Полный текст (1 059 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
مَثُوبَةُ هَذَا الْفَرْضِ أَنْ لَوْ فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمِلَّةِ وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي جَمِيعِ رُتَبِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، وَإِنْ عَلَتْ فَظَهَرَ أَنَّ التَّشْبِيهَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ.
وَعَنْ السَّابِعِ أَنَّ السِّتَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ تَقَدَّمَتْ حِكْمَتُهَا وَهِيَ كَوْنُهَا شَهْرَيْنِ فَتَكْمُلُ السَّنَةُ بِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَحْصُلُ بِمَا فَوْقَهَا مِنْ الْعَدَدِ وَلَا بِمَا دُونَهَا مِنْ الْعَدَدِ.
وَأَمَّا السِّتَّةُ فِي الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْأَعْدَادُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ عَدَدٌ تَامٌّ وَعَدَدٌ زَائِدٌ وَعَدَدٌ نَاقِصٌ فَالْعَدَدُ التَّامُّ هُوَ الَّذِي إذَا جُمِعَتْ أَجْزَاؤُهُ انْقَامَ مِنْهَا ذَلِكَ الْعَدَدُ كَالسِّتَّةِ فَإِنَّ أَجْزَاءَهَا النِّصْفُ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَالثُّلُثُ اثْنَانِ وَالسُّدُسُ وَاحِدٌ فَلَا جُزْءَ لَهَا غَيْرُ هَذِهِ وَمَجْمُوعُهَا سِتٌّ وَهُوَ أَصْلُ الْعَدَدِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، وَالْأَرْبَعَةُ لَهَا نِصْفٌ وَرُبُعٌ خَاصَّةً وَمَجْمُوعُهَا ثَلَاثَةٌ فَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الْعَدَدُ فَالْأَرْبَعَةُ عَدَدٌ نَاقِصٌ وَالْعَشَرَةُ لَهَا نِصْفٌ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَخُمُسٌ وَهُوَ اثْنَانِ وَعُشْرٌ وَهُوَ وَاحِدٌ، وَمَجْمُوعُهَا ثَمَانِيَةٌ فَهُوَ عَدَدٌ نَاقِصٌ وَالِاثْنَا عَشَرَ لَهَا نِصْفٌ وَهُوَ سِتَّةٌ وَثُلُثٌ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَسُدُسٌ وَهُوَ اثْنَانِ وَنِصْفُ سُدُسٍ وَهُوَ وَاحِدٌ وَمَجْمُوعُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَهُوَ عَدَدٌ زَائِدٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْأَجْزَاءِ أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ كَسْرٍ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَالْعَدَدُ النَّاقِصُ عِنْدَهُمْ كَآدَمِيٍّ خُلِقَ بِغَيْرِ يَدٍ، أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ فَهُوَ مَعِيبٌ، وَالْعَدَدُ الزَّائِدُ أَيْضًا مَعِيبٌ؛ لِأَنَّهُ كَإِنْسَانٍ خُلِقَ بِإِصْبَعٍ زَائِدَةٍ، وَالْعَدَدُ التَّامُّ كَإِنْسَانٍ خُلِقَ خَلْقًا سَوِيًّا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ وَهُوَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ الْأَعْدَادِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ السَّوِيَّ أَفْضَلُ الْآدَمِيِّينَ خَلْقًا، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ السِّتَّةَ عَدَدٌ تَامٌّ مَحْمُودٌ فَهُوَ أَوَّلُ الْأَعْدَادِ التَّامَّةِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ لِتَمَامِهِ وَلِأَنَّهُ أَوَّلُهَا وَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] وَكَانَ الْمَقْصُودُ تَنْبِيهَ الْعِبَادِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّعْجِيلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَنَاةٌ فَمَا دَخَلَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إلَّا زَانَهُ وَلَا فُقِدَ مِنْ شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ «قَالَ ﵊ لِأَشَجِّ عَبْد الْقِيس إنَّ فِيكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَوْ دَارًا فَأَجَرَهَا سِنِينَ رَجَعَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِحُكْمِ أَصْلِهِ مِنْ التِّجَارَةِ فَإِنَّ مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ فَالْعَبْدُ الْمَأْخُوذُ وَنَحْوُهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ أَصْلِهِ قَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَوْ ابْتَاعَ الدَّارَ بِقَصْدِ الْغَلَّةِ فَفِي اسْتِئْنَافِ الْحَوْلِ بَعْدَ الْبَيْعِ رِوَايَتَانِ لِمَالِكٍ وَلَوْ ابْتَاعَهَا لِلتِّجَارَةِ وَالسُّكْنَى فَلِمَالِكٍ أَيْضًا قَوْلَانِ أَيْ بِالِاسْتِئْنَافِ لِلْحَوْلِ بَعْدَ الْبَيْعِ مُرَاعَاةً لِقَصْدِ التَّنْمِيَةِ بِالْغَلَّةِ وَالتِّجَارَةِ، وَعَدَمِ الِاسْتِئْنَافِ لَهُ بَعْدَهُ تَغْلِيبًا لِلنِّيَّةِ فِي الْقِنْيَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّنْمِيَةِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعُرُوضِ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ عَلَى الْمُوَطَّإِ: وَالْأَمْوَالُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا مَالٌ أَصْلُهُ التِّجَارَةُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَهَذَا عَلَى حُكْمِ التِّجَارَةِ حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَى الْقِنْيَةِ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَيْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ وَالْعَمَلُ الْمُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ الصِّيَاغَةُ.
وَثَانِيهِمَا مَالٌ أَصْلُهُ الْقِنْيَةُ كَالْعُرُوضِ وَالثِّيَابِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَالْأَطْعِمَةِ فَهَذَا عَلَى حُكْمِ الْقِنْيَةِ حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَى التِّجَارَةِ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَيْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ الْمُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ الِابْتِيَاعُ اهـ بِتَصَرُّفٍ، ثُمَّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَالِابْتِيَاعُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا التَّقْلِيبُ عَلَى وَجْهِ الِادِّخَارِ وَانْتِظَارِ الْأَسْوَاقِ فَهَذَا لَا زَكَاةَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِيهِ، وَإِنْ أَقَامَ أَعْوَامًا حَتَّى يَبِيعَ فَيُزَكِّيَ لِعَامٍ وَاحِدٍ.
الثَّانِي التَّقْلِيبُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارِ سُوقٍ كَفِعْلِ أَرْبَابِ الْحَوَانِيتِ الْمُدِيرِينَ فَهَذَا فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى شُرُوطٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَوِّمَ الْعَرَضَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ كَانَ زَكَّى الْمَالَ قَبْلَ أَنْ يُدِيرَهُ، أَوْ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهُ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ التَّقْوِيمُ قِيمَةَ عَدْلٍ بِمَا تُسَاوِي الْعَرَضَ حِينَ تَقْوِيمِهَا.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْبَيْعِ الْمَعْرُوفِ دُونَ بَيْعِ الضَّرُورَةِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ مَعَ مَا يَحْسُبُهُ مِنْ عَيْنِهِ وَنَقْدِهِ حَيْثُ كَانَ بَيْعُهُ فِي أَكْثَرِ مِنْ عَامِهِ بِالْعَيْنِ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَيُزَكِّيَهُ بِأَنْ يُخْرِجَ فِي الْعِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفَ دِينَارٍ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْجَمِيعُ عِشْرِينَ دِينَارًا بِأَنْ نَقَصَ وَلَوْ قَلَّ مِنْ ثُلُثِ دِينَارٍ فَلَا زَكَاةَ اهـ. وَفِي عبق مَعَ الْمَتْنِ مَا خُلَاصَتُهُ: وَإِنَّمَا يُزَكِّي عِوَضَ عَرَضٍ أَيْ قِيمَتَهُ فِي الْمُدِيرِ حَيْثُ قُوِّمَ وَثَمَنُهُ حَيْثُ بَاعَ كَالْمُحْتَكِرِ بِسِتَّةِ شُرُوطٍ أَشَارَ.
لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ فَخَرَجَ مَا فِي عَيْنِهِ زَكَاةٌ كَمَاشِيَةٍ وَحَرْثٍ وَحُلِيٍّ.
وَلِثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: مُلِّكَ بِمُعَاوَضَةٍ عَلَيْهِ مَالِيَّةٍ فَخَرَجَ نَحْوُ الْمَوْهُوبِ وَنَحْوُ الْمَمْلُوكِ بِخُلْعٍ.
وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِهِ: وَكَانَ مَصْحُوبًا بِنِيَّةِ تَجْرٍ مُنْفَرِدَةٍ، أَوْ مَعَ نِيَّةِ غَلَّةٍ كَنِيَّةِ كِرَائِهِ عِنْدَ شِرَائِهِ، وَإِنْ وَجَدَ رِبْحًا بَاعَ، أَوْ مَعَ نِيَّةِ قِنْيَةٍ كَنِيَّةِ انْتِفَاعٍ بِوَطْءٍ، أَوْ خِدْمَةٍ عِنْدَ نِيَّةِ بَيْعِهِ إنْ وَجَدَ رِبْحًا وَأَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ لِأَنَّ انْضِمَامَهُمَا لِنِيَّةِ التَّجْرِ كَانْضِمَامِ أَحَدِهِمَا لَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالْمُرَجَّحُ بِلَا نِيَّةٍ فَلَا زَكَاةَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَرَضِ الْقِنْيَةُ، أَوْ مَعَ نِيَّةِ قِنْيَةٍ فَقَطْ فَلَا زَكَاةَ اتِّفَاقًا، أَوْ نِيَّةِ غَلَّةٍ فَقَطْ كَشِرَائِهِ بِنِيَّةِ كِرَائِهِ فَلَا زَكَاةَ كَمَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ خِلَافًا لِاخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ الزَّكَاةَ فِيهِ - قَائِلًا - لَا فَرْقَ بَيْنَ الْتِمَاسِ الرِّبْحِ مِنْ رِقَابٍ، أَوْ مَنَافِعَ، أَوْ نِيَّتِهِمَا - أَيْ الْقِنْيَةِ وَالْغَلَّةِ - فَلَا زَكَاةَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَسْقَطَ الزَّكَاةَ مِنْ الْمُغْتَلِّ أَمَّا عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهَا فِي الْمُغْتَلِّ فَيَجْتَمِعُ هَهُنَا مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ فَقَدْ يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُرَاعَى الْخِلَافُ.
وَلِرَابِعِهَا بِقَوْلِهِ: وَكَانَ أَصْلُهُ عَيْنًا، وَإِنْ قَلَّ، أَوْ كَهُوَ أَيْ كَأَصْلِهِ عَرَضًا مُلِّكَ بِمُعَاوَضَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ عَرَضَ تِجَارَةٍ أَوْ قِنْيَةٍ فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ عَرَضُ تَجْرٍ فَبَاعَهُ بِعَرَضٍ
стр. 422
لِخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ بِذِكْرِ الْعَدَدِ كَيْفَ كَانَ لَكِنْ يُرَجَّحُ هَذَا بِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ يَكُونُ تَامًّا وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ لِغَيْرِ هَذَا الْغَرَضِ كَمَا تَقَدَّمَ فَالْبَابَانِ مُخْتَلِفَانِ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرُوضِ تُحْمَلُ عَلَى الْقِنْيَةِ حَتَّى يَنْوِيَ التِّجَارَةَ وَقَاعِدَةِ مَا كَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ)
هَاتَانِ قَاعِدَتَانِ فِي الْمَذْهَبِ مُخْتَلِفَتَانِ يَنْبَغِي بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَالسِّرِّ فِيهِمَا فَوَقَعَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا ابْتَاعَ عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ فَكَاتَبَهُ فَعَجَزَ، أَوْ ارْتَجَعَ مِنْ مُفْلِسٍ سِلْعَةً، أَوْ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ عَبْدًا فِي دَيْنِهِ، أَوْ دَارًا فَأَجَّرَهَا سِنِينَ رَجَعَ جَمِيعُ ذَلِكَ لِحُكْمِ أَصْلِهِ مِنْ التِّجَارَةِ فَإِنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ، وَالْعَبْدُ الْمَأْخُوذُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ أَصْلِهِ قَالَ سَنَدٌ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَوْ ابْتَاعَ الدَّارَ بِقَصْدِ الْغَلَّةِ فَفِي اسْتِئْنَافِ الْحَوْلِ بَعْدَ الْبَيْعِ لِمَالِكٍ رِوَايَتَانِ وَلَوْ ابْتَاعَهَا لِلتِّجَارَةِ وَالسُّكْنَى فَلِمَالِكٍ أَيْضًا قَوْلَانِ مُرَاعَاةً لِقَصْدِ التَّنْمِيَةِ بِالْغَلَّةِ وَالتِّجَارَةِ، أَوْ التَّغْلِيبِ لِلنِّيَّةِ فِي الْقِنْيَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّنْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعُرُوضِ فَإِنْ اشْتَرَى وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهِيَ لِلْقِنْيَةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَقَعُ بِبَيَانِ قَاعِدَةٍ ثَالِثَةٍ شَرْعِيَّةٍ عَامَّةٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ وَغَيْرِهِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَا لَهُ ظَاهِرٌ فَهُوَ يَنْصَرِفُ إلَى ظَاهِرِهِ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الْمُعَارِضِ أَوْ الرَّاجِحِ لِذَلِكَ الظَّاهِرِ وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِهِ إلَّا بِمُرَجِّحٍ شَرْعِيٍّ وَلِذَلِكَ انْصَرَفَتْ الْعُقُودُ الْمُطْلَقَةُ إلَى النُّقُودِ الْغَالِبَةِ فِي زَمَانِ ذَلِكَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيهَا، وَإِذَا وَكَّلَ إنْسَانٌ إنْسَانًا فَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ بِالْمُوَكِّلِ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ يَنْصَرِفُ لِلْمُتَصَرِّفِ الْوَكِيلِ دُونَ مُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ أَنَّهَا لِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ تَصَرُّفَاتُ الْمُسْلِمِينَ إذَا أُطْلِقَتْ وَلَمْ تُقَيَّدْ بِمَا يَقْتَضِي حِلَّهَا وَلَا تَحْرِيمَهَا فَإِنَّهَا تَنْصَرِفُ لِلتَّصَرُّفَاتِ الْمُبَاحَةِ دُونَ الْمُحَرَّمَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، ثُمَّ بَاعَهُ فَإِنَّهُ يُزَكِّي ثَمَنَهُ لِحَوْلِ أَصْلِهِ اتِّفَاقًا، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَرَضُ قِنْيَةٍ مُلِّكَ بِمُعَاوَضَةٍ فَبَاعَهُ بِعَرَضٍ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ ثُمَّ بَاعَهُ فَإِنَّهُ يُزَكِّي ثَمَنَهُ لِحَوْلِ أَصْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِإِعْطَاءِ الثَّمَنَ حُكْمَ أَصْلِهِ الثَّانِي لَا أَصْلِهِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَرَضُ قِنْيَةٍ مُفَادٌ فَبَاعَهُ بِعَرَضٍ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ، ثُمَّ بَاعَهُ فَفِي ذَلِكَ طَرِيقَتَانِ الْأُولَى طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ فِي زَكَاتِهِ وَعَدَمِهَا قَوْلَانِ، وَالثَّانِيَةُ طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَارِثِ إنْ كَانَ أَصْلُ عَرَضِ الْقِنْيَةِ مِنْ شِرَاءٍ فَالْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ أَحَدِ قَوْلَيْ أَشْهَبَ، وَقَوْلُهُ الْآخَرُ: وَإِنْ كَانَ بِإِرْثٍ فَقِنْيَةٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْحَطَّابِ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَلِخَامِسِهَا بِقَوْلِهِ: وَبِيعَ بِعَيْنٍ لَكِنْ لَا بُدَّ فِي الْمُحْتَكِرِ أَنْ يَكُونَ مَا بَاعَ بِهِ مِنْ الْعَيْنِ نِصَابًا وَلَوْ فِي مَرَّاتٍ وَبَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ يُزَكِّي مَا بِيعَ بِهِ وَلَوْ قَلَّ وَالْمُدِيرُ لَا يُقَوَّمُ إلَّا إنْ نَضَّ لَهُ شَيْءٌ مَا وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، وَيُخْرِجُ عَمَّا قَوَّمَهُ مِنْ الْعَرَضِ ثَمَنًا عَلَى الْمَشْهُورِ لَا عَرَضًا بِقِيمَتِهِ، سَوَاءٌ نَضَّ لَهُ أَوَّلَ الْحَوْلِ، أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ بَقِيَ مَا نَضَّ، أَوْ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يَنِضَّ لَهُ شَيْءٌ آخِرَ الْحَوْلِ لَمْ يُزَكِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْمُعَاوَضَةُ اخْتِيَارِيَّةً، أَوْ جَبْرِيَّةً كَأَنْ يَسْتَهْلِكَ شَخْصٌ لِآخَرَ سِلْعَةً فَيَأْخُذَ فِي قِيمَتِهَا عَرَضًا يَنْوِي بِهِ التِّجَارَةَ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ اخْتِيَارِيًّا، أَوْ اضْطِرَارًا كَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرَضَ تِجَارَةٍ وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهُ.
وَلِسَادِسِ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ رَصَدَ بِهِ الْأَسْوَاقَ أَيْ انْتَظَرَ بِهِ رِبْحًا خَاصًّا فَكَالدَّيْنِ أَيْ زَكَاةً وَحَوْلًا وَقَبْضًا وَاقْتِضَاءً وَضَمًّا وَاخْتِلَاطًا وَتَلَفًا وَاتِّفَاقًا وَفِرَارًا وَبَقَاءً اُنْظُرْ الْحَطَّابَ، وَإِلَّا زَكَّى عَنْهُ وَلَوْ حُلِيًّا وَيُزَكِّي وَزْنَهُ تَحْقِيقًا، أَوْ تَحَرِّيًا كَمَا إذَا كَانَ عَرَضَ تِجَارَةٍ مُرَصَّعًا بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، وَدَيْنُهُ أَيْ عَدَدُهُ النَّقْدُ الْحَالُّ الْمَرْجُوُّ الْمُعَدُّ لِلنَّمَاءِ، وَإِلَّا يَكُنْ كَذَلِكَ بِأَنْ كَانَ عَرَضًا أَوْ مُؤَجَّلًا مَرْجُوَّيْنِ قَوَّمَهُ وَلَوْ طَعَامَ سَلَمٍ كَسِلْعَةٍ - أَيْ الْمُدِيرِ - وَلَوْ بِإِرْثٍ لَا إنْ لَمْ يَرْجُهُ، أَوْ كَانَ قَرْضًا اهـ.
الْمُرَادُ بِإِصْلَاحٍ مِنْ بْن وَبِالْجُمْلَةِ فَمَسْأَلَةُ الْعُرُوضِ وَكَذَا مَسْأَلَةُ النَّقْدَيْنِ مِنْ مَسَائِلِ مَا لَهُ ظَاهِرٌ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ قِيَامِ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ لَهُ وَمِنْهَا الْعُقُودُ الْمُطْلَقَةُ تُصْرَفُ إلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ فِيهَا مِنْ الْعُقُودِ الْغَالِبَةِ فِي زَمَانِ ذَلِكَ الْعَقْدِ فَإِذَا وَكَّلَ إنْسَانٌ إنْسَانًا فَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فِي تَخْصِيصِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ غَيْرِهِ بِالْوَكِيلِ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ يَنْصَرِفُ لِنَفْسِهِ دُونَ مُوَكِّلِهِ إذْ غَالِبُ تَصَرُّفَاتِهِ أَنْ يَكُونَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ تَصَرُّفَاتُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ تُقَيَّدْ بِمَا يَقْتَضِي حِلَّهَا وَلَا تَحْرِيمَهَا انْصَرَفَتْ لِلتَّصَرُّفَاتِ الْمُبَاحَةِ دُونَ الْمُحَرَّمَةِ لِأَنَّ الْحِلَّ ظَاهِرُ حَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا أُطْلِقَ الْعَقْدُ عَلَى الْعَيْنِ وَلَمْ يُصَرَّحْ فِيهِ بِمَنْفَعَةٍ خَاصَّةٍ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ عُرْفًا مِنْهُ فَمَنْ اسْتَأْجَرَ قَادَ وَمَا انْصَرَفَ إلَى النَّجْرِ دُونَ الْعِزَاقِ وَعَجْنِ الطِّينِ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عِمَامَةً انْصَرَفَ إلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الرُّءُوسِ دُونَ الْأَوْسَاطِ، أَوْ قَمِيصًا انْصَرَفَ إلَى اللُّبْسِ وَكَذَا كُلُّ عَقْدٍ عَلَى أَيِّ آلَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهَا وَلَا يَحْتَاجُ الْمُتَعَاقِدَانِ إلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بَلْ يَكْفِي ظَاهِرُ الْحَالِ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً فَإِنْ كَانَتْ مِنْ دَوَابِّ الْحَمْلِ انْصَرَفَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فِيهَا لِلْحَمْلِ دُونَ الرُّكُوبِ، أَوْ مِنْ دَوَابِّ الرُّكُوبِ انْصَرَفَ لِرُكُوبٍ دُونَ الْحَمْلِ فَيُكْتَفَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِظَاهِرِ حَالِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَمِنْهَا صَرِيحُ بَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ وَيَنْصَرِفُ لِذَلِكَ الْبَابِ بِظَاهِرِهِ وَمِنْ مَسَائِلِ مَا لَيْسَ لِمُحْتَمَلَاتِهِ ظَاهِرٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهَا
стр. 423
حَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلِذَلِكَ تَنْصَرِفُ الْعُقُودُ وَالْأَعْوَاضُ إلَى الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْعَيْنِ عُرْفًا؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُهَا وَلَا يُحْتَاجُ إلَى التَّصْرِيحِ بِهَا كَمَنْ اسْتَأْجَرَ قَدُومًا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى النَّجْرِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ حَالِهِ دُونَ الْعِزَاقِ وَعَجْنِ الطِّينِ وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عِمَامَةً فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي الرُّءُوسِ دُونَ الْأَوْسَاطِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ حَالِهَا وَكَذَلِكَ الْقَمِيصُ يَنْصَرِفُ إلَى اللُّبْسِ، وَكُلُّ آلَةٍ تَنْصَرِفُ إلَى ظَاهِرِ حَالِهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُتَعَاقِدَانِ إلَى التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بَلْ يَكْفِي ظَاهِرُ الْحَالِ وَكَذَلِكَ اسْتِئْجَارُ دَوَابِّ الْحَمْلِ يَنْصَرِفُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فِيهَا لِلْحَمْلِ دُونَ الرُّكُوبِ، وَعَكْسُهُ دَوَابُّ الرُّكُوبِ، وَيُكْتَفَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِظَاهِرِ حَالِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَاحْتَاجَتْ الْعِبَادَاتُ لِلنِّيَّاتِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَتَرَدُّدِهَا أَيْضًا بَيْنَ رُتَبِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا كَالْفَرِيضَةِ وَالتَّطَوُّعِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا احْتَاجَتْ الْكِنَايَاتُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَى النِّيَّاتِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ تِلْكَ الْمَقَاصِدِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ صَرِيحِ كُلِّ بَابٍ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ لِذَلِكَ الْبَابِ بِظَاهِرِهِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْ النِّيَّةِ بِظَاهِرِهِ فَخَرَجَتْ قَاعِدَةُ عُرُوضِ الْقِنْيَةِ وَقَاعِدَةُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ قَاعِدَةٌ حَسَنَةٌ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُمَّالِ فِي الْقِرَاضِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ رَبِّ الْمَالِ سَقَطَتْ عَنْ الْعَامِلِ وَقَاعِدَةِ الشُّرَكَاءِ لَا يَلْزَمُ أَنَّهُ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ سَقَطَتْ عَنْ الْآخَرِ) بَلْ قَدْ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الزَّكَاةِ فِي حَقِّهِ دُونَ الْآخَرِ لِاخْتِلَالِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِي حَقِّهِ.
وَعُمَّالُ الْقِرَاضِ لَيْسُوا كَذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِمْ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَفِي الْمَذْهَبِ أَيْضًا الْخِلَافُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْفَرْعُ مُخْتَصًّا بِأَصْلٍ وَاحِدٍ أُجْرِيَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِمُرَجِّحٍ شَرْعِيٍّ الْعِبَادَاتُ احْتَاجَتْ لِلنِّيَّاتِ لِتَرَدُّدِهَا إمَّا بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَإِمَّا بَيْنَ رُتَبِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا كَالْفَرِيضَةِ وَالتَّطَوُّعِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْهَا الْكِنَايَاتُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ احْتَاجَتْ إلَى النِّيَّاتِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ تِلْكَ الْمَقَاصِدِ وَغَيْرِهَا فَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ عَامَّةٌ حَسَنَةٌ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُمَّالِ فِي الْقِرَاضِ وَقَاعِدَةِ الشُّرَكَاءِ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُمَّالِ فِي الْقِرَاضِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ رَبِّ الْمَالِ سَقَطَتْ عَنْ الْعَامِلِ وَقَاعِدَةِ الشُّرَكَاءِ لَا يَلْزَمُ أَنَّهُ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ سَقَطَتْ عَنْ الْآخَرِ)
يَنْبَنِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْفَرْعُ مُخْتَصًّا بِأَصْلٍ وَاحِدٍ أُجْرِيَ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَمَتَى دَارَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، أَوْ أُصُولٍ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَغْلِيبِ أَحَدِ الْأَصْلَيْنِ، أَوْ الْأُصُولِ عَلَى الْآخَرِ فَقَاعِدَةُ الْعُمَّالِ فِي الْقِرَاضِ لَمَّا كَانَتْ دَائِرَةً بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ لِرَبِّ الْمَالِ بِأَعْمَالِهِمْ، وَأَرْبَابُ الْأَمْوَالِ شُرَكَاءَ بِأَمْوَالِهِمْ وَيُعَضِّدُهُ أُمُورٌ مِنْهَا تَسَاوِي الْفَرِيقَيْنِ فِي زِيَادَةِ الرِّبْحِ وَنُقْصَانِهِ كَمَا هُوَ حَالُ الشُّرَكَاءِ وَمِنْهَا أَنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِلُ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الشَّرِيكِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونُوا أُجَرَاءَ وَيُعَضِّدُهُ أُمُورٌ مِنْهَا اخْتِصَاصُ رَبِّ الْمَالِ بِضَيَاعِ الْمَالِ وَغَرَامَتِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْعَامِلِ مِنْهُ شَيْءٌ وَمِنْهَا أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مُعَاوَضَةٌ عَلَى عَمَلِهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأُجَرَاءِ وَكَانَ مِنْ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ أَنْ تُمْلَكَ بِالظُّهُورِ وَمِنْ مُقْتَضَى الْإِجَارَةِ أَنْ لَا تُمْلَكَ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَالْقَبْضِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَذْهَبِ، وَخَارِجَهُ فِي تَغْلِيبِ الشَّرِكَةِ فَتَكْمُلُ الشُّرُوطُ لِلزَّكَاةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ تَغْلِيبِ الْإِجَارَةِ فَيُجْعَلُ الْمَالُ وَرِبْحُهُ لِرَبِّهِ.
فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَامِلُ أَصْلًا وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَعُبَ عَلَيْهِ إطْرَاحُ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ فَرَأَى أَنَّ الْعَمَلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَاعْتُبِرَ وَجْهًا مِنْ الْإِجَارَةِ وَوَجْهًا مِنْ الشَّرِكَةِ فَوَقَعَ التَّفْرِيعُ هَكَذَا مَتَى كَانَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِمَا مُخَاطَبٌ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مُنْفَرِدًا فِيمَا يَنُوبُهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا وَمَتَى لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِمَا مُخَاطَبًا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمَا عَبْدَيْنِ، أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ لِقُصُورِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ عَنْ النِّصَابُ وَلَيْسَ لِرَبِّهِ غَيْرُهُ سَقَطَتْ عَنْهُمَا وَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا مُخَاطَبًا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَحْدَهُ دُونَ الْآخَرِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَتَى سَقَطَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا إمَّا الْعَامِلِ، أَوْ رَبِّ الْمَالِ سَقَطَتْ عَنْ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ أَمَّا إنْ سَقَطَتْ عَنْهُ فَتَغْلِيبًا لِحَالِ نَفْسِهِ وَتَغْلِيبًا لِحَالِ الشَّرِكَةِ وَشَائِبَتِهَا.
وَأَمَّا إنْ سَقَطَتْ عَنْ رَبِّ الْمَالِ فَتَسْقُطُ أَيْضًا عَنْ الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ تَغْلِيبًا لِشَائِبَةِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَبَضَ أُجْرَتَهُ اسْتَأْنَفَ بِهَا الْحَوْلَ فَكَذَلِكَ هَذَا الْعَامِلُ، وَرَأَى أَشْهَبُ ﵀ اعْتِبَارَ رَبِّ الْمَالِ فَتَجِبُ فِي حِصَّةِ الرِّبْحِ تَبَعًا لِوُجُوبِهَا فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهُ يُزَكِّي مِلْكَهُ، وَأَنَّ رِبْحَ الْمَالِ مَضْمُومٌ إلَى أَصْلِهِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ ﵀ فِيمَنْ اتَّجَرَ بِدِينَارٍ فَصَارَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ نِصَابًا فَإِنَّهُ يُزَكِّي، وَيُقَدِّرُ الرِّبْحَ كَامِنًا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ إلَى آخِرِهِ وَفِيمَا إذَا كَمَلَ بِأَوْلَادِ الْمَوَاشِي نِصَابُهَا فَمَتَى خُوطِبَ رَبُّ الْمَالِ وَجَبَتْ عَلَى
стр. 424
عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَمَتَى دَارَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، أَوْ أُصُولٍ يَقَعُ الْخِلَافُ فِيهِ لِتَغْلِيبِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بَعْضَ تِلْكَ الْأُصُولِ وَتَغْلِيبِ الْبَعْضِ الْآخَرِ أَصْلًا آخَرَ فَيَقَعُ الْخِلَافُ لِذَلِكَ وَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا قُتِلَتْ هَلْ تَجِبُ فِيهَا قِيمَةُ أَمْ لَا لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْأَرِقَّاءِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُوطَأُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَبَيْنَ الْأَحْرَارِ لِتَحْرِيمِ بَيْعِهَا، وَإِحْرَازِهَا لِنَفْسِهَا وَمَالِهَا، وَتَرَدُّدِ إثْبَاتِ هِلَالِ رَمَضَانَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَكَذَلِكَ التَّرْجُمَانُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالنَّائِبِ وَالْمُقَوِّمِ وَغَيْرِهِمْ جَرَى الْخِلَافُ فِيهِمْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِمْ الْعَدَدُ تَغْلِيبًا لِلشَّهَادَةِ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ تَغْلِيبًا لِلرِّوَايَةِ وَكَتَرَدُّدِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ مِنْ الْأَبْوَابِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ كَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ هَلْ تُرَدُّ إلَى أَصْلِهَا فَيَجِبَ قِرَاضُ الْمِثْلِ، أَوْ إلَى أَصْلِ أَصْلِهَا فَيَجِبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ لِتَرَدُّدِ هَذِهِ الْفَاسِدَةِ بَيْنَ أَصْلِهَا وَأَصْلِ أَصْلِهَا فَإِنَّ أَصْلَ أَصْلِهَا أَصْلُهَا أَيْضًا فَلِذَلِكَ كُلُّ مَا تَوَسَّطَ غَرَرُهُ أَوْ الْجَهَالَةُ فِيهِ مِنْ الْعُقُودِ تَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ الْغَرَرِ الْأَعْلَى فَيَبْطُلُ، أَوْ الْغَرَرِ الْأَدْنَى الْمُجْمَعِ عَلَى جَوَازِهِ وَاغْتِفَارِهِ فِي الْعُقُودِ فَيَجُوزُ وَالْمُتَوَسِّطُ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَمَنْ قَرَّبَهُ مِنْ هَذَا مَنَعَ.
أَوْ مِنْ الْآخَرِ أَجَازَ وَكَذَلِكَ الْمَشَاقُّ الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الْعِبَادَاتِ دَائِرٌ بَيْنَ أَدْنَى الْمَشَاقِّ فَلَا تُوجِبُ تَرَخُّصًا وَبَيْنَ أَعْلَاهَا فَتُوجِبُ التَّرَخُّصَ فَتَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْثِيرِهَا فِي الْإِسْقَاطِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ التُّهَمُ فِي رَدِّ الشَّهَادَاتِ إذَا تَوَسَّطَتْ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُوجَبُ الرَّدِّ كَشَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الشَّهَادَةِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ الْآخَرِ مِنْ قَبِيلَتِهِ فَيَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ؛ أَيُّ التَّغْلِيبَيْنِ يُعْتَبَرُ وَذَلِكَ كَشَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ تُقْبَلُ، أَوْ تُرَدُّ وَكَذَلِكَ الثُّلُثُ يَتَرَدَّدُ فِي مَسَائِلَ بَيْنَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَيَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي إلْحَاقِهِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ الْمُتَرَدِّدَاتِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ فَأَكْثَرَ وَالْعُمَّالُ فِي الْقِرَاضِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْعَامِلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا تَغْلِيبًا لِهَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ ضَمُّ الرِّبْحِ إلَى الْأَصْلِ فِي الزَّكَاةِ وَوَقَعَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُعْتَبَرُ حَالُ الْعَامِلِ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ أَهْلًا بِالنِّصَابِ وَغَيْرِهِ زَكَّى، وَإِلَّا فَلَا تَغْلِيبًا لِشَائِبَةِ الشَّرِكَةِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَمُحَصَّلُهُ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْعَامِلَ يُزَكِّي حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنْ قَصَرَتْ عَنْ النِّصَابِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَجِيرٌ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا قَلَّ وَقَصُرَ عَنْ النِّصَابِ وَخِلَافًا لِقَوْلِ أَشْهَبَ إنَّ زَكَاتَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَا عَلَى الْعَامِلِ قَالَ الْحَطَّابُ: الْعَامِلُ يُزَكِّي رِبْحَهُ وَلَوْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ زَكَاتَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ اهـ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ شُرُوطَ زَكَاةِ الْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ سَنَةً فَفِي الْمَوَّاقِ ابْنِ يُونُسَ: إنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْعَامِلِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِاجْتِمَاعِ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ بِلَا دَيْنٍ عَلَيْهِمَا وَأَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ وَحِصَّةُ رَبِّهِ مِنْ الرِّبْحِ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ وَأَنْ يَعْمَلَ الْعَامِلُ بِالْمَالِ حَوْلًا فَمَتَى سَقَطَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُزَكِّ الْعَامِلُ اهـ.
قَالَ عبق: وَبَقِيَ لِزَكَاةِ الْعَامِلِ رِبْحَهُ شَرْطٌ سَادِسٌ وَهُوَ أَنْ يَنِضَّ وَيَقْبِضَهُ قَالَ: وَاشْتِرَاطُ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فِي رَبِّ الْمَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ، وَفِي الْعَامِلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ كَاشْتِرَاطِ الْخَامِسِ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الرَّابِعِ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَجِيرٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ نَقَصَ مَنَابُ رَبِّ الْمَالِ عَنْ النِّصَابِ لَمْ يُزَكِّ الْعَامِلُ، وَإِنْ نَابَهُ نِصَابٌ فَأَكْثَرُ بَلْ يَسْتَقْبِلُ حَوْلًا كَالْفَائِدَةِ وَأُجْرَةِ الْأَجِيرِ فَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَدَفَعَهُ لِلْعَامِلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِرَبِّهِ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ الرِّبْحِ وَرَبِحَ الْمَالُ مِائَةً فَإِنَّ رَبَّهُ لَا يُزَكِّي وَكَذَا الْعَامِلُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يَضُمُّ الْعَامِلُ مَا رَبِحَ إلَى مَالٍ لَهُ آخَرَ فَيُزَكِّي بِخِلَافِ رَبِّ الْمَالِ اهـ أَيْ فَيَضُمُّ فَإِذَا كَانَتْ حِصَّةُ رَبِّهِ بِرِبْحِهِ دُونَ نِصَابٍ وَعِنْدَهُ مَا لَوْ ضَمَّهُ لَهُ لَصَارَ نِصَابًا وَقَدْ حَالَ حَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُزَكِّي وَيُزَكِّي الْعَامِلُ رِبْحَهُ، وَإِنْ قَلَّ فِي هَذِهِ أَيْضًا فَفِي مَفْهُومِ الشَّرْطِ الرَّابِعِ تَفْصِيلٌ اهـ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ قَالَ عبق: وَمُفَادُ نَصِّ الْمَوَّاقِ أَنَّ الْعَامِلَ يُزَكِّي رِبْحَهُ مُطْلَقًا لِعَامٍ وَاحِدٍ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ وَلَوْ مُدِيرًا أَقَامَ بِيَدِهِ أَعْوَامًا وَهُوَ مُدِيرٌ، وَفِي ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ زَكَاةُ حِصَّتِهِ كُلَّ عَامٍ إذَا كَانَ هُوَ وَرَبُّ الْمَالِ مُدِيرَيْنِ لَكِنْ إنَّمَا يُزَكِّيهَا لِكُلِّ عَامٍ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ اهـ قَالَ الْبُنَانِيُّ وَمَا لِابْنِ عَرَفَةَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ رُشْدٍ اهـ وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونٌ.
الْأَمْرُ الرَّابِعُ: قَالَ الْمَوَّاقُ ابْنُ يُونُسَ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا اسْتِحْسَانٌ رَآهُ - أَيْ الْعَامِلَ - مَرَّةً أَنَّ لَهُ حُكْمَ الشَّرِيكِ فِي وُجُوهٍ يَضْمَنُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ عَتَقَ وَرَآهُ مَرَّةً أَنَّهُ لَيْسَ كَالشَّرِيكِ إذْ لَيْسَ فِي أَصْلِ الْمَالِ شِرْكٌ، وَإِنْ رَبِحَ الْمَالُ مِنْهُ وَحَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ فَلَمَّا تَرَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ تَوَسَّطَ أَمْرُهُ اهـ.
فَمِنْ هُنَا بَحَثَ النَّاصِرُ فِي قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَشْهُورُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ أَجِيرٌ وَمُقَابِلُهُ عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ اهـ بِأَنَّ كَوْنَهُ أَجِيرًا يَقْتَضِي اسْتِقْبَالَهُ لَا زَكَاتَهُ، وَكَوْنَهُ شَرِيكًا يَقْتَضِي سُقُوطَ الزَّكَاةِ أَصْلًا عَنْهُ وَعَنْ رَبِّ الْمَالِ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ إذْ لَا زَكَاةَ عَلَى شَرِيكٍ حَتَّى تَبْلُغَ حِصَّتُهُ نِصَابًا اهـ.
نَعَمْ قَالَ الْبُنَانِيُّ: الَّذِي عَنَاهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَصْلَ الزَّكَاةِ فِي رِبْحِ الْعَامِلِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قِلَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ، وَوُجُوبَهَا فِي الْقَابِلِ - أَيْ بَعْدَ اسْتِقْبَالِ عَامٍ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا عَلَى الْعَامِلِ مَبْنِيٌّ عَلَى
стр. 425
دَائِرُونَ بَيْنَ أَنْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَيَكُونَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ شُرَكَاءَ بِأَمْوَالِهِمْ، وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ تَسَاوِي الْفَرِيقَيْنِ فِي زِيَادَةِ الرِّبْحِ وَنُقْصَانِهِ وَهَذَا هُوَ حَالُ الشُّرَكَاءِ وَيُعَضِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْعَامِلُ لَيْسَ فِي ذِمَّةِ رَبِّ الْمَالِ وَهَذَا هُوَ شَأْنُ الشَّرِيكِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونُوا أُجَرَاءَ، وَيُعَضِّدُهُ اخْتِصَاصُ رَبِّ الْمَالِ بِضَيَاعِ الْمَالِ وَغَرَامَتِهِ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْعَامِلِ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مُعَاوَضَةٌ عَلَى عَمَلِهِ وَهَذَا هُوَ شَأْنُ الْأُجَرَاءِ وَمُقْتَضَى الشَّرِكَةِ أَنْ تُمْلَكَ بِالظُّهُورِ وَمُقْتَضَى الْإِجَارَةِ أَنْ لَا تُمْلَكَ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَالْقَبْضِ فَاجْتِمَاعُ هَذِهِ الشَّوَائِبِ سَبَبُ الْخِلَافِ فَمَنْ غَلَّبَ الشَّرِكَةَ كَمَّلَ الشُّرُوطَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَنْ غَلَّبَ الْإِجَارَةَ جَعَلَ الْمَالَ وَرِبْحَهُ لِرَبِّهِ فَلَا يُعْتَبَرُ الْعَامِلُ أَصْلًا وَابْنُ الْقَاسِمِ ﵀ صَعُبَ عَلَيْهِ إطْرَاحُ أَحَدِهِمَا بِالْكُلِّيَّةِ فَرَأَى أَنَّ الْعَمَلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى.
وَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَاعْتَبَرَ وَجْهًا مِنْ الْإِجَارَةِ وَوَجْهًا مِنْ الشَّرِكَةِ فَوَقَعَ التَّفْرِيعُ هَكَذَا مَتَى كَانَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِمَا مُخَاطَبٌ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مُنْفَرِدًا فِيمَا يَنُوبُهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا مُخَاطَبٌ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمَا عَبْدَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ لِقُصُورِ الْمَالِ وَرِبْحِهِ عَنْ النِّصَابِ وَلَيْسَ لِرَبِّهِ غَيْرُهُ سَقَطَتْ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخَاطَبًا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَحْدَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَتَى سَقَطَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا إمَّا الْعَامِلِ، أَوْ رَبِّ الْمَالِ سَقَطَتْ عَنْ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ أَمَّا إنْ سَقَطْت عَنْهُ فَتَغْلِيبًا لِحَالِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَتَغْلِيبًا لِحَالِ الشَّرِكَةِ وَشَائِبَتِهَا.
وَأَمَّا إنْ سَقَطَتْ عَنْ رَبِّ الْمَالِ فَتَسْقُطُ أَيْضًا عَنْ الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ تَغْلِيبًا لِشَائِبَةِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَبَضَ أُجْرَتَهُ اسْتَأْنَفَ بِهَا الْحَوْلَ فَكَذَلِكَ هَذَا الْعَامِلُ وَرَأَى أَشْهَبُ ﵀ اعْتِبَارَ رَبِّ الْمَالِ فَتَجِبُ فِي حِصَّةِ الرِّبْحِ تَبَعًا لِوُجُوبِهَا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُزَكِّي مِلْكَهُ، وَأَنَّ رِبْحَ الْمَالِ مَضْمُومٌ إلَى أَصْلِهِ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ ﵀ فِيمَنْ اتَّجَرَ بِدِينَارٍ فَصَارَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ نِصَابًا فَإِنَّهُ يُزَكِّي وَيُقَدِّرُ الرِّبْحَ كَامِنًا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ إلَى آخِرِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنَّهُ أَجِيرٌ فَلَا بَحْثَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ كَمَا عُلِمَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ شَرِيكٌ، وَبَعْضَ شُرُوطِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ أَجِيرٌ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا عَلَى الْعَامِلِ تَأَمَّلْ اهـ.
وَقَاعِدَةُ الشَّرِيكِ لَمَّا اُخْتُصَّتْ بِأَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ كَوْنُهُ شَرِيكًا لَيْسَ إلَّا، اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إجْرَائِهِ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ وَأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ لِاجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الزَّكَاةِ فِي حَقِّهِ دُونَ الْآخَرِ لِاخْتِلَالِ بَعْضِ الشُّرُوطِ فِي حَقِّهِ، هَذَا وَلِقَاعِدَةِ الْعَامِلِ فِي التَّرَدُّدِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْهَا أُمُّ الْوَلَدِ إذَا قُتِلَتْ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا هَلْ تَجِبُ فِيهَا قِيمَةٌ أَمْ لَا لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْأَرِقَّاءِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تُوطَأُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَبَيْنَ الْأَحْرَارِ لِتَحْرِيمِ بَيْعِهَا، وَإِحْرَازِهَا لِنَفْسِهَا وَمَالِهَا، وَمِنْهَا الْمُخْبِرُ عَنْ رُؤْيَةِ هِلَالِ نَحْوِ رَمَضَانَ، وَالتَّرْجُمَانُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالنَّائِبِ وَالْمُقَوِّمِ وَغَيْرِهِمْ لَمَّا تَرَدَّدُوا بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِمْ الْعَدَدُ تَغْلِيبًا لِلشَّهَادَةِ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ تَغْلِيبًا لِلرِّوَايَةِ وَمِنْهَا الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ مِنْ الْأَبْوَابِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ كَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ لَمَّا تَرَدَّدَتْ بَيْنَ أَصْلِهَا وَأَصْلِ أَصْلِهَا فَإِنَّ أَصْلَ أَصْلِهَا أَصْلُهَا أَيْضًا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهَا هَلْ تُرَدُّ إلَى أَصْلِهَا فَيَجِبَ قِرَاضُ الْمِثْلِ، أَوْ إلَى أَصْلِ أَصْلِهَا فَيَجِبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؟
وَمِنْهَا كُلُّ مَا تَوَسَّطَ غَرَرُهُ أَوْ الْجَهَالَةُ فِيهِ مِنْ الْعُقُودِ لَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْغَرَرِ الْأَعْلَى الْمُجْمَعِ عَلَى بُطْلَانِهِ وَالْأَدْنَى الْمُجْمَعِ عَلَى جَوَازِهِ وَاغْتِفَارِهِ فِي الْعُقُودِ لِأَنَّهُ بِتَوَسُّطِهِ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَمَنْ قَرَّبَهُ مِنْ الْأَعْلَى مَنَعَ وَمِنْ قَرَّبَهُ مِنْ الْأَدْنَى أَجَازَ وَمِنْهَا الْمَشَاقُّ الْمُتَوَسِّطَةُ فِي الْعِبَادَاتِ لَمَّا دَارَتْ بَيْنَ أَدْنَى الْمَشَاقِّ فَلَا تُوجِبُ تَرَخُّصًا وَبَيْنَ أَعْلَاهَا فَتُوجِبُ التَّرَخُّصَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْثِيرِهَا فِي الْإِسْقَاطِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَمِنْهَا نَحْوُ شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ مِنْ التُّهَمِ الْمُتَوَسِّطَةِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلرَّدِّ كَشَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي الشَّهَادَةِ كَشَهَادَةِ الرَّجُلِ لِآخَرَ مِنْ قَبِيلَتِهِ لَمَّا أَخَذَ شَبَهًا مِنْهُمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّ التَّغْلِيبَيْنِ يُعْتَبَرُ فَتُقْبَلُ أَوْ تُرَدُّ وَمِنْهَا الثُّلُثُ لَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فِي مَسَائِلَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إلْحَاقِهِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْبَاحِ تُضَمُّ إلَى أُصُولِهَا فِي الزَّكَاةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْفَوَائِدِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا أَصْلٌ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْبَاحِ تُضَمُّ إلَى أُصُولِهَا فِي الزَّكَاةِ فَيَكُونُ حَوْلُ الْأَصْلِ حَوْلَ الرِّبْحِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرِّبْحِ حَوْلٌ يَخُصُّهُ كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا أَمْ لَا عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ ﵄ إذَا كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا، وَإِلَّا فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَابُ وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ ﵁ مُطْلَقًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْفَوَائِدِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا أَصْلٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ كَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَصَدَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ بَعْدَ حَوْزِهِ وَقَبْضِهِ) .
لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّبْحِ وَالْفَائِدَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَلَى مُقَابِلِ مَشْهُورِ مَالِكٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵄، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَشْهُورِ مَالِكٍ وَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ ﵃ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ التَّقَادِيرِ وَهِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ، وَإِعْطَاءُ
стр. 426
وَكَذَلِكَ أَوْلَادُ الْمَوَاشِي إذَا كَمُلَ بِهَا نِصَابُهَا فَمَتَى خُوطِبَ رَبُّ الْمَالِ وَجَبَتْ عَلَى الْعَامِلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلًا تَغْلِيبًا لِهَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ ضَمُّ الرِّبْحِ إلَى الْأَصْلِ فِي الزَّكَاةِ وَوَقَعَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُعْتَبَرُ حَالُ الْعَامِلِ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ أَهْلًا بِالنِّصَابِ وَغَيْرِهِ زَكَّى، وَإِلَّا فَلَا تَغْلِيبًا لِشَائِبَةِ الشَّرِكَةِ فَالْفَرْقُ يَتَخَرَّجُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ.
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْبَاحِ تُضَمُّ إلَى أُصُولِهَا فِي الزَّكَاةِ فَيَكُونُ حَوْلُ الْأَصْلِ حَوْلَ الرِّبْحِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرِّبْحِ حَوْلٌ يَخُصُّهُ كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا أَمْ لَا عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ إذَا كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ ﵁ مُطْلَقًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْفَوَائِدِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا أَصْلٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ كَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَصَدَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ بَعْدَ حَوْزِهِ وَقَبْضِهِ)
وَالْفَرْقُ عِنْدَنَا عَضَّدَهُ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ لِلسَّاعِي عُدَّ عَلَيْهِمْ السَّخْلَةَ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا تَأْخُذْهَا وَالسَّخْلَةُ عَيْنٌ مُتَمَوَّلَةٌ نَشَأَتْ عَنْ عَيْنٍ مُتَمَوَّلَةٍ زَكَوِيَّةٍ كَمَا نَشَأَ الرِّبْحُ وَهُوَ عَيْنٌ زَكَوِيَّةٌ عَنْ عَيْنٍ زَكَوِيَّةٍ وَهُوَ أَصْلُهُ فَكَمَا ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى أَصْلِهِ وَجُعِلَ حَوْلُهُ حَوْلًا لَهُ كَذَلِكَ الْآخَرُ الَّذِي هُوَ الرِّبْحُ، وَقَوْلُنَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ " الْأَرْبَاحُ تُضَمُّ إلَى أُصُولِهَا فِي الزَّكَاةِ فَيَكُونُ حَوْلُ الْأَصْلِ حَوْلَ الرِّبْحِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرِّبْحِ حَوْلٌ يَخُصُّهُ كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا أَمْ لَا عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا كَانَ الْأَصْلُ نِصَابًا وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُطْلَقًا " وَبَيْنَ قَاعِدَةِ " الْفَوَائِدِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا أَصْلٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ كَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَصَدَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ بَعْدَ حَوْزِهِ وَقَبْضِهِ إلَى قَوْلِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهَا فِي قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ نَعَمْ التَّقْدِيرُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ بِأَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَ عَدَمِ سَبَبِهِ أَوْ شَرْطِهِ، أَوْ قِيَامِ مَانِعِهِ وَهَهُنَا قَدْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ فَإِنَّ قَوْلَ عُمَرَ اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَقَوْلَ عَلِيٍّ عُدَّ عَلَيْهِمْ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ كَمَا فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ وَالْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْأَرْبَاحِ ضَرُورَةَ أَنَّ رِبْحَ التِّجَارَةِ كَذَلِكَ مَعْنًى إذْ السَّخْلَةُ كَمَا أَنَّهَا عَيْنٌ مُتَمَوَّلَةٌ نَشَأَتْ عَنْ عَيْنٍ مُتَمَوَّلَةٍ زَكَوِيَّةٍ كَذَلِكَ الرِّبْحُ عَيْنٌ زَكَوِيَّةٌ نَشَأَتْ عَنْ عَيْنٍ زَكَوِيَّةٍ وَهُوَ أَصْلُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ حُكْمًا فَكَمَا تُضَمُّ السِّخَالُ إلَى أَصْلِهَا وَيُجْعَلُ حَوْلُهُ حَوْلًا لَهَا كَذَلِكَ يُضَمُّ الرِّبْحُ إلَى أَصْلِهِ وَيُجْعَلُ حَوْلُهُ حَوْلًا لَهُ وَشَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ دَوَرَانُ الْحَوْلِ وَهُوَ لَمْ يَدُرْ عَلَى الرِّبْحِ وَالسِّخَالِ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ الرِّبْحِ فِي التِّجَارَةِ وَالسِّخَالِ فِي الْمَاشِيَةِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ تَحْقِيقًا لِلشَّرْطِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَمُحَافَظَةً عَلَى الشَّرْطِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَيْسَتْ الْفَائِدَةُ كَذَلِكَ إذْ لَا أَصْلَ لَهَا يُقَدَّرُ حَوْلُهُ حَوْلًا لَهَا. نَعَمْ فِي كَوْنِ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ فِي يَوْمِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الرِّبْحِ.
وَالسَّبَبُ يُلَازِمُ مُسَبَّبَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَوْ فِي يَوْمِ الْحُصُولِ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ تَقْدِيرَيْنِ: تَقْدِيرِ الشِّرَاءِ وَالْأَعْيَانِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الرِّبْحِ. وَالتَّقْدِيرُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَيُقْتَصَرُ مِنْهُ عَلَى مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَشْهَبَ، أَوْ فِي يَوْمِ مِلْكِ أَصْلِ الْمَالِ لِأَنَّهُ السَّبَبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُغِيرَةِ خِلَافٌ تَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى عَشَرَةٍ فَأَنْفَقَ مِنْهَا خَمْسَةً وَاشْتَرَى سِلْعَةً بِخَمْسَةٍ فَبَاعَهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ تَقَدَّمَ الشِّرَاءُ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ وَالْمَالُ عَشَرَةٌ وَهَذِهِ عَشَرَةٌ رِبْحٌ فَيَكْمُلُ النِّصَابُ حِينَئِذٍ، وَإِلَّا فَلَا تَجِبُ وَأَسْقَطَهَا أَشْهَبُ مُطْلَقًا لِأَنَّ التَّقْدِيرَ عِنْدَهُ يَوْمَ الْحُصُولِ وَيَوْمَ الْحُصُولِ لَمْ تَكُنْ إلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَوْجَبَهَا الْمُغِيرَةُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ يَقْدِرُ يَوْمَ مِلْكِهِ الْعَشَرَةَ وَلَا عِبْرَةَ بِتَقْدِيمِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الشِّرَاءِ وَعَدَمِهِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ مَالِكٌ إذَا بَلَغَتْ الْغَنَمُ بِأَوْلَادِهَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَعَلَيْهِ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَذَلِكَ أَنَّ أَوْلَادَ الْغَنَمِ مِنْهَا وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا أُفِيدَ مِنْهَا بِاشْتِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ الْعَرْضِ لَا يَبْلُغُ ثَمَنُهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَيَصْدُقُ رِبْحُهُ مَعَ رَأْسِ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ رِبْحُهُ فَائِدَةً، أَوْ مِيرَاثًا لَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهُ أَوْ وَرِثَهُ قَالَ مَالِكٌ فَغِذَاءُ الْغَنَمِ أَيْ سِخَالِهَا مِنْهَا كَمَا أَنَّ رِبْحَ الْمَالِ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ مِنْ الذَّهَبِ، أَوْ الْوَرِقِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ثُمَّ أَفَادَ إلَيْهِ مَالًا، تَرَكَ مَالَهُ الَّذِي أَفَادَ فَلَمْ يُزَكِّهِ مَعَ مَالِهِ الْأَوَّلِ حِينَ يُزَكِّيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَى الْفَائِدَةِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهَا، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ غَنَمٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ إبِلٌ تَجِبُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا الصَّدَقَةُ، ثُمَّ أَفَادَ إلَيْهَا بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً صَدَّقَهَا مَعَ صِنْفِ مَا أَفَادَ مِنْ ذَلِكَ حِينَ يُصَدِّقُهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ الَّذِي أَفَادَ نِصَابَ مَاشِيَةٍ قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي هَذَا كُلِّهِ اهـ.
قَالَ الْبَاجِيَّ: يُرِيدُ أَنَّ الْفَائِدَةَ لَا يَكْمُلُ بِهَا النِّصَابُ وَيَكْمُلُ بِالنَّسْلِ، وَقَاسَهُ مَالِكٌ عَلَى نَمَاءِ الْعَيْنِ مِنْهُ فَإِذَا بَلَغَ الرِّبْحُ مَعَ الْأَصْلِ النِّصَابَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ إلَّا بِفَائِدَةٍ لَمْ يَزْكُ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى
стр. 427
زَكَوِيَّةٌ احْتِرَازًا مِنْ أَجْرِ الْعَقَارِ فَإِنَّهُ لَا يُزَكَّى، وَإِنْ كَانَ مُتَمَوَّلًا نَشَأَ عَنْ مُتَمَوَّلٍ، غَيْرَ أَنَّهُ غَيْرُ زَكَوِيٍّ - أَعْنِي الْأَصْلَ - وَهَهُنَا قَاعِدَةٌ وَهِيَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَرْبَاحِ وَالْفَوَائِدِ يُحْتَاجُ إلَيْهَا بَعْدَ تَقَرُّرِ الْأَحْكَامِ فِيهَا وَهِيَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ مَتَى أَثْبَتَ حُكْمًا حَالَةَ عَدَمِ سَبَبِهِ، أَوْ شَرْطِهِ فَإِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُهُمَا مَعَهُ فَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ إثْبَاتِهِ دُونَهُمَا فَإِنَّ إثْبَاتَ الْمُسَبَّبِ دُونَ سَبَبِهِ وَالْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ فَإِنْ أَلْجَأَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ وَامْتَنَعَ التَّقْدِيرُ عُدَّ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُسْتَثْنًى مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ كَمَا أَثْبَتَ الشَّارِعُ الْمِيرَاثَ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ.
وَالْمِيرَاثُ فِي الشَّرِيعَةِ مَشْرُوطٌ بِتَقَدُّمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ عَلَى الْمَالِ الْمَوْرُوثِ، قَدَّرَ الْعُلَمَاءُ ﵏ الْمِلْكَ فِي الدِّيَةِ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَوْتِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ حَتَّى يَصِحَّ حُكْمُ التَّوْرِيثِ فِيهَا وَكَذَلِكَ إذَا صَحَّحْنَا عِتْقَ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ فِي كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵁ فِي اشْتِرَاطِ الْإِذْنِ قَدَّرْنَا ثُبُوتَ الْمِلْكِ قَبْلَ صُدُورِ صِيغَةِ الْعِتْقِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمُعْتَقِ عَنْهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
غَيْرَ أَنَّهُ غَيْرُ ذَكَوِيٍّ أَعْنِي الْأَصْلَ ") قُلْت: مَسْأَلَةُ الْمَالِكِيَّةِ الْقِيَاسُ عَلَى السِّخَالِ كَمَا ذُكِرَ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فُرُوقٌ فِيهَا نَظَرٌ قَالَ (وَهَهُنَا قَاعِدَةٌ وَهِيَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَرْبَاحِ وَالْفَوَائِدِ يُحْتَاجُ إلَيْهَا بَعْدَ تَقَرُّرِ الْأَحْكَامِ فِيهَا إلَى قَوْلِهِ عُدَّ مُسْتَثْنًى مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ) .
قُلْت: فِيمَا قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ نَظَرٌ قَالَ (كَمَا أَثْبَتَ الشَّارِعُ الْمِيرَاثَ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ، وَالْمِيرَاثُ فِي الشَّرِيعَةِ مَشْرُوطٌ بِتَقَدُّمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ عَلَى الْمَالِ الْمَوْرُوثِ قَدَّرَ الْعُلَمَاءُ الْمِلْكَ فِي الدِّيَةِ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَوْتِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ حَتَّى يَصِحَّ حُكْمُ التَّوْرِيثِ فِيهَا) قُلْت لَيْسَ مِلْكُ الْمَقْتُولِ خَطَأً لِلدِّيَةِ مُقَدَّرًا عِنْدِي بَلْ هُوَ مُحَقَّقٌ، وَإِنَّمَا الْمُقَدَّرُ مِلْكُ الْمَقْتُولِ عَمْدًا لِلدِّيَةِ وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: (وَكَذَلِكَ إذَا صَحَّحْنَا عِتْقَ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ فِي كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵁ فِي اشْتِرَاطِ الْإِذْنِ قَدَّرْنَا ثُبُوتَ الْمِلْكِ قَبْلَ صُدُورِ صِيغَةِ الْعِتْقِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمُعْتَقِ عَنْهُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْفَائِدَةِ وَهَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ أَنَّ نِصَابَ الْحَوْلَيْنِ يَتِمُّ بِرِبْحِهِ، وَإِنَّمَا سَلَّمَهُ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ اشْتَرَى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ سِلْعَةً قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، ثُمَّ بَاعَهَا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ بَعْدَ أَنْ حَالَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهَا فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا وَهَذَا أَصْلٌ يَصِحُّ قِيَاسُنَا عَلَيْهِ وَلَا يُخِلُّ بِالْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ اخْتِلَافُ حُكْمِ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ فِي الْفَوَائِدِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَاشِيَةَ إذَا أَفَادَ مِنْهَا شَيْئًا وَعِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ جِنْسِهَا كَانَ حُكْمُ الْفَائِدَةِ فِي الْحَوْلِ حُكْمَ أَصْلِ النِّصَابِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ يُزَكِّي الْفَائِدَةَ لِحَوْلِهَا وَالنِّصَابَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ لِحَوْلِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْفَرْعِ إذَا قِيسَ عَلَى الْأَصْلِ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ.
وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ لَهَا اخْتِصَاصٌ بِذَلِكَ الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ فَارَقَ الْأَصْلُ الْفَرْعَ فِي أَحْكَامٍ غَيْرِهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِتِلْكَ الْعِلَّةِ لِأَنَّ مَا مِنْ فَرْعٍ إلَّا وَهُوَ يُخَالِفُ الْأَصْلَ الَّذِي قِيسَ عَلَيْهِ فِي عِدَّةِ أَحْكَامٍ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَاسَ إتْمَامَ نِصَابِ الْمَاشِيَةِ بِنَمَائِهَا الَّذِي هُوَ أَوْلَادُهَا عَلَى إتْمَامِ نِصَابِ الْعَيْنِ بِنَمَائِهِ لِعِلَّةٍ صَحِيحَةٍ وَهِيَ أَنَّ هَذَا أَيْ الْأَوْلَادُ نَمَاءٌ حَادِثٌ مِنْ الْعَيْنِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَهِيَ الْمَاشِيَةُ وَهُوَ مِنْ جِنْسِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكْمُلَ بِهَا نِصَابُهَا كَالْعَيْنِ وَهَذِهِ عِلَّةٌ تَخْتَصُّ بِالنَّمَاءِ دُونَ الْفَوَائِدِ فَاخْتِلَافُ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ فِي الْفَوَائِدِ لَا فِي النَّمَاءِ لَا يَمْنَعُ اجْتِمَاعَهُمَا فِي النَّمَاءِ الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْفَوَائِدِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأَصْلِ وَزَكَاةُ الْمَاشِيَةِ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالسَّاعِي فَإِذَا لَمْ تَجِبْ زَكَاتُهَا لِزَكَاةِ الْأَصْلِ لَمْ يُمْكِنْ تَكَرُّرُ السَّاعِي وَنِعْمَتْ الْمَعْدِلَةُ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَالْمَسَاكِينِ فَإِنَّ الْفَائِدَةَ إذَا أُضِيفَتْ إلَى أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ زُكِّيَتْ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ حَوْلِ الْفَائِدَةِ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى النِّصَابِ زُكِّيَتْ لِحَوْلِ النِّصَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَيْنُ فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ فَيُمْكِنُ إخْرَاجُهُ عِنْدَ حُلُولِ حَوْلِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ فَلَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى اعْتِبَارِهِ لِحَوْلِ النِّصَابِ فَتُعَجَّلُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وَلَا أَنْ يُضَافَ إلَى أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ فَيُزَكَّى إلَى أَكْثَرَ مِنْ حَوْلِهِ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ اهـ بِتَصَرُّفٍ مَا.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ) .
الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُقَدَّمُ وَمَا لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْحُقُوقُ قُدِّمَ مِنْهَا أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ عَلَى مَا يُقَابِلُهُ:
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَا جَعَلَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ مُضَيَّقًا مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّضْيِيقَ يُشْعِرُ بِكَثْرَةِ اهْتِمَامِهِ بِهِ يُقَدَّمُ عَلَى مَا جُوِّزَ لِلْمُكَلَّفِ تَأْخِيرُهُ، وَجَعْلُهُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ تَقْدِيمُ مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ عَلَى مَا لَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُ وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْهَا تَقْدِيمُ حِكَايَةِ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَا تَفُوتُ وَحِكَايَةَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ تَفُوتُ بِالْفَرَاغِ مِنْ الْأَذَانِ وَمِنْهَا تَقْدِيمُ صَوْنِ الْأَمْوَالِ إذَا خَرَجَتْ عَنْ الْعَادَةِ عَلَى الْعِبَادَاتِ فَيُنْتَقَلُ لِلتَّيَمُّمِ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا خَرَجَ ثَمَنُ الْمَاءِ فِي شِرَائِهِ لَهُمَا عَنْ الْعَادَةِ بِأَنْ كَانَ لَهُ بَالٌ لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ فِي شِرَائِهِ إنْ ظَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ كَمَا فِي ابْنِ حَمْدُونٍ عَلَى صَغِيرِ مَيَّارَةَ عَلَى ابْنِ عَاشِرٍ لَا إنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَقَطْ لِأَنَّ الثُّلُثَ لَا يَكُونُ
стр. 428
مِنْ الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الْكَفَّارَاتِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ بِعِتْقِ غَيْرِ مَمْلُوكِهِ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ الْوَلَاءُ أَيْضًا فَإِنَّ الْوَلَاءَ لَا يَثْبُتُ أَصْلُهُ عَنْ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ، أَمَّا غَيْرُ أَصَالَةٍ بِطَرِيقِ الْإِذْنِ فَيَحْصُلُ بِغَيْرِ تَمَلُّكٍ، هَهُنَا هُوَ أَصَالَةٌ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ الْمَالِكِ لِلْعِتْقِ عَنْهُ قُبَيْلَ صُدُورِ صِيغَةِ الْعِتْقِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ لِضَرُورَةِ ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي، نُقَدِّرُ هَذِهِ الصِّيغَةَ مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّوْكِيلِ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، وَمُشْتَمِلَةً أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ لَهُ فَهِيَ صِيغَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وَكَالَتَيْنِ وَكَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَوَكَالَةِ الْعِتْقِ، فَضَرُورَةُ ثُبُوتِ حُكْمِ الْعِتْقِ عَنْ الْغَيْرِ يُحْوِجُ إلَى هَذِهِ التَّقَادِيرِ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُعْرَفُ بِقَاعِدَةِ التَّقْدِيرَاتِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
مِنْ الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ إلَى قَوْلِهِ لِضَرُورَةِ ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ) قُلْت: لَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ الْمِلْكِ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ اتِّفَاقًا وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا.
قَالَ: (فَإِذَا قَالَ لَهُ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي نُقَدِّرُ هَذِهِ الصِّيغَةَ مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّوْكِيلِ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ) .
قُلْت: لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ هُنَا بِوَجْهٍ فَإِنَّهُ لَا عِوَضَ فَلَا وَجْهَ لِتَوْكِيلِهِ عَلَى الشِّرَاءِ قَالَ (وَمُشْتَمِلَةً أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ لَهُ فَهِيَ صِيغَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى وَكَالَتَيْنِ وَكَالَةِ الْمُعَاوَضَةِ وَوَكَالَةِ الْعِتْقِ) .
قُلْت: وَلَا تَصِحُّ أَيْضًا وَكَالَتُهُ عَلَى الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ مِلْكٌ قَالَ (فَضَرُورَةُ ثُبُوتِ حُكْمِ الْعِتْقِ عَنْ الْغَيْرِ يُحْوِجُ إلَى هَذِهِ التَّقَادِيرِ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ) .
قُلْت: لَا حَاجَةَ إلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ مِنْ التَّقَادِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمَّا فِي غَيْرِهَا فَرُبَّمَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَقُولُ: إنَّ الصِّيغَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى التَّوْكِيلِ، وَأَيُّ صِيغَةٍ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؟ هَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ.
قَالَ (وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُعْرَفُ بِقَاعِدَةِ التَّقْدِيرَاتِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
كَثِيرًا إلَّا إذَا كَانَ لِلْمَاءِ كَبِيرُ ثَمَنٍ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ بِدِرْهَمٍ فَهَذَا وَإِنْ زَادَ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ وَأَضْعَافِهِ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ عَلَى مَنْسَكِ خَلِيلٍ فِي شِرَاءِ نَعْلِ الْإِحْرَامِ فَتَنَبَّهْ، وَلَا يَجِبُ الْحَجُّ إذَا أَفْرَطَتْ الْغَرَامَاتُ فِي الطُّرُقَاتِ قَالَ الْعَدَوِيُّ عَلَى الْخَرَشِيِّ وَلَا يَسْقُطُ الْحَجُّ إذَا أَخَذَ ظَالِمٌ شَيْئًا لَا يُجْحَفُ بِهِ، وَإِذَا أَخَذَ لَا يَرْجِعُ بَلْ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ آخُذُ هَذَا الْقَدْرَ، وَعُلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ عَادَةً كَعَشَّارٍ فَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَأْخُذُ مَا يُجْحِفُ، أَوْ يَنْكُثُ وَلَوْ قَلَّ الْمَجْمُوعُ وَمِثْلُ النُّكُوثِ تَعَدُّدُ الظَّالِمِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ اهـ.
قَالَ الْخَرَشِيُّ وَكَذَا يَسْقُطُ إنْ شَكَّ أَنَّهُ يَنْكُثُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ اهـ أَفَادَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ وَمِنْهَا تَقْدِيمُ صَوْنِ النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْمَنَافِعِ عَلَى الْعِبَادَاتِ فَيُقَدَّمُ إنْقَاذُ الْغَرِيقِ وَالْحَرِيقِ وَنَحْوِهِمَا إذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ فِيهَا، أَوْ خَشِيَ فَوَاتَ وَقْتِهَا وَمِنْهَا تَقْدِيمُ صَوْنِ مَالِ الْغَيْرِ إذَا خُشِيَ فَوَاتُهُ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ حَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ بِدَلِيلِ تَرْكِ الطَّهَارَاتِ وَالْعِبَادَاتِ إذَا عَارَضَهَا ضَرَرُ الْعَبْدِ لَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ حَقُّ اللَّهِ يُقَدَّمُ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ بِالْمُحَالَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ دُونَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
(النَّوْعُ الثَّانِي) الْوَاجِبُ عَلَى الْفَوْرِ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَاجِبِ عَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّعْجِيلِ يَقْتَضِي الْأَرْجَحِيَّةَ عَلَى مَا جُعِلَ لَهُ تَأْخِيرُهُ، مَثَلًا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا فَيُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ إذَا قُلْنَا إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي وَحَقُّ السَّيِّدِ وَاجِبٌ فَوْرِيٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ إذَا قُلْنَا بِذَلِكَ وَحَقُّ الزَّوْجِ فَوْرِيٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ إذَا قُلْنَا بِذَلِكَ، وَالدَّيْنُ الْحَالُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فَوْرِيٌّ يَمْنَعُ الْخُرُوجَ إلَى الْحَجِّ إذَا قُلْنَا بِذَلِكَ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ.
(النَّوْعُ الثَّالِثُ) فَرْضُ الْأَعْيَانِ يُقَدَّمُ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِأَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ مِنْ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ يَقْتَضِي أَرْجَحِيَّةَ مَا طُلِبَ مِنْ الْبَعْضِ فَقَطْ وَلِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَعْتَمِدُ عَدَمَ تَكَرُّرِ الْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ وَفَرْضَ الْأَعْيَانِ يَعْتَمِدُ تَكَرُّرَ الْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ الَّذِي تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ أَقْوَى فِي اسْتِلْزَامِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ الَّذِي لَا تُوجَدُ الْمَصْلَحَةُ مَعَهُ إلَّا فِي بَعْضِ صُوَرِهِ قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ لِأَنَّ الْغَزْوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْحَجَّ فَرْضُ عَيْنٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُكْثِرُ الْحَجَّ وَلَا يَحْضُرُ الْغَزْوَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ أَتَى مُرَاهَقًا وَعَلَيْهِ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَلَمْ يَبْقَ قَبْلَ الْفَجْرِ إلَّا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ لِلْعِشَاءِ وَالْوُقُوفِ فَخَافَ بِاشْتِغَالِهِ بِأَحَدِهِمَا فَوَاتَ الْآخَرِ هَلْ يُصَلِّي مُطْلَقًا، أَوْ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ حِجَازِيًّا صَلَّى، وَإِلَّا أَدْرَكَ الْوُقُوفَ، أَوْ يُصَلِّي وَهُوَ مَاشٍ، أَوْ رَاكِبٌ كَصَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ فَيُدْرِكَهُمَا مَعًا؟
أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ رَجَّحَ الْأَوَّلَ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ حَيْثُ قَالَ وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ وَجَعَلَهُ الْأَصْلُ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَمَا عَدَاهُ أَقْوَالًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ إنَّهُ الْحَقُّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ وَهِيَ فَوْرِيَّةٌ إجْمَاعًا اهـ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ وَذَكَرَهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ: وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَرَجَّحَ الرَّابِعَ اهـ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ وَلَا يُنَافِي أَفْضَلِيَّةَ الصَّلَاةِ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ كَجَمْعٍ مِنْ غَيْرِهِمْ بِتَقْدِيمِ الْوُقُوفِ عَلَى الصَّلَاةِ حَيْثُ.
стр. 429
وَهُوَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ، وَإِعْطَاءُ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهَا فِي قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَهِيَ يُحْتَاجُ إلَيْهَا إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَ عَدَمِ سَبَبِهِ، أَوْ شَرْطِهِ، أَوْ قِيَامِ مَانِعِهِ.
وَإِذَا لَمْ تَدْعُ الضَّرُورَةُ إلَيْهَا لَا يَجُوزُ التَّقْدِيرُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَهَهُنَا لَمَّا دَلَّ الْأَثَرُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْأَرْبَاحِ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ الرِّبْحِ وَالسِّخَالِ فِي الْمَاشِيَةِ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ تَحْقِيقًا لِلشَّرْطِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَهُوَ دَوَرَانُ الْحَوْلِ فَإِنَّ الْحَوْلَ لَمْ يَدُرْ عَلَيْهِمَا فَيُفْعَلُ ذَلِكَ مُحَافَظَةً عَلَى الشَّرْطِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَاخْتَلَفَ فِي هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَابْنُ الْقَاسِمِ يُقَدِّرُ حَالَةَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الرِّبْحِ فَقَدَّرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عِنْدَهُ لِمُلَازَمَةِ السَّبَبِ لِمُسَبَّبِهِ وَعِنْدَ أَشْهَبَ يُقَدِّرُ يَوْمَ الْحُصُولِ لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ تَقْدِيرَيْنِ تَقْدِيرِ الشِّرَاءِ وَالْأَعْيَانِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي الرِّبْحِ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَيُقْتَصَرُ مِنْهُ عَلَى مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، وَعِنْدَ الْمُغِيرَةِ التَّقْدِيرُ يَوْمَ مِلْكِ أَصْلِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ.
وَعَلَى هَذِهِ التَّقَادِيرِ تَتَخَرَّجُ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى عَشَرَةٍ فَأَنْفَقَ مِنْهَا خَمْسَةً وَاشْتَرَى سِلْعَةً بِخَمْسَةٍ فَبَاعَهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَجِبُ الزَّكَاةُ إنْ تَقَدَّمَ الشِّرَاءُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ كَانَ الْمَالُ عَشَرَةً وَهَذِهِ عَشَرَةٌ رِبْحٌ فَكَمَلَ النِّصَابُ حِينَئِذٍ، وَإِلَّا فَلَا تَجِبُ وَأَسْقَطَهَا أَشْهَبُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ عِنْدَهُ يَوْمَ الْحُصُولِ وَيَوْمَ الْحُصُولِ لَمْ تَكُنْ إلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَوْجَبَهَا الْمُغِيرَةُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يُقَدِّرُ يَوْمَ مِلْكِهِ الْعَشَرَةَ وَلَا عِبْرَةَ بِتَقْدِيمِ الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِهِ وَعَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵄ فَلَا يُحْتَاجُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَهُوَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ، وَإِعْطَاءُ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ إلَى قَوْلِهِ مُحَافَظَةً عَلَى الشَّرْطِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ) .
قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَةُ عِتْقِ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا لَمْ تَدْعُ فِيهَا إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَمَا قَالَهُ بَعْدَ حِكَايَةِ أَقْوَالٍ وَتَوْجِيهِهَا، وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
خَافَ فَوَاتَهُ، وَتَضْعِيفُهُمْ لِقَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَزِيدِ مَشَقَّةِ الْحَجِّ وَعَدَمِ إمْكَانِهِ كُلَّ وَقْتٍ، وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ كَلَامِهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِهِمْ بِمَنْ أَحْرَمَ قَبْلُ، وَإِلَّا صَلَّى وَلَوْ فَاتَ وَقَدْ قَالُوا بِعَدَمِ وُجُوبِ الْحَجِّ فِي الْبَحْرِ حَيْثُ حَصَلَ لَهُ دَوْخَةٌ تَمْنَعُهُ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُحَرَّرْ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ]
(الْفَرْقُ الْعَاشِرُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ) .
عَنْ الْمُكَلَّفِ تَصِحُّ النِّيَابَةُ عَقْلًا فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ قَلْبِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا، وَأَمَّا الشَّرْعُ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَعْمَالَ الْقَلْبِيَّةَ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِيهَا إلَّا مَا كَانَ مِنْ النِّيَّةِ كَإِحْجَاجِ الصَّبِيِّ وَسَائِرِ نِيَّاتِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا عَلَى حَسَبِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَغَيْرَ الْقَلْبِيَّةِ إنْ كَانَتْ مَالِيَّةً مَحْضَةً كَرَدِّ الْعَوَارِيِّ وَالْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبَاتِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَتَفْرِيقِ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلُحُومِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَذَبْحِ النُّسُكِ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَالِيَّةٍ مَحْضَةٍ فَبَعْضُهُمْ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي عَدَمِ صِحَّتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهَا، وَبَعْضُهُمْ حَكَى الْخِلَافَ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا.
وَجَعَلَ الْأَصْلَ ضَابِطًا لِلْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ كَوْنُ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا إنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ مَنْظُورٍ فِيهَا لِذَاتِ الْفَاعِلِ بِحَيْثُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ مُنِعَتْ فِيهِ النِّيَابَةُ قَطْعًا وَذَلِكَ كَالْيَمِينِ مَصْلَحَتُهُ الدَّلَالَةُ عَلَى صِدْقِ الْمُدَّعِي فَلَا تَحْصُلُ بِحَلِفِ غَيْرِهِ عَنْهُ وَلِذَا يُقَالُ لَيْسَ فِي السُّنَّةِ أَنْ يَحْلِفَ أَحَدٌ وَيَسْتَحِقَّ غَيْرُهُ وَكَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ مَصْلَحَتُهُ إجْلَالُ اللَّهِ وَتَعْظِيمُهُ، وَإِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ فَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِمُبَاشَرَةِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ وَكَوَطْءِ الزَّوْجَةِ مَصْلَحَتُهُ الْإِعْفَافُ وَتَحْصِيلُ وَلَدٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ مَنْظُورٍ فِيهَا لِذَاتِ الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ مَصْلَحَتِهِ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ صَحَّتْ فِيهِ النِّيَابَةُ قَطْعًا وَذَلِكَ كَرَدِّ الْعَوَارِيِّ وَالْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبَاتِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَتَفْرِيقِ الزَّكَوَاتِ مِمَّا مَصْلَحَتُهُ إيصَالُ الْحُقُوقِ لِأَهْلِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِهِ فَيَبْرَأُ مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ بِالْوَفَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ، وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ مَنْظُورٍ فِيهَا لِجِهَةِ الْفِعْلِ وَلِجِهَةِ الْفَاعِلِ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَيِّ الشَّائِبَتَيْنِ تُغَلَّبُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَالْحَجِّ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهُ كَمَا أَنَّهَا تَأْدِيبُ النَّفْسِ بِمُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ، وَتَهْذِيبُهَا بِالْخُرُوجِ عَنْ الْمُعْتَادِ مِنْ الْمَخِيطِ وَغَيْرِهِ لِتَذَكُّرِ الْمَعَادِ وَالِانْدِرَاجِ فِي الْأَكْفَانِ، وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ، وَإِظْهَارِ الِانْقِيَادِ مِنْ الْعَبْدِ لِمَا لَمْ يُعْلَمْ حَقِيقَتُهُ كَمَرْمَى الْجِمَارِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُقُوفِ عَلَى بُقْعَةٍ خَاصَّةٍ دُونَ سَائِرِ الْبِقَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا تُحْصَى وَلَا تَحْصُلُ إلَّا لِلْمُبَاشِرِ كَالصَّلَاةِ.
كَذَلِكَ مَصْلَحَتُهُ الْقُرْبَةُ الْمَالِيَّةُ غَالِبًا إذْ لَا يُعَرَّى عَنْ الْإِنْفَاقِ فِي سَفَرِهِ غَالِبًا فَلَمَّا لَاحَظَ غَيْرُ مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ مَصْلَحَتَهُ الثَّانِيَةَ قَالُوا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ وَلَمَّا لَاحَظَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ وَافَقَهُ مَصْلَحَتَهُ الْأُولَى قَالُوا لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ
стр. 430
إلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مُطْلَقًا فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ - وَهِيَ قَاعِدَةُ التَّقَادِيرِ - يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْبَاحِ وَقَاعِدَةِ الْفَوَائِدِ إنْ قُلْنَا بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ)
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَعْرِفَةِ قَاعِدَةٍ فِي التَّرْجِيحَاتِ - وَضَابِطُ مَا قَدَّمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَطْلُوبَاتِ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْحُقُوقُ قُدِّمَ مِنْهَا الْمُضَيَّقُ عَلَى الْمُوَسَّعِ؛ لِأَنَّ التَّضْيِيقَ يُشْعِرُ بِكَثْرَةِ اهْتِمَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِمَا جَعَلَهُ مُضَيَّقًا، وَأَنَّ مَا جَوَّزَ لَهُ تَأْخِيرَهُ وَجَعَلَهُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ دُونَ ذَلِكَ.
وَيُقَدَّمُ الْفَوْرِيُّ عَلَى الْمُتَرَاخِي؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّعْجِيلِ يَقْتَضِي الْأَرْجَحِيَّةَ عَلَى مَا جُعِلَ لَهُ تَأْخِيرُهُ، وَيُقَدَّمُ فَرْضُ الْأَعْيَانِ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ مِنْ جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ يَقْتَضِي أَرْجَحِيَّةَ مَا طُلِبَ مِنْ الْبَعْضِ فَقَطْ وَلِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَعْتَمِدُ عَدَمَ تَكَرُّرِ الْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ، وَالْأَعْيَانِ يَعْتَمِدُ تَكَرُّرَ الْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ الَّذِي تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ أَقْوَى فِي اسْتِلْزَامِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ الَّذِي لَا تُوجَدُ الْمَصْلَحَةُ مَعَهُ إلَّا فِي بَعْضِ صُوَرِهِ وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ مَا يُخْشَى فَوَاتُهُ عَلَى مَا لَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَةُ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لَا تَفُوتُ.
وَحِكَايَةُ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ تَفُوتُ بِالْفَرَاغِ مِنْ الْأَذَانِ وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ صَوْنُ الْأَمْوَالِ عَلَى الْعِبَادَاتِ إذَا خَرَجَتْ عَنْ الْعَادَةِ كَتَقْدِيمِ صَوْنِ الْمَالِ فِي شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَلَى الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَيُنْتَقَلُ لِلتَّيَمُّمِ، وَكَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْحَجِّ إذَا أَفْرَطَتْ الْغَرَامَاتُ فِي الطُّرُقَاتِ وَيُقَدَّمُ صَوْنُ النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْمَنَافِعِ عَلَى الْعِبَادَاتِ فَيُقَدَّمُ إنْقَاذُ الْغَرِيقِ وَالْحَرِيقِ وَنَحْوِهِمَا عَلَى الصَّلَاةِ إذَا كَانَ فِيهَا، أَوْ خَارِجًا عَنْهَا وَخَشِيَ فَوَاتَ وَقْتِهَا فَيُفَوِّتُهَا وَيَصُونُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَهُوَ أَقْوَى ضَرُورَةَ أَنَّ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الْحَجِّ بِالذَّاتِ.
وَأَمَّا الْمَالِيَّةُ فَإِنَّمَا حَصَلَتْ فِيهِ بِطَرِيقِ الْعَرَضِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَكِّيَّ يَحُجُّ بِلَا مَالٍ فَكَمَا أَنَّ الْمَالِيَّةَ قَدْ تَعْرِضُ فِي الْجُمُعَاتِ فِيمَنْ احْتَاجَ لِلرُّكُوبِ إلَيْهَا فَاكْتَرَى لِذَلِكَ وَلَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا إجْمَاعًا كَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْحَجِّ نَعَمْ لِغَيْرِ مَالِكٍ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ عُرُوضَ الْمَالِ فِي الْحَجِّ أَكْثَرُ مَعَ مَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ الْحَجِّ عَنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَرْضَى يُحْرِمُ عَنْهُمْ غَيْرُهُمْ وَيَفْعَلُ أَفْعَالَ الْحَجِّ وَالْعِبَادَاتِ أَمْرٌ مُتَّبَعٌ اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ.
وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ هَذَا الضَّابِطَ يَنْتَقِضُ بِالصَّوْمِ فَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِجَوَازِ النِّيَابَةِ فِيهِ اهـ وَمُرَادُهُ بِالْحَدِيثِ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» .
وَأَمَّا حَدِيثُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَتَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ فَقَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِيهِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» فَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى الْمُوَطَّإِ قَدْ أُعِلَّ بِالِاضْطِرَابِ فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ السَّائِلَ امْرَأَةٌ أَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ. وَفِي أُخْرَى وَعَلَيْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأُخْرَى أَنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَأُخْرَى قَالَ رَجُلٌ مَاتَتْ أُمِّي وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ نَعَمْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ اضْطِرَابًا، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافٌ يُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَقَائِعِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ لِاتِّحَادِ الْمُخَرِّجِ فَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ اهـ فَتَأَمَّلْ وَسَيَأْتِي فِي الْفَرْقِ الْحَادِي وَالسَّبْعِينَ وَالْمِائَةِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ الْغَيْرِ عَنْ ابْنِ الشَّاطِّ أَنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ هَذَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ مَسَائِلَ لِتَوْضِيحِ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَذْكُرْهَا هُنَا فَتَرَقَّبْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُضْمَنُ وَمَا لَا يُضْمَنُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُضْمَنُ]
(الْفَرْقُ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُضْمَنُ)
وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُضْمَنُ، لِلضَّمَانِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْأَوَّلُ مَا يَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ، وَالثَّانِي الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ، وَالثَّالِثُ الْوَاجِبُ فِي الضَّمَانِ فَأَمَّا مَا يَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ فَقَالَ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: كُلُّ مَالٍ أُتْلِفَتْ عَيْنُهُ، أَوْ تَلِفَ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَيْ، أَوْ غَيْرِهِ عَيْنُهُ بِأَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ، أَوْ سُلِّطَتْ الْيَدُ عَلَيْهِ وَتُمُلِّكَ وَذَلِكَ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ بِاتِّفَاقٍ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ مِثْلِ الْعَقَارِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّهَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ أَعْنِي أَنَّهَا إنْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ ضَمِنَ مِنْ قِيمَتِهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَضْمَنُ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ كَوْنُ يَدِ الْغَاصِبِ عَلَى الْعَقَارِ مِثْلُ كَوْنِ يَدِهِ عَلَى مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ فَمَنْ جَعَلَ حُكْمَ ذَلِكَ وَاحِدًا قَالَ بِالضَّمَانِ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ حُكْمَ ذَلِكَ وَاحِدًا قَالَ لَا ضَمَانَ اهـ.
وَأَمَّا الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ فِي الشَّرِيعَةِ فَثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ لَا رَابِعَ لَهَا فَمَتَى وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْهَا وَجَبَ الضَّمَانُ وَمَتَى لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهَا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ:
أَحَدُهَا الْعُدْوَانُ كَالْقَتْلِ وَالطَّرْقِ، وَهَدْمِ الدُّورِ وَأَكْلِ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ إتْلَافِ الْمُتَمَوَّلَاتِ قَالَ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُبَاشَرَةِ أَيْ مُبَاشَرَةِ الْإِتْلَافِ الْعَمْدُ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ فَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْأَمْوَالَ تُضْمَنُ عَمْدًا وَخَطَأً، وَإِنْ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ جُزْئِيَّةٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فَالْمَعْلُومُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا وَلِذَلِكَ رَأَى عَلَى الْمُكْرَهِ الضَّمَانَ، أَعْنِي الْمُكْرَهَ عَلَى الْإِتْلَافِ اهـ
وَثَانِيهَا التَّسَبُّبُ لِلْإِتْلَافِ قَالَ الْأَصْلُ: وَلِلسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَكِنْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ
стр. 431
مَا تَعَيَّنَ صَوْنُهُ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ صَوْنُ مَالِ الْغَيْرِ عَلَى الصَّلَاةِ إذَا خُشِيَ فَوَاتُهُ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ حَقِّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ حَقُّ اللَّهِ يُقَدَّمُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ بِالْمُحَالَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ دُونَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ حَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ بِدَلِيلِ تَرْكِ الطَّهَارَاتِ وَالْعِبَادَاتِ إذَا عَارَضَهَا ضَرَرُ الْعَبْدِ، وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَتَّضِحُ لَك مَا يُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ مِمَّا لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ فَيُقَدَّمُ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْحَجِّ، إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا وَالْفَوْرِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُتَرَاخِي وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ حَقُّ السَّيِّدِ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ وَحَقُّ السَّيِّدِ وَاجِبٌ فَوْرِيٌّ وَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى الْحَجِّ الْفَرْضِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فَوْرِيٌّ وَكَذَلِكَ يَمْنَعُ الدَّيْنُ الْحَالُّ الْخُرُوجَ إلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ فَوْرِيٌّ وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ.
قَالَ مَالِكٌ ﵀: الْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْحَجَّ فَرْضُ عَيْنٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُكْثِرُ الْحَجَّ وَلَا يَحْضُرُ الْغَزْوَ وَكَذَلِكَ تُقَدَّمُ رَكْعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ عَلَى الْحَجِّ إذَا لَمْ يَبْقَ قَبْلَ الْفَجْرِ إلَّا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ لِلْعِشَاءِ وَالْوُقُوفِ قَالَ أَصْحَابُنَا ﵏ يُفَوِّتُ الْحَجَّ وَيُصَلِّي وَلِلشَّافِعِيَّةِ ﵏ أَقْوَالٌ: يُفَوِّتُهَا، وَيُقَدِّمُ الْحَجَّ لِعِظَمِ مَشَقَّتِهِ يُصَلِّي وَهُوَ يَمْشِي كَصَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ، وَالْحَقُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ وَهِيَ فَوْرِيَّةٌ إجْمَاعًا وَبِاَللَّهِ الْإِعَانَةُ.
(الْفَرْقُ الْعَاشِرُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ)
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْفَرْقُ الْعَاشِرُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ عَنْ الْمُكَلَّفِ) .
قُلْت: صِحَّةُ النِّيَابَةِ فِي الْأَفْعَالِ كُلِّهَا الْقَلْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا جَائِزَةٌ عَقْلًا لَكِنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ بِصِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى أَنَّ التَّسَبُّبَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ وَقَالَ فِيمَا يَأْتِي لَهُ فِي الْفَرْقِ السَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَتَيْنِ: وَالسَّبَبُ مَا يُقَالُ عَادَةً حَصَلَ الْهَلَاكُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطٍ، وَالتَّسَبُّبُ مَا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ عِنْدَهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى إذَا كَانَ السَّبَبُ هُوَ الْمُقْتَضِيَ لِوُقُوعِ الْفِعْلِ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ اهـ.
وَقَالَ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهِ الضَّمَانُ إذَا تَنَاوَلَ التَّلَفَ بِوَاسِطَةِ سَبَبٍ آخَرَ هَلْ يَحْصُلُ بِهِ ضَمَانٌ أَمْ لَا وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ مِنْهَا أَنْ يَفْتَحَ قَفَصًا فِيهِ طَائِرٌ فَيَطِيرَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَقَالَ مَالِكٌ يَضْمَنُهُ هَاجَهُ عَلَى الطَّيَرَانِ، أَوْ لَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ إنْ هَاجَهُ وَلَا يَضْمَنُ إنْ لَمْ يَهِجْهُ يَعْنِي إنْ طَارَ عَقِيبَ الْفَتْحِ ضَمِنَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَضْمَنُ عَلَى حَالٍ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ فَتْحَ الْقَفَصِ سَبَبُ الْإِتْلَافِ عَادَةً فَيُوجِبُ الضَّمَانَ كَسَائِرِ صُوَرِ التَّسَبُّبِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا كَمَا إذَا فَتَحَ مُرَاحَهُ فَخَرَجَتْ مَاشِيَتُهُ فَأَفْسَدَتْ الزَّرْعَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ وَقَدْ أُسْقِطَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] خُصُوصُ التَّسَبُّبِ فَبَقِيَ الْغُرْمُ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ التَّسَبُّبُ وَالْمُبَاشَرَةُ اُعْتُبِرَتْ الْمُبَاشَرَةُ دُونَهُ وَالطَّيْرُ مُبَاشِرٌ بِاخْتِيَارِهِ لِحَرَكَةِ نَفْسِهِ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا فِي مَحَلٍّ فَأَرْدَى فِيهَا غَيْرُهُ إنْسَانًا فَإِنَّ الْمُرْدِيَ يَضْمَنُ دُونَ الْحَافِرِ وَالْحَيَوَانُ قَصْدُهُ مُعْتَبَرٌ بِدَلِيلِ جَوَارِحِ الصَّيْدِ إنْ أَمْسَكَتْ لِأَنْفُسِهَا لَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ أَوْ لِلصَّائِدِ أُكِلَ وَالْجَوَابُ بِوُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّائِرَ كَانَ مُخْتَارًا لِلطَّيَرَانِ وَلَعَلَّهُ كَانَ مُخْتَارًا لِلْإِقَامَةِ لِانْتِظَارِ الْعَلَفِ، أَوْ خَوْفِ الْجَوَارِحِ الْكَوَاسِرِ، وَإِنَّمَا طَارَ خَوْفًا مِنْ الْفَاتِحِ، وَإِذَا احْتَمَلَ - وَاحْتَمَلَ، وَالسَّبَبُ مَعْلُومٌ - فَيُضَافُ الضَّمَانُ إلَيْهِ كَحَافِرِ الْبِئْرِ يَقَعُ فِيهَا حَيَوَانٌ مَعَ إمْكَانِ اخْتِيَارِهِ لِنُزُولِهَا لِفَزَعٍ خَلْفَهُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّيْدَ لَا يُؤْكَلُ إذَا أَكَلَ مِنْهُ الْجَارِحُ، سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّ الضَّمَانَ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّبَبِ الَّذِي تَوَصَّلَ بِهِ الطَّائِرُ لِمَقْصِدِهِ كَمَنْ أَرْسَلَ بَازِيًا عَلَى طَائِرِ غَيْرِهِ فَقَتَلَهُ الْبَازِي بِاخْتِيَارِهِ فَإِنَّ الْمُرْسِلَ يَضْمَنُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقْتَضِي اخْتِيَارَ الْحَيَوَانِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفَتْحَ سَبَبٌ مُجَرَّدٌ بَلْ هُوَ فِي مَعْنَى الْمُبَاشَرَةِ لِمَا فِي طَبْعِ الطَّائِرِ مِنْ النُّفُورِ مِنْ الْآدَمِيِّ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ حَافِرِ الْبِئْرِ يَضْمَنُ مَنْ أَرْدَى إنْسَانًا فِيهَا دُونَهُ وَبَيْنَ فَاتِحِ الْقَفَصِ فَيَطِيرُ الطَّائِرُ مِنْهُ يَضْمَنُ الْفَاتِحُ وَلَمْ يُعْتَبَرْ قَصْدُ الطَّائِرِ بِأَنَّ قَصْدَ الطَّائِرِ وَنَحْوِهِ ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، وَالْآدَمِيُّ يَضْمَنُ قَصَدَ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ» فَافْهَمْ وَمِنْهَا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَسَقَطَ فِيهِ شَيْءٌ فَهَلَكَ فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولَانِ إنْ حَفَرَهُ بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ حَفَرَهُ تَعَدِّيًا ضَمِنَ مَا تَلِفَ فِيهِ، وَإِلَّا لَمْ يَضْمَنْ وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ كَمَسْأَلَةِ الطَّائِرِ وَمِنْهَا وَقِيدُ النَّارِ قَرِيبًا مِنْ الزَّرْعِ، أَوْ الْأَنْدَرِ فَتَعْدُو فَتُحْرِقُ مَا جَاوَرَهَا وَمِنْهَا رَمْيُ مَا يُزْلِقُ النَّاسَ فِي الطُّرُقَاتِ فَيَعْطَبُ بِسَبَبِ ذَلِكَ حَيَوَانٌ، أَوْ غَيْرُهُ وَمِنْهَا الْكَلِمَةُ الْبَاطِلَةُ عِنْدَ ظَالِمٍ إغْرَاءً عَلَى مَالِ إنْسَانٍ فَيَأْخُذُهُ الظَّالِمُ فَإِنَّ الْمُتَسَبِّبَ فِي جَمِيعِهَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ كَمَسْأَلَةِ الطَّائِرِ وَمِنْهَا مَنْ قَطَعَ الْوَثِيقَةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِلْحَقِّ وَالشَّهَادَةِ بِهِ يَضْمَنُ عِنْدَ مَالِكٍ ذَلِكَ الْحَقَّ لِتَسَبُّبٍ فِيهِ كَثَمَنِ الْوَثِيقَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ ثَمَنَ الْوَثِيقَةِ خَاصَّةً فَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ الْإِتْلَافَ دُونَ السَّبَبِ وَمَالِكٌ اعْتَبَرَهُمَا مَعًا وَرَأَى أَنَّهُ أَتْلَفَ الْوَرَقَةَ
стр. 432
هَذَا الْفَرْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْأَفْعَالَ قِسْمَانِ مِنْهَا مَا يَشْتَمِلُ فِعْلُهُ عَلَى مَصْلَحَةٍ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ فَاعِلِهِ كَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْغُصُوبَاتِ وَتَفْرِيقِ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلُحُومِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَذَبْحِ النُّسُكِ وَنَحْوِهَا فَيَصِحُّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ النِّيَابَةُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ انْتِفَاعُ أَهْلِهَا بِهَا وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ لِحُصُولِهَا مِنْ نَائِبِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ تُشْتَرَطُ النِّيَّاتُ فِي أَكْثَرِهَا وَمِنْهَا مَا لَا يَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً فِي نَفْسِهِ بَلْ بِالنَّظَرِ إلَى فَاعِلِهِ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا الْخُشُوعُ وَالْخُضُوعُ، وَإِجْلَالُ الرَّبِّ وَتَعْظِيمُهُ وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنْ جِهَةِ فَاعِلِهَا فَإِذَا فَعَلَهَا غَيْرُ الْإِنْسَانِ فَاتَتْ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي طَلَبَهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ وَلَا تُوصَفُ حِينَئِذٍ بِكَوْنِهَا مَشْرُوعَةً فِي حَقِّهِ فَلَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا إجْمَاعًا وَمِنْهَا قِسْمٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ فَتَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ ﵏ فِي أَيِّ الشَّائِبَتَيْنِ تُغَلَّبُ عَلَيْهِ كَالْحَجِّ فَإِنَّ مَصَالِحَهُ تَأْدِيبُ النَّفْسِ بِمُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ.
وَتَهْذِيبُهَا بِالْخُرُوجِ عَنْ الْمُعْتَادِ مِنْ الْمَخِيطِ وَغَيْرِهِ لِتَذَكُّرِ الْمَعَادِ وَالِانْدِرَاجِ فِي الْأَكْفَانِ وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ، وَإِظْهَارِ الِانْقِيَادِ مِنْ الْعَبْدِ لِمَا لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ كَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالسَّعْيِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ فَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْقَلْبِيَّةُ فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي عَدَمِ صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِيهَا إلَّا مَا كَانَ مِنْ النِّيَّةِ كَإِحْجَاجِ الصَّبِيِّ، وَفِي سَائِرِ نِيَّاتِ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا عَلَى حَسَبِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَغَيْرُ الْقَلْبِيَّةِ: فَالْمَالِيَّةُ الْمَحْضَةُ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِيهَا.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَالِيَّةِ الْمَحْضَةِ فَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ فِي عَدَمِ صِحَّتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَالْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهَا وَحَكَى بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَمَا قَالَهُ شِهَابُ الدِّينِ وَجَعَلَهُ ضَابِطًا لِلْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ - مِنْ مُرَاعَاةِ كَوْنِ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْأَمْرِ يُشْتَرَطُ فِيهَا حُصُولُهَا مِنْ النَّائِبِ كَحُصُولِهَا مِنْ الْمَنُوبِ عَنْهُ وَحِينَئِذٍ تَصِحُّ - يَنْتَقِضُ بِالصَّوْمِ، فَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِجَوَازِ النِّيَابَةِ فِيهِ، وَمَا رُجِّحَ بِهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْحَجِّ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقَيْنِ بَعْدَ هَذَا صَحِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِالْمُبَاشَرَةِ بِالْإِتْلَافِ وَأَتْلَفَ الْحَقَّ بِالتَّسَبُّبِ فَرَتَّبَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مُقْتَضَاهُمَا وَمِنْهَا مَنْ مَرَّ عَلَى حِبَالَةٍ فَوَجَدَ فِيهَا صَيْدًا يُمْكِنُهُ تَخْلِيصُهُ وَحَوْزُهُ لِصَاحِبِهِ فَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ يَضْمَنُهُ لِصَاحِبِهِ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّ صَوْنَ مَالِ الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الصَّوْنِ ضَمِنَ وَمِنْهَا مَنْ مَرَّ بِلُقَطَةٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ إذَا تَرَكَهَا أَخَذَهَا مَنْ يَجْحَدُهَا يَضْمَنُهَا عِنْدَ مَالِكٍ إذَا تَرَكَهَا حَتَّى تَلِفَتْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَخْذِهَا لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَخْذُهَا اهـ.
كَلَامُ الْبِدَايَةِ بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ مِمَّا يَأْتِي لِلْأَصْلِ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ وَمِنْ غَيْرِهِ.
وَثَالِثُهَا وَضْعُ الْيَدِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُؤْتَمَنَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ عَادِيَةً كَيَدِ السُّرَّاقِ وَالْغُصَّابِ وَنَحْوِهِمْ أَوْ لَيْسَتْ بِعَادِيَةٍ كَمَا فِي الْمَبِيعِ بَيْعًا صَحِيحًا يَبْقَى بِيَدِ الْبَائِعِ فَيَضْمَنُهُ، أَوْ يَقْبِضُهُ الْمُشْتَرِي فَيَضْمَنُهُ أَوْ بَيْعًا فَاسِدًا يَقْبِضُهُ الْمُشْتَرِي فَيَضْمَنُهُ عِنْدَنَا فَقَطْ إذَا تَغَيَّرَ سُوقُهُ، أَوْ فِي ذَاتِهِ، أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، أَوْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا إذَا أَتْلَفَهُ الْمُشْتَرِي، وَكَمَا فِي قَبْضِ الْعَوَارِيِّ وَالرُّهُونِ الَّتِي يُغَابُ عَلَيْهَا كَالْحُلِيِّ وَالسِّلَاحِ وَأَنْوَاعِ الْعُرُوضِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَكَمَا فِي قَبْضِ الْمُقْتَرِضِ الْأَعْيَانَ الَّتِي يَقْتَرِضُهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا اتِّفَاقًا وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُؤْتَمَنَةٍ الْيَدُ الْمُؤْتَمَنَةُ كَوَضْعِ الْيَدِ فِي الْوَدَائِعِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَكَأَيْدِي الْأَوْصِيَاءِ عَلَى أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَالْحُكَّامِ عَلَى ذَلِكَ وَأَمْوَالِ الْغَائِبِينَ وَالْمَجَانِينِ وَكَذَا أَيْدِي الْأُجَرَاءِ فِي الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ كَانَ الْأَجِيرُ صَانِعًا يُؤَثِّرُ بِصَنْعَتِهِ فِي الْأَعْيَانِ، أَوْ عَلَى حَمْلِ الطَّعَامِ الَّذِي تَتُوقُ النَّفْسُ إلَى تَنَاوُلِهِ كَالْفَوَاكِهِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأَطْعِمَةِ الْمَطْبُوخَةِ طَرْدًا لِقَاعِدَةِ الْأَمَانَةُ فِي الْإِجَارَةِ وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ صُورَتَيْنِ: الْأُولَى الْأَجِيرُ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي الْأَعْيَانِ بِصَنْعَتِهِ كَالْخَيَّاطِ وَالْقَصَّارِ اسْتَحْسَنَ فِيهَا أَنَّ
الْأَصْلَحَ
لِلنَّاسِ تَضْمِينُ الْأُجَرَاءِ لِأَنَّ السِّلْعَةَ إذَا تَغَيَّرَتْ بِالصَّنْعَةِ لَا يَعْرِفُهَا رَبُّهَا إذَا وَجَدَهَا قَدْ بِيعَتْ فِي الْأَسْوَاقِ.
وَالثَّانِيَةُ الْأَجِيرُ عَلَى حَمْلِ الطَّعَامِ الَّذِي تَتُوقُ النَّفْسُ إلَى تَنَاوُلِهِ فَإِنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَضْمَنُ الْأَجِيرُ فِيهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، إذَا عَلِمْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ جَمِيعَ مَا وَضْعُ الْأَيْدِي فِيهِ مُؤْتَمَنَةٌ مِنْ النَّظَائِرِ لَا ضَمَانَ فِيهِ وَهِيَ قَاعِدَةُ مَا لَا يُضْمَنُ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا وَضْعُ الْأَيْدِي فِيهِ غَيْرُ مُؤْتَمَنَةٍ مِنْ النَّظَائِرِ فِيهِ الضَّمَانُ كَمَا فِي مُبَاشَرَةِ إتْلَافِ الْمُتَمَوَّلَاتِ وَالتَّسَبُّبِ لِلْإِتْلَافِ وَأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الثَّلَاثَةَ هِيَ أَسْبَابُ الضَّمَانِ وَهِيَ قَاعِدَةُ مَا يُضْمَنُ فَهَذَا هُوَ تَقْرِيرُ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُهُ.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ فِي الضَّمَانِ فَهُوَ إمَّا رَدُّ الْمَالِ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، وَإِمَّا رَدُّ مِثْلِهِ إنْ اُسْتُهْلِكَ وَكَانَ مِثْلِيًّا، أَمَّا إنْ كَانَ عُرُوضًا مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ فَقَالَ مَالِكٌ لَا يُقْضَى فِيهِ إلَّا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ اُسْتُهْلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَدَاوُد: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ الْمِثْلُ وَلَا تَلْزَمُ الْقِيمَةُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ وَعُمْدَةُ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي قِيمَةَ الْعَدْلِ» الْحَدِيثَ.
وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ الْمِثْلَ وَأَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ وَمَنْ الْحُجَّةِ لَهُمْ مَا خَرَّجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ جَارِيَةً بِقَصْعَةٍ لَهَا فِيهَا طَعَامٌ قَالَ
стр. 433
بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُقُوفِ عَلَى بُقْعَةٍ خَاصَّةٍ دُونَ سَائِرِ الْبِقَاعِ
وَهَذِهِ مَصَالِحُ لَا تُحْصَى وَلَا تَصْلُحُ إلَّا لِلْمُبَاشِرِ
كَالصَّلَاةِ فِي حُكْمِهَا وَمَصَالِحِهَا فَمَنْ لَاحَظَ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ مَالِكٌ ﵁ وَمَنْ وَافَقَهُ قَالُوا: لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ وَمَنْ لَاحَظَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَمُشَابَهَةَ النُّسُكِ فِي الْمَالِيَّةِ فَإِنَّ الْحَجَّ لَا يَعْرَى عَنْ الْقُرْبَةِ الْمَالِيَّةِ غَالِبًا فِي الْإِنْفَاقِ فِي الْأَسْفَارِ قَالَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ، وَالشَّائِبَةُ الْأُولَى أَقْوَى وَأَظْهَرُ وَهِيَ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الْحَجِّ بِالذَّاتِ، وَالْمَالِيَّةُ إنَّمَا حَصَلَتْ بِطَرِيقِ الْعَرَضِ كَمَا تَحْصُلُ فِيمَنْ احْتَاجَ لِلرُّكُوبِ إلَى الْجُمُعَاتِ فَاكْتَرَى لِذَلِكَ فَإِنَّ الْمَالِيَّةَ عَارِضَةٌ فِي الْجُمُعَاتِ وَلَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْحَجِّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَبِهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(الْفَرْقُ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُضْمَنُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُضْمَنُ)
اعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ الضَّمَانِ فِي الشَّرِيعَةِ ثَلَاثَةٌ لَا رَابِعَ لَهَا أَحَدُهَا الْعُدْوَانُ كَالْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَهَدْمِ الدُّورِ وَأَكْلِ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ إتْلَافِ الْمُتَمَوَّلَاتِ فَمَنْ تَعَدَّى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ إمَّا الْمِثْلُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ الْقِيمَةُ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْجَوَابِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزَّوَاجِرِ وَالْجَوَابِرِ، وَثَانِيهَا التَّسَبُّبُ لِلْإِتْلَافِ كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْحَيَوَانِ فِي غَيْرِ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ لِلْحَافِرِ، أَوْ فِي أَرْضِهِ لَكِنْ حَفَرَهَا لِهَذَا الْغَرَضِ وَكَوَقِيدِ النَّارِ قَرِيبًا مِنْ الزَّرْعِ، أَوْ الْأَنْدَرِ فَتَعْدُو فَتُحْرِقُ مَا جَاوَرَهَا وَكَرَمْيِ مَا يُزْلِقُ النَّاسَ فِي الطُّرُقَاتِ فَيَعْطَبُ بِسَبَبِ ذَلِكَ حَيَوَانٌ، أَوْ غَيْرُهُ وَكَالْكَلِمَةِ الْبَاطِلَةِ عِنْدَ ظَالِمٍ إغْرَاءً عَلَى مَالِ إنْسَانٍ فَإِنَّ الظَّالِمَ إذَا أَخَذَ الْمَالَ بِذَلِكَ السَّبَبِ مِنْ الْكَلَامِ ضَمِنَهُ الْمُتَكَلِّمُ وَكَتَقْطِيعِ الْوَثِيقَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْحَقِّ وَلِلشَّهَادَةِ بِهِ فَيَضِيعُ الْحَقُّ بِسَبَبِ تَقْطِيعِهَا فَيَضْمَنُ عِنْدَ مَالِكٍ ذَلِكَ الْحَقَّ لِتَسَبُّبِهِ فِيهِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتْ الْقَصْعَةَ فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى وَجَعَلَ فِيهَا جَمِيعَ الطَّعَامِ وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ كُلُوا كُلُوا حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتُهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا وَحَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا فَدَفَعَ الصَّفْحَةَ الصَّحِيحَةَ إلَى الرَّسُولِ وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ هِيَ الَّتِي غَارَتْ وَكَسَرَتْ الْإِنَاءَ وَأَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْتُ قَالَ: إنَاءٌ مِثْلُ إنَاءٍ وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ» كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْجَوَابِرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالثَّلَاثِينَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الزَّوَاجِرِ وَالْجَوَابِرِ.
(وَصْلٌ) إذَا اجْتَمَعَ مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ الثَّلَاثَةِ سَبَبَانِ كَالْمُبَاشَرَةِ وَالتَّسَبُّبِ مِنْ جِهَتَيْنِ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا لِإِنْسَانٍ لِيَقَعَ فِيهِ فَجَاءَهُ آخَرُ فَأَلْقَاهُ فِيهِ فَهَذَا مُبَاشِرٌ وَالْأَوَّلُ مُتَسَبِّبٌ فَالْغَالِبُ تَقْدِيمُ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى التَّسَبُّبِ لِأَنَّ شَأْنَ الشَّرِيعَةِ تَقْدِيمُ الرَّاجِحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ فَيُقَدَّمُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ الْمُلْقِي فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ الْحَافِرِ وَقَدْ لَا تُقَدَّمُ الْمُبَاشَرَةُ عَلَى التَّسَبُّبِ لِضَعْفِهَا عَنْهُ بَلْ إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُبَاشِرِ وَالْمُتَسَبِّبِ مَعًا إذَا كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ مَغْمُورَةً كَقَتْلِ الْمُكْرَهِ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ عَلَيْهَا وَلَا تُغَلَّبُ الْمُبَاشَرَةُ لِقُوَّةِ التَّسَبُّبِ، وَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ وَحْدَهُ إذَا وَقَعَتْ الْمُبَاشَرَةُ مِنْ نَفْسِ الْمَقْتُولِ جَهْلًا كَتَقْدِيمِ السُّمِّ لِإِنْسَانٍ فِي طَعَامِهِ فَيَأْكُلُهُ جَاهِلًا بِهِ فَإِنَّهُ مُبَاشِرٌ لِقَتْلِ نَفْسِهِ، وَوَاضِعُ السُّمِّ مُتَسَبِّبٌ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ وَحْدَهُ أَوْ وَقَعَتْ الْمُبَاشَرَةُ مِنْ الْحُكَّامِ كَمَا إذَا شَهِدَ شُهُودُ الزُّورِ، أَوْ الْجَهَلَةُ بِمَا يُوجِبُ ضَيَاعَ الْمَالِ عَلَى الْإِنْسَانِ، ثُمَّ يَعْتَرِفُونَ بِالْكَذِبِ، أَوْ الْجَهَالَةِ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ مُتَسَبِّبُونَ كَالْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ بِجَامِعِ مُطْلَقِ التَّسَبُّبِ وَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَلَا يَضْمَنُ الْحَاكِمُ شَيْئًا مَعَ أَنَّهُ الْمُبَاشِرُ، وَالشَّاهِدَ مُتَسَبِّبٌ لِأَنَّ
الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ
قَدْ اقْتَضَتْ عَدَمَ تَضْمِينِ الْحُكَّامِ مَا أَخْطَئُوا فِيهِ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَوْ تَطَرَّقَ إلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَةِ الْحُكُومَاتِ وَتَرَدُّدِ الْخُصُومَاتِ لَزَهِدَ الْأَخْيَارُ فِي الْوِلَايَاتِ وَاشْتَدَّ امْتِنَاعُهُمْ فَيَفْسُدُ حَالُ النَّاسِ بِعَدَمِ الْحُكَّامِ فَكَانَ الشَّاهِدُ بِالضَّمَانِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ لِلْحَاكِمِ فِي الْإِلْزَامِ وَالتَّنْفِيذِ وَكَمَا قِيلَ الْحَاكِمُ أَسِيرُ الشَّاهِدِ وَيَقَعُ فِي هَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَسْبَابِ الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَدَاخُلِ الْجَوَابِرِ فِي الْحَجِّ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَتَدَاخَلُ الْجَوَابِرُ فِيهِ فِي الْحَجِّ]
(الْفَرْقُ الثَّانِيَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَدَاخُلِ الْجَوَابِرِ فِي الْحَجِّ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَتَدَاخَلُ الْجَوَابِرُ فِيهِ فِي الْحَجِّ)
تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الْجَوَابِرِ وَالزَّوَاجِرِ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي بَعْضِ الْكَفَّارَاتِ هَلْ هِيَ زَوَاجِرُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَشَاقِّ تَحَمُّلِ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، أَوْ هِيَ جَوَابِرُ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّاتٍ وَلَيْسَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى زَاجِرًا بِخِلَافِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ قُرُبَاتٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِعْلًا لِلْمَزْجُورِينَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ مُنْلَا عَلِيٌّ قَارِي فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ فِي كَفَّارَاتِ الْحَجِّ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا كَالْحُدُودِ زَوَاجِرُ لَا جَوَابِرُ قَالَ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ إذَا ارْتَكَبَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ عَامِدًا يَأْثَمُ وَلَا يُخْرِجُهُ الْفِدْيَةُ وَالْعَزْمُ عَلَيْهَا عَنْ كَوْنِهِ عَاصِيًا قَالَ النَّوَوِيُّ وَرُبَّمَا ارْتَكَبَ بَعْضُ الْعَامَّةِ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ
стр. 434
ثَمَنَ الْوَرَقَةِ خَاصَّةً فَاعْتَبَرَ الْإِتْلَافَ دُونَ السَّبَبِ وَمَالِكٌ اعْتَبَرَهُمَا مَعًا وَرَأَى أَنَّهُ أَتْلَفَ الْحَقَّ بِالْمُبَاشَرَةِ بِالْإِتْلَافِ وَأَتْلَفَ الْحَقَّ بِالتَّسَبُّبِ فَرَتَّبَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مُقْتَضَاهُمَا وَكَمَنْ مَرَّ عَلَى حِبَالَةٍ فَوَجَدَ فِيهَا صَيْدًا يُمْكِنُهُ تَخْلِيصُهُ وَحَوْزُهُ لِصَاحِبِهِ فَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ يَضْمَنُهُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ صَوْنَ مَالِ الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الصَّوْنِ ضَمِنَ وَكَذَلِكَ إذَا مَرَّ بِلُقَطَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا تَرَكَهَا أَخَذَهَا مَنْ يَجْحَدُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَخْذُهَا.
وَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى تَلِفَتْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَخْذِهَا ضَمِنَهَا وَلِلسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَكِنْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَلَى أَنَّ التَّسَبُّبَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ.
وَثَالِثُهَا وَضْعُ الْيَدِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُؤْتَمَنَةٍ وَقَوْلِي " لَيْسَتْ بِمُؤْتَمَنَةٍ " خَيْرٌ مِنْ قَوْلِي الْيَدُ الْعَادِيَةُ فَإِنَّ الْيَدَ الْعَادِيَةَ تَخْتَصُّ بِالسُّرَّاقِ وَالْغُصَّابِ وَنَحْوِهِمْ، وَتَبْقَى مِنْ الْأَيْدِي الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ قَبْضٌ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ بَلْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ كَقَبْضِ الْمَبِيعِ، أَوْ بَقَاءِ يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَمِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ مَعَ عَدَمِ الْعُدْوَانِ وَكَقَبْضِ الْمَبِيعِ بَيْعًا فَاسِدًا فَإِنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي عِنْدَنَا بِالْقِيمَةِ إذَا تَغَيَّرَ سُوقُهُ، أَوْ تَغَيَّرَ فِي ذَاتِهِ أَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، أَوْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَوْ أَتْلَفَهُ الْمُشْتَرِي وَهَذَا السَّبَبُ الْأَخِيرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ دُونَ مَا قَبْلَهُ مِنْ حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهَا وَكَقَبْضِ الْعَوَارِيِّ وَالرُّهُونِ الَّتِي يُغَابُ عَلَيْهَا كَالْحُلِيِّ وَالسِّلَاحِ وَأَنْوَاعِ الْعُرُوضِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيُّ وَكَقَبْضِ الْأَعْيَانِ الَّتِي تُقْتَرَضُ فَإِنَّ الْمُقْتَرِضَ يَضْمَنُهَا اتِّفَاقًا مَعَ عَدَمِ الْعُدْوَانِ وَنَظَائِرُهَا كَثِيرَةٌ وَخَرَجَ بِقَوْلِي " الَّتِي لَيْسَتْ بِمُؤْتَمَنَةٍ " الْيَدُ الْمُؤْتَمَنَةُ كَوَضْعِ الْيَدِ فِي الْوَدَائِعِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَأَيْدِي الْأُجَرَاءِ.
وَوَضْعُ الْأَيْدِي عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْإِجَارَةِ تَخْتَلِفُ فَاسْتَثْنَى مِنْهَا صُورَتَيْنِ: الْأَجِيرَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي الْأَعْيَانِ بِصَنْعَتِهِ كَالْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ إذَا تَغَيَّرَتْ بِالصَّنْعَةِ لَا يَعْرِفُهَا رَبُّهَا إذَا وَجَدَهَا قَدْ بِيعَتْ فِي الْأَسْوَاقِ
فَكَانَ الْأَصْلَحُ لِلنَّاسِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَقَالَ أَنَا أَفْتَدِي مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ بِالْتِزَامِ الْفِدْيَةِ يَتَخَلَّصُ مِنْ وَبَالِ الْمَعْصِيَةِ وَذَلِكَ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ فَإِذَا خَالَفَ أَثِمَ وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَلَيْسَتْ الْفِدْيَةُ مُبِيحَةً لِلْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ، وَجَهَالَةُ هَذَا الْفِعْلِ كَجَهَالَةِ مَنْ يَقُولُ أَنَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ وَأَزْنِي وَالْحَدُّ يُطَهِّرُنِي وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا يُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ فَقَدْ أَخْرَجَ حَجَّهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَبْرُورًا اهـ.
الثَّانِي وَالثَّالِثُ لِأَصْحَابِهِ الْأَحْنَافِ أَنَّهَا وَسَائِرَ الْكَفَّارَاتِ لَيْسَتْ كَالْحُدُودِ فِي كَوْنِهَا زَوَاجِرَ بَلْ هِيَ جَوَابِرُ إمَّا مُطْلَقًا، أَوْ لِغَيْرِ الْمُصِرِّ قَالَ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ طُهْرَةً مِنْ الذَّنْبِ وَلَا يَعْمَلُ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ فَإِنْ تَابَ كَانَ الْحَدُّ طُهْرَةً لَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَفِيهَا قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِصَاحِبِ الْمُلْتَقَطِ قَالَ فِي بَابِ الْإِيمَانِ: إنَّ الْكَفَّارَةَ تَرْفَعُ الْإِثْمَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّوْبَةُ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَةِ اهـ.
وَالثَّانِي لِلشَّيْخِ نَجْمِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ فَقَدْ ذَكَرَ فِي تَفْسِيرِ التَّيْسِيرِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أَيْ اصْطَادَ بَعْدَ هَذَا الِابْتِدَاءِ قِيلَ هُوَ الْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْكَفَّارَةِ فِي الدُّنْيَا إذَا لَمْ يَتُبْ مِنْهُ فَإِنَّهَا لَا تَرْفَعُ الذَّنْبَ عَنْ الْمُصِرِّ اهـ، وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ وَتَقْيِيدٌ مُسْتَحْسَنٌ يُجْمَعُ بِهِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالرِّوَايَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقَائِقِ الْحَالَاتِ اهـ بِتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ.
وَكَفَّارَاتُ الْحَجِّ ثَلَاثٌ: (الْكَفَّارَةُ الْأُولَى) جَزَاءُ الصَّيْدِ وَهُوَ دَمُ تَخْيِيرٍ بَيْنَ مَا يَعْدِلُهُ الْحُكْمَانِ يَجِبُ لِقَتْلِ صَيْدٍ بَرِّيٍّ فِي الْإِحْرَامِ، أَوْ الْحَرَمِ مَأْكُولًا، أَوْ غَيْرَهُ وَحْشِيًّا، أَوْ مُتَأَنِّسًا مَمْلُوكًا، أَوْ مُبَاحًا فَيُحَكِّمُ قَاتِلُهُ حَكَمَيْنِ عَدْلَيْنِ عَدَالَةَ شَهَادَةٍ فَقِيهَيْنِ بِأَحْكَامِ الصَّيْدِ وَلَمَّا أَشْبَهَ جَزَاءُ الصَّيْدِ إتْلَافَ أَمْوَالِ النَّاسِ وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدًا عَلَى تَعَدُّدِ الضَّمَانِ فِيمَا يَتَعَدَّدُ الْإِتْلَافُ فِيهِ وَأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ قَالَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ بِتَعَدُّدِ الصَّيْدِ وَلَوْ خَطَأً عَلَى قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ بَلْ الْجَاهِلُ هَهُنَا كَالْجَاهِلِ فِي الصَّلَاةِ يَجْرِي مَجْرَى الْعَامِدِ لَا مَجْرَى النَّاسِي لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعِصْيَانِ هَذَا بِعَمْدِهِ وَهَذَا بِتَرْكِ تَعَلُّمِهِ وَبِهَذَا أَيْضًا قَالَ الْحَنَابِلَةُ فَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَلَى الْإِقْنَاعِ مَعَ الْمَتْنِ وَتَتَعَدَّدُ كَفَّارَةُ الصَّيْدِ أَيْ جَزَاؤُهُ بِتَعَدُّدِهِ أَيْ الصَّيْدِ وَلَوْ قُتِلَتْ الصَّيُودُ مَعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ إذَا جَامَعَ أَهْلَهُ بَطَلَ حَجُّهُ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ وَالصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ فَقَدْ ذَهَبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ وَالشَّعْرُ إذَا حَلَقَهُ فَقَدْ ذَهَبَ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فِيهَا سَوَاءٌ قَالَ وَيُلْحَقُ بِالْحَلْقِ التَّقْلِيمُ بِجَامِعِ الْإِتْلَافِ اهـ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَّحِدُ الْجَزَاءُ بِالتَّأْوِيلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْذَرُ بِالتَّأْوِيلِ وَالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَأُلْحِقَ الْجَاهِلُ بِالنَّاسِي لَا بِالْعَامِدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَهْلِ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْجَهْلِ الَّذِي لَيْسَ عُذْرًا فِي الشَّرِيعَةِ وَبَيْنَ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ وَالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَمُقْتَضَى تِلْكَ الْقَوَاعِدِ أَنْ يَضْمَنَ الْجَاهِلُ هَهُنَا فَإِنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، وَأَنَّ تَارِكَ التَّعَلُّمِ عَاصٍ وَلَيْسَ الْجَهْلُ هَهُنَا مِمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَعْذُرَهُ الشَّرْعُ بِهِ كَمَنْ أَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا لَا يَعْلَمُ أَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهَا جُلَّابًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ أَجْرَى مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْجَاهِلَ فِي الصَّلَاةِ مَجْرَى الْعَامِدِ لَا مَجْرَى النَّاسِي لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعِصْيَانِ
стр. 435
تَضْمِينَ الْأُجَرَاءِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ وَلَمْ يَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ بَلْ طَرَدَ قَاعِدَةَ الْأَمَانَةِ فِي الْإِجَارَةِ، وَالْأَجِيرَ عَلَى حَمْلِ الطَّعَامِ الَّذِي تَتُوقُ النَّفْسُ إلَى تَنَاوُلِهِ كَالْفَوَاكِهِ وَالْأَشْرِبَةِ وَالْأَطْعِمَةِ الْمَطْبُوخَةِ فَإِنَّ الْأَجِيرَ يَضْمَنُ سَدًّا لِذَرِيعَةِ التَّنَاوُلِ مِنْهَا وَطَرَدَ الشَّافِعِيُّ الْقَاعِدَةَ أَيْضًا هَهُنَا فَلَمْ يَضْمَنْ أَيْضًا وَكَأَيْدِي الْأَوْصِيَاءِ عَلَى أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَالْحُكَّامِ عَلَى ذَلِكَ وَأَمْوَالِ الْغَائِبِينَ وَالْمَجَانِينِ فَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَيْدِيَ فِيهِ مُؤْتَمَنَةٌ فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَسْبَابُ الضَّمَانِ فَهِيَ قَاعِدَةُ مَا يُضْمَنُ وَمَا عَدَاهَا فَهُوَ قَاعِدَةُ مَا لَا يُضْمَنُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّظَائِرِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْهَا سَبَبَانِ كَالْمُبَاشَرَةِ وَالتَّسَبُّبِ مِنْ جِهَتَيْنِ غُلِّبَتْ الْمُبَاشَرَةُ عَلَى التَّسَبُّبِ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا لِإِنْسَانٍ لِيَقَعَ فِيهِ فَجَاءَهُ آخَرُ فَأَلْقَاهُ فِيهِ فَهَذَا مُبَاشِرٌ وَالْأَوَّلُ مُتَسَبِّبٌ فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ عَلَى التَّسَبُّبِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الشَّرِيعَةِ تَقْدِيمُ الرَّاجِحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُبَاشَرَةُ مَغْمُورَةً كَقَتْلِ الْمُكْرَهِ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا وَلَا تُغَلَّبُ الْمُبَاشَرَةُ لِقُوَّةِ التَّسَبُّبِ وَكَتَقْدِيمِ السُّمِّ لِإِنْسَانٍ فِي طَعَامِهِ فَيَأْكُلُهُ جَاهِلًا بِهِ فَإِنَّهُ مُبَاشِرٌ لِقَتْلِ نَفْسِهِ.
وَوَاضِعُ السُّمِّ مُتَسَبِّبٌ، وَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ وَحْدَهُ وَكَشُهُودِ الزُّورِ، أَوْ الْجَهَلَةِ يَشْهَدُونَ بِمَا يُوجِبُ ضَيَاعَ الْمَالِ عَلَى إنْسَانٍ، ثُمَّ يَعْتَرِضُونَ بِالْكَذِبِ، أَوْ الْجَهَالَةِ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَلَا يَضْمَنُ الْحَاكِمُ شَيْئًا مَعَ أَنَّهُ الْمُبَاشِرُ، وَالشَّاهِدَ مُتَسَبِّبٌ، غَيْرَ أَنَّ
الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ
قَدْ اقْتَضَتْ عَدَمَ تَضْمِينِ الْحُكَّامِ مَا اخْطَئُوا فِيهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَوْ تَطَرَّقَ إلَيْهِمْ مَعَ كَثْرَةِ الْحُكُومَاتِ وَتَرَدُّدِ الْخُصُومَاتِ لَزَهِدَ الْأَخْيَارُ فِي الْوِلَايَاتِ وَاشْتَدَّ امْتِنَاعُهُمْ فَيَفْسُدُ حَالُ النَّاسِ بِعَدَمِ الْحُكَّامِ فَكَانَ الشَّاهِدُ بِالضَّمَانِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ لِلْحَاكِمِ فِي الْإِلْزَامِ وَالتَّنْفِيذِ وَكَمَا قِيلَ الْحَاكِمُ أَسِيرُ الشَّاهِدِ وَيَقَعُ فِي هَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَلَكِنَّ الْأَصْلَ هُوَ مَا قَدَّمْته فِي أَسْبَابِ الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
هَذَا بِعَمْدِهِ وَهَذَا بِتَرْكِ تَعَلُّمِهِ.
(الْكَفَّارَةُ الثَّانِيَةُ) الْفِدْيَةُ وَهِيَ دَمُ تَخْيِيرٍ بَيْنَ مُقَدَّرٍ شَرْعًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] يَجِبُ بِفِعْلِ الْمُتَلَبِّسِ بِالْإِحْرَامِ مَا فِيهِ تَرَفُّهٌ، أَوْ إزَالَةُ أَذًى مِنْ الْمَمْنُوعَاتِ كَأَنْ يَلْبَسَ مَخِيطًا مَعْمُولًا عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ، أَوْ بَعْضِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، أَوْ يَسْتَعْمِلَ طِيبًا مُؤَنَّثًا، أَوْ يَدْهُنَ شَعْرَ رَأْسِهِ، أَوْ لِحْيَتَهُ، أَوْ سَائِرَ جَسَدِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّهْنِ طِيبٌ مَا لَمْ يَدْهُنْ بَاطِنَ كَفِّهِ وَقَدَمَيْهِ لِشُقُوقٍ وَنَحْوِهَا بِمَا لَا طِيبَ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا فِدْيَةَ، أَوْ يُزِيلَ وَسَخًا عَنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ، أَوْ يُزِيلَ ظُفُرًا وَاحِدًا لِإِمَاطَةِ أَذًى عَنْهُ، أَوْ ظُفُرَيْنِ فَأَكْثَرَ لِلتَّرَفُّهِ لَا ظُفُرًا وَاحِدًا لِكَسْرٍ بِقَدْرِهِ، أَوْ يُزِيلَ شَعْرًا كَثِيرًا زَائِدًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ مُطْلَقًا أَوْ شَعْرَةً وَاحِدَةً لِإِمَاطَةِ أَذًى عَنْهُ أَوْ يَقْتُلَ قَمْلًا كَثِيرًا زَائِدًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَلَا يُوجِبُهَا اللُّبْسُ إلَّا إذَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، أَوْ دَامَ عَلَيْهِ كَالْيَوْمِ كَمَا فِي ابْنِ شَاسٍ فَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ كَالْيَوْمِ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ فِي الْجُمْلَةِ وَيُوجِبُهَا مَا عَدَا اللُّبْسَ بِلَا تَفْصِيلٍ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا مُنْتَفَعًا بِهِ كَمَا فِي عبق وَقَاعِدَةُ الْفِدْيَةِ أَنَّ النِّسْيَانَ وَالْعُذْرَ فِي ارْتِكَابِ مُوجِبِهَا لَا يُسْقِطُهَا، وَإِنَّمَا يُسْقِطُ الْإِثْمَ كَمَا فِي الْأَصْلِ وَالْمُخْتَصَرِ وَضَابِطُ قَاعِدَةِ مَا تَتَّحِدُ فِيهِ وَمَا تَتَعَدَّدُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَتَى اُرْتُكِبَتْ مُوجِبَاتُهَا لِمُسْتَنَدٍ مُحَقَّقٍ أَوْ اتَّحَدَتْ النِّيَّةُ، أَوْ الزَّمَانُ بِأَنْ يَكُونَ الْكُلُّ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ السَّبَبُ بِأَنْ يُقَدِّمَ مَا نَفْعُهُ أَعَمُّ عَلَى مَا نَفْعُهُ أَخَصُّ عِنْدَنَا، أَوْ يَتَّحِدَ الْمَرَضُ، أَوْ غَيْرُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اتَّحَدَتْ الْفِدْيَةُ وَيُزَادُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ قَالَ فِي الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ الْمُسَمَّى بِلُبَابِ الْمَنَاسِكِ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ اتِّحَادِ الْجَزَاءِ فِي تَعَدُّدِ الْجِنَايَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا اتَّحَدَ جِنْسُ الْجِنَايَةِ فَاللُّبْسُ جِنْسٌ وَالطِّيبُ جِنْسٌ وَالْحَلْقُ جِنْسٌ وَقَلْمُ الْأَظْفَارِ جِنْسٌ اهـ أَيْ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ وَمَتَى اُرْتُكِبَتْ مُوجِبَاتُهَا جَهْلًا مَحْضًا، أَوْ تَعَدَّدَتْ النِّيَّةُ أَوْ الزَّمَانُ، أَوْ السَّبَبُ بِأَنْ يُقَدِّمَ مَا نَفْعُهُ أَخَصُّ عَلَى مَا نَفْعُهُ أَعَمُّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنْ يَلْبَسَ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِعُذْرٍ وَالْآخَرُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ لِعُذْرٍ آخَرَ سَوَاءٌ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِمْرَارِ أَوْ الِانْفِصَالِ بَيْنَهُمَا بِالْخُلْعِ وَالِاسْتِرْجَاعِ كَمَا فِي شَرْحِ الْقَارِيّ عَلَى الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ، أَوْ كَفَّرَ لِلْمُوجِبِ الْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي كَأَنْ لَبِسَ، ثُمَّ كَفَّرَ وَدَامَ عَلَى لُبْسِهِ، أَوْ نَزَعَ، ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ لَبِسَ تَعَدَّدَتْ الْفِدْيَةُ وَيُزَادُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ قَالَ فِي الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَمْ يَتَّحِدْ الْجَزَاءُ بَلْ يَتَعَدَّدُ لِكُلِّ جِنْسٍ مُوجَبُهُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ الَّذِي أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ - بِحَسَبِ اخْتِلَافِ مُوجِبِهِ فَمَوَاضِعُ اتِّحَادِهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَرْبَعَةٌ وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خَمْسَةٌ:
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ ظَنُّ إبَاحَةِ أَسْبَابِهَا لِمُسْتَنَدٍ وَصُورَةٍ عِنْدَنَا قَالَ الْحَطَّابُ: ثَلَاثَةٌ؛ الْأُولَى قَالَ سَنَدٌ مَنْ يَطُوفُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فِي عُمْرَتِهِ، ثُمَّ يَسْعَى وَيُحِلُّ أَيْ فَيَنْعَقِدُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ إحْرَامِهِ فَيَفْعَلُ سَائِرَ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ
الثَّانِيَةُ مَنْ يَرْفُضُ إحْرَامَهُ فَيَعْتَقِدُ اسْتِبَاحَةَ مَوَانِعِهِ.
الثَّالِثَةُ مَنْ أَفْسَدَ إحْرَامَهُ بِالْوَطْءِ، ثُمَّ فَعَلَ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ مُتَأَوِّلًا بِأَنَّ الْإِحْرَامَ
стр. 436
(الْفَرْقُ الثَّانِيَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَدَاخُلِ الْجَوَابِرِ فِي الْحَجِّ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَتَدَاخَلُ الْجَوَابِرُ فِيهِ فِي الْحَجِّ)
تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْجَوَابِرِ وَالزَّوَاجِرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَالْمَقْصُودُ هَهُنَا بَيَانُ قَاعِدَةِ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ خَاصَّةً، أَمَّا الصَّيْدُ فَيَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الْإِثْمِ بَلْ يُضْمَنُ الصَّيْدُ عَمْدًا وَخَطَأً فَأَشْبَهَ إتْلَافَ أَمْوَالِ النَّاسِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَعَدُّدِ الضَّمَانِ فِيمَا يَتَعَدَّدُ الْإِتْلَافُ فِيهِ وَأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ هَهُنَا وَيَتَّحِدُ الْجَزَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِالتَّأْوِيلِ وَعَذَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِالتَّأْوِيلِ وَالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا كَالْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا، وَأَلْحَقَ الْجَاهِلَ بِالنَّاسِي.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَهْلِ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْجَهْلِ الَّذِي لَيْسَ عُذْرًا فِي الشَّرِيعَةِ وَبَيْنَ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ وَالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَمُقْتَضَى تِلْكَ الْقَوَاعِدِ أَنْ يَضْمَنَ الْجَاهِلُ هَهُنَا فَإِنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، وَأَنَّ تَارِكَ التَّعَلُّمِ عَاصٍ إلَّا مَا يَشُقُّ مِنْ ذَلِكَ فَيُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْلِ كَمَنْ أَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا لَا يَعْلَمُ، أَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ جُلَّابًا وَنَحْوَهُ فَإِنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْ الْجَهْلِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ يَشُقُّ عَلَى الْمُكَلَّفِ، فَعَذَرَهُ الشَّرْعُ بِهَذَا الْجَهْلِ دُونَ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا فَالْحَقُّ حِينَئِذٍ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْجَاهِلِ وَغَيْرِهِ وَلِذَلِكَ أَجْرَى مَالِكٌ ﵀ الْجَاهِلَ فِي الصَّلَاةِ مَجْرَى الْعَامِدِ لَا مَجْرَى النَّاسِي لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعِصْيَانِ هَذَا بِعَمْدِهِ وَهَذَا بِتَرْكِ تَعَلُّمِهِ قَالَ مَالِكٌ ﵀ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَأَصَابَ صَيْدًا، أَوْ حَلَقَ، أَوْ تَطَيَّبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ تَعَدَّدَتْ الْفِدْيَةُ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ إنْ أَصَابَهُ وَاتَّحَدَ هَذَا الْوَطْءُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ بِالْفَسَادِ، أَوْ جَاهِلًا بِوُجُوبِ إتْمَامِهِ اهـ بِتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ.
وَفِي الْأَصْلِ قَالَ مَالِكٌ ﵀: مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَأَصَابَ صَيْدًا، أَوْ حَلَقَ، أَوْ تَطَيَّبَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ تَعَدَّدَتْ الْفِدْيَةُ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ إنْ أَصَابَهُ وَاتَّحَدَ الْهَدْيُ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْوَطْءُ لِأَنَّهُ لِلْإِفْسَادِ، وَإِفْسَادُ الْفَاسِدِ مُحَالٌ فَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا بِسُقُوطِ جَزَائِهِ، أَوْ جَاهِلًا بِمُوجِبِ إتْمَامِهِ اتَّحَدَتْ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْجُرْأَةُ عَلَى مُحَرَّمٍ فَعُذْرُهُ بِالْجَهْلِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ عُذْرِهِ بِهِ لِأَنَّهُ جَهْلٌ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالتَّعَلُّمِ كَمَا قَالَ فِي الصَّلَاةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَاحَظَ هَهُنَا مَعْنًى مَفْقُودًا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ كَثْرَةُ مَشَاقِّ الْحَجِّ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفُ، غَيْرَ أَنَّ هَهُنَا إشْكَالًا وَهُوَ أَنَّ النِّسْيَانَ فِي الْحَجِّ لَا يَمْنَعُ الْفِدْيَةَ وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ إجْمَاعًا وَأَسْقَطَ مَالِكٌ - أَيْ الْجَابِرَ - بِالْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ الَّذِي يَثْبُتُ الْإِثْمُ مَعَهُمَا وَالْإِثْمُ أَنْسَبُ لِلُزُومِ الْجَابِرِ مِنْ عَدَمِ الْإِثْمِ قَالَهُ الْأَصْلُ وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ بِهِمَا الْجَابِرُ رَأْسًا بَلْ إنَّمَا أُسْقِطَ تَعَدُّدُهُ بِتَعَدُّدِ مُوجِبِهِ نَظَرًا لِكَثْرَةِ مَشَاقِّ الْحَجِّ فَتَأَمَّلْ بِدِقَّةٍ وَعِنْدَ الْأَحْنَافِ قَالَ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ نَقْلًا عَنْ اللُّبَابِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا نَوَى رَفْضَ الْإِحْرَامِ فَجَعَلَ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُهُ الْحَلَالُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ وَالتَّطَيُّبِ وَالْحَلْقِ وَالْجِمَاعِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ الْإِحْرَامِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ كَمَا كَانَ مُحْرِمًا وَيَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ مَا ارْتَكَبَ وَلَوْ كُلَّ الْمَحْظُورَاتِ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ بِتَعَدُّدِ الْجِنَايَاتِ إذَا لَمْ يَنْوِ الرَّفْضَ ثُمَّ نِيَّةُ الرَّفْضِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ بِهَذَا الْقَصْدِ لِجَهْلِهِ مَسْأَلَةَ عَدَمِ الْخُرُوجِ، وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِهَذَا الْقَصْدِ فَإِنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ مِنْهُ اهـ.
قُلْت: وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا تَدَاخُلٌ لِجَمِيعِ الْمَحْظُورَاتِ لَا لِخُصُوصِ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ وَهُوَ فُسْحَةٌ فِي الدِّينِ فَاحْفَظْهُ.
٢ -
(الْمَوْضِعُ الثَّانِي) عِنْدَنَا أَنْ يَتَعَدَّدَ مُوجَبُهَا بِفَوْرٍ وَاحِدٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يَلْبَسَ وَيَتَطَيَّبَ وَيَحْلِقَ وَيُقَلِّمَ، سَوَاءٌ كَانَ السَّبَبُ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا بِأَنْ يَلْبَسَ لِعُذْرٍ وَيَفْعَلَ الْبَاقِيَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَخْرُجَ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ مَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا تَعَدَّدَتْ، وَفِي كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْفَوْرِ حَقِيقَتَهُ - أَيْ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِأَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَفْعَالُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَأَقَرَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ -، أَوْ مَجَازَهُ، وَأَنَّ الْيَوْمَ فَوْرٌ وَالتَّرَاخِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا أَقَلُّ - وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ التَّتَّائِيُّ - خِلَافٌ اعْتَمَدَ عبق الْأَوَّلَ وَسَلَّمَ الْبُنَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعِنْدَ الْأَحْنَافِ أَنْ يَتَعَدَّدَ مُوجَبُهَا بِفَوْرٍ وَاحِدٍ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:
الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لَا مِنْ أَجْنَاسٍ، وَإِلَّا تَعَدَّدَتْ كَمَا عَلِمْت، الثَّانِي: أَنْ لَا يُكَفِّرَ لِلْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَكَفَّارَتَانِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ، الثَّالِثُ أَنْ يَتَّحِدَ السَّبَبُ فِي تَعَدُّدِ ذَلِكَ الْمُوجَبِ قَالَ فِي لُبَابِ الْمَنَاسِكِ مَعَ بَعْضٍ مِنْ شَرْحِ الْقَارِيّ وَهَذَا إذَا اتَّحَدَ سَبَبُ اللُّبْسِ فَإِنْ تَعَدَّدَ السَّبَبُ كَمَا إذَا اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ ثَوْبٍ فَلَبِسَ ثَوْبَيْنِ فَإِنْ لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، نَحْوُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى قَمِيصٍ فَلَبِسَ قَمِيصَيْنِ، أَوْ قَمِيصًا وَجَبَتْ، أَوْ يَحْتَاجَ إلَى قَلَنْسُوَةٍ فَلَبِسَهَا مَعَ الْعِمَامَةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ مُتَّحِدٌ فَلَا نَظَرَ إلَى الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّدِ يَتَخَيَّرُ فِيهَا لِوُقُوعِ أَصْلِ الْجِنَايَةِ لِضَرُورَةِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ، وَكَذَا إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعَيْنِ لِضَرُورَةٍ بِهِمَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِأَنْ لَبِسَ عِمَامَةً وَخُفًّا بِعُذْرٍ فِيهِمَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَتَخَيَّرُ فِيهَا لِأَنَّ اللُّبْسَ
стр. 437
لِأَنَّهُ لِلْإِفْسَادِ، وَإِفْسَادُ الْفَاسِدِ مُحَالٌ فَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا بِسُقُوطِ إجْزَائِهِ، أَوْ جَاهِلًا بِمُوجَبِ إتْمَامِهِ اتَّحَدَتْ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْجُرْأَةُ عَلَى مُحَرَّمٍ فَعُذْرُهُ بِالْجَهْلِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ عُذْرِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ جَهْلٌ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالتَّعَلُّمِ كَمَا قَالَ فِي الصَّلَاةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَاحَظَ هَهُنَا مَعْنًى مَفْقُودًا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ كَثْرَةُ مَشَاقِّ الْحَجِّ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفُ، غَيْرَ أَنَّ هَهُنَا إشْكَالًا وَهُوَ أَنَّ النِّسْيَانَ فِي الْحَجِّ لَا يَمْنَعُ الْفِدْيَةَ وَهُوَ مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ إجْمَاعًا وَأَسْقَطَ مَالِكٌ بِالْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ الَّذِي يَثْبُتُ الْإِثْمُ مَعَهُمَا، وَالْإِثْمُ أَنْسَبُ لِلُّزُومِ الْجَابِرِ مِنْ عَدَمِ الْإِثْمِ.
وَضَابِطُ قَاعِدَةِ مَا تَتَّحِدُ الْفِدْيَةُ فِيهِ وَمَا تَتَعَدَّدُ أَنَّهُ مَتَى اتَّحَدَتْ النِّيَّةُ، أَوْ الْمَرَضُ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ، أَوْ الزَّمَانُ بِأَنْ يَكُونَ الْكُلُّ عَلَى الْفَوْرِ اتَّحَدَتْ الْفِدْيَةُ وَمَتَى وَقَعَ التَّعَدُّدُ فِي النِّيَّةِ، أَوْ السَّبَبِ، أَوْ الزَّمَانِ تَعَدَّدَتْ الْفِدْيَةُ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْفُرُوعِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا لَبِسَ قَلَنْسُوَةً لِوَجَعٍ، ثُمَّ نَزَعَهَا وَعَادَ إلَيْهِ الْوَجَعُ فَلَبِسَهَا إنْ نَزَعَهَا مُعْرِضًا عَنْهَا فَعَلَيْهِ فِي اللُّبْسِ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ فِدْيَتَانِ، وَإِنْ كَانَ نَزَعَهَا نَاوِيًا رَدَّهَا عِنْدَ مُرَاجَعَةِ الْمَرَضِ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَجْلِ اتِّحَادِ النِّيَّةِ وَالسَّبَبِ، وَلَوْ لَبِسَ الثِّيَابَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ نَاوِيًا لُبْسَهَا إلَى بُرْئِهِ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ وَهُوَ يَنْوِي لُبْسَهَا مَرَّةً جَهْلًا، أَوْ نِسْيَانًا، أَوْ جُرْأَةً فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ النِّيَّةِ وَكَذَلِكَ الطِّيبُ مَعَ اتِّحَادِ النِّيَّةِ وَتَعَدُّدِهَا فَإِنْ دَاوَى قُرْحَةً بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ فَفِدْيَتَانِ لِتَعَدُّدِ السَّبَبِ وَالنِّيَّةِ، وَإِنْ احْتَاجَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ لِأَصْنَافٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَلَبِسَ خُفَّيْنِ وَقَمِيصًا وَقَلَنْسُوَةً وَسَرَاوِيلَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى خُفَّيْنِ فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ احْتَاجَ إلَى قَمِيصٍ فَلَبِسَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ لِتَعَدُّدِ السَّبَبِ، وَإِنْ قَلَّمَ الْيَوْمَ ظُفُرَ يَدِهِ وَفِي غَدٍ ظُفُرَ يَدِهِ الْأُخْرَى فَفِدْيَتَانِ لِتَعَدُّدِ الزَّمَانِ، وَإِنْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ وَحَلَقَ وَقَلَّمَ ظُفُرَهُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْمَحَالُّ تَعَدَّدَتْ الْفِدْيَةُ وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: هَذِهِ أَجْنَاسٌ لَا تَتَدَاخَلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَبِسَهُمَا عَلَى مَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَغَيْرِ الضَّرُورَةِ كَمَا إذَا اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ الْعِمَامَةِ فَلَبِسَهَا مَعَ الْقَمِيصِ مَثَلًا، أَوْ لَبِسَ قَمِيصًا لِلضَّرُورَةِ وَخُفَّيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ كَفَّارَةُ الضَّرُورَةِ يَتَخَيَّرُ فِيهَا وَكَفَّارَةُ الِاخْتِيَارِ لَا يَتَخَيَّرُ فِيهَا أَيْ بَلْ يَتَحَتَّمُ الْكَفَّارَةُ عَنْهَا وَهَذَا الْحُكْمُ فِي الْحَلْقِ بِأَنْ حَلَقَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ لِعُذْرٍ وَبَعْضَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَوْ فِي مَجْلِسٍ يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ وَهَذَا فِي الطِّيبِ اهـ.
وَاعْتَمَدُوا أَنَّ الْيَوْمَ - أَيْ مِقْدَارَهُ - فِي اللِّبَاسِ كَالْمَجْلِسِ فِي غَيْرِهِ قَالَ الْقَارِيّ عَلَى اللُّبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ عَطْفًا عَلَى مَا يَتَّحِدُ فِيهِ الْجَزَاءُ مَعَ تَعَدُّدِ اللُّبْسِ وَجَمَعَ اللِّبَاسَ كُلَّهُ فِي مَجْلِسٍ، أَوْ يَوْمٍ مَا نَصُّهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْيَوْمَ فِي اتِّحَادِ الْجَزَاءِ فِي حُكْمِ اللُّبْسِ كَالْمَجْلِسِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الطِّيبِ وَالْحَلْقِ وَالْقَصِّ وَالْجِمَاعِ كَمَا سَيَأْتِي لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْفَارِسِيُّ وَالطَّرَابُلُسِيُّ أَنَّهُ إنْ لَبِسَ الثِّيَابَ كُلَّهَا مَعًا وَلَبِسَ خُفَّيْنِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ لَبِسَ قَمِيصًا بَعْضَ يَوْمِهِ، ثُمَّ لَبِسَ فِي يَوْمِهِ سَرَاوِيلَ، ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْنِ وَقَلَنْسُوَةً فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَيَّدَ بِالْيَوْمِ لَا بِالْمَجْلِسِ، وَفِي الْكَرْمَانِيِّ وَلَوْ جَمَعَ اللِّبَاسَ كُلَّهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ لِوُقُوعِهِ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَبَبٍ وَاحِدٍ فَصَارَ لِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ إذَا حَلَقَ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ وَقِيلَ عَلَيْهِ أَرْبَعُ دِمَاءٍ وَقَدْ صَرَّحَ فِي مُنْيَةِ الْمَنَاسِكِ بِتَعَدُّدِ الْجَزَاءِ فِي تَعَدُّدِ الْأَيَّامِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ لَبِسَ الْعِمَامَةَ يَوْمًا، ثُمَّ لَبِسَ الْقَمِيصَ يَوْمًا آخَرَ ثُمَّ الْخُفَّيْنِ يَوْمًا آخَرَ، ثُمَّ السَّرَاوِيلَ يَوْمًا آخَرَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ لُبْسٍ دَمٌ، ثُمَّ قَالَ وَالْمُعْتَبَرُ مِقْدَارُ الْيَوْمِ لَا عَيْنُهُ وَبِهَذَا صَحَّ قَوْلُهُ وَحُكْمُ اللَّيْلِ كَالْيَوْمِ أَيْ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ اهـ.
(الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ) عِنْدَنَا أَنْ يَنْوِيَ التَّكْرَارَ، وَلَوْ بَعُدَ مَا بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَ الثَّانِيَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْأَوَّلِ قَالَ عبق وَصُوَرُ نِيَّةِ التَّكْرَارِ ثَلَاثٌ:
الْأَوَّلُ أَنْ يَنْوِيَ فِعْلَ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ.
الثَّانِيَةُ أَنْ يَنْوِيَ فِعْلَ مُوجِبٍ مِنْ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ وَيَفْعَلَ ذَلِكَ أَوْ مُتَعَدِّدًا مِنْهُ قَالَ الْحَطَّابُ بِأَنْ يَلْبَسَ لِعُذْرٍ وَيَنْوِيَ أَنَّهُ إذَا زَالَ الْعُذْرُ تَجَرَّدَ فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ الْعُذْرُ عَادَ إلَى اللُّبْسِ، أَوْ يَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ وَيَنْوِيَ أَنَّهُ كُلَّمَا احْتَاجَ إلَى الدَّوَاءِ فَعَلَ، وَمَحَلُّ النِّيَّةِ مِنْ حِينِ لُبْسِهِ الْأَوَّلِ قَالَهُ سَنَدٌ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا، ثُمَّ نَزَعَهُ لِيَلْبَسَ غَيْرَهُ، أَوْ نَزَعَهُ عِنْدَ النَّوْمِ لِيَلْبَسَهُ إذَا اسْتَيْقَظَ فَقَالَ هَذَا فِعْلٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ فِي الْعُرْفِ وَلَا يَضُرُّ تَفْرِقَتُهُ فِي الْحِسِّ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ فِدْيَةً وَاحِدَةً اهـ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَنْوِيَ مُتَعَدِّدًا مِنْ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ مُعَيَّنًا فَلَا تَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ بِفِعْلِ مَا نَوَاهُ، أَوْ بِفِعْلِ بَعْضِهِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ نِيَّتُهُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ عِنْدَ فِعْلِ مُوجِبٍ مِنْ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ أَوْ عِنْدَ إرَادَةِ فِعْلِهِ، أَوْ قَبْلَهُمَا وَقَوْلُ تت عَقِبَ قَوْلِ خَلِيلٍ التَّكْرَارُ عِنْدَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ اهـ مِثْلُهُ نِيَّةُ التَّكْرَارِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ كَمَا يُفِيدُهُ الْحَطَّابُ وَالْمَوَّاقُ وَغَيْرُهُمَا فَإِنَّمَا احْتَرَزَا بِهِ عَنْ نِيَّةِ التَّكْرَارِ بَعْدَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ اهـ كَلَامُ عبق بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ.
وَمُرَادُهُ قَوْلُ الْحَطَّابِ فَرْعٌ مِمَّا تَتَّحِدُ فِيهِ الْفِدْيَةُ: إذَا كَانَتْ نِيَّةُ فِعْلِ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَنَقَلَهُ خَلِيلٌ فِي الْمَنَاسِكِ اهـ، وَفِي الْمَوَّاقِ وَاللَّخْمِيِّ إنْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ وَحَلَقَ وَقَلَّمَ فَإِنْ كَانَتْ بِنِيَّةِ فِعْلِ جَمِيعِهَا فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ بَعُدَ
стр. 438
كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَحُجَّةُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ التَّرَفُّهُ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَالْمُوجِبُ وَاحِدٌ.
وَمُوجَبُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْفِدْيَةُ فَتَتَدَاخَلُ كَحُدُودِ شُرْبِ الْخَمْرِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَنْوَاعِ وَفِي الْجَلَّابِ إنْ احْتَاجَ إلَى قَمِيصٍ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ احْتَاجَ إلَى سَرَاوِيلَ فَلَبِسَهُ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِحُصُولِ السَّتْرِ مِنْ الْقَمِيصِ لِجَمِيعِ الْجَسَدِ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى سَرَاوِيلَ، ثُمَّ إلَى قَمِيصٍ فَفِدْيَتَانِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ بِالْقَمِيصِ مِنْ السَّتْرِ مَا لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ السَّرَاوِيلِ فَهَذَا تَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَتَدَاخَلُ فِي الْحَجِّ وَمَا لَا يَتَدَاخَلُ
(الْفَرْقُ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ)
وَهِيَ عِشْرُونَ قَاعِدَةً
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) تَفْضِيلُ الْمَعْلُومِ عَلَى غَيْرِهِ بِذَاتِهِ دُونَ سَبَبٍ يَعْرِضُ لَهُ يُوجِبُ التَّفْضِيلَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَهُ مُثُلٌ: أَحَدُهَا الْوَاجِبُ لِذَاتِهِ الْمُسْتَغْنِي فِي وُجُودِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ السَّبْعَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْفَرْقُ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ وَهِيَ عِشْرُونَ قَاعِدَةً) .
قُلْت: الْفَضْلُ كَوْنُ مَعْلُومٍ مَا مُنْفَرِدًا بِصِفَةِ مَدْحٍ، أَوْ بِمَزِيَّةٍ فِي صِفَةِ مَدْحٍ، وَالتَّفْضِيلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ عَقْلِيٍّ وَوَضْعِيٍّ، وَمَعْنَى الْعَقْلِيِّ أَنَّ فَضْلَ الْمُتَّصِفِ بِالْفَضْلِ لِمَعْقُولِهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَعْنَى الْوَضْعِيِّ أَنَّ فَضْلَ الْمُتَّصِفِ بِهِ لَيْسَ لِمَعْقُولِهِ بَلْ لِمُوجِبٍ غَيْرِهِ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ شِهَابُ الدِّينِ (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: تَفْضِيلُ الْمَعْلُومِ عَلَى غَيْرِهِ بِذَاتِهِ دُونَ سَبَبٍ يَعْرِضُ لَهُ يُوجِبُ التَّفْضِيلَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَهُ مُثُلٌ؛ أَحَدُهَا الْوَاجِبُ لِذَاتِهِ الْمُسْتَغْنِي فِي وُجُودِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ السَّبْعَةِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَا بَيْنَ تِلْكَ الْأَفْعَالِ فَذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَحَدَهَا، ثُمَّ حَدَثَتْ نِيَّةٌ فَفَعَلَ أَيْضًا كَانَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِدْيَةٌ إلَّا إنْ فَعَلَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ اهـ نَعَمْ قَدْ مَرَّ عَنْ الْحَطَّابِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ مِنْ حِينِ لُبْسِهِ الْأَوَّلِ قَالَهُ سَنَدٌ وَهُوَ يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ اهـ وَسَيَأْتِي لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ ذَلِكَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا احْتَرَزَ بِهِ عَنْ نِيَّةِ التَّكْرَارِ بَعْدَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ فَعُلِمَ مَا فِي تَنْظِيرِ الْبُنَانِيِّ عَلَى قَوْلِهِ مِثْلُهُ نِيَّةُ التَّكْرَارِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَلَا تَنْظُرْ لِمَنْ قَالَ وَسَوَاءٌ كَانَتْ نِيَّةُ التَّكْرَارِ لِلْمُوجِبِ الْوَاحِدِ، أَوْ الْمُتَعَدِّدِ لِعُذْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ مُتَعَدِّدٍ، أَوْ جَهْلًا، أَوْ نِسْيَانًا، أَوْ جُرْأَةً فَفِي عبق أَنَّ قَوْلَ تت أَمَّا لَوْ تَدَاوَى لِقُرْحَةٍ أُخْرَى لَتَعَدَّدَتْ اهـ. يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْوِ مُدَاوَاةَ الثَّانِيَةِ عِنْدَ الْأُولَى اهـ وَسَلَّمَهُ الْبُنَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا لَبِسَ قَلَنْسُوَةً لِوَجَعٍ، ثُمَّ نَزَعَهَا وَعَادَ إلَيْهِ الْوَجَعُ فَلَبِسَهَا إنْ نَزَعَهَا مُعْرِضًا عَنْهَا فَعَلَيْهِ فِي اللُّبْسِ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ فِدْيَتَانِ، وَإِنْ كَانَ نَزَعَهَا نَاوِيًا رَدَّهَا عِنْدَ مُرَاجَعَةِ الْمَرَضِ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَجْلِ اتِّحَادِ النِّيَّةِ وَالسَّبَبِ وَلَوْ لَبِسَ الثِّيَابَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ نَاوِيًا لُبْسَهَا إلَى بُرْئِهِ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ وَهُوَ يَنْوِي لُبْسَهَا مَرَّةً جَهْلًا، أَوْ نِسْيَانًا، أَوْ جُرْأَةً فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِاتِّحَادِ النِّيَّةِ اهـ نَقَلَهُ الْأَصْلُ وَعِنْدَ الْأَحْنَافِ عَدَمُ الْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ عِنْدَ النَّزْعِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ تُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ:
أَحَدُهَا أَنْ لَا يُكَفِّرَ عَنْ الْأَوَّلِ.
الثَّانِي اتِّحَادُ جِنْسِ الْمُوجِبِ.
الثَّالِثُ اتِّحَادُ السَّبَبِ قَالَ الْقَارِيّ عَلَى اللُّبَابِ مَعَ الْمَتْنِ وَلَوْ كَانَ بِهِ حُمَّى غِبٍّ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَوْ بِأَنْ تَأْتِيَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَجَعَلَ يَلْبَسُ الْمَخِيطَ يَوْمًا أَيْ لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ وَيَنْزِعُهُ يَوْمًا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ فَمَا دَامَتْ الْحُمَّى تَأْخُذُهُ فَاللُّبْسُ مُتَّحِدٌ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ زَالَتْ هَذِهِ وَحَدَثَتْ أُخْرَى اخْتَلَفَ حُكْمُ اللِّبَاسِ فَعِنْدَهُمَا عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ كَفَّرَ لِلْأَوَّلِ، أَوْ لَا وَعِنْدَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ لَمْ يُكَفِّرْ، وَإِنْ كَفَّرَ فَكَفَّارَةٌ أُخْرَى عَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ، أَوْ حَصَرَهُ عَدُوٌّ أَيْ فِي حِصْنٍ وَنَحْوِهِ فَاحْتَاجَ إلَى اللُّبْسِ لِلْقِتَالِ أَيَّامًا أَيْ مَثَلًا يَلْبَسُهَا إذَا خَرَجَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْعَدُوِّ، أَوْ بِعَكْسِهِ وَيَنْزِعُهَا إذَا رَجَعَ أَيْ هُوَ أَوْ عَدُوُّهُ، أَوْ لَمْ يَنْزِعْ أَصْلًا أَيْ وَلَوْ رَجَعَ الْعَدُوُّ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ أَيْ لِلْعَدُوِّ وَلَكِنْ يَلْبَسُ فِي وَقْتٍ وَيَنْزِعُ فِي وَقْتٍ أَيْ وَالْعِلَّةُ قَائِمَةٌ بِأَنْ لَمْ يَذْهَبْ هَذَا الْعَدُوُّ فَإِنْ ذَهَبَ وَجَاءَ عَدُوٌّ غَيْرُهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى، أَوْ كَانَ بِهِ أَيْ وَقَعَ بِالْمُحْرِمِ ضَرُورَةٌ أُخْرَى أَيْ غَيْرُ ضَرُورَةِ الْإِحْصَارِ لِأَجْلِهَا يَلْبَسُ فِي النَّهَارِ أَيْ لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ وَيَنْزِعُ فِي اللَّيْلِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، أَوْ فَعَلَ بِالْعَكْسِ أَيْ بِأَنْ لَبِسَ فِي اللَّيْلِ وَنَزَعَ فِي النَّهَارِ لِبَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الضَّرُورَاتِ، أَوْ لَمْ يَنْزِعْ وَلَوْ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ وَالْعِلَّةُ لَازِمَةٌ لِأَنَّ لُزُومَهَا يَقُومُ مَقَامَ دَوَامِهَا فَمَا دَامَ الْعُذْرُ أَيْ مَوْجُودًا حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَاللُّبْسُ مُتَّحِدٌ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوَرِ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ أَيْ لِلتَّدَاخُلِ يَتَخَيَّرُ فِيهَا أَيْ لِارْتِكَابِهِ مَعْذُورًا فَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ الَّذِي لِأَجْلِهِ لَبِسَ أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ بِيَقِينٍ فَنَزَعَ، أَوْ لَمْ يَنْزِعْ وَحَدَثَ عُذْرٌ آخَرُ أَيْ فَلَبِسَ، أَوْ لَمْ يَحْدُثْ عُذْرٌ وَلَكِنْ دَامَ عَلَى اللُّبْسِ أَيْ بِلَا عُذْرٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى فَإِذَا كَانَ عَلَى شَكٍّ مِنْ زَوَالِ الْعُذْرِ فَاسْتَمَرَّ أَيْ عَلَى لُبْسِهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَهُ وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى اتِّحَادِ الْجِهَةِ وَاخْتِلَافِهَا لَا إلَى صُورَةِ اللُّبْسِ، لَكِنْ هُنَا دَقِيقَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَقَاءُ
стр. 439
وَهِيَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ النَّفْسَانِيُّ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ.
وَثَانِيهِمَا الْعِلْمُ حَسَنٌ لِذَاتِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الظَّنِّ لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ الْجَهْلِ مَعَهُ وَتَجْوِيزِ الْجَهْلِ مَعَ الظَّنِّ وَذَلِكَ لِذَاتِ الْعِلْمِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ نَقِيصَةٌ لِذَاتِهِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ أَوْجَبَتْ نَقْصَهُ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ، نَقْصُ الْجَاهِلِ لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ وَفَضْلُ الْعَالِمِ لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْعِلْمُ.
وَثَالِثُهَا الْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَوْتِ لِذَاتِهَا لَا لِمَعْنًى أَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَهِيَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ النَّفْسَانِيُّ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ) قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ التَّفْضِيلَ بِالذَّاتِ لَهُ مُثُلٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ لَا مِثَالَ لَهُ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ وَلَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا مُثُلٌ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا غَيْرُهُ.
قَالَ: (وَثَانِيهَا الْعِلْمُ حَسَنٌ لِذَاتِهِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِجَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَيْسَا بِذَاتِيَّيْنِ، وَإِنَّمَا يَجْرِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَوْلُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، قَالَ: (وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الظَّنِّ لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ الْجَهْلِ مَعَهُ وَتَجْوِيزِ الْجَهْلِ مَعَ الظَّنِّ) قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا كَلَامٌ سَاقِطٌ عَدِيمُ التَّحْصِيلِ، كَيْفَ يَكُونُ الْعِلْمُ أَفْضَلَ مِنْ الظَّنِّ بِسَبَبِ الْقَطْعِ بِعَدَمِ الْجَهْلِ مَعَهُ وَتَجْوِيزِ الْجَهْلِ مَعَ الظَّنِّ؟ وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ حَسَنٌ لِذَاتِهِ وَالذَّاتِيُّ لَا يُعَلَّلُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ الْجَهْلُ مَعَ الظَّنِّ، وَالْجَهْلُ وَالظَّنُّ ضِدَّانِ فَكَيْفَ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ أَلْبَتَّةَ.
قَالَ (وَذَلِكَ لِذَاتِ الْعِلْمِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ نَقِيصَةٌ لِذَاتِهِ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ أَوْجَبَتْ نَقْصَهُ) .
قُلْت: قَوْلُهُ لَا لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ يُشْعِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ قِيَامُ الصِّفَةِ بِالصِّفَةِ وَذَلِكَ مُحَالٌ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الْعِلْمِ. قَالَ (بِخِلَافِ الْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ؛ نَقْصُ الْجَاهِلُ لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْجَهْلُ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ لِصِفَةٍ قَامَتْ بِهِ وَهِيَ الْعِلْمُ) قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ. قَالَ: (وَثَالِثُهَا الْحَيَاةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَوْتِ لِذَاتِهَا لَا لِمَعْنًى أَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ) . قُلْت: مَا قَالَهُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْعُذْرِ حُكْمِيًّا، أَوْ زَوَالُهُ حَقِيقِيًّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُهُ لِئَلَّا يَكُونَ عَاصِيًا، وَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلِبَقَاءِ الْعِلَّةِ فِي الْجُمْلَةِ اهـ بِتَغَيُّرٍ مَا.
(الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ) أَنْ يَتَّحِدَ السَّبَبُ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ صُورَتَهُ عِنْدَ الْأَحْنَافِ أَنْ يَلْبَسَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْجَسَدِ كِلَيْهِمَا بِعُذْرٍ، أَوْ كِلَيْهِمَا بِغَيْرِ عُذْرٍ وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنْ يُقَدِّمَ مَا نَفْعُهُ أَعَمُّ عَلَى مَا نَفْعُهُ أَخَصُّ كَأَنْ يَلْبَسَ أَوَّلًا الثَّوْبَ ثُمَّ السَّرَاوِيلَ، أَوْ يُقَدِّمَ الْقَلَنْسُوَةَ عَلَى الْعِمَامَةِ، أَوْ الْقَمِيصَ عَلَى الْجُبَّةِ إذَا كَانَ الْقَمِيصُ أَطْوَلَ مِنْ الْجُبَّةِ وَالسَّرَاوِيلِ أَمَّا إذَا طَالَتْ السَّرَاوِيلُ، أَوْ الْجُبَّةُ طُولًا لَهُ بَالٌ يَحْصُلُ بِهِ انْتِفَاعٌ، أَوْ دَفْعُ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَيَتَعَدَّدُ كَمَا إذَا عَكَسَ فَقَدَّمَ السَّرَاوِيلَ عَلَى الْقَمِيصِ فَفِي الْجَلَّابِ إنْ احْتَاجَ إلَى قَمِيصٍ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ احْتَاجَ إلَى سَرَاوِيلَ فَلَبِسَهَا فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ لِحُصُولِ السَّتْرِ مِنْ الْقَمِيصِ لِجَمِيعِ الْجَسَدِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى سَرَاوِيلَ، ثُمَّ إلَى قَمِيصٍ فَفِدْيَتَانِ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ بِالْقَمِيصِ مِنْ السَّتْرِ مَا لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ السَّرَاوِيلِ نَقَلَهُ الْأَصْلُ.
(فَرْعٌ) إذَا تَعَدَّدَ مُوجِبُ الْحَفْنَةِ بِأَنْ قَتَلَ قَمْلًا قَلِيلًا وَأَزَالَ شَعْرًا قَلِيلًا لَا لِإِمَاطَةِ أَذًى وَقَلَّمَ ظُفُرًا وَاحِدًا لَا لِإِمَاطَةِ أَذًى أَيْضًا وَأَلْقَى قُرَادًا كَثِيرًا، أَوْ قَلِيلًا عَنْ بَعِيرِهِ جَرَى فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا فَتَتَّحِدُ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ لِمُسْتَنَدٍ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي فَوْرٍ إذَا لَمْ يَخْرُجُ لِلْأَوَّلِ قَتْلُ الثَّانِي، وَإِلَّا تَعَدَّدَتْ الْجَفْنَةُ كَمَا إذَا تَرَاخَى مَا بَيْنَهُمَا كَذَا فِي عبق وَحَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ.
(الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ) عِنْدَ الْأَحْنَافِ خَاصَّةً أَنْ يَتَّحِدَ الْجِنْسُ كَمَا مَرَّ تَوْضِيحُهُ عَنْ اللُّبَابِ هَذَا وَقَوْلُ الْأَصْلِ وَضَابِطُ قَاعِدَةِ مَا تَتَّحِدُ الْفِدْيَةُ فِيهِ وَمَا تَتَعَدَّدُ أَنَّهُ مَتَى اتَّحَدَتْ النِّيَّةُ أَوْ الْمَرَضُ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ، أَوْ الزَّمَانُ بِأَنْ يَكُونَ الْكُلُّ عَلَى الْفَوْرِ اتَّحَدَتْ الْفِدْيَةُ وَمَتَى وَقَعَ التَّعَدُّدُ فِي النِّيَّةِ، أَوْ السَّبَبِ أَوْ الزَّمَانِ تَعَدَّدَتْ الْفِدْيَةُ اهـ فِيهِ نَظَرٌ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ فِيهِ قُصُورًا لَا يَخْفَى مِنْ الضَّابِطِ الْمَارِّ.
ثَانِيهِمَا أَنَّ السَّبَبَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْمَرَضِ لَا عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّهُ مُطْلَقُ الِانْتِفَاعِ وَلَوْ لِغَيْرِ مَرَضٍ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ - كَمَا عَلِمْت - الْمَرَضُ، أَوْ غَيْرُهُ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَلَا تَنْظُرْ لِمَنْ قَالَ: وَأَمَّا ضَابِطُ التَّدَاخُلِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهُوَ أَنَّهُ مَتَى اتَّحَدَ السَّبَبُ، أَوْ الْجِنْسُ وَلَوْ تَعَدَّدَ الزَّمَانُ اتَّحَدَتْ الْفِدْيَةُ وَقِيلَ: إنَّهُ مَتَى اتَّحَدَ السَّبَبُ فَقَطْ اتَّحَدَتْ وَمَتَى تَعَدَّدَ السَّبَبُ أَوْ الْجِنْسُ، أَوْ تَعَدَّدَ السَّبَبُ فَقَطْ تَعَدَّدَتْ قَالَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَلَى الْإِقْنَاعِ مَعَ الْمَتْنِ (وَإِنْ كَرَّرَ مَحْظُورًا مِنْ جِنْسٍ غَيْرِ) قَتْلِ (صَيْدٍ، مِثْلُ أَنْ حَلَقَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ قَلَّمَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ لَبِسَ) مَخِيطًا، ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ تَطَيَّبَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ وَطِئَ) ثُمَّ أَعَادَ (أَوْ فَعَلَ غَيْرَهَا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ) كَأَنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ (ثُمَّ أَعَادَ) ذَلِكَ (ثَانِيًا وَلَوْ غَيْرَ الْمَوْطُوءِ) أَوَّلًا (أَوْ) كَانَ تَكْرِيرُهُ لِلْمَحْظُورِ (يَلْبَسُ مَخِيطًا فِي رَأْسِهِ) فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ فِي الشَّرْحِ بِأَنْ لَبِسَ قَمِيصًا وَسَرَاوِيلَ وَعِمَامَةً وَخُفَّيْنِ كَفَاهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُلْبَسُ فَأَشْبَهَ الطِّيبَ فِي رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ (أَوْ بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ) ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ الْمَذْهَبُ وَأَنَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابَ وَبَنَاهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ لَا بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَجْنَاسِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ الطِّيبُ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ جِنْسَانِ كَمَا تَقَدَّمَ
стр. 440
وَسَبَبُ تَفْضِيلِهَا كَوْنُهَا يَتَأَتَّى مَعَهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ وَصِفَاتِ الْكَمَالِ كَالنُّبُوءَةِ وَالرِّسَالَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَتَعَذَّرَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعَ الْمَوْتِ.
وَتِلْكَ الْحَيَاةُ لِذَاتِهَا لَا لِمَعْنًى أَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) التَّفْضِيلُ بِالصِّفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالْمُفَضَّلِ وَلَهُ مُثُلٌ أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ بِالْعِلْمِ.
وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ عَلَى الْمُوجَبِ بِالذَّاتِ بِسَبَبِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ الْقَائِمِ بِهِ.
وَثَالِثُهَا تَفْضِيلُ الْقَادِرِ عَلَى الْعَاجِزِ بِسَبَبِ الْقُدْرَةِ الْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ، فَهَذَا كُلُّهُ تَفْضِيلٌ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالْمُفَضَّلِ لَا لِذَاتِهِ وَبِهِ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فِي ذَلِكَ دَعْوَى بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
قَالَ (وَسَبَبُ تَفْضِيلِهَا كَوْنُهَا يَتَأَتَّى مَعَهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، وَصِفَاتُ الْكَمَالِ كَالنُّبُوءَةِ وَالرِّسَالَةِ وَغَيْرِهِمَا وَتَعَذَّرَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَعَ الْمَوْتِ وَتِلْكَ لِلْحَيَاةِ لِذَاتِهَا لَا لِمَعْنًى أَوْجَبَ لَهَا ذَلِكَ) . قُلْت: عَادَ إلَى تَعْلِيلِ الذَّاتِيِّ ثُمَّ كَرَّ إلَى عَدَمِ التَّعْلِيلِ وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
قَالَ: (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ التَّفْضِيلُ بِالصِّفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالْمُفَضَّلِ وَلَهُ مُثُلٌ أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ بِالْعِلْمِ) .
قُلْت: أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي التَّفْضِيلِ بِالْعِلْمِ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ الْجَهْلُ بِبَعْضِ الْعُلُومِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ الْعِلْمِ وَقَدْ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ.
قَالَ: (وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ عَلَى الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ بِسَبَبِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ الْقَائِمِ بِهِ) .
قُلْت: مَا قَالَهُ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَصْحِيحِ الْإِيجَابِ الذَّاتِيِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ.
قَالَ: (وَثَالِثُهَا تَفْضِيلُ الْقَادِرِ عَلَى الْعَاجِزِ بِسَبَبِ الْقُدْرَةِ الْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ فَهَذَا كُلُّهُ تَفْضِيلٌ بِالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالْمُفَضَّلِ لَا لِذَاتِهِ وَبِهِ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى) . قُلْت: أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي الْقُدْرَةِ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُفَصِّلَ الْقُدْرَةَ الْقَدِيمَةَ مِنْ الْحَادِثَةِ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى تَكْرَارِ الطِّيبِ فَقَطْ بِأَنْ تَطَيَّبَ أَوَّلًا، ثُمَّ أَعَادَهُ بِدَوَاءٍ مُطَيَّبٍ فَهَذَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا لُبْسَ مَعَهُ وَلَا تَغْطِيَةَ رَأْسٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَطَّى رَأْسَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ بِدَوَاءٍ مُطَيَّبٍ فَإِنَّهُ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِ يَلْزَمُهُ فِدْيَتَانِ لِتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ فِدْيَةٌ وَلِلطِّيبِ فِدْيَةٌ وَقَوْلُهُ (قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأَوَّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَعَادَ (فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تَابَعَ الْفِعْلَ، أَوْ فَرَّقَهُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دَفْعَةٍ، أَوْ دَفْعَتَانِ (فَلَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ، أَوْ قَطَعَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فِي أَوْقَاتٍ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لَزِمَهُ دَمٌ) أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَلَمْ تَلْزَمْهُ ثَانِيَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَفَّرَ عَنْ) الْفِعْلِ (الْأَوَّلِ لَزِمَهُ عَنْ الثَّانِي كَفَّارَةٌ) ثَانِيَةٌ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ عَيْنِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ الْأُولَى أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ، ثُمَّ حَنِثَ وَكَفَّرَ، ثُمَّ حَلَفَ وَحَنِثَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَالَ الْأَصْلُ: وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ أَجْنَاسٌ لَا تَتَدَاخَلُ كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ وَحُجَّةُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ التَّرَفُّهُ وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَالْمُوجِبُ بِالْكَسْرِ وَاحِدٌ وَمُوجَبُ الْجَمِيعِ بِالْفَتْحِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْفِدْيَةُ فَتَتَدَاخَلُ كَحُدُودِ شُرْبِ الْخَمْرِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَنْوَاعِ.
(الْكَفَّارَةُ الثَّالِثَةُ الْهَدْيُ) وَهُوَ دَمٌ مُرَتَّبٌ بَيْنَ مُقَدَّرٍ شَرْعًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] يَجِبُ لِفَسَادِ إحْرَامٍ أَوْ تَمَتُّعٍ، أَوْ قِرَانٍ، أَوْ نَقْصٍ فِي إحْرَامٍ كَتَرْكِ نَحْوِ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِهِ أَوْ فَوَاتِ حَجٍّ وَكَمَذْيٍ، أَوْ مُقَدِّمَاتِ جِمَاعٍ بِلَا إنْزَالٍ، أَوْ إنْزَالٍ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، أَوْ لِنَذْرِ عَيْنٍ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ أَطْلَقَ، أَوْ يَكُونُ تَطَوُّعًا وَلَا يَتَّحِدُ الْهَدْيُ مَعَ تَعَدُّدِ سَبَبِهِ إلَّا فِي خَمْسِ مَسَائِلَ تَصَيَّدْتهَا مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا الْآنَ ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
تَكَرُّرُ الْوَطْءِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
تَرْكُ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَمَبِيتِ لَيَالِي مِنًى وَرَمْيُ جَمِيعِ الْجَمَرَاتِ وَلَوْ عَمْدًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَيَدْخُلُ بِالْأَوْلَى تَرْكُ مَبِيتِ لَيَالِي مِنًى فَقَطْ وَتَرْكُ رَمْيِ جَمِيعِ الْجَمَرَاتِ فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
تَرْكُ ذِي النَّفْسِ طَوَافَ الْقُدُومِ مَعَ تَأْخِيرِ السَّعْيِ لِلْإِفَاضَةِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
تَرْكُ الْإِتْيَانِ بِالتَّلْبِيَةِ عَقِبَ الْإِحْرَامِ وَعَقِبَ السَّعْيِ مَعًا.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: تَرْكُ الْقَادِرِ الْمَشْيَ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ مَعًا وَبِالْجُمْلَةِ فَدِمَاءُ الْحَجِّ عِنْدَنَا ثَلَاثَةٌ مَجْمُوعَةٌ فِي قَوْلِي:
ثَلَاثَةٌ دِمَاءُ حَجٍّ حُصِرُوا ... أَحَدُهَا الْمُرَتَّبُ الْمُقَدَّرُ
وَذَا هُوَ الْهَدْيُ لِنَقْصٍ أَوْ فَسَادْ ... فَوَاتِ حَجٍّ أَوْ تَمَتُّعٍ يُرَادْ
قِرَانٍ أَوْ نَذْرٍ لِمِسْكِينٍ بَدَا ... أَوْ مُطْلَقًا أَوْ ذَا تَطَوُّعٍ غَدَا
وَالثَّانِ جَا مُخَيَّرًا مُقَدَّرَا ... وَذَا هُوَ الْفِدْيَةُ حَيْثُمَا تَرَى
وَالثَّالِثُ الْمُخَيَّرُ الْمُعَدَّلُ ... وَذَا جَزَاءُ الصَّيْدِ حَيْثُ يَحْصُلُ
وَجَعَلَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَطْءِ الْمُفْسِدِ وَالْحَصْرِ عَنْ إتْمَامِ الشَّكِّ دَمًا مُرَتَّبًا مُعَدَّلًا لَا مُقَدَّرًا فَأَوْجَبُوا ذَبْحَ الشَّاةِ عَلَى الْقَادِرِ الْمَحْصُورِ لِلتَّحَلُّلِ وَعَلَى الْعَاجِزِ الْعُدُولُ إلَى الْإِطْعَامِ فِي مَحَلِّ الْإِحْصَارِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الشَّاةِ بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُ أَيْضًا الْعُدُولُ إلَى الصَّوْمِ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا حَيْثُ شَاءَ وَأَوْجَبُوا فِي الْوَطْءِ الْمُفْسِدِ ذَبْحَ بَدَنَةٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَبَقَرَةٌ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا فَسَبْعُ شِيَاهٍ مِنْ الْغَنَمِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا قَوَّمَ
стр. 441
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) التَّفْضِيلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ مُثُلٌ؛ أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ.
(وَثَانِيهَا) تَفْضِيلُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَأَحَلَّ اللَّهُ طَعَامَهُمْ وَأَبَاحَ تَزْوِيجَنَا نِسَاءَهُمْ دُونَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَا ذَكَّوْهُ كَالْمَيْتَةِ، وَتَصَرُّفَهُمْ فِيهِ بِالذَّكَاةِ كَتَصَرُّفِ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ مِنْ السِّبَاعِ وَالْكَوَاسِرِ فِي الْأَنْعَامِ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ وَجَعَلَ نِسَاءَهُمْ كَإِنَاثِ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ مُحَرَّمَاتِ الْوَطْءِ، كُلُّ ذَلِكَ اهْتِضَامٌ لَهُمْ لِجَحْدِهِمْ الرَّسَائِلَ وَالرُّسُلَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ عَظَّمُوا الرُّسُلَ وَالرَّسَائِلَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَقَالُوا بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وَبِصِحَّةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ فَحَصَلَ لَهُمْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّعْظِيمِ وَالتَّمْيِيزِ بِحِلِّ طَعَامِهِمْ وَنِسَائِهِمْ فَجَعَلَ ذَكَاتَهُمْ كَذَكَاتِنَا وَنِسَاءَهُمْ كَنِسَائِنَا وَلَمْ يُلْحِقْهُمْ بِالْبَهَائِمِ بِخِلَافِ الْمَجُوسِ وَنَحْوِهِمْ لِمَا حَصَلَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الطَّاعَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُفِيدُ فِي الْآخِرَةِ إلَّا تَخْفِيفَ الْعَذَابِ أَمَّا فِي تَرْكِ الْخُلُودِ فَلَا.
(وَثَالِثُهَا) تَفْضِيلُ الْوَلِيِّ عَلَى آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ بِسَبَبِ مَا اُخْتُصَّ بِهِ الْوَلِيُّ مِنْ كَثْرَةِ طَاعَتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَبِذَلِكَ سُمِّيَ وَلِيًّا أَيْ تَوَلَّى اللَّهَ بِطَاعَتِهِ وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّاهُ بِلُطْفِهِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا تَفَاضُلُ الْأَوْلِيَاءِ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِكَثْرَةِ الطَّاعَةِ فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَتْ رُتْبَتُهُ فِي الْوِلَايَةِ أَعْظَمَ
(وَرَابِعُهَا) تَفْضِيلُ الشَّهِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ؛ لِأَنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى بِبَذْلِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ وَأَعْظِمْ بِذَلِكَ مِنْ طَاعَةٍ.
(وَخَامِسُهَا) تَفْضِيلُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الشُّهَدَاءِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «مَا جَمِيعُ الْأَعْمَالِ فِي الْجِهَادِ إلَّا كَنُقْطَةٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ التَّفْضِيلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ مُثُلٌ أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ إلَى آخِرِ الْقَاعِدَةِ) .
قُلْت: مَا قَالَهُ فِيهَا، وَفِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ صَحِيحٌ وَعَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا مَا قَالَهُ فِي صَلَاةِ الْقَصْرِ فَإِنَّ فَضِيلَتَهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْمَذْهَبِ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْبَدَنَةَ عَدْلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْرَجَ بِقِيمَتِهَا طَعَامًا فَإِنْ عَجَزَ صَامَ بِعَدَدِ الْأَمْدَادِ أَيَّامًا فَدِمَاءُ الْحَجِّ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةٌ الْمُرَتَّبُ إمَّا مُقَدَّرٌ، أَوْ مُعَدَّلٌ، وَالْمُخَيَّرُ إمَّا مُقَدَّرٌ، أَوْ مُعَدَّلٌ وَاَلَّذِي يَتَدَاخَلُ مِنْهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْفِدْيَةُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَالْهَدْيُ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ وَقَدْ جَمَعْتُهَا فِي قَوْلِي:
تَتَّحِدُ الْفِدْيَةُ مَعَ تَعَدُّدٍ ... لِسَبَبٍ بِأَرْبَعٍ لَمْ تَزِدْ
أَحَدُهَا أَنْ تَفْعَلَ الْأَسْبَابَ فِي ... وَقْتٍ وَنَحْوِهِ وَثَانِيهَا قِفِي
نِيَّةَ تَكْرَارٍ لِفِعْلٍ مَا إلَيْهِ ... أَدَّاهُ عُذْرُهُ الَّذِي يَطْرَا عَلَيْهِ
ثَالِثُهَا تَقْدِيمُ مَا نَفْعًا أَعَمَّ ... عَلَى أَخَصَّ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَعَمِّ
رَابِعُهَا ظَنُّ إبَاحَةِ السَّبَبْ ... لِمُقْتَضٍ مِنْ نَحْوِ رَفْضِ مَا ارْتَكَبْ
وَاتَّحَدَ الْهَدْيُ كَذَا بِخَمْسَةٍ ... فَأَوَّلٌ تَكْرَارُ وَطْءٍ فَاثْبِتْ
وَالثَّانِ تَرْكٌ لِنُزُولِ جَمْعِ ... وَالرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ رَأْسًا فَاوْعِ
وَثَالِثٌ تَأْخِيرُهُ لِلسَّعْيِ مَعَ ... تَرْكِ قُدُومٍ لَا لِعُذْرٍ قَدْ وَقَعْ
وَرَابِعٌ يَا صَاحِ تَرْكُ التَّلْبِيَهْ ... مِنْ بَعْدِ إحْرَامٍ وَسَعْيٍ فَادْرِيَهْ
وَالْخَامِسُ الرُّكُوبُ فِي الطَّوَافِ ... وَالسَّعْيُ لَا لِحَاجَةٍ تُوَافِي
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ]
(الْفَرْقُ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ)
الْفَضْلُ كَوْنُ مَعْلُومٍ مَا مُنْفَرِدًا بِصِفَةِ مَدْحٍ، أَوْ بِمَزِيَّةٍ فِي صِفَةِ مَدْحٍ وَالتَّفْضِيلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ
الْأَوَّلُ عَقْلِيٌّ بِأَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ لِمَعْقُولِ الْمُتَّصِفِ بِهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي وَضْعِيٌّ بِأَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ لَا لِمَعْقُولِ الْمُتَّصِفِ بِهِ بَلْ لِمُوجِبِ غَيْرِهِ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ التَّفْضِيلَ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ إنْ كَانَ بِحَسَبِ الذَّاتِ، أَوْ بِحَسَبِ الصِّفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَهُوَ عَقْلِيٌّ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ بِالطَّاعَةِ أَوْ بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ، أَوْ بِشَرَفِ الْمَوْصُوفِ، أَوْ الصُّدُورِ، أَوْ لِمَدْلُولٍ أَوْ الدَّلَالَةِ، أَوْ التَّعَلُّقِ أَوْ الْمُتَعَلَّقِ، أَوْ بِكَثْرَةِ التَّعَلُّقِ أَوْ بِالْمُجَاوَرَةِ، أَوْ بِالْحُلُولِ أَوْ بِالْإِضَافَةِ، أَوْ بِالْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ، أَوْ بِالثَّمَرَةِ وَالْجَدْوَى أَوْ بِأَكْثَرِيَّةِ الثَّمَرَةِ، أَوْ بِالتَّأْثِيرِ، أَوْ بِجُودَةِ النِّيَّةِ وَالتَّرْكِيبِ أَوْ بِاخْتِيَارِ الرَّبِّ لِمَنْ يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَلِمَا يَشَاءُ عَلَى مَا يَشَاءُ فَهُوَ وَضْعِيٌّ فَقَاعِدَةُ التَّفْضِيلِ تَرْجِعُ إلَى عِشْرِينَ قَاعِدَةً بَلْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: لَا أَعْرِفُ الْآنَ دَلِيلَ صِحَّةِ حَصْرِ وُجُوهِ التَّفْضِيلِ فِي عِشْرِينَ قَاعِدَةً اهـ.
أَيْ بَلْ إنَّهَا تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ الْأَصْلُ وَأَسْبَابُ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةٌ لَا أَقْدِرُ عَلَى إحْصَائِهَا خَشْيَةَ الْإِسْهَابِ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي عَلَى الْوُصُولِ فِيهَا إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ مَا أَنْكَرَهُ بَعْضُ فُضَلَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ إنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ فَقَالَ الثَّوَابُ عَلَى الْعَمَلِ هُوَ سَبَبُ التَّفْضِيلِ وَالْعَمَلُ هَهُنَا مُتَعَذَّرٌ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى قَبْرِهِ ﷺ مُحَرَّمٌ فِيهِ عِقَابٌ شَدِيدٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَفْضَلُ الْمَثُوبَاتِ فَكَيْفَ مَعَ عَدَمِ الثَّوَابِ يَصِحُّ هَذَا الْإِجْمَاعُ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ كَثِيرًا وَمَا بَلَغَنِي أَيْضًا عَنْ الْمَأْمُونِ بْنِ الرَّشِيدِ الْخَلِيفَةِ أَنَّهُ قَالَ: أَسْبَابُ التَّفْضِيلِ أَرْبَعَةٌ وَكُلُّهَا كَمَلَتْ فِي عَلِيٍّ ﵁ فَهُوَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَأَخَذَ يَرُدُّ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَأَرَدْت بِبَيَانِ تَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ وَالْوُصُولِ فِيهَا إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ أَنْ أُبْطِلَ مَا ادَّعَيَاهُ مِنْ الْحَصْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَسْبَابَهُ أَعَمُّ مِنْ الثَّوَابِ بَلْ وَمِنْ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي زَعَمَ الْمَأْمُونُ الْحَصْرَ فِيهَا، وَإِلَّا لَمَا كَانَ جِلْدُ الْمُصْحَفِ بَلْ وَلَا الْمُصْحَفُ نَفْسُهُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ فِيهِ وَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ الْأَرْبَعَةِ فِيهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ اهـ بِتَصَرُّفٍ
стр. 442
مِنْ بَحْرٍ وَمَا الْجِهَادُ وَجَمِيعُ الْأَعْمَالِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا كَنُقْطَةٍ مِنْ بَحْرٍ» وَفِي حَدِيثٍ «لَوْ وُزِنَ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ بِدَمِ الشُّهَدَاءِ لَرَجَحَ بِسَبَبِ طَاعَةِ الْعُلَمَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى» بِضَبْطِ شَرَائِعِهِ وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْجِهَادُ وَهِدَايَةُ الْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ وَتَوْصِيلُ مَعَالِمِ الْأَدْيَانِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلَوْلَا سَعْيُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ لَانْقَطَعَ أَمْرُ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) التَّفْضِيلُ بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ الْوَاقِعِ فِي الْعَمَلِ الْمُفَضَّلِ وَلَهُ مُثُلٌ:
(أَحَدُهَا) الْإِيمَانُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ بِكَثْرَةِ ثَوَابِهِ فَإِنَّ ثَوَابَهُ الْخُلُودُ فِي الْجِنَانِ وَالْخُلُوصُ مِنْ النِّيرَانِ وَغَضَبِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ.
(وَثَانِيهَا) صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً.
(وَثَالِثُهَا) الصَّلَاةُ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا بِأَلْفِ مَرَّةٍ مِنْ الْمَثُوبَاتِ.
(وَرَابِعُهَا) صَلَاةُ الْقَصْرِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْإِتْمَامِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ عَمَلًا
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمَوْصُوفِ وَلَهُ مُثُلٌ:
(الْأَوَّلُ) الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْقَدِيمُ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْكَلَامِ لِوُجُوهٍ مِنْهَا شَرَفُ مَوْصُوفِهِ عَلَى كُلِّ مَوْصُوفٍ.
(وَثَانِيهَا) إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتُهُ وَجَمِيعُ الصِّفَاتِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى الرَّبِّ أَفْضَلُ لِوُجُوهٍ مِنْهُ شَرَفُ الْمَوْصُوفِ.
(وَثَالِثُهَا) صِفَاتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَشَجَاعَتِهِ وَكَرَمِهِ وَجَمِيعِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِنَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمَوْصُوفِ وَلَهُ مُثُلٌ: الْأَوَّلُ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْقَدِيمُ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْكَلَامِ إلَى آخِرِ الْقَاعِدَةِ)
قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ شَرَفِ الصِّفَةِ بِشَرَفِ مَوْصُوفِهَا صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ شَرَفَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ وُجُوهٍ لَمْ يَذْكُرْ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ إلَّا شَرَفَ الْمَوْصُوفِ، وَمِنْهَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - قِدَمُهَا وَبَقَاؤُهَا وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا صِفَاتُ الرَّسُولِ ﷺ فَلِمُصَاحَبَتِهَا النُّبُوَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَزِيَادَةٍ.
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) تَفْضِيلُ الْمَعْلُومِ عَلَى غَيْرِهِ بِذَاتِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مِثَالٌ وَاحِدٌ وَهُوَ ذَاتُ اللَّهِ وَصِفَاتُهُ الْمَعَانِي السَّبْعَةُ وَهِيَ الْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ النَّفْسَانِيُّ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ، إذْ لَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي: إنَّهَا غَيْرُ الذَّاتِ كَمَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا عَيْنُ الذَّاتِ لِأَنَّا لَوْ قُلْنَا هِيَ هُوَ لَأَدَّى إلَى اتِّحَادِ الصِّفَاتِ وَالْمَوْصُوفِ وَهُوَ لَا يُعْقَلُ وَلَوْ قُلْنَا: غَيْرُهُ لَكَانَتْ إمَّا مُحْدَثَةً فَيَكُونُ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِمَّا قَدِيمَةً فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ الْمُتَغَايِرَةِ وَهُوَ مُحَالٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ هُنَا مَا قَابَلَ الْعَيْنَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْمُنْفَكُّ فَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُنْفَكَّةً وَلَا عَيْنًا بَلْ شَيْءٌ مُلَازِمٌ بِخِلَافِ الْوُجُودِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ عَيْنُ الذَّاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ وَجْهٌ وَاعْتِبَارٌ، وَإِنَّهُ غَيْرُهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَالٌّ وَهُوَ مَا لَهُ ثُبُوتٌ فِي نَفْسِهِ.
وَفِي مَحَلِّهِ نَعَمْ قَالَ السُّكْتَانِيُّ قَوْلُنَا: اللَّهُ مَوْجُودٌ حُكْمٌ مَعْنَوِيٌّ يُعْتَقَدُ وَيُبَرْهَنُ عَلَيْهِ لَا مُجَرَّدُ إخْبَارٍ لَفْظِيٍّ فَالْحَقُّ أَنَّ الصِّفَةَ يَكْفِي فِيهَا مُغَايَرَةُ الْمَفْهُومِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَائِدَةً فِي الْخَارِجِ كَيْفَ وَقَدْ عَدُّوا السُّلُوبَ يَعْنِي الْقِدَمَ وَالْبَقَاءَ وَمُخَالَفَتَهُ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ وَقِيَامَهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ وَالْوَحْدَانِيَّةَ صِفَاتٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَصِفَاتُ الْبَارِي الَّتِي عَدَّهَا الْمُتَكَلِّمُونَ وَأَوْجَبُوا مَعْرِفَتَهَا تَفْصِيلًا إمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى الذَّاتِ وَهِيَ الْمَعَانِي السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ وَهَذِهِ، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ عَيْنَ الذَّاتِ إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ مُنْفَكَّةً عَنْهَا بَلْ مُلَازِمَةً لَهَا.
وَإِمَّا أَنْ لَا تَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ إمَّا أَنْ تَكُونَ عَدَمِيَّةً عِبَارَةً عَنْ سَلْبِهَا نَقْصًا عَنْ الذَّاتِ وَهِيَ صِفَاتُ السُّلُوبِ الْخَمْسُ الْمَذْكُورَةُ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ وَجْهًا وَاعْتِبَارًا لَا حَالًّا لِأَنَّ الْحَقَّ نَفْيُهُ وَهِيَ الصِّفَةُ النَّفْسِيَّةُ أَعْنِي الْوُجُودَ وَالصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةَ وَهِيَ الْكَوْنُ عَالِمًا وَمُرِيدًا وَقَادِرًا وَمُتَكَلِّمًا وَحَيًّا وَسَمِيعًا وَبَصِيرًا وَالِاعْتِبَارُ قَدْ اخْتَارَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ لَهُ مِنْ اسْمِهِ نَصِيبًا فَلَا ثُبُوتَ لَهُ إلَّا فِي ذِهْنِ الْمُعْتَبِرِ وَإِنَّهُ أَمْرٌ وَاحِدٌ فَقَطْ إنْ اُنْتُزِعَ مِنْ خَارِجٍ مَوْجُودٍ مُشَاهَدٍ كَالْكَوْنُ أَبْيَضُ كَانَ صَادِقًا لِتَأْيِيدِ الْخَارِجِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مُجَرَّدَ اعْتِبَارٍ كَاعْتِبَارِ الْكَرِيمِ بَخِيلًا كَانَ كَاذِبًا لِمُعَارَضَةِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ لَهُ لَا أَمْرَانِ بَحْتٌ لَا ثُبُوتَ لَهُ إلَّا فِي الذِّهْنِ وَمَا لَهُ ثُبُوتٌ فِي نَفْسِهِ دُونَ الْمَحَلِّ بِخِلَافِ الْحَالِّ وَبَيْنَ وَجْهِهِ فَانْظُرْهُ فَالْوُجُودُ وَالْمَعْنَوِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَائِدَةً فِي الْخَارِجِ عَلَى الذَّاتِ كَصِفَاتِ السُّلُوبِ لِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا صِفَاتٌ يُحْكَمُ بِهَا عَلَى الذَّاتِ حُكْمًا مَعْنَوِيًّا يُعْتَقَدُ وَيُبَرْهَنُ عَلَيْهِ كَصِفَاتِ السُّلُوبِ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا غَيْرَ الذَّاتِ مُغَايَرَةُ مَفْهُومِهَا لِمَفْهُومِ الذَّاتِ بِالْأَوْلَى مِنْ صِفَاتِ السُّلُوبِ فَافْهَمْ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) التَّفْضِيلُ بِالصِّفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالْمُفَضَّلِ وَلَهُ مُثُلٌ:
أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْعَالِمِ بِعِلْمٍ نَافِعٍ عَلَى الْجَاهِلِ بِهِ أَمَّا الَّذِي لَا يَنْفَعُ فَقَدْ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ فَيَكُونُ الْجَاهِلُ بِهِ أَفْضَلَ مِنْ الْعَالِمِ بِهِ.
وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ الْقَادِرِ بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ الْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ تَعَالَى عَلَى الْعَاجِزِ الَّذِي قُدْرَتُهُ حَادِثَةٌ.
وَثَالِثُهَا قِيلَ تَفْضِيلُ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ بِسَبَبِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ الْقَائِمِ بِهِ عَلَى الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ كَمَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْحِيحِ الْإِيجَابِ الذَّاتِيِّ لَكِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مُرِيدٌ قَادِرٌ، ثُمَّ
стр. 443
مِنْ وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا شَرَفُ الْمَوْصُوفِ
(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الصُّدُورِ كَشَرَفِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ لِكَوْنِ الرَّبِّ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِرَصْفِهِ وَنِظَامِهِ فِي نَفْسِ جِبْرِيلَ ﵇ وَبِهَذَا نُجِيبُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ إنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لِجَمِيعِ أَلْفَاظِ الْخَلَائِقِ وَالْمَرِيدُ لِتَرْتِيبِ وَصْفِهَا، فَمَنْ قَالَ زَيْدٌ قَائِمٌ فِي الدَّارِ فَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِأَصْوَاتِهِ هَذِهِ وَالْمَرِيدُ لِتَرْتِيبِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ، وَتَقْدِيمِ " قَائِمٌ " عَلَى الْمَجْرُورِ وَكَوْنِ الْمَجْرُورِ بِفِي دُونَ غَيْرِهَا مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِرَصْفِ جَمِيعِ كَلَامِ النَّاسِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِرَصْفِ الْقُرْآنِ فِي نَفْسِ جِبْرِيلَ ﵇ بِإِرَادَتِهِ وَهَذِهِ الْحُرُوفُ وَالْأَلْفَاظُ عِنْدَكُمْ مَخْلُوقَةٌ مِثْلُ أَلْفَاظِ الْخَالِقِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ فَلِمَ لَا تَقُولُونَ لِلْجَمِيعِ كَلَامُ اللَّهِ، وَمَا الْمَزِيَّةُ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ.؟ ،
فَنَقُولُ: اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّي لِرَصْفِ الْقُرْآنِ فِي نَفْسِ جِبْرِيلَ ﵇ عَلَى وَفْقِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ إرَادَةِ جِبْرِيلَ وَالْمُتَوَلِّي لِرَصْفِ كَلَامِ الْخَلَائِقِ فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى إرَادَتِهِمْ تَبَعًا لِإِرَادَتِهِ تَعَالَى فَتَفَرُّدُهُ فِي هَذَا الْوَصْفِ بِالْإِرَادَةِ هُوَ الْفَرْقُ وَامْتَازَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِوُجُوهٍ أُخَرَ مِنْ الْإِعْجَازِ وَغَيْرِهِ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ الَّتِي هِيَ كَلَامُ اللَّهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ
(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الصُّدُورِ كَشَرَفِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ لِكَوْنِ الرَّبِّ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِرَصْفِهِ وَنِظَامِهِ فِي نَفْسِ جِبْرِيلَ ﵇ إلَى آخِرِ الْقَاعِدَةِ) .
قُلْت: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمَزِيَّةَ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ انْفِرَادُ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِوَضْعِهِ دُونَ إرَادَةِ جِبْرِيلَ دَعْوَى لَا أَرَاهَا تَقُومُ عَلَيْهَا حُجَّةٌ وَلَعَلَّ جِبْرِيلَ أَرَادَ ذَلِكَ فَلَيْسَ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، بَلْ الْمَزِيَّةُ الَّتِي امْتَازَ بِهَا لَفْظُ الْقُرْآنِ عَلَى كَلَامِ النَّاسِ كَوْنُهُ دَالًّا عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَارَةً عَنْهُ، وَامْتِيَازُهُ عَنْ لَفْظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ بِالْإِعْجَازِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْصَافِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا كَمَا قَالَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَمَا قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ كُلُّهُ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِذَاتِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ.
وَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِصِفَاتٍ وُجُودِيَّةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ قَائِمَةٍ بِهَا يَصِحُّ أَنْ تُرَى وَفَسَّقُوا مَنْ نَفَاهَا قَالُوا وَلُزُومُ تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَتْ مُنْفَكَّةً وَأَلْزَمُوا أَنْ تَكُونَ الذَّاتُ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ لِأَنَّهَا الصِّفَاتُ وَأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْقُدْرَةُ إلَخْ لِأَنَّ الْكُلَّ الذَّاتُ الْوَاحِدَةُ وَحَيْثُ جَازَ عَالِمٌ بِلَا عِلْمٍ لَزِمَ عِلْمٌ بِلَا عَالِمٍ إذْ لَا فَرْقَ فِي التَّلَازُمِ عَلَى أَنَّهُ نَظِيرُ " أَسْوَدُ بِلَا سَوَادٍ " وَهُوَ بَدِيهِيُّ الْفَسَادِ وَكُلُّهَا تَقْبَلُ الدَّفْعَ فَإِنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِتَغَايُرِ الْمَفَاهِيمِ الْإِضَافِيَّةِ، وَإِنْ قَالَ أليوسي إذَا أَرَادُوهَا لِلِاعْتِبَارَاتِ لَزِمَ نَفْيُهَا إذْ لَا ثُبُوتَ لِلِاعْتِبَارِ إلَّا فِي الذِّهْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ هَلْ وُجُوبُهَا وَقِدَمُهَا ذَاتِيٌّ؛ لِأَنَّ الْإِلَهَ الْوَاحِدَ الذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِالصِّفَاتِ أَوْ مُمْكِنَةٌ فِي ذَاتِهَا - عَلَى مَا لِلْفَخْرِ وَمَنْ تَبِعَهُ - وَاجِبَةٌ لِمَا لَيْسَ عَيْنَهَا وَلَا غَيْرَهَا، وَإِنْ لَمْ نَفْهَمْ لَهُ الْآنَ مَحْصُولًا فَإِنَّ الصِّفَةَ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْمَوْصُوفِ مُسْتَحِيلَةٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَذَا الْمَوْصُوفِ بِخُصُوصِهِ فَلَا يُنَافِي مَوْصُوفًا مَا لَكِنْ فِيهِ مَا فِيهِ وَمِمَّا رُدَّ بِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعِلْمُ مَثَلًا مُمْكِنًا لَكَانَ الْجَهْلُ مُمْكِنًا لِأَنَّهُ مُقَابِلُهُ وَلَا يَخْفَاك أَنَّ الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ لَا يَضُرُّهُ إنَّمَا يَضُرُّهُ لَوْ كَانَ إمْكَانُهُ لِلَّهِ وَهُوَ يَقُولُ بِاسْتِحَالَتِهِ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ وُجُوبِ الْعِلْمِ لَهُ فَتَدَبَّرْ وَقَالَ قَبْلُ وَعَلَى كَلَامِ غَيْرِ الْفَخْرِ لَا نُثْبِتُ إلَّا الْقِدَمَ الذَّاتِيَّ لِلْوَاجِبِ وَحْدَهُ أَيْ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمُؤَثِّرِ وَعَلَى كَلَامِ الْفَخْرِ نُثْبِتُ الْقِدَمَ الْعَرَضِيَّ أَيْضًا لِلْمُمْكِنِ الذَّاتِيِّ وَلَا يَكُونُ الْإِمْكَانُ إلَّا ذَاتِيًّا نَعَمْ يَجُوزُ الْبَقَاءُ فِي الْمُمْكِنَاتِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ يَرْجِعُ لِعَدَمِ وُقُوفِ مَقْدُورَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْقَادِرِ الْمُطْلَقِ عِنْدَ حَدٍّ بِخِلَافِ الْقِدَمِ لِلْمُمْكِنَاتِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِوُجُودِ الْمُمْكِنِ أَزَلًا وَهُوَ مُحَالٌ بِالطَّبْعِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ قَالَ الشَّعْرَانِيُّ وَاَلَّذِي يَتَلَخَّصُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ عَرَبِيٍّ ﵁ وَرَحِمَهُ أَنَّهُ قَائِلٌ بِأَنَّ الصِّفَاتِ عَيْنٌ لَا غَيْرُ كَشْفًا وَيَقِينًا وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْلَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ وَأَقُولُ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ:
اعْتِصَامُ الْوَرَى بِمَغْفِرَتِكْ ... عَجَزَ الْوَاصِفُونَ عَنْ صِفَتِكْ
تُبْ عَلَيْنَا فَإِنَّنَا بَشَرٌ ... مَا عَرَفْنَاكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكْ
اهـ كَلَامُ الْأَمِيرِ بِتَصَرُّفٍ وَحَذْفٍ.
الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) التَّفْضِيلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ مُثُلٌ:
أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْكَافِرِ
وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَذَلِكَ بِسَبَبِ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الطَّاعَةِ بِتَعْظِيمِهِمْ الرُّسُلَ وَالرَّسَائِلَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَقَالُوا بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وَبِصِحَّةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُفِيدُهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَدَمَ الْخُلُودِ، وَإِنَّمَا تُفِيدُ تَخْفِيفَ الْعَذَابِ، وَجَحْدِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الرَّسَائِلَ فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ فَضَّلَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَحَلَّ اللَّهُ طَعَامَهُمْ وَأَبَاحَ تَزْوِيجَنَا نِسَاءَهُمْ وَجَعَلَ ذَكَاتَهُمْ كَذَكَاتِنَا وَنِسَاءَهُمْ كَنِسَائِنَا وَلَمْ يُلْحِقْهُمْ بِالْبَهَائِمِ تَعْظِيمًا وَتَمْيِيزًا بِخِلَافِ الْمَجُوسِ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَا ذَكَّوْهُ كَالْمَيْتَةِ وَتَصَرُّفَهُمْ فِيهِ بِالذَّكَاةِ كَتَصَرُّفِ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ مِنْ السِّبَاعِ وَالْكَوَاسِرِ فِي الْأَنْعَامِ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ وَجَعَلَ نِسَاءَهُمْ كَإِنَاثِ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ مُحَرَّمَاتِ الْوَطْءِ اهْتِضَامًا لَهُمْ.
وَثَالِثُهَا تَفْضِيلُ الْوَلِيِّ بِسَبَبِ مَا اُخْتُصَّ بِهِ مِنْ كَثْرَةِ طَاعَتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَوَلَّى اللَّهَ بِطَاعَتِهِ
стр. 444
تَعَالَى كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَيُقَالُ إنَّهَا مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ كِتَابًا صُحُفًا وَكُتُبًا أُنْزِلَتْ عَلَى آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إلَى مُحَمَّدٍ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -.
(الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمَدْلُولِ وَلَهُ مُثُلٌ:
أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْأَذْكَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى.
وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاَللَّهِ عَلَى الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَبِي لَهَبٍ وَفِرْعَوْنَ وَنَحْوِهِمَا.
وَثَالِثُهَا الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ أَفْضَلُ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالنَّدْبِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْحَثِّ عَلَى أَعْلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ، وَالزَّجْرِ عَنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الدَّلَالَةِ لَا بِشَرَفِ الْمَدْلُولِ كَشَرَفِ الْحُرُوفِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَوْصَافِ الدَّالَّةِ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْجَبَ شَرَفَهَا عَلَى جَمِيعِ الْحُرُوفِ لِهَذِهِ الدَّلَالَةِ.
وَأَمَرَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِهَا فَلَا تُمْسَكُ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَيُكَفَّرُ مَنْ أَصَابَهَا بِالْقَاذُورَاتِ وَلَهُ وَقْعٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إلَى بِلَادِ الْكَافِرِينَ خَشْيَةَ أَنْ تَنَالَهَا أَيْدِيهِمْ
(الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ التَّعَلُّقِ كَتَفْضِيلِ الْعِلْمِ عَلَى الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْحَيَاةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ بَلْ لَهَا مَوْصُوفٌ فَقَطْ وَالْعِلْمُ لَهُ مَوْصُوفٌ وَمُتَعَلَّقٌ فَلَهُ مَزِيَّةُ شَرَفٍ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُمْكِنَاتِ، وَالْقُدْرَةُ بِالْمُحْدَثَاتِ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ، وَالسَّمْعُ بِالْأَصْوَاتِ، وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَالْبَصَرُ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَلَيْسَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى السَّبْعَةِ صِفَةٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ إلَّا الْحَيَاةَ
(الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمُتَعَلَّقِ كَتَفْضِيلِ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ وَكَتَفْضِيلِ عِلْمِ الْفِقْهِ عَلَى الطِّبِّ لِتَعَلُّقِهِ بِرَسَائِلِ اللَّهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمُتَعَلِّقِ كَتَفْضِيلِ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ)
قُلْت: مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ - مِنْ أَنَّ كُلَّ مَدْلُولٍ مُتَعَلِّقٌ - لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْمَدْلُولَ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقِ فِي الِاصْطِلَاحِ الْمَعْهُودِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ كُلَّ مَدْلُولٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِوَجْهٍ مَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَعِبَادَتُهُ تَجْرِي عَلَى التَّوَالِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا عِصْيَانٌ فَسُمِّيَ وَلِيًّا وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ تَوَلَّاهُ بِلُطْفِهِ فَلَمْ يَكِلْهُ إلَى نَفْسِهِ وَلَا إلَى غَيْرِهِ لَحْظَةً عَلَى آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقْتَصَرِينَ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا تَفَاضُلُ الْأَوْلِيَاءِ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِكَثْرَةِ الطَّاعَةِ فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَتْ رُتْبَتُهُ فِي الْوِلَايَةِ أَعْظَمَ.
وَرَابِعُهَا تَفْضِيلُ الشَّهِيدِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لِأَنَّهُ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى بِبَذْلِ نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ وَأَعْظِمْ بِذَلِكَ مِنْ طَاعَةٍ.
وَخَامِسُهَا تَفْضِيلُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الشُّهَدَاءِ بِسَبَبِ طَاعَةِ الْعُلَمَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى بِضَبْطِ شَرَائِعِهِ وَتَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْجِهَادُ وَهِدَايَةُ الْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ وَتَوْصِيلُ مَعَالِمِ الْأَدْيَانِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلَوْلَا سَعْيُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ لَانْقَطَعَ أَمْرُ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَقُولُ اللَّهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فَلِذَا قَالَ ﷺ «مَا جَمِيعُ الْأَعْمَالِ فِي الْجِهَادِ إلَّا كَنُقْطَةٍ مِنْ بَحْرٍ وَمَا الْجِهَادُ وَجَمِيعُ الْأَعْمَالِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا كَنُقْطَةٍ مِنْ بَحْرٍ» وَقَالَ ﷺ «لَوْ وُزِنَ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ بِدَمِ الشُّهَدَاءِ لَرَجَحَ» .
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) التَّفْضِيلُ بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ الْوَاقِعِ فِي الْعَمَلِ الْمُفَضَّلِ وَلَهُ مُثُلٌ:
أَحَدُهَا الْإِيمَانُ بِكَثْرَةِ ثَوَابِهِ مِنْ الْخُلُودِ فِي الْجِنَانِ وَالْخُلُوصِ مِنْ النِّيرَانِ وَمِنْ غَضَبِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ.
وَثَانِيهَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً.
وَثَالِثُهَا الصَّلَاةُ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا بِأَلْفِ مَرَّةٍ مِنْ الْمَثُوبَاتِ قَالَ الْبَاجِيَّ وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي فَضْلِ الْمَسْجِدَيْنِ مُخَالَفَةُ حُكْمِ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِسَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَلَا يُعْلَمُ مِنْهَا حُكْمُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي التَّفَاضُلِ إلَّا أَنَّ حَدِيثَ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ بِمِائَةِ أَلْفٍ إذَا ثَبَتَتْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ نَفْسَ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ نَفْسِ الْمَدِينَةِ اهـ.
نَقَلَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ لَكِنْ فِي الرَّهُونِيِّ عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ بَابَا وَاسْتُدِلَّ أَيْ لِتَفْضِيلِ مَسْجِدِ مَكَّةَ بِحَدِيثِ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ وَهُوَ الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَهُوَ صَرِيحٌ بِدَفْعِ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِدُونِ أَلْفٍ، أَوْ بِتَسَاوِيهِمَا وَسَيَأْتِي تَوْضِيحُ ذَلِكَ فَتَرَقَّبْ.
وَرَابِعُهَا صَلَاةُ الْقَصْرِ أَفْضَلُ فِي مَذْهَبِنَا خَاصَّةً مِنْ صَلَاةِ الْإِتْمَامِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ عَمَلًا.
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمَوْصُوفِ وَلَهُ مُثُلٌ:
أَحَدُهَا الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْقَدِيمُ أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْكَلَامِ لِوُجُوهٍ مِنْهَا شَرَفُ مَوْصُوفِهِ عَلَى كُلِّ مَوْصُوفٍ وَمِنْهَا قِدَمُهُ وَبَقَاؤُهُ.
وَثَانِيهَا إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتُهُ وَسَائِرُ الصِّفَاتِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى الرَّبِّ أَفْضَلُ لِوُجُوهٍ مِنْهَا شَرَفُ الْمَوْصُوفِ وَمِنْهَا قِدَمُهَا وَبَقَاؤُهَا
وَثَالِثُهَا صِفَاتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ شَجَاعَتِهِ وَكَرَمِهِ وَجَمِيعِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ صِفَاتِنَا لِوُجُوهٍ مِنْهَا شَرَفُ الْمَوْصُوفِ وَمِنْهَا مُصَاحَبَتُهَا النُّبُوَّةَ.
(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الصُّدُورِ قِيلَ كَشَرَفِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِوَصْفِ جَمِيعِ كَلَامِ النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ
стр. 445
تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ، وَهَذَا الْقِسْمُ عَيْنُ الْمَدْلُولِ فَكُلُّ مَدْلُولٍ مُتَعَلِّقٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُتَعَلِّقٍ مَدْلُولًا؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ وَالْمَدْلُولَ مِنْ بَابِ الْأَلْفَاظِ وَالْحَقَائِقِ الدَّالَّةِ كَالصَّنْعَةِ عَلَى الصَّانِعِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْعِلْمُ وَنَحْوُهُ فَلَا يُقَالُ لَهُ دَالٌّ بَلْ هُوَ مَدْلُولٌ فِي نَفْسِهِ وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ لَهُ مُتَعَلَّقٌ خَاصٌّ وَهُوَ مَعْلُومُهُ وَكَذَلِكَ الْإِرَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخُيُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِرَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّرُورِ.
وَالنِّيَّةُ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَقَاصِدِ، وَالثَّانِيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَسَائِلِ، وَالْمَقَاصِدُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَسَائِلِ وَالْمُتَعَلِّقُ بِالْأَفْضَلِ أَفْضَلُ.
(الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشَرَ) التَّفْضِيلُ بِكَثْرَةِ التَّعَلُّقِ كَتَفْضِيلِ عِلْمِ اللَّهِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ، وَاخْتِصَاصِ الْإِرَادَةِ بِالْمُمْكِنَاتِ وُجُودِهَا أَوْ عَدَمِهَا، وَاخْتِصَاصِ الْقُدْرَةِ بِوُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ خَاصَّةً، وَاخْتِصَاصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ - وَهِيَ الْأَصْوَاتُ وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ -، وَاخْتِصَاصِ الْبَصَرِ بِبَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُمْكِنَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ دُونَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فَذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلِاصْطِلَاحِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْإِرَادَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْخُيُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِرَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّرُورِ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ إرَادَتَنَا فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِرَادَةَ مُطْلَقًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ إرَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَصِحُّ تَنَوُّعُهَا إلَى نَوْعَيْنِ لِاتِّحَادِهَا وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ مِنْ الشَّرْعِ مَا يَقْتَضِيهِ وَمَا قَالَهُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَمَا بَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمَقَاصِدَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَسَائِلِ إنْ أَرَادَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ زِيَادَةً فِي الْأُجُورِ فَذَلِكَ دَعْوَى لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا بِحُجَّةٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ كَوْنَ الْمَقَاصِدِ مُفَضَّلَةً بِكَوْنِهَا مَقَاصِدَ فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَمَا قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ وَالثَّانِيَةَ عَشَرَ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي الثَّالِثَةَ عَشَرَ إلَّا حَصْرَهُ لِوُجُودِ التَّفْضِيلِ فِي عِشْرِينَ قَاعِدَةً فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ الْآنَ دَلِيلَ صِحَّةِ ذَلِكَ الْحَصْرِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَأَنَّ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ زَيْدٌ قَائِمٌ فِي الدَّارِ فَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِأَصْوَاتِهِ هَذِهِ وَالْمُرِيدُ لِتَرْتِيبِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ وَتَقْدِيمِ " قَائِمٌ " عَلَى الْمَجْرُورِ وَكَوْنِ الْمَجْرُورِ بِفِي دُونَ غَيْرِهَا مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ كَمَا أَنَّهُ الْمُتَوَلِّي لِرَصْفِ الْقُرْآنِ فِي نَفْسِ جِبْرِيلَ ﵇ بِإِرَادَتِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَلْفَاظِ النَّاسِ وَأَلْفَاظِ الْخَالِقِ فِي كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً إلَّا أَنَّ الْمَزِيَّةَ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ فِي أَنَّنَا نَقُولُ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ كَلَامُ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ هِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّي لِرَصْفِ الْقُرْآنِ فِي نَفْسِ جِبْرِيلَ ﵇ عَلَى وَفْقِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ إرَادَةِ جِبْرِيلَ - وَالْمُتَوَلِّي لِرَصْفِ كَلَامِ الْخَلَائِقِ فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى إرَادَتِهِمْ تَبَعًا لِإِرَادَتِهِ تَعَالَى فَتَفَرُّدُهُ فِي رَصْفِ الْقُرْآنِ بِالْإِرَادَةِ هُوَ الْفَرْقُ اهـ.
قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَدَعْوَى انْفِرَادِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِوَضْعِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ دُونَ إرَادَةِ جِبْرِيلَ لَا أَرَاهَا تَقُومُ عَلَيْهَا حُجَّةٌ وَلَعَلَّ جِبْرِيلَ أَرَادَ ذَلِكَ بَلْ الْمَزِيَّةُ الَّتِي امْتَازَ بِهَا لَفْظُ الْقُرْآنِ عَلَى كَلَامِ النَّاسِ كَوْنُهُ دَالًّا عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَارَةً عَنْهُ وَامْتِيَازُهُ عَنْ لَفْظِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الرُّسُلِ وَيُقَالُ إنَّهَا مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ كِتَابًا صُحُفًا وَكُتُبًا أُنْزِلَتْ عَلَى آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إلَى مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بِالْإِعْجَازِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْصَافِ الَّتِي امْتَازَ بِهَا كَمَا قَالَ الشِّهَابُ. اهـ.
قُلْت وَعَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِهِ لِلتَّفْضِيلِ بِشَرَفِ الصُّدُورِ بَلْ مِثَالُهُ بِشَرَفِ فِعْلِهِ ﷺ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْأُمَّةِ فَافْهَمْ.
(الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمَدْلُولِ وَلَهُ مُثُلٌ:
أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْأَذْكَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى.
وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاَللَّهِ عَلَى الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَبِي لَهَبٍ وَفِرْعَوْنَ وَنَحْوِهِمَا.
وَثَالِثُهَا الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَالتَّحْرِيمِ أَفْضَلُ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالنَّدْبِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْحَثِّ عَلَى أَعْلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ وَالزَّجْرِ عَنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الدَّلَالَةِ لَا الْمَدْلُولِ كَشَرَفِ الْحُرُوفِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَوْصَافِ الدَّالَّةِ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ الْحُرُوفِ الَّتِي لَمْ تَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ عَلَى غَيْرِهِ فَلِذَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ فَلَا تُمْسَكُ إلَّا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَيُكَفَّرُ مَنْ أَصَابَهَا بِالْقَاذُورَاتِ وَصَارَ لَهَا وَقْعٌ عَظِيمٌ فِي الدِّينِ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إلَى بِلَادِ الْكَافِرِينَ خَشْيَةَ أَنْ تَنَالَهَا أَيْدِيهِمْ.
(الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ التَّعَلُّقِ كَتَفْضِيلِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ وَاخْتِصَاصِهِ بِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقَ الِاقْتِضَاءِ وَالْإِبَاحَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْعِلْمِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ، وَالْإِرَادَةِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمُمْكِنَاتِ وَالْقُدْرَةِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمُحْدَثَاتِ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ، وَالسَّمْعِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْأَصْوَاتِ وَالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَالْبَصَرِ لِتَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ عَلَى الْحَيَاةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ بَلْ لَهَا مَوْصُوفٌ فَقَطْ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ فَإِنَّ لَهُ مَوْصُوفًا وَمُتَعَلَّقًا كَمَا عَلِمْت.
(الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ) التَّفْضِيلُ بِشَرَفِ الْمُتَعَلَّقِ كَتَفْضِيلِ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَاتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ وَكَتَفْضِيلِ عِلْمِ الْفِقْهِ عَلَى الطِّبِّ لِتَعَلُّقِهِ بِرَسَائِلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ وَكَتَفْضِيلِ إرَادَتِنَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْخُيُورِ عَلَى إرَادَتِنَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّرُورِ، وَإِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِاتِّحَادِهَا لَا يَصِحُّ تَنَوُّعُهَا وَلَا أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا ذَلِكَ بِاعْتِبَارَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ مِنْ الشَّرْعِ
стр. 446
الْمُسْتَحِيلَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ الْمُمْكِنَاتِ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فَالْخَبَرُ فِيهِ مَسْبُوقٌ لِلْعِلْمِ فِي التَّعَلُّقِ وَكُلُّ مَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُخْبَرٌ عَنْهُ وَيَخْتَصُّ الْكَلَامُ بِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقَ الِاقْتِضَاءِ وَالْإِبَاحَةِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ أَكْثَرُ تَعَلُّقًا مِنْ الْعِلْمِ فَيَكُونُ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْعِلْمِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَكَتَفْضِيلِ الْبَصَرِ عَلَى السَّمْعِ لِاخْتِصَاصِ السَّمْعِ بِالْكَلَامِ، وَالْبَصَرُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ كَانَتْ كَلَامًا، أَوْ غَيْرَهُ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَ) التَّفْضِيلُ بِالْمُجَاوَرَةِ كَتَفْضِيلِ جِلْدِ الْمُصْحَفِ عَلَى سَائِرِ الْجُلُودِ فَلَا يَمَسُّهُ مُحْدِثٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلَابَسَ بِقَاذُورَةٍ وَلَا بِمَا يُوجِبُ الْإِهَانَةَ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مَكْتُوبٌ بَلْ لِمُجَاوَرَتِهِ الْوَرَقَ الْمَكْتُوبَ فِيهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَ) التَّفْضِيلُ بِالْحُلُولِ كَتَفْضِيلِ قَبْرِهِ ﷺ عَلَى جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ وَلَمَّا خَفِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ التَّفْضِيلُ إنَّمَا هُوَ بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ، وَالْعَمَلُ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَرَّمٌ فِيهِ عِقَابٌ شَدِيدٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَفْضَلُ الْمَثُوبَاتِ فَإِذَا تَعَذَّرَ الثَّوَابُ هُنَالِكَ عَلَى عَمَلِ الْعَامِلِ مَعَ أَنَّ التَّفْضِيلَ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِهِ كَيْفَ يَحْكِي الْإِجْمَاعَ فِي أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ أَوَمَا عَلِمَ أَنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ أَعَمُّ مِنْ الثَّوَابِ وَأَنَّهَا مُنْتَهِيَةٌ إلَى عِشْرِينَ قَاعِدَةً أَنَا ذَاكِرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى التَّفْضِيلِ بِهَذَا الْوَجْهِ لَا بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَكُونَ جِلْدُ الْمُصْحَفِ بَلْ وَلَا الْمُصْحَفُ نَفْسُهُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ فِيهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ بَلْ هَذَا مَعْنَى مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فَتَأَمَّلْهُ
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشَرَ) التَّفْضِيلُ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] أَضَافَهُمْ إلَيْهِ تَعَالَى لِيُشَرِّفَهُمْ بِالْإِضَافَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشَرَ التَّفْضِيلُ بِسَبَبِ الْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] إلَى آخِرِ الْقَاعِدَةِ) .
قُلْت: قَوْلُهُ " فَهَذَا كُلُّهُ تَفْضِيلٌ بِالْإِضَافَةِ اللَّفْظِيَّةِ " إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ تَشْرِيفُ مَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، أَوْ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَا يَقْتَضِيهِ، وَكَتَفْضِيلِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النِّيَّةِ فِي الطَّهَارَةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَقْصِدٌ وَالطَّهَارَةَ وَسِيلَةٌ، وَالْمَقَاصِدُ بِكَوْنِهَا مَقَاصِدَ لَا بِزِيَادَةٍ فِي الْأُجُورِ إذْ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَسَائِلِ، وَبِالْأَفْضَلِ أَفْضَلُ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَالْمَدْلُولُ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقِ فِي الِاصْطِلَاحِ الْمَعْهُودِ، وَإِنْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَدْلُولٍ مُتَعَلِّقًا بِوَجْهٍ مَا اهـ فَافْهَمْ.
(الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ)
التَّفْضِيلُ بِكَثْرَةِ التَّعَلُّقِ كَتَفْضِيلِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْقَدِيمِ عَلَى عِلْمِهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْخَبَرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا لِلْعِلْمِ فِي التَّعَلُّقِ وَكُلُّ مَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُخْبَرٌ عَنْهُ إلَّا أَنَّ لِلْكَلَامِ اخْتِصَاصًا بِتَعَلُّقِ الِاقْتِضَاءِ وَالْإِبَاحَةِ وَغَيْرِهِمَا فَهُوَ أَكْثَرُ تَعَلُّقًا مِنْ الْعِلْمِ وَكَتَفْضِيلِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قُدْرَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ، وَاخْتِصَاصِ الْإِرَادَةِ بِالْمُمْكِنَاتِ وُجُودِهَا أَوْ عَدَمِهَا، وَاخْتِصَاصِ الْقُدْرَةِ بِوُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ خَاصَّةً، وَاخْتِصَاصِ السَّمْعِ بِبَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ - وَهِيَ الْأَصْوَاتُ وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ -، وَاخْتِصَاصِ الْبَصَرِ بِبَعْضِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُمْكِنَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ دُونَ الْمُسْتَحِيلَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ الْمُمْكِنَاتِ وَكَتَفْضِيلِ الْبَصَرِ عَلَى السَّمْعِ لِاخْتِصَاصِ السَّمْعِ بِالْكَلَامِ، وَالْبَصَرُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَوْجُودَاتِ كَانَتْ كَلَامًا، أَوْ غَيْرَهُ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) التَّفْضِيلُ بِالْمُجَاوَرَةِ كَتَفْضِيلِ جِلْدِ الْمُصْحَفِ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مَكْتُوبٌ عَلَى سَائِرِ الْجُلُودِ فَلَا يَمَسُّهُ مُحْدِثٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلَابَسَ بِقَاذُورَةٍ وَلَا بِمَا يُوجِبُ الْإِهَانَةَ لِمُجَاوَرَتِهِ الْوَرَقَ الْمَكْتُوبَ فِيهِ الْقُرْآنُ.
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) التَّفْضِيلُ بِالْحُلُولِ كَتَفْضِيلِ قَبْرِهِ ﷺ عَلَى جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ فِي كِتَابِهِ الشِّفَاءِ.
وَقَالَ الْبَكْرِيُّ:
جَزَمَ الْجَمِيعُ بِأَنَّ خَيْرَ الْأَرْضِ مَا ... قَدْ حَاطَ ذَاتَ الْمُصْطَفَى وَحَوَاهَا
نَعَمْ لَقَدْ صَدَقُوا بِسَاكِنِهَا عَلَتْ ... كَالنَّفْسِ حِينَ زَكَتْ زَكَى مَأْوَاهَا
وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إنْكَارُ بَعْضِ فُضَلَاءِ الشَّافِعِيَّةِ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى انْحِصَارِ التَّفْضِيلِ فِي الثَّوَابِ عَلَى الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ مُتَعَذَّرٌ هُنَا.
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) التَّفْضِيلُ اللَّفْظِيُّ بِسَبَبٍ فِي الْإِضَافَةِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] أَضَافَهُمْ إلَيْهِ تَعَالَى لِيُشَرِّفَهُمْ بِهَا كَمَا أَضَافَ الْعُصَاةَ إلَى الشَّيْطَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٩] لِيُهِينَهُمْ بِهَا وَيُحَقِّرَهُمْ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] الْآيَةَ أَضَافَ الْبَيْتَ إلَيْهِ تَعَالَى لِيُشَرِّفَهُ بِهَا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وَقَوْلُهُ ﷺ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» شَرَّفَ الصَّوْمَ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ نَعَمْ لَا بُدَّ لِلتَّشْرِيفِ، أَوْ التَّحْقِيرِ بِالْإِضَافَةِ مِنْ أَسْبَابٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُضِفْ حِزْبَهُ تَعَالَى إلَيْهِ إلَّا لِطَاعَتِهِمْ وَلَا حِزْبَ الشَّيْطَانِ إلَيْهِ إلَّا لِمَعْصِيَتِهِمْ وَلَا الْبَيْتَ إلَيْهِ تَعَالَى إلَّا لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ مَحَلًّا لِمَا قُرِنَ بِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَلَا الْعَبْدَ إلَيْهِ تَعَالَى إلَّا لِأَنَّهُ جَعَلَهُ صَفْوَةَ رُسُلِهِ وَخَاتَمَهُمْ وَلَا الصَّوْمَ لَهُ تَعَالَى إلَّا لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِجَزَاءٍ لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَى قَدْرِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ بَسْطُ الْخِلَافِ فِيهِ فَلَا تَغْفُلْ.
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) التَّفْضِيلُ بِالْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ كَتَفْضِيلِ ذُرِّيَّتِهِ ﵊ عَلَى جَمِيعِ الذَّرَارِيِّ بِسَبَبِ نَسَبِهِمْ الْمُتَّصِلِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَتَفْضِيلِ نِسَائِهِ ﷺ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]
стр. 447
إلَيْهِ كَمَا أَضَافَ الْعُصَاةَ إلَى الشَّيْطَانِ لِيُهِينَهُمْ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ وَيُحَقِّرَهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٩] وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] الْآيَةَ أَضَافَ الْبَيْتَ إلَيْهِ تَعَالَى لِيُشَرِّفَهُ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ حِكَايَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» شَرَّفَ الصَّوْمَ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ هَذَا التَّشْرِيفِ الْمُوجِبِ لِهَذِهِ الْإِضَافَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ وَنَقْلُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ فَهَذَا كُلُّهُ تَفْضِيلٌ بِالْإِضَافَةِ اللَّفْظِيَّةِ.
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةَ عَشَرَ) التَّفْضِيلُ بِالْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ كَتَفْضِيلِ ذُرِّيَّتِهِ ﵊ عَلَى جَمِيعِ الذَّرَارِيِّ بِسَبَبِ نَسَبِهِمْ الْمُتَّصِلِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَتَفْضِيلِ نِسَائِهِ ﷺ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ وَالِاخْتِصَاصِ بِهِ، وَإِنْ كُنَّ فِي هَذِهِ النِّسْبَةِ مُتَفَاوِتَاتٍ.
(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
إهَانَتُهُ إلَّا بِمُجَرَّدِ الْإِضَافَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ وَلَمْ يُضِفْ حِزْبَهُ تَعَالَى إلَيْهِ إلَّا لِطَاعَتِهِمْ وَلَمْ يُضِفْ حِزْبَ الشَّيْطَانِ إلَيْهِ إلَّا لِمَعْصِيَتِهِمْ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] لَيْسَتْ إضَافَةُ الْبَيْتِ إلَيْهِ تَعَالَى إلَّا لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ مَحَلًّا لِمَا قُرِنَ بِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [الأنفال: ٤١] لَيْسَتْ إضَافَةُ الْعَبْدِ إلَيْهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهُ صَفْوَةَ رُسُلِهِ وَخَاتَمَهُمْ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي الصَّوْمِ لَيْسَتْ الْإِضَافَةُ إلَّا لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِجَزَاءٍ لَمْ يُطْلِعْنَا عَلَى قَدْرِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْإِضَافَةَ نَفْسَهَا هِيَ التَّشْرِيفُ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ أَسْبَابًا لَهَا فَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَمَا قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةَ عَشَرَ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي السَّادِسَةَ عَشَرَ إلَّا مَا حَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ عِزِّ الدِّينِ مِنْ مُلَاحَظَتِهِ فِي النُّبُوَّةِ جِهَةً أُخْرَى نُفَضِّلُهَا بِهِ عَلَى الرِّسَالَةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَصِحُّ مَا قَالَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الرَّسُولُ نَبِيًّا وَأَمَّا وَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إذْ لَا اخْتِصَاصَ لِلنَّبِيِّ عَلَى الرَّسُولِ بِمَزِيَّةٍ يَقَعُ بِهَا التَّفْضِيلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةَ عَشَرَ صَحِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ وَالِاخْتِصَاصِ بِهِ.
وَإِنْ كُنَّ فِي هَذِهِ النِّسْبَةِ مُتَفَاوِتَاتٍ وَذَلِكَ أَنَّ نِسْبَةَ مَنْ دَخَلَ بِهِنَّ أَقْوَى مِنْ نِسْبَةِ مَنْ عَقَدَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ، وَنِسْبَةَ مَنْ دَخَلَ وَلَمْ يُطَلِّقْهُنَّ أَقْوَى مِمَّنْ دَخَلَ وَطَلَّقَهُنَّ وَنِسْبَةَ مَنْ دَخَلَ وَطَلَّقَهُنَّ أَقْوَى مِمَّنْ فَارَقَهُنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ وَنِسْبَةَ مَنْ فَارَقَهُنَّ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ أَقْوَى مِمَّنْ فَارَقَهُنَّ قَبْلَهُ بِاتِّفَاقٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْجَمَلِ عَنْ الْمَوَاهِبِ جُمْلَةُ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ ﷺ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً مَاتَ عَنْ عَشْرٍ، وَاحِدَةٍ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَهِيَ قَتِيلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وَتِسْعٍ دَخَلَ بِهِنَّ، جَمَعَهُنَّ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ:
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ ... إلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ
فَعَائِشَةٌ مَيْمُونَةُ وَصَفِيَّةُ ... وَحَفْصَةُ تَتْلُوهُنَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُ
جُوَيْرِيَةٌ مَعَ رَمْلَةٍ. ثُمَّ سَوْدَةٌ ... ثَلَاثٌ وَسِتٌّ نَظَمَهُنَّ مُهَذَّبُ
وَمَاتَ فِي حَيَاتِهِ بِاتِّفَاقٍ أَرْبَعٌ ثِنْتَانِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَهُمَا خَدِيجَةُ وَزَيْنَبُ أُمُّ الْمَسَاكِينِ وَثِنْتَانِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُمَا شُرَافُ بِنْتُ خَلِيفَةَ أُخْتُ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَخَوْلَةُ بِنْتُ الْهُذَيْلِ وَفَارَقَ عَلَى خُلْفٍ فِي كَوْنِهِ بِطَلَاقٍ، أَوْ مَوْتٍ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ ثِنْتَيْنِ مُلَيْكَةَ بِنْتَ كَعْبٍ وَسَبَا بِنْتَ أَسْمَاءَ وَطَلَّقَ سَبْعًا بِاتِّفَاقٍ: بَعْدَ الدُّخُولِ بِاتِّفَاقٍ ثِنْتَيْنِ فَاطِمَةَ بِنْتَ الضَّحَّاكِ وَعَالِيَةَ بِنْتَ ظَبْيَانَ، وَقَبْلَهُ بِاتِّفَاقٍ ثَلَاثًا وَهُنَّ عَمْرَةُ بِنْتُ يَزِيدَ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَانِ وَاَلَّتِي مِنْ غِفَارٍ، وَعَلَى خُلْفٍ فِي كَوْنِهِ بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ ثِنْتَيْنِ وَهُمَا أُمُّ شَرِيكٍ الْقُرَشِيَّةُ وَالْمُسْتَقِيلَةُ الَّتِي جُهِلَ حَالُهَا وَهِيَ لَيْلَى بِنْتُ الْخَطِيمِ فَجُمْلَةُ الْمُتَّفَقِ عَلَى دُخُولِهِ بِهِنَّ وَلَمْ يُطَلِّقْهُنَّ إحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً سِتٌّ مِنْ قُرَيْشٍ خَدِيجَةُ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ وَسَوْدَةُ بِنْتُ زِمْعَةَ وَأَرْبَعُ عَرَبِيَّاتٍ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ وَزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ أُمُّ الْمَسَاكِينِ وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيَّةُ الْمُصْطَلِقِيَّةُ وَوَاحِدَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ مِنْهُنَّ ثِنْتَانِ خَدِيجَةُ وَزَيْنَبُ أُمُّ الْمَسَاكِينِ وَتُوُفِّيَ ﷺ عَنْ الْبَاقِي وَالْمُتَّفَقُ عَلَى مَنْ دَخَلَ وَطَلَّقَ بَعْدَهُ ثِنْتَانِ فَاطِمَةُ بِنْتُ الضِّحَاكِ وَعَالِيَةُ بِنْتُ ظَبْيَانَ اهـ بِتَلْخِيصٍ وَتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ.
وَأَمَّا تَفْضِيلُ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ عَلَى بَاقِيهِنَّ وَالْخِلَافُ فِي أَفْضَلِهِمَا فَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَلْ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَحْوَالِ وَكَثْرَةِ الْخِصَالِ الْجَمِيلَةِ فَيُسْتَحْسَنُ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الَّذِي أَخْتَارُهُ الْآنَ أَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَحْوَالٍ فَعَائِشَةُ أَفْضَلُهُنَّ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ وَخَدِيجَةُ مِنْ حَيْثُ تَقَدُّمُهَا، وَإِعَانَتُهَا لَهُ ﷺ اهـ.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ فَيَكُونُ الْأَقْرَبُ الْوَقْفَ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ كَمَا فِي عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ قَالَ: وَفِي كَلَامِ الْبُرْهَانِ الْحَلَبِيِّ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ تَلِي عَائِشَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - وَلَمْ يَقِفْ أُسْتَاذُنَا عَلَى نَصٍّ فِي بَاقِيهِنَّ وَلَا فِي مُفَاضَلَةِ بَعْضِ أَبْنَائِهِ الذُّكُورِ عَلَى بَعْضٍ وَلَا فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَنَاتِ الشَّرِيفَاتِ سِوَى مَا شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ الذُّكُورَ عَلَى الْإِنَاثِ مُطْلَقًا وَلَا بَيْنَهُنَّ سِوَى فَاطِمَةَ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ بَنَاتِهِ الْكَرِيمَاتِ وَلَا بَيْنَ بَاقِي الْبَنَاتِ سِوَى فَاطِمَةَ مَعَ الزَّوْجَاتِ الطَّاهِرَاتِ، وَإِنْ جَرَتْ عِلَّةُ فَاطِمَةَ بِالْبِضْعِيَّةِ فِي الْجَمِيعِ فَالْوَقْفُ أَسْلَمُ اهـ.
قَالَ الْأَمِيرُ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَلَوِيُّ أَوْلَادُهُ ﷺ الذُّكُورُ ثَلَاثَةٌ عَبْدُ اللَّهِ وَيُلَقَّبُ بِالطَّيِّبِ وَبِالطَّاهِرِ فَلَهُ
стр. 448
عَشَرَ)
التَّفْضِيلُ بِالثَّمَرَةِ وَالْجَدْوَى كَتَفْضِيلِ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُثْمِرُ صَلَاحَ الْخَلْقِ وَهِدَايَتَهُمْ إلَى الْحَقِّ بِالتَّعْلِيمِ وَالْإِرْشَادِ، وَالْعِبَادَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى مَحَلِّهَا وَاجْتَمَعَ يَوْمًا عَالِمَانِ عَظِيمَانِ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ الْمَعْقُولَاتِ وَالْهَنْدَسِيَّاتِ وَالْآخَرُ عَالِمٌ بِالسَّمْعِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ فَقَالَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي: الْهَنْدَسَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهَا قَطْعِيَّةٌ، وَالْفِقْهُ مَظْنُونٌ وَالْقَطْعُ أَفْضَلُ مِنْ الظَّنِّ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: صَدَقْتَ، مِنْ هَذَا الْوَجْهِ هِيَ أَفْضَلُ، غَيْرَ أَنَّ الْفِقْهَ أَفْضَلُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يُثْمِرُ سَعَادَةَ الْآخِرَةِ.
وَنَعِيمَ الْجِنَانِ، وَرِضْوَانَ الرَّحْمَنِ، وَالْهَنْدَسَةُ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ فَوَافَقَهُ الْآخَرُ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَا مُتَنَاصِفَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْعِلْمِ مَوْضُوعَاتُهُ أَيْ تَآلِيفُهُ فَيَنْتَفِعُ الْأَبْنَاءُ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأَخْلَافُ بَعْدَ الْأَسْلَافِ وَالْعِبَادَةُ تَنْقَطِعُ مِنْ حِينِهَا وَثَمَرَةُ الْعِلْمِ وَهِدَايَتُهُ تَبْقَى إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَجَاءَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الرِّسَالَةُ أَفْضَلُ مِنْ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ الرِّسَالَةَ مُثْمِرَةٌ الْهِدَايَةَ لِلْأُمَّةِ الْمُرْسَلِ إلَيْهَا وَالنُّبُوَّةَ قَاصِرَةٌ عَلَى النَّبِيِّ فَنِسْبَتُهَا إلَى النُّبُوَّةِ كَنِسْبَةِ الْعَالِمِ لِلْعَابِدِ وَكَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ يُلَاحِظُ فِي النُّبُوَّةِ جِهَةً أُخْرَى يُفَضِّلُهَا بِهَا عَلَى الرِّسَالَةِ فَكَانَ يَقُولُ: النُّبُوَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِإِنْشَاءِ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فَهَذَا وُجُوبٌ مُتَعَلِّقٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالرِّسَالَةُ خِطَابٌ يَتَعَلَّقُ بِالْأُمَّةِ، وَالرَّسُولُ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ الْأُمَّةِ، وَالْخِطَابُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ جِهَةِ شَرَفِ الْمُتَعَلَّقِ فَإِنَّ النُّبُوَّةَ هُوَ مُتَعَلَّقُهَا وَالرِّسَالَةُ مُتَعَلَّقُهَا الْأُمَّةُ، وَإِنَّمَا حَظُّهُ مِنْهَا التَّبْلِيغُ فَهَذَانِ وَجْهَانِ مُتَعَارِضَانِ كَمَا يُقَالُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى: إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَيَاةِ لِأَجْلِ التَّعَلُّقِ الَّذِي لَهُ وَالْحَيَاةُ لَا مُتَعَلَّقَ لَهَا وَيُلَاحَظُ فِي الْحَيَاةِ جِهَةٌ أُخْرَى هِيَ بِهَا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لِلْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا وَهِيَ لَيْسَتْ مُتَوَقِّفَةً عَلَى الْعِلْمِ فِي ذَاتِهَا، وَالْعِلْمُ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْحَقِيقَةِ الْوَاحِدَةِ شَرَفٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
(الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةَ عَشَرَ) التَّفْضِيلُ بِأَكْثَرِيَّةِ الثَّمَرَةِ بِأَنْ تَكُونَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَقَبَانِ زِيَادَةً عَلَى الِاسْمِ وَالْقَاسِمُ، وَإِبْرَاهِيمُ وَالْإِنَاثُ أَرْبَعَةٌ زَيْنَبُ وَرُقَيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ وَفَاطِمَةُ وَيَنْبَغِي حِفْظُهُمْ وَمَعْرِفَتُهُمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيِّدُنَا وَيَقْبُحُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَعْرِفَ أَوْلَادَ سَيِّدِهِ اهـ وَكُلُّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ إلَّا إبْرَاهِيمَ فَمِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقَسُ مِنْ مِصْرَ اهـ.
وَقَدْ جَمَعْتُ أَوْلَادَهُ ﷺ فِي قَوْلِي لِيَسْهُلَ حِفْظُهُمْ:
أَوْلَادُ طَه سَبْعَةٌ أَطْهَارٌ ... ذُكُورُهُمْ ثَلَاثَةٌ أَبْرَارُ
الْقَاسِمُ إبْرَاهِيمُ عَبْدُ اللَّهِ ذَا ... بِالطَّيِّبِ الطَّاهِرِ تَلْقِيبًا خُذَا
وَأَرْبَعٌ إنَاثُهُمْ فَاطِمَةُ ... فَأُمُّ كُلْثُومٍ كَذَا رُقَيَّةُ
فَزَيْنَبٌ وَأُمُّهُمْ خَدِيجَةُ ... لَكِنْ لِإِبْرَاهِيمَ مَارِيَةُ
، وَفِي الْجُمَلِ عَنْ الْمَوَاهِبِ وَخَطَبَ ﷺ ثَمَانِيَ نِسْوَةٍ وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِنَّ بِاتِّفَاقٍ، وَسَرَارِيُّهُ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهِنَّ بِالْمِلْكِ أَرْبَعٌ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ وَرَيْحَانَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقِيلَ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ وَالثَّالِثَةُ وَهَبَتْهَا لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَاسْمُهَا نَفِيسَةُ وَالرَّابِعَةُ أَصَابَهَا فِي بَعْضِ السَّبْيِ وَلَمْ يُعْرَفْ اسْمُهَا اهـ.
(الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) التَّفْضِيلُ بِالثَّمَرَةِ وَالْجَدْوَى كَتَفْضِيلِ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُثْمِرُ صَلَاحَ الْخَلْقِ وَهِدَايَتَهُمْ إلَى الْحَقِّ بِالتَّعْلِيمِ وَالْإِرْشَادِ وَالْعِبَادَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى مَحَلِّهَا وَلِأَنَّ ثَمَرَاتِ الْعِلْمِ مِنْ مَوْضُوعَاتِهِ أَيْ تَآلِيفِهِ، وَهِدَايَتُهُ مُتَعَلِّمِيهِ تَبْقَى إلَى يَوْمِ الدِّينِ فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْأَبْنَاءُ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأَخْلَافُ بَعْدَ الْأَسْلَافِ وَالْعِبَادَةُ تَنْقَطِعُ مِنْ حِينِهَا وَكَتَفْضِيلِ الرِّسَالَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تُثْمِرُ الْهِدَايَةَ لِلْأُمَّةِ الْمُرْسَلِ إلَيْهَا، وَالنُّبُوَّةَ قَاصِرَةٌ عَلَى النَّبِيِّ فَنِسْبَتُهَا إلَى النُّبُوَّةِ كَنِسْبَةِ الْعَالِمِ لِلْعَابِدِ وَلَيْسَ لِلنُّبُوَّةِ جِهَةٌ أُخْرَى نُفَضِّلُهَا بِهَا عَلَى الرِّسَالَةِ وَتَكُونُ مُعَارِضَةً لِجِهَةِ تَفْضِيلِ الرِّسَالَةِ عَلَيْهَا حَتَّى يُحْتَاجَ أَنْ يُقَالَ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْحَقِيقَةِ الْوَاحِدَةِ شَرَفٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
وَأَمَّا مُلَاحَظَةُ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي النُّبُوَّةِ جِهَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِإِنْشَاءِ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فَهَذَا وُجُوبٌ مُتَعَلِّقٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالرِّسَالَةُ عِبَارَةٌ عَنْ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقِ بِالْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا حَظُّ الرَّسُولِ مِنْهَا التَّبْلِيغُ فَتَكُونُ أَفْضَلَ بِجِهَةِ شَرَفِ الْمُتَعَلِّقِ مِنْ الرِّسَالَةِ فَإِنَّمَا تَصِحُّ لَوْ لَمْ يَكُنْ الرَّسُولُ نَبِيًّا، وَأَمَّا وَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ فَلَا يَصِحُّ مُلَاحَظَةُ ذَلِكَ إذْ لَا اخْتِصَاصَ لِلنَّبِيِّ عَلَى الرَّسُولِ بِمَزِيَّةٍ يَقَعُ بِهَا التَّفْضِيلُ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ نَعَمْ وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ جِهَتَيْنِ مِنْ جِهَاتِ التَّفْضِيلِ فِي صِفَتَيْ عِلْمِهِ تَعَالَى وَحَيَاتِهِ وَفِي عِلْمَيْ الْفِقْهِ وَالْهَنْدَسَةِ أَمَّا فِي الْعِلْمَيْنِ فَقَدْ حَكَى الْأَصْلُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ يَوْمًا عَالِمَانِ عَظِيمَانِ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ الْمَعْقُولَاتِ وَالْهَنْدَسِيَّاتِ وَالْآخَرُ عَالِمٌ بِالسَّمْعِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ فَقَالَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي: الْهَنْدَسَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْفِقْهِ لِأَنَّهَا قَطْعِيَّةٌ وَالْفِقْهُ مَظْنُونٌ وَالْقَطْعُ أَفْضَلُ مِنْ الظَّنِّ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ صَدَقْت مِنْ هَذَا الْوَجْهِ هِيَ أَفْضَلُ، غَيْرَ أَنَّ الْفِقْهَ أَفْضَلُ مِنْهَا لِأَنَّهُ يُثْمِرُ سَعَادَةَ الْآخِرَةِ وَنَعِيمَ الْجِنَانِ وَرِضْوَانَ الرَّحْمَنِ، وَالْهَنْدَسَةُ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ فَوَافَقَهُ الْآخَرُ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَا مُتَنَاصِفَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا فِي الْوَصْفَيْنِ فَقَالَ الْأَصْلُ: عِلْمُهُ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ الْحَيَاةِ مِنْ جِهَةِ التَّعَلُّقِ الَّذِي لَهُ وَالْحَيَاةُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا وَحَيَاتُهُ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا شَرْطٌ فِيهِ وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي ذَاتِهَا لَيْسَتْ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْحَقِيقَةِ الْوَاحِدَةِ شَرَفٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ.
(الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) التَّفْضِيلُ بِأَكْثَرِيَّةِ الثَّمَرَةِ بِأَنْ تَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَقِيقَتَيْنِ ثَمَرَةٌ إلَّا أَنَّ ثَمَرَةَ إحْدَاهُمَا أَعْظَمُ وَجَدْوَاهَا أَكْثَرُ فَتَكُونُ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا
стр. 449
الْحَقِيقَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَهَا ثَمَرَةٌ وَهِيَ مُثْمِرَةٌ، غَيْرَ أَنَّ إحْدَى الْحَقِيقَتَيْنِ ثَمَرَتُهَا أَعْظَمُ وَجَدْوَاهَا أَكْثَرُ فَتَكُونُ أَفْضَلَ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا الْفِقْهُ وَالْهَنْدَسَةُ كِلَاهُمَا مُثْمِرٌ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الْهَنْدَسَةَ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحِسَابِ وَالْمِسَاحَاتِ وَالْحِسَابُ يَدْخُلُ فِي الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا، وَالْمِسَاحَاتُ تَدْخُلُ فِي الْإِجَارَاتِ وَنَحْوِهَا وَمِنْ نَوَادِرِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا الْحِسَابُ الْمَسْأَلَةُ الْمَحْكِيَّةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ وَمَعَ الْآخَرِ ثَلَاثَةٌ فَجَلَسَا يَأْكُلَانِ فَجَلَسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ يَأْكُلُ مَعَهُمَا.
ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَكْلِ دَفَعَ لَهُمَا الَّذِي أَكَلَ مَعَهُمَا ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ: اقْسِمَا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ عَلَى قَدْرِ مَا أَكَلْته لَكُمَا فَقَالَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ: إنَّهُ أَكَلَ نِصْفَ أَكْلِهِ مِنْ أَرْغِفَتِي وَنِصْفَ أَكْلِهِ مِنْ أَرْغِفَتِك فَأَعْطِنِي النِّصْفَ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ لَا أُعْطِيك إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ لِي خَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ فَآخُذُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَلَك ثَلَاثَةُ أَرْغِفَةٍ تَأْخُذُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَحَلَفَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ لَا يَأْخُذُ إلَّا مَا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ فَتَرَافَعَا إلَى عَلِيٍّ ﵁ فَحَكَمَ لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ وَلِصَاحِبِ الْخَمْسَةِ بِسَبْعَةِ دَرَاهِمَ فَشَكَا مِنْ ذَلِكَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ ﵁: الْأَرْغِفَةُ ثَمَانِيَةٌ وَأَنْتُمْ ثَلَاثَةٌ أَكَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ إلَّا ثُلُثًا بَقِيَ لَك ثُلُثٌ مِنْ أَرْغِفَتِك أَكَلَهُ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ وَأَكَلَ صَاحِبُك مِنْ أَرْغِفَتِهِ ثَلَاثَةً إلَّا ثُلُثًا وَهِيَ خَمْسَةٌ يَبْقَى لَهُ رَغِيفَانِ وَثُلُثٌ وَذَلِكَ سَبْعَةُ أَثْلَاثٍ أَكَلَهَا صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ فَأَكَلَ لَك ثُلُثًا وَلَهُ سَبْعَةَ أَثْلَاثٍ فَيَكُونُ لَك دِرْهَمٌ وَلَهُ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْفَقِيهُ الْمُفْتِي وَالْقَاضِي الْمُلْزِمُ وَهِيَ لَا تُعْلَمُ إلَّا بِدَقِيقِ الْحِسَابِ كَمَا تَرَى وَمِنْ مَسَائِلِ الْمِسَاحَةِ الْغَرِيبَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْفِقْهِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحْفِرُ لَهُ بِئْرًا عَشَرَةً فِي عَشَرَةٍ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا، جَمِيعُ ذَلِكَ عَشَرَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَحَفَرَ لَهُ بِئْرًا خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ فَاخْتُلِفَ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْأُجْرَةِ فَقَالَ ضُعَفَاءُ الْفُقَهَاءِ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ النِّصْفَ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ يَسْتَحِقُّ الثُّمُنَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْفِقْهُ وَالْهَنْدَسَةُ كِلَاهُمَا مُثْمِرٌ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً أَمَّا الْفِقْهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْهَنْدَسَةُ فَلِأَنَّهَا يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحِسَابِ وَالْمِسَاحَاتِ.
وَالْحِسَابُ يَدْخُلُ فِي الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا، وَالْمِسَاحَاتُ تَدْخُلُ فِي الْإِجَارَاتِ وَنَحْوِهَا وَمِنْ نَوَادِرِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْفَقِيهُ الْمُفْتِي وَالْقَاضِي الْمُلْزِمُ وَهِيَ لَا تُعْلَمُ إلَّا بِدَقِيقِ الْحِسَابِ الْمَسْأَلَةُ الْمَحْكِيَّةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَهِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ وَمَعَ الْآخَرِ ثَلَاثَةٌ فَجَلَسَا يَأْكُلَانِ فَجَلَسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ يَأْكُلُ مَعَهُمَا، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْأَكْلِ دَفَعَ الثَّالِثُ لَهُمَا ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ اقْسِمَا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ عَلَى قَدْرِ مَا أَكَلْته لَكُمَا فَقَالَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ إنَّهُ أَكَلَ نِصْفَ أَكْلِهِ مِنْ أَرْغِفَتِي وَنِصْفَ أَكْلِهِ مِنْ أَرْغِفَتِك فَأَعْطِنِي النِّصْفَ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ لَا أُعْطِيك إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ لِي خَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ فَآخُذُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَلَك ثَلَاثَةُ أَرْغِفَةٍ تَأْخُذُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَحَلَفَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ لَا يَأْخُذُ إلَّا مَا حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ فَتَرَافَعَا إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَحَكَمَ لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ وَلِصَاحِبِ الْخَمْسَةِ بِسَبْعَةِ دَرَاهِمَ فَشَكَا مِنْ ذَلِكَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ ﵁ الْأَرْغِفَةُ ثَمَانِيَةٌ وَأَنْتُمْ ثَلَاثَةٌ أَكَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ثَلَاثَةً إلَّا ثُلُثًا فَبَقِيَ مِنْ أَرْغِفَتِك بَعْدَ أَكْلِك ثُلُثُ رَغِيفٍ أَكَلَهُ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ وَبَقِيَ بَعْدَ أَكْلِ صَاحِبِ الْخَمْسَةِ رَغِيفَانِ وَثُلُثٌ وَذَلِكَ سَبْعَةُ أَثْلَاثٍ أَكَلَهَا صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ فَيَكُونُ لَك دِرْهَمٌ وَاحِدٌ فِي مُقَابَلَةِ الثُّلُثِ الَّذِي أَكَلَهُ لَك وَلِصَاحِبِ الْخَمْسَةِ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ فِي مُقَابَلَةِ سَبْعَةٍ إلَّا ثَلَاثٍ الَّتِي أَكَلَهَا لَهُ وَمِنْ غَرَائِبِ الْمَسَائِلِ الْمِسَاحِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْفِقْهِ وَيَحْتَاجُ إلَيْهَا الْفَقِيهُ الْمُفْتِي وَالْقَاضِي الْمُلْزِمُ مَسْأَلَةُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحْفِرُ لَهُ بِئْرًا عَشَرَةَ أَذْرُعٍ طُولًا فِي عَشَرَةٍ عَرْضًا فِي عَشَرَةٍ عُمْقًا بِأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَحَفَرَ لَهُ بِئْرًا خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ فِي خَمْسَةٍ فَاخْتُلِفَ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْأُجْرَةِ فَقَالَ ضُعَفَاءُ الْفُقَهَاءِ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ لِأَنَّهُ عَمِلَ النِّصْفَ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ يَسْتَحِقُّ الثُّمُنَ لِأَنَّهُ عَمِلَ الثُّمُنَ وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَلْفِ ذِرَاعٍ بِسَبَبِ أَنَّ الذِّرَاعَ الْأَوَّلَ مِنْ الْعَشَرَةِ لَوْ عُمِلَ وَبُسِطَ عَلَى الْأَرْضِ وَمُسِحَ كَانَ حَصِيرًا طُولُهُ عَشَرَةٌ وَعَرْضُهُ عَشَرَةٌ وَمِسَاحَتُهُ عَشَرَةٌ فِي عَشَرَةٍ بِمِائَةٍ فَالذِّرَاعُ الْأَوَّلُ تَحَصُّلُ مِسَاحَتِهِ مِائَةٌ وَهِيَ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةٍ، وَمِائَةٌ فِي عَشَرَةٍ بِأَلْفٍ وَلَمْ يَعْمَلْ إلَّا مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ بِسَبَبِ أَنَّ الذِّرَاعَ الْأَوَّلَ مِنْ الْخَمْسَةِ مِسَاحَتُهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَهِيَ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فِي خَمْسَةٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَنِسْبَةُ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ إلَى الْأَلْفِ نِسْبَةُ الثُّمُنِ فَيَسْتَحِقُّ الثُّمُنَ مِنْ الْأُجْرَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ ثُمُنَ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الدَّقَائِقِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ إلَّا مِنْ الْهَنْدَسَةِ فَإِنَّ عِلْمَ الْهَنْدَسَةِ يَشْمَلُ الْحِسَابَ وَالْمِسَاحَةَ وَغَيْرَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً، غَيْرَ أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ قَلِيلَةٌ فَثَمَرَةُ الْفِقْهِ أَعْظَمُ مِنْ ثَمَرَةِ الْهَنْدَسَةِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهَا.
وَثَانِيهَا عِلْمُ النَّحْوِ وَعِلْمُ الْمَنْطِقِ كِلَاهُمَا لَهُ ثَمَرَةٌ جَلِيلَةٌ غَيْرَ أَنَّ ثَمَرَةَ النَّحْوِ أَعْظَمُ بِسَبَبِ أَنَّهُ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَلَامِ الْعَرَبِ فِي نُطْقِ اللِّسَانِ وَكِتَابَةِ الْيَدِ فَإِنَّ اللَّحْنَ كَمَا يَقَعُ فِي اللَّفْظِ يَقَعُ فِي الْكِتَابَةِ وَيُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْفِقْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عُلِمَ فِي مَوَاضِعِهِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْمَنْطِقِ إلَّا فِي ضَبْطِ الْمَعَانِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَرَاهِينِ وَالْحُدُودِ خَاصَّةً وَأَيْضًا الْعَقْلُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَهْتَدِي لِتَقْوِيمِ اللِّسَانِ
стр. 450
لِأَنَّهُ عَمِلَ الثُّمُنَ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَشَرَةٍ فِي عَشَرَةٍ وَذَلِكَ أَلْفُ ذِرَاعٍ بِسَبَبِ أَنَّ الذِّرَاعَ الْأَوَّلَ مِنْ الْعَشَرَةِ لَوْ عُمِلَ وَبُسِطَ عَلَى الْأَرْضِ وَمُسِحَ كَانَ حَصِيرًا طُولُهُ عَشَرَةٌ وَعَرْضُهُ عَشَرَةٌ وَمَسَّاحَتُهُ عَشَرَةٌ فِي عَشَرَةٍ بِمِائَةٍ، فَالذِّرَاعُ الْأَوَّلُ تَحْصُلُ مِسَاحَتُهُ مِائَةٌ وَهِيَ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةٍ وَمِائَةٌ فِي عَشَرَةٍ بِأَلْفٍ وَعَمِلَ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ فَالذِّرَاعُ الْأَوَّلُ لَوْ بُسِطَ عَلَى الْأَرْضِ تُرَابًا عَلَى وَجْهِهِ لَكَانَ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ، وَخَمْسَةٌ فِي خَمْسَةٍ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ فَالذِّرَاعُ مِسَاحَتُهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَهِيَ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فِي خَمْسَةٍ بِمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَنِسْبَةُ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ إلَى الْأَلْفِ نِسْبَةُ الثُّمُنِ فَيَسْتَحِقُّ الثُّمُنَ مِنْ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ ثُمُنَ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ وَهَذِهِ الدَّقَائِقُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إنَّمَا تَحْصُلُ مِنْ الْهَنْدَسَةِ فَإِنَّ عِلْمَ الْهَنْدَسَةِ يَشْمَلُ الْحِسَابَ وَالْمِسَاحَةَ وَغَيْرَهُمَا وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ.
وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً، غَيْرَ أَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ قَلِيلَةٌ فَثَمَرَةُ الْفِقْهِ أَعْظَمُ مِنْ ثَمَرَةِ الْهَنْدَسَةِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْهَا.
وَثَانِيهَا عِلْمُ النَّحْوِ وَعِلْمُ الْمَنْطِقِ كِلَاهُمَا لَهُ ثَمَرَةٌ جَلِيلَةٌ، غَيْرَ أَنَّ ثَمَرَةَ النَّحْوِ أَعْظَمُ بِسَبَبِ أَنَّهُ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَلَامِ الْعَرَبِ فِي نُطْقِ اللِّسَانِ وَكِتَابَةِ الْيَدِ فَإِنَّ اللَّحْنَ يَقَعُ فِي الْكِتَابَةِ وَفِي اللَّفْظِ وَيُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْفِقْهِ وَفِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عُلِمَ فِي مَوَاضِعِهِ.
وَأَمَّا الْمَنْطِقُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ضَبْطِ الْمَعَانِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَرَاهِينِ وَالْحُدُودِ خَاصَّةً وَقَدْ يَكْفِي فِيهَا الطَّبْعُ السَّلِيمُ وَالْعَقْلُ الْمُسْتَقِيمُ وَلَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ بِمُجَرَّدِهِ لِتَقْوِيمِ اللِّسَانِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ اللَّحْنِ فَإِنَّهَا أُمُورٌ سَمْعِيَّةٌ وَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّحْوِ بِالضَّرُورَةِ فِيهَا، وَالْمَنْطِقُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِصَفَاءِ الْعَقْلِ فَصَارَتْ الْحَاجَةُ لِلنَّحْوِ أَعْظَمَ، وَثَمَرَتُهُ أَكْثَرَ فَيَكُونُ أَفْضَلَ.
وَثَالِثُهَا عِلْمُ النَّحْوِ مَعَ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ كِلَاهُمَا مُثْمِرٌ غَيْرَ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ يُثْمِرُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ فَإِنَّهَا مِنْهُ تُؤْخَذُ فَالشَّرِيعَةُ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالنَّحْوُ إنَّمَا أَثَرُهُ فِي تَصْحِيحِ الْأَلْفَاظِ وَبَعْضِ الْمَعَانِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَسَلَامَتِهِ مِنْ اللَّحْنِ لِأَنَّهَا أُمُورٌ سَمْعِيَّةٌ وَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّحْوِ بِالضَّرُورَةِ فِيهَا وَالْمَنْطِقُ يَكْفِي فِي مَعْرِفَةِ قَوَاعِدِهِ الطَّبْعُ السَّلِيمُ وَالْعَقْلُ الْمُسْتَقِيمُ فَيُسْتَغْنَى عَنْهُ بِصَفَاءِ الْعَقْلِ فَصَارَتْ الْحَاجَةُ لِلنَّحْوِ أَعْظَمَ وَثَمَرَتُهُ أَكْثَرَ فَيَكُونُ أَفْضَلَ
وَثَالِثُهَا عِلْمُ النَّحْوِ مَعَ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ كِلَاهُمَا مُثْمِرٌ غَيْرَ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الشَّرِيعَةَ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ فَلَا تُؤْخَذُ أَحْكَامُهَا إلَّا مِنْهُ فَهِيَ ثَمَرَتُهُ وَالنَّحْوُ إنَّمَا أَثَرُهُ فِي تَصْحِيحِ الْأَلْفَاظِ، وَبَعْضُ الْمَعَانِي وَالْأَلْفَاظِ إنَّمَا هِيَ وَسَائِلُ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مَقَاصِدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَلْفَاظِ وَالْمَقَاصِدُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَسَائِلِ
(الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) التَّفْضِيلُ بِالتَّأْثِيرِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ:
أَحَدُهَا تَفْضِيلُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي تَحْصِيلِ وُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ، وَإِرَادَتِهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ لِلتَّخْصِيصِ فِي الْمُمْكِنَاتِ بِزَمَانِهَا وَصِفَاتِهَا الْجَائِزَةِ عَلَيْهَا عَلَى سَائِرِ صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ إذْ لَا تَأْثِيرَ فِي غَيْرِهِمَا مِنْهَا.
وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ الْحَيَاءَ عَلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْقِحَةُ فَقَالَ الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ بِسَبَبِ أَنَّ الْحَيَاءَ يُؤَثِّرُ الْحَثَّ عَلَى الْخَيْرَاتِ وَالزَّجْرَ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَالِقْحَةَ لَا يَنْزَجِرُ صَاحِبُهَا عَنْ مَكْرُوهٍ وَلَا تَحُثُّهُ عَلَى مَعْرُوفٍ.
وَثَالِثُهَا تَفْضِيلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ الشَّجَاعَةَ عَلَى الْجُبْنِ بِسَبَبِ أَنَّ الشَّجَاعَةَ تَحُثُّ عَلَى رَدْءِ الْأَعْدَاءِ وَنُصْرَةِ الْجَارِ وَدَفْعِ الْعَارِ، وَالْجُبْنَ لَا يَأْتِي مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَرَابِعُهَا تَفْضِيلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ السَّخَاءَ عَلَى الْبُخْلِ كَمَا وَرَدَ «الْكَرِيمُ حَبِيبُ اللَّهِ» لِأَنَّ السَّخَاءَ يُؤَثِّرُ الْحَنَانَةَ، وَالشَّفَقَةَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَهُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَجَلْبِ الْقُلُوبِ بِخِلَافِ الْبُخْلِ فَإِنَّهُ مِنْ طِبَاعِ اللِّئَامِ كَذَا قَالَ الْأَصْلُ وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَفِيمَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ نَظَرٌ اهـ.
قُلْت: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ نَسَبَ التَّأْثِيرَ لِلْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَهُوَ لَا يُنْسَبُ حَقِيقَةً إلَّا لِلذَّاتِ وَقَوْلُهُمْ الْقُدْرَةُ فَعَّالَةٌ مَجَازٌ لَا كُفْرٌ مَا لَمْ يُرِدْ الِانْفِكَاكَ وَالِاسْتِقْلَالَ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ قَالَ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ كَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ بِهَا فِي تَعْرِيفِ الْقُدْرَةِ عُرْفًا بِأَنَّهَا صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ يَتَأَتَّى بِهَا إيجَادُ كُلِّ مُمْكِنٍ، وَإِعْدَامُهُ عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ اهـ.
لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلِقَ لَفْظَ وَاسِطَةٍ، أَوْ يُمَثِّلَ بِالْآلَةِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَسُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَيُقْتَصَرُ لِلْقَاصِرِينَ عَلَى قَوْلِنَا اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَإِلَّا جَاءَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَكَانَ مُضِلِّي مَنْ هُدِيتُ بِرُشْدِهِ
قَالَ وَفِي الْيَوَاقِيتِ عَنْ ابْنِ عَرَبِيٍّ فِي شَرْحِ تَرْجُمَانِ الْأَشْوَاقِ أَنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ مِنْ سِرِّ الْقَدَرِ، وَسِرُّ الْقَدَرِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا أَفْرَادٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ طَوَى عِلْمَهُ عَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ مَا عَدَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ وَرِثَهُ فِيهِ «كَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ سَأَلَهُ يَوْمًا أَتَدْرِي يَوْمَ لَا يَوْمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَعَمْ ذَلِكَ يَوْمُ الْمَقَادِيرِ» ، أَوْ كَمَا قَالَ قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَقَدْ أَطْلَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْوِرَاثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَلَكِنْ لَا يَسَعُنَا الْإِفْصَاحُ عَنْهُ لِغَلَبَةِ مُنَازَعَةِ الْمَحْجُوبِينَ فِيهِ قَالَ تَعَالَى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ اهـ بِتَصَرُّفٍ.
وَفِي بَقِيَّةِ الْأَمْثِلَةِ نُسِبُ التَّأْثِيرُ لِلْأَسْبَابِ وَهُوَ إنَّمَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ الْحُكَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِالْإِيجَابِ وَالتَّعْلِيلِ وَالْمَذْهَبُ
стр. 451
وَالْأَلْفَاظُ إنَّمَا هِيَ وَسَائِلُ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ مَقَاصِدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَلْفَاظِ، وَالْمَقَاصِدُ أَفْضَلُ مِنْ الْوَسَائِلِ
(الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشَرَ) التَّفْضِيلُ بِالتَّأْثِيرِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ:
أَحَدُهَا تَفْضِيلُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ فَإِنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي تَحْصِيلِ وُجُودِ الْمُمْكِنَاتِ وَالْعِلْمُ وَالْخَبَرُ تَابِعَانِ لَيْسَا بِمُؤَثِّرَيْنِ وَكَذَلِكَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ مِنْ قَبِيلِ الْعِلْمِ وَمَا لَهُ التَّأْثِيرُ أَفْضَلُ مِمَّا لَا تَأْثِيرَ لَهُ.
وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ الْإِرَادَةِ عَلَى الْحَيَاةِ فَإِنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ لِلتَّخْصِيصِ فِي الْمُمْكِنَاتِ بِزَمَانِهَا وَصِفَاتِهَا الْجَائِزَةِ عَلَيْهَا، وَالْحَيَاةُ لَا تُؤَثِّرُ إيجَادًا وَلَا تَخْصِيصًا وَلَيْسَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ السَّبْعَةِ مُؤَثِّرٌ إلَّا الْقُدْرَةَ وَالْإِرَادَةَ فَقَطْ.
وَثَالِثُهَا تَفْضِيلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ الْحَيَاءَ عَلَى ضِدِّهِ وَهُوَ الْقِحَةُ فَقَالَ الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ بِسَبَبِ أَنَّ الْحَيَاءَ يُؤَثِّرُ الْحَثَّ عَلَى الْخَيْرَاتِ وَالزَّجْرَ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَالِقْحَةَ لَا يَنْزَجِرُ صَاحِبُهَا عَنْ مَكْرُوهٍ وَلَا تَحُثُّهُ عَلَى مَعْرُوفٍ وَلِذَلِكَ فَضَّلَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ الشَّجَاعَةَ عَلَى الْجُبْنِ بِسَبَبِ أَنَّ الشَّجَاعَةَ تَحُثُّ عَلَى دَرْءِ الْأَعْدَاءِ وَنَصْرِ الْجَارِ وَدَفْعِ الْعَارِ، وَالْجُبْنَ لَا يَأْتِي مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ فَضَّلَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ السَّخَاءَ عَلَى الْبُخْلِ لِكَوْنِهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَجَلْبِ الْقُلُوبِ كَمَا وَرَدَ الْكَرِيمُ حَبِيبُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ السَّخَاءَ يُؤَثِّرُ الْحَنَانَةَ، وَالشَّفَقَةَ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْبُخْلُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طِبَاعِ اللِّئَامِ
(الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشَرَ) التَّفْضِيلُ بِجَوْدَةِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ:
أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى الْجَانِّ بِسَبَبِ جَوْدَةِ أَبْنِيَتِهِمْ وَحُسْنِ تَرْكِيبِهِمْ فَإِنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشَرَ التَّفْضِيلُ بِالتَّأْثِيرِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا تَفْضِيلُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ) .
قُلْت: فِيمَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ نَظَرٌ.
قَالَ: (الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشَرَ التَّفْضِيلُ بِجَوْدَةِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى الْجَانِّ بِسَبَبِ جَوْدَةِ أَبْنِيَتِهِمْ وَحُسْنِ تَرْكِيبِهِمْ)
قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ بَنَى جَمِيعَ قَوْلِهِ فِيهَا عَلَى نِسْبَةِ تِلْكَ الْآثَارِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْحَقُّ أَنْ لَا تَأْثِيرَ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ السَّبَبِ كَالنَّظَرِ الصَّحِيحِ وَمُسَبَّبِهِ كَالنَّتِيجَةِ إمَّا بِطَرِيقِ اللُّزُومِ الْعَقْلِيِّ كَالتَّلَازُمِ بَيْنَ الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ فَوُجُودُ أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ مُسْتَحِيلٌ عَقْلِيٌّ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ بَلْ أَنْ يُوجَدَا مَعًا، أَوْ يُعْدَمَا مَعًا وَقِيلَ: عَادِيٌّ يَقْبَلُ التَّخَلُّفَ كَالْإِحْرَاقِ عِنْدَ مَسِّ النَّارِ فَقَدْ تَخَلَّفَ فِي نَحْوِ إبْرَاهِيمَ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِالتَّوَلُّدِ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي الضَّرْبِ النَّاشِئِ عَنْهُ الْقَطْعُ، وَالتَّوَلُّدُ أَنْ يُوجِبَ الْفِعْلُ لِفَاعِلِهِ شَيْئًا آخَرَ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ) التَّفْضِيلُ بِجَوْدَةِ الْبِنْيَةِ وَالتَّرْكِيبِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ.
أَحَدُهَا تَفْضِيلُ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى الْجَانِّ بِسَبَبِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ مِنْ جَوْدَةِ الْبِنْيَةِ وَحُسْنِ التَّرْكِيبِ فَإِنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ وَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ سُرْعَةَ السَّيْرِ وَوُفُورَ الْقُوَّةِ بِحَيْثُ إنَّ جِبْرِيلَ ﵇ يَسِيرُ مِنْ الْعَرْشِ إلَى الْفَرْشِ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَحْمِلُ مَدَائِنَ لُوطٍ الْخَمْسَةَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ عَلَى جَنَاحِهِ لَا يَضْطَرِبُ مِنْهَا شَيْءٌ بَلْ يَقْلَعُهَا مِنْ تَحْتِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَيَصْعَدُ بِهَا إلَى الْجَوِّ، ثُمَّ يَقْلِبُهَا وَبِحَيْثُ إنَّ الْمَلَكَ الْوَاحِدَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَقْهَرُ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ مِنْ الْجَانِّ وَلِذَلِكَ سَأَلَ سُلَيْمَانُ ﵇ رَبَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى الْجَانِّ الْمَلَائِكَةَ فَفَعَلَ لَهُ ذَلِكَ فَهُمْ الزَّاجِرُونَ لَهُمْ الْيَوْمَ عِنْدَ الْعَزَائِمِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فَيُقْسِمُونَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تُعَظِّمُهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَفْعَلُ فِي الْجَانِّ مَا يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ الْإِقْسَامِ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ الْمُعَظَّمَةِ وَكَانُوا قَبْلَ زَمَنِ سُلَيْمَانَ ﵇ يُخَالِطُونَ النَّاسَ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَعْبَثُونَ بِهِمْ عَبَثًا شَدِيدًا فَلَمَّا رَتَّبَ سُلَيْمَانُ هَذَا التَّرْتِيبَ وَسَأَلَهُ مِنْ رَبِّهِ انْحَازُوا إلَى الْفَلَوَاتِ وَالْخَرَابِ مِنْ الْأَرْضِ فَقَلَّتْ أَذِيَّتُهُمْ وَالْمَلَائِكَةُ تُرَاقِبُهُمْ فِي ذَلِكَ فَمَنْ عَبِثَ مِنْهُمْ وَعَثَا رَدُّوهُ، أَوْ قَتَلُوهُ كَمَا يَفْعَلُ وُلَاةُ بَنِي آدَمَ مَعَ سُفَهَائِهِمْ، وَتَفْضِيلُهُمْ عَلَى الْجَانِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُضَافُ لِبَقِيَّةِ الْوُجُوهِ وَعَلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ مِنْ التَّفْضِيلِ تُحْمَلُ النُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ إذَا احْتَمَلَ النَّصُّ ذَلِكَ؛ إذْ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ أَبْنِيَةَ بَنِي آدَمَ خَسِيسَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَبْنِيَةِ الْمَلَائِكَةِ فَلَا تُعَارِضُ مَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ أَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ لِأُمُورٍ.
أَحَدُهَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَقْلٌ مَحْضٌ وَالْبَهَائِمَ شَهْوَةٌ مَحْضَةٌ وَالْإِنْسَانَ مُرَكَّبٌ مِنْهُمَا فَكَمَا أَنَّ غَلَبَةَ الشَّهْوَةِ تُنَزِّلُ الْإِنْسَانَ عَنْ الْبَهَائِمِ بِعُذْرِهَا بِالْعَدَمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] كَذَلِكَ غَلَبَةُ الْعَقْلِ تَرْفَعُهُ عَنْ الْمَلَائِكَةِ؛ إذْ وُجُودُ الشَّهَوَاتِ مَعَ قَمْعِهَا أَتَمُّ مِنْ بَابِ " أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَحْمَزُهَا بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَزَايٍ أَيْ أَشَقُّهَا ".
الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ لِلَطَافَةِ أَجْسَامِهِمْ النُّورَانِيَّةِ لَا يَتَشَكَّلُونَ فِي صُوَرِ بَعْضِهِمْ فَلَا يَتَشَكَّلُ جِبْرِيلُ بِصُورَةِ مِيكَائِيلَ وَلَا الْعَكْسُ بِخِلَافِ أَوْلِيَاءِ الْبَشَرِ فَيُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْيَوَاقِيتِ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّ فِي الْيَوَاقِيتِ عَنْ الشَّيْخِ الْأَكْبَرِ أَنَّ مَقَامَ «لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ» الْحَدِيثَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْبَشَرِ، وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَكُلُّ طَاعَاتِهِمْ مُحَتَّمَةٌ عَلَيْهِمْ فَلَا يَفْرُغُونَ مِنْ تَوْظِيفٍ حَتَّى يُمْكِنَهُمْ التَّطَوُّعُ نَعَمْ قَالَ السَّعْدُ لَا قَاطِعَ فِي هَذِهِ الْمَقَامَاتِ كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ
وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ
стр. 452
وَيَسِيرُ جِبْرِيلُ ﵇ مِنْ الْعَرْشِ إلَى الْفَرْشِ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَحْمِلُ مَدَائِنَ لُوطٍ الْخَمْسَةَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ عَلَى جَنَاحِهِ لَا يَضْطَرِبُ مِنْهَا شَيْءٌ بَلْ يَقْتَلِعُهَا مِنْ تَحْتِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَيَصْعَدُ بِهَا إلَى الْجَوِّ ثُمَّ يَقْلِبُهَا وَهَذَا عَظِيمٌ.
وَالْمَلَكُ الْوَاحِدُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَقْهَرُ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ مِنْ الْجَانِّ وَلِذَلِكَ سَأَلَ سُلَيْمَانُ ﵇ رَبَّهُ تَعَالَى أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى الْجَانِّ الْمَلَائِكَةَ فَفَعَلَ لَهُ ذَلِكَ فَهُمْ الزَّاجِرُونَ لَهُمْ الْيَوْمَ عِنْدَ الْعَزَائِمِ وَغَيْرِهَا الَّتِي يَتَعَاطَاهَا أَهْلُ هَذَا الْعِلْمِ فَيُقْسِمُونَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تُعَظِّمُهَا الْمَلَائِكَةُ فَتَفْعَلُ فِي الْجَانِّ مَا يُرِيدُهُ الْمُقْسِمُ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ الْمُعَظَّمَةِ وَكَانُوا قَبْلَ زَمَنِ سُلَيْمَانَ ﵇ يُخَالِطُونَ النَّاسَ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَعْبَثُونَ بِهِمْ عَبَثًا شَدِيدًا فَلَمَّا رَتَّبَ سُلَيْمَانُ هَذَا التَّرْتِيبَ وَسَأَلَهُ مِنْ رَبِّهِ انْحَازُوا إلَى الْفَلَوَاتِ وَالْخَرَابِ مِنْ الْأَرْضِ فَقَلَّتْ أَذِيَّتُهُمْ وَالْمَلَائِكَةُ تُرَاقِبُهُمْ فِي ذَلِكَ فَمَنْ عَبِثَ مِنْهُمْ وَعَثَا رَدُّوهُ، أَوْ قَتَلُوهُ كَمَا يَفْعَلُ وُلَاةُ بَنِي آدَمَ مَعَ سُفَهَائِهِمْ وَمَا سَبَبُ اقْتِدَارِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْجَانِّ إلَّا فَضْلُ أَبْنِيَتِهِمْ وَوُفُورُ قُوَّتِهِمْ فَهُمْ مُفَضَّلُونَ عَلَى الْجَانِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُضَافًا لِبَقِيَّةِ الْوُجُوهِ، وَهَذِهِ النُّكْتَةُ يُنْتَفَعُ بِهَا كَثِيرًا فِي النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْبَشَرَ أَفْضَلُ عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ فَإِذَا قُصِدَ الْجَوَابُ عَنْ تِلْكَ النُّصُوصِ حُمِلَ ذَلِكَ التَّفْضِيلُ وَالثَّنَاءُ عَلَى الْأَبْنِيَةِ وَجَوْدَةِ التَّرْكِيبِ إذَا كَانَ النَّصُّ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَيَنْدَفِعُ أَكْثَرُ الْأَسْئِلَةِ وَالنُّقُوضِ عَنْ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَلَا نِزَاعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ فِي أَبْنِيَتِهِمْ وَأَنَّ أَبْنِيَةَ بَنِي آدَمَ خَسِيسَةٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الَّتِي ذَكَرَهَا إلَى تَأْثِيرِ غَيْرِ الْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ مَسَاقِ كَلَامِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقَاعِدَةِ الْعِشْرِينَ وَمَا بَعْدَهُ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ فَهِيَ مِنْ الْمُفَضَّلَاتِ الَّتِي عُلِمَ تَفْضِيلُهَا صَحِيحٌ كُلُّهُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْجَانِّ عَلَى بَنِي آدَمَ فِي الْأَبْنِيَةِ وَجَوْدَةِ التَّرْكِيبِ مِنْ جِهَةِ تَقْدِيرِهِ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَعِيشُونَ الْآلَافَ مِنْ السِّنِينَ فَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ الْمَوْتُ وَكَذَلِكَ لَا تَعْرِضُ لَهُمْ الْأَمْرَاضُ وَالْأَسْقَامُ الَّتِي تَعْرِضُ لِبَنِي آدَمَ بِسَبَبِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَمْ يَجْعَلْهَا تَعَالَى مُشْتَمِلَةً عَلَى الرُّطُوبَاتِ وَأَجْرَامِ الْأَغْذِيَةِ كَمَا جَعَلَ أَجْسَادَ بَنِي آدَمَ مُشْتَمِلَةً عَلَى ذَلِكَ فَصَارَ يَعْرِضُ لَهَا الْعَفَنُ وَآفَاتُ الرُّطُوبَاتِ دُونَ أَجْسَادِ الْجَانِّ فَلِذَلِكَ كَثُرَ بَقَاؤُهُمْ وَطَالَ وَأَسْرَعَ لِبَنِي آدَمَ الْمَوْتُ عَلَى حَسَبِ تَقْدِيرِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَمِمَّا وَرَدَ قَوْلُ الشَّاعِرِ فِي الْجَانِّ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُقِيدُ النَّارَ:
أَتَوْا نَارِي فَقُلْت مَنُونُ أَنْتُمْ ... فَقَالُوا الْجِنُّ قُلْت عِمُوا ظَلَامَا
فَقُلْت إلَى الطَّعَامِ فَقَالَ مِنْهُمْ ... زَعِيمٌ يَحْسُدُ الْإِنْسَ الطَّعَامَا
لَقَدْ فُضِّلْتُمْ بِالْأَكْلِ عَنَّا ... وَلَكِنْ ذَاكَ يُعْقِبُكُمْ سِقَامَا
فَصَرَّحُوا فِي شِعْرِهِمْ بِمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِحْيَاءِ إنَّهُمْ يَتَغَذَّوْنَ مِنْ الْأَعْيَانِ بِرَوَائِحِهَا وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْ أُمَّتَك لَا يَسْتَجْمِرُوا بِرَوْثٍ وَلَا عَظْمٍ فَإِنَّهَا طَعَامُنَا وَطَعَامُ دَوَابِّنَا» مَعَ أَنَّا نَجِدُ الْعَظْمَ يَمُرُّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ الطَّوِيلُ لَا يَتَغَيَّرُ مِنْهُ شَيْءٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَغَذَّوْنَ بِالرَّائِحَةِ.
قَالَ الْأَصْلُ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُمْ طَوَائِفُ مِنْهُمْ مَنْ يَتَغَذَّى بِالرَّائِحَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَغَذَّى بِجِرْمِ الْغِذَاءِ وَمِنْهُمْ طَائِرٌ لَا يَأْوِي فِي الْأَرْضِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْوِي فِي الْأَرْضِ يَرْحَلُونَ وَيَنْزِلُونَ فِي الْبَرَارِي كَالْأَعْرَابِ، وَإِنَّ أَحْوَالَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَتَرَاكِيبُهُمْ أَعْظَمُ وَسَيْرُهُمْ فِي الْأَرْضِ أَيْسَرُ فَيَسِيرُونَ الْمَسَافَةَ الطَّوِيلَةَ فِي الزَّمَنِ الْقَصِيرِ وَلِذَلِكَ تُؤْخَذُ عَنْهُمْ أَخْبَارُ الْوَقَائِعِ وَالْحَوَادِثِ فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ عَنَّا بِسَبَبِ سُرْعَةِ حَرَكَتِهِمْ وَتَنَقُّلِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَاِتَّخَذَهُمْ سُلَيْمَانُ ﵇ لِأَعْمَالٍ تَعْجِزُ عَنْهَا الْبَشَرُ بِسَبَبِ فَرْطِ قُوَّتِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣] وَلَهُمْ قُوَّةُ التَّنَقُّلِ عَلَى التَّصَوُّرِ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ أَرَادُوا فَتَقْبَلُ بِنْيَتُهُمْ التَّنَقُّلَ إلَى الْحَيَّاتِ وَالْكِلَابِ وَالْبَهَائِمِ وَصُوَرِ بَنِي آدَمَ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا مَعَ جَوْدَةِ الْبِنْيَةِ وَلَطَافَةِ التَّرْكِيبِ وَبِنْيَتُنَا نَحْنُ لَا تَقْبَلُ شَيْئًا مِنْ هَذَا لِأَنَّا خُلِقْنَا مِنْ تُرَابٍ شَأْنُهُ الثُّبُوتُ وَالرَّصَافَةُ وَالدَّوَامُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَخُلِقُوا مِنْ نَارٍ شَأْنُهَا التَّحَرُّكُ وَسُرْعَةُ الِانْتِقَالِ وَاللَّطَافَةُ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي غَرَّ إبْلِيسَ فَأَوْجَبَ لَهُ الْكِبْرَ عَلَى آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَتَرَكَ أَنَّ اللَّهَ يُفَضِّلُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَحْكُمْ مَا يُرِيدُ فَجَاءَ بِالِاعْتِرَاضِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَهَلَكَ اهـ.
وَفِي كِتَابِ مُسَامَرَةِ الْأَخْيَارِ لِلشَّيْخِ الْأَكْبَرِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِيٍّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - خَبَرُ الْحَيَّةِ الطَّائِفَةِ بِالْبَيْتِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْجِنِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَسْكُنُ ذَا طُوًى وَكَانَ لَهَا ابْنٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ غَيْرُهُ وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا وَكَانَ شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ فَتَزَوَّجَ وَأَتَى زَوْجَتَهُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ سَابِعِهِ قَالَ لِأُمِّهِ يَا أُمَّهْ إنِّي أُحِبُّ أَنْ أَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ سَبْعًا نَهَارًا قَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: أَيْ بُنَيَّ إنِّي أَخَافُ عَلَيْك سُفَهَاءَ قُرَيْشٍ فَقَالَ أَرْجُو السَّلَامَةَ فَأَذِنَتْ لَهُ فَوَلَّى فِي صُورَةِ جَانٍّ فَلَمَّا أَدْبَرَ جَعَلَتْ تُعَوِّذُهُ وَتَقُولُ
стр. 453
بِالنِّسْبَةِ إلَى أَبْنِيَةِ الْمَلَائِكَةِ فَتُحْمَلُ آيَةُ التَّفْضِيلِ عَلَى ذَلِكَ.
وَثَانِيهَا تَفْضِيلُ الْجَانِّ عَلَى بَنِي آدَمَ فِي الْأَبْنِيَةِ وَجَوْدَةِ التَّرْكِيبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ يَعِيشُونَ الْآلَافَ مِنْ السِّنِينَ فَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ الْمَوْتُ وَكَذَلِكَ لَا تَعْرِضُ لَهُمْ الْأَمْرَاضُ وَالْأَسْقَامُ الَّتِي تَعْرِضُ لِبَنِي آدَمَ بِسَبَبِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَيْسَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى الرُّطُوبَاتِ وَأَجْرَامِ الْأَغْذِيَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْعَفَنُ وَلَا آفَاتُ الرُّطُوبَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لِبَنِي آدَمَ فَلِذَلِكَ كَثُرَ بَقَاؤُهُمْ وَطَالَ، وَأَسْرَعَ لِبَنِي آدَمَ الْمَوْتُ وَمِمَّا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ فِي الْجَانِّ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ وَهُوَ يُقِيدُ النَّارَ:
أَتَوْا نَارِي فَقُلْت مَنُونُ أَنْتُمْ ... فَقَالُوا الْجِنُّ قُلْت عِمُوا ظَلَامَا
فَقُلْت إلَى الطَّعَامِ فَقَالَ مِنْهُمْ ... زَعِيمٌ يَحْسُدُ الْإِنْسَ الطَّعَامَا
لَقَدْ فُضِّلْتُمْ بِالْأَكْلِ عَنَّا ... وَلَكِنْ ذَاكَ يُعْقِبُكُمْ سِقَامَا
فَصَرَّحُوا فِي شِعْرِهِمْ بِمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرُهُ: إنَّهُمْ يَتَغَذَّوْنَ مِنْ الْأَعْيَانِ بِرَوَائِحِهَا وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرْ أُمَّتَكَ لَا يَسْتَجْمِرُوا بِرَوْثٍ وَلَا عَظْمٍ فَإِنَّهَا طَعَامُنَا وَطَعَامُ دَوَابِّنَا» مَعَ أَنَّا نَجِدُ الْعَظْمَ يَمُرُّ عَلَيْهِ الدَّهْرُ الطَّوِيلُ لَا يَتَغَيَّرُ مِنْهُ شَيْءٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَغَذَّوْنَ بِالرَّائِحَةِ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُمْ طَوَائِفُ مِنْهُمْ مَنْ يَتَغَذَّى بِالرَّائِحَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَغَذَّى بِجِرْمِ الْغِذَاءِ وَمِنْهُمْ طَائِرٌ لَا يَأْوِي فِي الْأَرْضِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْوِي فِي الْأَرْضِ يَرْحَلُونَ وَيَنْزِلُونَ فِي الْبَرَارِيِّ كَالْأَعْرَابِ، وَإِنَّ أَحْوَالَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَتَرَاكِيبُهُمْ أَعْظَمُ وَسَيْرُهُمْ فِي الْأَرْضِ أَيْسَرُ فَيَسِيرُونَ الْمَسَافَةَ الطَّوِيلَةَ فِي الزَّمَنِ الْقَصِيرِ وَلِذَلِكَ تُؤْخَذُ عَنْهُمْ أَخْبَارُ الْوَقَائِعِ وَالْحَوَادِثِ فِي الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ عَنَّا بِسَبَبِ سُرْعَةِ حَرَكَتِهِمْ وَتَنَقُّلِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَاِتَّخَذَهُمْ سُلَيْمَانُ ﵇ لِأَعْمَالٍ تَعْجِزُ عَنْهَا الْبَشَرُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أُعِيذُهُ بِالْكَعْبَةِ الْمَسْتُورَهْ ... وَدَعَوَاتِ ابْنِ أَبِي مَحْذُورَهْ
وَمَا تَلَا مُحَمَّدٌ مِنْ سُورَهْ ... إنِّي إلَى حَيَاتِهِ فَقِيرَهْ
وَإِنَّنِي بِعَيْشِهِ مَسْرُورَهْ
فَمَضَى الْجَانُّ أَيْ وَهُوَ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ نَحْوَ الطَّوَافِ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُنْقَلِبًا حَتَّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ دُورِ بَنِي سَهْمٍ عَرَضَ لَهُ شَابٌّ مِنْ بَنِي سَهْمٍ أَحْمَرُ أَكْثَفُ أَزْرَقُ أَحُولُ أَعْسَرُ فَقَتَلَهُ فَثَارَتْ بِمَكَّةَ غَبَرَةٌ حَتَّى لَمْ تُبْصَرْ لَهَا الْجِبَالُ قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ وَبَلَغَنَا أَنَّهُ إنَّمَا تَثُورُ تِلْكَ الْغَبَرَةُ عِنْدَ مَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ الْجِنِّ قَالَ فَأَصْبَحَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ عَلَى فِرَاشِهِمْ مَوْتَى كَثِيرٌ مِنْ قِبَلِ الْجِنِّ فَكَانَ فِيهِمْ سَبْعُونَ شَيْخًا أَصْلَعَ سِوَى الشَّبَابِ قَالَ فَنَهَضَتْ بَنُو سَهْمٍ وَحُلَفَاؤُهَا وَمَوَالِيهَا وَعَبِيدُهَا فَرَكِبُوا الْجِبَالَ وَالشِّعَابَ بِالثَّنِيَّةِ فَمَا تَرَكُوا حَيَّةً وَلَا عَقْرَبًا وَخُنْفُسَاءَ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْهَوَامِّ يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إلَّا قَتَلُوهُ فَأَقَامُوا بِذَلِكَ ثَلَاثًا فَسَمِعُوا فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِصَوْتٍ لَهُ جَهْوَرِيٍّ يُسْمَعُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اللَّهَ اللَّهَ فَإِنَّ لَكُمْ أَحْلَامًا وَعُقُولًا أَعْذِرُونَا أَعْذِرُونَا مِنْ بَنِي سَهْمٍ فَقَدْ قَتَلُوا مِنَّا أَضْعَافَ مَا قَتَلْنَا مِنْهُمْ اُدْخُلُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِصُلْحٍ نُعْطِهِمْ وَيُعْطُونَا الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا يَعُودَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ بِسُوءٍ أَبَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ وَاسْتَوْثَقُوا لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فَسُمِّيَتْ بَنُو سَهْمٍ الْعَيَاطِلَةَ قَتَلَةَ الْجِنِّ اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ فَانْظُرْهُ. وَثَالِثُهَا: تَفْضِيلُ الذَّهَبِ عَلَى الْفِضَّةِ بِجَوْدَةِ الْبِنْيَةِ فَإِنَّ بِنْيَةَ الذَّهَبِ مُلْتَزِزَةٌ مُتَدَاخِلَةٌ وَبِنْيَةَ الْفِضَّةِ مُتَفَشْفِشَةٌ رَخْوَةٌ، وَسَبَبُ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ إنَّ طَبْخَ الذَّهَبِ طَالَ تَحْتَ الْأَرْضِ بِحَرِّ الشَّمْسِ أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ، وَالْفِضَّةُ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا ذَلِكَ فَكَانَتْ بِنْيَةُ الذَّهَبِ أَفْضَلَ مِنْ بِنْيَةِ الْفِضَّةِ. الْقَاعِدَةُ الْعِشْرُونَ: التَّفْضِيلُ بِاخْتِيَارِ الرَّبِّ تَعَالَى لِمَنْ يَشَاءُ عَلَى مِنْ يَشَاءُ وَلِمَا يَشَاءُ عَلَى مَا يَشَاءُ؛ بِأَنْ يُفَضِّلَ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى الْآخَرِ كَتَفْضِيلِ شَاةِ الزَّكَاةِ عَلَى شَاةِ التَّطَوُّعِ، وَتَفْضِيلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ دَاخِلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى الْفَاتِحَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَحَجِّ الْفَرْضِ عَلَى تَطَوُّعِهِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَفْضَلُ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَكَتَفْضِيلِ الْأَذْكَارِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثْلِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ (خَاتِمَةٌ) نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَهَا. فِي مُهِمَّاتٍ: (الْمُهِمُّ الْأَوَّلُ) أَنَّ تَفْضِيلَ الْأَزْمَانِ وَالْبِقَاعِ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ: دُنْيَوِيٌّ، كَتَفْضِيلِ الرَّبِيعِ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَتَفْضِيلِ بَعْضِ الْبُلْدَانِ بِالثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَطِيبِ الْهَوَاءِ وَمُوَافَقَةِ الْأَهْوَاءِ.
وَالثَّانِي: دِينِيٌّ، كَتَفْضِيلِ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْمِنَةِ بِإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَمَغْفِرَةِ الزَّلَّاتِ وَإِعْطَاءِ السُّؤَالِ وَنَيْلِ الْآمَالِ، وَرَمَضَانَ عَلَى الشُّهُورِ، وَعَاشُورَاءَ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَأَيَّامِ الْبِيضِ وَالْجُمُعَةِ وَالْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَفْضِيلِهِ وَتَعْظِيمِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَزْمِنَةِ وَكَتَفْضِيلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَعَرَفَةَ وَالْمَطَافِ وَالْمَسْعَى وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَمَرْمَى الْجِمَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِقَاعِ الَّتِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى غَيْرِهَا وَمِنْ الْأَقَالِيمِ الْمُفَضَّلَةِ شَرْعًا الْيَمَنُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْإِيمَانُ يَمَانِيٌّ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ» وَالْمَغْرِبُ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ قَائِمِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» .
(الْمُهِمُّ الثَّانِي) الْمُفَضَّلَاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ
стр. 454
بِسَبَبِ فَرْطِ قُوَّتِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣] وَلَهُمْ قُوَّةُ التَّنَقُّلِ عَلَى التَّصَوُّرِ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ أَرَادُوا فَتَقْبَلُ بِنْيَتُهُمْ التَّنَقُّلَ إلَى الْحَيَّاتِ وَالْكِلَابِ وَالْبَهَائِمِ وَصُوَرِ بَنِي آدَمَ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا مَعَ جَوْدَةِ الْبِنْيَةِ وَلَطَافَةِ التَّرْكِيبِ وَبِنْيَتُنَا نَحْنُ لَا تَقْبَلُ شَيْئًا مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّا خُلِقْنَا مِنْ تُرَابٍ شَأْنُهُ الثُّبُوتُ وَالرَّصَافَةُ وَالدَّوَامُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَخُلِقُوا مِنْ نَارٍ شَأْنُهَا التَّحَرُّكُ وَسُرْعَةُ الِانْتِقَالِ وَاللَّطَافَةُ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي غَرَّ إبْلِيسَ فَأَوْجَبَ لَهُ الْكِبْرَ عَلَى آدَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه - وَتَرْكَ أَنَّ اللَّهَ يُفَضِّلُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ فَجَاءَ بِالِاعْتِرَاضِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَهَلَكَ.
وَثَالِثُهَا تَفْضِيلُ الذَّهَبِ عَلَى الْفِضَّةِ بِجَوْدَةِ الْبِنْيَةِ فَإِنَّ بِنْيَةَ الذَّهَبِ مُلْتَزَّةٌ مُتَدَاخِلَةٌ، وَبِنْيَةَ الْفِضَّةِ مُتَفَشْفِشَةٌ رَخْوَةٌ وَسَبَبُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةُ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَحَدِّثُونَ عَنْ الْمَعَادِنِ أَنَّ طَبْخَ الذَّهَبِ طَالَ تَحْتَ الْأَرْضِ بِحَرِّ الشَّمْسِ أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ، وَالْفِضَّةُ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا ذَلِكَ فَكَانَ بِنْيَةُ الذَّهَبِ أَفْضَلَ مِنْ بِنْيَةِ الْفِضَّةِ.
(الْقَاعِدَةُ الْعِشْرُونَ) التَّفْضِيلُ بِاخْتِيَارِ الرَّبِّ تَعَالَى لِمَنْ يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَلِمَا يَشَاءُ عَلَى مَا يَشَاءُ فَيُفَضِّلُ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى الْآخَرِ كَتَفْضِيلِ شَاةِ الزَّكَاةِ عَلَى شَاةِ التَّطَوُّعِ وَتَفْضِيلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ دَاخِلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى الْفَاتِحَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَفْضَلُ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَكَذَلِكَ تَفْضِيلُ حَجِّ الْفَرْضِ عَلَى تَطَوُّعِهِ وَالْأَذْكَارِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثْلِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ فِي أَسْبَابِ التَّفْضِيلِ.
فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّفْضِيلِ قَدْ تَتَعَارَضُ فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ مَنْ حَازَ أَكْثَرَهَا وَأَفْضَلَهَا وَالتَّفْضِيلُ إنَّمَا يَقَعُ بَيْنَ الْمَجْمُوعَاتِ وَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّفْضِيلِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» ﵃ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَفْضَلُ الْجَمِيعِ وَكَاخْتِصَاصِ سُلَيْمَانَ ﵇ بِالْمُلْكِ الْعَظِيمِ وَنُوحٍ ﵇
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَا يُطَّلَعُ عَلَى سَبَبِ تَفْضِيلِهِ كَتَفْضِيلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْإِيمَانِ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ أَنَّ أَقْسَامَ تَصَرُّفِ الْعِبَادَةِ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ كَالْمَعَارِفِ وَالْإِيمَانِ بِمَا يَجِبُ وَيَسْتَحِيلُ وَيَجُوزُ عَلَيْهِ .
وَثَانِيهَا حَقُّ الْعِبَادِ فَقَطْ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنْ إسْقَاطِهِ، وَإِلَّا فَكُلُّ حَقٍّ لِلْعَبْدِ فَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَمْرُهُ بِإِيصَالِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْغُصُوبِ وَالْوَدَائِعِ.
وَثَالِثُهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِلْعِبَادِ وَالْغَالِبُ مَصْلَحَةُ الْعِبَادِ كَالزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْأَمْوَالِ الْمَنْذُورَاتِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَالْأَوْقَافِ.
وَرَابِعُهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْعِبَادِ كَالْأَذَانِ فَحَقُّهُ تَعَالَى التَّكْبِيرَاتُ وَالشَّهَادَةُ بِالتَّوْحِيدِ وَحَقُّ رَسُولِهِ الشَّهَادَةُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَحَقُّ الْعِبَادِ الْإِرْشَادُ لِلْأَوْقَاتِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْمُنْفَرِدِينَ، وَالدُّعَاءُ لِلْجَمَاعَاتِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِينَ، وَالصَّلَاةُ مَعَ كَوْنِهَا مِنْ الْمَقَاصِدِ قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّشَهُّدِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمَا يَصْحَبُهَا مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالتُّرُوكِ وَالْكَفِّ عَنْ الْكَلَامِ وَكَثِيرِ الْأَفْعَالِ وَعَلَى حَقِّهِ ﷺ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَعَلَى حَقِّ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ دُعَاؤُهُ لِنَفْسِهِ فِي الْقِيَامِ بِالْهِدَايَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقُنُوتُ، وَفِي السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ لِنَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّسْلِيمُ آخِرَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَاضِرِينَ فَلِذَا قَالَ ﷺ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» .
الْقِسْمُ الثَّانِي مَا لَا يُعْلَمُ تَفْضِيلُهُ إلَّا بِالسَّمْعِ الْمَنْقُولِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ كَتَفْضِيلِ مَسْجِدِهِ ﷺ وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ فَإِنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لَا تُعْلَمُ إلَّا بِالسَّمْعِيَّاتِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا تَفْضِيلُهُ بِأُمُورٍ نَعْلَمُهَا وَأُمُورٍ لَا نَعْلَمُهَا إلَّا بِالسَّمْعِ الْمَنْقُولِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ كَتَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ فِي مَشْهُورِ مَذْهَبِنَا فَمِنْ جِهَةِ الْمَعْلُومِ بِوُجُوهٍ كَكَوْنِهَا مُهَاجَرَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَمَوْطِنَ اسْتِقْرَارِ الدِّينِ وَظُهُورِ دَعْوَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَدْفِنَ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَبِهَا كَمَلَ الدِّينُ وَاتَّضَحَ الْيَقِينُ وَحَصَلَ الْعِزُّ وَالتَّمْكِينُ وَكَانَ النَّقْلُ عَنْ أَهْلِهَا أَفْضَلَ النُّقُولِ وَأَصَحَّ الْمُعْتَمَدَاتِ لِأَنَّ الْأَبْنَاءَ فِيهِ يَنْقُلُونَ عَنْ الْآبَاءِ وَالْأَخْلَافُ عَنْ الْأَسْلَافِ فَيَخْرُجُ النَّقْلُ عَنْ حَيِّزِ الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ إلَى حَيِّزِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ وَمِنْ جِهَةِ النُّصُوصِ بِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا قَوْلُهُ ﷺ الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ.
وَثَانِيهَا دُعَاؤُهُ ﷺ بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ ﷺ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ
وَثَالِثُهَا قَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك» وَمَا هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ يَكُونُ أَفْضَلَ وَالظَّاهِرُ اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ ﷺ وَقَدْ أَسْكَنَهُ الْمَدِينَةَ فَتَكُونُ أَفْضَلَ الْبِقَاعِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَرَابِعُهَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَخَامِسُهَا قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى
стр. 455
بِإِنْذَارِ الْمِئِينَ مِنْ السِّنِينَ وَآدَمَ ﷺ بِكَوْنِهِ أَبَا الْبَشَرِ مَعَ تَفْضِيلِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى الْجَمِيعِ فَلَوْلَا هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَهِيَ تَجْوِيزُ اخْتِصَاصِ الْمَفْضُولِ بِمَا لَيْسَ لِلْفَاضِلِ لَلَزِمَ التَّنَاقُضُ وَاعْلَمْ أَنَّ تَفْضِيلَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ إنَّمَا هُوَ بِالطَّاعَاتِ وَكَثْرَةِ الْمَثُوبَاتِ وَالْأَحْوَالِ السُّنِّيَّاتِ وَشَرَفِ الرِّسَالَاتِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّاتِ فَمَنْ كَانَ فِيهَا أَتَمَّ فَهُوَ أَفْضَلُ وَكَذَلِكَ التَّفْضِيلُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ إنَّمَا هُوَ بِمَجْمُوعِ مَا فِيهَا فَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِمَا لَيْسَ لِلْفَاضِلِ كَاخْتِصَاصِ الْجِهَادِ بِثَوَابِ الشَّهَادَةِ وَالصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ وَالْحَجُّ أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ فِيهِ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَهُوَ يَقْتَضِي الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَالتَّبِعَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ كَانَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لَهُمْ عَنْ الْخَطِيئَاتِ وَضَمِنَ عَنْهُمْ التَّبِعَاتِ» وَالصَّلَاةُ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْتَصَّ الْمَفْضُولُ بِمَا لَيْسَ لِلْفَاضِلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَفِرُّ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْضِيلُهُ وَأَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَفْضُولَاتِ مِنْهَا مَا يُطَّلَعُ عَلَى سَبَبِ تَفْضِيلِهِ وَمِنْهَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالسَّمْعِ الْمَنْقُولِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ كَتَفْضِيلِ مَسْجِدِهِ ﷺ وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ وَهَذِهِ أُمُورٌ لَا تُعْلَمُ إلَّا بِالسَّمْعِيَّاتِ وَمِنْ تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ وَمَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالنُّصُوصِ وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هَهُنَا تَحْرِيرُ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَيْهَا أَمَّا جُزْئِيَّاتُ الْمَسَائِلِ فَفِي مَوَاضِعِهَا تَنْبِيهٌ يُطَّلَعُ مِنْهُ عَلَى تَفْضِيلِ الصَّلَاةِ عَلَى سَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَنَقُولُ تَقَرَّرَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْعِبَادِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ
أَحَدُهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
جُحْرِهَا» أَيْ تَأْوِي.
وَسَادِسُهَا قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» .
وَسَابِعُهَا قَوْلُهُ ﷺ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَكَتَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي مُقَابِلِ مَشْهُورِ مَذْهَبِنَا فَمِنْ جِهَةِ الْمَعْلُومِ بِوُجُوهٍ
أَحَدُهَا وُجُوبُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ، وَالْإِتْيَانُ لِلْمَدِينَةِ لَا يَجِبُ
وَثَانِيهَا إقَامَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا
وَثَالِثُهَا مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا حَجَّهَا آدَم فَمَنْ سِوَاهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَإِنَّمَا كَثْرَةُ الطَّارِئِينَ لِلْمَدِينَةِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ لَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ.
وَرَابِعُهَا وُجُوبُ اسْتِقْبَالِهَا
وَخَامِسُهَا تَحْرِيمُ اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ
وَسَادِسُهَا تَحْرِيمُهَا يَوْمَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ تُحَرَّمْ الْمَدِينَةُ إلَّا فِي زَمَانِهِ ﷺ
وَسَابِعُهَا كَوْنُهَا مَثْوَى إبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ ﵉.
وَثَامِنُهَا كَوْنُهَا مَوْلِدَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ .
وَتَاسِعُهَا كَوْنُهَا لَا تُدْخَلُ إلَّا بِإِحْرَامٍ وَعَاشِرُهَا الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِهَا دُونَ الْمَدِينَةِ وَمِنْ جِهَةِ النُّصُوصِ بِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]
وَثَانِيهَا ثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]
وَثَالِثُهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ وَبَكَى طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ يَا عُمَرُ هَهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ إنِّي أَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» وَرُوِيَ أَنَّ أُبَيًّا قَالَ لَهُ إنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانٌ ذَلِقٌ يَشْهَدُ لِمَنْ قَبَّلَهُ وَاسْتَلَمَهُ وَهَذِهِ مَنْفَعَةٌ وَقِيلَ إنَّ عَلِيًّا قَالَ لِعُمَرَ ﵄ بَلْ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ قَالَ لَهُ وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ كَتَبَ كِتَابًا وَأَلْقَمَهُ هَذَا الْحَجَرَ فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِينَ بِالْجُحُودِ قَالَ الْأَمِيرُ فِي مَنَاسِكِهِ، وَإِنَّمَا طُلِبَ التَّكْبِيرُ عِنْدَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ تَقْبِيلَهُ إنَّمَا هُوَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِتَعْظِيمِهِ وَاقْتِدَاءً بِنَبِيِّهِ ﷺ لَا كَمَا يَصْنَعُ الْمُشْرِكُونَ بِأَصْنَامِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَهَهُنَا لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّ هَذَا الْحَجَرَ مَسَّهُ فَمُ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ قَبَّلَهُ وَعَلَى التَّبَرُّكِ بِذَلِكَ تُبْذَلُ النُّفُوسُ وَأَيْضًا وَرَدَ أَنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْيُمْنِ وَهُوَ الْبَرَكَةُ وَالنَّاسُ تَتَعَبَّدُ بِتَقْبِيلِهِ كَمَا تُقَبَّلُ أَيْدِي الْمُلُوكِ اهـ.
وَرَابِعُهَا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَهُوَ يَقْتَضِي الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَالتَّبِعَاتِ لِأَنَّهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ كَانَ كَذَلِكَ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ لَهُمْ عَنْ الْخَطِيئَاتِ وَضَمِنَ عَنْهُمْ التَّبِعَاتِ» وَلَوْ كَانَ لِمَلِكٍ دَارَانِ فَأَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَأْتُوا إحْدَاهُمَا وَوَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَغْفِرَةَ سَيِّئَاتِهِمْ وَرَفْعَ دَرَجَاتِهِمْ دُونَ الْأُخْرَى لَعُلِمَ أَنَّهَا أَفْضَلُ.
وَخَامِسُهَا قَدْ مَرَّ عَنْ الْبَاجِيَّ أَنَّ حَدِيثَ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ بِمِائَةِ أَلْفٍ إذَا ثَبَتَ صَرِيحًا فِي أَنَّ نَفْسَ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ نَفْسِ الْمَدِينَةِ، وَفِي الرَّهُونِيِّ عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ بَابَا وَقَدْ كَثُرَ الِاحْتِجَاجُ فِي كُلٍّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِمَا أَكْثَرُهُ خَصَائِصُ وَهِيَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ لَا الْأَفْضَلِيَّةِ لِأَنَّ
стр. 456
فَقَطْ كَالْمَعَارِفِ وَكَالْإِيمَانِ بِمَا يَجِبُ وَيَسْتَحِيلُ وَيَجُوزُ عَلَيْهِ .
وَثَانِيهَا حَقُّ الْعِبَادِ فَقَطْ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنْ إسْقَاطِهِ، وَإِلَّا فَكُلُّ حَقٍّ لِلْعَبْدِ فَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَمْرُهُ بِإِيصَالِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْغُصُوبِ وَالْوَدَائِعِ.
وَثَالِثُهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِلْعِبَادِ وَالْغَالِبُ مَصْلَحَةُ الْعِبَادِ كَالزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَكَالْأَمْوَالِ الْمَنْذُورَاتِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَالْأَوْقَافِ.
وَرَابِعُهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْعِبَادِ كَالْأَذَانِ فَحَقُّهُ تَعَالَى التَّكْبِيرَاتُ وَالشَّهَادَةُ بِالتَّوْحِيدِ وَحَقُّ رَسُولِهِ الشَّهَادَةُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَحَقُّ الْعِبَادِ الْإِرْشَادُ لِلْأَوْقَاتِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْمُنْفَرِدِينَ وَالدُّعَاءُ لِلْجَمَاعَاتِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِينَ وَالصَّلَاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّشَهُّدِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمَا يَصْحَبُهَا مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالتُّرُوكِ وَالْكَفِّ عَنْ الْكَلَامِ وَكَثِيرِ الْأَفْعَالِ وَعَلَى حَقِّهِ ﷺ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَعَلَى حَقِّ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ دُعَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِالْهِدَايَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقُنُوتُ وَدُعَاؤُهُ فِي السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ لِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّسْلِيمُ آخِرَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَاضِرِينَ وَلِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَنَحْوِهَا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» فَهِيَ مِنْ الْمُفَضَّلَاتِ الَّتِي عُلِمَ سَبَبُ تَفْضِيلِهَا
وَأَمَّا تَفْضِيلُ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ فَبِأُمُورٍ نَعْلَمُهَا وَأُمُورٍ لَا نَعْلَمُهَا فَمِنْ الْمَعْلُومِ كَوْنُ الْمَدِينَةِ مُهَاجَرَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَأَمَّا تَفْضِيلُ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ فَبِأُمُورٍ نَعْلَمُهَا وَأُمُورٍ لَا نَعْلَمُهَا وَذَكَرَ أُمُورًا مِمَّا تُفَضَّلُ بِهَا الْمَدِينَةُ) قُلْت: لَمْ يَزِدْ عَلَى حِكَايَةِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَإِيرَادِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يُعَيِّنْ الرَّاجِحَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةٌ هُوَ كَمَا قَالَ، وَقَوْلُ مَنْ ادَّعَى حَصْرَ التَّفْضِيلِ فِي الثَّوَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا ذُكِرَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمَا قَالَهُ مِنْ قَصْدِهِ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ إنْ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمَفْضُولَ قَدْ يَخْتَصُّ بِشَيْءٍ عَنْ الْفَاضِلِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُهُ بِهِ فَالْأَذَانُ يَفِرُّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ دُونَ الصَّلَاةِ تَأَمَّلْ نَعَمْ حَدِيثُ الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ نَصٌّ فِي تَفْضِيلِهَا إلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ اهـ بِتَصَرُّفٍ.
(الْمُهِمُّ الثَّالِثُ) أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّفْضِيلِ قَدْ تَتَعَارَضُ فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ مَنْ حَازَ أَكْثَرَهَا وَأَفْضَلَهَا وَالتَّفْضِيلُ إنَّمَا يَقَعُ بَيْنَ الْمَجْمُوعَاتِ وَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّفْضِيلِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» ﵃ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَفْضَلُ الْجَمِيعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَفِرُّ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهُمَا وَكَاخْتِصَاصِ سُلَيْمَانَ ﵇ بِالْمُلْكِ الْعَظِيمِ وَنُوحٍ ﵇ بِإِنْذَارِ الْمِئِينَ مِنْ السِّنِينَ وَآدَمَ ﷺ بِكَوْنِهِ أَبَا الْبَشَرِ مَعَ تَفْضِيلِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى الْجَمِيعِ وَكَاخْتِصَاصِ الْجِهَادِ بِثَوَابِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ أَفْضَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ فِيهِمَا ذَلِكَ وَكَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا بَلْ وَالتَّبِعَاتِ كَمَا عَلِمْت مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ وَكَاخْتِصَاصِ مَكَّةَ بِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّ الْمَدِينَةَ فِي مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَفْضَلُ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي» فَيُحْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْهُ ﵊ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» عَلَى ظَاهِرِهِ لِلزِّيَادَةِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَنْطُوقٌ وَقَعَ صَرِيحًا فَلَا يُعَارِضُهُ مَفْهُومُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِدُونِ الْأَلْفِ أَيْ بِتِسْعِ مِائَةٍ وَعَلَى غَيْرِهِ بِأَلْفٍ مُحْتَجِّينَ بِمَا رُوِيَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اسْتِثْنَاءٍ فِي مَبْنَاهُ وَعَلَيْهِ جَرَى الْأَصْلُ فِيمَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ بَلْ قَدْ مَرَّ عَنْ الرَّهُونِيِّ عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ بَابَا أَنَّ حَدِيثَ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَهُوَ صَرِيحٌ أَيْ فِي: تَفْضِيلُ مَسْجِدِ مَكَّةَ يَدْفَعُ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِدُونِ أَلْفٍ، أَوْ بِتَأَوُّلِهِمَا فَلِذَا قَالَ مَالِكٌ إنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ لَا تَنْحَصِرُ فِي مَزِيدِ الْمُضَاعَفَةِ
стр. 457
سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَمَوْطِنَ اسْتِقْرَارِ الدِّينِ وَظُهُورِ دَعْوَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَدْفِنِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَبِهَا كَمَلَ الدَّيْنُ وَاتَّضَحَ الْيَقِينُ وَحَصَلَ الْعِزُّ وَالتَّمْكِينُ وَكَانَ النَّقْلُ مِنْ أَهْلِهَا أَفْضَلَ النُّقُولِ وَأَصَحَّ الْمُعْتَمَدَاتِ؛ لِأَنَّ الْأَبْنَاءَ فِيهِ يَنْقُلُونَ عَنْ الْآبَاءِ وَالْأَخْلَافُ عَنْ الْأَسْلَافِ فَيَخْرُجُ النَّقْلُ عَنْ حَيِّزِ الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ إلَى حَيِّزِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ وَمِنْ جِهَةِ النُّصُوصِ بِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا قَوْلُهُ ﷺ «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» وَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ نَصًّا فِي التَّفْضِيلِ غَيْرَ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْمُتَعَلَّقِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ جِهَةِ سَعَةِ الرِّزْقِ وَالْمَتَاجِرِ فَمَا تَعَيَّنَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَثَانِيهَا دُعَاؤُهُ ﷺ بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ ﷺ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْمَدْعُوِّ بِهِ فَيُحْمَلُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ الصَّاعُ وَالْمُدُّ.
وَثَالِثُهَا قَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك» وَمَا هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ يَكُونُ أَفْضَلَ وَالظَّاهِرُ اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ ﷺ وَقَدْ أَسْكَنَهُ الْمَدِينَةَ فَتَكُونُ أَفْضَلَ الْبِقَاعِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ السِّيَاقَ لَا يَأْبَى دُخُولَ مَكَّةَ فِي الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِإِيَاسِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك مِمَّا عَدَاهَا، وَإِذَا لَمْ تَدْخُلْ مَكَّةُ فِي الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَتَسْقُطُ الْحُجَّةُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ وَصْفِ الْمَكَانِ بِصِفَةِ مَا يَقَعُ فِيهِ كَمَا يُقَالُ بَلَدٌ طَيِّبٌ أَيْ هَوَاهَا وَالْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ أَيْ قُدِّسَ مَنْ فِيهَا، أَوْ مَنْ دَخَلَهَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُقَدَّسُونَ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا وَكَذَلِكَ الْوَادِي الْمُقَدَّسُ أَيْ قُدِّسَ مُوسَى ﵇ فِيهِ وَالْمَلَائِكَةُ الْحَالُّونَ فِيهِ وَكَذَلِكَ وَصْفُهُ ﵊ الْبُقْعَةَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا مَا هُوَ مِنْ الْفِقْهِ فَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ الْفِقْهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بِوَجْهٍ مَا فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِمِنًى عِنْدَ التَّوَجُّهِ لِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَإِنْ انْتَفَتْ عَنْهَا الْمُضَاعَفَةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ عَلَى أَنَّ فِي حَاشِيَةِ الرَّهُونِيِّ عَلَى عبق عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ بَابَا أَنَّ هَذَا تَضْعِيفُ نَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ طَرْدُهُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا مَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَ مَا بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ» قَالَ: وَأَمَّا احْتِجَاجُ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ فِي مَكَّةَ قِبْلَةَ وَكَعْبَةَ الْحَجِّ وَبِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ لَهَا مَزِيَّةً بِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إيَّاهَا بِقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى مَنْ صَادَ بِحَرَمِهَا وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى مَنْ صَادَ بِحَرَمِ الْمَدِينَةِ وَبِأَنَّ جَمَاعَةً رَأَوْا أَنْ تُغَلَّظَ الْحُدُودُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ لِحُرْمَتِهِ وَلَا تُقَامَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَدِينَةَ مَوْطِنُ إقَامَتِهِ ﷺ وَمُهَاجَرِهِ وَمَوْطِنُ وَمُهَاجَرُ أَصْحَابِهِ الْمُجْمَعِ عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَدْفِنُ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ الْكَعْبَةِ وَمِنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الرَّوْضَةَ الْمُشَرَّفَةَ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ فَيَكُونُ مَا قَارَبَهَا وَجَاوَرَهَا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ:
بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الدِّيَارُ وَتَرْخُصُ
فَتَأَمَّلْهُ بِإِنْصَافٍ اهـ.
قُلْت: وَفِي الْحَطَّابِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ عَنْ الشَّيْخِ السَّمْهُودِيِّ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ نَقَلَ عِيَاضٌ وَقَبْلَهُ أَبُو الْوَلِيدِ وَالْبَاجِيِّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ عَلَى الْكَعْبَةِ بَلْ نَقَلَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْعَرْشِ وَصَرَّحَ التَّاجُ الْفَاكِهِيُّ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى السَّمَوَاتِ قَالَ بَلْ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيَّنُ جَمِيعُ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَوَاتِ لِحُلُولِهِ ﷺ بِهَا وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَكْثَرِ بِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ أَيْ مَا عَدَا مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ اهـ.
فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْأَصْلِ إنَّ قَوْلَهُ ﷺ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا الْمَدِينَةِ اهـ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ اللَّهِ مَكَّةَ وَالْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ جَزَاءِ صَيْدِهَا وَرُؤْيَةِ تَغَلُّظِ الْحُدُودِ فِي حَرَمِهَا وَأَنَّهَا لَا تُقَامُ فِيهِ مَزَايَا تَقْتَضِي الْفَضِيلَةَ لَا الْأَفْضَلِيَّةَ،.
وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا فَجَوَابُهُ كَمَا قَالَ الْأَصْلُ أَنَّ تِلْكَ الْعَشَرَةَ كَانَ كَمَالُهُ ﷺ وَكَمَالُ الدِّينِ فِيهَا أَتَمَّ وَأَوْفَرَ فَلَعَلَّ سَاعَةً بِالْمَدِينَةِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ سَنَةٍ بِمَكَّةَ، أَوْ مِنْ جُمْلَةِ الْإِقَامَةِ بِهَا قَالَ الرَّهُونِيُّ.
وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا «وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ» فَجَوَابُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ إمَّا إنَّهُ قَالَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِتَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ خَيْرِهَا مَا عَدَاهَا اهـ.
قُلْت: عَلَى أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي وُجُوهِ تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ قَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك» وَقَوْلُهُ ﷺ «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» وَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ، وَإِنْ قَالَ: الْأَصْلُ إنَّ الثَّانِيَ مُطْلَقٌ فِي الْمُتَعَلِّقِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ جِهَةِ سَعَةِ الرِّزْقِ وَالْمَتَاجِرِ وَأَنَّ سِيَاقَ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِ مَكَّةَ فِي الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِإِيَاسِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك مِمَّا عَدَاهَا
стр. 458
بِالْمَحَبَّةِ وَهُوَ وَصْفٌ لَهَا بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ وَهِيَ إقَامَتُهُ ﷺ بِهَا، وَإِرْشَادُ الْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ وَقَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ التَّبْلِيغَ وَتِلْكَ الْقُرُبَاتِ فَبَطَلَ الْوَصْفُ الْمُوجِبُ لِلتَّفْضِيلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَرَابِعُهَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَيَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَفْضَلِ لَا عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ
وَثَانِيهَا أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ فَيُحْمَلُ عَلَى زَمَانِهِ ﷺ وَالْكَوْنِ مَعَهُ لِنُصْرَةِ الدِّينِ وَيُعَضِّدُهُ خُرُوجُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - بَعْدَ وَفَاتِهِ إلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِلَادِ
وَخَامِسُهَا قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» أَيْ تَأْوِي وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ إتْيَانِ الْمُؤْمِنِينَ لَهَا بِسَبَبِ وُجُودِهِ ﷺ فِيهَا حَالَ حَيَاتِهِ فَلَا عُمُومَ لَهُ فِي الْأَزْمَانِ وَلَا بَقَاءَ لِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ بَعْدَهُ لِخُرُوجِ الصَّحَابَةِ ﵃ إلَى الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ وَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَخَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى زَمَانٍ يَكُونُ الْوَاقِعُ فِيهِ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِصِدْقِهِ ﷺ .
وَسَادِسُهَا قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْأَزْمَانِ فَيُحْمَلُ عَلَى زَمَانِهِ ﷺ لِخُرُوجِ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا خَبَثًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَسَابِعُهَا قَوْلُهُ ﷺ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا الْمَدِينَةِ وَأَمَّا مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَفُضِّلَتْ بِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا وُجُوبُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ وَالْمَدِينَةُ يُنْدَبُ لِإِتْيَانِهَا وَلَا يَجِبُ.
وَثَانِيهَا أَنَّ إقَامَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ (ثَلَاثَ عَشْرَةَ) سَنَةً وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا غَيْرَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ تِلْكَ الْعَشَرَةَ كَانَ كَمَالُهُ ﷺ وَكَمَالُ الدِّينِ فِيهَا أَتَمَّ وَأَوْفَرَ فَلَعَلَّ سَاعَةً بِالْمَدِينَةِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ سَنَةٍ بِمَكَّةَ، أَوْ مِنْ جُمْلَةِ الْإِقَامَةِ بِهَا
وَثَالِثُهَا فُضِّلَتْ الْمَدِينَةُ بِكَثْرَةِ الطَّارِئِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَفَضَلَتْ مَكَّةُ بِالطَّائِفِينَ مِنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ وَصْفِ الْمَكَانِ بِصِفَةِ مَا يَقَعُ فِيهِ وَالْمَعْنَى فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك بِمَا جَعَلْته فِيهَا مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنْ إقَامَتِهِ ﷺ بِهَا، وَإِرْشَادِ الْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ كَمَا يُقَالُ بَلَدٌ طَيِّبٌ أَيْ هَوَاهَا وَالْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ أَيْ قُدِّسَ مَنْ فِيهَا، أَوْ مَنْ دَخَلَهَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ مُقَدَّسُونَ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا وَالْوَادِي الْمُقَدَّسُ أَيْ قُدِّسَ مُوسَى ﵇ فِيهِ وَالْمَلَائِكَةُ الْحَالُّونَ فِيهِ اهـ.
إذْ يَكْفِي كَوْنُهُمَا ظَاهِرَيْنِ فِي الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِمَجْمُوعِ أَسْبَابِ التَّفْضِيلِ لَا بِهِمَا فَقَطْ حَتَّى يَسْقُطَا بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ فَافْهَمْ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ وَلَا حُجَّةَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُرَغِّبَةِ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ عَلَى تَفْضِيلِهَا أَمَّا دُعَاؤُهُ ﷺ بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ ﷺ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ فَلِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْمَدْعُوِّ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا خُرِّجَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مِنْ الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَنْ يُبَارَكَ لَهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ أَنْ تَكُونَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ مَكَّةَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «أُمِرْت بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» فَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ إلَى قَرْيَةٍ تُفْتَحُ مِنْهَا الْبِلَادُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَلِحَمْلِهَا عَلَى زَمَانِهِ ﷺ وَالْكَوْنُ مَعَهُ لِنُصْرَةِ الدِّينِ قَالَ الْأَصْلُ وَيُعَضِّدُهُ خُرُوجُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - بَعْدَ وَفَاتِهِ إلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِلَادِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لَا يَصْبِرُ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى الْفَضْلِ لَا عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ اهـ فَلَا يَتِمُّ فِي جَمِيعِهَا كَمَا.
قَالَ الرَّهُونِيُّ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْغِيبَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ خَاصٌّ بِحَيَاتِهِ ﷺ مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ سُكْنَاهَا خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ ثَابِتَةٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَ وَقَوْلُهُ إنَّ مَعْنَى حَدِيثِ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ» أَنَّ النَّاسَ يَنْتَابُونَ إلَيْهَا فِي حَيَاتِهِ ﷺ لِلدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ نَصًّا فِي الْحَدِيثِ وَلَا ظَاهِرًا مِنْهُ وَقَدْ فُهِمَ غَيْرُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ قَوْلُهُ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَكَذَا قَيَّدْنَاهُ مِنْ شُيُوخِنَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيُّ بِخَطِّهِ وَزَادَ فِي ابْنِ سِرَاجٍ يَأْرُزُ بِالضَّمِّ وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ كِتَابِ الْقَابِسِيِّ يَأْرُزُ بِالْفَتْحِ وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ هَكَذَا سَمِعَهُ مِنْ الْمَرْوَزِيِّ وَمَعْنَاهُ يَنْضَمُّ وَيَجْتَمِعُ وَقِيلَ يَرْجِعُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «لَيَعُودَنَّ كُلُّ إيمَانٍ إلَى الْمَدِينَةِ» اهـ مِنْهَا بِلَفْظِهَا، وَفِي الصِّحَاحِ مَا نَصُّهُ وَأَرَزَ فُلَانٌ يَأْرِزُ أَرْزًا وَأُرُوزًا إذَا تَضَامَّ وَتَقَبَّضَ مِنْ بُخْلِهِ فَهُوَ أَرُوزٌ.
ثُمَّ قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ الْإِسْلَامَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» أَيْ يَنْضَمُّ إلَيْهَا فَيَجْتَمِعُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِيهَا اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ اهـ.
قُلْت: وَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ مِنْ التَّعْضِيدِ مَدْفُوعٌ بِمَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَتَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَيُفْتَحُ الشَّامُ إلَخْ وَيُفْتَحُ الْعِرَاقُ إلَخْ» قَالَ الْبَاجِيَّ وَقَوْلُهُ ﷺ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ إلَخْ لَهُمْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا يَفُوتُهُمْ مِنْ الْأَجْرِ بِالِانْتِقَالِ عَنْهَا أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّا يَنَالُونَهُ مِنْ الْخِصْبِ وَسَعَةِ الْعَيْشِ حَيْثُ يَنْتَقِلُونَ إلَيْهِ مِنْ الْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ اهـ.
وَمَا فِي الْمُوَطَّإِ أَيْضًا.
стр. 459
الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا حَجَّهَا آدَم فَمَنْ سِوَاهُ وَلَوْ كَانَ لِمَلِكٍ دَارَانِ فَأَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَأْتُوا إحْدَاهُمَا وَوَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَغْفِرَةِ سَيِّئَاتِهِمْ وَرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ دُونَ الْأُخْرَى لَعُلِمَ أَنَّهَا عِنْدَهُ أَفْضَلُ.
وَرَابِعُهَا أَنَّ التَّعْظِيمَ وَالِاسْتِلَامَ نَوْعٌ مِنْ الِاحْتِرَامِ وَهُمَا خَاصَّانِ بِالْكَعْبَةِ
وَخَامِسُهَا وُجُوبُ اسْتِقْبَالِهَا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِهَا
وَسَادِسُهَا تَحْرِيمُ اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِهَا وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا
وَسَابِعُهَا تَحْرِيمُهَا يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ تُحَرَّمْ الْمَدِينَةُ إلَّا فِي زَمَانِهِ ﷺ وَذَلِكَ دَلِيلُ فَضْلِهَا
وَثَامِنُهَا كَوْنُهَا مَثْوَى إبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
وَتَاسِعُهَا كَوْنُهَا مَوْلِدَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ
وَعَاشِرُهَا كَوْنُهَا لَا تُدْخَلُ إلَّا بِإِحْرَامٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِهَا
وَحَادِيَ عَشَرَهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]
وَثَانِيَ عَشَرَهَا الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِهَا دُونَ الْمَدِينَةِ
وَثَالِثَ عَشَرَهَا ثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] وَاعْلَمْ أَنَّ تَفْضِيلَ الْأَزْمَانِ وَالْبِقَاعِ قِسْمَانِ: تَفْضِيلٌ دُنْيَوِيٌّ كَتَفْضِيلِ الرَّبِيعِ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَتَفْضِيلِ بَعْضِ الْبُلْدَانِ بِالثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَطِيبِ الْهَوَاءِ وَمُوَافَقَةِ الْأَهْوَاءِ، وَدِينِيٌّ كَتَفْضِيلِ رَمَضَانَ عَلَى الشُّهُورِ وَعَاشُورَاءَ عَلَى الْأَيَّامِ وَكَذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَيَّامُ الْبِيضِ وَعَشْرُ الْمُحَرَّمِ وَالْخَمِيسُ وَالِاثْنَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَفْضِيلِهِ وَتَعْظِيمِهِ مِنْ الْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ نَحْوِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَعَرَفَةَ وَالْمَطَافِ وَالْمَسْعَى وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَمَرْمَى الْجِمَارِ، وَمِنْ الْأَقَالِيمِ الْيَمَنُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» وَالْمَغْرِبُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ قَائِمِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» وَمِنْ الْأَزْمِنَةِ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَمَغْفِرَةِ الزَّلَّاتِ، وَإِعْطَاءِ السُّؤَالِ وَنَيْلِ الْآمَالِ، وَأَسْبَابُ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةٌ لَا أَقْدِرُ عَلَى إحْصَائِهَا خَشْيَةَ الْإِسْهَابِ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي عَلَى الْوُصُولِ فِيهَا إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ مَا أَنْكَرَهُ بَعْضُ فُضَلَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ إنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ فَقَالَ الثَّوَابُ هُوَ سَبَبُ التَّفْضِيلِ وَالْعَمَلُ هَهُنَا مُتَعَذَّرٌ فَلَا ثَوَابَ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْإِجْمَاعُ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ كَثِيرًا فَأَرَدْت أَنْ أُبَيِّنَ تَعَدُّدَ الْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ فَبَطَلَ مَا قَالَهُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى الْقَاضِي وَبَلَغَنِي أَيْضًا عَنْ الْمَأْمُونِ بْنِ الرَّشِيدِ الْخَلِيفَةِ أَنَّهُ قَالَ أَسْبَابُ التَّفْضِيلِ أَرْبَعَةٌ وَكُلُّهَا كَمَلَتْ فِي عَلِيٍّ ﵁ فَهُوَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَأَخَذَ يَرُدُّ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَأَرَدْت أَيْضًا أَنْ أُبْطِلَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْحَصْرِ، وَمَسَائِلُ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَهِيَ أَشْبَهُ بِأُصُولِ الدِّينِ وَهَذَا الْكِتَابُ إنَّمَا قَصَدْت فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ خَاصَّةً فَلِذَلِكَ اقْتَصَرْت عَلَى تَفْضِيلِ الصَّلَاةِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَأَحَلْتُ مَا عَدَاهَا عَلَى مَوْضِعِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ الْتَفَتَ إلَيْهَا فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ يَا مُزَاحِمُ نَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّا نَفَتْ الْمَدِينَةُ قَالَ الْبَاجِيَّ يُرِيدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا فَخَافَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْهُ الْمَدِينَةُ لِكَوْنِهِ مِنْ الْخَبَثِ لِمُخَالَفَةِ سُنَّةٍ، أَوْ ضَلَالٍ عَنْ هُدًى وَمِثْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ اهـ فَافْهَمْ.
(الْمُهِمُّ الرَّابِعُ) مَسَائِلُ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً إلَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى التَّفْضِيلِ بِالطَّاعَاتِ وَكَثْرَةِ الْمَثُوبَاتِ وَالْأَحْوَالِ السُّنِّيَّاتِ وَشَرَفِ الرِّسَالَاتِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّاتِ فَمَنْ كَانَ فِيهَا أَتَمَّ فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ: وَتَلْخِيصُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّاظِمُ أَوَّلًا وَآخِرًا أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الْعُمُومِ وَيَلِيهِ إبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، ثُمَّ نُوحٌ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الرُّسُلِ، ثُمَّ الْأَنْبِيَاءُ غَيْرُ الرُّسُلِ، ثُمَّ هُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُتَفَاضِلُونَ أَيْضًا عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ أَرْأَسُ رُسُلِ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِ مِنْهُمْ ثُمَّ بَقِيَّةُ رُسُلِهِمْ، ثُمَّ بَقِيَّتُهُمْ غَيْرُ الرُّسُلِ، ثُمَّ هُمْ مُتَفَاضِلُونَ أَيْضًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ النَّظْمِ أَنَّ التَّفْضِيلَ إمَّا بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِ الصَّحَابَةِ فَأَبُو بَكْرٍ هُوَ الْأَفْضَلُ، ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ الْأَصْنَافِ فَأَفْضَلُهُمْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْبَدْرِيِّينَ، ثُمَّ بَقِيَّةُ أَصْحَابِ أُحُدٍ، ثُمَّ بَقِيَّةُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ فِي كَلَامِ الشَّمْسِ الْبِرْمَاوِيِّ اهـ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ، وَإِنْ كَانَتْ أَشْبَهَ بِأُصُولِ الدِّينِ إلَّا أَنَّ لَهَا تَعَلُّقًا بِالْفِقْهِ بِوَجْهٍ مَا، سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مَا أُخِذَ مِنْ الْكِتَابِ، أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ الْإِجْمَاعِ وَلَا عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِدَادِ لَا الِاسْتِقْلَالِ كَأَغْلَبِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ وَهَذَا الْكِتَابُ الْمَقْصُودُ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ خَاصَّةً وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
стр. 460
مَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ)
اعْلَمْ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ الْأَكْثَرِيَّةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَإِنَّمَا يَأْكُلُهُ بِالسَّبَبِ الْحَقِّ إذَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ مَا أَخَذَ الْعِوَضَ بِإِزَائِهِ فَيَرْتَفِعُ الْغَبْنُ وَالضَّرَرُ عَلَى الْمُتَعَاوَضَيْنِ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ الثَّمَرُ وَالسِّلْعَةُ مَعًا وَلَا لِلْمُؤَجِّرِ الْأُجْرَةُ وَالْمَنْفَعَةُ مَعًا وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الصُّوَرِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ اُسْتُثْنِيَتْ مَسَائِلُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لِلضَّرُورَةِ وَأَنْوَاعٌ مِنْ الْمَصَالِحِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ وَالثَّالِثُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يُضَمَّ إلَيْهَا الْأَذَانُ فَتَصِحَّ أَوْ لَا يُضَمَّ إلَيْهَا فَلَا تَصِحَّ وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ ثَوَابَ صَلَاتِهِ لَهُ فَلَوْ حَصَلَتْ لَهُ الْأُجْرَةُ أَيْضًا لَحَصَلَ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَحُجَّةُ الْجَوَازِ أَنَّ الْأُجْرَةَ بِإِزَاءِ الْمُلَازَمَةِ فِي الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ غَيْرُ الصَّلَاةِ وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ أَنَّ الْأَذَانَ لَا يَلْزَمُهُ فَيَصِحُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَإِذَا ضُمَّ إلَى الصَّلَاةِ قَرُبَ الْعَقْدُ مِنْ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
أَخْذُ الْخَارِجِ فِي الْجِهَادِ مِنْ الْقَاعِدِ مِنْ أَهْلِ دِيوَانِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ) قُلْت فِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرٌ يَفْتَقِرُ إلَى بَسْطٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمَبْذُولُ فِيهَا عِوَضًا عَنْ الثَّوَابِ بَلْ هُوَ مَعُونَةٌ عَلَى الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْأُمُورِ فَلِلْقَائِمِ بِهَا ثَوَابُهُ وَلِمَنْ تَوَلَّى الْمَعُونَةَ ثَوَابُهُ فَلَمْ يَجْتَمِعْ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ بِوَجْهٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
وَمَا قَالَهُ فِي الْفُرُوقِ الْخَمْسَةِ الَّتِي بَعْدَهُ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ مَا عَدَا قَوْلِهِ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ لَيْسَ هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا وَلَا هُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ كَمَا سَلَفَ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَبِهِ نَسْتَعِينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِمِ لِلصَّوَابِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَالْأَصْحَابِ (الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ) إنَّمَا يَتِمُّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ مِنْ أَنَّ قَاعِدَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَإِنَّمَا يَأْكُلُهُ بِالسَّبَبِ الْحَقِّ إذَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ مَا أَخَذَ الْعِوَضَ بِإِزَائِهِ فَيَرْتَفِعُ الْغَبْنُ وَالضَّرَرُ عَلَى الْمُتَعَاوِضَيْنِ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ الثَّمَنُ وَالسِّلْعَةُ مَعًا وَلَا لِلْمُؤَجِّرِ الْأُجْرَةُ وَالْمَنْفَعَةُ مَعًا أَكْثَرِيَّةً لَا كُلِّيَّةً فَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَسَائِلُ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ
الْأَوَّلُ الْجَوَازُ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ
следующие страницы →