← Тафсир

Тафсир · id 22371

معانى القرآن للأخفش

الأخفش الأوسط

Полный текст (582 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فجعل "إنَّ" و"ما" حرفاً واحداً واعمل "صَنَعُوا" كما تقول: "إنَّما ضَرَبُوا زَيْداً". ومن جعل "ما" بمنزلة "الذي" يرفع الكيد*. ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال تعالى ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ فنصبه على الحال: ويكون على البدل على قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ [٣٣] [٨٤ب] [وقال تعالى] ** ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [٣٥] فقوله ﴿مُحَرَّراً﴾ على الحال. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذاقَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال تعالى ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وقال بعضهم ﴿وَكَفَلَها زكرياءُ﴾ و ﴿كَفِلَها﴾ ايضاً ﴿زَكَريّا﴾ وبه

стр. 212

نقرأُ وهما لُغَتَانِ. وقال بعضهم ﴿وَكَفِلَها زَكَرياء﴾ بكسر الفاء. ومن قال: "كَفَلَ" قال "يَكْفُلُ" ومن قال "كَفِلَ" [قال] "يَكْفَلُ". وأما "كَفُلَ" فلم اسمعها وقد ذكرت. وقال تعالى ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فهذا مثل كلام العرب "يأكُلُ بِغَيْرِ حسابٍ" أي: لا يَتَعصَّبُ عَلَيْه ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ. و ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ و ﴿أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ يقول: "ليس في حسابه فكر ولا روية ولا تذّكر".

стр. 213

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ قال الله تعالى ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ لأن النون [في "لَدُنْ"] ساكنة مثل نون "مَنْ" وهي تترك على حال جزمها في الاضافة لانها ليست من الأسماء التي تقع عليها الحركة، ولذلك قال ﴿مِنْ لَدُنّا﴾ ، وقال تعالى ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ فتركت ساكنة. وقال تعالى ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَآءِ﴾ مثل "كثيرُ الدُّعاء" لأنه يجوز فيه الألف واللام تقول: "أنتَ السَّمِيعُ الدُّعاءِ" ومعناه "إِنَّكَ مَسْمُوعُ الدُّعاءِ" أي: "إِنَّكَ تَسْمَعُ ما يُدْعَى بِهِ". ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال تعالى ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ*] أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ لأَنَّهُ كأنه قال ﴿نَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ فقالت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ وما بعد القول حكاية [٨٥ء] . وقال بعضهم ﴿أَنَّ اللهَ﴾ يقول: "فنادته الملائكة بذلك ". وقال تعالى ﴿بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ وقوله ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ معطوف على "مُصَدِّقاً" على الحال. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ قال تعالى ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ﴾ كما تقول "وَقَدْ بَلَغَنِي الجَهْدُ" أي: أَنَا في الجَهْدِ والكِبَر. ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ قال ﴿ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ يريد: "أَنْ لا تُكَلِّمَ الناسَ إلاَّ رَمْزاً" وجعله استثناء خارجاً من أول الكلام. والرمز: الايماء.

стр. 214

﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ﴾ قال ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يامَرْيَمُ﴾ فـ"إذْ" ها هنا ليس له خبر في اللفظ. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ قال الله تعالى ﴿إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ لأنَّ كل ما كان من طلب العلم فقد يقع بعده الاستفهام. تقول: "أَزَيْدٌ في الدّارِ"؟ و: "لَتَعْلَمَنَّ أَزَيْدٌ فِي الدّار". وقال ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ أي: لننظر. وقال تعالى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ وأَمَّا قوله ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَانِ عِتِيّاً﴾ فلم يرتفع على مثل ما ارتفع عليه الأول [٨٥ب] لأن قوله ﴿لَنَنزِعَنَّ﴾ ليس بطلب علم. ولكن لما فتحت "مَنْ" و"الذي" في غير موضع "أي" صارت غير متمكنة اذ فارقت اخواتها تركت على لفظ واحد وهو الضم وليس باعراب.

стр. 215

وجعل ﴿أَشَدّ﴾ من صلتها وقد نصبها قوم وهو قياس. وقالوا: "إذا تُكُلِّمَ بها فإنَّه لا يكونُ فيها إلاَّ الأعمال". وقد قرىء ﴿تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ﴾ فرفعوا وجعلوه من صلة "الذي" وفتحه على الفعل أحسن. وزعموا ان بعض العرب قال: "ما أَنَا بالّذِي قائلٌ لكَ شَيْئاً" فهذا الوجه لا يكون للاثنين الا "ما نَحْنُ بالَّلذَيْنِ قائِلانِ لَكَ شَيْئاً". ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ قوله ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ و ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً﴾ وأَشْباهُ هذا في "إذْ" و"الحِين" وفي "يَوْم" كثير. وانما حسن ذلك للمعنى، لأن القرآن انما انزل على الأمر والذي كأنه قال لهم: "أذْكُروا كذا وكذا" وهذا في القرآن في غير موضع و"اتَّقُوا يومَ كذا" أو"حينَ كذا". وقال تعالى ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً﴾ نصبه على الحال ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عطف على ﴿وَجِيهاً﴾ وكذلك ﴿وَكَهْلاً﴾ [٤٦] معطوف على ﴿وَجِيهاً﴾ لأن ذلك منصوب.

стр. 216

وأما قوله تعالى ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ فانه جعل "الكلمة" هي "عيسى" لأنه في المعنى كذلك كما قال ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتَا﴾ ثم قال ﴿بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ وكما قالوا: "ذو الثُدَيَّة" لأن يَدَهُ كانت مثل الثدي. كانت قصيرة قريبة من ثديه فجعلها كأن اسمها "ثُدَيَّة" ولولا ذلك لم تدخل الهاء في التصغير. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أما قوله ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ﴾ فكسر الكاف لأنها مخاطبة امرأة واذا كانت الكاف للرجل فتحت. قال للمؤنث ﴿وَاسْتَغْفِرِي [٨٦ء] لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ . المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ قوله ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ موضع نصب على ﴿وَجِيهاً﴾ . و ﴿رَسُولاً﴾ [٤٩] معطوف على ﴿وَجِيهاً﴾ .

стр. 217

﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ قال تعالى ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ على قوله ﴿وَجِئْتُكُمْ﴾ ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيّ﴾ ﴿رَسُولاً﴾ لأَنَّهُ قالَ ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [٤٩] . ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذاصِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ قال ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ فـ ﴿إنَّ﴾ على الابتداء. وقال بعضُهم ﴿أَنَّ﴾ فنصب على "وَجِئْتُكُم بأَنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُم" هذا معناه. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ قال تعالى ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ لأنَّ هذا من "أَحَسَّ" "يُحِسُّ" "إحْساساً" وليس من قوله ﴿تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [اذ] ذلك من "حَسَّ" "يَحُسُّ" "حَسَّاً" وهو في غير معناه لأن معنى "حَسَسْتُ" قتلت. و"أَحْسَسْتُ" هو: ظَنَنْتُ. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [وقال تعالى] ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ رفع على الابتداء ومعناه: "كُنْ" "فكانَ" كأَنَّهُ قال: "فاذا هُوَ كائِنٌ".

стр. 218

﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الْمُمْتَرِينَ﴾ قال ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يقول: "هو الحقُّ منْ ربِّكَ". المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿قُلْ ياأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ قال ﴿ياأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ فجر ﴿سَوَآءٍ﴾ لأنها من صفة الكلمة وهو "العَدْل". أراد "مُسْتَوِيَةٍ" ولو اراد "استواءً" لكانَ النَصْب. وإنْ شاءَ ان يجعله على الأستواء ويجرّ جاز، ويجعله من صفة الكلمة مثل "الخَلْق"، لأن "الخَلْق" قد يكون صفة ويكون اسما، قال الله تعالى ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ لأن "السَّواء" للآخر وهو اسم ليس بصفة [٨٦ب] فيُجْرى على الأول، وذلك اذا اراد به الاستواء فان أراد "مُسْتوِياً"* جاز أن يجري على الأول، فالرفع في ذا المعنى جيد لأنها صفة لا تغير عن حالها ولا تثنى ولا تجمع على لفظها ولا تؤنث، فأشبهت الأسماء. وقال تعالى ﴿أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ فـ"السواءُ" للمَحْيا والمَمَاتِ، فهذا المبتدأ. وإنْ شِئْتَ أَجْرَيْتَهُ على

стр. 219

الأول وجعلته صفة مقدمة من سبب الأول فجرى عليه، فذا اذا جعلته في معنى مستو فالرفع وجه الكلام كما فسرته لك من قوله ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ** إِلاَّ اللَّهَ﴾ [٦٤] فهو بدل كأنه قال "تَعَالَوْا إلى أنْ لا نَعْبُدَ إلاّ اللهُ". ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قال تعالى ﴿آمِنُواْ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ﴾ جعله ظرفا. ﴿وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ قال تعالى ﴿أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾ يقول "لا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُم وأَنْ يُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ" أي: وَلا تُؤْمِنُوا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ.

стр. 220

المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال تعالى ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ . لأَنَّها مِنْ "دُمْتُ" "تَدُومُ". ولغةٌُ لِلْعَرَبِ "دِمْتَ" وهي قراءة مثل "مِتَّ" "تَمُوتُ" جعله على "فَعِلَ" "يَفْعُلُ" فهذا قليل. وقال تعالى ﴿بِدِينَارٍ﴾ أي: على دينار [٨٧ء] كما تقول: "مررتُ بِهِ" و"عليه". ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَائِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ فهذا مثل قولك للرجل "ما تَنْظُرُ إِلَيَّ" اذا كان لا ينيلك شيئاً. ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال تعالى ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ بفتح الياء. وقال ﴿يُلَوّوُنَ﴾ بضم الياء واحسبها ﴿يَلْووُنَ﴾ لأَنَّه قال ﴿لَيّاً بألسنتهم﴾ فلو كان من ﴿يُلَووُّنَ﴾ لكانت "تَلْوِيَةً بألسنتهم". المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ ولكن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ قال تَعالى ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ نصبٌ على ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ اللَّهُ﴾ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ لأَنَّ "ثُمَّ" من حُروف العطف.

стр. 221

﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ﴾ أيضاً معطوفٌ بالنَّصب على ﴿أَنْ﴾ وإنْ شئت رفعت؛ تقول ﴿وَلاَ يَأْمُرُكُمْ﴾ لا تعطفه على الأوَّل تريد: هُوَ لا يَأْمُرُكُمْ. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذالِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال الله تعالى ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ فاللام التي مع "ما" في أول الكلام هي لام الابتداء نحو "لزَيدٌ أَفضَلُ مِنكَ"، لأن ﴿مَآ آتَيْتُكُمُ﴾ اسم والذي بعده صلة. واللام التي في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ لام القسم كأنه قال "واللهِ لَتُؤمِنُنَّ بِهِ" فوكد في أول الكلام وفي آخره، كما تقول: "أَمَا واللهِ أَنْ لَوْ اجِئْتَني لَكان كذا وكذا"، وقد يستغنى عنها. ووكّد في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ باللام في آخر الكلام وقد يستغنى عنها. جعل خبر ﴿مَآ آتَيْتُكُمْ مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ مثل "ما لِعَبْدِ الله؟ واللهِ لَتْأتِيَنَّه". وان شئت جعلت خبر (ما) ﴿مِنْ كِتابٍ﴾ تريد ﴿لَما آتَيْتُكُمْ كتابٌ وحِكْمَةٌ﴾ وتكون "مِنْ" زائدة.

стр. 222

المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ قال تعالى ﴿مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً﴾ مهموزة من [٨٧ب] "مَلأْتُ" وانتصب (ذَهَبا) كما تقول: "لِي مثلُكَ رَجُلاً" أي: لي مثلك من الرجال، وذلك لأنك شغلت الاضافة بالاسم الذي دون "الذهب" وهو "الأرض" ثم جاء "الذهب" وهو غيرها فانتصب كما ينتصب المفعول اذا جاء من بعد الفاعل، وهكذا تفسير الحال، لأنك اذا قلت: "جاء عبدُ الله راكباً" فقد شغلت الفعل* بـ"عبد الله" وليس "راكب" من صفته لأن هذا نكرة وهذا معرفة. وإنما جئت به لتجعله اسما للحال التي جاء فيها. فهكذا تفسيره، وتفسير "هذا أحسنُ منكَ وَجْهاً"، لأن "الوجه" غير الكاف التي وقعت عليها "مِنْ" و"أحسنُ" في اللفظ انما هو الذي تفضله فـ"الوجهُ" غير ذينك في اللفظ فلما جاء بعدهما وهو غيرهما انتصب انتصاب (**) المفعول به بعد الفاعل. ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال تعالى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيل﴾ لأنه يقال: "هذا حَلالٌ" و: "هذا حِلٌّ"، و"هذا حَرام" و"هذا حِرْمٌ" ويقال* ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [ويقال] ﴿وحِرْمٌ على قرية﴾ وتقول: "حِرْمٌ عَليّكُم ذاك" ولو قال ﴿وحُرْمٌ على قريةٍ﴾ كان جائزا [ولو قال] ﴿وحَرْمٌ على قريةٍ﴾ كان جائزاً أيضاً.

стр. 223

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال الله ﴿فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ نصب على الحال. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ قال تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ فهذا خبر "إنَّ". ثم قال ﴿مُبارَكاً﴾ لأنه [٨٨ء] قد استغنى عن الخبر*، وصار ﴿مُبارَكاً﴾ نصبا على الحال. ﴿وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ﴾ في موضع نصب عطف عليه. والحال في القرآن كثير ولا يكون إلا في موضع استغناء. ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال تعالى ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ فرفع ﴿مَّقَامُ إِبْراهِيمَ﴾ لأنه يقول: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ منها ﴿مَّقَامُ إِبْراهِيمَ﴾ على الإِضمار.

стр. 224

﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذلك يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ قال الله تعالى ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً﴾ على التفسير بقطع الكلام عند قوله ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ثم فسر آية التأليف بين قلوبهم وأخبر بالذي كانوا فيه قبل التأليف كما تقول "أسمك الحائِطَ أَنْ يَميل". ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ﴾ فـ"الشَّفا" متصور مثل "القَفا" وتثنيته بالواو تقول: "شَفَوانِ" لأنه لا يكون فيه الامالة*, فلما لم تجيء فيه الإِمالة عرفت أَنَّهُ من الواو. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ قال تعالى ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ و"أُمَّةٌ" في اللفظ واحد وفي المعنى جمع فلذلك قال ﴿يَدْعُونَ﴾ [وفي] ﴿وَلْتَكُنْ﴾ جزم السلام بعضهم ايضاً.

стр. 225

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أما قوله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ على "فيُقالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُم". مثل قوله ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ وهذا في القرآن كثير. ﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ قال ﴿وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فثنى الاسم واظهره، وهذا مثل "أمَّا زَيْدٌ فقد ذَهَبَ زَيْدٌ". قال الشاعر: [من الخفيف وهو الشاهد السابع والخمسون بعد المئة] : لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ * نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا [٨٨ب] فأَظْهَرَ في موضع الاضمار. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ يُريدُ "أَهْلَ أُمَّةٍ" لأنَّ الأُمَّةَ [٨٩ء] الطريقة. والأمَّة أَيْضاً لُغة. قال النابغة: [من الطويل وهو الشاهد التاسع والخمسون بعد المئة] : حَلفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً * وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهُوَ طائِعُ ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ قال ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ استثناء يخرج من أول الكلام. وهو كما روى يونس عن بعض العرب انه قال: "ما أَشْتَكِي شيئاً إلاَّ خَيْراً". ومثلُه ﴿لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً [٢٤] إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ . ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [قال] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ﴾

стр. 226

فهذا مثل ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذَى﴾ استثناء خارج من أول الكلام في معنى "لكنّ" وليس بأشد من قوله ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً﴾ . المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَآءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ قال ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ لأنه قد ذكرهم ثم فسره فقال: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ولم يقل "وَأُمَّةٌ على خلافِ هذهِ الأُمَّةِ" لأنه قد ذكر كل هذا قبل. وقال تعالى ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ فهذا قد دل على أمة خلاف هذه. قال تعالى ﴿آنَآءَ اللَّيْلِ﴾ وواحد "الآناءِ" مقصور "إنَى" فاعلم وقال بعضهم: "إِنْي" كما ترى و"إنْوٌ" وهو ساعاتُ اللَيْل. قال الشاعر: [من البسيط وهو الشاهد الثامن والخمسون بعد المئة] :

стр. 227

السَّالِكُ الثَّغْرَ مَخْشِيّاً مَوارِدُهُ * فِي كُلِّ إنيٍ قَضاهُ اللَّيلُ يَنْتَعِلُ قال: وَسِمْعُته "يَخْتَعِلُ"*. ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

стр. 228

قال تعالى ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ لأنها من "ألَوْتُ" و"ما آلُو" "أَلْواً". وقال تعالى ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ يقول ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً﴾ ﴿وَدُّواْ﴾ أي: أحَبُّوا ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ جعله من صفة "البِطانةَ"، جعل ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ في موضع "العَنَتِ". ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ قال ﴿لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ لأنه من "ضار" "يَضِير" و"ضِرْتُه" خفيفة "فَأَنَا أَضِيرُه"، قال بعضهم ﴿لا يضُرُّكُمْ﴾ جعله من "ضَرَّ" "يَضُرُّ" وحرّك للسكون الذي قبله لأن الحرف الثقيل بمنزلة حرفين الأول منهما ساكن. وقال بعضهم ﴿لا يَضُرْكم﴾ جعلها من "ضار" "يضُور" وهي لغة. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال تعالى ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنها من "بَوَّأت" و"إذْ" ها هنا إنَّما خَبَرُها في المعنى كما فسرت لك.

стр. 229

﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هذايُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ قال ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسِوِّمِينَ﴾ لأنهم سَوَّمُوا الخيل. وقال بعضُهم ﴿مُسَوَّمينَ﴾ مُعَلِمينَ لأَنَّهُمْ هْم سُوِّمُوا وبها نقرأ. ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ على ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً﴾ [١٢٧] عطفه على اللام. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ قال تعالى ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ قال بعضهم ﴿قُرْحٌ﴾ مثل "الضَعْف" و"الضُعْف" وتقول منه "قَرِحَ" "يَقْرَح" "قَرْحا" و"هو قَرِح". وبعض العرب يقول [٨٩ب] "قَرِيح" مثل "مَذِل" و "مَذِيل". ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ قال تعالى ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾

стр. 230

توكيداً كما تقول: "قَدْ رأيتُه واللهِ بِعّيْني" و"رَأَيْتُهُ عِيانا". ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ قال تعالى ولم يقل ﴿أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ﴾ فيقطع الألف لأنه جواب المجازاة الذي وقعت عليه ﴿إِنْ] وحرف الاستفهام قد وفع على ﴿إِنْ﴾ فلا يحتاج خبره إلى الاستفهام لأن خبرها مثل خبر الابتداء. الا ترى انك تقول: "أأَزَيْدٌ حَسَنٌ" ولا تقول: "أَزَيْدٌ أَحَسَنٌ" وقال الله تعالى ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ولم يقل "أََهُمُ اْلْخالِدُنَ" لأنه جواب المجازاة. المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ فقوله سبحانه ﴿كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ توكيد، ونصبه على "كَتَبَ اللهُ ذلك َ كِتاباً مُؤَجَّلاً". وكذلك كل شيء في القرآن من قوله ﴿حَقّا﴾

стр. 231

انما هو "أُحِقُّ ذلِكَ حَقّاً". وكذلك ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ و ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ و ﴿صُنْعَاللَّهِ﴾ و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ انما هو من "صَنَعَ اللهُ ذلك َ صُنْعاً" فهذا تفسير كل شيء في القرآن من نحو هذا وهو كثير. ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ﴾ يجعل النبيّ هو الذي قُتِلَ وهو أحسنُ الوَجهين لأَنَّه [٩٠ء] قد قال ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [١٤٤] وقال بعضهم ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾ وهي أكثر وبها نقرأ. لأَنَّهم كانوا يجعلون ﴿قُتِلَ﴾ على ﴿رِبِّيُّون﴾ . ونقول: "فكيف نقول "فكيف نقول ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ وقد قلنا انهم قد قتلوا فانه كما ذكرت لك أن القتل على النبي صلى الله عليه. وقوله ﴿رِبِّيُّونَ﴾ يعني: الذين يعبدون الرب تعالى وواحدها "رِبِّيّ". ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ وقال ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ و [قال] ﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ فـ ﴿أَنْ قَالُواْ﴾ هو الاسم الذي يرفع بـ ﴿وَكَانَ﴾ لأن ﴿أَنْ﴾ الخفيفة وما عملت فيه بمنزلة اسم تقول: "أعْجَبَنِي أَنْ قالوا" وإنْ شئت

стр. 232

رفعت أول هذا كله وجعلت الآخر في موضع نصب على خبر كان. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الستون بعد المئة] : لَقَدْ عَلِمَ الأَقْوامُ ما كانَ دَاءَها * بِثَهْلانَ إلاَّ الخِزْيُ مِمَّنْ يَقُودُها وان شئت "ما كانَ داؤُها الا الخِزْيَ". المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال تعالى ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ﴾ لأنك تقول: "أَصْعَد" أي: مَضَى وَسارَ و"أَصْعَدَ الوُادي" أي: انْحدر فيه. وأما "صَعِدَ" فانه: ارتفى. وقال ﴿فَأَثَابَكُمْ غُمّاً بِغَمٍّ﴾ أي: عَلى غَمٍّ. كما قال ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ومعناه على جذوع النخل وكما قال: "ضَرَبَني فِي السيفِ" يريد "بِالسيف" وتقول: نزلت في أبيك" [٩٠ب] أي: على أَبيك. ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ قال تعالى ﴿إِنَّ الأَمْرَ كُلُّهُ للَّهِ﴾ اذا جعلت "كُلاًّ" اسما كقولك: "إنَّ الأَمْرَ بَعْضُهُ لِزَيْدٍ" وان جعلته صفة نصبت. وان شئت نصبت على البدل، لأنك لو قلت "إنَّ الأَمْرَ بَعْضَهُ لِزَيْدٍ" لجاز على البدل، والصفة لا تكون في "بَعْض". قال الشاعر: [من الكامل وهو الشاهد الحادي والستون بعد المئة] :

стр. 233

إنَّ السُّيُوفَ غُدُوُّها وَرَواحُها * تَركا فَزارَةَ مثلَ قَرْنِ الأَعْضَبِ فابتدأ "الغُدُوّ" و"الرواحَ" وجعل الفعل لهما. وقد نصب بعضهم "غُدُوَّها" وَرَواحَا" وقال: "تركتْ هَوازِنَ" فجعل "التركَ" لـ"السيوف" وجعل "الغدوَّ" و"الرواح" تابعا لها كالصفة حتى صار بمنزلة "كلّهَا". وتقول ﴿إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ﴾ على التوكيد اجود وبه نقرأ. وقال تعالى ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ وقد قال بعضهم ﴿القِتالُ﴾ و"القَتْلُ" [أصوب] فيما نرى، وقال بَعْضُهُم ﴿إلى قِتالِهِم﴾ و ﴿القَتْلُ﴾ أصوبهما إن شاء الله لأنه قال ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ . وقال ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ : أيْ: كَيْ يَبْتَلِيَ اللهُ.

стр. 234

﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قال تعالى ﴿أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ [٩١ء] وواحد "الغُزَّى" "غاز" مثل "شاهِد" و"شُهَّد". المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال تعالى ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ الآية. فان قيل كيف يكون ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ جواب ذلك الأول؟ فكأنه حين قال ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ تذكر لهم مغفرة ورحمة اذ كان ذلك في السبيل فقال ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ يقول: "لَتِلْكَ المغفرة ﴿خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ﴾ ". ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ قال ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ﴾ وان شئت قلت ﴿قُتِّلْتُمْ﴾ . ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ قال تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ يقول: "فَبِرَحْمَةٍ" و ﴿ما﴾ زائدة.

стр. 235

المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ وقال بعضهم ﴿يُغَلُّ﴾ وكلٌّ صواب والله أعلم لأنَّ المعنى "أَنْ يَخُون" أوْ "يُخانَ". ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هذاقُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ فهذه الألف ألف الاستفهام دخلت على واو العطف، فكأنه قال: "صَنَعْتُم كَذا وكذا وَلمَّا أصابتكم" ثم ادخل على الواو ألف الاستفهام. ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال تعالى ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فجعل الخبر بالفاء لأَنَّ ﴿ما﴾ بمنزلة "الذي" وهو في معنى "مَنْ"، و"مَنْ" تكون في المجازاة ويكون جوابها بالفاء. قال ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فجعل الخبر بالفاء لأنّ ﴿مَآ أَصَابَكُمْ﴾ : الذي أصابكم. وقال ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّ معناه: "فَهُوَ بإِذن اللهِ" "وَهُوَ لِيَعْلَم". المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي: قُلْ لَهُمْ ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ وأضمر "لَهُمْ".

стр. 236

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قال تعالى ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [٩١ب] يقول: "فَزادَهُمْ قَوْلُهُم إيمانا". ﴿إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ قال ﴿إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يقول: "يُرْهِبُ النَّاسَ أولِياءَهُ" أي: بِأَوّلِيائِهِ". المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قال ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾ فأراد "وَلا تَحْسَبَنَّ البُخْلَ هُوَ خَيْراً لَهُمْ" فالقى الاسم الذي أوقع عليه الحسبان وهو "البُخْل"، لأنّه قد ذكر الحسبان وذكر ما آتاهم الله من فضله فأضمرهما اذا ذكرهما. وقد جاء من الحذف ما هو أشد من ذا، قال الله تعالى ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ولم يقل "وَمَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْد" لأنه لما قال ﴿أُوْلَائِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ﴾ كان فيه دليل على أنه قد عناهم. ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ قال تعالى ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وقد مضى لذلك دهر، فانما يعني: سنكتب ما قالوا على من رضي به من بعدهم أيام يرضاه". ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ قال ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَكْتُمُونَهُ﴾ يقول: "استحلفهم لَيُبَيِّنُنَّه ولا يَكْتُمُونَهُ" وقال ﴿لَتُبيِّنَنَّهُ وَلا تَكْتُمونَهُ﴾ أي: قُلْ لَهُم: "وَاللهِ لَتُبَيِّنُنَّهُ ولا تَكْتُمُونَه".

стр. 237

المعاني الواردة في آيات سورة (آل عمران) ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أما قوله ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ فإِنَّ: الآخِرَةَ بَدَلٌ من الأولى والفاء زائدة. ولا تعجبني قراءة من قرأ الأولى بالياء [اذ] ليس لذلك مذهب في العربية لأنه اذا قال ﴿لاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ﴾ فإنَّه لَمْ يوقِعْه على شيء. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾

стр. 238

قال ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ أيْ: فَاستجاب: بِأَنّي لا أُضيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُم. أدخل فيه ﴿مِنْ﴾ زائدة كا تقول "قَدْ كانَ مِنْ حَدِيثٍ" و ﴿مِنْ﴾ ها هنا لغو لأَنَّ حرف النفي قد دخل في قوله ﴿لا أُضِيعُ﴾ .

стр. 239

المعاني الواردة في آيات سورة (النساء) ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ قال تعالى ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ خفيفة لأنها من تساؤلهم فانههم "يَتَساءَلُونَ" فحذف التاء الأخيرة، وذلك كثير في كلام العرب نحو ﴿تَكَلَّمُونَ﴾ وان شئت ثقلّت فادغمت. قال الله تعالى ﴿وَالأَرْحَامَ﴾ منصوبة أي: اتقوا الأَرْحام. وقال بعضهم ﴿والأَرْحامِ﴾ جرّ. والأوَّلُ أحسن لأنك لا تجري الظاهر المجرور على المضمر المجرور. و [قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ] تقول من "الرقيب": "رَقَبَ" "يَرْقُبُ" "رَقْباً" و"رَقُوبا".

стр. 240

﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾ قال ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: "مَعَ أَمْوالكُم" ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوْباً كَبِيرا﴾ يقول: "أَكْلُها كانَ حُوباً كبيراً". ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذلك أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ قال ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى﴾ لأنه من "أَقْسَطَ" "يُقْسِطُ". و"الإِقْساطُ": العَدْل. واما "قَسَطَ" فإنَّه "جَار" قال ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ فـ"أَقْسَطَ": عَدلَ و"قَسَطَ": جارَ. قال ﴿وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . قال ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ [٩٢ب] فَوَاحِدَةً﴾ يقول: "فانكِحوا واحدة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ . أي: انكحوا ما ملكت ايمانكم. وأما ترك الصرف في ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ فانه عدل عن "اثنين" و"ثَلاثٍ" و"أَربعٍ" كما انه من عدل "عُمَر" عن "عامِر" لم يصرف. وقال تعالى ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ فنصب. وقال ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ فهو معدول كذلك، ولو سميت به

стр. 241

صرفت لأنه اذا كان اسما فليس في معنى "اثنين" و"ثلاثة" و"أربعة". كما قال "نَزَالِ" حين كان في معنى "انزِلوا" واذا سميت به رفعته. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثاني والستون بعد المئة] : أَحَمَّ اللهُ ذلِكَ مِنْ لِقاءٍ * أُحادَ أُسادَ في شَهْرٍ حَلال وقال [من الطويل وهو الشاهد الثالث والستون بعد المئة] : وَلَكِنَّما أَهْلِي بِوادٍ أَنِيسُه * ذِئابٌ تَبَغَّى الناسَ مَثْنَى وَمْوحَدا وقال تعالى ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ يقول: "لِيَنْكِحَ كُلٌّ واحدٍ منكُمْ كلَّ واحدةٍ من هذهِ العِدَّة" كما قال تعالى ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ يقول: "فاجْلُدُوا كلَّ واحدٍ منهم". المعاني الواردة في آيات سورة (النساء) ﴿وَآتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ قال ﴿وَآتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وواحد "الصَّدُقاتِ": صَدُقَة وبنو عميم [تقول] : "صُدْقة" ساكنة الدال مضمومة الصاد. وقال ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ فقد يجري الواحد مجرى الجماعة لأنه انما اراد "الهَوى" و"الهَوى" يكون جماعة. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والستون بعد المئة] : [٩٣ء] بِها جِيَفُ الحَسْرى فأَمَّا عِظامُها * فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فصَليبُ

стр. 242

وأما "هَنِيءٌ مَريءُ" فتقول: "هَنُؤَ هذا الطعام ومرؤ" و"هَنِىءَ ومَرِىءَ" كما تقول: "فَقِهَ" و"فَقُهَ" يكسرون القاف ويضمونها. وتقول: "هَنَأَنِي" و"هنَئِتُهُ" و"استمرأته". ﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [وقال] ** ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ وقال ﴿آنَسْتُمْ﴾ ممدودة. تقول: "آنَسْتُ منهُ رُشْداً وخيراً" و ﴿آنَسْتُ نَارا﴾ مثلها ممدودة وتقول: "أنِسْتُ بالرَّجُلِ" "أُنْساً" فالف "أَنِسْتُ" مقصورة وألف "أُنْساً" مضمومة*. ويقال "أنَسَا". وقال ﴿إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ﴾ يقول لا تأكُلُوها مبادرةَ أَنْ يَشُبُّوا. ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ قال ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ الى قوله ﴿نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ فانتصابه كانتصاب ﴿كِتَاباً مُّؤَجَّلاً﴾ .

стр. 243

المعاني الواردة في آيات سورة (النساء) ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ قال ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ ثم قال ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ﴾ لأن معناه المال والميراث فذكّر على ذلك المعنى. ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ قال ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ لأنه يريد "وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية يخافون عليهم" مثل ما يركون منهم من ذرية غيرهم. اي: فلا يفْعَلُن ذلك حتى لا يفعله بهم غيرهم؛ "فليخشوا" أي: "فَلْيَخْشَوْا هذا" أي: فَلْيَتَّقُوا. ثم عاد أيضاً فقال: "فَلْيَتَّقُوا اللهَ". ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [و] قال ﴿سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ فالياء تفتح وتضم ها هنا وكل صواب. وقوله ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ [٩٣ب] توكيد.

стр. 244

المعاني الواردة في آيات سورة (النساء) ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ قال ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ فالمثل مرفوع على الابتداء وانما هو تفسير الوصية كما قال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ فسر الوعد يقول: "هكَذا وَعَدَهُمْ" أي: قال "لَهُمْ مَغْفِرَةٌ". قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الخامس والستون بعد المئة] : عَشِيَّةَ ما وَدَّ ابْنُ غَرَّاءَ أْمُّهُ * لَها مِنْ سِوانا إذْ دَعَا أَبَوانِ قال ﴿فَإِن كُنَّ نِسَاءً﴾ فترك الكلام الأول وقال "إذا كان المتروكات نساءً" نصب وكذلك ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ . وقال ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ فهذه الهاء التي في "أبويه" ضمير الميت لأنه لما قال ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ﴾ كان المعنى: يوصي اللهُ الميتَ قبلَ موتِهِ بأنَّ عَليْه لأَبويهِ كذا ولوَلَدِه كذا. أي: فلا يأخُذَنَّ إلاّ ماله. وقال ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فيذكرون أن الأخوة اثنان ومثله "إنّا فَعَلْنا" وانتما اثنان، وقد يشبه ما كان من شيئين وليس مثله، ولكن اثنين قد جعل جماعة [في] قول الله ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وقال ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ وذلك ان في كلام العرب ان كل شيئين من شيئين فهو جماعة وقد يكون اثنين في الشعر [قال الشاعر] : [من الطويل وهو الشاهد السادس والستون بعد المئة] :

стр. 245

[٩٤ء] بِما فِي فُؤادَيْنا من الشَوْقِ والهَوى * فَيُجْبَرُ مُنْهاضُ الفُؤَادِ المُشَعَّفُ وقال الفرزدق: [من الطويل وهو الشاهد السابع والستون بعد المئة] : هُما نَفَثا فِي فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما * على النّابِحِ العاوِي أَشَدّ لِجامِ وقد يجعل هذا في الشعر واحدا. قال: [من الرجز وهو الشاهد الثامن والستون بعد المئة] : لا نُنْكِرُ القَتْلَ وقد سُبِينا * في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شُجِينا وقال الآخر: [من الوافر وهو الشاهد التاسع والستون بعد المئة] : كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعَفُّوا * فإِنَّ زَمانَخكُمْ زَمَنَ خَمِيصُ ونظير هذا قوله: "تِسْعُ مئة" وانما هو "تِسْعُ مئات" أو"مِئيِن" فجعله واحدا، وذلك ان ما بين العشرة الى الثلاثة يكون جماعة نحو: "ثلاثة رجال" و"عشرةُ رجال" ثم جعلوه في "المِئينَ" واحدا.

стр. 246

وقال ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ﴾ لأنه ذكر الرجل حين قال ﴿وَوَرِثَهُ أَبَواهُ﴾ وقال بعضهم ﴿يُوصِى﴾ وكلٌّ حسن. ونظير ﴿يُوصِي﴾ بالياء. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿تُوْصُونَ﴾ و ﴿يُوصِينَ﴾ حين ذكرهن، واحتج الذي قال ﴿يُوصِي﴾ بالياء بقوله ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [فـ] نصب ﴿وَصِيَّةً﴾ و ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ [١١] كما نصب ﴿كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ . وقال ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً﴾ ولو قرئت ﴿يُورِثُ﴾ كان جيدا وتنصب ﴿كَلاَلَةً﴾ وقد ذُكِرَ عن الحسن، فإن شئت نصبت كلالةً على خبر ﴿كانَ﴾ [٩٤ب] وجعلت ﴿يُورَث﴾ من صفة الرجل،

стр. 247

وإن شئت جعلت ﴿كانَ﴾ تستغني عن الخبر نحو "وَقَعَ"، وجعلت نصب ﴿كَلالَةً﴾ على الحال أي: "يورَثُ كلالةً" كما تقول: "يُضْرَبُ قَائِماً" قال الشاعر في "كان" التي لا خبر لها [من الطويل وهو الشاهد السبعون بعد المئة] : فِدَى لِبَنِي ذُهْلِ بنِ شَيْبانَ نَاقَتِي * إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كواكِبَ أشهَبُ قال ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ يريد من المذكورين. ويجوز ان نقول للرجل اذا قلت "زيدٌ أو عمرٌ مُنْطَلِقٌ": "هذانِ رجلا سَوْء" أي: اللذان ذكرت. ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ قال ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ لأن معناه: فانكم تؤخذون به. فلذلك قال: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ، أيْ: فليس عليكم جناح. ومثل هذا في كلام العرب كثير، تقول: "لا نَصْنَعْ ما صَنَعْتَ" "ولا نَأْكُلْ ما أَكَلْتَ". المعاني الواردة في آيات سورة (النساء) ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قال ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ على "ومن لم يجد طولا ان ينكح" يقول "إلى أنْ ينكِحَ" لأن حرف الجر يضمر مع "أن".

стр. 248

وقال ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ فرفع ﴿بَعْضُكُمْ﴾ على الابتداء. وقال ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ لأن: "الأَهْلَ" جماعة ولكنه قد يجمع فيقال: "أَهْلُونَ" كما تقول: "قَوْمٌ" و"أقوامٌ" فتجمع الجماعة [٩٥ء] وقال ﴿شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ فجمع. وقال ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ فهذه الياء ياء جماعة فلذلك سكنت وهكذا نصبها وجرها باسكان الياء وذهبت النون للاضافة. وقال ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ يقول: "والصَبْر خَيْرٌ لكم". قال ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ أي: اللهُ أَعْلَم بإِيمان بعضكم من بعض. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ يقول: "وَلِيَهْدِيَكُمْ﴾ " ومعناه: يريد كذا وكذا ليبين لكم. وان شئت أوصلت الفعل باللام الى "أن" المضمرة بعد اللام نحو ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وكما قال ﴿وَأُمِرْتُ لأََِعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ فكسر اللام أي: أمرت من أجل ذلك

стр. 249

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ قال ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ فقوله ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ﴾ استثناء خارج من أول الكلام و (تكونَ) هي "تَقَعُ" في المعنى وفي "كانَ" التي لا تحتاج الى الخبر فلذلك رفع التجارة. المعاني الواردة في آيات سورة (النساء) ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ قال ﴿وَيُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ لأنها من "أَدْخَلَ" "يُدْخِلُ": والموضع من هذا مضموم الميم لأنه مشبه ببنات الأربعة "دحرج" ونحوها. الا ترى انك تقول: "هذا مُدَحْرَجُنا" فالميم اذا جاوز الفعل الثلاثة مضمومة. قال أمَيَّةُ بن أبي الصلت: [من البسيط وهو الشاهد الحادي والسبعون بعد المئة] : الحَمْدُ للهِ مُمْسانا وَمُصْبَحنَا * بِالْخَيْرِ صَبَّحنا رَبِّي وَمَسَّانا [٩٥ب] لأنه من "أمْسى"* و"أَصْبَحَ". وقال ﴿رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ . وتكون الميم مفتوحة ان شئت اذا جعلته من "دَخَل" و"خَرَج". وقال ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ اذا جعلته من "قاَم" "يَقوم"، فان جعلته من "أَقامَ" "يُقِيمُ" قلت: "مُقامٍ أَمين".

стр. 250

﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ قال ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ﴾ ان شئت أدغمت التاء الأولى في الآخرة، فان قيل كيف يجوز ادغامها، وأنت اذا أدغمتها سكنت وقبلها الألف الساكنة التي في "لا" فتجمع ما بين ساكنين؟ قلت: "ان هذه الألف حرف لين". وقد يدغم بعد مثلها في الاتصال وفي غيره نحو "يضربانّي" [و] ﴿فَلاَ تّنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وتدغم ايضاً ومثله ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونّا فِي اللَّهِ﴾ أدغمت وقبلها واو ساكنة. وان شئت لم تدغم هذا كله. وقد قرأ بعض القراء ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونِ﴾ أراد ﴿تُبَشِّرُونَنِي﴾ فاذهب احد النونين استثقالا لاجتماعهما, كما قال: "ما أَحسَسْتُ مِنْهُمْ أَحدا" فأَلقوا إحدى السينين استثقالا. فهذا أجدر أَنْ يستثقل لأنَّهُما جميعا متحركان. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثاني والسبعون بعد المئة] : تَراهُ كالثُّغَامِ يُعَلُّ مِسْكاً * يَسُوءُ الفالِياتِ إِذَا فَلَيْنِي فحذف النون الآخرة لأنها النون التي تزاد ليترك ما قبلها على حاله
следующие страницы →