَّانَ عَلَى أَنَّ جَوَابَهُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَإِنَّهُ لَوْ سَكَتَ هُنَالِكَ كَانَ كَلَامًا عَرَبِيًّا وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بَعْدَ إلَّا وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْقَسَمُ كَانَ لُبْسُ الْكَتَّانِ غَيْرَ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ إذَا جَلَسَ عُرْيَانًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ سَلَّمْنَا أَنَّ الْقَسَمَ تَنَاوَلَ الْجُمْلَتَيْنِ لَكِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَنَا مِنْ الْحَلِفِ الَّذِي هُوَ ثُبُوتِيٌّ فَكَأَنَّهُ قَالَ احْلِفْ عَلَى عَدَمِ لُبْسِ كُلِّ ثَوْبٍ إلَّا الْكَتَّانَ وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ جَمِيعَ الثِّيَابِ أَحْلِفُ عَلَيْهَا إلَّا الْكَتَّانَ فَلَا أَحْلِفُ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَإِذَا كَانَ الْكَتَّانُ غَيْرَ مُقْسَمٍ عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ بِتَرْكِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَصْلٌ) فِي زِيَادَةِ تَوْضِيحِ الْخِلَافِ بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَعَدَمِهِ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا إلَّا كَتَّانًا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَقَعَدَ عُرْيَانًا فَإِنْ جُعِلَتْ إلَّا لِاسْتِثْنَاءِ الْكَتَّانِ مِنْ النَّفْيِ السَّابِقِ وَيَكُونُ قَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ غَيْرَ الْكَتَّانِ وَلْيَلْبَسْ الْكَتَّانَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ اللُّغَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ حَنِثَ بِقُعُودِهِ عُرْيَانًا لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْ الْكَتَّانَ وَمَشَى عَلَى هَذَا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَإِنْ جُعِلَتْ إلَّا لِاسْتِثْنَاءِ الْكَتَّانِ مِنْ الْحَلِفِ الَّذِي هُوَ ثُبُوتِيٌّ لَا مِنْ النَّفْيِ السَّابِقِ وَيَكُونُ قَدْ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ لُبْسِ كُلِّ ثَوْبٍ إلَّا الْكَتَّانَ أَوْ جُعِلَتْ أَيْ إلَّا لِاسْتِثْنَاءِ الْكَتَّانِ مِنْ النَّفْيِ السَّابِقِ إلَّا أَنَّ الْحَلِفَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالِاسْتِثْنَاءِ بَلْ بِمَا قَبْلَهُ وَيَكُونُ قَدْ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ لُبْسِ كُلِّ ثَوْبٍ فَقَطْ أَوْ جُعِلَتْ أَيْ إلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ عُرِفَ صِفَةً لِلثَّوْبِ لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ أَصْلًا وَيَكُونُ قَدْ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ لُبْسِ ثَوْبٍ غَيْرِ كَتَّانٍ لَمْ يَحْنَثْ بِقُعُودِهِ عُرْيَانًا فِي الْجَمِيعِ كَمَا مَرَّ تَوْضِيحُهُ وَمَشَى عَلَى هَذَا الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ جَلَسَ رَجُلَانِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ يَلْعَبَانِ بِالشِّطْرَنْجِ فَتَعَارَضَا فِي الْكَلَامِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) حَكَى صَاحِبُ الْقَبَسِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ جَلَسَ رَجُلَانِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ يَلْعَبَانِ بِالشِّطْرَنْجِ فَتَعَارَضَا فِي الْكَلَامِ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا لَا لَعِبَ مَعَ صَاحِبِهِ غَيْرَ هَذَا الدُّسَتِ فَجَاءَ رَجُلٌ وَنَقَضَ الرُّقْعَةَ وَخَلَطَهَا

стр. 332

وَالْإِمَامِ وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَإِذَا كَانَ مَعْنَى حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ إنْشَاءَ الْحُكْمِ فَهُوَ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ الْحُكْمِ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَهُ أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ حُكْمُهُ وَهُوَ كَالنَّصِّ الْوَارِدِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خُصُوصِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ فَيَصِيرُ الْحَالُ إلَى تَعَارُضِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَتَقْرِيبُهُ بِالْمِثَالِ أَنَّ مَالِكًا ﵀ تَعَالَى دَلَّ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمِلْكِ يَلْزَمُ وَهَذَا الدَّلِيلُ يَشْمَلُ صُوَرًا لَا نِهَايَةَ لَهَا فَإِذَا رُفِعَتْ صُورَةٌ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ إلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَاسْتِمْرَارِ الْعِصْمَةِ وَإِبْطَالِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ كَانَ حُكْمُ الشَّافِعِيِّ نَصًّا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَدَ فِي خُصُوصِ تِلْكَ الصُّورَةِ. وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ التَّعْلِيقُ قَبْلَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَهُوَ كِتَابٌ جَلِيلٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ مُنْشِئٌ لِلْحُكْمِ وَأَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ بِالْحُكْمِ كَالْمُتَرْجِمِ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَنَائِبِ الْحَاكِمِ مَعَهُ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ مُسْتَنِيبِهِ بَلْ يُنْشِئُ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ كَلَامٌ يُوهِمُ بِحَسَبِ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَلَا هُوَ مُرَادُهُ بَلْ لَفْظُهُ لَمْ يُسَاعِدْهُ عَلَى الْمُرَادِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُخْتَارِ وَمُرَادُهُ عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّ الْمُفْتِيَ نَاقِلٌ وَمُخْبِرٌ وَمُعَرِّفٌ بِالْحُكْمِ وَالْحَاكِمُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُلْزِمٌ لِلْحُكْمِ وَمُنَفِّذٌ لَهُ وَذَلِكَ بَيِّنٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَإِذَا كَانَ مَعْنَى حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ إنْشَاءَ الْحُكْمِ فَهُوَ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ الْحُكْمِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ بِمُخْبِرٍ بِالْحُكْمِ بَلْ هُوَ مُلْزِمٌ لِلْحُكْمِ وَقَوْلُهُ هَذَا نَقِيضٌ لِقَوْلِهِ آنِفًا إنَّ الْحَاكِمَ مُنْشِئٌ لِحُكْمِ الْإِلْزَامِ فِيمَا يَلْزَمُ وَأَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ فَسُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ. قَالَ (وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَهُ أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ حُكْمُهُ) قُلْتُ أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ صَحِيحٌ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُصَوِّبُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ رُبَّمَا صَادَفَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَرُبَّمَا لَمْ يُصَادِفْ حُكْمُهُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ لَكِنَّهُ مَعْذُورٌ وَمَأْجُورٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَهُوَ كَالنَّصِّ الْوَارِدِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خُصُوصِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ فَيَصِيرُ الْحَالُ إلَى تَعَارُضِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ الْمُتَعَارِضَيْنِ عَلَى التَّحْقِيقِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِوَجْهٍ مَا فَذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (وَتَقْرِيبُهُ بِالْمِثَالِ أَنَّ مَالِكًا ﵀ تَعَالَى دَلَّ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمِلْكِ يَلْزَمُ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَجَهِلَ تَرْتِيبَهَا كَيْفَ كَانَ وَامْتَنَعَ تَكْمِيلُ ذَلِكَ الدُّسَتِ فَسَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ تَحْنِيثِهِ بِذَلِكَ فَاخْتَلَفُوا فِي تَحْنِيثِهِ وَعَدَمِ تَحْنِيثِهِ أَيْ بِنَاءً عَلَى جَعْلِ غَيْرٍ لِاسْتِثْنَاءِ هَذَا الدُّسَتِ مِنْ النَّفْيِ السَّابِقِ وَالْحَلِفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَبِالْمُسْتَثْنَى مَعًا أَوْ بِالنَّفْيِ السَّابِقِ فَقَطْ أَوْ مِنْ الْحَلِفِ الَّذِي هُوَ ثُبُوتٌ أَوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ قَالَ ثُمَّ اجْتَمَعْت بِشَيْخِنَا أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ فَأَخْبَرْتُهُ بِالْمَسْأَلَةِ فَاخْتَارَ عَدَمَ الْحِنْثِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمًا مِنْ دَيْنِك إلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَعْطَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ سَائِرِ الْأَيَّامِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمًا مِنْ دَيْنِك إلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَعْطَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ سَائِرِ الْأَيَّامِ جَرَى الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ أَيْضًا فِي تَحْنِيثِهِ وَعَمْدِ تَحْنِيثِهِ وَإِنْ كَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ إثْبَاتٍ مُطْلَقًا وَذَلِكَ لِأَنَّ إلَّا إنْ جُعِلَتْ لِلْإِخْرَاجِ عَلَى الْأَصْلِ كَانَ الْكَلَامُ مُفْهِمًا الْحَلِفَ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِنْ الْإِعْطَاءِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَعَ عَدَمِ الْإِخْلَالِ بِالْإِعْطَاءِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ فَيَحْنَثُ وَإِنْ جُعِلَتْ بِمَعْنَى سِوَى نَظَرًا لِكَوْنِ أَهْلِ الْعُرْفِ نَقَلُوهَا مِنْ الْإِخْرَاجِ إلَيْهِ فِي الْأَيْمَانِ حَتَّى لَا يَفْهَمُونَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ ذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ الْإِعْطَاءِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَلْ إنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ الْيَمِينِ إنَّمَا هُوَ غَيْرُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْإِعْطَاءِ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَإِنَّ اسْتِثْنَاءَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتِثْنَاءُ تَوْسِعَةٌ لَوْ أَعْطَى فِيهِ لَمْ يَضُرَّ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفُقَهَاءُ خَالَفُوا مَا فِي الْأُصُولِ مِنْ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَلَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ فِي الْأَيْمَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ وَالسَّبَبُ مَا عَلِمْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الطَّلَاقِ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُفْرَدُ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ نَحْوُ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الطَّلَاقِ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي رَجَّحَهُ السَّيِّدُ الصَّفَوِيُّ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمَعْهُودِ مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ خَارِجًا نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] وَنَحْوُ ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] وَنَحْوُ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أَوْ لِلْجِنْسِ أَمَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَيْ لِلْمَاهِيَةِ مِنْ حَيْثُ حُضُورُهَا الذِّهْنِيُّ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْأَفْرَادِ فَتُسَمَّى لَامَ الْحَقِيقَةِ نَحْوُ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَالْحَيَوَانُ جِنْسٌ وَالنَّاطِقُ فَصْلٌ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ وُجُودُهُ فِي بَعْضٍ مُبْهَمٍ مَعَ قَرِينَةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ فَتُسَمَّى لَامَ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ ﵇ ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] لِعَهْدِيَّةِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي لِذَلِكَ الْبَعْضِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُبْهَمًا فَمَدْخُولُهَا وَإِنْ جَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمَعَارِفِ بِالنَّظَرِ لِوَضْعِهِ

стр. 333

الْمِلْكِ لَازِمٌ وَقَالَ التَّعْلِيقُ قَبْلَ الْمِلْكِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْمَرْأَةِ غَيْرُ لَازِمٍ وَالْعِصْمَةُ فِيهَا تَسْتَمِرُّ لَقُلْنَا هَذَانِ نَصَّانِ خَاصٌّ وَعَامٌّ فَنُقَدِّمُ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ كَمَا لَوْ قَالَ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ لَا تَقْتُلُوا الرُّهْبَانَ فَإِنَّا نَقْتُلُ الْمُشْرِكِينَ وَنَتْرُكُ الرُّهْبَانَ كَذَلِكَ يَقُولُ مَالِكٌ أُعْمِلُ هَذَا الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَتَبْقَى بَقِيَّةُ الصُّوَرِ عِنْدِي لَا يَصِحُّ فِيهَا التَّعْلِيقُ قَبْلَ النِّكَاحِ جَمْعًا بَيْنَ نَصَّيْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَمَنْ فَهِمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ وَإِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَاصٌّ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَمْ يَسَعْهُ إلَّا مَا قَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا خَفِيًّا جِدًّا حَتَّى إنِّي لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُحَقِّقُهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ وَلَمْ يُوجِبْ تَنْفِيذَ أَقْضِيَةِ الْحُكَّامِ فِي مَوَاقِعِ الْخِلَافِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخِلَافِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَيْنَ قَاعِدَتِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَمَنْ أَرَادَ اسْتِيعَابَهُ فَلْيَقِفْ عَلَى كِتَابِ الْإِحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ إلَّا هَذَا الْفَرْقُ لَكِنَّهُ مَبْسُوطٌ فِي أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً مُنَوَّعَةً حَتَّى صَارَ الْمَعْنَى فِي غَايَةِ الضَّبْطِ وَالْجَلَاءِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] جَمْعًا بَيْنَ نَصَّيْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ) قُلْتُ هُوَ مِثَالٌ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ مِنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ حَقِيقَةً فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُشْبِهُهُ بِوَجْهٍ مَا فَذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (وَمَنْ فَهِمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ وَإِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَاصٌّ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَمْ يَسَعْهُ إلَّا مَا قَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا خَفِيًّا جِدًّا حَتَّى أَنِّي لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُحَقِّقُهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ وَلَمْ يُوجِبْ تَنْفِيذَ أَقْضِيَةِ الْحُكَّامِ فِي مَوَاقِعِ الْخِلَافِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي الْفَرْقِ) قُلْتُ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ خَاصٌّ وَعَامٌّ تَعَارَضَا حَقِيقَةً فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ مِنْ وَجْهٍ مَا فَهُوَ كَذَلِكَ قُلْتُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ خَفِيٌّ جِدًّا لَيْسَ كَمَا قَالَ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقَضِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَقْضِ أَحْكَامِ الْمُجْتَهِدِينَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفْسَدَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالسَّبْعِينَ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ مَا قَالَ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالسَّبْعِينَ إلَّا مَا ذَكَرَهُ فِي آخِرِهِ مِمَّا أَحَالَ فِيهِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ تَحْرِيمِ الْمُشْتَرَكِ وَثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْفُرُوقِ إلَى الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالثَّمَانِينَ إلَّا مَا قَالَ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالثَّمَانِينَ مِنْ نِسْبَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَصَلَّيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ لِحَسَّانَ فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ لِعَمَّارٍ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِلْحَقِيقَةِ الْمُعَيَّنَةِ ذِهْنًا فَيَجِيءُ مُبْتَدَأً وَذَا حَالٍ بِلَا مُسَوِّغٍ وَوَصْفًا لِلْمَعْرِفَةِ إلَّا أَنَّهُ فِي الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ نَظَرًا لِقَرِينَةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ الْمُبْهَمِ كَالْأَكْلِ فِي الْآيَةِ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ وُجُودُهُ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ فَتُسَمَّى لَامَ الِاسْتِغْرَاقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] إذْ لَا عَهْدَ مَعَ تَحَقُّقِ قَرِينَةِ إرَادَةِ الْفَرْدِ دُونَ الْبَعْضِيَّةِ الْمُبْهَمَةِ وَدُونَ الْحَقِيقَةِ وَهِيَ فِي الْآيَةِ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُقْتَضِي لِلْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ وَلَا وُجُودَ لِلْحَقِيقَةِ فِي الْخَارِجِ وَقَاعِدَةُ الْمُعَرَّفِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ فِي الْأُصُولِ حِينَئِذٍ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْكُلِّيَّةِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةُ الْكُلِّيَّةِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ الشَّخْصُ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ الِاسْتِغْرَاقَ أَوْ الْعَهْدَ وَعَلَى قَاعِدَةِ الِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُ الثَّلَاثُ كَمَنْ طَلَّقَ وَلَا يَدْرِي أَوَاحِدَةً أَمْ ثَلَاثًا تَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ احْتِيَاطًا وَذَلِكَ أَنَّ مُقْتَضَى اللُّغَةِ وَالِاحْتِيَاطَ أَنْ يَلْزَمَهُ مِنْ الطَّلَاقِ عَدَدٌ غَيْرُ مُتَنَاهٍ إلَّا أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَقْبَلُ إلَّا ثَلَاثًا فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِائَةً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فَقَطْ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ لِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ خَالَفُوا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْأُصُولِيَّةَ فِي الطَّلَاقِ كَمَا خَالَفُوا قَاعِدَةَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ فِي الْأَيْمَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ بِسَبَبِ أَنَّ مَبْنَى الطَّلَاقِ وَالْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ صَرْفُ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِمُطْلَقِ الطَّلَاقِ أَيْ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ أَفْرَادِهِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَلْزَمَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ فَهُوَ عُرْفٌ فِي مُطْلَقِ الطَّلَاقِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الشُّرُوطِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ فِي الشُّرُوطِ خَاصَّةً] (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فِي غَيْرِ الشُّرُوطِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ فِي الشُّرُوطِ خَاصَّةً دُونَ بَقِيَّةِ أَبْوَابِ الِاسْتِثْنَاءِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّرُوطَ لَمَّا كَانَ وُجُودُهَا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فِي وُجُودِ الْمَشْرُوطِ وَلَا فِي عَدَمِهِ وَإِنَّمَا الْمُؤَثِّرُ عَدَمُهَا فِي عَدَمِهِ لِأَنَّ الشَّرْطَ كَمَا مَرَّ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ كَانَ مِنْ الضَّرُورِيِّ اسْتِثْنَاءُ الشُّرُوطِ مِنْ إطْلَاقِ الْعُلَمَاءِ قَاعِدَةَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَإِلَّا لَاتَّجَهَ مَا يُورِدُهُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَيْنَا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا لَلَزِمَ الْقَضَاءُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الطَّهُورِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إلَّا بِطَهُورٍ» وَالْقَضَاءُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْوَلِيِّ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ ضَرُورَةَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّهُورِ وَالْوَلِيِّ شَرْطٌ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ شَيْءٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْقَضَاءِ بِعَدَمِ قَبُولِ

стр. 334

(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ) اعْلَمْ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَهُ أَحْوَالٌ الْحَالَةُ الْأُولَى أَنْ يَشْتَغِلَ بِمُخْتَصَرٍ مِنْ مُخْتَصَرَاتِ مَذْهَبِهِ فِيهِ مُطْلَقَاتٌ مُقَيَّدَةٌ فِي غَيْرِهِ وَعُمُومَاتٌ مَخْصُوصَةٌ فِي غَيْرِهِ وَمَتَى كَانَ الْكِتَابُ الْمُعَيَّنُ حَفِظَهُ وَفَهِمَهُ كَذَلِكَ أَوْ جَوَّزَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا فِيهِ وَإِنْ أَجَادَهُ حِفْظًا وَفَهْمًا إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ يُقْطَعُ فِيهَا أَنَّهَا مُسْتَوْعَبَةُ التَّقْيِيدِ وَأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى مَعْنًى آخَرَ مِنْ كِتَابٍ آخَرَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْقُلَهَا لِمَنْ يَحْتَاجُهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَتَكُونُ هِيَ عَيْنَ الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا لَا أَنَّهَا تُشْبِهُهَا وَلَا تُخَرَّجُ عَلَيْهَا بَلْ هِيَ هِيَ حَرْفًا بِحَرْفٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هُنَالِكَ فُرُوقٌ تَمْنَعُ مِنْ الْإِلْحَاقِ أَوْ تَخْصِيصٌ أَوْ تَقْيِيدٌ يَمْنَعُ مِنْ الْفُتْيَا بِالْمَحْفُوظِ فَيَجِبُ الْوَقْفُ. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَّسِعَ تَحْصِيلُهُ فِي الْمَذْهَبِ بِحَيْثُ يَطَّلِعُ مِنْ تَفَاصِيلِ الشُّرُوحَاتِ وَالْمُطَوَّلَاتِ عَلَى تَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَضْبِطْ مَدَارِكَ إمَامِهِ وَمُسْنَدَاتِهِ فِي فُرُوعِهِ ضَبْطًا مُتْقَنًا بَلْ سَمِعَهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مِنْ أَفْوَاهِ الطَّلَبَةِ وَالْمَشَايِخِ فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِجَمِيعِ مَا يَنْقُلُهُ وَيَحْفَظُهُ فِي مَذْهَبِهِ اتِّبَاعًا لِمَشْهُورِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ بِشُرُوطِ الْفُتْيَا وَلَكِنَّهُ إذَا وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ لَيْسَتْ فِي حِفْظِهِ لَا يُخَرِّجُهَا عَلَى مَحْفُوظَاتِهِ وَلَا يَقُولُ هَذِهِ تُشْبِهُ الْمَسْأَلَةَ الْفُلَانِيَّةَ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ أَحَاطَ بِمَدَارِكِ إمَامِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَأَقْيِسَتِهِ وَعِلَلِهِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا مُفَصَّلَةً وَمَعْرِفَةِ رُتَبِ تِلْكَ الْعِلَلِ وَنِسْبَتِهَا إلَى الْمَصَالِحِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ أَوْ الْحَاجِيَّةِ أَوْ التَّتْمِيمِيَّةِ وَهَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْمُنَاسِبِ الَّذِي اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَهَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي هِيَ أَدْنَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ مَا شَهِدَتْ لَهَا أُصُولُ الشَّرْعِ بِالِاعْتِبَارِ أَوْ هِيَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الشَّبَهِ أَوْ الْمُنَاسِبِ أَوْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ أَوْ قِيَاسِ الْإِحَالَةِ أَوْ الْمُنَاسِبِ الْقَرِيبِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَقْيِسَةِ وَرُتَبِ الْعِلَلِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاظِرَ فِي مَذْهَبِهِ وَالْمُخَرِّجَ عَلَى أُصُولِ إمَامِهِ نِسْبَتُهُ إلَى مَذْهَبِهِ وَإِمَامِهِ كَنِسْبَةِ إمَامِهِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي اتِّبَاعِ نُصُوصِهِ وَالتَّخْرِيجِ عَلَى مَقَاصِدِهِ فَكَمَا أَنَّ إمَامَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقِيسَ مَعَ قِيَامِ الْفَارِقِ لِأَنَّ الْفَارِقَ مُبْطِلٌ لِلْقِيَاسِ وَالْقِيَاسُ الْبَاطِلُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هُوَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَرِّجَ عَلَى مَقَاصِدِ إمَامِهِ فَرْعًا عَلَى فَرْعٍ نَصَّ عَلَيْهِ إمَامُهُ مَعَ قِيَامِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا لَكِنَّ الْفُرُوقَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الصَّلَاةِ قَبْلَ إلَّا وَلَا مِنْ الْقَضَاءِ بِنَفْيِ النِّكَاحِ قَبْلَ إلَّا لِأَجْلِ عَدَمِ الشَّرْطِ فِيهِمَا الْقَضَاءُ بِالْقَبُولِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ إلَّا لِوُجُودِ الطَّهَارَةِ وَالْقَضَاءُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ بَعْدَ إلَّا لِوُجُودِ الْوَلِيِّ وَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ وَإِلَّا لَزِمَ تَخَلُّفُ الْمَدْلُولِ عَنْ الدَّلِيلِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَزِمَ أَنْ نَقُولَ فِي دَفْعِهِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ الْوَارِدَ فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ بَابِ الشُّرُوطِ وَنَحْنُ إنَّمَا نَدَّعِي أَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الشُّرُوطِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا الشُّرُوطُ هَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءَاتُ الْوَاقِعَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ وَالْحَالِفِينَ وَغَيْرِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ إنْ وَقَاعِدَةِ إذَا وَإِنْ كَانَ كِلَاهُمَا لِلشَّرْطِ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إنْ وَقَاعِدَةِ إذَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلشَّرْطِ أَيْ لِمُطْلَقِ الرَّبْطِ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ وَفِي الدَّلَالَةِ عَلَى مُطْلَقِ الزَّمَانِ أَيْ زَمَنٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَا عُمُومِ الْأَزْمَانِ) لَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ وَجْهَيْنِ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ إنْ تَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ الْتِزَامًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مِنْ الْحُرُوفِ الَّتِي تُلَازِمُ الدُّخُولَ عَلَى الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ وَعَلَى الشَّرْطِ بِالْمُطَابَقَةِ بِعَكْسِ إذَا فَفِي قَوْلِك إنْ جَاءَ زَيْدٌ فَأَكْرِمْهُ تَدُلُّ عَلَى إنْ بِالْمُطَابَقَةِ عَلَى أَنَّ الْإِكْرَامَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَجِيءِ وَبِالِالْتِزَامِ مِنْ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ الْمَجِيءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَانٍ فَافْهَمْ وَفِي نَحْوِ قَوْلِك إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَكْرِمْهُ تَدُلُّ إذَا بِالْمُطَابَقَةِ عَلَى الزَّمَانِ وَبِالِالْتِزَامِ عَلَى الشَّرْطِ أَيْ تَوَقُّفُ الْإِكْرَامِ عَلَى الْمَجِيءِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] إلَى قَوْلِهِ فَسَبِّحْ وَقَدْ تَكُونُ ظَرْفًا مَحْضًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ٢] أَيْ أُقْسِمُ بِاللَّيْلِ فِي حَالَةِ غَشَيَانِهِ وَبِالنَّهَارِ فِي حَالَةِ تَجَلِّيهِ لِأَنَّهُمَا أَكْمَلُ أَحْوَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقَسَمُ تَعْظِيمٌ وَالتَّعْظِيمُ يُنَاسِبُ أَعْظَمَ الْأَحْوَالِ فَلَا تَدُلُّ إذَا الظَّرْفِيَّةُ عَلَى الشَّرْطِ الْتِزَامًا إلَّا فِي بَعْضِ صُوَرِهَا وَهُوَ مَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى شَرْطٍ وَمَشْرُوطٍ بِخِلَافِ إنْ فَلَا تُفَارِقُ الدَّلَالَةَ عَلَى الشَّرْطِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ إنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ بِالْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ فَإِذَا قَالَ إنْ مِتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقٌ قَطْعًا إذْ لَا طَلَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَأَمَّا إذَا فَالصَّحِيحُ كَمَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ أَنَّهَا إنْ لَمْ تَدْخُلْ عَلَى شَرْطٍ وَمَشْرُوطٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَمَانُهَا أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ إذْ لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الظَّرْفَ يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُجَاءُ بِلَفْظِ الْيَوْمِ مَثَلًا فَيُقَالُ أَكَلْت يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِنْ كَانَ الْأَكْلُ لَمْ يَقَعْ فِي جَمِيعِهِ كَمَا يُقَالُ وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفِيلِ وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ سِتِّينَ مِنْ عَامِ الْفِيلِ وَهُوَ لَمْ يُولَدْ إلَّا فِي جُزْءٍ مِنْ عَامِ الْفِيلِ وَلَمْ يَقَعْ مَوْتُهُ إلَّا فِي جُزْءٍ مِنْ السَّنَةِ

стр. 335

إنَّمَا تَنْشَأُ عَنْ رُتَبِ الْعِلَلِ وَتَفَاصِيلِ أَحْوَالِ الْأَقْيِسَةِ فَإِذَا كَانَ إمَامُهُ أَفْتَى فِي فَرْعٍ بُنِيَ عَلَى عِلَّةٍ اُعْتُبِرَ فَرْعُهَا فِي نَوْعِ الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ هُوَ أَنْ يُخَرِّجَ عَلَى أَصْلِ إمَامِهِ فَرْعًا مِثْلَ ذَلِكَ الْفَرْعِ لَكِنَّ عِلَّتَهُ مِنْ قَبِيلِ مَا شَهِدَ جِنْسُهُ لِجِنْسِ الْحُكْمِ فَإِنَّ النَّوْعَ عَلَى النَّوْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِ الْأَقْوَى اعْتِبَارُ الْأَضْعَفِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ إمَامُهُ قَدْ اعْتَبَرَ مَصْلَحَةً سَالِمَةً عَنْ الْمُعَارِضِ لِقَاعِدَةٍ أُخْرَى فَوَقَعَ لَهُ هُوَ فَرْعٌ فِيهِ عَيْنُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ لَكِنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِقَاعِدَةٍ أُخْرَى أَوْ بِقَوَاعِدَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّخْرِيجُ حِينَئِذٍ لِقِيَامِ الْفَارِقِ أَوْ تَكُونُ مَصْلَحَةُ إمَامِهِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا مِنْ بَابِ الضَّرُورِيَّاتِ فَيُفْتِي هُوَ بِمِثْلِهَا وَلَكِنَّهَا مِنْ بَابِ الْحَاجَاتِ أَوْ التَّتِمَّاتِ وَهَاتَانِ ضَعِيفَتَانِ مَرْجُوحَتَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُولَى وَلَعَلَّ إمَامَهُ رَاعَى خُصُوصَ تِلْكَ الْقَوِيَّةِ وَالْخُصُوصُ فَائِتٌ هُنَا وَمَتَى حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي ذَلِكَ وَالشَّكُّ. وَجَبَ التَّوَقُّفُ كَمَا أَنَّ إمَامَهُ لَوْ وَجَدَ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَدْ نَصَّ عَلَى حُكْمٍ وَمَصْلَحَةٍ مِنْ بَابِ الضَّرُورِيَّاتِ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَقِيسَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الْحَاجَاتِ أَوْ التَّتِمَّاتِ لِأَجْلِ قِيَامِ الْفَارِقِ فَكَذَلِكَ هَذَا الْمُقَلِّدُ لَهُ لِأَنَّ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ فِي التَّخْرِيجِ كَنِسْبَةِ إمَامِهِ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ وَالضَّابِطُ لَهُ وَلِإِمَامِهِ فِي الْقِيَاسِ وَالتَّخْرِيجِ أَنَّهُمَا مَتَى جَوَّزَا فَارِقًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا حَرُمَ الْقِيَاسُ وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ إلَّا بَعْدَ الْفَحْصِ الْمُنْتَهِي إلَى غَايَةٍ أَنَّهُ لَا فَارِقَ هُنَاكَ وَلَا مُعَارِضَ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ الْقِيَاسِ وَهَذَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْمُقَلِّدِينَ لِلْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَمَهْمَا جَوَّزَ الْمُقَلِّدُ فِي مَعْنًى ظَفِرَ بِهِ فِي فَحْصِهِ وَاجْتِهَادِهِ أَنْ يَكُونَ إمَامُهُ قَصَدَهُ أَوْ يُرَاعِيهِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّخْرِيجُ فَلَا يَجُوزُ التَّخْرِيجُ حِينَئِذٍ إلَّا لِمَنْ هُوَ عَالِمٌ بِتَفَاصِيلِ أَحْوَالِ الْأَقْيِسَةِ وَالْعِلَلِ وَرُتَبِ الْمَصَالِحِ وَشُرُوطِ الْقَوَاعِدِ وَمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا وَمَا لَا يَصْلُحُ وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ يَعْرِفُ أُصُولَ الْفِقْهِ مَعْرِفَةً حَسَنَةً فَإِذَا كَانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَحَصَلَ لَهُ هَذَا الْمَقَامُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مَقَامٌ آخَرُ وَهُوَ النَّظَرُ وَبَذْلُ الْجَهْدِ فِي تَصَفُّحِ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ وَتِلْكَ الْمَصَالِحِ وَأَنْوَاعِ الْأَقْيِسَةِ وَتَفَاصِيلِهَا فَإِذَا بَذَلَ جَهْدَهُ فِيمَا يَعْرِفُهُ وَوَجَدَ مَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَهُ إمَامُهُ فَارِقًا أَوْ مَانِعًا أَوْ شَرْطًا وَهُوَ لَيْسَ فِي الْحَادِثَةِ الَّتِي يَرُومُ تَخْرِيجَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ التَّخْرِيجُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ وَتَمَامِ الْمَعْرِفَةِ جَازَ لَهُ التَّخْرِيجُ حِينَئِذٍ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي إمَامِهِ مَعَ صَاحِبِ الشَّرْعِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إمَامُهُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي بَعْضُهَا مَا تَقَدَّمَ اشْتِرَاطُهُ فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ الْمُخْرَجِ ثُمَّ بَعْدَ اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الِاجْتِهَادِ يَنْتَقِلُ إلَى مَقَامِ بَذْلِ الْجَهْدِ فِيمَا عَلِمَهُ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَتَفَاصِيلِ الْمَدَارِكِ فَإِذَا بَذَلَ جَهْدَهُ وَوَجَدَ حِينَئِذٍ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ فَارِقًا أَوْ مَانِعًا أَوْ شَرْطًا قَائِمًا فِي الْفَرْعِ الَّذِي يَرُومُ قِيَاسَهُ عَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ حَرُمَ عَلَيْهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى شَرْطٍ وَمَشْرُوطٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وُقُوعُ ذَلِكَ الْمَشْرُوطِ بَعْدَ وُقُوعِ الشَّرْطِ مُمْكِنًا أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْكِنٍ كَقَوْلِهِ إذَا مِتَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ إذْ لَيْسَ مَعْنَاهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الْمَوْتِ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُقَالَ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ ظَرْفَ الْمَوْتِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ فَيَدْخُلُ فِيهِ زَمَنٌ مِنْ أَزْمِنَةِ الْحَيَاةِ يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ فَيَلْزَمُهُ عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَبْنِيٍّ عَلَى مُلَاحَظَةِ هَذَا الْوَجْهِ بَلْ مَعْنَاهُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَلِي زَمَنَ الْمَوْتِ لِمَا سَيَتَّضِحُ وَلَا طَلَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا كَقَوْلِهِ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ إذْ لَيْسَ مَعْنَاهُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الدُّخُولِ بِعَيْنِهِ بَلْ مَعْنَاهُ إيقَاعُهُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَلِي زَمَنَ الدُّخُولِ لِضَرُورَةِ مُقْتَضَى الْفَاءِ الَّتِي لِلتَّعْقِيبِ وَإِنْ لَزِمَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إذَا ظَرْفٌ لِلدُّخُولِ لَا ظَرْفٌ لِلطَّلَاقِ بَلْ ظَرْفُ الطَّلَاقِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ وَالثَّانِي تَعَلُّقُهَا بِدَخَلْت الَّذِي هُوَ فِعْلُ الشَّرْطِ لَا بِطَالِقٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ الْمُضَافُ إلَيْهِ لَا يَعْمَلُ فِي الْمُضَافِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا قَاعِدَةٌ لَا يُسَلَّمُ فِيهَا الْإِطْلَاقُ اهـ كَلَامُ ابْنِ الشَّاطِّ بِتَصَرُّفٍ وَتَوْضِيحٍ. (قُلْتُ) وَيُقَرُّ بِهِ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ الْعَامِلُ فِي أَسْمَاءِ الشُّرُوطِ فِعْلُ الشَّرْطِ لَا الْجَوَابُ لِأَنَّ رُتْبَةَ الْجَوَابِ مَعَ مُتَعَلِّقَاتِهِ التَّأْخِيرُ عَنْ الشَّرْطِ فَلَا يَعْمَلُ فِي مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَقْتَرِنُ بِالْفَاءِ وَإِذَا الْفُجَائِيَّةِ وَمَا بَعْدَهُمَا لَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُمَا وَهَاتَانِ الْعِلَّتَانِ مُتَحَقِّقَتَانِ أَيْضًا فِي إذَا وَالْعِلَّةُ تَدُورُ مَعَ الْمَعْلُولِ فَلِذَا اُضْطُرُّوا فِي إذَا وَنَحْوِهَا عَلَى تَسْلِيمِ إطْلَاقِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ إلَى تَكَلُّفَاتٍ مِنْهَا أَنَّ عَامِلَهَا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْجَوَابُ لَا الْجَوَابُ لِمَا عَلِمْت وَمِنْهَا أَنَّ عَامِلَهَا هُوَ الْجَوَابُ وَتَقْيِيدُ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَعْنِي قَاعِدَةَ مَا رُتْبَتُهُ لَا يَعْمَلُ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ وَقَاعِدَةُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ وَإِذَا الْفُجَائِيَّةِ إلَخْ بِغَيْرِ الظُّرُوفِ لِتَوَسُّعِهِمْ فِي الظُّرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَسْتَحِقَّ التَّصْدِيرَ فَمَا ظَنُّك بِمَا يَسْتَحِقُّهُ وَمِنْهَا قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْخُضَرِيِّ عَلَى ابْنِ عَقِيلٍ عَلَى الْأَلْفِيَّةِ وَمَنْ جَعَلَ شَرْطَهَا هُوَ الْعَامِلُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ قَالَ إنَّهَا غَيْرُ مُضَافَةٍ إلَيْهِ مِثْلُهَا كَمَا يَقُولُ الْجَمِيعُ فِيهَا إذَا جَزَمَتْ كَمَا فِي الْمُغْنِي وَحِينَئِذٍ فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (إذْ وَحَيْثُ) أَنَّهَا يَحْصُلُ الرَّبْطُ فِيهَا بَيْنَ جُمْلَتَيْ الْجَوَابِ وَالشَّرْطِ بِكَوْنِهَا شَرْطًا كَمَا فِي أَيْنَ وَمَتَى وَأَمَّا إذْ وَحَيْثُ فَلَوْلَا الْإِضَافَةُ مَا حَصَلَ بِهِمَا رَبْطٌ وَعِنْدَ تَجَرُّدِهَا عَنْ الشَّرْطِ تَكُونُ مُضَافَةً لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهَا بِلَا خِلَافٍ فِيمَا يَظْهَرُ لِيَحْصُلَ بِهَا الرَّبْطُ فَتَدَبَّرْ اهـ. وَمِنْهَا قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ عَلَى الْمُغْنِي كُلُّ كَلِمَتَيْنِ فَأَكْثَرَ كَانَتَا

стр. 336

الْقِيَاسُ وَوَجَبَ التَّوَقُّفُ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَأَنَّ الْفَرْعَ مُسَاوٍ لِلصُّورَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِلْحَاقُ حِينَئِذٍ وَكَذَلِكَ مُقَلِّدُهُ وَحِينَئِذٍ بِهَذَا التَّقْرِيرِ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ لَا يَشْتَغِلُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ أَنْ لَا يُخَرِّجَ فَرْعًا أَوْ نَازِلَةً عَلَى أُصُولِ مَذْهَبِهِ وَمَنْقُولَاتِهِ وَإِنْ كَثُرَتْ مَنْقُولَاتُهُ جِدًّا فَلَا تُفِيدُ كَثْرَةُ الْمَنْقُولَاتِ مَعَ الْجَهْلِ بِمَا تَقَدَّمَ كَمَا أَنَّ إمَامَهُ لَوْ كَثُرَتْ مَحْفُوظَاتُهُ لِنُصُوصِ الشَّرِيعَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْضِيَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأُصُولِ الْفِقْهِ حَرُمَ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ وَالتَّخْرِيجُ عَلَى الْمَنْصُوصَاتِ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَلْ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِنْبَاطُ مِنْ نُصُوصِ الشَّارِعِ لِأَنَّ الِاسْتِنْبَاطَ فَرْعُ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ فَهَذَا الْبَابُ الْمُجْتَهِدُونَ وَالْمُقَلِّدُونَ فِيهِ سَوَاءٌ فِي امْتِنَاعِ التَّخْرِيجِ بَلْ يُفْتِي كُلُّ مُقَلِّدٍ وَصَلَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ ضَبْطُ مُطْلَقَاتِ إمَامِهِ بِالتَّقْيِيدِ وَضَبْطُ عُمُومَاتِ مَذْهَبِهِ بِمَنْقُولَاتِ مَذْهَبِهِ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ تَخْرِيجٍ إذَا فَاتَهُ شَرْطُ التَّخْرِيجِ كَمَا أَنَّ إمَامَهُ لَوْ فَاتَهُ شَرْطُ أُصُولِ الْفِقْهِ وَحِفْظِ النُّصُوصِ وَاسْتَوْعَبَهَا يَصِيرُ مُحَدِّثًا نَاقِلًا فَقَطْ لَا إمَامًا مُجْتَهِدًا كَذَلِكَ هَذَا الْمُقَلِّدُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَالنَّاسُ مُهْمِلُونَ لَهُ إهْمَالًا شَدِيدًا وَيَقْتَحِمُونَ عَلَى الْفُتْيَا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّخْرِيجِ عَلَى قَوَاعِدِ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطِ التَّخْرِيجِ وَالْإِحَاطَةِ بِهَا فَصَارَ يُفْتِي مَنْ لَمْ يُحِطْ بِالتَّقْيِيدَاتِ وَلَا بِالتَّخْصِيصَاتِ مِنْ مَنْقُولَاتِ إمَامِهِ وَذَلِكَ لَعِبٌ فِي دَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَفُسُوقٌ مِمَّنْ يَتَعَمَّدُهُ أَوَ مَا عَلِمُوا أَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَخْبَرَ عَنْهُ مَعَ ضَبْطِ ذَلِكَ الْخَبَرِ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ الْكَاذِبِ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى امْرُؤٌ فِي نَفْسِهِ وَلَا يَقْدُمُ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ بِغَيْرِ شَرْطِهِ. (تَنْبِيهٌ) : كُلُّ شَيْءٍ أَفْتَى فِيهِ الْمُجْتَهِدُ فَخَرَجَتْ فُتْيَاهُ فِيهِ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقَوَاعِدِ أَوْ النَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ لَا يَجُوزُ لِمُقَلِّدِهِ أَنْ يَنْقُلَهُ لِلنَّاسِ وَلَا يُفْتِي بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ وَمَا لَا نُقِرُّهُ شَرْعًا بَعْدَ تَقَرُّرِهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْلَى أَنْ لَا نُقِرَّهُ شَرْعًا إذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ وَهَذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ فَلَا نُقِرُّهُ شَرْعًا وَالْفُتْيَا بِغَيْرِ شَرْعٍ حَرَامٌ فَالْفُتْيَا بِهَذَا الْحُكْمِ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ غَيْرَ عَاصٍ بِهِ بَلْ مُثَابًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَذَلَ جَهْدَهُ عَلَى حَسَبِ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» فَعَلَى هَذَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْعَصْرِ تَفَقُّدُ مَذَاهِبِهِمْ فَكُلُّ مَا وَجَدُوهُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْفُتْيَا بِهِ وَلَا يَعْرَى مَذْهَبٌ مِنْ الْمَذَاهِبِ عَنْهُ لَكِنَّهُ قَدْ يَقِلُّ وَقَدْ يَكْثُرُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْلَمَ هَذَا فِي مَذْهَبِهِ إلَّا مَنْ عَرَفَ الْقَوَاعِدَ وَالْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وَالنَّصَّ الصَّرِيحَ وَعَدَمَ الْمُعَارِضِ لِذَلِكَ وَذَلِكَ يَعْتَمِدُ تَحْصِيلَ أُصُولِ الْفِقْهِ وَالتَّبَحُّرَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِمَنْزِلَةِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بِمَعْنَى وُقُوعِهِمَا مَعًا جُزْءُ كَلَامٍ يَجُوزُ أَنْ تَعْمَلَ أُولَاهُمَا فِي الثَّانِيَةِ كَالْمُضَافِ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ الْعَكْسُ إذْ لَمْ تُعْهَدْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ بَعْضُ أَجْزَائِهَا مُقَدَّمٌ مِنْ وَجْهٍ مُؤَخَّرٌ مِنْ آخَرَ فَكَذَلِكَ مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْمَعْنَى فَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَعْمَلْ صِلَةٌ فِي مَوْصُولٍ وَلَا تَابِعٌ فِي مَتْبُوعٍ وَلَا مُضَافٌ إلَيْهِ فِي مُضَافٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الشَّرْطِ وَالشَّرْطِ فَلَيْسَتَا كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إذْ لَا يَقَعَانِ مَوْقِعَ الْمُفْرَدِ كَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالْمُبْتَدَأِ فَيَجُوزُ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ نَحْوُ مَتَى تَذْهَبْ أَذْهَبْ وَ ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] نَعَمْ إنْ لَمْ يَعْمَلْ الشَّرْطُ فِي كَلِمَتِهِ نَحْوُ مَنْ قَامَ قُمْت جَازَ وُقُوعُهَا مَوْقِعَ الْمُبْتَدَأِ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ بَعْضِهِمْ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ الْأَبْيَارِيُّ فِي الْقَصْرِ الْمَبْنِيِّ أَيْ فَإِنَّ مَنْ هُنَا غَيْرُ ظَرْفٍ فَهِيَ تَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ وَهُوَ لَا يَعْمَلُ فِيهَا لَكِنَّ هَذَا الْمَذْهَبَ ضَعِيفٌ اهـ إذْ لَا مَعْنَى لِجَعْلِ كَلِمَةِ إذَا مَعَ الشَّرْطِ إذَا جَزَمَتْ كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَعْلُهَا مَعَهُ إذَا لَمْ تَجْزِمْ لَيْسَتْ كَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ قَدْ جَعَلُوهُمَا كَسَائِرِ كَلِمَاتِ الشَّرْطِ مَعَ شُرُوطِهَا مُطْلَقًا قَيْدًا لِجُمْلَةِ الْجَزَاءِ. وَأَمَّا عَدَمُ تَسْلِيمِ إطْلَاقِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا لِابْنِ الشَّاطِّ فَلَا يَحْتَاجُونَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ بَلْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى الْجَزْمِ بِعَدَمِ تَسْلِيمِ إطْلَاقِهَا وَجَعَلَ إذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] ظَرْفًا لِلنِّسْيَانِ. وَلَمْ يُصَرِّحْ بِظَرْفِ الذِّكْرِ يَنْدَفِعُ مِنْ أَصْلِهِ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى جَعْلِ إذَا ظَرْفًا لَا ذُكِرْ الَّذِي هُوَ الْجَوَابُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُضَافًا إلَيْهِ لَا لَنَسِيت الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ وَإِنْ جَازَ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ لِكَوْنِهِ مُضَافًا إلَيْهِ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ لَا يَعْمَلُ فِي الْمُضَافِ مِنْ أَنَّ الذِّكْرَ ضِدُّ النِّسْيَانِ وَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى وُقُوعِهِمَا فِي إذَا وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فَكَيْفَ أَمَرَ بِالذِّكْرِ فِي زَمَنِ النِّسْيَانِ وَلَمْ نَحْتَجْ لِلْجَوَابِ عَنْهُ الْمَبْنِيِّ عَلَى صِحَّتِهِ بِأَنَّ الظَّرْفَ قَدْ يَكُونُ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ فَيَفْضُلُ مِنْ زَمَانِ إذَا زَمَانٌ لَيْسَ فِيهِ نِسْيَانٌ يَقَعُ فِيهِ الذِّكْرُ فَلَا يَجْتَمِعُ الضِّدَّانِ عَلَى أَنْ لَا يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا مَعْنَى كَوْنِ الظَّرْفِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الْمَظْرُوفِ كَمَا مَرَّ أَنَّهُ يُطْلَقُ لَفْظُ الْيَوْمِ مَثَلًا فِي فِعْلٍ يَقَعُ فِي بَعْضِهِ لَا فِي جَمِيعِهِ وَذَلِكَ الْإِطْلَاقُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ لِلْإِطْرَادِ وَلَيْسَ ذَلِكَ حَقِيقَةً مَعْنَوِيَّةً بِمَعْنَى أَنَّ ظَرْفَ الْفِعْلِ يَكُونُ أَوْسَعَ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ وَلَمْ يَزَلْ الْإِشْكَالُ يَقَعُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بَيْنَ الْحَقَائِقِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْحَقَائِقِ اللَّفْظِيَّةِ فَيَظُنُّهَا شَيْئًا وَاحِدًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ قَالَ وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩] وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ الْيَوْمَ اشْتِرَاكُكُمْ

стр. 337

فِي الْفِقْهِ فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ لَيْسَتْ مُسْتَوْعَبَةً فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بَلْ لِلشَّرِيعَةِ قَوَاعِدُ كَثِيرَةٌ جِدًّا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَالْفُقَهَاءِ لَا تُوجَدُ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَصْلًا وَذَلِكَ هُوَ الْبَاعِثُ لِي عَلَى وَضْعِ هَذَا الْكِتَابِ لِأَضْبِطَ تِلْكَ الْقَوَاعِدَ بِحَسَبِ طَاقَتِي وَلِاعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ يَحْرُمُ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ الْفَتْوَى فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ وَكَذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ ﵃ مُتَوَقِّفِينَ فِي الْفُتْيَا تَوَقُّفًا شَدِيدًا وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ وَيَرَى هُوَ نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ يُرِيدُ تَثْبُتُ أَهْلِيَّتُهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. وَيَكُونُ هُوَ بِيَقِينٍ مُطَّلِعًا عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِّهِ مِنْ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ مِنْ الْإِنْسَانِ أَمْرٌ عَلَى ضِدِّ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ النَّاسُ حَصَلَ الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ وَمَا أَفْتَى مَالِكٌ حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا لِأَنَّ التَّحَنُّكَ وَهُوَ اللِّثَامُ بِالْعَمَائِمِ تَحْتَ الْحَنَكِ شِعَارُ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَحَنُّكٍ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى تَأَكُّدِ التَّحْنِيكِ وَهَذَا هُوَ شَأْنُ الْفُتْيَا فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ وَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ انْخَرَقَ هَذَا السِّيَاجُ وَسَهُلَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُ دِينِهِمْ فَتَحَدَّثُوا فِيهِ بِمَا يَصْلُحُ وَبِمَا لَا يَصْلُحُ وَعَسُرَ عَلَيْهِمْ اعْتِرَافُهُمْ بِجَهْلِهِمْ وَأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ لَا يَدْرِي فَلَا جَرَمَ آلَ الْحَالُ لِلنَّاسِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْجُهَّالِ. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَصِيرَ طَالِبُ الْعِلْمِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الشُّرُوطِ مَعَ الدِّيَانَةِ الْوَازِعَةِ وَالْعَدَالَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِي مَذْهَبِهِ نَقْلًا وَتَخْرِيجًا وَيَعْتَمِدُ عَلَى مَا يَقُولُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّقْلِ وَقَاعِدَةِ الْإِسْقَاطِ) اعْلَمْ أَنَّ الْحُقُوقَ وَالْأَمْلَاكَ يَنْقَسِمُ التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَى نَقْلٍ وَإِسْقَاطٍ فَالنَّقْلُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ بِعِوَضٍ فِي الْأَعْيَانِ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَإِلَى مَا هُوَ فِي الْمَنَافِعِ كَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْجَعَالَةِ وَإِلَى مَا هُوَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَالْعُمْرَى وَالْوَقْفِ وَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ وَالْمَسْرُوقِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ وَالْغَنِيمَةِ فِي الْجِهَادِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَقْلُ مِلْكٍ فِي أَعْيَانٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وَأَمَّا الْإِسْقَاطُ فَهُوَ إمَّا بِعِوَضٍ كَالْخُلْعِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةِ وَبَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ وَالصُّلْحِ عَلَى الدَّيْنِ وَالتَّعْزِيرِ فَجَمِيعُ هَذِهِ الصُّوَرِ يَسْقُطُ فِيهَا الثَّابِتُ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْبَاذِلِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ الْمَبْذُولُ لَهُ مِنْ الْعِصْمَةِ وَبَيْعِ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا وَإِمَّا بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَإِيقَافِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فَجَمِيعُ هَذِهِ الصُّوَرِ يَسْقُطُ فِيهَا الثَّابِتُ وَلَا يَنْتَقِلُ لِغَيْرِ الْأَوَّلِ وَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ هَلْ يَفْتَقِرُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي الْعَذَابِ بِسَبَبِ ظُلْمِكُمْ إذْ ظَلَمْتُمْ يَعْنِي أَنَّ إذْ ظَلَمْتُمْ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ النَّفْعِ الْمَأْخُوذِ مِنْ لَنْ أَيْ أَنَّهُمْ لِعِظَمِ مَا هُمْ فِيهِ لَا يُهَوِّنُ عَلَيْهِمْ اشْتِرَاكُهُمْ فِي الْعَذَابِ كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا كَمَا فِي الْمُغْنِي وَحَوَاشِيهِ نَعَمْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ بِسَبَبِ ظُلْمِكُمْ إذْ ظَلَمْتُمْ الْجَرْيُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إذَا التَّعْلِيلِيَّةَ ظَرْفٌ وَالتَّعْلِيلُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ لَا مِنْ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ ضَرَبْته إذْ أَسَاءَ وَأُرِيدَ بِإِذْ الْوَقْتُ اقْتَضَى ظَاهِرُ الْحَالِ أَنَّ الْإِسَاءَةَ سَبَبُ الضَّرْبِ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِوَصْفٍ يُشْعِرُ بِعَلِيَّتِهِ لَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا حَرْفٌ بِمَنْزِلَةِ لَامِ الْعِلَّةِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِي الْمُغْنِي وَالْجُمْهُورُ لَا يُثْبِتُونَ هَذَا الْقِسْمَ أَيْ كَوْنَ إذْ حَرْفًا بِمَنْزِلَةِ لَامِ الْعِلَّةِ وَلِذَا قَالَ الرَّضِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ١١] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ ﴿وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] الْآيَةَ أَنَّ الْفَاءَ لِإِجْرَاءِ الظَّرْفِ مَجْرَى كَلِمَةِ الشَّرْطِ كَمَا ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي نَحْوِ زَيْدٌ حِينَ لَقِيته فَأَنَا أُكْرِمُهُ وَهُوَ فِي إذْ مُطَّرِدٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] أَيْ مِمَّا أُضْمِرَ فِيهِ وَإِنَّمَا جَازَ إعْمَالُ الْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي هُوَ سَيَقُولُونَ وَآوَوْا وَأَقِيمُوا فِي الظُّرُوفِ الْمَاضِيَةِ الَّتِي هِيَ إذْ لَمْ يَهْتَدُوا وَمَا مَعَهُ وَإِنْ كَانَ وُقُوعُ الْمُسْتَقْبَلِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي مُحَالًا لِمَا ذُكِرَ فِي نَحْوِ أَمَّا زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ مِنْ أَنَّ الْغَرَضَ الْمَعْنَوِيَّ هُوَ قَصْدُ الْمُلَازَمَةِ حَتَّى كَانَ هَذِهِ الْأَفْعَالُ الْمُسْتَقْبَلَةُ وَقَعَتْ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ وَصَارَتْ لَازِمَةً لَهَا كُلُّ ذَلِكَ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ اهـ نَقَلَهُ الْأَبْيَارِيُّ فِي الْقَصْرِ لَكِنْ أَوْرَدَ فِي الْمُغْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إذْ التَّعْلِيلِيَّةَ ظَرْفٌ إشْكَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ اُسْتُفِيدَ التَّعْلِيلُ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ لَكَانَ إذَا حُذِفَتْ إذْ وَحَلَّ مَحَلُّهَا وَقْتٌ اُسْتُفِيدَ التَّعْلِيلُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ زَمَنِ الْفِعْلَيْنِ فَإِنَّ يَنْفَعُ مُسْتَقْبَلٌ لِاقْتِرَانِهِ بِلَنْ وَظَلَمَ مَاضٍ وَكَذَا إذْ وَلَا بُدَّ فِي التَّعْلِيلِ مِنْ اتِّحَادِ الزَّمَانَيْنِ فِي الْمِثَالِ. وَثَانِيهِمَا أَنَّ إذْ لَا تُبْدَلُ مِنْ الْيَوْمِ لِاخْتِلَافِ الزَّمَانَيْنِ أَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ وَلَا يَصِحُّ إبْدَالُ أَحَدِ الْمُتَبَايِنَيْنِ مِنْ الْآخَرِ وَلَا تَكُونُ ظَرْفًا لِيَنْفَعَ لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِي ظَرْفَيْنِ زَمَانِيَّيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا تَابِعًا لِلْآخَرِ وَلَا مُنْدَرِجًا فِيهِ مَعَ أَنَّ النَّفْعَ لَيْسَ وَاقِعًا فِي وَقْتِ الظُّلْمِ وَلَا تَكُونُ ظَرْفًا لَمُشْتَرِكُونَ لِأَنَّ مَعْمُولَ خَبَرِ الْأَحْرُفِ السِّتَّةِ يَعْنِي إنَّ وَأَخَوَاتِهَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا. وَلِأَنَّ مَعْمُولَ الصِّلَةِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْصُولِ وَلِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمْ فِي الْآخِرَةِ لَا فِي زَمَنِ ظُلْمِهِمْ وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الثَّانِي بِأَرْبَعَةِ أَجْوِبَةٍ أَشَارَ لِأَوَّلِهَا وَثَانِيهَا بِقَوْلِهِ. وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ رَاجَعْت أَبَا عَلِيٍّ مِرَارًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩] الْآيَةَ مُسْتَشْكِلًا إبْدَالَ إذْ مِنْ الْيَوْمِ فَآخِرُ مَا تَحَصَّلَ مِنْهُ أَنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ مُتَّصِلَتَانِ وَأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ فَكَانَ الْيَوْمُ مَاضٍ أَوْ

стр. 338

إلَى الْقَبُولِ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ الدُّيُونِ حَتَّى يَقْبَلَ أَوْ يَبْرَأَ مِنْ الدُّيُونِ إذَا أَبْرَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُمَا لَا يَفْتَقِرَانِ إلَى قَبُولِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَلِذَلِكَ يَنْفُذُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَإِنْ كَرِهَتْ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ أَوْ هُوَ تَمْلِيكٌ لِمَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ عَيْنًا بِالْهِبَةِ أَوْ غَيْرِهَا لَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ وَقَبُولِهِ وَكَذَلِكَ هَا هُنَا يَتَأَكَّدُ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمِنَّةَ قَدْ تَعْظُمُ فِي الْإِبْرَاءِ وَذَوُو الْمُرُوآتِ وَالْأَنَفَاتِ يَضُرُّ ذَلِكَ بِهِمْ لَا سِيَّمَا مِنْ السَّفَلَةِ فَجَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ لَهُمْ قَبُولَ ذَلِكَ أَوْ رَدَّهُ نَفْيًا لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْ الْمِنَنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْوَقْفُ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ أَوْ لَا خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ الْوَاقِفُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمَنَافِعِ فِي الْمَوْقُوفِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْعِتْقِ أَوْ هُوَ تَمْلِيكٌ لِمَنَافِعِ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لِتَعَذُّرِهِ هَذَا فِي مَنَافِعِ الْمَوْقُوفِ أَمَّا أَصْلُ مِلْكِهِ فَهَلْ يَسْقُطُ أَوْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ مَالِكًا ﵀ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْحَائِطِ الْمَوْقُوفِ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ نَحْوِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إذَا كَانَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِلْكُ الْوَاقِفِ فَيُزَكِّي عَلَى مِلْكِهِ. وَأَمَّا الْحَائِطُ عَلَى الْمُعَيَّنِينَ فَيُشْتَرَطُ فِي حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسَاجِدِ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْإِسْقَاطِ وَالْعِتْقِ لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وَلِأَنَّهَا تُقَامُ فِيهَا الْجَمَاعَاتُ وَالْجُمُعَةُ، وَالْجُمُعَةُ لَا تُقَامُ فِي الْمَمْلُوكَاتِ لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهَا لَا يُصَلِّيهَا أَرْبَابُ الْحَوَانِيتِ فِي حَوَانِيتِهِمْ لِأَجْلِ الْمِلْكِ وَالْحَجْرِ فَلَا يَجْرِي فِي الْمَسَاجِدِ الْقَوْلَانِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ يَخْتَارُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ يَعُمُّ الْعِتْقُ الْجَمِيعَ وَإِذَا طَلَّقَ أَحَدَ نِسَاؤُهُ يَعُمُّ الطَّلَاقُ النِّسْوَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ يَخْتَارُ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الطَّلَاقَ إسْقَاطٌ لِلْعِصْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْعِتْقُ قُرْبَةٌ لَا إسْقَاطٌ وَإِنْ لَزِمَهَا الْإِسْقَاطُ وَتَمَامُ هَذَا الْفَرْقِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ تَحْرِيمِ الْمُشْتَرَكِ وَثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ فَلْيُطَالَعْ مِنْ هُنَاكَ وَلَا حَاجَةَ لِلْإِعَادَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرْت الْفَرْعَيْنِ هَا هُنَا لِأَجْلِ تَعَلُّقِهِمَا بِالنَّقْلِ وَالْإِسْقَاطِ فَقَطْ. (الْفَرْقُ الثَّمَانُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِزَالَةِ فِي النَّجَاسَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِحَالَةِ فِيهَا) اعْلَمْ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ فِي الشَّرِيعَةِ تَقَعُ عَلَى ثَلَاثِ أَقْسَامٍ إزَالَةٍ وَإِحَالَةٍ وَهُمَا مَعًا وَلِكُلِّ قَاعِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ خَاصِّيَّةٌ تَمْتَازُ بِهَا أَمَّا الْإِزَالَةُ فَبِالْمَاءِ فِي الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَالْمَكَانِ. وَأَمَّا الْإِحَالَةُ فَفِي الْخَمْرِ تَصِيرُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَانَ إذْ مُسْتَقْبَلَةً اهـ. وَلِثَالِثِهَا وَرَابِعِهَا بِقَوْلِهِ وَقِيلَ الْمَعْنَى إذْ ثَبَتَ ظُلْمُكُمْ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ إذْ ظَلَمْتُمْ وَعَلَيْهِمَا أَيْضًا فَإِذْ بَدَلٌ مِنْ الْيَوْمِ وَمَعْنَى إنْ بَعْدُ وَقَبْلُ غَيْرُ صَالِحَيْنِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمَا عِنْدَ إضَافَتِهِمَا إلَى إذْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ مَعْنَاهُمَا وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ حَذْفُهُمَا لِدَلِيلٍ وَهُوَ هُنَا تَوَقُّفُ صِحَّةِ الْكَلَامِ عَلَى تَقْدِيرِ بَعْدَ فَهِيَ دَلَالَةٌ اقْتِضَائِيَّةٌ قَالَ وَإِذَا لَمْ تُقَدَّرْ إذْ تَعْلِيلًا أَيْ بَلْ جُعِلَتْ بَدَلًا عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إنْ وَصِلَتُهَا تَعْلِيلًا أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ وَالْفَاعِلُ مُسْتَتِرٌ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِمْ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَك بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ أَوْ إلَى الْقَرِينِ وَيَشْهَدُ لَهُ قِرَاءَةُ بَعْضِهِمْ إنَّكُمْ بِالْكَسْرِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ وَصِلَتُهَا فَاعِلَ يَنْفَعُ اهـ. بِتَوْضِيحٍ مِنْ الْأَبْيَارِيِّ هَذَا وَزَادَ الْأَصْلُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ إنْ وَإِذَا وَجْهًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّ إنْ لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهَا إلَّا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا تَقُولُ إنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأْتِ بِخِلَافِ إذَا فَإِنَّهَا تَقْبَلُ الْمَعْلُومَ وَالْمَشْكُوكَ فِيهِ فَتَقُولُ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأْتِ وَإِذَا دَخَلَ الْعَبْدُ الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ وَهَذَا الْوَجْهُ وَإِنْ صَرَّحَ بِهِ الْبَيَانِيُّونَ إلَّا أَنَّ ابْنَ الشَّاطِّ جَزَمَ بِأَنَّ إنْ لَا يَلْزَمُ دُخُولُهَا عَلَى الْمَشْكُوكِ بَلْ هِيَ لِمُطْلَقِ الرَّبْطِ فَقَطْ وَكَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِمَا ذُكِرَ كَذَلِكَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ النَّحْوِيَّةِ بِأَنَّ إنْ حَرْفٌ وَإِذَا اسْمٌ وَظَرْفٌ وَبِأَنَّ مَا بَعْدَ إنْ يَكُونُ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ بِهَا وَمَا بَعْدَ إذَا فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِهَا وَبِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي إنْ أَصْلٌ وَفِي إذَا عَارِضٌ لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي الْأَسْمَاءِ عَارِضٌ وَفِي الْحُرُوفِ أَصْلٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوقِ النَّحْوِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَسَائِلُ الْفُرُوعِيَّةُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَسَائِلُ الْأَوَانِي وَالنِّسْيَانِ وَالْكَعْبَةِ] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَسَائِلُ الْفُرُوعِيَّةُ يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا بِالْآخَرِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَسَائِلُ الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ وَالْكَعْبَةِ وَنَحْوِهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهَا أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْآخَرِ) قَدْ وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِثَلَاثَةِ فُرُوقٍ الْأَوَّلُ لِابْنِ الشَّاطِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْفَرْقُ الصَّحِيحُ أَنَّ مَسْأَلَةَ اقْتِدَاءِ الْمَالِكِيِّ بِالشَّافِعِيِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَدَلَّكُ لَا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ لَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ الْخَطَأِ فِيهَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّصْوِيبِ وَمَسْأَلَةُ الْأَوَانِي وَنَحْوِهَا لَا بُدَّ مِنْ الْخَطَأِ فِيهَا وَيُمْكِنُ تَعْيِينُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ قُلْت وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الْمَازِرِيِّ حَكَى الْمَذْهَبُ الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ فِي الْفُرُوعِ الظَّنِّيَّةِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ فِيمَا عُلِمَ خَطَؤُهُ كَنَقْضِ قَضَاءِ الْقَاضِي قَالَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَفْرِقَةُ أَشْهَبَ بَيْنَ الْقُبْلَةِ وَمَسِّ الذَّكَرِ اهـ. أَيْ حَيْثُ قَالَ عِنْدَ ابْنِ سَحْنُونٍ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ لَا يَرَى الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْقُبْلَةِ يُعِيدُ أَبَدًا. وَقَالَ

стр. 339

خَلًّا وَأَمَّا هُمَا مَعًا فَفِي الدِّبَاغِ فَإِنَّهُ إزَالَةٌ لِلْفَضَلَاتِ الْمُتَنَجِّسَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْعَصْرَ فَيَخْرُجُ مَا فِي الْجُلُودِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْإِحَالَةُ فَلِأَنَّ صِفَةَ الْجُلُودِ تَتَغَيَّرُ عَنْ هَيْئَتِهَا إلَى هَيْئَةٍ أُخْرَى أَمَّا الْخَوَاصُّ فَخَاصِّيَّةُ الْإِزَالَةِ الْمَاءُ الطَّهُورُ وَالنِّيَّةُ عَلَى الْخِلَافِ وَوُصُولُ الْغُسْلِ حَدًّا يَنْفَصِلُ الْمَاءُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ وَأَنَّ السَّبَبَ الِاسْتِقْذَارُ وَخَاصِّيَّةُ الْإِحَالَةِ عَدَمُ النِّيَّةِ وَالْمَاءِ وَالِاسْتِقْذَارِ فَلَا تَحْتَاجُ لِلْمَاءِ بَلْ قَدْ تُوجَدُ مَعَ عَدَمِهِ وَقَدْ يُلْقِي فِي الْخَمْرِ مَاءً فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِحَالَتِهَا لِلْخَلِّيَّةِ غَيْرَ أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فِي الْإِحَالَةِ وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْإِزَالَةِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فَمَانِعَةٌ مِنْ تَطْهِيرِهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقَصْدِ إلَى تَخْلِيلِ الْخَمْرِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَصْدَ مَانِعٌ وَلَيْسَ شَرْطًا إجْمَاعًا وَهُوَ شَرْطٌ فِي الْإِزَالَةِ عَلَى الْخِلَافِ وَحَيْثُ قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنَّمَا يُرِيدُونَ أَحَدَ أَقْسَامِهَا وَهِيَ الْإِزَالَةُ وَمِنْ خَوَاصِّهَا عَدَمُ الِاسْتِقْذَارِ بَلْ سَبَبُ تَنْجِيسِهَا طَلَبُ إبْعَادِهَا فَهَذِهِ ثَلَاثُ خَوَّاصٍ لِلْإِحَالَةِ تَمْتَازُ بِهَا عَنْ الْإِزَالَةِ. وَأَمَّا الصُّورَةُ الَّتِي يَجْتَمِعَانِ فِيهَا وَهُوَ الدِّبَاغُ فَمِنْ خَوَاصِّهِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْمَاءِ وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ الْقَصْدُ مَانِعًا إجْمَاعًا بِخِلَافِ الْإِحَالَةِ الْمُنْفَرِدَةِ وَالِاسْتِقْذَارِ وَالِاسْتِخْبَاثِ سَبَبُ التَّنْجِيسِ لِأَجْلِ مَا فِيهَا مِنْ النَّجَاسَةِ فَخَوَاصُّهَا أَيْضًا ثَلَاثَةٌ فَهَذِهِ خَوَاصُّ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَبِهَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا قَاعِدَةٌ تُعْرَفُ بِجَمْعِ الْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ يُوجِبُ الضِّدَّيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ وَهَذَا النَّوْعُ قَلِيلٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَفِيهَا مُثُلٌ أَحَدُهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَإِنَّ الْقَصْدَ مُنَاسِبٌ لِلتَّطْهِيرِ فَاشْتَرَطَهُ مَنْ اشْتَرَطَ الْمُنَاسِبَ فِي الْإِزَالَةِ وَجَعَلَهُ مَانِعًا فِي الْإِحَالَةِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ فَإِنَّهُ إذَا جَوَّزْنَا الْقَصْدَ لِلتَّخْلِيلِ جَوَّزْنَا إبْقَاءَهَا فِي الْمِلْكِ فَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ رُبَّمَا انْبَعَثَتْ الدَّوَاعِي لِشُرْبِهَا فَمُنِعَ مِنْ الْقَصْدِ لِتَخْلِيلِهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ فَصَارَ الْقَصْدُ يَقْتَضِي هَا هُنَا الْمَنْعَ وَفِي الْإِزَالَةِ الْإِبَاحَةَ فِي الصَّلَاةِ بِذَلِكَ الثَّوْبِ الْمُزَالِ عَنْهُ النَّجَاسَةُ وَقَدْ رُتِّبَ عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ الضِّدَّانِ وَهُمَا الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ فَنَاسَبَ الضِّدَّيْنِ وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِجَمْعِ الْفَرْقِ أَيْ جَمْعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ مِنْ الْأَضْدَادِ. الْمِثَالُ الثَّانِي لِجَمْعِ الْفَرْقِ قَالَ الْعُلَمَاءُ تُرَدُّ تَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ صَوْنًا لِمَالِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ بِتَصَرُّفَاتٍ رَدِيَّةٍ، فَصَوْنُ مَالِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ هُوَ سَبَبُ رَدِّ تَصَرُّفَاتِهِ وَتَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ فِي الْوَصَايَا عِنْدَ الْمَوْتِ صَوْنًا لِمَالِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ فَإِنَّا لَوْ رَدَدْنَا وَصَايَاهُ لَأَخَذَ مَالَهُ وَارِثُهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَصْلَحَةٌ فَصَوْنُ مَالِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ اقْتَضَى رَدَّ تَصَرُّفَاتِهِ حَالَ الْحَيَاةِ وَتَنْفِيذُ تَصَرُّفَاتِهِ عِنْدَ الْمَمَاتِ فَقَدْ نَاسَبَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ الضِّدَّيْنِ الْمُنَافِيَيْنِ وَتَرَتَّبَا عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ وَهَذَا هُوَ جَمْعُ الْفَرْقِ أَيْضًا لِأَنَّهُ جَمْعُ الْمُتَفَرِّقَاتِ مِنْ الْأَضْدَادِ (الْمِثَالُ الثَّالِثُ) الْجَهَالَةُ مَانِعَةٌ مِنْ عَقْدِ الْبَيْعِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] سَحْنُونٌ يُعِيدُ فِيهِمَا فِي الْوَقْتِ كَذَا فِي الْحَطَّابِ عَنْ الذَّخِيرَةِ بِتَوْضِيحٍ مَا مِنْ الْمَوَّاقِ وَالْفَرْقُ الثَّانِي لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبَةٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ وَكُلُّ مَطْلُوبٍ لَهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا يُؤَدِّي لِقِلَّتِهِ وَلَا يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُؤَدِّي لِقِلَّتِهِ فَلِكَثْرَةِ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ لَوْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ الِائْتِمَامِ لِمَنْ يُخَالِفُ فِي الْمَذْهَبِ وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ الْمَالِكِيُّ إلَّا خَلْفَ الْمَالِكِيِّ وَلَا الشَّافِعِيُّ إلَّا خَلْفَ الشَّافِعِيِّ لَقَلَّتْ الْجَمَاعَاتُ وَلِنُدْرَةِ وُقُوعِ مِثْلِ مَسْأَلَةِ الْأَوَانِي وَالْقُبْلَةِ لَوْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ الِائْتِمَامِ لِمَنْ يُخَالِفُ فِي الِاجْتِهَادِ فِيهَا لَمْ يُخِلُّ ذَلِكَ بِالْجَمَاعَاتِ كَبِيرَ خَلَلٍ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَهَذَا فَرْقٌ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِالْفَرْقِ أَيْ لِأَنَّ الْفَرْقَ إنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَا مِنْ غَيْرِهِمَا فَافْهَمْ. (وَالْفَرْقُ الثَّالِثُ لِلْأَصْلِ) بِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ لِتَعَيُّنِ الْمَنَاطِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَوَانِي وَنَحْوِهَا دُونَ مُخَالَفَتِهِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمَنَاطِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَسْمَلَةِ وَنَحْوِهَا اقْتَضَى أَنْ لَا يَجُوزَ التَّقْلِيدُ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مَتَى خَالَفَ إجْمَاعًا أَوْ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا أَوْ الْقَوَاعِدَ نَقَضْنَاهُ وَلَا نُقِرُّهُ شَرْعًا وَإِنْ تَأَكَّدَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَأَوْلَى أَنْ لَا نُقِرَّهُ شَرْعًا إذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ كَمَا هُنَا فَكُلُّ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ لَا نُقِرُّهُ شَرْعًا وَمَا لَيْسَ بِشَرْعٍ فَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ وَيُوَضِّحُ لَك هَذَا الْفَرْقَ الْأَخِيرَ مَسْأَلَتَانِ [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْكَعْبَةِ إذَا اخْتَلَفُوا] (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) اللَّذَانِ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمَا فِي الْكَعْبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَحَدَهُمَا يَعْتَقِدُ أَنَّ الْآخَرَ قَدْ خَالَفَ الْكَعْبَةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا الْمَقْطُوعِ بِاعْتِبَارِهَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ لِأَنَّ تَارِكَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَقْطُوعِ بِاعْتِبَارِهِ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَالْمُخْتَلِفَانِ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يَعْتَقِدُ فِي صَاحِبِهِ أَنَّهُ خَالَفَ ظَاهِرًا مِنْ نَصٍّ أَوْ مَنْطُوقٍ بِهِ أَوْ مَفْهُومٍ لَفْظٌ لَا مُجْمَعًا عَلَى اعْتِبَارِهِ وَلَا وَاصِلًا إلَى حَدِّ الْقَطْعِ بَلْ هُوَ فِي مَحَلِّ اجْتِهَادٍ يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ صَاحِبِهِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْمُجْتَهِدُونَ فِي الْأَوَانِي الَّتِي اخْتَلَطَ طَاهِرُهَا بِنَجَسِهَا] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) اللَّذَانِ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمَا فِي الْأَوَانِي أَوْ فِي الثِّيَاب الَّتِي اخْتَلَطَ طَاهِرُهَا بِنَجَسِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَفِي حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ فِي اجْتِهَادِهِ بِالْإِجْمَاعِ هُوَ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ لَا مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ غَيْرِهِ يَعْتَقِدُ هُوَ وَمَنْ قَلَّدَهُ أَنَّ غَيْرَهُ لَابِسٌ فِي صَلَاتِهِ مَا هُوَ مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَخَالَفَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَمَقْطُوعًا بِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا لِمَنْ قَلَّدَهُ الِاقْتِدَاءُ بِذَلِكَ الْغَيْرِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمَنْ لَمْ يَتَدَلَّكْ فِي غُسْلِهِ أَوْ لَمْ يُبَسْمِلْ فِي صَلَاتِهِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إنَاءٌ وَقَعَ فِيهِ رَوْثُ عُصْفُورٍ وَتَوَضَّأَ بِهِ مَالِكِيٌّ وَصَلَّى] أَوْ تَوَضَّأَ بِإِنَاءٍ وَقَعَ فِيهِ رَوْثُ عُصْفُورٍ أَوْ صَلَّى بِثَوْبٍ فِيهِ رَوْثُ عُصْفُورٍ مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ مُقَلِّدًا فِي ذَلِكَ الْمُجْتَهِدَ مِنْ حَيْثُ

стр. 340

وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا وَهِيَ شَرْطٌ فِي الْجَعَالَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْقِرَاضِ فَلَا يَجُوزُ إلَى يَوْمٍ مَعْلُومٍ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ قَدْ لَا يَحْصُلُ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ فَاقْتَضَتْ مَصْلَحَةُ هَذِهِ الْعُقُودِ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَجْهُولًا وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّدَ لِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْإِجَارَاتِ يَوْمًا مَعْلُومًا لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْغَرَرَ وَتَفُوتُ الْمَصْلَحَةُ بَلْ الْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي بَقَاءَ الْأَجَلِ مَجْهُولًا. الْمِثَالُ الرَّابِعُ الْأُنُوثَةُ اقْتَضَى ضَعْفُهَا التَّأَخُّرَ عَنْ الْوِلَايَاتِ وَاقْتَضَى ضَعْفُهَا وِلَايَةَ الْحَضَانَةِ وَالتَّقْدِمَةَ فِيهَا عَلَى الذُّكُورِ فَقَدْ اقْتَضَتْ الضِّدَّيْنِ كَمَا اقْتَضَتْهُ الْجَهَالَةُ الْمِثَالُ الْخَامِسُ قَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اقْتَضَى تَعْظِيمُهَا بَذْلَ الْمَالِ لِلْأَقَارِبِ وَالْمُبَادَرَةَ إلَى سَدِّ الْخَلَّاتِ فِي حَقِّهِمْ وَاقْتَضَى مَنْعُ الْمَالِ مِنْهُمْ فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْبَذْلُ وَالْمَنْعُ وَهُمَا ضِدَّانِ وَإِنَّمَا قَلَّتْ هَذِهِ النَّظَائِرُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُنَاسِبِ أَنْ يُنَافِيَ ضِدَّ مَا يُنَاسِبُهُ. (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرُّخْصَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ) وَذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ رُخْصَةٌ بِسَبَبِ أَنَّ السَّبَبَ فِي تَنْجِيسِ الطَّاهِرِ مُلَاقَاتُهُ لِلنَّجَسِ إجْمَاعًا فَإِذَا صَبَبْنَا الْمَاءَ عَلَى النَّجَاسَةِ لِنُزِيلَهَا مِنْ الْإِبْرِيقِ مَثَلًا فَالْجُزْءُ الْوَاصِلُ إلَى النَّجَاسَةِ الْمُتَّصِلِ بِهَا تَنَجَّسَ لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَاسَةَ كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ فِي الْقَاعِدَةِ وَإِذَا تَنَجَّسَ الْجُزْءُ الْمُلَاقِي لِلنَّجَاسَةِ تَنَجَّسَ ذَلِكَ الْجُزْءُ الَّذِي يَلِيهِ وَتَنَجَّسَ الْجُزْءُ الثَّانِي لِلثَّالِثِ وَالثَّالِثُ لِلرَّابِعِ وَالرَّابِعُ لِلْخَامِسِ وَكَذَلِكَ حَتَّى يَنْجُسَ الْمَاءُ الَّذِي دَاخِلُ الْإِبْرِيقِ بَلْ يَنْجُسُ مَاءُ الْبَحْرِ الْمَالِحِ إذَا وَضَعْنَا النَّجَاسَةَ فِي طَرَفِهِ وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُلَاقَاةُ النَّجَسِ لِلطَّاهِرِ وَحَيْثُ قَضَى الشَّرْعُ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ وَأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَفْسُدْ مُطْلَقًا كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَكَانَ رُخْصَةً مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَهَذَا كَلَامٌ مَتِينٌ قَوِيٌّ لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لِلْجَوَابِ عَنْهُ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْضِ عَلَى الْأَعْيَانِ بِأَنَّهَا نَجِسَةٌ وَلَا مُتَنَجِّسَةٌ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا جَوَاهِرَ وَلَا أَجْسَامًا إجْمَاعًا بَلْ لِأَجْلِ أَعْرَاضٍ خَاصَّةٍ قَامَتْ بِتِلْكَ الْأَجْسَامِ مِنْ لَوْنٍ خَاصٍّ وَكَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ مَعْلُومَةٍ فِي الْعَادَةِ فَإِذَا انْتَفَتْ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةُ وَتِلْكَ الْأَعْرَاضُ انْتَفَى الْحُكْمُ لِانْتِفَاءِ مُوجِبِهِ وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الرُّخَصِ إجْمَاعًا وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَبْطُلُ السُّؤَالُ بِسَبَبِ أَنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْأَعْرَاضَ الْخَاصَّةَ وَالْكَيْفِيَّةَ الْخَاصَّةَ اللَّتَيْنِ قَضَى الشَّرْعُ لِأَجْلِهَا بِالتَّنْجِيسِ لَيْسَا مَوْجُودَيْنِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاءِ الْإِبْرِيقِ وَلَا فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاءِ الْبَحْرِ إذَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ أَوْ اجْتِهَادُ مُقَلِّدِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَلَا مَقْطُوعًا بِهِ بَلْ خَالَفَ ظَاهِرًا مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فَرْقًا لَيْسَ بِفَرْقٍ لِأَنَّ الْفَرْقَ إنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْته لَا فِيمَا ذَكَرَهُ اهـ. قُلْت وَذَلِكَ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ وَعَدَمَ مُخَالَفَتِهِ وَصْفَانِ لِلْمُجْتَهِدِ لَا لِلْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَفْرُوقِ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْقَطْعِ بِالْخَطَأِ وَإِمْكَانِ تَعْيِينِهِ وَعَدَمِ إمْكَانِ الْخَطَأِ وَلَا إمْكَانِ تَعْيِينِهِ فَإِنَّهُمَا وَصْفَانِ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَفْرُوقِ بَيْنَهُمَا فَافْهَمْ (وَصْلٌ) الظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَرْقِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى قَاعِدَةِ الْعَوْفِيِّ الَّتِي فِي قَوْلِ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ فِي مَجْمُوعِهِ وَشَرْحِهِ وَالْعِبْرَةُ فِي شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِمَذْهَبِهِ أَيْ الْإِمَامِ وَفِي شَرْطِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِمَذْهَبِ الْمَأْمُومِ عَلَى مَا قَالَهُ الْعَوْفِيُّ وَارْتَضَوْهُ قَالَ الرَّمَاصِيُّ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَالِكِيٍّ بِشَافِعِيٍّ فِي ظُهْرٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِاتِّحَادِ عَيْنِ الصَّلَاةِ وَالْمَأْمُومُ يَرَاهَا أَدَاءً كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ حِجَازِيٌّ فَشَرْطُ الِاقْتِدَاءِ مَوْجُودٌ عَلَى مَذْهَبِ الْمَأْمُومِ بَلْ كَذَلِكَ لَوْ الْتَفَتْنَا إلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ جَدَلًا فَإِنَّهُمَا قَضَاءٌ عِنْدَهُ وَلَا مُوجِبَ لِلتَّلْفِيقِ اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ عَقِبَ مَا ذَكَرَ بَقِيَ أَنَّ قَاعِدَةَ الْعَوْفِيِّ هَلْ تَجْرِي فِي الْأَرْكَانِ حَتَّى يَصِحَّ خَلْفَ حَنَفِيٍّ لَا يَرْفَعُ مِنْ الرُّكُوعِ وَبِهِ صَرَّحَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ الْخَرَشِيِّ أَوْ تَقْتَصِرُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ الشَّرْطِ كَمَسْحِ رَأْسٍ وَنَقْضِ وُضُوءٍ لِأَنَّ الرُّكْنَ أَعْظَمُ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ عَلِمْت أَنَّ رَجُلًا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لَمْ أُصَلِّ خَلْفَهُ نَقَلَهُ الْحَطَّابُ يُحَرَّرُ اهـ بِتَوْضِيحٍ مَا وَبِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي جَزَمَ الْعَلَّامَةُ الدُّسُوقِيُّ حَيْثُ قَالَ. وَأَمَّا مَا كَانَ رُكْنًا دَاخِلًا فِي مَاهِيَّتِهَا فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْمَأْمُومِ مِثْلُ شَرْطِ الِاقْتِدَاءِ فَلَوْ اقْتَدَى مَالِكِيٌّ بِحَنَفِيٍّ لَا يَرَى رُكْنِيَّةَ السَّلَامِ وَلَا الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنْ أَتَى بِهِمَا صَحَّتْ صَلَاةُ مَأْمُومِهِ الْمَالِكِيِّ وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ الْحَنَفِيُّ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِأَجْنَبِيٍّ كَانَتْ صَلَاةُ مَأْمُومِهِ الْمَالِكِيِّ بَاطِلَةً وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمَأْمُومُ الْمَذْكُورُ كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ اهـ. وَلَيْسَ مَبْنِيًّا أَيْضًا عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا قَوْلُ صَاحِبِ الطِّرَازِ أَنَّ الْإِمَامَ الْمُخَالِفَ فِي الْفُرُوعِ الظَّنِّيَّةِ مَتَى تَحَقَّقَ فِعْلُهُ لِلشَّرَائِطِ جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ فَالشَّافِعِيُّ مَسْحُ جَمِيعِ رَأْسِهِ سُنَّةٌ فَلَا يَضُرُّ اعْتِقَادُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَّ فِي الْفَرِيضَةِ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ أَوْ مَسَحَ رِجْلَيْهِ نَقَلَهُ الْخَطَّابُ عَنْ الذَّخِيرَةِ وَفِي الْمَوَّاقِ

стр. 341

وَضَعْنَا النَّجَاسَةَ فِي طَرَفِهِ بَلْ الْأَجْزَاءُ بَعِيدَةٌ مِنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَطْعًا فَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ بِتَطْهِيرِ الْأَجْزَاءِ الْبَعِيدَةِ رُخْصَةً بَلْ قَضَاءً بِالْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الرُّخَصِ وَكَذَلِكَ إذَا تَوَالَى الصَّبُّ وَالْغُسْلُ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ فَقُطِعَ بِعَدَمِ تِلْكَ الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِكَوْنِ الْعَيْنِ نَجِسَةً أَوْ مُتَنَجِّسَةً فَوَجَبَ أَنْ يَزُولَ حُكْمُ التَّنْجِيسِ لِزَوَالِ سَبَبِهِ كَمَا يَزُولُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ لِعَدَمِ النِّصَابِ وَيَزُولُ وُجُوبُ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ لِزَوَالِ رَمَضَانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْهَا رُخْصَةً فَكَذَلِكَ هَا هُنَا فَظَهَرَ أَنَّ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ الرُّخَصِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْعَزَائِمِ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ لَا عَلَى خِلَافِهَا (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ إزَالَةِ الْوُضُوءِ لِلْجَنَابَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوْمِ خَاصَّةً وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إزَالَةِ الْحَدَثِ عَنْ الرَّجُلِ خَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُفِّ) اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَذَاهِبِ فَتَاوَى مُشْكِلَةٌ فِي الْأَحْدَاثِ وَأَحْكَامِهَا وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي الْجُنُبِ يُرِيدُ النَّوْمَ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ لِلنَّوْمِ خَاصَّةً لَا لِلصَّلَاةِ وَلَا لِغَيْرِهَا فَقَالَ الْفُقَهَاءُ هَذَا وُضُوءٌ يَرْفَعُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوْمِ خَاصَّةً فَهَذَا حَدَثٌ قَدْ ارْتَفَعَ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْءٍ خَاصٍّ وَهَذَا وُضُوءٌ لَا يُزِيلُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ رَافِعًا لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَإِنَّمَا يُزِيلُهُ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ وَهُوَ الْجَنَابَةُ فَقَطْ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُقَرَّرَةٌ فِي الْحَدَثِ فِي الْمَذْهَبِ وَيُلْقُونَ هَذَا الْوُضُوءَ لُغْزًا عَلَى الطَّلَبَةِ فَيَقُولُونَ هَلْ تَعْلَمُونَ وُضُوءًا لَا يُزِيلُهُ الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ فَيَشْكُلُ ذَلِكَ عَلَى الْمَسْئُولِ وَيُرِيدُونَ هَذَا الْوُضُوءَ هَذِهِ قَاعِدَةٌ قَدْ تَقَرَّرَتْ ثُمَّ قَالُوا إذَا غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْخُفِّ قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفِّ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ هَلْ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ أَوْ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بَعْدَ غُسْلِ الْجَمِيعِ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَى هَذَا الْخُفِّ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ بَعْدَ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ مَحَلِّهِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ فَقِيلَ لَهُمْ إنَّ الْحَدَثَ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لَهُ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَنَحْوِهِ فَيُقَالُ أَحْدَثَ إذَا وُجِدَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ يَقُولُ الْفُقَهَاءُ النَّوْمُ هَلْ هُوَ حَدَثٌ أَوْ سَبَبٌ لِلْحَدَثِ قَوْلَانِ وَلِلْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ حَدَثٌ قَوْلًا وَاحِدًا وَثَانِيهِمَا الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ يُسَمَّى حَدَثًا وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَرْجِعُ إلَى التَّحْرِيمِ الْخَاصِّ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِهَا فَهَذَا الْمَنْعُ يُسَمَّى حَدَثًا أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِيهِ إنَّ الْمُتَطَهِّرَ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ أَيْ يَنْوِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] قَالَ عِيَاضٌ إنَّ أَبَا الْمَعَالِيَ الْجُوَيْنِيَّ قَدَّمَ عَبْدَ الْحَقِّ الصَّقَلِّيَّ صَلَّى بِهِ وَقَالَ لَهُ الْبَعْضُ يَدْخُلُ فِي الْكُلِّ يَعْرِضُ لَهُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ إذْ كَانَ أَبُو الْمَعَالِي شَافِعِيًّا اهـ. وَهِيَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَذْهَبِ الْمَأْمُومِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يَنْبَغِي مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَرْقِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي حَكَاهَا الشَّيْخُ حِجَازِيٌّ عَلَى الْمَجْمُوعِ بِقِيلِ مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مُطْلَقًا قَالَ الْحَطَّابُ أَجَازَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالسَّبْعِينَ الصَّلَاةَ خَلْفَ الْمُخَالِفِ وَإِنْ رَآهُ يَفْعَلُ مَا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ اهـ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَحَرِّرْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخِلَافُ يَتَقَرَّرُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ يَبْطُلُ الْخِلَافُ فِيهَا] (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخِلَافُ يَتَقَرَّرُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ يَبْطُلُ الْخِلَافُ فِيهَا وَيَتَعَيَّنُ قَوْلُ وَاحِدٍ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَهُوَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ) بِمَعْنَى أَنَّ الْمُفْتِي الْمُخَالِفَ إذَا اسْتَفْتَى فِي عَيْنِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَ الْحُكْمُ فِيهَا لَا تَسُوغُ لَهُ الْفَتْوَى فِيهَا بِعَيْنِهَا لِأَنَّهُ قَدْ نَفَذَ فِيهَا الْحُكْمُ بِقَوْلِهِ قَائِلٍ وَمَضَى الْعَمَلُ بِهَا أَمَّا إذَا اسْتَفْتَى فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْحُكْمُ فِيهَا فَإِنَّهُ يُفْتِي بِمَذْهَبِهِ عَلَى أَصْلِهِ فَالْخِلَافُ إنَّمَا يَبْطُلُ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْمُعَيَّنَةِ خَاصَّةً مَثَلًا وَقْفُ الْمُشَاعِ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ ثُمَّ رُفِعَتْ الْوَاقِعَةُ عَيْنَهَا لِمَنْ لَا يَرَى صِحَّتَهُ وَكَانَ يُفْتِي بِبُطْلَانِهِ فَهُوَ لَا يَرُدُّهُ وَلَا يَنْقُضُهُ وَنِكَاحُ مَنْ قَالَ لَهَا إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ ثُمَّ رُفِعَتْ مَسْأَلَتُهُ عَيْنُهَا لِمَنْ كَانَ يَرَى لُزُومَ الطَّلَاقِ لَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرُدَّ هَذَا النِّكَاحَ وَلَا يَنْقُضَهُ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلِذَلِكَ وَقَعَ لَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا يُرَدُّ وَلَا يُنْقَضُ وَأَفْتَى مَالِكٌ فِي السَّاعِي الشَّافِعِيِّ إذَا أَخَذَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ شَاةً لِرَجُلَيْنِ خَلِيطَيْنِ فِي الْغَنَمِ شَاةً بِأَنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِهَا بَيْنَهُمَا وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبْطَلَ مَا كَانَ يُفْتِي بِهِ وَيَعْتَقِدُهُ مِنْ أَنَّ الشَّاةَ تَكُونُ مَظْلِمَةً مِمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِخِلَافِهِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لِحُكْمِهِ بِرَدٍّ وَلَا نَقْضٍ وَوَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَإِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ إذَا حَكَمَ الْإِمَامُ فِيهَا لَا تُصَلَّى إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ وِفَاقًا قَالَ الْمَحَلِّيُّ لَا مِنْ الْحَاكِمِ بِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ اخْتَلَفَ الِاجْتِهَادُ اهـ. لَكِنْ قَالَ الْأَصْلُ وَوَقَعَ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا رُفِعَ لِمَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ لَا يُنَفِّذُهُ أَيْ لَا يُقِرُّهُ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الْحَاكِمِ بَلْ يُمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ فِيهِ عَلَى خِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يُقِرُّهُ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الْحَاكِمِ. وَلَا

стр. 342

بِفِعْلِهِ ارْتِفَاعَ ذَلِكَ الْمَنْعِ وَالْمَنْعُ قَابِلٌ لِلرَّفْعِ كَمَا يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُ الْأَجْنَبِيَّةِ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا وَتَحْرِيمُ الْمُطَلَّقَةِ بِالرَّجْعَةِ وَتَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ بِالِاضْطِرَارِ. وَأَمَّا رَفْعُ تِلْكَ الْفَضَلَاتِ الْخَارِجَةِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ بِالْوُضُوءِ فَمُتَعَذَّرٌ بِالضَّرُورَةِ وَلَمَّا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ بِالطَّهَارَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمَنْعُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَتَحَرَّرَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْحَدَثَ لَهُ مَعْنَيَانِ الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ وَالْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُمْ إنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ مُشْكِلٌ بِسَبَبِ أَنَّ هَذَا الْمَنْعَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِ لَا بِالْعُضْوِ فَالْمُكَلَّفُ هُوَ الْمَمْنُوعُ مِنْ الصَّلَاةِ لَا إنَّ الْعُضْوَ هُوَ الْمَمْنُوعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْمَنْعُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ بَاقٍ وَلَوْ غَسَلَ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ إلَّا لُمْعَةً وَاحِدَةً فَقَوْلُهُمْ الْحَدَثُ يَرْتَفِعُ عَنْ الْعُضْوِ بِانْفِرَادِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَإِنَّمَا يُعْقَلُ أَنْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْعُضْوُ مَمْنُوعًا فِي نَفْسِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِذْنٌ لَهُ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ فَحِينَئِذٍ نَقُولُ إنَّ الْحَدَثَ ارْتَفَعَ عَنْهُ وَحْدَهُ لَكِنَّ الْمَمْنُوعَ هُوَ الْمُكَلَّفُ وَالْمَنْعُ بَاقٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِانْفِرَادِهِ غَيْرِ مَعْقُولٍ وَتَخْرِيجُ مَسْأَلَةِ الْخُفِّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَا يَصِحُّ فَإِنْ قُلْت لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غُسْلُ الرِّجْلِ يَرْتَفِعُ الْمَنْعُ بِهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ بِاعْتِبَارِ لُبْسِ الْخُفِّ خَاصَّةً وَيَبْقَى الْمُكَلَّفُ مَمْنُوعًا مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْوُضُوءِ يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ خَاصَّةً وَيَبْقَى الْمُكَلَّفُ مَمْنُوعًا مِنْ الصَّلَاةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مِثْلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ سَوَاءً وَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ قُلْتُ هَذَا الْجَوَابُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ الْحَدَثُ يَرْتَفِعُ عَنْ عُضْوٍ وَحْدَهُ لَمْ يُخَصِّصُوا بِهِ الرِّجْلَ بَلْ عَمَّمُوهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَاتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْوَجْهِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِاعْتِبَارِ خُفٍّ وَلَا غَيْرِهِ. وَكَذَا الْيَدَانِ وَالرَّأْسُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِاعْتِبَارِ شَيْءٍ وَلَا الْمُكَلَّفُ تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ بِهِ وَحْدَهُ فَصَارَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ غَيْرَ مَعْقُولَةٍ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ خَاصَّةً لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ وَفِي رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَعَبُّدِيَّةٌ وَقَدْ عُلِّلَ الْوُضُوءُ هُنَاكَ بِأُمُورٍ كُلِّهَا بَاطِلَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ وَمَعَ التَّعَبُّدِ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ وَلَوْ صَحَّتْ تِلْكَ الْمَعَانِي فَلَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ فَإِنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَحْدَهُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْوُضُوءِ حَتَّى يَصِحَّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ فَظَهَرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِرَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِانْفِرَادِهِ قَوْلٌ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ عَقِيبَهُ لَكِنَّ الْمَنْعَ بَاقٍ إجْمَاعًا فَالْحَدَثُ بَاقٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ قَوْلَنَا إنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ وَإِنَّ الْقَوْلَ بِثُبُوتِ الْحَدَثِ فِي الْأَعْضَاءِ وَفِي كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ أَيْضًا قَوْلٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْحَدَثَ هُوَ الْمَنْعُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَنْقُضُهُ بَلْ يُزْجَرُ عَنْ الْخُصُومَةِ فِيهِ نَظَرًا لِوَجْهَيْنِ هُمَا سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اسْتَقَرَّتْ لِلْحُكَّامِ قَاعِدَةٌ وَلَبَقِيَتْ الْخُصُومَاتُ عَلَى حَالِهَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَذَلِكَ يُوجِبُ دَوَامَ التَّشَاجُرِ وَالتَّنَازُعِ وَانْتِشَارِ الْفَسَادِ وَدَوَامِ الْعِنَادِ وَهُوَ مُنَافٍ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا نُصِبَ الْحُكَّامُ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ اقْتَصَرَ الْمَحَلِّيُّ حَيْثُ قَالَ إذْ لَوْ جَازَ نَقْضُهُ لَجَازَ نَقْضُ النَّقْضِ وَهَلُمَّ فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ مِنْ فَصْلِ الْحُكُومَاتِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُنْشِئَ الْحُكْمَ فِي مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِي الدَّلِيلُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ إمَامِهِ الَّذِي قَلَّدَهُ فَهُوَ مُنْشِئٌ لِحُكْمِ الْإِلْزَامِ فِيمَا يَلْزَمُ وَالْإِبَاحَةِ فِيمَا يُبَاحُ كَالْقَضَاءِ بِأَنَّ الْمَوَاتَ الَّذِي ذَهَبَ إحْيَاؤُهُ صَارَ مُبَاحًا مُطْلَقًا كَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِنْشَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُنَفِّذٌ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ بَلْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَهُ أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ فَهُوَ إمَّا نَفْسُ حُكْمِهِ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِمَّا أَنَّهُ كَالنَّصِّ الْوَارِدِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خُصُوصِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ مِنْ جِهَةِ مَنْعِهِ تَعَالَى مِنْ نَقْضِ أَحْكَامِ الْمُجْتَهِدِينَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفْسَدَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّصْوِيبِ فَيَئُولُ الْحَالُ فِيهَا إلَى مَا يُشْبِهُ تَعَارُضَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ بِوَجْهٍ مَا فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مَثَلًا دَلَّ الدَّلِيلُ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ قَبْلَ مِلْكِ الْعِصْمَةِ يَلْزَمُ وَهَذَا الدَّلِيلُ يَشْمَلُ صُوَرًا لَا نِهَايَةَ لَهَا فَإِذَا رُفِعَتْ صُورَةٌ مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ إلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَاسْتِمْرَارِ الْعِصْمَةِ وَإِبْطَالِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى ذَلِكَ النِّكَاحِ كَانَ حُكْمُ الشَّافِعِيِّ كَالنَّصِّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْوَارِدِ مِنْ خُصُوصِ تِلْكَ الصُّورَةِ مِنْ الْجِهَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَكُونُ الْحَالُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى التَّعْلِيقُ قَبْلَ الْمِلْكِ لَازِمٌ وَقَالَ التَّعْلِيقُ قَبْلَ الْمِلْكِ فِي حَقِّ هَذِهِ الْمَرْأَةِ غَيْرُ لَازِمٍ وَالْعِصْمَةُ فِيهَا تَسْتَمِرُّ فَقُلْنَا هَذَانِ نَصَّانِ خَاصٌّ وَعَامٌّ فَنُقَدِّمُ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ فَكَمَا أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ فِيمَا لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ لَا تَقْتُلُوا الرُّهْبَانَ إنَّا نَقْتُلُ الْمُشْرِكِينَ وَنَتْرُكُ الرُّهْبَانَ جَمْعًا بَيْنَ نَصَّيْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ كَذَلِكَ يَقُولُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَا أَعْمَلُ هَذَا الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَتَبْقَى بَقِيَّةُ الصُّورَةِ عِنْدِي يَصِحُّ فِيهَا التَّعْلِيقُ قَبْلَ النِّكَاحِ جَمْعًا بَيْنَ مَا هُوَ كَنَصَّيْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَلِيُّ الْمُفْتِي كَالْحَاكِمِ فِيمَا ذُكِرَ بَلْ هُوَ نَاقِلٌ وَمُخْبِرٌ وَمُعَرِّفٌ بِالْحُكْمِ اُنْظُرْ كِتَابَ الْإِحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ لِلْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ) الشَّرْطُ فِي كَوْنِ حُكْمِ الِاجْتِهَادِيَّاتِ لَا يَنْقُضُ أَنْ

стр. 343

الشَّرْعِيُّ عَنْ مُلَابَسَةِ الصَّلَاةِ وَالْعُضْوُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنْ الصَّلَاةِ إنَّمَا الْمَمْنُوعُ هُوَ الْمُكَلَّفُ فَلَا مَعْنَى لِثُبُوتِ الْمَنْعِ عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ وَهَذَا يُؤَكِّدُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْعُضْوِ وَحْدَهُ لِأَنَّ الِارْتِفَاعَ عَنْهُ فَرْعُ الثُّبُوتِ فِيهِ فَمَا لَا مَنْعَ فِيهِ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ رَفْعُ الْمَنْعِ مِنْهُ وَهَذَا ضَرُورِيٌّ وَهُوَ يُوَضِّحُ عِنْدَك بُطْلَانَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ بِرَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ الْعُضْوِ وَحْدَهُ وَأَنَّهَا مَقَالَةٌ بَاطِلَةٌ وَيَتَّضِحُ لَك أَيْضًا أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا رَفَعَ الْجَنَابَةَ هُنَالِكَ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ عَلَى الْمُكَلَّفِ لَا عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الْبَحْثِ أَيْضًا بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ إنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَهُوَ عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِسَبَبِ أَنَّ الْحَدَثَ هُوَ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ مِنْ الصَّلَاةِ وَهَذَا الْحَدَثُ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُكَلَّفِ وَهُوَ بِالتَّيَمُّمِ قَدْ أُبِيحَتْ لَهُ الصَّلَاةُ إجْمَاعًا وَارْتَفَعَ الْمَنْعُ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ لَا مَنْعَ مَعَ الْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُمَا ضِدَّانِ وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَإِذَا كَانَتْ الْإِبَاحَةُ ثَابِتَةً قَطْعًا وَالْمَنْعُ مُرْتَفِعٌ قَطْعًا كَانَ التَّيَمُّمُ رَافِعًا لِلْحَدَثِ قَطْعًا فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بَاطِلٌ قَطْعًا. فَإِنْ قُلْت يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ النَّصُّ وَالْمَعْقُولُ أَمَّا النَّصُّ «فَقَوْلُهُ ﵇ لِحَسَّانَ لَمَّا تَيَمَّمَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ أَصَلَّيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ» فَسَمَّاهُ جُنُبًا مَعَ التَّيَمُّمِ وَلَا نَعْنِي بِعَدَمِ رَفْعِ الْحَدَثِ إلَّا الْجَنَابَةَ وَنَحْوَهَا، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ إذَا وُجِدَ الْمَاءُ فَلَوْ كَانَ الْحَدَثُ ارْتَفَعَ لَكَانَتْ الْجَنَابَةُ ارْتَفَعَتْ بِالتَّيَمُّمِ وَلَمَّا احْتَاجَ لِلْغُسْلِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي بَقَاءِ الْحَدَثِ وَصِحَّةِ الْقَوْلِ بِهِ ثُمَّ هَذِهِ الْمَقَالَةُ قَالَ بِهَا أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ قَلِيلُونَ جِدًّا وَالْحَقُّ لَا يَفُوتُ الْجُمْهُورَ غَالِبًا قُلْتُ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهَامِ لِلِاسْتِطْلَاعِ عَلَى مَا عِنْدَ الْمَسْئُولِ مِنْ الْفِقْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَبِمَاذَا يُجِيبُ فَيَظْهَرُ فِقْهُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا سَأَلَ مُعَاذًا لَمَّا بَعَثَهُ ﵇ إلَى الْيَمَنِ «بِمَ تَحْكُمُ فَقَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ لَا أَنَّهُ ﵇ أَصْدَرَ هَذَا الْكَلَامَ مَصْدَرَ الْخَبَرِ الْجَازِمِ حَتَّى يَلْزَمَ الْحُجَّةُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ لَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ وَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ نُكْتَةٌ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ فَمَتَى عَارَضَهَا نَصٌّ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ هَذَا هُوَ قَاعِدَةُ تَعَارُضِ الْقَطْعِيَّاتِ مَعَ الْأَلْفَاظِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ وُجُوبَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عِنْدَ وُجُودِهِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَلَنَا مَنْعُهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّا نَقُولُ التَّيَمُّمُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ ارْتِفَاعًا مُغَيًّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إمَّا طَرَيَان الْحَدَثِ بِأَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَوْ يُبَاشِرَ حَدَثًا مِنْ الْأَحْدَاثِ أَوْ يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ وَتَوَابِعِهَا مِنْ النَّوَافِلِ فَيَصِيرُ مُحْدِثًا حِينَئِذٍ مَمْنُوعًا مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ يَجِدَ الْمَاءَ فَيَصِيرَ مُحْدِثًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا إلَى آخِرِ غَايَاتٍ كَثِيرَةٍ أَوْ قَلِيلَةٍ فَهُوَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَكُونَ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا عَلِمْت وَإِلَّا نُقِضَ قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْحِهِ لِلْمَحَلِّيِّ. (فَإِنْ خَالَفَ) الْحُكْمُ (نَصًّا أَوْ ظَاهِرًا جَلِيًّا وَلَوْ قِيَاسًا) وَهُوَ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ نُقِضَ لِمُخَالَفَتِهِ لِلدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النَّقْضِ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ وَعَزَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى إلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ أَرَادُوا بِهِ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ مِمَّا نَقْطَعُ بِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ قِيَاسًا مَظْنُونًا مَعَ كَوْنِهِ جَلِيًّا فَلَا وَجْهَ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ ظَنٍّ وَظَنٍّ اهـ. (أَوْ حَكَمَ) حَاكِمٌ (بِخِلَافِ اجْتِهَادِهِ) قَلَّدَ غَيْرَهُ فِيهِ أَوْ لَا نُقِضَ حُكْمُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِاجْتِهَادِهِ وَامْتِنَاعِ تَقْلِيدِهِ فِيمَا اجْتَهَدَ فِيهِ (أَوْ حَكَمَ) حَاكِمٌ (بِخِلَافِ نَصِّ إمَامِهِ غَيْرِ مُقَلِّدٍ غَيْرَهُ) مِنْ الْأَئِمَّةِ (حَيْثُ يَجُوزُ) لِمُقَلِّدِ إمَامٍ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ بِأَنْ لَمْ يُقَلِّدْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا لِاسْتِقْلَالِهِ فِيهِ بِرَأْيِهِ أَوْ قَلَّدَ فِيهِ غَيْرَ إمَامِهِ حَيْثُ يُمْتَنَعُ تَقْلِيدُهُ (نُقِضَ) حُكْمُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ إمَامِهِ الَّذِي هُوَ فِي حَقِّهِ لِالْتِزَامِهِ تَقْلِيدَهُ كَالدَّلِيلِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ أَمَّا إذَا قَلَّدَ فِي حُكْمِهِ غَيْرَ إمَامِهِ حَيْثُ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ لِأَنَّهُ لِعَدَالَتِهِ إنَّمَا حَكَمَ بِهِ لِرُجْحَانِهِ عِنْدَهُ اهـ. بِزِيَادَةٍ مِنْ حَاشِيَةِ الْعَطَّارِ قَالَ الْعَطَّارُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي التَّمْهِيدِ نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ إذَا تَوَلَّى مُقَلِّدٌ لِلضَّرُورَةِ فَحَكَمَ بِمَذْهَبِ غَيْرِ مُقَلِّدِهِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ بَلْ عَلَيْهِ إتْبَاعُ مُقَلِّدِهِ نُقِضَ حُكْمُهُ وَإِنْ قُلْنَا لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ لَمْ يُنْقَضْ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّ الدَّامَغَانِيَّ قَاضِيَ بَغْدَادَ الْحَنَفِيَّ فِي أَيَّامِ الْمُعْتَضِدِ وَلَّى ابْنُ سُرَيْجٍ الْقَضَاءَ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْتَزَمَ ذَلِكَ اهـ وَالْمُرَادُ بِالنَّصِّ مَا يُقَابِلُ الظَّاهِرَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِجْمَاعُ الْقَطْعِيُّ وَفِي الظَّاهِرِ الظَّنِّيِّ وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي النَّصِّ الْمَوْجُودِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ فَإِنْ حَدَثَ بَعْدَهُ وَهُوَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي عَصْرِهِ ﷺ لَمْ يُنْقَضْ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُقَاسُ بِالنَّصِّ الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ اهـ زَكَرِيَّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُفْتِيَ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ كَمَا فِي تَحْرِيرِ الْكَمَالِ هُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ الْفَقِيهُ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ مَوْضُوعٌ لِمَنْ قَامَ لِلنَّاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ وَعَلِمَ جُمَلَ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَكَذَلِكَ فِي السُّنَنِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَلَمْ يُوضَعْ لِمَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ هُوَ مَنْ اُسْتُكْمِلَ فِيهِ ثَلَاثَةُ شَرَائِطَ الِاجْتِهَادُ وَالْعَدَالَةُ وَالْكَفُّ عَنْ التَّرْخِيصِ وَالتَّسَاهُلِ وَلِلْمُتَسَاهِلِ حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي طَلَبِ الْأَدِلَّةِ وَطُرُقِ الْأَحْكَامِ وَيَأْخُذَ بِبَادِئِ النَّظَرِ وَأَوَائِلِ الْفِكْرِ

стр. 344

مَعْقُولٌ وَأَمَّا ثُبُوتُ الْمَنْعِ مَعَ الْإِبَاحَةِ وَاجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ فَغَيْرُ مَعْقُولٍ وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُسْتَحِيلُ وَالْمُمْكِنُ وَجَبَ الْعُدُولُ إلَى الْقَوْلِ بِمَا هُوَ مُمْكِنٌ. وَقَدْ رَفَعَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْحَدَثَ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ طَرَيَان الْحَدَثِ فَجَازَ أَنْ يَرْفَعَ التَّيَمُّمُ الْحَدَثَ إلَى غَايَاتٍ وَكَذَلِكَ نَقُولُ الْأَجْنَبِيَّةُ مَمْنُوعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَالْعَقْدُ عَلَيْهَا رَافِعٌ لِهَذَا الْمَنْعِ ارْتِفَاعًا مُغَيًّا بِغَايَاتٍ أَحَدُهَا الطَّلَاقُ وَثَانِيهَا الْحَيْضُ وَثَالِثُهَا الصَّوْمُ وَرَابِعُهَا الْإِحْرَامُ وَخَامِسُهَا الظِّهَارُ فَقَدْ وَجَدْنَا الْمَنْعَ يَرْتَفِعُ ارْتِفَاعًا مُغَيًّا بِغَايَاتٍ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مُغَيًّا بِأَحَدِ ثَلَاثِ غَايَاتٍ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْقُولٌ وَوَاقِعٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مُسْتَحِيلٌ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ كَوْنَ الْجُمْهُورِ عَلَى شَيْءٍ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِصِحَّتِهِ بَلْ الْقَطْعُ إنَّمَا يَحْصُلُ فِي الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ مَجْمُوعَ الْأُمَّةِ مَعْصُومٌ أَمَّا جُمْهُورُهُمْ فَلَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ وَالظَّاهِرُ إذَا عَارَضَهُ الْقَطْعُ قَطَعْنَا بِبُطْلَانِ ذَلِكَ الظُّهُورِ وَهَا هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الضِّدَّيْنِ مُسْتَحِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَيَنْدَفِعُ بِهِ الظُّهُورُ وَالنَّاشِئُ عَنْ قَوْلِ الْجُمْهُورِ فَظَهَرَ لَك بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ بُطْلَانُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْوُضُوءِ لِلْجَنَابَةِ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ وَقَاعِدَةِ رَفْعِ غُسْلِ الرِّجْلِ لِلْحَدَثِ بِاعْتِبَارِ لُبْسِ الْخُفِّ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ أَوْ يُكْرَهُ عَلَى الْخِلَافِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ هُوَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ أَوْ تَغَيَّرَ بِمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ لَهُ كَالْجَارِي عَلَى الْكِبْرِيتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُلَازِمُ الْمَاءَ فِي مَقَرِّهِ وَكَانَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ لَا يُسَمَّى مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ تَقَيَّدَ بِإِضَافَةِ عَيْنٍ أُخْرَى إلَيْهِ لَكِنَّهُ اُسْتُثْنِيَ لِلضَّرُورَةِ فَجُعِلَ مُطْلَقًا تَوْسِعَةً عَلَى الْمُكَلَّفِ وَاخْتِيرَ هَذَا اللَّفْظُ لِهَذَا الْمَاءِ وَهُوَ قَوْلُنَا مُطْلَقٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ يُفْرَدُ فِيهِ إذَا عَبَّرَ عَنْهُ فَيُقَالُ مَاءٌ وَشَرِبْت مَاءً. وَهَذَا مَاءٌ وَخَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ رَحْمَةً لِلْعَالَمَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ فَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُفْرَدُ اللَّفْظُ فِيهِ بَلْ يُقَالُ مَاءُ الْوَرْدِ مَاءُ الرَّيَاحِينِ مَاءُ الْبِطِّيخِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يُذْكَرُ اللَّفْظُ إلَّا مُقَيَّدًا بِإِضَافَةٍ أَوْ مَعْنًى آخَرَ. وَأَمَّا فِي هَذَا الْمَاءِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى لَفْظٍ مُفْرَدٍ مُطْلَقٍ غَيْرِ مُقَيَّدٍ وَإِنْ وَقَعَتْ الْإِضَافَةُ فِيهِ كَقَوْلِنَا مَاءُ الْبَحْرِ وَمَاءُ الْبِئْرِ وَنَحْوُهُمَا فَهِيَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا بِخِلَافِ مَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ الْقَيْدِ وَتِلْكَ الْإِضَافَةِ فَمِنْ هُنَا حَصَلَ الْفَرْقُ مِنْ جِهَةِ التَّعْيِينِ وَاللُّزُومِ وَعَدَمِهِ أَمَّا جَوَازُ الْإِطْلَاقِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَمُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَهَذَا هُوَ ضَابِطُ الْمُطْلَقِ وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فَهُوَ الَّذِي أُدِّيَتْ بِهِ طَهَارَةٌ وَانْفَصَلَ مِنْ الْأَعْضَاءِ لِأَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ فِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَهَذَا مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَجُوزُ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي طَلَبِ الرُّخَصِ وَتَأَوُّلِ السُّنَّةِ فَهَذَا مُتَجَوِّزٌ فِي دِينِهِ وَهُوَ آثِمٌ مِنْ الْأَوَّلِ اهـ. لَكِنْ قَالَ مَنْ وَصَفَهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي تَوْشِيحِ التَّرْشِيحِ بِالْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ تَوْقِيفُ الْفُتْيَا عَلَى حُصُولِ الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ وَاسْتِرْسَالِ الْخَلْقِ فِي أَهْوَائِهِمْ فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا كَانَ عَدْلًا مُتَمَكِّنًا مِنْ فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ ثُمَّ حَكَى لِلْمُقَلَّدِ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفُتْيَا هَذَا مَعَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّ نِسَاءَ الصَّحَابَةِ كُنَّ يَرْجِعْنَ فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ إلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ أَزْوَاجُهُنَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَلِيٌّ ﵁ حِينَ أَرْسَلَ الْمِقْدَادَ فِي قِصَّةِ الْمَذْيِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَظْهَرُ فَإِنَّ مُرَاجَعَةَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ ذَاكَ مُمْكِنَةٌ وَمُرَاجَعَةُ الْمُقَلِّدِ الْآنَ لِلْأَئِمَّةِ السَّابِقِينَ مُتَعَذِّرَةٌ وَقَدْ أَطْبَقَ النَّاسُ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِ الْقُضَاةِ مَعَ عَدَمِ شَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ الْيَوْمَ أَيْ لِطُولِ الْمُدَّةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ زَمَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَ ضَعْفِ الْعِلْمِ وَغَلَبَةِ الْجَهْلِ سِيَّمَا وَقَدْ ادَّعَى الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَكَانَ إمَامًا جَلِيلًا مُتَضَلِّعًا مِنْ الْعُلُومِ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ وَمِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ بُلُوغَهُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ فَلَمْ يُسَلِّمُوا لَهُ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْبَعِيدَةِ كَمَا فِي رِسَالَةِ كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الزَّيْغِ لِشَيْخِ شُيُوخِنَا السَّيِّدِ أَحْمَدَ دَخْلَانَ وَفِي الْحَطَّابِ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ اسْتِعَاذَةَ الْفَخْرِ فِي الْمَحْصُولِ وَتَبِعَهُ السَّرَّاجُ فِي تَحْصِيلِهِ وَالتَّاجُ فِي حَاصِلِهِ فِي قَوْلِهِمْ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ مَا نَصُّهُ وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَاحِدٌ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً اهـ. وَإِنْ بَنَى عَلَى بَقَاءِ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِمْ وَالْفَخْرُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ لَكِنَّهُمْ قَالُوا فِي كِتَابِ الِاسْتِفْتَاءِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا عَلَى تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ إذْ لَا مُجْتَهِدَ فِيهِ اهـ وَإِذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ فَكَيْفَ لَا يَنْعَقِدُ بِالْأَوْلَى فِي الْقَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ وَقَدْ قَالَ الْعَطَّارُ وَفِي عَصْرِنَا وَهُوَ الْقَرْنُ الثَّالِثَ عَشَرَ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ بِتَرَاكُمِ عَظَائِمِ الْخُطُوبِ نَسْأَلُ السَّلَامَةَ اهـ. ثُمَّ قَالَ السُّبْكِيُّ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ مَرَاتِبُ إحْدَاهَا أَنْ يَصِلَ إلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ الْمُقَيَّدِ فَيَسْتَقِلُّ بِتَقْرِيرِ مَذْهَبِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ وَنُصُوصِهِ أُصُولًا يَسْتَنْبِطُ مِنْهَا نَحْوُ مَا يَفْعَلُهُ بِنُصُوصِ الشَّارِعِ وَهَذِهِ صِفَةُ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَاَلَّذِي أَظُنُّهُ قِيَامَ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ فُتْيَا هَؤُلَاءِ وَأَنْتَ تَرَى عُلَمَاءَ الْمَذْهَبِ مِمَّنْ وَصَلَ إلَى هَذِهِ الرُّتْبَةِ هَلْ مَنَعَهُمْ أَحَدٌ الْفَتْوَى أَوْ مَنَعُوا هُمْ أَنْفُسَهُمْ عَنْهَا؛ الثَّانِيَةُ

стр. 345

الْأَعْضَاءِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا. فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْ الْعُضْوِ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ صَالِحٌ لِلتَّطْهِيرِ أَمْ لَا وَهَلْ هُوَ نَجَسٌ أَمْ لَا وَهَلْ يَنْجُسُ الثَّوْبُ إذَا لَاقَاهُ أَمْ لَا هَذِهِ أَقْوَالٌ لِلْحَنَفِيَّةِ وَلِغَيْرِهَا وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِخُرُوجِهِ عَنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِلتَّطْهِيرِ هَلْ ذَلِكَ مُعَلَّلٌ بِإِزَالَةِ الْمَانِعِ أَوْ بِأَنَّهُ أُدِّيَتْ بِهِ قُرْبَةٌ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَسَائِلُ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْعِلَّةَ إزَالَةُ الْمَانِعِ لَمْ يَنْدَرِجْ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ الْغُسْلُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي الْوُضُوءِ إذَا نَوَى فِي الْأُولَى الْوُجُوبَ وَلَا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُزِيلُ الْمَانِعَ وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَانِعَ مِنْ الْوَطْءِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كَوْنُهُ أُدِّيَتْ بِهِ قُرْبَةٌ انْدَرَجَ فِيهِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَفِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَلَا يَنْدَرِجُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ تَحْصُلْ بِهِ قُرْبَةٌ عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ وَلِلْقَائِلَيْنِ بِالْمَنْعِ وَخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ صَالِحًا لِلتَّطْهِيرِ مَدَارِكُ أَحْسَنُهَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . مُطْلَقٌ فِي التَّطْهِيرِ لَا عَامٌّ فِيهِ بَلْ عَامٌّ فِي الْمُكَلَّفِينَ فَإِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبِيدِهِ أَخْرَجْت هَذَا الثَّوْبَ لِأُغَطِّيَكُمْ بِهِ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُغَطِّيهِمْ بِهِ مَرَّاتٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ التَّغْطِيَةِ فِي جَمِيعِهِمْ فَإِذَا غَطَّاهُمْ بِهِ مَرَّةً حَصَلَ مُوجِبُ اللَّفْظِ وَكَذَلِكَ هُنَا إذَا تَطَهَّرْنَا بِالْمَاءِ مَرَّةً حَصَلَ مُوجِبُ اللَّفْظِ فَبَقِيَتْ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ فِيهِ غَيْرَ مَنْطُوقٍ بِهَا فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ عَدَمُ الِاعْتِبَارِ فِي التَّطْهِيرِ إذْ الْأَصْلُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي التَّطْهِيرِ وَغَيْرِهِ إلَّا مَا وَرَدَتْ الشَّرِيعَةُ بِهِ وَهَذَا وَجْهٌ قَوِيٌّ حَسَنٌ وَمَدْرَكٌ جَمِيلٌ وَاحْتَجُّوا مَعَ هَذَا الْوَجْهِ بِقَوْلِهِمْ إنَّهُ مَاءٌ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ فَلَا تُؤَدَّى بِهِ عِبَادَةٌ أُخْرَى كَالرَّقَبَةِ فِي الْعِتْقِ وَبِقَوْلِهِمْ إنَّهُ مَاءُ الذُّنُوبِ فَيَكُونُ نَجِسًا. وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ مَاءُ الذُّنُوبِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا تَوَضَّأَ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ بَيْنِ أَنَامِلِهِ وَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ أَطْرَافِ أُذُنَيْهِ» الْحَدِيثَ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَاءَ تَخْرُجُ مَعَهُ الذُّنُوبُ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ إذَا كَانَ مَاءَ الذُّنُوبِ يَكُونُ نَجَسًا لِأَنَّ الذُّنُوبَ مَمْنُوعٌ مِنْ مُلَابَسَتِهَا شَرْعًا وَالنَّجَاسَةُ هِيَ مَنْعٌ شَرْعِيٌّ فَإِذَا حَصَلَ الْمَنْعُ حَصَلَتْ النَّجَاسَةُ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّكُمْ تُجَوِّزُونَ عِتْقَ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ الْوَاجِبَاتِ وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا كَافِرًا ذِمِّيًّا ثُمَّ خَرَجَ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ ثُمَّ غَنِمْنَاهُ عَادَ رَقِيقًا وَجَازَ عِتْقُهُ فِي الْوَاجِبِ مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَكُمْ فَمَا قِسْتُمْ عَلَيْهِ لَا يَتِمُّ عَلَى أُصُولِكُمْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْقِيَاسِ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ عَيْنٌ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ تُؤَدَّى بِهِ عِبَادَةٌ أُخْرَى كَالثَّوْبِ فِي سُتْرَةِ الصَّلَاةِ وَاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ. وَكَذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ لَكِنَّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ حَافِظٌ لِلْمَذْهَبِ قَائِمٌ بِتَقْرِيرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَرْتَضْ فِي التَّخْرِيجِ وَالِاسْتِنْبَاطِ كَارْتِيَاضِ أُولَئِكَ وَقَدْ كَانُوا يُفْتُونَ وَيُخَرِّجُونَ كَأُولَئِكَ اهـ وَفِي جَوَازِ إفْتَاءِ مَنْ فِي هَذِهِ الرُّتْبَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَثَالِثُهَا عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ كَمَا حَكَاهُ شَافِعِيٌّ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ الثَّالِثَةُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْمِقْدَارَ وَلَكِنَّهُ حَافِظٌ لِوَاضِحَاتِ الْمَسَائِلِ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَهُ ضَعْفًا فِي تَقْرِيرِ أَدِلَّتِهَا فَعَلَى هَذَا الْإِمْسَاكُ فِيمَا يَغْمُضُ فَهْمُهُ فِيمَا لَا نَقْلَ عِنْدَهُ فِيهِ وَلَيْسَ هَذَا الَّذِي حَكَيْنَا فِيهِ الْخِلَافَ فَإِنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى الْمَأْخَذِ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ عَوَامَّ اهـ وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ لَهُ الْإِفْتَاءَ فِيمَا لَا يَغْمُضُ فَهْمُهُ قَالَ مُتَأَخِّرٌ شَافِعِيٌّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا رَاجِعًا لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ اهـ. وَثَانِي الْأَقْوَالِ فِيهِ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَثَالِثُهَا الْجَوَازُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِ وَعَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُجْتَهِدِ وَقِيلَ الصَّوَابُ إنْ كَانَ السَّائِلُ يُمْكِنُهُ التَّوَصُّلُ إلَى عَالِمٍ يَهْدِيهِ السَّبِيلَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ اسْتِفْتَاءُ مِثْلِ هَذَا وَلَا يَحِلُّ لِهَذَا أَنْ يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلْفَتْوَى مَعَ وُجُودِ هَذَا الْعَالِمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ أَوْ نَاحِيَتِهِ غَيْرُهُ فَلَا رَيْبَ أَنَّ رُجُوعَهُ إلَيْهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَقْدُمَ عَلَى الْعَمَلِ بِلَا عِلْمٍ أَوْ يَبْقَى مُرْتَبِكًا فِي حَيْرَتِهِ مُتَرَدِّدًا فِي عَمَاهُ وَجَهَالَتِهِ بَلْ هَذَا هُوَ الْمُسْتَطَاعُ مِنْ تَقْوَاهُ الْمَأْمُورُ بِهَا وَهُوَ حَسَنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (أَمَّا الْعَامِّيُّ) إذَا عَرَفَ حُكْمَ حَادِثَةٍ بِدَلِيلِهَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ وَيَسُوغَ لِغَيْرِهِ تَقْلِيدُهُ فَفِيهِ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَحَدُهَا لَا مُطْلَقًا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلِاسْتِدْلَالِ وَعَدَمِ عِلْمِهِ بِشُرُوطِهِ وَمَا يُعَارِضُهُ وَلَعَلَّهُ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ دَلِيلًا وَهَذَا فِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ الْأَصَحُّ ثَانِيهَا نَعَمْ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ كَمَا لِلْعَالِمِ وَتَمَيُّزِ الْعَالِمِ عَنْهُ لِقُوَّةٍ يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ وَدَفْعِ الْمُعَارِضِ لَهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِدَلِيلِهِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الدَّلِيلُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً جَازَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُمَا خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْعَمَلُ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْهُمَا وَإِرْشَادُ غَيْرِهِ إلَيْهِ رَابِعُهَا إنْ كَانَ نَقْلِيًّا جَازَ وَإِلَّا فَلَا قَالَ السُّبْكِيُّ (وَأَمَّا الْعَامِّيُّ) الَّذِي عَرَفَ مِنْ الْمُجْتَهِدِ حُكْمَ مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَدْرِ دَلِيلَهَا كَمَنْ حَفِظَ مُخْتَصَرًا مِنْ مُخْتَصَرَاتِ الْفِقْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَرُجُوعُ الْعَامِّيِّ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاهُ أَوْلَى مِنْ الِارْتِبَاكِ فِي الْحَيْرَةِ. وَكُلُّ هَذَا فِي مَنْ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ غَيْرِهِ أَمَّا النَّاقِلُ فَلَا يُمْنَعُ فَإِذَا ذَكَرَ الْعَامِّيُّ أَنَّ فُلَانًا الْمُفْتِيَ أَفْتَانِي بِكَذَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نَقْلِ هَذَا الْقَدْرِ. اهـ. لَكِنْ لَيْسَ لِلْمَذْكُورِ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى مَا فِي الزَّرْكَشِيّ لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِفَتْوَى مُفْتٍ لِعَامِّيٍّ مِثْلِهِ أَفَادَ جَمِيعَ هَذَا أَمِيرُ الْحَاجِّ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ شَرْحِهِ عَلَى التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ

стр. 346

الْمَالُ فِي الزَّكَاةِ لَوْ اشْتَرَاهُ مِمَّنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ جَازَ أَنْ يُخْرِجَهُ فِي الزَّكَاةِ مَرَّةً أُخْرَى وَكَذَلِكَ السَّيْفُ فِي الْجِهَادِ يُجَاهِدُ بِهِ مِرَارًا وَالْفَرَسُ وَغَيْرُهُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ فِي الشَّرِيعَةِ تُؤَدَّى بِهِ الْعِبَادَاتُ مِرَارًا كَثِيرَةً نُعَارِضُكُمْ بِهِ فِي هَذَا الْقِيَاسِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الذُّنُوبَ لَيْسَتْ أَجْرَامًا تُوجِبُ تَنْجِيسَ الْمَاءِ وَالنَّجَاسَةُ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَجْرَامِ عِنْدَ اتِّصَافِهَا بِأَعْرَاضٍ أُخَرَ وَهَذِهِ لَيْسَتْ أَجْرَامًا فَلَا تَكُونُ تُوجِبُ التَّنْجِيسَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ مُلَابَسَةَ الذُّنُوبِ حَرَامٌ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَإِنَّمَا الذُّنُوبُ الَّتِي تَحْرُمُ مُلَابَسَتُهَا فِي الشَّرِيعَةِ هِيَ أَفْعَالٌ خَاصَّةٌ لِلْمُكَلَّفِ اخْتِيَارِيَّةٌ مُكْتَسَبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ. وَأَمَّا هَذِهِ الذُّنُوبُ فَمَعْنَاهَا اسْتِحْقَاقُ الْمُؤَاخَذَةِ وَذَلِكَ حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِعْلٌ لِلْمُكَلَّفِ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَخْتَصُّ بِهِ لَا اخْتِيَارَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ وَلَا كَسْبَ وَحِينَئِذٍ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا إيهَامٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ السَّلَفَ ﵃ كَانُوا يُبَاشِرُونَ الْأَسْفَارَ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ فِيهَا وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَمَعَ مَاءَ طَهَارَتِهِ لِيَسْتَعْمِلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ الْمَاءِ التَّغَيُّرُ لَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ الصَّيْفِ وَشُعْثِ السَّفَرِ فَلَا يَنْفَصِلُ إلَّا مُتَغَيِّرًا بِالْأَعْرَاقِ وَغَيْرِهَا وَالْمُتَغَيِّرُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّطْهِيرِ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَمَّا هَذَا فَمَانِعٌ آخَرُ غَيْرُ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَالْمَاءِ الْمُطْلَقِ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّجَاسَاتِ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّجَاسَاتِ تُرَدُّ عَلَى بَاطِنِ الْحَيَوَانِ) اعْلَمْ أَنَّ بَاطِنَ الْحَيَوَانِ مُشْتَمِلٌ عَلَى رُطُوبَاتٍ كَالدَّمِ وَالْمَذْيِ وَالْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الرُّطُوبَاتِ وَكَذَلِكَ أَثَفَالُ الْغِذَاءِ وَالْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ الدَّمُ وَالصَّفْرَاءُ وَالسَّوْدَاءُ وَالْبَلْغَمُ وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ كُلِّهِ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِنَجَاسَةٍ فَمَنْ حَمَلَ حَيَوَانًا فِي صَلَاتِهِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَإِذَا انْفَصَلَتْ هَذِهِ الرُّطُوبَاتُ وَالْأَثْفَالُ مِنْ بَاطِنِ الْحَيَوَانِ فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهَا بِالنَّجَاسَةِ فَالدَّمُ لَمْ أَرَ أَحَدًا قَضَى عَلَيْهِ بِالطَّهَارَةِ. وَأَمَّا الْبَوْلُ وَالْعُذْرَةُ فَهُمَا نَجَسَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَأَمَّا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهُمَا مِنْهُ عِنْدَ مَالِكٍ طَاهِرَانِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ نَجَسَانِ وَمِنْ الْحَيَوَانِ الْمَكْرُوهِ الْأَكْلِ قِيلَ مَكْرُوهَانِ كَاللَّحْمِ وَقِيلَ نَجَسَانِ تَغْلِيبًا لِلِاسْتِقْذَارِ وَأَمَّا الدَّمُ وَالسَّوْدَاءُ فَهُمَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ نَجَسَانِ وَالْبَلْغَمُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّجَاسَاتِ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّجَاسَاتِ تُرَدُّ عَلَى بَاطِنِ الْحَيَوَانِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَعَ زِيَادَةٍ وَتَوْضِيحِ الْمَقَامِ عَلَى مَا يُرَامُ أَنَّ الْإِفْتَاءَ كَانَ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي شَهِدَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» مِنْ خَوَاصِّ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ ضَرُورَةَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ اسْتِفْرَاغُ الْفَقِيهِ الْوُسْعَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ وَالْفَقِيهُ هُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ وَتَحَقُّقُ مَاهِيَةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ لَا يُوجَدُ إلَّا بِشُرُوطٍ مِنْهَا مَا هِيَ صِفَةٌ فِيهِ وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِقَوْلِهِ مَعَ تَوْضِيحٍ مِنْ شَرْحِ الْمَحَلِّيّ وَغَيْرِهِ (هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ) أَيْ ذُو الْمَلَكَةِ الَّتِي يُدْرِكُ بِهَا الْمَعْلُومَ أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ (فَقِيهُ النَّفْسِ) أَيْ شَدِيدُ الْفَهْمِ بِالطَّبْعِ لِمَقَاصِدِ الْكَلَامِ وَإِنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ (الْعَارِفُ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ) أَيْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ بِهِ فِي الْحُجِّيَّةِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّا مُكَلَّفُونَ بِالتَّمَسُّكِ بِاسْتِصْحَابِ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ إلَى أَنْ يُصْرَفُ عَنْهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ (ذُو الدَّرَجَةِ الْوُسْطَى) أَوْ الْكَامِلَةِ لُغَةً وَعَرَبِيَّةً مِنْ نَحْوٍ وَتَصْرِيفٍ وَأُصُولًا بِأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ وَبَلَاغَةٍ مِنْ مَعَانٍ وَبَيَانٍ وَمَا تَتَعَلَّقُ الْأَحْكَامُ بِهِ بِدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ الْمُتُونَ لِيَتَأَتَّى لَهُ الِاسْتِنْبَاطُ الْمَقْصُودُ بِالِاجْتِهَادِ أَمَّا عِلْمُهُ بِآيَاتِ الْأَحْكَامِ وَأَحَادِيثِهَا أَيْ مَوَاقِعِهَا. وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فَلِأَنَّهَا الْمُسْتَنْبَطُ مِنْهُ وَأَمَّا عِلْمُهُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ فَلِأَنَّهُ يَعْرِفُ بِهِ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِنْبَاطِ وَغَيْرَهَا لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَأَمَّا عِلْمُهُ بِالْبَاقِي فَلِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْمُرَادَ مِنْ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ إلَّا بِهِ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ بَلِيغٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الِاجْتِهَادِ لَا صِفَةٌ فِي الْمُجْتَهِدِ وَهِيَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ عَنْ وَالِدِهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مِنْ كَوْنِهِ خَبِيرًا بِمَوَاقِع الْإِجْمَاعِ كَيْ لَا يَخْرِقَهُ وَبِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي وَبِأَسْبَابِ النُّزُولِ لِتُرْشِدَهُ إلَى فَهْمِ الْمُرَادِ وَبِشَرْطِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ الْمُحَقِّقِ لَهُمَا لِيُقَدِّمَ الْأَوَّلَ عَلَى الثَّانِي وَبِالصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ مِنْ الْحَدِيثِ أَيْ مَاصَدَقَاتِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ وَالضَّعِيفَةِ لَا مَفَاهِيمُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ لِيُقَدِّمَ مَاصَدَق الصَّحِيحَةِ وَالْحَسَنَةِ عَلَى مَاصَدَق الضَّعِيفَةِ وَبِحَالِ الرُّوَاةِ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ لِيُقَدِّمَ الْمَقْبُولَ عَلَى الْمَرْدُودِ وَيُشْتَرَطُ لِاعْتِمَادِ قَوْلِهِ لَا لِاجْتِهَادِهِ الْعَدَالَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ الْبَحْثِ عَنْ الْمُعَارِضِ كَالْمُخَصَّصِ وَالْمُقَيَّدِ وَالنَّاسِخِ. وَعَنْ اللَّفْظِ هَلْ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ لِيَسْلَمَ مَا يَسْتَنْبِطُهُ عَنْ تَطَرُّقِ الْخَدْشِ إلَيْهِ لَوْ لَمْ يَبْحَثْ وَاجِبًا أَوْ أَوْلَى فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْلِيمِ تَحَقُّقِهَا فِي عُلَمَاءِ تِلْكَ الْقُرُونِ وَلَمْ يُعَارِضُوا مَنْ ادَّعَى الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ مِنْهُمْ. وَأَمَّا عُلَمَاءُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ وَعُلَمَاءُ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْقُرُونِ إلَى هَذَا

стр. 347

وَالصَّفْرَاءُ. عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ طَاهِرَانِ مِنْ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَنَجِسٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَطَاهِرٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْمَذْيُ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا وَكَذَا الْوَدْيُ وَالْمَعِدَةُ طَاهِرَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ نَجِسَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ هَذَا حُكْمُ الْحَيَوَانِ وَمَا فِي بَاطِنِهِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ. وَأَمَّا مَا حَصَلَ فِي بَاطِنِهِ مِنْ خَارِجٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ بَعْدَ أَنْ قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّنْجِيسِ فَهُوَ نَجِسٌ وَيَنْجُسُ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعِدَةِ وَغَيْرِهَا فَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ أَكَلَ مَيْتَةً أَوْ شَرِبَ بَوْلًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُلَابِسٌ فِي صَلَاتِهِ مَا قَضَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ وَقَوْلُنَا مَا فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إنَّمَا يُرِيدُ الْعُلَمَاءُ بِذَلِكَ الَّذِي لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالتَّنْجِيسِ أَمَّا مَا قُضِيَ عَلَيْهِ بِالتَّنْجِيسِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَفِي بَاطِنِهِ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ فَإِنْ حَدَثَ عَنْهُ عَرَقٌ يُخْتَلَفُ فِي نَجَاسَةِ ذَلِكَ الْعَرَقِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي رَمَادِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ الَّتِي طَرَأَتْ عَلَيْهَا التَّغَيُّرَاتُ وَالِاسْتِحَالَاتُ فَإِذَا صَارَ غِذَاءً وَأَجْزَاءً مِنْ الْأَعْضَاءِ لَحْمًا وَعَظْمًا وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْأَعْضَاءِ فَقَدْ صَارَ طَاهِرًا بَعْدَ الِاسْتِحَالَةِ فَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْبَقَرَةِ الْجَلَّالَةِ وَالشَّاةِ تَشْرَبُ لَبَنَ خِنْزِيرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا بَعُدَتْ الِاسْتِحَالَةُ طَهُرَ كَمَا أَنَّ الدَّمَ إذَا صَارَ مَنِيًّا ثُمَّ آدَمِيًّا قُضِيَ بِطَهَارَتِهِ بَعْدَ الِاسْتِحَالَةِ وَمَا طُرِحَ مِنْ الْأَغْذِيَةِ الطَّاهِرَةِ فِي مَعِدَةِ الْحَيَوَانِ كَانَ طَاهِرًا عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَتَغَيَّرَ إلَى صِفَةِ الْعُذْرَةِ أَوْ يَخْتَلِطَ بِنَجَاسَةٍ مِنْ عَرَقٍ يُنْشَرُ فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ وَنَحْوِهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ كُلُّ مَا يَصِلُ إلَى الْمَعِدَةِ يَتَنَجَّسُ بِهَا لِأَنَّهَا عِنْدَهُ نَجِسَةٌ وَعَرَضَ هَا هُنَا فَرْعٌ وَهُوَ جُبْنُ الرُّومِ فَإِنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ بِالْإِنْفَحَةِ وَهُمْ لَا يُذَكُّونَ بَلْ الْإِنْفَحَة مَيْتَةٌ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ الْمُحَقِّقُونَ هُوَ نَجِسٌ لِذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ هُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ طَاهِرَةٌ وَاللَّبَنُ الَّذِي يَشْرَبُهُ فِيهَا طَاهِرٌ فَيَكُونُ الْجُبْنُ طَاهِرًا وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ بِالْمَوْتِ صَارَ جُرْمُ الْمَعِدَةِ نَجِسًا فَيَنْجُسُ اللَّبَنُ الْكَائِنُ فِيهِ فَيَصِيرُ الْجُبْنُ نَجِسًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] هَذَا حُكْمُ الْحَيَوَانِ وَمَا فِي بَاطِنِهِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ وَحَكَاهُ صَحِيحٌ. قَالَ (أَمَّا مَا حَصَلَ فِي بَاطِنِهِ مِنْ خَارِجٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ بَعْدَ أَنْ قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّنْجِيسِ فَيُنَجِّسُ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعِدَةِ وَغَيْرِهَا فَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ أَكَلَ مَيْتَةً أَوْ شَرِبَ بَوْلًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُلَابِسٌ فِي صَلَاتِهِ مَا قَضَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ إلَى قَوْلِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَفِي بَاطِنِهِ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ) قُلْتُ لَمْ أَقِفْ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ عَلَى مَا قَالَهُ هُنَا مِنْ بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ فِي جَوْفِهِ نَجَاسَةٌ وَرَدَتْ عَلَيْهِ وَلَا أَرَاهُ صَحِيحًا. قَالَ (فَإِنْ حَدَثَ عَنْهُ عِرْقٌ يُخْتَلَفُ فِي نَجَاسَةِ ذَلِكَ الْعِرْقِ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ نَجِسَةٌ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا وَحَكَاهُ صَحِيحٌ. قَالَ (وَعَرَضَ هَا هُنَا فَرْعٌ وَهُوَ جُبْنُ الرُّومِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَرْنِ فَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي تَسْلِيمِ تَحَقُّقِ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِي بَعْضِهِمْ وَعَدَمِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَادَّعَى جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ فَمَا بَعْدَهُ تَحَقُّقَ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِيهِ وَأَنَّهُ بَلَغَ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ بِنَاءً عَلَى أُمُورٍ أَحَدُهَا قَوْلُ ابْنِ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَعَ تَوْضِيحٍ مِنْ الْمَحَلِّيّ وَيَكْفِي الْخِبْرَةُ بِحَالِ الرُّوَاةِ فِي زَمَانِنَا الرُّجُوعُ إلَى أَئِمَّةِ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمْ فَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ لِتَعَذُّرِهِمَا فِي زَمَانِنَا إلَّا بِوَاسِطَةٍ وَهُمْ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ. ٢ - وَثَانِيهَا قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْمُحَقِّقِ الشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّيُوطِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِسَالَتِهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ قِسْمَانِ مُسْتَقِلٌّ وَغَيْرُ مُسْتَقِلٍّ وَالْمُسْتَقِلُّ هُوَ الَّذِي اسْتَقَلَّ بِقَوَاعِدِهِ لِنَفْسِهِ يَبْنِي عَلَيْهَا الْفِقْهَ خَارِجًا عَنْ قَوَاعِدِ الْمَذَاهِبِ الْمُقَرَّرَةِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَدَاوُد وَغَيْرِهِمْ مِنْ مُجْتَهِدِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْخَيْرِيَّةِ قَالَ السُّيُوطِيّ. وَهَذَا الْقِسْمُ قَدْ فُقِدَ مِنْ دَهْرٍ بَلْ لَوْ أَرَادَهُ الْإِنْسَانُ الْيَوْمَ لَامْتَنَعَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ ابْنُ بُرْهَانٍ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ أُصُولُ الْمَذَاهِبِ وَقَوَاعِدُ الْأَدِلَّةِ مَنْقُولَةٌ عَنْ السَّلَفِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ فِي الْأَعْصَارِ خِلَافُهَا اهـ كَلَامُ ابْنِ بُرْهَانٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ اتِّبَاعُ الْأَئِمَّةِ الْآنَ الَّذِينَ حَازُوا شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ مُجْتَهِدُونَ مُلْتَزِمُونَ أَنْ لَا يُحْدِثُوا مَذْهَبًا أَمَّا كَوْنُهُمْ مُجْتَهِدِينَ فَلِأَنَّ الْأَوْصَافَ قَائِمَةٌ بِهِمْ. وَأَمَّا كَوْنُهُمْ مُلْتَزِمِينَ أَنْ لَا يُحْدِثُوا مَذْهَبًا فَلِأَنَّ إحْدَاثَ مَذْهَبٍ زَائِدٍ بِحَيْثُ يَكُونُ لِفُرُوعِهِ أُصُولٌ وَقَوَاعِدُ مُبَايِنَةٌ لِسَائِرِ قَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمِينَ مُتَعَذِّرُ الْوُجُودِ لِاسْتِيعَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ سَائِرَ الْأَسَالِيبِ اهـ كَلَامُهُ وَذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ وَهُوَ مَالِكِيٌّ أَيْضًا وَالْمُجْتَهِدُ غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ هُوَ الَّذِي وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي اتَّصَفَ بِهَا الْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَقِلُّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْتَكِرْ لِنَفْسِهِ قَوَاعِدَ بَلْ سَلَكَ طَرِيقَةَ إمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الِاجْتِهَادِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ فِي كِتَابِهِ آدَابِ الْفُتْيَا وَهَذَا لَا يَكُونُ مُقَلِّدَ الْإِمَامَةِ لَا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا فِي دَلِيلِهِ لِاتِّصَافِهِ بِصِفَةِ الْمُسْتَقِلِّ وَإِنَّمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ لِسُلُوكِهِ طَرِيقَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَادَّعَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ هَذِهِ الصِّفَةَ لِأَصْحَابِنَا فَحَكَى عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ صَارُوا إلَى مَذْهَبِ أَئِمَّتِهِمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَهُوَ أَنَّهُمْ صَارُوا إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا تَقْلِيدًا لَهُ بَلْ

стр. 348

وَاَلَّذِي رَأَيْت عَلَيْهِ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ فِي الْعَصْرِ تَحْرِيمُهُ وَتَنْجِيسُهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَبَاحِثُ فَيَكُونُ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَنْشَأُ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ أَنَّ الَّذِي نَشَأَ فِيهِ أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ فَاسْتُصْحِبَتْ وَالْوَارِدُ قَدْ قَضَى عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ قَبْلَ أَنْ يَرِدَ فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ النَّجَاسَةَ فَاسْتُصْحِبَتْ فَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ فِيهِمَا أَوْجَبَ الْحُكْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَاَلَّذِي رَأَيْت عَلَيْهِ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ فِي الْعَصْرِ تَحْرِيمُهُ وَتَنْجِيسُهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الرُّومَ لَا يُذَكُّونَ قَدْ حَكَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُذَكِّي وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُمْ لَا يُذَكُّونَ لَيْسَتْ الْإِنْفَحَة مُتَعَيِّنَةً لِعَقْدِ الْجُبْنِ فَإِنَّهُ قَدْ يُعْقَدُ بِغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ طَاهِرٌ كَبَعْضِ الْأَعْشَابِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الرُّومَ لَا يُذَكُّونَ وَأَنَّ الطَّائِفَةَ الَّذِينَ يَكُونُ الْجُبْنُ الْمُعَيَّنُ جُبْنَهُمْ لَا يُذَكُّونَ وَأَنَّهُمْ لَا يَعْقِدُونَ بِغَيْرِ الْإِنْفَحَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ مَا ارْتَضَاهُ وَحَكَاهُ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَوَقَعَ الِاحْتِمَالُ فَهُوَ مَوْضِعُ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَقْوَى نَقْلًا وَنَظَرًا الْجَوَازُ وَعَدَمُ التَّنْجِيسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَبَاحِثُ فَيَكُونُ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَنْشَأُ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَبَيْنَ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ أَنَّ الَّذِي نَشَأَ فِيهِ أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ فَاسْتُصْحِبَتْ وَالْوَارِدُ قَدْ قَضَى عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ قَبْلَ أَنْ يَرِدَ فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ النَّجَاسَةَ فَاسْتُصْحِبَتْ فَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ فِيهِمَا أَوْجَبَ الْحُكْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ) قُلْتُ لَا شَكَّ أَنَّ عَيْنَ مَا فِي الْبَاطِنِ هُوَ عَيْنُ مَا فِي الْخَارِجِ مِنْ الْعُذْرَةِ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِمَا فَإِذَا حَكَمَ لِمَا فِي الْبَاطِنِ مِنْ ذَلِكَ بِالطَّهَارَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَحْكُمَ لِمَا فِي الْخَارِجِ بِالطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَا كَانَ فِي الْبَاطِنِ وَلَمَّا لَمْ يَحْكُمْ لِمَا فِي الْخَارِجِ بِالطَّهَارَةِ إجْمَاعًا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ لِمَا فِي الْبَاطِنِ بِالطَّهَارَةِ لِأَنَّ أَصْلَهُ الطَّهَارَةُ بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ هَذَا إنْ سَلَّمَ أَنَّ حُكْمَ مَا فِي الْبَاطِنِ الطَّهَارَةُ لَكِنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ مَا فِي الْبَاطِنِ مِنْ ذَلِكَ بِطَاهِرٍ بَلْ هُوَ نَجَسٌ لَكِنَّهُ عُفِيَ عَنْهُ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى إزَالَتِهِ وَإِذَا كَانَ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ مَعْفُوًّا عَنْهُ مَعَ إمْكَانِ الْإِزَالَةِ دَفْعًا لِمَشَقَّةِ الْإِزَالَةِ مَعَ إمْكَانِهَا فَأَحْرَى أَنْ يُعْفَى عَمَّا تَعَذَّرَتْ فِيهِ الْإِزَالَةُ وَالدَّاعِي إلَى هَذَا الْكَلَامِ وَاخْتِيَارُهُ دُونَ مَا اخْتَارَهُ أَنَّ عَيْنَ مَا فِي الْخَارِجِ هُوَ عَيْنُ مَا فِي الْبَاطِنِ مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِطَهَارَتِهِ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ وَبِالْجُمْلَةِ فَكَلَامُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَا الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَمَّا وَجَدُوا طَرِيقَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ أَسَدَّ الطُّرُقِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ الِاجْتِهَادِ سَلَكُوا طَرِيقَهُ فَطَلَبُوا مَعْرِفَةَ الْأَحْكَامِ بِطَرِيقِ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ نَحْوَ هَذَا فَقَالَ اتَّبَعْنَا الشَّافِعِيَّ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّا وَجَدْنَا قَوْلَهُ أَرْجَحَ الْأَقْوَالِ وَأَعْدَلَهَا لَا أَنَّا قَلَّدْنَاهُ قَالَ النَّوَوِيُّ. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُوَافِقٌ لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْمُزَنِيّ فِي أَوَّلِ مُخْتَصَرِهِ وَغَيْرُهُ بِقَوْلِهِ مَعَ إعْلَامِهِ بِنَهْيِهِ عَنْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ قَالَ ثُمَّ فَتْوَى الْمُفْتِي فِي هَذَا النَّوْعِ كَفَتْوَى الْمُسْتَقِلِّ فِي الْعَمَلِ بِهَا وَالِاعْتِدَادِ بِهَا فِي الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ اهـ كَلَامُ النَّوَوِيِّ قَالَ السُّيُوطِيّ فَالْمُطْلَقُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ الْمُسْتَقِلِّ فَكُلُّ مُسْتَقِلٍّ مُطْلَقٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُطْلَقٍ مُسْتَقِلًّا وَاَلَّذِي ادَّعَيْنَاهُ هُوَ الِاجْتِهَادُ الْمُطْلَقُ لَا الِاسْتِقْلَالُ بَلْ نَحْنُ تَابِعُونَ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَسَالِكُونَ طَرِيقَهُ فِي الِاجْتِهَادِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَمَعْدُودُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّ اجْتِهَادَنَا مُقَيَّدٌ وَالْمُجْتَهِدُ الْمُقَيَّدُ إنَّمَا يَنْقُصُ عَنْ الْمُطْلَقِ بِإِخْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَشْرِقِهَا إلَى مَغْرِبِهَا أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَالْعَرَبِيَّةِ مِنِّي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَضِرُ أَوْ الْقُطْبُ أَوْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ أَقْصِدْ دُخُولَهُمْ فِي عِبَارَتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ كَلَامُ السُّيُوطِيّ الْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَكَيْفَ يَدَّعِي خُلُوَّ الْأَرْضِ عَمَّنْ يَقُومُ بِهِ فَيَأْثَمُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَمَا فِي رِسَالَةِ السُّيُوطِيّ الْمَذْكُورَةِ وَفِي حَاشِيَةِ الْبَاجُورِيِّ عَلَى ابْنِ قَاسِمٍ وَادَّعَى الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ بَقَاءَهُ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﷺ «يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرَ دِينِهَا» وَمَنَعَ الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ يُجَدِّدُ أَمْرَ الدِّينِ مَنْ يُقَرِّرُ الشَّرَائِعَ وَالْأَحْكَامَ لَا الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ اهـ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي شَخْصٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ فَمَا بَعْدَهُ وَأَنَّ مَنْ ادَّعَى بُلُوغَهَا مِنْهُمْ لَا تَسْلَمُ لَهُ دَعْوَاهُ ضَرُورَةَ أَنَّ بُلُوغَهَا لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ بِهِ تَحْصِيلُهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الِاجْتِهَادُ فِي تَحْصِيلِ شُرُوطِهِ بِقَدْرِ مَا فِي طَاقَاتِهِمْ الْبَشَرِيَّةِ فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ تَحْصِيلُهَا كَيْفَ يَدَّعِي تَأْثِيمَ جَمِيعِهِمْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ عَالِمُ الْأَقْطَارِ الشَّامِيَّةِ بَعْدَ سَرْدِهِ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ: هَذِهِ الشُّرُوطُ يَعُزُّ وُجُودُهَا فِي زَمَانِنَا فِي شَخْصٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَلْ لَا يُوجَدُ فِي الْبَسِيطَةِ الْيَوْمَ مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ. وَقَالَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْوَسِيطِ. وَأَمَّا شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْقَاضِي فَقَدْ تَعَذَّرَتْ فِي وَقْتِنَا وَفِي الْإِنْصَافِ مِنْ كُتُبِ السَّادَةِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ مِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ عُدِمَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ

стр. 349

(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ وَقَاعِدَةِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ) اعْلَمْ أَنَّ الْقَاعِدَةَ وَالْغَالِبَ أَنَّ الْوَاجِبَ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الْمَنْدُوبِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﵇ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا» الْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَدْ صَرَّحَ الْحَدِيثُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَمَتَى تَعَارَضَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ قُدِّمَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَرَدَ سُؤَالٌ مُشْكِلٌ وَهُوَ أَنَّ السُّنَّةَ وَرَدَتْ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِلظَّلَامِ وَالْمَطَرِ وَالطِّينِ وَهَذَا الْجَمْعُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْوَاجِبِ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يَلْحَقُهُمْ ضَرَرٌ بِخُرُوجِهِمْ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى بُيُوتِهِمْ وَعَوْدِهِمْ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ لَهُمْ أَقِيمُوا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ حَتَّى تُصَلُّوهَا وَهَذَا الضَّرَرُ يَنْدَفِعُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِتَفْوِيتِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ يَخْرُجُوا الْآنَ وَيُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ أَفْذَاذًا وَإِمَّا بِأَنْ يُصَلُّوا الْآنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْوَقْتِ وَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا وَاجِبٌ فَضَاعَ الْوَاجِبُ بِالْجَمْعِ فَلَوْ حُفِظَ هَذَا الْوَاجِبُ ضَاعَ الْمَنْدُوبُ الَّذِي فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ فَقَدْ تَعَارَضَ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ فِي دَفْعِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ عَنْ الْمُكَلَّفِ فَقُدِّمَ الْمَنْدُوبُ عَلَى الْوَاجِبِ فَحَصَلَ وَتُرِكَ الْوَاجِبُ فَذَهَبَ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ وَقَاعِدَةِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ إلَى قَوْلِهِ فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْوَقْتِ) قُلْتُ مَا ذَكَرَهُ وَقَرَّرَهُ هُنَا صَحِيحٌ كَمَا قَرَّرَ. قَالَ (وَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا وَاجِبٌ فَضَاعَ الْوَاجِبُ بِالْجَمْعِ فَلَوْ حَفِظَ هَذَا الْوَاجِبُ ضَاعَ الْمَنْدُوبُ الَّذِي هُوَ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ فَقَدْ تَعَارَضَ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ فِي دَفْعِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ عَنْ الْمُكَلَّفِ فَقُدِّمَ الْمَنْدُوبُ عَلَى الْوَاجِبِ فَحَصَلَ وَتُرِكَ الْوَاجِبُ فَذَهَبَ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا فِي الْحَالِ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا الْجَمْعُ وَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ إلَى وَقْتِ الْأُولَى لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَصْلًا بَلْ هُوَ جَائِزٌ وَالتَّقْدِيمُ أَوْلَى لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ فَلَمْ يَضِعْ وَاجِبٌ بِالْجَمْعِ وَلَا تَعَارَضَ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَلَا قُدِّمَ مَنْدُوبٌ عَلَى وَاجِبٍ وَلَا خُولِفْتُ فِي ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مَا قَالَهُ ذَهَابُ وَهْمِهِ إلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا وَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِيمَا عَدَا الْحَالَ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا الْجَمْعُ فَإِنَّهُ لَيْسَ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِهَا مِنْ الْوَاجِبِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ إنَّ النَّاسَ كَالْمُجْمِعِينَ الْيَوْمَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ شَيْخِ شُيُوخِنَا فِي رِسَالَتِهِ كَيْفِيَّةُ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الزَّيْغِ أَنَّ الْإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ قَدْ ادَّعَى بُلُوغَهُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ فَلَمْ يُسَلِّمُوا لَهُ وَهُوَ إمَامٌ جَلِيلٌ مُتَضَلِّعٌ مِنْ الْعُلُومِ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ وَمِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ فَمَا بَالُك بِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْبَعِيدَةِ وَعَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُطْلَقَ لَا يَكُونُ إلَّا مُسْتَقِلًّا وَأَنَّ مَنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ عِبَارَةً عَنْ غَيْرِ الْعَامِّيِّ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ عِبَارَةً عَنْ الْعَامِّيِّ وَأَنَّ غَيْرَ الْعَامِّيِّ إمَّا مُجْتَهِدٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ وَلَهُ مَرْتَبَتَانِ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى أَشَارَ لَهَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِقَوْلِهِ مَعَ الشَّرْحِ وَدُونَهُ أَيْ دُونَ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الْمُتَقَدِّمِ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَخْرِيجِ الْوُجُوهِ الَّتِي يُبْدِيهَا عَلَى نُصُوصِ إمَامِهِ فِي الْمَسَائِلِ اهـ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ أَيْضًا وَهُوَ مَا يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِتَقْرِيرِ أُصُولِهِ بِالدَّلِيلِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ فِي أَدِلَّتِهِ أُصُولَ إمَامِهِ وَقَوَاعِدَهُ وَشَرْطُهُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَأَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ تَفْصِيلًا بَصِيرًا بِمَسَالِكِ الْأَقْيِسَةِ وَالْمَعَانِي تَامِّ الِارْتِيَاضِ فِي التَّخْرِيجِ وَالِاسْتِنْبَاطِ قَيِّمًا بِإِلْحَاقِ مَا لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لِإِمَامِهِ بِأُصُولِهِ وَلَا يُعَرَّى عَنْ شَوْبِ تَقْلِيدٍ لَهُ لِإِخْلَالِهِ بِبَعْضِ أَدَوَاتِ الْمُسْتَقِلِّ بِأَنْ يُخِلَّ بِالْحَدِيثِ أَوْ الْعَرَبِيَّةِ وَكَثِيرًا مَا أَخَلَّ بِهِمَا الْمُقَيَّدُ ثُمَّ يَتَّخِذُ نُصُوصَ إمَامِهِ أُصُولًا يَسْتَنْبِطُ مِنْهَا كَفِعْلِ الْمُسْتَقِلِّ بِنُصُوصِ الشَّرْعِ وَرُبَّمَا اكْتَفَى فِي الْحُكْمِ بِدَلِيلِ إمَامِهِ وَلَا يَبْحَثُ عَنْ مُعَارِضٍ كَفِعْلِ الْمُسْتَقِلِّ فِي النُّصُوصِ وَهَذِهِ صِفَةُ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالْعَامِلُ بِفَتْوَى هَذَا مُقَلِّدٌ لِإِمَامِهِ لَا لَهُ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ مَنْ هَذَا حَالُهُ لَا يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَيَظْهَرُ تَأَدِّي الْفَرْضِ بِهِ فِي الْفَتْوَى وَإِنْ لَمْ يَتَأَدَّ فِي إحْيَاءِ الْعُلُومِ الَّتِي مِنْهَا اسْتِمْدَادٌ لِلْفَتْوَى اهـ. وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَهَذِهِ صِفَةُ أَصْحَابِنَا إلَخْ مِثْلُ الْمُزَنِيّ وَالْبُوَيْطِيِّ صَاحِبَيْ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ صَاحِبَيْ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ الْخَلَّالِ وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيِّ وَالشَّيْخِ حَنْبَلٍ وَصَالِحِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إفْتَاءِ مَنْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ وَالْأَصْلُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَنْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ وَلَعَلَّهُ لِعَدَمِ وُجُودِهِ سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا فِي رِسَالَتِهِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَجُوزُ لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَعْصَارِ الِاسْتِنْبَاطُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْأَخْذُ بِأَقْوَالِ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَاتِّبَاعِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَقُولُونَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ وَتَفْسِيرِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ. وَلَوْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ لَزِمَ

стр. 350

وَالْمَعْهُودُ فِي الشَّرِيعَةِ دَفْعُ الضَّرَرِ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ وَتَرْكِ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ لِدَفْعِ ضَرُورَةِ السَّفَرِ وَكَذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ الْمُحَرَّمُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِدَفْعِ ضَرَرِ التَّلَفِ وَتُسَاغُ الْغُصَّةُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ كَذَلِكَ وَذَلِكَ كُلُّهُ لِتَعَيُّنِ الْوَاجِبِ أَوْ الْمُحَرَّمِ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ أَمَّا إذَا أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْوَاجِبِ أَوْ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ مَعَ دَفْعِ الضَّرَرِ بِطَرِيقٍ آخَرَ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ أَوْ الْمَكْرُوهَاتِ لَا يَتَعَيَّنُ تَرْكُ الْوَاجِبِ وَلَا فِعْلُ الْمُحَرَّمِ وَلِذَلِكَ لَا يُتْرَكُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ وَلَا الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا السُّجُودُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْأَلَمِ وَالْمَرَضِ إلَّا لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِدَفْعِ ذَلِكَ الضَّرَرِ وَهَذَا كُلُّهُ قِيَاسٌ مُطَّرِدٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَالْمَعْهُودُ فِي الشَّرِيعَةِ دَفْعُ الضَّرَرِ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ وَتَرْكِ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ لِدَفْعِ ضَرُورَةِ السَّفَرِ) قُلْتُ وَمَتَى كَانَ تَرْكُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ طَرِيقًا مُتَعَيِّنًا لِدَفْعِ ضَرَرِ السَّفَرِ فِي مَذْهَبِنَا وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ إمَامِنَا الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ جَائِزٌ وَمَتَى كَانَ تَرْكُ الرَّكْعَتَيْنِ أَيْضًا طَرِيقًا مُتَعَيِّنًا وَالْإِتْمَامُ سَائِغٌ بَلْ ضَرَرُ السَّفَرِ جَائِزُ الدَّفْعِ بِذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الدَّفْعُ بِذَلِكَ جَائِزًا فَالْمُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ فِي إيقَاعِ الصَّوْمِ فِي حَالِ السَّفَرِ وَتَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتٍ آخَرَ مَعَ اخْتِيَارِ الصَّوْمِ وَكَذَلِكَ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ مَعَ اخْتِيَارِ الْقَصْرِ فَإِذَا أَفْطَرَ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا وَإِذَا قَصَرَ كَذَلِكَ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَفْطَرَ تَرَكَ وَاجِبًا لَزِمَهُ إنْكَارُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا قَصَرَ تَرَكَ وَاجِبًا لَزِمَهُ إنْكَارُ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. قَالَ (وَكَذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ الْمُحَرَّمُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِدَفْعِ ضَرَرِ التَّلَفِ وَتُسَاغُ الْغُصَّةُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ كَذَلِكَ وَذَلِكَ كُلُّهُ لِتَعَيُّنِ الْوَاجِبِ أَوْ الْمُحَرَّمِ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ) قُلْتُ إذَا أَكَلَ الْمُضْطَرُّ الْمَيْتَةَ أَوْ شَرِبَ الْغَاصُّ الْخَمْرَ فَلَمْ يَفْعَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُحَرَّمًا بَلْ فَعَلَ وَاجِبًا وَمَا هَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ إلَّا كَلَامُ مَنْ ذَهَبَ وَهْمُهُ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَصْفٌ حَقِيقِيٌّ فَالتَّحْرِيمُ لَا يُفَارِقُ الْمَيْتَةَ وَالْخَمْرَ بِحَالٍ وَذَلِكَ وَهْمٌ بَاطِلٌ وَغَلَطٌ وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِيهِ. قَالَ (أَمَّا إذَا أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْوَاجِبِ أَوْ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ مَعَ دَفْعِ الضَّرَرِ بِطَرِيقٍ آخَرَ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ أَوْ الْمَكْرُوهَاتِ لَا يَتَعَيَّنُ تَرْكُ الْوَاجِبِ وَلَا فِعْلُ الْمُحَرَّمِ) قُلْتُ لَا يَتَعَيَّنُ تَرْكُ وَاجِبٍ وَلَا فِعْلُ مُحَرَّمٍ إلَّا بِمَعْنَى مَا كَانَ وَاجِبًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ وَمُحَرَّمًا كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ (وَلِذَلِكَ لَا يُتْرَكُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ وَلَا الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَلَا السُّجُودُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْأَلَمِ وَالْمَرَضِ إلَّا لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَهَذَا كُلُّهُ قِيَاسٌ مُطَّرَدٌ) قُلْتُ إذَا تَعَيَّنَ تَرْكُ مَا ذَكَرَهُ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ صَارَتْ تِلْكَ الْوَاجِبَاتُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَهَذَا كُلُّهُ قِيَاسٌ مُطَّرِدٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الزَّيْغُ وَالضَّلَالُ وَالْإِلْحَادُ فِي الدِّينِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ يُعَارِضُهَا مِثْلُهَا مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَلَا إطْلَاعَ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِالنَّقْلِ عَنْهُمْ وَبَعْضُهَا مَنْسُوخٌ وَبَعْضُهَا مَخْصُوصٌ وَبَعْضُهَا مُجْمَلٌ وَبَعْضُهَا مُتَشَابِهٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْسَامِ اهـ الْمُرَادُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ مِنْ جَوَازِ خُلُوِّ الزَّمَانِ حَتَّى عَنْ مُجْتَهِدِ الْمَذْهَبِ فَفِي الْعَطَّارِ عَلَى مَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ خُلُوُّ عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ عَنْ الَّذِي يُمْكِنُ تَفْوِيضُ الْفَتْوَى إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا مُطْلَقًا أَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُطْلَقِ وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَقَلُّونَ كَالْحَنَابِلَةِ اهـ سَمِّ سِيَّمَا وَنَحْنُ الْآنَ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْأَخْضَرِيُّ فِي سُلَّمِهِ الْمُنْوَرِقِ لَا سِيَّمَا فِي عَاشِرِ الْقُرُونِ ذِي الْجَهْلِ وَالْفَسَادِ وَالْفُتُونِ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ أَشَارَ لَهَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِقَوْلِهِ مَعَ الشَّرْحِ وَدُونَهُ إلَخْ أَيْ دُونَ مُجْتَهِدِ الْمَذْهَبِ مُجْتَهِدُ الْفُتْيَا وَهُوَ الْمُتَبَحِّرُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَرْجِيحِ قَوْلٍ لَهُ عَلَى آخَرَ أَطْلَقَهُمَا اهـ. وَسَمَّاهُ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَذْكُورَةِ مُجْتَهِدَ التَّرْجِيحِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ أَيْضًا وَهُوَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ لَكِنَّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ حَافِظٌ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ عَارِفٌ بِأَدِلَّتِهِ قَائِمٌ بِتَقْرِيرِهَا يُصَوِّرُ وَيُحَرِّرُ وَيُقَرِّرُ وَيُمَهِّدُ وَيُزَيِّفُ وَيُرَجِّحُ لَكِنَّهُ قَصَرَ عَنْ أُولَئِكَ لِقُصُورِهِ عَنْهُمْ فِي حِفْظِ الْمَذْهَبِ أَوْ الِارْتِيَاضِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ وَمَعْرِفَةِ الْأُصُولِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَدِلَّتِهَا اهـ. وَقَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا فِي رِسَالَتِهِ وَمُجْتَهِدُو الْفَتْوَى مَنْ كَمُلُوا فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذْهَبِ حَتَّى وَصَلُوا لِرُتْبَةِ التَّرْجِيحِ لِلْأَقْوَالِ وَهُمْ كَثِيرُونَ كَالرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَالرَّمْلِيِّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اهـ بِتَوْضِيحٍ. وَقَالَ شَيْخُ وَالِدِي الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْبَاجُورِيُّ عَلَى ابْنِ قَاسِمٍ إنَّ الرَّمْلِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ لَمْ يَبْلُغَا مَرْتَبَةَ التَّرْجِيحِ بَلْ هُمَا مُقَلِّدَانِ فَقَطْ نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَهُمَا تَرْجِيحٌ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ بَلْ والشبراملسي أَيْضًا اهـ وَكَالْمَازِرِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْقَرَافِيِّ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَكَابْنِ نَجِيمٍ وَالسَّرَخْسِيِّ وَالْكَمَالِ بْنِ الْهُمَامِ وَالطَّحَاوِيِّ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَأَبِي يَعْلَى وَابْنِ قُدَامَةَ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَالْقَاضِي عَلَاءِ الدِّينِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَقَالَ الْأَصْلُ وَحَالُ مَنْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنْ يُحِيطَ بِتَقْيِيدِ جَمِيعِ مُطْلَقَاتِ الْمَذْهَبِ وَتَخْصِيصِ جَمِيعِ عُمُومَاتِهِ وَبِمَدَارِكِ إمَامِهِ وَمُسْتَنَدَاتِهِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُفْتِي بِمَا يَحْفَظُهُ وَيُخَرِّجُ وَيَقِيسُ بِشُرُوطِ الْقِيَاسِ مَا لَا يَحْفَظُهُ عَلَى مَا يَحْفَظُهُ اهـ. وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَأَمَّا

стр. 351

وَقَدْ خُولِفَ هَذَا الْقِيَاسُ بِالْجَمْعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ وَفِعْلُ الْمَنْدُوبِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بِعَرَفَةَ تُرِكَ فِيهِ وَاجِبَانِ أَحَدُهُمَا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا وَهِيَ الْعَصْرُ فَتُقَدَّمُ وَتُصَلَّى مَعَ الظُّهْرِ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَقْتِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَثَانِيهِمَا تَرْكُ الْجُمُعَةِ إذَا جَاءَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيُصَلَّى الظُّهْرُ أَرْبَعًا فَتُرِكَ الْوَاجِبُ أَيْضًا لَا لِدَفْعِ الضَّرَرِ لِأَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْجُمُعَةِ كَمَا يَنْدَفِعُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلِذَلِكَ لَمَّا حَجَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَمَعَهُ أَبُو يُوسُفَ وَاجْتَمَعَا بِمَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَقَعَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا اجْتَمَعَ الْجُمُعَةُ وَالظُّهْرُ يَوْمَ عَرَفَةَ قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ وَوَاجِبَةٌ قَبْلَ الظُّهْرِ مَعَ الْإِمْكَانِ قَالَ لَهُ مَالِكٌ إنَّ ذَلِكَ خِلَافَ السُّنَّةِ فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ أَيْنَ لَك ذَلِكَ وَأَنَّهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَقَدْ خُولِفَ هَذَا الْقِيَاسُ بِالْجَمْعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ وَفِعْلُ الْمَنْدُوبِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ تَرْكَ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ مَقْصُودُهُ وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَ الْوَاجِبِ فِي حَالٍ شَرْعِيَّةِ الْجَمْعِ فَلَيْسَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا بِوَاجِبٍ فَلَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا بَلْ صَارَتْ الْأَخِيرَةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَقْتِهَا وَوَقْتِ الْأُولَى وَمَنْ فَعَلَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ فِي أَوَّلِ أَجْزَاءِ وَقْتِهِ الْمُوَسَّعِ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا أَصْلًا وَإِنَّمَا السَّبَبُ فِيمَا ارْتَكَبَهُ ذَهَابُ الْوَهْمِ إلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا وَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ هُوَ بِعَيْنِهِ الْوَاجِبُ وَلَيْسَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا هُوَ بِعَيْنِهِ الْوَاجِبُ أَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلِمَا قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ الْوَاجِبَ فَلِأَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ الصَّلَاةُ وَالتَّأْخِيرُ وَالتَّقْدِيمُ أَمْرَانِ إضَافِيَّانِ فَمَتَى نُسِبَ الْوُجُوبُ إلَى التَّأْخِيرِ أَوْ إلَى التَّقْدِيمِ فَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ الْمَقْصُودُ بِوُجُوبِ التَّأْخِيرِ وُجُوبُ فِعْلِ الصَّلَاةِ مُؤَخَّرَةً وَبِوُجُوبِ التَّقْدِيمِ وُجُوبُ فِعْلِهَا مُقَدَّمَةً وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ فَهِمَ شَيْئًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ فِي حَالِ الْمَطَرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إيقَاعِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مُقَدَّمَةً قَبْلَ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ لَهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ إيثَارًا لِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَبَيْنَ إيقَاعِهَا فَذًّا فِي وَقْتِهَا الْمَذْكُورِ وَلَا غَرْوَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَمْرٍ رَاجِحٍ وَمَرْجُوحٍ وَفَاضِلٍ وَمَفْضُولٍ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّ الْعِتْقَ أَرْجَحُهَا لِرُجْحَانِ قِيمَةِ الرَّقَبَةِ عَلَى قِيمَةِ الْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ بَلْ كَمَا فِي رَقَبَةٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ وَرَقَبَةٍ قِيمَتُهَا مِائَةٌ وَكَمَا فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ إطَالَةِ سُجُودِ الصَّلَاةِ وَتَقْصِيرِهِ وَذَلِكَ لَا يُحْصَى كَثْرَةً فِي الشَّرِيعَةِ. قَالَ (وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بِعَرَفَةَ تُرِكَ فِيهِ وَاجِبَانِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَالِمٌ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ مُجْتَهِدِ الْفَتْوَى وَلَا يَنْزِلَ إلَى دَرَجَةِ الْعَامِّيِّ وَسَمَّاهُ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَذْكُورَةِ مُجْتَهِدَ الْفُتْيَا نَظَرًا لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَعَنْ شَارِحِ التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ مِنْ أَنَّهُ رُتْبَةٌ ثَالِثَةٌ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُقَلِّدِينَ إلَّا أَنَّ كَلَامَ شَارِحِ التَّحْرِيرِ الْمَارِّ وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْآتِي عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْتَهِدِ فُتْيَا بَلْ مُجْتَهِدُ الْفُتْيَا هُوَ مُجْتَهِدُ التَّرْجِيحِ فَتَأَمَّلْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ أَيْضًا وَهُوَ مَنْ يَقُومُ بِحِفْظِ الْمَذْهَبِ وَنَقْلِهِ وَفَهْمِهِ فِي الْوَاضِحَاتِ وَالْمُشْكِلَاتِ وَلَكِنْ عِنْدَهُ ضَعْفٌ فِي تَقْرِيرِ أَدِلَّتِهِ وَتَحْرِيرِ أَقْيِسَتِهِ فَهَذَا يُعْتَمَدُ نَقْلُهُ وَفَتْوَاهُ فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ مَسْطُورَاتِ مَذْهَبِهِ وَمَا لَا يَجِدُهُ مَنْقُولًا إنْ وُجِدَ فِي الْمَنْقُولَاتِ مَعْنَاهُ بِحَيْثُ يُدْرِكُ بِغَيْرِ كَبِيرِ فِكْرٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا جَازَ إلْحَاقُهُ بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَكَذَا مَا يُعْلَمُ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ ضَابِطِ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَذْهَبِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ يَجِبُ إمْسَاكُهُ عَنْ الْفَتْوَى فِيهِ اهـ. وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْأَصْلِ وَحَالُ هَذَا أَنْ يَتَّسِعَ إطْلَاعُهُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ بِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ لَكِنَّهُ لَمْ يَضْبِطْ مَدَارِكَ إمَامِهِ وَمُسْتَنَدَاتِهِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُفْتِي بِمَا يَحْفَظُهُ وَيَنْقُلُهُ مِنْ مَذْهَبِهِ اتِّبَاعًا لِمَشْهُورِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ بِشُرُوطِ الْفُتْيَا لَا بِكُلِّ قَوْلٍ فِيهِ إذْ لَا يُعَرَّى مَذْهَبٌ مِنْ الْمَذَاهِبِ عَنْ قَوْلٍ خَالَفَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ الْإِجْمَاعَ أَوْ الْقَوَاعِدَ أَوْ النَّصَّ أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ السَّالِمَ عَنْ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ لَكِنَّهُ قَدْ يَقِلُّ وَقَدْ يَكْثُرُ. وَهَذَا النَّوْعُ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَنْقُلَهُ لِلنَّاسِ وَلَا يُفْتِي بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ وَلَا نُقِرُّهُ شَرْعًا وَإِنْ تَأَكَّدَ بِحُكْمِهِ فَأَوْلَى أَنْ نُقِرَّهُ شَرْعًا إذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ وَلَا يُعْلَمُ فِي مَذْهَبِهِ إلَّا مَنْ عَرَفَ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وَالنَّصَّ الصَّرِيحَ وَعَدَمَ الْمُعَارِضِ لِذَلِكَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْصِيلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِأُصُولِهَا مَعَ مَعْرِفَةِ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ مَعْرِفَةً حَسَنَةً لَا بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ لَيْسَتْ مُسْتَوْعَبَةً فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بَلْ لِلشَّرِيعَةِ قَوَاعِدُ كَثِيرَةٌ جِدًّا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَالْفُقَهَاءِ لَا تُوجَدُ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَصْلًا وَذَلِكَ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى وَضْعِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُسَمَّى كِتَابُ الْأَنْوَارِ وَالْقَوَاعِدِ السَّنِيَّةِ لِأَضْبِطَ تِلْكَ الْقَوَاعِدَ حَسْبَ طَاقَتِي وَلِاعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ يَحْرُمُ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ الْفَتْوَى فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ وَكَذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ ﵃ مُتَوَقِّفِينَ فِي الْفُتْيَا تَوَقُّفًا شَدِيدًا. وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ وَيَرَى هُوَ نَفْسُهُ أَهْلًا لِذَلِكَ يُرِيدُ تَثَبُّتَ أَهْلِيَّتِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَيَكُونُ هُوَ بِيَقِينٍ

стр. 352

خِلَافُ السُّنَّةِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَهُمَا خُطْبَةٌ وَهَذِهِ هِيَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ جَهَرَ فِيهِمَا أَوْ أَسَرَّ فَسَكَتَ أَبُو يُوسُفَ فَظَهَرَتْ الْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ﵃ أَجْمَعِينَ - بِسَبَبِ الْإِسْرَارِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ جَهْرِيَّةٌ فَلَمَّا صَلَّى ﵇ رَكْعَتَيْنِ سِرًّا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ سَفَرِيَّةً وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْخُطْبَةَ لِيَوْمِ عَرَفَةَ لَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ عَرَفَةَ إنَّمَا خُطْبَتُهُ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ مَنَاسِكَ الْحَجِّ كَانَتْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا وَالْجَوَابُ عَنْ الْجَمْعِ وَتَرْكِ الْجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ أَيْسَرُ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ الْجَمْعِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ. أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ عَرَفَةَ وَتَرْكِ الْجُمُعَةِ فَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْحَجِيجِ السَّفَرُ وَفَرْضُ الْمُسَافِرِ الظُّهْرُ دُونَ الْجُمُعَةِ فَجُعِلَ النَّادِرُ تَبَعًا لِلْغَالِبِ فَمَنْ هُوَ مُقِيمٌ بِعَرَفَةَ أَوْ مَنْزِلُهُ قَرِيبٌ مِنْ عَرَفَةَ فَتَرْكُ الْجُمُعَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ تَرْكَ الْوَاجِبِ. وَأَمَّا تَرْكُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا وَهِيَ الْعَصْرُ فَلِضَرُورَةِ الْحُجَّاجِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلْإِقْبَالِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ وَالتَّقَرُّبِ اللَّائِقِ بِعَرَفَةَ وَهُوَ يَوْمٌ لَا يَكَادُ يَحْصُلُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً بَعْدَ ضَنْكِ الْأَسْفَارِ وَقَطْعِ الْبَرَارِيِ وَالْقِفَارِ وَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْأَقْطَارِ الْبَعِيدَةِ وَالْأَوْطَانِ النَّائِيَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يُقَدَّمَ هَذَا عَلَى مَصْلَحَةِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَيَكُونُ هَذَا ضَرَرًا يُوجِبُ التَّقْدِيمَ كَمَا يُوجِبُ فَوَاتُ الزَّمَانِ التَّقْدِيمَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بَلْ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ فَوَاتِ الزَّمَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يُسَافِرَ أَوْ يُسَافِرَ مَعَهُ رُفْقَةٌ مُوَافِقِينَ عَلَى النُّزُولِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَهُوَ ضَرَرٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَمَّا مَصَالِحُ الْحَجِّ فَأَمْرٌ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ وَلَا خُرُوجَ لَهُ عَنْهَا وَلَا يُمْكِنُ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا فَهَذَا جَوَابٌ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي جَمْعِ عَرَفَةَ دُونَ جَمْعِ لَيْلَةِ الْمَطَرِ. وَأَمَّا جَمْعُ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إذَا خَافَ الْغَلَبَةَ عَلَى عَقْلِهِ آخِرَ الْوَقْتِ فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِخِلَافِ جَمْعِ الْمَطَرِ لَمْ يَتَعَيَّنْ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَلَوْ لَمْ يَجْمَعْ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ ضَاعَ الْوَاجِبُ آخِرَ الْوَقْتِ وَهُوَ الصَّلَاةُ الْأَخِيرَةُ بِغَيْبَةِ الْعَقْلِ وَضَرُورَةِ الْمَرَضِ أَوْ دَخَلَ الضَّرَرُ بِفَوَاتِ الرِّفَاقِ وَالْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ لَوْ تُرِكَ إنَّمَا يَفُوتُ الْمَنْدُوبُ الَّذِي هُوَ الْجَمَاعَةُ. وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ فَتُصَلَّى عَلَى أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ فِي الْبُيُوتِ عِنْدَ دُخُولِ الْأَوْقَاتِ فَهَذَا جَمْعٌ يَخْتَصُّ بِهَذَا السُّؤَالِ الْقَوِيِّ وَالْجَوَابُ عَنْهُ إذَا حَصَلَ يُقَوِّي الْجَوَابَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَنَشْرَعُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْمُشْكِلَةِ فَنَقُولُ إنَّ الْمَنْدُوبَاتِ قِسْمَانِ قِسْمٌ تَقْصُرُ مَصْلَحَتُهُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَنَشْرَعُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْمُشْكِلَةِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ ذَلِكَ صَحِيحٌ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ (فَنَقُولُ إنَّ الْمَنْدُوبَاتِ قِسْمَانِ قِسْمٌ تَقْصُرُ مَصْلَحَتُهُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مُطَّلِعًا عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِّهِ مِنْ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ مِنْ الْإِنْسَانِ أَمْرٌ عَلَى ضِدِّ مَا هُوَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ النَّاسُ حَصَلَ الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ وَمَا أَفْتَى مَالِكٌ حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا لِأَنَّ التَّحْنِيكَ وَهُوَ اللِّثَامُ بِالْعَمَائِمِ تَحْتَ الْحَنَكِ شِعَارُ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَحْنِيكٍ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى تَأَكُّدِ التَّحْنِيكِ وَهَذَا هُوَ شَأْنِ الْفُتْيَا فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ. وَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ انْخَرَقَ هَذَا السِّيَاجُ وَسَهُلَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُ دِينِهِمْ فَتَحَدَّثُوا فِيهِ بِمَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ وَعَسُرَ عَلَيْهِمْ اعْتِرَافُهُمْ بِجَهْلِهِمْ وَأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ لَا يَدْرِي فَلَا جَرَمَ آلَ الْحَالُ لِلنَّاسِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْجُهَّالِ وَالْمُتَجَرِّئِينَ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. قَالَ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقَاتِ وَتَخْصِيصَ الْعُمُومَاتِ يَعْنِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ وَأَمَّا الْقَطْعُ بِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً فَبَعِيدٌ وَيَكْفِي الْآنَ فِي ذَلِكَ وُجُودُ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّوْضِيحِ أَوْ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ الَّذِي يُفْتِي فِي هَذَا الزَّمَانِ أَقَلُّ مَرَاتِبِهِ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَبْحَرَ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى رِوَايَاتِ الْمَذْهَبِ وَتَأْوِيلِ الشُّيُوخِ لَهَا وَتَوْجِيهِهِمْ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ اخْتِلَافِ ظَوَاهِرَ وَاخْتِلَافِ مَذَاهِبَ وَتَشْبِيهِهِمْ مَسَائِلَ بِمَسَائِلَ قَدْ يَسْبِقُ إلَى النَّفْسِ تَبَاعُدُهَا وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ مَسَائِلَ وَمَسَائِلَ قَدْ يَقَعُ فِي النَّفْسِ تَقَارُبُهَا وَتَشَابُهُهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بَسَطَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي كُتُبِهِمْ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ فَهَذَا لِعَدَمِ النُّظَّارِ يُقْتَصَرُ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ اهـ. وَفِي آخِرِ خُطْبَةِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لِابْنِ رُشْدٍ قَالَ إذَا جَمَعَ الطَّالِبُ الْمُقَدَّمَاتِ إلَى هَذَا الْكِتَابِ يَعْنِي الْبَيَانَ وَالتَّحْصِيلَ حَصَلَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَعَرَفَ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ بَابِهِ وَسَبِيلِهِ وَأَحْكَمَ رَدَّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ وَاسْتَغْنَى بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ الشُّيُوخِ فِي الْمُشْكِلَاتِ وَحَصَّلَ مَرْتَبَةَ مَنْ يَجِبُ تَقْلِيدُهُ فِي النَّوَازِلِ الْمُعْضِلَاتِ وَدَخَلَ فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ وَوَعَدَهُمْ فِيهِ بِتَرْفِيعِ الدَّرَجَاتِ اهـ كَلَامُ الْحَطَّابِ بِتَغْيِيرِ مَا. قَالَ وَجَعَلَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ مَا خَالَفَ فِيهِ الْإِمَامُ النَّصَّ نَظِيرُ مَا خَالَفَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ فِي عَدَمِ جَوَازِ نَقْلِهِ لِلنَّاسِ وَإِفْتَائِهِمْ بِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِنَصِّ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ نَصِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إذَا كَانَ الْعَمَلُ بِخِلَافِهِ اهـ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ قَوْلِهِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ وَصْفًا لِخُصُوصِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ لَا لَهُ وَلِلنَّصِّ وَإِلَّا

стр. 353

فَإِنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ وَنَوَاهِيَهُ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ حَتَّى يَكُونَ أَدْنَى الْمَصَالِحِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ ثُمَّ تَتَرَقَّى الْمَصْلَحَةُ وَالنَّدْبُ وَتَعْظُمُ رُتْبَتُهُ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْمَنْدُوبَاتِ تَلِيهِ أَدْنَى رُتَبِ الْوَاجِبَاتِ وَأَدْنَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَدْنَى رُتَبِ الْمَكْرُوهَاتِ ثُمَّ تَتَرَقَّى الْمَفَاسِدُ وَالْكَرَاهَةُ فِي الْعِظَمِ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْمَكْرُوهَاتِ يَلِيهِ أَدْنَى رُتَبِ الْمُحَرَّمَاتِ هَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْدُوبَاتٌ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَثَوَابُهَا أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ الْوَاجِبَاتِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصَالِحَهَا أَعْظَمُ مِنْ مَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ كَثْرَةُ الْمَصَالِحِ وَقِلَّتُهَا أَلَا تَرَى أَنَّ ثَوَابَ التَّصَدُّقِ بِدِينَارٍ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ التَّصَدُّقِ بِدِرْهَمٍ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَصْلَحَةً وَسَدُّ خَلَّةِ الْوَالِي الصَّالِحِ أَعْظَمُ مِنْ سَدِّ خَلَّةِ الْفَاسِقِ الطَّالِحِ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ بَقَاءِ الْوَلِيِّ وَالْعَالِمِ فِي الْوُجُودِ لِنَفْسِهِ وَلِلْخَلْقِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْفَاسِقِ وَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَإِنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ وَنَوَاهِيهِ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ إلَى قَوْلِهِ هَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ) قُلْتُ مَا قَالَ صَحِيحٌ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْأَوَامِرَ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ وَالنَّوَاهِيَ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ وَهُوَ أَنَّ الْمَصَالِحَ تَتْبَعُ الْأَوَامِرَ وَالْمَفَاسِدَ تَتْبَعُ النَّوَاهِيَ أَمَّا فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَلَا خَفَاءَ بِهِ فَإِنَّ الْمَصَالِحَ هِيَ الْمَنَافِعُ وَلَا مَنْفَعَةَ أَعْظَمُ مِنْ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالْمَفَاسِدُ هِيَ الْمَضَارُّ وَلَا ضَرَرَ أَعْظَمُ مِنْ الْعَذَابِ الْمُقِيمِ. وَأَمَّا فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَعَلَى ذَلِكَ دَلَائِلُ مِنْ الظَّوَاهِرِ الشَّرْعِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَكَقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُكَادُ يَنْحَصِرُ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْمَوْضِعُ مَحَلُّ نَظَرٍ هَذَا إنْ كَانَ يُرِيدُ بِالتَّبَعِيَّةِ حُصُولَ هَذِهِ بَعْدَ حُصُولِ هَذِهِ وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَوَامِرَ وَرَدَتْ لِتَحْصُلَ عِنْدَ امْتِثَالِهَا الْمَصَالِحَ وَأَنَّ النَّوَاهِيَ وَرَدَتْ لِتَرْتَفِعَ عِنْدَ امْتِثَالِهَا الْمَفَاسِدَ فَذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (ثُمَّ إنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْدُوبَاتٌ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَثَوَابُهَا أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ الْوَاجِبَاتِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصَالِحَهَا أَعْظَمُ مِنْ مَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَلَا صَحِيحٍ. قَالَ (لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ كَثْرَةُ الْمَصَالِحِ وَقِلَّتُهَا أَلَا تَرَى أَنَّ ثَوَابَ التَّصَدُّقِ بِدِينَارٍ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ التَّصَدُّقِ بِدِرْهَمٍ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَصْلَحَةً وَسَدَّ خَلَّةِ الْوَلِيِّ الصَّالِحِ أَعْظَمُ مِنْ سَدِّ خَلَّةِ الْفَاسِقِ الطَّالِحِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ. هَذَا وَقَالَ الْأَصْلُ وَمَا لَيْسَ مَحْفُوظًا مِنْ رِوَايَاتِ الْمَذْهَبِ لِمَنْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا هُوَ مَحْفُوظٌ لَهُ مِنْهَا وَإِنْ كَثُرَتْ مَنْقُولَاتُهُ جِدًّا إلَّا إذَا حَصَلَتْ لَهُ شُرُوطُ التَّخْرِيجِ مِنْ حِفْظِهِ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْصِيلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِأُصُولِهَا وَمَعْرِفَتِهِ عِلْمَ أُصُولِ الْفِقْهِ وَكِتَابَ الْقِيَاسِ وَأَحْكَامِهِ وَتَرْجِيحَاتِهِ وَشَرَائِطِهِ وَمَوَانِعِهِ مَعْرِفَةً حَسَنَةً وَعِلْمُهُ بِأَنَّ قَوْلَ إمَامِهِ الْمُخَرَّجَ عَلَيْهِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَا لِلْقَوَاعِدِ وَلَا لِنَصٍّ وَلَا لِقِيَاسٍ جَلِيٍّ سَالِمٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقْدُمُونَ عَلَى التَّخْرِيجِ دُونَ هَذِهِ الشُّرُوطِ بَلْ صَارَ يُفْتِي مَنْ لَمْ يُحِطْ بِالتَّقْيِيدَاتِ وَلَا بِالتَّخْصِيصَاتِ مِنْ مَنْقُولِ إمَامِهِ وَذَلِكَ فِسْقٌ وَلَعِبٌ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّنْ يَتَعَمَّدُهُ اهـ وَيَتَعَيَّنُ جَعْلُ قَوْلِهِ سَالِمٌ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَصْفًا لِكُلٍّ مِنْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالنَّصِّ لَا لِخُصُوصِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ حَتَّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ إيرَادُ الْحَطَّابِ فَافْهَمْ. وَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَلَهُ مَرْتَبَتَانِ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى أَنْ يَعْرِفَ مِنْ الْمُجْتَهِدِ حُكْمَ حَادِثَةٍ بِدَلِيلِهَا وَفِي جَوَازِ إفْتَائِهِ بِمَا عَرَفَهُ مُطْلَقًا وَأَنْ يُقَلِّدَهُ غَيْرُهُ فِيهِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الدَّلِيلُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً رَابِعُهَا إنْ كَانَ نَقْلِيًّا وَالْأَصَحُّ مِنْهَا كَمَا فِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ الثَّانِي أَيْ الْمَنْعُ مُطْلَقًا الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ الْمُجْتَهِدِ حُكْمَ مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَدْرِ دَلِيلَهَا أَوْ يَحْفَظْ مُخْتَصَرًا مِنْ مُخْتَصَرَاتِ الْفِقْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا عَرَفَهُ نَعَمْ رُجُوعُ الْعَامِّيِّ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاهُ أَوْلَى مِنْ الِارْتِبَاكِ فِي الْحِيرَةِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْقُلَ مَا أَفْتَاهُ بِهِ الْمُجْتَهِدُ لِغَيْرِهِ نَعَمْ فِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِفَتْوَى مُفْتٍ لِعَامِّيٍّ مِثْلِهِ وَإِلَى حَالِ مَنْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَحُكْمُ فَتْوَاهُ أَشَارَ الْأَصْلُ بِقَوْلِهِ أَنْ يَحْفَظَ كِتَابًا فِيهِ عُمُومَاتٌ مُخَصَّصَةٌ فِي غَيْرِهِ وَمُطْلَقَاتٌ مُقَيَّدَةٌ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا فِيهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ يَقْطَعُ أَنَّهَا مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْقُيُودِ وَتَكُونُ هِيَ الْوَاقِعَةَ بِعَيْنِهَا اهـ. وَإِلَى حُكْمِ فَتْوَى مَنْ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى يُشِيرُ قَوْلُهُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ يَقْطَعُ أَنَّهَا مُسْتَوْفِيَةٌ إلَخْ فَتَأَمَّلْ بِدِقَّةٍ إذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ كَلَامَ الْأَصْلِ فِي هَذَا الْفَرْقِ وَجَوَابَ ابْنِ رُشْدٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْفَتْوَى وَصِفَةِ الْمُفْتِي قَدْ حَصَرَاهُ فِي مُجْتَهِدِ الْفَتْوَى وَالتَّرْجِيحِ وَالْعَالِمِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَتَهُ وَصَاحِبِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مَرْتَبَتِي الْعَامِّيِّ الْمَارَّتَيْنِ مَعَ إدْمَاجِ صَاحِبِ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِ الثَّانِيَةِ وَحَاصِلُ كَلَامِ الْأَصْلِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ عَلَى مَتْنِ سَيِّدِي خَلِيلٍ أَنَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ ثَلَاثَ حَالَاتٍ الْأُولَى أَنْ يَحْفَظَ كِتَابًا فِيهِ عُمُومَاتٌ مُخَصَّصَةٌ فِي غَيْرِهِ وَمُطْلَقَاتٌ مُقَيَّدَةٌ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا فِيهِ إلَّا فِي

стр. 354

هَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ فِي غَالِبِ مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ مَوَاضِعُ مُسْتَوِيَةٌ فِي الْمَصْلَحَةِ وَأَحَدُهَا أَكْثَرُ ثَوَابًا كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ قِرَاءَتِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لِوُجُوبِهَا دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَشَاةُ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ أَعْظَمُ ثَوَابًا مِنْ شَاةِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ مَعَ مُسَاوَاتِهَا لِنَفْسِهَا وَدِينَارُ الزَّكَاةِ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ دِينَارِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ قَلِيلٌ وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِرَادَتِهِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مَصْلَحَةٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ بِسَبَبِ قَصْدِ الْوُجُوبِ فِيهِ أَوْ وُقُوعِهِ فِي حَيِّزِ الْوَاجِبِ إذَا ظَهَرَ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمَصْلَحَةِ غَالِبًا أَوْ مُطْلَقًا فَأَذْكُرُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي فَضَّلَهَا الشَّرْعُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ سَبْعُ صُوَرٍ: الصُّورَةُ الْأُولَى إنْظَارُ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ وَاجِبٌ وَإِبْرَاؤُهُ مِنْهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَهُوَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْإِنْظَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَجَعَلَهُ أَفْضَلَ مِنْ الْإِنْظَارِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] هَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ فِي غَالِبِ مَوَارِدِ الشَّرْعِ) قُلْتُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ ثَوَابَ التَّصَدُّقِ بِدِينَارٍ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ التَّصَدُّقِ بِدِرْهَمٍ مُسَلَّمٌ صَحِيحٌ لَكِنْ عَلَى شَرْطِ الِاسْتِوَاءِ فِي حَالِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَمَّا عِنْدَ تَفَاوُتِ حَالِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فَلَا لِمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ» وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. قَالَ (مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ مَوَاضِعُ مُسْتَوِيَةٌ فِي الْمَصَالِحِ وَأَحَدُهَا أَكْثَرُ ثَوْبًا كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ إلَى قَوْلِهِ إذَا ظَهَرَ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمَصْلَحَةِ غَالِبًا أَوْ مُطْلَقًا فَاذْكُرْ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي فَضَّلَهَا الشَّرْعُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ سَبْعَ صُوَرٍ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ اسْتِوَاءِ مَصْلَحَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَلَمْ يَأْتِ عَلَى ذَلِكَ بِحُجَّةٍ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِرَادَتِهِ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مَصْلَحَةٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ بِسَبَبِ قَصْدِ الْوُجُوبِ فِيهِ أَوْ وُقُوعِهِ فِي حَيِّزِ الْوَاجِبِ. قَالَ (الصُّورَةُ الْأُولَى إنْظَارُ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ وَاجِبٌ وَإِبْرَاؤُهُ مِنْهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ إلَى آخِرِهَا) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَلَا بِصَحِيحٍ بَلْ الْإِنْظَارُ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمَنْدُوبِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] نَقُولُ بِمُوجِبِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَقْصُودُهُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَصْلَحَةَ الْإِبْرَاءِ أَعْظَمُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْإِنْظَارُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِنْظَارَ تَأْخِيرُ الطَّلَبِ بِالدَّيْنِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِطَلَبِ الدَّيْنِ بَعْدُ وَالْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ طَلَبِهِ بَعْدُ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الطَّلَبِ مُتَضَمِّنًا لِمَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَسْأَلَةٍ يَقْطَعُ أَنَّهَا مُسْتَوْفِيَةُ الْقُيُودِ وَتَكُونُ هِيَ الْوَاقِعَةَ بِعَيْنِهَا الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَّسِعَ اطِّلَاعُهُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ بِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ لَكِنَّهُ لَمْ يَضْبِطْ مَدَارِكَ إمَامِهِ وَمُسْتَنِدَاتِهِ فَهَذَا يُفْتِي بِمَا يَحْفَظُهُ وَيَنْقُلُهُ مِنْ الْمَشْهُورِ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَلَا يُخَرِّجُ مَسْأَلَةً لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً عَلَى مَا يُشْبِهُهَا الثَّالِثَةُ أَنْ يُحِيطَ بِذَلِكَ وَبِمَدَارِكِ إمَامِهِ وَمُسْتَنِدَاتِهِ وَهَذَا يُفْتِي بِمَا يَحْفَظُهُ وَيُخَرِّجُ وَيَقِيسُ بِشُرُوطِ الْقِيَاسِ مَا لَا يَحْفَظُهُ عَلَى مَا يَحْفَظُهُ اهـ. وَجَوَابُ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْحَطَّابِ عَلَى خَلِيلٍ نَقْلًا عَنْ وَثَائِقِ ابْنِ سَلْمُونٍ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي تُنْسَبُ إلَى الْعُلُومِ وَتَتَمَيَّزُ عَنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ فِي الْمَحْفُوظِ وَالْمَفْهُومِ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ طَوَائِفَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ اعْتَقَدَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ تَقْلِيدًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَأَخَذَتْ أَنْفُسَهَا بِحِفْظِ مُجَرَّدِ أَقْوَالِهِ وَأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ دُونَ التَّفَقُّهِ فِي مَعَانِيهَا بِتَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْهَا وَالسَّقِيمِ فَهَذِهِ لَا يَصِحُّ لَهَا الْفَتْوَى بِمَا عَلِمَتْهُ وَحَفِظَتْهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إذْ لَا عِلْمَ عِنْدَهَا بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذْ لَا يَصِحُّ الْفَتْوَى بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَيَصِحُّ لَهَا فِي خَاصَّتِهَا إنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَصِحُّ لَهَا أَنْ تَسْتَفْتِيَهُ أَنْ تُقَلِّدَ مَالِكًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا حَفِظَتْهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ مَنْ يُقَلِّدُهُ فِيهَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَيَجُوزُ لِلَّذِي نَزَلَتْ بِهِ النَّازِلَةُ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِيمَا حَكَاهُ لَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي نَازِلَتِهِ وَيُقَلِّدَ مَالِكًا فِي الْأَخْذِ بِقَوْلِهِ فِيهَا وَذَلِكَ أَيْضًا إذَا لَمْ يَجِدْ فِي عَصْرِهِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ فِي نَازِلَتِهِ فَيُقَلِّدُهُ فِيهَا. وَإِنْ كَانَتْ النَّازِلَةُ قَدْ عُلِمَ فِيهَا اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْعَامِّيِّ إذَا اسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فِي نَازِلَتِهِ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِيهَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالِ أَحَدُهَا أَنْ يَأْخُذَ بِمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ الثَّانِي أَنْ يَجْتَهِدَ مِنْ ذَلِكَ فَيَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِ أَعْلَمِهِمْ الثَّالِثُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَغْلَظِ الْأَقْوَالِ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُمْ اعْتَقَدَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ بِمَا بَانَ لَهَا مِنْ صِحَّةِ أُصُولِهِ الَّتِي بَنَاهُ عَلَيْهَا فَأَخَذَتْ أَنْفُسَهَا بِحِفْظِ مُجَرَّدِ أَقْوَالِهِ وَأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَتَفَقَّهَتْ فِي مَعَانِيهَا فَعَلِمَتْ الصَّحِيحَ مِنْهَا الْجَارِيَ عَلَى أُصُولِهِ مِنْ السَّقِيمِ الْخَارِجِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّحْقِيقِ بِمَعْرِفَةِ قِيَاسِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ وَهَذِهِ يَصْلُحُ لَهَا إذَا اُسْتُفْتِيَتْ أَنْ تُفْتِيَ بِمَا عَلِمَتْهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إذَا كَانَتْ قَدْ بَانَتْ لَهَا صِحَّتُهُ كَمَا يَجُوزُ لَهَا فِي خَاصَّتِهَا الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ إذَا بَانَتْ لَهَا صِحَّتُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُفْتِيَ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا تَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَوْ قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَانَتْ لَهَا

стр. 355

مَصْلَحَتَهُ أَعْظَمُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْإِنْظَارُ فَمَنْ أُبْرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْإِنْظَارُ وَهُوَ عَدَمُ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً» أَيْ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مَثُوبَةً مِثْلَ مَثُوبَةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ كَذَلِكَ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَهَذِهِ السَّبْعُ وَالْعِشْرُونَ مَثُوبَةً هِيَ مُضَافَةٌ لِوَصْفِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ خَاصَّةً أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ حَصَلَتْ لَهُ مَعَ أَنَّ الْإِعَادَةَ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ فَصَارَ وَصْفُ الْجَمَاعَةِ الْمَنْدُوبُ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ ثَوَابِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ فَضَلَ وَاجِبًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَكْثَرُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ بِأَلْفِ مَثُوبَةٍ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَقَدْ فَضَلَ الْمَنْدُوبُ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ أَعْظَمُ مَصْلَحَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ «الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ» كَمَا خَرَّجَهُ الثِّقَاتُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَقَدْ فَضَلَ الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ. الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَقَدْ فَضَلَ الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] يَسْتَلْزِمُ الطَّلَبَ. قَالَ (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ لَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ مُتَفَضِّلَةً عَنْ الصَّلَاةِ بَلْ الْجَمَاعَةُ وَصْفٌ لِلصَّلَاةِ فُضِّلَتْ بِهِ عَلَى وَصْفِ الِانْفِرَادِ فَصَلَاةُ الْمُكَلَّفِ إذَا فَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ وَقَعَتْ وَاجِبَةً وَإِذَا فَعَلَهَا وَحْدَهُ وَقَعَتْ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ أَحَدُ الْوَاجِبَيْنِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْآخَرِ وَلَا يُنْكَرُ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا إذَا أَوْقَعَهَا الْمُكَلَّفُ فِي جَمَاعَةٍ فَكَوْنُهَا صَلَاةَ ظُهْرٍ هُوَ الْوَاجِبُ وَكَوْنُهَا فِي جَمَاعَةٍ هُوَ الْمَنْدُوبُ فَذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بِوَجْهٍ لِأَنَّ كَوْنَهَا فِي جَمَاعَةٍ لَيْسَ مُنْفَصِلًا مِنْ كَوْنِهَا ظُهْرًا بَلْ هِيَ ظُهْرٌ وَهِيَ فِي جَمَاعَةٍ. قَالَ (الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي تُصَلَّى فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبَةً فَهِيَ تَفْضُلُ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِنَفْسِهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً فَهِيَ تَفْضُلُ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِنَفْسِهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي غَيْرِهِ. قَالَ (الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَالْكَلَامِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. قَالَ (الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ وَهَذِهِ الْكَلَامُ فِيهَا أَيْضًا كَالْكَلَامِ فِيمَا قَبْلَهَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] صِحَّتُهُ إذْ لَيْسَتْ مِمَّنْ كَمُلَ لَهَا آلَاتُ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يَصِحُّ لَهَا بِهَا قِيَاسٌ مِنْ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ مِنْهُمْ اعْتَقَدَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِهِ بِمَا بَانَ لَهَا أَيْضًا مِنْ صِحَّةِ أُصُولِهِ لِكَوْنِهَا عَالِمَةً أَحْكَامَ الْقُرْآنِ عَارِفَةً لِلنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْمُفَصَّلِ وَالْمُجْمَلِ وَالْخَاصِّ مِنْ الْعَامِّ عَالِمَةً بِالسُّنَنِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَحْكَامِ مُمَيِّزَةً بَيْنَ صَحِيحِهَا مِنْ مَعْلُولِهَا عَالِمَةً بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَبِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَالِمَةً مِنْ عِلْمِ اللِّسَانِ بِمَا يُفْهَمُ بِهِ مَعَانِي الْكَلَامِ عَالِمَةً بِوَضْعِ الْأَدِلَّةِ فِي مَوَاضِعِيهَا وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي يَصِحُّ لَهَا الْفَتْوَى عُمُومًا بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ بِالْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّازِلَةِ وَعَلَى مَا قِيسَ عَلَيْهَا إنْ قُدِّمَ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا وَمِنْ الْقِيَاسِ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَدْ يُعْلَمُ قَطْعًا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَقَدْ يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ فَلَا يُوجِبُ إلَّا غَلَبَةَ الظَّنِّ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ إلَّا بَعْدَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَهَذَا كُلُّهُ يَتَفَاوَتُ الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْقِيقِ بِالْمَعْرِفَةِ بِهِ تَفَاوُتًا بَعِيدًا وَتَفْتَرِقُ أَحْوَالُهُمْ أَيْضًا فِي جَوْدَةِ الْفَهْمِ لِذَلِكَ وَجَوْدَةِ الذِّهْنِ فِيهِ افْتِرَاقًا بَعِيدًا إذْ لَيْسَ الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَالْحِفْظِ وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ فَمَنْ اعْتَقَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ تَصِحُّ لَهُ الْفَتْوَى بِمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ الْمُرَكَّبِ عَلَى الْمَحْفُوظِ الْمَعْلُومِ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَإِذَا اعْتَقَدَ النَّاسُ فِيهِ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فَمِنْ الْحَقِّ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُفْتِيَ حَتَّى يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ عَلَى مَا حَكَى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ أَشَارَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اسْتَشَارَهُ السُّلْطَانُ فَاسْتَشَارَهُ فِي ذَلِكَ اهـ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ الِاسْتِنْبَاطُ لُغَةً اسْتِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ الْعَيْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ نَبَطَ الْمَاءُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْبَعِهِ وَاصْطِلَاحًا اسْتِخْرَاجُ الْمَعَانِي مِنْ النُّصُوصِ بِفَرْطِ الذِّهْنِ وَقُوَّةِ الْقَرِيحَةِ كَمَا فِي تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ الْمَحَلِّيُّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنْ يَسْتَنْبِطَ الْحُكْمَ بِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِأَلْ عَامٌّ مِمَّا نُقِلَ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ حَيْثُ لَا حَصْرَ فِيهِ أَيْ إخْرَاجُ بَعْضِهِ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا بِأَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ كُبْرَى مَأْخُوذَةً مِنْ قَوْلِهِمْ مِعْيَارًا لِعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهِيَ كُلُّ مَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ مِمَّا لَا حَصْرَ فِيهِ فَهُوَ عَامٌّ لِيَنْتِجَ مَطْلُوبٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ عَامٌّ اهـ بِتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ. وَفِي حَاشِيَتَيْ الشِّرْبِينِيِّ وَالْعَطَّارِ عَلَى مَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ الِاسْتِنْبَاطُ اسْتِنْتَاجُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إذَا رُفِعَتْ إلَى الْمُجْتَهِدِ وَاقِعَةٌ فَلْيَعْرِضْهَا عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ فَعَلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ
следующие страницы →