" سعوا " التى بالحج بالالف بعد الواو.
واحذفها من " سعو " التى بسبأ.
واكتب كلمة " واخشوني " بالياء في البقرة واحذفها منها في التى بالمائدة واحذف اللام الثانية من كلمة " اليل " وأثبتها في كلمة " اللؤلؤ " واكتب الكلمات " الصلوة.
الزكوة.
الربوا " بالواو واكتب " قرت عين لى " بالتاء واكتب " قرة اعين " بالهاء وافصل كى عن لا في " كى لا يكون دولة " وأوصلها في " لكيلا تأسوا " وهكذا في جميع القرآن.
فان كان املاء النبي ﷺ القرآن لكاتب الوحى بهذه الصفة فالرسم توقيفي بلا جدال لكن لم نر منقولا ان النبي ﷺ كان يملى كاتب الوحى بهذه الصفة والكيفية، فلو كان كذلك لتواتر عنه ﷺ وما كان ذلك خافيا على احد، ولو كان كذلك ايضا لكان ﵊ عارفا باصول الكتابة وقواعد الاملاء وكيف وهو النبي الامي
(الامر الثاني) لما اختلف زيد بن ثابت ومن معه في كلمة " التابوت " أيكتبونه بالتاء ام بالهاء رفعوا الامر إلى عثمان رضى الله عنه فأمرهم ان يكتبوها بالتاء.
فلو كان الرسم توقيفيا باملاء النبي ﷺ بالكيفية التى ذكرناها لقال لهم زيد إن النبي ﷺ امرني بكتابتها بالتاء ولقال عثمان لزيد كاتب الوحى اكتبها بالكيفية التى املاك بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 107
(الامر الثالث) لو كان الرسم توقيفيا لما اختلف الرسم
في المصاحف التى ارسلها عثمان رضى الله عنه إلى المدن والامصار كما سبق بيانه قبل هذا الفصل.
(الامر الرابع) لو كان الرسم توقيفيا لصرح بذلك الامام مالك ولما جوز كتابة الصحف والالواح للصغار المتعلمين بغير الرسم العثماني ولصرح بذلك ايضا جميع الائمة.
(الامر الخامس) لو كان الرسم توقيفيا لنعتوه (بالرسم التوقيفى) أو (بالرسم النبوى) وما كانوا نعتوه (بالرسم العثماني) نسبة لعثمان بن عفان فاستدلالهم بأن زيد بن ثابت كتب كلمة (واخشوني) بالبقرة باثبات الياء وكتبها في المائدة بحذفها في غير محله، لان ثبوت الياء أو حذفها يعلم من وقوف القارئ على الكلمة، فان وقف بالسكون على نون واخشوني كتبت بالنون فقط وان وقف على الياء كتبت بالياء قال بعضهم ان مدار الرسم والكتابة * معتبر بالوقف والبداءه فزيد بن ثابت عرف ذلك من وقف النبي ﷺ على الكلمة، فعلم مما ذكرناه ان رسم المصحف ليس توقيفيا وانما هو من وضع الصحابة واصطلاحهم لحكمة لم ندركها
стр. 108
بقى علينا أن نعرف لماذا لم يكتبوا المصحف على قواعد الكتابة ولماذا لم يمشوا في كتابته على وتيرة واحدة هذا سؤال يجب ان يوجه إلى الصحابة الذين كتبوه بأمر عثمان رضى الله عنه، وانى يكون ذلك وقد ذهبوا إلى جوار ربهم الكريم - ومن هنا يقول العلماء إن رسم المصحف سر من الاسرار لم يطلع عليه أحد وان خطه معجز كلفظه
المقروء.
هذا ولا تتوهمن عليهم السهو أو الخطأ في كتابة كلام الله تعالى وقد مر عليك بطلان ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني في ضبط وتصحيح المصحف الكريم، ولا يخطرن ايضا ببالك أنهم ما كانوا يعرفون اصول الكتابة فلذلك اضطربوا في رسم المصحف فان هذا وهم باطل كما سنقيم الدليل عليه في الفصل الخامس.
الفصل الرابع (في حكم اتباع رسم المصحف العثماني)
حكم اتباع رسم المصحف العثماني الوجوب باتفاق الائمة قاطبة وان لم ندرك حكمة كتابته على هذه الصورة من الرسم المخالف لقواعد الكتابة واليك تفصيل ذلك.
стр. 109
(قال بعضهم) لقد اجمع على كتابة المصاحف العثمانية اثنا عشر ألفا من الصحابة رضى الله عنهم فيجب على كل مسلم ان يقتدى بهم وبفعلهم لقوله ﷺ عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ الحديث وقوله، اقتدوا باللذين من بعدى ابى بكر وعمر فانهما حبل الله المدود من تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى وقال البيهقى في شعب الايمان من يكتب مصحفا فينبغي ان يحافظ على الهجاء الذى كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغيير مما كتبوه شيئا فانهم كانوا اكثر علما واصدق قلبا ولسانا واعظم امانة فلا ينبغى ان نظن بانفسنا استدراكا عليهم.
وسئل مالك رحمه الله تعالى (١) هل يكتب المصحف على ما احدثه
الناس من الهجاء فقال لا الا على الكتبة الاولى رواه الدانى في المقنع ثم قال ولا مخالف له من علماء الامة، وقال في موضع آخر سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والالف أترى ان تغير في المصحف ان وجد فيه كذلك قال لا قال أبو عمر ويعنى الواو والالف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو أولو، وفى رواية قال أشهب سئل
стр. 110
مالك فقيل له ارأيت من استكتب مصحفا اترى ان يكتب على ما احدثه الناس من الهجاء اليوم قال لا ارى ذلك ولكن يكتب على الكتبة الاولى (١) قال الدانى في المحكم ولا مخالف لمالك في ذلك من علماء الامة لان ما روى عنه هو مذهب باقى الائمة ومستند الائمة الاربع هو مستند الخلفاء الاربع وقال الامام احمد رحمه الله تعالى (٢) تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو الف أو غير ذلك، ونقل الجعبرى وغيره اجماع الائمة الاربعة على وجوب اتباع هذا المرسوم قال القرطبى في اوائل تفسيره وقال اشهب سمعت مالكا وسئل عن العشور التى تكون في المصحف بالحمرة وغيرها من الالوان فكره ذلك وقال تعشير المصحف بالحبر لا بأس به وسئل عن المصاحف يكتب فيها خواتم السور في كل سورة ما فيها من آية قال انى اكره ذلك في امهات المصاحف ان يكتب فيها شئ أو يشكل فأما ما يتعلم به من الغلمان من المصاحف فلا أرى بذلك بأسا قال أشهب ثم اخرج الينا مصحفا
стр. 111
لجده كتبه إذ كتب عثمان المصاحف فرأينا خواتمه من حبر على عمل السلسلة في طول السطور ورأيته معجوم الآى بالحبر اه قوله معجوم الآى بالحبر أي موضوع في آخر كل آية نقطة من الحبر للفصل بين الآيات.
قال الخراز في مورد الظمآن مشيرا إلى اجابة مالك: ومالك حض على الاتباع * لفعلهم وترك الابتداع إذ منع السائل من ان يحدثا * في الامهات نقط ما قد احدثا وانما رآه للصبيان * في الصحف والالواح للبيان ووضع الناس عليه كتبا * كل يبين عنه كيف كتبا اجلها فاعلم كتاب المقنع * وقد اتى فيه بنص مقنع قوله وانما رآه للصبيان الخ أي ان مالكا ﵀ جوز كتابة الالواح والصحف بغير الرسم العثماني للصغار الذين يتعلمون القرآن حتى لا يصعب عليهم التعليم وهذا القول عن مالك ذكره ايضا العلامة الشيخ محمد مكى نصر في كتابه القول المفيد في علم التجويد وقال الشيخ محمد العاقب الشنقيطى رحمه الله تعالى رسم الكتاب سنة متبعة * كما نحا اهل المناحى الاربعة لانه اما بأمر المصطفى * أو باجتماع الراشدين الخلفا
стр. 112
وكل من بدل منه حرفا * باء بكفر أو عليه أشفا (١) وقال القاضى عياض في آخر كتاب الشفا أجمع المسلمون ان من نقص حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشمل عليه المصحف الذى وقع عليه الاجماع واجمع على انه ليس من القرآن عامدا لكل هذا انه كافر اه كلامه وايده شراحه.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن القاضى المغربي ولا يجوز مخالفة مرسوم المصحف العثماني ولا يلتفت إلى اعتلال من خالف بقوله ان العامة لا تعرف مرسوم المصحف ويدخل عليهم الخلل في قراءتهم في المصحف إذا كتب على المرسوم العثماني إلى آخر ما عللوا به فهذا ليس بشئ لان من لا يعرف المرسوم من الامة يجب عليه ان لا يقرأ في المصحف حتى يتعلم القراءة على وجهها ويتعلم مرسوم المصحف فان فعل غير ذلك فقد خالف ما اجمعت عليه الامة وحكمه معلوم في الشرع الشريف ومن علل بشئ فهو مردود عليه لمخالفته للاجماع المتقدم وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمان فليحتفظ من ذلك في حق نفسه وحق غيره اه من ايقاظ الاعلام.
وجاء في كتاب نهاية القول المفيد في علم التجويد ما نصه: أجمع
стр. 113
اهل الاداء وأئمة القراء على لزوم تعلم مرسوم المصحف العثماني فيما تدعو إليه الحاجة وقال الامام الخراز في كتابة عمدة البيان في الزجر عن محالفة رسم المصاحف ما نصه: فواجب على ذوى الاذهان * أن يتبعوا المرسوم في القرآن
ويقتدوا بمن رآه نظرا * إذ جعلوه للامام وزرا وكيف لا يصح الاقتداء * بما اتى نصا به الشفاء روى عياض انه من غيرا * حرفا من القرآن عمدا كفرا زيادة أو نقصا أو إن بدلا * شيئا من الرسم الذى تأصلا فعلم مما سبق اجماع الائمة على عدم جواز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني، اما ما ذكره الدمياطي في كتابه اتحاف فضلاء البشر في القراءات الاربعة عشر بأن شيخ الاسلام العز بن عبد السلام قال لا يجوز كتابة المصحف الآن على المرسوم الاول باصطلاح الائمة لئلا يوقع في تغيير من الجهال فقد رد عليه بعضهم بقوله وهذا لا ينبغى اجراؤه على اطلاقه لئلا يؤدى إلى درس العلم ولا يترك شئ قد احكمه السلف مراعاة لجهل الجاهلين لاسيما وهو احد الاركان التى عليها مدار القراءات (١) اه
стр. 114
(فان قيل) لم لم يقولوا باتباع رسم الصحف البكرية وهى كتبت قبل مصحف عثمان (فنقول) ان مصحف ابى بكر كان مكتوبا بجميع الاحرف السبعة ولابد أن تكون كتابة كل حرف منها برسم صريح لا يحتمل قراءة حرف آخر، وان أبا بكر لم يحمل الناس على اتباع مصحفه لعدم الضرورة إلى ذلك كما سبق بيانه (١) فان الناس كانوا يقرؤن في زمنه بالاحرف السبعة فكان مصحفه الذى جمعه محفوظا عنده ثم كان عند عمر ثم كان عند حفصة بنت عمر فلما ماتت غسل غسلا فلم يبق له اثر (٢)
اما مصحف عثمان فقد استنسخه من الصحف البكرية على حرف واحد فقط من الاحرف السبعة وهو حرف قريش وترك الاحرف الستة الباقية خشية اختلاف الناس في القراءة وامر بحرق جميع الالواح والمصاحف غير مصحفه الذى جمعه حتى لا تكون فرقة ولا اختلاف وحمل الناس على مصحفه ووافقه الصحابة على هذا العمل المبرور فصار اتباعه واجبا في ترتيبه ورسمه، وان كل مصحف من المصاحف التى ارسلها عثمان إلى المدن والامصار كتب برسم غير رسم الآخر ليحتمل
стр. 115
الرسم وجها من القراءات (١) فلما صار العمل على هذه المصاحف العثمانية قالوا بوجوب اتباع رسم أي مصحف منها ولابد ان يكون رسم مصحف عثمان موافقا لرسم الصحف البكرية في حدود الحرف الواحد الذى جمع مصحفه عليه وهو حرف قريش خصوصا في حذف الالف من نحو الكتب والانسن واسحق واسمعيل وزيادة الواو في نحو اؤلئك وأولو وغير ذلك والله تعالى اعلم بغيبه.
ومما يناسب هذا المقام ذكر اربعة أسئلة من الاسئلة التى كنا بعثناها لمشيخة المقارئ المصرية (٢) مع الاجابة عليها.
(فالسؤال الاول) هل من ضمن القراءات المتواترة (٣) قراءة روعى فيها رسم المصحف العثماني ام لا.
стр. 116
(فأجابنا عليه) شيخ القراء هناك فضيلة الاستاذ المحقق الشيخ محمد على الضباع (١) بقوله: رسم المصحف ركن من اركان القراءة فكل قراءة مراعى فيها هذا الرسم وقد وردت نصوص أئمة الاداء بأن ائمة القراءة بالكوفة وأبا عمر والمازني ونافعا بن أبى نعيم المدنى اعتنوا بمتابعة خط المصحف في الوقوف الاختبارية (٢) لقصد توقيف القارئ على حقيقة رسمها واستحسن ذلك المحققون لسائر القراء.
اه (والسؤال الثاني) هل يطلق على من كتب مصحفا بقراءة من القراءات المتواترة انه خالف رسم المصحف العثماني وانه ارتكب محظورا أم لا.
(فأجابنا عليه) شيخ القراء المذكور بقوله: كاتب المصحف إذا رسم هجاء كلماته بصورها الرسمية على وجه مما اثر عن اصحاب رسول الله ﷺ والتزم فيما ورد فيه منها رسمان كل منهما لقراءة رسما يطابق قراءة معينة من القراءات المتواترة ثم ضبطه بأى طريق من طرق الضبط على وجه
стр. 117
معتبر عند اهل الاداء فلا يقال انه خالف الرسم العثماني ولا انه ارتكب محظورا وان كانت الصورة التى أتى بها لا تحكى صورة بعينها لمصحف من المصاحف الستة (١) لان المعتبر في متابعة الرسم العثماني تصوير الكلمة القرآنية على وجه أثر عن تلك المصاحف أو بعضها وأما الضبط فقد جرى عمل المسلمين على الترخيص به دفعا للالتباس ومنعا للتحريف والخطأ في كلام رب العالمين.
اه (والسؤال الثالث) ما هي القراءات المتواترة وكم عددها وما أسماؤها وما معنى القراءة الشاذة وهل تصح الصلاة بها في احد المذاهب ام لا وما مثالها وهل من يقرأ بها في غير الصلاة للتعبد يثاب عليها ام لا فان لم تصح الصلاة بها ولم يؤجر قارئها فما معنى كونها قراءة شاذة وهل يترتب عليها حكم شرعى ام لا.
(فأجابنا عليه) شيخ القراء المذكور بقوله: القراءات المتواترة هي كل قراءة صح سندها بنقل جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من البداءة إلى المنتهى ووافقت العربية مطلقا ووافقت احد المصاحف العثمانية ولو تقديرا، والذى جمع في زماننا هذه الاركان الثلاثة
стр. 118
هو قراءة الائمة العشرة (١) - نافع، وابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر وعاصم، وحمزة، والكسائي، وابو جعفر، ويعقوب، وخلف - أخذها الخلف عن السلف إلى أن وصلت الينا فقراءة احدهم كقراءة باقيهم في كونها مقطوعا بها..الخ ما أجابنا به شيخ القراء حفظه الله تعالى. اه
وقد اكتفينا بهذه النبذة من اجابته على سؤالنا المذكور المتشعب بيانا للقراءات المتواترة ولم نذكر بقية الاجابة خوفا من التطويل مع انها نافعة قيمة كيف لا وهى صادرة من علامة محقق اكثر الله من امثاله ولما كان في الاجابة بعض جمل تحتاج لزيادة الايضاح رأينا أن نعقب عليها بشرح مختصر نقلناه من كتاب عنوان البيان في علوم التبيان وهو منقول عن الامام ابن الجزرى رحمه الله تعالى فنقول: " قوله ووافقت العربية مطلقا " أي ولو بوجه من وجوه النحو سواء كان أفصح ام فصيحا مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الائمة بالاسناد الصحيح إذ هو الاصل الاعظم والركن الاقوم وكم من قراءة انكرها بعض اهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر انكارهم كإسكان بارئكم ويأمركم وخفض الارحام والفصل بين المضافين في مثل " قتل أولادهم شركائهم "
стр. 119
فإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة لان القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها.
" وقوله ووافقت احد المصاحف العثمانية " يعنى ما كان ثابتا في
بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر قالوا اتخذ الله ولدا في البقرة من غير واو وبالزبر وبالكتاب المنير بزيادة الباء في الاسمين فأن ذلك ثابت في المصحف الشامي فان لم يكن في شئ من المصاحف العثمانية فشاذ لمخالفته الرسم المجمع عليه.
" وقوله ولو تقديرا " كملك يوم الدين فأنه كتب في الجميع بلا ألف فقراءته بالالف توافقه تقديرا لحذفها في الخط اختصارا وقد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا نحو تعلمون بالتاء والياء ويغفر لكم بالياء والنون ونحو ذلك مما يدل تجرده عن النقط والشكل في حذفه واثباته على فضل عظم الصحابة رضى الله عنهم في علم الهجاء خاصة وفهم ثاقب في تحقيق كل علم اه من كتاب عنوان البيان للعلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف العدوى رحمه الله تعالى.
ولقد طلبنا من الاستاذ الجليل مرجع القراء وعمدتهم عندنا بمكة المشرفة الشيخ احمد بن محمد التيجى حفظه الله وأطال عمره ايضاح ما ذكر من اسكان بارئكم ويأمركم وخفض الارحام والفصل بين المضافين
стр. 120
في مثل قتل أولادهم شركائهم (فأجابنا بما يأتي) : إن أبا عمرو بن العلاء احد أئمة القراء يقرأ كلمة " بارئكم " من قوله تعالى " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم " باسكان الهمزة تخفيفا - ويقرأ كلمتي " يأمركم ويأمرهم " من قوله تعالى " ان الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها " ومن قوله تعالى " يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات " باسكان الراء في الكلمتين للتخفيف - وإن حمزة أحد
أئمة القراء يقرأ كلمة " والارحام " من قوله تعالى " واتقوا الله الذى تساءلون به والارحام " بكسر الميم عطفا على الضمير المجرور.
وأما قوله تعالى " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " بسوره الانعام فيقرأ ابن عامر أحد أئمة القراء زين بضم الزاى فعل مجهول، وقتل بضم اللام نائب فاعل، وأولادهم بفتح الدال مفعول للمصدر، وشركائهم بكسر الهمزة مضاف إليه وقتل هو المضاف وقد فصل بينهما بأولادهم - والفصل بين المضاف والمضاف إليه لا يجوز عند اكثر النحويين الا في الشعر لان المضاف إليه بمنزلة جزء المضاف كما لا يجوز عندهم اسكان الهمزة من قوله تعالى فتوبوا إلى بارئكم وهو اسم مجرور واسكان الراء من قوله تعالى ان الله
стр. 121
يأمركم وهو فعل مضارع مرفوع.
ولكن ثبوت القراءة بما ذكر عن هؤلاء الائمة مقدم على القواعد النحوية فالقراءة هي الاصل المعتبر اه قول الشيخ التيجى ادام الله النفع به.
(والسؤال الرابع) هل يجوز اتلاف المصاحف المطبوعة على غير رسم المصحف العثماني ام لا وهل لها حرمة ام لا.
(فأجابنا عليه) شيخ القراء المذكور بقوله: إذا كان في المصحف المطبوع كلمات رسمت على خلاف الرسم العثماني المشهور وكانت هذه الكلمات مما يترتب على رسمها كذلك اخلال بحكم من احكام تلاوة القرآن كوصل ما اثر عن الرسم العثماني قطعه وعكسه أو كرسم هاء التأنيث التى يقتضى الرسم العثماني رسمها بالتاء هاء فخشية ان يتسرب التحريف إلى اللفظ الشريف يتعين اتلاف ذلك المصحف إذا تعذر
اصلاحه، اما إذا كانت تلك الكلمات مما لا يترتب على رسمها كذلك اخلال بحكم من احكام اللفظ كاثبات بعض الالفات أو الياءات أو الواوات المحذوفات في الرسم العثماني لقصد الا ختصار فلا بأس ببقائه واحترامه تبعا لما جرى عليه بعض متأخرى المشارقة من الترخيص باثباتها تيسيرا على العامة وتنزيلا لها منزلة الضبط لانها تؤدي ما يؤديه ولم أر في ذلك نصا يعتد به، وهل تعد هذه الاحرف من القرآن
стр. 122
أولا، الظاهر من عمل العادين أن منهم من عدها مراعاة للفظ ومنهم من أسقطها مراعاة للخط العثماني وهذا أولى وأحوط محافظة على المرسوم وخشية ان يزاد في القرآن ما ليس منه.
انتهت الاسئلة الاربعة والاجابة عليها.
فخلاصة ما تقدم: ان الواجب علينا اتباع رسم المصحف العثماني وتقليد أئمة القراءات خصوصا علماء الرسم منهم والرجوع إلى دواوينهم العظام كالمقنع لابي عمر والدانى والعقيلة للشاطبي فان أئمة القراءات المتقدمين قد حصروا مرسوم القرآن الكريم كلمة كلمة على هيئة ما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية ونقولوا ذلك بالسند المتصل عن الثقاة العدول الذين شاهدوا تلك المصاحف.
هذا وقد بحثنا كثيرا في دور الكتب " الكتبخانات " بالحجاز ومصر عن نفس المصاحف العثمانية فلم نقف على خبر موثوق نطمئن إليه بوجودها.
ولقد جاء في خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى للسمهودي انه في الحريق الاول الذى حصل للمسجد النبوى سنة ستمائة واربع وخمسين
للهجرة كان من جملة ما احترق الكتب والمصاحف ولم يسلم من الحريق سوى بعض اشياء منها المصحف الشريف العثماني..الخ - فعلى هذا
стр. 123
كان المصحف العثماني موجود ابالحرم النبوى بالمدينة المنورة إلى التاريخ المذكور ثم لا يعلم احد أين ذهب، ويقول بعض من نعاصرهم انه كان موجود بالمدينة المنوره إلى ان خرج الاتراك من الحجاز عام ألف وثلاثمائة واربع وثلاثين وانه ربما نقل إلى الاستانة.
ولقد رأينا في " مجلة الدنيا وكل شئ " التى تصدر بمصر في كل اسبوع مرة واحدة بتاريخ ٢٨ جمادى الثانية عام ١٣٥٧ هـ الموافق ٢٤ أغسطس عام ١٩٣٨ - ان حكومة المانيا ستعيد في ستة اشهر من تنفيذ المعاهدة الحالية إلى حكومة ملك الحجاز النسخة الاصلية لمصحف الخليفة عثمان بن عفان رضى الله عنه والتى اخذت من المدينة المنورة بواسطة القوات الاتراك وثبت انها سلمت للامبراطور السابق غليوم الثاني هذا ما وقفنا عليه في هذا الشأن.
فوائد اتباع الرسم العثماني اعلم ان في اتباع الرسم العثماني جملة فوائد (منها) وقوف الناس على كيفية كتابة المصاحف في ابتداء الامر (ومنها) النص على بعض اللغات الفصيحة ككتابة هاء التأنيث تاء على لغة طئ وكحذف ياء يوم يأت لا تكلم نفس على لغة هذيل (ومنها) افادة المعاني بالقطع والوصل في بعض الكلمات نحو " أم من يكون عليهم عليهم وكيلا "
стр. 124
فان قطع أم عن من يفيد معنى بل دون وصلها بها (ومنها) أخذ القراءات
المختلفة من اللفظ المرسوم برسم واحد نحو " وما يخدعون الا أنفسهم " فلو كتبت وما يخادعون لفاتت قراءة وما يخدعون ومنها عدم الاهتداء إلى تلاوته على حقه الا بالتلقى شأن كل علم نفيس يتحفظ عليه.
اه من اجابة مشيخة المقارئ المصرية لاسئلتنا الرد على الافرنج (القائلين باستنباط القراءات من الرسم) يقول بعض المستشرقين من الافرنج أمثال جولد زيهر اليهودي ونولدكة الالماني المولود عام ١٨٣٦ م (١) ان رسم المصحف هو الاصل وان القراءات تابعة له نشأت عن عدم وجود الشكل والنقط أي " الحركات والاعجام " في الحروف والكلمات ايام الصحابة فنحن نرد هنا على قولهم هذا بالبرهان قاطع حتى لا يتوهم ذلك أحد من المسلمين
стр. 125
وأنى لهؤلاء الافرنج أن يفهموا كلام رب العالمين وشريعة خاتم النبين محمد ﷺ وهم قد كفروا به.
ولئن استمعنا إلى فلسفتهم وآرائهم في بعض المواضيع، لا نسمح لهم أن يتناولوا الابحاث الدينيه الاسلاميه ويخوضوا في المسائل الدقيقة المهمة - على اننا لا ننكر للغربين نظرياتهم الصائبة في بعض النواحى التاريخية، واستكشافاتهم
العظيمة للاثار العمرانية، ومخترعاتهم الهائلة في المصالح الحيوية - وانما ننكر عليهم الخوض في الابحاث الدينية الاسلامية لانها غير مبنية على التصورات العقلية والتخيلات الفكرية بل انها مبنية على قول الله ﵎ وعلى سنة نبينا العربي الكريم محمد ﷺ وهم لا يؤمنون بكتاب الله، ولا يقرون برسالة نبينا، ولا يعرفون من اللغة العربية ودقائقها ما يعرفه اهلها - فمن الانصاف والعدل أن يرجعوا إلى كبار علمائنا الاعلام فيما يشكل عليهم من الامور إذا ما أرادوا الوصول إلى الحقيقة.
واليك فساد رأيهم في بحث القراءات: اعلم اننا لو اخذنا بقولهم هذا للزم ان الصحابة والتابعين هم الذين استنبطوا هذه القراءات من رسم المصحف العثماني، فعليه يكون قد تطرق التحريف والتبديل في القرآن العظيم وهذا مستحيل بصريح قوله تعالى " انا نحن نزلنا الذكر واناله لحافظون " وقوله ﷻ " وانه لكتاب عزيز لا يأتيه
стр. 126
الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد " وحاشا لله ان يتهاون الصحابة أو يعلموا برأيهم في أمر من أمور الدين فضلا عن القرآن الكريم الذي هو اساس الدين الاسلامي الحنيف، وانما هم تلقوه عن رسول الله ﷺ مشافهة وسماعا كلمة كلمة وآية آية وسورة سورة بالقراءات التى تدخل في معنى حديث " ان هذا القرآن انزل على سبعة احرف فاقرؤا ما تيسر منه ".
ولقد وصل الينا القرآن المجيد من رسول الله ﷺ بالتواتر القطعي والاسناد الصحيح عن الثقاة العدول والعلماء الفحول طبقة بعد طبقة فالقراءات مأخوذة من النبي ﷺ مشافهة وسماعا وليست مستخرجة
من رسم المصحف بل الرسم تابع لها مبنى عليها واى دليل اعظم على هذا مما وقع لعمر بن الخطاب مع هشام ابن حكيم حينما سمعه يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة لا يعرفها عمر، ومما وقع لابي بن كعب في المسجد مع الرجليين اللذين قرأ كل منهما سورة النحل في الصلاة بقراءة تخالف قراءة أبى.
ومما وقع لعبد الله بن مسعود مع رجل سمعه بقرأ قراءة تخالف قراءته ومما وقع كذلك مع غير هؤلاء، فيحتكمون إلى رسول الله ﷺ فيقر كلا منهم على قراءته ويقول " إن هذا القرآن انزل على سبعة احرف
стр. 127
فاقرؤا ما تيسر منه " وتفصيل ما وقع لهؤلاء الصحابة الاجلاء مذكور في الفصل الخامس في نزول القرآن على سبعة احرف فراجعه.
ولقد أنعمنا النظر فوجدنا انه لا يمكن اخذ القراءات من رسم المصحف العثماني إذ الرسم لم يوضع للدلالة على شئ منها، وما جاء من قراءة بعض الكلمات بالغيبة والخطاب أو بالرفع والنصب انما هو بالتلقى والاخذ من رسول الله ﷺ لا لاحتمال ذلك من صورة الرسم الخالية من النقط والتشكيل في ذلك الزمن واليك بيان ذلك ليتضح لك ما ذكرناه فمثلا قول الله تعالى " أم تقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط.." (١) قرئ ام يقولون بالغيبة وأم تقولون بالخطاب، وقوله تعالى " وما الله بغافل عما يعملون ولئن أتيت.." (٢) قرئ يعملون بالغيبة وبالخطاب وقوله تعالى " والله بصير بما يعملون قل من كان.." (٣) قرئ بالغيبة وبالخطاب، وقوله " ومن تطوع خيرا.." (٤) قرئ بالغيبة وبالخطاب.
كل ذلك كان بالتلقى من النبي ﷺ لا من رسم المصحف الذى يحتمل القراءة بالياء والتاء لعدم وجود النقط فيه فلو كان كذلك لقرئ
стр. 128
قوله تعالى " ولا تنفعها شفاعة ولاهم.." (١) بالياء والتاء مع انه ما قرئ الا بتاء التأنيث فقط، بخلاف قوله تعالى " ولا يقبل منها شفاعة.." (٢) فقد قرئ بالياء والتاء.
وقول الله تعالى " فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب " (٣) قرئ يعقوب بالنصب والرفع، وقوله تعالى " ولا تسأل عن اصحاب الجحيم ولن ترضى عنك.." (٤) قرئ ولا تسأل بالرفع والجزم، وقوله تعالى " واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى " (٥) قرئ بكسر الخاء وفتحها، وقوله تعالى " فامتعه قليلا.." (٦) قرئ بالتشديد والتخفيف، وقوله تعالى " ولكن البر من آمن بالله.." (٧) قرئ بتشديد ولكن ونصب البر وقرئ بتخفيف ولكن ورفع البر.
كل ذلك كان بالتلقى من النبي ﷺ لامن رسم المصحف الذى يحتمل القراءة بالرفع والنصب أو بالكسر والجزم لعدم وجود الحركات في المصحف في ذلك الزمن، فلو كان كذلك لقرئ قوله تعالى " إذا قضى
стр. 129
أمرا فانما يقول له كن فيكون " (١) بنصب فيكون مع انه ما قرئ الا بالرفع فقط، بخلاف قوله تعالى " انما امره إذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون " (٢) فقد قرئ فيكون بالرفع وبالنصب.
ثم انه ما كل كلمة رسمت في المصحف العثماني لتدل على القراءات لكن احيانا توافق القراءات الرسم نحو: تعلمون بالتاء والياء ويغفر لكم بالياء والنون، وفاكهين وفكهين، وأسرى وأسارى، وتفادوهم وتفدوهم.
وأحيانا تقرأ الكلمة بجملة وجوه بينما الرسم لا يدل على كل ذلك نحو كلمة " جبريل " فقد قرئت بكسر الجيم وفتحها، وقرئت جبرءيل بفتح الجيم والراء وبعدها همزة مكسورة ممدودة، وقرئت جبرءل بفتح الجيم ولراء وبعدها همزة مكسورة غير ممدوده، وكلمة " ميكال " قرئت بلا همز وقرئت ميكاءيل بهمزة مكسورة ممدودة وقرئت ميكاءل بهمزة مكسورة غير ممدودة.
واحيانا لا يرمز الرسم إلى شئ من القراءات وان خالف قواعد الاملاء نحو: لااذبحنه، ولا تقولن لشائ وجائ يومئذ بجهنم
стр. 130
بزيادة ألف في الكلمات الثلاث - ونحو: والسماء بنيناها بأييد، وبأييكم المفتون، بزيادة ياء فيهما - ونحو: سبحن الله، وسليمن واسحق، وجاءو، وفاءو بحذف الالف المد منها.
فهذه الكلمات ونحوها ليس فيها غير قراءة واحدة وهى التى نقرؤها اليوم وان جاء رسمها
على خلاف القاعدة (١) فعلم مما ذكرناه ان القراءات هي الاصل وان الرسم تبع لها لا كما يقول المستشرقون من الافرنج انها ناشئة من الرسم وتابعة له ولا نعتقد انه يوجد مسلم على وجه الارض يأخذ بآرائهم المبنية على التخيلات ويترك اقوال ائمة المسلمين وعلمائهم المستندة إلى الكتاب والسنة.
الفصل الخامس (في معرفة الصحابة لقواعد الاملاء والكتابة)
يعتقد كثير من الناس ان الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يعرفون قواعد الاملاء واصول الكتابة ويستدلون على هذا برسم
стр. 131
المصحف العثماني حتى ابن خلدون يقول بهذا في مقدمته، على انهم لو قالوا ان الكتابة لم تكن منتشرة فيهم لكان أولى من نسبتهم إلى جهل اصولها وقواعدها مع انها ما وصلت الينا الا منهم.
ونحن نعتقد اعتقادا جازما بأن الصحابة كانوا يعرفون قواعد الاملاء والكتابة حق المعرفة (١) ونستدل على قولنا هذا استدلالا فنيا بثلاثة امور (الامر الاول) قال الالوسى في تفسيره روح المعاني ما نصه: والظاهر ان الصحابة كانوا متقنين رسم الخط عارفين ما يقتصى ان يكتب وما يقتضى ان لا يكتب وما يقتضى ان يوصل وما يقتضى ان لا يوصل إلى غير ذلك لكن خالفوا القواعد في بعض المواضع لحكمة اه
قوله في بعض المواضع أي من القرآن الكريم ورسم كلماته فالآلوسي وهو العالم المتبحر وصاحب التفسير الكبير لا يقول هذا الا بعد النظر والتحقيق وان لم يذكر الشواهد التى تؤيد قوله.
(الامر الثاني) مما لا يخفى على أحد ان الصحابة كانوا يراسلون الملوك والامراء في مهمات الامور وكانوا يكتبون فيما بينهم العقود
стр. 132
والمستندات من بيع وشراء وضمان وعطاء، فلو كتبوا هذه الامور على غير قواعد الاملاء والكتابة لادى ذلك إلى الالتباس والخطأ في فهم مرادهم مع ان الحروف والكلمات ما وضعت الا لتدل على الكلام الملفوظ (١) فان اختفلت كتابته اختلف اللفظ فاختلف المعنى فاختلط الامر عليهم.
واى دليل اعظم على نباهة العرب قبل اختراع الحركات " التشكيل " من تفرقتهم في الكتابة بين عمر وبين عمرو بزيادة الواو في الاسم الا خير لئلا يحصل لبس واشتباه، فلو تأملت لم اختاروا الواو علامة للتفرقة بين الاسمين دون غيرها من الاحرف الهجائية لظهر لك ذكاؤهم المفرط وقوة تفكيرهم في ذلك.
على أن بعض كتاباتهم وخطوطهم لا زالت محفوظة لدينا ففى دار الكتب العربية بمصر يوجد كثير من كتابة القرن الاول والقرون التى تليه على الاحجار والجلود والاوراق البردية (٢) ، وقد شاهدناها
стр. 133
بأنفسنا حين اقامتنا بها (١) وقرأناها فلم نجد فيها خطأ املائيا ولا غلطة كتابية وكنا نرغب أن نضع هنا صورة صحيفة من القرآن الكريم المكتوب في عهد الصحابة ورسم شئ من خطوطهم غير ان ظروف الحالة لم تساعدنا على ذلك لكن وضعناها في كتابنا تاريخ الخط العربي وآدابه فراجعه ان شئت ولا نذهب بك بعيدا فهذه جبال الحجاز كم توجد في صخورها واحجارها من كتابات الصحابة وخطوطهم خصوصا في المدينة المنورة ومكة المشرفة والطائف المأنوس، ولقد وقفنا عليها في هذه الاماكن فعجبنا من حسن خطها وصحة كتابتها وتحقيق حروفها قد كتبت بأنواع متعددة من الخط الكوفى نرجو الله ان يحفظها من التلف فان كثيرا من الكتابات على الصخور لم يبق لها أثر لان الناس يكسرونها إلى قطع لبناء البيوت (٢) كما شاهدنا في صخور بعض الشعاب والجبال من الكتابات التى يرجع عهدها إلى ما قبل الاسلام وغالبا هي
стр. 134
مكتوبة بالحروف الحميرية أو المسند فاننا لم نتحقق من ذلك لانه يحتاج إلى التخصص والفراغ التام وقد استنتجنا من رؤيتنا لها ان هذه الاماكن التى هي بين الجبال كانت في يوم من الايام مساكن لاقوام نزلوا بها ولا يبعد أن يعثر الباحث بين هذه الجبال على كهوف وغيران تحتفظ في زواياها على آثارهم وكنوزهم كما رأى بعضهم ذلك (١)
стр. 135
(الامر الثالث) ان الخط الكوفى وصل إلى الحجاز من اهل الحيرة والانبار (وهما من مدن العراق) ووصل اليهما من طارئ طرأ عليهم من اليمن، فالصحابة رضى الله عنهم كانوا يكتبون بالخط الكوفى الذى هو فرع من الخط الحميرى العربي القديم الذى كان منتشرا باليمن وليس من المعقول ان الخط الحميرى الذى هو اساس الخط العربي لا يكون له اصول وقواعد معروفة، بل ان للخطوط التى هي اقدم من الخط الحميرى بآلاف السنين قواعد تامة لا تخفى على من تخصص بفك طلاسمها وترجمتها في وقتنا الحاضر وذلك كالخط الهير وغليفى بانواعه الثلاثة والفينيقى والآشوري والسرياني.
ولقد اجمع المؤرخون على ان اول من ادخل الكتابة إلى مكة المشرفة حرب بن أمية (١) بن عبد شمس بن مناف القرشى وهو تعلمها
стр. 136
في أسفاره من عدة اشخاص منهم بشر بن عبد الملك (١) ثم تعلم منهما
جماعة من قريش بمكة.
стр. 137
اما المدينة فقد ذكروا ان رسول الله ﷺ دخلها وكان فيها يهودى
من يهود ما سكة يعلم الصبيان الكتابة وكان فيها بضعة عشر رجلا يعرفونها منهم زيد بن ثابت وكان يكتب العربية والسريانية ثم انتشرت الكتابة بالمدينة اكثر من انتشارها بمكة بتحريض النبي ﷺ فقد روى انه امر عبد الله بن سعيد بن العاص ان يعلم الناس الكتابة، وجاء عن عبادة بن الصامت قال علمت ناسا من اهل الصفة الكتابة والقرآن ولقد جعل المسلمون فدية الكاتب من اسارى غزوة بدر الكبرى تعليم عشرة من صبيان المدينة وبذلك كثر التعلمون حتى بلغ عدد كتابه ﷺ نحو اربعين رجلا.
ومن بدء الهجره إلى أمر عثمان رضى الله عنه بجمع القرآن يكون قد مر ربع قرن أفلا يكون التعليم منتشرا في هذه المده - فهل بعد هذا نقول ان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ما كانوا يعرفون قواعد الكتابة والاملاء، ومن اراد زياده الايضاح عن دخول الخط في الحجاز فعليه بمراجعة كتابنا تاريخ الخط العربي وآدابه وهو مطبوع بمصر.
(فان قيل) حيث ثبت انهم كانوا يعرفون قواعد الكتابة فلم اضطربوا في كتابة بعض الكلمات في المصحف العثماني (نقول) ان هذا الامر هو اللغز الذى جعل الافكار حائرة، لم تهد إلى حله فحول
стр. 138
العلماء وكبار العقلاء ومن هنا نسبوا إلى الصحابة الجهل بقواعد الكتابة فلو نظروا إلى كتاباتهم العامة المتداولة بينهم لما نسبوا ذلك إليهم (وان قيل) ان قواعد الاملاء والنحو والصرف وضعها علماء الكوفة وعلماء البصرة (١) (نقول) نحن لا ننكر ذلك ولكن ليس المعنى انهم اخترعوا تلك القواعد من عند انفسهم كلا، وانما وضعوا نصب اعينهم
لغة العرب وكتاباتهم فبنوا عليها قواعدهم واستنتجوها منها حتى يكون النطق مطابقا لنطقهم والكتابة موافقة لكتاباتهم، فالقواعد دائرة على لغة العرب وكتابتهم لا العكس.
والحقيقة ان قواعد كتاباتنا وشكل خطوطنا مأخودة عن العرب الاقدمين، ومهما تعددت انواعها وتطورت صورها فالاصل واحد لم يتغير، ولو أردنا بسط هذا الكلام بحسب فن الخطوط لخرجنا عن الموضوع الذي نحن بصدده، فتأمل ما ذكرناه لك جيدا فانه مبحث
стр. 139
نفيس لا تجده في غير كتابنا هذا والله الموفق للصواب.
فهل بعد هذه الادلة ننسب إلى الصحابة الجهل بقواعد الكتابة والاملاء حاشاهم من ذلك وهم أنجم الهدى وأئمة الدين واللغة والكتابة (ومن اللطائف) المناسبة لهذا المقام: ما يروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه لقى اعرابيا فسأله هل تحسن القراءة قال نعم فقال اقرأ بأم القرآن فقال الاعرابي والله ما احسن البنات فكيف الام فضربه عمر بالدرة (بكسر الدال وتشديد الراء هي السوط) وأسلمه إلى الكتاب ليتعلم فمكث فيه حينا ثم هرب فلما رجع لاهله أنشدهم
أتيت مهاجرين فعلموني * ثلاثة اسطر متتابعات كتاب الله في رق صحيح * وآيات القران مفصلات وخطوا لى أبا جاد وقالوا * تعلم سعفصا وقريشات وما أنا والكتابة والتهجى * وما خط البنين مع البنات وفي عنوان البيان: ان أول من جمع الاولاد في المكتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأمر عامر بن عبد الله الخزاعى ان يلازمهم للتعليم وجعل رزقه من بيت المال وأمره ان يكتب للبليد في اللوح ويلقن الفهيم من غير كتب وسألوه تخفيف التعليم فأمر المعلم بالجلوس بعد صلاة الصبح إلى الضحى العالي ومن صلاة الظهر إلى صلاة العصر ويستريحون
стр. 140
بقية النهار، ولما خرج رضى الله عنه إلى الشام عام فتحها ومكث شهرا ثم رجع إلى المدينة وقد استوحش الناس منه فخرجوا للقائه تلقاه الصغار على مسيرة يوم وكان ذلك يوم الخميس فباتوا معه ورجع بهم يوم الجمعة فتعبوا في خروجهم ورجوعهم فشرع لهم الاستراحة في اليومين المذكورين فصار ذلك سنة متبعة ودعا بالخير لمن احيا هذه السنة - انظر الفواكه الدوانى على رسالة ابى زيد القيرواني - اه من عنوان البيان
الباب الرابع
(وفيه فصلان)
(الفصل الاول * فيما لو كتبنا القرآن الكريم بقواعد كتاباتنا)
يقول بعض المتعلمين لو كان نسخ القرآن وطبعه بقواعد كتابتنا لكان أولى واحسن من الرسم العثماني - وكما سبق انه لا يجوز ذلك باجماع الائمة والعلماء فاننا نبين في هذا الفصل ما يترتب على قولهم هذا فنقول
اننا لو كتبنا القرآن على طريقتنا المألوفة لادى ذلك إلى ذهاب شئ من وجوه القراءات، إذ من القواعد المقررة عند الائمة أن الوقف الاختباري على كلمات القرآن يتبع الرسم العثماني، والوقف الاختباري بالباء الموحدة كما تقدم: هو اختبار القارئ ليعلم كيف يقف على رسم المصحف العثماني من مقطوع وموصول وثابت ومحذوف وتاء تأنيث لم تكتب بهاء.
стр. 141
فمثلا ان كلمة " الضعفاء " مرسومة في المصحف العثماني بصورتين (الصورة الاولى) كما تراها بألف بعد الفاء ثم همزة على السطر، فهذه وما رسم مثلها لا اختلاف بين أئمة القراءات (١) في الوقف عليها بالهمز تبعا للرسم ما عدا حمزة وهشام فيقفان عليها بالالف ولا ينظران إلى الهمز (٢) (الصورة الثانية) هكذا " الضعفؤا " بحذف ألف المد من الفاء ووضع الهمزة على واو وألف بعدها فهذه وما رسم مثلها بالواو أو ما رسم بالياء نحو " أو من وراءى حجاب " يقفون عليها بالهمز
стр. 142
ولا ينظرون إلى زيادة الواو أو الياء في الرسم ما عدا حمزة وهشام فانهما يقفان على ما رسم بالواو باثنى عشر وجها خمسة منها على القياس وسبعة على الرسم ويقفان على ما رسم بالياء بابدال الهمز ألفا بخمسة أوجه على الوجه القياسي وبأربعة أوجه على الرسمي ويعلم كل ذلك من علماء القراءات.
وان كلمة " الملا " مرسومة بصورتين (الصورة الاولى) كما تراها بوضع الهمزة على الالف فهذه وما رسم مثلها لا اختلاف بين القراء في الوقف عليها بالهمز تبعا للرسم ما عدا حمزة وهشام فيقفان بابدال الهمز ألفا ولهما روم حركة الهمزة فقط (والصورة الثانية) هكذا " الملؤا " بهمزة على واو وألف بعدها فيقفون عليها بالهمز ولا ينظرون إلى زيادة الواو بخلاف حمزة وهشام فانهما يقفان عليها بالوجهين المتقدمين ولهما الوقف بالواو فيقولون " الملوا " ولهما الروم والاشمام (١) وان كلمة " رحمت " المرسومة احيانا بالتاء واحيانا بالهاء فبعضهم يقف على التاء بحسب الرسم وبعضهم على الهاء بحسب الاصل ومثلها كل كلمة تشابهها نحو " نعمت، وسنت، وامرأت "
стр. 143
وان كلمة " ابراهيم " التى رسمت في البقرة هكذا " ابرهم " فقد قرأها ابن عامر ابراهام وقد ورد في غير البقرة قراءة ابراهيم ابراهام أيضا وذلك في بعض المواضع التى بينها الامام الشاطبي رحمه الله تعالى.
وان كلمة " ننج " في آية " كذلك حقا علينا ننج المؤمنين " بيونس مرسومة بحذف الياء من الجيم بالاتفاق ولذا وقف كل القراء عليها بحذف الياء تبعا للرسم ما عدا يعقوب فانه يقف باثباتها للدلالة على الاصل.
وان كلمة " لكنا " في آية " لكنا هو الله ربى " بالكهف مرسومة بالالف وهى تحذف وصلا عند جميع القراء بخلاف ابن عامر فانه يمدها، أما في الوقف فانهم يقفون عليها بالالف بالاتفاق حسب الرسم وان كلمة " يخدعون " من آية " يخدعون الله والذين آمنوا " لو رسمت بالالف هكذا " يخادعون " لفاتت قراءة يخدعون.
وان لفظ " كلمة " المرسوم بالتاء من آية " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا " لو رسمت بالالف على قراءة الجمع هكذا " كلمات " لفاتت قراءة الافراد ولذلك رسموها بالتاء بدل الهاء.
أما الكلمات التى ترسم أحيانا متصلة وأحيانا منفصلة نحو: أن لا وأن لو، وبئسما، وعما، وكيلا - فالوقف على الحرف الاخير بالاتفاق
стр. 144
إن كانت متصلة، وعلى الحرف الاول أو الثاني إن كانت منفصلة أي يكون القارئ مخيرا في ذلك اه ذكرنا هذه الاوجه من القراءات نقلا عن الشيخ احمد التيجى بمدرسة الفلاح بمكه حفظه الله والامثلة المذكورة تكفى اللبيب وتغنى عن التطويل والحافظ
للقرآن الكريم بجميع القراءات يعرف مالا يعرفه غيره في هذا الموضوع، فإذا فهمت ما شرحناه هنا ظهر لك خطورة نسخ القرآن العظيم بقواعد كتابتنا المألوفة نعم إذا كتبنا نحو هذه الكلمات المرسومة في المصحف العثماني هكذا: " رب العلمين، الرءيا، اسمعيل، اليل مال هذا الرسول، هذا غلم، لاذبحنه، ولا تقولن لشائ أرءيت الذى، وألو استقموا " بحسب قواعد كتاباتنا هكذا " رب العالمين، الرؤيا، اسماعيل الليل، ما لهذا الرسول، هذا غلام لاذبحنه، ولا تقولن لشئ، أرأيت الذى، وأن لو استقاموا " لا بأس به إذ لا يضر هذا التعديل البسيط ولا يحصل به اخلال بحكم من احكام التلاوة - لكن لم يجوز أحد من الائمة والعلماء مخالفة الرسم العثماني في نسخ المصحف وطبعه مطلقا ضر أو لم يضر ولم يستثنوا من هذا الحكم شيئا من الكلمات.
стр. 145
الفصل الثاني (فيما لو اتبعنا رسم المصحف العثماني في كتاباتنا)
لا يمكن لنا أن نتبع رسم المصحف العثماني في كتاباتنا العامة لان مرسومه لا قاعدة له، فالصحابة رضى الله عنهم ما مشوا في كتابته على وتيرة واحدة، فأحيانا يكتبون الكلمة في موضع بشكل واحيانا يكتبونها في موضع بشكل آخر، ولهذا قالوا " خط المصحف لا يقاس عليه ".
نعم رسموا بعض كلمات في جميع القرآن على صورة واحدة وذلك نحو " الملئكة، الانسن، الشيطن، سلطن، الصرط، العلمين أسطير، هذا ذلك، هؤلاء أولوا أولئك " فانهم حذفوا ألف المد من هذه الكلمات وزادوا واوا في أولوا وأولئك.
ونحن نتبعهم في كتابة الكلمات الخمسة الاخيرة على ما رسموا غير أننا نحذف الالف من آخر كلمة اولو، واما في المصحف فبالالف هكذا أولوا.
ولنذكر لك طائفة من الكلمات المتماثلة لفظا المتباينة رسما في هذا الجدول الثاني ليتضح لك ما ذكرناه من ان مرسومه لا قاعدة له.