Полный текст (1 059 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وَيَظْهَرُ لَك بِاعْتِبَارِ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَقْدِيمٌ فِي الصَّلَاةِ التَّقْدِيمُ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى مُشْتَمِلَةٌ عَلَى سِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَمَعْرِفَةِ مُعَاقَدِ الشَّرِيعَةِ وَضَبْطِ الْجُيُوشِ وَوِلَايَةِ الْأَكْفَاءِ وَعَزْلِ الضُّعَفَاءِ وَمُكَافَحَةِ الْأَضْدَادِ وَالْأَعْدَاءِ وَتَصْرِيفِ الْأَمْوَالِ وَأَخْذِهَا مِنْ مَظَانِّهَا وَصَرْفِهَا فِي مُسْتَحَقَّاتِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى.
وَعَلَى هَذَا وَرَدَ سُؤَالٌ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي أَمْرِ الْإِمَامَةِ رَضِيَك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا إشَارَةٌ لِتَقْدِيمِهِ فِي الصَّلَاةِ فَجَعَلَ عُمَرُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بِهَا فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وُجُوبَ حَتْمٍ تَقْدِيمُ الْأَقْوَمِ بِتِلْكَ الْمَصَالِحِ، بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَيْرِ الْأَقْوَمِ بِهَا وَتَقْدِيمُ الْأَقْوَمِ أَوْلَى، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تِلْكَ الْمَصَالِحِ حَاصِلٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالْأَهْلِيَّةِ لِذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِتَعَيُّنِ الْأَقْوَمِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْأَوْلَوِيَّةِ خَاصَّةً، وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا بِتَعْيِينِ تَقْدِيمِ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ فَإِنَّ الرِّجَالَ لَيْسُوا كَالنِّسَاءِ فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ أُمُورِ الْحَضَانَةِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُهُنَّ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيمَا هَذَا سَبِيلُهُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي مِثْلِ رَجُلَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَهْلِيَّةُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَصْلَحُ لَهَا مَعَ أَنَّ الْأَدْنَى صَالِحٌ لَهَا أَيْضًا.
قَالَ: (وَيَظْهَرُ لَك بِاعْتِبَارِ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَقْدِيمٌ فِي الصَّلَاةِ التَّقْدِيمُ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى إلَى قَوْلِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى) . قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْقِيَامِ بِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِإِمَامَةِ الْخِلَافَةِ صَحِيحٌ.
قَالَ: (وَعَلَى هَذَا وَرَدَ سُؤَالٌ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي أَمْرِ الْإِمَامَةِ رَضِيَك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا إشَارَةً لِتَقْدِيمِهِ ﵁ فِي الصَّلَاةِ فَجَعَلَ عُمَرُ ﵁
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِيهِ الزَّكَاةُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ وَكَوْنَ الْأَصْلِ عَدَمُ وُقُوعِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِلْمُكَلَّفِ وَعُذْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا هُوَ ضَابِطُ مَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ، وَضَابِطُ مَا لَا يَجِبُ الْفَحْصُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَاعْلَمْهُ وَاعْتَمِدْ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَزِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ]
الْفَرْقُ الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَبَيْن قَاعِدَةِ الْمَزِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ)
وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمَفْضُولَ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِخَصْلَةٍ لَيْسَتْ فِي الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ لِلْفَاضِلِ مِنْ الْفَضَائِلِ، وَحِينَئِذٍ فَقَاعِدَةُ الْأَفْضَلِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ الْحَاصِلُ لِلْفَاضِلِ مِنْ الْفَضَائِلِ دُونَ الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ لِلْمَفْضُولِ، وَقَاعِدَةُ الْمَزِيَّةِ وَالْخَاصِّيَّةِ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَفْضُولُ بِخَصْلَةٍ لَمْ تَحْصُلْ فِي مَجْمُوعِ الْفَاضِلِ، وَمَنْ اسْتَقْرَى ذَلِكَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَجَدَ لَهُ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً مِنْهَا مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَلَّى الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْأَذَانِ أَقْبَلَ فَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ فَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِالصَّلَاةِ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ لَهُ اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» ، فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَنْفِرُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَا يَهَابُهَا وَيَهَابُهُمَا مَعَ أَنَّهُمَا وَسِيلَتَانِ إلَيْهَا، وَالْوَسَائِلُ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ، وَأَيْضًا أَيْنَ هِيَ مِنْهُمَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» وَكَتَبَ عُمَرُ ﵁ إلَى عُمَّالِهِ أَنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ
وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَفْضَلُ مِنْ الْجَمِيعِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَفْضَلُ مِنْ أُبَيٍّ وَزَيْدٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ فَضَلَاهُ فِي الْفَرَائِضِ وَالْقِرَاءَةِ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْمَفْضُولِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْفَاضِلِ
وَمِنْهَا «قَوْلُهُ ﵇ لِعُمَرَ مَا سَلَكَ عُمَرُ وَادِيًا وَلَا فَجًّا إلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَهُ» فَأَخْبَرَهُ ﵇ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ عُمَرَ وَلَا يُلَابِسُهُ، وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ «﵇ أَنَّهُ قَدْ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الشَّيْطَانُ الْبَارِحَةَ لِيُفْسِدَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَلَوْلَا أَنِّي تَذَكَّرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ لَرَبَطْته بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَلْعَبَ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ» ، وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «أَنَّ شَيْطَانًا قَصَدَهُ ﵇ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِالتَّعَوُّذِ مِنْهُ فَلَمْ يَنْفِرْ الشَّيْطَانُ مِنْهُ ﵇ كَمَا نَفَرَ مِنْ عُمَرَ وَأَيْنَ عُمَرُ مِنْهُ ﵇» غَيْرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لِلْمَفْضُولِ مَا لَا يَحْصُلُ لِلْفَاضِلِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ حَصَلَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ مَعَ جَمِيعِ الْأَنْفَاسِ يُلْهَمُ أَحَدُهُمْ التَّسْبِيحَ كَمَا يُلْهَمُ أَحَدُنَا النَّفَسَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْمَزَايَا الَّتِي لَمْ تَحْصُلْ لِلْبَشَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ الْحَاصِلَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْمَزَايَا وَالْمَحَاسِنِ أَعْظَمُ مِنْ الْمَجْمُوعِ الْحَاصِلِ لِلْمَلَائِكَةِ وَمِنْهَا مَا مَرَّ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ مِنْ مَكَّةَ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ فِي مَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ الْعَمَلِ فِيهَا؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ لَا تَنْحَصِرُ فِي مَزِيدِ الْمُضَاعَفَةِ
стр. 387
ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَقْدِيمِهِ ﵁ لِلْإِمَامَةِ وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَاةِ التَّقْدِيمُ فِي الْخِلَافَةِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِلْخِلَافَةِ، وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ يَتَّبِعُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ، وُكِّلَ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى الِاجْتِهَادِ فَكَانَ ﵇ يُشِيرُ إلَى خِلَافَتِهِ بِالْإِيمَاءِ وَأَنْوَاعِ التَّكْرِيمِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَحَاسِنِهِ الَّتِي تُوجِبُ تَقْدِيمَهُ فَمِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُهُ ﵇ فِي الصَّلَاةِ «وَقَوْلُهُ ﵇ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ» مُشِيرًا بِذَلِكَ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْخِلَافَةِ كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِلصَّلَاةِ فَمُرَادُ عُمَرَ ﵁ أَنَّك رَضِيَك النَّبِيُّ ﵇ لِدِينِنَا الرِّضَا الْخَاصَّ الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا أَنْ نَرْضَاك لِلْخِلَافَةِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ الرِّضَا بِحَيْثُ يَقْتَصِرُ عَلَى أَهْلِيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً الثَّانِي أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَصَدَ بِذَلِكَ تَسْكِينَ الثَّائِرَةِ وَالْفِتْنَةِ وَرَدْعَ الْأَهْوَاءِ بِذِكْرِ حُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ لِيَسْكُنَ لَهَا أَكْثَرُ النَّاسِ فَيَنْدَفِعَ الْفَسَادُ.
وَثَالِثُهَا أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَك النَّبِيُّ ﵇ لِدِينِنَا عَلَى ظَاهِرِهِ وَتُجْعَلَ الْإِضَافَةُ عَلَى بَابِهَا مُوجِبَةً لِلْعُمُومِ كَمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ هُوَ اللُّغَةُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ فَجَعَلُوهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ لُغَةً، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَكَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي جَمِيعِ مَاءِ الْبَحْرِ وَمَيْتَتِهِ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ فَفَهِمَ عُمَرُ مِنْ إشَارَتِهِ ﵇ أَنَّ الصِّدِّيقَ مَرْضِيٌّ لِجَمِيعِ حُرُمَاتِ الدِّينِ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَحْوَالُ الْأُمَّةِ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْمِلَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ أَعَمِّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَقْدِيمِهِ لِلْإِمَامَةِ، وَهَذَا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ لَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَاةِ التَّقْدِيمُ فِي الْخِلَافَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ وُجُوهٍ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِمِنًى عِنْدَ التَّوَجُّهِ لِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَإِنْ انْتَفَتْ عَنْهَا الْمُضَاعَفَةُ، وَمِنْهَا أَنَّ فِي الشَّعِيرِ مِنْ الْخَوَاصِّ الطَّيِّبَةِ مَا لَيْسَ فِي الْبُرِّ وَفِي الْخَوَاصِّ النَّافِعَةِ بِالْحَالِ وَغَيْرِهَا مَا لَيْسَ فِي الذَّهَبِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ فَقِيرٌ عِنْدَهُ ابْنَةٌ حَسْنَاءُ أَوْ تُحْفَةٌ غَرِيبَةٌ لَيْسَتْ عِنْدَ مَلِكِهَا، وَمَجْمُوعُ مَا حَصَلَ لِلْمَلِكِ قَدْرُ مَا حَصَلَ لِذَلِكَ الْفَقِيرِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَبِالْجُمْلَةِ فَبِسَبَبِ قَاعِدَةِ أَنَّ الْمَفْضُولَ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا لَيْسَ لِلْفَاضِلِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَانْدَفَعَ التَّنَاقُصُ فِي مِثْلِ كَوْنِ الصَّلَاةِ أَفْضَلَ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْهُمَا دُونَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) ذَكَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بَابَا التنبكتي فِي نَيْلِ الِابْتِهَاجِ آخِرَ تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَبْدُوسِيِّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّصَّاعِ أَنَّ صَاحِبَ التَّرْجَمَةِ كَانَ يَقُولُ فِي مَجْلِسِهِ بِجَامِعِ الْقَصْرِ مِنْ تُونُسَ مِمَّا جُرِّبَ لِتَسْهِيلِ الرِّزْقِ وَالْأَمَانِ وَالتَّحَصُّنِ مِنْ آفَاتِ الزَّمَانِ أَنْ تَكْتُبَ فِي وَرَقَةٍ، وَيُجْعَلَ عَلَى الرَّأْسِ مَنَاقِبَ السَّادَاتِ الْكِرَامِ مِنْ الصَّحَابَةِ جَمَعَهُمْ مِنْ كُتُبٍ عَدِيدَةٍ أَثْنَى عَلَيْهِمْ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ قَالَ الرَّصَّاعُ: وَقَدْ قَيَّدْتهَا قَدِيمًا وَوَجَدْت لَهَا بَرَكَاتٍ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ.
قَالَ ﵁ وَهِيَ قَالَ ﷺ «مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَدْ أَوْضَحَ السَّبِيلَ وَمَنْ أَحَبَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَدْ اسْتَضَاءَ بِنُورِ اللَّهِ وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى أَلَا وَإِنَّ أَرْأَفَ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ وَإِنَّ أَقْوَاهُمْ صَلَابَةً فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَإِنَّ أَشَدَّهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَإِنَّ أَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ أَحْبَابِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَدُورُ مَعَ الْحَقِّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ تَاجِرُ اللَّهِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ أَمِينُ اللَّهِ وَمَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى زُهْدِ عِيسَى فَلْيَنْظُرْ إلَى زُهْدِ أَبِي ذَرٍّ وَإِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى لِرِضَا سَلْمَانَ وَيَسْخَطُ لِسُخْطِ سَلْمَانَ وَإِنَّ الْجَنَّةَ لَتَشْتَاقُ إلَى سَلْمَانَ أَشَدَّ مِنْ اشْتِيَاقِ سَلْمَانَ إلَى الْجَنَّةِ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ حَلِيمٌ وَحَلِيمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ مِنْ أَصْفِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَإِنَّ أَقْرَأَ أُمَّتِي أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَحَمْزَةُ أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ. وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفُ اللَّهِ وَسَيْفُ رَسُولِهِ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ فِي الْجَنَّةِ يَطِيرُ بِهِمَا فِيهَا حَيْثُ يَشَاءُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَبُوهُمَا خَيْرٌ مِنْهُمَا وَالْعَبَّاسُ عَمِّي وَصِنْوُ أَبِي وَرَضِيت لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةٍ أَوْ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ وَلِكُلِّ نَبِيٍّ خَادِمٌ وَخَادِمِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَلِكُلِّ نَبِيٍّ خَلِيلٌ وَخَلِيلِي سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ فَارِسٌ وَفَارِسُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ وَأَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ بِلَالٌ وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا أَبُو الدَّحْدَاحِ وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ تُصَافِحُهُ الْمَلَائِكَةُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يَرِدُ حَوْضِي صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ الصِّدِّيقِينَ
стр. 388
فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ فَهُوَ مِنْ الدِّينِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا أَيْ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يَتَنَازَعُونَ يَعْنِي الْأَنْصَارَ فِي أُمُورِ رِئَاسَةٍ وَعُلُوٍّ وَحُصُولِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ قِبَلِهِمْ، وَهَذَا أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ لَا دِينِيٌّ فَيَكُونُ حَسِيسًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الدِّينِ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ وَالْمِلَّةِ، وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ فَإِنَّ الْمَرْضِيَّ لِمَعَالِي الْأُمُورِ لَا يَقْصُرُ دُونَ خَسِيسِهَا فَانْدَفَعَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ هَذَا السُّؤَالُ، وَكَانَ الصِّدِّيقُ ﵁ أَجَلَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَإِنَّمَا قَامَ الْأَنْصَارُ فِي مُنَازَعَتِهِ لِطَلَبِ الْعُلُوِّ وَالرِّئَاسَةِ، وَلِهَذَا قَالَ قَائِلُهُمْ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْإِمَامَةِ لَيْسَتْ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الْمُخَالَفَةِ وَالْمُشَاقَقَةِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَجِدْ هَذَا الْقَائِلُ الْأَمْرَ يَصْفُو لَهُ وَحْدَهُ طَلَبَ الشَّرِكَةَ تَحْصِيلًا لِمَقْصِدِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ مَصْلَحَةً لِلنَّاسِ.
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ ﵏ إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] إنَّهُ الْخِلَافَةُ وَإِنَّهُ «كَانَ ﷺ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ لِيَنْصُرُوهُ فَيَقُولُونَ لَهُ وَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِك فَيَقُولُ ﷺ إنِّي قَدْ مُنِعْتُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] » فَلَمْ يَكُنْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الشَّأْنِ شَيْءٌ، وَهَذَا مُسْتَوْعَبٌ فِي كُتُبِ الْإِمَامَةِ وَمَوْضِعُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ، وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْقَيْرَوَانِ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْخِلَافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّا بِالْقَيْرَوَانِ نَعْلَمُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا بِالْقَضَاءِ، وَمَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا لِلْفُتْيَا وَمَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا لِلْإِمَامَةِ أَيَخْفَى ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا يَسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَصَدَقَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا قَالَهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
إنَّمَا يَسْأَلُ عَنْ هَذَا الْمَسَائِلِ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَصَدَقَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا قَالَهُ) .
قُلْت: الْجَوَابَاتُ لَا بَأْسَ بِهَا غَيْرَ مَا تَضَمَّنَهُ الْجَوَابُ الْأَخِيرُ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا قَامُوا فِي مُنَازَعَتِهِ لِطَلَبِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ وُفُودِ الرَّحْمَنِ وَإِنَّ أَفْضَلَ النِّسَاءِ آسِيَةُ وَمَرْيَمُ وَخَدِيجَةُ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ وَنِسَائِي خَيْرُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَحَبُّهُنَّ إلَيَّ عَائِشَةُ وَأَصْحَابِي كُلُّهُمْ كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَمَنْ أَحَبَّ أَصْحَابِي فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَ أَصْحَابِي فَقَدْ أَبْغَضَنِي أَلَا وَإِنَّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» .
هَذِهِ وَصِيَّةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِي سَادَاتِنَا نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ وَنَرْغَبُ مِنْ حَامِلِ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُ نُسَخًا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالسَّلَامُ مِنْ كَاتِبِهِ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ الرَّصَّاعِ اهـ.
نَقَلْته مِنْ خَطِّ وَالِدِي قَائِلًا نَقَلْته مِنْ خَطِّ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ هِلَالٍ قَالَ نَقَلْته مِنْ خَطِّ الرَّصَّاعِ وَقَدْ رَأَيْت لِعَمِّي نَزِيلِ الْمَدِينَةِ الْحَاجِّ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ شَرْحًا عَلَى هَذِهِ الْمَنَاقِبِ ﵀ اهـ بِلَفْظِهِ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ الْمُحَرَّمَاتِ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ الذُّنُوبِ الْمُحَرَّمَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لَا يَحْسُنُ فِيمَا لَيْسَ فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ الْعُقُوبَاتُ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ فِيمَا فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ الْعُقُوبَاتُ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ إلَّا أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ يُعَاقِبُ عَلَى الذَّنْبِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَيُثِيبُ عَلَى الطَّاعَةِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَيْضًا أَمَّا ثَلَاثَةُ الْعِقَابِ
فَأَحَدُهَا الْمُؤْلِمَاتُ كَالنَّارِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي ذَلِكَ
وَثَانِيهَا تَيْسِيرُ الْمَعْصِيَةِ فِي شَيْءٍ آخَرَ فَيَجْتَمِعُ عَلَى الْعَاصِي عُقُوبَتَانِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ فَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ الْعُسْرَى مُسَبَّبَةً عَنْ الْمَعَاصِي الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الرِّدَّةَ مُسَبَّبَةً عَنْ الْمَعْصِيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٥ - ٢٦] الْآيَةَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ إشَارَةً إلَى الرِّدَّةِ وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُمْ قَالُوا الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَقَالَ ﵇ «إنَّ الرَّجُلَ لَيُخْتَمُ لَهُ بِالْكُفْرِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ذُنُوبِهِ»
وَثَالِثُهَا تَفْوِيتُ الطَّاعَاتِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى سَلْبِ الْفَلَاحِ وَالْخَيْرِ بِسَبَبِ الْأَوْصَافِ الْمَذْمُومَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا مِنْ نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]
وَأَمَّا ثَلَاثَةُ الثَّوَابِ فَأَحَدُهَا الْأُمُورُ الْمُسْتَلَذَّاتُ كَمَا فِي الْجَنَّاتِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَغَيْرِهِمَا
وَثَانِيهَا تَيْسِيرُ الطَّاعَاتِ فَيَجْتَمِعُ لِلْعَبْدِ مَثُوبَتَانِ فَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ الْيُسْرَى مُسَبَّبَةً عَنْ الْإِعْطَاءِ وَمَا مَعَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ
وَثَالِثُهَا تَعْسِيرُ الْمَعَاصِي عَلَيْهِ وَصَرْفُهَا عَنْهُ وَكَانَ نِسْيَانُ الْإِنْسَانِ الْأَذَانَ أَوْ الْإِقَامَةَ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ فَيُحْرَمُ ثَوَابَهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ سِيَّمَا وَكَلِمَاتُ الْأَذَانِ طَيِّبَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتُوجِبُ لِقَائِلِهَا ثَوَابًا سَرْمَدِيًّا خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَمُصِيبَةُ فَوَاتِ ثَوَابِهَا مُسَبَّبَةٌ عَنْ مَعَاصٍ سَابِقَةٍ وَقَعَتْ
стр. 389
وَبِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ أَيْضًا يَظْهَرُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ هُوَ مُتَوَلٍّ الْآنَ عَزَلَ الْأَوَّلَ وَوَلَّى الثَّانِيَ، وَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةَ الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِلَ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةَ الْأَعْلَى وَلَا يَنْفُذُ عَزْلُ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الَّذِي عَزَلَهُ مَعْزُولٌ عَنْ عَزْلِهِ، وَإِنَّمَا وَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَإِذَا كَانَ الْوَصِيُّ مَعْزُولًا عَنْ غَيْرِ الْأَحْسَنِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ فَمَصْلَحَةُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى بِذَلِكَ.
فَالْإِمَامُ الْأَعْظَمُ مَعْزُولٌ عَنْ عَزْلِ الْأَصْلَحِ لِلنَّاسِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ أُمَّتِي شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَجْتَهِدْ لَهُمْ وَلَمْ يَنْصَحْ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْعُلُوِّ وَالرِّئَاسَةِ، وَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَصْفُو لَهُمْ طَلَبُوا الشَّرِكَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ أَمْرٌ لَا يَلِيقُ بِهِمْ، وَلَا تَصِحُّ نِسْبَةُ مِثْلِهِ إلَيْهِمْ، وَلَيْسَ الظَّنُّ بِهِمْ إلَّا أَنَّهُمْ طَلَبُوا ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ لِمُتَوَلِّي أَمْرِ الْإِمَامَةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَلَمَّا لَمْ يُسَاعَدُوا عَلَى ذَلِكَ طَلَبُوا الشَّرِكَةَ طَمَعًا فِي تَحْصِيلِ بَعْضِ تِلْكَ الْأُجُورِ إذْ تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ جَمِيعِهَا هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهِمْ لَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ إيثَارِ الرِّئَاسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي لَا تُنَاسِبُ أَحْوَالَهُمْ فِي بَذْلِهِمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: (وَبِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ أَيْضًا يَظْهَرُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ هُوَ مُتَوَلٍّ الْآنَ عَزَلَ الْأَوَّلَ وَوَلَّى الثَّانِيَ، وَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةَ الْأَفْضَلِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ) . قُلْت: مَا حَكَاهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْقَضَاءِ عَزَلَ الْمُتَوَلِّيَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ مُقَصِّرٌ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ لَا عَلَى أَنَّهُ أَهْلٌ، وَلَكِنَّ غَيْرَهُ أَمَسُّ مِنْهُ بِالْأَهْلِيَّةِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْقَضَاءِ تَحْصُلُ مِنْ الْمَفْضُولِ الْمُتَّصِفِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ظَهَرَ لَك أَنَّ مَا وَقَعَ لِمَالِكٍ ﵀ فِيمَنْ تَرَكَ الْإِقَامَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَقَدْ اتَّفَقَ الْجَلَّابُ وَالتَّهْذِيبُ عَلَى نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ هُوَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِنْسَانِ الِاسْتِغْفَارُ لِأَجْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ تَرْكُهَا مِنْ ذُنُوبٍ سَالِفَةٍ لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ يُشْرَعُ فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ وَظَهَرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ هُوَ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ فِي تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ لِأَجْلِهَا مُطَابَقَةٌ وَفِي تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ لِأَجْلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لَا أَنَّهُ لَهَا مُطَابَقَةٌ وَبِهِ يَنْحَلُّ كُلُّ إشْكَالٍ يَرِدُ عَلَى مَا وَقَعَ لِلْعُلَمَاءِ مِنْ ذِكْرِ الِاسْتِغْفَارِ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّسْيَانِ فِي الْعِبَادَاتِ لَا يَقْدَحُ وَقَاعِدَةِ الْجَهْلِ يَقْدَحُ]
الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّسْيَانِ فِي الْعِبَادَاتِ لَا يَقْدَحُ وَقَاعِدَةِ الْجَهْلِ يَقْدَحُ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ)
الْجَهْلُ وَالنِّسْيَانُ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَتَيْنِ الْجِهَةُ الْأُولَى أَنَّ النِّسْيَانَ يَهْجُمُ عَلَى الْعَبْدِ قَهْرًا بِحَيْثُ لَا تَكُونُ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْجَهْلِ فَإِنَّ لَهُ حِيلَةً فِي دَفْعِهِ بِالتَّعَلُّمِ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ لَا إثْمَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَدَلَّ قَوْلُهُ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» عَلَى أَنَّ النَّاسِيَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَأَمَّا الْجَهْلُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ الْقَاعِدَةِ الَّتِي حَكَى الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَالشَّافِعِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهَا مِنْ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى فِعْلٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] إذْ مَعْنَاهُ مَا لَيْسَ لِي بِجَوَازِ سُؤَالِهِ عِلْمٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ ﵇ لَمَّا عُوتِبَ عَلَى سُؤَالِ اللَّهِ لِابْنِهِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ لِكَوْنِهِ سَأَلَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِحَالِ الْوَلَدِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي طَلَبُهُ أَمْ لَا.
وَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ كَانَ كِلَا الْعَتْبِ وَالْجَوَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْعِلْمِ بِمَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَشْرَعَ فِيهِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] حَيْثُ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﵇ عَنْ اتِّبَاعِ غَيْرِ الْمَعْلُومِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَعْلَمَ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﵇ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» يُعْلَمُ أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ وَاجِبٌ عَيْنًا فِي كُلِّ حَالَةٍ يُقْدِمُ عَلَيْهَا الْإِنْسَانُ فَمَنْ بَاعَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا عَيَّنَهُ اللَّهُ وَشَرَعَهُ فِي الْبَيْعِ، وَمَنْ آجَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِجَارَةِ، وَمَنْ قَارَضَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِرَاضِ وَمَنْ صَلَّى يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ، وَهَكَذَا الطَّهَارَةُ وَجَمِيعُ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ فَمَنْ تَعَلَّمَ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَى مَا عَلِمَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى طَاعَتَيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ مَعْصِيَتَيْنِ، وَمَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى طَاعَةً وَعَصَاهُ مَعْصِيَةً فَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - طَلَبُ الْعِلْمِ قِسْمَانِ فَرْضُ عَيْنٍ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ، فَفَرْضُ الْعَيْنِ عِلْمُك بِحَالَتِك الَّتِي أَنْتَ فِيهَا وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ مَا عَدَا ذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ إنَّ الْجَهْلَ فِي الصَّلَاةِ كَالْعَمْدِ، وَالْجَاهِلُ كَالْمُتَعَمِّدِ لَا كَالنَّاسِي بَلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِ بَهْرَامَ فِيمَا لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ لِلْقَاعِدَةِ أَنَّ الْجَاهِلَ فِي
стр. 390
وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْمُحَرَّمُ لَا يَنْفُذُ فِي الشَّرِيعَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» فَقَدْ تَحَرَّرَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ وَبَيْنَ مَنْ يَصِحُّ تَأْخِيرُهُ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ وَالْقَضَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ وَالْكُفَلَاءِ فِي الْحَضَانَةِ وَفِي غَيْرِهَا، وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَتَحْرِيرِ ضَابِطِهِمَا وَبِاَللَّهِ الْعِصْمَةُ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَانِ الْإِحْدَاثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَان غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالرَّوَافِعِ لِلْأَسْبَابِ لَا تُعْتَبَرُ)
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ فَتَاوَى ظَاهِرُهَا التَّنَاقُضُ وَفِي التَّحْقِيقِ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ إذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ يَجِبُ الْوُضُوءُ فَاعْتُبِرَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ الْحَدَثِ فَلَا عِبْرَةَ بِالطَّهَارَةِ فَأُلْغِيَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً لَزِمَهُ الثَّلَاثُ فَاعْتُبِرَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَأُلْغِيَ الشَّكُّ، وَإِنْ حَلَفَ يَمِينًا وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا هَلْ هِيَ طَلَاقٌ أَوْ عَتَاقٌ أَوْ غَيْرُهُمَا لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا شَكَّ فِيهِ فَاعْتُبِرَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَأُلْغِيَ الشَّكُّ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا جَعَلَهَا ثَلَاثًا وَصَلَّى وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بِالْأَهْلِيَّةِ كَمَا تَحْصُلُ مِنْ الْفَاضِلِ الْمُتَّصِفِ بِهَا فَلَا وَجْهَ لِعَزْلِهِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْوَصِيِّ فِيهِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ أُمَّتِي شَيْئًا وَلَمْ يَجْتَهِدْ لَهُمْ وَلَمْ يَنْصَحْ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» نَقُولُ بِمُوجَبِهِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَحِلَّ النِّزَاعِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِيمَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ وَلَمْ يَنْصَحْ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ يَجْتَهِدُ وَيَنْصَحُ وَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَمَسُّ بِالْأَهْلِيَّةِ مِنْهُ، وَمَا قَالَهُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوقِ السَّبْعَةِ إلَى تَمَامِ الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالْمِائَةِ صَحِيح.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْعِبَادَاتِ كَالْعَامِدِ اهـ وَذَلِكَ أَنَّهُ بِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ بِمَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ الصَّلَاةِ كَانَ عَاصِيًا كَالْمُتَعَمِّدِ التَّرْكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ]
الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَكُونُ الْجَهْلُ عُذْرًا فِيهِ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْجَهْلَ نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ جَهْلٌ تَسَامَحَ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ فَعَفَا عَنْ مُرْتَكِبِهِ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يُتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ عَادَةً فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَلَهُ صُوَرٌ إحْدَاهَا مَنْ وَطِئَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً بِاللَّيْلِ يَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ عُفِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفَحْصَ عَنْ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ الْجَهْلُ بِنَجَاسَةِ الْأَطْعِمَةِ وَالْمِيَاهِ وَالْأَشْرِبَةِ يُعْفَى عَنْهُ لِمَا فِي تَكَرُّرِ الْفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالْكُلْفَةِ فَالْجَاهِلُ الْمُسْتَعْمِلُ لِشَيْءٍ مِنْهَا لَا إثْمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ جُلَّابًا فِي جَهْلِهِ بِهِ لِمَشَقَّةِ فَحْصِهِ عَنْهُ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا فِي صَفِّ الْكُفَّارِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا فِي جَهْلِهِ بِهِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ لَا إثْمَ عَلَى الْحَاكِمِ يَقْضِي بِشُهُودِ الزُّورِ جَاهِلًا بِحَالِهِمْ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ. الصُّورَةُ السَّادِسَةُ قَالَ الْحَطَّابُ عِنْدَ قَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ أَوْ شَهِدَ وَحَلَفَ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْ جَهَلَةِ الْعَوَامّ فَإِنَّهُمْ يَتَسَامَحُونَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي عِنْدِي أَنْ يُعْذَرُوا بِهِ اهـ.
النَّوْعُ الثَّانِي جَهْلٌ لَمْ يَتَسَامَحْ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَعْفُ عَنْ مُرْتَكِبِهِ، وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يَشُقُّ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ وَهَذَا النَّوْعُ يَطَّرِدُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَفِي بَعْضِ أَنْوَاعٍ مِنْ الْفُرُوعِ، أَمَّا أُصُولُ الدِّينِ فَلِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَمَّا شَدَّدَ فِي جَمِيعِ الِاعْتِقَادَاتِ تَشْدِيدًا عَظِيمًا بِحَيْثُ إنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ بَذَلَ جَهْدَهُ، وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي رَفْعِ الْجَهْلِ عَنْهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ أَوْ فِي شَيْءٍ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ مِنْ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ ذَلِكَ الْجَهْلُ لَكَانَ بِتَرْكِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ آثِمًا كَافِرًا يَخْلُدُ فِي النِّيرَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذَاهِبِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَوْصَلَ الِاجْتِهَادَ حَدَّهُ، وَصَارَ الْجَهْلُ لَهُ ضَرُورِيًّا لَا يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى صَارَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ فِيمَا يُعْتَقَدُ أَنَّهَا مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَبِحَيْثُ إنَّهُ يُكَلَّفُ بِأَدِلَّةِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَدَقَائِقِ أُصُولِ الدِّينِ نَحْوِ الْمَرْأَةِ الْبَلْهَاءِ الْمَفْسُودَةِ الْمِزَاجُ النَّاشِئَةِ فِي الْأَقَالِيمِ الْمُنْحَرِفَةِ عَمَّا يُوجِبُ اسْتِقَامَةَ الْعَقْلِ كَأَقَاصِي بِلَادِ السُّودَانِ وَأَقَاصِي بِلَادِ الْأَتْرَاكِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَقَالِيمَ لَا يَكُونُ لِلْعَقْلِ فِيهَا كَبِيرُ رَوْنَقٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بِلَادِ الْأَتْرَاكِ عِنْدَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ [الكهف: ٩٣] حَتَّى صَارَ تَكْلِيفُ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْقَوْلَ، وَبَعُدَتْ أَهْلِيَّتُهُ لِهَذِهِ الْغَايَةِ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ لَمَّا اخْتَصَّهُ الشَّرْعُ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ عَنْ الْفِقْهِ أَحَدُهَا أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، وَثَانِيهَا أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهِ آثِمٌ، وَثَالِثُهَا لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ.
وَأَمَّا أُصُولُ الْفِقْهِ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ يُلْحَقُ بِأُصُولِ الدِّينِ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ الْمُعْتَمَدِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ اُخْتُصَّ بِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ عَنْ الْفِقْهِ أَنَّ الْمُصِيبَ فِيهِ وَاحِدٌ وَالْمُخْطِئَ فِيهِ آثِمٌ، وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهِ، وَأَمَّا بَعْضُ
стр. 391
لِأَجْلِ الشَّكِّ فَاعْتُبِرَ الشَّكُّ، فَوَقَعَتْ هَذِهِ الْفُرُوعُ مُتَنَاقِضَةً كَمَا تَرَى فِي الظَّاهِرِ، وَإِذَا حَقَقْت عَلَى الْقَوَاعِدِ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا تَنَاقُضٌ بَلْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ مَشْكُوكٍ فِيهِ مُلْغًى فَكُلُّ سَبَبٍ شَكَكْنَا فِي طَرَيَانِهِ لَمْ نُرَتِّبْ عَلَيْهِ مُسَبَّبَهُ، وَجَعَلْنَا ذَلِكَ السَّبَبَ كَالْعَدَمِ الْمَجْزُومِ بِعَدَمِهِ فَلَا نُرَتِّبُ الْحُكْمَ، وَكُلُّ شَرْطٍ شَكَكْنَا فِي وُجُودِهِ جَعَلْنَاهُ كَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهِ فَلَا نُرَتِّبْ الْحُكْمَ، وَكُلُّ مَانِعٍ شَكَكْنَا فِي وُجُودِهِ جَعَلْنَاهُ مُلْغًى كَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهِ فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ إنْ وُجِدَ سَبَبُهُ فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ بِهَا فِي الطِّهَارَاتِ، وَتَعَيَّنَ إلْغَاؤُهَا مِنْ وَجْهٍ وَاخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاءُ ﵏ بِأَيِّ وَجْهٍ تُلْغَى وَإِلَّا فَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى اعْتِبَارِهَا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إذَا شُكَّ فِي طَرَيَانِ الْحَدَثِ جَعَلْته كَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهِ.
وَالْمَجْزُومُ بِعَدَمِهِ لَا يَجِبُ مَعَهُ الْوُضُوءُ فَلَا يَجِبُ عَلَى هَذَا الشَّاكِّ الْوُضُوءُ، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ تَفْتَقِرُ إلَى سَبَبٍ مُبَرِّئٍ مَعْلُومِ الْوُجُودِ أَوْ مَظْنُونِ الْوُجُودِ، وَالشَّكُّ فِي طَرَيَان الْحَدَثِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي بَقَاءِ الطَّهَارَةِ، وَالشَّكُّ فِي بَقَاءِ الطَّهَارَةِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ هَلْ هِيَ سَبَبٌ مُبَرِّئٌ أَمْ لَا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلَاةُ كَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهَا، وَالْمَجْزُومُ بِعَدَمِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فَيَجِبُ عَلَى هَذَا الشَّاكِّ أَنْ يُصَلِّيَ بِطَهَارَةٍ مَظْنُونَةٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَكِلَاهُمَا يَقُولُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ مُلْغًى لَكِنْ أَلْغَاهُ مَالِكٌ فِي السَّبَبِ الْمُبَرِّئِ وَإِلْغَاءُ الشَّافِعِيِّ فِي الْحَدَثِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَرْجَحُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ مَقْصِدٌ وَالطَّهَارَاتِ وَسَائِلٌ، وَطَرْحُ الشَّكِّ تَحْقِيقًا لِلْمَقْصِدِ أَوْلَى مِنْ طَرْحِهِ لِتَحْقِيقِ الْوَسَائِلِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّهَارَاتِ يُشَكُّ فِيهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا إذَا شُكَّ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا شُكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ الْحَدَثِ فَالْمَشْكُوكُ فِيهِ مُلْغًى عَلَى الْقَاعِدَةِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ شَرْطُهَا الْعِصْمَةُ، وَنَحْنُ نَشُكُّ فِي بَقَائِهَا فَيَكُونُ هَذَا الشَّرْطُ مُلْغًى عَلَى هَذِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنْوَاعِ الْفُرُوعِ فَأَحَدُهَا نَوْعُ الْعِبَادَاتِ لِمَا مَرَّ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ مِنْ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْجَاهِلَ فِيهَا كَالْعَامِدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِ بَهْرَامَ
وَذَاكَ كَثِيرٌ فِي الْوُضُوءِ وَمِثْلُهُ ... بِفَرْضِ صَلَاةٍ ثُمَّ حَجٍّ تَحَصَّلَا
مَا نَصُّهُ أَطْلَقَ فِي التَّوْضِيحِ الثَّلَاثَ فَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالْفَرْضِ، وَالْمَشْهُورُ إطْلَاقُ الْعِبَادَةِ فَتَشْمَلُ الصَّوْمَ وَالْعُمْرَةَ.
وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَوَاطِئُ:
رَهِينُ اعْتِكَافٍ بِالشَّرِيعَةِ جَاهِلَا
مَنْ وَطِئَ فِي اعْتِكَافِهِ جَهْلًا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ، وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ جَهِلَ الْحُرْمَةَ أَوْ جَهِلَ أَنَّهُ مُفْسِدٌ، ثُمَّ قَالَ إنَّ الِاعْتِكَافَ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْجَاهِلَ فِيهَا كَالْعَامِدِ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْوَطْءِ بَلْ كُلُّ مَا يَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ كَذَلِكَ كَالْخُرُوجِ جَهْلًا وَالْفِطْرِ جَهْلًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ
وَكُلُّ زَكَاةٍ مِنْ دَفْعِهَا لِكَافِرٍ ... وَغَيْرِ فَقِيرٍ ضَامِنٍ تِلْكَ مُسْجَلَا.
مَنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ جَهْلًا لَمْ يُعْذَرْ وَلَا مَفْهُومَ لِلْكَافِرِ وَغَيْرِ الْفَقِيرِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَشُرُوحِهِ وَهَذَا فِي اجْتِهَادٍ بِهَا أَمَّا بِدَفْعِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فَتُجْزِئُ، وَيَأْتِي هُنَا مَا سَبَقَ فِي الِاعْتِكَافِ، وَهَذَا أَسْهَلُ لِشَائِبَةِ الْمُعَامَلَةِ اهـ.
وَثَانِيهَا نَوْعُ الْعُقُودِ قَالَ الْأَمِيرُ عِنْدَ قَوْلِهِ
وَيُفْسَخُ بَيْعٌ فَاسِدٌ مُطْلَقًا وَلَا ... يُسَامَحُ فِيهِ مَنْ عَنْ الْحَقِّ عَوَّلَا
الْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُفْسَخُ، وَلَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْلِ وَلَا خُصُوصِيَّةَ فِي الْبَيْعِ كَمَا يَظْهَرُ، بَلْ كَذَلِكَ غَيْرُهُ كَالنِّكَاحِ مَثَلًا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ بِمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ لَا فِي ظَنِّ الْعَاقِدِ فَقَطْ كَمَا يُفِيدُهُ الْعَلَّامَةُ الْقَاسِمِيُّ عَلِيٌّ الْمَحَلِّيُّ وَغَيْرُهُ. اهـ.
ثَالِثُهَا نَوْعٌ مُسْقِطٌ لِلشُّفْعَةِ قَالَ الْأَمِيرُ: عِنْدَ قَوْلِهِ
وَمَنْ قَامَ بَعْدَ الْعَامِ يَشْفَعُ حَاضِرًا ... مَعَ الْعِلْمِ بِالْمُبْتَاعِ وَالْبَيْعِ أَوَّلَا
. مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِشَرِيكٍ عَلِمَ الْبَيْعَ وَسَكَتَ سَنَةً لَا أَقَلَّ، وَلَوْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ وَمَا لِابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ الْكِتَابَةَ تُسْقِطُ الشُّفْعَةَ بِشَهْرَيْنِ ضَعِيفٌ، وَإِنْ جَنَحَ لَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ بَلْ فِي الْخَرَشِيِّ وعبق عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَهْرَيْنِ زِيَادَةً عَلَى السَّنَةِ، وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَلَا يُعْذَرُ بِدَعْوَاهُ الْجَهْلَ لَا بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْقِطٌ لِلشُّفْعَةِ وَلَا بِأَنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ وَفِي عبق وَالْخَرَشِيِّ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ وَالْحَطَّابَ عَنْ ابْنِ كَوْثَرٍ وَالتَّتَّائِيِّ عَنْ الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ ذَكَرُوا أَنَّ شِرَاءَ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ، وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً بَلْ مُقْتَضَى أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا يُعْذَرُ فِيهَا بِالْجَهْلِ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْمُسْقِطَاتِ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ وَالْمُقَاسَمَةِ وَبَيْعِ حِصَّةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ فَائِدَةُ سُقُوطِ الشُّفْعَةِ بِالشِّرَاءِ يُظْهِرُهَا اخْتِلَافُ الثَّمَنَيْنِ اهـ.
وَرَابِعُهَا نَوْعُ الْعَيْبِ الْمَانِعِ مِنْ إجْزَاءِ عِتْقِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ قَالَ الْأَمِيرُ عِنْدَ قَوْلِهِ
وَمَنْ يُعْتِقُ الشَّخْصَ الْكَفُورَ لِجَهْلِهِ ... فَلَا يَجْزِي فِي كَفَّارَةٍ وَتَبَتُّلَا
فِي التَّوْضِيحِ قَالَ أَصْبَغُ فِيمَنْ اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً فَأَعْتَقَهَا فِي الْكَفَّارَةِ أَنَّهَا لَا تَجْزِيهِ، وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ. اهـ
وَظَاهِرُهُ جَهِلَ الْحُكْمَ أَوْ أَنَّهَا كَافِرَةٌ ثُمَّ لَا مَفْهُومَ لِلْكُفْرِ بَلْ كَذَلِكَ لِلْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْإِجْزَاءِ وَلَا يُعْذَرُ فِيهَا بِجَهْلٍ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْخَرَشِيِّ فِي الظِّهَارِ إذَا اطَّلَعَ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى عَيْبٍ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ اسْتَعَانَ بِأَرْشِهِ فِي رَقَبَةٍ أُخْرَى، وَقَوْلُهُ وَتَبَتُّلَا أَيْ ثُمَّ عَتَقَهُ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ اهـ. وَخَامِسُهَا نَوْعُ بَيْعِ الْخِيَارِ قَالَ الْأَمِيرُ عِنْدَ قَوْلِهِ
стр. 392
الْقَاعِدَةِ.
وَإِنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَشْكُوكَ فِيهِ مُلْغًى عَلَى الْقَاعِدَةِ وَإِذَا شَكَّ فِي عَيْنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ الْجَمِيعُ لِأَنَّا نَشُكُّ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا فِي السَّبَبِ الْمُبَرِّئِ فَلَعَلَّهُ غَيْرُ مَا وَقَعَ فَوَجَبَ اسْتِيعَابُهَا حَتَّى يُعْلَمَ السَّبَبُ الْمُبَرِّئُ كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ إذَا شَكَّ فِي طَرَيَان الْحَدَثِ عَلَى طَهَارَتِهَا، وَإِنْ شَكَّ هَلْ سَهَا أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَشْكُوكَ فِيهِ مُلْغًى عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا سَجَدَ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ نَصَبَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ سَبَبًا لِلسُّجُودِ لَا لِلزِّيَادَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ بَيْنَ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ وَبَيْنَ السَّبَبِ فِي الشَّكِّ فَلْيُطَالَعْ مِنْ هُنَاكَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هَاهُنَا الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَاتِ وَبَيْنَ الشَّكِّ فِي غَيْرِهَا، وَقَدْ أَشَرْت إلَيْهِ هَاهُنَا وَتَكْمِيلُهُ هُنَاكَ.
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبِقَاعِ جُعِلَتْ الْمَظَانُّ مِنْهَا مُعْتَبَرَةً فِي أَدَاءِ الْجُمُعَاتِ وَقَصْرِ الصَّلَوَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَزْمَانِ لَمْ تُجْعَلْ الْمَظَانُّ مِنْهَا مُعْتَبَرَةً فِي رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ وَلَا دُخُولِ أَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ وَتَرْتِيبِ أَحْكَامِهَا) .
اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْحُكْمِ إنْ أَمْكَنَ انْضِبَاطُهُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ كَتَعْلِيلِ التَّحْرِيمِ فِي الْخَمْرِ بِالسُّكْرِ وَالرِّبَا بِالْقُوتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ أُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ مَقَامَهُ وَعَدَمُ الِانْضِبَاطِ إمَّا لِاخْتِلَافِ مَقَادِيرِهِ فِي رُتَبِهِ كَالْمَشَقَّةِ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلْقَصْرِ وَهِيَ غَيْرُ مُنْضَبِطَةِ الْمَقَادِيرِ فَلَيْسَ مَشَاقُّ النَّاسِ سَوَاءً فِي ذَلِكَ، وَقَدْ يُدْرَكُ ظَاهِرًا وَقَدْ يُدْرَكُ خَفِيًّا.
وَمِثْلُ هَذَا يَعْسُرُ ضَبْطُهُ فِي مَحَالِّهِ حَتَّى تُضَافَ إلَيْهِ الْأَحْكَامُ فَأُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ مَقَامَهُ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَإِنَّهَا تُظَنُّ عِنْدَهَا الْمَشَقَّةُ وَكَالْإِنْزَالِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَبَائِعُ عَبْدٍ بِالْخِيَارِ يَرُومُ أَنْ ... يَرِدَ وَقَدْ وَلَّى الزَّمَانُ بِهِ وَلَا
بَيْعُ الْخِيَارِ يَلْزَمُ وَاضِعَ الْيَدِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ، بَلْ كُلُّ بَيْعٍ بِالْخِيَارِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُخْتَصَرُ وَشُرُوحُهُ اهـ.
وَلَا يَطَّرِدُ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْجَهْلِ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الْخَمْسَ مِنْ الْفُرُوعِ بَلْ هُوَ فِي مَسَائِلَ ذَكَرَهَا الْعُمْدَةُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ، وَنَظَمَهَا الشَّيْخُ بَهْرَامُ فِي أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ بَيْتًا، وَشَرَحَهَا الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ وَنَقَّحَهَا فِي. ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى صَمْتُ الْبِكْرِ وَضَحِكُهَا رِضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِذْنِ فِي الْعَقْدِ وَفِي تَعْيِينِ الصَّدَاقِ وَالزَّوْجِ وَلَا تُعْذَرُ بِدَعْوَاهَا الْجَهْلَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ رِضًا، وَلَوْ عُرِفَتْ بِالْبَلَهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِعَبْدِ الْحَمِيدِ الصَّائِغِ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ وَجِيهًا، وَلِذَلِكَ رُوعِيَ حَقُّهَا ابْتِدَاءً بِنَدْبِ إعْلَامِهَا بِأَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ رِضًا، وَيَكْفِي فِي النَّدْبِ مَرَّةٌ وَلِابْنِ شَعْبَانَ ثَلَاثًا وَقَالَ: الْأَقَلُّ تُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْإِعْلَامِ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَالْبُكَاءُ أَيْضًا رِضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ بَكَتْ عَلَى فَقْدِ أَبِيهَا، وَتَقُولُ فِي نَفْسِهَا لَوْ كَانَ أَبِي حَيًّا لَمَا احْتَجْت لِذَلِكَ، وَانْظُرْ أَيْضًا لَوْ جَهِلَتْ حُكْمَ أَنَّ ذَلِكَ رِضًا اهـ وَأَمَّا الثَّيِّبُ وَكَذَا السَّبْعَةُ الْأَبْكَارُ فَفِي قَوْلِ خَلِيلٍ وَالثَّيِّبُ تُعْرِبُ كَبِكْرٍ رَشَدَتْ أَوْ عَضَلَتْ أَوْ زُوِّجَتْ بِعَرَضٍ أَيْ مِمَّنْ لَا يُزَوَّجُ بِهِ أَوْ بِرِقٍّ أَوْ بِذِي عَيْبٍ أَوْ يَتِيمَةٍ أَوْ أُفْتِيتَ عَلَيْهَا اهـ.
يَعْنِي أَنَّهُنَّ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجِ وَالصَّدَاقِ لَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهِنَّ، وَأَمَّا الْإِذْنُ لِلْوَلِيِّ فِي الْعَقْدِ فَهَلْ كَذَلِكَ إذَا غِبْنَ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ يَكْفِي فِيهِ الصَّمْتُ وَلَوْ غِبْنَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْأَمِيرُ حَيْثُ قَالَ الثَّيِّبُ تُسَاوِي الْبِكْرَ فِي أَنَّ الصَّمْتَ رِضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِذْنِ فِي الْعَقْدِ لَا فِي تَعْيِينِ الصَّدَاقِ وَالزَّوْجِ فَتُعْرِبُ الثَّيِّبُ، وَانْظُرْ لَوْ جَهِلَتْ حُكْمَ الصَّمْتِ هَلْ يَجْرِي فِيهَا مَا جَرَى فِي الْبِكْرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ اهـ اُنْظُرْ الْمُخْتَصَرَ وَشُرُوحَهُ.
٢ -
. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
مَنْ عُقِدَ لَهَا غَيْرَ مُجْبَرَةٍ بِلَا إذْنِهَا فَلَهَا إمْضَاؤُهُ بِالْقَوْلِ حَيْثُ قَرُبَ وَالْيَوْمُ بَعُدَ، وَكَانَ بِالْبَلَدِ وَلَمْ تَرَهُ قَبْلُ، وَلَمْ يُجْبَرْ الْوَلِيُّ بِتَعَدِّيهِ حَالَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَفْتَتْ عَلَى الزَّوْجِ أَيْضًا، وَلَهَا رَدُّ الْعَقْدِ مَا لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ الْجِمَاعِ، وَإِلَّا كَانَ رِضًا وَلَا يَنْفَعُهَا دَعْوَى الْجَهْلِ بِكَوْنِ الْجِمَاعِ رِضًا فَقَوْلُهُمْ الْمُفْتَاتُ عَلَيْهَا لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِصَرِيحِ الْقَوْلِ حَصْرٌ إضَافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِنَحْوِ الصَّمْتِ، وَأَمَّا التَّمْكِينُ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ بِكْرٍ وَثَيِّبٍ فَافْهَمْ.
٢ -
. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَنْ أَكَلَ مَالِ يَتِيمٍ جَهْلًا ضَمِنَهُ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ كَذَا فِي التَّوْضِيحِ قَالَ الْأَمِيرُ وَانْظُرْ مَا مَعْنَى تَخْصِيصِ الْيَتِيمِ فَإِنَّ مَنْ أَكَلَ مَالَ شَخْصٍ مُطْلَقًا جَاهِلًا ضَمِنَهُ، وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي هُوَ وَالْعَمْدُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يُفْرَضَ فِي الْغَلَّةِ فَإِنَّهَا لِذِي الشُّبْهَةِ فَيُسْتَثْنَى مِنْهُ غَلَّةُ مَالِ الْيَتِيمِ، لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْنَاهُ اسْتِثْنَاءُ غَلَّةِ الْوَقْفِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ فَقَطْ فَيُحَرَّرُ ذَلِكَ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مَنْ قَذَفَ حُرًّا جَاهِلًا بِحُرِّيَّتِهِ حُدَّ وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَذْفُ فِي زِنًا أَوْ نَسَبٍ قَالَ الْأَمِيرُ وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْفَرْعِ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يَذْكُرْ جَهْلَهُ بِإِسْلَامِهِ أَوْ بُلُوغِهِ أَوْ عِتْقِهِ أَوْ عَقْلِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ اهـ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ إذَا أَطْلَقَ الزَّوْجُ تَمْلِيكَ الزَّوْجَةِ أَوْ تَخْيِيرَهَا وَانْقَضَى مَجْلِسٌ يُتَرَوَّى فِي مِثْلِهِ فَقَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَسْقُطُ مَا بِيَدِهَا وَلَا تُعْذَرُ بِجَهْلٍ، وَقَوْلُهُ الْآخِرُ بِبَقَاءِ مَا بِيَدِهَا مَا لَمْ تُوقِفْ أَوْ تُوطَأْ، وَذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا رَجَعَ
стр. 393
لَمَّا كَانَ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ فِي النَّاسِ بِسَبَبِ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُنْزِلُ إلَّا بِالدَّفْقِ وَالْإِحْسَاسِ بِاللَّذَّةِ الْكُبْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْزِلُ تَقْطِيرًا مِنْ غَيْرِ انْدِفَاقٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ يَنْدَفِقُ بَعْدَ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَلِذَلِكَ يَحْصُلُ الْوَلَدُ مَعَ الْعَزْلِ، وَالْإِنْسَانُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَا أَنْزَلَ وَهُوَ قَدْ أَنْزَلَ عَلَى سَبِيلِ السَّيَلَانِ مِنْ غَيْرِ دَفْقٍ فَيَحْصُلُ الْوَلَدُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْزَالُ مُخْتَلِفًا فِي النَّاسِ أُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ مَقَامَهُ وَهُوَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ فَإِنْ قُلْت مُجَرَّدُ الِالْتِقَاءِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْزَالُ فَكَيْفَ جُعِلَ مَظِنَّةَ الْإِنْزَالِ، وَهُوَ لَا يُظَنُّ عِنْدَهُ وَمِنْ شَرْطِ الْمَظِنَّةِ أَنْ يُظَنَّ عِنْدَهَا الْوَصْفُ الْمَطْلُوبُ لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.
قُلْت: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُظَنُّ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُنْزِلُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْزِلُ بِالْفِكْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْزِلُ بِالنَّظَرِ فَقَطْ فَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ فَجُعِلَ مَظِنَّةً وَمِنْ ذَلِكَ الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ يَخْتَلِفُ فِي النَّاسِ بِسَبَبِ اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ وَانْحِرَافِهِ فَرُبَّ صَبِيٍّ لِاعْتِدَالِ مِزَاجِهِ أَعْقَلُ مِنْ رَجُلٍ بَالِغٍ لِانْحِرَافِ مِزَاجِهِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِي الرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ جِدًّا فَجُعِلَ الْبُلُوغُ مَظِنَّتَهُ؛ لِأَنَّ الْبُلُوغَ مُنْضَبِطٌ وَهُوَ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ هَذَا فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ لِاخْتِلَافِ رُتَبِهِ فِي مَقَادِيرِهِ.
أَمَّا مَا يَنْضَبِطُ فِي مَقَادِيرِهِ لَكِنَّهُ خَفِيٌّ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَذَلِكَ كَالرِّضَا فِي انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَالرِّضَا أَمْرٌ خَفِيٌّ فَجُعِلَتْ الصِّيَغُ وَالْأَفْعَالُ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ قَائِمَةً مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ يُظَنُّ عِنْدَهَا وَأُلْغِيَ الرِّضَا إذَا انْفَرَدَ حَتَّى لَوْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ رَضِيَ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنْهُ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ لَمْ يَلْزَمْهُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَصَلَتْ مَشَقَّةُ السَّفَرِ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ تُرَتَّبْ عَلَيْهَا رُخَصُ الْمَشَقَّةِ مِنْ الْقَصْرِ وَالْإِفْطَارِ، فَإِذَا أَقَامَ الشَّرْعُ مَظِنَّةَ الْوَصْفِ مَقَامَهُ أَعْرَضَ عَنْ اعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ نَعَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَوَقَّعًا مَعَ الْمَظِنَّةِ فَلَوْ قَطَعْنَا بِعَدَمِهِ عِنْدَ الْمَظِنَّةِ فَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَظِنَّةِ حُكْمٌ كَمَا لَوْ قَطَعْنَا بِعَدَمِ الرِّضَا مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَى صُدُورِ الصِّيغَةِ أَوْ الْفِعْلِ غَيْرَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لِلْأَوَّلِ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبِهِ الْعَمَلُ فَإِنَّ عَيَّنَ الزَّوْجُ شَيْئًا عُمِلَ بِهِ أَوْ قَالَ مَتَى شِئْت لَمْ يَسْقُطْ بِالْمَجْلِسِ أَمِيرٌ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الطَّبِيبُ بِحَسَبِ زَعْمِهِ لَا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ لَكِنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ الضَّرَرَ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَإِنْ قَصَدَ النَّفْعَ فَضَرَّ ضَمِنَ فِي مَالِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا فِي عبق.
٢ -
. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ الْمُفْتِي لَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ فِي فَتْوَاهُ وَيَضْمَنُ مَا أَفْسَدَ بِهَا
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَنْ أَثْبَتَتْ أَنَّ زَوْجَهَا يَضْرِبُهَا فَتَلَوَّمَ لَهَا الْحَاكِمُ، ثُمَّ أَحْضَرَهُ لِيُطَلِّقَ عَلَيْهِ فَادَّعَى أَنَّهُ وَطِئَهَا سَقَطَ حَقُّهَا وَلَوْ ادَّعَتْ الْجَهْلَ أَيْ صَدَّقَتْ عَلَى الْوَطْءِ، وَجَهِلَتْ أَنَّهُ مُسْقِطٌ
٢ -
. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ إذَا زَنَى الْعَبْدُ أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ قَذَفَ جَاهِلًا بِالْعِتْقِ حُدَّ كَالْحُرِّ. الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْفَصْلُ وَقَرِيبُ الْحَوَاشِي جَاهِلًا فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ جَهِلَ الْقَرَابَةَ أَوْ الْحُكْمَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ جَاهِلًا بِأَنَّهُ هُوَ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مَنْ تَوَجَّهَ لَهُ عَلَى أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ دَنِيَّةً حَدٌّ أَوْ يَمِينٌ فَاسْتَوْفَى مَا ذُكِرَ جَاهِلًا بِأَنَّ ذَلِكَ مُفَسِّقٌ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ، وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ أَمَّا لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ جَهِلَ الْأُبُوَّةَ فَيُعْذَرُ.
٢ -
. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ فِي التَّوْضِيحِ مَنْ يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ كَانَ جَاهِلًا اهـ وَقَدْ صَرَّحُوا فِي بَابِ الزَّكَاةِ بِحُرْمَةِ كَسْرِ الْمَسْكُوكِ لِغَيْرِ سَبْكٍ أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْشُوشًا فَيُكْسَرُ.
٢ -
. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ فِي الْمُخْتَصَرِ فِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ أَيْ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَرَفْعِهَا لِلْحَاكِمِ بِالْإِمْكَانِ إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمٌ كَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَوَقْفٍ وَرَضَاعٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا وَلَا عُذْرَ بِجَهْلٍ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الشَّهَادَةُ بِمَا يُسْتَدَامُ تَحْرِيمُهُ تَبْطُلُ بِتَرْكِ رَفْعِهِ إلَى السُّلْطَانِ الْأَعْلَى ظَاهِرُ قَوْلِ أَشْهَبَ اهـ وَضَابِطُ حَقِّ اللَّهِ كَمَا فِي شُرُوحِ الْمُخْتَصَرِ، وَقَدْ مَرَّ كُلُّ مَا لَيْسَ لِلْمَخْلُوقِ إسْقَاطُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنْ كَانَ هُنَاكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَتِمُّ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُبَادَرَةُ تَحْصِيلًا لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ فَإِنْ أَبَى غَيْرُهُ أَوْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَفِي التَّوْضِيحِ قَيَّدَ ابْنُ شَاسٍ الْوَقْفَ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، أَيْ وَيَأْكُلُهُ غَيْرُ الْوَاقِفِ وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ فِيهِ الْبَاجِيَّ وَابْنُ رُشْدٍ اهـ.
قَالَ الْبُنَانِيُّ وَعَلَى مَا لِابْنِ شَاسٍ اقْتَصَرَ عبق وَفَصَّلَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي الْوَقْتِ لِمُعَيَّنٍ قَائِلًا إنْ كَانَ الْوَاقِفُ بَذَلَهُ أَوَّلًا، وَلَكِنْ جَعَلَهُ لِمُعَيَّنٍ فَالْحَقُّ فِي هَذَا حَقُّ اللَّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُعَيَّنَ إذَا لَمْ يَقْبَلْهُ رَجَعَ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا لِلْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ غَيْرِ تَبْتِيلٍ لَهُ أَوَّلًا كَأَنْ يَجْعَلَهُ حَبْسًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ حَقٌّ آدَمِيٌّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْبَلْهُ هُنَا رُدَّ لِمَالِكِهِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ اهـ.
قَالَ الْخَطَّابُ وَفِي كَوْنِ الْعِتْقِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدِي نَظَرٌ اهـ قَالَ عبق أَمَّا عَدَمُ تَمَحُّضِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ حَقٌّ فِي الْعِتْقِ بِتَخْلِيصِ رَقَبَتِهِ مِنْ الرِّقِّ وَالْمَرْأَةَ فِي تَخْلِيصِ عِصْمَتِهَا مِنْ الزَّوْجِ وَالْمَوْقُوفَ عَلَيْهِمْ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ فِيهِ تَتَمَحَّضُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ عَنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ كَرِضَا الْعَبْدِ بِخِدْمَتِهِ كَخِدْمَةِ مَنْ يُعْتِقُ وَالْمَرْأَةِ بِبَقَائِهَا تَحْتَهُ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْوَقْفِ، أَيْ فَيَحْرُمُ وَيَجِبُ الرَّفْعُ، وَأَمَّا الرَّضَاعُ فَظَاهِرٌ تَمَحُّضُهُ لِلَّهِ قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ
مَنْ سَرَقَ ثَوْبًا لَا يُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ وَفِيهِ رُبْعُ دِينَارٍ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ قَالَ
стр. 394
أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ أَنَّهُ الْأَصْلُ خُولِفَ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَإِنَّا لَوْ قَطَعْنَا بِعَدَمِ الْإِنْزَالِ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَخُولِفَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِمْ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ إنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَدُّ الْمُفْتَرِي فَأُقِيمَ الشُّرْبُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْقَذْفِ مَقَامَهُ، وَنَحْنُ مَعَ ذَلِكَ نُقِيمُ الْحَدَّ فِي الشُّرْبِ عَلَى مَنْ نَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ.
وَكَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ يَسْتَشْكِلُ الْأَثَرَ الْوَارِدَ فِي الشُّرْبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَيَقُولُ كَيْفَ تُقَامُ الْمَظِنَّةُ مَقَامَ الْقَذْفِ وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِعَدَمِ الْقَذْفِ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَثَرِ بِمَا شَهِدَ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ.
وَهَذَا قَدْ نَقْطَعُ فِيهِ بِعَدَمِ الْمَظْنُونِ عِنْدَ وُجُودِ مَظِنَّتِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَظِنَّةِ وَالْحِكْمَةِ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِي التَّعْلِيلِ بِهَا وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْوَصْفِ وَالْمَظِنَّةِ وَالْحِكْمَةِ؟ قُلْت: الْحِكْمَةُ هِيَ الَّتِي تُوجِبُ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً مُعْتَبَرَةً فِي الْحُكْمِ فَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْتَبَرًا فِي الْحُكْمِ إنْ كَانَ مُنْضَبِطًا اُعْتُمِدَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَظِنَّةٍ تُقَامُ مَقَامَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْضَبِطًا أُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ مَقَامَهُ فَالْحِكْمَةُ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى، وَالْوَصْفُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ وَالْمَظِنَّةُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ وَمِثَالُ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَبِيعِ أَنَّ حَاجَةَ الْمُكَلَّفِ إلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ هُوَ الْمَصْلَحَةُ الْمُوجِبَةُ لِاعْتِبَارِ الرِّضَا، وَهِيَ الْمُصَيِّرَةُ لَهُ سَبَبًا لِلِانْتِقَالِ وَمَظِنَّةَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَالْحَاجَةُ هِيَ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِاعْتِبَارِ الرِّضَا فَاعْتِبَارُ الرِّضَا فَرْعُهَا.
وَاعْتِبَارُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَرْعُ اعْتِبَارِ الرِّضَا وَمِثَالُ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا فِي السَّفَرِ أَنَّ مَصْلَحَةَ الْمُكَلَّفِ فِي رَاحَتِهِ، وَصَلَاحُ جِسْمِهِ يُوجِبُ أَنَّ الْمَشَقَّةَ إذَا عَرَضَتْ تُوجِبُ عَنْهُ تَخْفِيفَ الْعِبَادَةِ لِئَلَّا تَعْظُمَ الْمَشَقَّةُ فَتَضِيعَ مَصَالِحُهُ بِإِضْعَافِ جِسْمِهِ وَإِهْلَاكِ قُوَّتِهِ فَحِفْظُ صِحَّةِ الْجِسْمِ وَتَوْفِيرُ قُوَّتِهِ هُوَ الْمَصْلَحَةُ وَالْحِكْمَةُ الْمُوجِبَةُ لِاعْتِبَارِ وَصْفِ الْمَشَقَّةِ بِسَبَبِ التَّرَخُّصِ، فَالْمَشَقَّةُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ فَرْعُ الْمُؤَثِّرِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْأَمِيرُ وَهَذَا فَرْضٌ. مِثَالٌ: قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَوْ ظَنَّ أَيْ: رُبُعَ الدِّينَارِ أَوْ ثَلَاثَةَ الدَّرَاهِمِ فُلُوسًا أَوْ الثَّوْبَ فَارِغًا، وَقَيَّدَهُ بِمَا إذَا كَانَ مِثْلُهُ يُرْفَعُ فِيهِ نِصَابٌ لَا إنْ كَانَ خَلَقًا، وَلَا إنْ سَرَقَ خَشَبَةً أَوْ حَجَرًا يَظُنُّهُ فَارِغًا فَإِذَا فِيهِ نِصَابٌ فَلَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْعَلُ فِيهِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ تِلْكَ الْخَشَبَةِ تُسَاوِي نِصَابًا فَيُقْطَعُ فِي قِيمَتِهَا دُونَ مَا فِيهَا.
قَالَ وَالْعَصَا الْمُفَضَّضَةُ لَا تُسَاوِي ذَاتُهَا نِصَابًا إنْ سُرِقَتْ لَيْلًا أَوْ مِنْ مَحِلٍّ مُظْلِمٍ فَلَا قَطْعَ اهـ. .
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إذَا وَطِئَ الْمُرْتَهِنُ الْأَمَةَ الْمُرْتَهَنَةَ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهَالَةٍ قَالَ الْأَمِيرُ أَيْ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الِارْتِهَانِ ضَعِيفَةٌ فَلَا تَمْنَعُ الْحَدَّ. قَالَ عبق أَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فَلَا حَدَّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حِينَئِذٍ أَمَةً مُحَلَّلَةً وَفِي وَطْئِهَا الْأَدَبُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ أَيْضًا اهـ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمُرْتَهِنُ يَرُدُّ الرَّهْنَ فَتَبْطُلُ الْحِيَازَةُ وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ اهـ.
قَالَ الْأَمِيرُ أَيْ إذَا رَدَّهُ اخْتِيَارًا، وَإِلَّا فَلَهُ أَخْذُهُ مَتَى قَدَرَ وَمَعْنَى بُطْلَانِ الْحِيَازَةِ أَنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِمُفَوِّتٍ كَعِتْقٍ أَوْ قِيَامِ غُرَمَاءَ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مُفَوِّتٌ فَلَهُ رَدُّهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ جَهِلَ إبْطَالَ الْجَوَازِ بِذَلِكَ حَيْثُ أَشْبَهَ كَمَا نَقَلَهُ شُرَّاحُ الْمُخْتَصَرِ عَنْ اللَّخْمِيِّ اهـ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْبَدْوِيُّ يُقِرُّ بِالزِّنَا وَالشُّرْبِ، وَيَقُولُ فَعَلْت ذَلِكَ جَهْلًا اهـ قَالَ الْأَمِيرُ وَالْبَدْوِيُّ نَصٌّ عَلَى الْمُتَوَهِّمِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ الْجَهْلُ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَهْلِ الْحَدِّ وَالْحُرْمَةِ، وَأَمَّا جَهْلُ الْعَيْنِ بِأَنْ يَظُنَّهَا امْرَأَتَهُ وَالْخَمْرَ عَسَلًا فَعُذْرٌ حَيْثُ أَشْبَهَ ذَلِكَ وَفِي الْمُخْتَصَرِ عُذْرُهُ بِجَهْلِ الْحُكْمِ فِي الزِّنَا غَيْرِ الْوَاضِحِ إنْ جَهِلَ مِثْلَهُ، وَفَرَّقَ عبق بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشُّرْبِ أَوَّلًا بِأَنَّ الشُّرْبَ أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْ غَيْرِهِ، وَثَانِيًا بِأَنَّ مَفَاسِدَهُ أَشَدُّ مِنْ مَفَاسِدِ الزِّنَا إذْ رُبَّمَا حَصَلَ بِالشُّرْبِ زِنًا وَسَرِقَةٌ وَقَتْلٌ وَلِذَا وَرَدَ أَنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ، وَثَالِثًا بِأَنَّ حُرْمَةَ الزِّنَا وَوُجُوبَ الْحَدِّ فِيهِ مِنْ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يُجْهَلُ بِخِلَافِ الزِّنَا فَإِنَّ فِيهِ وَاضِحًا وَغَيْرَهُ.
قَالَ لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَقَدْ ظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَفَشَا فَلَا يُعْذَرُ جَاهِلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ اهـ وَتَنَاوَلَ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا الْقَذْفَ وَالسَّرِقَةَ اهـ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَالَ الْأَمِيرُ الْأَمَةُ الْمُعْتَقَةُ إذَا وَطِئَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا أَوْ مَكَّنَتْهُ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَأَوْلَى إنْ حَاوَلَتْ هِيَ مِنْهُ ذَلِكَ سَقَطَ خِيَارُهَا، وَلَا تُعْذَرُ بِدَعْوَاهَا الْجَهْلَ بِأَصْلِ التَّخْيِيرِ أَوْ بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْقِطٌ، وَمِثْلُ الْجَهْلِ النِّسْيَانُ وَالْمَشْهُورُ وَلَوْ لَمْ يَشْتَهِرْ الْحُكْمُ عِنْدَ النَّاسِ، وَعَذَرَ الْبَغْدَادِيُّونَ حَدِيثَةَ الْعَهْدِ بِالْجَهْلِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ مَالِكٌ عَلَى مَنْ اُشْتُهِرَ عِنْدَهُمْ الْحُكْمُ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَى أَحَدٍ كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِمَّا لَمْ تُعْذَرْ فِيهِ بِالْجَهْلِ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ رَوَى مُحَمَّدٌ أَنَّ بَيْعَ زَوْجِهَا قَبْلَ عِتْقِهَا بِأَرْضِ غُرْبَةٍ فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ طَلَاقٌ، ثُمَّ عَتَقَتْ وَلَمْ تَخْتَرْ نَفْسَهَا حَتَّى عَتَقَ زَوْجُهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ فِي مُسْقِطَاتِ الْخِيَارِ أَوْ عَتَقَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ وَتُعْذَرُ بِجَهْلِ الْعِتْقِ وَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْلِ حَيْثُ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيُؤَدَّبُ إنْ وَطِئَهَا عَالِمًا بِالْعِتْقِ وَالْحُكْمِ وَلَا تُعْذَرُ بِنِسْيَانِ الْعِتْقِ.
قَالَ عبق لِمَا عِنْدَ النَّاسِ مِنْ زِيَادَةِ التَّفْرِيطِ عَلَى الْجَاهِلِ اهـ بِتَصَرُّفٍ لِلْإِصْلَاحِ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمَرْأَةُ يَغِيبُ عَنْهَا زَوْجُهَا فَتُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ يَأْتِي نَعْيُهُ فَتَرُدُّ مَا أَنْفَقَتْ مِنْ يَوْمِ الْوَفَاةِ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ رَأَى حَمْلَ زَوْجَتِهِ فَأَخَّرَ اللِّعَانَ بِلَا
стр. 395
وَالْمَظِنَّةُ الْمَشَقَّةُ وَاعْتِبَارُهَا فَرْعُ اعْتِبَارِ الْمَشَقَّةِ فَهِيَ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، وَمِثَالُ الْحِكْمَةِ وَالْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ مَظِنَّةٍ فِيمَا هُوَ مُنْضَبِطٌ الرَّضَاعُ وَصْفٌ مُوجِبٌ لِلتَّحْرِيمِ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ يُصَيِّرُ جُزْءَ الْمَرْأَةِ الَّذِي هُوَ اللَّبَنُ جُزْءَ الصَّبِيِّ الرَّضَاعُ فَنَاسَبَ التَّحْرِيمُ بِذَلِكَ لِمُشَابِهَتِهِ لِلنَّسَبِ؛ لِأَنَّ مَنِيَّهَا وَطَمْثَهَا جُزْءُ الصَّبِيِّ فَلَمَّا كَانَ الرَّضَاعُ كَذَلِكَ قَالَ ﷺ «الرَّضَاعُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» فَالْجُزْئِيَّةُ هِيَ الْحِكْمَةُ وَهِيَ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى وَالرَّضَاعُ الَّذِي هُوَ الْوَصْفُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَوَصْفُ الزِّنَا مُوجِبٌ لِلْحَدِّ وَحِكْمَتُهُ الْمُوجِبَةُ لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ اخْتِلَاطُ الْأَنْسَابِ فَاخْتِلَاطُ الْأَنْسَابِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْحِكْمَةُ وَوَصْفُ الزِّنَا فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ ضَيَاعُ الْمَالِ هُوَ الْمُوجِبُ لِكَوْنِ وَصْفِ السَّرِقَةِ سَبَبَ الْقَطْعِ فَضَيَاعُ الْمَالِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى، وَوَصْفُ السَّرِقَةِ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمَّا كَانَ وَصْفُ الرَّضَاعِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ مُنْضَبِطًا لَمْ يُحْتَجْ إلَى مَظِنَّةٍ تَقُومُ مَقَامَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فَلَمْ يُحْتَجْ لِلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ أَنْ يَلْزَمَ أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ صَبِيٌّ مِنْ لَحْمِ امْرَأَةٍ قِطْعَةً أَنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ جُزْأَهَا صَارَ جُزْأَهُ.
وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَلَوْ وُجِدَ إنْسَانٌ يَأْخُذُ الصِّبْيَانَ مِنْ أُمَّهَاتِهِمْ صِغَارًا وَيَأْتِي بِهِمْ كِبَارًا بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا بِسَبَبِ أَنَّهُ أَوْجَبَ اخْتِلَاطَ الْأَنْسَابِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَأَنَّ مَنْ ضَيَّعَ الْمَالَ بِالْغَصْبِ وَالْعُدْوَانِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي خَالَفَ الْجُمْهُورُ بِالتَّعْلِيلِ بِالْمَظِنَّةِ، فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَظِنَّةِ وَالْوَصْفِ وَالْحِكْمَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَبَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَظِنَّةِ فَرْقٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحِكْمَةَ إذَا قَطَعْنَا بِعَدَمِهَا لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ كَمَا إذَا قَطَعْنَا بِعَدَمِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ مِنْ الزِّنَا بِأَنْ تَحِيضَ الْمَرْأَةُ، وَيَظْهَرَ عَدَمُ حَمْلِهَا وَمَعَ ذَلِكَ نُقِيمُ الْحَدَّ وَنَأْخُذُ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ مِنْ السَّارِقِ، وَنَجْزِمُ بِعَدَمِ ضَيَاعِ الْمَالِ، وَمَعَ ذَلِكَ نُقِيمُ حَدَّ السَّرِقَةِ.
وَأَمَّا الْمَظِنَّةُ فِيهَا بِعَدَمِ الْمَظْنُونِ فَالْغَالِبُ فِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عُذْرٍ فَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ، وَلَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ تَأْخِيرُهُ خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ انْتِفَاخًا فَيَنْفَشُّ، وَأَمَّا اللِّعَانُ لِرُؤْيَتِهَا تَزْنِي فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّأْخِيرِ نَعَمْ يَسْقُطَانِ بِالْوَطْءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِجَهْلٍ، وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ لَا تُسْقِطُ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمُطَلَّقَةُ يُرَاجِعُهَا زَوْجُهَا فَتَسْكُتُ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ تَدَّعِي أَنَّ عِدَّتَهَا كَانَتْ انْقَضَتْ، وَتَدَّعِي الْجَهْلَ فِي سُكُوتِهَا اهـ.
وَلَيْسَ الْوَطْءُ شَرْطًا لِمَا فِي الْمُخْتَصَرِ إذَا أَشْهَدَ بِرَجْعَتِهَا فَصَمَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ كَمَا فِي عبق عَنْ الْمُدَوَّنَةِ كَانَتْ انْقَضَتْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ سُكُوتَهَا دَلِيلُ كَذِبِهَا اهـ أَمِيرٌ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الرَّجُلُ يُبَاعُ عَلَيْهِ مَالُهُ وَيَقْبِضُهُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ حَاضِرٌ لَا يُغَيِّرُ وَلَا يُنْكِرُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ وَيَدَّعِي الْجَهْلَ اهـ.
قَالَ الْأَمِيرُ أَيْ فَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ وَلَهُ الثَّمَنُ مَا لَمْ تَمْضِ سَنَةٌ، وَالْغَائِبُ لَهُ الرَّدُّ مَا لَمْ تَمْضِ سَنَةٌ فَالثَّمَنُ مَا لَمْ تَمْضِ ثَلَاثٌ هَذَا حَاصِلُ مَا قَرَّرَهُ لَنَا شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ قَالَ عبق وَالْمُعْتَمَدُ حُرْمَةُ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَشِرَائِهِ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ لَا جَوَازُهُ وَلَا نَدْبُهُ. قَالَ الْحَطَّابُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ، وَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَالِ الْمَالِكِ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ اهـ كَلَامُ عبق.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَنْ حَازَ مَالَ رَجُلٍ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ الَّتِي تَكُونُ عَامِلَةً وَادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَهُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يُعْذَرُ صَاحِبُ الْمَالِ إنْ ادَّعَى الْجَهْلَ اهـ قَالَ الْأَمِيرُ: وَتَفْصِيلُ مُدَّةِ الْحَوْزِ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَشُرُوحِهِ، وَلَيْسَ التَّطْوِيلُ لَهُ مِنْ مُهِمِّنَا الْآنَ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمُظَاهِرُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فِي الصِّيَامِ فَيَلْزَمُهُ الِابْتِدَاءُ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ. اهـ.
قَالَ الْأَمِيرُ أَيْ إذَا وَطِئَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَكَذَلِكَ النِّسْيَانُ وَالْغَلَطُ لَا عُذْرَ بِهِمَا، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْإِطْعَامِ فَكَالصَّوْمِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: الْوَطْءُ لَا يُبْطِلُ الْإِطْعَامَ الْمُتَقَدِّمَ مُطْلَقًا، وَالِاسْتِئْنَافُ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَفْهُومُ وَطِئَ أَنَّ الْقُبْلَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ لَا يَقْطَعَانِهِ وَشَهَرَهُ يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ يَقْطَعَانِهِ وَشَهَرَهُ الزَّنَاتِيُّ اهـ عبق وَاقْتَصَرَ الْخَرَشِيُّ عَلَى الثَّانِي اهـ أَمِيرٌ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الرَّجُلُ يَجْعَلُ امْرَأَتَهُ بِيَدِ غَيْرِهَا فَلَا يَقْضِي الْمُمَلَّكُ حَتَّى يَطَأَ ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ يَقْضِيَ وَتَقُولُ جَهِلْت وَظَنَنْت أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْطَعُ مَا كَانَ اهـ قَالَ الْأَمِيرُ وَالْمُقَدِّمَاتُ كَالْوَطْءِ فَالْمَدَارُ عَلَى التَّمْكِينِ طَوْعًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِغَيْرِ عِلْمِ ذَلِكَ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّامِلِ اُنْظُرْ التَّتَّائِيَّ وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ سَالِمٍ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلَيْهَا وَابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِعِلْمِهِ وَرِضَاهُ اهـ عبق، وَكَذَلِكَ إنْ مَلَكَهَا هُوَ أَوْ خُيِّرَ اهـ
٢ -
. الْمَسْأَلَة السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الَّذِي يُمَلِّكُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا فَتَقُولُ قَدْ قَبِلْت ثُمَّ تُصَالِحُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ مَا قَبِلَتْ ثُمَّ تَقُولُ كُنْت أَرَدْت ثَلَاثًا لِتَرْجِعَ فِيمَا صَالَحَتْ أَنَّهَا لَمْ تَرْجِعْ عَلَى الزَّوْجِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا حِينَ صَالَحَتْ عَلِمَتْ أَنَّهَا لَمْ تَطْلُقْ ثَلَاثًا وَلَا تُعْذَرُ بِالْجَهْلِ اهـ.
٢ -
. الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ الْأَمِيرُ مَنْ مَلَّكَ زَوْجَتَهُ فَقَضَتْ بِالْبَتَّةِ وَادَّعَى الْجَهْلَ بِحُكْمِ التَّمْلِيكِ فَقِيلَ يَلْزَمُك مَا أَوْقَعْت فَقَالَ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً، هَكَذَا فِي التَّوْضِيحِ فَجَعَلَ ادِّعَاءَهُ الْجَهْلَ مُكَذِّبًا لَهُ، وَإِلَّا فَلَهُ مُنَاكَرَةُ الْمُمَلَّكَةِ إنْ نَوَى دُونَ الثَّلَاثِ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَشُرُوحِهِ اهـ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ
стр. 396
فِي مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْمَظِنَّةِ، وَذَلِكَ فِيمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ الْعُقُودِ النَّاقِلَةِ لِلْأَمْلَاكِ أَوْ الْمُوجِبَةِ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ تِلْكَ الْمَظَانَّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا بِالْإِكْرَاهِ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ فَهَذَا فَرْقٌ آخَرُ بَيْنَ الْمَظِنَّةِ وَالْحِكْمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَطْعَ بِعَدَمِ الْحِكْمَةِ لَا يَقْدَحُ، وَالْقَطْعَ بِعَدَمِ مَظْنُونِ الْمَظِنَّةِ يَقْدَحُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَفَطَّنَ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَهَذِهِ التَّفَاصِيلِ فَهِيَ وَإِنْ انْبَنَى عَلَيْهَا بَيَانُ هَذَا الْفَرْقِ فَهِيَ يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْفُقَهَاءُ ﵏ كَثِيرًا فِي مَوَارِدِ الْفِقْهِ وَالتَّرْجِيحِ وَالتَّعْلِيلِ إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ.
فَنَقُولُ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْبِقَاعُ فِي الْجُمُعَاتِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فِي الْإِتْيَانِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ أَذَانِهَا وَسَمَاعِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَسَافَةِ إذَا هَدَأَتْ الْأَصْوَاتُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» فَجَعَلَ مَظِنَّةَ السَّمَاعِ مَقَامَ السَّمَاعِ، وَلِذَلِكَ جُعِلَتْ الْبِقَاعُ الَّتِي فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ مُعْتَبَرَةً فِي قَصْرِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّرْخِيصِ.
وَأَمَّا أَهِلَّةُ شُهُورِ الْعِبَادَاتِ كَرَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ وَنَحْوِهَا فَلَا حَاجَةَ فِيهَا إلَى مَظِنَّةٍ مِنْ جِهَةِ الزَّمَانِ بِسَبَبِ أَنَّ الْقَطْعَ بِحُصُولِهَا مَوْجُودٌ مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ أَوْ إكْمَالِ الْعِدَّةِ، فَيَحْصُلُ الْقَطْعُ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَظِنَّةٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الزَّمَانَ يَقُومُ مَقَامَهُ فَإِنَّ الْمَظِنَّةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ عَدَمِ الِانْضِبَاطِ، أَمَّا مَعَهُ فَلَا فَإِذَا ظَنَنَّا أَنَّ الْهِلَالَ يَطْلُعُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِسَبَبِ قَرَائِنَ تَقَدَّمَتْ إمَّا مِنْ تَوَالِي تَمَامِ الشُّهُورِ فَنَظُنُّ نَقْصَ هَذَا الشَّهْرِ أَوْ مِنْ جِهَةِ تَوَالِي النَّقْصِ فَنَظُنُّ تَمَامَ هَذَا الشَّهْرِ أَوْ مِنْ جِهَةِ طُلُوعِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَنَظُنُّ تَمَامَ هَذَا الشَّهْرِ أَوْ مِنْ جِهَةِ تَأَخُّرِهِ فِي الطُّلُوعِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَنَظُنُّ نُقْصَانَ هَذَا الشَّهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَوَاقِيتِ عَلَى رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ، وَيُوجِبُ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هِيَ مَظِنَّةُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَإِنَّا لَا نَعْتَبِرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا نُقِيمُ الْمَظِنَّةَ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ لَنَا طَرِيقًا لِلْوُصُولِ إلَى
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالْعِشْرُونَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْوَاضِحَةِ فِيمَنْ بَاعَ جَارِيَتَهُ، وَقَالَ كَانَ لَهَا زَوْجٌ وَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَقَالَتْ ذَلِكَ الْجَارِيَةُ لَمْ يَجُزْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطَأَ وَلَا يُزَوِّجَ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْوَفَاةِ وَإِنْ أَرَادَ رَدَّهَا، وَادَّعَى أَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ وَالْجَارِيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ اهـ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ أَصْبَغُ: فِي الْمُظَاهِرِ يَطَأُ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ أَنَّهُ يُعَاقَبُ وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ اهـ وَمِثْلُ الْوَطْءِ مُقَدِّمَاتُهُ كَمَا فِي شُرُوحِ الْمُخْتَصَرِ.
٢ -
. الْمَسْأَلَةُ الثَّلَاثُونَ إذَا أَطْلَقَ الزَّوْجُ فِي تَخْيِيرِ امْرَأَتِهِ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَقَضَتْ بِوَاحِدَةٍ بَطَلَ مَا بِيَدِهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَقُولَ جَهِلْت وَظَنَنْت أَنَّ لِي أَنْ أَخْتَارَ وَاحِدَةً، وَمِثْلُ الْوَاحِدَةِ الِاثْنَانِ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ ثَلَاثٌ قَالَ عبق فَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجُ بِمَا أَوْقَعَتْ لَزِمَ أَفَادَهُ الْأَمِيرُ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ فِي التَّوْضِيحِ الَّتِي يَقُولُ لَهَا زَوْجُهَا إنْ غِبْت عَنْك أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَمْرُك بِيَدِك فَيَغِيبُ عَنْهَا، وَتُقِيمُ بَعْدَ السِّتَّةِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُشْهِدَ أَنَّهَا عَلَى حَقِّهَا ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَقْضِيَ وَتَقُولُ جَهِلْت وَظَنَنْت أَنَّ الْأَمْرَ بِيَدِي مَتَى شِئْت اهـ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَالَ الْأَمِيرُ عُدَّ فِي التَّوْضِيحِ مِنْهَا الشَّاهِدُ يُخْطِئُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ.
٢ -
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَالَ الْأَمِيرُ عُدَّ فِي التَّوْضِيحِ مِنْهَا الْغَرِيمُ يُعْتِقُ بِحَضْرَةِ غُرَمَائِهِ فَيَسْكُتُونَ وَلَا يُنْكِرُونَ ثُمَّ يُرِيدُونَ الْقِيَامَ، وَبَقِيَ مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا الْأَصْلُ وَهِيَ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا فِي حَالَةِ السَّعَةِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ عَنْ ذَلِكَ أَثِمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ الْجِهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ السَّمْتِ]
. (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ الْجِهَةِ فِي الصَّلَاةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِقْبَالِ السَّمْتِ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ فَرْضَ مَنْ قَرُبَ مِنْ الْكَعْبَةِ وَعَايَنَهَا اسْتِقْبَالُ السَّمْتِ أَيْ عَيْنِهَا فَإِذَا صَفَّ صَفٌّ مَعَ حَائِطِ الْكَعْبَةِ فَصَلَاةُ الْخَارِجِ عَنْهَا بِبَدَنِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَسْتَقْبِلَ بِجُمْلَتِهِ الْكَعْبَةَ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ اسْتَدَارَ، وَكَذَلِكَ الصَّفُّ الطَّوِيلُ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ يُصَلُّونَ دَائِرَةً وَقَوْسًا إنْ قَصَرُوا عَنْ الدَّائِرَةِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَمَّا لَوْ خَرَجَ عَنْ السَّمْتِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يَصِحَّ أَيْ لِكَوْنِهِ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَكَذَا مَنْ بِمَكَّةَ أَيْ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُسَامَتَةُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَطْلُعَ عَلَى سَطْحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَعْرِفَ سَمْتَ الْكَعْبَةِ بِالْمَحِلِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ اسْتَدَلَّ أَيْ إنَّ مَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ كَانَ بِلَيْلٍ مُظْلِمٍ فَإِنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِأَعْلَامِ الْبَيْتِ مِثْلِ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ يَسْتَدِلُّ بِالْمَطَالِعِ أَوْ الْمَغَارِبِ إنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ فَإِنْ قَدَرَ بِمَشَقَّةٍ أَيْ عَلَى الْمُسَامَتَةِ كَمَا لَوْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى صُعُودِ السَّطْحِ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ أَوْ مَرِيضٌ فَفِي الِاجْتِهَادِ نَظَرٌ أَيْ تَرَدُّدٌ حَكَاهُ ابْنُ شَاسٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الصَّوَابُ الْمَنْعُ اهـ بِتَوْضِيحٍ مِنْ شَرْحَيْ خَلِيلٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ قَالَ الْحَطَّابُ هَذَا مَا نَعْرِفُهُ لِأَصْحَابِنَا، وَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ الْكَعْبَةُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةُ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْحَرَمُ قِبْلَةُ أَهْلِ الدُّنْيَا فَهَذَا النَّقْلُ عَنْهُ غَرِيبٌ، وَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْمَكِّيِّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ» فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ
стр. 397
الْوَصْفِ الْمَطْلُوبِ إمَّا بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِكَمَالِ الْعِدَّةِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ لَا يُعْدَلُ إلَى الْمَظِنَّةِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ انْضِبَاطِ الْوَصْفِ دَائِمًا أَوْ فِي الْأَغْلَبِ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَلِذَلِكَ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْمَظَانِّ مِنْ الْأَزْمِنَةِ، وَكَذَلِكَ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ لَمَّا كَانَتْ مُنْضَبِطَةً فِي نَفْسِهَا لِحُصُولِ الْقَطْعِ بِهَا فِي أَكْثَرِ صُوَرِهَا لَمْ تَقُمْ مَظَانُّهَا فِي الصُّوَرِ مَقَامَهَا، وَبِهَذَا ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبِقَاعِ أُقِيمَتْ مَظَانُّهَا مَقَامَهَا وَبَيْنَ الْأَزْمِنَةِ لَمْ يَقُمْ مَظَانُّهَا فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ، وَسِرُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهَا قَبْلُ.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ مِنْ الْمَسَاجِدِ تُعَظَّمُ بِالصَّلَاةِ، وَيَتَأَكَّدُ طَلَبُ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُلَابَسَتِهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَزْمِنَةِ الْمُعَظَّمَةِ كَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَغَيْرِهَا لَا تُعَظَّمُ بِتَأَكُّدِ الصَّوْمِ فِيهَا)
مَعَ أَنَّ نِسْبَةَ الصَّلَوَاتِ إلَى الْبِقَاعِ كَنِسْبَةِ الصَّوْمِ إلَى الْأَزْمَانِ فَالْمَكَانُ يُصَلَّى فِيهِ، وَالزَّمَانُ يُصَامُ فِيهِ وَلَيْسَ لَنَا مَكَانٌ يُصَامُ فِيهِ إلَّا بِطَرِيقِ الْغَرَضِ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ بِمَكَّةَ جَبْرًا لِمَا عَرَضَ مِنْ النُّسُكِ وَصَوْمِ أَيَّامِ الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ لِمَا عَرَضَ مِنْ الِاعْتِكَافِ، وَيُصَامُ رَمَضَانُ وَغَيْرُهُ لِعَيْنِ ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا لِمَا عَرَضَ فِيهِ فَالصَّوْمُ بِوَصْفِهِ خَاصٌّ بِالزَّمَانِ، وَالصَّلَاةُ تَكُونُ لِلْمَكَانِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَتَكُونُ لِلزَّمَانِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالضُّحَى وَنَحْوِهَا، وَالْفَرْقُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فِي كَوْنِ الْمَسَاجِدِ تُعَظَّمُ بِالتَّحِيَّاتِ إذَا دُخِلَ إلَيْهَا وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَنَحْوِهَا لَا تُعَظَّمُ بِالصَّوْمِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا تَزِيدُهُ طَاعَتُهُمْ وَلَا تُنْقِصُهُ مَعْصِيَتُهُمْ وَالْأَدَبُ مَعَهُ تَعَالَى اللَّائِقُ بِجَلَالِهِ مُتَعَذِّرٌ مِنَّا فَأَمَرَنَا تَعَالَى أَنْ نَتَأَدَّبَ مَعَهُ كَمَا نَتَأَدَّبُ مَعَ أَكَابِرِنَا؛ لِأَنَّهُ وَسِعَنَا، وَلِذَلِكَ أَمَرَنَا تَعَالَى بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْمَدْحِ لَهُ وَإِكْرَامِ خَاصَّتِهِ وَعَبِيدِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْوَاحِدُ مِنَّا إذَا أَرَادَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَالْحَمْلُ فِيهِ عَلَيْهِ اهـ.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ بَعُدَ عَنْ الْكَعْبَةِ بِأَنْ كَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ هَلْ فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ السَّمْتِ كَالْمُعَايِنِ أَوْ فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ وَخَارِجِهِ، وَيَرْجِعُ لِلثَّانِي أَمْرَانِ
أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْمَنْقُولِ عَنْ الْقَائِلِينَ بِهِ أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَقْبِلَ لِلْكَعْبَةِ فَرْضُهُ اسْتِقْبَالُ عَيْنِهَا وَمُعَايَنَتُهَا حَتَّى يُقَالُ إنَّهُ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنَّ فَرْضَهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَ خُرُوجُ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ عَلَى زَوَايَا قَائِمَةٍ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ نَافِذًا إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ لَمَرَّ بِالْكَعْبَةِ قَاطِعًا لَهَا إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مُرَادُهُمْ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ إذْ فِيهِ تَكْلِيفُ السَّمْتِ وَالْمُعَايَنَةِ مَعَ عَدَمِهَا بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّكْلِيفُ بِتَحْقِيقِ الْجِهَةِ، وَالتَّوَصُّلُ إلَيْهِ مُتَيَسِّرٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ أَوْ أَكْثَرِهِمْ. وَثَانِيهِمَا إجْمَاعُ النَّاسِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الْمُسْتَقِيمِ الطَّوِيلِ الَّذِي طُولُهُ مِائَةُ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرُ، وَصِحَّةِ صَلَاةِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ الْمُتَحَاذِيَيْنِ أَوْ الْمَوَاضِعِ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الصَّفِّ وَأَحَدَ الْمَوْضِعَيْنِ أَوْ الْمَوَاضِعِ خَارِجٌ عَنْ السَّمْتِ قَطْعًا فَإِنَّ الْكَعْبَةَ عَلَى مَا قِيلَ عَرْضُهَا عِشْرُونَ ذِرَاعًا وَطُولُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَمْرِ الثَّانِي بِأَنَّ الْقَوْلَ بِالسَّمْتِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ الِاسْتِقْبَالَ الْعَادِيَّ لَا الْحَقِيقِيَّ، وَالْعَادَةُ أَنَّ الصَّفَّ الطَّوِيلَ إذَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ الْقَصِيرِ الَّذِي يُسْتَقْبَلُ يَكُونُ أَطْوَلَ مِنْهُ، وَيَجِدُ بَعْضُهُمْ نَفْسَهُ خَارِجَةً عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي هُوَ قَصِيرٌ مِنْ الصَّفِّ الطَّوِيلِ.
وَإِذَا بَعُدَ ذَلِكَ الصَّفُّ الطَّوِيلُ بُعْدًا كَثِيرًا عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْقَصِيرِ بِأَنْ كَانَ بِمِصْرَ أَوْ خُرَاسَانَ يَجِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ فِي ذَلِكَ الصَّفِّ الطَّوِيلِ نَفْسَهُ مُسْتَقْبِلًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْقَصِيرِ فِي نَظَرِ الْعَيْنِ بِسَبَبِ الْبُعْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّخْلَةَ الْبَعِيدَةَ أَوْ الشَّجَرَةَ إذَا اسْتَقْبَلَهُمَا الرَّكْبُ الْعَظِيمُ الْكَثِيرُ الْعَدَدِ مِنْ الْبُعْدِ يَجِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّكْبِ نَفْسَهُ قُبَالَةَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ أَوْ النَّخْلَةِ، وَيَقُولُ الرَّاكِبُ بِجُمْلَتِهِ نَحْنُ قُبَالَةَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ أَوْ النَّخْلَةِ وَنَحْنُ سَايِرُونِ إلَيْهَا.
وَإِذَا قَرُبُوا مِنْهَا جِدًّا لَمْ يَبْقَ قُبَالَتَهَا إلَّا النَّفَرُ الْيَسِيرُ مِنْ ذَلِكَ الرَّكْبِ، وَكَذَلِكَ الْبَلَدَانِ الْمُتَقَارِبَانِ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ بَيْنَ مَنْ فِيهِمَا وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ لَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَفْسَهُ قُبَالَةَ الْكَعْبَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالسَّمْتِ الْعَادِيِّ دُونَ الْحَقِيقِيِّ مَآلُهُ إلَى الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ فَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ تَسْلِيمٌ لِقَوْلِ الْمُخَالِفِ وَتَحْرِيرُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ: إنَّ اسْتِقْبَالَ الْجِهَةِ يَكْفِي عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ: إنَّ اسْتِقْبَالَ السَّمْتِ لَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا هُوَ مَا كَانَ يَذْكُرُهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَوَابًا عَنْ اسْتِشْكَالِهِ أَنَّ مَنْ بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ لَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَمُقَابَلَتَهَا وَمُعَايَنَتَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ جَهْدَهُ فِي تَعْيِينِ جِهَةٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْكَعْبَةَ وَرَاءَهَا، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا وَرَاءَ الْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَتْهَا أَدِلَّتُهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُهَا إجْمَاعًا فَصَارَتْ الْجِهَةُ مُجْمَعًا عَلَيْهَا وَالسَّمْتُ الَّذِي هُوَ الْعَيْنُ وَالْمُعَايَنَةُ مُجْمَعٌ عَلَى عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ فِي الصُّورَتَيْنِ فَأَيْنَ يَكُونُ الْخِلَافُ بِقَوْلِهِ الشَّيْءُ قَدْ يَجِبُ إيجَابَ الْوَسَائِلِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ كَالنَّظَرِ
стр. 398
تَعْظِيمَ عَظِيمٍ مِنَّا فَعَلَ مَعَهُ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَنَا إذَا مَرَّ بِبُيُوتِ الْأَكَابِرِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيُحَيِّهِمْ بِالتَّحِيَّةِ اللَّائِقَةِ بِهِمْ، وَالسَّلَامُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ وَهُوَ سَالِمٌ لِذَاتِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ أَوْ هُوَ مِنْ الْمُسَالَمَةِ، وَهِيَ التَّأْمِينُ مِنْ الضَّرَرِ، وَهُوَ تَعَالَى يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ مَعَانِيهِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بَلْ وَرَدَ أَنْ نَقُولَ لَهُ تَعَالَى أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ وَإِلَيْك يَعُودُ السَّلَامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ أَيْ أَنْتَ السَّالِمُ لِذَاتِك وَمِنْك يَصْدُرُ السَّلَامُ لِعِبَادِك.
وَإِلَيْك يَرْجِعُ طَلَبُهَا فَاعْطِنَا إيَّاهَا، وَلَمَّا اسْتَحَالَ السَّلَامُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ مُقَامَهُ لِيَتَمَيَّزَ بَيْتُ الرَّبِّ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوتِ بِصُورَةِ التَّعْظِيمِ بِمَا يَلِيقُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَلِذَلِكَ نَابَتْ الْفَرِيضَةُ عَنْ النَّافِلَةِ فِي ذَلِكَ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِهَا، وَلَمَّا كَانَ سَبَبُ التَّحِيَّاتِ فِي هَذِهِ الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ تَمْيِيزَهَا اُخْتُصَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَاشْتُهِرَ بِاسْمِ اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَهُوَ لَفْظُ الْبُيُوتِ فَإِنَّ شَأْنَ الرَّئِيسِ وَالْمَلِكِ الْعَظِيمِ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ وَيَحُلَّ فِي بَيْتِهِ وَيَخْتَصَّ بِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْأَزْمِنَةِ مَا اُشْتُهِرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الشُّهْرَةَ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى تَمْيِيزٍ يَخْتَصُّ بِهِ يُنَاسِبُ الرُّبُوبِيَّةَ، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَإِنْ قُلْت فَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ الثُّلُثَ الْأَخِيرَ مِنْ اللَّيْلِ يَنْزِلُ الرَّبُّ تَعَالَى فِيهِ سَمَاءَ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ» فَقَدْ اخْتَصَّ هَذَا الْوَقْتُ مِنْ الزَّمَانِ بِهِ تَعَالَى كَمَا اخْتَصَّتْ الْمَسَاجِدُ بِأَنَّهَا بُيُوتُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ فِيهِ مَا يُوجِبُ التَّمْيِيزَ كَمَا شُرِعَ فِي الْمَسْجِدِ.
قُلْت: الْأَزْمِنَةُ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ الْمُلُوكِ بِالْقُدُومِ فِيهَا عَلَى الرَّعَايَا شَأْنُهَا أَنْ تُعَظَّمَ بِالزِّينَةِ فِي الْمَدَائِنِ وَغَيْرِ الزِّينَةِ مِنْ أَسْبَابِ الِاحْتِفَالِ، وَكَانَ يَلْزَمُنَا مِثْلُ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ غَيْرَ أَنَّ اللَّيْلَ لَا يُلَازِمُ الصَّوْمَ شَرْعًا فَشُرِعَ فِيهِ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي أَوْصَافِ الْمِيَاهِ الْمُتَوَسَّلِ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الطُّهُورِيَّةِ، وَفِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ الْمُتَوَسَّلِ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ وَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ الْمُتَوَسَّلِ بِهِ إلَى إيقَاعِهَا فِي الْجَامِعِ، وَالسَّفَرِ إلَى الْحَجِّ الْمُتَوَسَّلِ بِهِ إلَى إيقَاعِهِ بِعَرَفَةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ.
وَقَدْ يَجِبُ إيجَابَ الْمَقَاصِدِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ أَيْضًا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مَقْصِدٌ لِنَفْسِهِ لَا لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِغَيْرِهِ فَعَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْجِهَةِ يَكْفِي يَكُونُ النَّظَرُ فِي الْجِهَةِ وَاجِبًا وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَمَّا بَعُدَتْ عَنْ الْإِبْصَارِ جِدًّا وَتَعَذَّرَ الْجَزْمُ بِحُصُولِهَا جَعَلَ الشَّرْعُ الِاجْتِهَادَ فِي الْجِهَةِ هُوَ الْوَاجِبُ نَفْسُهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ دُونَ عَيْنِ الْكَعْبَةِ، فَلَا يَجِبُ أَلْبَتَّةَ فَإِذَا اجْتَهَدَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْطَأَ عَيْنَ الْكَعْبَةِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ أَمَّا إذَا أَخْطَأَ الْجِهَةَ فَقَدْ أَخْطَأَ الْمَقْصُودَ فَيَلْزَمُ الْإِعَادَةُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ اسْتِقْبَالَ السَّمْتِ لَا بُدَّ مِنْهُ يَكُونُ النَّظَرُ فِي الْجِهَةِ وَاجِبًا وُجُوبَ الْوَسَائِلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ الْمَقْصُودُ لِنَفْسِهِ فَإِذَا أَخْطَأَ الْعَيْنَ فِي اجْتِهَادِهِ فِي الْجِهَةِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْوَسِيلَةَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصِدُهَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبِالْجُمْلَةِ فَالْخِلَافُ فِي كُلٍّ مِنْ السَّمْتِ وَالْجِهَةِ أَمَّا فِي السَّمْتِ فَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ أَوْ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا لَا وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ وَلَا وُجُوبَ الْوَسَائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَسِيلَةً لِغَيْرِهِ؟ قَوْلَانِ، وَأَمَّا فِي الْجِهَةِ فَهُوَ أَنَّهَا هَلْ تَجِبُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ أَوْ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ؟ قَوْلَانِ فَالْجِهَةُ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي صُورَةِ وُجُوبِهَا هَلْ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ أَوْ الْمَقَاصِدِ وَفِي السَّمْتِ هَلْ يَجِبُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ أَوْ لَا مُطْلَقًا.
فَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ: هَلْ الْوَاجِبُ الْجِهَةُ أَوْ السَّمْتُ؟ قَوْلَانِ فِيهِ قَيْدٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هَلْ الْوَاجِبُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ السَّمْتُ أَوْ الْجِهَةُ؟ قَوْلَانِ وَبِهَذَا الْقَيْدِ يَتَّضِحُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ أَمْ لَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْجِهَةَ هَلْ تَجِبُ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، فَإِذَا حَصَلَ الِاجْتِهَادُ فِيهَا فَلَا إعَادَةَ، وَإِنْ أَخْطَأَ الْعَيْنَ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَوْ تَجِبُ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ فَإِذَا حَصَلَ الِاجْتِهَادُ فِيهَا وَأَخْطَأَ الْعَيْنَ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الْوَسِيلَةَ إذَا لَمْ تُفْضِ إلَى مَقْصُودِهَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْجِهَةَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ الْمَقَاصِدِ، وَأَنَّ الْإِعَادَةَ لَازِمَةٌ عِنْدَ تَبَيُّنِ الْخَطَأِ فِيهَا لَا فِي الْعَيْنِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ وَمَنْ يَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُهُ فِي الْوِلَايَاتِ وَالْمَنَاصِبِ]
الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُهُ فِي الْوِلَايَاتِ وَالْمَنَاصِبِ وَالِاسْتِحْقَاقَات الشَّرْعِيَّةِ)
لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالْأَهْلِيَّةِ لِأَيِّ وِلَايَةٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ اسْتِحْقَاقٍ مِنْ الْوِلَايَةِ وَالْمَنَاصِبِ وَالِاسْتِحْقَاقَات الشَّرْعِيَّةِ وَتَأْخِيرُ مَنْ لَيْسَ مُتَّصِفًا بِالْأَهْلِيَّةِ لِذَلِكَ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا تَحْصُلُ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِالْأَهْلِيَّةِ لَا مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيُقَدَّمُ فِي أَمَانَةِ الْأَيْتَامِ مَنْ اتَّصَفَ بِأَهْلِيَّةِ تَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ وَتَقْدِيرِ أَمْوَالِ النَّفَقَاتِ وَأَحْوَالِ الْكَوَافِلِ وَالْمُنَاظَرَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ عَنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِتِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ، وَيُقَدَّمُ فِي جِبَايَةِ الصَّدَقَاتِ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِ النُّصُبِ وَأَحْكَامِ الزَّكَاةِ مِنْ الْخُلْطَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ تِلْكَ
стр. 399
(الْفَرْقُ الْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النُّوَاحُ حَرَامٌ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَرَاثِي مُبَاحَةٌ) اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ تَحْرِيمُ النُّوَاحِ وَتَفْسِيقُ النَّائِحَةِ دُونَ تَفْسِيقِ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ يَرْثُونَ الْمَوْتَى مِنْ الْمُلُوكِ وَالْأَعْيَانِ، وَكَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ يَقُولُ إنَّ بَعْضَ الْمَرَاثِي حَرَامٌ كَالنُّوَاحِ وَتَحْرِيرُ الْقَوْلِ فِيهِمَا وَضَبْطُهُمَا أَنَّ النُّوحَ إنَّمَا حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي نِسْبَةَ الرَّبِّ إلَى الْجَوْرِ فِي قَضَائِهِ وَالتَّبَرُّمَ بِقَدَرِهِ، وَأَنَّ الْوَاقِعَ مِنْ مَوْتِ هَذَا الْمَيِّتِ لَمْ يَكُنْ مَصْلَحَةً بَلْ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً، وَتَكُونُ النَّائِحَةُ تَذْكُرُ كَلَامًا يُقَرِّرُ ذَلِكَ فِي النُّفُوسِ، وَتُوَضِّحُهُ لِلْأَفْهَامِ وَتَحْمِلُ السَّامِعِينَ عَلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ فَكُلُّ لَفْظٍ تَضَمَّنَ ذَلِكَ كَانَ حَرَامًا نَظْمًا كَانَ أَوْ نَثْرًا مَرْثِيَّةً أَوْ نُوَاحًا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التَّصْرِيحُ بِتَحْرِيمِ النُّوَاحِ، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّائِحَةَ تُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَمِيصَيْنِ قَمِيصٌ مِنْ جَرَبٍ وَقَمِيصٌ مِنْ قَطِرَانٍ» وَسِرُّهُ أَنَّ الْأَجْرَبَ سَرِيعُ الْأَلَمِ لِتَقَرُّحِ جِلْدِهِ.
وَالْقَطِرَانُ يُقَوِّي شُعْلَةَ النَّارِ فَيَكُونُ عَذَابُهَا بِالنَّارِ بِسَبَبِ هَذَيْنِ الْقَمِيصَيْنِ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَفِي أَبِي دَاوُد «لَعَنَ اللَّهُ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ» قَالَ سَنَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هِيَ الَّتِي تَتَّخِذُ النُّوَاحَ صَنْعَةً، قَالَ وَإِلَّا فَالْمَرَّةُ مَكْرُوهَةٌ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ نِسَاءَ جَعْفَرٍ لَمْ يُسْكِتْهُنَّ» وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ فَسَمِعَ صَوْتَ نَائِحَةٍ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالُوا ابْنَةُ عُمَرَ فَقَالَ فَلْتَبْكِي مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ وَفِيهِ «عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا نَنُوحَ فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرُ خَمْسِ نِسْوَةٍ سَمَّتْهُنَّ» ، وَالنُّوَاحُ مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَصُورَتُهُ أَنْ تَقُولَ النَّائِحَةُ لَفْظًا يَقْتَضِي فَرْطَ جَمَالِ الْمَيِّتِ وَحُسْنِهِ وَكَمَالِهِ وَشُجَاعَتِهِ وَبَرَاعَتِهِ وَأُبَّهَتِهِ وَرِئَاسَتِهِ، وَتُبَالِغَ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ إكْرَامِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْأَهْلِيَّةُ، وَيُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ مَنْ كَانَ أَهْلًا فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا وَعَوَارِضِ سَهْوِهَا وَاسْتِخْلَافِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عَوَارِضِهَا وَمَصَالِحِهَا عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلًا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَهْلًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْأَتَمُّ قِيَامًا بِذَلِكَ فَلَا يَجِبُ حَتْمُ تَقْدِيمِهِ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَيْرِ الْأَتَمِّ عَلَى الْأَتَمِّ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تِلْكَ الْمَصَالِحِ حَاصِلٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالْأَهْلِيَّةِ لِذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِتَعْيِينِ الْأَتَمِّ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْأَوْلَوِيَّةِ خَاصَّةً وَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْإِمَامَ إذَا وَجَدَ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْقَضَاءِ مِمَّنْ هُوَ مُتَوَلٍّ الْآنَ وَجَبَ عَلَيْهِ عَزْلُ الْأَوَّلِ وَتَوْلِيَةُ الْأَصْلَحِ لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةَ الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْزِلَ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى لِئَلَّا يُفَوِّتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةَ الْأَعْلَى وَلَا يَنْفُذُ عَزْلُ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الَّذِي عَزَلَهُ مَعْزُولٌ عَنْ عَزْلِهِ، وَإِنَّمَا وَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ اهـ.
يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ قَاصِرٌ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ لَا عَلَى أَنَّهُ أَهْلٌ، وَلَكِنَّ غَيْرَهُ أَمَسُّ مِنْهُ بِالْأَهْلِيَّةِ إذْ لَا وَجْهَ لِعَزْلِهِ حِينَئِذٍ، وَالْحَالُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْقَضَاءِ كَمَا تَحْصُلُ مِنْ الْفَاضِلِ الْمُتَّصِفِ بِالْأَهْلِيَّةِ كَذَلِكَ تَحْصُلُ مِنْ الْمَفْضُولِ الْمُتَّصِفِ بِهَا، وَتَعْيِينُ تَقْدِيمِ النِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ فِي بَابِ الْحَضَانَةِ إنَّمَا هُوَ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ لَيْسُوا كَالنِّسَاءِ فِي أَهْلِيَّةِ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ أُمُورِ الْحَضَانَةِ فَإِنَّ النِّسَاءَ أَصْبَرُ عَلَى أَخْلَاقِ الصِّبْيَانِ وَأَشَدُّ شَفَقَةً وَرَأْفَةً وَأَقَلُّ أَنَفَةً عَنْ قَاذُورَاتِ الْأَطْفَالِ وَأَكْثَرُ إقَامَةً بِالْمَنْزِلِ، وَالرِّجَالُ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَتَعْيِينُ تَقْدِيمِ النِّسَاءِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ لَا لِكَوْنِهِنَّ أَمَسَّ مِنْهُمْ بِالْأَهْلِيَّةِ، كَمَا إنَّ تَقْدِيمَ الرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ فِي الْإِمَامَةِ وَالْحُرُوبِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَنَاصِبِ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ كَالرِّجَالِ فِي أَهْلِيَّةِ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ تِلْكَ الْمَنَاصِبِ وَالْوِلَايَاتِ، بَلْ الْأَهْلِيَّةُ فِيهَا لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ لِجَمِيعِ الرِّجَالِ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ « ﷺ أَقَضَاكُمْ عَلِيٌّ» مَعَ قَوْلِهِ ﷺ «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْقَضَاءَ تَبَعُ الْحِجَاجِ وَأَحْوَالِهَا، وَأَنَّ مَنْ كَانَ لَهَا أَشَدُّ تَفَطُّنًا كَانَ أَقْضَى مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تِلْكَ الْأَهْلِيَّةُ فَيُقَدَّمُ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ شَدِيدَ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إذْ هُوَ يُخْدَعُ بِأَيْسَرِ الشُّبُهَاتِ، وَلِكَوْنِ الْقَضَاءِ عِبَارَةً عَنْ التَّفَطُّنِ لِلْحِجَاجِ قَالَ ﵇ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ» فَظَهَرَ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْ عَلِيٍّ وَمُعَاذٍ، وَأَنَّ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِالْفُتْيَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَدِيدُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِالْقَضَاءِ كَمَا إنَّ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقِيَامِ بِإِمَامَةِ الْخِلَافَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ إمَامَةَ الْخِلَافَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى سِيَاسَةِ الْأُمَّةِ وَمَعْرِفَةِ الشَّرِيعَةِ وَضَبْطِ الْجُيُوشِ وَوِلَايَةِ الْأَكْفَاءِ وَعَزْلِ الضُّعَفَاءِ وَمُكَافَحَةِ الْأَضْدَادِ وَالْأَعْدَاءِ وَتَصْرِيفِ الْأَمْوَالِ وَأَخْذِهَا مِنْ مَظَانِّهَا وَصَرْفِهَا فِي مُسْتَحَقَّاتِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَاةِ التَّقْدِيمُ فِي الْخِلَافَةِ كَانَتْ إشَارَةُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ لِأَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي أَمْرِ الْإِمَامَةِ رَضِيَك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا إلَى أَنَّ تَقْدِيمَهُ فِي الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِهِ ﵁ لِلْإِمَامَةِ لَا تَسْتَقِيمُ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَيْسَ مُرَادُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّك
стр. 400
الضَّيْفِ وَالضَّرْبِ بِالسَّيْفِ وَالذَّبِّ عَنْ الْحَرِيمِ وَالْجَارِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمَيِّتِ الَّتِي يَقْتَضِي مِثْلُهَا أَنْ لَا يَمُوتَ فَإِنَّ بِمَوْتِهِ هَذِهِ تَنْقَطِعُ هَذِهِ الْمَصَالِحُ وَيَعِزُّ وُجُودُ مِثْلِ الْمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَيَعْظُمُ التَّفَجُّعُ عَلَى فَقْدِ مِثْلِهِ وَأَنَّ الْحِكْمَةَ كَانَتْ تَقْتَضِي بَقَاءَهُ وَتَطْوِيلَ عُمْرِهِ لِتَكْثِيرِ تِلْكَ الْمَصَالِحِ فِي الْعِلْمِ فَمَتَى كَانَ لَفْظُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى هَذَا كَانَ حَرَامًا، وَهَذَا أَشَرُّ النُّوَاحِ وَتَارَةً لَا تَصِلُ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ غَيْرَ أَنَّهُ تَبْعُدُ السَّلْوَةُ عَنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَتَهِيجُ الْأَسَفَ عَلَيْهِمْ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَعْذِيبِ نُفُوسِهِمْ وَقِلَّةِ صَبْرِهِمْ وَضَجَرِهِمْ، وَرُبَّمَا بَعَثَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْقُنُوطِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَضَرْبِ الْخُدُودِ فَهَذَا أَيْضًا حَرَامٌ، وَمَتَى كَانَ لَفْظُ النَّائِحَةِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ ذِكْرُ دِينِ الْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى جَزَاءِ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ وَمُجَاوَرَةِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ مَا قَضَى عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ، وَأَنَّ هَذَا سَبِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ مَوْطِنٌ اشْتَرَكَ فِيهِ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ، وَبَابٌ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ فَإِنْ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ تَأْمُرَ أَهْلَ الْمَيِّتِ بِالصَّبْرِ، وَتَحُثَّهُمْ عَلَى طَلَبِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَأَنَّهُمْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْتَسِبُوا مَيِّتَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَيَعْتَمِدُونَ فِي حُسْنِ الْخَلَفِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ مَأْمُورٌ بِهِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَوَانِينِ تَتَخَرَّجُ الْمَرَاثِي فَتَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى الْمُحَرَّمَةِ الْكَبِيرَةِ وَإِلَى الْمُحَرَّمَةِ الصَّغِيرَةِ وَإِلَى الْمُبَاحِ وَإِلَى الْمَنْدُوبِ عَلَى قَدْرِ مَا يَتَضَمَّنُهُ لَفْظُ الْمَرْثِيَّةِ فَمِنْ الْمَرَاثِي الْمُبَاحَةِ الْخَالِيَةِ عَنْ التَّحْرِيمِ مَا رَثَى بِهِ ابْنُ عُمَرَ أَخَاهُ عَاصِمًا لَمَّا مَاتَ فَقَالَ:
فَإِنْ تَكُ أَحْزَانٌ وَفَائِضُ دَمْعَةٍ ... جَرَيْنَ دَمًا مِنْ دَاخِلِ الْجَوْفِ مُنْقَعَا
تَجَرَّعْتهَا فِي عَاصِمٍ وَاحْتَسَبْتهَا ... فَأَعْظَمُ مِنْهَا مَا احْتَسَى وَتَجَرَّعَا
فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِمًا ... فَعِشْنَا جَمِيعًا أَوْ ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا
دَفَعْنَا بِك الْأَيَّامَ حَتَّى إذَا أَتَتْ ... تُرِيدُك لَمْ نَسْطِعْ لَهَا عَنْك مِدْفَعَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
رَضِيَك النَّبِيُّ ﵇ لِدِينِنَا مُطْلَقَ الرِّضَا بِحَيْثُ يَقْتَصِرُ عَلَى أَهْلِيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً بَلْ الرِّضَا الْخَاصُّ الْمُفَسَّرُ بِاخْتِصَاصِهِ بِأَنْوَاعِ التَّكْرِيمِ مِنْ نَحْوِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَحَاسِنِهِ الَّتِي تُوجِبُ تَقْدِيمَهُ وَمِنْ تَقْدِيمِهِ ﵇ فِي الصَّلَاةِ وَمِنْ قَوْلِهِ ﵇ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ «يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ» فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا أَنْ نَرْضَاكَ لِلْخِلَافَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُشِيرُ بِاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْخِلَافَةِ كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِلصَّلَاةِ فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ﵁ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِلْخِلَافَةِ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ ﵇ يَتَّبِعُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَحَيْثُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وُكِّلَ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى الِاجْتِهَادِ وَإِنَّهُ ﵇ كَانَ يُشِيرُ وَيُومِئُ بِاخْتِصَاصِهِ بِأَنْوَاعِ التَّكْرِيمِ إلَى خِلَافَتِهِ، أَوْ يُقَالُ قَصَدَ عُمَرُ ﵁ بِذَلِكَ تَسْكِينَ الثَّائِرَةِ وَالْفِتْنَةِ وَرَدْعَ الْأَهْوَاءِ بِذِكْرِ حُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ لِيَسْكُنَ لَهَا أَكْثَرُ النَّاسِ فَيَنْدَفِعَ الْفَسَادُ أَوْ يُقَالُ إنَّ عُمَرَ ﵁ فَهِمَ مِنْ إشَارَتِهِ ﵇ أَنَّ الصِّدِّيقَ مَرْضِيٌّ لِجَمِيعِ حُرُمَاتِ الدِّينِ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَحْوَالُ الْأُمَّةِ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْمِلَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ أَهَمِّ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَهُوَ مِنْ الدِّينِ بِنَاءً عَلَى جَعْلِ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ لِدِينِنَا عَلَى بَابِهَا مُوجِبٌ لِلْعُمُومِ لِكَوْنِ الْأُصُولِيِّينَ جَعَلُوهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ لُغَةً فِي نَحْوِ قَوْلِهِ ﵇ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَكَانَ ذَلِكَ عَامًّا فِي جَمِيعِ مَاءِ الْبَحْرِ وَمَيْتَتِهِ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ أَفَلَا نَرْضَاكَ لِدُنْيَانَا أَيْ مِنْ الْعُلُوِّ وَالرِّئَاسَةِ فَلَا نُقَدِّمُ عَلَيْك مِنْ الْأَنْصَارِ مَنْ يَطْلُبُ التَّقَدُّمَ عَلَيْك فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ مِنْ تَحْصِيلِ الْأُجُورِ الْحَاصِلَةِ لِمُتَوَلِّي أَمْرِ الْأُمَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَلَا نُشْرِكُ مَعَك مَنْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ الشَّرِكَةَ فِيهِ طَمَعًا لِتَحْصِيلِ بَعْضِ تِلْكَ الْأُجُورِ كَمَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَحْوَالِ الْأَنْصَارِ فِي بَذْلِهِمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَإِنَّ الْمَرْضِيَّ لِمَعَالِي الْأُمُورِ لَا يَقْصُرُ دُونَ خَسِيسِهَا.
وَلِأَنَّ الْمُشَارَكَةَ فِي الْإِمَامَةِ لَيْسَتْ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الْمُخَالَفَةِ وَالْمُشَاقَقَةِ، وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] إنَّهُ الْخِلَافَةُ وَإِنَّهُ «كَانَ ﷺ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ لِيَنْصُرُوهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ وَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِك فَيَقُولُ ﷺ إنِّي قَدْ مُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ وَإِنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] » فَلَمْ يَكُنْ لِلْأَنْصَارِ فِي هَذَا الشَّأْنِ شَيْءٌ كَمَا هُوَ مُسْتَوْعَبٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْقَيْرَوَانِ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْخِلَافَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّا بِالْقَيْرَوَانِ وَإِنَّا نَعْلَمُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا بِالْقَضَاءِ، وَمَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا لِلْفُتْيَا، وَمَنْ هُوَ أَصْلَحُ مِنَّا لِلْإِمَامَةِ أَيَخْفَى ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا يَسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَان الْإِحْدَاثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَان غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَانِ الْإِحْدَاثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الشَّكِّ فِي طَرَيَان غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالرَّوَافِعُ لِلْأَسْبَابِ لَا تُعْتَبَرُ) الْقَاعِدَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ هِيَ أَنَّ كُلَّ مَشْكُوكٍ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا أَوْ مَانِعًا مُلْغًى فَكُلُّ سَبَبٍ شَكَكْنَا فِي طَرَيَانِهِ لَمْ نُرَتِّبْ عَلَيْهِ مُسَبِّبَهُ، وَجَعَلْنَا ذَلِكَ السَّبَبَ كَالْمَعْدُومِ وَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهِ فَلَا نُرَتِّبُ
стр. 401
فَهَذَا رِثَاءٌ مُبَاحٌ لَا يَحْرُمُ مِثْلُهُ.
وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُشِيرُ إلَى التَّجْوِيرِ وَلَا تَسْفِيهِ الْقَضَاء بَلْ إنَّهُ حَزِينٌ مُتَأَلِّمٌ لِمَيِّتِهِ، وَكَانَ يَشْتَهِي لَوْ مَاتَ مَعَهُ فَهَذَا أَمْرٌ قَرِيبٌ لَا غَرْوَ فِيهِ، وَمِثَالُ الرِّثَاءِ الْمَنْدُوبِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ لَمَّا مَاتَ عَظُمَ مُصَابُهُ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّه بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَظِيمًا عِنْدَ النَّاسِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تُرْجُمَان الْقُرْآنِ وَافِرَ الْعَقْلِ جَمِيلَ الْمَحَاسِنِ وَالْجَلَالَةِ وَالْأَوْصَافِ الْحَمِيدَة فَأَعْظَمَهُ النَّاسُ عَلَى التَّعْزِيَةِ إجْلَالًا لَهُ وَمَهَابَةً بِسَبَبِ عَظَمَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَعَظَمَةِ مَنْ أُصِيبَ بِهِ، فَإِنَّ الْعَبَّاسَ ﵁ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَقِيَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ مِثْلَ وَالِدِهِ وَكَانَ يُقَالُ مَنْ أَشْجَعُ النَّاسِ فَيُقَالُ الْعَبَّاسُ وَمَنْ أَعْلَمُ النَّاسِ فَيُقَالُ الْعَبَّاسُ. وَمَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ فَيُقَالُ الْعَبَّاسُ فَلَمَّا مَاتَ عَظُمَ خَطْبُهُ وَجَلَّتْ رَزِيَّتُهُ فِي صُدُورِ النَّاسِ وَفِي صَدْرِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ وَأَحْجَمَ النَّاسُ عَنْ تَعْزِيَتِهِ فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ شَهْرًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَرِّخُونَ فَبَعْدَ الشَّهْرِ قَدِمَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ الْبَادِيَةِ فَسَأَلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ النَّاسُ مَا تُرِيدُ فَقَالَ أُرِيدُ أَنْ أُعَزِّيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاس ﵄ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ عَسَاهُ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ بَابَ التَّعْزِيَةِ فَلَمَّا رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ سَلَامٌ عَلَيْك يَا أَبَا الْفَضْلِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَأَنْشَدَهُ:
اصْبِرْ نَكُنْ بِك صَابِرِينَ ... فَإِنَّمَا صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرَّاسِ
خَيْرٌ مِنْ الْعَبَّاسِ أَجْرُك بَعْدَهُ ... وَاَللَّهُ خَيْر مِنْك لِلْعَبَّاسِ
فَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رِثَاءَهُ وَاسْتَوْعَبَ شِعْرَهُ سُرِّيَ عَنْهُ عَظِيمُ مَا كَانَ بِهِ. وَاسْتَرْسَلَ النَّاسُ فِي تَعْزِيَتِهِ
وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ مِنْ الرِّثَاء مُسَهِّلٌ لِلْمُصِيبَةِ مُذْهِبٌ لِلْحُزْنِ مُحْسِنٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْحُكْمَ وَكُلُّ شَرْطٍ شَكَكْنَا فِي وُجُودِهِ جَعَلْنَاهُ كَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهِ فَلَا نُرَتِّبُ الْحُكْمَ، وَكُلُّ مَانِعٍ شَكَكْنَا فِي وُجُودِهِ جَعَلْنَاهُ كَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهِ فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ إنْ وُجِدَ سَبَبُهُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الطَّهَارَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ جَعَلَ الْعُلَمَاءَ - وَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِهَا فِيهَا أَيْضًا - يَخْتَلِفُونَ فِي الْوَجْهِ الَّذِي تُلْغَى بِهِ وَالْوَجْهِ الَّذِي تُعْتَبَرُ بِهِ فِيهَا.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: إذَا شُكَّ فِي طَرَيَان الْحَدَثِ جَعَلْته كَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهِ لَا يَجِبُ مَعَهُ الْوُضُوءُ فَلَا يَجِبُ عَلَى هَذَا الشَّاكِّ الْوُضُوءُ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الشَّكُّ فِي طَرَيَانِ الْحَدَثِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي بَقَاءِ الطَّهَارَةِ، وَالشَّكُّ فِي بَقَاءِ الطَّهَارَةِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ هَلْ هِيَ سَبَبٌ مُبَرِّئٌ أَمْ لَا.
وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ تَفْتَقِرُ إلَى سَبَبٍ مُبَرِّئٍ مَعْلُومِ الْوُجُودِ أَوْ مَظْنُونِ الْوُجُودِ لَا مَشْكُوكِ الْوُجُودِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ هَذَا الصَّلَاةُ كَالْمَجْزُومِ بِعَدَمِهَا، وَالْمَجْزُومُ بِعَدَمِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فَيَجِبُ عَلَى هَذَا الشَّاكِّ أَنْ يُصَلِّيَ بِصَلَاةٍ مَظْنُونَةٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَكِلَاهُمَا يَقُولُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ مُلْغًى لَكِنَّ إلْغَاءَ مَالِكٍ فِي السَّبَبِ الْمُبَرِّئِ وَإِلْغَاءَ الشَّافِعِيِّ فِي الْحَدَثِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَرْجَحُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ مَقْصِدٌ وَالطَّهَارَاتِ وَسَائِلٌ وَطَرْحُ الشَّكِّ تَحْقِيقًا لِلْمَقْصِدِ أَوْلَى مِنْ طَرْحِهِ لِتَحْقِيقِ الْوَسَائِلِ، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ إلْغَاءِ الشَّكِّ فِي طَرَيَان الْإِحْدَاثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَدَمِ إلْغَائِهِ فِي طَرَيَان غَيْرِهَا مِنْ الْأَسْبَابِ وَرَوَافِعِهَا كَالشَّكِّ فِي طَرَيَان الطَّهَارَةِ بَعْدَ الْحَدَثِ فَيُلْغَى الْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ أَوْ فِي أَنَّهُ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي سَبَبِ حِلِّ الْعِصْمَةِ فَيُلْغَى عَلَى الْقَاعِدَةِ، أَوْ فِي أَنَّهُ هَلْ سَهَا أَمْ لَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي سَبَبِ سُجُودِ السَّهْوِ فَيُلْغَى عَلَى الْقَاعِدَةِ، أَمَّا إذَا شَكَّ فِي عَيْنِ الْيَمِينِ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْأَيْمَانِ إذْ لَا يَعْلَمُ السَّبَبَ الْمُبَرِّئَ إلَّا بِاسْتِيعَابِهَا كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ إذَا شَكَّ فِي طَرَيَان الْحَدَثِ عَلَى طَهَارَتِهَا أَوْ شَكَّ فِي كَوْنِ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا وَاحِدَةً فَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ لَمْ يَقَعْ فِي الطَّلَاقِ بَلْ فِي بَقَاءِ الْعِصْمَةِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الرَّجْعَةِ فَيُلْغَى عَلَى الْقَاعِدَةِ أَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَيَأْتِي بِرَابِعَةٍ، وَيَسْجُدُ إذْ لَيْسَ هُنَا شَكٌّ فِي السَّبَبِ حَتَّى يُلْغَى عَلَى الْقَاعِدَةِ بَلْ سَبَبٌ فِي الشَّكِّ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ نَصَبَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ سَبَبًا لِلسُّجُودِ لَا لِلزِّيَادَةِ.
وَهُوَ مُحَقَّقٌ وَلَا شَكَّ فِيهِ تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ بَيْنَ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ وَبَيْنَ السَّبَبِ فِي الشَّكِّ بَسْطُ مَسَائِلِ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ وَالسَّبَبِ فِي الشَّكِّ فَلْتُطَالِعْ ثَمَّةَ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ اعْتِبَارِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الشَّكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ، وَفِي أَنَّهُ هَلْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَفِي أَنَّهُ هَلْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ إعْتَاقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَفِي أَنَّهُ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا حَيْثُ قَالَ فِي الْأَوَّلِ يَجِبُ الْوُضُوءُ، وَفِي الثَّانِي يَلْزَمُهُ، وَفِي الثَّالِثِ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْأَيْمَانِ، وَفِي الرَّابِعِ يَجْعَلُهَا ثَلَاثًا، وَيُصَلِّي الرَّابِعَةَ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ لِأَجْلِ الشَّكِّ فَاعْتَبَرَهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُرُوعِ وَنَحْوِهَا وَبَيْنَ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ الشَّكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَفِي أَنَّهُ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا، وَفِي أَنَّهُ هَلْ سَهَا أَمْ لَا حَيْثُ قَالَ فِي الْأَوَّلِ لَا عِبْرَةَ بِالطَّهَارَةِ، وَفِي الثَّانِي وَفِي الثَّالِثِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِإِلْغَاءِ الشَّكِّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْفُرُوعِ وَنَحْوِهَا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَصْلٌ) حَدَّ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ السَّبَبَ وَالْعِلَّةَ بِالْوَصْفِ الظَّاهِرِ الْمُنْضَبِطِ الْمُعَرِّفِ
стр. 402
لِتَصَرُّفِ الْقَضَاءِ مُثْنٍ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى بِإِحْسَانٍ وَجَمِيلِ الْعَوَارِفِ، فَهَذَا حَسَنٌ جَمِيلٌ وَمِثْلُهُ مَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تُوُفِّيَ سَمِعَ أَهْلُ بَيْتِهِ قَائِلًا يَقُولُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إنَّ فِي اللَّه خَلَفًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ وَعِوَضًا مِنْ كُلِّ ذَاهِبٍ فَإِيَّاهُ فَارْجَوْا وَبِهِ فَثِقُوا فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ فَكَانُوا يَرَوْنَهُ الْخَضِرَ ﵇ فَهَذَا أَيْضًا كَلَامٌ مِنْ الْقُرُبَاتِ وَمُنْدَرِجٌ فِي سِلْكِ الْمَنْدُوبَات وَمِنْ الرِّثَاءِ الْمُحَرَّمِ الْفَظِيعِ مَا وَقَعَ فِي عَصْرِنَا فِي رِثَاء الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الصَّالِحِ رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ فَعَمِلَ لَهُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ عَزَاءً جَمَعَ فِيهِ الْأَكَابِرَ وَالْأَعْيَانَ وَالْقُرَّاءَ وَالشُّعَرَاءَ فَأَنْشَدَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي مَرْثِيَتِهِ:
مَاتَ مَنْ كَانَ بَعْضُ أَجْنَادِهِ الْمَوْتَ ... وَمَنْ كَانَ يَخْتَشِيهِ الْقَضَاءُ
فَسَمِعَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَام ﵀ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَحْفِلِ فَأَمَرَ بِتَأْدِيبِهِ وَحَبْسِهِ.
وَأَغْلَظ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ وَبَالَغَ فِي تَقْبِيحِ رِثَائِهِ، وَأَقَامَ بَعْدَ التَّعْزِير فِي الْحَبْسِ زَمَانًا طَوِيلًا ثُمَّ اسْتَتَابَهُ بَعْدَ شَفَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ فِيهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْظِمَ قَصِيدَةً يُثْنِي فِيهَا عَلَى اللَّهِ تَكُونُ مُكَفِّرَةً لِمَا تَضَمَّنَهُ شِعْرُهُ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ مَنْ كَانَ بَعْضُ أَجْنَادِهِ الْمَوْتَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ هَذَا الْمَيِّتِ، وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَيِّتِ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ مَنْصِبُ الْخِلَافَةِ وَمَتَى تَأْتِي الْأَيَّامُ بِمِثْلِ هَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: يَخْتَشِيهِ الْقَضَاءُ يُشِيرُ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يَخَافُ مِنْهُ وَهَذَا إمَّا كُفْرٌ صَرِيحٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِهِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ الْكُفْرِ فَالشُّعَرَاءُ فِي مَرَاثِيهِمْ يَهْجُمُونَ عَلَى أُمُورٍ صَعْبَةٍ رَغْبَةً فِي الْإِغْرَابِ وَالتَّمَدُّحِ بِأَنَّهُ طَرَقَ مَعْنًى لَمْ يُطْرَقْ قَبْلَهُ فَيَقَعُونَ فِي هَذَا وَمِثْلِهِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْأَوْدِيَةُ هِيَ أَوْدِيَةُ الْهِجَاءِ الْمُحَرَّمِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ قَوْلُهُ، فَظَهَرَ لَك بِهَذَا الْبَسْطِ وَالتَّقْرِيرِ الْفَرْقُ بَيْنَ النُّوَاحِ الْمُحَرَّمِ وَالرِّثَاءِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لِلْحُكْمِ فَخَرَجَ بِالظَّاهِرِ الْخَفِيُّ كَاللَّذَّةِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَالْعُلُوقِ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ فَإِنَّهُمَا لِخَفَائِهِمَا تُرِكَا، وَجُعِلَ السَّبَبُ فِي النَّقْضِ اللَّمْسَ وَفِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ الطَّلَاقُ، وَخَرَجَ بِالْمُنْضَبِطِ نَحْوُ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ لَمْ يُنَطْ بِهَا الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ قَصْرُ الصَّلَاةِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا لِاخْتِلَافِهَا بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، وَإِنَّمَا أُنِيطَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ وَدَخَلَ بِالْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ بِمَعْنَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ لَا خُصُوصِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ السَّبَبُ الْمُعَرِّفُ لِحُكْمٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ كَحِلِّ الشَّعْرِ بِالنِّكَاحِ وَحُرْمَتِهِ بِالطَّلَاقِ جُعِلَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عِلَّةً لِثُبُوتِ حَيَاتِهِ كَالْيَدِ، وَحَدُّ الْمَانِعِ الْمُرَادِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَانِعُ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْوُجُودِيِّ الظَّاهِرِ الْمُنْضَبِطِ الْمُعَرِّفِ نَقِيضَ حُكْمِ السَّبَبِ فَقَيَّدَ الْوَصْفَ فِي حَدِّ الْمَانِعِ بِالْوُجُودِيِّ لِإِخْرَاجِ عَدَمِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى مَانِعًا لَا تَسَمُّحًا كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَأَطْلَقَهُ فِي حَدِّ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إمَّا عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْحِكْمَةِ فِي السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ فَهُوَ أَنَّ الْمَانِعَ مَانِعٌ لِوُجُودِ حُكْمِ السَّبَبِ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ كُلُّ مُعْتَبَرٍ فِي الْحُكْمِ مِنْ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ، وَإِلَّا لَمَا احْتَاجَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِلْمَانِعِ وَإِذَا كَانَ الْمَانِعُ عَدَمَ شَيْءٍ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَاتُ الشَّيْءِ سَبَبًا فِي الْوُجُودِ أَوْ بَعْضَ سَبَبٍ وَشَرْطٍ فِيهِ، وَقَدْ فُرِضَ أَنَّ الْمَانِعَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ سَبَبًا إلَخْ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْمُعَرِّفُ لِلنَّقِيضِ أَيْ الْعَلَامَةُ عَلَيْهِ وَنَقِيضُ الشَّيْءِ رَفْعُهُ فَالْأُبُوَّةُ مَثَلًا نَفَتْ وُجُوبَ الْقِصَاصِ مِمَّنْ قَتَلَ ابْنَهُ لَا غَيْرُ.
وَأَمَّا ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْقِصَاصِ مِنْهُ فَبِالدَّلِيلِ الْمُثْبِتِ لَهَا كَمَا قَالَهُ سم وَهُوَ الْحَقُّ، وَإِذَا كَانَ عَدَمُ الشَّيْءِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَفْعُ الشَّيْءِ بِأَنْ يُقَالَ انْتَفَى كَذَا لِعَدَمِ كَذَا كَانَ وُجُودُهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وُجُودُهُ، وَأَمَّا السَّبَبُ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ رَفْعُ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّلَ بِهِ لَيْسَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى السَّبَبِ، بَلْ الْمُعَلَّلُ بِهِ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَدَمِيًّا كَمَا يُعَلَّلُ عَدَمُ نَفَاذِ التَّصَرُّفِ بِعَدَمِ الْعَقْلِ فَإِنَّ عَدَمَ نَفَاذِ التَّصَرُّفِ لَيْسَ مَأْخُوذًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ انْتِفَاءٌ لِحُكْمِ السَّبَبِ حَتَّى يَكُونُ عَدَمُ الْعَقْلِ مَانِعًا فَلَا يَصِحُّ بَلْ مَأْخُوذٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ هُوَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ التَّصَرُّفُ فَيَصِحُّ تَعْلِيلُهُ بِانْتِفَاءِ عِلَّةِ نَفَاذِ التَّصَرُّفِ، جَوَّزُوا كَوْنَ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ عَدَمًا مُضَافًا بِخِلَافِ الْمَانِعِ نَعَمْ فِي كَوْنِ الْعِلَّةِ عَدَمِيَّةً مَعَ وُجُودِ الْحُكْمِ نِزَاعٌ كَبِيرٌ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْعَضُدُ وَالْمُخْتَارُ مَنْعُهُ وَأَمَّا عَلَى اعْتِبَارِ الْحِكْمَةِ فِي السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ فَأَمْرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمَانِعَ لِلْحُكْمِ هُوَ مَا اسْتَلْزَمَ حِكْمَةً تَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ كَالْأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ فَإِنَّ كَوْنَ الْأَبِ سَبَبًا لِوُجُودِ الِابْنِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِيرَ الِابْنُ أَيْ مِنْ حَيْثُ قَتْلِهِ سَبَبًا لِعَدَمِهِ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ فَهِيَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حِكْمَةٌ تَقْتَضِي الْحُكْمَ لَا نَقِيضَهُ نَعَمْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَانِعِ بَعْدَ تَحَقُّقِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَانِعِ الِاصْطِلَاحِيِّ، وَقَدْ يُطْلَقُ الْمَانِعُ عَلَى مَا يَتَحَقَّقُهُ يَنْتَفِي الْحُكْمُ فَيَشْمَلُ عَدَمَ الشَّرْطِ فَلِذَا قَالَ الْعَضُدُ: حَقِيقَةُ الشَّرْطِ أَنَّ عَدَمَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّ الْمَانِعَ وُجُودُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الْحُكْمِ فَبِالْحَقِيقَةِ عَدَمُهُ مَانِعٌ، وَذَلِكَ لِحِكْمَةٍ فِي عَدَمِهِ تُنَافِي حِكْمَةَ الْحُكْمِ أَوْ السَّبَبِ إلَى آخِرِ مَا بَيَّنَهُ، وَكَمَا لَا يَصِحُّ فِي مَانِعِ الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ عَدَمَ شَيْءٍ لِمَا عَلِمْت كَذَلِكَ لَا يَصِحُّ فِي مَانِعِ السَّبَبِ أَنْ يَكُونَ عَدَمَ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَلْزَمَ حِكْمَةً تُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهَا، فَإِنَّ حِكْمَةَ السَّبَبِ وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ اسْتِغْنَاءُ الْمَالِكِ، وَلَيْسَ مَعَ الدَّيْنِ اسْتِغْنَاءٌ
стр. 403
الْمُحَرَّمِ مِنْ غَيْرِهِ بِتَقْرِيرِ الْقَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقِسْ عَلَيْهِ مَا يَرِدُ عَلَيْك مِنْ ذَلِكَ فِي الْبَابَيْنِ.
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ فِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ لَا يُعَذَّبُ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّت يُعَذَّبُ بِهِ الْمَيِّتُ)
وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ» خَرَّجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الصِّحَاحِ فَأَشْكَلَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤَاخَذُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَهِيَ قَاعِدَةٌ صَحِيحَةٌ تُعَارِضُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَحَصَل الْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَوْصَى بِالنِّيَاحَةِ كَمَا قَالَ طَرَفَةُ:
إذَا مِتَّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ
وَثَانِيهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ فِي نَوَائِحِهِمْ مَفَاخِرَ هِيَ مَخَازٍ عِنْدَ الشَّرْعِ كَالْغَصْبِ وَالْفُسُوقِ فَيُعَذَّبُ بِهَا فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِمَدْلُولِ مَا يَقَعُ فِي الْبُكَاءِ مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْبُكَاءِ وَبَيْن تِلْكَ الْأُمُورِ مُلَازَمَةٌ قَدْ حَصَلَتْ فِي الْوَاقِعِ عَبَّرَ بِالْبُكَاءِ عَنْهُ مَجَازًا، وَالْعِلَاقَةُ هِيَ هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يُلَازِمُ مَدْلُولَهُ، وَالْبُكَاءَ يُلَازِمُ هَذَا اللَّفْظَ فَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ هِيَ الْعِلَاقَةُ.
وَثَالِثُهَا مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأ إنَّمَا «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ ﵇ إنَّكُمْ لَتَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ تَكُونُ أَجْوِبَةً عَنْ الْحَدِيثِ، وَلَا تُوجِبُ فَرْقًا بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَرُدُّ الْبُكَاءَ إلَى فِعْلِ الْمَيِّتِ بِالْوَصِيَّةِ كَمَا قَالَهُ أَوَّلًا أَوْ بِالْمُبَاشَرَةِ كَمَا قَالَهُ ثَانِيًا، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ إنَّمَا عُذِّبَتْ فِي قَبْرِهَا بِكُفْرِهَا لَا بِبُكَاءِ أَهْلِهَا.
وَالْفَرْقُ فِي التَّحْقِيقِ إنْ مَشَيْنَا اللَّفْظَ عَلَى ظَاهِرِهِ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَاتَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَالْفَرْضُ تَحَقُّقُ السَّبَبِ، وَاَلَّذِي جَعَلَ عَدَمَهُ مَانِعًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ إلَّا شَرْطًا لِلسَّبَبِ بِأَنْ يُخِلَّ عَدَمُهُ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ، وَعَدَمُ حِكْمَةِ السَّبَبِ عَدَمٌ لَهُ، وَالْفَرْضُ تَحَقُّقُهُ وَأَنَّ هُنَاكَ حِكْمَةٌ تُخِلُّ بِحِكْمَتِهِ، وَبِهَذَا عُلِمَ الْفَرْقُ أَيْضًا بَيْنَ مَانِعِ السَّبَبِ وَعَدَمِ شَرْطِ السَّبَبِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ الْفَرْقُ أَيْضًا بَيْنَ مَانِعِ الْحُكْمِ وَعَدَمِ شَرْطِ الْحُكْمِ، وَتَحَصَّلَ أَنَّ لَنَا سَبَبًا وَمَانِعًا لِلْحُكْمِ وَمَانِعًا لِلسَّبَبِ وَشَرْطًا لِلْحُكْمِ وَشَرْطًا لِلسَّبَبِ وَعَدَمَ شَرْطٍ لِلْحُكْمِ وَعَدَمَ شَرْطٍ لِلسَّبَبِ، وَأَنَّ مَانِعَ الْحُكْمِ مَا أَخَلَّ بِالْحُكْمِ مَعَ بَقَاءِ حِكْمَةِ السَّبَبِ فَيَكُونُ عَدَمُهُ كَعَدَمِ الْحَيْضِ شَرْطًا لِتَأْثِيرِ السَّبَبِ فِي الْحُكْمِ إمَّا بِمُجَرَّدِ التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الزَّوَالِ لِوُجُوبِ الظُّهْرِ، أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ كَمَا فِي الزِّنَا لِوُجُوبِ الْجَلْدِ وَالْإِسْكَارِ لِحُرْمَةِ الْخَمْرِ لَا شَرْطًا لِوُجُودِ الْحُكْمِ حَتَّى يُنَافِي كَوْنَ تَحَقُّقِ الْمَانِعِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشُّرُوطِ، وَمَانِعُ السَّبَبِ مَا اسْتَلْزَمَ حِكْمَةً تُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ مَعَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ، وَإِنَّهُ لَا يُقَالُ مَانِعٌ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْحُكْمِ أَوْ السَّبَبِ فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ وُجُودِيًّا لِمَا عَرَفْت، وَشَرْطُ الْحُكْمِ مَا يَقْتَضِي عَدَمُهُ نَقِيضَ حُكْمِ السَّبَبِ مَعَ بَقَاءِ حِكْمَةِ السَّبَبِ مَا أَخَلَّ عَدَمُهُ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ فَيَنْتَفِي السَّبَبُ بِعَدَمِ حِكْمَتِهِ فَتَأَمَّلْ بِدِقَّةِ إمْعَانٍ اهـ بِتَوْضِيحٍ مِنْ الشِّرْبِينِيِّ وَالْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّيْ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبِقَاعِ جُعِلَتْ الْمَظَانُّ مِنْهَا مُعْتَبَرَةً فِي أَدَاءِ الْجُمُعَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَزْمَانِ لَمْ تُجْعَلْ الْمَظَانُّ مِنْهَا مُعْتَبَرَةً فِي رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ]
الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبِقَاعِ جُعِلَتْ الْمَظَانُّ مِنْهَا مُعْتَبَرَةً فِي أَدَاءِ الْجُمُعَاتِ وَقَصْرِ الصَّلَوَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَزْمَانِ لَمْ تُجْعَلْ الْمَظَانُّ مِنْهَا مُعْتَبَرَةً فِي رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ وَلَا دُخُولِ أَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ وَتَرْتِيبِ أَحْكَامِهَا) ، وَذَلِكَ أَنَّ شُهُورَ الْعِبَادَاتِ كَرَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَذِي الْحِجَّةِ وَنَحْوِهَا لَمَّا وُجِدَ الْقَطْعُ بِحُصُولِهَا وَحُصُولِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا شَرْعًا مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ لِأَهْلِهَا وَكَمَالِ الْعِدَّةِ كَانَتْ وَصْفًا ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا دَائِمًا، أَوْ فِي الْأَغْلَبِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ فِي تَعْرِيفِهِ لِلْحُكْمِ إلَى اعْتِبَارِ مَظِنَّتِهِ مَعَهُ كَظَنِّنَا أَنَّ الْهِلَالَ يَطْلُعُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِسَبَبِ قَرَائِنَ تَقَدَّمَتْ إمَّا مِنْ جِهَةِ تَوَالِي تَمَامِ الشَّهْرِ فَنَظُنُّ نَقْصَ هَذَا الشَّهْرِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ تَوَالِي النَّقْصِ فَنَظُنُّ تَمَامَ هَذَا الشَّهْرِ أَوْ مِنْ جِهَةِ طُلُوعِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَنَظُنُّ تَمَامَ هَذَا الشَّهْرِ أَوْ مِنْ جِهَةِ تَأَخُّرِهِ فِي الطُّلُوعِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَنَظُنُّ نُقْصَانَ هَذَا الشَّهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَوَاقِيتِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هِيَ مَظِنَّةُ رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ، إذْ مَعَ تَيَسُّرِ الْوُصُولِ إلَى الْوَصْفِ الْمَطْلُوبِ إمَّا بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِكَمَالِ الْعِدَّةِ لَا نَعْتَبِرُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْمَظَانِّ، وَكَذَلِكَ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ لَمَّا كَانَتْ مُنْضَبِطَةً فِي نَفْسِهَا لِحُصُولِ الْقَطْعِ بِهَا فِي أَكْثَرِ صُوَرِهَا لَمْ تَقُمْ مَظَانُّهَا فِي الصُّوَرِ مَقَامَهَا.
وَأَمَّا سَمَاعُ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ الْمُوجِبَةِ لِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» وَمَشَقَّةُ السَّفَرِ الْمُوجِبَةُ لِتَرْخِيصِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصْفًا غَيْرَ مُنْضَبِطٍ أُنِيطَ الْحُكْمُ بِمَظِنَّتِهِ فَاعْتُبِرَتْ فِي الْجُمُعَاتِ الْبِقَاعُ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فِي الْإِتْيَانِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ تِلْكَ الْمَسَافَةِ يَظُنُّ سَمَاعَ أَذَانِهَا إذَا هَدَأَتْ الْأَصْوَاتُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ، وَاعْتُبِرَتْ فِي تَرْخِيصِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ الْبِقَاعُ الَّتِي عَلَى أَرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّرْخِيصِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالسَّمَاعُ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ جُعِلَتْ مَظِنَّتُهُ مِنْ الْبِقَاعِ مَقَامَهُ وَالْمَشَقَّةُ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا جُعِلَتْ مَظِنَّتُهَا مِنْ الْبِقَاعِ مَقَامَهَا، وَأَوْقَاتُ الْعِبَادَاتِ لَمَّا كَانَتْ مُنْضَبِطَةً لَمْ تُجْعَلْ مَظَانُّهَا
стр. 404
لَهَا وَلَدٌ فَرَحَلَتْ فِي بَعْضِ مَقَاصِدِهَا إلَى الْمَغْرِبِ فَحَضَرَ يَوْمُ الْعِيدِ وَعَادَتُهَا فِيهِ فِي بَلَدِهَا تَخْرُجُ إلَى الْمَقَابِر فَتَبْكِي عَلَى وَلَدِهَا، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ فِي بَلَدِهَا خَطَرَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَقَابِرِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهَا فَتَفْعَلُ فِيهَا مَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ فِي بَلَدِهَا فَخَرَجَتْ إلَيْهَا، وَفَعَلَتْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَتْ الْبُكَاءَ وَالْعَوِيلَ وَالتَّفْجِيعَ عَلَى وَلَدِهَا، ثُمَّ نَامَتْ فَرَأَتْ أَهْلَ الْمَقْبَرَةِ قَدْ هَاجُوا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا هَلْ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدَنَا وَلَدٌ؟ فَقَالُوا لَا فَقَالَ السَّائِلُ مِنْهُمْ لِلْمَسْئُولِ فَكَيْفَ جَاءَتْ عِنْدَنَا تُؤْذِينَا بِبُكَائِهَا وَعَوِيلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا عِنْدَنَا وَلَدٌ، ثُمَّ ذَهَبُوا إلَيْهَا فَضَرَبُوهَا ضَرْبًا وَجِيعًا فَاسْتَيْقَظَتْ فَوَجَدَتْ أَلَمًا عَظِيمًا مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَتَأَلَّمُ مِنْ الْمُؤْلِمَاتِ وَتَفْرَحُ بِاللَّذَّاتِ فِي الْبَرْزَخِ كَمَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكَذَلِكَ تُعَذَّبُ الْكُفَّارُ فِي قُبُورِهَا كَمَا قَالَ ﵊ «إنَّ الْيَهُودَ لَتُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا» فَالْأَوْضَاعُ الْبَشَرِيَّةُ فِي الْأَرْوَاحِ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي مَسْكَنٍ فَارَقَتْهُ وَبَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا فِي أَوْضَاعِهَا، وَلَمَّا كَانَ الْبُكَاءُ وَالْعَوِيلُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ تَتَأَذَّى بِهِ الْأَرْوَاحُ وَتَنْقَبِضُ كَانَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ تَتَأَذَّى بِهِ كَذَلِكَ كَانَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى غَيْرِهَا، وَهُوَ عَلَيْهَا أَشَدُّ نِكَايَة؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُصَابَةُ حِينَئِذٍ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ أَحْوَالَ الْأَحْيَاءِ، وَمَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ وَفَقْرٍ وَاسْتِغْنَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَجَدَّدُ لِأَهْلِيهِمْ، وَيَتَأَلَّمُونَ لِلْمُؤْلِمَاتِ وَيُسَرُّونَ بِاللَّذَّاتِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمْ يَفْتَخِرُونَ بِالزِّيَارَاتِ، وَيَتَأَلَّمُونَ بِانْقِطَاعِهَا.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ كَانُوا يَتَأَلَّمُونَ بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِيهِمْ وَغَيْرِ أَهْلِيهِمْ، وَالْأَلَمُ عَذَابٌ فَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ» ، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُعَذَّبُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ أَيْ عَذَابُ الْآخِرَةِ الَّذِي هُوَ عَذَابُ الذُّنُوبِ وَالْبُكَاءُ عَذَابٌ لَيْسَ عَذَابَ الْآخِرَةِ الَّذِي هُوَ عَذَابُ الذُّنُوبِ الْمُتَوَعَّدِ بِهِ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَلْ مَعْنَاهُ الْأَلَمُ الْجِبِلِّيُّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَقَامَهَا، فَالْبِقَاعُ اُعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا سَبَبٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، وَالْأَوْقَاتُ اُعْتُبِرَتْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا سَبَبٌ مُنْضَبِطٌ فَلَمْ تُعْتَبَرْ مَظَانُّهَا فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الْبِقَاعِ وَالْأَزْمَانِ (وَصْلٌ) مَبْنَى هَذَا الْفَرْقِ وَسِرُّهُ قَاعِدَةُ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُعَرِّفَ لِلْحُكْمِ إنْ كَانَ وَصْفًا ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ كَالسُّكْرِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْقُوتِ فِي الرِّبَا، وَإِنْ كَانَ وَصْفًا خَفِيًّا أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ أُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ مَقَامَهُ، أَمَّا الْخَفِيُّ الَّذِي لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَكَالرِّضَا فِي انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» فَإِنَّ الرِّضَا لَمَّا كَانَ أَمْرًا خَفِيًّا جُعِلَتْ الصِّيَغُ وَالْأَفْعَالُ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ قَائِمَةً مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ يُظَنُّ عِنْدَهَا وَأُلْغِيَ الرِّضَا إذَا انْفَرَدَ عَنْهَا حَتَّى لَوْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ رَضِيَ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنْهُ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ لَمْ يَلْزَمْهُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُنْضَبِطِ لِاخْتِلَافِ مَقَادِيرِهِ فِي رُتَبِهِ فَكَمَشَقَّةِ السَّفَرِ فِي تَرْخِيصِ الْقَصْرِ وَالْإِفْطَارِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِذَلِكَ التَّرْخِيصِ، وَهِيَ غَيْرُ مُنْضَبِطَةِ الْمَقَادِيرِ إذْ لَيْسَ مَشَاقُّ النَّاسِ سَوَاءً فِي ذَلِكَ أُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ مَقَامَهُ وَهِيَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ تُظَنُّ عِنْدَهَا وَكَالْإِنْزَالِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ وَحُصُولِ نِسْبَةِ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ فِي النَّاسِ بِسَبَبِ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُنْزِلُ إلَّا بِالدَّفْقِ وَالْإِحْسَاسِ بِاللَّذَّةِ الْكُبْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْزِلُ تَقْطِيرًا عَلَى سَبِيلِ السَّيَلَانِ مِنْ غَيْرِ انْدِفَاقٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ يَنْدَفِقُ بَعْدَ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَلِذَلِكَ يَحْصُلُ الْوَلَدُ مَعَ الْعَزْلِ، وَالْإِنْسَانُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَا أَنْزَلَ أُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ مَقَامَهُ وَهِيَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُنْزِلُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْزِلُ بِالْفِكْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْزِلُ بِالنَّظَرِ فَقَطْ، وَكَانَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ جُعِلَ مَظِنَّةً وَكَالْعَقْلِ فِي التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ بِسَبَبِ اخْتِلَافِهِ فِي الرِّجَالِ وَالصِّبْيَانِ جِدًّا بِحَسَبِ اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ وَانْحِرَافِهِ فَرُبَّ صَبِيٍّ لِاعْتِدَالِ مِزَاجِهِ أَعْقَلُ مِنْ رَجُلٍ بَالِغٍ لِانْحِرَافِ مِزَاجِهِ جُعِلَ الْبُلُوغُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ وَهُوَ مُنْضَبِطٌ، إذَا أَقَامَ الشَّرْعُ مَظِنَّةَ الْوَصْفِ مَقَامَهُ أُعْرِضَ عَنْ اعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ نَعَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَوَقَّعًا مَعَ الْمَظِنَّةِ فَلَوْ قَطَعْنَا بِعَدَمِهِ عِنْدَ الْمَظِنَّةِ.
فَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَظِنَّةِ حُكْمٌ كَمَا لَوْ قَطَعْنَا بِعَدَمِ الرِّضَا مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَى صُدُورِ الصِّيغَةِ أَوْ الْفِعْلِ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلُ قَدْ خُولِفَ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ فَإِنَّا لَوْ قَطَعْنَا بِعَدَمِ الْإِنْزَالِ وَجَبَ الْغُسْلُ، وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ إنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَيَكُونُ عَلَيْهِ حَدُّ الْمُفْتَرِي فَأُقِيمَ الشُّرْبُ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْقَذْفِ مَقَامَهُ، وَنَحْنُ مَعَ ذَلِكَ نُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى مَنْ نَقْطَعُ أَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ حَتَّى إنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ يَقُولُ كَيْفَ تُقَامُ الْمَظِنَّةُ مَقَامَ الْقَذْفِ وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِعَدَمِ الْقَذْفِ فِي بَعْضِ النَّاسِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَثَرِ بِمَا شَهِدَ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ مَعَ أَنَّا قَدْ نَقْطَعُ فِيهِ بِعَدَمِ الْمَظْنُونِ عِنْدَ وُجُودِ مَظِنَّتِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالْمَظِنَّةِ وَالْحِكْمَةِ هُوَ أَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الَّتِي تُوجِبُ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً مُعْتَبَرَةً فِي الْحُكْمِ فَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ مُعْتَبَرًا فِي الْحُكْمِ فَإِنْ كَانَ خَفِيًّا أَوْ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ أُقِيمَتْ مَظِنَّتُهُ مَقَامَهُ، وَحِينَئِذٍ تَجْتَمِعُ الثَّلَاثَةُ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ مِنْهَا الْبَيْعَ فَإِنَّ حَاجَةَ الْمُكَلَّفِ إلَى مَا فِي يَدِهِ مِنْ
стр. 405
الَّذِي إذَا وَقَعَ فِي الْوُجُودِ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَنْ يَبْتَلِيهِ اللَّهُ تَعَالَى بِالْأَلَمِ لِرَفْعِ دَرَجَاتِهِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ « ﷺ نَحْنُ الْأَنْبِيَاءَ أَشَدُّ بَلَاءً ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِالْبَلَايَا وَالرَّزَايَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَذَابًا بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ بَلْ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ عَلَى الْقَرْنِ الْمَاضِي أَنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَايَا كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ، وَالْعَذَابُ يُسْتَعَاذُ مِنْهُ وَلَا يُفْرَحُ بِهِ فَهَذَا الْوَجْهُ عِنْدِي هُوَ الْفَرْقُ الصَّحِيحُ، وَيَبْقَ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيُسْتَغْنَى عَنْ التَّأْوِيلِ وَتَخْطِئَةِ الرَّاوِي وَمَا سَاعَدَهُ الظَّاهِرُ مِنْ الْأَجْوِبَةِ كَانَ أَسْعَدَهَا وَأَوْلَاهَا وَهَذَا كَذَلِكَ، فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْفَرْقِ.
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ وَالْآلَاتِ وَكُلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَهِلَّةُ فِي الرَّمَضَانَاتِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ) وَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْحِسَابِ فَإِذَا دَلَّ حِسَابُ تَسْيِيرِ الْكَوَاكِبِ عَلَى خُرُوجِ الْهِلَالِ مِنْ الشُّعَاعِ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ الْهَيْئَةِ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ قَالَ سَنَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى الْحِسَابَ فَأَثْبَتَ الْهِلَالَ بِهِ لَمْ يُتَّبَعْ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ مَعَ أَنَّ حِسَابَ الْأَهِلَّةِ وَالْكُسُوفَاتِ وَالْخُسُوفَاتِ قَطْعِيٌّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِأَنَّ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَانْتِقَالَاتِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ طُولَ الدَّهْرِ بِتَقْدِيرِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] وَقَالَ تَعَالَى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] أَيْ هُمَا ذَوَا حِسَابٍ فَلَا يَنْخَرِم ذَلِكَ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ لَا يَنْخَرِمُ حِسَابُهَا، وَالْعَوَائِدُ إذَا اسْتَمَرَّتْ أَفَادَتْ الْقَطْعَ كَمَا إذَا رَأَيْنَا شَيْخًا نَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ كَذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ هُوَ الْمَصْلَحَةُ وَالْحِكْمَةُ الْمُوجِبَةُ لِاعْتِبَارِ الرِّضَا، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ، وَمَظِنَّةُ الرِّضَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَالْحَاجَةُ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى لِكَوْنِهَا الْمُوجِبَةَ لِاعْتِبَارِ الرِّضَا وَاعْتِبَارُ الرِّضَا فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهَا وَاعْتِبَارُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ اعْتِبَارِ الرِّضَا وَفَرْعُهُ وَمِنْهَا السَّفَرُ فَإِنَّ رَاحَةَ الْمُكَلَّفِ وَصَلَاحَ جِسْمِهِ مَصْلَحَةٌ وَحِكْمَةٌ تُوجِبُ أَنَّ الْمَشَقَّةَ إذَا عَرَضَتْ أَوْجَبَتْ تَخْفِيفَ الْعِبَادَةِ عَنْهُ لِئَلَّا تَعْظُمَ الْمَشَقَّةُ فَتَضِيعَ مَصَالِحُهُ بِإِضْعَافِ جِسْمِهِ وَإِهْلَاكِ قُوَّتِهِ.
وَمَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ أَرْبَعَةُ الْبُرُدِ فَحِفْظُ صِحَّةِ الْجِسْمِ وَتَوْفِيرُ قُوَّتِهِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى لِكَوْنِهِ هُوَ الْمُوجِبُ لِاعْتِبَارِ وَصْفِ الْمَشَقَّةِ، وَالْمَشَقَّةُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا أَثَرُهُ وَالْأَثَرُ فَرْعُ الْمُؤَثِّرِ، وَأَرْبَعَةُ الْبُرُدِ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ لِأَنَّ اعْتِبَارَهَا فَرْعُ اعْتِبَارِ الْمَشَقَّةِ وَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا اُعْتُمِدَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقَامَ مَظِنَّتُهُ مَقَامَهُ تَتَحَقَّقُ الْحِكْمَةُ وَالْوَصْفُ مِنْ غَيْرِ مَظِنَّةٍ وَلَهُ مُثُلٌ مِنْهَا أَنَّ الرَّضَاعَ وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ لِلتَّحْرِيمِ، وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ جُزْءُ الْمَرْأَةِ الَّذِي هُوَ اللَّبَنُ جُزْءَ الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ إيجَابُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ نَظِيرَ إيجَابِ صَيْرُورَةِ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ وَطَمْثِهَا جُزْءَ الصَّبِيِّ لِلتَّحْرِيمِ بِالنَّسَبِ.
فَلِذَا قَالَ ﷺ «الرَّضَاعُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» فَالْجُزْئِيَّةُ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْحِكْمَةُ، وَوَصْفُ الرَّضَاعِ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ فَرْعُهَا، وَمِنْهَا أَنَّ الزِّنَا وَصْفٌ كَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ وَاخْتِلَاطُ الْأَنْسَابِ حِكْمَتُهُ الْمُوجِبَةُ لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ فَالِاخْتِلَاطُ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى، وَوَصْفُ الزِّنَا الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ، وَمِنْهَا أَنَّ السَّرِقَةَ وَصْفٌ كَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْقَطْعِ وَضَيَاعُ الْمَالِ حِكْمَتُهُ الْمُوجِبَةُ لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ فَضَيَاعُ الْمَالِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى، وَوَصْفُ السَّرِقَةِ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ فَوَصْفُ كُلٍّ مِنْ الرَّضَاعِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لَمَّا كَانَ ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا لَمْ يَحْتَجْ لِقِيَامِ مَظِنَّتِهِ مَقَامَهُ فَلَمْ يَحْتَجْ لِلرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ أَنْ يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَى كُلِّ مَنْ تَحَقَّقَتْ فِيهِ تِلْكَ الْحِكْمَةُ، وَإِلَّا لَحُرِّمَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى صَبِيٍّ أَكَلَ مِنْهَا قِطْعَةَ لَحْمٍ لِتَحَقُّقِ صَيْرُورَةِ جُزْئِهَا جُزْءًا مِنْهُ، وَلَوَجَبَ حَدُّ الزِّنَا عَلَى مَنْ يَأْخُذُ الصِّبْيَانَ مِنْ أُمَّهَاتِهِمْ صِغَارًا.
وَيَأْتِي بِهِمْ كِبَارًا بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُ أَوْجَبَ اخْتِلَاطَ الْأَنْسَابِ، وَلَوَجَبَ حَدُّ السَّرِقَةِ عَلَى مَنْ ضَيَّعَ الْمَالَ بِالْغَصْبِ وَالْعُدْوَانِ وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَحَدٌ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِالْمَظِنَّةِ فَلِذَا قَالَ الْجُمْهُورُ بِالتَّعْلِيلِ بِهَا، وَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ فَافْهَمْ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَظِنَّةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ الْقَطْعُ بِعَدَمِ الْحِكْمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّا نُقِيمُ حَدَّ الزِّنَا وَحَدَّ السَّرِقَةِ وَإِنْ قَطَعْنَا بِعَدَمِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ مِنْ الزِّنَا بِأَنْ تَحِيضَ الْمَرْأَةُ وَيَظْهَرَ عَدَمُ حَمْلِهَا أَوْ جَزَمْنَا بِعَدَمِ ضَيَاعِ الْمَالِ بِسَبَبِ أَخْذِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ، وَالْغَالِبُ فِي مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْمَظِنَّةِ إذَا قَطَعْنَا فِيهَا بِعَدَمِ الْمَظْنُونِ أَلَا تَرَى أَنَّ نَحْوَ الْكُفْرِ وَالْعُقُودِ النَّاقِلَةِ لِلْأَمْلَاكِ أَوْ الْمُوجِبَةِ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مِنْ الْمَظَانِّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهَا بِالْإِكْرَاهِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ الْإِكْرَاهِ فَلْيُتَفَطَّنْ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَهَذِهِ التَّفَاصِيلِ فَإِنَّهَا وَإِنْ ذُكِرَتْ هُنَا لِبِنَاءِ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهَا، وَكَوْنِهَا سِرَّهُ إلَّا أَنَّهَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْفُقَهَاءُ ﵏ كَثِيرًا فِي مَوَارِدِ الْفِقْهِ وَالتَّرْجِيحِ وَالتَّعْلِيلِ
стр. 406
بَلْ طِفْلًا لِأَجْلِ عَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ وِلَادَتَهُ كَذَلِكَ، وَالْقَطْعُ الْحَاصِلُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْعَادَةِ، وَإِذَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِالْحِسَابِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ لَا غَايَةَ بَعْدَ حُصُولِ الْقَطْعِ وَالْفَرْقُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا وَهُوَ عُمْدَةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَبَ زَوَالَ الشَّمْسِ سَبَبَ وُجُوبِ الظُّهْرِ.
وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَوْقَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أَيْ لِأَجْلِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هَذَا خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ حِينَ تُمْسُونَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَحِينَ تُصْبِحُونَ الصُّبْحُ وَعَشِيًّا الْعَصْرُ وَحِينَ تُظْهِرُونَ الظُّهْرُ وَالصَّلَاةُ تُسَمَّى سُبْحَةً، وَمِنْهُ سُبْحَةُ الضُّحَى أَيْ صَلَاتُهَا فَالْآيَةُ أَمْرٌ بِإِيقَاعِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الْوَقْتِ سَبَبٌ فَمَنْ عَلِمَ السَّبَبَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ لَزِمَهُ حُكْمُهُ، فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ الْحِسَابُ الْمُفِيدُ لِلْقَطْعِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ،.
وَأَمَّا الْأَهِلَّةُ فَلَمْ يَنْصِبْ صَاحِبُ الشَّرْعِ خُرُوجَهَا مِنْ الشُّعَاعِ سَبَبًا لِلصَّوْمِ بَلْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ خَارِجًا مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ هُوَ السَّبَبُ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ الرُّؤْيَةُ لَمْ يَحْصُلْ السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَ خُرُوجِ الْهِلَالِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ سَبَبًا لِلصَّوْمِ قَوْلُهُ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَلَمْ يَقُلْ لِخُرُوجِهِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ثُمَّ قَالَ «فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ» أَيْ خَفِيَتْ عَلَيْكُمْ رُؤْيَتُهُ «فَاقْدِرُوا لَهُ» فِي رِوَايَةٍ «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» فَنَصَبَ رُؤْيَةَ الْهِلَالَ أَوْ إكْمَالَ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِخُرُوجِ الْهِلَالِ عَنْ الشُّعَاعِ،.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ؛ لِأَنَّ شَهِدَ لَهَا ثَلَاثُ مَعَانٍ شَهِدَ بِمَعْنَى حَضَرَ وَمِنْهُ شَهِدْنَا صَلَاةَ الْعِيدِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَشَهِدَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ مِنْ الْمَسَاجِدِ تُعَظَّمُ بِالصَّلَاةِ وَبَيْن قَاعِدَة الْأَزْمِنَةِ الْمُعَظَّمَةِ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالتِّسْعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ مِنْ الْمَسَاجِدِ تُعَظَّمُ بِالصَّلَاةِ، وَيَتَأَكَّدُ طَلَبُ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُلَابَسَتِهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَزْمِنَةِ الْمُعَظَّمَةِ كَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لَا تُعَظَّمُ بِتَأَكُّدِ الصَّوْمِ فِيهَا) الْبِقَاعُ الْمُعَظَّمَةُ وَالْأَزْمِنَةُ وَإِنْ اشْتَرَكَتَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ نِسْبَةَ الصَّلَوَاتِ إلَى مُطْلَقِ الْبِقَاعِ كَمَا أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُهَا فِيهَا كَذَلِكَ نِسْبَةُ الصَّوْمِ إلَى مُطْلَقِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُهُ فِيهَا، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ بَعْضَ الْبِقَاعِ وَهِيَ الْمَسَاجِدُ كَمَا اُخْتُصَّتْ بِأَنَّهَا بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى، وَطَلَبَ الشَّارِعُ تَعْظِيمَهَا بِالتَّحِيَّاتِ مِمَّنْ دَخَلَهَا كَذَلِكَ اخْتَصَّ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ، وَهُوَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ بِهِ تَعَالَى وَطَلَبَ الشَّارِعُ تَعْظِيمَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِغْفَارِ فَقَدْ وَرَدَ «أَنَّ الثُّلُثَ الْأَخِيرَ مِنْ اللَّيْلِ يَنْزِلُ الرَّبُّ تَعَالَى فِيهِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ» إلَّا أَنَّهُمَا افْتَرَقَتَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الْبِقَاعِ لَمْ يَقَعْ مِنْهَا مَا يُصَامُ فِيهِ إلَّا بِطَرِيقِ الْعَرْضِ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِمَكَّةَ جَبْرًا لِمَا عَرَضَ مِنْ النُّسُكِ وَصَوْمِ أَيَّامِ الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ لِمَا عَرَضَ مِنْ الِاعْتِكَافِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ مِنْهَا مَا يُصَلَّى فِيهِ لِعَيْنِهِ كَالْمَسَاجِدِ تُصَلَّى فِيهَا النَّجِيَّةُ، وَأَمَّا مُطْلَقُ الْأَزْمِنَةِ فَوَقَعَ مِنْهَا مَا يُصَامُ فِيهِ لِعَيْنِهِ لَا لِمَا عَرَضَ فِيهِ كَرَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، وَوَقَعَ مِنْهَا مَا يُصَلَّى فِيهِ لِعَيْنِهِ لَا لِمَا عَرَضَ فِيهِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِ الْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالضُّحَى، فَالصَّوْمُ بِوَصْفِهِ خَاصٌّ بِالزَّمَانِ، وَالصَّلَاةُ كَمَا تَكُونُ لِلْمَكَانِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ تَكُونُ لِلزَّمَانِ كَالصَّلَوَاتِ وَنَحْوِ الْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالضُّحَى فِي أَوْقَاتِهَا.
وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبِقَاعَ الْمُعَظَّمَةَ وَهِيَ الْمَسَاجِدُ لَمَّا اُخْتُصَّتْ بِاَللَّهِ وَاشْتُهِرَتْ بِاسْمٍ يُنَاسِبُ اخْتِصَاصَهَا بِهِ تَعَالَى وَهُوَ لَفْظُ الْبُيُوتِ فَإِنَّ شَأْنَ الرَّئِيسِ وَالْمَلِكِ الْعَظِيمِ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ وَيَخْتَصُّ بِهِ احْتَاجَتْ إلَى تَمْيِيزٍ يَخْتَصُّ بِهِ تَعَالَى يُنَاسِبُ رُبُوبِيَّتَهُ عَلَى قَدْرِ مَا فِي وُسْعِنَا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ غَنِيًّا عَنْ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا تَزِيدُهُ طَاعَتُهُمْ وَلَا تُنْقِصُهُ مَعْصِيَتُهُمْ، وَكَانَ الْأَدَبُ مَعَهُ اللَّائِقُ بِجَلَالِهِ مُتَعَذِّرًا مِنَّا، وَقَدْ أَمَرَنَا تَعَالَى أَنْ نَتَأَدَّبَ مَعَهُ كَمَا نَتَأَدَّبُ مَعَ أَكَابِرِنَا؛ لِأَنَّهُ وَسِعَنَا وَكَانَ أَحَدُنَا إذَا مَرَّ بِبُيُوتِ الْأَكَابِرِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَيُحَيِّيهِمْ بِالتَّحِيَّةِ اللَّائِقَةِ بِهِمْ.
وَالسَّلَامُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إمَّا بِالسَّلَامَةِ وَهُوَ تَعَالَى سَالِمٌ لِذَاتِهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ، وَإِمَّا بِالْمُسَالَمَةِ وَهِيَ التَّأْمِينُ مِنْ الضَّرَرِ وَهُوَ تَعَالَى يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ أَمَرَنَا تَعَالَى بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْمَدْحِ لَهُ وَإِكْرَامِ خَاصَّتِهِ وَعَبِيدِهِ وَأَنْ نَقُولَ لَهُ تَعَالَى أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ وَإِلَيْك يَعُودُ السَّلَامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، أَيْ أَنْتَ السَّالِمُ لِذَاتِك وَمِنْك يَصْدُرُ السَّلَامُ لِعِبَادِك وَإِلَيْك يَرْجِعُ طَلَبُهَا فَاعْطِنَا إيَّاهَا فَلَمَّا اسْتَحَالَ السَّلَامُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ مَقَامَهُ لِيَتَمَيَّزَ بَيْتُ الرَّبِّ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوتِ بِصُورَةِ التَّعْظِيمِ بِمَا يَلِيقُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَلِذَلِكَ نَابَتْ الْفَرِيضَةُ عَنْ النَّافِلَةِ فِي ذَلِكَ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِهَا.
وَأَمَّا الْأَزْمِنَةُ الْمُعَظَّمَةُ وَهِيَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَنَحْوُهَا فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا اُشْتُهِرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى شُهْرَةَ الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى تَمْيِيزٍ يَخْتَصُّ بِهِ يُنَاسِبُ الرُّبُوبِيَّةَ كَمَا احْتَاجَتْ الْمَسَاجِدُ لِذَلِكَ بِسَبَبِ اشْتِهَارِهَا بِاَللَّهِ تَعَالَى الشُّهْرَةَ
стр. 407
بِمَعْنَى أَخْبَرَ وَمِنْهُ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْ أَخْبَرَهُ بِمَا يَعْلَمُهُ، وَشَهِدَ بِمَعْنَى عَلِمَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦] أَيْ عَلِيمٌ وَهُوَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى حَضَرَ قَالَ وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ فَمَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ الْمِصْرَ فِي الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ أَيْ حَاضِرًا مُقِيمًا احْتِرَازًا مِنْ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، وَإِذَا كَانَ شَهِدَ بِمَعْنَى حَضَرَ لَا بِمَعْنَى شَاهَدَ وَرَأَى لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اعْتِبَارِ الرُّؤْيَةِ وَلَا عَلَى اعْتِبَارِ الْحِسَابِ أَيْضًا فَإِنَّ الْحُضُور فِي الشَّهْرِ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ ثَبَتَ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالْحِسَابِ فَلِأَجْلِ هَذَا الْفَرْقِ قَالَ الْفُقَهَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إنْ كَانَ هَذَا الْحِسَابُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْضَبِطًا لَكِنَّهُ لَمْ يَنْصِبْهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ سَبَبًا فَلَمْ يَجِبْ بِهِ صَوْمٌ وَالْحَقُّ مِنْ تَرْدِيدِ الْفُقَهَاءِ ﵏ هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا إشْكَالَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَالْآخَرُ فِي رُؤْيَةِ الْأَهِلَّةِ.
الْإِشْكَالُ الْأَوَّلُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَذَلِكَ أَنَّهُ جَرَتْ عَادَةُ الْمُؤَذِّنِينَ وَأَرْبَابِ الْمَوَاقِيتِ بِتَيْسِيرِ دَرَجِ الْفَلَكِ فَإِذَا شَاهَدُوا الْمُتَوَسِّطَ مِنْ دَرَجِ الْفَلَكِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ دَرَجِ الْفَلَكِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّ دَرَجَةَ الشَّمْسِ قَرُبَتْ مِنْ الْأُفُقِ قُرْبًا يَقْتَضِي أَنَّ الْفَجْرَ طَلَعَ أَمَرُوا النَّاسَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مَعَ أَنَّ الْأُفُقَ يَكُونُ صَاحِيًا لَا يَخْفَى فِيهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ لَوْ طَلَعَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ لِلْفَجْرِ أَثَرًا أَلْبَتَّةَ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَصَبَ سَبَبَ وُجُوبٍ لِلصَّلَاةِ ظُهُورَ الْفَجْرِ فَوْقَ الْأُفُقِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ فَإِنَّهُ إيقَاعٌ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا وَبِدُونِ سَبَبِهَا، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ إثْبَاتِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ (فَإِنْ قُلْت) هَذَا جُنُوحٌ مِنْك إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الرُّؤْيَةِ، وَأَنْتَ قَدْ فَرَّقْت بَيْنَ الْبَابَيْنِ، وَمَيَّزْت بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بِالرُّؤْيَةِ وَعَدَمِهَا، وَقُلْت السَّبَبُ فِي الْأَهِلَّةِ الرُّؤْيَةُ وَفِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ تَحْقِيقُ الْوَقْتِ دُونَ رُؤْيَتِهِ فَحَيْثُ اشْتَرَطْت الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أَبْطَلْت مَا ذَكَرْته مِنْ الْفَرْقِ.
قُلْت سُؤَالٌ حَسَنٌ (وَالْجَوَابُ عَنْهُ) أَنِّي لَمْ أَشْتَرِطْ الرُّؤْيَةَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لَكِنِّي جَعَلَتْ عَدَمَ اطِّلَاعِ الْحِسِّ عَلَى عَدَمِ الْفَجْرِ دَلِيلًا عَلَى
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمَذْكُورَةَ، وَالثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ وَإِنْ اُشْتُهِرَ بِهِ تَعَالَى اشْتِهَارَ الْمَسَاجِدِ، وَشُرِعَ فِيهِ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِغْفَارِ كَمَا عَلِمْت لِمَا أَنَّهُ يَلْزَمُنَا ذَلِكَ فِيهِ تَعْظِيمُهُ كَمَا إنَّ شَأْنَ الْأَزْمِنَةِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ الْمُلُوكِ بِالْقُدُومِ فِيهَا عَلَى الرَّعَايَا أَنْ تُعَظَّمَ فِي الْمَدَائِنِ بِالزِّينَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَسْبَابِ الِاحْتِفَالِ، إلَّا أَنَّ تَعْظِيمَهُ لَمْ يَكُنْ بِالصَّوْمِ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَا يُلَائِمُ الصَّوْمَ، وَالْفَرْقُ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ تَعْظِيمِ الْبِقَاعِ الْمُعَظَّمَةِ بِالصَّلَاةِ وَالْأَزْمِنَةِ الْمُعَظَّمَةِ بِالصَّوْمِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النُّوَاحُ حَرَامٌ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَرَاثِي مُبَاحَةٌ]
(الْفَرْقُ الْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النُّوَاحُ حَرَامٌ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَرَاثِي مُبَاحَةٌ) لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى تَحْرِيمِ النُّوَاحِ وَتَفْسِيقِ النَّائِحَةِ مُطْلَقًا وَلَا عَلَى إبَاحَةِ الْمَرَاثِي وَعَدَمِ تَفْسِيقِ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ يَرْثُونَ الْمَوْتَى مِنْ الْمُلُوكِ وَالْأَعْيَانِ مُطْلَقًا، وَإِنْ اُشْتُهِرَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ بَلْ الْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْ النُّوَاحِ وَالْمَرَاثِي عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ حَرَامٌ كَبِيرَةٌ وَحَرَامٌ صَغِيرَةٌ وَمُبَاحٌ وَمَنْدُوبٌ، أَمَّا ضَابِطُ مَا هُوَ حَرَامٌ كَبِيرَةٌ مِنْ النُّوَاحِ وَالْمَرَاثِي، فَكُلُّ كَلَامٍ يُقَرِّرُ فِي النُّفُوسِ وَيُوضِحُ لِلْأَفْهَامِ نِسْبَةَ الرَّبِّ إلَى الْجَوْرِ فِي قَضَائِهِ وَالتَّبَرُّمِ بِقَدَرِهِ، وَأَنَّ الْوَاقِعَ مِنْ مَوْتِ هَذَا الْمَيِّتِ لَمْ يَكُنْ مَصْلَحَةً بَلْ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً فَيَحْمِلُ السَّامِعِينَ عَلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ يَكُونُ حَرَامًا كَبِيرَةً نَظْمًا كَانَ أَوْ نَثْرًا مَرْثِيَةً أَوْ نُوَاحًا، وَذَلِكَ كَأَنْ تَقُولَ النَّائِحَةُ لَفْظًا يَقْتَضِي فَرْطَ جَمَالِ الْمَيِّتِ وَحُسْنِهِ وَكَمَالِهِ وَشُجَاعَتِهِ وَبَرَاعَتِهِ وَأُبَّهَتِهِ وَرِئَاسَتِهِ، وَتُبَالِغَ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ إكْرَامِ الضَّيْفِ وَالضَّرْبِ بِالسَّيْفِ وَالذَّبِّ عَنْ الْحَرِيمِ وَالْجَارِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمَيِّتِ الَّتِي يَقْتَضِي مِثْلُهَا أَنْ لَا يَمُوتَ، فَإِنَّ بِمَوْتِهِ تَنْقَطِعُ هَذِهِ الْمَصَالِحُ، وَيَعِزُّ وُجُودُ مِثْلِ الْمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَيَعْظُمُ التَّفَجُّعُ عَلَى فَقْدِ مِثْلِهِ، وَأَنَّ الْحِكْمَةَ كَانَتْ تَقْتَضِي بَقَاءَهُ وَتَطْوِيلَ عُمْرِهِ لِتَكْثُرَ تِلْكَ الْمَصَالِحُ فِي الْعَالَمِ، وَكَأَنْ يَقُولَ الشَّاعِرُ فِي رِثَائِهِ:
مَاتَ مَنْ كَانَ بَعْضُ أَجْنَادِهِ الْمَوْتَ ... وَمَنْ كَانَ يَخْتَشِيهِ الْقَضَاءُ
فَيَتَضَمَّنُ شِعْرُهُ مِنْ التَّعْرِيضِ لِلْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ: مَنْ كَانَ بَعْضُ أَجْنَادِهِ الْمَوْتَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ هَذَا الْمَيِّتِ، وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَيِّتِ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ مَنْصِبُ الْخِلَافَةِ، وَمَتَى تَأْتِي الْأَيَّامُ بِمِثْلِ هَذَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيُشِيرُ قَوْلُهُ يَخْتَشِيهِ الْقَضَاءُ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يَخَافُ مِنْهُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ كُفْرًا صَرِيحًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِهِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ، فَلِذَا لَمَّا حَضَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْمَحْفِلِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ الْمَلِكُ الصَّالِحُ الْأَكَابِرَ وَالْأَعْيَانَ وَالْقُرَّاءَ وَالشُّعَرَاءَ لِعَزَاءِ الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَادَ، وَأَنْشَدَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي مَرْثِيَّتِهِ: مَاتَ مَنْ كَانَ بَعْضُ أَجْنَادِهِ الْمَوْتَ وَسَمِعَهُ الشَّيْخُ أَمَرَ بِتَأْدِيبِهِ وَحَبْسِهِ وَأَغْلَظَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ، وَبَالَغَ فِي تَقْبِيحِ رِثَائِهِ، وَأَقَامَ بَعْدَ التَّعْزِيرِ فِي الْحَبْسِ زَمَانًا طَوِيلًا، ثُمَّ اسْتَتَابَهُ بَعْدَ شَفَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ فِيهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْظِمَ قَصِيدَةً يُثْنِي فِيهَا عَلَى اللَّهِ تَكُونُ مُكَفِّرَةً لِمَا تَضَمَّنَهُ شِعْرُهُ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلْقَضَاءِ وَالْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يَخَافُ مِنْ الْمَيِّتِ، وَالشُّعَرَاءُ كَثِيرًا مَا يَهْجُمُونَ عَلَى أُمُورٍ صَعْبَةٍ مِثْلِ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي الْإِغْرَابِ وَالتَّمَدُّحِ بِأَنَّهُ طَرَقَ مَعْنًى لَمْ يُطْرَقْ قَبْلَهُ فَيَقَعُونَ فِي هَذَا وَمِثْلِهِ، وَلِذَلِكَ وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْأَوْدِيَةُ هِيَ أَوْدِيَةُ الْهِجَاءِ الْمُحَرَّمِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ قَوْلُهُ وَهَذَا الْقِسْمُ شَرُّ النُّوَاحِ وَالْمَرَاثِي وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ إنَّ النَّائِحَةَ تُكْسَى يَوْمَ
стр. 408
عَدَمِهِ وَأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ هِيَ السَّبَبُ وَنَظِيرُهُ فِي الْأَهِلَّةِ لَوْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً وَالْجَمْعُ ثير وَلَمْ يُرَ الْهِلَالَ جَعَلْت ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ خُلُوصِ الْهِلَالِ مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَيْت الظِّلَّ عِنْدَ الزَّوَالِ مَائِلً لِجِهَةِ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ أَرَهُ مَائِلًا إلَى جِهَةِ الْمَشْرِقِ بَلْ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ جَعَلْت ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ دُخُولِ الْوَقْتِ وَعَدَم السَّبَبِ فَفَرْقٌ بَيْنَ كَوْنِ الْحِسِّ سَبَبًا وَبَيْنَ كَوْنِهِ دَالًّا عَلَى عَدَمِ السَّبَبِ فَإِنِّي فِي الْفَجْرِ جَعَلْته دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ السَّبَبِ لَا أَنِّي اشْتَرَطْت الرُّؤْيَةَ، وَلِذَلِكَ أَنِّي لَمْ أَسْتَشْكِلْ ذَلِكَ إلَّا وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ وَالْحِسُّ لَا يَجِدُ شَيْئَانِ مِنْ الْفَجْرِ، أَمَّا لَوْ كَانَ حِسَابُهُمْ يَظْهَرُ مَعَهُ الْفَجْرُ مَعَ الصَّحْوِ طَالِعًا مِنْ الْأُفُقِ وَيَخْفَى مَعَ الْغَيْمِ لَمْ أَسْتَشْكِلْهُ، وَقُلْت: إنَّمَا يَخْفَى لِأَجْلِ الْغَيْم لَا لِأَجْلِ عَدَمِهِ فِي نَفْسِهِ لَكِنْ لَمَّا رَأَيْت حِسَابَهُمْ فِي الصَّحْوِ لَا يَظْهَرُ مَعَهُ الْفَجْرُ عَلِمْت أَنَّ حِسَابَهُمْ يُقَارِنُ عَدَمَ السَّبَبِ فَإِنَّ الْحِسَّ كَمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْفَجْرِ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى عَدَمِهِ بِاتِّسَاقِ الظُّلْمَةِ وَعَدَمِ الضِّيَاءِ، فَهَذَا جَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ لَا أَنِّي سَوَّيْت بَيْنَ الْأَهِلَّةِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ الْإِشْكَالَ الثَّانِيَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ جَعَلُوا رُؤْيَةَ الْهِلَالِ فِي بَلَدٍ مِنْ الْبِلَادِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَوَافَقَتْهُمْ الْحَنَابِلَةُ ﵏ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ ﵏ لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتُهُمْ وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ فَجْرَهُمْ وَزَوَالَهُمْ وَعَصْرَهُمْ وَمَغْرِبَهُمْ وَعِشَاءَهُمْ فَإِنَّ الْفَجْرَ إذَا طَلَعَ عَلَى قَوْمٍ يَكُونُ عِنْدَ آخَرِينَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَعِنْدَ آخَرِينَ نِصْفَ النَّهَارِ وَعِنْدَ آخَرِينَ غُرُوبَ الشَّمْسِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَمَا مِنْ دَرَجَةٍ تَطْلُعُ مِنْ الْفَلَكِ أَوْ تَتَوَسَّطُ أَوْ تَغْرُبُ إلَّا فِيهَا جَمِيعُ الْأَوْقَاتِ بِحَسَبِ آفَاقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَقْطَارٍ مُتَبَايِنَةٍ فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ كَانَ نِصْفَ اللَّيْلِ عِنْدَ الْبِلَادِ الْمَغْرِبِيَّةِ مِنْهُمْ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى حَسَبِ الْبُعْدِ عَنْ ذَلِكَ الْأُفُقِ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فِي أَقْصَى الْمَغْرِبِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْقِيَامَةِ قَمِيصَيْنِ قَمِيصٌ مِنْ جَرَبٍ وَقَمِيصٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَسِرُّهُ أَنَّ الْأَجْرَبَ سَرِيعُ الْأَلَمِ لِتَقَرُّحِ جِلْدِهِ وَالْقَطِرَانُ يُقَوِّي شُعْلَةَ النَّارِ فَيَكُونُ عَذَابُ النَّائِحَةِ بِالنَّارِ بِسَبَبِ هَذَيْنِ الْقَمِيصَيْنِ أَشَدَّ الْعَذَابِ. وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُد «لَعَنَ اللَّهُ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ» .
وَأَمَّا ضَابِطُ مَا هُوَ حَرَامٌ صَغِيرَةٌ فَكُلُّ كَلَامٍ نَظْمًا أَوْ نَثْرًا مَرْثِيَّةً أَوْ نُوَاحًا لَمْ يَصِلْ إلَى الْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُ يُبْعِدُ السَّلْوَةَ عَنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَيُهِيجُ الْأَسَفَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى تَعْذِيبِ نُفُوسِهِمْ وَقِلَّةِ صَبْرِهِمْ وَضَجِرِهِمْ، وَرُبَّمَا بَعَثَهُمْ عَلَى الْقُنُوطِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَضَرْبِ الْخُدُودِ يَكُونُ حَرَامًا صَغِيرَةً وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ التَّصْرِيحِ بِتَحْرِيمِ النُّوَاحِ نَعَمْ قَالَ سَنَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّمَا يَحْرُمُ النُّوَاحُ مِنْ النَّائِحَةِ الَّتِي تَتَّخِذُهُ صَنْعَةً قَالَ وَإِلَّا فَالْمَرَّةُ مَكْرُوهَةٌ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ نِسَاءَ جَعْفَرٍ لَمْ يُسْكِتْهُنَّ» ، وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ «فَسَمِعَ صَوْتَ نَائِحَةٍ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ فَقَالُوا ابْنَةُ عُمَرَ فَقَالَ فَلْتَبْكِي أَوْ لَا تَبْكِي مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ وَفِيهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا نَنُوحَ فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرُ خَمْسِ نِسْوَةٍ سَمَّتْهُنَّ» وَأَمَّا ضَابِطُ مَا هُوَ مُبَاحٌ مِنْ النُّوَاحِ وَالْمَرَاثِي فَكُلُّ كَلَامٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْقِسْمَيْنِ قَبْلَهُ بَلْ ذُكِرَ فِيهِ دِينُ الْمَيِّتِ، وَأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى جَزَاءِ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ وَمُجَاوَرَةِ أَهْلِ السَّعَادَةِ.
وَأَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ مَا قَضَى عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ، وَأَنَّ هَذَا سَبِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَأَنَّهُ مَوْطِنٌ اشْتَرَكَ فِيهِ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ وَبَابٌ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ يَكُونُ مُبَاحًا خَالِيًا عَنْ التَّحْرِيمِ، وَمِنْهُ مَا رَثَى بِهِ ابْنُ عُمَرَ أَخَاهُ عَاصِمًا لَمَّا مَاتَ فَقَالَ:
فَإِنْ تَكُ أَحْزَانٌ وَفَائِضُ دَمْعَةٍ ... جَرَيْنَ دَمًا مِنْ دَاخِلِ الْجَوْفِ مُنْقَعَا
تَجَرَّعْتهَا فِي عَاصِمٍ وَاحْتَسَيْتهَا ... فَأَعْظَمُ مِنْهَا مَا احْتَسَى وَتَجَرَّعَا
فَلَيْتَ الْمَنَايَا كُنَّ خَلَّفْنَ عَاصِمًا ... فَعِشْنَا جَمِيعًا أَوْ ذَهَبْنَ بِنَا مَعَا
دَفَعْنَا بِك الْأَيَّامَ حَتَّى إذَا أَتَتْ ... تُرِيدُك لَمْ نَسْطِعْ لَهَا عَنْك مِدْفَعَا
فَهَذَا رِثَاءٌ مُبَاحٌ لَا يَحْرُمُ مِثْلُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُشِيرُ إلَى التَّجْوِيرِ وَلَا تَسْفِيهِ الْقَضَاءِ بَلْ إنَّهُ حَزِينٌ مُتَأَلِّمٌ لِمَيْتِهِ، وَكَانَ يَشْتَهِي لَوْ مَاتَ مَعَهُ فَهَذَا أَمْرٌ قَرِيبٌ لَا غَرْوَ فِيهِ، وَأَمَّا ضَابِطُ الْمَنْدُوبِ مِنْ النُّوَاحِ وَالْمَرَاثِي فَكُلُّ كَلَامٍ زَادَ عَلَى مَا فِي قِسْمِ الْمُبَاحِ مِنْ أَمْرِ أَهْلِ الْمَيِّتِ بِالصَّبْرِ وَحَثِّهِمْ عَلَى طَلَبِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَأَنَّهُمْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْتَسِبُوا مَيِّتَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْتَمِدُونَ فِي حُسْنِ الْخَلَفِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوُ ذَلِكَ يَكُونُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ مَأْمُورًا بِهِ.
وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁ لَمَّا مَاتَ عَظُمَ مُصَابُهُ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَظُمَ خَطْبُهُ وَجَلَّتْ رَزِيَّتُهُ فِي صُدُورِ النَّاسِ فَإِنَّهُ ﵁ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَقِيَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ مِثْلَ وَالِدِهِ وَكَانَ يُقَالُ مَنْ أَشْجَعُ النَّاسِ فَيُقَالُ الْعَبَّاسُ وَمَنْ أَعْلَمُ النَّاسِ فَيُقَالُ الْعَبَّاسُ وَمَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ فَيُقَالُ الْعَبَّاسُ وَكَانَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ﵄ عَظِيمًا عِنْدَ النَّاسِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تُرْجُمَانَ الْقُرْآنِ وَافِرَ الْعَقْلِ جَمِيلَ الْمَحَاسِنِ وَالْجَلَالَةِ وَالْأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ فَأَحْجَمُوا عَنْ تَعْزِيَتِهِ إجْلَالًا لَهُ وَمَهَابَةً بِسَبَبِ عَظَمَتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ شَهْرًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَرِّخُونَ فَبَعْدَ الشَّهْرِ قَدِمَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ الْبَادِيَةِ فَسَأَلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ النَّاسُ مَا تُرِيدُ
стр. 409
كَانَ نِصْفَ اللَّيْلِ عِنْدَ الْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ قُرْبِ ذَلِكَ الْقُطْرِ مِنْ الْقُطْرِ الَّذِي غَرَبَتْ فِيهِ الشَّمْسُ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَوْقَاتِ تَخْتَلِفُ هَذَا الِاخْتِلَافَ.
وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ مَسْأَلَةٌ أَشْكَلَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ ﵏ فِي أَخَوَيْنِ مَاتَا عِنْدَ الزَّوَالِ أَحَدُهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ أَيُّهُمَا يَرِثُ صَاحِبَهُ فَأَفْتَى الْفُضَلَاءُ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ الْمَغْرِبِيَّ يَرِثُ الْمَشْرِقِيَّ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمَشْرِقِ قَبْلَ زَوَال الْمَغْرِبِ فَالْمَشْرِقِيُّ مَاتَ أَوَّلًا فَيَرِثُهُ الْمُتَأَخِّرُ لِبَقَائِهِ بَعْدَهُ حَيًّا مُتَأَخِّرَ الْحَيَاةِ فَيَرِثُ الْمَغْرِبِيُّ الْمَشْرِقِيَّ إذَا تَقَرَّرَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآفَاقِ، وَأَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ فَجْرَهُمْ وَزَوَالَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْقَاتِ فَيَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْأَهِلَّةِ بِسَبَبِ أَنَّ الْبِلَادَ الْمَشْرِقِيَّةَ إذَا كَانَ الْهِلَالُ فِيهَا فِي الشُّعَاعِ وَبَقِيَتْ الشَّمْسُ تَتَحَرَّكُ مَعَ الْقَمَرِ إلَى الْجِهَةِ الْغَرْبِيَّةِ فَمَا تَصِلُ الشَّمْسُ إلَى أُفُقِ الْمَغْرِبِ إلَّا وَقَدْ خَرَجَ الْهِلَالُ مِنْ الشُّعَاعِ فَيَرَاهُ أَهْلُ الْمَغْرِبِ وَلَا يَرَاهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ هَذَا أَحَدُ أَسْبَابِ اخْتِلَافِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَلَهُ أَسْبَابٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ فِي عِلْمِ الْهَيْئَةِ لَا يَلِيقُ ذِكْرُهَا هَاهُنَا إنَّمَا ذَكَرْت مَا يَقْرُبُ فَهْمُهُ، وَإِذَا كَانَ الْهِلَالُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْآفَاقِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتُهُمْ فِي الْأَهِلَّةِ كَمَا أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ فَجْرَهُمْ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَهَذَا حَقٌّ ظَاهِرٌ وَصَوَابٌ مُتَعَيِّنٌ أَمَّا وُجُوبُ الصَّوْمِ عَلَى جَمِيعِ الْأَقَالِيمِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِقُطْرٍ مِنْهَا فَبَعِيدٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ، وَالْأَدِلَّةُ لَمْ تَقْتَضِ ذَلِكَ فَاعْلَمْهُ.
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّلَوَاتُ فِي الدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ تَنْعَقِدُ قُرْبَةً بِخِلَافِ الصِّيَامِ فِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ)
أَمَّا الصَّلَوَاتُ فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵄، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَنْعَقِدُ قُرْبَةً، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ فَسَوَّى بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَلَا فَرْقَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَقَالَ أُرِيدُ أَنْ أُعَزِّيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ عَسَاهُ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ بَابَ التَّعْزِيَةِ فَلَمَّا رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ سَلَامٌ عَلَيْك يَا أَبَا الْفَضْلِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَأَنْشَدَهُ:
اصْبِرْ نَكُنْ بِك صَابِرِينَ فَإِنَّمَا ... صَبْرُ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ صَبْرِ الرَّاسِ
خَيْرٌ مِنْ الْعَبَّاسِ أَجْرُك بَعْدَهُ ... وَاَللَّهُ خَيْرٌ مِنْك لِلْعَبَّاسِ
فَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ رِثَاءَهُ وَاسْتَوْعَبَ شِعْرَهُ سَرَّى عَنْهُ عَظِيمَ مَا كَانَ بِهِ، وَاسْتَرْسَلَ النَّاسُ فِي تَعْزِيَتِهِ وَهَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ مِنْ الرِّثَاءِ مُسَهِّلٌ لِلْمُصِيبَةِ مُذْهِبٌ لِلْحُزْنِ مُحْسِنٌ لِتَصَرُّفِ الْقَضَاءِ مُثْنٍ عَلَى الرَّبِّ بِإِحْسَانٍ وَجَمِيلِ الْعَوَارِفِ، فَهَذَا حَسَنٌ جَمِيلٌ وَمِثْلُهُ مَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تُوُفِّيَ سَمِعَ أَهْلُ بَيْتِهِ قَائِلًا يَقُولُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إنَّ فِي اللَّهِ خَلَفًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ وَعِوَضًا مِنْ كُلِّ ذَاهِبٍ فَإِيَّاهُ فَارْجُوَا وَبِهِ فَثِقُوا فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ فَكَانُوا يَرَوْنَهُ الْخَضِرَ ﵇ فَهَذَا أَيْضًا كَلَامٌ مِنْ الْقُرُبَاتِ وَمُنْدَرِجٌ فِي سِلْكِ الْمَنْدُوبَاتِ، وَعَلَى هَذِهِ الْقَوَانِينِ يَتَخَرَّجُ جَمِيعُ مَا يَرِدُ عَلَيْك مِنْ النُّوَاحَاتِ وَالْمَرَاثِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ فِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ لَا يُعَذَّبُ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّت يُعَذَّبُ بِهِ الْمَيِّتُ]
الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ فِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ لَا يُعَذَّبُ بِهِ، وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ يُعَذَّبُ بِهِ الْمَيِّتُ) لَمَّا أَشْكَلَ عَلَى الْقَاعِدَةِ الصَّحِيحَةِ وَهِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤَاخَذُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَعَارَضَهَا ظَاهِرُ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي الصِّحَاحِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ» ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى رَدِّ الْبُكَاءِ فِيهِ إلَى فِعْلِ الْمَيِّتِ إمَّا بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِالنِّيَاحَةِ كَمَا قَالَ طَرَفَةُ:
إذَا مِتَّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ ... وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ
وَإِمَّا بِحَمْلِهِ عَلَى مَا كَانَ يُبَاشِرُهُ الْمَيِّتُ حَالَ حَيَاتِهِ مِنْ الْكُفْرِ وَنَحْوِ الْغَضَبِ وَالْفُسُوقِ مِنْ الْمَفَاخِرِ الَّتِي كَانُوا يَذْكُرُونَهَا فِي نَوَائِحِهِمْ، وَهِيَ مَجَازٌ عِنْدَ الشَّرْعِ فَيُعَذَّبُ بِهَا فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِمَدْلُولِ مَا يَقَعُ فِي الْبُكَاءِ مِنْ الْأَلْفَاظِ مَجَازُ الْعِلَاقَةِ الْمَلْزُومِيَّةِ بِوَاسِطَةٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يُلَازِمُ مَدْلُولَهُ وَالْبُكَاءَ يُلَازِمُ هَذَا اللَّفْظَ «فَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ إنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ ﵇ إنَّكُمْ لَتَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا» مَعْنَاهُ أَنَّ الْيَهُودِيَّةَ إنَّمَا عُذِّبَتْ فِي قَبْرِهَا بِكُفْرِهَا لَا بِبُكَاءِ أَهْلِهَا، وَذَهَبَ الْأَصْلُ إلَى أَنَّهُمَا قَاعِدَتَانِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ بَاقٍ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَاتَ لَهَا وَلَدٌ فَرَحَلَتْ فِي بَعْضِ مَقَاصِدِهَا إلَى الْمَغْرِبِ فَحَضَرَ يَوْمُ الْعِيدِ وَعَادَتُهَا فِيهِ فِي بَلَدِهَا تَخْرُجُ إلَى الْمَقَابِرِ فَتَبْكِي عَلَى وَلَدِهَا فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ فِي بَلَدِهَا خَطَرَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَقَابِرِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِهَا فَتَفْعَلُ فِيهَا مَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ فِي بَلَدِهَا فَخَرَجَتْ إلَيْهَا، وَفَعَلَتْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَتْ الْبُكَاءَ وَالْعَوِيلَ وَالتَّفَجُّعَ عَلَى وَلَدِهَا، ثُمَّ نَامَتْ فَرَأَتْ أَهْلَ الْمَقْبَرَةِ قَدْ هَاجُوا يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا هَلْ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ عِنْدَنَا وَلَدٌ فَقَالُوا لَا فَقَالَ السَّائِلُ مِنْهُمْ لِلْمَسْئُولِ فَكَيْفَ جَاءَتْ عِنْدَنَا تُؤْذِينَا بِبُكَائِهَا وَعَوِيلِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا عِنْدَنَا وَلَدٌ، ثُمَّ ذَهَبُوا إلَيْهَا فَضَرَبُوهَا ضَرْبًا وَجِيعًا فَاسْتَيْقَظَتْ
стр. 410
عَلَى مَذْهَبِهِ لِتَسْوِيَتِهِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ إنَّمَا الْفَرْقُ عَلَى مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ جَمَاعَةُ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصِّحَّةِ فِي الصَّلَوَاتِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَقَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ ﵃ عَلَى عَدَمِ أَمْرِ الظَّلَمَةِ بِالْقَضَاءِ إذْ صَلَّوْا بِالدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ أَيَّامَ الْعِيدَيْنِ النَّحْرِ وَالْفِطْرِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ» فَفِي الْجَوَاهِرِ لَوْ قَالَ أَصُومُ هَذِهِ السَّنَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ أَيَّامِ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقِ وَرَمَضَانَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْقَضَاءَ وَرُوِيَ أَنَّ نَاذِرَ ذِي الْحِجَّةِ يَقْضِي أَيَّامَ النَّحْرِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَدَمَ الْقَضَاءِ، وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ قُدُومِ فُلَانٍ فَقَدِمَ فِي الْأَيَّامِ الْمُحَرَّمِ صَوْمُهَا فَالْمَنْصُوصُ نَفْيُ الْقَضَاءِ لِتَعَذُّرِهِ شَرْعًا، وَنَاذِرُ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ الْفِطْرِ أَوْ الشَّكِّ مُلْغًى كَنَذْرِ الصَّلَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ قَالَهُ مَالِكٌ ﵀ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَنْعَقِدُ قُرْبَةً فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
وَالصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ عِبَادَتَانِ وَالنَّهْيُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الظُّرُوفِ الَّتِي هِيَ الزَّمَانُ فِي الصَّوْمِ وَالْمَكَانُ فِي الصَّلَاةِ وَالْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ كَمَا تَرَى وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ تَارَةً يَكُونُ الْعِبَادَةَ الْمَوْصُوفَةَ بِكَوْنِهَا فِي الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ أَوْ الْحَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ أَوْ الْبِقَاعِ أَوْ الْحَالَاتِ فَتَفْسُدُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى قَوَاعِدِنَا وَقَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَتَارَةً يَكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الصِّفَةُ الْعَارِضَةُ لِلْعِبَادَةِ فَلَا تَفْسُدُ الْعِبَادَةُ لِتَعَلُّقِ النَّهْيِ حِينَئِذٍ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَالْمُبَاشَرُ بِالنَّهْيِ فِي الصَّوْمِ إنَّمَا هُوَ الْمَوْصُوفُ بِكَوْنِهِ فِي يَوْمِ الْفِطْرِ أَوْ النَّحْرِ كَمَا تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ وَالْمُبَاشَرُ بِالنَّهْيِ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إنَّمَا هُوَ الْغَصْبُ وَلَمْ يَرِدْ نَهْيٌ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْغَصْبِ دُونَ الصَّلَاةِ الْمُقَارِنَةِ لِلْغَصْبِ وَالْقَضَاءُ عَلَى الصِّفَةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى الْمَوْصُوفِ وَبِالْعَكْسِ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ شُرْبُ الْخَمْرِ مَفْسَدَةٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَوَجَدَتْ أَلَمًا عَظِيمًا مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ، وَتَوْضِيحُ الْفَرْقِ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ أَنَّ الْبُكَاءَ وَالْعَوِيلَ كَمَا كَانَتْ الْأَرْوَاحُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ تَتَأَذَّى بِهِ، وَتَنْقَبِضُ كَذَلِكَ تَتَأَذَّى بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَانَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى غَيْرِهَا إلَّا أَنَّهُ عَلَيْهَا أَشَدُّ نِكَايَةً؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُصَابَةُ حِينَئِذٍ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ أَحْوَالَ الْأَحْيَاءِ وَمَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ شِدَّةٍ وَرَخَاءٍ وَفَقْرٍ وَاسْتِغْنَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَجَدَّدُ لِأَهْلَيْهِمْ وَيَتَأَلَّمُونَ لِلْمُؤْلِمَاتِ وَيُسَرُّونَ بِاللَّذَّاتِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمْ يَفْتَخِرُونَ بِالزِّيَارَاتِ وَيَتَأَلَّمُونَ بِانْقِطَاعِهَا فَالْأَوْضَاعُ الْبَشَرِيَّةُ لِلْأَرْوَاحِ فِي الْبَرْزَخِ كَمَا كَانَتْ لَهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ فِي مَسْكَنٍ فَارَقَتْهُ فَقَطْ، وَبَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا فِي أَوْضَاعِهَا فَالْعَذَابُ فِي الْقَاعِدَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا حَدِيثُ إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ بِمَعْنَى الْأَلَمِ الْجِبِلِّيِّ الَّذِي إذَا وَقَعَ فِي الْوُجُودِ قَدْ يَكُونُ رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَمَنْ يَبْتَلِيهِ اللَّهُ تَعَالَى بِالْأَلَمِ لِرَفْعِ دَرَجَاتِهِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ ﷺ «نَحْنُ الْأَنْبِيَاءَ أَشَدُّهُمْ بَلَاءً ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِالْبَلَايَا وَالرَّزَايَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَذَابًا بِمَعْنَى عَذَابِ الْآخِرَةِ الَّذِي هُوَ عَذَابُ الذُّنُوبِ الْمُتَوَعَّدِ بِهِ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ كَمَا هُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي قَاعِدَةِ إنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُعَذَّبُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا تَأَلُّمُهُمْ بِالْبَلَايَا وَالرَّزَايَا رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ عَلَى الْقَرْنِ الْمَاضِي أَنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَايَا كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ، وَالْعَذَابُ يُسْتَعَاذُ مِنْهُ وَلَا يُفْرَحُ بِهِ قَالَ الْأَصْلُ فَهَذَا الْوَجْهُ عِنْدِي هُوَ الْفَرْقُ الصَّحِيحُ، وَيَبْقَى لَفْظُ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيُسْتَغْنَى عَنْ التَّأْوِيلِ وَتَخْطِئَةِ الرَّاوِي، وَمَا سَاعَدَهُ الظَّاهِرُ مِنْ الْأَجْوِبَةِ كَانَ أَسْعَدَهَا وَأَوْلَاهَا، وَهَذَا كَذَلِكَ فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْفَرْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ وَالْآلَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَهِلَّةُ فِي الرَّمَضَانَاتِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ وَالْآلَاتِ وَكُلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَهِلَّةِ فِي الرَّمَضَانَاتِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْحِسَابِ) ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَبَ زَوَالَ الشَّمْسِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَبَقِيَّةَ الْأَوْقَاتِ سَبَبًا لِوُجُوبِ بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ كَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أَيْ لِأَجْلِهِ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هَذَا خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ حِينَ تُمْسُونَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَحِينَ تُصْبِحُونَ الصُّبْحُ وَعَشِيًّا الْعَصْرُ وَحِينَ تُظْهِرُونَ الظُّهْرُ، وَالصَّلَاةُ تُسَمَّى سُبْحَةً وَمِنْهُ سُبْحَةُ الضُّحَى أَيْ صَلَاتُهَا فَالْآيَةُ أَمْرٌ بِإِيقَاعِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، فَمَنْ عَلِمَ السَّبَبَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ لَزِمَهُ حُكْمُهُ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ الْحِسَابُ الْمُفِيدُ لِلْقَطْعِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.
وَأَمَّا الْأَهِلَّةُ فَقَالَ الْفُقَهَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى حِسَابُ تَسْيِيرِ الْكَوَاكِبِ عَلَى خُرُوجِ الْهِلَالِ مِنْ الشُّعَاعِ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا مُنْضَبِطًا بِسَبَبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِأَنَّ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَانْتِقَالَاتِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ... فَتَزَاهَرَتْ لِعُطَارِدِ الْأَقْمَارُ
стр. 411
يُقَالَ شَارِبُ الْخَمْرِ مَفْسَدَةٌ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ شَارِبُ الْخَمْرِ سَاقِطُ الْعَدَالَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ شُرْبُ الْخَمْرِ سَاقِطُ الْعَدَالَةِ فَظَهَرَ أَنَّ أَحْكَامَ الصِّفَاتِ لَا تَنْتَقِلُ لِلْمَوْصُوفَاتِ وَأَحْكَامَ الْمَوْصُوفَاتِ لَا تَنْتَقِلُ لِلصِّفَاتِ، وَظَهَرَ أَنَّ النَّهْيَ فِي الصَّوْمِ عَنْ الْمَوْصُوفِ وَفِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ عَنْ الصِّفَةِ، وَأَنَّ الْأَحْكَامَ عَلَى إحْدَى الْجِهَتَيْنِ لَا تَنْتَقِلُ لِلْأُخْرَى فَإِنْ قُلْت لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ كَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ فَهُمَا سَوَاءٌ قُلْت لَا لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الصَّلَاةَ إذْ وَقَعَتْ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تُبْرِئُ الذِّمَّةَ.
وَقَالُوا إذَا وَقَعَ الصَّوْمُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَيَوْمِ الْفِطْرِ لَا يَنْعَقِدُ قُرْبَةً وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بِالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا انْعَقَدَتْ قُرْبَةً؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْرَأُ مِنْ الْوَاجِبِ بِمَا لَيْسَ وَاجِبًا فَضْلًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ قُرْبَةً وَاجِبَةً مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا صَلَاةٌ لَا مِنْ جِهَةِ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْغَصْبِ فَإِنْ قُلْت الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ كِلَاهُمَا قُرْبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالنَّهْيُ وَالْمَفْسَدَةُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ وَهُوَ الزَّمَانُ فِي الصَّوْمِ وَالْمَكَانُ فِي الصَّلَاةِ فَأَنْتَ إذَنْ فَرَّعْت عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْوَصْفِ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْأَصْلِ لَزِمَ ذَلِكَ فِيمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي عُقُودِ الرِّبَا أَنَّ الْوَصْفَ يَبْطُلُ وَيَصِحُّ الْأَصْلُ لِسَلَامَتِهِ عَنْ النَّهْيِ وَالْمَفْسَدَةِ فَيَلْزَمُكَ أَنْ تَلْتَزِمَ مَذْهَبَهُ وَإِنْ فَرَّعْت عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْبَابَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ فَيَلْزَمُك أَنْ تَلْتَزِمَ مَا قَالَهُ فِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَبِالثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ وَإِبْطَالِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ فُرُوعِ الْحَنَابِلَةِ وَأَنْتَ لَمْ تَقُلْ بِهَذَا الْمَذْهَبِ وَلَا بِذَاكَ فَكَانَ مَذْهَبُنَا مُشْكِلًا فَتَحْتَاجُ الْجَوَابَ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ وَإِنْ تُبْطِلْ الْفَرْقَ الَّذِي ذَكَرْته بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَإِنَّك إنْ اعْتَبَرْت الْأَصْلَ وَالْوَصْفَ وَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَزِمَك الصِّحَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ وَهُوَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَإِنْ سَوَّيْت كَمَا قَالَهُ أَحْمَد لَزِمَك الْبُطْلَانُ فِيهِمَا، وَعَلَى
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ طُولَ الدَّهْرِ بِتَقْدِيرِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥] أَيْ هُمَا ذُو حِسَابٍ فَلَا يَنْخَرِمُ ذَلِكَ أَبَدًا كَمَا لَا يَنْخَرِمُ حِسَابُ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ الصَّيْفُ وَالشِّتَاءُ وَالرَّبِيعُ وَالْخَرِيفُ، وَالْعَوَائِدُ إذَا اسْتَمَرَّتْ أَفَادَتْ الْقَطْعَ كَمَا إذَا رَأَيْنَا شَيْخًا نَجْزِمُ بِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ كَذَلِكَ بَلْ طِفْلًا لِأَجْلِ عَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ جَوَّزَ الْعَقْلُ وِلَادَتَهُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُعْتَمَدُ فِي خُرُوجِ الْأَهِلَّةِ مِنْ الشُّعَاعِ عَلَى حُصُولِ الْقَطْعِ بِالْحِسَابِ كَمَا اُعْتُمِدَ عَلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ بَعْدَ حُصُولِ الْقَطْعِ بِسَبَبِ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَمْ يَنْصِبْ خُرُوجَ الْأَهِلَّةِ مِنْ الشُّعَاعِ سَبَبًا لِلصَّوْمِ كَمَا نَصَبَ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا نَصَبَ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ خَارِجًا مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ أَوْ إكْمَالَ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِخُرُوجِ الْهِلَالِ عَنْ الشُّعَاعِ فَقَدْ قَالَ ﷺ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَلَمْ يَقُلْ لِخُرُوجِهِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ثُمَّ قَالَ ﷺ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ أَيْ خَفِيَتْ عَلَيْكُمْ رُؤْيَتُهُ فَاقْدِرُوا لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» .
قَالَ الْبُنَانِيُّ عَلَى عبق وَفِي الْحَدِيثَيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّ الثَّانِيَ تَفْسِيرٌ لِلْأَوَّلِ. وَالثَّانِي لِلطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ نَاسِخٌ، وَأَنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى الْهِلَالِ لَيْلَةَ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثِينَ فَإِنْ سَقَطَ لِسِتَّةِ أَسْبَاعِ سَاعَةٍ فَهُوَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَإِنْ سَقَطَ لِضِعْفِهَا فَمَا قَبْلَهَا، وَالثَّالِثُ لِابْنِ رُشْدٍ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْأَوَّلِ أَنْ يُنْظَرَ فِي الشُّهُورِ الَّتِي قَبْلَ شَعْبَانَ فَإِنْ تَوَالَى ثَلَاثَةٌ عَلَى الْكَمَالِ حُمِلَ عَلَى النَّقْضِ، وَإِلَّا حُمِلَ عَلَى الْكَمَالِ وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ الثَّانِي قَالَ الْحَطَّابُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ اهـ.
وَقَدْ تَبِعَ عج فِي قَوْلِهِ لَا يَتَوَالَى النَّقْصُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الشُّهُورِ يَا فَطِنُ كَذَا تَوَالِي خَمْسَةٍ مُكَمِّلَةٍ هَذَا الصَّوَابُ وَسِوَاهُ أَبْطِلْهُ لِابْنِ رُشْدٍ إلَّا أَنَّ فِيهِ بَعْضَ مُخَالَفَةٍ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذَا الصَّوَابُ إلَخْ لِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالطَّحَاوِيِّ لَا كَمَا فَهِمَ عبق وَمَحِلُّ ثُبُوتِ رَمَضَانَ بِكَمَالِ شَعْبَانَ إذَا لَمْ تَكُنْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَيْلَةَ الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، وَقَدْ كَانَ هِلَالُ شَعْبَانَ ثَبَتَ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ رَجَبٍ وَإِلَّا فَلَا يَثْبُتُ بِكَمَالِ شَعْبَانَ لِتَكْذِيبِ الشَّاهِدَيْنِ أَوَّلًا كَمَا فِي خش، وَهُوَ صَحِيحٌ اهـ بِتَصَرُّفٍ وَلَا دَلَالَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] عَلَى هَذَا الْمَطْلُوبِ لِمَا مَرَّ أَوَّلَ الْكِتَابِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ مِنْ أَنَّ شَهِدَ فِيهِ بِمَعْنَى حَضَرَ.
قَالَ وَالتَّقْدِيرُ فَمَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ الْمِصْرَ فِي الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ أَيْ حَاضِرًا مُقِيمًا احْتِرَازًا مِنْ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ، وَإِذَا كَانَ شَهِدَ بِمَعْنَى حَضَرَ لَا بِمَعْنَى شَاهَدَ وَرَأَى لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اعْتِبَارِ الرُّؤْيَةِ وَلَا عَلَى اعْتِبَارِ الْحِسَابِ أَيْضًا فَإِنَّ الْحُضُورَ فِي الشَّهْرِ أَيْضًا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ ثَبَتَ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالْحِسَابِ فَالْحَقُّ مِنْ تَرْدِيدِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي اعْتِبَارِ دَلَالَةِ الْحِسَابِ عَلَى خُرُوجِ الْهِلَالِ مِنْ الشُّعَاعِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ حَتَّى قَالَ سَنَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى الْحِسَابَ فَأَثْبَتَ الْهِلَالَ بِهِ لَمْ يَتَّبِعْ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى خِلَافِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَصَاحِبُ الشَّرْعِ نَصَبَ تَحْقِيقَ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْحِسُّ دَالًّا عَلَى
стр. 412
التَّقْدِيرَيْنِ بَطَلَ مَا حَاوَلْته مِنْ الْفَرْقِ قُلْت سُؤَالَاتٌ حَسَنَةٌ وَالْجَوَابُ عَنْهَا أَنِّي أَلْتَزِمُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ وَلَا أُسَوِّي كَمَا قَالَتْهُ الْحَنَابِلَةُ.
وَلَا يَلْزَمُنِي عُقُودُ الرِّبَ بِسَبَبِ أَنَّ انْتِقَالَ الْإِمْلَاكِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ يَعْتَمِدُ الرِّضَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» ، وَصَاحِبُ الدِّرْهَمِ أَوْ الصَّاعِ مِنْ الْبُرِّ مَا رَضِيَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ إلَّا مُقَابَلًا بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ صَاعَيْنِ فَإِذَا أَسْقَطْنَا أَحَدَ الدِّرْهَمَيْنِ أَوْ أَحَدَ الصَّاعَيْنِ بَطَلَ مَا حَصَلَ بِهِ الرِّضَا، وَنَقْلُ الْمِلْكِ بِغَيْرِ رِضًا لَا يَجُوزُ وَيَلْزَمُ أَيْضًا نَقْلُ الْمِلْكِ بِغَيْرِ عَقْدٍ فَإِنَّ مُتَعَلِّقَ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَاهُ إنَّمَا هُوَ هَذَا الْمَجْمُوعُ إمَّا دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ فَلَمْ يَقْتَضِهِ الْعَقْدُ بَلْ اقْتَضَى عَدَمَهُ فَإِنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ الْقَائِلِ بِعْتُك دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْعَقْدُ يَكُونُ نَقْلُ الْمِلْكِ بِغَيْرِ رِضًا وَلَا عَقْدٍ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ مُوجَبُ الْأَمْرِ بِجُمْلَتِهِ وُجِدَ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَإِنَّ الْآمِرَ بِالصَّلَاةِ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا عَدَمَ الْغَصْبِ بَلْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْغَصْبَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ عَدَمَ الصَّلَاةِ، وَأَوْجَبَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ عَدَمَ الْغَصْبِ فَقَدْ وُجِدَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِجُمْلَتِهِ وَمُقْتَضَى النَّهْي بِجُمْلَتِهِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُمَا وَأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُقْتَضَاهُ كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ السَّرِقَةَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ عَدَمَ الصَّلَاةِ، وَأَوْجَبَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا عَدَمَ السَّرِقَة فَإِذَا سَرَقَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ وُجِدَ مُوجَبُ الْأَمْرِ بِجُمْلَتِهِ وَمُوجَبُ النَّهْيِ بِجُمْلَتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقْتَضَاهُ فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِالصَّلَاةِ، وَنَقْطَعُهُ لِلسَّرِقَةِ عَمَلًا بِتَحَقُّقِ السَّبَبَيْنِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعُقُودِ وَمُقْتَضَيَاتِهَا وَبَيْنَ الْأَوَامِرِ وَمُوجَبَاتِهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ النَّظَرِ الْجَمِيلِ وَالْبَحْثِ الدَّقِيقِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرْته مِنْ سُقُوطِ الْفَرْقِ بِسَبَبِ أَنَّهُمَا قُرْبَتَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا، وَالنَّهْيُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ فَأَقُولُ وُرُودُ النَّهْيِ عَنْ الْعِبَادَةِ الْمَوْصُوفَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَوْصُوفَةَ عَرِيَّةٌ عَنْ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَدَمِ دُخُولِ الْوَقْتِ بِأَنْ يَرَى الْإِنْسَانُ الظِّلَّ عِنْدَ الزَّوَالِ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ جِهَتَيْ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا مَائِلًا لِجِهَةِ الْمَشْرِقِ، أَوْ لَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ لِلْفَجْرِ أَثَرًا أَلْبَتَّةَ مَعَ كَوْنِ الْأُفُقِ صَاحِيًا لَا يَخْفَى فِيهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ لَوْ طَلَعَ فَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُؤَذِّنِينَ وَأَرْبَابِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ تَسْيِيرِ دَرَجِ الْفَلَكِ فَإِذَا شَاهَدُوا مَا يَقْتَضِي مِنْ دَرَجِ الْفَلَكِ الْمُتَوَسِّطِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ الْفَجْرَ طَلَعَ أَمَرُوا النَّاسَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
وَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَجِدُ لِلْفَجْرِ أَثَرًا أَلْبَتَّةَ وَالْأُفُقُ صَاحٍ لَا يَخْفَى فِيهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ لَوْ طَلَعَ مُشْكِلٌ، وَنَصَبَ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ خَارِجًا مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ أَوْ إكْمَالَ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ سَبَبًا لِوُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَنْصِبْ تَحْقِيقَ الْخُرُوجِ بِدُونِ رُؤْيَتِهِ كَمَا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ سَبَبًا لِذَلِكَ فَاشْتَرَطَ فِي سَبَبِيَّةِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ التَّحْقِيقَ دُونَ الرُّؤْيَةِ وَفِي سَبَبِيَّةِ الْهِلَالِ الرُّؤْيَةَ دُونَ مُجَرَّدِ التَّحْقِيقِ إلَّا أَنَّ جَعْلَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْأَحْنَافِ وَالْحَنَابِلَةِ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ فِي بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ فِي جَعْلِهِمْ لِكُلِّ قَوْمٍ رُؤْيَتَهُمْ مَعَ اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ فَجْرَهُمْ وَزَوَالَهُمْ وَعَصْرَهُمْ وَمَغْرِبَهُمْ وَعِشَاءَهُمْ نَظَرًا لِسُكُونِ الْفَجْرِ إذَا طَلَعَ عَلَى قَوْمٍ يَكُونُ عِنْدَ آخَرِينَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَعِنْدَ آخَرِينَ نِصْفَ النَّهَارِ وَعِنْدَ آخَرِينَ غُرُوبَ الشَّمْسِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْقَاتِ مُشْكِلٌ إذْ لَا فَارِقَ بَيْنَ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ضَرُورَةَ أَنَّ مَا مِنْ دَرَجَةٍ تَطْلُعُ مِنْ الْفَلَكِ أَوْ تَتَوَسَّطُ أَوْ تَغْرُبُ إلَّا وَفِيهَا جَمِيعُ الْأَوْقَاتِ بِحَسَبِ آفَاقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَقْطَارٍ مُتَبَايِنَةٍ حَتَّى إنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْفُقَهَاءِ أَشْكَلَتْ عَلَيْهِمْ مَسْأَلَةُ أَخَوَيْنِ مَاتَا عِنْدَ الزَّوَالِ أَحَدُهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ أَيُّهُمَا يَرِثُ صَاحِبَهُ فَأَفْتَى الْفُضَلَاءُ مِنْهُمْ بِنَاءً عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ الْمَغْرِبِيَّ يَرِثُ الْمَشْرِقِيَّ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمَشْرِقِ قَبْلَ زَوَالِ الْمَغْرِبِ فَالْمَشْرِقِيُّ مَاتَ أَوَّلًا فَيَرِثُهُ الْمَغْرِبِيُّ الْمُتَأَخِّرُ لِبَقَائِهِ بَعْدَهُ حَيًّا مُتَأَخِّرَ الْحَيَاةِ نَعَمْ قُدِّمَ هَذَا الْإِشْكَالُ فِي الْفَرْقِ الْأَوَّلِ مُوَضَّحًا، وَمَرَّ جَوَابُهُ بِهِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَمَنْقَعٌ لِمَنْ لَهُ قَلْبٌ وَمَسْمَعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّلَوَاتُ فِي الدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ تَنْعَقِدُ قُرْبَةً]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّلَوَاتِ فِي الدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ تَنْعَقِدُ قُرْبَةً بِخِلَافِ الصِّيَامِ فِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ وَالْجَمِيعُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) اعْلَمْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ بَعْضَ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ لِأَحْكَامٍ مَقْصُودَةٍ كَالصَّوْمِ لِلثَّوَابِ وَالْبَيْعِ لِلْمِلْكِ، وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَعَنْ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ فَاخْتَلَفَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي بَقَاءِ ذَلِكَ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فَيَكُونُ الصَّوْمُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ مَنَاطًا لِلثَّوَابِ وَفِي ارْتِفَاعِهِ فِيهَا فَلَا يَكُونُ الصَّوْمُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ مَنَاطًا لِلثَّوَابِ، فَحَكَمَ بِالِارْتِفَاعِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى نَظَرًا لِكَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الْعِبَادَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِكَوْنِهَا فِي الزَّمَانِ أَوْ الْحَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ أَوْ الْحَالَاتِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ عَلَى قَوَاعِدِهِمَا أَنْ يَكُونَ عَدَمُ ذَلِكَ الْوَصْفِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ فَحَيْثُ وَقَعَتْ مَوْصُوفَةً بِهِ وَقَعَتْ فَاسِدَةً لِعَيْنِهَا أَيْ لِذَاتِهَا وَمَاهِيَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ فُقِدَ شَرْطُهَا، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا فَقَدَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَاتِيًّا كَالرُّكْنِ أَوْ عَرَضِيًّا كَالشَّرْطِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَفَاسِدٌ وَحَكَمَ بِعَدَمِ الِارْتِفَاعِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَظَرًا لِكَوْنِ النَّهْيِ
стр. 413
مَوْصُوفَةً بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَالْأَوَامِرُ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ فَإِذَا ذَهَبَتْ الْمَصْلَحَةُ ذَهَبَ الطَّلَبُ وَالْأَمْرُ، وَإِذَا ذَهَبَ الطَّلَبُ لَمْ يَبْقَ لِلصَّوْمِ قُرْبَةٌ وَفِي الصَّلَاةِ لَمْ يُنْهَ عَنْهَا أَصْلًا إنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الصِّفَةِ خَاصَّةً الَّتِي هِيَ الْغَصْبُ فَبَقِيَتْ الصَّلَاةُ عَلَى حَالِهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى مَصْلَحَةِ الْأَمْرِ فَكَانَ الْأَمْرُ ثَابِتً فَكَانَتْ قُرْبَةً فَظَهَرَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ وَالْفِطْرِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَالصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ قُرْبَةٌ، وَبِذَلِكَ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَانْدَفَعَتْ الْإِشْكَالَاتُ كُلُّهَا.
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَنَّ الْفِعْلَ مَتَى دَارَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ فُعِلَ وَمَتَى دَارَ بَيْنَ النَّدْبِ وَالتَّحْرِيمِ تُرِكَ تَقْدِيمًا لِلرَّاجِحِ عَلَى الْمَرْجُوحِ، وَبَيْنَ قَاعِدَةِ يَوْمُ الشَّكِّ هَلْ هُوَ مِنْ رَمَضَانَ أَمْ لَا)
فَإِنَّهُ يَحْرُمُ صَوْمُهُ مَعَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَهُوَ مَنْدُوبٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ وَاجِبٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ صَوْمُهُ، وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَمَسَّكَ الْحَنَابِلَةُ فِي صَوْمِهِ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵄.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَصُومُهُ احْتِيَاطًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ ثُمَّ إنَّا نَاقَضْنَا قَاعِدَتَنَا فَقُلْنَا مَنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ لَا يَأْكُلُ وَيَصُومُ مَعَ أَنَّهُ شَاكٌّ فِي طَرَيَان الصَّوْمِ كَمَا شَكَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ فِي طَرَيَان الصَّوْمِ فِيهِمَا سَوَاءٌ فَإِنْ قُلْنَا بِالصَّوْمِ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَهُوَ إشْكَالٌ آخَرُ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْفُرُوقِ الْقَادِحَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَنَّ الْفِعْلَ مَتَى دَارَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ فُعِلَ، وَمَتَى دَارَ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ تُرِكَ تَقْدِيمًا لِلرَّاجِحِ عَلَى الْمَرْجُوحِ، وَبَيْنَ قَاعِدَةِ يَوْمِ الشَّكِّ هَلْ هُوَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ لَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ صَوْمُهُ مَعَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ وَاجِبٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ صَوْمُهُ إلَى قَوْلِهِ: وَيُحْتَاجُ إلَى الْفُرُوقِ الْقَادِحَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) . قُلْت
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَنْ الْعِبَادَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى قَوَاعِدِهِ عَلَى اخْتِلَالِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ ذَلِكَ الْوَصْفِ شَرْطًا حَتَّى يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُ لِعَيْنِهِ.
وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْفِعْلَ الشَّرْعِيَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قُبْحَهُ لِعَيْنِهِ أَيْ لِفَقْدِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ عَيْنُهُ وَذَاتُهُ وَمَاهِيَّتُهُ ذَاتِيًّا كَالرُّكْنِ أَوْ عَرَضِيًّا كَالشَّرْطِ فَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا فِي الصَّلَاةِ بِدُونِ بَعْضِ الشُّرُوطِ أَوْ الْأَرْكَانِ وَكَمَا فِي بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ، وَهِيَ مَا فِي الْبُطُونِ مِنْ الْأَجِنَّةِ لِانْعِدَامِ رُكْنِ الْمَبِيعِ مِنْ الْبَيْعِ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَكَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلنَّاسِ فِيهِ، وَكَمَا فِي بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا عَلِمْت، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّهْيُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَى النَّفْيِ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّمَ عَلَيْهِ لَوُجِدَ حَتَّى يَكُونَ الْعَبْدُ مُبْتَلًى بَيْنَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى الْفِعْلِ فَيُعَاقَبَ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُفَّ عَنْ الْفِعْلِ فَيُثَابَ بِامْتِنَاعِهِ وَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قُبْحَهُ لِغَيْرِهِ فَذَلِكَ الْغَيْرُ إنْ كَانَ مُجَاوِرًا كَالصَّلَوَاتِ فِي الدُّورِ الْمَغْصُوبَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ مَكْرُوهٌ فَيَنْعَقِدُ قُرْبَةً عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵃.
وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَنْعَقِدُ قُرْبَةً، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ وَإِنْ كَانَ وَصْفًا كَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ نُهِيَ عَنْ إيقَاعِهِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ لِلْإِعْرَاضِ بِصَوْمِهِ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلنَّاسِ بِلُحُومِ الْأَضَاحِيِّ الَّتِي شَرَعَهَا فِيهِ وَكَمَا فِي بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ فَيَأْثَمُ بِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فَقْدَ الْوَصْفِ شَرْطًا كَمَا عَلِمْت فَمَنْ نَذَرَ عِنْدَهُ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ نَذَرَ صَوْمَ غَدٍ فَوَافَقَ يَوْمَ النَّحْرِ صَحَّ نَذْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي فِعْلِهِ دُونَ نَذْرِهِ وَيُؤْمَرُ بِفِطْرِهِ وَقَضَائِهِ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَيَفِيَ بِالنَّذْرِ، وَلَوْ صَامَهُ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الصَّوْمَ كَمَا الْتَزَمَهُ وَمَنْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَإِنْ كَانَ بِالْمَجْلِسِ وَجَبَ عَلَيْهِ إمَّا الْفَسْخُ أَوْ رَدُّ الزِّيَادَةِ، وَعَادَ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَقَرُّرِ الْفَسَادِ بِالْقَبْضِ فَلَا يَعُودُ صَحِيحًا بِرَدِّ الزِّيَادَةِ فَقَدْ اُعْتُدَّ بِالصَّوْمِ وَالْبَيْعِ الْمَذْكُورَيْنِ لِكَوْنِهِمَا فَاسِدَيْنِ بَاطِلَيْنِ إذْ الْبَاطِلُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ اتِّفَاقًا وَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِإِرْجَاعِهِمَا ذَلِكَ إلَى النَّهْيِ عَنْ الذَّاتِ بِأَنْ يَجْعَلَا فَقْدَ الْوَصْفِ شَرْطًا كَمَا عَلِمْت.
قَالَ صَاحِبُ الطَّرِيقَةِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ الصَّوْمِ فَإِرْجَاعُهُ إلَى غَيْرِهِ عُدُولٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ أَنَّ قُبْحَهُ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَبَاطِلٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ حَتَّى لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّهْيِ اقْتِضَاءُ الْفَسَادِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِحُّ بِأَصْلِهِ إذْ لَا قَرِينَةَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي النَّفْيِ مَجَازًا، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَلَا يَفْسُدُ بِوَصْفِهِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْقُبْحَ لِوَصْفِهِ أَفَادَهُ الشِّرْبِينِيُّ عَنْ التَّفْتَازَانِيِّ مَعَ تَوْضِيحٍ وَزِيَادَةٍ مِنْ الْأَصْلِ وَمُحَلَّيْ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالْعَطَّارِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بِكَوْنِ النَّهْيِ عَنْ الْعِبَادَةِ لِمُجَاوِرِهَا لَا يُوجِبُ الْبُطْلَانَ عَلَى مَشْهُورِ مَالِكٍ وَقَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا لِابْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالنَّهْيُ عَنْهَا لِعَيْنِهَا يُوجِبُ الْبُطْلَانَ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لِوَصْفِهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِرُجُوعِهِ إلَى النَّهْيِ عَنْ الذَّاتِ بِجَعْلِ فَقْدِ الْوَصْفِ شَرْطًا
стр. 414
أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ وَهُوَ الْفَرْقُ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا أَنَّ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ عِنْدَنَا دَائِرٌ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ فَتَعَيَّنَ التَّرْكُ إجْمَاعًا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْجَازِمَةَ شَرْطٌ وَهِيَ هَاهُنَا مُتَعَذِّرَةٌ، وَكُلُّ قُرْبَةٍ بِدُونِ شَرْطِهَا حَرَامٌ فَصَوْمُ هَذَا الْيَوْمِ حَرَامٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ حَرَامٌ لِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَهُوَ مَنْدُوبٌ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ لَا بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» .
وَأَمَّا الثَّانِي فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا الْأَكْلُ بِاللَّيْلِ رُخْصَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ فِي صَوْمِ جَمِيعِ الشَّهْرِ فَالْأَصْلُ فِي اللَّيْلِ الصَّوْمُ، وَكَذَلِكَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ رُخِّصَ فِيهِ فَكَانَ مَنْ نَامَ لَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَطْءُ امْرَأَتِهِ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ،
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَهُوَ مَنْدُوبٌ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ بَلْ هُوَ مِنْ شَعْبَانَ لَا عَلَى الْقَطْعِ بَلْ عَلَى الشَّكِّ، وَهُوَ مَمْنُوعُ الصَّوْمِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ، وَعَلَى هَذَا الْإِشْكَالُ فِي قَوْلِنَا بِالْمَنْعِ مِنْ صَوْمِهِ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْحَنَابِلَةِ فَصَوْمُهُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ فَجَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ، وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ.
قَالَ: (أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ وَهُوَ الْفَرْقُ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا إلَى قَوْلِهِ «فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ) قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ التَّحْرِيمِ لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ الْجَازِمَةِ وَبَيْنَ النَّدْبِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَتْ النِّيَّةُ الْجَازِمَةُ شَرْطًا إلَّا مَعَ عَدَمِ تَعَذُّرِهَا، وَمَا ذَكَرَهُ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ فَلَا يَبْقَى إلَّا الْحَدِيثُ إنْ صَحَّ.
قَالَ: (وَأَمَّا الثَّانِي فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ رَمَضَانَ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنَّمَا الْأَكْلُ بِاللَّيْلِ رُخْصَةٌ إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَشْهُورِ مَالِكٍ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَعِنْدَهُمَا نَذْرُ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ لَا يَنْعَقِدُ وَنَذْرُ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الصَّلَاةَ إذَا وَقَعَتْ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ تُبْرِئُ الذِّمَّةَ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بِهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا انْعَقَدَتْ قُرْبَةً؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَبْرَأُ مِنْ الْوَاجِبِ بِمَا لَيْسَ وَاجِبًا فَضْلًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ قُرْبَةً وَاجِبَةً مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا صَلَاةٌ لَا مِنْ جِهَةِ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْغَصْبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا الْتَزَمَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالْمُجَاوِرِ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لِمُجَاوِرِهِ يُوجَدُ بِفِعْلِهِ مُوجَبُ الْأَمْرِ بِجُمْلَتِهِ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا عَدَمُ الْغَصْبِ بَلْ أَوْجَبَهَا، وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَدَمُهُ فِيهَا وَالنَّاهِي عَنْ الْغَصْبِ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ عَدَمَ الصَّلَاةِ بَلْ حَرَّمَهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَهَا فِيهِ فَكُلٌّ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وُجِدَ مُقْتَضَاهُ بِجُمْلَتِهِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُمَا، وَأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُقْتَضَاهُ، وَأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لِوَصْفِهِ لَا يُوجَدُ بِفِعْلِهِ مُوجَبُ الْأَمْرِ بِجُمْلَتِهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَدَمُ الْوَصْفِ فَصَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ مَأْمُورٌ بِهِ وَمَنْهِيٌّ عَنْ إيقَاعِهِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ فَيَكُونُ عَدَمُ إيقَاعِهِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ شَرْطًا فِيهِ لَا يُوجَدُ بِفِعْلِهِ مُوجَبُ الْأَمْرِ إلَّا بِتَحَقُّقِهِ وَالْتُزِمَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْوَصْفِ كَمَا عَلِمْت.
وَالْتَزَمَ أَحْمَدُ وَابْنُ حَبِيبٍ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْوَصْفِ وَالْمُجَاوِرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْوَصْفِ فَاتَّضَحَ الْفَرْقُ، وَظَهَرَ انْدِفَاعُ مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ اُعْتُبِرَ الْأَصْلُ وَالْوَصْفُ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَزِمَ الصِّحَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ وَهُوَ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ وَإِنْ اُعْتُبِرَ الْأَصْلُ وَالْوَصْفُ وَسُوِّيَ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَهُ أَحْمَدُ لَزِمَ الْبُطْلَانُ فِيهِمَا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَبْطُلُ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَنَّ الْفِعْلَ مَتَى دَارَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ فُعِلَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ يَوْمُ الشَّكِّ هَلْ هُوَ مِنْ رَمَضَانَ]
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَنَّ الْفِعْلَ مَتَى دَارَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ فُعِلَ وَمَتَى دَارَ بَيْنَ النَّدْبِ وَالتَّحْرِيمِ تُرِكَ تَقْدِيمًا لِلرَّاجِحِ عَلَى الْمَرْجُوحِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ يَوْمُ الشَّكِّ هَلْ هُوَ مِنْ رَمَضَانَ أَمْ لَا) اعْتَبَرَ الْمُجْتَهِدُونَ كُلًّا مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ الْفِعْلَ مَتَى دَارَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ فُعِلَ وَقَاعِدَةِ أَنَّ الْفِعْلَ مَتَى دَارَ بَيْنَ النَّدْبِ وَالتَّحْرِيمِ تُرِكَ تَقْدِيمًا لِلرَّاجِحِ، وَهُوَ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ عَلَى الْمَرْجُوحِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْمَصَالِحِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ وَالْوُجُوبَ يَعْتَمِدُ الْمَصَالِحَ، وَعِنَايَةُ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَالْعُقَلَاءِ بِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَشَدُّ مِنْ عِنَايَتِهِمْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ، وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ حَدِيثُ «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» لِقَوْلِ ابْنِ عَابِدِينَ لَا أَصْلَ لِرَفْعِهِ، وَإِنَّمَا يُرْوَى مَوْقُوفًا عَلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ. وَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلِّقًا بِقَوْلِهِ وَقَالَ صِلَةُ عَنْ عَمَّارٍ مَنْ صَامَ إلَخْ تَمَسَّكُوا فِي وُجُوبِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ احْتِيَاطًا بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ هَلْ صُمْت مَنْ سِرَرِ شَعْبَانَ قَالَ لَا قَالَ إذَا أَفْطَرْت فَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» وَسِرَرُ الشَّهْرِ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا آخِرُهُ كَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَجُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ لِاسْتِمْرَارِ الْقَمَرِ فِيهِ أَيْ إخْفَائِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ كَذَا أَفَادَهُ فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ اهـ مِنْ حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ.
الْأَمْرُ الثَّانِي الْقَاعِدَةُ الْأُولَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ
стр. 415
فَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُفْطِرَاتِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ رُخْصَةً، وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي اللَّيْلِ الصَّوْمَ ثُمَّ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ اللَّيْلُ الْمُتَيَقَّنُ بَقِيَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا بِوُجُوبِ صَوْمِهِ، وَشَعْبَانُ الْأَصْلُ فِيهِ الْفِطْرُ عَلَى عَكْسِ لَيْلِ رَمَضَانَ فَنُفْطِرُهُ حَتَّى نَتَيَقَّنَ مُوجِبَ الصَّوْمِ فَهُوَ عَكْسُ لَيْلِ الصَّوْمِ فَظَهَرَ الْجَوَابُ وَالْفَرْقُ وَمِنْ هَذَا الْمَنْزَعِ إذَا شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا مَعَ أَنَّهَا دَائِرَةٌ بَيْنَ الرَّابِعَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْخَامِسَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْوَاجِبُ وَالْمُحَرَّمُ قُدِّمَ الْمُحَرَّمُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ.
وَالْوُجُوبَ يَعْتَمِدَ الْمَصَالِحَ وَعِنَايَةُ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَالْعُقَلَاءِ بِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَشَدُّ مِنْ عِنَايَتِهِمْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ فِي وُضُوئِهِ هَلْ هِيَ ثَانِيَةٌ أَوْ ثَالِثَةٌ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ ثَالِثَةً مَعَ دَوَرَانِهَا بَيْنَ الثَّالِثَةِ الْمَنْدُوبَةِ وَالرَّابِعَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَهَاهُنَا التَّرْكُ أَظْهَرُ مِنْ الشَّكّ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْوَاجِبِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَوْضِعُ اتِّفَاقٍ فِيمَا عَلِمْت بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِي الْخَامِسَةِ مَشْرُوطٌ بِتَيَقُّنِ الرَّابِعَةِ أَوْ ظَنِّهَا، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ التَّحْرِيمُ بَلْ اُسْتُصْحِبَ الْوُجُوبُ مِنْ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الْأَرْبَعِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فَظَهَرَ الْجَوَابُ وَالْفَرْقُ) . قُلْت: لَيْسَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّيْلِ الصَّوْمُ بِصَحِيحٍ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَمْنُوعُ بِاللَّيْلِ الْأَكْلَ وَالْوَطْءَ بَعْدَ النَّوْمِ خَاصَّةً، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ مَا قَبْلُ فَلَا، ثُمَّ إنَّ جَوَابَهُ مُعَارِضٌ لِلنَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْغَايَةَ تَبَيُّنُ الْفَجْرِ، وَمَا رَأَى الْمَالِكِيَّةُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فِي وُجُوبِ إمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ ذَهَبُوا إلَى مُخَالَفَةِ الْآيَةِ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ، بَلْ حَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى الْمُرَاقِبِ لِلْفَجْرِ وَهُوَ قَلِيلٌ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ فَأَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ عَدَمُ الْمُرَاقَبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا قَالَهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ بَعْدَ هَذَا صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
رَمَضَانَ فَهُوَ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ فَهُوَ مَنْدُوبٌ وَلَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ الْجَازِمَةُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ تَعَذُّرِهَا قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَشَرْحِهِ كَشَّافِ الْقِنَاعِ وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ أَيْ مَطْلَعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ أَوْ غَيْرُهُمَا كَالدُّخَانِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ أَوْ إكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا نَصًّا وَلَا يَثْبُتُ بَقِيَّةُ تَوَابِعِهِ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَعَ مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ، وَذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَالْمَذْهَبُ يَجِبُ صَوْمُهُ أَيْ صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِهِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ وَنَحْوُهُمَا بِنِيَّةِ رَمَضَانَ حُكْمًا ظَنِّيًّا بِوُجُوبِهِ احْتِيَاطًا لَا يَقِينًا.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا وَنُصُوصُ أَحْمَدَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ التَّابِعِينَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» مُتَّفَقٌ وَمَعْنَى «فَاقْدُرُوا لَهُ» أَيْ ضَيِّقُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أَيْ ضُيِّقَ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اُقْدُرُوا زَمَانًا يَطْلُعُ فِي مِثْلِهِ الْهِلَالُ وَهَذَا الزَّمَانُ يَصِحُّ وُجُودُهُ فِيهِ أَوْ يَكُونَ مَعْنَاهُ فَاعْلَمُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَنَّهُ تَحْتَ الْغَيْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [النمل: ٥٧] أَيْ عَلِمْنَاهَا مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا الشَّهْرُ أَصْلُهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ فَإِنْ رَآهُ فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَمَا رَجَعَ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهُ وَيَجِبُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَيَجْزِيهِ صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ حِينَئِذٍ إنْ بَانَ مِنْهُ أَيْ مِنْ رَمَضَانَ بِأَنْ تَثْبُتَ رُؤْيَتُهُ بِمَكَانٍ آخَرَ لِأَنَّ صِيَامَهُ وَقَعَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ قِيلَ لِلْقَاضِي لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ وَمَعَ الشَّكِّ فِيهَا لَا يُجْزَمُ بِهَا فَقَالَ لَا يُمْنَعُ التَّرَدُّدُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ كَالْأَسِيرِ وَصَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ وَتُصَلَّى التَّرَاوِيحُ لَيْلَتئِذٍ احْتِيَاطًا لِلسُّنَّةِ.
قَالَ أَحْمَدُ الْقِيَامُ قَبْلَ الصِّيَامِ وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ تَوَابِعِهِ أَيْ الصَّوْمِ مِنْ وُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ وَنَحْوِهِ كَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ لِتَبَعِيَّتِهَا لِلصَّوْمِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ بِأَنْ لَمْ يَرَ مَعَ الصَّحْوِ هِلَالَ شَوَّالٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي غُمَّ فِيهَا هِلَالُ رَمَضَانَ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ حُلُولِ الْآجَالِ وَوُقُوعِ الْمُعَلَّقَاتِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ وَغَيْرِهَا كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ خُولِفَ لِلنَّصِّ وَاحْتِيَاطًا لِعِبَادَةٍ عَامَّةٍ اهـ.
وَلِمَا صَحَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْأَحْنَافِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَمَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» وَحَدِيثِ «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ» إلَخْ تَمَسَّكُوا بِذَلِكَ فِي مَنْعِ صَوْمِهِ مِنْ رَمَضَانَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَابِدِينَ الْحَنَفِيُّ
стр. 416
وَهُوَ الْإِجْمَاعُ وَالنُّصُوصُ.
وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فِي الْوُضُوءِ فِي الرَّابِعَةِ فَمَشْرُوطٌ أَيْضًا بِتَيَقُّنِ الثَّالِثَةِ أَوْ ظَنِّهَا وَلَمْ يَحْصُلْ فَاسْتُصْحِبَ النَّدْبُ النَّاشِئُ عَنْ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الثَّلَاثِ وَهُوَ فِعْلُهُ ﷺ ، وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَهَذِهِ قَوَاعِدُ فِي الْعِبَادَاتِ يَنْبَغِي الْإِحَاطَةُ بِهَا لِئَلَّا تَضْطَرِبَ الْقَوَاعِدُ وَتُظْلِمَ عَلَى طَالِبِ الْعِلْم.
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ صَوْمِهِ وَصَوْمِ خَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ مِنْ شَوَّالٍ)
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» فَوَرَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَبَاحِثُ لِلْفُضَلَاءِ، وَإِشْكَالَاتٌ لِلنُّبَهَاءِ وَقَوَاعِدُ فِقْهِيَّةٌ وَمَعَانٍ شَرِيفَةٌ عَرَبِيَّةٌ.
الْأَوَّلُ: لِمَ قَالَ ﷺ بِسِتٍّ وَلَمْ يَقُلْ بِسِتَّةٍ، وَالْأَصْلُ فِي الصَّوْمِ إنَّمَا هُوَ الْأَيَّامُ دُونَ اللَّيَالِي وَالْيَوْمُ مُذَكَّرٌ وَالْعَرَبُ إذَا عَدَّتْ الْمُذَكَّرَ أَنَّثَتْ عَدَدَهُ فَكَانَ اللَّازِمُ فِي هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ مُؤَنَّثًا؛ لِأَنَّهُ عَدَدٌ مُذَكَّرٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] أَنَّثَ مَعَ الْمُذَكَّرِ وَذَكَّرَ مَعَ الْمُؤَنَّثِ.
الثَّانِي: لِمَ قَالَ مِنْ شَوَّالٍ وَهَلْ لِشَوَّالٍ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُورِ أَمْ لَا.
الثَّالِثُ: لِمَ قَالَ بِسِتٍّ، وَهَلْ لِلسِّتِّ مَزِيَّةٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ صَوْمِهِ وَصَوْمِ خَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ مِنْ شَوَّالٍ) .
قُلْت: جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ إلَّا مَا قَالَهُ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ الثَّانِي مِنْ أَنَّ تَخْصِيصَ شَوَّالٍ رِفْقٌ بِالْمُكَلَّفِ وَسَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَإِلَّا مَا قَالَهُ فِي تَأْوِيلِ ذِكْرِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ أَنَّهُ لِكَوْنِ السِّتَّةِ عَدَدًا تَامًّا فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقَيْنِ بَعْدَ هَذَا صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمُرَادُ مِنْ حَدِيثِ التَّقَدُّمِ هُوَ التَّقَدُّمُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ حَتَّى لَا يُزَادُ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ كَمَا زَادَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى صَوْمِهِمْ، وَإِنَّمَا كُرِهَ تَحْرِيمًا لِصُورَةِ النَّهْيِ فِي حَدِيثِ الْعِصْيَانِ وَهُوَ وَإِنْ رُوِيَ فِي الْبُخَارِيِّ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ إلَّا أَنَّهُ فِي مِثْلِهِ كَالْمَرْفُوعِ كَمَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَفِي الْفَتْحِ، وَأَخْرُجهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَأَتَى بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ عَمَّارٌ مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ الرَّجُلِ الْمُتَنَحِّي أَنَّهُ قَصَدَ صَوْمَهُ عَنْ رَمَضَانَ اهـ.
وَحَدِيثُ السِّرَارِ مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِهِ اسْتِحْبَابًا لَا عَنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ التَّقَدُّمِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ مَا أَمْكَنَ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ اهـ وَفِي الْمُخْتَصَرِ، وَإِنْ غَيَّمَتْ وَلَمْ يُرَ فَصَبِيحَتُهُ يَوْمُ شَكٍّ وَصِيمَ عَادَةً وَتَطَوُّعًا وَقَضَاءً وَلِنَذْرٍ صَادَفَ لَا احْتِيَاطًا قَالَ الْحَطَّابُ يَعْنِي أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ لَا يُصَامُ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَنْ صَامَ إلَخْ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ كَابْنِ الْحَاجِبِ هَلْ النَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ التَّحْرِيمِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَسَبَهُ اللَّخْمِيُّ لِمَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَنْبَغِي صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ، وَحَمَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمَنْعِ وَفِي الْجَلَّابِ يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ الْكَافَّةُ مُجْمِعُونَ عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِهِ احْتِيَاطًا اهـ وَنَحْوُهُ فِي ابْنِ فَرْحُونٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى التَّحْرِيمِ لِقَوْلِهِ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ اهـ، وَزَادَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ مِنْ الْوَاضِحَةِ وَمَنْ صَامَهُ حَوْطَةً ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلْيُفْطِرْ مَتَى مَا عَلِمَ اهـ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الشَّيْخِ بِلَفْظِ آخِرِ النَّهَارِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَحَمَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى الْمَنْعِ اهـ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي الرِّسَالَةِ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ فِي الْحِيَاطَةِ مِنْ رَمَضَانَ مَكْرُوهٌ وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا، وَقَالَ بَعْدَهُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلَا يُصَامُ يَوْمُ الشَّكِّ يُرِيدُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ اهـ ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ يُصَامُ احْتِيَاطًا وَلَا أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ اهـ.
وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ وُجُوبَ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ مَسْأَلَةِ الشَّاكِّ فِي الْفَجْرِ وَمِنْ الْحَائِضِ إذَا جَاوَزَتْ عَادَتَهَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ابْنُ بَشِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَبَحَثَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ فَلْيَنْظُرْهُ مَنْ أَرَادَهُ، ثُمَّ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَإِنَّمَا هَذَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ الْغَيْمُ أَمَّا إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً فَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِهِ احْتِيَاطًا إذْ لَا وَجْهَ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الصَّحْوِ اهـ بِحَذْفٍ وَتَصَرُّفٍ مَا.
قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ مَا مَعْنَاهُ فَتَحْرِيمُ الْمَالِكِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ صَوْمَهُ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ كُلَّ يَوْمِ شَكٍّ مَنْهِيٌّ عَنْ صِيَامِهِ عَنْ رَمَضَانَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الشَّهْرِ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ تَعَارُضِ النَّدْبِ وَالتَّحْرِيمِ نَظَرًا لِنَدْبِهِ عَلَى احْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ شَعْبَانَ وَتَحْرِيمِهِ عَلَى احْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ قُرْبَةٍ بِدُونِ شَرْطِهَا حَرَامٌ وَالنِّيَّةُ الْجَازِمَةُ شَرْطٌ لِصَوْمِهِ مِنْ رَمَضَانَ وَهِيَ هَاهُنَا مُتَعَذِّرَةٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ شَعْبَانَ لَا عَلَى الْقَطْعِ لَا يَقْتَضِي نَدْبَهُ بَلْ تَحْرِيمَهُ
стр. 417
عَلَى الْخَمْسِ أَوْ السَّبْعِ أَمْ لَا.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ ﷺ «فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» شَبَّهَ صَوْمَ شَهْرٍ وَسِتَّةِ أَيَّامٍ بِصَوْمِ الدَّهْرِ مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْعَرَبِيَّةَ أَنَّ التَّشْبِيهَ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ أَوْ لِلتَّقْرِيبِ، وَأَيْنَ شَهْرٌ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ صَوْمِ الدَّهْرِ بَلْ أَيْنَ هُوَ مِنْ صَوْمِ سَنَةٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى السُّدُسِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا، وَعَمِلَ الْآخَرُ قَدْرَهُ مَرَّتَيْنِ لَا يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ بَيْنَهُمَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَهُ سِتَّ مَرَّاتٍ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مَنْ صَامَ يَوْمًا يُشْبِهُ مَنْ صَامَ يَوْمَيْنِ فِي الْأَجْرِ وَلَا مَنْ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ يُشْبِهُ مَنْ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمَيْنِ فِي الْأَجْرِ فَضْلًا عَمَّنْ تَصَدَّقَ بِسِتَّةِ دَرَاهِمَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ سِتَّةِ دَرَاهِمَ وَدِرْهَمٍ وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا فَيَبْعُدُ التَّشْبِيهُ.
الْخَامِسُ: هَلْ لَنَا فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ «فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَكَأَنَّهُ صَامَ الدَّهْرَ فَإِنَّ " مَا " هُنَا كَافَّةٌ لِكَأَنَّ عَنْ الْعَمَلِ فَدَخَلَتْ لِذَلِكَ عَلَى الْفِعْلِ وَلَوْ لَمْ تَدْخُلْ مَا لَدَخَلَ كَأَنَّ عَلَى الِاسْمِ فَهَلْ بَيْنَ ذَلِكَ فَرْقٌ أَمْ لَا.
السَّادِسُ: أَنَّ التَّشْبِيهَ بَيْنَ هَذَا الصَّوْمِ وَصَوْمِ الدَّهْرِ: كَيْفَ كَانَ صَوْمُ الدَّهْرِ أَوْ عَلَى حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَوَضْعٍ مَخْصُوصٍ،.
السَّابِعُ: هَلْ بَيْنَ هَذِهِ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ الْوَاقِعَةِ فِي الْحَدِيثِ وَبَيْنَ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ الْوَاقِعَةِ فِي الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَرْقٌ أَمْ لَا فَرْقَ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَاحِدَةٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ ﷺ إنَّمَا قَالَ بِسِتٍّ وَلَمْ يَقُلْ بِسِتَّةٍ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ تَغْلِيبَ اللَّيَالِي عَلَى الْأَيَّامِ فَمَتَى أَرَادُوا عَدَّ الْأَيَّامِ عَدُّوا اللَّيَالِيَ وَتَكُونُ الْأَيَّامُ هِيَ الْمُرَادَةَ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَلَمْ يَقُلْ وَعَشَرَةً مَعَ أَنَّهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَذَكَرَهَا بِغَيْرِ هَاءِ التَّأْنِيثِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَوْ قِيلَ عَشَرَةً لَكَانَ لَحْنًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] قَالَ الْعُلَمَاءُ يَدُلُّ الْكَلَامُ الْأَخِيرُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى إلَّا يَوْمًا عَلَى أَنَّ الْمَعْدُودَ الْأَوَّلَ أَيَّامٌ فَكَذَلِكَ هَهُنَا أَتَتْ الْعِبَارَةُ بِصِيغَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لِلْحَدِيثِ كَمَا عَلِمْت، وَالنِّيَّةُ الْجَازِمَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا إلَّا مَعَ عَدَمِ تَعَذُّرِهَا اهـ بِزِيَادَةٍ.
وَأَطْلَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ إمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَأَنَّ مَنْ شَكَّ فِي الْفَجْرِ لَا يَأْكُلُ وَيَصُومُ مَعَ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْفَجْرِ مُسَاوٍ لِلشَّكِّ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ بِوَجْهَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَكٌّ فِي طَرَيَان الصَّوْمِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ كَمَا أَنَّهُ هُنَاكَ بَقَاءُ الشَّهْرِ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ كَذَلِكَ هُوَ هُنَا بَقَاءُ اللَّيْلِ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ.
وَأَمَّا مَنْعُ الْأَكْلِ وَالْوَطْءِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّمَا كَانَ بَعْدَ النَّوْمِ خَاصَّةً، أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُخِّصَ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُفْطِرَاتِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ كَمَا أَبَاحَهَا إلَى غَايَةِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ إكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا حَتَّى إنَّ اللَّخْمِيَّ خَرَّجَ وُجُوبَ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ مَسْأَلَةِ الشَّاكِّ فِي الْفَجْرِ وَمِنْ الْحَائِضِ إذَا جَاوَزَتْ عَادَتَهَا كَمَا فِي كَلَامِ الْحَطَّابِ الْمُتَقَدِّمِ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا فِي مَسْأَلَةِ الشَّاكِّ فِي الْفَجْرِ إلَى مُخَالَفَةِ الْآيَةِ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ حَتَّى يَصِحَّ تَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ مَسْأَلَةَ وُجُوبِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْهَا بَلْ إنَّمَا ذَهَبُوا إلَى حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الْمُرَاقِبِ لِلْفَجْرِ، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ فَبَنَوْا قَوْلَهُمْ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ بِجُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى الشَّاكِّ فِي الْفَجْرِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ عَدَمُ الْمُرَاقَبَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ ثُمَّ إنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَإِنْ قَالُوا فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَنَّهُ يُصَلِّيهَا مَعَ أَنَّهَا دَائِرَةٌ بَيْنَ الرَّابِعَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْخَامِسَةِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَالْمُحَرَّمُ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا كَمَا يُقَدَّمُ عَلَى الْمَنْدُوبِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا لِاتِّحَادِ عِلَّةِ تَقْدِيمِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرُورَةَ أَنَّ اعْتِمَادَ الْمَصَالِحِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَنْدُوبِ وَالْوَاجِبِ نَعَمْ التَّرْكُ لِلْمَنْدُوبِ أَظْهَرُ لِكَوْنِهِ أَخْفَضَ رُتْبَةً مِنْ الْوَاجِبِ، وَقَالُوا فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا شَكَّ فِي وُضُوئِهِ هَلْ هِيَ ثَانِيَةٌ أَوْ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ ثَالِثَةً مَعَ دَوَرَانِهَا بَيْنَ الثَّالِثَةِ الْمَنْدُوبَةِ وَالرَّابِعَةِ الْمُحَرَّمَةِ إلَّا أَنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا بِذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِي الْخَامِسَةِ مَشْرُوطٌ فِي الصَّلَاةِ بِتَيَقُّنِ الرَّابِعَةِ أَوْ ظَنِّهَا، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ التَّحْرِيمُ بَلْ اُسْتُصْحِبَ الْوُجُوبُ مِنْ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الْأَرْبَعِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ وَالنُّصُوصُ، وَالتَّحْرِيمُ فِي الرَّابِعَةِ مَشْرُوطٌ فِي الْوُضُوءِ أَيْضًا بِتَيَقُّنِ الثَّالِثَةِ أَوْ ظَنِّهَا وَلَمْ يَحْصُلْ فَاسْتُصْحِبَ النَّدْبُ النَّاشِئُ عَنْ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الثَّلَاثِ وَهُوَ فِعْلُهُ ﷺ وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِمْ بِذَلِكَ فِيهِمَا مُخَالَفَةٌ لِقَاعِدَةِ تَعَارُضُ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ مَعَ التَّحْرِيمِ فَافْهَمْ. فَهَذِهِ قَوَاعِدُ فِي الْعِبَادَاتِ يَنْبَغِي الْإِحَاطَةُ بِهَا لِئَلَّا تَضْطَرِبَ الْقَوَاعِدُ وَتُظْلِمَ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ صَوْمِهِ وَصَوْمِ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ مِنْ شَوَّالٍ .]
الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ صَوْمِهِ وَصَوْمِ خَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ مِنْ شَوَّالٍ) وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» هُوَ أَنَّ مَنْ صَامَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَمَضَانَ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ يُشْبِهُ مَنْ صَامَ سَنَةً مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، خَمْسَةُ أَسْدَاسِهَا فَرْضٌ وَسُدُسُهَا نَفْلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحَسَنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِ الْمَثُوبَةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْصُلُ لِمَنْ كَانَ قَبْلَهَا مِنْ الْأُمَمِ فَإِنَّ
стр. 418
التَّذْكِيرِ الَّذِي هُوَ شَأْنُ اللَّيَالِي، وَالْمُرَادُ الْأَيَّامُ مِثْلُ هَذِهِ الْآيَاتِ.
وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ ﷺ إنَّمَا قَالَ مِنْ شَوَّالٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِفْقًا بِالْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالصَّوْمِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ أَسْهَلَ، وَتَأْخِيرُهَا عَنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ لِئَلَّا يَتَطَاوَلَ الزَّمَانُ فَيُلْحَقَ بِرَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّالِ قَالَ لِي الشَّيْخُ زَكِيُّ الدِّينِ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُحَدِّثُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الَّذِي خَشِيَ مِنْهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ وَقَعَ بِالْعَجَمِ فَصَارُوا يَتْرُكُونَ الْمُسَحِّرِينَ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَالْقَوَانِينَ، وَشَعَائِرَ رَمَضَانَ إلَى آخِرِ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ فَحِينَئِذٍ يُظْهِرُونَ شَعَائِرَ الْعِيدِ وَيُؤَيِّدُ سَدَّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ إلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الْفَرْضَ وَقَامَ لِيَتَنَفَّلَ عَقِبَ فَرْضِهِ، وَهُنَالِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَامَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ حَتَّى تَفْصِلَ بَيْنَ فَرْضِكَ وَنَفْلِكَ فَبِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» وَمَقْصُودُ عُمَرَ ﵁ أَنَّ اتِّصَالَ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ إذَا حَصَلَ مَعَهُ التَّمَادِي اعْتَقَدَ الْجُهَّالُ أَنَّ ذَلِكَ النَّفَلَ مِنْ ذَلِكَ الْفَرْضِ وَلِذَلِكَ شَاعَ عِنْدَ عَوَامِّ مِصْرَ أَنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ إلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْإِمَامَ يُوَاظِبُ عَلَى قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَسْجُدُ فَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ تِلْكَ رَكْعَةٌ أُخْرَى وَاجِبَةٌ، وَسَدُّ هَذِهِ الذَّرَائِعِ مُتَعَيَّنٌ فِي الدِّينِ وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ شَدِيدَ الْمُبَالَغَةِ فِيهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ ﵏: خُصُوصُ شَوَّالٍ مُرَادٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ لِلْعِبَادَةِ وَالِاسْتِبَاقِ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وَ ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَلِظَاهِرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَمَنْ سَاعَدَهُ الظَّاهِرُ فَهُوَ أَوْلَى وَجَوَابُهُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ مَزِيَّةٌ السِّتِّ عَلَى السَّبْعِ، أَوْ الْخَمْسِ تَظْهَرُ بِتَقْرِيرِ مَعْنَى السِّتَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ شَهْرًا بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَسِتَّةَ أَيَّامٍ بِسِتِّينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةٍ وَالسِّتُّونَ يَوْمًا بِشَهْرَيْنِ، وَشَهْرَانِ مَعَ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ سَنَةٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
تَضْعِيفَ الْحَسَنَاتِ إلَى عَشَرَةٍ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَحِينَئِذٍ فَيَصِيرُ صَائِمُ رَمَضَانَ مِنْهُمْ كَصَائِمِ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَصَائِمُ سِتَّةٍ بَعْدَهُ مِنْهُمْ كَصَائِمِ شَهْرَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَكُونُ صَائِمُ الْمَجْمُوعِ مِنْهُمْ كَصَائِمِ سَنَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ سُدُسُهَا فَقَطْ نَفْلٌ وَبَاقِي أَسْدَاسِهَا فَرْضٌ فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ صَائِمِهِ مِنْهُمْ كَانَ كَصَائِمِ جَمِيعِ الْعُمُرِ مِنْ غَيْرِهِمْ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ فَرْضٌ وَسُدُسُهُ نَفْلٌ فَالْمُرَادُ بِالدَّهْرِ عُمُرُهُ، فَبِإِتْبَاعِ رَمَضَانَ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ مَعَ التَّضْعِيفِ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ حَسَنُ التَّشْبِيهِ بِصِيَامِ الدَّهْرِ مِنْ غَيْرِهَا لَكِنْ بِنِسْبَةِ أَنَّ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ فَرْضٌ وَسُدُسَهُ نَفْلٌ فَلَا يَحْصُلُ التَّشْبِيهُ الْحَقِيقِيُّ بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ بِالسِّتِّ لَا بِالسَّبْعِ لِأَنَّ السَّبْعَ بِالتَّضْعِيفِ سَبْعُونَ يَوْمًا وَهِيَ زَائِدَةٌ عَنْ الشَّهْرَيْنِ وَتَشْبِيهُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى بَاطِلٌ، وَلَوْ زَادَ عَلَى السَّبْعِ لَكَانَ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ وَلَا بِالْخَمْسِ لِأَنَّ الْخَمْسَ بِالتَّضْعِيفِ خَمْسُونَ وَهِيَ نَاقِصَةٌ عَنْ الشَّهْرَيْنِ وَكَذَلِكَ مَا دُونَ الْخَمْسِ، وَتَشْبِيهُ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا إجْمَاعًا إلَّا أَنَّهُ مَعَ الْمُسَاوَاةِ أَحْسَنُ مِنْهُ مَعَ عَدَمِهَا فَقَاعِدَةُ السِّتِّ مُبَايِنَةٌ لِقَاعِدَةِ السَّبْعِ فَمَا فَوْقَهَا وَالْخَمْسِ فَمَا دُونَهَا.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَوْمُ الدَّهْرِ عَلَى حَالٍ مَخْصُوصَةٍ بِأَنْ يَكُونَ نِسْبَةُ السِّتَّةِ الْمُقَدَّرَةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهَا فَرْضٌ وَسُدُسُهَا وَهُوَ الشَّهْرَانِ النَّاشِئَانِ عَنْ السِّتَّةِ أَيَّامٍ نَفْلٌ، وَمِنْ التَّشْبِيهِ مَعَ الْمُسَاوَاةِ قَوْلُهُ ﷺ «لَمَّا آلَمَتْهُ رِجْلُهُ فَمَدَّهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ تُشْبِهُ هَذِهِ فَأَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَيَّ شَيْءٍ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَدَّ رِجْلَهُ الْأُخْرَى وَقَالَ هَذِهِ» فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَسْطِهِ ﷺ وَتَأْنِيسِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَكَرَاهَةِ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا لِعُذْرٍ فَأَظْهَرَ هَذَا السُّؤَالُ عُذْرًا وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ بَعِيدٌ جِدًّا، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَبَانَتْ مَزِيَّةُ السِّتِّ عَلَى الْخَمْسِ، أَوْ السَّبْعِ وَأَنَّ التَّشْبِيهَ فِي الْحَدِيثِ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ الْعَرَبِ فِي كَوْنِ التَّشْبِيهِ يَعْتَمِدُ الْمُسَاوَاةَ، أَوْ التَّقْرِيبَ وَقَالَ ﷺ بِسِتٍّ وَلَمْ يَقُلْ بِسِتَّةٍ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّوْمِ إنَّمَا هُوَ الْأَيَّامُ دُونَ اللَّيَالِي، وَالْيَوْمُ مُذَكَّرٌ وَقَاعِدَةُ الْعَرَبِ مَا فِي قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ:
ثَلَاثَةٌ بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ ... فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ
لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ تَغْلِيبُ اللَّيَالِي عَلَى الْأَيَّامِ فَمَتَى أَرَادُوا عَدَّ الْأَيَّامِ عَدُّوا اللَّيَالِيَ وَمُرَادُهُمْ الْأَيَّامُ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَلَمْ يَقُلْ وَعَشَرَةً، مَعَ أَنَّهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَوْ قِيلَ عَشَرَةً لَكَانَ لَحْنًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣] ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤] قَالَ الْعُلَمَاءُ يَدُلُّ الْكَلَامُ الْأَخِيرُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى إلَّا يَوْمًا عَلَى أَنَّ الْمَعْدُودَ الْأَوَّلَ أَيَّامٌ وَلِلْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي قَوْلِهِ ﷺ مِنْ شَوَّالٍ أَقْوَالٌ:
الْأَوَّلُ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ التَّمْثِيلِ وَالْمُرَادُ أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَصِيَامَ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ وَذَلِكَ الْمَذْهَبُ فَلَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ شَوَّالٍ لَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ قَالَ وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ النَّظَرِ فَاعْلَمُوهُ اهـ
الْقَوْلُ الثَّانِي لِابْنِ الْمُبَارَكِ وَاللَّخْمِيِّ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ التَّعْيِينِ مِنْ أَوَّلِهِ وَأَنَّ خُصُوصَ شَوَّالٍ مُرَادٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَادَرَةِ لِلْعِبَادَةِ وَالِاسْتِبَاقِ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
стр. 419
كَامِلَةٌ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي سَنَةٍ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَامَ تِلْكَ السَّنَةَ لِتَحْصِيلِهِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ وَالْمُرَادُ بِالدَّهْرِ عُمُرُهُ إلَى آخِرِهِ فَلَوْ قَالَ سَبْعًا لَكَانَ ذَلِكَ سَبْعِينَ يَوْمًا، وَكَانَ أَزْيَدَ مِنْ شَهْرَيْنِ فَيَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِ الدَّهْرِ وَأَعْلَى، وَالْأَعْلَى لَا يُشَبَّهُ بِالْأَدْنَى فَكَانَ يَبْطُلُ التَّشْبِيهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى السَّبْعِ لَكَانَ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ وَلَوْ قَالَ خَمْسًا لَكَانَتْ بِخَمْسِينَ يَوْمًا فَيَنْقُصُ عَنْ الشَّهْرَيْنِ فَلَا يَحْصُلُ التَّشْبِيهُ الْحَقِيقِيُّ وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَصَ أَكْثَرَ مِنْ الْخَمْسِ فَظَهَرَ أَنَّ قَاعِدَةَ السِّتِّ مُبَايِنَةٌ لِلسَّبْعِ فَمَا فَوْقَهَا وَقَاعِدَةِ الْخَمْسِ فَمَا دُونَهَا وَهُوَ كَانَ الْمَقْصُودَ بِهَذَا الْفَرْقِ، وَبَقِيَّةُ الْأَسْئِلَةِ تَبَعٌ وَزِيَادَةٌ فِي الْفَائِدَةِ، وَالْمُنَافَاةُ فِي السَّبْعِ فَمَا فَوْقَهَا أَشَدُّ مِنْ الْمُنَافَاةِ فِي الْخَمْسِ فَمَا دُونَهَا؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى مُنْكَرٌ مُطْلَقًا وَأَمَّا الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى فَجَائِزٌ إجْمَاعًا.
غَيْرَ أَنَّهُ مَعَ الْمُسَاوَاةِ أَحْسَنُ كَمَا «قَالَ ﷺ لَمَّا آلَمَتْهُ رِجْلُهُ فَمَدَّهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيُّ شَيْءٍ تُشْبِهُ هَذِهِ فَأَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَيَّ شَيْءٍ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَدَّ رِجْلَهُ الْأُخْرَى وَقَالَ هَذِهِ» فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَسْطِهِ ﷺ وَتَأْنِيسِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَكَرَاهَةِ أَنْ يَمُدَّ رِجْلَهُ بَيْنَهُمْ إلَّا لِعُذْرٍ فَأَظْهَرَ هَذَا السُّؤَالَ عُذْرًا، وَذَكَرَ التَّشْبِيهَ مَعَ الْمُسَاوَاةِ فَإِنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ بَعِيدٌ جِدًّا.
وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّ صَائِمَ سَنَةٍ لَا يُشْبِهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ صَامَ شَهْرًا وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ يُشْبِهُ مَنْ صَامَ سَنَةً مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] أَيْ لَهُ عَشْرُ مَثُوبَاتٍ أَمْثَالِ الْمَثُوبَةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْصُلُ لِعَامِلٍ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ تَضْعِيفَ الْحَسَنَاتِ إلَى عَشْرٍ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَإِذَا كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ " عَشْرُ أَمْثَالِهَا " أَمْثَالَ الْمَثُوبَةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْصُلُ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَيَصِيرُ صَائِمُ رَمَضَانَ كَصَائِمِ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ، وَصَائِمُ سِتَّةٍ بَعْدَهُ كَصَائِمِ شَهْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ فَصَائِمُ الْمَجْمُوعِ كَصَائِمِ سَنَةٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَلِظَاهِرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ وَمَنْ سَاعَدَهُ الظَّاهِرُ فَهُوَ أَوْلَى قَالَ فِي الْعَارِضَةِ وَلَسْت أَرَاهُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ وَلَوْ عَلِمْتُ مَنْ يَصُومُهَا أَوَّلَ الشَّهْرِ وَمَلَكْتُ الْأَمْرَ آذَيْته وَشَدَدْتُ عَلَيْهِ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ غَيَّرُوا دِينَهُمْ اهـ
الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ التَّعْيِينِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ صَوْمَهَا بِأَوَّلِ شَوَّالٍ مُتَّصِلَةً مُتَتَابِعَةً مَكْرُوهٌ جِدًّا لِأَنَّ النَّاسَ صَارُوا يَقُولُونَ تَشْيِيعُ رَمَضَانَ وَكَمَا لَا يُتَقَدَّمُ لَا يُشَيَّعُ فَصَوْمُهَا مِنْ غَيْرِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَوْسَطِهِ وَمِنْ أَوْسَطِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ وَهَذَا بَيِّنٌ وَهُوَ أَحْوَطُ لِلشَّرِيعَةِ وَأَذْهَبُ لِلْبِدْعَةِ كَمَا فِي الْعَارِضَةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَ السِّتِّ فِي غَيْرِ شَوَّالٍ خَوْفًا مِنْ إلْحَاقِهَا بِرَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّالِ، وَإِنَّمَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلتَّخْفِيفِ عَلَى الْمُكَلَّفِ لِقُرْبِهِ مِنْ الصَّوْمِ، وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ فِي غَيْرِهِ فَيُشْرَعُ لِلتَّأْخِيرِ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ اهـ.
وَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْجَوَاهِرِ لَوْ صَامَهَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لَكَانَ أَحْسَنَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مَعَ حِيَازَةِ فَضْلِ الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ وَالسَّلَامَةِ مِمَّا اتَّقَاهُ مَالِكٌ اهـ وَمِثْلُهُ للشبيني وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُ الْأَصْلِ إنَّمَا قَالَ مِنْ شَوَّالٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ رِفْقًا بِالْمُكَلَّفِ لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالصَّوْمِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ أَسْهَلَ، وَتَأْخِيرُهَا عَنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ لِئَلَّا يَتَطَاوَلَ الزَّمَانُ فَيُلْحَقَ بِرَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّالِ قَالَ لِي الشَّيْخُ زَكِيُّ الدِّينِ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُحَدِّثُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الَّذِي خَشِيَ مِنْهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ وَقَعَ بِالْعَجَمِ فَصَارُوا يَتْرُكُونَ الْمُسَحِّرِينَ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَالْقَوَانِينَ، وَشَعَائِرَ رَمَضَانَ إلَى آخِرِ السِّتَّةِ أَيَّامٍ فَحِينَئِذٍ يُظْهِرُونَ شَعَائِرَ الْعِيدِ وَيُؤَيِّدُ سَدَّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ «رَجُلًا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الْفَرْضَ وَقَامَ لِيَتَنَفَّلَ عَقِبَ فَرْضِهِ وَهُنَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَامَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ حَتَّى تَفْصِلَ بَيْنَ فَرْضِكَ وَنَفْلِكَ فَبِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» وَمَقْصُودُ عُمَرَ ﵁ أَنَّ اتِّصَالَ التَّنَفُّلِ بِالْفَرْضِ إذَا حَصَلَ مَعَهُ التَّمَادِي اعْتَقَدَ الْجُهَّالُ أَنَّ ذَلِكَ النَّفَلَ مِنْ ذَلِكَ الْفَرْضِ وَلِذَلِكَ شَاعَ عِنْدَ عَوَامِّ مِصْرَ أَنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ إلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الْإِمَامَ يُوَاظِبُ عَلَى قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَسْجُدُ فَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ تِلْكَ رَكْعَةٌ أُخْرَى وَاجِبَةٌ وَسَدُّ هَذِهِ الذَّرَائِعِ مُتَعَيَّنٌ فِي الدِّينِ وَكَانَ مَالِكٌ ﵀ شَدِيدَ الْمُبَالَغَةِ فِيهَا اهـ وَخُلَاصَةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ تَخْصِيصَ شَوَّالٍ رِفْقٌ بِالْمُكَلَّفِ فَيُشْرَعُ التَّأْخِيرُ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَهَذَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ اهـ.
الْقَوْلُ الرَّابِعُ لِلْمَازِرِيِّ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ خُصُوصَ شَوَّالٍ، وَإِنْ كَانَ مُرَادًا لِلْمُبَادَرَةِ لِلْعِبَادَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَكَرِهَ صِيَامَهَا مِنْ شَوَّالٍ وَلَمَّا كَانَ مَقْصُودُهُ ﷺ تَشْبِيهَ الصِّيَامِ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَضْعِ الْمَخْصُوصِ بِالصِّيَامِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ لَا تَشْبِيهَ الصَّائِمِ بِغَيْرِهِ قَالَ فَكَأَنَّمَا وَلَمْ يَقُلْ فَكَأَنَّهُ، فَأَدْخَلَ كَأَنَّ الدَّالَّةَ عَلَى التَّشْبِيهِ مَكْفُوفَةً بِمَا عَلَى الْفِعْلِ نَفْسِهِ وَأَوْقَعَ التَّشْبِيهَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفِعْلِ بِاعْتِبَارِ الْمِلَّتَيْنِ لِتَنْبِيهِ السَّامِعِ لِقَدْرِ الْفِعْلِ وَعَظَمَتِهِ فَتَتَوَفَّرُ رَغْبَتُهُ فِيهِ قِيلَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ السِّتَّةِ أَيَّامٍ الْوَاقِعَةِ فِي الْحَدِيثِ
стр. 420
مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ كَانَ كَصَائِمِ جَمِيعِ الْعُمُرِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ فَهَذَا تَشْبِيهٌ حَسَنٌ، وَمَا شَبَّهَ إلَّا الْمِثْلَ بِالْمِثْلِ لَا الْمُخَالِفَ بِالْمُخَالِفِ بَلْ الْمِثْلَ الْمُحَقَّقَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ.
وَعَنْ الْخَامِسِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ ﷺ فَكَأَنَّهُ صَامَ الدَّهْرَ لَكَانَ بَعِيدًا عَنْ الْمَقْصُودِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَشْبِيهُ الصِّيَامِ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَضْعِ الْمَخْصُوصِ بِالصِّيَامِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ لَا تَشْبِيهُ الصَّائِمِ بِغَيْرِهِ فَلَوْ قَالَ فَكَأَنَّهُ لَكَانَتْ أَدَاةُ التَّشْبِيهِ دَاخِلَةً عَلَى الصَّائِمِ وَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَحَلَّ التَّشْبِيهِ لَا الصَّوْمُ.
وَالْمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ لَا الْفَاعِلِ بِالْفَاعِلِ، وَإِذَا قَالَ فَكَأَنَّمَا، وَكُفَّتْ " مَا " دَخَلَتْ أَدَاةُ التَّشْبِيهِ عَلَى الْفِعْلِ نَفْسِهِ وَوَقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفِعْلِ بِاعْتِبَارِ الْمِلَّتَيْنِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّشْبِيهِ لِتَنْبِيهِ السَّامِعِ لِقَدْرِ الْفِعْلِ وَعَظَمَتِهِ فَتَتَوَفَّرُ رَغْبَتُهُ فِيهِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَجِّحُ لِقَوْلِهِ " فَكَأَنَّمَا " عَلَى " فَكَأَنَّهُ ".
وَعَنْ السَّادِسِ أَنَّ الْمُرَادَ صَوْمُ الدَّهْرِ عَلَى حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَا الدَّهْرُ كَيْفَ كَانَ وَذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ وَاجِبٌ، وَصَوْمَ السِّتِّ مَنْدُوبٌ فَيَكُونُ نِسْبَةُ السِّتَّةِ الْمُقَدَّرَةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ، خَمْسَةُ أَسْدَاسِهَا فَرْضٌ وَسُدُسُهَا وَهُوَ الشَّهْرَانِ النَّاشِئَانِ عَنْ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ مَنْدُوبَةٌ وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ، خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ فَرْضٌ وَسُدُسُهُ نَفْلٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ فَرْضٌ وَلَا كُلِّهِ نَفْلٌ وَلَا الْبَعْضِ فَرْضٌ وَالْبَعْضِ نَفْلٌ عَلَى غَيْرِ النِّسْبَةِ الَّتِي ذَكَرْتهَا بَلْ يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرْته تَحْقِيقًا لِلتَّشْبِيهِ وَلِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مِنْ فَرْضِيَّةِ رَمَضَانَ وَنَدْبِيَّةِ السِّتِّ فَلَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مَنْدُوبًا لَقُلْنَا الْمُرَادُ بِالدَّهْرِ صَوْمُهُ مَنْدُوبًا وَلَوْ كَانَ الْجَمِيعُ فَرْضًا لَقُلْنَا الْمُرَادُ بِالدَّهْرِ جَمِيعُهُ فَرْضًا وَلَوْ قَالَ ﷺ مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ رَمَضَانَ فَكَأَنَّمَا صَامَ شَهْرَيْنِ لَقُلْنَا هُمَا شَهْرَانِ مَنْدُوبَانِ وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] أَيْ مَنْ جَاءَ بِالْمَنْدُوبَاتِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِ هَذَا الْمَنْدُوبِ أَنْ لَوْ فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ وَمَنْ جَاءَ بِالْفَرْضِ مِنْ هَذِهِ الْمِلَّةِ فَلَهُ مَثُوبَاتٌ عَشْرٌ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالسِّتَّةِ أَيَّامٍ الْوَاقِعَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] هِيَ كَوْنُ الْحِكْمَةِ فِيهَا فِي الْحَدِيثِ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا كَوْنُهَا شَهْرَيْنِ فَتَكْمُلُ السِّتَّةُ بِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ بِخِلَافِ مَا فَوْقَهَا وَمَا تَحْتَهَا، وَثَانِيهِمَا كَوْنُهَا أَوَّلَ الْأَعْدَادِ التَّامَّةِ فَهُوَ لِتَمَامِهِ، وَلِأَنَّهُ أَوَّلُهَا عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ الْأَعْدَادِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ السَّوِيَّ الَّذِي لَا زِيَادَةَ فِي أَعْضَائِهِ وَلَا نَقْصَ أَفْضَلُ الْآدَمِيِّينَ خَلْقًا وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ:
الْأَعْدَادُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: عَدَدٌ تَامٌّ وَهُوَ الَّذِي إذَا جُمِعَتْ أَجْزَاؤُهُ الْمُنْطَقَةُ انْقَامَ مِنْهَا ذَلِكَ الْعَدَدُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ كَالسِّتَّةِ أَجْزَاؤُهَا: النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ، وَالثُّلُثُ اثْنَانِ، وَالسُّدُسُ وَاحِدٌ وَلَا جُزْءَ لَهَا غَيْرُ هَذِهِ وَمَجْمُوعُهَا سِتٌّ.
وَعَدَدٌ نَاقِصٌ وَهُوَ الَّذِي إذَا جُمِعَتْ أَجْزَاؤُهُ الْمُنْطَقَةُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا ذَلِكَ الْعَدَدُ بَلْ أَنْقَصُ مِنْهُ كَالْأَرْبَعَةِ أَجْزَاؤُهَا: النِّصْفُ اثْنَانِ، وَالرُّبُعُ وَاحِدٌ وَلَا جُزْءَ لَهَا غَيْرُهُمَا وَمَجْمُوعُهُمَا ثَلَاثَةٌ أَقَلُّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ.
وَعَدَدٌ زَائِدٌ وَهُوَ الَّذِي إذَا جُمِعَتْ أَجْزَاؤُهُ الْمُنْطَقَةُ حَصَلَ عَدَدٌ زَائِدٌ عَنْهُ كَالِاثْنَيْ عَشَرَ أَجْزَاؤُهَا: النِّصْفُ سِتَّةٌ، وَالثُّلُثُ أَرْبَعَةٌ، وَالسُّدُسُ اثْنَانِ، وَنِصْفُ السُّدُسِ وَاحِدٌ وَمَجْمُوعُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ بِوَاحِدٍ، وَالتَّامُّ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ الْأَعْدَادِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ السَّوِيَّ أَفْضَلُ الْآدَمِيِّينَ خَلْقًا، وَالنَّاقِصُ مَعِيبٌ لِأَنَّهُ كَآدَمِيٍّ خُلِقَ بِغَيْرِ يَدٍ، أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَالزَّائِدُ مَعِيبٌ لِأَنَّهُ كَآدَمِيٍّ خُلِقَ بِأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ وَلَيْسَ لِلسِّتَّةِ فِي الْآيَةِ إلَّا الْأَمْرُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهَا أَوَّلُ الْأَعْدَادِ التَّامَّةِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمَقْصُودِ بِذِكْرِهَا التَّنْبِيهَ لِلْعِبَادِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّعْجِيلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَنَاةٌ فَمَا دَخَلَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ وَلَا فُقِدَ مِنْ شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ «قَالَ ﵊ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ إنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» فَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ كَيْفَ كَانَ اهـ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرُوضِ تُحْمَلُ عَلَى الْقِنْيَةِ حَتَّى يَنْوِيَ التِّجَارَةَ وَقَاعِدَةِ مَا كَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ " الْعُرُوض تُحْمَلُ عَلَى الْقِنْيَةِ حَتَّى يَنْوِيَ التِّجَارَةَ " وَقَاعِدَةِ " مَا كَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ ") يَتَخَرَّجُ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ عُرُوضِ الْقِنْيَةِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَامَّةِ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَغَيْرِهِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ ظَاهِرٌ فَهُوَ يَنْصَرِفُ إلَى ظَاهِرِهِ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ لِذَلِكَ الظَّاهِرِ وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِهِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ شَرْعِيٍّ وَذَلِكَ أَنَّ الْعُرُوضَ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِيهَا وَالْغَالِبُ أَنْ تَكُونَ لِلْقِنْيَةِ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْقِنْيَةِ فَتُصْرَفُ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَقُمْ مُعَارِضٌ رَاجِحٌ لِذَلِكَ الظَّاهِرِ كَمَا إذَا اشْتَرَى عُرُوضًا كَعَبْدٍ، أَوْ دَارٍ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهِيَ لِلْقِنْيَةِ إذْ لَا مُعَارِضَ، وَتُصْرَفُ إلَى مُعَارِضِهِ الرَّاجِحِ عِنْدَ قِيَامِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا ابْتَاعَ عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ فَكَاتَبَهُ فَعَجَزَ أَوْ ارْتَجَعَ مِنْ مُفْلِسٍ سِلْعَةً، أَوْ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ عَبْدًا فِي دَيْنِهِ
стр. 421
مَثُوبَةُ هَذَا الْفَرْضِ أَنْ لَوْ فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي جَمِيعِ رُتَبِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، وَإِنْ عَلَتْ فَظَهَرَ أَنَّ التَّشْبِيهَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ.
وَعَنْ السَّابِعِ أَنَّ السِّتَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ تَقَدَّمَتْ حِكْمَتُهَا وَهِيَ كَوْنُهَا شَهْرَيْنِ فَتَكْمُلُ السَّنَةُ بِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَحْصُلُ بِمَا فَوْقَهَا مِنْ الْعَدَدِ وَلَا بِمَا دُونَهَا مِنْ الْعَدَدِ.
وَأَمَّا السِّتَّةُ فِي الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْأَعْدَادُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ عَدَدٌ تَامٌّ وَعَدَدٌ زَائِدٌ وَعَدَدٌ نَاقِصٌ فَالْعَدَدُ التَّامُّ هُوَ الَّذِي إذَا جُمِعَتْ أَجْزَاؤُهُ انْقَامَ مِنْهَا ذَلِكَ الْعَدَدُ كَالسِّتَّةِ فَإِنَّ أَجْزَاءَهَا النِّصْفُ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَالثُّلُثُ اثْنَانِ وَالسُّدُسُ وَاحِدٌ فَلَا جُزْءَ لَهَا غَيْرُ هَذِهِ وَمَجْمُوعُهَا سِتٌّ وَهُوَ أَصْلُ الْعَدَدِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَالْأَرْبَعَةُ لَهَا نِصْفٌ وَرُبُعٌ خَاصَّةً وَمَجْمُوعُهَا ثَلَاثَةٌ فَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الْعَدَدُ فَالْأَرْبَعَةُ عَدَدٌ نَاقِصٌ وَالْعَشَرَةُ لَهَا نِصْفٌ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَخُمُسٌ وَهُوَ اثْنَانِ وَعُشْرٌ وَهُوَ وَاحِدٌ، وَمَجْمُوعُهَا ثَمَانِيَةٌ فَهُوَ عَدَدٌ نَاقِصٌ وَالِاثْنَا عَشَرَ لَهَا نِصْفٌ وَهُوَ سِتَّةٌ وَثُلُثٌ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَسُدُسٌ وَهُوَ اثْنَانِ وَنِصْفُ سُدُسٍ وَهُوَ وَاحِدٌ وَمَجْمُوعُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَهُوَ عَدَدٌ زَائِدٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْأَجْزَاءِ أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ كَسْرٍ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَالْعَدَدُ النَّاقِصُ عِنْدَهُمْ كَآدَمِيٍّ خُلِقَ بِغَيْرِ يَدٍ، أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَهُوَ مَعِيبٌ، وَالْعَدَدُ الزَّائِدُ أَيْضًا مَعِيبٌ؛ لِأَنَّهُ كَإِنْسَانٍ خُلِقَ بِإِصْبَعٍ زَائِدَةٍ، وَالْعَدَدُ التَّامُّ كَإِنْسَانٍ خُلِقَ خَلْقًا سَوِيًّا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ وَهُوَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ الْأَعْدَادِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ السَّوِيَّ أَفْضَلُ الْآدَمِيِّينَ خَلْقًا، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ السِّتَّةَ عَدَدٌ تَامٌّ مَحْمُودٌ فَهُوَ أَوَّلُ الْأَعْدَادِ التَّامَّةِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ لِتَمَامِهِ وَلِأَنَّهُ أَوَّلُهَا وَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَكَانَ الْمَقْصُودُ تَنْبِيهَ الْعِبَادِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّعْجِيلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَنَاةٌ فَمَا دَخَلَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ وَلَا فُقِدَ مِنْ شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ «قَالَ ﵊ لِأَشَجِّ عَبْد الْقِيس إنَّ فِيكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَوْ دَارًا فَأَجَرَهَا سِنِينَ رَجَعَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِحُكْمِ أَصْلِهِ مِنْ التِّجَارَةِ فَإِنَّ مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ فَالْعَبْدُ الْمَأْخُوذُ وَنَحْوُهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ أَصْلِهِ قَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَوْ ابْتَاعَ الدَّارَ بِقَصْدِ الْغَلَّةِ فَفِي اسْتِئْنَافِ الْحَوْلِ بَعْدَ الْبَيْعِ رِوَايَتَانِ لِمَالِكٍ وَلَوْ ابْتَاعَهَا لِلتِّجَارَةِ وَالسُّكْنَى فَلِمَالِكٍ أَيْضًا قَوْلَانِ أَيْ بِالِاسْتِئْنَافِ لِلْحَوْلِ بَعْدَ الْبَيْعِ مُرَاعَاةً لِقَصْدِ التَّنْمِيَةِ بِالْغَلَّةِ وَالتِّجَارَةِ، وَعَدَمِ الِاسْتِئْنَافِ لَهُ بَعْدَهُ تَغْلِيبًا لِلنِّيَّةِ فِي الْقِنْيَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّنْمِيَةِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعُرُوضِ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ عَلَى الْمُوَطَّإِ: وَالْأَمْوَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا مَالٌ أَصْلُهُ التِّجَارَةُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَهَذَا عَلَى حُكْمِ التِّجَارَةِ حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَى الْقِنْيَةِ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَيْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ وَالْعَمَلُ الْمُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ الصِّيَاغَةُ.
وَثَانِيهِمَا مَالٌ أَصْلُهُ الْقِنْيَةُ كَالْعُرُوضِ وَالثِّيَابِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَالْأَطْعِمَةِ فَهَذَا عَلَى حُكْمِ الْقِنْيَةِ حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَى التِّجَارَةِ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَيْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ الْمُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ الِابْتِيَاعُ اهـ بِتَصَرُّفٍ، ثُمَّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَالِابْتِيَاعُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا التَّقْلِيبُ عَلَى وَجْهِ الِادِّخَارِ وَانْتِظَارِ الْأَسْوَاقِ فَهَذَا لَا زَكَاةَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِيهِ، وَإِنْ أَقَامَ أَعْوَامًا حَتَّى يَبِيعَ فَيُزَكِّيَ لِعَامٍ وَاحِدٍ.
الثَّانِي التَّقْلِيبُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارِ سُوقٍ كَفِعْلِ أَرْبَابِ الْحَوَانِيتِ الْمُدِيرِينَ فَهَذَا فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَوِّمَ الْعَرَضَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ كَانَ زَكَّى الْمَالَ قَبْلَ أَنْ يُدِيرَهُ، أَوْ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهُ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ التَّقْوِيمُ قِيمَةَ عَدْلٍ بِمَا تُسَاوِي الْعَرَضَ حِينَ تَقْوِيمِهَا.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْبَيْعِ الْمَعْرُوفِ دُونَ بَيْعِ الضَّرُورَةِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ مَعَ مَا يَحْسُبُهُ مِنْ عَيْنِهِ وَنَقْدِهِ حَيْثُ كَانَ بَيْعُهُ فِي أَكْثَرِ مِنْ عَامِهِ بِالْعَيْنِ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَيُزَكِّيَهُ بِأَنْ يُخْرِجَ فِي الْعِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفَ دِينَارٍ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْجَمِيعُ عِشْرِينَ دِينَارًا بِأَنْ نَقَصَ وَلَوْ قَلَّ مِنْ ثُلُثِ دِينَارٍ فَلَا زَكَاةَ اهـ. وَفِي عبق مَعَ الْمَتْنِ مَا خُلَاصَتُهُ: وَإِنَّمَا يُزَكِّي عِوَضَ عَرَضٍ أَيْ قِيمَتَهُ فِي الْمُدِيرِ حَيْثُ قُوِّمَ وَثَمَنُهُ حَيْثُ بَاعَ كَالْمُحْتَكِرِ بِسِتَّةِ شُرُوطٍ أَشَارَ.
لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ فَخَرَجَ مَا فِي عَيْنِهِ زَكَاةٌ كَمَاشِيَةٍ وَحَرْثٍ وَحُلِيٍّ.
وَلِثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: مُلِّكَ بِمُعَاوَضَةٍ عَلَيْهِ مَالِيَّةٍ فَخَرَجَ نَحْوُ الْمَوْهُوبِ وَنَحْوُ الْمَمْلُوكِ بِخُلْعٍ.
وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِهِ: وَكَانَ مَصْحُوبًا بِنِيَّةِ تَجْرٍ مُنْفَرِدَةٍ، أَوْ مَعَ نِيَّةِ غَلَّةٍ كَنِيَّةِ كِرَائِهِ عِنْدَ شِرَائِهِ، وَإِنْ وَجَدَ رِبْحًا بَاعَ، أَوْ مَعَ نِيَّةِ قِنْيَةٍ كَنِيَّةِ انْتِفَاعٍ بِوَطْءٍ، أَوْ خِدْمَةٍ عِنْدَ نِيَّةِ بَيْعِهِ إنْ وَجَدَ رِبْحًا وَأَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ لِأَنَّ انْضِمَامَهُمَا لِنِيَّةِ التَّجْرِ كَانْضِمَامِ أَحَدِهِمَا لَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالْمُرَجَّحُ بِلَا نِيَّةٍ فَلَا زَكَاةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَرَضِ الْقِنْيَةُ، أَوْ مَعَ نِيَّةِ قِنْيَةٍ فَقَطْ فَلَا زَكَاةَ اتِّفَاقًا، أَوْ نِيَّةِ غَلَّةٍ فَقَطْ كَشِرَائِهِ بِنِيَّةِ كِرَائِهِ فَلَا زَكَاةَ كَمَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ خِلَافًا لِاخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ الزَّكَاةَ فِيهِ - قَائِلًا - لَا فَرْقَ بَيْنَ الْتِمَاسِ الرِّبْحِ مِنْ رِقَابٍ، أَوْ مَنَافِعَ، أَوْ نِيَّتِهِمَا - أَيْ الْقِنْيَةِ وَالْغَلَّةِ - فَلَا زَكَاةَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ مِنْ الْمُغْتَلِّ أَمَّا عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهَا فِي الْمُغْتَلِّ فَيَجْتَمِعُ هَهُنَا مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ فَقَدْ يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُرَاعَى الْخِلَافُ.
وَلِرَابِعِهَا بِقَوْلِهِ: وَكَانَ أَصْلُهُ عَيْنًا، وَإِنْ قَلَّ، أَوْ كَهُوَ أَيْ كَأَصْلِهِ عَرَضًا مُلِّكَ بِمُعَاوَضَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ عَرَضَ تِجَارَةٍ أَوْ قِنْيَةٍ فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ عَرَضُ تَجْرٍ فَبَاعَهُ بِعَرَضٍ
стр. 422
لِخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ كَيْفَ كَانَ لَكِنْ يُرَجَّحُ هَذَا بِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ يَكُونُ تَامًّا وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ لِغَيْرِ هَذَا الْغَرَضِ كَمَا تَقَدَّمَ فَالْبَابَانِ مُخْتَلِفَانِ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرُوضِ تُحْمَلُ عَلَى الْقِنْيَةِ حَتَّى يَنْوِيَ التِّجَارَةَ وَقَاعِدَةِ مَا كَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ)
هَاتَانِ قَاعِدَتَانِ فِي الْمَذْهَبِ مُخْتَلِفَتَانِ يَنْبَغِي بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَالسِّرِّ فِيهِمَا فَوَقَعَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا ابْتَاعَ عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ فَكَاتَبَهُ فَعَجَزَ، أَوْ ارْتَجَعَ مِنْ مُفْلِسٍ سِلْعَةً، أَوْ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ عَبْدًا فِي دَيْنِهِ، أَوْ دَارًا فَأَجَّرَهَا سِنِينَ رَجَعَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِحُكْمِ أَصْلِهِ مِنْ التِّجَارَةِ فَإِنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ، وَالْعَبْدُ الْمَأْخُوذُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ أَصْلِهِ قَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَوْ ابْتَاعَ الدَّارَ بِقَصْدِ الْغَلَّةِ فَفِي اسْتِئْنَافِ الْحَوْلِ بَعْدَ الْبَيْعِ لِمَالِكٍ رِوَايَتَانِ وَلَوْ ابْتَاعَهَا لِلتِّجَارَةِ وَالسُّكْنَى فَلِمَالِكٍ أَيْضًا قَوْلَانِ مُرَاعَاةً لِقَصْدِ التَّنْمِيَةِ بِالْغَلَّةِ وَالتِّجَارَةِ، أَوْ التَّغْلِيبِ لِلنِّيَّةِ فِي الْقِنْيَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّنْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعُرُوضِ فَإِنْ اشْتَرَى وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهِيَ لِلْقِنْيَةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَقَعُ بِبَيَانِ قَاعِدَةٍ ثَالِثَةٍ شَرْعِيَّةٍ عَامَّةٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَغَيْرِهِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ ظَاهِرٌ فَهُوَ يَنْصَرِفُ إلَى ظَاهِرِهِ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الْمُعَارِضِ أَوْ الرَّاجِحِ لِذَلِكَ الظَّاهِرِ وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِهِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ شَرْعِيٍّ وَلِذَلِكَ انْصَرَفَتْ الْعُقُودُ الْمُطْلَقَةُ إلَى النُّقُودِ الْغَالِبَةِ فِي زَمَانِ ذَلِكَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيهَا، وَإِذَا وَكَّلَ إنْسَانٌ إنْسَانًا فَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ بِالْمُوَكِّلِ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ يَنْصَرِفُ لِلْمُتَصَرِّفِ الْوَكِيلِ دُونَ مُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ أَنَّهَا لِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ تَصَرُّفَاتُ الْمُسْلِمِينَ إذَا أُطْلِقَتْ وَلَمْ تُقَيَّدْ بِمَا يَقْتَضِي حِلَّهَا وَلَا تَحْرِيمَهَا فَإِنَّهَا تَنْصَرِفُ لِلتَّصَرُّفَاتِ الْمُبَاحَةِ دُونَ الْمُحَرَّمَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، ثُمَّ بَاعَهُ فَإِنَّهُ يُزَكِّي ثَمَنَهُ لِحَوْلِ أَصْلِهِ اتِّفَاقًا، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَرَضُ قِنْيَةٍ مُلِّكَ بِمُعَاوَضَةٍ فَبَاعَهُ بِعَرَضٍ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ ثُمَّ بَاعَهُ فَإِنَّهُ يُزَكِّي ثَمَنَهُ لِحَوْلِ أَصْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِإِعْطَاءِ الثَّمَنَ حُكْمَ أَصْلِهِ الثَّانِي لَا أَصْلِهِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَرَضُ قِنْيَةٍ مُفَادٌ فَبَاعَهُ بِعَرَضٍ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، ثُمَّ بَاعَهُ فَفِي ذَلِكَ طَرِيقَتَانِ الْأُولَى طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ فِي زَكَاتِهِ وَعَدَمِهَا قَوْلَانِ، وَالثَّانِيَةُ طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَارِثِ إنْ كَانَ أَصْلُ عَرَضِ الْقِنْيَةِ مِنْ شِرَاءٍ فَالْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ أَحَدِ قَوْلَيْ أَشْهَبَ، وَقَوْلُهُ الْآخَرُ: وَإِنْ كَانَ بِإِرْثٍ فَقِنْيَةٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْحَطَّابِ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَلِخَامِسِهَا بِقَوْلِهِ: وَبِيعَ بِعَيْنٍ لَكِنْ لَا بُدَّ فِي الْمُحْتَكِرِ أَنْ يَكُونَ مَا بَاعَ بِهِ مِنْ الْعَيْنِ نِصَابًا وَلَوْ فِي مَرَّاتٍ وَبَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ يُزَكِّي مَا بِيعَ بِهِ وَلَوْ قَلَّ وَالْمُدِيرُ لَا يُقَوَّمُ إلَّا إنْ نَضَّ لَهُ شَيْءٌ مَا وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، وَيُخْرِجُ عَمَّا قَوَّمَهُ مِنْ الْعَرَضِ ثَمَنًا عَلَى الْمَشْهُورِ لَا عَرَضًا بِقِيمَتِهِ، سَوَاءٌ نَضَّ لَهُ أَوَّلَ الْحَوْلِ، أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ بَقِيَ مَا نَضَّ، أَوْ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يَنِضَّ لَهُ شَيْءٌ آخِرَ الْحَوْلِ لَمْ يُزَكِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمُعَاوَضَةُ اخْتِيَارِيَّةً، أَوْ جَبْرِيَّةً كَأَنْ يَسْتَهْلِكَ شَخْصٌ لِآخَرَ سِلْعَةً فَيَأْخُذَ فِي قِيمَتِهَا عَرَضًا يَنْوِي بِهِ التِّجَارَةَ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ اخْتِيَارِيًّا، أَوْ اضْطِرَارًا كَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرَضَ تِجَارَةٍ وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهُ.
وَلِسَادِسِ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ رَصَدَ بِهِ الْأَسْوَاقَ أَيْ انْتَظَرَ بِهِ رِبْحًا خَاصًّا فَكَالدَّيْنِ أَيْ زَكَاةً وَحَوْلًا وَقَبْضًا وَاقْتِضَاءً وَضَمًّا وَاخْتِلَاطًا وَتَلَفًا وَاتِّفَاقًا وَفِرَارًا وَبَقَاءً اُنْظُرْ الْحَطَّابَ، وَإِلَّا زَكَّى عَنْهُ وَلَوْ حُلِيًّا وَيُزَكِّي وَزْنَهُ تَحْقِيقًا، أَوْ تَحَرِّيًا كَمَا إذَا كَانَ عَرَضَ تِجَارَةٍ مُرَصَّعًا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، وَدَيْنُهُ أَيْ عَدَدُهُ النَّقْدُ الْحَالُّ الْمَرْجُوُّ الْمُعَدُّ لِلنَّمَاءِ، وَإِلَّا يَكُنْ كَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ عَرَضًا أَوْ مُؤَجَّلًا مَرْجُوَّيْنِ قَوَّمَهُ وَلَوْ طَعَامَ سَلَمٍ كَسِلْعَةٍ - أَيْ الْمُدِيرِ - وَلَوْ بِإِرْثٍ لَا إنْ لَمْ يَرْجُهُ، أَوْ كَانَ قَرْضًا اهـ.
الْمُرَادُ بِإِصْلَاحٍ مِنْ بْن وَبِالْجُمْلَةِ فَمَسْأَلَةُ الْعُرُوضِ وَكَذَا مَسْأَلَةُ النَّقْدَيْنِ مِنْ مَسَائِلِ مَا لَهُ ظَاهِرٌ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ قِيَامِ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ لَهُ وَمِنْهَا الْعُقُودُ الْمُطْلَقَةُ تُصْرَفُ إلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ فِيهَا مِنْ الْعُقُودِ الْغَالِبَةِ فِي زَمَانِ ذَلِكَ الْعَقْدِ فَإِذَا وَكَّلَ إنْسَانٌ إنْسَانًا فَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ غَيْرِهِ بِالْوَكِيلِ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ يَنْصَرِفُ لِنَفْسِهِ دُونَ مُوَكِّلِهِ إذْ غَالِبُ تَصَرُّفَاتِهِ أَنْ يَكُونَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ تَصَرُّفَاتُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ تُقَيَّدْ بِمَا يَقْتَضِي حِلَّهَا وَلَا تَحْرِيمَهَا انْصَرَفَتْ لِلتَّصَرُّفَاتِ الْمُبَاحَةِ دُونَ الْمُحَرَّمَةِ لِأَنَّ الْحِلَّ ظَاهِرُ حَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا أُطْلِقَ الْعَقْدُ عَلَى الْعَيْنِ وَلَمْ يُصَرَّحْ فِيهِ بِمَنْفَعَةٍ خَاصَّةٍ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ عُرْفًا مِنْهُ فَمَنْ اسْتَأْجَرَ قَادَ وَمَا انْصَرَفَ إلَى النَّجْرِ دُونَ الْعِزَاقِ وَعَجْنِ الطِّينِ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عِمَامَةً انْصَرَفَ إلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الرُّءُوسِ دُونَ الْأَوْسَاطِ، أَوْ قَمِيصًا انْصَرَفَ إلَى اللُّبْسِ وَكَذَا كُلُّ عَقْدٍ عَلَى أَيِّ آلَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهَا وَلَا يَحْتَاجُ الْمُتَعَاقِدَانِ إلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بَلْ يَكْفِي ظَاهِرُ الْحَالِ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً فَإِنْ كَانَتْ مِنْ دَوَابِّ الْحَمْلِ انْصَرَفَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فِيهَا لِلْحَمْلِ دُونَ الرُّكُوبِ، أَوْ مِنْ دَوَابِّ الرُّكُوبِ انْصَرَفَ لِرُكُوبٍ دُونَ الْحَمْلِ فَيُكْتَفَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِظَاهِرِ حَالِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَمِنْهَا صَرِيحُ بَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ وَيَنْصَرِفُ لِذَلِكَ الْبَابِ بِظَاهِرِهِ وَمِنْ مَسَائِلِ مَا لَيْسَ لِمُحْتَمَلَاتِهِ ظَاهِرٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهَا
стр. 423
حَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلِذَلِكَ تَنْصَرِفُ الْعُقُودُ وَالْأَعْوَاضُ إلَى الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْعَيْنِ عُرْفًا؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُهَا وَلَا يُحْتَاجُ إلَى التَّصْرِيحِ بِهَا كَمَنْ اسْتَأْجَرَ قَدُومًا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى النَّجْرِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ حَالِهِ دُونَ الْعِزَاقِ وَعَجْنِ الطِّينِ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عِمَامَةً فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي الرُّءُوسِ دُونَ الْأَوْسَاطِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ حَالِهَا وَكَذَلِكَ الْقَمِيصُ يَنْصَرِفُ إلَى اللُّبْسِ، وَكُلُّ آلَةٍ تَنْصَرِفُ إلَى ظَاهِرِ حَالِهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُتَعَاقِدَانِ إلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بَلْ يَكْفِي ظَاهِرُ الْحَالِ وَكَذَلِكَ اسْتِئْجَارُ دَوَابِّ الْحَمْلِ يَنْصَرِفُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فِيهَا لِلْحَمْلِ دُونَ الرُّكُوبِ، وَعَكْسُهُ دَوَابُّ الرُّكُوبِ، وَيُكْتَفَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِظَاهِرِ حَالِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَاحْتَاجَتْ الْعِبَادَاتُ لِلنِّيَّاتِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَتَرَدُّدِهَا أَيْضًا بَيْنَ رُتَبِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا كَالْفَرِيضَةِ وَالتَّطَوُّعِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا احْتَاجَتْ الْكِنَايَاتُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَى النِّيَّاتِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ تِلْكَ الْمَقَاصِدِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ صَرِيحِ كُلِّ بَابٍ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ لِذَلِكَ الْبَابِ بِظَاهِرِهِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْ النِّيَّةِ بِظَاهِرِهِ فَخَرَجَتْ قَاعِدَةُ عُرُوضِ الْقِنْيَةِ وَقَاعِدَةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ قَاعِدَةٌ حَسَنَةٌ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُمَّالِ فِي الْقِرَاضِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ رَبِّ الْمَالِ سَقَطَتْ عَنْ الْعَامِلِ وَقَاعِدَةِ الشُّرَكَاءِ لَا يَلْزَمُ أَنَّهُ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ سَقَطَتْ عَنْ الْآخَرِ) بَلْ قَدْ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الزَّكَاةِ فِي حَقِّهِ دُونَ الْآخَرِ لِاخْتِلَالِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِي حَقِّهِ.
وَعُمَّالُ الْقِرَاضِ لَيْسُوا كَذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِمْ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَفِي الْمَذْهَبِ أَيْضًا الْخِلَافُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْفَرْعُ مُخْتَصًّا بِأَصْلٍ وَاحِدٍ أُجْرِيَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِمُرَجِّحٍ شَرْعِيٍّ الْعِبَادَاتُ احْتَاجَتْ لِلنِّيَّاتِ لِتَرَدُّدِهَا إمَّا بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَإِمَّا بَيْنَ رُتَبِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا كَالْفَرِيضَةِ وَالتَّطَوُّعِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْهَا الْكِنَايَاتُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ احْتَاجَتْ إلَى النِّيَّاتِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ تِلْكَ الْمَقَاصِدِ وَغَيْرِهَا فَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ عَامَّةٌ حَسَنَةٌ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُمَّالِ فِي الْقِرَاضِ وَقَاعِدَةِ الشُّرَكَاءِ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُمَّالِ فِي الْقِرَاضِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ رَبِّ الْمَالِ سَقَطَتْ عَنْ الْعَامِلِ وَقَاعِدَةِ الشُّرَكَاءِ لَا يَلْزَمُ أَنَّهُ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ سَقَطَتْ عَنْ الْآخَرِ)
يَنْبَنِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْفَرْعُ مُخْتَصًّا بِأَصْلٍ وَاحِدٍ أُجْرِيَ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَمَتَى دَارَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، أَوْ أُصُولٍ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَغْلِيبِ أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ، أَوْ الْأُصُولِ عَلَى الْآخَرِ فَقَاعِدَةُ الْعُمَّالِ فِي الْقِرَاضِ لَمَّا كَانَتْ دَائِرَةً بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ لِرَبِّ الْمَالِ بِأَعْمَالِهِمْ، وَأَرْبَابُ الْأَمْوَالِ شُرَكَاءَ بِأَمْوَالِهِمْ وَيُعَضِّدُهُ أُمُورٌ مِنْهَا تَسَاوِي الْفَرِيقَيْنِ فِي زِيَادَةِ الرِّبْحِ وَنُقْصَانِهِ كَمَا هُوَ حَالُ الشُّرَكَاءِ وَمِنْهَا أَنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِلُ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الشَّرِيكِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونُوا أُجَرَاءَ وَيُعَضِّدُهُ أُمُورٌ مِنْهَا اخْتِصَاصُ رَبِّ الْمَالِ بِضَيَاعِ الْمَالِ وَغَرَامَتِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْعَامِلِ مِنْهُ شَيْءٌ وَمِنْهَا أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مُعَاوَضَةٌ عَلَى عَمَلِهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأُجَرَاءِ وَكَانَ مِنْ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ أَنْ تُمْلَكَ بِالظُّهُورِ وَمِنْ مُقْتَضَى الْإِجَارَةِ أَنْ لَا تُمْلَكَ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَالْقَبْضِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَذْهَبِ، وَخَارِجَهُ فِي تَغْلِيبِ الشَّرِكَةِ فَتَكْمُلُ الشُّرُوطُ لِلزَّكَاةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ تَغْلِيبِ الْإِجَارَةِ فَيُجْعَلُ الْمَالُ وَرِبْحُهُ لِرَبِّهِ.
فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَامِلُ أَصْلًا وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَعُبَ عَلَيْهِ إطْرَاحُ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ فَرَأَى أَنَّ الْعَمَلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَاعْتُبِرَ وَجْهًا مِنْ الْإِجَارَةِ وَوَجْهًا مِنْ الشَّرِكَةِ فَوَقَعَ التَّفْرِيعُ هَكَذَا مَتَى كَانَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِمَا مُخَاطَبٌ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مُنْفَرِدًا فِيمَا يَنُوبُهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا وَمَتَى لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِمَا مُخَاطَبًا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمَا عَبْدَيْنِ، أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ لِقُصُورِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ عَنْ النِّصَابُ وَلَيْسَ لِرَبِّهِ غَيْرُهُ سَقَطَتْ عَنْهُمَا وَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا مُخَاطَبًا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَحْدَهُ دُونَ الْآخَرِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا إمَّا الْعَامِلِ، أَوْ رَبِّ الْمَالِ سَقَطَتْ عَنْ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ أَمَّا إنْ سَقَطَتْ عَنْهُ فَتَغْلِيبًا لِحَالِ نَفْسِهِ وَتَغْلِيبًا لِحَالِ الشَّرِكَةِ وَشَائِبَتِهَا.
وَأَمَّا إنْ سَقَطَتْ عَنْ رَبِّ الْمَالِ فَتَسْقُطُ أَيْضًا عَنْ الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ تَغْلِيبًا لِشَائِبَةِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَبَضَ أُجْرَتَهُ اسْتَأْنَفَ بِهَا الْحَوْلَ فَكَذَلِكَ هَذَا الْعَامِلُ، وَرَأَى أَشْهَبُ ﵀ اعْتِبَارَ رَبِّ الْمَالِ فَتَجِبُ فِي حِصَّةِ الرِّبْحِ تَبَعًا لِوُجُوبِهَا فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهُ يُزَكِّي مِلْكَهُ، وَأَنَّ رِبْحَ الْمَالِ مَضْمُومٌ إلَى أَصْلِهِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ ﵀ فِيمَنْ اتَّجَرَ بِدِينَارٍ فَصَارَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ نِصَابًا فَإِنَّهُ يُزَكِّي، وَيُقَدِّرُ الرِّبْحَ كَامِنًا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ إلَى آخِرِهِ وَفِيمَا إذَا كَمَلَ بِأَوْلَادِ الْمَوَاشِي نِصَابُهَا فَمَتَى خُوطِبَ رَبُّ الْمَالِ وَجَبَتْ عَلَى
стр. 424
عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَمَتَى دَارَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، أَوْ أُصُولٍ يَقَعُ الْخِلَافُ فِيهِ لِتَغْلِيبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بَعْضَ تِلْكَ الْأُصُولِ وَتَغْلِيبِ الْبَعْضِ الْآخَرِ أَصْلًا آخَرَ فَيَقَعُ الْخِلَافُ لِذَلِكَ وَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا قُتِلَتْ هَلْ تَجِبُ فِيهَا قِيمَةُ أَمْ لَا لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْأَرِقَّاءِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُوطَأُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَبَيْنَ الْأَحْرَارِ لِتَحْرِيمِ بَيْعِهَا، وَإِحْرَازِهَا لِنَفْسِهَا وَمَالِهَا، وَتَرَدُّدِ إثْبَاتِ هِلَالِ رَمَضَانَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَكَذَلِكَ التَّرْجُمَانُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالنَّائِبِ وَالْمُقَوِّمِ وَغَيْرِهِمْ جَرَى الْخِلَافُ فِيهِمْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِمْ الْعَدَدُ تَغْلِيبًا لِلشَّهَادَةِ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ تَغْلِيبًا لِلرِّوَايَةِ وَكَتَرَدُّدِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ مِنْ الْأَبْوَابِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ كَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ هَلْ تُرَدُّ إلَى أَصْلِهَا فَيَجِبَ قِرَاضُ الْمِثْلِ، أَوْ إلَى أَصْلِ أَصْلِهَا فَيَجِبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ لِتَرَدُّدِ هَذِهِ الْفَاسِدَةِ بَيْنَ أَصْلِهَا وَأَصْلِ أَصْلِهَا فَإِنَّ أَصْلَ أَصْلِهَا أَصْلُهَا أَيْضًا فَلِذَلِكَ كُلُّ مَا تَوَسَّطَ غَرَرُهُ أَوْ الْجَهَالَةُ فِيهِ مِنْ الْعُقُودِ تَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ الْغَرَرِ الْأَعْلَى فَيَبْطُلُ، أَوْ الْغَرَرِ الْأَدْنَى الْمُجْمَعِ عَلَى جَوَازِهِ وَاغْتِفَارِهِ فِي الْعُقُودِ فَيَجُوزُ وَالْمُتَوَسِّطُ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَمَنْ قَرَّبَهُ مِنْ هَذَا مَنَعَ.
أَوْ مِنْ الْآخَرِ أَجَازَ وَكَذَلِكَ الْمَشَاقُّ الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الْعِبَادَاتِ دَائِرٌ بَيْنَ أَدْنَى الْمَشَاقِّ فَلَا تُوجِبُ تَرَخُّصًا وَبَيْنَ أَعْلَاهَا فَتُوجِبُ التَّرَخُّصَ فَتَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْثِيرِهَا فِي الْإِسْقَاطِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ التُّهَمُ فِي رَدِّ الشَّهَادَاتِ إذَا تَوَسَّطَتْ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُوجَبُ الرَّدِّ كَشَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الشَّهَادَةِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْآخَرِ مِنْ قَبِيلَتِهِ فَيَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ؛ أَيُّ التَّغْلِيبَيْنِ يُعْتَبَرُ وَذَلِكَ كَشَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ تُقْبَلُ، أَوْ تُرَدُّ وَكَذَلِكَ الثُّلُثُ يَتَرَدَّدُ فِي مَسَائِلَ بَيْنَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَيَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي إلْحَاقِهِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ الْمُتَرَدِّدَاتِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ فَأَكْثَرَ وَالْعُمَّالُ فِي الْقِرَاضِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْعَامِلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا تَغْلِيبًا لِهَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ ضَمُّ الرِّبْحِ إلَى الْأَصْلِ فِي الزَّكَاةِ وَوَقَعَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُعْتَبَرُ حَالُ الْعَامِلِ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ أَهْلًا بِالنِّصَابِ وَغَيْرِهِ زَكَّى، وَإِلَّا فَلَا تَغْلِيبًا لِشَائِبَةِ الشَّرِكَةِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَمُحَصَّلُهُ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَامِلَ يُزَكِّي حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنْ قَصَرَتْ عَنْ النِّصَابِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَجِيرٌ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا قَلَّ وَقَصُرَ عَنْ النِّصَابِ وَخِلَافًا لِقَوْلِ أَشْهَبَ إنَّ زَكَاتَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَا عَلَى الْعَامِلِ قَالَ الْحَطَّابُ: الْعَامِلُ يُزَكِّي رِبْحَهُ وَلَوْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ زَكَاتَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ اهـ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ شُرُوطَ زَكَاةِ الْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ سَنَةً فَفِي الْمَوَّاقِ ابْنِ يُونُسَ: إنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْعَامِلِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِاجْتِمَاعِ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ بِلَا دَيْنٍ عَلَيْهِمَا وَأَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ وَحِصَّةُ رَبِّهِ مِنْ الرِّبْحِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ وَأَنْ يَعْمَلَ الْعَامِلُ بِالْمَالِ حَوْلًا فَمَتَى سَقَطَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُزَكِّ الْعَامِلُ اهـ.
قَالَ عبق: وَبَقِيَ لِزَكَاةِ الْعَامِلِ رِبْحَهُ شَرْطٌ سَادِسٌ وَهُوَ أَنْ يَنِضَّ وَيَقْبِضَهُ قَالَ: وَاشْتِرَاطُ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فِي رَبِّ الْمَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ، وَفِي الْعَامِلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ كَاشْتِرَاطِ الْخَامِسِ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الرَّابِعِ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَجِيرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ نَقَصَ مَنَابُ رَبِّ الْمَالِ عَنْ النِّصَابِ لَمْ يُزَكِّ الْعَامِلُ، وَإِنْ نَابَهُ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ بَلْ يَسْتَقْبِلُ حَوْلًا كَالْفَائِدَةِ وَأُجْرَةِ الْأَجِيرِ فَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَدَفَعَهُ لِلْعَامِلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِرَبِّهِ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ وَرَبِحَ الْمَالُ مِائَةً فَإِنَّ رَبَّهُ لَا يُزَكِّي وَكَذَا الْعَامِلُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يَضُمُّ الْعَامِلُ مَا رَبِحَ إلَى مَالٍ لَهُ آخَرَ فَيُزَكِّي بِخِلَافِ رَبِّ الْمَالِ اهـ أَيْ فَيَضُمُّ فَإِذَا كَانَتْ حِصَّةُ رَبِّهِ بِرِبْحِهِ دُونَ نِصَابٍ وَعِنْدَهُ مَا لَوْ ضَمَّهُ لَهُ لَصَارَ نِصَابًا وَقَدْ حَالَ حَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُزَكِّي وَيُزَكِّي الْعَامِلُ رِبْحَهُ، وَإِنْ قَلَّ فِي هَذِهِ أَيْضًا فَفِي مَفْهُومِ الشَّرْطِ الرَّابِعِ تَفْصِيلٌ اهـ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ قَالَ عبق: وَمُفَادُ نَصِّ الْمَوَّاقِ أَنَّ الْعَامِلَ يُزَكِّي رِبْحَهُ مُطْلَقًا لِعَامٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ وَلَوْ مُدِيرًا أَقَامَ بِيَدِهِ أَعْوَامًا وَهُوَ مُدِيرٌ، وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ زَكَاةُ حِصَّتِهِ كُلَّ عَامٍ إذَا كَانَ هُوَ وَرَبُّ الْمَالِ مُدِيرَيْنِ لَكِنْ إنَّمَا يُزَكِّيهَا لِكُلِّ عَامٍ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ اهـ قَالَ الْبُنَانِيُّ وَمَا لِابْنِ عَرَفَةَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ رُشْدٍ اهـ وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونٌ.
الْأَمْرُ الرَّابِعُ: قَالَ الْمَوَّاقُ ابْنُ يُونُسَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا اسْتِحْسَانٌ رَآهُ - أَيْ الْعَامِلَ - مَرَّةً أَنَّ لَهُ حُكْمَ الشَّرِيكِ فِي وُجُوهٍ يَضْمَنُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ عَتَقَ وَرَآهُ مَرَّةً أَنَّهُ لَيْسَ كَالشَّرِيكِ إذْ لَيْسَ فِي أَصْلِ الْمَالِ شِرْكٌ، وَإِنْ رَبِحَ الْمَالُ مِنْهُ وَحَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ فَلَمَّا تَرَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ تَوَسَّطَ أَمْرُهُ اهـ.
فَمِنْ هُنَا بَحَثَ النَّاصِرُ فِي قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَشْهُورُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ أَجِيرٌ وَمُقَابِلُهُ عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ اهـ بِأَنَّ كَوْنَهُ أَجِيرًا يَقْتَضِي اسْتِقْبَالَهُ لَا زَكَاتَهُ، وَكَوْنَهُ شَرِيكًا يَقْتَضِي سُقُوطَ الزَّكَاةِ أَصْلًا عَنْهُ وَعَنْ رَبِّ الْمَالِ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ إذْ لَا زَكَاةَ عَلَى شَرِيكٍ حَتَّى تَبْلُغَ حِصَّتُهُ نِصَابًا اهـ.
نَعَمْ قَالَ الْبُنَانِيُّ: الَّذِي عَنَاهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ فِي رِبْحِ الْعَامِلِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قِلَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ، وَوُجُوبَهَا فِي الْقَابِلِ - أَيْ بَعْدَ اسْتِقْبَالِ عَامٍ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا عَلَى الْعَامِلِ مَبْنِيٌّ عَلَى
стр. 425
دَائِرُونَ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَيَكُونَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ شُرَكَاءَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ تَسَاوِي الْفَرِيقَيْنِ فِي زِيَادَةِ الرِّبْحِ وَنُقْصَانِهِ وَهَذَا هُوَ حَالُ الشُّرَكَاءِ وَيُعَضِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِلُ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ وَهَذَا هُوَ شَأْنُ الشَّرِيكِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونُوا أُجَرَاءَ، وَيُعَضِّدُهُ اخْتِصَاصُ رَبِّ الْمَالِ بِضَيَاعِ الْمَالِ وَغَرَامَتِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْعَامِلِ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مُعَاوَضَةٌ عَلَى عَمَلِهِ وَهَذَا هُوَ شَأْنُ الْأُجَرَاءِ وَمُقْتَضَى الشَّرِكَةِ أَنْ تُمْلَكَ بِالظُّهُورِ وَمُقْتَضَى الْإِجَارَةِ أَنْ لَا تُمْلَكَ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَالْقَبْضِ فَاجْتِمَاعُ هَذِهِ الشَّوَائِبِ سَبَبُ الْخِلَافِ فَمَنْ غَلَّبَ الشَّرِكَةَ كَمَّلَ الشُّرُوطَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَنْ غَلَّبَ الْإِجَارَةَ جَعَلَ الْمَالَ وَرِبْحَهُ لِرَبِّهِ فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَامِلُ أَصْلًا وَابْنُ الْقَاسِمِ ﵀ صَعُبَ عَلَيْهِ إطْرَاحُ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ فَرَأَى أَنَّ الْعَمَلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى.
وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَاعْتَبَرَ وَجْهًا مِنْ الْإِجَارَةِ وَوَجْهًا مِنْ الشَّرِكَةِ فَوَقَعَ التَّفْرِيعُ هَكَذَا مَتَى كَانَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِمَا مُخَاطَبٌ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مُنْفَرِدًا فِيمَا يَنُوبُهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا مُخَاطَبٌ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمَا عَبْدَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ لِقُصُورِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ عَنْ النِّصَابِ وَلَيْسَ لِرَبِّهِ غَيْرُهُ سَقَطَتْ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخَاطَبًا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَحْدَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَتَى سَقَطَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا إمَّا الْعَامِلِ، أَوْ رَبِّ الْمَالِ سَقَطَتْ عَنْ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ أَمَّا إنْ سَقَطْت عَنْهُ فَتَغْلِيبًا لِحَالِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَتَغْلِيبًا لِحَالِ الشَّرِكَةِ وَشَائِبَتِهَا.
وَأَمَّا إنْ سَقَطَتْ عَنْ رَبِّ الْمَالِ فَتَسْقُطُ أَيْضًا عَنْ الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ تَغْلِيبًا لِشَائِبَةِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَبَضَ أُجْرَتَهُ اسْتَأْنَفَ بِهَا الْحَوْلَ فَكَذَلِكَ هَذَا الْعَامِلُ وَرَأَى أَشْهَبُ ﵀ اعْتِبَارَ رَبِّ الْمَالِ فَتَجِبُ فِي حِصَّةِ الرِّبْحِ تَبَعًا لِوُجُوبِهَا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُزَكِّي مِلْكَهُ، وَأَنَّ رِبْحَ الْمَالِ مَضْمُومٌ إلَى أَصْلِهِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ ﵀ فِيمَنْ اتَّجَرَ بِدِينَارٍ فَصَارَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ نِصَابًا فَإِنَّهُ يُزَكِّي وَيُقَدِّرُ الرِّبْحَ كَامِنًا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ إلَى آخِرِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنَّهُ أَجِيرٌ فَلَا بَحْثَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ كَمَا عُلِمَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ، وَبَعْضَ شُرُوطِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ أَجِيرٌ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا عَلَى الْعَامِلِ تَأَمَّلْ اهـ.
وَقَاعِدَةُ الشَّرِيكِ لَمَّا اُخْتُصَّتْ بِأَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ كَوْنُهُ شَرِيكًا لَيْسَ إلَّا، اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إجْرَائِهِ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ وَأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الزَّكَاةِ فِي حَقِّهِ دُونَ الْآخَرِ لِاخْتِلَالِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِي حَقِّهِ، هَذَا وَلِقَاعِدَةِ الْعَامِلِ فِي التَّرَدُّدِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْهَا أُمُّ الْوَلَدِ إذَا قُتِلَتْ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا هَلْ تَجِبُ فِيهَا قِيمَةٌ أَمْ لَا لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْأَرِقَّاءِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُوطَأُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَبَيْنَ الْأَحْرَارِ لِتَحْرِيمِ بَيْعِهَا، وَإِحْرَازِهَا لِنَفْسِهَا وَمَالِهَا، وَمِنْهَا الْمُخْبِرُ عَنْ رُؤْيَةِ هِلَالِ نَحْوِ رَمَضَانَ، وَالتَّرْجُمَانُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالنَّائِبِ وَالْمُقَوِّمِ وَغَيْرِهِمْ لَمَّا تَرَدَّدُوا بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِمْ الْعَدَدُ تَغْلِيبًا لِلشَّهَادَةِ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ تَغْلِيبًا لِلرِّوَايَةِ وَمِنْهَا الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ مِنْ الْأَبْوَابِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ كَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ لَمَّا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ أَصْلِهَا وَأَصْلِ أَصْلِهَا فَإِنَّ أَصْلَ أَصْلِهَا أَصْلُهَا أَيْضًا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهَا هَلْ تُرَدُّ إلَى أَصْلِهَا فَيَجِبَ قِرَاضُ الْمِثْلِ، أَوْ إلَى أَصْلِ أَصْلِهَا فَيَجِبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؟
وَمِنْهَا كُلُّ مَا تَوَسَّطَ غَرَرُهُ أَوْ الْجَهَالَةُ فِيهِ مِنْ الْعُقُودِ لَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْغَرَرِ الْأَعْلَى الْمُجْمَعِ عَلَى بُطْلَانِهِ وَالْأَدْنَى الْمُجْمَعِ عَلَى جَوَازِهِ وَاغْتِفَارِهِ فِي الْعُقُودِ لِأَنَّهُ بِتَوَسُّطِهِ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَمَنْ قَرَّبَهُ مِنْ الْأَعْلَى مَنَعَ وَمِنْ قَرَّبَهُ مِنْ الْأَدْنَى أَجَازَ وَمِنْهَا الْمَشَاقُّ الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الْعِبَادَاتِ لَمَّا دَارَتْ بَيْنَ أَدْنَى الْمَشَاقِّ فَلَا تُوجِبُ تَرَخُّصًا وَبَيْنَ أَعْلَاهَا فَتُوجِبُ التَّرَخُّصَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْثِيرِهَا فِي الْإِسْقَاطِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَمِنْهَا نَحْوُ شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ مِنْ التُّهَمِ الْمُتَوَسِّطَةِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلرَّدِّ كَشَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الشَّهَادَةِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ لِآخَرَ مِنْ قَبِيلَتِهِ لَمَّا أَخَذَ شَبَهًا مِنْهُمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّ التَّغْلِيبَيْنِ يُعْتَبَرُ فَتُقْبَلُ أَوْ تُرَدُّ وَمِنْهَا الثُّلُثُ لَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فِي مَسَائِلَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إلْحَاقِهِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْبَاحِ تُضَمُّ إلَى أُصُولِهَا فِي الزَّكَاةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْفَوَائِدِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا أَصْلٌ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْبَاحِ تُضَمُّ إلَى أُصُولِهَا فِي الزَّكَاةِ فَيَكُونُ حَوْلُ الْأَصْلِ حَوْلَ الرِّبْحِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرِّبْحِ حَوْلٌ يَخُصُّهُ كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا أَمْ لَا عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ ﵄ إذَا كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا، وَإِلَّا فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَابُ وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ ﵁ مُطْلَقًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْفَوَائِدِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا أَصْلٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ كَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَصَدَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ بَعْدَ حَوْزِهِ وَقَبْضِهِ) .
لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّبْحِ وَالْفَائِدَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَلَى مُقَابِلِ مَشْهُورِ مَالِكٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵄، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَشْهُورِ مَالِكٍ وَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ ﵃ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ التَّقَادِيرِ وَهِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ، وَإِعْطَاءُ
следующие страницы →