Полный текст (1 059 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَقَدْ خُولِفَ هَذَا الْقِيَاسُ بِالْجَمْعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ وَفِعْلُ الْمَنْدُوبِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بِعَرَفَةَ تُرِكَ فِيهِ وَاجِبَانِ أَحَدُهُمَا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا وَهِيَ الْعَصْرُ فَتُقَدَّمُ وَتُصَلَّى مَعَ الظُّهْرِ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْوَقْتِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَثَانِيهِمَا تَرْكُ الْجُمُعَةِ إذَا جَاءَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيُصَلَّى الظُّهْرُ أَرْبَعًا فَتُرِكَ الْوَاجِبُ أَيْضًا لَا لِدَفْعِ الضَّرَرِ لِأَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْجُمُعَةِ كَمَا يَنْدَفِعُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلِذَلِكَ لَمَّا حَجَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَمَعَهُ أَبُو يُوسُفَ وَاجْتَمَعَا بِمَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ وَقَعَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا اجْتَمَعَ الْجُمُعَةُ وَالظُّهْرُ يَوْمَ عَرَفَةَ قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ وَوَاجِبَةٌ قَبْلَ الظُّهْرِ مَعَ الْإِمْكَانِ قَالَ لَهُ مَالِكٌ إنَّ ذَلِكَ خِلَافَ السُّنَّةِ فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ أَيْنَ لَك ذَلِكَ وَأَنَّهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَقَدْ خُولِفَ هَذَا الْقِيَاسُ بِالْجَمْعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ وَفِعْلُ الْمَنْدُوبِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ تَرْكَ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ مَقْصُودُهُ وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَ الْوَاجِبِ فِي حَالٍ شَرْعِيَّةِ الْجَمْعِ فَلَيْسَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا بِوَاجِبٍ فَلَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا بَلْ صَارَتْ الْأَخِيرَةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَقْتِهَا وَوَقْتِ الْأُولَى وَمَنْ فَعَلَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ فِي أَوَّلِ أَجْزَاءِ وَقْتِهِ الْمُوَسَّعِ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا أَصْلًا وَإِنَّمَا السَّبَبُ فِيمَا ارْتَكَبَهُ ذَهَابُ الْوَهْمِ إلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا وَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ هُوَ بِعَيْنِهِ الْوَاجِبُ وَلَيْسَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا هُوَ بِعَيْنِهِ الْوَاجِبُ أَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلِمَا قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ الْوَاجِبَ فَلِأَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ الصَّلَاةُ وَالتَّأْخِيرُ وَالتَّقْدِيمُ أَمْرَانِ إضَافِيَّانِ فَمَتَى نُسِبَ الْوُجُوبُ إلَى التَّأْخِيرِ أَوْ إلَى التَّقْدِيمِ فَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ الْمَقْصُودُ بِوُجُوبِ التَّأْخِيرِ وُجُوبُ فِعْلِ الصَّلَاةِ مُؤَخَّرَةً وَبِوُجُوبِ التَّقْدِيمِ وُجُوبُ فِعْلِهَا مُقَدَّمَةً وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ فَهِمَ شَيْئًا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ فِي حَالِ الْمَطَرِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إيقَاعِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مُقَدَّمَةً قَبْلَ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ لَهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ إيثَارًا لِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَبَيْنَ إيقَاعِهَا فَذًّا فِي وَقْتِهَا الْمَذْكُورِ وَلَا غَرْوَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَمْرٍ رَاجِحٍ وَمَرْجُوحٍ وَفَاضِلٍ وَمَفْضُولٍ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّ الْعِتْقَ أَرْجَحُهَا لِرُجْحَانِ قِيمَةِ الرَّقَبَةِ عَلَى قِيمَةِ الْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ بَلْ كَمَا فِي رَقَبَةٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ وَرَقَبَةٍ قِيمَتُهَا مِائَةٌ وَكَمَا فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ إطَالَةِ سُجُودِ الصَّلَاةِ وَتَقْصِيرِهِ وَذَلِكَ لَا يُحْصَى كَثْرَةً فِي الشَّرِيعَةِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بِعَرَفَةَ تُرِكَ فِيهِ وَاجِبَانِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَالِمٌ غَيْرُ مُجْتَهِدٍ بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ مُجْتَهِدِ الْفَتْوَى وَلَا يَنْزِلَ إلَى دَرَجَةِ الْعَامِّيِّ وَسَمَّاهُ الْعَلَّامَةُ السُّيُوطِيّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَذْكُورَةِ مُجْتَهِدَ الْفُتْيَا نَظَرًا لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَعَنْ شَارِحِ التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيِّ مِنْ أَنَّهُ رُتْبَةٌ ثَالِثَةٌ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُقَلِّدِينَ إلَّا أَنَّ كَلَامَ شَارِحِ التَّحْرِيرِ الْمَارِّ وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْآتِي عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْتَهِدِ فُتْيَا بَلْ مُجْتَهِدُ الْفُتْيَا هُوَ مُجْتَهِدُ التَّرْجِيحِ فَتَأَمَّلْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ أَيْضًا وَهُوَ مَنْ يَقُومُ بِحِفْظِ الْمَذْهَبِ وَنَقْلِهِ وَفَهْمِهِ فِي الْوَاضِحَاتِ وَالْمُشْكِلَاتِ وَلَكِنْ عِنْدَهُ ضَعْفٌ فِي تَقْرِيرِ أَدِلَّتِهِ وَتَحْرِيرِ أَقْيِسَتِهِ فَهَذَا يُعْتَمَدُ نَقْلُهُ وَفَتْوَاهُ فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ مَسْطُورَاتِ مَذْهَبِهِ وَمَا لَا يَجِدُهُ مَنْقُولًا إنْ وُجِدَ فِي الْمَنْقُولَاتِ مَعْنَاهُ بِحَيْثُ يُدْرِكُ بِغَيْرِ كَبِيرِ فِكْرٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا جَازَ إلْحَاقُهُ بِهِ وَالْفَتْوَى بِهِ وَكَذَا مَا يُعْلَمُ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ ضَابِطِ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَذْهَبِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ يَجِبُ إمْسَاكُهُ عَنْ الْفَتْوَى فِيهِ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْأَصْلِ وَحَالُ هَذَا أَنْ يَتَّسِعَ إطْلَاعُهُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ بِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ لَكِنَّهُ لَمْ يَضْبِطْ مَدَارِكَ إمَامِهِ وَمُسْتَنَدَاتِهِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُفْتِي بِمَا يَحْفَظُهُ وَيَنْقُلُهُ مِنْ مَذْهَبِهِ اتِّبَاعًا لِمَشْهُورِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ بِشُرُوطِ الْفُتْيَا لَا بِكُلِّ قَوْلٍ فِيهِ إذْ لَا يُعَرَّى مَذْهَبٌ مِنْ الْمَذَاهِبِ عَنْ قَوْلٍ خَالَفَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ الْإِجْمَاعَ أَوْ الْقَوَاعِدَ أَوْ النَّصَّ أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ السَّالِمَ عَنْ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ لَكِنَّهُ قَدْ يَقِلُّ وَقَدْ يَكْثُرُ.
وَهَذَا النَّوْعُ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يَنْقُلَهُ لِلنَّاسِ وَلَا يُفْتِي بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ وَلَا نُقِرُّهُ شَرْعًا وَإِنْ تَأَكَّدَ بِحُكْمِهِ فَأَوْلَى أَنْ نُقِرَّهُ شَرْعًا إذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ وَلَا يُعْلَمُ فِي مَذْهَبِهِ إلَّا مَنْ عَرَفَ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وَالنَّصَّ الصَّرِيحَ وَعَدَمَ الْمُعَارِضِ لِذَلِكَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْصِيلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِأُصُولِهَا مَعَ مَعْرِفَةِ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ مَعْرِفَةً حَسَنَةً لَا بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ لَيْسَتْ مُسْتَوْعَبَةً فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بَلْ لِلشَّرِيعَةِ قَوَاعِدُ كَثِيرَةٌ جِدًّا عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى وَالْفُقَهَاءِ لَا تُوجَدُ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَصْلًا وَذَلِكَ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى وَضْعِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُسَمَّى كِتَابُ الْأَنْوَارِ وَالْقَوَاعِدِ السَّنِيَّةِ لِأَضْبِطَ تِلْكَ الْقَوَاعِدَ حَسْبَ طَاقَتِي وَلِاعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ يَحْرُمُ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ الْفَتْوَى فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ وَكَذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ ﵃ مُتَوَقِّفِينَ فِي الْفُتْيَا تَوَقُّفًا شَدِيدًا.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ أَهْلًا لِذَلِكَ وَيَرَى هُوَ نَفْسُهُ أَهْلًا لِذَلِكَ يُرِيدُ تَثَبُّتَ أَهْلِيَّتِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَيَكُونُ هُوَ بِيَقِينٍ
стр. 352
خِلَافُ السُّنَّةِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَهُمَا خُطْبَةٌ وَهَذِهِ هِيَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ جَهَرَ فِيهِمَا أَوْ أَسَرَّ فَسَكَتَ أَبُو يُوسُفَ فَظَهَرَتْ الْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ﵃ أَجْمَعِينَ - بِسَبَبِ الْإِسْرَارِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ جَهْرِيَّةٌ فَلَمَّا صَلَّى ﵇ رَكْعَتَيْنِ سِرًّا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ سَفَرِيَّةً وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْخُطْبَةَ لِيَوْمِ عَرَفَةَ لَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ عَرَفَةَ إنَّمَا خُطْبَتُهُ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ مَنَاسِكَ الْحَجِّ كَانَتْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا وَالْجَوَابُ عَنْ الْجَمْعِ وَتَرْكِ الْجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ أَيْسَرُ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ الْجَمْعِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ.
أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ عَرَفَةَ وَتَرْكِ الْجُمُعَةِ فَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْحَجِيجِ السَّفَرُ وَفَرْضُ الْمُسَافِرِ الظُّهْرُ دُونَ الْجُمُعَةِ فَجُعِلَ النَّادِرُ تَبَعًا لِلْغَالِبِ فَمَنْ هُوَ مُقِيمٌ بِعَرَفَةَ أَوْ مَنْزِلُهُ قَرِيبٌ مِنْ عَرَفَةَ فَتَرْكُ الْجُمُعَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ تَرْكَ الْوَاجِبِ.
وَأَمَّا تَرْكُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا وَهِيَ الْعَصْرُ فَلِضَرُورَةِ الْحُجَّاجِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلْإِقْبَالِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ وَالتَّقَرُّبِ اللَّائِقِ بِعَرَفَةَ وَهُوَ يَوْمٌ لَا يَكَادُ يَحْصُلُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً بَعْدَ ضَنْكِ الْأَسْفَارِ وَقَطْعِ الْبَرَارِيِ وَالْقِفَارِ وَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْأَقْطَارِ الْبَعِيدَةِ وَالْأَوْطَانِ النَّائِيَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يُقَدَّمَ هَذَا عَلَى مَصْلَحَةِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَيَكُونُ هَذَا ضَرَرًا يُوجِبُ التَّقْدِيمَ كَمَا يُوجِبُ فَوَاتُ الزَّمَانِ التَّقْدِيمَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بَلْ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ فَوَاتِ الزَّمَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يُسَافِرَ أَوْ يُسَافِرَ مَعَهُ رُفْقَةٌ مُوَافِقِينَ عَلَى النُّزُولِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَهُوَ ضَرَرٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَمَّا مَصَالِحُ الْحَجِّ فَأَمْرٌ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ وَلَا خُرُوجَ لَهُ عَنْهَا وَلَا يُمْكِنُ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا فَهَذَا جَوَابٌ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي جَمْعِ عَرَفَةَ دُونَ جَمْعِ لَيْلَةِ الْمَطَرِ.
وَأَمَّا جَمْعُ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ إذَا خَافَ الْغَلَبَةَ عَلَى عَقْلِهِ آخِرَ الْوَقْتِ فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِخِلَافِ جَمْعِ الْمَطَرِ لَمْ يَتَعَيَّنْ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَلَوْ لَمْ يَجْمَعْ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ ضَاعَ الْوَاجِبُ آخِرَ الْوَقْتِ وَهُوَ الصَّلَاةُ الْأَخِيرَةُ بِغَيْبَةِ الْعَقْلِ وَضَرُورَةِ الْمَرَضِ أَوْ دَخَلَ الضَّرَرُ بِفَوَاتِ الرِّفَاقِ وَالْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ لَوْ تُرِكَ إنَّمَا يَفُوتُ الْمَنْدُوبُ الَّذِي هُوَ الْجَمَاعَةُ.
وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ فَتُصَلَّى عَلَى أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ فِي الْبُيُوتِ عِنْدَ دُخُولِ الْأَوْقَاتِ فَهَذَا جَمْعٌ يَخْتَصُّ بِهَذَا السُّؤَالِ الْقَوِيِّ وَالْجَوَابُ عَنْهُ إذَا حَصَلَ يُقَوِّي الْجَوَابَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَنَشْرَعُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْمُشْكِلَةِ فَنَقُولُ إنَّ الْمَنْدُوبَاتِ قِسْمَانِ قِسْمٌ تَقْصُرُ مَصْلَحَتُهُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فَنَشْرَعُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْمُشْكِلَةِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ ذَلِكَ صَحِيحٌ لَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ (فَنَقُولُ إنَّ الْمَنْدُوبَاتِ قِسْمَانِ قِسْمٌ تَقْصُرُ مَصْلَحَتُهُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مُطَّلِعًا عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِّهِ مِنْ الْأَهْلِيَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ مِنْ الْإِنْسَانِ أَمْرٌ عَلَى ضِدِّ مَا هُوَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ النَّاسُ حَصَلَ الْيَقِينُ فِي ذَلِكَ وَمَا أَفْتَى مَالِكٌ حَتَّى أَجَازَهُ أَرْبَعُونَ مُحَنَّكًا لِأَنَّ التَّحْنِيكَ وَهُوَ اللِّثَامُ بِالْعَمَائِمِ تَحْتَ الْحَنَكِ شِعَارُ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَحْنِيكٍ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى تَأَكُّدِ التَّحْنِيكِ وَهَذَا هُوَ شَأْنِ الْفُتْيَا فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ.
وَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ انْخَرَقَ هَذَا السِّيَاجُ وَسَهُلَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُ دِينِهِمْ فَتَحَدَّثُوا فِيهِ بِمَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ وَعَسُرَ عَلَيْهِمْ اعْتِرَافُهُمْ بِجَهْلِهِمْ وَأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ لَا يَدْرِي فَلَا جَرَمَ آلَ الْحَالُ لِلنَّاسِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْجُهَّالِ وَالْمُتَجَرِّئِينَ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ.
قَالَ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقَاتِ وَتَخْصِيصَ الْعُمُومَاتِ يَعْنِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ وَأَمَّا الْقَطْعُ بِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً فَبَعِيدٌ وَيَكْفِي الْآنَ فِي ذَلِكَ وُجُودُ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّوْضِيحِ أَوْ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ الَّذِي يُفْتِي فِي هَذَا الزَّمَانِ أَقَلُّ مَرَاتِبِهِ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَبْحَرَ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى رِوَايَاتِ الْمَذْهَبِ وَتَأْوِيلِ الشُّيُوخِ لَهَا وَتَوْجِيهِهِمْ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ اخْتِلَافِ ظَوَاهِرَ وَاخْتِلَافِ مَذَاهِبَ وَتَشْبِيهِهِمْ مَسَائِلَ بِمَسَائِلَ قَدْ يَسْبِقُ إلَى النَّفْسِ تَبَاعُدُهَا وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ مَسَائِلَ وَمَسَائِلَ قَدْ يَقَعُ فِي النَّفْسِ تَقَارُبُهَا وَتَشَابُهُهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا بَسَطَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي كُتُبِهِمْ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ فَهَذَا لِعَدَمِ النُّظَّارِ يُقْتَصَرُ عَلَى نَقْلِهِ عَنْ الْمَذْهَبِ اهـ.
وَفِي آخِرِ خُطْبَةِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لِابْنِ رُشْدٍ قَالَ إذَا جَمَعَ الطَّالِبُ الْمُقَدَّمَاتِ إلَى هَذَا الْكِتَابِ يَعْنِي الْبَيَانَ وَالتَّحْصِيلَ حَصَلَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا يَسَعُ جَهْلُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَعَرَفَ الْعِلْمَ مِنْ طَرِيقِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ بَابِهِ وَسَبِيلِهِ وَأَحْكَمَ رَدَّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ وَاسْتَغْنَى بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ الشُّيُوخِ فِي الْمُشْكِلَاتِ وَحَصَّلَ مَرْتَبَةَ مَنْ يَجِبُ تَقْلِيدُهُ فِي النَّوَازِلِ الْمُعْضِلَاتِ وَدَخَلَ فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ وَوَعَدَهُمْ فِيهِ بِتَرْفِيعِ الدَّرَجَاتِ اهـ كَلَامُ الْحَطَّابِ بِتَغْيِيرِ مَا.
قَالَ وَجَعَلَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ مَا خَالَفَ فِيهِ الْإِمَامُ النَّصَّ نَظِيرُ مَا خَالَفَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ فِي عَدَمِ جَوَازِ نَقْلِهِ لِلنَّاسِ وَإِفْتَائِهِمْ بِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِنَصِّ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ نَصِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إذَا كَانَ الْعَمَلُ بِخِلَافِهِ اهـ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَعْلِ قَوْلِهِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ وَصْفًا لِخُصُوصِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ لَا لَهُ وَلِلنَّصِّ وَإِلَّا
стр. 353
فَإِنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ تَتْبَعُ
الْمَصَالِحَ
الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ وَنَوَاهِيَهُ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ حَتَّى يَكُونَ أَدْنَى الْمَصَالِحِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ ثُمَّ تَتَرَقَّى الْمَصْلَحَةُ وَالنَّدْبُ وَتَعْظُمُ رُتْبَتُهُ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْمَنْدُوبَاتِ تَلِيهِ أَدْنَى رُتَبِ الْوَاجِبَاتِ وَأَدْنَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَدْنَى رُتَبِ الْمَكْرُوهَاتِ ثُمَّ تَتَرَقَّى الْمَفَاسِدُ وَالْكَرَاهَةُ فِي الْعِظَمِ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْمَكْرُوهَاتِ يَلِيهِ أَدْنَى رُتَبِ الْمُحَرَّمَاتِ هَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْدُوبَاتٌ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَثَوَابُهَا أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ الْوَاجِبَاتِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصَالِحَهَا أَعْظَمُ مِنْ مَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ كَثْرَةُ الْمَصَالِحِ وَقِلَّتُهَا أَلَا تَرَى أَنَّ ثَوَابَ التَّصَدُّقِ بِدِينَارٍ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ التَّصَدُّقِ بِدِرْهَمٍ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَصْلَحَةً وَسَدُّ خَلَّةِ الْوَالِي الصَّالِحِ أَعْظَمُ مِنْ سَدِّ خَلَّةِ الْفَاسِقِ الطَّالِحِ لِأَنَّ
مَصْلَحَةَ
بَقَاءِ الْوَلِيِّ وَالْعَالِمِ فِي الْوُجُودِ لِنَفْسِهِ وَلِلْخَلْقِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْفَاسِقِ وَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فَإِنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ وَنَوَاهِيهِ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ إلَى قَوْلِهِ هَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ) قُلْتُ مَا قَالَ صَحِيحٌ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْأَوَامِرَ تَتْبَعُ
الْمَصَالِحَ
وَالنَّوَاهِيَ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ وَهُوَ أَنَّ الْمَصَالِحَ تَتْبَعُ الْأَوَامِرَ وَالْمَفَاسِدَ تَتْبَعُ النَّوَاهِيَ أَمَّا فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَلَا خَفَاءَ بِهِ فَإِنَّ الْمَصَالِحَ هِيَ الْمَنَافِعُ وَلَا مَنْفَعَةَ أَعْظَمُ مِنْ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالْمَفَاسِدُ هِيَ الْمَضَارُّ وَلَا ضَرَرَ أَعْظَمُ مِنْ الْعَذَابِ الْمُقِيمِ.
وَأَمَّا فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَعَلَى ذَلِكَ دَلَائِلُ مِنْ الظَّوَاهِرِ الشَّرْعِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَكَقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُكَادُ يَنْحَصِرُ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْمَوْضِعُ مَحَلُّ نَظَرٍ هَذَا إنْ كَانَ يُرِيدُ بِالتَّبَعِيَّةِ حُصُولَ هَذِهِ بَعْدَ حُصُولِ هَذِهِ وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَوَامِرَ وَرَدَتْ لِتَحْصُلَ عِنْدَ امْتِثَالِهَا الْمَصَالِحَ وَأَنَّ النَّوَاهِيَ وَرَدَتْ لِتَرْتَفِعَ عِنْدَ امْتِثَالِهَا الْمَفَاسِدَ فَذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ (ثُمَّ إنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْدُوبَاتٌ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَثَوَابُهَا أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ الْوَاجِبَاتِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصَالِحَهَا أَعْظَمُ مِنْ مَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَلَا صَحِيحٍ.
قَالَ (لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ كَثْرَةُ الْمَصَالِحِ وَقِلَّتُهَا أَلَا تَرَى أَنَّ ثَوَابَ التَّصَدُّقِ بِدِينَارٍ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ التَّصَدُّقِ بِدِرْهَمٍ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَصْلَحَةً وَسَدَّ خَلَّةِ الْوَلِيِّ الصَّالِحِ أَعْظَمُ مِنْ سَدِّ خَلَّةِ الْفَاسِقِ الطَّالِحِ إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ.
هَذَا وَقَالَ الْأَصْلُ وَمَا لَيْسَ مَحْفُوظًا مِنْ رِوَايَاتِ الْمَذْهَبِ لِمَنْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا هُوَ مَحْفُوظٌ لَهُ مِنْهَا وَإِنْ كَثُرَتْ مَنْقُولَاتُهُ جِدًّا إلَّا إذَا حَصَلَتْ لَهُ شُرُوطُ التَّخْرِيجِ مِنْ حِفْظِهِ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي تَحْصِيلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِأُصُولِهَا وَمَعْرِفَتِهِ عِلْمَ أُصُولِ الْفِقْهِ وَكِتَابَ الْقِيَاسِ وَأَحْكَامِهِ وَتَرْجِيحَاتِهِ وَشَرَائِطِهِ وَمَوَانِعِهِ مَعْرِفَةً حَسَنَةً وَعِلْمُهُ بِأَنَّ قَوْلَ إمَامِهِ الْمُخَرَّجَ عَلَيْهِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَا لِلْقَوَاعِدِ وَلَا لِنَصٍّ وَلَا لِقِيَاسٍ جَلِيٍّ سَالِمٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَقْدُمُونَ عَلَى التَّخْرِيجِ دُونَ هَذِهِ الشُّرُوطِ بَلْ صَارَ يُفْتِي مَنْ لَمْ يُحِطْ بِالتَّقْيِيدَاتِ وَلَا بِالتَّخْصِيصَاتِ مِنْ مَنْقُولِ إمَامِهِ وَذَلِكَ فِسْقٌ وَلَعِبٌ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى مِمَّنْ يَتَعَمَّدُهُ اهـ وَيَتَعَيَّنُ جَعْلُ قَوْلِهِ سَالِمٌ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَصْفًا لِكُلٍّ مِنْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالنَّصِّ لَا لِخُصُوصِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ حَتَّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ إيرَادُ الْحَطَّابِ فَافْهَمْ.
وَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَلَهُ مَرْتَبَتَانِ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى أَنْ يَعْرِفَ مِنْ الْمُجْتَهِدِ حُكْمَ حَادِثَةٍ بِدَلِيلِهَا وَفِي جَوَازِ إفْتَائِهِ بِمَا عَرَفَهُ مُطْلَقًا وَأَنْ يُقَلِّدَهُ غَيْرُهُ فِيهِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ الدَّلِيلُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً رَابِعُهَا إنْ كَانَ نَقْلِيًّا وَالْأَصَحُّ مِنْهَا كَمَا فِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ الثَّانِي أَيْ الْمَنْعُ مُطْلَقًا الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ الْمُجْتَهِدِ حُكْمَ مَسْأَلَةٍ وَلَمْ يَدْرِ دَلِيلَهَا أَوْ يَحْفَظْ مُخْتَصَرًا مِنْ مُخْتَصَرَاتِ الْفِقْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا عَرَفَهُ نَعَمْ رُجُوعُ الْعَامِّيِّ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ سِوَاهُ أَوْلَى مِنْ الِارْتِبَاكِ فِي الْحِيرَةِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْقُلَ مَا أَفْتَاهُ بِهِ الْمُجْتَهِدُ لِغَيْرِهِ نَعَمْ فِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِفَتْوَى مُفْتٍ لِعَامِّيٍّ مِثْلِهِ وَإِلَى حَالِ مَنْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَحُكْمُ فَتْوَاهُ أَشَارَ الْأَصْلُ بِقَوْلِهِ أَنْ يَحْفَظَ كِتَابًا فِيهِ عُمُومَاتٌ مُخَصَّصَةٌ فِي غَيْرِهِ وَمُطْلَقَاتٌ مُقَيَّدَةٌ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا فِيهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ يَقْطَعُ أَنَّهَا مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْقُيُودِ وَتَكُونُ هِيَ الْوَاقِعَةَ بِعَيْنِهَا اهـ.
وَإِلَى حُكْمِ فَتْوَى مَنْ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى يُشِيرُ قَوْلُهُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ يَقْطَعُ أَنَّهَا مُسْتَوْفِيَةٌ إلَخْ فَتَأَمَّلْ بِدِقَّةٍ إذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ كَلَامَ الْأَصْلِ فِي هَذَا الْفَرْقِ وَجَوَابَ ابْنِ رُشْدٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْفَتْوَى وَصِفَةِ الْمُفْتِي قَدْ حَصَرَاهُ فِي مُجْتَهِدِ الْفَتْوَى وَالتَّرْجِيحِ وَالْعَالِمِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَتَهُ وَصَاحِبِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مَرْتَبَتِي الْعَامِّيِّ الْمَارَّتَيْنِ مَعَ إدْمَاجِ صَاحِبِ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِ الثَّانِيَةِ وَحَاصِلُ كَلَامِ الْأَصْلِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ عَلَى مَتْنِ سَيِّدِي خَلِيلٍ أَنَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ ثَلَاثَ حَالَاتٍ الْأُولَى أَنْ يَحْفَظَ كِتَابًا فِيهِ عُمُومَاتٌ مُخَصَّصَةٌ فِي غَيْرِهِ وَمُطْلَقَاتٌ مُقَيَّدَةٌ فِي غَيْرِهِ فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا فِيهِ إلَّا فِي
стр. 354
هَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ فِي غَالِبِ مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ مَوَاضِعُ مُسْتَوِيَةٌ فِي الْمَصْلَحَةِ وَأَحَدُهَا أَكْثَرُ ثَوَابًا كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ قِرَاءَتِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ لِوُجُوبِهَا دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَشَاةُ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ أَعْظَمُ ثَوَابًا مِنْ شَاةِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ مَعَ مُسَاوَاتِهَا لِنَفْسِهَا وَدِينَارُ الزَّكَاةِ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ دِينَارِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ قَلِيلٌ وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِرَادَتِهِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مَصْلَحَةٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ بِسَبَبِ قَصْدِ الْوُجُوبِ فِيهِ أَوْ وُقُوعِهِ فِي حَيِّزِ الْوَاجِبِ إذَا ظَهَرَ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمَصْلَحَةِ غَالِبًا أَوْ مُطْلَقًا فَأَذْكُرُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي فَضَّلَهَا الشَّرْعُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ سَبْعُ صُوَرٍ: الصُّورَةُ الْأُولَى إنْظَارُ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ وَاجِبٌ وَإِبْرَاؤُهُ مِنْهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَهُوَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْإِنْظَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَجَعَلَهُ أَفْضَلَ مِنْ الْإِنْظَارِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
هَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ فِي غَالِبِ مَوَارِدِ الشَّرْعِ) قُلْتُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ ثَوَابَ التَّصَدُّقِ بِدِينَارٍ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ التَّصَدُّقِ بِدِرْهَمٍ مُسَلَّمٌ صَحِيحٌ لَكِنْ عَلَى شَرْطِ الِاسْتِوَاءِ فِي حَالِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَمَّا عِنْدَ تَفَاوُتِ حَالِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فَلَا لِمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ» وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
قَالَ (مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ مَوَاضِعُ مُسْتَوِيَةٌ فِي الْمَصَالِحِ وَأَحَدُهَا أَكْثَرُ ثَوْبًا كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ إلَى قَوْلِهِ إذَا ظَهَرَ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمَصْلَحَةِ غَالِبًا أَوْ مُطْلَقًا فَاذْكُرْ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي فَضَّلَهَا الشَّرْعُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ سَبْعَ صُوَرٍ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ اسْتِوَاءِ مَصْلَحَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَلَمْ يَأْتِ عَلَى ذَلِكَ بِحُجَّةٍ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِرَادَتِهِ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مَصْلَحَةٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ بِسَبَبِ قَصْدِ الْوُجُوبِ فِيهِ أَوْ وُقُوعِهِ فِي حَيِّزِ الْوَاجِبِ.
قَالَ (الصُّورَةُ الْأُولَى إنْظَارُ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ وَاجِبٌ وَإِبْرَاؤُهُ مِنْهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ إلَى آخِرِهَا) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَلَا بِصَحِيحٍ بَلْ الْإِنْظَارُ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْوَاجِبَ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمَنْدُوبِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] نَقُولُ بِمُوجِبِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَقْصُودُهُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَصْلَحَةَ الْإِبْرَاءِ أَعْظَمُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْإِنْظَارُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِنْظَارَ تَأْخِيرُ الطَّلَبِ بِالدَّيْنِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِطَلَبِ الدَّيْنِ بَعْدُ وَالْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ طَلَبِهِ بَعْدُ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الطَّلَبِ مُتَضَمِّنًا لِمَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَسْأَلَةٍ يَقْطَعُ أَنَّهَا مُسْتَوْفِيَةُ الْقُيُودِ وَتَكُونُ هِيَ الْوَاقِعَةَ بِعَيْنِهَا الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَّسِعَ اطِّلَاعُهُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ بِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ لَكِنَّهُ لَمْ يَضْبِطْ مَدَارِكَ إمَامِهِ وَمُسْتَنِدَاتِهِ فَهَذَا يُفْتِي بِمَا يَحْفَظُهُ وَيَنْقُلُهُ مِنْ الْمَشْهُورِ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَلَا يُخَرِّجُ مَسْأَلَةً لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً عَلَى مَا يُشْبِهُهَا الثَّالِثَةُ أَنْ يُحِيطَ بِذَلِكَ وَبِمَدَارِكِ إمَامِهِ وَمُسْتَنِدَاتِهِ وَهَذَا يُفْتِي بِمَا يَحْفَظُهُ وَيُخَرِّجُ وَيَقِيسُ بِشُرُوطِ الْقِيَاسِ مَا لَا يَحْفَظُهُ عَلَى مَا يَحْفَظُهُ اهـ.
وَجَوَابُ ابْنِ رُشْدٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْحَطَّابِ عَلَى خَلِيلٍ نَقْلًا عَنْ وَثَائِقِ ابْنِ سَلْمُونٍ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّتِي تُنْسَبُ إلَى الْعُلُومِ وَتَتَمَيَّزُ عَنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ فِي الْمَحْفُوظِ وَالْمَفْهُومِ تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ طَوَائِفَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ اعْتَقَدَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ تَقْلِيدًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَأَخَذَتْ أَنْفُسَهَا بِحِفْظِ مُجَرَّدِ أَقْوَالِهِ وَأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ دُونَ التَّفَقُّهِ فِي مَعَانِيهَا بِتَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْهَا وَالسَّقِيمِ فَهَذِهِ لَا يَصِحُّ لَهَا الْفَتْوَى بِمَا عَلِمَتْهُ وَحَفِظَتْهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إذْ لَا عِلْمَ عِنْدَهَا بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذْ لَا يَصِحُّ الْفَتْوَى بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَيَصِحُّ لَهَا فِي خَاصَّتِهَا إنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَصِحُّ لَهَا أَنْ تَسْتَفْتِيَهُ أَنْ تُقَلِّدَ مَالِكًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا حَفِظَتْهُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ مَنْ يُقَلِّدُهُ فِيهَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَيَجُوزُ لِلَّذِي نَزَلَتْ بِهِ النَّازِلَةُ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِيمَا حَكَاهُ لَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي نَازِلَتِهِ وَيُقَلِّدَ مَالِكًا فِي الْأَخْذِ بِقَوْلِهِ فِيهَا وَذَلِكَ أَيْضًا إذَا لَمْ يَجِدْ فِي عَصْرِهِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ فِي نَازِلَتِهِ فَيُقَلِّدُهُ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَتْ النَّازِلَةُ قَدْ عُلِمَ فِيهَا اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الْعَامِّيِّ إذَا اسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ فِي نَازِلَتِهِ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِيهَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالِ أَحَدُهَا أَنْ يَأْخُذَ بِمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ الثَّانِي أَنْ يَجْتَهِدَ مِنْ ذَلِكَ فَيَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِ أَعْلَمِهِمْ الثَّالِثُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَغْلَظِ الْأَقْوَالِ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مِنْهُمْ اعْتَقَدَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِ مَالِكٍ بِمَا بَانَ لَهَا مِنْ صِحَّةِ أُصُولِهِ الَّتِي بَنَاهُ عَلَيْهَا فَأَخَذَتْ أَنْفُسَهَا بِحِفْظِ مُجَرَّدِ أَقْوَالِهِ وَأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَتَفَقَّهَتْ فِي مَعَانِيهَا فَعَلِمَتْ الصَّحِيحَ مِنْهَا الْجَارِيَ عَلَى أُصُولِهِ مِنْ السَّقِيمِ الْخَارِجِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّحْقِيقِ بِمَعْرِفَةِ قِيَاسِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ وَهَذِهِ يَصْلُحُ لَهَا إذَا اُسْتُفْتِيَتْ أَنْ تُفْتِيَ بِمَا عَلِمَتْهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إذَا كَانَتْ قَدْ بَانَتْ لَهَا صِحَّتُهُ كَمَا يَجُوزُ لَهَا فِي خَاصَّتِهَا الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ إذَا بَانَتْ لَهَا صِحَّتُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُفْتِيَ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا تَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَوْ قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَانَتْ لَهَا
стр. 355
مَصْلَحَتَهُ أَعْظَمُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْإِنْظَارُ فَمَنْ أُبْرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْإِنْظَارُ وَهُوَ عَدَمُ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً» أَيْ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مَثُوبَةً مِثْلَ مَثُوبَةِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ كَذَلِكَ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَهَذِهِ السَّبْعُ وَالْعِشْرُونَ مَثُوبَةً هِيَ مُضَافَةٌ لِوَصْفِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ خَاصَّةً أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ حَصَلَتْ لَهُ مَعَ أَنَّ الْإِعَادَةَ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ فَصَارَ وَصْفُ الْجَمَاعَةِ الْمَنْدُوبُ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ ثَوَابِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ فَضَلَ وَاجِبًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَكْثَرُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ بِأَلْفِ مَثُوبَةٍ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَقَدْ فَضَلَ الْمَنْدُوبُ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ أَعْظَمُ مَصْلَحَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ «الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ» كَمَا خَرَّجَهُ الثِّقَاتُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَقَدْ فَضَلَ الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ. الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَقَدْ فَضَلَ الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
يَسْتَلْزِمُ الطَّلَبَ.
قَالَ (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ لَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ مُتَفَضِّلَةً عَنْ الصَّلَاةِ بَلْ الْجَمَاعَةُ وَصْفٌ لِلصَّلَاةِ فُضِّلَتْ بِهِ عَلَى وَصْفِ الِانْفِرَادِ فَصَلَاةُ الْمُكَلَّفِ إذَا فَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ وَقَعَتْ وَاجِبَةً وَإِذَا فَعَلَهَا وَحْدَهُ وَقَعَتْ كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ أَحَدُ الْوَاجِبَيْنِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْآخَرِ وَلَا يُنْكَرُ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا إذَا أَوْقَعَهَا الْمُكَلَّفُ فِي جَمَاعَةٍ فَكَوْنُهَا صَلَاةَ ظُهْرٍ هُوَ الْوَاجِبُ وَكَوْنُهَا فِي جَمَاعَةٍ هُوَ الْمَنْدُوبُ فَذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بِوَجْهٍ لِأَنَّ كَوْنَهَا فِي جَمَاعَةٍ لَيْسَ مُنْفَصِلًا مِنْ كَوْنِهَا ظُهْرًا بَلْ هِيَ ظُهْرٌ وَهِيَ فِي جَمَاعَةٍ.
قَالَ (الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي تُصَلَّى فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَاجِبَةً فَهِيَ تَفْضُلُ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِنَفْسِهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً فَهِيَ تَفْضُلُ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِنَفْسِهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي غَيْرِهِ.
قَالَ (الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَالْكَلَامِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
قَالَ (الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ وَهَذِهِ الْكَلَامُ فِيهَا أَيْضًا كَالْكَلَامِ فِيمَا قَبْلَهَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
صِحَّتُهُ إذْ لَيْسَتْ مِمَّنْ كَمُلَ لَهَا آلَاتُ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يَصِحُّ لَهَا بِهَا قِيَاسٌ مِنْ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ وَالطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ مِنْهُمْ اعْتَقَدَتْ صِحَّةَ مَذْهَبِهِ بِمَا بَانَ لَهَا أَيْضًا مِنْ صِحَّةِ أُصُولِهِ لِكَوْنِهَا عَالِمَةً أَحْكَامَ الْقُرْآنِ عَارِفَةً لِلنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْمُفَصَّلِ وَالْمُجْمَلِ وَالْخَاصِّ مِنْ الْعَامِّ عَالِمَةً بِالسُّنَنِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَحْكَامِ مُمَيِّزَةً بَيْنَ صَحِيحِهَا مِنْ مَعْلُولِهَا عَالِمَةً بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَبِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَالِمَةً مِنْ عِلْمِ اللِّسَانِ بِمَا يُفْهَمُ بِهِ مَعَانِي الْكَلَامِ عَالِمَةً بِوَضْعِ الْأَدِلَّةِ فِي مَوَاضِعِيهَا وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي يَصِحُّ لَهَا الْفَتْوَى عُمُومًا بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ بِالْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّازِلَةِ وَعَلَى مَا قِيسَ عَلَيْهَا إنْ قُدِّمَ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا وَمِنْ الْقِيَاسِ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قَدْ يُعْلَمُ قَطْعًا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَقَدْ يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ فَلَا يُوجِبُ إلَّا غَلَبَةَ الظَّنِّ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ إلَّا بَعْدَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَهَذَا كُلُّهُ يَتَفَاوَتُ الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْقِيقِ بِالْمَعْرِفَةِ بِهِ تَفَاوُتًا بَعِيدًا وَتَفْتَرِقُ أَحْوَالُهُمْ أَيْضًا فِي جَوْدَةِ الْفَهْمِ لِذَلِكَ وَجَوْدَةِ الذِّهْنِ فِيهِ افْتِرَاقًا بَعِيدًا إذْ لَيْسَ الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَالْحِفْظِ وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ فَمَنْ اعْتَقَدَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مِمَّنْ تَصِحُّ لَهُ الْفَتْوَى بِمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ الْمُرَكَّبِ عَلَى الْمَحْفُوظِ الْمَعْلُومِ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَإِذَا اعْتَقَدَ النَّاسُ فِيهِ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فَمِنْ الْحَقِّ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُفْتِيَ حَتَّى يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ عَلَى مَا حَكَى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ أَشَارَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اسْتَشَارَهُ السُّلْطَانُ فَاسْتَشَارَهُ فِي ذَلِكَ اهـ.
تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ الِاسْتِنْبَاطُ لُغَةً اسْتِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ الْعَيْنِ مِنْ قَوْلِهِمْ نَبَطَ الْمَاءُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْبَعِهِ وَاصْطِلَاحًا اسْتِخْرَاجُ الْمَعَانِي مِنْ النُّصُوصِ بِفَرْطِ الذِّهْنِ وَقُوَّةِ الْقَرِيحَةِ كَمَا فِي تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ قَالَ الْمَحَلِّيُّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنْ يَسْتَنْبِطَ الْحُكْمَ بِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِأَلْ عَامٌّ مِمَّا نُقِلَ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ حَيْثُ لَا حَصْرَ فِيهِ أَيْ إخْرَاجُ بَعْضِهِ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا بِأَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ كُبْرَى مَأْخُوذَةً مِنْ قَوْلِهِمْ مِعْيَارًا لِعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهِيَ كُلُّ مَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ مِمَّا لَا حَصْرَ فِيهِ فَهُوَ عَامٌّ لِيَنْتِجَ مَطْلُوبٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ عَامٌّ اهـ بِتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ.
وَفِي حَاشِيَتَيْ الشِّرْبِينِيِّ وَالْعَطَّارِ عَلَى مَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ الِاسْتِنْبَاطُ اسْتِنْتَاجُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إذَا رُفِعَتْ إلَى الْمُجْتَهِدِ وَاقِعَةٌ فَلْيَعْرِضْهَا عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ فَعَلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ
стр. 356
الصَّلَاةِ.
الصُّورَةُ السَّادِسَةُ رُوِيَ أَنَّ «صَلَاةً بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةٍ بِغَيْرِ سِوَاكٍ» مَعَ أَنَّ وَصْفَ السِّوَاكِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَقَدْ فَضَلَ الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الصَّلَاةِ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَتَهُ تَصْلُحُ لِلْإِيجَابِ وَلَكِنَّ تُرِكَ الْإِيجَابُ رِفْقًا بِالْعِبَادِ. الصُّورَةُ السَّابِعَةُ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لَا يَأْثَمُ تَارِكُهُ فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﵇ «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَرُوِيَ «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا أَمَرَ بِعَدَمِ الْإِفْرَاطِ فِي السَّعْيِ لِأَنَّهُ إذَا قَدُمَ عَلَى الصَّلَاةِ عَقِيبَ شِدَّةِ السَّعْيِ يَكُونُ عِنْدَهُ انْبِهَارٌ وَقَلَقٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الْخُشُوعِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ إيقَاعَ الصَّلَاةِ فِي مَكَان مَا لَيْسَ غَيْرَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ إنَّ إيقَاعَهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مَنْدُوبٌ وَهِيَ فِي نَفْسِهَا وَاجِبَةٌ وَلَكِنَّ إيقَاعَ الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ هُوَ نَفْسُ الصَّلَاةِ وَتَوَهُّمُ الِانْفِصَالِ أَوْجَبَ الْغَلَطَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
قَالَ (الصُّورَةُ السَّادِسَةُ رُوِيَ أَنَّ «صَلَاةً بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ» إلَى آخِرِ الصُّورَةِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ وَصْفَ السِّوَاكِ مَنْدُوبٌ صَحِيحٌ وَلَكِنْ جَعَلَ الشَّارِعُ الصَّلَاةَ مَعَ السِّوَاكِ بِسَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ أَيْ فِيهَا ثَوَابُ سَبْعِينَ صَلَاةً بِدُونِ سِوَاكٍ فَالسِّوَاكُ وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا سَبَبٌ فِي تَضْعِيفِ ثَوَابِ الْوَاجِبِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمَنْدُوبَ خَيْرٌ مِنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ كَوْنِهِ سَبَبًا فِي تَضْعِيفِ ثَوَابِهَا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ نَصَّ الشَّارِعِ لَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا التَّضْعِيفَ ثَوَابٌ لِلسِّوَاكِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّضْعِيفَ ثَوَابٌ لِلصَّلَاةِ الْمُصَاحِبَةِ لِلسِّوَاكِ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَنْدُوبَ الَّذِي هُوَ السِّوَاكُ خَيْرٌ مِنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَدِيثِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَ (الصُّورَةُ السَّابِعَةُ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لَا يَأْثَمُ تَارِكُهُ فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَرُوِيَ «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا أَمَرَ بِعَدَمِ الْإِفْرَاطِ فِي السَّعْيِ لِأَنَّهُ إذَا قَدِمَ عَلَى الصَّلَاةِ عَقِيبَ شِدَّةِ السَّعْيِ يَكُونُ عِنْدَهُ انْبِهَارٌ وَقَلَقٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الْخُشُوعِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ثُمَّ عَلَى الْآحَادِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ لَمْ يَخُضْ فِي الْقِيَاسِ بَلْ يَلْتَفِتُ إلَى ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ فَإِنْ وَجَدَ ظَاهِرًا نَظَرَ فِي الْمُخَصَّصَاتِ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ خَبَرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَخْصِيصًا حَكَمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى لَفْظٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ نَظَرَ إلَى الْمَذَاهِبِ فَإِنْ وَجَدَهَا مُجْمَعًا عَلَيْهَا اتَّبَعَ الْإِجْمَاعَ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إجْمَاعًا خَاضَ فِي الْقِيَاسِ وَيُلَاحِظُ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ أَوَّلًا وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ كَمَا فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقِلِ يُقَدِّمُ قَاعِدَةَ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْآلَةِ فَإِنْ عُدِمَ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً نَظَرَ فِي النُّصُوصِ وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ أَلْحَقَ بِهِ وَإِلَّا انْحَدَرَ إلَى قِيَاسٍ مُخَيَّلٍ فَإِنْ أَعْوَزَهُ تَمَسَّكَ بِالشَّبَهِ وَلَا يَعُودُ عَلَى طَرْدٍ إنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَيَعْرِفُ مَأْخَذَ الشَّرْعِ هَذَا تَدْرِيجُ النَّظَرِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَقَدْ أَخَّرَ الْإِجْمَاعَ عَنْ الْإِخْبَارِ وَذَلِكَ تَأْخِيرُ مَرْتَبَةٍ لَا تَأْخِيرُ عَمَلٍ إذْ الْفِعْلُ بِهِ مُقَدَّمٌ لَكِنَّ الْخَبَرَ يَتَقَدَّمُ فِي الْمَرْتَبَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُسْتَنَدُ قَبُولِ الْإِجْمَاعِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ اهـ.
٢ -
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) الْقِيَاسُ لُغَةً عِبَارَةٌ عَنْ رَدِّ الشَّيْءِ إلَى نَظِيرِهِ وَعِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ إبَانَةُ مِثْلِ حُكْمِ الْمَذْكُورِ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي الْآخَرِ أَيْ إظْهَارُ مِثْلِ حُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ بِمِثْلِ عِلَّتِهِ فِي آخَرَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ لَا إثْبَاتُهُ لِأَنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ مُثْبِتٍ لِلْحُكْمِ بَلْ مُظْهِرٍ لَهُ وَاحْتَرَزَ بِمِثْلِ الْحُكْمِ وَمِثْلِ الْعِلَّةِ عَنْ لُزُومِ الْقَوْلِ بِانْتِقَالِ الْأَوْصَافِ وَاخْتِيَارِ لَفْظِ الْمَذْكُورِ لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ بَيْنَ الْمَعْدُومِينَ أَيْضًا وَأَرْكَانُهُ.
أَرْبَعَةٌ مَقِيسٌ عَلَيْهِ وَمَقِيسٌ وَمَعْنًى مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَحُكْمُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ يَتَعَدَّى بِوَاسِطَةِ الْمُشْتَرَكِ إلَى الْمَقِيسِ وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عَنْ الْأَوَّلَيْنِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَوْ عَنْ غَيْرِهِمَا كَحُكْمِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ أَوْ الْأَصْلُ دَلِيلُ حُكْمِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ خِلَافٌ وَيَنْقَسِمُ إلَى جَلِيٍّ وَهُوَ مَا تَسْبِقُ إلَيْهِ الْأَفْهَامُ وَإِلَى خَفِيٍّ وَهُوَ مَا يَكُونُ بِخِلَافِهِ وَيُسَمَّى فِي الْأَغْلَبِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْسَانُ أَعَمَّ مُطْلَقًا مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ كَمَا فِي تَعْرِيفَاتِ الْجُرْجَانِيِّ وَمَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَرْكَانِهِ الْأَرْبَعَةِ شُرُوطٌ تُطْلَبُ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ قَالَ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِ وَرَقَاتِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَعَ الْمَتْنِ.
وَيَنْقَسِمُ الْقِيَاسُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِيَاسِ عِلَّةٍ وَقِيَاسِ دَلَالَةٍ وَقِيَاسِ شَبَهٍ (فَقِيَاسُ الْعِلَّةِ) مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِيهِ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ بِحَيْثُ لَا يَحْسُنُ عَقْلًا تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْهَا وَلَوْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ كَقِيَاسِ تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّأْفِيفِ بِجَامِعِ الْإِيذَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ فِي الْعَقْلِ إبَاحَةُ الضَّرْبِ مَعَ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدَّلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْحُكْمِ قِيَاسِيَّةٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الدَّلَالَةَ فِيهِ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْحُكْمِ وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ مَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِيهِ دَالَّةً عَلَى الْحُكْمِ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لَهُ أَيْ مَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ لِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ يَجُوزُ أَنْ يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ
стр. 357
اللَّائِقِ بِالصَّلَاةِ فَأَمَرَهُ ﵇ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَاجْتِنَابِ مَا يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ الْخُشُوعِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَاتُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَصْلَحَةَ الْخُشُوعِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ وَصْفِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ مَعَ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ فَقَدْ فَضَلَ الْمَنْدُوبُ الْوَاجِبَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَهِيَ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهَا الَّتِي شَهِدَ لَهَا الْحَدِيثُ فِي قَوْله تَعَالَى «مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» الْحَدِيثَ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَظَهَرَ أَنَّ بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ قَدْ تَفْضُلُ الْوَاجِبَاتِ فِي الْمَصْلَحَةِ فَنَقُولُ إنَّا حَيْثُ قُلْنَا إنَّ الْوَاجِبَ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَالْمَنْدُوبَ لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ حَيْثُ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الْوَاجِبِ أَعْظَمَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَنْدُوبِ أَمَّا إذَا كَانَتْ مَصْلَحَةُ الْمَنْدُوبِ أَعْظَمَ ثَوَابًا فَإِنَّا نُقَدِّمُ الْمَنْدُوبَ عَلَى الْوَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخُشُوعِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا وَجَدْنَا الشَّرْعَ قَدَّمَ مَنْدُوبًا عَلَى وَاجِبٍ فَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّ مَصْلَحَةَ ذَلِكَ الْمَنْدُوبِ أَكْثَرُ فَلَا كَلَامَ حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْهَا اسْتَدْلَلْنَا بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ وَقُلْنَا مَا قَدَّمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ هَذَا الْمَنْدُوبَ عَلَى هَذَا الْوَاجِبِ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَمَصْلَحَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ لِأَنَّا اسْتَقْرَيْنَا الشَّرَائِعَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
اللَّائِقِ بِالصَّلَاةِ فَأَمَرَهُ ﵇ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَاجْتِنَابِ مَا يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ الْخُشُوعِ وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَاتُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «وَلَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» الْحَدِيثَ) قُلْتُ لَا يَتَعَيَّنُ مَا قَالَهُ ذَلِكَ الْعَالِمُ مِنْ كَوْنِ عَدَمِ السَّكِينَةِ مُوجِبًا لِعَدَمِ الْخُشُوعِ سَبَبًا لِلْأَمْرِ بِالسَّكِينَةِ حَتَّى يَلْزَمَ عَنْ ذَلِكَ تَرْكُ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ لِلْمَنْدُوبِ الَّذِي هُوَ الْخُشُوعُ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْأَمْرَ بِالسَّكِينَةِ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ ضِدَّهَا الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الَّذِي هُوَ شِدَّةُ السَّعْيِ شَاغِلٌ لِلْبَالِ مُنَافٍ لِلْحُضُورِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِحَسَبِ الْوُسْعِ فَإِذَا كَانَتْ شِدَّةُ السَّعْيِ مِنْ كَسْبِهِ فَعَدَمُ الْحُضُورِ الْمُسَبَّبُ عَنْ الشُّغْلِ بِآثَارِ شِدَّةِ السَّعْيِ مِنْ الِانْبِهَارِ وَالْقَلَقِ مِنْ كَسْبِهِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْدُوبٍ وَلَا تَفْضِيلِهِ عَلَى وَاجِبٍ بَلْ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ التَّسَبُّبِ إلَى الْإِخْلَالِ بِشَرْطِ الْوَاجِبِ مَعَ أَنَّ مُنَافَاةَ الْقَلَقِ وَالِانْبِهَارِ لِلْخُشُوعِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الْوَاضِحِ وَإِنْ ثَبَتَتْ الْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مُنَافَاةِ الْحُضُورِ إذْ الْحُضُورُ شَرْطٌ فِي الْخُشُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (إذَا تَقَرَّرَ هَذَا وَظَهَرَ أَنَّ بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ قَدْ تَفْضُلُ الْوَاجِبَاتِ فِي الْمَصْلَحَةِ إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَيَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ وَهَذَا أَضْعَفُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ غَالِبُ أَنْوَاعِ الْأَقْيِسَةِ كَقِيَاسِ مَالِ الصَّبِيِّ عَلَى مَالِ الْبَالِغِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ بِجَامِعِ أَنَّهُ مَالٌ نَامٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
(وَقِيَاسُ الشَّبَهِ) مَا كَانَ الْفَرْعُ فِيهِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَصْلَيْنِ وَهُوَ أَكْثَرُ شَبَهًا بِأَحَدِهِمَا فَيُلْحَقُ بِهِ كَالْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ فِي الضَّمَانِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ الْحُرِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ وَبَيْنَ الْبَهِيمَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ وَهُوَ بِالْمَالِ أَكْثَرُ شَبَهًا مِنْ الْحُرِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُبَاعُ وَيُورَثُ وَيُوقَفُ وَتُضْمَنُ أَجْزَاؤُهُ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَتُضْمَنُ قِيمَتُهُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ وَهَذَا أَضْعَفُ مِمَّا قَبْلَهُ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ مَا قَبْلَهُ اهـ.
بِتَصَرُّفٍ قُلْتُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ بِالْجَلِيِّ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ هُوَ الْمُرَادُ بِالْخَفِيِّ نَعَمْ قَالَ الرَّازِيّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْجَمَلِ عَلَى الْجَلَالَيْنِ إنَّ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ فِي اللِّوَاطَةِ لِأَنَّهَا اشْتَرَكَتْ مَعَ الزِّنَا فِي كَوْنِهَا فَاحِشَةً وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا أَيْ مِنْ أَمْثِلَةِ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ الظَّنِّيِّ إلَّا أَنَّ الْجَامِعَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْآيَةِ اهـ.
أَيْ مِنْ النَّصِّ وَكُلُّ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ النَّصِّ فَهُوَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ لَا ظَنِّيُّهَا فَتَأَمَّلْ بِإِمْعَانٍ وَقَدْ اقْتَصَرْت فِي الْمُقَدِّمَةِ تَبَعًا لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ فِي بِدَايَتِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ دَلَالَةَ نَحْوِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ فِي الْآيَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ لَفْظِيَّةٌ لَا قِيَاسِيَّةٌ وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ فَافْهَمْ.
قَالَ الْأَصْلُ وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ لِلْمُقَلِّدِ وَلَا لِإِمَامِهِ إلَّا بَعْدَ الْفَحْصِ الْمُنْتَهِي إلَى غَايَةِ أَنَّهُ لَا فَارِقَ هُنَاكَ وَلَا مُعَارِضَ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ الْقِيَاسِ وَلَا يَتَأَتَّى الْفَحْصُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْمُقَلِّدِ إلَّا بَعْدَ إحَاطَتِهِ بِمَدَارِكِ إمَامِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَأَقْيِسَتِهِ وَعِلَلِهِ الَّتِي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا مُفَصَّلَةً وَمَعْرِفَتِهِ رُتَبَ تِلْكَ الْعِلَلِ وَنِسْبَتَهَا إلَى الْمَصَالِحِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ أَوْ الْحَاجِيَّةِ أَوْ التَّتِمِّيَّةِ وَهَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْمُنَاسِبِ الَّذِي اُعْتُبِرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَهَلْ هِيَ مِنْ بَابِ
الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ
الَّتِي هِيَ أَدْنَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ مَا شَهِدَتْ لَهَا أُصُولُ الشَّرْعِ بِالِاعْتِبَارِ أَوْ هِيَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الشَّبَهِ أَوْ الْمُنَاسِبِ أَوْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ أَوْ قِيَاسِ الْإِحَالَةِ أَوْ الْمُنَاسِبِ الْقَرِيبِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَقْيِسَةِ وَرُتَبِ الْعِلَلِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُوَضَّحَةِ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ نِسْبَةَ هَذَا الْمُقَلِّدِ إلَى إمَامِهِ فِي الْقِيَاسِ عَلَى أُصُولِ مَذْهَبِهِ كَنِسْبَةِ إمَامِهِ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ فِي الْقِيَاسِ عَلَى مَقَاصِدِهِ فَكَمَا أَنَّ إمَامَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقِيسَ مَعَ قِيَامِ الْفَارِقِ لِأَنَّ الْفَارِقَ مُبْطِلٌ لِلْقِيَاسِ وَالْقِيَاسُ الْبَاطِلُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ مَثَلًا لَوْ وَجَدَ إمَامُهُ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَدْ نَصَّ عَلَى حُكْمٍ وَمَصْلَحَةٍ مِنْ بَابِ الضَّرُورِيَّاتِ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَقِيسَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مِنْ بَابِ الْحَاجَاتِ أَوْ التَّتِمَّاتِ لِكَوْنِ هَاتَيْنِ ضَعِيفَتَيْنِ
стр. 358
فَوَجَدْنَاهَا مَصَالِحَ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إذَا سَمِعْتُمْ قِرَاءَةَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَمِعُوا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِخَيْرٍ وَيَنْهَاكُمْ عَنْ شَرٍّ فَحَيْثُ لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ قُلْنَا هُوَ كَذَلِكَ طَرَدَ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعُ فِي رِعَايَةِ
الْمَصَالِحِ
وَلَمَّا وَرَدَتْ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَقُدِّمَ فِيهِ الْمَنْدُوبُ الَّذِي هُوَ وَصْفُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْوَقْتُ قُلْنَا هَذَا الْمَنْدُوبُ أَعْظَمُ مَصْلَحَةً مِنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ أَوْ مُسَاوٍ لِلْوَاجِبِ فَخَيَّرَ الشَّرْعُ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ لَهُ اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ حِينَئِذٍ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكْثُرُ الثَّوَابُ فِيهِ وَالْعِقَابُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقِلُّ الثَّوَابُ فِيهِ وَالْعِقَابُ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ وَكَثْرَةِ الْعِقَابِ وَقِلَّتِهِ أَنْ يَتْبَعَا كَثْرَةَ
الْمَصْلَحَةِ
فِي الْفِعْلِ وَقِلَّتَهَا كَتَفْضِيلِ التَّصَدُّقِ بِالدِّينَارِ عَلَى التَّصَدُّقِ بِالدِّرْهَمِ وَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ مِنْ بَنِي آدَمَ مَعَ إنْقَاذِ الْغَرِيقِ مِنْ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ وَإِثْمُ الْأَذِيَّةِ فِي الْأَعْرَاضِ وَالنُّفُوسِ أَعْظَمُ مِنْ الْأَذِيَّةِ فِي الْأَمْوَالِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
طَرَدَ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعُ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ) قُلْتُ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَا قَالَ وَلَا أَقَامَ عَلَيْهِ حُجَّةً وَلَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَتْ
الْمَصْلَحَةُ
فِي أَمْرٍ مَا أَعْظَمَ مِنْهَا فِي أَمْرٍ آخَرَ وَبَلَغَ إلَى حَدِّ مَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ فَاَلَّذِي يُنَاسِبُ رِعَايَةَ الْمَصَالِحِ أَنْ يَكُونَ الْأَعْظَمُ مَصْلَحَةً عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَاجِبًا وَالْأَدْنَى مَصْلَحَةً مَنْدُوبًا أَمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَعْظَمُ مَصْلَحَةً مَنْدُوبًا وَيَكُونَ الْأَدْنَى مَصْلَحَةً وَاجِبًا فَلَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لِرِعَايَةِ الْمَصَالِحِ بِوَجْهٍ.
قَالَ (وَلَمَّا وَرَدَتْ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَقَدَّمَ فِيهِ الْمَنْدُوبَ الَّذِي هُوَ وَصْفُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْوَقْتُ قُلْنَا هَذَا الْمَنْدُوبُ أَعْظَمُ مَصْلَحَةً مِنْ ذَلِكَ الْوَاجِبِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ) قُلْتُ لَمْ يُقَدِّمْ الْمَنْدُوبَ عَلَى الْوَاجِبِ وَلَا يَصِحُّ عَلَى قَاعِدَةِ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مَصْلَحَةً مِنْ الْوَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكْثُرُ الثَّوَابُ فِيهِ وَالْعِقَابُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقِلُّ الثَّوَابُ فِيهِ وَالْعِقَابُ اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ وَكَثْرَةِ الْعِقَابِ وَقِلَّتِهِ أَنْ يَتَّبِعَا كَثْرَةَ
الْمَصْلَحَةِ
فِي الْفِعْلِ وَقِلَّتِهَا كَتَفْضِيلِ التَّصَدُّقِ بِالدِّينَارِ عَلَى التَّصَدُّقِ بِالدِّرْهَمِ إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَمَرْجُوحَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُولَى وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِ الْأَقْوَى اعْتِبَارُ الْأَضْعَفِ كَذَلِكَ هَذَا الْمُقَلِّدُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقِيسَ فَرْعًا عَلَى فَرْعٍ نَصَّ إمَامُهُ عَلَيْهِ مَعَ قِيَامِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا مَثَلًا إمَامُهُ أَفْتَى فِي فَرْعٍ بُنِيَ عَلَى عِلَّةٍ اُعْتُبِرَ فَرْعُهَا فِي نَوْعِ الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ لَهُ هُوَ أَنْ يَقِيسَ عَلَى أَصْلِ إمَامِهِ فَرْعًا مِثْلَ ذَلِكَ الْفَرْعِ لَكِنَّ عِلَّتَهُ مِنْ قَبِيلِ مَا شَهِدَ جِنْسُهُ لِجِنْسِ الْحُكْمِ لِقُوَّةِ النَّوْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اعْتِبَارِ الْأَقْوَى اعْتِبَارُ الْأَضْعَفِ أَوْ وَجَدَ إمَامَهُ اعْتَمَدَ عَلَى مَصْلَحَةٍ مِنْ بَابِ الضَّرُورِيَّاتِ لَا يَجُوزُ لَهُ هُوَ أَنْ يَقِيسَ عَلَيْهَا مِثْلَهَا لَكِنَّهَا مِنْ بَابِ الْحَاجَاتِ أَوْ التَّتِمَّاتِ إذْ لَعَلَّ إمَامَهُ رَاعَى خُصُوصَ تِلْكَ الْقُوَّةِ وَذَلِكَ لِخُصُوصٍ مُنْتَفٍ هُنَا أَوْ وَجَدَ إمَامَهُ اعْتَبَرَ مَصْلَحَةً سَالِمَةً عَنْ الْمُعَارِضِ لِقَاعِدَةٍ أُخْرَى حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا فِيهِ عَنْ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ لَكِنَّهَا مُعَارِضَةٌ لِقَاعِدَةٍ أُخْرَى أَوْ بِقَوَاعِدَ لِقِيَامِ الْفَارِقِ.
٢ -
(التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) التَّخْرِيجُ فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ تَعَرُّفُ أَحْكَامِ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِ الْقَاعِدَةِ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى تِلْكَ الْأَحْكَامِ بِالْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفِعْلِ بِإِبْرَازِهَا مِنْ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ بِأَنْ تُجْعَلَ الْقَاعِدَةُ نَحْوُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً كُبْرَى قِيَاسٌ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ لِصُغْرَى سَهْلَةِ الْحُصُولِ لِأَنَّ مَحْمُولَهَا مَوْضُوعُ الْكُبْرَى وَمَوْضُوعُهَا هُوَ الْجُزْئِيُّ الَّذِي قُصِدَ تَعَرُّفُ حُكْمِهِ فَيُقَالُ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةٌ تُنْتِجُ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً فَلِذَا عَرَّفُوا الْقَاعِدَةَ بِقَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ يَتَعَرَّفُ مِنْهَا أَحْكَامُ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا، وَفِي صِيغَةِ التَّفَعُّلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تِلْكَ الْمَعْرِفَةَ بِالْكُلْفَةِ وَالْمَشَقَّةِ فَخَرَجَ مِنْ التَّعْرِيفِ الْقَضِيَّةُ الَّتِي تَكُونُ فُرُوعُهَا بَدِيهِيَّةً غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ إلَى التَّخْرِيجِ فَيَكُونُ ذِكْرُهَا فِي الْفَنِّ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَادِي لِمَسَائِلَ أُخَرَ وَيُقَالُ لِلْإِبْرَازِ الْمَذْكُورِ تَفْرِيعٌ كَمَا فِي الْعَطَّارِ وَالشِّرْبِينِيِّ عَلَى مَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَأَطْلَقَ الْأَصْلُ التَّخْرِيجَ عَلَى مَعْنَى الْقِيَاسِ فَلِذَا قَالَ لَا يَجُوزُ إلَّا لِمَنْ ضَبَطَ مَدَارِكَ إمَامِهِ وَمُسْتَنَدَاتِهِ بِخِلَافِهِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ يَتَّسِعُ اطِّلَاعُهُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ بِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ وَلَوْ لَمْ يَضْبِطْ مَدَارِكَ إمَامِهِ وَمُسْتَنَدَاتِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عُلَيْشٌ فِي فَتَاوِيهِ فَتْحِ الْعَلِيِّ الْمَالِكِ فِي جَوَابِ بَعْضِ مُعَاصِرِيهِ لَمَّا سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي بَهِيمَةٍ اشْتَرَيَاهَا وَالْتَزَمَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ نَفَقَتَهَا ثُمَّ بَعْدَ انْفِصَالِ الشَّرِكَةِ أَرَادَ الْمُلْتَزِمُ مُحَاسَبَةَ شَرِيكِهِ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى حِصَّتِهِ فِي الْبَهِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهَلْ لَا يُجَابُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ حَيْثُ الْتَزَمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْإِنْفَاقَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى شَرِيكِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْعَلَّامَةُ الْحَطَّابُ وَنَصُّ مَسْأَلَةِ مَنْ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى شَخْصٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُنْفِقِ أَوْ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ أَوْ حَتَّى يَقْدُمَ زَيْدٌ أَوْ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَعْرُوفَ عَلَى مَذْهَبِ
стр. 359
وَهَذَا هُوَ غَالِبُ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ يَسْتَوِي الْفِعْلَانِ فِي الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيُوجِبُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ التَّكْبِيرَاتِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مَعَ سَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ النَّافِلَةِ مَعَ سَجْدَةِ الْفَرِيضَةِ وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ فِيهِمَا بَلْ قَدْ تُتْرَكُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَتُعْكَسُ بِأَنْ يَصِيرَ الْأَقَلُّ أَكْثَرَ ثَوَابًا كَتَفْضِيلِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ مَعَ اشْتِمَالِ الْإِتْمَامِ عَلَى مَزِيدِ الْخُشُوعِ وَالْإِجْلَالِ وَأَنْوَاعِ التَّقَرُّبِ وَكَتَفْضِيلِ الصُّبْحِ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى وَكَتَفْضِيلِ الْعَصْرِ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ تَقْصِيرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الظُّهْرِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَهَذَا هُوَ غَالِبُ الشَّرِيعَةِ) قُلْتُ إنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ وَيَلْزَمُ فِيهِ فَلَيْسَ مَا قَالَهُ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ تَرَتُّبَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ وُقُوعِ أَحَدِ الْجَائِزَيْنِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يُدْرَكُ شَرْعًا وَيَلْزَمُ فِيهِ فَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ ذَلِكَ إذَا وَقَعَتْ الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَمْ يَقِلَّ التَّفَاوُتُ إلَّا فِي الْمَصْلَحَةِ خَاصَّةً.
قَالَ (وَقَدْ يَسْتَوِي الْفِعْلَانِ فِي الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَيُوجِبُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ التَّكْبِيرَاتِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مَعَ سَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَسَجْدَةِ النَّافِلَةِ مَعَ سَجْدَةِ الْفَرِيضَةِ وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ فِيهِمَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ لَا يَصِحُّ عَلَى قَاعِدَةِ مُرَاعَاةِ
الْمَصَالِحِ
وَأَنَّهَا إذَا بَلَغَتْ إلَى حَدِّهَا فِي الْكَثِيرَةِ لَزِمَ الْوُجُوبُ وَإِذَا لَمْ تَبْلُغْ فَلَا بُدَّ مِنْ الثَّوَابِ وَعَلَى ذَلِكَ يَلْزَمُ إذَا تَسَاوَتْ أَنْ يَلْزَمَ الْوُجُوبُ فِي الْمُتَسَاوِيَيْنِ إنْ بَلَغَتْ مَصْلَحَتُهُمَا إلَى رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ أَوْ النَّدْبِ فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ إلَى تِلْكَ الرُّتْبَةِ وَمَا أَوْرَدَهُ مِنْ الْأَمْثِلَةِ لَا نُسَلِّمُ فِيهَا الْمُسَاوَاةَ لَمْ يَأْتِ عَلَى دَعْوَةِ الْمُسَاوَاةِ فِيهَا بِحُجَّةٍ غَيْرِ مَا سَبَقَ إلَى الْوَهْمِ بِذَلِكَ بِسَبَبِ الْمُسَاوَاةِ فِي الصُّورَةِ وَالْمِقْدَارِ وَذَلِكَ لَا دَلِيلَ فِيهِ.
قَالَ (بَلْ قَدْ تُتْرَكُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَتُعْكَسُ بِأَنْ يَصِيرَ الْأَقَلُّ أَكْثَرَ ثَوَابًا كَتَفْضِيلِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ مَعَ اشْتِمَالِ الْإِتْمَامِ عَلَى مَزِيدِ الْخُضُوعِ وَالْإِجْلَالِ وَأَنْوَاعِ التَّقَرُّبِ وَكَتَفْضِيلِ الصُّبْحِ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى وَكَتَفْضِيلِ الْعَصْرِ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ مَعَ تَقْصِيرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الظُّهْرِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَا لَمْ يُفْلِسْ أَوْ يَمُتْ اهـ.
فَالْمُنْفِقُ عَلَى الْبَهِيمَةِ فِي تِلْكَ النَّازِلَةِ لَا مُحَاسَبَةَ لَهُ لِلْمُنْفَقِ لَهُ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَاتِّبَاعُهُ أَسْلَمُ مَا نَصَّهُ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالنَّصُّ الَّذِي فِيهِ هُوَ كَذَلِكَ فِي الْتِزَامَاتِ الْحَطَّابِ وَلَيْسَ فِيهِ قِيَاسٌ عَلَى مَنْ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَى رَجُلٍ إلَخْ وَإِنَّمَا فِيهِ تَخْرِيجُ حُكْمِ الْجُزْئِيِّ مِنْ الْقَاعِدَةِ الَّتِي تَشْمَلُهُ وَغَيْرَهُ فَالْمَنْفِيُّ بِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُشْكَرَ عَلَيْهِ وَيُدْعَى لَهُ بِخَيْرٍ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ التَّغْيِيرِ فِي الْوُجُوهِ الْحِسَانِ سَبَبُهُ فَسَادُ التَّصَوُّرِ وَالْحَسَدِ:
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ... وَآفَتُهُ مِنْ الْفَهْمِ السَّقِيمِ
كَضَرَائِرِ الْحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا ... حَسَدًا وَبُغْضًا إنَّهُ لَدَمِيمُ
اهـ.
قُلْتُ وَمِنْهُ تَخَرُّجِي فِي رِسَالَتَيْ شَمْسِ الْإِشْرَاقِ فِي حُكْمِ التَّعَامُلِ بِالْأَوْرَاقِ حُكْمُ الْأَنْوَاطِ مِمَّا فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْفُلُوسِ لَا خَيْرَ فِيهَا نَظِرَةٌ بِالذَّهَبِ وَلَا بِالْوَرِقِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أَجَازُوا بَيْنَهُمْ الْجُلُودَ حَتَّى تَكُونَ لَهَا سِكَّةٌ وَعَيْنٌ لِكَرَاهَتِهَا أَنْ تُبَاعَ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ نَظِرَةً وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ فَلْسٌ بِفَلْسَيْنِ اهـ كَمَا وَضَّحْته فِي تِلْكَ الرِّسَالَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ مِنْ قَبِيلِ قِيَاسِهِ عَلَى الْفُلُوسِ النُّحَاسِ فَرَاجِعْهَا إنْ شِئْت.
٢ -
(التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ) قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي مُوَافَقَاتِهِ مَا حَاصِلُهُ إنَّ الِاجْتِهَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ الْأَوَّلُ مَا يُسَمَّى تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ مَذْكُورًا مَعَ غَيْرِهِ فِي النَّصِّ فَيُنَقَّحُ بِالِاجْتِهَادِ حَتَّى يُمَيَّزَ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ مِمَّا هُوَ مُلْغًى كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَاءَ يَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَضْرِبُ صَدْرَهُ وَقَدْ قَسَّمَهُ الْغَزَالِيُّ إلَى أَقْسَامٍ ذَكَرَهَا فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ وَهُوَ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ قَالُوا وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ بَابِ الْقِيَاسِ وَلِذَلِكَ قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ إنْكَارِهِ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى نَوْعٍ مِنْ تَأْوِيلِ الظَّوَاهِرِ.
(الضَّرْبُ الثَّانِي) مَا يُسَمَّى بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ عَلَى الْحُكْمِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَنَاطِ فَكَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِالْبَحْثِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ وَهُوَ مَعْلُومٌ.
(الضَّرْبُ الثَّالِثُ) مَا يُسَمَّى بِتَحَقُّقِ الْمَنَاطِ وَهُوَ نَوْعَانِ عَامٌّ وَخَاصٌّ فَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ الْعَامِّ نَظَرٌ فِي تَعْيِينِ الْمَنَاطِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لِمُكَلَّفٍ مَا مَثَلًا إذَا نَظَرَ الْمُجْتَهِدُ فِي الْعَدَالَةِ وَوَجَدَ هَذَا الشَّخْصَ مُتَّصِفًا بِهَا عَلَى حَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ أَوْقَعَ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهِ النَّصُّ مِنْ التَّكَالِيفِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْعُدُولِ مِنْ الشَّهَادَاتِ وَالِانْتِصَابِ لِلْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ وَإِذَا نَظَرَ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي النَّدْبِيَّةِ وَالْأُمُورِ الْإِبَاحِيَّةِ وَوَجَدَ الْمُكَلَّفِينَ وَالْمُخَاطَبِينَ عَلَى الْجُمْلَةِ أَوْقَعَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ تِلْكَ النُّصُوصِ كَمَا يُوقِعُ عَلَيْهِمْ نُصُوصَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْقَبُولِ الْمَشْرُوطِ بِالتَّهْيِئَةِ الظَّاهِرَةِ فَالْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ فِي أَحْكَامِ تِلْكَ النُّصُوصِ عَلَى سَوَاءٍ فِي النَّظَرِ، وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ
стр. 360
وَكَتَفْضِيلِ رَكْعَةِ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتِي الْفَجْرِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ «مَنْ قَتَلَ الْوَزَغَةَ فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الثَّانِيَةِ فَلَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً» فَكُلَّمَا كَثُرَ الْفِعْلُ كَانَ الثَّوَابُ أَقَلَّ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ تَكْرَارَ الْفِعْلِ وَالضَّرَبَاتِ فِي الْقَتْلِ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ اهْتِمَامِ الْفَاعِلِ بِأَمْرِ صَاحِبِ الشَّرْعِ إذْ لَوْ قَوِيَ عَزْمُهُ وَاشْتَدَّتْ حَمِيَّتُهُ لَقَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ حَيَوَانٌ لَطِيفٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى كَثْرَةِ مُتُونَةٍ فِي الضَّرْبِ فَحَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهَا فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى دَلَّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ عَزْمِهِ فَلِذَلِكَ يَنْقُصُ أَجْرُهُ عَنْ الْمِائَةِ إلَى السَّبْعِينَ وَالْأَصْلُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ قَاعِدَةَ كَثْرَةِ الثَّوَابِ كَثْرَةُ الْفِعْلِ وَقَاعِدَةَ قِلَّةِ الثَّوَابِ قِلَّةُ الْفِعْلِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْأَفْعَالِ فِي الْقُرُبَاتِ تَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ الْمَصَالِحِ غَالِبًا وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمَ مَا يُرِيدُ لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِصُنْعِهِ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَثْبُتُ فِيهَا) اعْلَمْ أَنَّ الْمُعَيَّنَاتِ الْمُشَخَّصَاتِ فِي الْخَارِجِ الْمَرْئِيَّةَ بِالْحِسِّ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ وَلِذَلِكَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مُعَيَّنَةً فَاسْتُحِقَّتْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَلَوْ وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا فِي السَّلَمِ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ وَعَيَّنَهُ فَظَهَرَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ مُسْتَحَقًّا رَجَعَ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً مُعَيَّنَةً لِلْحَمْلِ أَوْ غَيْرِهِ فَاسْتُحِقَّتْ أَوْ مَاتَتْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ حَمْلَ هَذَا الْمَتَاعِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ دَابَّةٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَرْكَبَهُ إلَى مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَرْكُوبٍ مُعَيَّنٍ فَعَيَّنَ لَهُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ دَابَّةً لِلْحَمْلِ أَوْ لِرُكُوبِهِ فَعَطِبَتْ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ رَجَعَ فَطَالَبَهُ بِغَيْرِهَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بَلْ فِي الذِّمَّةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِكُلِّ مُعَيَّنٍ شَاءَ وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي قَاعِدَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مَتَى كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ الْأَمْثَالِ وَيُعْطِيَ أَيَّ مِثْلٍ شَاءَ وَلَوْ عَقَدَ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ تِلْكَ الْأَمْثَالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَلَوْ اكْتَالَ رِطْلَ زَيْتٍ مِنْ خَابِيَةٍ وَعَقَدَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَكَتَفْضِيلِ رَكْعَةِ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتِي الْفَجْرِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْتُ قَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهَا قَاعِدَةٌ غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ وَأَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يُفَضِّلُ مَا شَاءَ عَلَى مَا شَاءَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لَا مَا سِوَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَثْبُتُ فِيهَا إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْخَاصِّ نَظَرٌ فِي تَعْيِينِ الْمَنَاطِ فِي حَقِّ كُلِّ مُكَلَّفٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّلَائِلِ التَّكْلِيفِيَّةِ بِحَيْثُ يَتَعَرَّفُ مِنْهُ مَدَاخِلَ الشَّيْطَانِ وَمَدَاخِلَ الْهَوَى وَالْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ حَتَّى يُلْقِيَهَا هَذَا الْمُجْتَهِدُ عَلَى ذَلِكَ الْمُكَلَّفِ مُقَيَّدَةً بِقُيُودِ التَّحَرُّرِ مِنْ تِلْكَ الْمَدَاخِلِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّكْلِيفِ الْمُتَحَتِّمِ وَغَيْرِهِ وَيَخْتَصُّ غَيْرُ الْمُتَحَتِّمِ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَا يَصْلُحُ بِكُلِّ مُكَلَّفٍ فِي نَفْسِهِ بِحَسَبِ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَحَالٍ دُونَ حَالٍ وَشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ إذْ النُّفُوسُ لَيْسَتْ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ الْخَاصَّةِ عَلَى وِزَانِ وَاحِدٍ كَمَا أَنَّهَا فِي الْعُلُومِ وَالصَّنَائِعِ كَذَلِكَ فَرُبَّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَدْخُلُ بِسَبَبِهِ عَلَى رَجُلٍ ضَرَرٌ أَوْ فَتْرَةٌ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرَ وَرُبَّ عَمَلٍ يَكُونُ حَظُّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِلِ أَقْوَى مِنْهُ فِي عَمَلٍ آخَرَ وَيَكُونُ بَرِيئًا فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ دُونَ بَعْضٍ فَصَاحِبُ هَذَا التَّحْقِيقِ الْخَاصِّ هُوَ الَّذِي رُزِقَ نُورًا يَعْرِفُ بِهِ النُّصُوصَ وَمَرَامِيَهَا وَتَفَاوُتَ إدْرَاكِهَا وَقُوَّةَ تَحَمُّلِهَا لِلتَّكْلِيفِ وَصَبْرِهَا عَلَى حَمْلِ أَعْبَائِهَا أَوْ ضَعْفِهَا وَيَصْرِفُ الْتِفَاتَهَا إلَى الْحُظُوظِ الْعَاجِلَةِ وَعَدَمِ الْتِفَاتِهَا فَهَذَا النَّوْعُ أَعْلَى وَأَدَقُّ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَمَنْشَؤُهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ نَتِيجَةِ التَّقْوَى الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحِكْمَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] قَالَ مَالِكٌ مِنْ شَأْنِ ابْنِ آدَمَ أَنْ لَا يَعْلَمَ ثُمَّ يَعْلَمَ أَمَا سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] .
وَقَالَ أَيْضًا إنَّ الْحِكْمَةَ مَسْحَةُ مَلَكٍ عَلَى قَلْبِ الْعَبْدِ وَقَالَ الْحِكْمَةُ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ وَقَالَ أَيْضًا يَقَعُ بِقَلْبِي أَنَّ الْحِكْمَةَ الْفِقْهُ فِي دِينِ اللَّهِ وَأَمْرٌ يُدْخِلُهُ اللَّهُ الْقُلُوبَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ هُوَ الِاجْتِهَادُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَ حَتَّى يَنْقَطِعَ أَصْلُ التَّكْلِيفِ وَذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَبِخِلَافِ تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فَإِنَّهَا مِنْ أَفْرَادِ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَ قَبْلَ فَنَاءِ الدُّنْيَا وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ الْخَاصَّ مِنْ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ كُلِّيٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْوَقَائِعِ أَوْ أَكْثَرِهَا فَلَوْ فُرِضَ ارْتِفَاعُهُ لَارْتَفَعَ مُعْظَمُ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ أَوْ جَمِيعُهُ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إنْ فُرِضَ فِي زَمَانٍ ارْتَفَعَتْ الشَّرِيعَةُ ضَرْبَةَ لَازِبٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّ الْوَقَائِعَ الْمُتَجَدِّدَةَ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَقَدَّمَ لِاتِّسَاعِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فَيُمْكِنُ تَقْلِيدُهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ فَلَا تَتَعَطَّلُ الشَّرِيعَةُ بِتَعَطُّلِ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ كَمَا لَوْ فُرِضَ الْعَجْزُ عَنْ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ دُونَ السَّائِرِ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ فَوَضَحَ أَنَّهُمَا لَيْسَا سَوَاءً اُنْظُرْ الْمُوَافَقَاتِ إنْ شِئْت.
٢ -
(التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ) الْفَتْوَى مِنْ الْمُفْتِي كَمَا تَحْصُلُ مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمَشْهُورُ كَذَلِكَ تَحْصُلُ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ وَالْإِقْرَارِ كَمَا فِي مُوَافَقَاتِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ
стр. 361
عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ مِنْ الْخَابِيَةِ.
وَكَذَلِكَ إذَا فَرَّقَ صُبْرَتَهُ صِيعَانًا فَعَقَدَ عَلَى صَاعٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَمْثَالِ وَلَوْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ لَكَانَ لَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ بِأَيِّ مِثْلٍ شَاءَ مِنْ تِلْكَ الْأَمْثَالِ فَهَذَا أَيْضًا يُوَضِّحُ لَك أَنَّ الْمُعَيَّنَاتِ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ وَأَنَّ مَا فِي الذِّمَمِ لَا يَكُونُ مُعَيَّنًا بَلْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ وَالْأَجْنَاسِ الْمُشْتَرَكَةِ فَيَقْبَلُ مَا لَا يَتَعَيَّنُ مِنْهَا الْبَدَلَ وَالْمُعَيَّنُ لَا يَقْبَلُ الْبَدَلَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ وَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ فَلَا يَنْتَقِلُ الْأَدَاءُ إلَى الذِّمَّةِ إلَّا إذَا خَرَجَ وَقْتُهُ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ بِوَقْتِهِ وَالْقَضَاءُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ يَتَعَيَّنُ حَدُّهُ بِخُرُوجِهِ فَهُوَ فِي الذِّمَّةِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الِانْتِقَالِ إلَى الذِّمَّةِ تَعَذُّرَ الْمُعَيَّنِ كَالزَّكَاةِ مَثَلًا مَا دَامَتْ مُعَيَّنَةً بِوُجُودِ نِصَابِهَا لَا تَكُونُ فِي الذِّمَّةِ فَإِذَا تَلِفَ النِّصَابُ بِعُذْرٍ لَا يَضْمَنُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَاجِبُ إلَى الذِّمَّةِ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ إذَا تَعَذَّرَ فِيهَا الْأَدَاءُ بِخُرُوجِ وَقْتَيْهَا لِعُذْرٍ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ تَرَتَّبَتْ فِي الذِّمَّةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فَيَقْبَلُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا الْبَدَلَ وَالْمُعَيَّنُ لَا يَقْبَلُ الْبَدَلَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ مَا عَدَا قَوْلَهُ بَلْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ وَالْأَجْنَاسِ الْمُشْتَرَكَةِ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ كُلِّيَّةٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ أَيْ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْهَا فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا.
قَالَ (وَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ فَلَا يَنْتَقِلُ الْأَدَاءُ إلَى الذِّمَّةِ إلَّا إذَا خَرَجَ وَقْتُهُ لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ بِوَقْتِهِ وَالْقَضَاءُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ يَتَعَيَّنُ حَدُّهُ بِخُرُوجِهِ فَهُوَ فِي الذِّمَّةِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّ الْأَفْعَالَ لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالْوُقُوعِ وَكُلُّ فِعْلٍ لَمْ يَقَعْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُوَقَّتَ مُعَيَّنٌ بِوَقْتِهِ لَا يُفِيدُهُ الْمَقْصُودُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بِوَقْتِهِ أَيْ وَقْتُهُ مُعَيَّنٌ فَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بِمَكَانِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ.
قَالَ (وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الِانْتِقَالِ إلَى الذِّمَّةِ تَعَذُّرَ الْمُعَيَّنِ كَالزَّكَاةِ مَثَلًا مَا دَامَتْ مُعَيَّنَةً بِوُجُودِ نِصَابِهَا لَا تَكُونُ فِي الذِّمَّةِ فَإِذَا تَلِفَ النِّصَابُ بِعُذْرٍ لَا يَضْمَنُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَاجِبُ إلَى الذِّمَّةِ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ إذْ تَعَذَّرَ فِيهَا الْأَدَاءُ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا لِعُذْرٍ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ تَرَتَّبَتْ فِي الذِّمَّةِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَالَ أَمَّا بِالْفِعْلِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ فِي مَعْهُودِ الِاسْتِعْمَالِ فَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقَوْلِ الْمُصَرَّحِ بِهِ كَقَوْلِهِ ﵇ «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ» «وَسُئِلَ ﵇ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ ذَبَحْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ لَا حَرَجَ» .
وَقَالَ «يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرَجُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرَجُ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ» وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ حِينَ أَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ قُلْت آيَةٌ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ وَحِينَ «سُئِلَ ﵇ عَنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ قَالَ لِلسَّائِلِ صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ لَهُ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» أَوْ كَمَا قَالَ وَهُوَ كَثِيرٌ جِدًّا وَالثَّانِي مَا يَقْتَضِيهِ كَوْنُهُ أُسْوَةً يُقْتَدَى بِهِ وَمَبْعُوثًا لِذَلِكَ قَصْدًا وَأَصْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الْآيَةَ وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] الْآيَةَ.
وَقَالَ فِي إبْرَاهِيمَ ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ وَالتَّأَسِّي إيقَاعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا «وَقَالَ ﵇ لِأُمِّ سَلَمَةَ أَلَا أَخْبَرْتِهِ أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ» وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى وَلِذَلِكَ جَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ أَفْعَالَهُ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ كَأَقْوَالِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَثَبَتَ لِلْمُفْتِي أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ النَّبِيِّ وَنَائِبٌ مَنَابَهُ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَفْعَالَهُ مَحَلٌّ لِلِاقْتِدَاءِ أَيْضًا فَمَا قَصَدَ بِهِ الْبَيَانَ وَالْإِعْلَامَ فَظَاهِرٌ وَمَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَارِثٌ وَقَدْ كَانَ الْمُوَرِّثَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ مُطْلَقًا فَكَذَلِكَ الْوَارِثُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالثَّانِي أَنَّ التَّأَسِّي بِالْأَفْعَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ يُعَظَّمُ فِي النَّاسِ سِرٌّ مَبْثُوثٌ فِي طِبَاعِ الْبَشَرِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهُ بِوَجْهٍ وَلَا بِحَالٍ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الِاعْتِيَادِ وَالتَّكْرَارِ وَإِذَا صَادَفَ مَحَبَّةً وَمَيْلًا إلَى الْمُتَأَسِّي بِهِ وَإِمْكَانِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْكَذِبِ عَمْدًا وَسَهْوًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ لَمَّا لَمْ تُعْتَبَرْ فِي الْأَقْوَالِ كَانَ إمْكَانُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْأَفْعَالِ وَلِأَجْلِ هَذَا تُسْتَعْظَمُ شَرْعًا زَلَّةُ الْعَالِمِ فَلَا بُدَّ لِمَنْ يَنْتَصِبُ لِلْفَتْوَى بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَفْعَالِهِ حَتَّى تَجْرِيَ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ لِيُتَّخَذَ فِيهَا أُسْوَةً.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَرَاجِعٌ إلَى الْفِعْلِ لِأَنَّ الْكَفَّ فِعْلٌ وَكَفُّ الْمُفْتِي عَنْ الْإِنْكَارِ إذَا رَأَى فِعْلًا مِنْ الْأَفْعَالِ كَتَصْرِيحِهِ بِجَوَازِهِ وَقَدْ أَثْبَتَ الْأُصُولِيُّونَ ذَلِكَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَكَذَلِكَ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُنْتَصِبِ لِلْفَتْوَى وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ فِي الْفَتْوَى الْفِعْلِيَّةِ جَازَ هُنَا بِلَا إشْكَالٍ وَمِنْ هُنَا ثَابَرَ السَّلَفُ عَلَى الْقِيَامِ بِوَظِيفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يُبَالُوا فِي ذَلِكَ بِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ عَوْدِ الْمَضَرَّاتِ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ
стр. 362
وَوَجَبَ الْقَضَاءُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْقَضَاءِ التَّمَكُّنُ مِنْ الْإِيقَاعِ أَوَّلَ الْوَقْتِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي ضَمَانِ الزَّكَاةِ تَأَخُّرُ الْجَائِحَةِ عَنْ الزَّرْعِ أَوْ الثَّمَرَةِ بَعْدَ زَمَنِ الْوُجُوبِ وَكَمَا لَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ وَتَمَكَّنَ مِنْ كَيْلِهَا ثُمَّ تَلِفَتْ الصُّبْرَةُ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالتَّوْفِيَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَلَا يَنْتَقِلُ الصَّاعُ لِلذِّمَّةِ وَلِذَلِكَ أَجْمَعْنَا فِي الْمُسَافِرِ يُقِيمُ وَالْمُقِيمُ يُسَافِرُ عَلَى اعْتِبَارِ آخِرِ الْوَقْتِ وَهَذَا الْفَرْقُ قَدْ خَالَفْنَاهُ أَيُّهَا الْمَالِكِيَّةُ فِي صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا فِي النَّقْدَيْنِ عِنْدَنَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْمُعَامَلَةُ بِهِمَا عَلَى الذِّمَمِ.
وَإِنْ عُيِّنَتْ إلَّا أَنْ تُخَصَّ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ كَشُبْهَةٍ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ سِكَّةٍ رَائِجَةٍ دُونَ النَّقْدِ الْآخَرِ وَلَوْ غَصَبَ غَاصِبٌ دِينَارًا مُعَيَّنًا فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ مِثْلَهُ فِي الْمَحَلِّ وَيَمْنَعَ رَبَّهُ مِنْ أَخْذِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ الْمَغْصُوبِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ خُصُوصَاتِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَغْرَاضُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ فَإِنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ إنَّمَا يَعْتَبِرُ مَا فِيهِ نَظَرٌ صَحِيحٌ وَلَزِمَهُمْ عَلَى ذَلِكَ سُؤَالَانِ: أَحَدُهُمَا يَلْزَمُ أَنَّ أَعْيَانَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَا تُمْلَكُ أَيْضًا لِأَجْلِ أَنَّ لِلْغَاصِبِ الْمَنْعَ مِنْ الْمُعَيَّنِ وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي فِي الْعُقُودِ وَلَوْ كَانَتْ الْخُصُوصَاتُ مَمْلُوكَةً لَكَانَ لِصَاحِبِ الْمُعَيَّنِ الْمُطَالَبَةُ بِمِلْكِهِ وَأَخْذِهِ الْمُعَيَّنَ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْمُشْتَرِي فَلَا يَكُونُ الْمَمْلُوكُ عِنْدَهُمْ إلَّا الْجِنْسَ الْكُلِّيَّ دُونَ الشَّخْصِيِّ وَمَتَى شَخَصَ مِنْ الْجِنْسِ شَيْءٌ لَا يَمْلِكُ خُصُوصَهُ أَلْبَتَّةَ وَهُوَ أَمْرٌ شَنِيعٌ وَثَانِيهِمَا أَنَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الصِّيعَانَ الْمُسْتَوِيَةَ وَالْأَرْطَالَ الْمُسْتَوِيَةَ مِنْ الزَّيْتِ تُمْلَكُ أَعْيَانُهَا وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ مَعَ أَنَّ الْأَغْرَاضَ مُسْتَوِيَةٌ فِي تِلْكَ الْأَفْرَادِ فَهِيَ نَقْضٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِالْتِزَامِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَوَجَبَ الْقَضَاءُ) قُلْتُ تَسْوِيَتُهُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ الْمُعَيَّنِ فَالْحَقُّ مُتَعَيِّنٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ جُزْءٌ لِمُعَيَّنٍ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا فِعْلٌ وَالْأَفْعَالُ لَا تَعَيُّنَ لَهَا مَا لَمْ تَقَعْ.
قَالَ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْقَضَاءِ التَّمَكُّنُ مِنْ الْإِيقَاعِ أَوَّلُ الْوَقْتِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي ضَمَانِ الزَّكَاةِ تَأَخُّرُ الْجَائِحَةِ عَنْ الزَّرْعِ أَوْ الثَّمَرَةِ إلَى قَوْلِهِ وَلِذَلِكَ أَجْمَعْنَا فِي الْمُسَافِرِ يُقِيمُ وَالْمُقِيمُ يُسَافِرُ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَقْتِ قَالَ وَهَذَا الْفَرْقُ قَدْ خَالَفْنَاهُ أَيُّهَا الْمَالِكِيَّةُ فِي صُورَتَيْنِ إحْدَاهَا فِي النَّقْدَيْنِ عِنْدَنَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْمُعَامَلَةُ بِهِمَا عَلَى الذِّمَمِ وَإِنْ عُيِّنَتْ إلَّا أَنْ تَخْتَصَّ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ كَشُبْهَةٍ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ سِكَّةٍ رَائِجَةٍ دُونَ النَّقْدِ الْآخَرِ إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَمَنْ أَخَذَ بِالرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْإِنْكَارِ فَرَّ بِدِينِهِ وَاسْتَخْفَى بِنَفْسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإِخْلَالِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ تَرْكِ الْإِنْكَارِ فَإِنَّ ارْتِكَابَ خَيْرِ الشَّرَّيْنِ أَوْلَى مِنْ ارْتِكَابِ شَرِّهِمَا وَهُوَ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى إهْمَالِ الْقَاعِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْمَرَاتِبُ الثَّلَاثُ فِي هَذَا الْوَجْهِ مَذْكُورَةٌ شَوَاهِدُهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَمِنْ حَقِيقَةِ نَيْلِ كُلِّ مُنْتَصِبٍ لِلْفُتْيَا بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَإِقْرَارِهِ لِرُتْبَةِ الْوِرَاثَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ظُهُورُ فِعْلِهِ عَلَى مِصْدَاقِ قَوْلِهِ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِصِحَّةِ الِانْتِصَابِ وَالِانْتِفَاعِ فِي الْوُقُوعِ وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ الِانْتِصَابُ وَالْفَتْوَى عَلَى الْإِطْلَاقِ طَابَقَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ حَصَلَ الِانْتِفَاعُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَعًا أَوْ كَانَ مَظِنَّةً لِلْحُصُولِ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُصَدِّقُ الْقَوْلَ أَوْ يُكَذِّبُهُ.
وَإِنْ خَالَفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ فَإِمَّا أَنْ تُؤَدِّيَهُ الْمُخَالَفَةُ إلَى الِانْحِطَاطِ عَنْ رُتْبَةِ الْعَدَالَةِ إلَى الْفِسْقِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ وَعَدَمِ صِحَّةِ الِانْتِصَابِ شَرْعًا وَعَادَةً وَمَنْ اقْتَدَى بِهِ كَانَ مُخَالِفًا مِثْلَهُ فَلَا فَتْوَى فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا حُكْمَ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَاسْتِفْتَاؤُهُ وَفَتْوَاهُ فِيمَا وَافَقَ دُونَ مَا خَالَفَ فَإِذَا أَفْتَى بِتَرْكِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَبِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَهُوَ فِي فِعْلِهِ عَلَى حَسَبِ قَوْلِهِ حَصَلَ تَصْدِيقُ قَوْلِهِ بِفِعْلِهِ وَإِذَا أَفْتَاكَ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا أَوْ تَرَكَ مُخَالَطَةَ الْمُتْرَفِينَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدَحُ فِي أَصْلِ الْعَدَالَةِ ثُمَّ رَأَيْته يُحَرِّضُ عَلَى الدُّنْيَا وَيُخَالِطُ مَنْ نَهَاكَ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ فَلَمْ يَصْدُقْ الْقَوْلُ الْفِعْلَ فَهَذَا وَإِنْ نَصَبَهُ الشَّارِعُ أَيْضًا لِيُؤْخَذَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ لِأَنَّهُ وَارِثُ النَّبِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ وَلَا الْفَتْوَى عَلَى كَمَالِهَا فِي الصِّحَّةِ إلَّا مَعَ مُطَابَقَةِ الْقَوْلِ الْفِعْلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقَدْ قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ:
ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ يُسْمَعُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى ... بِالرَّأْيِ مِنْك وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
وَهُوَ مَعْنًى مُوَافِقٌ لِلنَّقْلِ وَالْعَقْلِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ اهـ كَلَامُ الشَّاطِبِيِّ مُلَخَّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّقْلِ وَقَاعِدَةِ الْإِسْقَاطِ]
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّقْلِ وَقَاعِدَةِ الْإِسْقَاطِ) التَّصَرُّفُ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَمْلَاكِ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ الْأَوَّلُ النَّقْلُ وَهُوَ تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ وَيَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ بِعِوَضٍ فِي الْأَعْيَانِ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَإِلَى مَا هُوَ بِعِوَضٍ فِي الْمَنَافِعِ كَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْجَعَالَةِ وَإِلَى مَا هُوَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَالْعُمْرَى وَالْوَقْفِ وَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ وَالْمَسْرُوقِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ وَالْغَنِيمَةِ فِي الْجِهَادِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَقْلُ مِلْكٍ فِي أَعْيَانٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي الْإِسْقَاطُ وَهُوَ تَصَرُّفٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ وَهُوَ إمَّا بِعِوَضٍ كَالْخُلْعِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةِ وَبَيْعِ الْعَبْدِ
стр. 363
وَالشَّنَاعَةُ لَا عِبْرَةَ بِهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
وَقَدْ تَمَسَّكُوا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَهُوَ أَنَّ الشَّرْعَ لَا يَعْتَبِرُ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ وَهَذَا كَلَامٌ حَقٌّ، وَعَنْ الثَّانِي الْفَرْقُ بَيْنَ النَّقْدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّهُمَا وَسَائِلُ لِتَحْصِيلِ الْأَغْرَاضِ مِنْ السِّلَعِ وَالْمَقَاصِدُ إنَّمَا هِيَ السِّلَعُ وَإِذَا كَانَتْ السِّلَعُ مَقَاصِدَ وَقَعَتْ الْمُشَاحَنَةُ مِنْ تَعْيِينَاتِهَا بِخِلَافِ الْوَسَائِلِ اجْتَمَعَ فِيهَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا وَسَائِلُ وَالثَّانِي عَدَمُ تَعَلُّقِ الْأَغْرَاضِ بِخِلَافِ الْمَقَاصِدِ فِيهَا حَيْثِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فَظَهَرَ الْفَرْقُ وَانْدَفَعَ النَّقْضُ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الْمَالِكِيَّةُ الْفَرْقُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَأَخَذَ مِنْهُ مَا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَدَارٍ يَسْكُنُهَا أَوْ ثَمَرَةٍ يَتَأَخَّرُ جُذَاذُهَا أَوْ عَبْدٍ يَسْتَخْدِمُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ مِنْ دَيْنٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَمَّا كَانَتْ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا أَشْبَهَتْ الدَّيْنَ وَفِيهَا مَفْسَدَةُ الدَّيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهَا الْمُطَالَبَةَ وَقَالَ أَشْهَبُ يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا فَسْخَ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ بَلْ دَيْنٌ مُعَيَّنٌ فِي مُعَيَّنٍ وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَطَّرِدُ الْفَرْقُ إنَّمَا مُخَالَفَتُهُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فَظَهَرَ الْفَرْقُ وَانْدَفَعَ النَّقْضُ) قُلْتُ السُّؤَالَانِ وَارِدَانِ وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا خَفَاءَ بِبُطْلَانِهِ وَكَيْفَ يَسُوغُ لِعَاقِلٍ الْتِزَامُ مَا لَا يَصِحّ وَلَا يُعْقَلُ وَمَا يَشُكُّ أَحَدٌ مِنْ أَنَّ مَنْ مَلَكَ دِينَارًا مَلَكَ عَيْنَهُ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ الْجِنْسَ الْكُلِّيَّ وَهُوَ ذِهْنِيٌّ عِنْدَ مُثْبِتِيهِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ نَافِيهِ يَلْزَمُ أَنَّ مَنْ مَلَكَ دِينَارًا لَمْ يَمْلِكْ عَيْنَهُ وَلَا جِنْسَهُ لِبُطْلَانِ الْقَوْلِ بِهِ فَيَلْزَمُ أَنَّ مَنْ مَلَكَ دِينَارًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ النُّقُودِ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَوْ يَقَعُ لِلشَّكِّ فِي أَنَّهُ مَلَكَهُ أَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ عِنْدَ مَنْ يَشُكُّ فِي الْأَجْنَاسِ وَهَذَا كُلُّهُ خُرُوجٌ عَنْ الْمَعْقُولِ لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ غَرَضٌ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْغَرَضُ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْمُعْتَادَةِ فَالصَّحِيحُ تَعَيُّنُ النَّقْدَيْنِ بِالتَّعْيِينِ وَلُزُومُ رَدِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَيَلْزَمُ الْبَدَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الصُّورَةُ (الثَّانِيَةُ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الْمَالِكِيَّةُ الْفَرْقُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَأَخَذَ مِنْهُ مَا تَأَخَّرَ قَبْضُهُ كَدَارٍ يَسْكُنُهَا أَوْ ثَمَرَةٍ يَتَأَخَّرُ جِذَاذُهَا أَوْ عَبْدٍ يَسْتَخْدِمُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَمَّا كَانَتْ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا أَشْبَهَتْ الدَّيْنَ وَفِيهَا مَفْسَدَةُ الدَّيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهَا الْمُطَالَبَةَ وَقَالَ أَشْهَبُ يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ بَلْ دَيْنٌ مُعَيَّنٌ فِي مُعَيَّنٍ وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَطَّرِدُ الْفَرْقُ إنَّمَا مُخَالَفَتُهُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ)
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْ نَفْسِهِ وَالصُّلْحُ عَلَى الدَّيْنِ وَعَلَى التَّعْزِيرِ فَجَمِيعُ هَذِهِ الصُّوَرِ يَسْقُطُ فِيهَا الثَّابِتُ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْبَاذِلِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ الْمَبْذُولُ مِنْ الْعِصْمَةِ وَبَيْعِ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِمَّا بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ وَالتَّعْزِيرِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَإِيقَافِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فَجَمِيعُ هَذِهِ الصُّوَرِ يَسْقُطُ فِيهَا الثَّابِتُ وَلَا يَنْتَقِلُ لِغَيْرِ الْأَوَّلِ وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي افْتِقَارِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ إلَى الْقَبُولِ فَلَا يَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ إذَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ حَتَّى يَقْبَلَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَدَمُ افْتِقَارِهِ إلَى الْقَبُولِ فَيَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ إذَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَنْشَؤُهُ هَلْ الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُمَا لَا يَفْتَقِرَانِ إلَى قَبُولِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَلِذَلِكَ يَنْفُذُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَإِنْ كَرِهَتْ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ أَوْ هُوَ نَقْلٌ وَتَمْلِيكٌ لِمَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ عَيْنًا بِالْهِبَةِ أَوْ غَيْرِهَا عَلَى أَنَّ الْمِنَّةَ فِي الْإِبْرَاءِ قَدْ تَعْظُمُ وَهِيَ تَضُرُّ بِذَوِي الْمُرُوآتِ وَالْأَنَفَاتِ لَا سِيَّمَا مِنْ السَّفَلَةِ فَجَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ لَهُمْ قَبُولَ ذَلِكَ أَوْ رَدَّهُ نَفْيًا لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْ الْمِنَنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْوَقْفُ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ أَوْ لَا]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي افْتِقَارِ الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ إلَى الْقَبُولِ أَوْ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَنْشَؤُهُ هَلْ الْوَاقِفُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ مَنَافِعِ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ فَيَكُونُ كَالْعِتْقِ أَوْ أَنَّهُ نَقَلَ مِلْكَهُ لِمَنَافِعِ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ وَمَلَّكَهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ فَيَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لِتَعَذُّرِهِ.
وَأَمَّا أَصْلُ مِلْكِ الْوَاقِفِ فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسَاجِدِ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْإِسْقَاطِ وَالْعِتْقِ لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وَلِأَنَّهَا تُقَامُ فِيهَا الْجَمَاعَاتُ وَالْجُمُعَةُ وَالْجُمُعَةُ لَا تُقَامُ فِي الْمَمْلُوكَاتِ لَا سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهَا لَا يُصَلِّيهَا أَرْبَابُ الْحَوَانِيتِ فِي حَوَانِيتِهِمْ لِأَجْلِ الْمِلْكِ وَالْحَجْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ فَقِيلَ يَسْقُطُ أَصْلُ مِلْكِهِ فِيهَا وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ لِأَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْحَائِطِ الْمَوْقُوفِ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إذَا كَانَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِلْكُ الْوَاقِفِ فَيُزَكِّي عَلَى مِلْكِهِ وَأَمَّا الْحَائِطُ عَلَى الْمُعَيَّنِينَ فَيُشْتَرَطُ فِي حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمَشْهُورُ فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ يَخْتَارُ وَقِيلَ يَعُمُّ الْعِتْقُ الْجَمِيعَ وَفِي الطَّلَاقِ إذَا طَلَّقَ أَحَدَ نِسَائِهِ يَعُمُّ الطَّلَاقُ النِّسْوَةَ وَقِيلَ يَخْتَارُ وَقَدْ مَرَّ آخِرَ الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ بَيْنَ قَاعِدَةِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَقَاعِدَةِ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ فِي أَنَّ كُلًّا رَافِعٌ وَحَالٌّ لِمَا يُبِيحُ الزَّوْجَةَ وَالْمَمْلُوكَةَ فَيَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيمَ إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ فِي نَظَرِ مَالِكٍ فِي الطَّلَاقِ لِلِاحْتِيَاطِ لِلْفُرُوجِ وَإِنْ لَزِمَهُ فَخَالَفَهُ الْإِجْمَاعُ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مُقْتَضٍ وَفِي الْعِتْقِ
стр. 364
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ وُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ وُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ مَعَ التَّخْيِيرِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ وَلَمْ يُمَيَّزْ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ إلَّا بِالتَّخْيِيرِ وَعَدَمِهِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوُجُودِ وَالسَّلَامَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ) وَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ فِيهِ صُعُوبَةٌ وَغُمُوضٌ وَيَظْهَرُ لَك الْغُمُوضُ وَالصُّعُوبَةُ بِمَا وَرَدَ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ لَمَّا خَالَفُوا الشَّافِعِيَّةَ فَقَالُوا الْمُعْتَبَرُ مِنْ الْأَوْقَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ أَوَاخِرُهَا دُونَ أَوَائِلِهَا فَإِنْ وُجِدَ الْعُذْرُ الْمُسْقِطُ لِلصَّلَاةِ آخِرَ الْوَقْتِ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فُعِلَتْ قَبْلَ طَرَيَان الْعُذْرِ.
وَلَا عِبْرَةَ بِمَا وُجِدَ مِنْ الْوَقْتِ فِي أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ سَالِمًا مِنْ الْعُذْرِ وَكَذَلِكَ إذَا ذَهَبَ الْعُذْرُ آخِرَ الْوَقْتِ فَطَهُرَتْ الْحَائِضُ حِينَئِذٍ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ وَلَا عِبْرَةَ بِوُجُودِ الْعُذْرِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ وَسَطَهُ وَالشَّافِعِيَّةُ سَلَّمُوا الْقِسْمَ الثَّانِيَ وَإِنَّمَا نَازَعُوا فِي الْأَوَّلِ فَقَالُوا أَجْمَعْتُمْ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الصَّلَاةِ وُجُوبٌ مُوَسَّعٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ وَإِذَا وُجِدَ أَوَّلُ الْوَقْتِ فَقَدْ وُجِدَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي ضِمْنِهِ وَهُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَسَبَبُهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَالْحَيْضِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فَإِذَا حَاضَتْ بَعْدَ ذَلِكَ حَاضَتْ بَعْدَ تَرَتُّبِ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا فَتُقْضَى بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَنْتُمْ إذَا قُلْتُمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ شَيْءٌ بَلْ إنَّمَا يُعْتَبَرُ آخِرُ الْوَقْتِ فِي طَرَيَان الْعُذْرِ وَزَوَالِهِ فَهَذَا مِنْ مَالِكٍ ﵀ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِ الْوَقْتِ كَمَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ لَا تُسَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ فَيَبْقَى مَذْهَبُ مَالِكٍ مُشْكِلًا جِدًّا أَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي اعْتِبَارِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ فَهُوَ الْقِيَاسُ وَجَرَى عَلَى أَصْلِهِ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَمَّا مَالِكٌ فَلَا وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَعْرِفَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ السَّبَبَ السَّالِمَ عَنْ الْمُعَارِضِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَخْيِيرٌ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ فِيهِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ.
أَمَّا مَعَ التَّخْيِيرِ فَلَا لِسَبَبِ مَا نَذْكُرُهُ مِنْ الْفُرُوقِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قُلْتُ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَكَذَا مَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لِمَا اقْتَضَاهُ الْإِجْمَاعُ مِنْ عَدَمِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مُقْتَضَى وَإِنْ لَزِمَهُ مُخَالَفَةُ الِاحْتِيَاطِ لِلْفُرُوجِ هُوَ أَنَّ اسْتِلْزَامَ الطَّلَاقِ لِلتَّحْرِيمِ لِخُصُوصِ الْوَطْءِ مُطَّرِدٌ إذْ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لَهُ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِزَالَةِ فِي النَّجَاسَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِحَالَةِ فِيهَا]
(الْفَرْقُ الثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِزَالَةِ لِلنَّجَاسَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِحَالَةِ فِيهَا) تَقَعُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إزَالَةٌ فَقَطْ وَإِحَالَةٌ فَقَطْ وَإِزَالَةٌ وَإِحَالَةٌ مَعًا فَالْإِزَالَةُ فَقَطْ بِالْمَاءِ فِي الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَالْمَكَانِ وَخَاصِّيَّتُهَا الَّتِي تَمْتَازُ بِهَا أَرْبَعٌ أَحَدُهَا اشْتِرَاطُ الْمَاءِ الطَّهُورِ وَثَانِيهَا اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ عَلَى الْخِلَافِ وَثَالِثُهَا وُصُولُ الْغُسْلِ إلَى حَدِّ أَنْ يَنْفَصِلَ الْمَاءُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ وَرَابِعُهَا أَنَّ السَّبَبَ الِاسْتِقْذَارُ وَالْإِحَالَةُ فَقَطْ فِي الْخَمْرِ تَصِيرُ خَلًّا وَخَاصِّيَّتُهَا الَّتِي تَمْتَازُ بِهَا ثَلَاثٌ أَحَدُهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ إجْمَاعًا وَفِي كَوْنِ الْقَصْدِ إلَى تَخْلِيلِ الْخَمْرِ مَانِعًا مِنْ تَطْهِيرِهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَوْ غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ تَطْهِيرِهَا خِلَافٌ فَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي كُتُبِهِمْ النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنَّمَا يُرِيدُونَ أَحَدَ أَقْسَامِهَا وَهِيَ الْإِزَالَةُ فَقَطْ وَثَانِيهَا أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فِيهَا بَلْ قَدْ تُوجَدُ مَعَ عَدَمِهِ وَقَدْ يُلْقِي فِي الْخَمْرِ مَاءً فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِحَالَتِهَا بِخِلَافِ الْإِزَالَةِ وَثَالِثُهَا عَدَمُ الِاسْتِقْذَارِ بَلْ سَبَبُ تَنْجِيسِهَا طَلَبُ إبْعَادِهَا وَالْإِزَالَةُ وَالْإِحَالَةُ مَعًا فِي الدِّبَاغِ فَإِنَّهُ إزَالَةٌ لِلْفَضَلَاتِ الْمُتَنَجِّسَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْعَصْرَ فَيَخْرُجُ مَا فِي الْجُلُودِ مِنْ ذَلِكَ وَإِحَالَةً لِصِفَةِ الْجُلُودِ بِتَغَيُّرِ هَيْئَتِهَا إلَى هَيْئَةٍ أُخْرَى وَخَاصِّيَّتُهَا الَّتِي تَمْتَازُ بِهَا ثَلَاثٌ أَيْضًا أَحَدُهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْمَاءِ وَثَانِيهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ الْقَصْدُ إلَى الدَّبْغِ مَانِعًا مِنْ تَطْهِيرِ الْجِلْدِ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الْإِحَالَةِ فَقَطْ وَثَالِثُهَا أَنَّ الِاسْتِقْذَارَ وَالِاسْتِحْبَابَ سَبَبُ التَّنْجِيسِ (وَصْلٌ) قَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا قَاعِدَةٌ تُعْرَفُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِجَمْعِ الْفُرُوقِ أَيْ جَمْعُ الْمُتَفَرِّقَاتِ مِنْ الْأَضْدَادِ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَلَهُ مُثُلٌ أَحَدُهَا مَا هُنَا فَإِنَّ الْقَصْدَ مُنَاسِبٌ لِلتَّطْهِيرِ فَاشْتَرَطَهُ مَنْ اشْتَرَطَ الْمُنَاسِبَ فِي الْإِزَالَةِ وَجَعَلَهُ مَانِعًا فِي الْإِحَالَةِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ فَإِنَّا إذَا جَوَّزْنَا الْقَصْدَ لِلتَّخْلِيلِ فَقَدْ جَوَّزْنَا إبْقَاءَهَا فِي الْمِلْكِ زَمَانًا وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ رُبَّمَا انْبَعَثَتْ الدَّوَاعِي لِشُرْبِهَا فَقَدْ رَتَّبَ عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ كَوْنَ الْقَصْدِ إلَيْهِ يَقْتَضِي فِي الْإِحَالَةِ الْمَنْعَ وَفِي الْإِزَالَةِ الْإِبَاحَةَ فِي الصَّلَاةِ بِذَلِكَ الثَّوْبِ الْمُزَالِ عَنْهُ النَّجَاسَةُ وَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ هُوَ التَّطْهِيرُ وَالضِّدَّانِ هُمَا الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ الْمِثَالُ الثَّانِي قَالَ الْعُلَمَاءُ تَرِدُ تَصَرُّفَاتُ السَّفِيهِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ صَوْنًا لِمَالِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ بِتَصَرُّفَاتٍ رَدِيئَةٍ وَتَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ فِي الْوَصَايَا عِنْدَ الْمَوْتِ
صَوْنًا لِمَالِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ
فَإِنَّا لَوْ رَدَدْنَا وَصَايَاهُ لَأَخَذَ مَالَهُ وَارِثُهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَصْلَحَةٌ فَصَوْنُ مَالِهِ عَلَى مَصَالِحِهِ وَصْفٌ وَاحِدٌ نَاسَبَ الضِّدَّيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ
стр. 365
وَنُوَضِّحُهُ بِذِكْرِ نَظَائِرَ مِنْ الشَّرِيعَةِ: أَحَدُهَا أَنَّهُ إذَا بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ فَلَهُ بَيْعُ بَقِيَّةِ الصِّيعَانِ وَبَقِيَّتُهَا مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَبَقِيَ صَاعٌ وَتَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَلَمْ يُنْقَلْ الصَّاعُ لِلذِّمَّةِ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الصُّبْرَةُ كُلُّهَا بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ صِيعَانِ الصُّبْرَةِ وَهُوَ مُطْلَقُ الصَّاعِ فَتَصَرَّفَ بِمُقْتَضَى التَّخْيِيرِ فِيمَا عَدَا الصَّاعَ الْوَاحِدَ وَأَتَتْ الْجَائِحَةُ عَلَى ذَلِكَ الصَّاعِ فَكَانَ التَّخْيِيرُ فِي غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ الْآفَةَ فِيهِ كَالْآفَةِ فِي الْجَمِيعِ كَذَلِكَ أَجْزَاءُ الْوَقْتِ كَالصِّيعَانِ يَجِبُ مِنْهَا وَاحِدٌ فَقَطْ فَإِذَا تَصَرَّفَتْ الْمَرْأَةُ فِي ضَيَاعِ مَا عَدَا الْآخِرَ مِنْهَا بِالْإِتْلَافِ ثُمَّ طَرَأَ الْعُذْرُ فِي آخِرِهَا قَامَ ذَلِكَ مَقَامَ وُجُودِ الْعُذْرِ فِي جَمِيعِهَا وَلَوْ وُجِدَ الْعُذْرُ فِي جَمِيعِهَا سَقَطَتْ الصَّلَاةُ وَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَمَرَّ التَّخْيِيرُ مَعَ الْعُذْرِ فِي الْأَخِيرِ وَبِالتَّخْيِيرِ حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ سَبَبِ الْوُجُوبِ الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ فَإِذَا وُجِدَ أَوَّلًا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَأَتْلَفَهُ الْمُكَلَّفُ بِالضَّيَاعِ لَا يَضْمَنُ الصَّلَاةَ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ فَإِذَا وُجِدَ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ التَّخْيِيرُ وَعَدَمُهُ وَلَوْلَا التَّخْيِيرُ لَكَانَ لِلْمُشْتَرِي فِي الصِّيعَانِ أَنْ يَقُولَ الْعَقْدُ اقْتَضَى مُطْلَقَ الصَّاعِ وَقَدْ وُجِدَ فِي صَاعٍ مِنْ الصِّيعَانِ الَّتِي تَعَدَّيْت عَلَيْهَا أَيُّهَا الْبَائِعُ وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى الْمَبِيعِ ضَمِنَهُ فَيَلْزَمُك أَيُّهَا الْبَائِعُ الضَّمَانُ وَلَمَّا كَانَ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ إنَّ تُسَلِّطِي بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ صِيعَانِ الصُّبْرَةِ فِي تَوْفِيَتِهِ يَنْفِي عَنِّي الْعُدْوَانَ فِيمَا تَعَدَّيْت فِيهِ فَلَا أَضْمَنُ كَانَ لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا أَنْ تَقُولَ إنَّ تَسَلُّطِي عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ فِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ يَنْفِي عَنِّي وُجُوبَ الصَّلَاةِ فَإِنِّي جُعِلَ لِي أَنْ أُؤَخِّرَ وَأُعَيِّنَ الْمُشْتَرَكَ فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ فَلَمَّا عَيَّنْتُهُ تَلِفَ بِالْحَيْضِ كَمَا تَلِفَ الصَّاعُ بِالْآفَةِ وَمَا سِرُّ ذَلِكَ إلَّا التَّخْيِيرُ، وَثَانِيهَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي الْكَفَّارَةِ وَعِنْدَهُ رِقَابٌ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا عَدَا الْوَاحِدَ بِالْعِتْقِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا رَقَبَةٌ مَاتَتْ أَوْ تَعَيَّبَتْ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ بِالْعِتْقِ وَجَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ وَلَا نَقُولُ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ وَثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ لَا بُدَّ مِنْهَا بَلْ يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِالرَّقَبَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَكُونُ التَّخْيِيرُ مَعَ الْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ فِي الْأَخِيرِ يَقُومُ مَقَامَ حُصُولِ الْآفَةِ فِي جَمِيعِ الرِّقَابِ ابْتِدَاءً.
وَثَالِثُهَا لَوْ كَانَ لَهُ عِدَّةُ ثِيَابٍ لِلسُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا عَدَا الْوَاحِدَ مِنْهَا فَإِذَا وَهَبَ أَوْ بَاعَ وَخَلَّى وَاحِدًا مِنْهَا فَطَرَأَتْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
اللَّذَيْنِ هُمَا رَدُّ تَصَرُّفَاتِهِ حَالَ الْحَيَاةِ وَتَنْفِيذُ تَصَرُّفَاتِهِ عِنْدَ الْمَمَاتِ وَتَرَتَّبَا عَلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ الْجَهَالَةُ مَانِعَةٌ مِنْ صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا وَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْجِعَالَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْقِرَاضِ
فَمَصْلَحَةُ
هَذِهِ الْعُقُودِ اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَجْهُولًا وَأَنْ لَا يَجُوزَ تَحْدِيدُهُ بِيَوْمٍ مَعْلُومٍ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ قَدْ لَا يَحْصُلُ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ لِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْإِجَارَاتِ الَّتِي مِنْ قَبِيلِ الْجَعَالَةِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْغَرَرَ فَتَفُوتُ
الْمَصْلَحَةُ
فَقَدْ اقْتَضَتْ الْجَهَالَةُ الضِّدَّيْنِ كَالْجَهَالَةِ.
الْمِثَالُ الرَّابِعُ: الْأُنُوثَةُ اقْتَضَى ضَعْفُهَا التَّأَخُّرَ عَنْ الْوِلَايَاتِ وَاقْتَضَى ضَعْفُهَا وِلَايَةَ الْحَضَانَةِ وَالتَّقْدِمَةِ فِيهَا عَلَى الذُّكُورِ فَقَدْ اقْتَضَتْ الضِّدَّيْنِ كَالْجَهَالَةِ
الْمِثَالُ الْخَامِسُ قَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اقْتَضَى تَعْظِيمُهَا بَذْلَ الْمَالِ لِلْأَقَارِبِ وَالْمُبَادَرَةَ إلَى سَدِّ الْخَلَّاتِ فِي حَقِّهِمْ وَاقْتَضَى مَنْعُ الْمَالِ مِنْهُمْ فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْبَذْلُ وَالْمَنْعُ وَهُمَا ضِدَّانِ وَإِنَّمَا قَلَّتْ هَذِهِ النَّظَائِرُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُنَاسِبِ أَنْ يُنَافِيَ ضِدَّ مَا يُنَاسِبُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرُّخْصَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرُّخْصَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الرُّخْصَةَ كَمَا فِي مُوَافَقَاتِ الشَّاطِبِيِّ لَهَا فِي الشَّرْعِ إطْلَاقَاتٌ أَرْبَعَةٌ الْإِطْلَاقُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ لِعُذْرٍ شَاقٍّ اسْتِثْنَاءً مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ فِيهِ فَقَيْدُ لِعُذْرٍ شَاقٍّ مُخْرِجٌ لِمَا كَانَ مِنْ أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ الْكُلِّيَّاتِ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ مَشْرُوعٍ لِعُذْرِ مُجَرَّدِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ مَوْجُودَةٍ كَشَرْعِيَّةِ الْقِرَاضِ فَإِنَّهُ لِعُذْرٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ عَجْزُ صَاحِبِ الْمَالِ عَنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَيَجُوزُ حَيْثُ لَا عُذْرَ وَلَا عَجْزَ وَكَذَلِكَ الْقَرْضُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالسَّلَمُ وَنَحْوُهَا مِمَّا شُرِعَ فِي الْأَصْلِ
لِعُذْرِ مُجَرَّدِ الْحَاجَةِ
وَإِنْ جَازَ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ فَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَرِضَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَى الِاقْتِرَاضِ وَأَنْ يُسَاقِيَ حَائِطَهُ.
وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ وَهَكَذَا فَلَا يُسَمَّى هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِاسْمِ الرُّخْصَةِ وَمُخْرِجٌ أَيْضًا لِمَا كَانَ مِنْ أَصْلِ التَّكْمِيلَاتِ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ مَشْرُوعٍ لِعُذْرِ مُجَرَّدِ التَّكْمِيلِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ مَوْجُودَةٍ كَشَرْعِيَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ جُلُوسًا لِعُذْرِ مُجَرَّدِ طَلَبِ الْمُوَافَقَةِ لِإِمَامِهِمْ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا أَوْ يَقْدِرُ بِمَشَقَّةٍ حَتَّى شُرِعَ فِي حَقِّهِ الِانْتِقَالُ إلَى الْجُلُوسِ وَإِنْ كَانَ مُخِلًّا بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ الْمَشَقَّةِ صَارَ الْجُلُوسُ رُخْصَةً فِي حَقِّهِ فَفِي الْحَدِيثِ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعِينَ فَلَا يُسَمَّى مِثْلُ هَذَا رُخْصَةً وَإِنْ كَانَ مُسْتَثْنًى لِعُذْرٍ وَقَيْدُ اسْتِثْنَاءٍ مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْضِي الْمَنْعَ مُدْخِلٌ لِمَا عَرَضَ لَهَا مِنْ الرُّخَصِ أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّاتٍ فِي الْحُكْمِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ أَصْلِهَا الْكُلِّيِّ الَّذِي اُسْتُثْنِيَتْ مِنْهُ لِلْعُذْرِ كَجَوَازِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ
стр. 366
عَلَيْهِ الْآفَةُ الْمَانِعَةُ لَهُ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ صَلَّى عُرْيَانًا مِنْ غَيْرِ إثْمٍ وَيَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِالْكُلِّيَّةِ فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّصَرُّفَ بِالتَّخْيِيرِ مَعَ الْعُذْرِ فِي الْأَخِيرِ يَقُومُ مَقَامَ الْعُذْرِ فِي الْجَمِيعِ فَكَذَلِكَ آخِرُ الْوَقْتِ وَرَابِعُهَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ الْمَاءِ لِطَهَارَتِهِ مِرَارًا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَقَادِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الثِّيَابِ وَالرِّقَابِ فَلَهُ هِبَةُ مَا عَدَا كِفَايَتَهُ فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِالْهِبَةِ بِمُقْتَضَى التَّخْيِيرِ ثُمَّ تَلِفَ الْمَاءُ الْآخَرُ الَّذِي اسْتَبَقَاهُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِالْوُضُوءِ بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ غَيِّ إثْمٍ وَقَامَ التَّصَرُّفُ بِالتَّخْيِيرِ مَعَ الْآفَةِ فِي الْأَخِيرِ مَقَامَ حُصُولِ الْعُذْرِ فِي الْجَمِيعِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ وَسُقُوطِ التَّكْلِيفِ كَذَلِكَ هَا هُنَا يَقُومُ التَّصَرُّفُ فِي الْأَوْقَاتِ الْأَوَّلِ بِالتَّخْيِيرِ مَعَ حُصُولِ الْعُذْرِ فِي الْأَخِيرِ مَقَامَ حُصُولِ الْعُذْرِ فِي جَمِيعِهَا. وَخَامِسُهَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ صَاعَانِ مِنْ الطَّعَامِ لِزَكَاةِ الْفِطْرِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مُطْلَقُ الصَّاعِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا عَدَا الصَّاعَ الْوَاحِدَ فَإِذَا بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَتَرَكَ صَاعًا وَاحِدًا فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إخْرَاجِهِ حَتَّى تَلِفَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْ قِبَلِهِ فَإِنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهَا تَجِبُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ رَمَضَانَ إلَى غُرُوبِهَا مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَأَشْبَهَ مَنْ جَاءَهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ طَعَامٌ أَلْبَتَّةَ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذَا اسْتَقْرَيْت الشَّرِيعَةَ تَجِدْ فِيهَا صُوَرًا كَثِيرَةً الْخِطَابُ فِيهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَيَقُومُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ تِلْكَ الْأَفْرَادِ وَالتَّصَرُّفُ فِي الْبَعْضِ بِالْإِتْلَافِ بِمُقْتَضَى التَّخْيِيرِ فِي الْجَمِيعِ مَقَامَ التَّلَفِ فِي الْجَمِيعِ فَكَذَلِكَ صُورَةُ النِّزَاعِ فَعُلِمَ بِهَذِهِ النَّظَائِرِ أَنَّ الْفَرْقَ فِي الشَّرْعِ وَاقِعٌ بَيْنَ وُجُودِ السَّبَبِ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ مَعَ التَّخْيِيرِ وَبَيْنَ وُجُودِهِ مَعَ عَدَمِ التَّخْيِيرِ فَلَا يُعْتَقَدُ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ مَتَى وُجِدَ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ بَلْ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَفْرَادِهِ كَمَا قُلْنَاهُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَغَيْرِهِ وَظَهَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قِيَامِ الْمُعَارِضِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ السَّبَبِ وَبَيْنَ قِيَامِهِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ إذَا كَانَ التَّخْيِيرُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَرْقَ فَهُوَ دَقِيقٌ وَهُوَ عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بَعْدَ اسْتِقْرَارِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَتْ آيَاتُ الصَّوْمِ نَزَلَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ثَانٍ عَنْ اسْتِقْرَارِ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: ١٧٣] الْآيَةَ وَمُخْرِجٌ لِبَاقِي أَنْوَاعِ الْعَزِيمَةِ مِمَّا شُرِعَ ابْتِدَاءً لَا اسْتِثْنَاءً مِنْ أَصْلٍ إلَخْ وَقَيْدُ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ لِبَاقِي أَنْوَاعِ الرُّخَصِ وَمُوَضِّحٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا شُرِعَ مِنْ الرُّخَصِ وَمَا شُرِعَ مِنْ الْحَاجِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ بِأَنَّ الرُّخَصَ جُزْئِيَّةٌ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا انْقَطَعَ سَفَرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَإِلْزَامِ الصَّوْمِ وَالْمَرِيضُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُصَلِّ قَاعِدًا وَإِذَا قَدَرَ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لَمْ يَتَيَمَّمْ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الرُّخَصِ بِخِلَافِ الْقَرْضِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْحَاجِيَّاتِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي تُشْبِهُ الرُّخْصَةَ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ أَيْضًا وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ كَمَا عَلِمْت.
الْإِطْلَاقُ الثَّانِي عَلَى مَا اسْتَثْنَى مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ شَاقٍّ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا اسْتَنَدَ إلَى أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ مِنْ الْقَرْضِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَرَدِّ الصَّاعِ مِنْ الطَّعَامِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَرَّاةِ وَبَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا ثَمَرًا وَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك وَأَرْخَصَ فِي السَّلَمِ» فَيَجْرِي عَلَيْهَا فِي التَّسْمِيَةِ كَمَا جَرَى عَلَيْهَا حُكْمُهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَصْلٍ مَشْرُوعٍ وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا مَا اسْتَنَدَ إلَى أَصْلِ التَّكْمِيلَاتِ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ جُلُوسًا اتِّبَاعًا لِلْإِمَامِ الْمَعْذُورِ وَصَلَاةُ الْخَوْفِ الْمَشْرُوعَةِ بِالْإِمَامِ كَذَلِكَ أَيْضًا وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ لَفْظُ الرُّخْصَةِ وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ لَفْظُ الرُّخْصَةِ عَلَى مَا اُسْتُمِدَّ مِنْ الرُّخَصِ مِنْ أَصْلِ الضَّرُورِيَّاتِ كَالْمُصَلِّي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ فَإِنَّ الرُّخْصَةَ فِي حَقِّهِ ضَرُورِيَّةٌ وَإِنَّمَا تَكُونُ حَاجِيَّةً إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ فِيهِ أَوْ بِسَبَبِهِ، الْإِطْلَاقُ الثَّالِثُ عَلَى مَا وُضِعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ التَّكَالِيفِ الْغَلِيظَةِ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فَإِنَّ الرُّخْصَةَ فِي اللُّغَةِ رَاجِعَةٌ إلَى مَعْنَى اللِّينِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ ﵇ صَنَعَ شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآخَرَ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الرُّخَصَ الَّتِي هِيَ مَحْبُوبَةٌ مَا ثَبَتَ الطَّلَبُ فِيهِ أَوْ مَا أَدَّى تَرْكُهُ إلَى الْمَشَقَّةِ الْفَادِحَةِ الَّتِي قَالَ فِي مِثْلِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» فَيُوَافِقُ قَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] بَعْدَ مَا قَالَ فِي الْأُولَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ﴾ [النساء: ٢٥] لَكِنْ فَلْيُتَفَطَّنْ فَكَانَ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ السَّمْحَةِ
стр. 367
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِلْزَامِ إيجَابِ الْمَجْمُوعِ لِوُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِي الْقَضَاءِ جُزْءَ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ، وَالْجُزْءُ الْآخَرُ خُصُوصُ الْوَقْتِ)
هَاتَانِ الْقَاعِدَتَانِ مُلْتَبِسَتَانِ جِدًّا بِسَبَبِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ، وَبِكَوْنِهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ أَمْرٌ بِمَجْمُوعِ الْفِعْلِ وَتَخْصِيصِهِ بِالزَّمَانِ فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُ الْجُزْأَيْنِ، وَهُوَ تَخْصِيصُهُ بِعَيْنِ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى الْفِعْلُ وَاجِبًا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ إيجَابَ الْمُرَكَّبِ يَقْتَضِي إيجَابَ مُفْرَدَاتِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِلْزَامِ إيجَابِ الْمَجْمُوعِ لِوُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَا يُوجَبُ الْقَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِي الْقَضَاءِ جُزْءَ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ، وَالْجُزْءُ الْآخَرُ خُصُوصُ الْوَقْتِ. هَاتَانِ الْقَاعِدَتَانِ مُلْتَبِسَتَانِ جِدًّا بِسَبَبِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ، وَبِكَوْنِهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ أَمْرٌ بِمَجْمُوعِ الْفِعْلِ وَتَخْصِيصِهِ بِالزَّمَانِ فَإِذَا ذَهَبَ أَحَدُ الْجُزْأَيْنِ وَهُوَ تَخْصِيصُهُ بِعَيْنِ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى الْفِعْلُ وَاجِبًا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ إيجَابَ الْمُرَكَّبِ يَقْتَضِي إيجَابَ مُفْرَدَاتِهِ) قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ اسْتِلْزَامِ إيجَابِ الْمَجْمُوعِ لِوُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّ إيجَابَ الْمَجْمُوعِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ مَجْمُوعًا مَعَ غَيْرِهِ مِنْهَا فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ إيجَابَ الْمَجْمُوعِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ كُلِّ جُزْءٍ مُطْلَقًا مَجْمُوعًا مَعَ غَيْرِهِ وَغَيْرَ مَجْمُوعٍ فَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَغَيْرُ صَحِيحٍ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ وَبِكَوْنِهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَأَنَّهُ إذَا ذَهَبَ أَحَدُ الْجُزْأَيْنِ وَهُوَ تَخْصِيصُهُ بِعَيْنِ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَبْقَى الْفِعْلُ وَاجِبًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْفِعْلَ الْمُعَيَّنَ زَمَانُهُ لَا يَصِحُّ انْفِكَاكُهُ عَنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَمَتَى قُدِّرَ انْفِكَاكُهُ عَنْهُ فَلَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الْفِعْلُ، وَلَيْسَ الزَّمَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفِعْلِ الْمُوقَعِ فِيهِ كَالرَّكْعَةِ الْأُولَى مَعَ الثَّانِيَةِ فِي تَصَوُّرِ انْفِكَاكِ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الْأُخْرَى عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَثَلًا مَعَ أَنَّهُ إذَا فُعِلَتْ رَكْعَةٌ مُنْفَرِدَةٌ لَا تَكُونُ جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا تَكُونُ جُزْءًا مِنْهَا إذَا فُعِلَتْ مَعَ أُخْرَى بِشَرْطِ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ نِيَّةٍ وَغَيْرِهَا وَبِالْجُمْلَةِ فِي كَلَامِهِ هَذَا فِي هَذَا الْفَرْقِ ضُرُوبٌ مِنْ الْفَسَادِ لَا يَفُوهُ بِمِثْلِهَا مُحَصِّلٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْ الْمُسَامَحَةِ وَاللِّينِ رُخْصَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا حَمَلَهُ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ مِنْ الْعَزَائِمِ الشَّاقَّةِ الْإِطْلَاقُ الرَّابِعُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ مُطْلَقًا مِمَّا هُوَ رَاجِعٌ إلَى نَيْلِ حُظُوظِهِمْ وَقَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ فَالرُّخْصَةُ عَلَى هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ الْإِذْنِ فِي نَيْلِ الْحَظِّ الْمَلْحُوظِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا كَانَ تَخْفِيفًا وَتَوْسِعَةً عَلَى الْمُكَلَّفِ وَإِنَّ الْعَزِيمَةَ كَذَلِكَ لَهَا فِي الشَّرْعِ أَرْبَعُ إطْلَاقَاتٍ تُقَابِلُ إطْلَاقَاتِ الرُّخْصَةِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ.
فَإِطْلَاقُهَا الْمُقَابِلُ لِهَذَا الْإِطْلَاقِ الرَّابِعِ هُوَ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه: ١٣٢] الْآيَةَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ مِلْكٌ لِلَّهِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ وَبَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي عِبَادَتِهِ لِأَنَّهُمْ عِبَادُهُ وَلَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ لَدَيْهِ وَلَا حُجَّةَ عَلَيْهِ فَإِذَا وَهَبَ لَهُمْ حَظًّا يَنَالُونَهُ فَذَلِكَ كَالرُّخْصَةِ لَهُمْ لِأَنَّهُ تَوَجُّهٌ إلَى غَيْرِ الْمَعْبُودِ وَاعْتِنَاءٌ بِغَيْرِ مَا اقْتَضَتْهُ الْعُبُودِيَّةُ وَذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ هُوَ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ كَانَتْ الْأَوَامِرُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا وَالنَّوَاهِي كَرَاهَةً أَوْ تَحْرِيمًا وَتَرْكُ كُلِّ مَا يَشْغَلُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنْ الْآمِرِ مَقْصُودٌ أَنْ يُمْتَثَلَ عَلَى الْجُمْلَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْعَزَائِمُ ثَمَّ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَالرُّخَصُ حَظُّ الْعِبَادِ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ فَتَشْتَرِكُ الْمُبَاحَاتُ مَعَ الرُّخَصِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ مِنْ حَيْثُ كَانَا مَعًا تَوْسِعَةً عَلَى الْعَبْدِ وَرَفْعُ حَرَجٍ عَنْهُ وَإِثْبَاتًا لِحَظِّهِ وَتَصِيرُ الْمُبَاحَاتُ عِنْدَ هَذَا النَّظَرِ تَتَعَارَضُ مَعَ الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى الْأَوْقَاتِ فَيُؤْثِرُ حَظَّهُ فِي الْأُخْرَى عَلَى حَظِّهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ يُؤْثِرُ حَقَّ رَبِّهِ عَلَى حَظِّ نَفْسِهِ فَيَكُونُ رَافِعًا لِلْمُبَاحِ مِنْ عَمَلِهِ رَأْسًا أَوْ آخِذًا لَهُ حَقًّا لِرَبِّهِ فَيَصِيرُ حَظُّهُ مُنْدَرِجًا تَابِعًا لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقُّ اللَّهِ هُوَ الْمُقَدَّمُ هُوَ الْمَقْصُودُ فَإِنَّ الْعَبْدَ بَذَلَ الْمَجْهُودَ وَالرَّبُّ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَهَذَا الْوَجْهُ يَعْتَبِرُهُ الْأُولَيَاتُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَحْوَالِ وَكَذَا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ رَقَى عَنْ الْأَحْوَالِ وَعَلَيْهِ يُرَبُّونَ التَّلَامِيذَ أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ الْأَخْذُ بِعَزَائِم الْعِلْمِ وَاجْتِنَابِ الرُّخَصِ جُمْلَةً حَتَّى آلَ الْحَالُ بِهِمْ أَنْ عَدُّوا أَصْلَ الْحَاجِيَّاتِ كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا.
وَهُوَ مَا يَرْجِعُ إلَى حَظِّ الْعَبْدِ مِنْهَا حَسْبَمَا بَانَ لَك فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ الْأَخِيرِ مِنْ الرُّخَصِ وَإِطْلَاقُ الْعَزِيمَةِ الْمُقَابِلُ لِلْإِطْلَاقِ الثَّالِثِ هُوَ التَّكَالِيفُ الْغَلِيظَةُ وَالْأَعْمَالُ الشَّاقَّةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا وَوُضِعَتْ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ رُخْصَةً فِي حَقِّهَا كَرَامَةً لِنَبِيِّهَا ﷺ وَإِطْلَاقُهَا الْمُقَابِلُ لِلْإِطْلَاقِ الثَّانِي هُوَ مَا لَا يَكُونُ مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ ابْتِدَاءً مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فَلَا تَشْمَلُ عَلَى هَذَا مَا اسْتَنَدَ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَى أَصْلِ الْحَاجِيَّاتِ وَلَا مَا اسْتَنَدَ مِنْهَا إلَى أَصْلِ التَّكْمِيلَاتِ كَمَا لَا تَشْمَلُ مَا كَانَ مِنْهَا مُسْتَنِدٌ إلَى أَصْلِ الضَّرُورِيَّاتِ وَإِطْلَاقُهَا الْمُقَابِلُ لِلْإِطْلَاقِ
стр. 368
فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْقَاعِدِ وَقَاعِدَةِ أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ، وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ الْأَمْرَ مُرَكَّبٌ فِيهِمَا أَنَّ تَخْصِيصَ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ بِأَفْعَالٍ مُعَيَّنَةٍ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ بِمَصْلَحَةٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْفِعْلُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَلَا بُدَّ لِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ مَعْنًى لَاحَظَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الزَّوَالِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، وَهَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ تَعَبُّدِيٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ فِيهِ مَعْنًى لَمْ نَعْلَمْهُ لَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنًى، وَإِذَا كَانَتْ الْأَوْقَاتُ الْمُعَيَّنَةُ إنَّمَا خُصِّصَتْ بِالْعِبَادَةِ لِأَجْلِ مَصَالِحَ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا كَانَ مُقْتَضَى هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ لَا يُشْرَعَ الْفِعْلُ فِي غَيْرِهَا لِعَدَمِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَقَاعِدَةِ إنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ) . قُلْت لَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَإِنَّهُ شَيْءٌ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى مُحَصِّلٍ، وَيَحِقُّ إنْ كَانَ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ قَالَ (وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ الْأَمْرَ مُرَكَّبٌ فِيهِمَا أَنَّ تَخْصِيصَ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ بِأَفْعَالٍ مُعَيَّنَةٍ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ بِمَصْلَحَةٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْفِعْلُ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَلَا بُدَّ لِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ مَعْنًى لَاحَظَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الزَّوَالِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، وَهَكَذَا كُلُّ أَمْرٍ تَعَبُّدِيٍّ مَعْنَاهُ أَنَّ فِيهِ مَعْنًى لَمْ نَعْلَمْهُ لَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنًى) .
قُلْت: رِعَايَةُ الْمَصَالِحِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَقْلًا فَيَجُوزُ عَقْلًا شَرْعُ أَمْرٍ مَا لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فِيهِ إلَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّوَابِ فَإِنْ أَرَادَ بِالْمَصَالِحِ الْمَنَافِعَ عَلَى الْإِطْلَاقِ دُنْيَوِيَّةً كَانَتْ أَوْ أُخْرَوِيَّةً فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا الْمَنَافِعَ الدُّنْيَوِيَّةَ خَاصَّةً فَذَلِكَ مِنْ مُجَوِّزَاتِ الْعَقْلِ لَا مِنْ مُوجِبَاتِهِ، وَقَدْ دَلَّتْ الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ الْقَطْعِيَّةُ عَلَى رِعَايَةِ مَصَالِحِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ فَأَمَّا رِعَايَتُهَا فِي جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ فَلَا أَعْلَمُ قَاطِعًا فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَتْ رِعَايَةُ الشَّارِعِ الْمَصَالِحَ بِحُكْمٍ مِنْهُ شَرْعِيٍّ فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْقَطْعِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ الْأَوْقَاتُ الْمُعَيَّنَةُ إنَّمَا خُصِّصَتْ بِالْعِبَادَاتِ لِأَجْلِ مَصَالِحَ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا كَانَ مُقْتَضَى هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ لَا يُشْرَعَ الْفِعْلُ فِي غَيْرِهَا لِعَدَمِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْأَوَّلِ هُوَ مَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ ابْتِدَاءً وَمَعْنَى كَوْنِهَا كُلِّيَّةً أَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ بَعْضٍ فَيَدْخُلُ تَحْتَهَا جَمِيعُ كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ فَإِنَّهَا مَشْرُوعَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ فِي كُلِّ شَخْصٍ وَفِي كُلِّ حَالٍ وَمَا كَانَ مِنْهَا مَشْرُوعًا لِلتَّوَصُّلِ إلَى إقَامَةِ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ الْقِصَاصِ وَالضَّمَانِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْجِنَايَاتِ وَمَعْنَى شَرْعِيَّتِهَا ابْتِدَاءً أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الشَّارِعِ بِهَا إنْشَاءَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ عَلَى الْعِبَادَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَلَا يَسْبِقُهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَوْ حُكْمًا كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْأَخِيرِ النَّاسِخِ لِمَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ كَالْحُكْمِ الِابْتِدَائِيِّ تَمْهِيدًا لِلْمَصَالِحِ الْكُلِّيَّةِ الْعَامَّةِ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ وَارِدًا عَلَى سَبَبٍ فَإِنَّ الْأَسْبَابَ قَدْ تَكُونُ مَفْقُودَةً قَبْلَ ذَلِكَ فَإِذَا وُجِدَتْ اقْتَضَتْ أَحْكَامًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] .
وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ تَمْهِيدًا لِأَحْكَامٍ وَرَدَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْمُسْتَثْنَيَاتُ مِنْ الْعُمُومَاتِ وَسَائِرِ الْمَخْصُوصَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] «وَنَهَى ﵇ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْعَزَائِمِ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى أَحْكَامٍ كُلِّيَّةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ وَهَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ الْأَرْبَعَةُ لِلرُّخْصَةِ وَمَا يُقَابِلُهَا لِلْعَزِيمَةِ مِنْهَا مَا هُوَ خَاصٌّ بِبَعْضِ النَّاسِ وَهُوَ الرَّابِعُ وَمِنْهَا مَا هُوَ عَامٌّ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ وَهُوَ مَا عَدَا الرَّابِعَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا تَقَرَّرَ وَهَذَا وَاخْتُلِفَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّهَا رُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا حُكْمٌ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مُطْلَقًا وَذَلِكَ الْأَصْلُ هُوَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ فِي تَنْجِيسِ الطَّاهِرِ مُلَاقَاتُهُ لِلنَّجَسِ إجْمَاعًا تَقْتَضِي أَنَّا إذَا صَبَبْنَا الْمَاءَ مِنْ الْإِبْرِيقِ مَثَلًا عَلَى النَّجَاسَةِ لِنُزِيلَهَا تَنَجَّسَ الْجُزْءُ الْوَاصِلُ إلَى النَّجَاسَةِ الْمُتَّصِلِ بِهَا لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَاسَةَ فَيَتَنَجَّسُ الَّذِي يَلِيهِ لِمُلَاقَاتِهِ لَهُ.
وَهَكَذَا حَتَّى يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ الَّذِي دَاخِلُ الْإِبْرِيقِ بَلْ يَنْجُسُ مَاءُ الْبَحْرِ الْمَالِحِ إذَا وَضَعْنَا النَّجَاسَةَ فِي طَرَفِهِ فَلَمَّا قَضَى الشَّرْعُ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ وَأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَفْسُدْ مُطْلَقًا عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ كَانَ ذَلِكَ رُخْصَةَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ اسْتَثْنَاهَا مِنْ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَالْحَقُّ أَنَّ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الرُّخَصِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ هِيَ مِنْ بَابِ الْعَزَائِمِ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ لَا عَلَى خِلَافِهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْضِ
стр. 369
الْمَصْلَحَةِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ دَلَّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى عَدَمِ الْمَصْلَحَةِ بِدَلِيلِ التَّخْصِيصِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَمْرٌ دَالٌّ عَلَى الْقَضَاءِ.
قُلْنَا: الْأَصْلُ عَدَمُ مَصْلَحَةِ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ وَمَعَ الْأَصْلِ لَفْظُ التَّخْصِيصِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ فَلَا تُفْعَلُ تِلْكَ الْعِبَادَةُ أَلْبَتَّةَ فَإِنْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ دَلَّ الْأَمْرُ الثَّانِي عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِمَّا يُقَارِبُ الْوَقْتَ الْأَوَّلَ فِي مَصْلَحَةِ الْوُجُوبِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى مِثْلِ مَصْلَحَتِهِ، إذْ لَوْ وَصَلَ إلَيْهَا لَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَحَيْثُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَهُمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فَمَنْ لَاحَظَ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ قَالَ الْقَضَاءِ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَمَنْ لَاحَظَ التَّسْوِيَةَ وَالْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَضَاءُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
(الْفَرْقُ التِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ الصَّلَوَاتِ وَشُرُوطِهَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهَا وَتَفَقُّدُهَا وَقَاعِدَةِ أَسْبَابِ الزَّكَاةِ لَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهَا)
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْمَصْلَحَةِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ دَالٌّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى عَدَمِ الْمَصْلَحَةِ بِدَلِيلِ التَّخْصِيصِ) . قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ لِعَدَمِ الْقَاطِعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ فِي كُلِّ تَعَبُّدِيٍّ قَالَ (فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَمْرٌ دَالٌّ عَلَى الْقَضَاءِ، قُلْنَا الْأَصْلُ عَدَمُ مَصْلَحَةِ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ، وَمَعَ الْأَصْلِ لَفْظُ التَّخْصِيصِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ فَلَا تُفْعَلُ تِلْكَ الْعِبَادَةُ أَلْبَتَّةَ) قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَاهُ عُمُومَ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِقَاطِعٍ فَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ (فَإِنْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ دَلَّ الْأَمْرُ الثَّانِي عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِمَّا يُقَارِبُ الْوَقْتَ الْأَوَّلَ فِي مَصْلَحَةِ الْوُجُوبِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى مِثْلِ مَصْلَحَتِهِ إذْ لَوْ وَصَلَ إلَيْهَا لَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَحَيْثُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَهُمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا) .
قُلْت مَا قَالَهُ مَبْنِيٌّ أَيْضًا عَلَى تِلْكَ الدَّعْوَى قَالَ (فَمَنْ لَاحَظَ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ قَالَ الْقَضَاءُ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَمَنْ لَاحَظَ التَّسْوِيَةَ وَالْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَضَاءُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ) . قُلْت: مَا أَرَى مَنْ قَالَ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لَاحَظَ ذَلِكَ الْفَرْقَ بَلْ لَاحَظَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُؤَقَّتَ لَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ فَلَا بُدَّ فِي شَرْعِ الْقَضَاءِ مِنْ أَمْرٍ جَدِيدٍ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ الْقَضَاءُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَلَا أَرَاهُ أَيْضًا يَقُولُ إنَّهُ مِنْ مُقْتَضَاهُ لَفْظًا بَلْ قِيَاسًا عَلَى الْحُقُوقِ الْمُتَرَتِّبَةِ فِي الذِّمَمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. قَالَ (الْفَرْقُ التِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ الصَّلَوَاتِ وَشُرُوطِهَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهَا إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي آخِرِهِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى الْأَعْيَانِ بِأَنَّهَا نَجِسَةٌ وَلَا مُتَنَجِّسَةٌ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا جَوَاهِرَ وَلَا أَجْسَامًا إجْمَاعًا بَلْ لِأَجْلِ أَعْرَاضٍ خَاصَّةٍ قَامَتْ بِتِلْكَ الْأَجْسَامِ مِنْ لَوْنٍ خَاصٍّ وَكَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ مَعْلُومَةٍ فِي الْعَادَةِ فَإِذَا انْتَفَتْ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةُ وَتِلْكَ الْأَعْرَاضُ انْتَفَى الْحُكْمُ لِانْتِفَاءِ مُوجِبِهِ وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الرُّخَصِ إجْمَاعًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَعْرَاضَ الْخَاصَّةَ وَالْكَيْفِيَّةَ الْخَاصَّةَ اللَّذَيْنِ قَضَى الشَّرْعُ لِأَجْلِهَا بِالتَّنْجِيسِ لَيْسَا مَوْجُودَيْنِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاءِ الْإِبْرِيقِ وَلَا فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَاءِ الْبَحْرِ إذَا وَضَعْنَا النَّجَاسَةَ فِي طَرَفِهِ بَلْ الْأَجْزَاءُ بَعِيدَةٌ مِنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَطْعًا فَوَجَبَ أَنْ يَزُولَ حُكْمُ التَّنْجِيسِ لِزَوَالِ سَبَبِهِ كَمَا يَزُولُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ لِعَدَمِ النِّصَابِ وَيَزُولُ وُجُوبُ الصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ لِزَوَالِ رَمَضَانَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْ زَوَالِهَا لِزَوَالِ سَبَبِهَا رُخْصَةً فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ إزَالَةِ الْوُضُوءِ لِلْجَنَابَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوْمِ خَاصَّةً وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إزَالَةِ الْحَدَثِ عَنْ الرَّجُلِ خَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُفِّ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ إزَالَةِ الْوُضُوءِ لِلْجَنَابَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوْمِ خَاصَّةً وَقَاعِدَةِ إزَالَةِ الْحَدَثِ عَنْ الرِّجْلِ خَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُفِّ) أَمَّا قَاعِدَةُ إزَالَةِ الْوُضُوءِ لِلْجَنَابَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوْمِ خَاصَّةً فَقَدْ وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْجُنُبَ الَّذِي يُرِيدُ النَّوْمَ يَتَوَضَّأُ لِلنَّوْمِ خَاصَّةً لَا لِلصَّلَاةِ وَلَا لِغَيْرِهَا.
وَقَالَ الْفُقَهَاءُ هَذَا وُضُوءٌ يَرْفَعُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْءٍ خَاصٍّ وَهُوَ النَّوْمُ وَلَا يُزِيلُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ لِأَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ رَافِعًا لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَإِنَّمَا يُزِيلُهُ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ وَهُوَ الْجَنَابَةُ فَقَطْ وَلِبَعْضِهِمْ إذَا سُئِلْتَ وُضُوءًا لَيْسَ يَنْقُضُهُ إلَّا الْجِمَاعُ وُضُوءُ النَّوْمِ لِلْجُنُبِ وَيُلْقُونَ هَذَا الْوُضُوءَ لُغْزًا عَلَى الطَّلَبَةِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ هَلْ تَعْلَمُونَ وُضُوءًا لَا يُزِيلُهُ الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ وَيُرِيدُونَ هَذَا الْوُضُوءَ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ وَرَدَ بِهَا النَّصُّ وَتَقَرَّرَتْ فِي الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا قَاعِدَةُ إزَالَةِ الْحَدَثِ عَنْ الرِّجْلِ خَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُفِّ فَهِيَ وَإِنْ قَالَ بِهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَأَجَازَ لِمَنْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ فِي وُضُوئِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْخُفِّ قَبْلَ غُسْلِ الْأُخْرَى أَنْ يَمْسَحَ عَلَى هَذَا الْخُفِّ فِي الْوُضُوءِ الَّذِي بَعْدُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ إلَّا أَنَّ الرَّاجِحَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ ذُكِرَ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى هَذَا الْخُفِّ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بَعْدَ غُسْلِ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْحَدَثَ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لَهُ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ وَنَحْوِهِ فَيُقَالُ أَحْدَثَ إذَا وُجِدَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُ الْفُقَهَاءُ النَّوْمُ هَلْ هُوَ حَدَثٌ أَوْ سَبَبٌ لِلْحَدَثِ قَوْلَانِ وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَنْعُ الْمُرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ.
وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَرْجِعُ إلَى التَّحْرِيمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُكَلَّفِ لَا بِعُضْوِهِ الْخَاصِّ بِالْإِقْدَامِ عَلَى الصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا الْمَنْعُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِيهِ إنَّ
стр. 370
اعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ التَّكْلِيفِ وَشُرُوطَهُ وَانْتِفَاءَ مَوَانِعِهِ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا إجْمَاعًا إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إيقَاعُ الْوَاجِبِ بَعْدَ وُجُوبِهِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ ثَالِثُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسْبَابِ فَتَجِبُ دُونَ غَيْرِهَا فَلَا تَجِبُ أَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ تَحْصِيلِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُحَصِّلَ نِصَابًا حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِهَا وَلَا يُوفِيَ الدَّيْنَ لِغَرَضِ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْهَا، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقَامَةُ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ هَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إيقَاعُ الْوَاجِبِ بَعْدَ وُجُوبِهِ وَتَقْتَضِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْنَا الْفَحْصُ عَنْ أَسْبَابِ الصَّلَوَاتِ وَلَا أَسْبَابِ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ غَيْرَ أَنَّ الْوَاجِبَاتِ انْقَسَمَتْ قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يَجِبُ فِيهِ الْفَحْصُ، وَقِسْمٌ لَا يَجِبُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاعِدَةٌ تَخُصُّهُ.
وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَالضَّابِطُ لَهُمَا أَنَّ الْوَاجِبَ تَارَةً يَقْتَضِي الْحَالُ فِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَرَيَان سَبَبِهِ وَتَرَتُّبِ التَّكَالِيفِ عَلَيْهِ جَزْمًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ كَالزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْوُجُودِ.
وَيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ وُجُودُ الْفِعْلِ قَطْعًا فَهَذَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ كَانَ شَرْطًا أَوْ سَبَبًا بِسَبَبِ أَنَّهُ لَوْ أُهْمِلَ لَوَقَعَ التَّكْلِيفُ.
وَالْمُكَلَّفُ غَافِلٌ عَنْهُ فَيَعْصِي بِتَرْكِ الْوَاجِبِ بِسَبَبِ إهْمَالِهِ، وَهُوَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَلَا عُذْرَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا هُوَ ضَابِطُ مَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ كَانَ شَرْطًا أَوْ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْوُجُوبِ، وَمِنْهُ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا وَهِلَالُ رَمَضَانَ وَهِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَهِلَالُ شَوَّالٍ لِوُجُوبِ الْفِطْرِ وَإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ وَأَيَّامُ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ نَذَرَ يَوْمًا مُعَيَّنًا أَوْ شَهْرًا مُعَيَّنًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْحَصَ عَنْ هِلَالِ ذَلِكَ الشَّهْرِ وَتَحَرِّي ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يُوقِعَ ذَلِكَ الْوَاجِبَ وَلَا يَتَعَدَّاهُ فَيَعْصِيَ بِالْإِهْمَالِ مَعَ إمْكَانِ الضَّبْطِ لَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَضَاءُ رَمَضَانَ يَسُدُّ فِي بَقِيَّةِ الْعَامِ إلَى شَعْبَانَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أَخَّرَ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْأَهِلَّةَ لِئَلَّا يَدْخُلَ شَعْبَانُ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى ضَيَاعِ الْقَضَاءِ عَنْ وَقْتِهِ.
أَمَّا مَا لَا يَتَعَيَّنُ وُقُوعُهُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالظُّرُوفِ الْوَاجِبَاتِ فَلَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ الْأَصْلُ عَدَمُ طَرَيَانِهِ لِأَجْلِ عَدَمِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
أَشْيَاءَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّ فُرُوضَ الْكِفَايَاتِ لَا تَخُصُّ كُلَّ مُكَلَّفٍ وَلَا تَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِخِلَافِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمُتَطَهِّرَ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ أَيْ يَنْوِي بِفِعْلِهِ ارْتِفَاعَ ذَلِكَ الْمَنْعِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الرَّفْعَ كَمَا يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُ الْأَجْنَبِيَّةِ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا وَتَحْرِيمُ الْمُطَلَّقَةِ بِالرَّجْعَةِ وَتَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ بِالِاضْطِرَارِ وَأَمَّا رَفْعُ تِلْكَ الْفَضَلَاتِ الْخَارِجَةِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ بِالْوُضُوءِ فَمُتَعَذِّرٌ بِالضَّرُورَةِ فَالْحَدَثُ الَّذِي أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى رَفْعِهِ بِالطَّهَارَةِ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْمَمْنُوعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا هُوَ الْمُكَلَّفُ لَا أَنَّ الْعُضْوَ هُوَ الْمَمْنُوعُ مِنْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَالْمَنْعُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ بَاقٍ وَلَوْ غَسَلَ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ إلَّا لُمْعَةً وَاحِدَةً فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِانْفِرَادِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَتَخْرِيجُ مَسْأَلَةِ الْخُفِّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَا يَصِحُّ وَقِيَاسُ ارْتِفَاعِ الْمَنْعِ بِغُسْلِ الرِّجْلِ عَنْ الْمُكَلَّفِ بِاعْتِبَارِ لُبْسِ الْخُفِّ خَاصَّةً وَيَبْقَى الْمُكَلَّفُ مَمْنُوعًا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى ارْتِفَاعِ الْجَنَابَةِ بِوُضُوءِ النَّوْمِ لِلْجُنُبِ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ خَاصَّةً وَيَبْقَى الْمُكَلَّفُ مَمْنُوعًا مِنْ الصَّلَاةِ لَا يَصِحُّ بِوُجُوهٍ.
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْحَدَثُ يَرْتَفِعُ عَنْ عُضْوٍ وَحْدَهُ لَمْ يُخَصِّصُوا بِهِ الرِّجْلَ بَلْ عَمَّمُوهُ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِاعْتِبَارِ خُفٍّ وَلَا غَيْرِهِ وَكَذَا الْيَدَانِ وَالرَّأْسُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثُ بِاعْتِبَارِ شَيْءٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ بِاعْتِبَارِ الْيَوْمِ خَاصَّةً لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ وَرَفْعُ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَعَبُّدِيَّةٌ وَمَعَ التَّعَبُّدِ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ الْأُمُورَ الَّتِي عَلَّلُوا بِهَا رَفْعَ وُضُوءِ النَّوْمِ لِلْجَنَابَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوْمِ خَاصَّةً كُلُّهَا لَا تَصِحُّ وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهَا فَلَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا رَفَعَ الْجَنَابَةَ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَا عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَظَهَرَ أَنَّ الْقَوْلَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِانْفِرَادِهِ قَوْلٌ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ عَقِيبَهُ لَكِنَّ الْمَنْعَ بَاقٍ إجْمَاعًا فَالْحَدَثُ بَاقٍ وَإِنَّ الْقَوْلَ بِثُبُوتِ الْحَدَثِ فِي الْأَعْضَاءِ وَفِي كُلِّ عُضْوٍ وَحْدَهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْحَدَثَ هُوَ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ عَنْ مُلَابَسَةِ الصَّلَاةِ وَالْعُضْوُ لَيْسَ مَمْنُوعًا مِنْ الصَّلَاةِ الْمَمْنُوعُ هُوَ الْمُكَلَّفُ فَلَا مَعْنَى لِثُبُوتِ الْمَنْعِ عَلَى الْعُضْوِ وَحْدَهُ.
(وَصْلٌ) يُسْتَفَادُ مِنْ الْبَحْثِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ بَاطِلٌ قَطْعًا وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَثَ هُوَ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ مِنْ الصَّلَاةِ وَهَذَا الْحَدَثُ الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُكَلَّفِ وَهُوَ بِالتَّيَمُّمِ قَدْ أُبِيحَتْ لَهُ الصَّلَاةُ إجْمَاعًا وَارْتَفَعَ الْمَنْعُ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ لَا مَنْعَ مَعَ الْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُمَا ضِدَّانِ وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ إجْمَاعًا وَإِذَا كَانَتْ الْإِبَاحَةُ ثَابِتَةً قَطْعًا وَالْمَنْعُ مُرْتَفِعٌ قَطْعًا كَانَ التَّيَمُّمُ رَافِعًا لِلْحَدَثِ قَطْعًا «وَقَوْلُهُ ﷺ لِحَسَّانَ لَمَّا تَيَمَّمَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ أَصْلَيْت بِأَصْحَابِك وَأَنْتَ جُنُبٌ» لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ لِأَنَّهُ وَإِنْ سَمَّاهُ جُنُبًا مَعَ التَّيَمُّمِ إلَّا أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهَامِ لِلِاسْتِطْلَاعِ عَلَى مَا عِنْدَ الْمَسْئُولِ مِنْ
стр. 371
التَّعْيِينِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً لِلْمُكَلَّفِ وَعُذْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ فَقِيرًا وَلَهُ أَقَارِبُ أَغْنِيَاءُ وَهُوَ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمْ فَيَرِثَهُ فَيَنْتَقِلَ الْمَالُ إلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِإِغْفَالِ ذَلِكَ وَتَرْكِ السُّؤَالِ عَنْهُ إذَا كَانُوا فِي بِلَادٍ بَعِيدَةٍ عَنْهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، وَلَوْ فَحَصَ لَحَازَ الْمَالَ وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ الْفَحْصُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ هَذَا، فَقَدْ يَقَعُ، وَقَدْ لَا يَقَعُ وَمِنْ ذَلِكَ تَجْوِيزُهُ لَأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ جَائِعٌ يَجِبُ سَدُّ خَلَّتِهِ وَعُرْيَانُ يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ وَغَرِيقٌ يَجِبُ رَفْعُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَوَقَّعَاتِ.
وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ دَالَّةٌ عَلَى وُقُوعِهِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَهَذَا هُوَ ضَابِطُ مَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَضَابِطُ مَا لَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ.
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَزِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ)
اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْعِبَادَةِ لَهَا مَزِيَّةٌ تَخْتَصُّ بِهَا أَنْ تَكُونَ أَرْجَحَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ تِلْكَ الْمَزِيَّةُ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَلَّى الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْأَذَانِ أَقْبَلَ فَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ فَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِالصَّلَاةِ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ لَهُ اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَنْفِرُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَا يَهَابُهَا وَيَهَابُهُمَا فَيَكُونَانِ أَفْضَلَ مِنْهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا وَسِيلَتَانِ إلَيْهَا، وَالْوَسَائِلُ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ وَأَيْنَ الصَّلَاةُ مِنْ الْإِقَامَةِ وَالْأَذَانِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» وَكَتَبَ عُمَرُ ﵁ إلَى عُمَّالِهِ أَنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ، وَلَنَا هَاهُنَا قَاعِدَةٌ وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْمَزِيَّةِ وَهِيَ أَنَّ الْمَفْضُولَ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا لَيْسَ لِلْفَاضِلِ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ الْحَاصِلُ لِلْفَاضِلِ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمَفْضُولِ، إمَّا أَنَّهُ حَصَلَ لِلْمَفْضُولِ فِي الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ لَهُ خَصْلَةٌ لَيْسَتْ فِي مَجْمُوعِ الْفَاضِلِ فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْفِقْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَبِمَاذَا يُجِيبُ فَيَظْهَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا «سَأَلَ مُعَاذًا لَمَّا بَعَثَهُ ﵇ إلَى الْيَمَنِ بِمَ تَحْكُمُ فَقَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» الْحَدِيثُ إلَى آخِرِهِ لَا أَنَّهُ ﵇ أَصْدَرَ هَذَا الْكَلَامَ مَصْدَرَ الْخَبَرِ الْجَازِمِ حَتَّى يَلْزَمَ الْحُجَّةَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ لَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ وَحَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ نُكْتَةٌ عَقْلِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَارَضَهَا نَصٌّ فَمَتَى عَارَضَهَا نَصٌّ وَجَبَ تَأْوِيلُهُ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي تَعَارُضِ الْقَطْعِيَّاتِ مَعَ الْأَلْفَاظِ.
وَأَمَّا أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلَا يَظْهَرُ فِي بَقَاءِ الْحَدَثِ وَصِحَّةُ الْقَوْلِ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَدَثُ ارْتَفَعَ لَكَانَتْ الْجَنَابَةُ ارْتَفَعَتْ بِالتَّيَمُّمِ وَلَمَا احْتَاجَ لِلْغُسْلِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ وُجُوبَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عِنْدَ وُجُودِهِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَلَنَا مَنْعُهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّا لَوْ سَلَّمْنَاهُ لَكُنَّا نَقُولُ التَّيَمُّمُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ ارْتِفَاعًا مُغَيًّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إمَّا أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ الْحَدَثُ بِأَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَوْ يُبَاشِرَ حَدَثًا مِنْ الْأَحْدَاثِ وَإِمَّا أَنْ يَفْرُغَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ وَتَوَابِعَهَا مِنْ النَّوَافِلِ فَيَصِيرُ مُحْدِثًا حِينَئِذٍ مَمْنُوعًا مِنْ الصَّلَاةِ وَإِمَّا أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ فَيَصِيرَ مُحْدِثًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ وَكَوْنُ الْحُكْمِ ثَابِتًا إلَى آخِرِ غَايَاتٍ كَثِيرَةٍ أَوْ قَلِيلَةٍ مُمْكِنٌ مَعْقُولٌ وَثُبُوتُ الْمَنْعِ مَعَ الْإِبَاحَةِ مُسْتَحِيلٌ وَغَيْرُ مَعْقُولٍ لِأَنَّهُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُسْتَحِيلُ وَالْمُمْكِنُ وَجَبَ الْعُدُولُ إلَى الْقَوْلِ بِمَا هُوَ مُمْكِنٌ سِيَّمَا وَقَدْ وَجَدْنَا مِثْلَ هَذَا الْمُمْكِنِ وَاقِعًا فِي الشَّرِيعَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَفْعَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْحَدَثَ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ طَرَيَان الْحَدَثِ وَأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ مَمْنُوعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَالْعَقْدُ عَلَيْهَا رَافِعٌ لِهَذَا الْمَنْعِ ارْتِفَاعًا مُغَيًّا بِغَايَاتٍ أَحَدُهُمَا الطَّلَاقُ وَثَانِيهَا الْحَيْضُ وَثَالِثُهَا الصَّوْمُ وَرَابِعُهَا الْإِحْرَامُ وَخَامِسُهَا الظِّهَارُ فَمَا الْمَانِعُ هَاهُنَا أَنْ يَكُونَ رَفْعُ الْحَدَثِ مُغَيًّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ غَايَاتٍ وَكَوْنُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ قَلِيلِينَ جِدًّا وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُهُ فَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْحَقُّ لَا يَفُوتُ الْجُمْهُورَ غَالِبًا لَا يَقْتَضِي الْقَطْعُ بِصِحَّةِ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ بَلْ الْقَطْعُ إنَّمَا يَحْصُلُ فِي الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ مَجْمُوعَ الْأُمَّةِ مَعْصُومٌ أَمَّا جُمْهُورُهُمْ فَلَا.
وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ وَهُوَ مُعَارَضٌ هُنَا بِمُسْتَحِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَهُوَ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ وَالظَّاهِرُ يَقْطَعُ بِبُطْلَانِهِ إذَا عَارَضَهُ الْقَطْعُ فَوَجَبَ أَنْ يَقْطَعَ بِبُطْلَانِ الظُّهُورِ النَّاشِئِ عَنْ قَوْلِ الْجُمْهُورِ كَمَا قَطَعَ بِبُطْلَانِ الْقَوْلِ بِرَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِانْفِرَادِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ أَوْ يُكْرَهُ]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ أَوْ يُكْرَهُ عَلَى الْخِلَافِ) الْمَاءُ الْمُطْلَقُ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ لَازِمٍ فَيُقَالُ هَذَا مَاءٌ وَشَرِبْت مَاءً وَخَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَنَحْوُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ إمَّا بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ أَوْ مُتَغَيِّرًا بِمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ لَهُ كَالْجَارِي عَلَى الْكِبْرِيتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُلَازِمُ الْمَاءَ فِي مَقَرِّهِ وَإِضَافَتِهِ فِي نَحْوِ مَاءِ الْبَحْرِ وَمَاءِ الْبِئْرِ وَإِنْ كَانَتْ
стр. 372
فَقِيرٌ عِنْدَهُ ابْنَةٌ حَسْنَاءُ أَوْ تُحْفَةٌ غَرِيبَةٌ لَيْسَتْ عِنْدَ مَلِكِهَا.
وَمَجْمُوعُ مَا حَصَلَ لِلْمَلِكِ قَدْرُ مَا حَصَلَ لِذَلِكَ الْفَقِيرِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَفْضَلُ مِنْ الْجَمِيعِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَفْضَلُ مِنْ أُبَيٍّ وَزَيْدٍ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ فَضَلَاهُ فِي الْفَرَائِضِ وَالْقِرَاءَةِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْمَفْضُولِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْفَاضِلِ، وَمِنْ ذَلِكَ «قَوْلُهُ ﵇ لِعُمَرَ مَا سَلَكَ عُمَرُ وَادِيًا وَلَا فَجًّا إلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَهُ» فَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ عُمَرَ وَلَا يُلَابِسُهُ، وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ «﵇ أَنَّهُ قَدْ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الشَّيْطَانُ الْبَارِحَةَ لِيُفْسِدَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَلَوْلَا أَنِّي تَذَكَّرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ لَرَبَطْته بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَلْعَبَ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ» فَلَمْ يَنْفِرْ الشَّيْطَانُ مِنْ النَّبِيِّ ﵇ كَمَا نَفَرَ مِنْ عُمَرَ وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «أَنَّ شَيْطَانًا قَصَدَهُ ﵇ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِالتَّعَوُّذِ مِنْهُ» وَأَيْنَ عُمَرُ مِنْ النَّبِيِّ ﵇ غَيْرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْمَفْضُولِ مَا لَا يَحْصُلُ لِلْفَاضِلِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَدْ حَصَلَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ مَعَ جَمِيعِ الْأَنْفَاسِ يُلْهَمُ أَحَدُهُمْ التَّسْبِيحَ كَمَا يُلْهَمُ أَحَدُنَا النَّفَسَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْمَزَايَا الَّتِي لَمْ تَحْصُلْ لِلْبَشَرِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ الْحَاصِلَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْمَزَايَا وَالْمَحَاسِنِ أَعْظَمُ مِنْ الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ لِلْمَلَائِكَةِ فَمَنْ اسْتَقْرَى هَذَا وَجَدَهُ كَثِيرًا فِي الْمَخْلُوقَاتِ فَيَجِدُ فِي الشَّعِيرِ مِنْ الْخَوَاصِّ الطَّيِّبَةِ مَا لَيْسَ فِي الْبُرِّ وَفِي النُّحَاسِ مَا لَيْسَ فِي الذَّهَبِ مِنْ الْخَوَاصِّ النَّافِعَةِ بِالْإِكْحَالِ وَغَيْرِهَا فَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَخَرَّجَتْ الْإِقَامَةُ وَالْأَذَانُ، وَأَنَّ مِنْ خَوَاصِّهِمَا الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْهُمَا دُونَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْهُمَا وَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَزِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ..
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَيْدًا إلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا وَيُقَابِلُ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ الْمَاءُ الْمُقَيَّدُ وَهُوَ مَا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ إلَّا بِقَيْدٍ لَازِمٍ مِنْ إضَافَةٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءِ الشِّيشَةِ وَلَهُ حُكْمُ قَيْدِهِ مِنْ طَهَارَةٍ وَخِلَافِهَا وَمِنْهُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ وَهُوَ الَّذِي أُدِّيَتْ بِهِ طَهَارَةٌ بِأَنْ انْفَصَلَ عَنْ الْأَعْضَاءِ وَجُمِعَ فِي إنَاءٍ إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا فِي الْأَعْضَاءِ طَهُورٌ وَمُطْلَقٌ فَإِذَا انْفَصَلَ عَنْهَا اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ فِي كَوْنِهِ صَالِحًا لِلتَّطْهِيرِ أَمْ لَا وَفِي كَوْنِهِ نَجَسًا أَمْ لَا وَفِي كَوْنِ مُلَاقِيهِ يُنَجِّسُ أَمْ لَا وَفِي كَوْنِ عَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لِلتَّطْهِيرِ مُعَلَّلًا بِإِزَالَةِ الْمَانِعِ أَوْ بِأَنَّهُ أُدِّيَتْ بِهِ قُرْبَةٌ وَثَمَرَةُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِ الْعِلَّةِ إزَالَةَ الْمَانِعِ لَا يَنْدَرِجُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ الْمَاءُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ إذَا نَوَى فِي الْأُولَى الْوُجُوبَ وَلَا الْمَاءَ الْمُنْفَصِلَ عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُزِيلُ الْمَانِعَ وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَنْعَ مِنْ الْوَطْءِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ أَنَّهُ أُدِّيَتْ بِهِ قُرْبَةٌ بِالْعَكْسِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الْمَاءُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْأَعْضَاءِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَفِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَلَا يَنْدَرِجُ فِيهِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ لِأَنَّهُ لَمْ تَحْصُلْ بِهِ قُرْبَةٌ وَأَحْسَنُ مَدَارِك الْقَائِلِينَ بِإِزَالَتِهِ الْمَنْعُ وَخُرُوجُهُ عَنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِلتَّطْهِيرِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] مُطْلَقٌ فِي التَّطْهِيرِ لَا عَامٌّ فِيهِ بَلْ عَامٌّ فِي الْمُكَلَّفِينَ فَلَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى أَصْلِ التَّطْهِيرِ فَإِذَا تَطَهَّرْنَا بِالْمَاءِ مَرَّةً حَصَلَ مُوجِبُ اللَّفْظِ فَبَقِيَتْ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ فِيهِ غَيْرَ مَنْطُوقٍ بِهَا فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ فِي التَّطْهِيرِ وَغَيْرِهِ إلَّا مَا وَرَدَتْ الشَّرِيعَةُ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّيِّدَ إذَا قَالَ لِعَبِيدِهِ أَخْرَجْت هَذَا الثَّوْبَ لِأُغَطِّيَكُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُغَطِّيهِمْ بِهِ مَرَّاتٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ التَّغْطِيَةِ فِي جَمِيعِهِمْ فَإِذَا غَطَّاهُمْ بِهِ مَرَّةً حَصَلَ مُوجِبُ اللَّفْظِ وَاحْتَجُّوا مَعَ هَذَا الْمُدْرِكِ الْحَسَنِ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ إنَّهُ مَاءٌ أُدِّيَتْ بِهِ عِبَادَةٌ فَلَا تُؤَدَّى عِبَادَةٌ أُخْرَى كَالرَّقَبَةِ فِي الْعِتْقِ وَفِيهِ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الرَّقَبَةِ فِي الْعِتْقِ لَا يَتِمُّ عَلَى أُصُولِهِمْ لِأَنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ عِتْقَ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ الْوَاجِبَاتِ وَأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا كَافِرًا ذِمِّيًّا ثُمَّ خَرَجَ إلَى أَهْلِ الْحَرْبِ نَاقِصًا لِلْعَهْدِ ثُمَّ غَنِمْنَاهُ وَعَادَ رَقِيقًا جَازَ عِتْقُهُ فِي الْوَاجِبِ مَرَّةً أُخْرَى سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْقِيَاسِ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ كَمْ مِنْ عَيْنٍ فِي الشَّرِيعَةِ تُؤَدَّى بِهِ الْكَثِيرَةُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالُ فِي الزَّكَاةِ لَوْ اشْتَرَاهُ مِمَّنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ جَازَ أَنْ يُخْرِجَهُ فِي الزَّكَاةِ مَرَّةً أُخْرَى وَالسَّيْفُ وَالْفَرَسُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ يُجَاهِدُ مِرَارًا وَلِلثَّوْبِ يَسْتَتِرُ بِهِ وَالْكَعْبَةُ تُسْتَقْبَلُ فِي الصَّلَاةِ مِرَارًا.
الْأَمْرُ الثَّانِي قَوْلُهُمْ إنَّهُ مَاءُ الذُّنُوبِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا تَوَضَّأَ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ بَيْنِ أَنَامِلِهِ وَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ أَطْرَافِ أُذُنَيْهِ» الْحَدِيثَ وَإِذَا كَانَ مَاءُ الذُّنُوبِ يَكُونُ نَجَسًا لِأَنَّ الذُّنُوبَ مَمْنُوعٌ مِنْ مُلَابَسَتِهَا شَرْعًا وَالنَّجَاسَةُ هِيَ مَنْعٌ شَرْعِيٌّ فَإِذَا حَصَلَ الْمَنْعُ حَصَلَتْ النَّجَاسَةُ وَفِيهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَجْرَامِ عِنْدَ اتِّصَافِهَا بِأَعْرَاضٍ أُخَرَ وَالذُّنُوبُ لَيْسَتْ أَجْرَامًا حَتَّى تُوجِبَ التَّنْجِيسَ وَالذُّنُوبُ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ مُلَابَسَةَ الذُّنُوبِ حَرَامٌ فِي الشَّرِيعَةِ مَعْنَاهَا أَفْعَالٌ خَاصَّةٌ لِلْمُكَلَّفِ اخْتِيَارِيَّةٌ مُكْتَسَبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ
стр. 373
الْمَفْضُولَ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا لَيْسَ لِلْفَاضِلِ فَظَهَرَ بِمَا تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَزِيَّةِ
. (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ الْمُحَرَّمَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ)
اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ.
وَهَذَا إنَّمَا يَحْسُنُ مِنْ أَسْبَابِ الْعُقُوبَاتِ كَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فِيهَا الْعُقُوبَاتُ، أَمَّا الْمَكْرُوهَاتُ وَالْمَنْدُوبَاتُ وَالْمُبَاحَاتُ فَلَا يَحْسُنُ الِاسْتِغْفَارُ فِيهَا لِعَدَمِ الْعُقُوبَاتِ فِي فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا، وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ وَقَعَ لِمَالِكٍ ﵀ فِيمَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَوَقَعَ لَهُ أَيْضًا ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْإِقَامَةِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ الْجَلَّابُ وَالتَّهْذِيبُ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَاقِبُ عَلَى الذَّنْبِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا الْمُؤْلِمَاتُ كَالنَّارِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا هُوَ الْأَمْرُ الْغَالِبُ فِي ذَلِكَ. وَثَانِيهَا تَيْسِيرُ الْمَعْصِيَةِ فِي شَيْءٍ آخَرَ فَيَجْتَمِعُ عَلَى الْعَاصِي عُقُوبَتَانِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] فَجَعَلَ الْعُسْرَى مُسَبَّبَةً عَنْ الْمَعَاصِي الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٦] الْآيَةَ فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الرِّدَّةَ مُسَبَّبَةً عَنْ الْمَعْصِيَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الرِّدَّةِ، وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُمْ قَالُوا الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّ الرَّجُلَ لَيُخْتَمُ لَهُ بِالْكُفْرِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِ» . وَثَالِثُهَا تَفْوِيتُ الطَّاعَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى سَلْبِ الْفَلَاحِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ) قُلْت: وَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالذُّنُوبُ هُنَا مَعْنَاهَا اسْتِحْقَاقُ الْمُؤَاخَذَةِ وَذَلِكَ حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِعْلٌ لِلْمُكَلَّفِ وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَخْتَصُّ بِهِ لَا اخْتِيَارَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ وَلَا كَسْبَ وَحِينَئِذٍ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِدَعْوَى أَنَّ الذُّنُوبَ مَمْنُوعٌ مِنْ مُلَابَسَتِهَا شَرْعًا بَلْ هُوَ مَحْضُ إيهَامٍ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ ﵃ وَهُمْ يُبَاشِرُونَ الْأَسْفَارَ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ فِيهَا أَنَّهُ جَمْعُ مَاءِ طَهَارَتِهِ لِيَسْتَعْمِلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَفِيهِ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَمَاءُ طَهَارَةِ السَّلَفِ فِي أَسْفَارِهِمْ فَفِيهِ مَانِعٌ آخَرُ غَيْرَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا إذْ الْغَالِبُ فِيهِ التَّغَيُّرُ لَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ الصَّيْفِ وَشُعْثُ السَّفَرِ فَلَا يَنْفَصِلُ إلَّا مُتَغَيِّرًا بِالْإِعْرَاقِ وَغَيْرِهَا وَالْمُتَغَيِّرُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّطْهِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّجَاسَاتِ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّجَاسَاتِ تُرَدُّ عَلَى بَاطِنِ الْحَيَوَانِ]
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّجَاسَاتِ فِي الْبَاطِنِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّجَاسَاتِ تَرِدُ عَلَى بَاطِنِ الْحَيَوَانِ) اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا إمَّا أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَنَّ عَيْنَ مَا فِي الْبَاطِنِ هُوَ عَيْنُ مَا فِي الْخَارِجِ مِنْ الْعُذْرَةِ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِمَا وَأَنَّهُ إذَا حَكَمَ لِمَا فِي الْبَاطِنِ مِنْ ذَلِكَ بِالطَّهَارَةِ لَزِمَ أَنْ يَحْكُمَ لِمَا فِي الْخَارِجِ بِهَا أَيْضًا وَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْكُمْ لِمَا فِي الْخَارِجِ بِالطَّهَارَةِ إجْمَاعًا عَادَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ لِمَا فِي الْبَاطِنِ بِالطَّهَارَةِ بَلْ هُوَ نَجَسٌ فَيَكُونُ سِرُّهُ أَنَّهُ عُفِيَ عَمَّا فِي الْبَاطِنِ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى إزَالَتِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَفْوَ عَمَّا تَعَذَّرَتْ فِيهِ الْإِزَالَةُ أَحْرَى مِنْ عَفْوِهِمْ عَمَّا عَلَى الْمُخْرَجِ وَقَدْ أُمْكِنَتْ إزَالَتُهُ مَعَ الْمَشَقَّةِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ فَافْهَمْ وَأَمَّا أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَنَّ عَيْنَ مَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ كَانَ عَيْنَ مَا فِي الْخَارِجِ إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِطَهَارَتِهِ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ فَيَكُونُ سِرُّهُ هُوَ أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ فِيهِمَا أَوْجَبَ الْحُكْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي نَشَأَ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ فَاسْتُصْحِبَ وَالْوَارِدُ عَلَى بَاطِنِهِ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ قَبْلَ أَنْ يَرِدَ فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ النَّجَاسَةَ فَاسْتُصْحِبَتْ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بَاطِنُ الْحَيَوَانِ مِنْ الرُّطُوبَاتِ كَالدَّمِ وَالْمَذْيِ وَالْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَثْفَالُ الْغِذَاءِ وَالْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ الدَّمُ وَالصَّفْرَاءُ وَالسَّوْدَاءُ وَالْبَلْغَمُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ كُلُّهُ مَا دَامَ فِي الْبَاطِنِ بِنَجَاسَةٍ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ حَمَلَ حَيَوَانًا فِيهَا فَإِذَا انْفَصَلَتْ هَذِهِ الرُّطُوبَاتُ وَالْأَثْفَالُ مِنْ بَاطِنِ الْحَيَوَانِ قَبِلَتْ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهَا بِالنَّجَاسَةِ فَالدَّمُ وَالسَّوْدَاءُ لَمْ يَقْضِ أَحَدٌ بِطَهَارَتِهِمَا وَقَضَى بِنَجَاسَةِ الْبَوْلِ وَالْعُذْرَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَبِطَهَارَتِهِمَا مِمَّا يُبَاحُ أَكْلُهُ كَالنَّعَمِ عِنْدَ مَالِكٍ فَقَطْ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ.
وَأَمَّا مِنْ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ كَالسَّبُعِ وَالْهِرَّةِ فَقِيلَ مَكْرُوهَانِ كَاللَّحْمِ وَقِيلَ نَجَسَانِ تَغْلِيبًا لِلِاسْتِقْذَارِ وَبِطَهَارَةِ الْبَلْغَمِ وَالصَّفْرَاءِ مِنْ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَالْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَقَطْ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ وَبِنَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَبِطَهَارَةِ الْمَعِدَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَبِنَجَاسَتِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَعِنْدَهُ كُلُّ مَا يَصِلُ إلَيْهَا مِنْ الْأَغْذِيَةِ الطَّاهِرَةِ يَتَنَجَّسُ بِهَا وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يَتَنَجَّسُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ إلَى صِفَةِ الْعُذْرَةِ أَوْ يَخْتَلِطَ بِمَا فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ مِنْ نَجَاسَةٍ وَكُلُّ مَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّنْجِيسِ قَبْلَ وُرُودِهِ عَلَى بَاطِنِ الْحَيَوَانِ قَضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَعْدَ وُرُودِهِ عَلَيْهِ إذْ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَفِي بَاطِنِهِ فَإِنْ حَدَثَ
стр. 374
وَالْخَيْرِ بِسَبَبِ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي تِلْكَ الْآيَاتِ، وَكَمَا يُعَاقِبُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ يُثِيبُ أَيْضًا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا الْأُمُورُ الْمُسْتَلَذَّةُ كَمَا فِي الْجَنَّاتِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَغَيْرِهِمَا.
وَثَانِيهَا تَيْسِيرُ الطَّاعَاتِ فَيَجْتَمِعُ لِلْعَبْدِ مَثُوبَتَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] فَجَعَلَ الْيُسْرَى مُسَبَّبَةً عَنْ الْإِعْطَاءِ وَمَا مَعَهُ فِي الْآيَةِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ. وَثَالِثُهَا تَعْسِيرُ الْمَعَاصِي عَلَيْهِ وَصَرْفُهَا عَنْهُ إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَإِذَا نَسِيَ الْإِنْسَانُ الْإِقَامَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ دَلَّ هَذَا الْحِرْمَانُ عَلَى أَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ مَعَاصٍ سَابِقَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وَفَوَاتُ الطَّاعَةِ مُصِيبَتُهَا أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ فَإِنَّ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ طَيِّبَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتُوجِبُ لِقَائِلِهَا ثَوَابًا سَرْمَدِيًّا خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنْ إصَابَةِ شَوْكَةٍ أَوْ غَمٍّ يَغُمُّهُ فِي فَلَسٍ يَذْهَبُ لَهُ، وَإِذَا كَانَ تَرْكُ الطَّاعَاتِ مُسَبَّبًا عَنْ الْمَعَاصِي الْمُتَقَدِّمَةِ فَحِينَئِذٍ إذَا رَأَى الْمُكَلَّفُ ذَلِكَ سَأَلَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ تِلْكَ الْمَعَاصِي الْمُتَقَدِّمَةِ حَتَّى لَا يَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ مِثْلُ تِلْكَ الْمُصِيبَةِ، فَالِاسْتِغْفَارُ عِنْدَ تَرْكِ الْإِقَامَةِ لِأَجْلِ غَيْرِهَا لَا أَنَّهُ لَهَا، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْمَنْدُوبَاتِ إذَا فَاتَتْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِنْسَانِ الِاسْتِغْفَارُ لِأَجْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّرْكُ مِنْ ذُنُوبٍ سَالِفَةٍ لِأَجْلِ هَذِهِ التُّرُوكِ فَهَذَا هُوَ وَجْهُ أَمْرِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالِاسْتِغْفَارِ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ عَنْ الذُّنُوبِ الْمُحَرَّمَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَأَنَّهَا فِي فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ لِأَجْلِهَا مُطَابِقَةٌ وَفِي تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ لِأَجْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لَا أَنَّهُ لَهَا مُطَابَقَةٌ.
وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تُحَلُّ مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ مِمَّا وَقَعَ لِلْعُلَمَاءِ مِنْ ذِكْرِ الِاسْتِغْفَارِ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ فَيُشْكِلُ ذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَنْ ذَلِكَ عَرَقٌ فَفِي نَجَاسَةِ ذَلِكَ الْعَرَقِ وَطَهَارَتِهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي رَمَادِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ الَّتِي طَرَأَتْ عَلَيْهَا التَّغَيُّرَاتُ وَالِاسْتِحَالَاتُ.
وَأَمَّا إذَا صَارَ مَا وَرَدَ عَلَى بَاطِنِ الْحَيَوَانِ غِذَاءً مِنْ النَّجَاسَةِ لَحْمًا وَعَظْمًا وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَاهِرًا يَبْعُدُ الِاسْتِحَالَةُ كَمَا أَنَّ الدَّمَ إذَا صَارَ مَنِيًّا ثُمَّ آدَمِيًّا فَإِنَّهُ يَكُونُ يَبْعُدُ هَذِهِ الِاسْتِحَالَةُ ظَاهِرًا وَكَذَا مَا تَغَذَّتْ بِهِ الْبَقَرَةُ الْجَلَّالَةُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَلَبَنِ الْخِنْزِيرِ تَشْرَبُهُ الشَّاةُ يَطْهُرُ إذَا بَعُدَتْ الِاسْتِحَالَةُ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَقَوْلُ الْأَصْلِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ فِي جَوْفِهِ نَجَاسَةٌ وَرَدَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِحَالَتِهَا لَحْمًا وَعَظْمًا لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ وَلَا أَرَاهُ صَحِيحًا.
قَالَ وَقَوْلُهُ إنَّ الرُّومَ لَا يُذَكُّونَ فَيَنْجُسُ جُبْنُهُمْ وَيَحْرُمُ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ بِالْإِنْفَحَةِ كَمَا قَالَهُ مُحَقِّقُو الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي رَأَيْت عَلَيْهِ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ فِي الْعَصْرِ غَيْرَ ظَاهِرٍ عَلَى إطْلَاقِهِ فَقَدْ حَكَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُذَكِّي وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُمْ لَا يُذَكُّونَ لَيْسَتْ الْإِنْفَحَة مُتَعَيِّنَةً لِعَقْدِ الْجُبْنِ فَإِنَّهُ قَدْ يُعْقَدُ بِغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ طَاهِرٌ كَبَعْضِ الْأَعْشَابِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَظْهَرُ مَا ارْتَضَاهُ وَحَكَاهُ بِلَا شَكٍّ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّ الطَّائِفَةَ الَّذِينَ يَكُونُ الْجُبْنُ الْمُعَيَّنُ جُبْنَهُمْ لَا يُذَكُّونَ وَإِنَّهُمْ لَا يَعْقِدُونَ بِغَيْرِ الْإِنْفَحَةِ أَمَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَوَقَعَ الِاحْتِمَالُ فَهُوَ مَوْضِعُ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَالْأَقْوَى نَقْلًا وَنَظَرًا الْجَوَازُ وَعَدَمُ التَّنْجِيسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ وَقَاعِدَةِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ وَقَاعِدَةِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ) الْمَنْدُوبُ الَّذِي لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ هُوَ مَا لَمْ تَعْرِضْ ضَرُورَةٌ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ فَيُقَدَّمُ الْوَاجِبُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ جَرْيًا عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأَغْلَبِيَّةِ مِنْ تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ فَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «مَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضَتْهُ عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا» الْحَدِيثَ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْوَاجِبَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْمَنْدُوبُ الَّذِي يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ هُوَ مَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ الَّتِي لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِتَقْدِيمِهِ عَلَى الْوَاجِبِ إلَى تَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَهُ مُثُلٌ مِنْهَا الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ وَكَذَا لِلْمَرِيضِ إذَا خَافَ الْغَلَبَةَ عَلَى عَقْلِهِ آخِرَ الْوَقْتِ فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِرَفْعِ الضَّرَرِ
وَمِنْهَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ عِنْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ قُدِّمَ عَلَى وَاجِبَيْنِ أَحَدُهُمَا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا وَهِيَ الْعَصْرُ تُرِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ لِضَرُورَةِ الْحُجَّاجِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلْإِقْبَالِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ وَالتَّقَرُّبِ اللَّائِقِ بِعَرَفَةَ وَهُوَ يَوْمٌ لَا يَكَادُ يَحْصُلُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً بَعْدَ ضَنْكِ الْأَسْفَارِ وَقَطْعِ الْبَرَارِيِ وَالْقِفَارِ وَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ مِنْ الْأَقْطَارِ الْبَعِيدَةِ وَالْأَوْطَانِ النَّائِيَةِ نَاسَبَ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى مَصْلَحَةِ وَقْتِ الْعَصْرِ لِأَنَّ فَوَاتَ الزَّمَانِ هُنَا لِلضَّرُورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَعْظَمُ مِنْ فَوَاتِ الزَّمَانِ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِلْمُسَافِرِ لِضَرُورَةِ السَّفَرِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ لَا يُسَافِرَ أَوْ يُسَافِرَ مَعَهُ رُفْقَةٌ مُوَافِقُونَ عَلَى النُّزُولِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَهُوَ ضَرَرٌ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بِخِلَافِ ضَرُورَةِ مَصَالِحِ الْحَجِّ فَإِنَّهَا أَمْرٌ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ لَا خُرُوجَ لَهُ عَنْهَا وَلَا يُمْكِنُهُ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا.
وَثَانِيهَا تَرْكُ الْجُمُعَةِ إذَا جَاءَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ وَوَاجِبَةً قَبْلَ الظُّهْرِ مَعَ الْإِمْكَانِ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ
стр. 375
عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَلَيْسَ فِيهَا إشْكَالٌ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ وَالْبَيَانِ.
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّسْيَانِ فِي الْعِبَادَاتِ لَا يَقْدَحُ وَقَاعِدَةِ الْجَهْلِ يَقْدَحُ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ)
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَالشَّافِعِيَّ فِي رِسَالَتِهِ حَكَاهُ أَيْضًا فِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعْلٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، فَمَنْ بَاعَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا عَيَّنَهُ اللَّهُ وَشَرَعَهُ فِي الْبَيْعِ، وَمَنْ آجَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِجَارَةِ وَمَنْ قَارَضَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِرَاضِ، وَمَنْ صَلَّى وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ وَجَمِيعُ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ فَمَنْ تَعَلَّمَ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَى مَا عَلِمَ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى طَاعَتَيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ مَعْصِيَتَيْنِ، وَمَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى طَاعَةً وَعَصَاهُ مَعْصِيَةً.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] وَمَعْنَاهُ مَا لَيْسَ لِي بِجَوَازِ سُؤَالِهِ عِلْمٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ السُّؤَالِ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ وَذَلِكَ سَبَبُ كَوْنِهِ ﵇ عُوتِبَ عَلَى سُؤَالِ اللَّهِ لِابْنِهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ لِكَوْنِهِ سَأَلَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِحَالِ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي طَلَبُهُ أَمْ لَا فَالْعَتْبُ وَالْجَوَابُ كِلَاهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْعِلْمِ بِمَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّسْيَانِ فِي الْعِبَادَاتِ لَا يَقْدَحُ وَقَاعِدَةِ الْجَهْلِ يَقْدَحُ) قُلْت: وَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْهُ صَحِيحٌ، وَوَقَعَ فِيهِ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْتهَا مِنْهُ نَقْصٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ فَلِذَلِكَ قُلْت مَا وَقَفْت عَلَيْهِ..
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لِلْإِمَامِ مَالِكٍ لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَامَ حَجِّهِ مَعَ هَارُونَ الرَّشِيدِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَهُ إنَّ ذَلِكَ خِلَافُ السُّنَّةِ فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ أَيْنَ لَك ذَلِكَ وَأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَهُمَا خُطْبَةٌ.
وَهَذِهِ هِيَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ جَهَرَ فِيهِمَا أَوْ أَسَرَّ فَسَكَتَ أَبُو يُوسُفَ وَظَهَرَتْ الْحُجَّةُ لِمَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ بِسَبَبِ الْإِسْرَارِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ جَهْرِيَّةٌ فَلَمَّا صَلَّى ﵇ رَكْعَتَيْنِ سِرًّا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ سَفَرِيَّةً وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ وَإِنَّ الْخُطْبَةَ لِيَوْمِ عَرَفَةَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ مَنَاسِكَ الْحَجِّ لَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْحَجِيجِ السَّفَرُ وَفَرْضُ الْمُسَافِرِ الظُّهْرُ دُونَ الْجُمُعَةِ فَجَعَلَ النَّادِرَ وَهُوَ الْمُقِيمُ بِعَرَفَةَ وَمَنْ مَنْزِلَتُهُ قَرِيبٌ مِنْهَا تَبَعًا لِلْغَالِبِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ فَتَرْكُ الْجُمُعَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ تَرْكُ الْوَاجِبِ وَلَيْسَ مِنْ مِثْلِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِلظَّلَامِ وَالْمَطَرِ وَالطِّينِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إلَى وَقْتِهَا لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِيمَا عَدَا الْحَالَ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا الْجَمْعُ أَمَّا فِي الْحَالِ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا الْجَمْعُ كَمَا هُنَا فَلَيْسَ تَأْخِيرُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مَثَلًا إلَى وَقْتِهَا مِنْ الْوَاجِبِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ كَمَا أَنَّ تَقْدِيمَهَا إلَى وَقْتِ الْأُولَى لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَصْلًا بَلْ هُوَ جَائِزٌ إلَّا أَنَّ تَقْدِيمَهَا لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِهَا إلَى وَقْتِهَا فَلَمْ يَضِعْ وَاجِبٌ بِالْجَمْعِ وَلَا قُدِّمَ مَنْدُوبٌ عَلَى وَاجِبٍ وَلَا خُولِفَتْ فِي ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ إلَى وَقْتِهَا وَاجِبٌ هُنَا أَيْضًا وَأَنَّ هَذَا الْوَاجِبَ إنَّمَا ضَاعَ بِالْمَنْدُوبِ الَّذِي هُوَ وَصْفُ الْجَمَاعَةِ لِمَا يَلْحَقُ الْجَمَاعَةَ مِنْ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ إمَّا بِخُرُوجِهِمْ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى بُيُوتِهِمْ وَعَوْدِهِمْ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَإِمَّا بِإِقَامَتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَيُصَلُّوهَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الضَّرَرَ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْجَمْعِ لِجَوَازِ دَفْعِهِ بِغَيْرِهِ أَيْضًا وَهُوَ تَفْوِيتُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ يَخْرُجُوا الْآنَ وَيُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ أَفْذَاذًا فَقَدْ تَعَارَضَ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ فِي دَفْعِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ عَنْ الْمُكَلَّفِ وَالْمَعْهُودُ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَحَلَّ دَفْعِ الضَّرَرِ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَتَقْدِيمِ الْمَنْدُوبِ عَلَيْهِ إذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَإِلَّا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْوَاجِبِ وَتَرْكُ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْقَاعِدَةِ.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّا وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مَعَ هَذَا التَّعَارُضِ وَعَدَمِ تَعَيُّنِ تَرْكِ الْوَاجِبِ طَرِيقًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَلَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْوَاجِبِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمَنْدُوبَاتِ قِسْمَانِ قِسْمٌ تَقْصُرُ مَصْلَحَتُهُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ.
وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فَإِنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ وَنَوَاهِيهِ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ الْخَالِصَةَ أَوْ الرَّاجِحَةَ حَتَّى يَكُونَ أَدْنَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ وَالنَّدْبِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ ثُمَّ تَتَرَقَّى الْمَصْلَحَةُ وَالنَّدْبُ وَتَعْظُمُ رُتْبَتُهُ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْمَنْدُوبَاتِ تَلِيهِ أَدْنَى رُتَبِ الْوَاجِبَاتِ وَأَدْنَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَدْنَى رُتَبِ الْمَكْرُوهَاتِ ثُمَّ تَتَرَقَّى الْمَفَاسِدُ وَالْكَرَاهَةُ فِي الْعِظَمِ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْمَكْرُوهَاتِ يَلِيهِ أَدْنَى الْمُحَرَّمَاتِ وَقِسْمٌ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ لَا تَقْصُرُ مَصْلَحَتُهُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ بَلْ تَارَةً يُسَاوِي الْوَاجِبَ وَتَارَةً يَفْضُلُهُ فِيهَا فَمَا وَرَدَ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ تَقْدِيمِ الْمَنْدُوبَاتِ عَلَى الْوَاجِبِ كَمَا هُنَا فَإِنَّ الْمَنْدُوبَ الَّذِي هُوَ أَدَاءُ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ يَجْمَعُهَا مَعَ الْعِشَاءِ قُدِّمَ عَلَى الْوَاجِبِ
стр. 376
يُرِيدُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمِثْلُهُ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] نَهَى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﵇ عَنْ اتِّبَاعِ غَيْرِ الْمَعْلُومِ فَلَا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يُعْلَمَ فَيَكُونُ طَلَبُ الْعِلْمِ وَاجِبًا فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ طَلَبُ الْعِلْمِ قِسْمَانِ فَرْضُ عَيْنٍ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ فَفَرْضُ الْعَيْنِ عِلْمُك بِحَالَتِك الَّتِي أَنْتَ فِيهَا.
وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ مَا عَدَا ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ بِمَا يُقْدِمُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ وَاجِبًا كَانَ الْجَاهِلُ فِي الصَّلَاةِ عَاصِيًا بِتَرْكِ الْعِلْمِ فَهُوَ كَالْمُتَعَمِّدِ التَّرْكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀: إنَّ الْجَهْلَ فِي الصَّلَاةِ كَالْعَمْدِ، وَالْجَاهِلُ كَالْمُتَعَمِّدِ لَا كَالنَّاسِي.
وَأَمَّا النَّاسِي فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ لَا إثْمَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَهَذَا فَرْقٌ، وَفَرْقٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ النِّسْيَانَ يَهْجُمُ عَلَى الْعَبْدِ قَهْرًا لَا حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهِ عَنْهُ، وَالْجَهْلُ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ بِالتَّعَلُّمِ وَبِهَذَيْنِ الْفَرْقَيْنِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّسْيَانِ وَقَاعِدَةِ الْجَهْلِ
. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ)
اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَدْ تَسَامَحَ فِي جَهَالَاتٍ فِي الشَّرِيعَةِ فَعَفَا عَنْ مُرْتَكِبِهَا، وَأَخَذَ بِجَهَالَاتٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ، وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ إلَى آخِرِهِ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ غَيْرَ إطْلَاقِهِ لَفْظَ الظَّنِّ فِي وَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَمَا مَعَهُ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الظَّنِّ الَّذِي يَخْطِرُ لِصَاحِبِهِ احْتِمَالُ نَقِيضِهِ فَلَا أَرَى ذَلِكَ صَوَابًا، وَإِنْ أَرَادَ بِالظَّنِّ الِاعْتِقَادَ الْجَزْمِيَّ الَّذِي لَا يَخْطِرُ مَعَهُ احْتِمَالُ النَّقِيضِ فَذَلِكَ صَوَابٌ وَغَيْرَ قَوْلِهِ تَكْلِيفُ الْمَرْأَةِ الْبَلْهَاءِ الْمَفْسُودَةِ الْمِزَاجِ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ الْفَاسِدَةَ الْمِزَاجُ بِحَيْثُ لَا تَفْقَهُ شَيْئًا فَلَا أَرَى ذَلِكَ صَوَابًا فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الَّذِي هُوَ أَدَاؤُهَا فِي وَقْتِهَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ سَوَاءٌ أَعْلِمْنَا أَنَّ مَصْلَحَةَ ذَلِكَ الْمَنْدُوبِ أَعْظَمُ ثَوَابًا مِنْ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ أَوْ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِيهَا أَوْ لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ أَمَّا إذَا عَلِمْنَا أَنَّ مَصْلَحَتَهُ أَكْثَرُ كَمَا فِي الْمَنْدُوبَاتِ الَّتِي وُجِدَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَأَنَّ ثَوَابَهَا أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ الْوَاجِبَاتِ فَدَلَّنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَصَالِحَهَا أَعْظَمُ مِنْ مَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ فَلَا كَلَامَ كَمَا إذَا عَلِمْنَا التَّسَاوِي لِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِرَادَتِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مَصْلَحَةٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ بِسَبَبِ قَصْدِ الْوُجُوبِ فِيهِ أَوْ وُقُوعِهِ فِي حَيِّزِ الْوَاجِبِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ فَلِأَنَّا نَسْتَدِلُّ بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ وَنَقُولُ مَا قَدَّمَ صَاحِبُ الشَّرْعِ هَذَا الْمَنْدُوبَ عَلَى هَذَا الْوَاجِبِ إلَّا لِكَوْنِ مَصْلَحَتِهِ أَعْظَمَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ وَذَلِكَ لِأَنَّا اسْتَقْرَيْنَا الشَّرِيعَةَ فَوَجَدْنَاهَا مَصَالِحَ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إذَا سَمِعْتُمْ قِرَاءَةَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَمِعُوا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِخَيْرٍ وَيَنْهَاكُمْ عَنْ شَرٍّ هَذَا كَلَامُ الْأَصْلِ مُلَخَّصًا إلَّا أَنَّا نَقُولُ قَوْلُهُ إنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ وَنَوَاهِيَهُ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ وَهُوَ أَنَّ الْمَصَالِحَ تَتْبَعُ الْأَوَامِرَ وَالْمَفَاسِدَ تَتْبَعُ النَّوَاهِيَ أَمَّا فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الْأُخْرَوِيَّةِ فَلَا خَفَاءَ بِهِ فَإِنَّ الْمَصَالِحَ هِيَ الْمَنَافِعُ وَلَا مَنْفَعَةَ أَعْظَمُ مِنْ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالْمَفَاسِدُ هِيَ الْمَضَارُّ وَلَا ضَرَرَ أَعْظَمُ مِنْ الْعَذَابِ الْمُقِيمِ.
وَأَمَّا فِي الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَعَلَى ذَلِكَ دَلَائِلُ مِنْ الظَّوَاهِرِ الشَّرْعِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَكَقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكَادُ يَنْحَصِرُ نَعَمْ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأَوَامِرَ وَرَدَتْ لِتَحْصُلَ عِنْدَ امْتِثَالِهَا الْمَصَالِحُ وَإِنَّ النَّوَاهِيَ وَرَدَتْ لِتَرْتَفِعَ عِنْدَ امْتِثَالِهَا الْمَفَاسِدُ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ إنَّهُ وُجِدَ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْدُوبَاتٌ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَثَوَابُهَا أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ الْوَاجِبَاتِ فَدَلَّنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَصَالِحَهَا أَعْظَمُ مِنْ مَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَلَا صَحِيحٍ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَنْدُوبِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا مُعَارِضَ لَهُ.
وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] نَقُولُ بِمُوجِبِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَقْصُودُهُ وَالْمُنَاسِبُ لِلْبِنَاءِ عَلَى رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ أَنْ يَكُونَ الْأَعْظَمُ مَصْلَحَةً بِحَيْثُ يَبْلُغُ إلَى حَدِّ مَصَالِحِ الْوَاجِبَاتِ وَاجِبًا وَالْأَدْنَى مَصْلَحَةً مَنْدُوبًا أَمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَعْظَمُ مَصْلَحَةً مَنْدُوبًا وَالْأَدْنَى مَصْلَحَةً وَاجِبًا فَلَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لِرِعَايَةِ الْمَصَالِحِ بِوَجْهٍ وَمَا مَثَّلَ بِهِ مِنْ الصُّوَرِ السَّبْعِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ الْمَنْدُوبَاتِ فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُ.
أَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَإِنَّ الْأَعْظَمَ فِيهَا أَجْرًا إنَّمَا هُوَ إنْظَارُ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لَا كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّ الْأَعْظَمَ أَجْرًا هُوَ إبْرَاؤُهُ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْإِنْظَارُ إذْ كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْإِبْرَاءُ الَّذِي هُوَ إسْقَاطٌ لِلطَّلَبِ بِالْكُلِّيَّةِ وَمُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ طَلَبِهِ بَعْدُ مُتَضَمِّنًا لِلْإِنْظَارِ الَّذِي هُوَ تَأْخِيرُ الطَّلَبِ بِالدَّيْنِ وَمُسْتَلْزِمٌ لِطَلَبِهِ بَعْدُ وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمُكَلَّفِ نَحْوَ الظُّهْرِ إذَا فَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ وَقَعَتْ وَاجِبَةً.
وَإِذَا فَعَلَهَا وَحْدَهُ وَقَعَتْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا أَنَّ أَحَدَ الْوَاجِبَيْنِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْآخَرِ
стр. 377
فَلَمْ يَعْفُ عَنْ مُرْتَكِبِهَا وَضَابِطُ مَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْ الْجَهَالَاتِ الْجَهْلُ الَّذِي يُتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عَادَةً، وَمَا لَا يُتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يَشُقُّ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ وَلِذَلِكَ صُوَرٌ أَحَدُهَا مَنْ وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً بِاللَّيْلِ يَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ عُفِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفَحْصَ عَنْ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ
وَثَانِيهَا مَنْ أَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا يَظُنُّهُ طَاهِرًا فَهَذَا جَهْلٌ يُعْفَى عَنْهُ لِمَا فِي تَكَرُّرِ الْفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْكُلْفَةِ.
وَكَذَلِكَ الْمِيَاهُ النَّجِسَةُ وَالْأَشْرِبَةُ النَّجِسَةُ لَا إثْمَ عَلَى الْجَاهِلِ بِهَا
، وَثَالِثُهَا مَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ جُلَّابًا فَإِنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي جَهْلِهِ بِذَلِكَ
وَرَابِعُهَا مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا فِي صَفِّ الْكُفَّارِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فَإِنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي جَهْلِهِ بِهِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَلَوْ قَتَلَهُ فِي حَالَةِ السَّعَةِ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ عَنْ ذَلِكَ أَثِمَ.
وَخَامِسُهَا الْحَاكِمُ يَقْضِي بِشُهُودِ الزُّورِ مَعَ جَهْلِهِ بِحَالِهِمْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَلَيْك مِنْ هَذَا النَّحْوِ وَمَا عَدَاهُ فَمُكَلَّفٌ بِهِ وَمَنْ أَقْدَمَ مَعَ الْجَهْلِ فَقَدْ أَثِمَ خُصُوصًا فِي الِاعْتِقَادَاتِ فَإِنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَدْ شَدَّدَ فِي عَقَائِدِ أُصُولِ الدِّينِ تَشْدِيدًا عَظِيمًا بِحَيْثُ إنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ بَذَلَ جَهْدَهُ وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي رَفْعِ الْجَهْلِ عَنْهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي شَيْءٍ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ ذَلِكَ الْجَهْلُ فَإِنَّهُ آثِمٌ كَافِرٌ بِتَرْكِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِيمَانِ وَيَخْلُدُ فِي النِّيرَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا تَفْقَهُ وَلَكِنْ بَعْدَ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ فَذَلِكَ صَوَابٌ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: الْمَفْسُودَةِ الْمِزَاجُ فَاسِدٌ، وَصَوَابُهُ الْفَاسِدَةُ الْمِزَاجِ وَغَيْرَ مَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِيهِ مِنْ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ مُلْحَقَةٌ بِأُصُولِ الدِّينِ فِي أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَالْمُخْطِئَ آثِمٌ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى التَّخْطِئَةِ وَالتَّأْثِيمِ وَالْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ..
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَكَوْنُهَا فِي جَمَاعَةٍ لَيْسَ مُنْفَصِلًا مِنْ كَوْنِهَا ظُهْرًا حَتَّى إنَّهُ هُوَ الْمَنْدُوبُ بَلْ هِيَ ظُهْرٌ وَهِيَ فِي جَمَاعَةٍ وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً فَهِيَ تَفْضُلُ عَلَى نَفْسِهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً فَهِيَ تَفْضُلُ عَلَى نَفْسِهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي غَيْرِهِ فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا أَنَّ أَحَدَ الْوَاجِبَيْنِ أَوْ أَحَدَ الْمَنْدُوبَيْنِ أَعْظَمُ مِنْ الْآخَرِ.
وَأَمَّا الصُّورَةُ السَّادِسَةُ فَلِأَنَّ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ صَلَاةً بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ لَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا التَّضْعِيفَ ثَوَابُ السِّوَاكِ الَّذِي هُوَ مَنْدُوبٌ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّضْعِيفَ ثَوَابُ الصَّلَاةِ الْمُصَاحِبَةِ لِلسِّوَاكِ فَلَا دَلِيلَ لَا مِنْ الْحَدِيثِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ الَّذِي هُوَ السِّوَاكُ خَيْرٌ مِنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الصُّورَةُ السَّابِعَةُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحِ «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَرُوِيَ «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْدُوبٍ وَتَفْضِيلِهِ عَلَى وَاجِبٍ إلَّا عَلَى احْتِمَالِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَاجْتِنَابَ الْإِفْرَاطِ فِي السَّعْيِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ عَقِيبَهُ انْبِهَارٌ وَقَلَقٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الْخُشُوعِ اللَّائِقِ بِالصَّلَاةِ.
وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَاتُ وَأَمَّا عَلَى احْتِمَالِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالسَّكِينَةِ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ ضِدَّهُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الَّذِي هُوَ شِدَّةُ السَّعْيِ شَاغِلٌ لِلْبَالِ مُنَافٍ لِلْحُضُورِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِحَسَبِ الْوُسْعِ فَيَكُونُ عَدَمُ الْحُضُورِ مِنْ كَسْبِهِ لِكَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَمَّا هُوَ مِنْ كَسْبِهِ الَّذِي هُوَ الشُّغْلُ بِآثَارِ شِدَّةِ السَّعْيِ مِنْ الِانْبِهَارِ وَالْقَلِقِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ التَّسَبُّبِ إلَى الْإِخْلَالِ بِشَرْطِ الْوَاجِبِ وَلَا دَلَالَةَ مَعَ الِاحْتِمَالِ عَلَى أَنَّ مُنَافَاةَ الْقَلِقِ وَالِانْبِهَارِ لِلْخُشُوعِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الْوَاضِحِ إذْ ثُبُوتُهَا بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ عَنْ مُنَافَاةِ الْحُضُورِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الْخُشُوعِ فَافْهَمْ أَفَادَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكْثُرُ الثَّوَابُ فِيهِ وَالْعِقَابُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقِلُّ الثَّوَابُ فِيهِ وَالْعِقَابُ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكْثُرُ الثَّوَابُ فِيهِ وَالْعِقَابُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقِلُّ الثَّوَابُ فِيهِ وَالْعِقَابُ) يَكْثُرُ الثَّوَابُ أَوْ الْعِقَابُ غَالِبًا فِي أَحَدِ فِعْلَيْنِ وَقَعَتْ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِيمَا عَدَا الْمَصْلَحَةَ خَاصَّةً أَوْ الْمَفْسَدَةَ خَاصَّةً عَلَى حَسَبِ مَا يُدْرَكُ فِيهِ شَرْعًا مِنْ كَثْرَةِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ الْمَفْسَدَةِ مَثَلًا ثَوَابُ التَّصَدُّقِ بِدِينَارٍ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ التَّصَدُّقِ بِدِرْهَمٍ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الدِّينَارِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الدِّرْهَمِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ حَالِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَمَّا عِنْدَ تَفَاوُتِ حَالِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فَلَا لِقَوْلِهِ ﷺ «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ» «وَسَدُّ خَلَّةِ الْوَلِيِّ الصَّالِحِ أَعْظَمُ مِنْ سَدِّ خَلَّةِ الْفَاسِقِ الطَّالِحِ» لِأَنَّ
مَصْلَحَةَ
بَقَاءِ الْوَلِيِّ وَالْعَالِمِ فِي الْوُجُودِ لِنَفْسِهِ وَلِلْخَلْقِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ بَقَاءِ الْفَاسِقِ وَإِنْقَاذُ الْغَرِيقِ مِنْ بَنِي آدَمَ لِعَظِيمِ مَصْلَحَةِ بَقَائِهِ أَعْظَمُ مِنْ إنْقَاءِ الْغَرِيقِ مِنْ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ وَإِثْمُ الْأَذِيَّةِ فِي الْأَعْرَاضِ وَالنُّفُوسِ لِعِظَمِ مَفْسَدَتِهَا أَعْظَمُ مِنْ إثْمِ الْأَذِيَّةِ فِي الْأَمْوَالِ وَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ فِي غَالِبِ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ يَكْثُرُ الثَّوَابُ أَوْ الْعِقَابُ فِي أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَانُونِ بِأَنْ يَصِيرَ الْأَقَلُّ مَفْسَدَةً أَكْثَرَ عِقَابًا وَالْأَقَلُّ مَصْلَحَةً أَكْثَرَ
стр. 378
مِنْ الْمَذَاهِبِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَوْصَلَ الِاجْتِهَادَ حَدَّهُ.
وَصَارَ الْجَهْلُ لَهُ ضَرُورِيًّا لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْذَرْ بِهِ حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ فِيمَا يُعْتَقَدُ أَنَّهَا مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ فَإِنَّ تَكْلِيفَ الْمَرْأَةِ الْبَلْهَاءِ الْمَفْسُودَةِ الْمِزَاجِ النَّاشِئَةِ فِي الْأَقَالِيمِ الْمُنْحَرِفَةِ عَمَّا يُوجِبُ اسْتِقَامَةَ الْعَقْلِ كَأَقَاصِي بِلَادِ السُّودَانِ وَأَقَاصِي بِلَادِ الْأَتْرَاكِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقَالِيمَ لَا يَكُونُ لِلْعَقْلِ فِيهَا كَبِيرُ رَوْنَقٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بِلَادِ الْأَتْرَاكِ عِنْدَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] وَمَنْ لَا يَفْهَمُ الْقَوْلَ وَبَعُدَتْ أَهْلِيَّتُهُ لِهَذِهِ الْغَايَةِ مَعَ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِأَدِلَّةِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَدَقَائِقِ أُصُولِ الدِّينِ أَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، فَتَكْلِيفُ هَذَا الْجِنْسِ كُلِّهِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْيَأْسِ بِسَبَبِ الْكُفْرَانِ وَقَعُوا لِلْجَهْلِ.
وَأَمَّا الْفُرُوعُ دُونَ الْأُصُولِ فَقَدْ عَفَا صَاحِبُ الشَّرْعِ عَنْ ذَلِكَ، وَمَنْ بَذَلَ جَهْدَهُ فِي الْفُرُوعِ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَمَنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَيَلْحَقُ بِأُصُولِ الدِّينِ أُصُولُ الْفِقْهِ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ الْمُعْتَمَدِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ اخْتَصَّ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ عَنْ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُصِيبَ فِيهِ وَاحِدٌ وَالْمُخْطِئَ فِيهِ آثِمٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الَّتِي حَكَاهَا هِيَ فِي أُصُولِ الدِّينِ بِعَيْنِهَا فَظَهَرَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكُونُ الْجَهْلُ فِيهِ عُذْرًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَكُونُ الْجَهْلُ فِيهِ عُذْرًا.
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ الْجِهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ السَّمْتِ)
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي الْمَذَاهِبِ عَامَّةً قَوْلُهُمْ إنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْجِهَةِ يَكْفِي وَآخَرُونَ يَقُولُونَ بَلْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ اسْتِقْبَالَ سَمْتِ الْكَعْبَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ وَالْإِطْلَاقَاتُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ بِسَبَبِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ الْجِهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ السَّمْتِ إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ثَوَابًا كَتَفْصِيلِ الْقَصْرِ عَلَى الْإِتْمَامِ مَعَ اشْتِمَالِ الْإِتْمَامِ عَلَى مَزِيدِ الْخُشُوعِ وَالْإِجْلَالِ وَأَنْوَاعِ التَّقَرُّبِ وَكَتَفْضِيلِ الصُّبْحِ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى وَكَتَفْضِيلِ الْعَصْرِ عَلَى رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى مَعَ تَقْصِيرِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الظُّهْرِ وَكَتَفْضِيلِ رَكْعَةِ الْوِتْرِ عَلَى رَكْعَتِي الْفَجْرِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ «مَنْ قَتَلَ الْوَزَغَةَ فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الثَّانِيَةِ فَلَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَ الْفِعْلُ كَانَ الثَّوَابُ أَقَلَّ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقْتُلْهَا فِي الضَّرْبَةِ وَهِيَ حَيَوَانٌ لَطِيفٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى كَثْرَةِ مُتُونَةٍ فِي الضَّرْبِ دَلَّ عَلَى ضَعْفِ عَزْمِهِ وَقِلَّةِ اهْتِمَامِهِ بِأَمْرِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَنَقَصَ أَجْرُهُ عَنْ الْمِائَةِ إلَى السَّبْعِينَ وَإِنْ كَثُرَ فِعْلُهُ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ إذْ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمَ مَا يُرِيدُ لَا رَادَّ لِحُكْمِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِصُنْعِهِ قُلْتُ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ إذْ لَا مَعْنَى لِتَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَيْهَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَّا أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ فِي مَكَّةَ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِيهَا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ لَا تَنْحَصِرُ فِي مَزِيدِ الْمُضَاعَفَةِ فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِمِنًى عِنْدَ التَّوَجُّهِ لِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَإِنْ انْتَفَتْ عَنْهَا الْمُضَاعَفَةُ فَافْهَمْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ مَا حَاصِلُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى تَفْضِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَحَدَ الْفِعْلَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْآخَرِ وَقَاعِدَةُ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ وَإِنَّهَا إذَا بَلَغَتْ إلَى حَدِّهَا فِي الْكَثْرَةِ لَزِمَ الْوُجُوبُ وَإِذَا لَمْ تَبْلُغْ فَلَا بُدَّ مِنْ الثَّوَابِ وَالنَّدْبِ تَقْتَضِي لُزُومَ الْوُجُوبِ فِي الْمُتَسَاوِيَيْنِ مَعًا إنْ بَلَغَتْ مَصْلَحَتُهُمَا إلَى رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ أَوْ النَّدْبِ فِيهِمَا مَعًا وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَصْلَحَتُهُمَا إلَى تِلْكَ الرُّتْبَةِ فَوَجَبَ حَمْلُ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمَصْلَحَةِ حِينَئِذٍ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَتَأَمَّلْ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَثْبُتُ فِيهَا]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَثْبُتُ فِيهَا) الَّذِي لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ هُوَ الْمُعَيَّنَاتُ الْمُشَخَّصَاتُ فِي الْخَارِجِ الْمَرْئِيَّةُ بِالْحِسِّ وَاَلَّذِي يَثْبُتُ فِيهَا هُوَ مَا عَدَاهَا وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَفِي الصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ أَمَّا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَفِي قَاعِدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا قَاعِدَةُ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ الْمَوْتِ لِمَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ يُوجِبُ فِي الْمُعَيَّنِ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لَا يُوجِبُهُ فَإِذَا اشْتَرَى سِلْعَةً مُعَيَّنَةً فَاسْتُحِقَّتْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ أَوْ مَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا فِي السَّلَمِ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ وَعَيَّنَهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ بَلْ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِ مَا اُسْتُحِقَّ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً مُعَيَّنَةً لِلْحَمْلِ أَوْ غَيْرِهِ كَالرُّكُوبِ فَاسْتُحِقَّتْ أَوْ مَاتَتْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لِذَلِكَ فَعَطِبَتْ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ بَلْ يُطَالِبُهُ بِغَيْرِهَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بَلْ فِي الذِّمَّةِ فَيَجِبُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِكُلِّ مُعَيَّنٍ شَاءَ الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ قَاعِدَةُ التَّخْيِيرِ فِي تَسْلِيمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ فَمَتَى كَانَ فِي الذِّمَّةِ كَانَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ الْأَمْثَالِ وَيُعْطِي أَيَّ مِثْلٍ شَاءَ وَمَتَى كَانَ مُعَيَّنًا مِنْ تِلْكَ الْأَمْثَالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَلَوْ اكْتَالَ رِطْلَ زَيْتٍ مِنْ خَابِيَةٍ وَعَقَدَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ مِنْ الْخَابِيَةِ وَإِذَا فَرَّقَ صُبْرَتَهُ صِيعَانًا فَعَقَدَ عَلَى صَاعٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ
стр. 379
أُمُورٍ
أَحَدُهَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا إنَّمَا وَقَعَ فِيمَنْ بَعُدَ عَنْ الْكَعْبَةِ أَمَّا مَنْ قَرُبَ فَإِنَّ فَرْضَهُ اسْتِقْبَالُ السَّمْتِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَاَلَّذِي بَعُدَ لَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَمُقَابَلَتَهَا وَمُعَايَنَتَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ جَهْدَهُ فِي تَعْيِينِ جِهَةٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْكَعْبَةَ وَرَاءَهَا، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْكَعْبَةِ أَنَّهَا وَرَاءَ الْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَتْهَا أَدِلَّتُهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُهَا إجْمَاعًا فَصَارَتْ الْجِهَةُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا وَالسَّمْتُ الَّذِي هُوَ الْعَيْنُ وَالْمُعَايَنَةُ مُجْمَعٌ عَلَى عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ فِي الصُّورَتَيْنِ فَأَيْنَ يَكُونُ الْخِلَافُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ فِي الصُّورَتَيْنِ فَأَيْنَ يَكُونُ الْخِلَافُ) قُلْت أَمَّا مُعَايِنُ الْكَعْبَةِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ فَرْضَهُ اسْتِقْبَالُ سَمْتِهَا كَمَا ذَكَرَ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَايِنِ فَنَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ مَعْرُوفٌ هَلْ فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ السَّمْتِ كَالْمُعَايِنِ أَمْ فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ وَظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْ الْقَائِلِينَ بِالسَّمْتِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَقْبِلَ لِلْكَعْبَةِ فَرْضُهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَ خُرُوجُ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ عَلَى زَوَايَا قَائِمَةٍ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ نَافِذًا إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ لَمَرَّ بِالْكَعْبَةِ قَاطِعًا لَهَا لَا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنَّ فَرْضَهُ اسْتِقْبَالُ عَيْنِهَا وَمُعَايَنَتُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَلَا قَائِلَ بِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مُرَادُهُمْ يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ إذْ فِيهِ تَكْلِيفُ الْمُعَايَنَةِ مَعَ عَدَمِهَا، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَالْخِلَافُ مُعْجَمٌ فِي الْجِهَةِ هَلْ هِيَ الْمَطْلُوبُ أَمْ لَا وَفِي السَّمْتِ هَلْ هُوَ الْمَطْلُوبُ أَمْ لَا، لَكِنَّ تَرْجِيحَ الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الْمُسْتَقِيمِ الطَّوِيلِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ الْمُتَحَاذِيَيْنِ أَوْ الْمَوَاضِعِ، وَيُرَجَّحُ أَيْضًا بِأَنَّ التَّوَصُّلَ إلَى تَحْقِيقِ الْجِهَةِ مُتَيَسِّرٌ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ أَوْ أَكْثَرِهِمْ بِخِلَافِ التَّوَصُّلِ إلَى تَحْقِيقِ السَّمْتِ، وَالْحَنِيفِيَّةُ سَمْحَةٌ وَدِينُ اللَّه يُسْرٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْ تِلْكَ الْأَمْثَالِ.
وَأَمَّا إذَا عَقَدَ عَلَى صَاعٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الصُّبْرَةِ أَوْ عَلَى رِطْلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ جِنْسِ هَذَا الزَّيْتِ فَإِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ فَلَهُ الْخُرُوجُ عَنْهُ بِأَيِّ مِثْلٍ شَاءَ مِنْ تِلْكَ الْأَمْثَالِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُعَيَّنَاتُ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ وَمَا فِي الذِّمَمِ لَا يَكُونُ مُعَيَّنًا بَلْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ وَالْأَجْنَاسِ الْمُشْتَرَكَةِ فَيَقْبَلُ مَا لَا يَتَعَيَّنُ مِنْهَا الْبَدَلَ وَالْمُعَيَّنُ لَا يَقْبَلُ الْبَدَلَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ.
وَأَمَّا فِي الصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ فَفِي قَاعِدَةِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الِانْتِقَالِ إلَى الذِّمَّةِ تَعَذُّرَ الْمُعَيَّنِ وَالصَّلَاةُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا فِعْلٌ لَا تَعَيُّنَ لَهَا مَا لَمْ تَقَعْ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِهَا وَقَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ مَعَ خُرُوجِ وَقْتِهَا يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ إذْ لَا يَصِحُّ فِي الْفِعْلِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ وَإِنْ تَعَيَّنَ بِتَعَيُّنِ وَقْتِهِ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا لِأَنَّ تَعَيُّنَهُ بِتَعَيُّنِ وَقْتِهِ لَا يَقْتَضِي جَعْلَهُ مُعَيَّنًا بِمَكَانِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ وَالزَّكَاةُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ الْمُعَيَّنِ لَا تَكُونُ إلَّا حَقًّا مُعَيَّنًا بِمَعْنَى أَنَّهُ جُزْءٌ لِمُعَيِّنٍ فَلَا تَكُونُ فِي الذِّمَّةِ مَا وُجِدَ نِصَابُهَا فَإِذَا تَلِفَ بِعُذْرٍ لَمْ يَنْتَقِلْ الْحَقُّ الْوَاجِبُ لِتَعَيُّنِهِ إلَى الذِّمَّةِ فَلَا يَضْمَنُ مَالِكُ النِّصَابِ حِينَئِذٍ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ وَإِذَا تَلِفَ بِغَيْرِ عُذْرٍ تَرَتَّبَ الْحَقُّ الْوَاجِبُ فِي الذِّمَّةِ فَيَضْمَنُ مَالِكُ النِّصَابِ حِينَئِذٍ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الضَّمَانِ تَأَخُّرُ الْجَائِحَةِ عَنْ زَمَنِ الْوُجُوبِ فِي الزَّرْعِ أَوْ الثَّمَرَةِ مَثَلًا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَصْلٌ) هَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بَلْ خَالَفُوهُ فِي صُورَتَيْنِ.
الصُّورَةُ الْأُولَى قَوْلُهُمْ لَا يَتَعَيَّنُ النَّقْدَانِ بِالتَّعْيِينِ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْمُعَامَلَةُ بِهِمَا عَلَى الذِّمَمِ وَإِنْ عُيِّنَتْ النُّقُودُ إلَّا أَنْ تَخْتَصَّ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ كَشُبْهَةٍ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ سِكَّةٍ رَائِجَةٍ دُونَ النَّقْدِ الْآخَرِ وَأَنَّهُ إذَا غَصَبَ غَاصِبٌ دِينَارًا مُعَيَّنًا فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ غَيْرَهُ مِثْلَهُ فِي الْمَحَلِّ وَيَمْنَعَ رَبَّهُ مِنْ أَخْذِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ الْمَغْصُوبِ مُعَلِّلِينَ بِأَنَّ خُصُوصَاتِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَغْرَاضُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ إذْ لَا يَعْتَبِرُ صَاحِبُ الشَّرْعِ إلَّا مَا فِيهِ نَظَرُهُ صَحِيحٌ وَيَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا تَكُونَ أَعْيَانُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مَمْلُوكَةً أَيْضًا إذْ لَوْ كَانَتْ الْخُصُوصَاتُ مَمْلُوكَةً لَكَانَ لِصَاحِبِ الْمُعَيَّنِ الْمُطَالَبَةُ بِمِلْكِهِ وَأَخْذُهُ الْمُعَيَّنَ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْمُشْتَرِي وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ لِلْغَاصِبِ الْمَنْعَ مِنْ الْمُعَيَّنِ وَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي فِي الْعُقُودِ وَإِذَا لَمْ تُمْلَكْ أَعْيَانُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ عِنْدَهُمْ لَمْ يَكُنْ الْمَمْلُوكُ إلَّا الْجِنْسَ الْكُلِّيَّ وَالْجِنْسُ الْكُلِّيُّ لَا يَصِحُّ أَنْ يُمْلَكَ أَمَّا عَلَى قَوْلِ نَافِيهِ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُثْبِتِهِ فَلِأَنَّهُ ذِهْنِيٌّ صِرْفٌ وَالذِّهْنِيُّ الصِّرْفُ لَا يَتَأَتَّى مِلْكُهُ فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ مَنْ مَلَكَ دِينَارًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ النُّقُودِ إمَّا أَنْ نَقْطَعَ بِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا عِنْدَ مَنْ يَنْفِي الْأَجْنَاسَ أَوْ يَقَعُ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ مَلَكَهُ أَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ عِنْدَ مَنْ يَشُكُّ فِي الْأَجْنَاسِ وَهَذَا كُلُّهُ خُرُوجٌ عَنْ الْمَعْقُولِ وَلَا شَكَّ فِي شَنَاعَتِهِ فَلَا وَجْهَ لِالْتِزَامِهِ وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ لِشَنَاعَتِهِ وَكَيْفَ يَسُوغُ لِعَاقِلٍ الْتِزَامُ مَا لَا يَصِحُّ وَلَا يُعْقَلُ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
قُلْتُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ الْجِنْسَ قَدْ يُعْتَبَرُ لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ مِنْ تَشَخُّصٍ أَوْ كُلِّيَّةٍ فَيَتَحَقَّقُ أَفْرَادُهُ وَهُوَ الْحَقُّ كَمَا مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ لَا يَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ مَنْ مَلَكَ دِينَارًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ النُّقُودِ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا أَوْ يَقَعُ الشَّكُّ فِي مِلْكِهِ وَعَدَمِهِ بَلْ إنَّمَا
стр. 380
وَثَانِيهَا أَنَّ الصَّفَّ الطَّوِيلَ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ خَرَجَ بَعْضُهُ عَنْ السَّمْتِ قَطْعًا فَإِنَّ الْكَعْبَةَ عَرْضُهَا عِشْرُونَ ذِرَاعًا وَطُولُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا عَلَى مَا قِيلَ، وَالصَّفُّ الطَّوِيلُ مِائَةُ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرُ فَبَعْضُهُ خَارِجٌ عَنْ السَّمْتِ قَطْعًا فَقَوْلُهُمْ إنَّ الْقَاعِدَةَ اسْتِقْبَالُ السَّمْتِ مُشْكِلٌ. وَثَالِثُهَا أَنَّ الْبَلَدَيْنِ الْمُتَقَارِبَيْنِ يَكُونُ اسْتِقْبَالُهُمَا وَاحِدًا مَعَ أَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهُمَا أَطْوَلُ مِنْ سَمْتِ الْكَعْبَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ صَلَاةَ أَحَدِهِمَا صَحِيحَةٌ وَالْأُخْرَى بَاطِلَةٌ وَلَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَكَانَ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى بِالْبُطْلَانِ فَهَذِهِ أُمُورٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا كُلِّهَا وَجَمِيعُهَا يَقْتَضِي الْإِشْكَالَ عَلَى هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ.
الْجَوَابُ عَنْهُ وَهُوَ سِرُّ الْفَرْقِ مَا كَانَ يَذْكُرُهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ أَنْ كَانَ يُورِدُ هَذَا الْإِشْكَالَ فَلَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ عَنْهُ فَكَانَ يَقُولُ الشَّيْءُ قَدْ يَجِبُ إيجَابَ الْوَسَائِلِ، وَقَدْ يَجِبُ إيجَابَ الْمَقَاصِدِ فَالْأَوَّلُ كَالنَّظَرِ فِي أَوْصَافِ الْمِيَاهِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ فَإِنَّهُ يُتَوَسَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الطَّهُورِيَّةِ وَكَالنَّظَرِ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى مَعْرِفَةِ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ، وَكَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إيقَاعِهَا فِي الْجَامِعِ، وَكَذَلِكَ السَّفَرُ إلَى الْحَجِّ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَمِثَالُ مَا يَجِبُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالْإِيمَانُ وَالتَّوْحِيدُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مَقْصِدٌ لِنَفْسِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِغَيْرِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَثَانِيهَا أَنَّ الصَّفَّ الطَّوِيلَ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ إلَخْ) قُلْت هُوَ أَقْوَى حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِالْجِهَةِ قَالَ: (وَالْجَوَابُ عَنْهُ وَهُوَ سِرُّ الْفَرْقِ مَا كَانَ يَذْكُرُهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى قَوْلِهِ لَا أَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِغَيْرِهِ) . قُلْت: مَا ذَكَرَهُ حَاكِيًا لَهُ عَنْ عِزِّ الدِّينِ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: وَاجِبٌ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ، وَوَاجِبٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَالِكُ الْجِنْسِ الْمُتَحَقِّقِ فِي فَرْدٍ مَا فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ السُّؤَالُ الثَّانِي أَنَّهُمْ وَافَقُوا الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الصِّيعَانَ الْمُسْتَوِيَةَ مِنْ الصُّبْرَةِ وَالْأَرْطَالَ الْمُسْتَوِيَةَ مِنْ الزَّيْتِ تُمْلَكُ أَعْيَانُهَا وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ مَعَ أَنَّ الْأَغْرَاضَ مُسْتَوِيَةٌ فِي تِلْكَ الْأَفْرَادِ اسْتِوَاءَهَا فِي أَعْيَانِ النُّقُودِ وَقَوْلُ الْأَصْلِ إنَّ الصِّيعَانَ وَالْأَرْطَالَ الْمُسْتَوِيَةَ وَسَائِلُ لِتَحْصِيلِ الْأَغْرَاضِ مِنْ السِّلَعِ وَالْمَقَاصِدِ إنَّمَا هِيَ السِّلَعُ فَتَقَعُ الْمُشَاحَنَةُ مِنْ تَعْيِينَاتِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَقَاصِدُ وَالسِّلَعُ وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ الْأَغْرَاضُ بِأَفْرَادِهَا كَأَعْيَانِ النُّقُودِ إلَّا أَنَّ أَعْيَانَ النُّقُودِ تُفَارِقُهَا فِي أَنَّهَا وَسَائِلُ لِتَحْصِيلِ الْأَغْرَاضِ مِنْ السِّلَعِ فَاجْتَمَعَ فِيهَا أَمْرَانِ كَوْنُهَا وَسَائِلَ وَعَدَمُ تَعَلُّقِ الْأَغْرَاضِ بِخِلَافِ السِّلَعِ فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا الثَّانِي فَقَطْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ إنَّهُ فَرْقٌ لَا أَثَرَ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ غَرَضٌ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْغَرَضُ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْمُعْتَادَةِ فَالصَّحِيحُ تَعَيُّنُ النَّقْدَيْنِ بِالتَّعَيُّنِ وَلُزُومِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَيَلْزَمُ الْبَدَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ فَتَأَمَّلْ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَدَارٍ يَسْكُنُهَا أَوْ ثَمَرَةٍ يَتَأَخَّرُ جِذَاذُهَا أَوْ عَبْدٍ يَسْتَخْدِمُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَمَّا كَانَتْ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا أَشْبَهَتْ الدَّيْنَ وَفِيهَا مَفْسَدَةُ الدَّيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهَا الْمُطَالَبَةَ فَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي هَذَا الْفَرْقِ مِنْ أَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَكُونُ دَيْنًا.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ بَلْ دَيْنٌ مُعَيَّنٌ فِي مُعَيَّنٍ فَلَا مُخَالَفَةَ فَمِنْ هُنَا جَرَى عَمَلُ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَكَانَتْ لَهُ حَانُوتٌ سَاكِنٌ فِيهَا مُجَلِّدُ الْكُتُبِ وَكَانَ إذَا تَرَتَّبَ لَهُ أُجْرَةٌ فِي ذِمَّتِهِ يَسْتَأْجِرُهُ بِهَا عَلَى تَجْلِيدِ كُتُبِهِ وَيَقُولُ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَصَحَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ عَلَى شَرْحِ أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرَقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ وُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ وُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ مَعَ التَّخْيِيرِ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ وُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ وُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ مَعَ التَّخْيِيرِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ وَلَمْ يُمَيَّزْ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ إلَّا بِالتَّخْيِيرِ وَعَدَمِهِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوُجُودِ وَالسَّلَامَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ) وَذَلِكَ أَنَّ أَجْزَاءَ الْوَقْتِ كَاَلَّذِي بَيْنَ الزَّوَالِ إلَى آخِرِ الْقَامَةِ إنَّمَا يَجِبُ مِنْهَا لِأَدَاءِ الظُّهْرِ جُزْءٌ وَاحِدٌ فَقَطْ فَإِذَا تَصَرَّفَتْ الْمَرْأَةُ فِي ضَيَاعٍ مَا عَدَا الْآخِرَ مِنْهَا بِالْإِتْلَافِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا عُذْرُ الْحَيْضِ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ الْآخِرِ قَامَ وُجُودُ ذَلِكَ الْعُذْرِ فِيهِ مَقَامَ وُجُودِهِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ فَكَمَا أَنَّ وُجُودَهُ فِي جَمِيعِهَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ كَذَلِكَ وُجُودُهُ فِي الْجُزْءِ الْآخِرِ يُسْقِطُهَا إذْ مِنْ حُجَّةِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَقُولَ إنَّ تَسَلُّطِيِّ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ فِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ يَنْفِي عَنِّي وُجُوبَ الصَّلَاةِ فَإِنِّي جُعِلَ لِي أَنْ أُؤَخِّرَ وَأُعَيِّنَ مُطْلَقَ جُزْءٍ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ فَلَمَّا عَيَّنَهُ تَلِفَ بِالْحَيْضِ وَمَا سِرُّ ذَلِكَ إلَّا التَّخْيِيرُ هُنَا بِخِلَافِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّوْمِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إذَا وُجِدَ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ الْوُجُوبُ بِلَا تَخْيِيرٍ فَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةُ مِنْ الْأَوْقَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ أَوَاخِرُهَا دُونَ أَوَائِلِهَا.
فَإِنْ وُجِدَ الْعُذْرُ الْمُسْقِطُ لِلصَّلَاةِ آخِرَ الْوَقْتِ
стр. 381
إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجِهَةِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ، وَأَنَّ النَّظَرَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَإِذَا أَخْطَأَ فِي الْجِهَةِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَيْضًا أَنَّ الْوَسِيلَةَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصِدُهَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا وَالنَّظَرُ فِي الْجِهَةِ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، وَأَنَّ الْكَعْبَةَ لَمَّا بَعُدَتْ عَنْ الْأَبْصَارِ جِدًّا، وَتَعَذَّرَ الْجَزْمُ بِحُصُولِهَا جَعَلَ الشَّرْعُ الِاجْتِهَادَ فِي الْجِهَةِ هُوَ الْوَاجِبُ نَفْسُهُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَإِذَا اجْتَهَدَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَصِيرُ الْخِلَافُ فِي السَّمْتِ هَلْ يَجِبُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ أَوْ لَا يَجِبُ أَلْبَتَّةَ لَا وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ وَلَا وُجُوبَ الْوَسَائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَسِيلَةً لِغَيْرِهِ قَوْلَانِ وَهَلْ تَجِبُ الْجِهَةُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ أَمْ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ قَوْلَانِ هَذَا هُوَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجِهَةِ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ، وَأَنَّ النَّظَرَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَإِذَا أَخْطَأَ فِي الْجِهَةِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَيْضًا أَنَّ الْوَسِيلَةَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصِدُهَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا، وَالنَّظَرُ فِي الْجِهَةِ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، وَأَنَّ الْكَعْبَةَ لَمَّا بَعُدَتْ مِنْ الْأَبْصَارِ جِدًّا وَتَعَذَّرَ الْجَزْمُ بِحُصُولِهَا جَعَلَ الشَّرْعُ الِاجْتِهَادَ فِي الْجِهَةِ هُوَ الْوَاجِبُ نَفْسُهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ، فَإِذَا اجْتَهَدَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْخَطَأِ خَطَأَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لَا خَطَأَ الْجِهَةِ فَإِنَّ خَطَأَ الْجِهَةِ خَطَأُ الْمَقْصُودِ فَتَلْزَمُ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي خَطَأِ الْعَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ: (فَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَصِيرُ الْخِلَافُ فِي السَّمْتِ هَلْ يَجِبُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ أَوْ لَا يَجِبُ أَلْبَتَّةَ لَا وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ وَلَا وُجُوبَ الْوَسَائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَسِيلَةً لِغَيْرِهِ قَوْلَانِ وَهَلْ تَجِبُ الْجِهَةُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ أَمْ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ؟ قَوْلَانِ هَذَا هُوَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
سَقَطَتْ الصَّلَاةُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فُعِلَتْ قَبْلَ طَرَيَان الْعُذْرِ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا وُجِدَ مِنْ الْوَقْتِ فِي أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ سَالِمًا مِنْ الْعُذْرِ وَكَذَلِكَ إذَا ذَهَبَ الْعُذْرُ آخِرَ الْوَقْتِ فَظَهَرَتْ الْحَائِضُ حِينَئِذٍ وَجَبَتْ الصَّلَاةُ وَلَا عِبْرَةَ بِوُجُودِ الْعُذْرِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ وَسَطَهُ وَيَسْقُطُ مَا أَوْرَدَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ وَافَقُوهُمْ فِي الشِّقِّ الثَّانِي وَخَالَفُوهُمْ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَقَالُوا إنَّكُمْ مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ أَجْمَعْتُمْ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ فِي الصَّلَاةِ وُجُوبٌ مُوَسَّعٌ مُتَعَلِّقٌ بِمُطْلَقٍ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ وَإِذَا وُجِدَ أَوَّلُ الْوَقْتِ فَقَدْ وُجِدَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي ضِمْنِهِ وَهُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَسَبَبُهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ كَالْحَيْضِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فَإِذَا حَاضَتْ بَعْدَ ذَلِكَ حَاضَتْ بَعْدَ تَرَتُّبِ الْوُجُوبِ عَلَيْهَا فَتُقْضَى بِعُذْرٍ وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَنْتُمْ إذَا قُلْتُمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ شَيْءٌ بَلْ إنَّمَا يُعْتَبَرُ آخِرُ الْوَقْتِ فِي طَرَيَان الْعُذْرِ وَزَوْلِهِ فَهَذَا مِنْ مَالِكٍ ﵀ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِ الْوَقْتِ كَمَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ مَعَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لَا تُسَاعِدُ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ مَذْهَبُ مَالِكٍ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ اعْتِبَارِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ وَعَدَمِ جَرْيِهِ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ مُشْكِلًا جِدًّا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ جِهَةِ اعْتِبَارِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ وَالْجَرْيُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ سَالِمًا عَنْ الْإِشْكَالِ وَبَيَانُ سُقُوطِهِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَعْتَبِرْ السَّبَبَ الْمُوجِبَ السَّالِمَ مِنْ الْمُعَارِضِ وَخَالَفَ أَصْلَهُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ إذْ لَيْسَ كُلُّ سَبَبٍ كَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ بَلْ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ كَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَمَّا حَيْثُ كَانَ مَعَ التَّخْيِيرِ كَمَا هُنَا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ إلَّا إذَا تَعَيَّنَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْ بَيْنِ أَجْزَاءِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا بِفَوَاتِ مَا عَدَاهُ.
فَالْفَرْقُ فِي الشَّرْعِ وَاقِعٌ بَيْنَ وُجُودِ السَّبَبِ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ مَعَ عَدَمِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ أَفْرَادِهِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ لِتَحَقُّقِ شَرْطِ التَّرَتُّبِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّخْيِيرِ كَمَا قُلْنَاهُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ وُجُودِهِ مَعَ التَّخْيِيرِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ التَّرَتُّبِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّخْيِيرِ كَمَا قُلْنَاهُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الشَّرِيعَةِ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ أَحَدُهَا إذَا بَاعَ صَاعًا وَاحِدًا مِنْ صُبْرَةٍ فَتَصَرَّفَ بِمُقْتَضَى التَّخْيِيرِ فِيمَا عَدَا الصَّاعَ الْوَاحِدَ بِبَيْعٍ مِنْ غَيْرِ مُشْتَرِي الصَّاعِ أَوْ نَحْوِهِ وَتَلِفَ الصَّاعُ الْبَاقِي بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ انْفَسَخَ الْعَقْدُ وَلَمْ يُنْقَلْ الصَّاعُ لِلذِّمَّةِ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الصُّبْرَةُ كُلُّهَا بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا تَعَلَّقَ بِمُطْلَقِ صَاعٍ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ صِيعَانِ الصُّبْرَةِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ مُقْتَضَى التَّخْيِيرِ فِيمَا عَدَا الصَّاعَ الْوَاحِدَ كَانَتْ الْآفَةُ فِي الصَّاعِ الْوَاحِدِ حِينَئِذٍ كَالْآفَةِ فِي الْجَمِيعِ إذْ مِنْ حُجَّةِ الْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ إنَّ تَسَلُّطِي بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ صِيعَانِ الصُّبْرَةِ فِي تَوْفِيَتِهِ يَنْفِي عَنِّي الْعُدْوَانَ فِيمَا تَعَدَّيْتُ فِيهِ فَلَا أَضْمَنُ.
وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ هُوَ التَّخْيِيرُ إذْ لَوْلَا التَّخْيِيرُ لَكَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُولَ الْعَقْدُ اقْتَضَى مُطْلَقَ الصَّاعِ وَقَدْ وُجِدَ فِي صَاعٍ مِنْ الصِّيعَانِ الَّتِي تَعَدَّيْتُ عَلَيْهَا أَيُّهَا الْبَائِعُ وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى الْمَبِيعِ ضَمِنَهُ فَيَلْزَمُك أَيُّهَا الْبَائِعُ الضَّمَانُ وَثَانِيهَا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي الْكَفَّارَةِ وَعِنْدَهُ رِقَابٌ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِالْعِتْقِ وَغَيْرِهِ فِيمَا عَدَا الْوَاحِدَ فَإِذَا تَصَرَّفَ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا
стр. 382
مِنْ الْقَاعِدَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْجِهَةُ وَاجِبَةً بِالْإِجْمَاعِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي صُورَةِ وُجُوبِهَا هَلْ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ أَوْ الْمَقَاصِدِ، وَيَكُونُ السَّمْتُ لَيْسَ وَاجِبًا مُطْلَقًا إلَّا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ فَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ هَلْ الْوَاجِبُ الْجِهَةُ أَوْ السَّمْتُ قَوْلَانِ يَصِحُّ فِيهِ قَيْدٌ لَطِيفٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ هَلْ الْوَاجِبُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ السَّمْتُ أَوْ الْجِهَةُ؟ قَوْلَانِ فَبِهَذَا الْقَيْدِ اسْتَقَامَ حِكَايَةُ الْخِلَافِ، وَاتَّضَحَ أَيْضًا بِهِ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ هَلْ تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْجِهَةَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، وَقَدْ حَصَلَ الِاجْتِهَادُ فِيهَا وَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَقَطْ لَا شَيْءَ وَرَاءَهُ أَوْ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ فَتَجِبُ الْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْوَسِيلَةَ إذَا لَمْ تُفْضِ إلَى مَقْصُودِهَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا وَاتَّضَحَ الْخِلَافُ وَالتَّخْرِيجُ، وَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ حِينَئِذٍ بِهَذَا الْقَيْدِ الزَّائِدِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
مِنْ الْقَاعِدَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْجِهَةُ وَاجِبَةً بِالْإِجْمَاعِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي صُورَةِ وُجُوبِهَا هَلْ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ أَوْ الْمَقَاصِدِ، وَيَكُونُ السَّمْتُ لَيْسَ وَاجِبًا مُطْلَقًا إلَّا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، فَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ هَلْ الْوَاجِبُ الْجِهَةُ أَوْ السَّمْتُ؟ قَوْلَانِ يَظْهَرُ فِيهِ قَيْدٌ لَطِيفٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ هَلْ الْوَاجِبُ وُجُوبُ الْمَقَاصِدِ السَّمْتُ أَوْ الْجِهَةُ قَوْلَانِ فَبِهَذَا الْقَيْدِ اسْتَقَامَ حِكَايَةُ الْخِلَافِ، وَاتَّضَحَ أَيْضًا بِهِ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ هَلْ تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْجِهَةَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، وَقَدْ حَصَلَ الِاجْتِهَادُ فِيهَا وَهُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَقَطْ لَا شَيْءٌ وَرَاءَهُ، أَوْ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الْوَسِيلَةَ إذَا لَمْ تُفْضِ إلَى مَقْصُودِهَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا، وَاتَّضَحَ الْخِلَافُ وَالتَّخْرِيجُ وَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ حِينَئِذٍ بِهَذَا الْقَيْدِ الزَّائِدِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ) قُلْت جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ تَحْرِيرُ خِلَافٍ وَلَا كَلَامَ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْجِهَةَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، وَأَنَّ الْإِعَادَةَ لَازِمَةٌ عِنْدَ الْخَطَأِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
رَقَبَةٌ فَمَاتَتْ أَوْ تَعَيَّبَتْ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ بِالْعِتْقِ وَجَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ضَرُورَةَ التَّصَرُّفِ بِالتَّخْيِيرِ مَعَ الْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ فِي الْأَخِيرِ يَقُومُ مَقَامَ حُصُولِ الْآفَةِ فِي جَمِيعِ الرِّقَابِ ابْتِدَاءً فَلِذَا لَمْ نَقُلْ تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ وَثَالِثُهَا إذَا كَانَ لَهُ عِدَّةُ ثِيَابٍ لِلسُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِهِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فِيمَا عَدَا وَاحِدًا مِنْهَا فَإِذَا تَصَرَّفَ وَأَبْقَى وَاحِدًا فَطَرَأَتْ عَلَيْهِ الْآفَةُ الْمَانِعَةُ لَهُ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ صَلَّى عُرْيَانًا غَيْرَ آثِمٍ وَيَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِالْكُلِّيَّةِ ضَرُورَةَ أَنَّ التَّصَرُّفَ بِالتَّخْيِيرِ مَعَ الْعُذْرِ فِي الْأَخِيرِ يَقُومُ مَقَامَ الْعُذْرِ فِي الْجَمِيعِ وَرَابِعُهَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ الْمَاءِ لِطَهَارَتِهِ مِرَارًا فَلَهُ هِبَةُ مَا عَدَا كِفَايَتَهُ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ تِلْكَ الْمَقَادِيرِ فَإِذَا وَهَبَهُ وَأَبْقَى كِفَايَتَهُ مِنْهُ فَتَلِفَ مَا أَبْقَاهُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ بِالْوُضُوءِ بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ إثْمٍ وَقَامَ التَّصَرُّفُ بِالتَّخْيِيرِ مَعَ الْآفَةِ فِي الْأَخِيرِ مَقَامَ حُصُولِ الْعُذْرِ فِي الْجَمِيعِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ وَسُقُوطِ التَّكْلِيفِ وَخَامِسُهَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ صَاعَانِ فَأَكْثَرُ مِنْ الطَّعَامِ لِزَكَاةِ الْفِطْرِ فَلَهُ التَّصَرُّفُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ فِيمَا عَدَا الصَّاعَ الْوَاحِدَ فَإِذَا بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَتَرَكَ صَاعًا وَاحِدًا فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إخْرَاجِهِ حَتَّى تَلِفَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْ قَبْلِهِ سَقَطَ عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ إذَا قُلْنَا إنَّ وُجُوبَهَا مُوَسَّعٌ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ رَمَضَانَ إلَى غُرُوبِهَا مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَاءَ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ طَعَامٌ أَلْبَتَّةَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالتَّصَرُّفُ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ مَعَ الْآفَةِ فِي الْأَخِيرِ كَمَا يَقُومُ مَقَامَ حُصُولِ الْعُذْرِ فِي الْجَمِيعِ فِي هَذِهِ النَّظَائِرِ وَنَحْوِهَا مِنْ الصُّوَرِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي تَجِدُهَا فِي الشَّرِيعَةِ إذَا اسْتَقْرَيْتهَا كَذَلِكَ يَقُومُ تَفْوِيتُ غَيْرِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ أَجْزَاءِ الْقَامَةِ مَثَلًا بِمُقْتَضَى التَّخْيِيرِ مَعَ حُصُولِ الْعُذْرِ كَالْحَيْضِ فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مَقَامَ حُصُولِ الْعُذْرِ فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ إذْ كَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قِيَامِ الْمُعَارِضِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ السَّبَبِ وَبَيْنَ قِيَامِهِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ إذَا كَانَ التَّخْيِيرُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ هَذِهِ النَّظَائِرُ وَنَحْوُهَا مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ كَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَرْقَ فَهُوَ دَقِيقٌ وَهُوَ عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِلْزَامِ إيجَابِ الْمَجْمُوعِ لِوُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِلْزَامِ إيجَابِ الْمَجْمُوعِ لِوُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِي الْقَضَاءِ جُزْءَ الْأَوَّلِ، وَالْجُزْءُ الْآخَرُ خُصُوصُ الْوَقْتِ) قَالَ: الْأَصْلُ أَنَّهُمَا وَإِنْ اشْتَرَكَتَا فِي أَنَّ الْأَمْرَ مُرَكَّبٌ فِيهِمَا بِسَبَبِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ أَمْرٌ بِالْعِبَادَةِ وَبِكَوْنِهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ أَمْرٌ بِمَجْمُوعِ الْفِعْلِ وَتَخْصِيصِهِ بِالزَّمَانِ إلَّا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ تَخْصِيصَ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ بِأَفْعَالٍ مُعَيَّنَةٍ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ لَمَّا كَانَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ بِمَصْلَحَةٍ، وَكَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ مَصْلَحَةِ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ كَانَ لَفْظُ تَخْصِيصِهِ دَالًّا عَلَى عَدَمِ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي غَيْرِهِ فَلَا تُفْعَلُ تِلْكَ الْعِبَادَةُ أَلْبَتَّةَ فَإِنْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ دَلَّ الْأَمْرُ الثَّانِي عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِمَّا يُقَارِبُ الْوَقْتَ الْأَوَّلَ فِي مَصْلَحَةِ الْوُجُوبِ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى مِثْلِ مَصْلَحَتِهِ إذْ لَوْ وَصَلَ إلَيْهَا لَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَحَيْثُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَهُمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا، وَبُنِيَ هَذَا الْفَرْقُ
стр. 383
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الصَّفِّ الطَّوِيلِ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ الِاسْتِقْبَالَ الْعَادِيَّ لَا الْحَقِيقِيَّ، وَالْعَادَةُ أَنَّ الصَّفَّ الطَّوِيلَ إذَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ الْقَصِيرِ الَّذِي يُسْتَقْبَلُ يَكُونُ أَطْوَلَ مِنْهُ، وَيَجِدُ بَعْضُهُمْ نَفْسَهُ خَارِجَةً عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي هُوَ أَقْصَرُ مِنْ الصَّفِّ الطَّوِيلِ، وَإِذَا بَعُدَ ذَلِكَ الصَّفُّ الطَّوِيلُ بُعْدًا كَثِيرًا عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْقَصِيرِ يَجِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ فِي ذَلِكَ الصَّفِّ الطَّوِيلِ نَفْسَهُ مُسْتَقْبِلًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْقَصِيرِ فِي نَظَرِ الْعَيْنِ بِسَبَبِ الْبُعْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّخْلَةَ الْبَعِيدَةَ أَوْ الشَّجَرَةَ إذَا اسْتَقْبَلَهَا الرَّكْبُ الْعَظِيمُ الْكَثِيرُ الْعَدَدِ مِنْ الْبُعْدِ يَجِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّكْبِ أَوْ الْقَافِلَةِ نَفْسَهُ قُبَالَةَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وَيَقُولُ الرَّكْبُ بِجُمْلَتِهِ نَحْنُ قُبَالَةَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وَنَحْنُ سَائِرُونَ إلَيْهَا وَإِذَا قَرُبُوا مِنْ الشَّجَرَةِ جِدًّا لَمْ يَبْقَ قُبَالَتَهَا إلَّا النَّفَرُ الْيَسِيرُ مِنْ ذَلِكَ الرَّكْبِ فَكَذَلِكَ الصَّفُّ الطَّوِيلُ بِمِصْرَ أَوْ بِخُرَاسَانَ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمَةِ بِحَيْثُ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُبْصِرُ الْكَعْبَةَ لَرَأَى نَفْسَهُ قُبَالَةَ الْكَعْبَةِ بِسَبَبِ الْبُعْدِ كَمَا قُلْنَا فِي الرَّكْبِ مَعَ الشَّجَرَةِ فَقَدْ حَصَلَ فِي حَقِّهِمْ الِاسْتِقْبَالُ الْعَادِيُّ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ الشَّرْعِيُّ وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْبَلَدَيْنِ الْمُتَقَارِبَيْنِ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ لَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَفْسَهُ قُبَالَةَ الْكَعْبَةِ، فَهُمَا كَالصَّفِّ الطَّوِيلِ سَوَاءٌ وَالْجَمِيعُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ أَنَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الصَّفِّ الطَّوِيلِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ) .
قُلْت: هَذَا الْجَوَابُ إنَّمَا هُوَ جَوَابُ الْقَائِلِينَ بِالسَّمْتِ دَفْعًا لِاسْتِدْلَالِ الْقَائِلِينَ بِالْجِهَةِ عَلَيْهِمْ بِالصَّفِّ الطَّوِيلِ، وَلِلْقَائِلَيْنِ بِالْجِهَةِ أَنْ يَقُولُوا سَلَّمْنَا صِحَّةَ هَذَا الْجَوَابِ؛ لِأَنَّهُ مُحَصِّلٌ لِمَقْصُودِنَا مِنْ الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ وَغَيْرُ مُحَصِّلٍ لِمَقْصُودِكُمْ مِنْ الْقَوْلِ بِالسَّمْتِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ الْعَيْنُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْمُعَايَنَةِ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ مَعَ الْبُعْدِ وَمَآلِ قَوْلِكُمْ بِالسَّمْتِ الْعَادِيِّ غَيْرِ الْحَقِيقِيِّ إلَى قَوْلِنَا بِالْجِهَةِ، فَعَلَى التَّحْقِيقِ ذَلِكَ الْجَوَابُ لَيْسَ بِجَوَابٍ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى أَمْرَيْنِ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَاعِدَةِ اسْتِلْزَامِ إيجَابِ الْمَجْمُوعِ لِوُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ هُوَ أَنَّ إيجَابَ الْمَجْمُوعِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ كُلِّ جُزْءٍ مُطْلَقًا كَانَ مَجْمُوعًا مَعَ غَيْرِهِ أَمْ غَيْرَ مَجْمُوعٍ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ أَمْرًا بِالْعِبَادَةِ وَبِكَوْنِهَا فِي وَقْتٍ، وَذَهَبَ الْجُزْءُ الثَّانِي وَهُوَ تَخْصِيصُهُ بِعَيْنِ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَبْقَى الْفِعْلُ وَاجِبًا.
الْأَمْرُ الثَّانِي اطِّرَادُ قَاعِدَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ لِوُجُوبِ رِعَايَتِهَا عَقْلًا فِي كُلِّ فِعْلٍ وَلَوْ تَعَبُّدِيًّا، وَمَعْنَى كَوْنِهِ تَعَبُّدِيًّا أَنَّ فِيهِ مَعْنًى لَمْ نَعْلَمْهُ لَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنًى.
وَقَالَ وَقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ بَلْ الْقَضَاءُ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ الْمُلَاحِظِينَ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ قَوْلُ مَنْ لَاحَظَ التَّسْوِيَةَ وَالْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ، هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِهِ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَفِي كَلَامِهِ هَذَا فِي هَذَا الْفَرْقِ ضُرُوبٌ مِنْ الْفَسَادِ لَا يَفُوهُ بِمِثْلِهَا مُحَصِّلٌ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْقَاعِدَةِ الْأُولَى أَنَّ إيجَابَ الْمَجْمُوعِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ كُلِّ جُزْءٍ مُطْلَقًا، بَلْ إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهَا أَنَّ إيجَابَ الْمَجْمُوعِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ مَجْمُوعًا مَعَ غَيْرِهِ مِنْهَا.
الضَّرْبُ الثَّانِي أَنَّ الْفِعْلَ الْمُعَيَّنَ زَمَانُهُ لَا يَصِحُّ انْفِكَاكُهُ عَنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَمَتَى قُدِّرَ انْفِكَاكُهُ عَنْهُ فَلَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الزَّمَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفِعْلِ الْمُوقَعِ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا فُعِلَتْ رَكْعَةٌ مُفْرَدَةٌ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَثَلًا لَا تَكُونُ جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا تَكُونُ جُزْءًا مِنْهَا إذَا فُعِلَتْ مَعَ أُخْرَى بِشَرْطِ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ نِيَّةٍ وَغَيْرِهَا.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اطِّرَادُ قَاعِدَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ بِمَعْنَى الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ رِعَايَتَهَا بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ مُجَوِّزَاتِ الْعَقْلِ لَا مِنْ مُوجِبَاتِهِ، وَالدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ الْقَطْعِيَّةُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى رِعَايَةِ مَصَالِحِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَدُلَّ عَلَى رِعَايَتِهَا فِي جَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ إذْ لَا نَعْلَمُ قَاطِعًا فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَتْ رِعَايَةُ الشَّارِعِ الْمَصَالِحَ بِحُكْمٍ مِنْهُ شَرْعِيٍّ فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْقَطْعِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَيَجُوزُ عَقْلًا شَرْعُ أَمْرٍ مَا لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ فِيهِ إلَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّوَابِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ قَاعِدَةُ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ مُطَّرِدَةً إلَّا إذَا أُرِيدَ بِالْمَصَالِحِ الْمَنَافِعُ عَلَى الْإِطْلَاقِ دُنْيَوِيَّةً أَوْ أُخْرَوِيَّةً فَافْهَمْ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْفَرْقِ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّارِعِ بَعْضَ الْأَوْقَاتِ بِأَفْعَالٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ بِمَصْلَحَةٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُودِهَا فِي غَيْرِهِ يَدُلُّ لَفْظُ تَخْصِيصِ ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى عَدَمِ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي غَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ فَإِنْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ دَلَّ الْأَمْرُ الثَّانِي إلَخْ لَيْسَ بِصَحِيحَيْنِ إلَّا عَلَى تَسْلِيمِ دَعْوَى عُمُومِ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِقَاطِعٍ.
الضَّرْبُ الْخَامِسُ أَنَّ مَنْ قَالَ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لَمْ يُلَاحِظْ ذَلِكَ الْفَرْقَ بَلْ لَاحَظَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُؤَقَّتَ لَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ فَلَا بُدَّ فِي شَرْعِ الْقَضَاءِ مِنْ أَمْرٍ جَدِيدٍ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ الْقَضَاءُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَا يَقُولُ إنَّهُ مِنْ مُقْتَضَاهُ لَفْظًا بَلْ يَقُولُ إنَّهُ مِنْ مُقْتَضَاهُ قِيَاسًا عَلَى الْحُقُوقِ الْمُتَرَتِّبَةِ فِي الذِّمَمِ اهـ. كَلَامُ ابْنِ الشَّاطِّ وَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَعَ شَرْحِ الْمَحَلِّيِّ مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مُؤَقَّتٍ يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ لَهُ إذَا لَمْ
стр. 384
اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِالِاسْتِقْبَالِ الْعَادِيِّ دُونَ الْحَقِيقِيِّ مَعَ الْبُعْدِ وَمَعَ الْقُرْبِ الْوَاجِبُ الِاسْتِقْبَالُ الْحَقِيقِيُّ.
حَتَّى إنَّهُ إذَا صُفَّ صَفٌّ مَعَ حَائِطِ الْكَعْبَةِ فَصَادَفَ أَحَدُهُمْ نِصْفَهُ قُبَالَةَ الْكَعْبَةِ وَنِصْفَهُ خَارِجًا عَنْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَسْتَقْبِلَ بِجُمْلَتِهِ الْكَعْبَةَ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ اسْتَدَارَ، وَكَذَلِكَ الصَّفُّ الطَّوِيلُ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ يُصَلُّونَ دَائِرَةً أَوْ قَوْسًا إنْ قَصُرُوا عَنْ الدَّائِرَةِ وَفِي الْبُعْدِ يُصَلُّونَ خَطًّا مُسْتَقِيمًا بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْرِيرِ، وَأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا خَطًّا مَعَ الْبُعْدِ يَكُونُونَ مُسْتَقْبِلِينَ عَادَةً بِخِلَافِهِمْ مَعَ الْقُرْبِ فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ السَّمْتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ الْجِهَةِ.
وَصَحَّ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَانْدَفَعَتْ الْإِشْكَالَاتُ الَّتِي عَلَيْهَا وَهُوَ مِنْ الْمَوَاطِنِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْفُقَهَاءُ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا حَرَّرَهُ هَذَا التَّحْرِيرَ إلَّا الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ وَقَدَّسَ رُوحَهُ فَلَقَدْ كَانَ شَدِيدَ التَّحْرِيرِ لِمَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فِي الشَّرِيعَةِ مَعْقُولِهَا وَمَنْقُولِهَا، وَكَانَ يُفْتَحُ عَلَيْهِ بِأَشْيَاءَ لَا تُوجَدُ لِغَيْرِهِ ﵀ رَحْمَةً وَاسِعَةً.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُهُ فِي الْوِلَايَاتِ وَالْمَنَاصِبِ وَالِاسْتِحْقَاقَات الشَّرْعِيَّةِ)
اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، فَيُقَدَّمُ فِي وِلَايَةِ الْحُرُوبِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَكَائِدِ الْحُرُوبِ وَسِيَاسَةِ الْجُيُوشِ وَالصَّوْلَةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَالْهَيْبَةِ عَلَيْهِمْ، وَيُقَدَّمُ فِي الْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَشَدُّ تَفَطُّنًا لِحِجَاجِ الْخُصُومِ وَخُدَعِهِمْ، وَهُوَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بَلْ تَسْلِيمٌ لِقَوْلِ الْمُخَالِفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُهُ فِي الْوِلَايَاتِ وَالْمَنَاصِبِ وَالِاسْتِحْقَاقَات الشَّرْعِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يُفْعَلْ فِي وَقْتِهِ لِإِشْعَارِ الْأَمْرِ بِطَلَبِ اسْتِدْرَاكِهِ أَيْ الْفِعْلِ إنْ لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْفِعْلُ أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ خَارِجِهِ.
وَقَالَ الْأَكْثَرُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ كَالْأَمْرِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «إذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ غَفَلَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» ، وَالْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ لَا مُطْلَقًا اهـ.
وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّا إذَا تَعَقَّلْنَا صَوْمًا مَخْصُوصًا وَقُلْنَا: صُمْ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَقَدْ تَعَقَّلْنَا أَمْرَيْنِ وَتَلَفَّظْنَا بِلَفْظَيْنِ، وَأَمَّا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ أَوْ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَصْدُقَانِ عَلَيْهِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا مِثْلِ صَوْمِ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ جَعَلَ الْقَضَاءَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ شَيْئَانِ فَإِنْ انْتَفَى أَحَدُهُمَا بَقِيَ الْآخَرُ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى الثَّانِي جَعَلَ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوُجُودِ إلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ فَإِذَا انْتَفَى سَقَطَ الْمَأْمُورُ بِهِ ثُمَّ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْقَيْدَ بِحَسَبِ الْوُجُودِ شَيْئَانِ أَوْ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمَعْنَيَانِ نَاظِرِينَ إلَى اخْتِلَافٍ فِي أَصْلٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ تَرَكُّبَ الْمَاهِيَّةِ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَتَمَايُزَهُمَا هَلْ هُوَ بِحَسَبِ الْخَارِجِ أَوْ مُجَرَّدِ الْعَقْلِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ كَانَ الْمُطْلَقُ وَالْقَيْدُ شَيْئَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، وَهُوَ الْحَقُّ كَانَا بِحَسَبِ الْوُجُودِ شَيْئًا وَاحِدًا كَذَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ، وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمَحَلِّيُّ بِقَوْلِهِ وَالْقَصْدُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ إلَخْ مِنْ رَدِّ قَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْفِعْلُ أَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّ الْكَوْنَ فِي الْوَقْتِ بِهِ كَمَالُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ بَقَاءَ الْوُجُوبِ مَعَ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَبْقَى إذَا انْفَرَدَ بِهِ الطَّلَبُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَطْلُوبُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَقَدْ انْتَفَى بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ أَفَادَهُ الشِّرْبِينِيُّ قَالَ الْعَطَّارُ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَحَلِّيُّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ قَصْدًا بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ وَالتَّتِمَّةِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الدَّالَّيْنِ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَلَا يُقَالُ إنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ اهـ.
قُلْت وَمِنْهُ يُعْلَمُ أُمُورٌ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بِمَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ جَمِيعَ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ ضُرُوبِ الْفَسَادِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى مِنْ اسْتِلْزَامِ الْمَجْمُوعِ لِوُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مَبْنِيَّةٌ كَقَوْلِ الرَّازِيّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ بِأَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ يُوجِبُ الْقَضَاءَ عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْقَيْدَ بِحَسَبِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ شَيْئَانِ مُتَمَايَزَانِ تَمَايُزَ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ بِحَسَبِ الْخَارِجِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَالْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْقَيْدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْمَعْنَيَانِ، وَيَتَمَيَّزَانِ فِيهِ تَمَيُّزَ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ بِهِ وَيَكُونُ سِرُّ هَذَا الْفَرْقِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ.
الْأَمْرُ الثَّانِي انْدِفَاعُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ عَنْ كَلَامِ الْأَصْلِ إذْ لَا يَتَّجِهُ عَدَمُ صِحَّةِ قَاعِدَةِ أَنَّ إيجَابَ الْمَجْمُوعِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ كُلِّ جُزْءٍ مُطْلَقًا إلَّا إذَا قُلْنَا بِبِنَائِهَا عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْقَيْدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، أَمَّا إذَا بَنَيْنَاهَا عَلَى أَنَّهُمَا شَيْئَانِ فَلَا يَتَّجِهُ ذَلِكَ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ انْدِفَاعُ الضَّرْبِ الثَّانِي أَيْضًا حَيْثُ بُنِينَا عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْقَيْدَ شَيْئَانِ لَا شَيْءٌ وَاحِدٌ إذْ لَا يَتِمُّ قِيَاسُ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى كَوْنِهَا مُفْرَدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَثَلًا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ هِيَ نَفْسُ الصُّبْحِ إلَّا إذَا بُنِيَتْ تِلْكَ الْقَاعِدَةُ عَلَى أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فَافْهَمْ. الْأَمْرُ الرَّابِعُ انْدِفَاعُ
стр. 385
مَعْنَى قَوْلِهِ «﵇ أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ» أَيْ هُوَ أَشَدُّ تَفَطُّنًا لِحِجَاجِ الْخُصُومِ وَخُدَعِ الْمُتَحَاكِمِينَ.
وَبِهِ يَظْهَرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ «﵇ أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» وَإِذَا كَانَ مُعَاذٌ عُرِفَ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ كَانَ أَقْضَى النَّاسِ غَيْرَ أَنَّ الْقَضَاءَ لَمَّا كَانَ يَرْجِعُ إلَى مَعْرِفَةِ الْحِجَاجِ وَالتَّفَطُّنِ لَهَا كَانَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى مَعْرِفَةِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ شَدِيدَ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.
وَهُوَ يُخْدَعُ بِأَيْسَرِ الشُّبُهَاتِ فَالْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ هَذَا التَّفَطُّنِ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ» الْحَدِيثَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ تَبَعُ الْحِجَاجِ وَأَحْوَالِهَا فَمَنْ كَانَ لَهَا أَشَدَّ تَفَطُّنًا كَانَ أَقَضَى مِنْ غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ فِي الْقَضَاءِ وَيُقَدَّمُ فِي أَمَانَةِ الْيَتِيمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِتَنْمِيَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَتَقْدِيرِ أَمْوَالِ النَّفَقَاتِ وَأَحْوَالِ الْكَوَافِلِ وَالْمُنَاظَرَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ عَنْ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ، وَيُقَدَّمُ فِي جِبَايَةِ الصَّدَقَاتِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَقَادِيرِ النُّصُبِ وَأَحْكَامِ الزَّكَاةِ مِنْ الْخُلْطَةِ وَغَيْرِهَا.
وَيُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِأَحْكَامِهَا وَعَوَارِضِ سَهْوِهَا وَاسْتِخْلَافِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَوَارِضِهَا وَمَصَالِحِهَا حَتَّى يَكُونُ الْمُقَدَّمُ فِي بَابٍ رُبَّمَا أُخِّرَ فِي بَابٍ آخَرَ كَالنِّسَاءِ مُقَدَّمَاتٍ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ عَلَى الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُنَّ أَصْبَرُ عَلَى أَخْلَاقِ الصِّبْيَانِ وَأَشَدُّ شَفَقَةً وَرَأْفَةً وَأَقَلُّ أَنَفَةً عَنْ قَاذُورَاتِ الْأَطْفَالِ، وَالرِّجَالُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَقُدِّمْنَ لِذَلِكَ وَأُخِّرَ الرِّجَالُ عَنْهُنَّ وَأَخِّرْنَ فِي الْإِمَامَةِ وَالْحُرُوبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَنَاصِبِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِ تِلْكَ الْوِلَايَاتِ مِنْهُنَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
لِأَنَّ الرِّجَالَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِ تِلْكَ الْوِلَايَاتِ مِنْهُنَّ) قُلْت: إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالْأَهْلِيَّةِ لِذَلِكَ وَبِمَنْ هُوَ دُونَهُ مَنْ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِالْأَهْلِيَّةِ لِذَلِكَ فَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْمُتَّصِفِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِمَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا مَنْ هُوَ أَتَمُّ قِيَامًا مَعَ أَنَّ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الضَّرْبِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ إذْ لَا يَتَوَجَّهَانِ إلَّا إذَا أُرِيدَ مَصْلَحَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ غَيْرُ الْكَوْنِ فِي الْوَقْتِ أَمَّا إذَا أُرِيدَ مَصْلَحَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ هِيَ الْكَوْنُ فِي الْوَقْتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِلْكَوْنِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَمْ لَا فَلَا يَتَوَجَّهَانِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى اطِّرَادِ قَاعِدَةِ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ بِمَعْنَى الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ خَاصَّةً حِينَئِذٍ هُوَ أَنَّا نَعْتَبِرُ أَنَّ تَخْصِيصَ جَمِيعِ الْأُمُورِ التَّعَبُّدِيَّةِ بِوَقْتٍ وَنَحْوِهِ هُوَ مَصْلَحَتُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ لَا أَنَّ لِهَذَا التَّخْصِيصِ مَصْلَحَةً لَمْ نَعْلَمْهَا حَتَّى يُقَالَ لَمْ يَرِدْ بِعُمُومِ رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ قَاطِعٌ نَعَمْ لَا يُسَاعِدُ هَذَا الدَّفْعَ كَلَامُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ مَصْلَحَةٌ لَمْ نَعْلَمْهَا فَافْهَمْ.
الْأَمْرُ الْخَامِسُ انْدِفَاعُ الضَّرْبِ الْخَامِسِ بِمَنْعِ كَوْنِ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ أَوْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ بِأَنْصَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ الصَّلَوَاتِ وَشُرُوطِهَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهَا وَتَفَقُّدُهَا]
. الْفَرْقُ التِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ الصَّلَوَاتِ وَشُرُوطِهَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهَا وَتَفَقُّدُهَا وَقَاعِدَةِ أَسْبَابِ الزَّكَاةِ لَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهَا)
فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُوبُ جَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ مِنْ أَسْبَابِ التَّكْلِيفِ بِهَا وَشُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُحَصِّلَ نِصَابًا حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِهَا، وَلَا أَنْ يُوفِيَ الدَّيْنَ لِغَرَضِ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ مُنِعَ مِنْهَا، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقَامَةُ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ تَحْصِيلِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إيقَاعُ الْوَاجِبِ بَعْدَ وُجُوبِهِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ.
ثَالِثُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسْبَابِ فَتَجِبُ دُونَ غَيْرِهَا فَلَا تَجِبُ إلَّا أَنَّ الْوَاجِبَاتِ بِاعْتِبَارِ تَعْيِينِ وُقُوعِ أَسْبَابِهَا أَوْ شُرُوطِهَا وَعَدَمِ تَعْيِينِ وُقُوعِهَا عَلَى قِسْمَيْنِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْوُجُودِ طَرَيَان مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِهَا جَزْمًا لَا مَحِيدَ عَنْهُ كَالزَّوَالِ لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِرَمَضَانَ لِوُجُوبِ صَوْمِهِ وَلِشَوَّالٍ لِوُجُوبِ فِطْرِهِ وَإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ وَلِذِي الْحِجَّةِ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَكَأَيَّامِ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ لِوُجُوبِ أَدَائِهِمَا فَهَذَا الْقِسْمُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ تَحْصِيلُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِهِ لَكِنَّهُ يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ كَانَ شَرْطًا أَوْ سَبَبًا بِسَبَبِ أَنَّهُ لَوْ أُهْمِلَ لَوَقَعَ التَّكْلِيفُ، وَالْمُكَلَّفُ غَافِلٌ عَنْهُ فَيَعْصِي بِتَرْكِ الْوَاجِبِ بِسَبَبِ إهْمَالِهِ، وَهُوَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَلَا عُذْرَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ ذَلِكَ قَضَاءُ رَمَضَانَ يَسُدُّ فِي بَقِيَّةِ الْعَامِ إلَى شَعْبَانَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أَخَّرَ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْأَهِلَّةَ لِئَلَّا يَدْخُلَ شَعْبَانُ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى ضَيَاعِ الْقَضَاءِ عَنْ وَقْتِهِ كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ نَذَرَ يَوْمًا مُعَيَّنًا أَوْ شَهْرًا مُعَيَّنًا أَنْ يَفْحَصَ عَنْ هِلَالِ ذَلِكَ الشَّهْرِ وَيَتَحَرَّى ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يُوقِعَ ذَلِكَ الْوَاجِبَ وَلَا يَتَعَدَّاهُ فَيَعْصِي بِالْإِهْمَالِ مَعَ إمْكَانِ الضَّبْطِ لَهُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مَا لَا يَتَعَيَّنُ وُقُوعُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِهَا مِنْ أَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا فَقَدْ يَقَعُ وَقَدْ لَا يَقَعُ بَلْ الْأَصْلُ عَدَمُ وُقُوعِهِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا إذَا كَانَ الْمُكَلَّفُ فَقِيرًا، وَلَهُ أَقَارِبُ أَغْنِيَاءُ فِي بِلَادٍ بَعِيدَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَجُوزُ أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمْ فَيَرِثَهُ فَيَنْتَقِلَ الْمَالُ إلَيْهِ فَيَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَهَذَا الْقِسْمُ كَمَا لَا يَجِبُ تَحْصِيلُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِهِ كَذَلِكَ لَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ إغْفَالُ ذَلِكَ وَتَرْكُ السُّؤَالِ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ فَحَصَ لَحَازَ الْمَالَ وَوَجَبَتْ
стр. 386
وَيَظْهَرُ لَك بِاعْتِبَارِ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَقْدِيمٌ فِي الصَّلَاةِ التَّقْدِيمُ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى مُشْتَمِلَةٌ عَلَى سِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَمَعْرِفَةِ مُعَاقَدِ الشَّرِيعَةِ وَضَبْطِ الْجُيُوشِ وَوِلَايَةِ الْأَكْفَاءِ وَعَزْلِ الضُّعَفَاءِ وَمُكَافَحَةِ الْأَضْدَادِ وَالْأَعْدَاءِ وَتَصْرِيفِ الْأَمْوَالِ وَأَخْذِهَا مِنْ مَظَانِّهَا وَصَرْفِهَا فِي مُسْتَحَقَّاتِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى.
وَعَلَى هَذَا وَرَدَ سُؤَالٌ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي أَمْرِ الْإِمَامَةِ رَضِيَك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا إشَارَةٌ لِتَقْدِيمِهِ فِي الصَّلَاةِ فَجَعَلَ عُمَرُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بِهَا فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وُجُوبَ حَتْمٍ تَقْدِيمُ الْأَقْوَمِ بِتِلْكَ الْمَصَالِحِ، بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَيْرِ الْأَقْوَمِ بِهَا وَتَقْدِيمُ الْأَقْوَمِ أَوْلَى، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تِلْكَ الْمَصَالِحِ حَاصِلٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالْأَهْلِيَّةِ لِذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِتَعَيُّنِ الْأَقْوَمِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْأَوْلَوِيَّةِ خَاصَّةً، وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا بِتَعْيِينِ تَقْدِيمِ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ فَإِنَّ الرِّجَالَ لَيْسُوا كَالنِّسَاءِ فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ أُمُورِ الْحَضَانَةِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُهُنَّ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيمَا هَذَا سَبِيلُهُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي مِثْلِ رَجُلَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَهْلِيَّةُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَصْلَحُ لَهَا مَعَ أَنَّ الْأَدْنَى صَالِحٌ لَهَا أَيْضًا.
قَالَ: (وَيَظْهَرُ لَك بِاعْتِبَارِ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَقْدِيمٌ فِي الصَّلَاةِ التَّقْدِيمُ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى إلَى قَوْلِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى) . قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْقِيَامِ بِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِإِمَامَةِ الْخِلَافَةِ صَحِيحٌ.
قَالَ: (وَعَلَى هَذَا وَرَدَ سُؤَالٌ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي أَمْرِ الْإِمَامَةِ رَضِيَك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا إشَارَةً لِتَقْدِيمِهِ ﵁ فِي الصَّلَاةِ فَجَعَلَ عُمَرُ ﵁
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِيهِ الزَّكَاةُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ وَكَوْنَ الْأَصْلِ عَدَمُ وُقُوعِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِلْمُكَلَّفِ وَعُذْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا هُوَ ضَابِطُ مَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ، وَضَابِطُ مَا لَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَاعْلَمْهُ وَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَزِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ]
الْفَرْقُ الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَبَيْن قَاعِدَةِ الْمَزِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ)
وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمَفْضُولَ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِخَصْلَةٍ لَيْسَتْ فِي الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ لِلْفَاضِلِ مِنْ الْفَضَائِلِ، وَحِينَئِذٍ فَقَاعِدَةُ الْأَفْضَلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ الْحَاصِلُ لِلْفَاضِلِ مِنْ الْفَضَائِلِ دُونَ الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ لِلْمَفْضُولِ، وَقَاعِدَةُ الْمَزِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَفْضُولُ بِخَصْلَةٍ لَمْ تَحْصُلْ فِي مَجْمُوعِ الْفَاضِلِ، وَمَنْ اسْتَقْرَى ذَلِكَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَجَدَ لَهُ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً مِنْهَا مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَلَّى الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْأَذَانِ أَقْبَلَ فَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ فَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِالصَّلَاةِ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ لَهُ اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَنْفِرُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَا يَهَابُهَا وَيَهَابُهُمَا مَعَ أَنَّهُمَا وَسِيلَتَانِ إلَيْهَا، وَالْوَسَائِلُ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ، وَأَيْضًا أَيْنَ هِيَ مِنْهُمَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» وَكَتَبَ عُمَرُ ﵁ إلَى عُمَّالِهِ أَنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ
وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَفْضَلُ مِنْ الْجَمِيعِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَفْضَلُ مِنْ أُبَيٍّ وَزَيْدٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ فَضَلَاهُ فِي الْفَرَائِضِ وَالْقِرَاءَةِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْمَفْضُولِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْفَاضِلِ
وَمِنْهَا «قَوْلُهُ ﵇ لِعُمَرَ مَا سَلَكَ عُمَرُ وَادِيًا وَلَا فَجًّا إلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَهُ» فَأَخْبَرَهُ ﵇ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ عُمَرَ وَلَا يُلَابِسُهُ، وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ «﵇ أَنَّهُ قَدْ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الشَّيْطَانُ الْبَارِحَةَ لِيُفْسِدَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَلَوْلَا أَنِّي تَذَكَّرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ لَرَبَطْته بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَلْعَبَ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ» ، وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «أَنَّ شَيْطَانًا قَصَدَهُ ﵇ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِالتَّعَوُّذِ مِنْهُ فَلَمْ يَنْفِرْ الشَّيْطَانُ مِنْهُ ﵇ كَمَا نَفَرَ مِنْ عُمَرَ وَأَيْنَ عُمَرُ مِنْهُ ﵇» غَيْرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْمَفْضُولِ مَا لَا يَحْصُلُ لِلْفَاضِلِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ حَصَلَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ مَعَ جَمِيعِ الْأَنْفَاسِ يُلْهَمُ أَحَدُهُمْ التَّسْبِيحَ كَمَا يُلْهَمُ أَحَدُنَا النَّفَسَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْمَزَايَا الَّتِي لَمْ تَحْصُلْ لِلْبَشَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ الْحَاصِلَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْمَزَايَا وَالْمَحَاسِنِ أَعْظَمُ مِنْ الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ لِلْمَلَائِكَةِ وَمِنْهَا مَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ فِي مَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ الْعَمَلِ فِيهَا؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ لَا تَنْحَصِرُ فِي مَزِيدِ الْمُضَاعَفَةِ
стр. 387
ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَقْدِيمِهِ ﵁ لِلْإِمَامَةِ وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَاةِ التَّقْدِيمُ فِي الْخِلَافَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِلْخِلَافَةِ، وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ يَتَّبِعُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ، وُكِّلَ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى الِاجْتِهَادِ فَكَانَ ﵇ يُشِيرُ إلَى خِلَافَتِهِ بِالْإِيمَاءِ وَأَنْوَاعِ التَّكْرِيمِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَحَاسِنِهِ الَّتِي تُوجِبُ تَقْدِيمَهُ فَمِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُهُ ﵇ فِي الصَّلَاةِ «وَقَوْلُهُ ﵇ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ» مُشِيرًا بِذَلِكَ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْخِلَافَةِ كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِلصَّلَاةِ فَمُرَادُ عُمَرَ ﵁ أَنَّك رَضِيَك النَّبِيُّ ﵇ لِدِينِنَا الرِّضَا الْخَاصَّ الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا أَنْ نَرْضَاك لِلْخِلَافَةِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الرِّضَا بِحَيْثُ يَقْتَصِرُ عَلَى أَهْلِيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً الثَّانِي أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَصَدَ بِذَلِكَ تَسْكِينَ الثَّائِرَةِ وَالْفِتْنَةِ وَرَدْعَ الْأَهْوَاءِ بِذِكْرِ حُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ لِيَسْكُنَ لَهَا أَكْثَرُ النَّاسِ فَيَنْدَفِعَ الْفَسَادُ.
وَثَالِثُهَا أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَك النَّبِيُّ ﵇ لِدِينِنَا عَلَى ظَاهِرِهِ وَتُجْعَلَ الْإِضَافَةُ عَلَى بَابِهَا مُوجِبَةً لِلْعُمُومِ كَمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ هُوَ اللُّغَةُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ فَجَعَلُوهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ لُغَةً، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَكَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي جَمِيعِ مَاءِ الْبَحْرِ وَمَيْتَتِهِ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ فَفَهِمَ عُمَرُ مِنْ إشَارَتِهِ ﵇ أَنَّ الصِّدِّيقَ مَرْضِيٌّ لِجَمِيعِ حُرُمَاتِ الدِّينِ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَحْوَالُ الْأُمَّةِ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْمِلَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعَمِّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَقْدِيمِهِ لِلْإِمَامَةِ، وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَاةِ التَّقْدِيمُ فِي الْخِلَافَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وُجُوهٍ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِمِنًى عِنْدَ التَّوَجُّهِ لِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَإِنْ انْتَفَتْ عَنْهَا الْمُضَاعَفَةُ، وَمِنْهَا أَنَّ فِي الشَّعِيرِ مِنْ الْخَوَاصِّ الطَّيِّبَةِ مَا لَيْسَ فِي الْبُرِّ وَفِي الْخَوَاصِّ النَّافِعَةِ بِالْحَالِ وَغَيْرِهَا مَا لَيْسَ فِي الذَّهَبِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ فَقِيرٌ عِنْدَهُ ابْنَةٌ حَسْنَاءُ أَوْ تُحْفَةٌ غَرِيبَةٌ لَيْسَتْ عِنْدَ مَلِكِهَا، وَمَجْمُوعُ مَا حَصَلَ لِلْمَلِكِ قَدْرُ مَا حَصَلَ لِذَلِكَ الْفَقِيرِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَبِالْجُمْلَةِ فَبِسَبَبِ قَاعِدَةِ أَنَّ الْمَفْضُولَ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا لَيْسَ لِلْفَاضِلِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَانْدَفَعَ التَّنَاقُصُ فِي مِثْلِ كَوْنِ الصَّلَاةِ أَفْضَلَ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْهُمَا دُونَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بَابَا التنبكتي فِي نَيْلِ الِابْتِهَاجِ آخِرَ تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَبْدُوسِيِّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّصَّاعِ أَنَّ صَاحِبَ التَّرْجَمَةِ كَانَ يَقُولُ فِي مَجْلِسِهِ بِجَامِعِ الْقَصْرِ مِنْ تُونُسَ مِمَّا جُرِّبَ لِتَسْهِيلِ الرِّزْقِ وَالْأَمَانِ وَالتَّحَصُّنِ مِنْ آفَاتِ الزَّمَانِ أَنْ تَكْتُبَ فِي وَرَقَةٍ، وَيُجْعَلَ عَلَى الرَّأْسِ مَنَاقِبَ السَّادَاتِ الْكِرَامِ مِنْ الصَّحَابَةِ جَمَعَهُمْ مِنْ كُتُبٍ عَدِيدَةٍ أَثْنَى عَلَيْهِمْ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ قَالَ الرَّصَّاعُ: وَقَدْ قَيَّدْتهَا قَدِيمًا وَوَجَدْت لَهَا بَرَكَاتٍ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ.
قَالَ ﵁ وَهِيَ قَالَ ﷺ «مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَدْ أَوْضَحَ السَّبِيلَ وَمَنْ أَحَبَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَدْ اسْتَضَاءَ بِنُورِ اللَّهِ وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى أَلَا وَإِنَّ أَرْأَفَ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ وَإِنَّ أَقْوَاهُمْ صَلَابَةً فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَإِنَّ أَشَدَّهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَإِنَّ أَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ أَحْبَابِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَدُورُ مَعَ الْحَقِّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ تَاجِرُ اللَّهِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ أَمِينُ اللَّهِ وَمَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى زُهْدِ عِيسَى فَلْيَنْظُرْ إلَى زُهْدِ أَبِي ذَرٍّ وَإِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى لِرِضَا سَلْمَانَ وَيَسْخَطُ لِسُخْطِ سَلْمَانَ وَإِنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتَاقُ إلَى سَلْمَانَ أَشَدَّ مِنْ اشْتِيَاقِ سَلْمَانَ إلَى الْجَنَّةِ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ حَلِيمٌ وَحَلِيمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مِنْ أَصْفِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَإِنَّ أَقْرَأَ أُمَّتِي أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَحَمْزَةُ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ. وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفُ اللَّهِ وَسَيْفُ رَسُولِهِ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ فِي الْجَنَّةِ يَطِيرُ بِهِمَا فِيهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا وَالْعَبَّاسُ عَمِّي وَصِنْوُ أَبِي وَرَضِيت لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةٍ أَوْ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ وَلِكُلِّ نَبِيٍّ خَادِمٌ وَخَادِمِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَلِكُلِّ نَبِيٍّ خَلِيلٌ وَخَلِيلِي سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ فَارِسٌ وَفَارِسُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ بِلَالٌ وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا أَبُو الدَّحْدَاحِ وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ تُصَافِحُهُ الْمَلَائِكَةُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يَرِدُ حَوْضِي صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ الصِّدِّيقِينَ
стр. 388
فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ فَهُوَ مِنْ الدِّينِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا أَيْ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يَتَنَازَعُونَ يَعْنِي الْأَنْصَارَ فِي أُمُورِ رِئَاسَةٍ وَعُلُوٍّ وَحُصُولِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ قِبَلِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ لَا دِينِيٌّ فَيَكُونُ حَسِيسًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الدِّينِ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ وَالْمِلَّةِ، وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ فَإِنَّ الْمَرْضِيَّ لِمَعَالِي الْأُمُورِ لَا يَقْصُرُ دُونَ خَسِيسِهَا فَانْدَفَعَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ هَذَا السُّؤَالُ، وَكَانَ الصِّدِّيقُ ﵁ أَجَلَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَإِنَّمَا قَامَ الْأَنْصَارُ فِي مُنَازَعَتِهِ لِطَلَبِ الْعُلُوِّ وَالرِّئَاسَةِ، وَلِهَذَا قَالَ قَائِلُهُمْ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْإِمَامَةِ لَيْسَتْ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الْمُخَالَفَةِ وَالْمُشَاقَقَةِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَجِدْ هَذَا الْقَائِلُ الْأَمْرَ يَصْفُو لَهُ وَحْدَهُ طَلَبَ الشَّرِكَةَ تَحْصِيلًا لِمَقْصِدِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ مَصْلَحَةً لِلنَّاسِ.
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ ﵏ إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] إنَّهُ الْخِلَافَةُ وَإِنَّهُ «كَانَ ﷺ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ لِيَنْصُرُوهُ فَيَقُولُونَ لَهُ وَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِك فَيَقُولُ ﷺ إنِّي قَدْ مُنِعْتُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] » فَلَمْ يَكُنْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الشَّأْنِ شَيْءٌ، وَهَذَا مُسْتَوْعَبٌ فِي كُتُبِ الْإِمَامَةِ وَمَوْضِعُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ، وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْقَيْرَوَانِ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْخِلَافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّا بِالْقَيْرَوَانِ نَعْلَمُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا بِالْقَضَاءِ، وَمَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا لِلْفُتْيَا وَمَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا لِلْإِمَامَةِ أَيَخْفَى ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا يَسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَصَدَقَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا قَالَهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
إنَّمَا يَسْأَلُ عَنْ هَذَا الْمَسَائِلِ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَصَدَقَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا قَالَهُ) .
قُلْت: الْجَوَابَاتُ لَا بَأْسَ بِهَا غَيْرَ مَا تَضَمَّنَهُ الْجَوَابُ الْأَخِيرُ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا قَامُوا فِي مُنَازَعَتِهِ لِطَلَبِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ وُفُودِ الرَّحْمَنِ وَإِنَّ أَفْضَلَ النِّسَاءِ آسِيَةُ وَمَرْيَمُ وَخَدِيجَةُ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ وَنِسَائِي خَيْرُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَحَبُّهُنَّ إلَيَّ عَائِشَةُ وَأَصْحَابِي كُلُّهُمْ كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَمَنْ أَحَبَّ أَصْحَابِي فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَ أَصْحَابِي فَقَدْ أَبْغَضَنِي أَلَا وَإِنَّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» .
هَذِهِ وَصِيَّةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِي سَادَاتِنَا نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ وَنَرْغَبُ مِنْ حَامِلِ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُ نُسَخًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالسَّلَامُ مِنْ كَاتِبِهِ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ الرَّصَّاعِ اهـ.
نَقَلْته مِنْ خَطِّ وَالِدِي قَائِلًا نَقَلْته مِنْ خَطِّ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ هِلَالٍ قَالَ نَقَلْته مِنْ خَطِّ الرَّصَّاعِ وَقَدْ رَأَيْت لِعَمِّي نَزِيلِ الْمَدِينَةِ الْحَاجِّ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ شَرْحًا عَلَى هَذِهِ الْمَنَاقِبِ ﵀ اهـ بِلَفْظِهِ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ الْمُحَرَّمَاتِ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ الْمُحَرَّمَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لَا يَحْسُنُ فِيمَا لَيْسَ فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ الْعُقُوبَاتُ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ فِيمَا فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ الْعُقُوبَاتُ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ إلَّا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يُعَاقِبُ عَلَى الذَّنْبِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَيُثِيبُ عَلَى الطَّاعَةِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَيْضًا أَمَّا ثَلَاثَةُ الْعِقَابِ
فَأَحَدُهَا الْمُؤْلِمَاتُ كَالنَّارِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي ذَلِكَ
وَثَانِيهَا تَيْسِيرُ الْمَعْصِيَةِ فِي شَيْءٍ آخَرَ فَيَجْتَمِعُ عَلَى الْعَاصِي عُقُوبَتَانِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ فَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ الْعُسْرَى مُسَبَّبَةً عَنْ الْمَعَاصِي الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الرِّدَّةَ مُسَبَّبَةً عَنْ الْمَعْصِيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٦] الْآيَةَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ إشَارَةً إلَى الرِّدَّةِ وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُمْ قَالُوا الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَقَالَ ﵇ «إنَّ الرَّجُلَ لَيُخْتَمُ لَهُ بِالْكُفْرِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِ»
وَثَالِثُهَا تَفْوِيتُ الطَّاعَاتِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى سَلْبِ الْفَلَاحِ وَالْخَيْرِ بِسَبَبِ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]
وَأَمَّا ثَلَاثَةُ الثَّوَابِ فَأَحَدُهَا الْأُمُورُ الْمُسْتَلَذَّاتُ كَمَا فِي الْجَنَّاتِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَغَيْرِهِمَا
وَثَانِيهَا تَيْسِيرُ الطَّاعَاتِ فَيَجْتَمِعُ لِلْعَبْدِ مَثُوبَتَانِ فَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ الْيُسْرَى مُسَبَّبَةً عَنْ الْإِعْطَاءِ وَمَا مَعَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ
وَثَالِثُهَا تَعْسِيرُ الْمَعَاصِي عَلَيْهِ وَصَرْفُهَا عَنْهُ وَكَانَ نِسْيَانُ الْإِنْسَانِ الْأَذَانَ أَوْ الْإِقَامَةَ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ فَيُحْرَمُ ثَوَابَهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ سِيَّمَا وَكَلِمَاتُ الْأَذَانِ طَيِّبَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتُوجِبُ لِقَائِلِهَا ثَوَابًا سَرْمَدِيًّا خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَمُصِيبَةُ فَوَاتِ ثَوَابِهَا مُسَبَّبَةٌ عَنْ مَعَاصٍ سَابِقَةٍ وَقَعَتْ
стр. 389
وَبِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ أَيْضًا يَظْهَرُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ هُوَ مُتَوَلٍّ الْآنَ عَزَلَ الْأَوَّلَ وَوَلَّى الثَّانِيَ، وَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةَ الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِلَ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةَ الْأَعْلَى وَلَا يَنْفُذُ عَزْلُ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الَّذِي عَزَلَهُ مَعْزُولٌ عَنْ عَزْلِهِ، وَإِنَّمَا وَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَإِذَا كَانَ الْوَصِيُّ مَعْزُولًا عَنْ غَيْرِ الْأَحْسَنِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فَمَصْلَحَةُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى بِذَلِكَ.
فَالْإِمَامُ الْأَعْظَمُ مَعْزُولٌ عَنْ عَزْلِ الْأَصْلَحِ لِلنَّاسِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ أُمَّتِي شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَجْتَهِدْ لَهُمْ وَلَمْ يَنْصَحْ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْعُلُوِّ وَالرِّئَاسَةِ، وَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَصْفُو لَهُمْ طَلَبُوا الشَّرِكَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ أَمْرٌ لَا يَلِيقُ بِهِمْ، وَلَا تَصِحُّ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ الظَّنُّ بِهِمْ إلَّا أَنَّهُمْ طَلَبُوا ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ لِمُتَوَلِّي أَمْرِ الْإِمَامَةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَلَمَّا لَمْ يُسَاعَدُوا عَلَى ذَلِكَ طَلَبُوا الشَّرِكَةَ طَمَعًا فِي تَحْصِيلِ بَعْضِ تِلْكَ الْأُجُورِ إذْ تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ جَمِيعِهَا هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهِمْ لَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ إيثَارِ الرِّئَاسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُ أَحْوَالَهُمْ فِي بَذْلِهِمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: (وَبِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ أَيْضًا يَظْهَرُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ هُوَ مُتَوَلٍّ الْآنَ عَزَلَ الْأَوَّلَ وَوَلَّى الثَّانِيَ، وَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةَ الْأَفْضَلِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ) . قُلْت: مَا حَكَاهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْقَضَاءِ عَزَلَ الْمُتَوَلِّيَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ مُقَصِّرٌ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ لَا عَلَى أَنَّهُ أَهْلٌ، وَلَكِنَّ غَيْرَهُ أَمَسُّ مِنْهُ بِالْأَهْلِيَّةِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْقَضَاءِ تَحْصُلُ مِنْ الْمَفْضُولِ الْمُتَّصِفِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا وَقَعَ لِمَالِكٍ ﵀ فِيمَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَقَدْ اتَّفَقَ الْجَلَّابُ وَالتَّهْذِيبُ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ هُوَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِنْسَانِ الِاسْتِغْفَارُ لِأَجْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ تَرْكُهَا مِنْ ذُنُوبٍ سَالِفَةٍ لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ يُشْرَعُ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ وَظَهَرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ هُوَ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ فِي تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ لِأَجْلِهَا مُطَابَقَةٌ وَفِي تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ لِأَجْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لَا أَنَّهُ لَهَا مُطَابَقَةٌ وَبِهِ يَنْحَلُّ كُلُّ إشْكَالٍ يَرِدُ عَلَى مَا وَقَعَ لِلْعُلَمَاءِ مِنْ ذِكْرِ الِاسْتِغْفَارِ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّسْيَانِ فِي الْعِبَادَاتِ لَا يَقْدَحُ وَقَاعِدَةِ الْجَهْلِ يَقْدَحُ]
الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّسْيَانِ فِي الْعِبَادَاتِ لَا يَقْدَحُ وَقَاعِدَةِ الْجَهْلِ يَقْدَحُ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ)
الْجَهْلُ وَالنِّسْيَانُ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَتَيْنِ الْجِهَةُ الْأُولَى أَنَّ النِّسْيَانَ يَهْجُمُ عَلَى الْعَبْدِ قَهْرًا بِحَيْثُ لَا تَكُونُ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْجَهْلِ فَإِنَّ لَهُ حِيلَةً فِي دَفْعِهِ بِالتَّعَلُّمِ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ لَا إثْمَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَدَلَّ قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» عَلَى أَنَّ النَّاسِيَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْجَهْلُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ الْقَاعِدَةِ الَّتِي حَكَى الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَالشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهَا مِنْ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعْلٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] إذْ مَعْنَاهُ مَا لَيْسَ لِي بِجَوَازِ سُؤَالِهِ عِلْمٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ ﵇ لَمَّا عُوتِبَ عَلَى سُؤَالِ اللَّهِ لِابْنِهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ لِكَوْنِهِ سَأَلَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِحَالِ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي طَلَبُهُ أَمْ لَا.
وَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ كَانَ كِلَا الْعَتْبِ وَالْجَوَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْعِلْمِ بِمَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] حَيْثُ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﵇ عَنْ اتِّبَاعِ غَيْرِ الْمَعْلُومِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَعْلَمَ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﵇ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» يُعْلَمُ أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ وَاجِبٌ عَيْنًا فِي كُلِّ حَالَةٍ يُقْدِمُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ فَمَنْ بَاعَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا عَيَّنَهُ اللَّهُ وَشَرَعَهُ فِي الْبَيْعِ، وَمَنْ آجَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِجَارَةِ، وَمَنْ قَارَضَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِرَاضِ وَمَنْ صَلَّى يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَهَكَذَا الطَّهَارَةُ وَجَمِيعُ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ فَمَنْ تَعَلَّمَ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَى مَا عَلِمَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى طَاعَتَيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ مَعْصِيَتَيْنِ، وَمَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى طَاعَةً وَعَصَاهُ مَعْصِيَةً فَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - طَلَبُ الْعِلْمِ قِسْمَانِ فَرْضُ عَيْنٍ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ، فَفَرْضُ الْعَيْنِ عِلْمُك بِحَالَتِك الَّتِي أَنْتَ فِيهَا وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ مَا عَدَا ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ إنَّ الْجَهْلَ فِي الصَّلَاةِ كَالْعَمْدِ، وَالْجَاهِلُ كَالْمُتَعَمِّدِ لَا كَالنَّاسِي بَلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِ بَهْرَامَ فِيمَا لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ لِلْقَاعِدَةِ أَنَّ الْجَاهِلَ فِي
стр. 390
وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْمُحَرَّمُ لَا يَنْفُذُ فِي الشَّرِيعَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» فَقَدْ تَحَرَّرَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ وَبَيْنَ مَنْ يَصِحُّ تَأْخِيرُهُ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ وَالْقَضَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ وَالْكُفَلَاءِ فِي الْحَضَانَةِ وَفِي غَيْرِهَا، وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَتَحْرِيرِ ضَابِطِهِمَا وَبِاَللَّهِ الْعِصْمَةُ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَانِ الْإِحْدَاثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَان غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالرَّوَافِعِ لِلْأَسْبَابِ لَا تُعْتَبَرُ)
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ فَتَاوَى ظَاهِرُهَا التَّنَاقُضُ وَفِي التَّحْقِيقِ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ إذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ يَجِبُ الْوُضُوءُ فَاعْتُبِرَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ الْحَدَثِ فَلَا عِبْرَةَ بِالطَّهَارَةِ فَأُلْغِيَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً لَزِمَهُ الثَّلَاثُ فَاعْتُبِرَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَأُلْغِيَ الشَّكُّ، وَإِنْ حَلَفَ يَمِينًا وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا هَلْ هِيَ طَلَاقٌ أَوْ عَتَاقٌ أَوْ غَيْرُهُمَا لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا شَكَّ فِيهِ فَاعْتُبِرَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَأُلْغِيَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا جَعَلَهَا ثَلَاثًا وَصَلَّى وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بِالْأَهْلِيَّةِ كَمَا تَحْصُلُ مِنْ الْفَاضِلِ الْمُتَّصِفِ بِهَا فَلَا وَجْهَ لِعَزْلِهِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْوَصِيِّ فِيهِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ أُمَّتِي شَيْئًا وَلَمْ يَجْتَهِدْ لَهُمْ وَلَمْ يَنْصَحْ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» نَقُولُ بِمُوجَبِهِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَحِلَّ النِّزَاعِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِيمَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ وَلَمْ يَنْصَحْ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ يَجْتَهِدُ وَيَنْصَحُ وَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَمَسُّ بِالْأَهْلِيَّةِ مِنْهُ، وَمَا قَالَهُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوقِ السَّبْعَةِ إلَى تَمَامِ الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالْمِائَةِ صَحِيح.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْعِبَادَاتِ كَالْعَامِدِ اهـ وَذَلِكَ أَنَّهُ بِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ بِمَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ كَانَ عَاصِيًا كَالْمُتَعَمِّدِ التَّرْكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ]
الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْجَهْلَ نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ جَهْلٌ تَسَامَحَ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ فَعَفَا عَنْ مُرْتَكِبِهِ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يُتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عَادَةً فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَلَهُ صُوَرٌ إحْدَاهَا مَنْ وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً بِاللَّيْلِ يَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ عُفِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفَحْصَ عَنْ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ الْجَهْلُ بِنَجَاسَةِ الْأَطْعِمَةِ وَالْمِيَاهِ وَالْأَشْرِبَةِ يُعْفَى عَنْهُ لِمَا فِي تَكَرُّرِ الْفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْكُلْفَةِ فَالْجَاهِلُ الْمُسْتَعْمِلُ لِشَيْءٍ مِنْهَا لَا إثْمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ جُلَّابًا فِي جَهْلِهِ بِهِ لِمَشَقَّةِ فَحْصِهِ عَنْهُ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا فِي صَفِّ الْكُفَّارِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فِي جَهْلِهِ بِهِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ لَا إثْمَ عَلَى الْحَاكِمِ يَقْضِي بِشُهُودِ الزُّورِ جَاهِلًا بِحَالِهِمْ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. الصُّورَةُ السَّادِسَةُ قَالَ الْحَطَّابُ عِنْدَ قَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ أَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْ جَهَلَةِ الْعَوَامّ فَإِنَّهُمْ يَتَسَامَحُونَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ يُعْذَرُوا بِهِ اهـ.
النَّوْعُ الثَّانِي جَهْلٌ لَمْ يَتَسَامَحْ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَعْفُ عَنْ مُرْتَكِبِهِ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يَشُقُّ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ وَهَذَا النَّوْعُ يَطَّرِدُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَفِي بَعْضِ أَنْوَاعٍ مِنْ الْفُرُوعِ، أَمَّا أُصُولُ الدِّينِ فَلِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَمَّا شَدَّدَ فِي جَمِيعِ الِاعْتِقَادَاتِ تَشْدِيدًا عَظِيمًا بِحَيْثُ إنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ بَذَلَ جَهْدَهُ، وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي رَفْعِ الْجَهْلِ عَنْهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ أَوْ فِي شَيْءٍ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ ذَلِكَ الْجَهْلُ لَكَانَ بِتَرْكِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ آثِمًا كَافِرًا يَخْلُدُ فِي النِّيرَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذَاهِبِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَوْصَلَ الِاجْتِهَادَ حَدَّهُ، وَصَارَ الْجَهْلُ لَهُ ضَرُورِيًّا لَا يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ فِيمَا يُعْتَقَدُ أَنَّهَا مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَبِحَيْثُ إنَّهُ يُكَلَّفُ بِأَدِلَّةِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَدَقَائِقِ أُصُولِ الدِّينِ نَحْوِ الْمَرْأَةِ الْبَلْهَاءِ الْمَفْسُودَةِ الْمِزَاجُ النَّاشِئَةِ فِي الْأَقَالِيمِ الْمُنْحَرِفَةِ عَمَّا يُوجِبُ اسْتِقَامَةَ الْعَقْلِ كَأَقَاصِي بِلَادِ السُّودَانِ وَأَقَاصِي بِلَادِ الْأَتْرَاكِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقَالِيمَ لَا يَكُونُ لِلْعَقْلِ فِيهَا كَبِيرُ رَوْنَقٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بِلَادِ الْأَتْرَاكِ عِنْدَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] حَتَّى صَارَ تَكْلِيفُ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْقَوْلَ، وَبَعُدَتْ أَهْلِيَّتُهُ لِهَذِهِ الْغَايَةِ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ لَمَّا اخْتَصَّهُ الشَّرْعُ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ عَنْ الْفِقْهِ أَحَدُهَا أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهِ آثِمٌ، وَثَالِثُهَا لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ.
وَأَمَّا أُصُولُ الْفِقْهِ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ يُلْحَقُ بِأُصُولِ الدِّينِ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ الْمُعْتَمَدِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ اُخْتُصَّ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ عَنْ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُصِيبَ فِيهِ وَاحِدٌ وَالْمُخْطِئَ فِيهِ آثِمٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْضُ
следующие страницы →