Полный текст (582 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فَوقَكُم الطورَ خُذُوا" يقول: "فَقلنا لَكُم": "خُذُوا". كما تقول: "أَوْحَيتُ إليْهِ: قُمْ" كأنه يقول: "أَوْحَيْتُ إلَيْهِ فقلتُ له: "قُمْ "وكان في قولك [٤٦] : "أَوْحَيْتُ إلَيْهِ" دليل على أَنَّكَ قد قلت له.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾
أما قوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ يقول: "ولَقَد عَرَفْتُمْ" كما تقول: "لقد علِمت زَيْداً وَلَمْ أَكُنْ أَعلَمُه". وقال ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يقول: "يَعْرِفُهُم". وقال ﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ أي: لا تَعْرِفُهم نَحْنُ نَعْرِفهُم. واذا أردت العلم الآخر قلت: "قَدْ عَلِمْتُ زَيْداً ظريفاً" لانك تحدث عن ظرفه. فلو قلت: "قدْ عَلِمْتُ زَيْداً" لم يكن كلاما.
وأما قوله ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فلانك تقول: "خَسَأْتُهُ" "فَخَسِىءَ" "يَخْسَأُ خَسْأً شديدا" فـ"هُوَ خَاسِىءٌ" و"هُمْ خاسِئُون".
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾
أما قوله ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً﴾ فتكون على القردة، وتكون على العقوبة التي نزلت بهم فلذلك أُنّثَت.
стр. 107
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
أما قوله ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ فمن العرب والقراء من يثقله، ومنهم من يخففه وزعم عيسى بن عمر أنّ كلَ اسمٍ على ثلاثة أحرف أَوَّلُهُ مَضْموم فمن العرب من من يثقله ومنهم من يخففه نحو: "اليُسُر" [و "اليُسْر"] ، و"العُسُر" [و"العُسْر"] ، و"الرُحُم" [و "الرُحْم"] . وقال بعضهم ﴿عُذْراً﴾ خفيفة ﴿أونُذُراً﴾ مثقلة، وهي كثيرة وبها نقرأ. وهذه اللغة التي ذكرها عيسى بن عمر تحرك أيضاً ثانية بالضم.
﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ﴾
أما قوله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ [٤٦ب] وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ﴾ فارتفع ولم يصر نصبا كما ينتصب النفي لان هذه صفة في المعنى للبقرة. والنفي المنصوب لا يكون صفة من صفتها، انما هو اسم متبدأ وخبره
стр. 108
مضمر, وهذا مثل قولك: "عبدُ اللهُ لا قائمٌ ولا قاعدٌ" أدخلت "لا" للمعنى وتركت الاعراب على حاله لو لم يكن فيه "لا".
﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾
أماقوله ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ﴾ فـ"الفاقِعُ": الشديد الصفرة. ويقال: "أَبْيضُ يَقَقٌ": أي: شديدُ البياض، و "لِهاقٌ" و"لَهَقٌ" و"لَهاقٌ"، و"أَخَضَرُ ناضِرٌ" و"أَحْمَرُ قانِىءٌ" و"ناصِعٌ" و"فاقِمٌ". ويقال: "قَدْ قَنَأَتْ لِحْيَتُهُ" فَـ"هي "تَقْنَأُ قُنُوءا" أي: احمّرت. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الخامس والثمانون] :
............. * كَما قَنَأَتْ أَنامِلُ صاحِبِ الكَرْمِ
و"قاطِفُ الكَرْمِ". وقال آخر: [من الكامل وهو الشاهد السادس والثمانون] :
مِنْ خَمِرّ ذي نَطَفٍ أَغَنَّ كَأنَّما * قَنَأَتْ أَنامِلُهُ مِن الفِرْصادِ
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾
أما قوله ﴿إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [فـ] جعل "البَقَر" مذكرا مثل "التَمْر" و"البُسْر" كما تقول: "إنَّ زيداً
стр. 109
تَكَلَم يا فَتَى" وان شئت قلت (يَشّابهُ) وهي قراءة مجاهد. ذكّر "البقر" يريد ﴿يَتَشابَهُ﴾ ثم أدغم التاء في الشين. ومن أَنَّث البقَر" قال ﴿تَشّابَهُ﴾ فادغم، وان شاء حذف التاء الاخرة ورفع كما تقول [٤٧ء] "إنَّ هذِهِ تَكَلَّمُ يا فَتِى" لانها في "تَتَشابَهُ" احداهما تاء "تَفْعَلُ" والاخرى التي في "تَشابَهَتْ" فهو في التأنيث معناه "تَفْعَلُ". وفي التذكير معناه "فَعَلَ" و "فَعَلَ" أبدا مفتوح كما ذكرت لك والتاء محذوفة اذا أردت التأنيث لانك تريد "تَشابَهَتْ" فـ" هي "تَتشابهُ" وكذلك كل [ما كان] من نحو "البَقَرِ" ليس بين الواحد والجماعة [فيه] الا الهاء، فمن العرب من يذكره ومنهم من يؤنثه، ومنهم من يقول: "هي البُرُّ والشعير" وقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ فأنث على تلك اللغة وقال "باسقات" فجمع لان المعنى جماعة. وقال الله جل ثناؤه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ فذكر في لغة من يذكر وقال ﴿وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ فجمع على المعنى لان المعنى معنى سحابات. وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ على المعنى واللفظ.
وقد قال بعضهم:
стр. 110
﴿إنَّ الباقِرُ﴾ مثل "الجامِل" يعني "البَقَرَ" و"الجِمالَ" قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السابع والثمانون] :
مالِي رأيتُكَ بعد أَهْلِكَ مُوحِشا * خَلِقاً كَحَوْضِ الباقِرِ المُتَهَدِّمِ
وقال: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والثمانون]
[فَإِنْ تَكُ ذا شاءٍ كَثِيرٍ فإنَّهُمْ] * ذَوُو جامِلٍ لا يَهْدَأُ اللَّيْلَ سامِرُهُ
وأما قوله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [٤٧ب] ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [٧١] "مسلمة" على "إنَّها بَقَرَةٌ مُسَلَّمةٌ".
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾
﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ يقول: "لا وَشْيَ فيها" من "وَشَيْتُ شِيَةً" كما تقول: "وَدَيْتُه دِيَةً" و"وَعَدْتُهُ عِدَةً". واذا استأنفت (ألآن) قطعت الألفين جميعا لأن الألِفَ الأولى مثل ألف "الرَّجل" وتلْك تُقطع إذا استُؤنفت، والأُخرى همزة ثابتة تقول "ألآن" فتقطع ألف الوصل، ومنهم من يذهبها ويثبت الواو التي
стр. 111
في (قَالُوا) لأنَّه إنَّما كان يذهبها لسكون اللام، واللام قد تحرّكت لأنَّه قد حوّل عليها حركة الهمزة.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
أما قوله ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ فانما هي "فَتَدارَأْتُم" ولكن التاء تدغم احياناً كذا في الدال لان مخرجها من مخرجها. فلما أدغمت فيها حوّلت فجعلت دالا مثلها، وسكنّت فجعلوا الفاً قبلها حتى يصلوا الى الكلام بها كما قالوا: "اضرْب" فألحقوا الالف حين سكنت الضاد. الا ترى انك اذا استأنفت قلت "ادّارأتم" ومثلها ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ و ﴿تَذَّكَّرُونَ﴾ [و] ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ﴾ ومثله في القرآن كثير. وانما هو "يَتدَبَّرون" فأدغمت التاء في الدال لأن التاء قريبة المخرج من الدال، مخرج الدال بطرف اللسان وأطراف الثنيتين ومخرج التاء بطرف اللسان وأصول الثنيتين. فكل ما قرب مخرجه فافعل به هذا [٤٨ء] ولا تقل في "يَتَنَزَّلون": "يَنّزَّلون" لان النون ليست من حروف الثنايا كالتاء.
стр. 112
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
قال ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ وليس قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ كقولك: "هُوَ زيدٌ أو عمرو" إنّما هذه ﴿أَوْ﴾ التي في معنى الواو، نحو قولك: "نَحْنُ نأكُل البُرَّ أَوْ الشَعير أو الأُرُزَّ، كلَّ هذا نَأْكُلُ" فـ ﴿أَشَدُّ﴾ ترفع على خبر المبتدأ. وانما هو "وهي أشدُّ قَسْوَةً" وقال بعضهم ﴿فَهْيَ كالحِجارَةِ﴾ فأسكن الهاء وبعضهم يكسرها. وذلك ان لغة العرب في "هيَ" و"هَو" ولام الأمر اذا كان قبلهن واو أو فاء أسكنوا أوائلهن. ومنهم من يدعها. قال ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا اله إِلاَّ هُوَ﴾ [و] قال ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . [و] قال ﴿وَلْيتوبوا﴾ وقف وكسر. وقال ﴿فَلْيَعْبُدُواْ﴾ . وقف وكسر.
стр. 113
باب إِنَّ وأَنَّ.
قال ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ فهذه اللاّم لام التوكيد وهي منصوبة تقع على الاسم الذي تقع عليه "إنَّ" اذا كان بينها وبين "إِنَّ" حشو نحو هذا. [و] هو مثل: "إنَّ في الدارِ لَزَيْداً". وتقع أيضاً في خبر "إنَّ" وتصرف "إِنَّ" الى الابتداء، تقول: "أَشْهَدُ إنَّهُ لَظَريفٌ "قال الله ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ [٤٨ب] لَكَاذِبُونَ﴾ وقال ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ [٩] وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [١٠] إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ وهذا لو لم تكن فيه اللام كان "أَنَّ رَبَّهُمْ" لان "أنَّ" الثقيلة اذا كانت هي وما عملت فيه بمنزلة "ذاكَ" أوْ بمنزلة اسم فهي أبدا "أَنَّ" مفتوحة. وإنْ لم يحسن مكانها وما عملت فيه اسم فهي "إنَّ" على الابتداء. ألا ترى إلى قوله ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يقول: "اذْكُرُوا هذا" وقال ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ﴾ لانه يحسن في مكانه "لولا ذاكَ" وكل ما حسن فيه "ذاك" أنْ تجعله مكان "أنَّ" وما عملت فيه فهو "أَنَّ". واذا قلت ﴿يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ لم يحسن أَنْ تقول: "يَعْلَم لَذالِكَ". فان قلت: "اِطْرح اللام أَيضاً وقل "يُعْلَمُ ذَاكَ" فاللام ليست مما عملت فيه "إِنّ". واما قوله ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ فلم تنكسر هذه من اجل اللام [و] لو لم تكن فيها لكانت "إنَّ" أيْضاً لأَنَّهُ لا يحسن أَنْ تقول "ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إلاّ ذَاكَ" و"ذاكَ" هو القصة. قال الشاعر: [من المنسرح وهو الشاهد التاسع والثمانون] :
стр. 114
ما أَعْطيانِي وَلا سَألْتُهُما * إلاّ وإني لَحاجِزِي كَرَمي
فلو أُلْقِيَتْ من هذه اللامَ ايضاً لكانت "أَن". وقال ﴿ذالِكُمْ فَذُوقُوهُ [٤٩ء] وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ كأنه قال: "ذاكَ الأمْر" وهذا قوله ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ تقع في مكانه "هذا". وقال ﴿ذالِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ كأنه على جواب من قال: "ما الأَمْرُ"؟ أو نحو ذلك فيقول للذين يسألون: "ذلك م ... " كأنه قال: "ذلِكُمْ الأمرُ وأَنَّ اللهَ موهنُ كيدِ الكافرين" فحسن أن يقول: "ذلك م" و"هذا". وتضمر الخبر او تجعله خبر مضمر. وقال ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى﴾ ﴿وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى﴾ لانه يجوز ان تقول: "إنَّ لَكَ ذاكَ" و"هذا" وهذه الثلاثة الأحرفُ يجوز فيها كسر "إِنَّ" على الابتداء. ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ. . أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ فيجوز أن تقول: "فنادته الملائكة بِذاكَ" وان شئت رفعته على الحكاية كأنه يقول: "فنادَتْهُ الملائكةُ فَقالَتْ: "إِنَّ اللهُ يُبَشِّرُكَ" لأنَّ كُلَّ شيء بعدَ القولِ حكاية، تقول: "قُلْتُ: "عبدُ اللهِ مُنْطَلِقٌ"
стр. 115
وقلت: "إنَّ عبدَ اللهِ زيداً مُنْطَلِقٌ" إلاَّ في لُغَةِ من أعمل القول من العرب كعمل الظن فذاك ينبغي [له] أنْ يفتح "أَنَّ". وقال ﴿إِنَّ هَاذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فيزعمون أنَّ هذا "ولأنَّ هذهِ أمَّتَكُم أُمَّةٌ واحدةٌ وَأَنَا رَبُّكُّمْ فَاتَّقُونِ" يقول: "فَاتَّقُون لأَنَّ هذِهِ أُمَّتَكُمْ" [٤٩ب] وهذا يحسن فيه كذاك، فان قلت: "كيف تلحق اللام ولم تكن في الكلام". فان طرح اللام واشباهها من حروف الجرّ من "أَنَّ" حسن ألا تراه يقول "أَشْهد أَنَّك صادِقٌ" وإنَّما هو "أشهد على ذلك ". وقال ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ يقول: "فلا تدعوا مع الله
أحدا لأَنَّ المساجدَ لله"، وفي هذا الاعراب ضعف، لانه عمل فيه ما بعده، أضافه اليه بحرف الجر. ولو قلت "أنّكَ صالِحٌ بَلَغَنِي" لم يجز، وان جاز في ذلك. لأنَّ حرف الجر لما تقدم ضميره قوي. وقد قرىء مكسورا. قال بعضهم: "إنَّما هذا على ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ و"أُوحِيَ إليََّ أَنَّ المَساجِدَ لِلّهِ" و"أُوْحِي إليَّ أَنهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ". وقد قرىء ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ ففتح كل "أَنْ" يجوز فيه على الوحي.
وقال بعضهم ﴿وَإِنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ فكسروها من قول الجن.
стр. 116
فلما صار بعد القول صار حكاية وكذاك ما بعده مما هو من كلام الجن.
وأما "إنَّما" فاذا حسن مكانها "أَنَّ" فتحتها، واذا لم تحسن كَسَرْتَها. قال ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ الهكُمْ اله وَاحِدٌ﴾ فالاخرة يحسن مكانها "أَنَّ" فتقول: "يُوحى إليَّ أَنَّ إلهَكُم إلهٌ واحد" قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التسعون] :
[٥٠] أرانِي - وَلا كُفْرانَ لِلّهِ - إنَّما * أُواخِي من الأقْوامِ كُلَّ بَخِيلِ
لأنَّهُ لا يَحْسُنُ ها هُنا "أَنَّ" [فـ] لو قلت: "أَراني أنما أواخي من الأقْوام" لم يحسن. وقال: [من الخفيف وهو الشاهد الحادي والتسعون] :
أَبْلِغ الحارثَ بنَ ظالِمِ المُو * عِدِ والناذِرَ النُّذُورَ عَلَيّا
أَنَّما تَقْتُلُ النِّيامَ، وَلا تَقْـ * ـتُلُ يَقْظانَ ذا سِلاحٍ كَمِيّا
فحسن أن تقول: "أَنَّكَ تَقْتُلُ النِّيام". وأَمَّا قوله ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ فالآخرةُ بَدَلٌ من الأُولى.
وَأمّا "إنْ" الخفيفة فتكون في معنى "ما" كقول الله ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ أيْ: ما الكافرون. وقال ﴿إِن كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ﴾ أيْ: ما كان للرحمن ولد ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ مِنْ هذهِ الامةِ للرَّحْمن، بِنَفْيِ الوَلَدِ عَنْهُ.
أَي: أَنا أَوَّلُ العابِدِينَ بأَنَّهُ ليْسَ للرحمن وَلَد. وقال بعضُهُمُ ﴿فَأَنا أَوَّلُ العَبِدِين﴾ يقول: "أَنا أَوَّلُ مَنْ يَغْضَبُ من ادّعائِكُمْ لِلّهِ وَلدا".
ويقول: "عَبِدَ" "يَعْبَدُ" "عَبَدا" أي: غَضِبَ. وقال ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فهي مكسورة ابدا اذا كانت في معنى "ما" وكذلك ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن [٥٠ب] مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ فـ"إنْ" بمنزلة "ما"، و"ما" التي قبلها بمنزلة "الذي".
стр. 117
ويكون للمجازاة نحو قوله ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ﴾ . وتزاد "إنْ" مَع "ما", يقولون: "ما إنْ كانَ كَذا وَكَذا" أي: "ما كانَ كَذَا وَكَذا"، و: "ما إنْ هذا زَيْدٌ". ولكنها تغير "ما" "فلا يُنْصَبُ بِهَا الخبر. وقال الشاعر: من الوافر وهو الشاهد الثاني والتسعون] :
وما إنْ طِبْنا جُبْنٌ وَلَكِنْ * مَنايانا وَطُعْمَةُ آخَرِينا
وتكون خفيفة في معنى الثقيلة وهي مكسورة ولا تكون إلاَّ وفي خبرها اللام، يقولون: "إنْ زَيْدٌ لَمنطلِقٌ" ولا يقولونه بغير لام مخافة ان تلتبس بالتي معناها "ما". وقد زعموا ان بعضهم يقول: "إنْ زيداً لمَنُْطَلِقٌ" يعملها على المعنى وهي مثل ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ يقرأ بالنصب والرفع و "ما" زيادة للتوكيد، واللام زيادة للتوكيد وهي التي في قوله ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ ولكنها انما وقعت على الفعل حين خففت كما تقع "لكنْ" على الفعل إذا خففت. ألا ترى أنك تقول: "لكن قد قال ذاك زيد". ولم يُعَرُّوها من اللام في قوله ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾ [٥١ء] وعلى هذه اللغة فيما نرى - والله أعلم - ﴿إِنْ هَاذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وقد شددها قوم فقالوا ﴿إنّ هذانِ﴾ وهذا لا يكاد يعرف إلا أنهم
стр. 118
يزعمون أن بلحارث بن كعب يجعلون الياء في أشباه هذا ألفا فيقولون: "رأيت أخواك" و"رأيت الرجلان" وأوضعته علاه" و"ذهبت إلاهُ" فزعموا أنه على هذه اللغة بالتثقيل تقرأ. وزعم أبو زيد أنه سمع أعرابياً فصيحا من بلحارث يقول: "ضَرَبْتُ يَداهُ" و"وضعته علاه" يريد: يدَيْه وَعَلَيهِ. وقال بعضهم ﴿إنَّ هذَيْنِ لَساحِران﴾ وذلك خلاف الكتاب. قال الشاعر: [من الرجز وهو الشاهد الثالث والتسعون] :
طاروا عليهن فَشُلٌ عَلاها * واشْدُدُ بمثْنى حَقبٍ حَقْواها
ناجَيَةً وناجِياً أَباها.
وأَمَّا "أَنْ" الخفيفة فتكون زائدةً مع "فَلمَّا" و"لَمّا" قال ﴿فَلَمَّآ أَن
стр. 119
جَآءَ الْبَشِيرُ﴾ وانما هي "فَلَمَّا جاء البَشِير" وقال ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا﴾ يقول "ولَمّا جَاءَتْ" وتزاد أيضاً مع "لَوْ" يقولون: "أَنْ لَوْ جِئْتني كانَ خيراً لك" يقول "لَوْ جِئْتَني". وتكون في معنى "أَي" قال ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ﴾ يقول "أيْ امشوا". وتكون خفيفة في معنى الثقيلة في مثل قوله ﴿أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ﴾ و ﴿أَنَّ [٥١ب] لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ على قولك "أَنْهُ لَعْنَةُ اللهِ". و "أَنْهُ الحَمْدُ لِلّهِ". وهذه بمنزلة قوله* ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ [و] ﴿وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ولكن هذه اذا خففت وهي الى جنب الفعل لم يحسن الا ان معها "لا" حتى تكون عوضا من ذهاب التثقيل والاضمار. ولا تعوض "لا" في قوله ﴿أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ﴾ لانها لا تكون، وهي خفيفة، عاملة في الاسم. وعوّضتها "لا" اذا كانت مع الفعل لانهم أرادوا ان يبيّنوا أنها لا تعمل في هذا المكان وأنها ثقيلة في المعنى. وتكون "أنْ" الخفيفة تعمل في الفعل وتكون هي والفعل اسما للمصدر، نحو قوله ﴿عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ انما هي "عَلى تسويةِ بِنَانِهِ".
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾
باب من الاستثناء.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ منصوبة لانه مستثنى ليس من أول الكلام، وهذا الذي يجيء في معنى
стр. 120
"لكن" خارجا من أول الكلام انما يريد "لكنْ أمانيَّ" و"لكِنَّهُم يَتَمَنَّونَ". وانما فسرناه بـ"لكن" لنبين خروجه من الأول. الا ترى أنك اذا ذكرت "لكن" وجدت الكلام منقطعاً من أوله، ومثل ذلك في القرآن كثير [منه قوله ] ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ [٥٢ء] مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ﴿إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾ وقال ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ وقال ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يقول: "فَهَلاّ كانَ منهُمْ مَنْ يَنْهى" ثم قال: "ولكنْ قَليلاً مِنْهُمْ مَنْ يَنْهى" ثم قال "ولكنْ* قَليلٌ مِنْهُمْ قَدْ نَهَوْا" فلما جاء مستثنى خارجاً من الأول انتصب. ومثله ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ يقول "فُهَلاّ" كانت ثم قال: "ولكنّ* قومَ يونسَ" فـ"إلا" تجيء في معنى "لكنّ"*. واذا عرفت انها في معنى "لكنّ" فينبغي أن تعرف خروجها من أوله. وقد يكون ﴿إِلاَّ قَوْمُ يُونُسَ﴾ رفعا، تجعل "إلاّ" وما بعده في موضع صفة بمنزلة "غير" كأنه قال: "فهلا كانَتْ قريةٌ آمنتْ غيرُ قريةِ قومِ يونس" ومثلها ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فقوله ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ صفة [و] لولا ذلك لانتصب لأنه مستثنى مقدم يجوز القاؤه من الكلام. وكل مستثنى مقدم يجوز القاؤه من الكلام نصب، وهذا قد يجوز القاؤه [فـ] لو قلت "لو كانَ فِيهِما آلِهَةٌ لَفَسدَتا" جاز، فقد يجوز فيه النصب ويكون مثل قوله "ما مَرَّ بي أحَدٌ إلاَّ زيداً مثلُكَ". قال الشاعر فيما هو صفة: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والتسعون] :
[٥٢ب] أُنِيخَتْ فألقتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ * قَليلٌ بها الأَصْواتُ إلاَّ بُغامُها
стр. 121
وقال: [من الوافر وهو الشاهد الخامس والستعون] :
وَكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أَخُوه * لَعَمْرُ إِبيكَ إلا الفَرْقَدانِ
ومثل المنصوب الذي في معنى "لكنْ" قول الله ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ﴾ ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ وهو في الشعر كثير وفي الكلام. قال الفرزدق: [من الطويل وهو الشاهد السادس والتسعون] :
وما سَجَنُوني غيرَ أَني ابْنُ غالِبِ * وأَني من الأَثرَينَ غَيْرَ الزَعانِفِ
يقول: "ولكنَّني"، وهو مثل قولهم: "ما فيها أحدٌ إلا حماراً" لما كان ليس من أول الكلام جعل على معنى "لكنَّ" ومثله: [من الخفيف وهو الشاهد السابع والتسعون] :
ليسَ بَيْنِي وبينَ قيسٍ عِتابَ * غيرَ طَعْنِ الكُلا وَضَرْبِ الرِقابِ
وقوله: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والتسعون] :
حَلَفْتُ يميناً غَير ذِي مَثْنَوِيَّةٍ * وَلا عِلْمَ إلاَّ حُسْنَ ظَنٍّ بِغَايِبِ
وبصاحب.
باب الجمع.
وأمّا تَثْقِيلُ ﴿الأَمَانِيُّ﴾ فلأن واحدها "أُمْنِيَّة" مُثْقَّل. وكلُّ
стр. 122
ما كان واحده مثقلا مثل: "بُخْتِيَّة" و"بَخاتِيّ" فهو مُثَقَّل. وقد قرأ بعضهم ﴿إلاّ أَمانِي﴾ فخفف وذلك جائز لان الجمع على غير واحده وينقص منه ويزاد فيه. فأما "الأَثافِي" فكُلُّهُم يخفّفها وواحدها "أُثِفيَّة" مثقّلة [٥٣ء] وانما خففوها لانهم يستعملونها في الكلام والشعر كثيرا، وتثقيلها في القياس جائز. ومثل تخفيف "الأمانِي" قولهم: "مِفْتاح" و"مَفاتِح" وفي "مِعْطاء" "مَعاطٍ" قال الأخفش: "قد سمعت بلعنبر تقول: "صحارِيَ" و"مَعاطِيّ" فتثقل.
وقوله ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ اي: فَماَّ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ".
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذامِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ يرفع "الويلُ" لانه اسم مبتدأ جعل ما بعده خبره. وكذلك "الوَيْحُ و"الوَيْلُ" و"الوَيْسُ" إذا كانت بعدهنّ هذه اللام ترفعهن. واما "التَعْسُ" و"البُعْدُ" وما أشبههما فهو نصب أبدا، وذلك أَنّ كل ما كان من هذا النحو تحسن أضافته بغير لام فهو رفع باللام ونصب بغير لام نحو
стр. 123
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ و"وَيْلٌ لِزَيْدٍ" ولو ألقيت اللام قلت: "ويلَ زيدٍ" و"ويحَ زيدٍ" و"ويسَ زيدٍ"، فقد حسنت إضافته بغير لام فلذلك رفعته باللام مثل ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ . وأما قوله ﴿أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ﴾ و ﴿أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ﴾ و ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ فَهذا لا تَحسن إضافتَهُ بغير لام. ولو قلت: "تَعْسَهُم" أو "بُعْدَهُم" لم يحسن. وانتصاب هذا كله بالفعل، كأنك قلت: "أَتْعَسَهُم اللهُ تَعْساً" "وأَبْعَدَهُم اللهُ بُعدا". واذا قلت "ويْلَ زيدٍ" فكأنك قلت [٥٣ب] "ألْزَمَهُ اللهُ الوَيْلَ". وأما رفعك اياه باللام فانما كان لانك جعلت ذلك واقعا واجبا لهم في الاستحقاق. ورفعه على الابتداء، وما بعده مبني عليه، وقد ينصبه قوم على ضمير الفعل وهو قياس حسن، فيقولون: "وَيْلاً لزيد" و"وَيْحاً لِزيد". قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والتسعون] :
كَسَا اللُؤْمُ تَيْماً خُضْرَةً في جُلُودها * فَوَيْلاً لِتَيْمٍ من سرابيلها الخُضْرِ
قال الاخفش: "حدثني عيسى بن عمر أنه سمع الاعراب ينشدونه هكذا بالنصب, ومنهم من يرفع ما ينصب في هذا الباب. قال أبو زُبَيدَ: [من الطويل وهو الشاهد المئة] :
أَغارَ وأَقْوى ذات يومٍ وخَيْبَةٌ * لأوَّلِ مَنْ يَلْقى غيٌ مُيَسَّرُ
باب اللام.
وقوله ﴿لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ فهذه اللام إذا كانت في معنى "كَيْ" كان ما بعدها نصبا على ضمير
стр. 124
"أَنْ"، وكذلك المنتصب بـ"كيْ" هو أيضاً على ضمير "أَنْ" كأنه يقول: "الاشتراءِ"، فـ"يَشتَرُوا" لا يكون اسما الا بـ"أنْ"، فـ"أَنْ" مضمرة وهي الناصبة وهي في موضع جر باللام. وكذلك ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً﴾ "أَنْ" مضمرة وقد جرتها "كيْ" وقالوا: "كَيْمَهْ" فـ"مَهْ" اسم لانه "ما" التي في الاستفهام وأضافَ "كَيْ" اليها. وقد تكون "كَيْ" بمنزلة "أَنْ" هي الناصبة [٥٤ء] وذلك قوله ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ﴾ فاوقع عليها اللام. ولو لم تكن "كَيْ" وما بعدها اسما لم تقع عليها اللام وكذلك ما انتصب بعد "حتّى" إنَّما انْتَصَبَ بضمرِ "أَنْ" قال ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ و ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ إنَّما هو "حتَّى أَنْ يَأْتِيَ " و"حَتّى أَنْ تَتَّبعَ"، وكذلك جميع ما في القرآن من "حتّى". وكذلك ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ اي: "حتّى أَنْ يقولَ" لأنّ "حتّى" في معنى "إلىّ"، تقول "أَقَمْنا حتّى الليلِ" أيْ: "إلى اللَّيْلِ". فإن قيل: إظهارُ "أَنْ" ها هنا قبيح قلتُ: "قد تُضمر أشياءُ يقبحُ إظهارها إذا كانوا يستغنون عنها". ألا ترى أَنَّ قولك: "إنْ زيداً ضربْتَهُ" منتصب بفعل مضمر لو اظهرته لم يحسن. وقد قرئت هذه الآية ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ يريد: "حتّى الرَّسُولُ قائلٌ"، جعل ما بعد "حتّى" مبتدأَ. وقد يكون ذلك نحو قولك: "سِرْتُ حتّى أدْخُلُها" إذا أردت: "سرت فإذا أَنَا داخِلٌ فيها" و"سِرْتُ
стр. 125
أمسِ حتّى أَدْخُلُها اليومَ" أيْ: حتّى "أَنَا اليومَ أَدْخُلْها فَلا أُمْنَعْ". واذا كان غاية للسير نصبته. وكذلك ما لم يجب مما يقع عليه "حتّى" نحو ﴿لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ
الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً﴾ . واما ﴿وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ فنصب بـ"لَنْ" كما نصب بـ"أنْ" وقال [٥٤ب] بعضهم: إنما هي "أَنْ" جُعِلَتْ "لا" كأنه يريد "لا أَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ" فلما كثرت في الكلام حذفت، وهذا قول، وكذلك جميعُ "لَنْ" في القرآن. وينبغي لمَنْ قال ذلك القول أن يرفع "أزيدٌ لَنْ تَضْرِبُ" لأنَّه في معنى "أزيدُ لا ضَرْبَ لَه". وكذلك ما نصب بـ"إذَنْ" تقول: "إذَنْ آتيَكَ" تنصب بها كما تنصب بـ"أَنْ" وبـ"لَنْ" فاذا كان قبلها الفاء أوْ الواو رفعت نحو قول الله ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وقال ﴿فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً﴾ وقد يكون هذا نصبا أيضاً عنده على اعمال "إذَنْ". وزعموا أنَّهُ في بعض القراءة منصوب وإنَّما رفع لأنَّ معتمد الفعل
стр. 126
صار على الفاء والواو ولم يحمل على "إذَنْ"، فكأنه قال: "فَلا يُؤتُونَ الناسَ إذاً نَقِيرا" [و] "ولا تُمَتَّعُونَ إذَنْ" وقوله ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أنْ لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ [و] ﴿وَحَسِبُواْ أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ و ﴿أنْ لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ فارتفع الفعل بعد "أنْ لا" لأنَّ ["أنْ"] هذه مثقّلة في المعنى، ولكنها خففت وجعل الاسم فيها مضمرا، والدليل على ذلك أنّ الاسم يحسن فيها والتثقيل. ألا ترى أنَّكَ تقول "أَفَلا يَرَوْنَ أنَّه لا يرجعُ إليهِمْ"، وتقول: "أَنَّهُمْ لا يَقْدِرونَ على شَيْء" [و] "أَنَّهُ لا تَكونُ [٥٥ء] فتنة". وقال ﴿آيَتكَ أنْ لا تُكَلِّمَ الناسَ﴾ نصب لأن هذا ليس في معنى المثقّل, انما هو ﴿آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ﴾ كما تقول: ﴿آيتُكَ أَنْ تُكَلِّمَ﴾ وأدخلت ﴿لا﴾ للمعنى الذي أريد من النفي. ولو رفعت هذا جاز على معنى آيتك أنك لا تكلم, ولو نصب الآخر جاز على أن تجعلها "أنْ" الخفيفة التي تعمل في الأفعال. ومثل ذلك ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾
وقال ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ وقال ﴿إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ وتقول: "عَلِمْت أَنْ لا تُكَرِّمُني" و"حسِبْتُ أَنْ لا تُكْرِمُنِي". فهذا مثل ما ذكرت لك. فانما صار "عَلِمْتُ" و"اسْتَيْقَنْتُ" ما بعده رفع لأنه واجب. فلما كان واجبا لم يحسن أن يكون بعده "أنْ" التي تعمل في الأفعال، لأن تلك إنما تكون في غير الواجب، الا ترى أنك تقول "أُريدُ أَنْ تَأْتِيَني" فلا يكون هذا
стр. 127
الا لأمر لم يقع، وارتفع ما بعد الظن وما أشبهه لأنه مشاكل للعلم لأنه يعلم بعض الشيء اذا كان يظنه. وأما "خَشِيتُ أنْ لا تُكْرِمَني" فهذا لم يقع. ففي مثل هذا تعمل ان الخفيفة ولو رفعته على أمر قد استقر عندك وعرفته كأنك جريته فكان لا يكرمك فقلت: "خَشِيتُ أنْ لا تُكْرِمُني" أي: خشيتُ أَنَّكَ [٥٥ب] لا تُكْرِمُني جاز.
وزعم يونس أن ناسا من العرب يفتحون اللام التي في مكان "كَيْ" وانشدوا هذا البيت فزعم انه سمعه مفتوحا: [من الوافر وهو الشاهد الحادي بعد المئة] :
يُؤامِرُني رَبيعَةُ كُلَّ يَومٍ * لأُهْلِكَهُ وأَقْتِنيَ الدَّجاجا
وزعم خلف أنها لغة لبني العنبر وانه سمع رجلا ينشد هذا البيت منهم مفتوحا: [من الطويل وهو الشاهد الثاني بعد المئة] :
فقُلْتُ لكَلْبِيَّيْ قُضاعَةَ إنَّما * تَخَبَّرْ تُماني أهْلَ فَلْجٍ لأَمْنَعا
يريد "مِنْ أهلِ فَلْجٍ". وقد سمعت أنا ذلك من العرب، وذلك أن اصل اللام
стр. 128
الفتح وانما كسرت في الاضافة ليفرق بينها وبين لام الابتداء. وزعم أبو عبيدة انه سمع لام "لعلَّ" مفتوحة في لغةِ من يجرّبها ما بعدها في قول الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثالث بعد المئة] :
لِعَلَّ اللهِ يُمْكِنُنِي عَلَيْها * جِهاراً من زُهَيْرٍ أَوْ أَسِيدِ
يريد "لِعَلَّ عبدِ اللهِ" فهذه اللام مكسورة لأنها لام اضافة. وقد زعم انه قد سمعها مفتوحة فهي مثل لام "كَيْ". وقد سمعنا من العرب من يرفع بعد "كيما" وأنشد: [من الطويل وهو الشاهد الرابع بعد المئة] :
إذا أَنْتَ لم تَنْفَعْ فَضُرَّ فإنَّما * يُرَجّى الفَتَى كيما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ
فهذا جعل "ما" اسما وجعل "يَضَرُّ" و"يَنْفَعُ" من صلته جعله اسما للفعل وأوقع "كَيْ" [٥٦ء] عليه وجعل "كَيْ" بمنزلة اللام. وقوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وقوله ﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيشبه ان تكون الفاء زائدة كزيادة "ما" ويكون
стр. 129
الذي بعد الفاء بدلا من "أن" التي قبلها. وأجوده أن تكسر "إن" وأَن تجعل الفاء جواب المجازاة. وزعموا أنه يقولون "أَخُوكَ فوُجِد" "بل أخوك فَجُهِدَ" يريدون "أخوك وُجِدَ" و"بل أخوك جُهِدَ" فيزيدون الفاء. وقد فسر الحسن ﴿حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على حذف الواو. وقال: "معناها: قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها"، فالواو في هذا زائدة. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الخامس بعد المئة] :
فإذا وَذَلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يَكُنْ * إلاَّ كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخَيالِ
وقال: "من الكامل وهو الشاهد السادس بعد المئة] :
فإذا وذلك َ ليسَ إلاّ حينُه * واذا مَضَى شَيْءٌ كأَنْ لَمْ يُفْعَلِ
كأنه زاد الواو وجعل خبره مضمرا, ونحو هذا مما خبره مضمر كثير.
стр. 130
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾
قوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ .
стр. 131
وقوله ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ فجعله أَمْراً كأنّه يقول: "وإحساناً بالوالدينِ" أي: "أَحْسِنُوا إحْسانا".
وقال ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ فهو على أحد وجهين إمّا أَنْ يكون يراد بـ"الحُسْنِ" "الحَسَنَ" كما تقول: "البُخْل" و"البَخلَ"، وإمّا أنْ يكونَ جعل "الحُسْنَ" هو "الحَسَنَ" في التشبيه كما تقول: "إنَّما أَنْتَ أَكلٌ وشُرْبٌ". قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثامن بعد المئة] :
وَخَيْلٍ قدْ دَلَفْتٌ لَها بِخَيْلٍ * تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ
"دَلَفْتُ": "قَصَدْتُ" [٥٧ء] فجعل التحية ضربا. وهذه الكلمة في الكلام ليست بكثيرة وقد جاءت في القرآن. وقد قرأها بعضهم ﴿حَسَنا﴾ يريد "قولوا لهم حَسَناً" وقال بعضهم ﴿قولوا للناسِ حُسْنى﴾ يؤنثها ولم ينّونها، وهذا لا يكاد يكون لا "الحُسْنى" لا يتكلم بها الا بالالف واللام، كما لا يتلكم بتذكيرها الا بالالف واللام [فـ] لو قلت: "جاءَني أَحْسَنُ وأَطْوَلُ" لم يَحْسُن حتّى
стр. 132
تقول: "جاءَني الأَحْسَنُ والأَطْوَلُ" فكذلك هذا يقول: "جاءَتْنِي الحُسْنى والطُولى". إلاّ أَنهم قد جعلوا أِشياء من هذا أسماء نحو "دُنْيا" و "أُوْلَى". قال الراجز: [وهو الشاهد التاسع بعد المئة] :
* في سَعْيِ دُنْيا طالَ ما قَدْ مَدَّتِ *
ِ ويقولون: "هي خَيْرَةُ النِساءِ" ["هنّ خَيْراتُ النِّساء"] لا يكادون يفردونه وافراده جائز. وفي كتاب الله ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ وذلك انه لم يرد "أَفْعَلَ" وانما اراد تأنيث الخير لأنه لما وصف فقال: "فلانٌ خَيْرٌ" أشبه الصفات فأدخل الهاء للمؤنث.
стр. 133
وأما قوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ثم قال ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ثم قال ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذالِكَ﴾ فلأنه خاطبهم من بعدما حدث عنهم وذا في الكلام والشعر كثير. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد العاشر بعد المئة] :
أسيئي بِنا أوّ أَحْسِنِي لا مَلُومَةٌ * لَدَيْنا وَلا مَقْليةٌ إِنْ تَقَلَّبِ
[٥٨/ ء] وانما يريدون "تَقَلَّيْتِ". وقال الآخر: [من الكامل وهوالشاهد الحادي عشر بعد المئة] :
شَطَّتْ مُزارَ العاشِقينَ فأصبحَتْ * عَسِراً عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةٌ مَخْرَمِ
إنَّما أراد "فأصبحت ابنَةُ مخرَمٍ عسراً على طلابُها". وجاز ان يجعل الكلام كأنه خاطبها لانه حين قال: "شَطَّتْ مَزارَ العاشِقين" كأنه قال: "شَطَطْتِ مزار العاشِقين" لأنه إيّاها يريدُ بهذا الكلام. ومثله مما يخرج من أوله قوله: [من الرجز وهو الشاهد الثاني عشر بعد المئة] :
* إنَّ تَميماً خُلِقَتْ مَلْمُوما *
فأراد القبيلة بقوله: "خُلِقَتْ" ثم قال "مَلْمُوما" على الحي أو الرجل، ولذلك قال:
стр. 134
* مثلَ الصَّفا لا تَشْتَكِي الكُلُوما *
ثم قال:
* قَوماً تَرَى واحدَهُم صِهْمِيما *
فجاء بالجماعة لانه اراد القبيلة او الحي ثم قال:
* لا راحِمَ الناسِ ولا مُرْحُوما *
وقال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثالث عشر بعد المئة] :
أقولُ لَهُ والرمحُ يأطِرُمَتْنَهُ * تأَمَّل خُفافاً إِنَّنِي أَنَاذلِكا
و"تَبَيَّنْ خْفافاً"، يريد: "أَنَا هُوَ". وفي كتاب الله ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ فأخبر بلفظ الغائب وقد كان في المخاطبة لان ذلك يدل على المعنى. وقال الأسْودَ: [من البسيط وهو الشاهد الرابع عشر بعد المئة] :
وَجَفْنَةٍ كإِزاءِ الحَوْضُ مُتْرَعَةٍ * ترى جَوانِبَها بِالشَّحْمِ مَفْتُونا
стр. 135
[٥٨ب] فيكون على انه حمله على المعنى أَي: ترى كلَّ جانبٍ منها، او جعل صفة الجميع واحدا كنحو ما جاء في الكلام. وقوله "مأطِرُ مَتْنَه" يثنى متنه. وكذلك ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم قال ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لان الذي أخبر عنه هو الذي خاطب. قال رؤبة: [من الرجز وهو الشاهد الخامس عشر بعد المئة] :
الحَمْدُ لِلّهِ الاَعَزِّ الأَجْلَلِ * أَنْتَ مَلِيكُ الناسِ ربّاً فَاقْبَلِ
وقال زهير: [من الوافر وهو الشاهد السادس عشر بعد المئة] :
فإنّي لَوْ أُلاقِيكَ أجْتَهَدْنَا * وكانَ لِكُلِّ مُنْكَرَةٍ كِفاء
فأُبْرِىءَ مُوضَحاتِ الرأسِ مِنْهُ * وَقَدْ يَشْفِى من الجَرَبِ الهِناءُ
وقال الله ﵎ ﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هذاالَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ فَذَكَّر بعد التأنيث كأنه أراد: هذا الامر الذي كنتم به تستعجلون. ومثله ﴿فَلَماَّ رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هذارَبِّي هَاذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ﴾ فيكون هذا على: الذي أرى ربّي أي: هذا الشيء ربي. وهذا يشبه قول المفسرين ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ قال: إنَّما دخلت "إلى" لأن معنى "الرَفَث" و"الأفْضاء" واحد، فكأنه قال: "الافضاءُ إلى
стр. 136
نِسائِكُمْ"، وانما يقال: "رَفْثَ بامرَأَتِه" ولا يقال: "إلى امرأته" وذا عندي كنحو ما يجوز من "الباء" في مكان "إلى" في [قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ وانما هو "أحسن اليّ" فلم "إلى" ووضع "الباء" مكانها] وفي مكان "على" في قوله [٥٩ء] ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ﴾ انما هو "غمّاً على غَمٍّ" [وقوله] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أي: "على قِنطارٍ" كما تقول: "مررتُ بِهِ" و"مررت عَلَيْهِ" كما قال الشاعر: - وأخبرني من أثق به أنه سمعه من العرب -: [من الوافر وهو الشاهد الرابع والعشرون] :
إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ * لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضاها
يريد: "عنى". وذا يشبه ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ لانك تقول: "خَلَوْتُ إلَيْهِ وصنعنا كذا وكذا" و"خَلَوْتُ به". وان شئت جعلتها في معنى قوله ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: "معَ اللهِ", وكما قال ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي: "على القَوْمِ"
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾
[وقوله] * ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ فرفع هذا لانه كُلَّ ما كان من الفعل على "يَفْعَلُ هو" و"تَفْعَل أنت" و"أَفْعلٌ أَنا" و"نَفْعَلُ نَحن" " فهو أبداً مرفوع لا تعمل فيه الا الحروف التي ذكرت لك من حروف النصب او حروف الجزم والامر والنهي [٥٦ب] والمجازاة. وليس شيء من ذلك ها هنا وانما رفع لموقعه في موضع الأسماء. ومعنى هذا الكلام حكاية، كأنه قال: "اِسْتَحْلَفْناهُم لا يَعْبُدون" أي: قُلْنا لَهُم: "واللهِ لا تُعْبَدوْنَ"، وذلك أنها تقرأ ﴿يَعْبُدون﴾ و ﴿تَعْبُدون﴾ . قال ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ﴾ فإن شئت جعلت "لا يَسَّمَّعُون" مبتدأ وإنْ شئت قلت: هو في معنى "أنْ لا لا يَسَّمَّعُوا" فلما حذفت "أنْ" اِرتفع, كما تقول: "أَتَيْتُكَ تُعْطِيني وتُحْسِنُ إِلَيَّ وتَنْظُرُ في حاجتي" ومثله "مُرْهُ يُعطِيني" إنْ شئت جعلته على "فَهْوَ يُعطِيني" وإنْ شئت على "أَنْ يُعطِيني". فلما أَلْقَيْتَ "أَنْ" ارتفع. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع بعد المئة] :
ألا أَيُّهذا الزاجِرِي احضر الوغي * وأَنْ أَتْبَعَ اللَّذَّاتِ هَلْ انت مُخْلِدِي
فـ"أَحْضُرَ" في معنى" أَنْ أُحْضُرَ".
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الّعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
قال ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فجعلها من "تَتَظاهَرُونَ" وأدغم التاء في الظاء وبها نقرأ. وقد قرئت ﴿تَظاهَرون﴾ مخففة بحذف التاء الآخرِة لأَنَّها زائدة لغير معنى. وقال ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أَسْرى﴾ وقرئت ﴿أُسَارَى﴾ . وذلك لأن "أَسير" "فَعِيل" وهو يشبه "مَرِيضاً" لأنَّ به عيبا [٥٧ب] كما بالمريض، وهذا "فَعِيل" مثله. وقد قالوا في جماعة "المريض": "مَرْضى" وقالوا ﴿أُسارَى﴾ فجعلوها مثل "سكارَى" و"كُسالىَ"، لأنَّ جمع "فَعْلان" الذي به علة قد يشارك جمع "فَعِيل" وجمع "فَعِل" نحو: "حَبِطٌ" و"حَبْطى" و"حُباطَى" و"حَبِجٌ" و"حَبْجى" و"حُباجى". وقد قالوا ﴿أَسارى﴾ كما قالوا ﴿سَكَارَى﴾ .
وقال بعضهم ﴿تَفْدُوهم﴾ من "تَفْدِى" وبعضهم ﴿تُفادُوهم﴾ من "فادَى" يُفادِي" وبها نقرأ وكل ذلك صواب.
وقال ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ﴾ , وقال ﴿مَا هذاإِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ و ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ﴾ رفع، لأن كل ما لا تحسن فيه الباء من خبر "ما" فهو رفع، لأن "ما" لا تشبه في ذلك الموضع بالفعل، وانما تشبه بالفعل في الموضع الذي تحسن فيه الباء، لأنها حينئذ تكون في معنى "ليس" لا يشركها معها شيء. وذلك قول الله ﴿مَا هذابَشَراً﴾ .، وتميم ترفعه، لانه ليس من لغتهم أن يشبهوا "ما" بالفعل.
وقال ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء﴾ وفي موضع آخر ﴿هَا أَنْتُمْ هؤلاء﴾ كبعض ما ذكرنا وهو كثير في كلام العرب. وردّد* التنبيه توكيدا. وتقول: "ها** أَنَا هذا" و"ها**" أَنْتَ هذا فتجعل "هدا" للذي يخاطب، وتقول: "هذا أنت". وقد جاء أشد من ذا. قال الله ﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوَّةِ﴾ والعصبة هي تنوء بالمفاتيح. قال [وهو الشاهد السابع عشر بعد المئة من مجزوء الوافر] :
стр. 137
تَنُوءُ بِها فَتُثْقِلُها * عَجِيزَتُها......
يريد: "تَنوء بعجزيتها، اي: لا تقوم الا جهدا بعد جهد" قال الشاعر [من البسيط وهو الشاهد الثامن عشر بعد المئة] :
مِثْلُ القَنافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَت * نَجْرانَ أَوْ بَلَغَتْ سَوآتِهِم هَجَرُ
[٥٩ب] وهو يريد أن السؤات بلغت هَجَراً، و "هَجَرُ" رفعٌ لأنَّ القصيدةَ مرفوعة ومثلُ ذا قول الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع عشر بعد المئة] :
وَتَلْحَقُ خَيْلٌ لا هَوادَةَ بَينَها * وتَشْقى الرِّماحُ بالضَياطِرةُ الحُمْرِ
والضياطرةُ هم يشقونَ بالرماح. و"الضياطرةُ" هم العِظام وواحد هم "ضَيْطار" مثل "بَيْطار" ومثل قول الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد العشرون بعد المئة] :
لَقَدْ خِفْتُ حَتَّى ما تزَيدُ مَخافَتِي * عَلى وعِلٍ بِذِي الفَقارَةِ عاقِلِ
يريد: حتى ما تزيد مخافةُ وَعِلٍ على مخافتي.
стр. 138
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾
قال ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ وتفسيره: فقليلاً يؤمنون" و"ما" زائدة كما قال ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ يقول: "فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ" وقال ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ أي: لَحَقٌّ مثلَ أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ وزيادة "ما" في القرآن والكلام نحو ذا كثير. قال [من المنسرح وهو الشاهد الحادي والعشرون بعد المئة] :
لَوْ بَأَبانَيْنِ* جاءَ يَخْطِبُها * خُضِّبَ ما أَنْفُ خاطِبٍ بِدَمِ
أي: خُضِّبَ بِدَمٍ أنفُ خاطِبٍ.
﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
قال ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ فان قيل فأين جواب ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ [٦٠ء] كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ قلت: "جوابه في القرآن كثير، [و] استغني عنه في هذا الموضع اذ عرف معناه. كذلك جميع الكلام إذا طال تجيء فيه أشياء ليس لها أجوبة في ذلك الموضع ويكون المعنى مستغنى به ** نحو قول الله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل للَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً﴾ فيذكرون [ان] تفسيره: "لَوْ سُيِّرَتْ الجِبالُ بقرآنٍ غيرِ هذا لَكَانَ هذا القرآنُ
стр. 139
سَتُسَيَّر بِهِ الجِبالُ" فاستُغْنِيَ عن اللَّفْظِ بالجَوابِ إذْ عُرِفَ المَعْنى. وقال ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ ولم يجيء لـ"تحسَبَنَّ" الأول بجواب وتُرِكَ للاستغناءِ بما في القرآن من الأجوبة. وقال ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ معناه "لا يَحَسَبُنَّهُ خَيْراً لَهُمْ" وحذف ذلك الكلام وكان فيما بقي دليل على المعنى. ومثله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُواْ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ثم قال ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ﴾ من قبل أن يجيء بقوله "فَعَلُوا كَذا وَكَذا" لان ذلك في القرآن كثير، استغني به. وكان في قوله ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ دليل على أَنَّهُمْ أعرَضُوا فاستغني بهذا [٦٠ب] وكذلك جميع ما جاز
فيه نحو هذا. وقال ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ وقال ﴿لِيُتَبَرِّواْ﴾ على معنى: "خَلَّيْناهُمْ وإيّاكُمْ لَمْ نَمْنَعْكُمْ مِنْهُم بِذُنُوبِكُم". وقال ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ ولم يذكر أنه خلاهم واياهم على وجه الترك في حال الابتلاء بما أَسْلفوا ثم لم يمنعهم من أعدائهم أن يسلطوا عليهم بظلمهم. وقال ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ فليس لهذا جواب. وقال ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ فجواب هذا انما هو في المعنى، وهذا كثير. وسنفسر كل ما مررنا به إن شاء الله. وزعموا ان هذا البيت ليس له جواب: [من الطويل وهو الشاهد الثاني والعشرون بعد المئة] :
стр. 140
وَدَوِّيَّةٍ قَفْرٍ تَمَشّى نَعامُها * كَمَشْيِ النَّصارى في خِفافِ الأَرَنْدَجِ
يريد: "ورُبَّ دَوِّيَّةٍ" ثم لم يأت له بجواب. وقال: [من البسيط وهو الشاهد الثالث والعشرون بعد المئة] :
حتَى إذا أسْلَكُوهُ في قُتائِدَةٍ * شَلاًّ كَما تَطْرُدُ الجَمالَةُ الشرُدُا
فهذا ليس له جواب الا في المعنى. وزعم بعضُهم أنَّ هذا البيت: [من الكامل وهو الشاهد الخامس بعد المئة] :
فإذا وذلِكَ يا كُبَيْشَةُ لَمْ يكنْ * إلاّ كَلَمَّةِ حالِمٍ بِخِيالِ
قالوا: الواو فيه ليست بزائدة ولكن الخبر مضمر.
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾
قال ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [٦١ء] فـ ﴿ما﴾ وحدها اسم، و ﴿أَن يَكْفُرُواْ﴾ تفسير له نحو: "نِعْمَ رَجُلاً زَيْدٌ" و ﴿أَنْ يُنَزِّل﴾ بَدَلٌ من ﴿بِمَآ أنَزَلَ اللَّهُ﴾ .
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾
قال ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ﴾ فنصب ﴿مُصَدِّقاً﴾ لأنه خبر معرفة. و ﴿تَقْتُلُونَ﴾ في معنى "قَتَلْتُم". كما قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الرابع والعشرون بعد المئة] :
стр. 141
وَلَقَدْ أمرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّني * فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلتُ لا يَعْنِيني
يريد: "لقد مَرَرْتُ" بقوله "أَمُرُّ".
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾
قوله ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ فهو نحو "ما زَيْدٌ بِمُزَحْزِحِهِ أنْ يُعَمَّرَ" و"ما زَيْدٌ بِضارِّهِ أَنْ يقُومَ" [فـ"أنْ يُعَمَّرَ"] في موضع رفع وقد حسنت الباء كما تقول: "ما عبدُ الله بملازِمِهِ زَيْدٌ".
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
قوله ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ﴾ ومن العرب من يقول ﴿لِجِبرئِيلَ﴾ فيهمزون ولا يهمزون، وكذلك ﴿إسرائيل﴾ منهم من يهمز ومنهم من لا يهمز، ويقولون ﴿مِيكائِيل﴾ فيهمزون ولا يهمزون ويقولون ﴿مِيكال﴾ كما
стр. 142
قالوا ﴿جِبْرِيل﴾ . وقال بعضهم ﴿جبرعَل﴾ ولا أعلم [وجهه] الا أني قد سَمِعت ﴿إِسرائِل﴾ وقال بعضهم ﴿إسْرِييلِ﴾ فأمال الراء. قال أبو الحسن: "في" "جبريل" "ست لغات: جَبْراييل وجَبْرَئيل وجَبْرئِلْ جَبْراعيل جَبْرَعِيل جَبرعل وجَبْريل وجِبريلَ فَعليل فِعليل وجَبْرائِل. جبراعل.
стр. 143
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾
قال ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾ فأظهر [٦١ب] الاسم وقد ذكره في أوَّل الكلام. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الخامس والعشرون بعد المئة] :
ليتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعَبُ دَائِباً * كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾
قال ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً﴾ فهذه واو تجعل مع حرف الاستفهام وهي مثل الفاء التي في قوله ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمْ﴾ فهذا في القرآن والكلام كثير، وهما زائدتان في هذا الوجه. وهي مثل الفاء التي في قولك: "أَفَا الله لَتَصْنَعَنَّ كَذَا وكَذا" وقولك للرجل: "أَفَلا تَقُوم". وان شئت جعلت الفاء والواو ها هنا حرف عطف.
﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾
قوله ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ معطوفان على ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ ، او بدل منهما، ولكنهما أعجميان فلا ينصرفان وموضعهما جر. و ﴿بابلَ﴾ لم ينصرف لتأنيثه، وذلك أن اسم كل مؤنث على
стр. 144
حرفين أو ثلاثة أحرف أوسطها ساكن فهو ينصرف، وما كان سوى ذلك من المؤنث فهو لا ينصرف ما دام اسما للمؤنث.
وقال ﴿حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ فليس قوله ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ جوابا لقوله ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾ ، إنما هو مبتدأ ثم عطف عليه فقال ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ . وقال ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما زوج، فالمرأة زوج والرجل زوج. قال ﴿وَخَلَقَ [٦٢ء] مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ . وقد يقال أيضاً "هُما زَوْجٌ" للاثنين كما تقول: "هُما سَواءٌ" و: "هُما سِيّانِ". [والزَوْج أيضاً: النَمَطُ يُطْرَحُ على الهَوْدَجَ] . قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السادس والعشرون بعد المئة] :
مِنْ كُلِّ مَحْفُوفٍ يظُلُّ غِصيَّةُ * زَوْجٌ عَلَيهِ كِلَّةٌ وَقِرامُها
وقد قالوا: "الزَوْجَة". قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد السابع والعشرون بعد المئة] :
زَوْجَةُ أَشْمَطَ مَرْهُوبٍ بَوادِرُهُ * قَدْ صارَ في رَأْسِهِ التَخْويصُ والنزَعُ
وقال ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ فهذه لامُ الابتداء تدخل بعد العلم وما أشبهه ويبتدأ بعدها، تقول: "لَقَدْ علمت لَزَيدٌ خيرٌ منك" قال ﴿لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وقال ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ .
стр. 145
وقال* ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ثم قال ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني بالأولين الشياطين لأنهم قد علموا ﴿ولَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني الانس. وكان في قوله ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ دليل على "أُثِيبُوا" فاستغني به عن الجواب [٦٢ب] .
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾
قال ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ فليس لقوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا﴾ جواب في اللفظ ولكنه في المعنى يريد لَأُثِيبُوا" فقوله ﴿لَمَثَوبَةٌ﴾ يدل على "لَأُثِيبُوا" فاستُغْنِيَ به عن الجواب. وقوله ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ هذه اللام للابتداء كما فسرت لك.
﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
قال ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: "ولا مِنَ المُشْرِكِين" لا يَوَدُّونَ ﴿أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ .
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
قال ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وقال بعضهم ﴿نَنْسَأْها﴾ أي نُؤَخِّرْها، وهو مثل ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ
следующие страницы →