Полный текст (582 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَتُخْضَبَ لِحيَةٌ غَدَرَتْ وخانتْ * بِأَحْمَرَ من نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
[٣١ء] فنصب هذا كله لأنه نوى أن يكون الأوّل اسما فأضمر بعد الواو "أنْ" حتى يكون اسما مثل الأول فتعطفه عليه. وأما قوله ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ و ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهذا على جواب التمني، لأنَّ معناه "لَيْتَ لَنّا كَرَّةً". وقال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والأربعون] :
فلستُ بمدركٍ ما فاتَ مني * بـ"لهفَ" ولا بـ"ليتَ" ولا "لواني"
فأنزل "لوَاني" بمنزلة "ليْتَ" لان الرجل اذا قال: "لَو أنّي كنتُ فعلتُ كذا وكذا "فانما تريد "ودِدتُ لو كنتُ فَعلْتُ". وإنَّما جازَ ضمير "أَنْ" في غير الواجب لأن غير الواجب يجيء ما بعده على خلاف ما قبله ناقضا له.
فلما حدث فيه خلاف لأوله جاز هذا الضمير. والواجب يكون آخره على أوله نحو قول الله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فالمعنى: "إسمعوا أنزلَ اللهُ من السماءِ ماءً" فهذا خبر واجب و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنبيه. وقد تنصب الواجب في الشعر. قال الشاعر:
стр. 72
[من الوافر وهو الشاهد الثاني والأربعون] :
سأترُكُ منزلي لِبني تَميمٍ * وأَلْحَقُ بالحجاز فأستريحا
وهذا لا يكاد يعرف. وهو في الشعر جائز. وقال طرفة [من الطويل وهو الشاهد الثالث والأربعون] :
[٣١ب] لها هَضْبَةٌ لا يَدْخُلُ الذُلُّ وَسْطَها * ويأوى اليها المستجيرُ فيُعْصَما
واعلم ان اظهار ضمير "أن" في كل موضع أضمر فيه من الفاء لا يجوز الا ترى انك اذا قلت: "لا تأتِه فيضرِبَك" لم يجز أن تقول: "لا تأْتِه فأنْ يضرِبَكَ" وانما نصبته على "أنْ" فلا يسحن اظهاره كما لا يجوز في قولك "عسى أنْ تفعلَ": "عسى الفعل" ولا في قولك: "ما كان ليفعل": "ما كان لان يفعل" ولا إظهار الاسم الذي في قولك "نعم رجلاً" فرب ضمير لا يظهر لأن الكلام إنما وضع على أن يضمر فاذا ظهر كان ذلك على غير ما وضع في اللفظ فيدخله اللبس.
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾
أما قوله ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ فانما يعني "الزَلَلَ" تقول: "زَلَّ فلانُ" و "أَزْلَلْتُه" و: "زالَ فلانُ" و "أَزالَهُ فُلانُ" والتضعيف القراءة الجيدة وبها نقرأ. وقال بعضهم:
﴿فأزالَهُما﴾ أخذها من "زَالَ، يزولُ". تقول: "زالَ الرجلُ" و "أزالَهُ فلان".
стр. 73
وقال ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فانما قال ﴿اهْبِطُواْ﴾ والله اعلم لأنّ إبليسَ كان ثالثهم فلذلك جمع.
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿فَتَلَقَّىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ فجعل آدم المتلقى. وقد قرأ بعضهم ﴿آدمَ﴾ نصبا ورفع الكلمات جعلهن المتلّقِيات.
﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
قال ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ [٣٢ء] وذلك أن "إمّا" في موضع المجازاة وهي "إما" لا تكون "أَمَا" وهي "إنْ" زيدت معها "ما" وصار الفعل الذي بعدها بالنونِ الخفيفةِ أو الثقيلة وقد يكون بغير نون. وإنَّما حسنت فيه النون لما دخلته "ما" لأنَّ "ما" نفي وهو ما ليس بواجب وهي من الحروف التي تنفي الواجب فحسنت فيه النون نحو قولهم "بِعينٍ مّا أَرَيَنَّك" حين أدخلت فيها "ما" حسنت النون.
стр. 74
ومثل "إمّا" ها هنا قوله ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً﴾ وقوله ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ [٩٣] رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فالجواب في قوله ﴿فَلاَ تَجْعَلْنِي﴾ . وأشباه هذا في القرآن والكلام كثير. واما "إمّا" في غير هذا الموضع الذي يكون للمجازاة فلا تستغني حتى ترد "إمّا" مرتَيْن نحو قوله ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ ونحو قوله ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ وانما نصب لأنّ "إمّا" هي بمنزلة "أوْ" ولا تعمل شيئاً كأنه قال "هَدَيْناهُ السبيلَ شاكراً أوْ كَفُورا" فنصبه على الحال و "حتى رَأَوْا ما يُوعَدُون العذابَ أَوْ الساعة" فنصبه على البدل.
وقد يجوز الرفع بعد "إمّا" في كل شيء يجوز فيه الابتداء [و] * لو قلت: "مررت برجل إمّا قاعدٍ وإمّا قائمٍ" جاز. وهذا الذي في القرآن جائز ايضاً، ويكون رفعا الا انه لم يقرأ.
وأما التي تستغني عن التثنية فتلك تكون مفتوحة الالف [٣٢ب] أبدا نحو قولك "أَمّا عبد الله فمنطلق" وقوله ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ [٩] وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ و ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ . فكلُّ ما لم يحتج فيه الى تثنيةِ "أَمّا" فألفها مفتوحة الا تلك التي في المجازاة.
و"أَمّا" ايضاً لا تعمل شيئا الا ترى انك تقول ﴿وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾ فتنصبه بـ"تنهر" ولم تغيّر "أمّا" شيئا منه.
стр. 75
باب الاضافة.
اما قوله ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فانفتحت هذه الياء على كل حال لان الحرف الذي قبلها ساكن. وهي الالف التي في "هُدَى". فلما احتجت الى حركة الياء حركتها بالفتحة لانها لا تحرك الا بالفتح. ومثل ذلك قوله ﴿عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ ولغة للعرب يقولون "عصَيَّ يا فَتى" و ﴿هُدَيَّ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ لما كان قبلها حرف ساكن وكان الفا، قلبته الى الياء حتى تدغمه في الحرف الذي بعده فيجرونها مجرى واحدا وهو أخف عليهم. واما قوله ﴿هذامَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ و ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [و] ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ . فانما حركت بالاضافة لسكون ما قبلها وجعل الحرف الذي قبلها ياء ولم يقل "عَلايَ" ولا "لَدايَ" كما تقول "على زيد" و "لدى زيد" ليفرقوا بينه وبين الأسماء، لان هذه ليست بأسماء. و "عَصايَ" و "هُدايَ" [٣٣ء] و "قَفايَ" اسماء. وكذلك ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ و ﴿يابُشْرَايا هذاغُلاَمٌ﴾ لأنَّ آخر "بُشْرى" ساكن. وقال بعضهم ﴿يا بُشْراي هذا غلام﴾ لا يريد الاضافة، كما تقول "يا بشارة".
فاذا لم يكن الحرف ساكنا كنت في الياء بالخيار, ان شئت أسكنتها وان شئت
стр. 76
فتحتها نحو ﴿إِنِّيْ أَنَا اللَّهُ﴾ و ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ ، و ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيْ مُؤْمِناً﴾ و ﴿بَيْتِيَ﴾ [و] ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيْ إِلاَّ فِرَاراً﴾ و ﴿دُعَآئِي إِلاَّ﴾ . وكذلك اذا لقيتها الف ولام زائدتان فان شئت حذفت الياء لاجتماع الساكنين وان شئت فتحتها كيلا يجتمع حرفان ساكنان. الا ان احسن ذلك الفتح نحو قول الله ﵎ ﴿جَآءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي﴾ و ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي﴾ وأشباهِ ذا. وبه نقرأ. وإنْ لقيته ايضاً ألف وصل بغير لام فأنت فيه أيضاً بالخيار إلاّ أَنَ أحسنه في هذا الحذف وبها نقرأ ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ و ﴿هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ .
فاذا كان شيء من هذا الدعاء حذفت منه الياء نحو ﴿ياعِبَادِ
стр. 77
فَاتَّقُونِ﴾ و ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ و ﴿رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ .
ومن العرب من يحذف هذه الياءات في الدعاء وغيره من كل شيء. وذلك قبيح قليل الا ما في رؤوس الآيْ، فانه يحذف الوقف. [٣٣ب] كما تحذف العرب في أشعارها من القوافي نحو قوله: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والاربعون] :
[أَبا مُنْذِرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا] * حنانيكَ بعضُ الشرِّ أَهونُ من بَعْضِ
وقوله: [من الوافر وهو الشاهد الخامس والأربعون] :
[ألا هُبِّي بِصَحْنِكِ فاصبَحينا] * وَلا تُبْقِي خُمورَ الأنْدَرينَ
اذا وقفوا فاذا وصلوا قالوا: "من بعض" و "الأنْدرينا" وذلك في رؤوس الاي كثير نحو قوله ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [و] ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ . فاذا وصلوا أثبتوا الياء. وقد حذف قوم الياء في السكوت والوصل وجعلوه على تلك اللغة القليلة وهي قراءة العامة وبها نقرأ لان الكتاب عليها.
وقد سكت قوم بالياء
стр. 78
ووصلوا بالياء، وذلك على خلاف الكتاب، لان الكتاب ليست فيه ياء وهي اللغة الجيدة. وقد سمعنا عربيا فصيحا ينشد: [من الطويل وهو الشاهد السادس والاربعون] :
فما وَجَدَ النَّهْدِيُ وَجْداً وَجَدْتُهُ * ولا وَجَدَ العُذْرِيُّ قبلِ جَمِيلُ
يريد "قبلِي" فحذف الياء. وقد أعمل بعضهم "قَبْل" اعمال ما ليس فيه ياء فقال: "قبلُ جميل" وهو يريد "قبلي". كما قال بعضُ العرب "يا ربُّ اغفِر لي" فرفع وهو يريد "يا ربّي".
واما قوله ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ﴾ و ﴿أَضَلُّونَا السَّبِيلاْ﴾ فتثبت فيه الالف لانهما رأس آية، لان قوما من العرب يجعلون أواخر القوافي اذا سكتوا عليها على مثل حالها اذا وصلوها وهم اهل الحجاز. [٣٤ء] وجميع العرب اذا ترنموا في القوافي أثبتوا في أواخرها الياء والواو والالف. وأما قوله ﴿ياأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ﴾ فأنث هذا الاسم بالهاء كقولك "رجُلٌ رَبْعَةٌ" و "غُلامٌ يَفَعَةٌ". او يكون ادخلها لما نقص من
стр. 79
الاسم عوضا. وقد فتح قوم كأنهم أرادوا "يا أبتا" فحذفوا الالف كما يحذفون الياء, كما قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الحادي والاربعون] :
[ولست بمدرك ما فات مني] * "لهفَ" ولا بـ"ليتَ" ولا لَوَآني"
يريد: "لَهْفاه". ومما يدلك على ان هذا الاسم أنث بالهاء قول الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع والاربعون] :
تقولُ ابنتي لما رأتنِيَ شاحِباً * كأنَّكَ فينا يا أَبات غريبُ
فرد الالف وزاد عليها الهاء كما أنثَ في قوله "يا أمتاه" فهذه ثلاثة أحرف. ومن العرب من يقول: "يا أمَّ لا تفعلي" رخّم كما قال: "يا صاحِ". ومنهم من يقول "يا أميّ" و"يا أبي" على لغة الذين قالوا: "يا غلامِي. ومنهم من يقول "يا أبِ" و"يا أمِّ" وهي الجيدة في القياس.
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
أما قوله ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فمن العرب من يهمِزُ ومنهم من لا يهمز. ومنه من يقول ﴿إسرَائِل﴾ يحذف الياء التي بعد الهمزة ويفتح الهمزة ويكسرها.
стр. 80
باب المجازاة.
فاما قوله ﴿وَأَوْفُواْ [٣٤ب] بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فانما جزم الآخر لانه جواب الامر، وجواب الامر مجزوم مثل جواب ما بعد حروف المجازاة، كأنه تفسير "إنْ تَفْعلوا" أُوفِ بَعَهْدِكُم وقال في موضع آخر ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ وقال ﴿فَذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ فلم يجعله جوابا، ولكنه كأنهم كانوا يلعبون فقال "ذَرْهُم في حال لعبهم" وقال ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ وليس من أجل الترك يكون ذلك، ولكن قد علم الله انه يكون وجرى على الاعراب كأنه قال: "إنْ تركتهم أَلْهاهُم الامل" وهم كذلك تركهم او لم يتركهم. كما ان بعض الكلام يعرف لفظه والمعنى على خلاف ذلك , وكما ان بعضهم يقول: "كَذَبَ عليكُمُ الحجّ".
فـ"الحجُّ" مرفوع وانما يريدون ان يأمروا بالحج. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الثامن والاربعون] :
كَذَبَ العتيقُ وماءُ شنٍّ باردٍ * إن كنتِ سائِلتي غَبوقاً فاذْهَبي
وقال: [من الوافر وهو الشاهد التاسع والاربعون] :
وذُبْيانِيةٌٍ توصي بينها * أَلا كَذَبَ القراطِفُ والقُروفُ
стр. 81
قال ابو عبد الله: "القَراطِفُ"، واحدها "قَرْطَفٌ": وهو كل ما له خَمَلٌ من الثياب. و "القُروفُ"، واحدها "قَرْفٌ": وهو وعاءٌ من جلود الابل [٣٥ء] كانوا يَغَلون اللحم ويحملونه فيه في أسفارهم". ويقولون "هذا جُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ" والخرب هو الجُحْرُ. ويقولون، [أحدهم] : "هذا حبُّ رُمّاني". فيضيف الرُمّان اليه وانما له الحبّ وهذا في الكلام كثير.
وقوله ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ و ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فأجراه على اللفظ حتى صار جوابا للامر. وقد زعم قوم ان هذا انما هو على "فَلْيَغْفِروا" و"قُلْ لَعِبادي فَليَقولوا" وهذا لا يضمر كله يعني الفاء واللام. ولو جاز هذا [لَـ] جاز قول الرجل: "يَقُمْ زَيْدٌ"، وهو يريد "لَيَقُمْ زَيْدٌ". وهذا الكلمة أيضاً أمثل لانك لم تضمر فيها الفاء مع اللام.
وقد زعموا ان اللام قد جاءت مضمرة, قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الخمسون] :
مُحَمَّدُ تَفْد نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ * إذا ما خِفْتَ من شَيْءٍ تَبالا
стр. 82
يريد: "لِتَفْدِ", وهذا قبيح. وقال: "تَقِ اللهَ امرُؤٌ فعل كذا وكذا" ومعناه: "ليَتَّق اللهَ". فاللفظ يجيء كثيرا مخالفاً للمعنى. وهذا يدل عليه. قال الشاعر في ضمير اللام: [من الطويل وهو الشاهد الحادي والخمسون] :
على مثلِ أصحاب البعوضَةِ فَاخمِشي * لكِ الويلُ حُرَّ الوَجْهِ أو يَبْكِ من بكى
يريد "ليبكِ مَنْ بكى" فحذف [٣٥ب] وسمعت من العرب من ينشد هذا البيت بغير لام: [من الطويل وهو الشاهد الثاني والخمسون] :
فَيَبْكِ على المِنْجابِ أضيافُ قَفْرةٍ * سَرَوْا وأُسارى لم تُفَكَّ قيودُها
يريد: "فَلْيَبْكِ" فحذف اللام.
باب تفسير أنا وأنت وهو
باب تفسير أنا وأنت وهو.
وأما قوله ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [و] ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [٤١] فقال ﴿وَإيّايَ﴾ وقد شغلت الفعل بالاسم المضمر الذي بعده الفعل. لان كل ما كان من الأمر والنهي في هذا النحو فهو منصوب نحو قولك: "زيداً فَاضْرِبْ أَخاهُ". لان الامر والنهي مما يضمران كثيراً ويحسن فيهما الاضمار، والرفع ايضاً جائز على ان لا يضمر. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون] :
وقائِلَةٍ خولانَ فانكَحْ فتاتَهُمْ * وأُكْرومَةُ الحَيَّيْنِ خِلّوُكما هِيا
стр. 83
وأما قوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ [و] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ فزعموا - والله أعلم - ان هذا على الوحي، كأنه يقول "ومِمّا أَقُصُّ عليكمُ الزانيةُ والزاني، والسارقة والسارقُ". ثم جاء بالفعل من بعد ما اوجب الرفع على الأول على الابتداء وهذا على المجاز كأنه قال "أمرُ السارقِ والسارِقة وشأنُهما مما نَقُصَّ عليكم" [٣٦ء] ومثله قوله ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ثم قال ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ﴾ كأنه قال: "وَمِمّا أقُصُّ عليكُمْ مَثَلُ الجنة" ثم أقبل يذكر ما فيها بعد أن اوجب الرفع في الأول على الابتداء. وقد قرأها قوم نصبا اذ كان الفعل يقع على ما هو من سبب الأول، وهو في الامر والنهي. وكذلك ما وقع عليه حرف الاستفهام نحو قوله ﴿أَبَشَرَاً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُه﴾ . وانما فُعِلَ هذا في حروف الاستفهام لانه اذا كان بعده اسم وفعل كان أحسن ان يبتدأ بالفعل قبل الاسم، فان بدأت بالاسم أضمرت له فعلا حتى تحسن الكلام به واظهار ذلك الفعل قبيح.
وما كان من هذا في غير الامر والنهي والاستفهام والنفي فوجه الكلام فيه الرفع، وقد نصبه ناس من العرب كثير. وهذا الحرف قد قرىء نصباً ورفعا ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ .
وأما قوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فهو يجوز
стр. 84
فيه الرفع وهي اللغة الكثيرة غير ان الجماعة اجتمعوا على النصب، وربما اجتمعوا على الشيء كذلك مما يجوز والاصل غيره. لان قولك: "إنّا عَبدُ اللهِ ضَرَبْناهُ". مثل قولك: "عبدُ اللهِ ضَرَبْناهُ" لان معناهما في الابتداء سواء. قال الشاعر [من المتقارب وهو الشاهد الرابع والخمسون] :
[٣٦ب] فأَمّا تَمِيمٌ تَميمُ بنُ مُرٍّ * فأَلْفاهُمُ القومُ رَوْبى نِياما
وقال [من الطويل وهو الشاهد الخامس والخمسون] :
إذا ابنُ أبي مُوسى بلالٌ بلغتِهِ * فقامَ بفأسٍ بينَ وَصْلَيكِ جازِرُ
ويكون فيهما النصب. فمن نصب ﴿وأَما ثَمُودَ﴾ نصب على هذا.
وأما قوله ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾ وقوله ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا﴾ ثم قال ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ وقال ﴿الرحمن [١] عَلَّمَ الْقُرْآنَ [٢] خَلَقَ الإِنسَانَ [٣] عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ ثم قال ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ وقال ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾ فهذا انما ينصب وقد سقط الفعل على الاسم بعده لان الاسم الذي قبله قد عمل فيه فأضمرت فعلا فأعملته فيه حتى يكون العمل من وجه واحد. وكان ذلك أحسن قال [الشاعر] : [من الوافر وهو الشاهد السادس والخمسون] .
نغالي اللحمَ للأضيافِ نَيْئاً * ونُرْخِصُه إذا نَضِجَ القُدورَ
стр. 85
يريد "نُغالي باللحم" فان قلت ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ﴾ ليس بنصب في اللفظ فهو في موضع نصب قد عمل فيه فعل كما قلت: "مررت بزيدٍ وعَمْراً ضربتُه، كأنك قلت: "مررت زيداً" وقد يقول هذا بعض الناس. قال الشاعر: [من المنسرح وهو الشاهد السابع والخمسون] :
أَصبحتُ لا أَحْمِلُ السلاحَ ولا * آمِلْكُ رأسَ البعيِرِ إنْ نَفَرا
والذيبَ أخشاهُ إنْ مَرَرْتُ بهِ * وَحدِي وأَخشى الرياحَ والمَطَرا
[٣٧ء] وكلُّ هذا يجوز فيه الرفع على الابتداء والنصب أجود وأكثر.
وأما قوله ﴿يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ فانما هو على قوله "يَغْشى طائفةً منكم وطائفةٌ في هذهِ الحال". [و] هذه واو ابتداء لا واو عطف، كما تقول: "ضربتُ عبْدَ اللهِ وزيدٌ قائم". وقد قرئت نصبا لأنها مثل ما ذكرنا، وذلك لانه قد يسقط الفعل على شيء من سببها وقبلها منصوب بفعل فعطفتها عليه وأضمرت لها فعلها فنصبتها به. وما ذكرنا في هذا الباب من قوله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [وقوله] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ﴾ ليس في قوله ﴿فَاقْطَعُواْ﴾ و ﴿فَاجْلِدُواْ﴾ خبر مبتدأ لان خبر المبتدأ هكذا لا يكون بالفاء.
стр. 86
[فـ] لو قلت "عبدُ اللهِ فَيَنْطَلِقُ" لم يحسن. وانما الخبر هو المضمر الذي فسرت لك من قوله "ومما نقص عليكم" وهو مثل قوله: [من الطويل وهو الشاهد الثالث والخمسون] :
وقائلةٍ خولانُ فانكحْ فتاتَهُم * [وأكرومةُ الحَيَّيْنِ خلوٌ كَما هِيا]
كأنه قال: "هؤلاءِ خَولانُ" كما تقول: "الهلالُ فانظرْ اليهِ" كأنك قلت: "هذا الهلالُ فانظُر إليه" فأضمر الاسم.
فأما قوله ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ فقد يجوز ان يكون هذا خبر المبتدأ، لان "الذي" اذا كان صلته فعل جاز ان يكون خبره بالفاء نحو قول الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ [٣٧ب] ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ثم قال ﴿فَأُوْلَائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ .
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾
باب الواو.
أما قوله ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ فلأنه حمل الكلام على "الصلاةِ". وهذا كلام منه ما يحمل على الأول ومنه ما يحمل على الاخر. وقال ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ فهذا يجوز على الأول والآخر، وأقيس هذا اذا ما كان بالواو ان يحمل عليهما جميعاً. تقول: "زيد وعمرو ذاهبان". وليس هذا مثل "أو" لان "أو" انما يخبر فيه عن أحد الشيئين. وأنت في "
стр. 87
أو" بالخيار ان شئت جعلت الكلام على الأول وان شئت على الآخر، وأن تحمله على الآخر أقيس لانك ان تجعل الخبر على الاسم الذي يليه [الخبر] فهو أمثل من أن تجاوزه الى اسم بعيد منه. قال ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾ فحمله على الأول، وقال في موضع آخر ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ وقال ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ فحمله على الآخر. قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الثامن والخمسون] :
أمّا الوَسامَةُ أو حُسْنُ النِساءِ فَقَدْ * أُوتيتِ مِنْهُ لو انَّ العقلَ محتَنِكُ
وقال ابنُ أحمر: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والخمسون] :
[٣٨ء] رماني بداءٍ كنتُ منهُ ووالدي * بريئاً ومن أَجْلِ الطَوِيِّ رماني
وقال الآخر: [من المنسرح وهو الشاهد الستون] :
نحنُ بِما عندَنا وأنتَ بما * عندَكَ راضٍ والرأيُ مُخْتَلِفُ
وهذا مثل قول البرجمي: [من الطويل وهو الشاهد الحادي والستون] :
مَنْ يكُ أمْسى بالمدينةِ دارُهُ * فإنّي وَقَيّاراً بِها لَغَرِيبُ
стр. 88
وأما قوله ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ﴾
فانتصب ﴿الْعِجْلَ﴾ لانه مفعول به، تقول: "عجبت من ضربِكَ زيداً". وقوله ﴿بَارِئِكُمْ﴾ مهموز لانه من [٤٢ب] "برأ اللهُ الخلقَ" "يَبْرأُ" "بَرْءاً". وقد قرأ بعضهم هذه الهمزة بالتخفيف فجعلها بين الهمزة وبين الياء. وقد زعم قوم انها تجزم ولا أرى ذلك الا غلطا منهم، سمعوا التخفيف فظنوا انه مجزوم والتخفيف لا يفهم الا بمشافهة* ولا يعرف في الكتاب. ولا يجوز الاسكان، الا ان يكون اسكن وجعلها نحو "عَلْمَ" و"قَدْ ضُرْبَ" و"قَدْ سَمْعَ" ونحو ذلك.
سمعت من العرب من يقول: ﴿جَآءَتْ رُسُلْنا﴾ جزم اللام وذلك لكثرة الحركة قال الشاعر: [من السريع وهو الشاهد الثاني والسبعون] :
وأنتِ لو باكرتِ مَشْمولَةً * صهباءَ مثلَ الفَرَسِ الأشْقَرِ
رُحْتِ وفي رجلَيكِ ما فيهما * وقد بَداهَنْكِ من المِئزِرِ
وقال امرؤ القيس [من السريع وهو الشاهد الثالث والسبعون] :
فاليومَ أشربْ غيرَ مُستحقبٍ * إِثماً من اللهِ ولا واغِلِ
وقال آخر: [من الرجز وهو الشاهد الرابع والسبعون] :
* إنَّ بَنِي ثَمَرَةْ فُؤادي *
وقال آخر: [من الرجز وهو الشاهد الخامس والسبعون] :
يا عَلْقَمة يا عَلْقَمة يا علقمة * خيرَ تميمٍ كلِّها وأَكرمَهْ
وقال: [من الرجز وهو الشاهد السادس والسبعون] :
إذا اعوججْنَ صاحبْ قَوِّمِ * بالدَّوِّ أمثالَ السفينِ العُوَّمِ
ويكون "رُسُلْنا" على الادغام، يدغم اللام في النون ويجعل فيها غنة. [٤٣ء] والاسكان في ﴿بارئْكُم﴾ على البدل لغة الذين قالوا: "أَخْطَيْت" وهذا لا يعرف.
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
باب اسم الفاعل.
قال ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ فأضاف قوله ﴿مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ ولم يقع الفعل. وانما يضاف اذا كان قد وقع الفعل تقول: "هم ضاربوا ابيك" اذا كانوا قد ضربوه. واذا كانوا في حال الضرب او لم يضربوا قلت: "هم ضاربون أخاك" الا ان العرب قد تستثقل النون فتحذفها في معنى اثباتها وهو نحو ﴿مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ مثل ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ولم تذق بعد. وقد قال بعضهم: ﴿ذائقةٌ الموتَ﴾ على ما فسرت لك. وقال الله جل ثناؤه ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ وهذا قبل الارسال ولكن حذفت النون استثقالا. وقال ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ فأثبت التنوين لانه كان في الحال. وقال ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً﴾ على ذلك ايضاً. وزعموا [٣٨ب] ان هذا البيت ينشد هكذا: [من البسيط وهو الشاهد الثاني والستون] :
هل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجَتِنا * او عبد ربٍّ أخا عمرو بنِ مِخْراقِ
стр. 89
فأضاف ولم يقع الفعل ونصب الثاني على المعنى لان الأول فيه نية التنوين، كقول الله جل وعزّ ﴿وَجَعَلَ الْلَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً﴾ ولو جررت "الشمس" و"القمر" و"عبد رب اخا عمرو" على ما جررت عليه الأول جاز وكان جيدا. وقال ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ﴾ فالنصب وجه الكلام لأنَّك لا تجرى الظاهر على المضمر، والكاف في موضع جرّ لذهاب النون. وذلك لان هذا اذا سقط على اسم مضمر ذهب منه التنوين والنون ان كان في الحال وان لم يفعل، تقول: "هو ضاربُك الساعةَ أو غداً" و"هم ضاربوك". واذا أدخلت الالف واللام قلت: "هو الضارب زيداً" ولا يكون ان تجرّ زيداً لأن التنوين كأنه باق في "الضارب" اذا كان فيه الالف واللام، لأن الالف واللام تعاقبان التنوين. وتقول: "هما الضاربانِ زيداً" و"هما الضاربا زيدٍ" لأن الألف واللام لا تعاقبان التنوين في الاثنين والجمع. فاذا أخرجت النون من الاثنين والجمع من اسماء الفاعلين [٣٩ء] أضفت وان كان فيه الالف واللام، لأن النون تعاقب الاضافة وطرح النون ها هنا كطرح النون في قولك: "هما ضاربا زيد" ولم يفعلا، لأن الأصل في قولك: "الضاربان" اثبات النون لأن معناه واعماله مثل معنى "الذي فعل" واعماله. قال الشاعر: "من المنسرح وهو الشاهد الثالث والستون] :
الحافظو عورةِ العشيرِ لا * يأتيُهمُ من ورائِنا نطف
стр. 90
وفي كتاب الله ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ﴾ وقد نصب بعضهم فقال ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةَ﴾ و"الحافظو* عورةَ" استثقالاً للاضافة كما حذفت نون "اللَذينِ" و "الذينَ". قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الرابع والستون] :
أَبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَذا * قَتَلا المُلوكَ وَفَكَّكا الأغْلالا
وقال: ﴿من الطويل وهو الشاهد الخامس والستون] :
فإنّ الذي حانَتْ بفَلْجٍ دماؤُهم * همُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالد
فالقى النون. وزعموا أن عيسى بنَ عمر كان يجيز: [من المتقارب وهو الشاهد السادس والستون]
فألفيتُهُ غيرَ مُستَعْتِبٍ * ولا ذاكِرَ اللهَ الاّ قليلا
كأنه انما طرح التنوين لغير معاقبة اضافة وهو قبيح الا في كل ما كان معناه "اللذين" و "الذين" فحينئذ يطرح منه ما طرح من ذلك. ولو جاز هذا البيت لقلت: "هم ضاربو زيدا" وهذا لا يحسن. وزعموا أن بعض [٣٩ب] العرب
стр. 91
قال ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ وهو أبو السَمّال وكان فصيحا. وقد قرىء هذا الحرف ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو الْعَذَابَ الأَلِيمِ﴾ وهو في البيت أمثل لانه اسقط التنوين لاجتماع الساكنين. واذا ألحَقْتَ النونَ نصبت لان الاضافة قد ذهبت، قال ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [و] وقال ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السابع والستون]
النازلونَ بكلِّ معتَرَكِ * والطيبونُ معاقدَ الأُزْرِ
﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾
باب اضافة الزمان الى الفعل.
قال ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ فنون اليوم لانه جعل "فيه" مضمرا، وجعله من صفة اليوم كأنه
стр. 92
قال "يوماً لا تَجْزِى نفسٌ عن نفسٍ فيه شيئاً". وانما جاز إضمار "فيه" كما جاز اضافته الى الفعل تقول: "هذا يومُ يفعل زيد". وليس من الأسماء شيء يضاف الى الفعل غير اسماء الزمان، وذلك جاز اضمار "فيه". وقال قوم: "إنَّما أضمر الهاء اراد "لا تَجْزِيهِ" وجعل هذه الهاء اسما لليوم مفعولا، كما تقول: "رأيتُ رجلاً يحبُّ زيدٌ" تريد: "يحبُّه زيد". وهو في الكلام يكون مضافا، تقول: "اذكر يومَ لا ينفعُكَ شيء" أي: "يومَ لا منفعة" [٤٠ء] وذلك أن اسماء الحين قد تضاف الى لفعل قال ﴿هذايَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ أي "يومُ لا نطقَ"، وقد يجوز فيه "هذا يومُ لا ينطِقون" اذا أضمرت "فيهِ" وجعلته من صفة "يوم" لأنّ يوما نكرة وقد جعلت الفعل لشيء من سببه وقدمت الفعل. فالفعل يكون كله من صفة النكرة كأنك أجريته على اليوم صفة له اذا كان ساقطا على سببه، وقد قال بعضهم ﴿هذايَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ وكذلك ﴿هذايَوْمُ الْفَصْلِ﴾ وكل ما أشبه هذا فهو مثله. ولا يضاف الى الفعل شيء الا الحين، الا انهم قد قالوا [من الوافر وهو الشاهد الثامن والستون] :
بآيةِ تقدِمون الخيلَ زُورا * كأنَّ على سنابِكِها مُداما
[وقالوا] [من الوافر وهو الشاهد التاسع والستون] :
стр. 93
أَلا من مُبْلِغٌ عَنّي تَميماً * بآيةِ ما تُحِبّونَ الطَّعاما
فأضاف "آية" الى الفعل. وقالوا: "إذهبْ بذي تَسْلَم" و"بذي تَسْلَمان" فقوله: "ذي" مضاف الى "تسلم" كأنه قال: "اذهبْ بِذِي سلامَتِكَ" وليس يضاف الى الفعل غير هذا. ولو قلت في الكلام: "واتقوا يومَ لا تَجزى نفسٌ فيهِ" فلم تنون اليوم جاز، كأنك أضفت وأنت لا تريد ان تجيء بـ"فيهِ" ثم بدالك بعد فجئت به، كما تقول: "اليومَ آتيكَ فيه" فنصبت "اليوم" لانك جئت بـ"فيه" بعد ما أوجبت النصب [٤٠ب] وقال قوم: "لا يجوز اضمار "فيه". الا ترى انك لا تقول: "هذا رجلٌ قصدتُ" وأنت تريد "إليه" ولا "رأيتُ رجلاً أرغَبُ" وأنت تريد "فيهِ" والفرقُ بينَهما أن اسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون في غيرها، وان شئت حملتها* على المفعول في السَعَةَ كأنك قلت: "واتقوا يوما لا تجزيه نفسٌ" ثم القيت الهاء كما تقول: "رأيتُ رجلاً أُحِبُّ" وأنت تريد "أحبه".
باب من التأنيث والتذكير.
اما قوله ﴿تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾
стр. 94
فهو مثل قولك: "لا تَجْزِي عنك شاة" و"يجزى عنك درهم" و "جَزى عنك درهمٌ" و"وجَزَتْ عنك شاةٌ". فهذه لغة أهل الحجاز لا يهمزون. وبنو تميم يقولون في هذا المعنى: "أَجْزَأَتْ عنهُ وتُجزِىءُ عنه شاة" وقوله "شيئا" كأنه قال: "لا تُجْزِىءُ الشاةُ مُجْزى ولا تُغْنِي غَناءٌ". وقوله ﴿عَن نَّفْسٍ﴾ يقول: "مِنْها" أي: لا تكون مكانها.
وأما قوله ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ فانما ذكر الاسم المؤنث لان كل مؤنث فرقت بينه وبين فعله حسن أن تذكر فعله، إلاّ أَنَّ ذلك يقبح في الانس وما أشبههم مما يعقل. لأنَّ الذي يعقل أشد استحقاقا للفعل. وذلك ان هذا انما يؤنث ويذكر ليفصل بين [٤١ء] معنيين. والموات كـ"الارض" و "الجدار" ليس بينهما معنى كنحو ما بين الرجل والمرأة. فكل ما لا يعقل يشبه بالموات، وما يعقل يشبه بالمرأة والرجل نحو قوله ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ لما أطاعوا صاروا كمن يعقل، قال ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فذكر الفعل حين فرّق بينه وبين الاسم، وقال ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ وتقرأ ﴿تُؤْخَذُ﴾ . وقد يقال أيضاً ذاك في الانس، زعموا أنهم يقولون "حَضَر القاضيَ امرأةٌ". فأما فعل الجميع فقد يذكّر ويؤنث لأن تأنيث الجميع ليس بتأنيث الفصل الا ترى أنك تؤنث جماعة المذكرّ فتقول: "هِيَ الرَِّجالُ" و"هِيَ القومُ"، وتسمي رجلا بـ"بعال" فتصرفه لان هذا تأنيثٌ مثلُ التذكير، وليس بفصل.
стр. 95
ولو سميته بـ"عَناقِ" لم تصرفه، لان هذا تأنيث لا يكون للذكر، وهو فصل مابين المذكر والمؤنث تقول: "ذهب الرجل" و"ذهبت المرأة" فتفصل بينهما. وتقول: "ذهب النساء" و"ذهبت النساء" و"ذهب الرجال" و"ذهبت الرجال". وفي كتاب الله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ و ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ . قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السبعون] :
[٤١ب] فما تركتْ قومي لقومِكَ حَيَّةً * تَقَلَّبُ في بَحْرٍ ولا بَلَدٍ قَفْرِ
وقال ﴿جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [و] ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ . [و] قال الشاعر اشد من ذا وقد أخر الفعل، قال: [من المتقارب وهو الشاهد الثاني والثلاثون] :
فإمَّا تَرَيْ لِمَّتِى بُدِّلَّتْ * فإنَّ الحوادِثَ أَوْداى بها
اراد "أودتْ بها" مثل فعل المرأة الواحدة يجوز ان يذكر [فـ] ذكر هذا. وهذا التذكير في الموات اقبح وهو في الانس أحسن، وذلك ان كل جماعة من غير الانس فهي مؤنثة تقول: "هي الحمير" ولا تقول "هم". الا انهم قد قالوا: "أولئك الحمير"، وذلك أن "أولئك" قد تكون للمؤنث والمذكر تقول: "رأيت اولئك النساء". قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الحادي والسبعون] :
стр. 96
ذُمّى المنازِلُ بعدَ منزِلةِ اللِّوى * والعيشَ بعدَ أولئكِ الأيَّامِ
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾
أما قوله ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ و ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [٥٠] وامكنة كثيرة، فانما هي على ما قبلها، انما يقول: "إذكرُوا نعمتي" و"اذكُروا إذ نَجَّيْناكُم" و"اذكروا إذْ فَرَقْنا بكُم البَحْرَ" و"اذكرُوا إذْ قُلتُم يا مُوسى لَنْ نَصْبِر" وقال بعضهم "فرّقنا".
باب أَهْل وآل.
وقوله ﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ وقد قال ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فانما حدث عما كانوا يلقون منهم. و ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ في موضع رفع وان شئت جعلته في موضع نصب على الحال كأنه يقول "واذ نَجَّيْناكُم من آلِ فرعَون سائِمين لكم" والرفع على الابتداء. واما "آلُ" فانها تحسن اذا أضيفت الى اسم خاص نحو: "أتيتُ آل زيد" و"أهل زيد"] *، و"أهل مكةَ" و"آلَ مكةَ" و"أهلَ المدينةِ" و"آلَ المدينةِ". ولو قلت: "أتيتُ آل الرجلِ" و"آل المرأةِ" لم يحسن، ولكن: "أتيتَ آلَ اللهِ" وهُم زعموا أهلُ مكة. وليس "آلُ" بالكثير في اسماء الارضين وقد سمعنا من يقول ذلك، وانما هي همزة أبدلت مكان الهاء مثل "هَيْهاتَ" و "أَيْهَاتَ".
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ﴾ يقول فرقنا بين الماءين حين مررتم فيه.
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾
قال ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ اي: واعدناه انقضاءَ اربعين ليلة، أي: رأسَ الأربعين، كما قال
стр. 97
﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [٤٢ء] وهذا مثل قولهم "اليومَ أربعونَ يوماً منذُ خرجَ" و"اليومَ يومانِ" أي: "اليومَ تمامُ الأربعين" و"تمامُ يَوْمَيْن".
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾
стр. 98
باب الفعل.
أما قوله ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فيقول: "جِهاراً" أي: "عِيانا يكشف ما بيننا وبينه" كما تقول: "جَهِرَتْ الرَكِيَّةُ" اذ كان ماؤها قد غطاه الطين فنفّي ذلك حتى يظهرَ الماء [و] يصفو.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
أما قوله ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فـ"الغَمامُ" واحدتُه "غَمامةٌ" مثل "السَّحابِ" واحدتُه "سَحابة". وأما "السَّلْوَى" فهو طائر لم يسمع له بواحد، وهو شبيه أن يكون واحده "سَلْوى" مثل جماعته، كما قالوا: "دِفْلَى" للواحد والجماعة، و"سُلامَى" للواحد والجماعة. وقد قالوا "سُلامَيات". وقالوا "حُبَارَى" للواحد، وقالوا للجماعة: "حُبارَيَات"، وقال بعضُهم للجماعة "حُبَارى". قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد السابع والسبعون] :
وأَشلاءُ لَحْمٍ من حُبارَى يصيدُها * إذا نَحْنُ شِئْنا صاحبٌ مُتَأَلَّفُ
стр. 99
وقالوا: "شُكَاعَى" للواحد والجماعة، وقال بعضهم للواحد: "شُكاعاة".
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَاذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾
قوله ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ اي: "قولوا": "لتكن منك حِطَّةٌِ لذُنُوبِنا" كما تقول للرجل: "سَمْعُكَ إلَيَّ". كأنهم قيل لهم: "قُولُوا: "يا رب لتَكُن [٤٣ب] مِنْكَ حِطَّةٌِ لِذُنوبِنا". وقد قرئت نصبا على انه بدل من اللفظ بالفعل. وكلُ ما كان بدلا من اللفظ بالفعل فهو نصب بذلك الفعل، كأنه قال: "أحْطُطْ عَنَّا حِطَّةً" فصارت بدلا من "حُطَّ" وهو شبيه بقولهم: "سَمْعٌ وطاعةٌ"، فمنهم من يقول: "سَمْعاً وطاعةَ" اذا جعله بدل: "أَسْمَعُ سمعا وأَطيعُ طاعَةً". واذا رفع فكأنه قال: أمْرِي سَمْعٌ وطاعَةٌ". قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والسبعون] :
اناخوا بأَيدي عُصْبَةٍ وسُيوفُهم * على أُمَّهاتِ الهامِ ضَرْباً شَآمِيا
وقال الآخَر: [من الوافر وهو الشاهد التاسع والسبعون] :
تَرَكْنا الخيلَ وَهْيَ عليهِ نَوْحاً * مُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونا
стр. 100
وقال بعضهم: "وَهْيَ عَلَيْهِ نَوْحٌ" جعلها في التشبيه هي النوح لكثرة ما كان ذلك منها كما تقول: "إنَّما أنتَ شَرٌّ" و"إنَّما هُوَ حِمارٌ" في الشبه، او تجعل الرفع كأنه قال: "وهْيَ عَلَيْهِ صاحِبَةُ نَوْحٍ"، فألقى الصاحبة وأقام النوح مُقامَها. ومثل ذلك قول الخنساء. [من البسيط وهو الشاهد الثمانون] :
تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حتَّى إذا ذَكَرَتْ * فَإنَّما هِيَ إقْبالٌ وإدْبارُ
ومثله ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ كأنهم قالوا: "مَوعَظتُنا إِياهُمْ مَعْذِرَةٌ" وقد نصب على: "نَعْتَذِرُ مَعْذِرَةً" وقال ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ [٤٤ء] على قوله ﴿إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ جعل الطاعة مبتدأ فقال ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ خير من هذا، او جعل الطاعة مبتدأ فقال "طاعةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوف خيرٌ من هذا". وزَعم يونس انه قيل لهم "قُولوا حِطَةٌ" أي: تكلموا بهذا الكلام. كأنه فُرِضَ عليهم أَنْ يقولوا هذه الكلمة مرفوعة.
стр. 101
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾
قال ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ وقال ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وقال بعضهم ﴿والرِجْزَ﴾ *. وذكروا أن "الرُجْزَ": صنم كانوا يعبدونه فأما "الرِجْزَ" فهو: "الرِجْسُ. [والرِجْسُ: النَجَس] وقال ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ و"النَجَسُ": القَذَر.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
قال ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ يكسر الشين بنو تميم، وأما أهل الحجاز فيسكنون ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ .
وقوله ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . من "عَثِيَ"* "يَعْثَى" وقال بعضهم: "يَعْثُو" من "عَثَوْتُ" فـ"أَنَا أَعْثُو" مثل: "غَزَوْتُ" فـ"أنَا أَغْزُو".
стр. 102
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾
باب زيادة "مِنُ".
أما قوله ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا﴾ فدخلت فيه (مِنْ) كنحو ما تقول في الكلام: "أهلْ البَصْرة يأكلون من البُرِّ والشَعير" وتقول: "ذهبتُ فَأصَبْتُ من الطَّعام" تريد "شَيْئا" ولم تذكر الشيء. وكذلك ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ﴾ شيئا، ولم يذكر الشيء وان شئت [٤٤ب] جعلته على قولك: "ما رأيت مِنْ أَحَدٍ" تريد: "ما رأيتُ أحَداً" و"هلْ جاءك مِنْ رَجْلٍ" تريد هل جاءك رَجُلٌ. فان قلت: "انما يكون هذا في النفي والاستفهام" فقد جاء في غير ذلك، قال ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فهذا ليس باستفهام ولا نفي. وتقول: "زيدْ مِنْ أَفْضَلِها" تريد: هو أفضلها، وتقول العرب: "قد كانَ مِنْ حَدِيثٍ فَخَلِّ عَنّي حتّى أذهب" يريدون: قَدْ كانَ حَديثٌ. ونظيره قولهم: "هَلْ لَكَ في كذا وكَذا" ولا يقولون: "حاجَةُ، و: لا عَلَيْكَ" يريدون: لا بَأَسَ عَلَيْكَ*.
وأما قوله ﴿اهْبِطُواْ مِصْراً﴾ وقال ﴿ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾ فزعم بعض الناس انه يعني فيهما جميعا "مِصْر" بعينها، ولكن ما كان من اسم مؤنث على هذا النحو "
стр. 103
هِنْد" و"جُمْل" فمن العرب من يصرفه ومنهم من لا يصرفه. وقال بعضهم: "أما التي في "يوسف" فيعني بها "مِصْرَ" بعينها، والتي في "البقرة" يعني بها مِصْراً من الأمصار.
وأما قوله ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ يقول: "رَجَعُوا بِهِ" اي صار عليهم، وتقول "باء بِذَنْبِهِ يَبُوءُ بَوْءاً". وقال ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ مثله.
باب من تفسير الهمز.
أما قوله ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [و] ﴿وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَآءَ﴾ كل ذلك [٤٥ء] جماعة العرب تقوله.
ومنهم من يقول ﴿النُّبَاءَ﴾ أولئك الذين يهمزون "النَبِىء" فيجعلونه مثل "عَريف" و"عُرَفاء". والذين لم يهمزوه جعلوه مثل بنات الياء فصار مثل "وَصِيّ" و"أَوْصِياء" ويقولون ايضاً: "هُمْ وَصِيُّونَ". وذلك ان العرب تحوّل الشيء
стр. 104
من الهمزة حتى يصير كبنات الياء، يجتمعون على ترك همزة نحو "المِنْسأَةِ" ولا يكاد أحد يهمزها الا في القرآن فان اكثرهم قرأها بالهمز وبها نقرأ، وهي من "نَسَأْتُ". وجاء ما كان من "رَأَيْتُ" على"يَفْعَلُ" أو"تَفْعَلُ" أو"نَفْعَلُ" أو"أَفْعَلُ" غير مهموز، وذلك ان الحرف الذي كان قبل الهمزة ساكن، فحذفت الهمزة وحرك الحرف الذي قبلها بحركتها كما تقول: "مَنَ ابوك". قال ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ وقال ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ وقال ﴿إِنَّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ﴾ وقال ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ . واما قوله ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ و ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ وما كان من "أَرَأَيْتَ" في هذا المعنى ففيه لغتان، منهم من يهمز ومنهم من يقول "أَريْتَ". وانما يفعل هذا في "أَرَأَيْتَ" هذه التي وضعت للاستفهام لكثرتها. فأما "أَرأَيْتَ زَيْداً" اذا أردت "أَبْصَرْتَ زَيَداً" فلا يتكلم بها إلاّ مهموزة [٤٥ب] أو مخففة. ولا يكاد يقال "أَرَيْتَ" لأَنَّ تلك كثرت في الكلام فحذفت كما حذفت في " [أَمَانَّه] ظريف" يريدون: "أَما إِنَّه ظَريفٌ" [ف] يحذفون ويقولون أيضاً "لَهِنَّكَ لَظَريفٌ" يريدون: " [لـ] إنَّكَ لَظَريفٌ". ولكن الهمزة حذفت كما حذفوا في قولهم:
стр. 105
[من البسيط وهو الشاهد الحادي والثمانون] :
لاهِ ابنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ * عَنّي وَلا أَنَتَ دَيّاني فَتَخْزُوني
وقال الشاعر "من الكامل وهو الشاهد الثاني والثمانون] :
أَرأيْتَ إنْ أَهْلَكْتُ مالِيَ كُلَّهُ * وَتَرَكْتُ مَا لَكَ فيمَ أَنْتَ تَلُومُ
[فَهَمَز] وقال الآخر: [من المتقارب وهو الشاهد الثالث والثمانون] :
ارَيْتَ امْرَءاً كنتُ لَمْ أَبْلُهُ * أَتَانِيْ وَقالَ اتَّخِذْنِي خَلِيلا
فلم يهمز. وقال [من الكامل وهو الشاهد الرابع والثمانون] :
يا خاتَِمَ النُّبَاءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ * بِالحَقِّ كُلُّ هُدَى السَّبيلِ هُداكا
واما قوله ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ [فـ] جعله اسما هنا كالعصيان يريد: بعصيانهم، فجعل "ما" و"عَصَوْا" اسما.
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَآءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
قوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ فهذا على الكلام الأول. يقول: "اذُكروا اذ أَخَذْنا ميثاقَكُم وَرَفَعَنا
стр. 106
فَوقَكُم الطورَ خُذُوا" يقول: "فَقلنا لَكُم": "خُذُوا". كما تقول: "أَوْحَيتُ إليْهِ: قُمْ" كأنه يقول: "أَوْحَيْتُ إلَيْهِ فقلتُ له: "قُمْ "وكان في قولك [٤٦] : "أَوْحَيْتُ إلَيْهِ" دليل على أَنَّكَ قد قلت له.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾
أما قوله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ يقول: "ولَقَد عَرَفْتُمْ" كما تقول: "لقد علِمت زَيْداً وَلَمْ أَكُنْ أَعلَمُه". وقال ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ يقول: "يَعْرِفُهُم". وقال ﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ أي: لا تَعْرِفُهم نَحْنُ نَعْرِفهُم. واذا أردت العلم الآخر قلت: "قَدْ عَلِمْتُ زَيْداً ظريفاً" لانك تحدث عن ظرفه. فلو قلت: "قدْ عَلِمْتُ زَيْداً" لم يكن كلاما.
وأما قوله ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فلانك تقول: "خَسَأْتُهُ" "فَخَسِىءَ" "يَخْسَأُ خَسْأً شديدا" فـ"هُوَ خَاسِىءٌ" و"هُمْ خاسِئُون".
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾
أما قوله ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً﴾ فتكون على القردة، وتكون على العقوبة التي نزلت بهم فلذلك أُنّثَت.
стр. 107
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
أما قوله ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ فمن العرب والقراء من يثقله، ومنهم من يخففه وزعم عيسى بن عمر أنّ كلَ اسمٍ على ثلاثة أحرف أَوَّلُهُ مَضْموم فمن العرب من من يثقله ومنهم من يخففه نحو: "اليُسُر" [و "اليُسْر"] ، و"العُسُر" [و"العُسْر"] ، و"الرُحُم" [و "الرُحْم"] . وقال بعضهم ﴿عُذْراً﴾ خفيفة ﴿أونُذُراً﴾ مثقلة، وهي كثيرة وبها نقرأ. وهذه اللغة التي ذكرها عيسى بن عمر تحرك أيضاً ثانية بالضم.
﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ﴾
أما قوله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ [٤٦ب] وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ﴾ فارتفع ولم يصر نصبا كما ينتصب النفي لان هذه صفة في المعنى للبقرة. والنفي المنصوب لا يكون صفة من صفتها، انما هو اسم متبدأ وخبره
стр. 108
مضمر, وهذا مثل قولك: "عبدُ اللهُ لا قائمٌ ولا قاعدٌ" أدخلت "لا" للمعنى وتركت الاعراب على حاله لو لم يكن فيه "لا".
﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾
أماقوله ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ﴾ فـ"الفاقِعُ": الشديد الصفرة. ويقال: "أَبْيضُ يَقَقٌ": أي: شديدُ البياض، و "لِهاقٌ" و"لَهَقٌ" و"لَهاقٌ"، و"أَخَضَرُ ناضِرٌ" و"أَحْمَرُ قانِىءٌ" و"ناصِعٌ" و"فاقِمٌ". ويقال: "قَدْ قَنَأَتْ لِحْيَتُهُ" فَـ"هي "تَقْنَأُ قُنُوءا" أي: احمّرت. قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الخامس والثمانون] :
............. * كَما قَنَأَتْ أَنامِلُ صاحِبِ الكَرْمِ
و"قاطِفُ الكَرْمِ". وقال آخر: [من الكامل وهو الشاهد السادس والثمانون] :
مِنْ خَمِرّ ذي نَطَفٍ أَغَنَّ كَأنَّما * قَنَأَتْ أَنامِلُهُ مِن الفِرْصادِ
المعاني الواردة في آيات سورة (البقرة)
﴿قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾
أما قوله ﴿إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [فـ] جعل "البَقَر" مذكرا مثل "التَمْر" و"البُسْر" كما تقول: "إنَّ زيداً
стр. 109
تَكَلَم يا فَتَى" وان شئت قلت (يَشّابهُ) وهي قراءة مجاهد. ذكّر "البقر" يريد ﴿يَتَشابَهُ﴾ ثم أدغم التاء في الشين. ومن أَنَّث البقَر" قال ﴿تَشّابَهُ﴾ فادغم، وان شاء حذف التاء الاخرة ورفع كما تقول [٤٧ء] "إنَّ هذِهِ تَكَلَّمُ يا فَتِى" لانها في "تَتَشابَهُ" احداهما تاء "تَفْعَلُ" والاخرى التي في "تَشابَهَتْ" فهو في التأنيث معناه "تَفْعَلُ". وفي التذكير معناه "فَعَلَ" و "فَعَلَ" أبدا مفتوح كما ذكرت لك والتاء محذوفة اذا أردت التأنيث لانك تريد "تَشابَهَتْ" فـ" هي "تَتشابهُ" وكذلك كل [ما كان] من نحو "البَقَرِ" ليس بين الواحد والجماعة [فيه] الا الهاء، فمن العرب من يذكره ومنهم من يؤنثه، ومنهم من يقول: "هي البُرُّ والشعير" وقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ فأنث على تلك اللغة وقال "باسقات" فجمع لان المعنى جماعة. وقال الله جل ثناؤه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ فذكر في لغة من يذكر وقال ﴿وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ فجمع على المعنى لان المعنى معنى سحابات. وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ وقال ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ على المعنى واللفظ.
وقد قال بعضهم:
стр. 110
﴿إنَّ الباقِرُ﴾ مثل "الجامِل" يعني "البَقَرَ" و"الجِمالَ" قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد السابع والثمانون] :
مالِي رأيتُكَ بعد أَهْلِكَ مُوحِشا * خَلِقاً كَحَوْضِ الباقِرِ المُتَهَدِّمِ
وقال: [من الطويل وهو الشاهد الثامن والثمانون]
[فَإِنْ تَكُ ذا شاءٍ كَثِيرٍ فإنَّهُمْ] * ذَوُو جامِلٍ لا يَهْدَأُ اللَّيْلَ سامِرُهُ
وأما قوله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [٤٧ب] ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ [٧١] "مسلمة" على "إنَّها بَقَرَةٌ مُسَلَّمةٌ".
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾
﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ يقول: "لا وَشْيَ فيها" من "وَشَيْتُ شِيَةً" كما تقول: "وَدَيْتُه دِيَةً" و"وَعَدْتُهُ عِدَةً". واذا استأنفت (ألآن) قطعت الألفين جميعا لأن الألِفَ الأولى مثل ألف "الرَّجل" وتلْك تُقطع إذا استُؤنفت، والأُخرى همزة ثابتة تقول "ألآن" فتقطع ألف الوصل، ومنهم من يذهبها ويثبت الواو التي
следующие страницы →