← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22396

تيسير علم أصول الفقه

عبد الله الجديع

Полный текст (387 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من أجلِ حصولِ القطعِ بأنَّهُ الَّذي أنزلهُ تعالى على محمَّدٍ ﷺ من أوَّلهِ إلى منتهاهُ بطريقِ نقلٍ لا يقبلُ التَّردُّدَ كما تقدَّمَ. أمَّا أمرُ ثبوتِ تلكَ الأحاديثِ فلقواعدِهِ وضوابِطِهِ مفصَّلةً (علومُ الحديثِ) . لكن يجدُرُ بالفقيهِ أن يعلمَ مراتبَ القُوَّةِ في نقلِ السُّننِ، ويتطرَّقُ الأصوليُّون لهذهِ القضيَّةِ من جهةِ تعدُّدِ الأسانيدِ المستقلَّةِ للسُّنَّةِ المعيَّنةِ، فيُقسمُونَ السُّنَّةَ إلى قسمينِ، هما: ١ـ السنة المتواترة "تعريفها: التَّواترُ لُغةً: التَّتابعُ، يقالُ (تواترَتِالخيلُ) إذا جاءتْ يتْبعُ بعضُها بعضًا، و (جاءُواتَتْرَى) أي متتابعينَ وِتْرًا بعدَ وِترٍ، و (الوِتُرُ) الفرْدُ، فمن هذا قيلَ للحديثِ (مُتواترٌ) لأجلِ تتابُعِ الأفرادِ فردًا بعدَ فرْدٍ على روايتِهِ. واصطلاحًا: ما اجتَمَعتْ فيه شُروطٌ ثلاثَةٌ: ١ـ يرويهِ عدَدٌ كثيرٌ يستحيلُ في العادَةِ أن يتواطأُ على الخطإ، بسببِ تباعُدِ بلْدانِهم، أو فرْطِ كثرتِهِمْ، أو لدينِهِمْ وصلاحِهمْ وشُهرتهم بذلك. ٢ـ يرويهِ عنهُم مثلُهُم من مصدرِهِ رسول الله ﷺ إلى منتهَاه.

стр. 142

٣ـ أخذُ بعضِهِم عن بعضٍ قدِ استَندَ إلى الحِسِّ، وهو السَّماعُ أو ما في معناهُ ممَّا يثبتُ بهِ الاتِّصالُ. * درجتها: فإنِ اجتَمَعَتْ هذهِ الشُّروطُ في سُنَّةٍ منقولةٍ عن رسول الله ﷺ فهيَ سُنَّةٌ متواترةٌ مفيدةٌ لليقينِ، ومنزلةُ العلمِ الثَّابتِ بطريقِ التَّواتُرِ منزلةُ المعاينةِ لهُ كما لو شَهِدَ النَّبيَّ ﷺ يُحدِثُ بهِ. وهوَ أعلَى السُّنَنِ حُجَّةً عندَ الفقيهِ، ولا يختلفُ أهلُ العلمِ في كونِهِ حُجَّةً شرعيَّةً مستقلَّةً في إفادَةِ الأحكامِ الشَّرعيَّة. * التواتر نوعان: ١ـ تواتُرٌ ضرُوريٌّ: وهوَ ما يقعُ العلمُ به ضرُورةً، فلا إمكانَ لدَفعِهِ ولا التَّردُّدِ فيهِ، ولا يتوقفُ على نظرٍ وبحثٍ، وهذا واقعٌ في السُّننِ في أشياءَ كثيرةٍ، استغنَى المسلمونَ بتواتُرها عن النَّظرِ في رواياتهَا ونقلهَا، مثلُ: الصَّلواتِ الخمسِ في اليومِ واللَّيلةِ، وعددِ ركعاتٍ كلِّ صلاةٍ، ومواقيتهَا من حيثُ الإجمالُ، ومشروعِيَّةِ الأذانِ والإقامةِ، وغير ذلكَ ممَّا يعرفُهُ الخاصُّ والعامُّ، والعلمُ به حاصلٌ لجميعِ أهلِ الإسلامِ من غيرِ توقُّفٍ على استدلالٍ. وهذا التَّواتُرُ لا يحتاجُ إلى الإسنادِ.

стр. 143

٢ـ تواتُرٌ نظريٌّ: وهو ما توقَّف العلمُ به على تتبُّعِ الأسانيدِ وجمعهَا والنَّظرِ فيها. وكثيرٌ من السُّننِ المتواترَةِ عُرفَ بهذا الطَّريقِ، ولهذا خفي العلمُ بتواتُرِ بعضِ ذلكَ، فكمْ من سنَّةٍ يظنُّ الظَّانُّ أنها سُنَّةُ آحادٍ وهي متواترةٌ، لأنه لم يطَّلعْ في طُرق روايتِهَا على ما جمعَ شُروطَ التَّواتُرِ المتقدِّمة، وهذا جانبٌ يحتاجُ فيه الفقيهُ إلى (علوم الحديثِ) ليعلمَ الوجوه الَّتي وردَ عليها الخبر. كما يجبُ أن يُلاحظَ أنَّ من المتأخِّرينَ من أغفلَ اجتماعَ الشُّروطِ المتقدِّمةِ في التَّواترِ سِوى مجرَّدِ العدَدِ، وهذا لا يُغني وحدَهُ في إفادَةِ التَّواترِ، فقدْ وُجدَتْ أحاديثُ رواتُها كثيرونَ ربَّما بلغُوا العشرَةَ أو زادُوا، لكنَّ مدارَ أسانيدهم على رواةٍ لم يؤمن تواطؤهُم على الكذبِ أو الخطإ، وهذا يعني وجوبَ النَّظرِ في أحوالِ النَّقلةِ والأمنِ من وقوعِ ذلك منهُم. وهذا النَّوعُ من التَّواترِ دونَ منزلَةِ الأوَّلِ، والجهلُ بهِ حاصلٌ، والعُذرُ بذلكَ قائمٌ بخلافِ الأوَّلِ، فذلكَ لا يقعُ الجهلُ بهِ، ولا يُعذرُ مُدَّعيه إذا كان يعيشُ في دارِ إسلامٍ. * تقسيم التواتر من جهة لفظ الخبر: ١ـ لفظيٌّ ومثالهُ: قوله ﷺ : ((من كذبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوَّأ ْ

стр. 144

مقعدَهُ من النَّارِ)) . ٢ـ معنويٌّ، وهو الأحاديثُ الكثيرةُ الَّتي تبلُغُ التَّواترَ تتَّفقُ على إفادَةِ معنًى مُعيَّنٍ، معَ أنَّ سياقاتهَا قدْ تختلفُ عن بعضهَا في ألفاظِها وفي زيادتِها ونقصِهَا، كالأحاديثِ الواردَة في المسحِ على الخُفَّينِ، فأفرادُ ذلك سُننُ آحادٍ، لكنَّ مجموعَهَا أفادَ مشروعيَّةَ المسح، فصارَ متواترًا لاتِّفاقها عليه. ٢ـ سنة الأحاد * تعريفها: الآحادُ لُغَةً: جمعُ (أحد) وهو بمعنى (واحد) . واصطلاحًا: ما لمْ يجمعْ شٌروطَ التَّواتُرِ. وهذا يعني أنَّ (سُنَّة الآحادِ) ما يرويهِ الواحدُ، أو ما يرويهِ العدَدُ القليلُ الَّذيمَ لم يبْلُغْ خبرُهُم حدَّ اليقينِ بروايتِهِمْ، كروايةِ الإثنينِ، وما زادَ على ذلكَ زيادَةً دلَّتْ على انتِشارِ الحديثِ لكنَّها لم تُحقِّقْ شرْطَ التَّواتُر. * درجتها: سُنَّةُ الآحادِ لا ريبَ أنَّها دونَ السُّنَّةِ المتواترةِ، لكنَّ روايةَ اثنينِ

стр. 145

ينبغي أن تكونَ أعلى من واحدٍ، وثلاثةٍ أعلى من اثنينِ، وإن لم يبلُغُوا حدَّ التَّوتُرِ، وهذا صوابٌ من حيثُ الجملةُ، لكنَّهُ على أيِّ تقديرٍ متوقِّفٌ على معرفةِ درجاتِ أسانيدِ تلك الرِّواياتِ، وإنَّما يكونُ العددُ ميزَةً زائدَةً في قوَّةِ الحديثِ إذا ثبتَ إسنادُ كلِّ روايةٍ. فالشَّرطُ في قبُولِ سُنَّةِ الآحادِ هوَ: شرطُ الحديثِ الصَّحيحِ في (علومِ الحديثِ) وما قرُب من الصِّحَّةِ كالحديثِ الحسنِ الَّذي أفادَ السَّبرُ والنَّظرُ أنَّهُ حديثٌمحفوظٌ ليسَ بِمُنكرٍ، فإنَّهُ يجمعُهُ مع الحديثِ الصَّحيحِ أنَّهُما جميعًا إلى جانبِ الرُّجحانِ والقَبولِ، وهذا كافٍ عندَ جمهورِ العلماءِ في إثباتِ الشَّرائعِ والدِّيانَة. وسُنَّةُ الآحادِ الثَّابتَةُ قبولُها من بابِ (قبولِ الظَّنِّ الرَّاجحِ) ، وهوَ حُجَّةٌ مُعتبرَةٌ في الشَّرعِ، ومن الأدلَّةِ عليهِ: ١ـ قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائفة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] ، قال أهلُ العربيَّةِ: ((الطَّائفةُ: الواحدُ فصاعدًا)) ، والكفايةُ تحصلُ بواحدٍ يرحلُ فيتفقَّهُ فيعودُ إلى قومِهِ وعشيرتِهِ مُبلَّغًا معلِّمًا نذيرًا، فتصحُّ نِذارتُهُ شرعًا وتلزَمُهُم حُجَّتُهُ، وهي خبرُ آحادٍ. ٢ـ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] ، فأمرَ بالتَّثبُّتِ في قَبُولِ خبرِ الفاسقِ، ممَّا دلَّ بمفهومهِ

стр. 146

على قبولِ خبرِ العَدْلِ. ٣ـ تواترَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يبعثُ أمرَاءهُ وقضاتَهُ وسُعاتهُ وهم أفرادٌ، فيلزمُ النَّاسَ الَّذين أُرسلوا إليهِم ماجاءُوهُم به من العِلمِ، كما بعثَ مُعاذًا إلى اليمنِ، وبعثَ غيرهُ إلى غيرِهَا. ٤ـ قبولُ خبرِ الشُّهودِ وهُم آحادٌ بناءً على رُجحانِ صِدْقِهِم وعدالتِهمْ واجبٌ شرعًا، مع أنَّ أمرَ الصِّدقِ والعدالةِ فيهم مظنونٌ، وذلك لجوازِ اتِّفاقهِم على الكذبِ في الباطِنِ رغبَةً أو رهبةً، فقبوُ الرِّوابةِ أولى، فإنَّ داعيةَ الكذبِ ممَّن عُرفَ بالصِّدقِ ضعيفةٌ. هذه بعضُ وجوهِ الاستدلالِ على صحَّةِ استفادَةِ التَّشريعِ من خبرِالواحدِ الصَّحيحِ، وللعلماءِ وجوهٌ أخرى يذكرونهَا تُطلبُ من مظانِّها، ككِتاب ((الرسالة)) للإمام الشَّافعيِّ. * تنبيهات حول سنة الآحاد: ١ـ الَّذي كان عليه سلفُ الأُمَّةِ أنَّ خبر الواحدِ الصَّحيحِ حُجَّةٌ في إفادَةِ العلمِ والعملِ، ولا فرقَ فيمَا يُستفادُ به مِمَّا يتَّصلُ بعملِ القلبِ أو عمَلِ الجوَارِحِ، فما تثبتُ بهِ الطَّهاراتُ والنَّجاساتُ، وما تصحُّ الصَّلاةُ به وما تَبْطُلُ، وما يحلُّ وما يحرُمُ، يثبتُ به الإيمانُ بأنَّ من أسماء اللهِ تعالى (الجميل) ، وبأنَّ ملكينِ يسألانِ العبْدَ في قبرِهِ يُقالُ لأحدِهمَا (مُنكرٌ) وللآخرِ (نكيرٌ) ، وبقصَّةِ صاحبِ البِطَاقَةِ يومَ الحِسابِ، حينَ

стр. 147

يظنُّ أنَّه قد هلكَ بذُنُوبه فتُنجيهِ بِطاقةٌ فيها (لا إله إلاَّ الله) ، وبأنَّ الميزانَ لهُ كِفَّتانِ، وأنَّ الصِّراطَ جسرٌ على ظهرِ الجَحيمِ أدقُّ من الشَّعرةِ وأحَدُّ من السَّيفِ، إلى غير ذلكَ من فُروعِ العقائِدِ، فإنَّ من بنى بعضَ دينِهِ على خبرِ الثِّقةِ الصَّادِقِ وصدَّقه فيه وردَّ بعضَهُ ما جرى في ذلكَ على قاعدَةِ العَدْلِ والإنصافِ، فإمَّا أن يُكذِّبَ المُخبرَ مطلقًا، وإمَّا أن يُصدِّقهُ مُطلقًا، وإمَّا أن يتوقَّف في تصديقِهِ وتكذيبِهِ مُطلقًا حتَّى يشهَدَ معهُ الشُّهُودُ الكثيرونَ الَّذين يتواردُونَ عليهِ من أنحاءٍ متفرِّقةٍ بحيثُ لا يتَواطَأُونَ على الكذِبِ! وهذا المسلكُ في التَّفريقِ بين العقائدِ والشَّرائعِ بِدْعَةٌ دخيلةٌ، تأثَّرَ بها كثيرٌ من المتأخرينَ المُنتسبينَ للسُّنَّةِ، لأنهم وجدُوا أخبارَ الآحادِ توصفُ بالظَّنِّ، وهذا إطلاقٌ مُوهمٌ ليسَ بِجيِّدٍ، فإنَّ العلمَ يصحُّ فيه الاكتفاءُ بالدَّلائلِ الظَّاهرَةِ، وهوَ يتفاوتُ قوَّةً بحسبِ قوَّةِ البُرهَانِ وظُهورِهِ، وليسَ مُطلقُ الظَّنِّ مقبولاً، إنَّما يُقبلُ الظَّنُّ الرَّاجحُ إلى درجَةِ اليقينِ، وذلك لا يحصلُ في الأحاديثِ إلاَّ بشُروطٍ شديدَةٍ، ولكنْ كيف يُدركُ ذلك من أفنى عُمُرَهُ في الكلامِ في أُصولِ الفقهِ على طُرقِ أهلِ الكلامِ من غيرِ درايةٍ بمناهجِ أهلِ الحديثِ العارفينَ بهِ وجهُودِهم في تحقيقهِ وتنْقيحِهِ؟! ولعلَّهُ من الجديرِ بالمُلاحظَةِ في هذه المسألةِ أن يُلغَى استخْدَامُ عبارةٍ (حديثُ الآحادِ يُفيدُ الظَّمِّ الرَّاجحَ) من غيرِ بيانٍ لحقيقةِ هذه

стр. 148

اللَّفظةِ، دفعًا لما يقعُ بها من اللَّبسِ، فإنَّها لفظةٌ اصطِلاحيَّةٌلمْ ترِدْ في كتابٍ ولا سُنَّةٍ، فلا محذُورَ في ترْكِهَا. ٢ـ السُّنَّةُ من حيثُ نقلُهَا عندَ الحنفيَّةِ ثلاثَةُ أقسامٍ: سُنَّةٌ متواترَةً، وسُنَّةٌ مشهورة، وسُنَّةُ آحادٍ. ويُعرِّفُونَ (السُّنَّةَ المشهورة) بأنَّها: (الَّتي رواهَا عنِ النَّبيِّ ﷺ صحابِيٌّ واحدٌ أو عددٌ لم يبلُغْحدَّ التَّواترِ، ثمَّ وقعَ التَّواتُرُ في طبقةِ التَّابعينَ فمنْ بعدَهُم) . وهذا في التَّحقيقِ (سُنَّةُ آحادٍ) باعتبارِ عدَمِ التَّواتُرِ في أصلِ الرِّوايةِ، وهو مذهبُ الجمهورِ، لكنْ يُلاحَظُ أنَّ الحنفيَّةَ يُفرِّعُونَ على ذلك لكونِ السُّنَّةِ المشهورةِ عندَهُم لها من الدَّرجةِ ما للسُّنَّةِ المُتواترَةِ في إفادَةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ، وإن نزلتْ عنهَا قُوَّةً من جهةِ النَّقلِ. ٣ـ الحديثُ المُرسلُ هوَ ما رفعهُ التَّابعيُّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، أو هوَ المنقطِعُ عندَ الأُصوليينَ، وهوَ من أنواعِ الحديثِ الضَّعيفِ عندَ المحدِّثينَ، وأسقطَ الاحتجَاجَ بهِ عامَّتُهُمْ، وكذا الشَّافعيَّةُ مِن الفُقهاءِ والأصوليينَ، لكنْ سهَّل فيه الحنفيَّةُ والمالكيَّة بشرطِ أن يكونَ المُرسلُ محترزًا لا يروِي في العادَةِ إلاَّ عنِ الثِّقاتِ، وأمَّا الإمامُ أحمدُ فالمشهورُ عنهُ الاحتجاجُ بالمرسلِ حيثُ يُعدمُ الحديثُ المُتَّصلُ الثَّابتُ أو لا يجدُ للصَّحابةِ في المسألةِ شيئًا، وقالَ قومٌ: (استثنى الشَّافعيُّ مراسيلَ سعيدِ

стр. 149

بنِ المسيَّبِ) لأنَّهُ كان من كبارِ التَّابعينَ، والتَّحقيقُ أنَّ الشَّافعيَّ لم يسْتَثْنِ مراسيلَ سعيدٍ، وإنَّما قبلهَا حينَ يأتي ما يُعضِّدُها من وجهٍ آخرَ وجعلَ لها مزيَّةً على مراسيلِ غيرهِ لأنَّ مُعظمَهَا اعتبِر فوجِدَ صحيحًا من وجوهٍ أُخرَ. ٤ـ اشترطَ المالكيَّةُ لقبولِ (سُنَّةِ الآحادِ) أن لا تكونَ مخالفَةً لعملِ أهلِ المدينَةِ، وذلكَ أنَّ عملَ أهلِ المدينةِ بمنزلَةِ السُّنَّةِ المتواترَةِ حيثُ توارثُوا العملَ عن أسلافهِم جمعًا عن جمعٍ حتَّى عهدِ رسول الله ﷺ ، والمتواترُ مقَدَّمٌ على الآحادِ. والتَّحقيقُ في هذه المسألةِ: أنَّ مذهبَ مالكٍ الَّذي يُبيِّنُه المحقِّقُونَ من أصحابِهِ كأبي الوليدِ الباجيِّ وغيرهِ ﵏ أنَّه يرى الاحتِجاجَ بعملِ أهلِ المدينةِ فيما كان الأصلُ فيه النَّقلَ لا الاجتهادَ، مثلُ: ألفاظِ الأذانِ، وتركِ الجهرِ بالبسملَةِ عند قراءةِ الفاتحةِ في الصَّلاةِ، فهذا وشِبْهُه ليسَ لأهلِ المدينةِ فيه اجتهادٌ، وإنَّما الأصلُ فيه التَّلقِّي عن رسول الله ﷺ ، فحينَ يتداولهُ أهلُ المدينة جيلاً عن جيلٍ إلى عهدِ مالكٍ، ولم يكُنْ عهدُهُ بعيدًا عنهم فإنَّهُ من أتباعِ التَّابعينَ، ولم تَنْدَثر السُّننُ بعدُ في مثلهِ ولم يقعْ فيها التَّغييرُ، فهذا بمنزلة نقلهِم الحديثَ نقلَ الجمعِ الَّذي تُحيلُ العادَةُ تواطؤهم على الكذبِ، فكانَ ذلكَ العملُ كالحديثِ المتواترِ

стр. 150

الَّذي لا يجوزُ أن يُعارضَ بسُنَّةِ لآحادٍ. هذا مذهبُ مالكٍ ﵀، والتَّحقيقُ أنَّ النَّاظِرَ في تاريخ الإسلامِ يجدُ أنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ الَّذين هُم حملةُ السُّننِ من بعدِه قدْ تفرَّقُوا في الأمصارِ، وعند َ كلٍّ من العلمِ ما ليسَ عندَ غيرهِ، وما جرى عليه عملُ النَّاسِ بالمدينةِ جائزٌ أن يكونَ ممَّا تبعُوا فيه وجهًا من النَّقلِ عن رسول الله ﷺ ، كما يجوزُ أن يكونَ من حمَلَ سُنَّةً آحاديَّةً في مسألةٍ من الصَّحابةِ ممَّن فارقَ المدينَةَ فكانَ في غيرِهَا بقيَّةَ عُمرِهِ لم يَنْشُرْ تلكَ السُّنَّةَ إلاَّ حيثَ نزلَ، فحُرِمَ منها أهلُ المدينَةِ ومضَوا على العملِ بغيرِ مُقتضاها، وجائزٌ أن يكونَ وقعَ التَّغييرُ في الشَّيءِ من عملِ أهلِ المدينةِ، فقدْ حُكِمَتْ المدينةُ بعدَ الصَّحابةِ أو في أواخرِ عهدِهِم إلى عهدِ مالكٍ بأمراءَ فيهم من عُرفَ بالميلِ عن القصدِ وكان لهُم من السُّلطانُ ما كانَ يُمكنُهم بهِ إشاعَةُ الأمرِ بما يُخالفُ السُّنَّةَ حتَّى يشيعَ وينتشرَ، فهذهِ الاعتبارَاتُ وغيرُها تُلغي اعتبارَ صحَّةِ هذا المذهبِ من أصلهِ، وإنَّما يُعتبرُ منه ما وافقَ السُّنَّةَ المسنَدَة المنقولَةَ الثَّابتَةَ، لا يكونُ هوَ حاكمًا عليها. ٥ـ اشترطَ الحنفيَّةُ شرطينِ آخرينِ لقبولِ سُنَّةِ الآحادِ: [١] أن لا تكونَ في أمرٍ تعمُّ به البَلْوَى.

стр. 151

ومعنى ذلكَ: أنَّ الأمرَ الَّذي تعمُّ به البلوَى هوَ الأمرُ الشَّائعُ المنتشِرُ المُعلنُ، فلو وقعَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال فيهِ قولاً أو فعلَ فعلاً فالدَّواعي متوافرَةٌ على حفظِهِ ونقلهِ، فيجبُ أن لا يُقبلَ إلاَّ إذا رواهُ الجمعُ الكبيرُ، إّْ لا يُحتملُ مثلُهُ من الرَّاوي الفرْدِ، ويُقالُ: أينَ كانَ غيرُهُ من حفظِهِ وروايتِهِ؟ وهذا في التَّحقيقِ لا أثرَ لهُ، ولو رجعَتْ إلى ما تقدَّم ذكرُهُ من الفوارقِ بين نقلِ القُرآنِ، ونقلِ السُّننِ أدركْتَ أنَّ الأمرَ الشَّائعَ قدْ لا يُحفظُ فيه إلاَّ الحديثُ الواحدُ، لا لأجلِ أنَّهُ لم يحملُهُ عن النَّبيِّ ﷺ إلاَّ الرَّجلُ الواحدُ، وإنَّما لأجلِ أنَّهُ لم يُحدِّثْ به عنهُ إلاَّ الرَّجلُ الواحددُ، وفرْقٌ بين الصُّورتينِ لا يخفى، وهذه الأحاديثُ الآحادُ الَّتي لا تُحصى كثرةً جاءتْ في أمورٍ تعمُّ بها البلوى، وما أدَّى النَّاسُ ولا حدَّثُوا فيها إلاَّ بالحديثِ الواحدِ، وخُذْ لذلكَ مثالاً حديثَ: ((الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)) ، فهوَ سُنَّةُ آحادٍ، لم تصحَّ له روايةٌ إلاَّ من حديثِ عُمرَ بن الخطَّابِ ﵁، مع أنَّه أصلٌ في جميعِ الأعمالِ وقاعِدَةٌ عظيمةٌ، ومنَ المظنُونِ أن يكونَ قدْ حدَّثَ به النَّبيُّ ﷺ غيرَ عُمَر، لكنْ لم يُؤدِّه عنهُ أحدٌ سواهُ. ومن تأمَّل شرْطَ الحنفيَّةِ هذا في طريقَتِهِم وجَدَهُم خالفُوهُ ولمْ يلْتَزِمُوهُ، بل تعدَّوْهُ إلى الضَّعيفِ من أخبارِ الآحادِ في أمورٍ تعمُّ بها البلوَى على تفسيرِهِمْ.

стр. 152

وقدْ خالفَهُمُ الجُمهورُ في هذا الشَّرطِ من المالكيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحنابلَةِ وغيرِهِمْ. [٢] أنْ لا يترُك راويهَا عن النَّبيِّ ﷺ العملَ بها، فإذَا تركَ العملَ بها لم تَكُن حُجَّةً. وبنوا ذلك على أنَّ ترْكَهُ مُخالفَةٌ، والصَّحابيُّ لا يجوزُ أن يتعمَّدَ مخالفةَ النَّبيِّ ﷺ ، وفي ذلك التَّركِ منهُ دليلٌ على نسخِ تلكَ السُّنَّة. وهذا قولٌ لم يُقبلُ من الحنفيَّةِ، فإنَّ الصَّحابيَّ غيرُ معصومٍ من نسيانٍ أو غفلةٍ، والرَّاوي قد يُحدِّثُ بالشَّيء فيأتِي عليهِ الزَّمانُ فينساهُ، كما نسيَ عُمرُ بن الخَطَّابِ ﵁ قصَّةَ التَّيمُّمِ وذكَّرهُ بها عمَّارُ بنُ ياسرٍ ﵁، والقصَّةُ في ((الصحيحينِ)) ، في وقائعِ كثيرةٍ تُشبِهُ ذلكَ، وكذلكَ فإنَّ التَّأويلَ غيرُ ممتنعٍ، كما تأوَّلتْ عائشةُ إتمامَ الصَّلاةِ في السَّفرِ، وأُتمَّتْ صلاَةُ الحضرِ [متفقٌ عليه] ، فيجوزُ أن يكونَ هذا الاحتمالُ أو غيرُهُ واردًا على رأيِ من رَوَى خبرًا فخالَفَهُ، وهذا بخلافِ روايتِهِ فإنَّها سالمَةٌ من هذه الاعتِراضاتِ. ٦ـ لا يصحُّ تصوُّرُ ورودِ سُنَّةٍ ثابتةٍ من جهةِ النَّقلِ أن تكونَ مُخالفَةً للأصولِ المقطوعِ بها في دينِ الإسلامِ، أو للقرآنِ، أو الحديثِ المتواترِ، وإن وُجِدَ شيءٌ في الظَّاهرِ يُدَّعى عليهِ ذلكَ فهوَ في التَّحقيقِ يرجعُ إلَى

стр. 153

واحدٍ من أمورٍ ثلاثةٍ: [١] وجودِ علَّةٍ خفيَّةٍ من جهةِ النَّقلِ. [٢] عدمِ إدراكِ المعنى المقصودِ بتلكَ الرِّوايةِ والَّذي يتَّفقُ ولا بُدَّ مع الأصولِ الصَّحيحةِ. [٣] ضعفِ دلالةِ الأصلِ، كالاعتراضِ على سُنَّةِ آحادٍ صحيحةٍ صريحَةٍ بآيةٍ ظنيَّةِ الدَّلالةِ على المعنى الَّذي اعتُرضَ بهِ. أنواع الأحكام الواردة في السنة * أحكامٌ مُؤكَّدة لأحكام القرآنِ مثلُ: حُرمَةِ عُقوقِ الوالدَينِ والزِّنا والخمْرِ. * أحكامٌ مُبيِّنةٌ لأحكامِ القرآنِ المجملَة. مثلُ: تفصيلِ أحكامِ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصِّيامِ، والحجِّ. ومن البيانِ لأحكامِ القرآنِ: تخصيصُ عامِّهِ، وتقييدُ مُطلقِهِ، وسيأتي في موضعِه مع مثالهِ. * أحكامٌ مبتدَأة، سكتَ عنها القُرآنُ وجاءتْ بها السُّنَّة. مثالُها: تحريمُ أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ ومِخلَبٍ من الطَّيرِ، والجمعِ بين المرأةِ وعمَّتِها والمرأةِ وخالَتِهَا.

стр. 154

دلالة السنن على الأحكام * نصوصُ السُّنَّةِ كنُصوصِ القرآنِ من جهَّةِ الدَّلالةِ، فهي على قسمينِ: الأوَّلُ: قطعيِّ الدَّلالةِ، كقوله ﷺ : ((في الرِّكازِ الخُمُسُ)) [حديثٌ صحيحٌ رواه ابن ماجه وغيرُهُ] ، فلفظُ (الخُمُسِ) لا يحتملُ أقلَّ أو أكثرَ، فهوَ قطعيٌّ في العدَدِ. والثَّاني: ظنِّيُّ الدَّلالةِ، كقوله ﷺ : ((لا صلاَةَ لمن لم يقرأْ بِفاتحَةِ الكتابِ)) [متفقٌ عليه] ، فاختلفَ أهلُ العلمِ هل النَّفيُ للإجزاءِ، أو الكمالِ، لأنَّ اللَّفظَ يحتملُهُمَا. * * *

стр. 155

الدليل الثالث الإجماع * تعريفه: لُغَةً: يُطلقُ على العزمِ والتَّصميمِ على فعلِ الشَّيءِ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] ، ويطلقُ على الاجتماعِ والاتِّفاقُ، يقالُ: (اجمعواعلى كذا) عى نقيضِ (اختلفُوا) . اصطلاحًا: اتِّفاقُ مجتهدِي أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ بعد وفاتِه في عصرٍ من العصُورِ على حكمٍ شرعيٍّ. هكذا يُعرِّفُ الأصوليُّونَ (الإجماعَ) ، وهي صُورةٌ خياليَّةٌ لا وُجودَ لهاَ، فليسَ هُناكَ أمرٌ واحدٌ يصحُّ أن يُدَّعى أنَّهُ اجتمعَتْ في مثلهِ قيودُ هذا التَّعريفِ. فاتِّفاقُ المجتهدينَ؛ يحتاجُ إلى ضابطٍ صحيحٍ للمجتهدِ، وقدِ اختلفُوا فيه، والاتِّفاقُ يحتاجُ إلى ضابطٍ صحيحٍ للمتجتهدِ، وقدِ اختلفُوا فيه، والاتِّفاقُ يحتاجُ إلى الإحاطَةِ بأنَّ ذلكَ الحُكمَ قد نطَقَ به أو أقرَّهُ كلٌّ منهم بأمارةٍ صريحةٍ علىالموافقةِ مع انتفاءِ الموانعِ فلا يكونُ مُكرهًا مثلاً، وهذا أمرٌ يستحيلُ أن يُدركَ في المتجتهدين، كما تستحيلُ الإحاطَةُ بآراءِ جميعهِم على هذا الوصفِ مع اتِّساعِ بلادِ الإسلامِ وتفرُّقِهِم فيها.

стр. 156

فالواقعُ يُحيلُ وقوع ذلكَ، وتاريخُ هذه الأمَّةِ معلومٌ، فإنَّها بعدَ رسول الله ﷺ والصَّدرِ الأوَّلِ قدْ تفرَّقتْ حتَّى بلغتْ حدَّ استحالَةِ جمعهَا على ما اختلفتْ فيهِ من الكتابِ وهو نصٌّ قطعيٌّ، فكيفَ يُتصوَّرُ إمكانُ جمعها على أمرٍ لا نصَّ فيه ليكونَ حكمًا شرعيًّا للأمَّةِ؟ قال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ ﵀: ((ما يدَّعي الرَّجلُ فيه الإجماعَ هذا الكذِبُ، منِ ادَّعَى الإجماعَ فهو كذبٌ، لعلَّ النَّاسَ قدِ اختلفُوا)) [أخرجهُ عنه ابنُهُ عبدُالله في ((مسائله)) رقم: ١٨٢٦] . وأطال الأصوليُّونَ في تقريرِ تعريفِهم هذا واجتَهَدُوا فيه غايةَ الاجتهادِ بكلامٍ كثيرٍ يُغني في العلمِ شيئًا، واستدلُّوا له بأدلَّةٍ لا ينهضُ منها شيءٌ ليكونَ له صلةٌ بما من أجلهِ أوردُهُ. ولو سألتَ: أينَ هي الأحكامُ الشَّرعيَّةُ الَّتي لم تُستفَدْ إلاَّ بطريقِ الإجماعِ على هذا التَّعريفِ، لم تَجِدْ جوابًا بذِكرِ مسألةٍ واحدَةٍ، فعجبًا أن يُدَّعى بأنَّ ذلك من أدلَّةِ شريعةِ الإسلامِ المعتبَرَة ولايُمكنُ أن يوجدَ له مثالٌ واحدٌ صحيحٌ في الواقعِ على مدَى تاريخِ الإسلامِ الطَّويلِ! ولكنْ ليس يعني هذا إبطالَ وجودِ مسمَّى (الإجماع) ، فالمسمَّى صحيحٌ، والإجماعُ دليلٌ مع الكتابِ والسُّنَّةِ يُقاسُ بِه الهُدَى والضَّلالُ، لكنَّهُ ليسَ دليلاً مستقلاًّ للأحكامِ، إنَّما هو دليلٌ تبعيٌّ للكتابِ والسُّنَّةِ، وبعبارةٍ أخرَى:

стр. 157

الإجماعُ هوَ: ما اتَّفق عليه المسلمونَ من نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ. وهذا المعنى للإجماعِ لم يقعْ إلاَّ في شيءٍ مقطوعٍ به في دين الإسلامِ معلومٍ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، كالصَّلواتِ الخمسِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ، وحُرمَةِ الزِّنا، وشُربِ الخمرِ، وغير ذلكَ، وهذا الَّذي يُقالُ في مثلهِ: ثبتَ حُكمهُ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ. وعلى هذا المنقولُ عن السَّلفِ في هذه المسألةِ، قال الشَّافعيُّ ﵀: ((لستُ أقولُ ولا أحدٌ من أهل العلمِ: (هذا مُجتمعٌ عليه) ، إلاَّ لما لا تلقَى عالمًا أبدًا إلاَّ قالهُ لك وحكاهُ عن منْ قبلهُ، كالظُّهرِ أربعٌ، وكتحريمِ الخمرِ، وما أشبهَ هذا)) [الرِّسالة رقم: ١٥٥٩] . والخطرُ بمخالفَةِ هذا الإجماعِ أنَّ صاحبَهُ يخرُجُ من الإسلامِ لمخالفتهِ المعلومَ من الدِّين بالضَّرورةِ والخُروجِ عن جماعةِ المسلمينَ بذلكَ، وهذا لا يكونُ في نصٍّ من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ وقعَ الاختلافُ فيه، فإنَّه لا يحكمُ لصاحبِهِ بالخروجِ من الإسلامِ. * حجيته: الألَّةُ الَّتي يُستدلُّ بها لحُجِيَّةِ الإجماعِ في الكتابِ والسُّنَّةِ كثيرةٌ، جميعُهَا شاهدٌ على أنَّ الإجماعَ المُعتبرَ هو: ما اتَّفق عليه المسلمون من نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، فمن أهمِّ تلكَ الأدلَّة: ١ـ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى

стр. 158

وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] . فتوعَّد الله تعالى بهذا الوعيد الشَّديدِ على مخالفةِ سبيل المؤمنينَ كما توعَّدَ على مُشاققةِ الرَّسولِ ﷺ بعد بلوغِ العلمِن دالاًّ على أنَّ سبيلَهُم هو الهُدَى، ولفظُ (المؤمنين) لم تُرَدْ بهِ طائفةٌ دونَ أُخرَى، وإنَّما هو لفظٌ شاملٌ لجميعهِم، ولا يُوجدُ شيءٌ اجتمعُوا عليه جميعًا أحياءً وأمواتًا إلاَّ شيءٌ معلومٌ من الدِّينِ بالضَّرورةِ لا يسعُ أحدًا جَحْدَهُ. ٢ـ وحديثُ: ((لايجمعُ الله أمَّتي على ضلالةٍ أبدًا)) [حديثٌ ضعيفٌ، يقوِّيه بعضُ العلماءِ بتعدُّد الطُّرقِ] ، وهذا معنى صحيحٌ، فإنَّ هذه الأمَّةَ الوسطَ لم تكُن لتشهَدَ على النَّاسِ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ، وهي تجتمعُ على الخطإ. ٣ـ وقولهُ ﷺ : ((عليكمْ بالجماعَةِ، وإيَّاكمْ والفُرقَةَ، فإنَّ الشَّيطان مع الواحدِ وهوَ من الإثنينِ أبعدُ، من أرادَ بحُبوحَةَ الجنَّةِ فلْيلْزمِ الجماعَةَ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه التِّرمذِيُّ وغيرُهُ] ، وفي معناهُ أحاديثُ كثيرةٌ تبلُغُ التَّواترَ تأْمُرُ بالكونِ مع الجماعَةِ والالتزامِ بها، وهذا إنَّما يتحقَّقُ بالاجتماعِ لا بالافتراقِ، وبوحدَةِ الكلمةِ لا بتفرُّقها. وهذا المعنى لا يوجدُ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ إلاَّ في قضيَّةٍ لا يسوغُ

стр. 159

فيها الخلافُ من قضايا الشَّريعَةِ المعلومَةِ من دينِ الإسلامِ بالضَّرورَةِ. ويُقالُ: لو أمكنَ أن تتَّفقَ هذه الأمَّةُ على أمرٍ لم يرِدْ في الكتابِ والسُّنَّةِ فذلكَ الاتِّفاقُ حُجَّةٌ، على أنَّه يُقالُ: لا بُدَّ للإجماعِ من مُستَنَدٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ، وهذا يعني أنَّه ليسَ بدليلٍ استِقلالاً وإنَّما هو دليلٌ تبعيٌّ. * الإجماع السكوتي: النَّوعُ المتقدِّمُ للإجماعٍ يسمِّيه الأصوليُّونَ بـ (الإجماع الصَّريح) ، وهو حُجَّةٌ قطعيَّةٌ مُلزِمَةٌ. أمَّا (الإجماعُ السُّكوتي) فهوَ: أن يقولَ بعضُ أهلِ الاجتهادِ قولاً، وينتشرَ ذلكَ في المجتهدين من أهلِ ذلكَ العصرِ، فيسكُتُون ولا يظهرُ منهُم اعترافٌ ولا إنكارٌ. وهل يُعدُّ حُجَّةً أمْ لا؟ اختلفُوا فيه على ثلاثةٍ مذاهبَ: ١ـ ليسَ بِحُجَّةٍ، ولا يُسمَّى إجماعًا، وهو قولُ جمهورُ الشَّافعيَّةِ والمالكيَّةِ وبعضِ الحنفيَّةِ والحنابلَةِ. قالُوا: كيفَ يُقوَّلُ السَّاكتُ ما لمْ يَقُلْ؟ على أنَّ السَّاكتَ لا يُجزمُ أنَّهُ

стр. 160

بلغَهُ ذلك القولُ، ثمَّ لو بلغَهُ فجائزٌ أن يكونَ منعهُ مانعٌ من الاعتراضِ، ربَّما كانَ الهيبةَ للقائلِ، أو الخوفَ، أو لأنَّه يرى أنَّه لا إنكارَ في موضعِ اجتهادٍ، كما يجوزُ أن يكونَ أنكرَهُ ولم يبْلُغْنا، أو لغيرِ ذلكَ. ٢ـ حجَّةٌ قطعيَّةٌ، وهو قولُ بعضِ الحنفيَّةِ والحنابلَةِ. واحتجُّوا بأنَّ السُّكوتَ في الأصلِ علامةٌ على الموافقةِ والرِّضا. ٣ـ حجَّةٌ ظنيَّةٌ، وهو قولٌ للشَّافعيِّ وبعضِ الشَّافعيَّةِ والحنفيَّةِ. واستدلُّوا بأنَّ الاحتمالَ الوارِدِ على رضَا المجتهدِ وعدَمِ رِضاهُ يجعلُ الجزمَ بموافقتِهِ ظنيًّا، لكنْ لمَّا كان الأصلُ أنَّ العالمَ لا يسكتُ في الموضعِ الَّذي يقتضي البيانَ، دلَّ ذلكَ على أنَّهُ موافقٌ على ذلكَ القولِ الَّذي بلغَهُ. وطائفةٌ من الفقهاءِ تخصُّ هذا النَّوعَ من الإجماعِ بالصَّحابةِ دونَ من بعدَهُم، لأنَّ منصبَهُم الشَّريفَ لا يقتضي السُّكوتَ في موضعِ المخالفَةِ، وسيأتي في (مذهب الصَّحابيِّ) بيانُ درجتهِ. وفي أيِّ هذه المذاهبِ الصَّوابُ؟ إنَّ معرفَةَ واقعِ استعمالِ هذا النَّوعِ من الإجماعِ يُساعدُ على إدراكِ المذهب الصَّحيح من هذه المذاهبِ، هذا الإجماعُ هو الَّذي يُدَّعى في كثيرٍ من المسائلِ الشَّرعيَّةِ، وهو مبنيٌّ على أنَّ الفقيهَ تتبَّع المنقولَ عن

стр. 161

الصَّحابةِ والتَّابعينَ مثلاً من الآثارِ والأخبارِ في تلكَ المسألةِ، فوجَدَ جميع تلكَ الآثارِ قدِ اتَّفقت على حُكمٍ واحدٍ ولم يجِدْ عن أحدٍ من أهلِ زمانِهِم من نُقل عنهُ خلافُهم، فأجرى ذلك منهُم على أنَّهُ إجماعٌ، وإنَّما هو في الحقيقةِ هذا النَّوعُ من الإجماعٍ (الإجماعُ السُّكوتي) ، أمَّا أن ينتشرَ القولُ ويبلُغ جيعَ المجتهدينَ فلا تظهرُ منهُم لهُ مخالفَةٌ فهذا يستحيلُ أن توجدَ مسألةٌ واحدَةٌ توفَّر فيها هذا الوصفُ، والشَّافعيُّ ﵀ لهُ من الكلامِ ما يدلُّ على أنَّ القول بهذا على هذهِ الصُّورةِ لم يُعرفُ إلاَّ في زمانِهِ. فهذا الإجماعُ السُّكوتِيُّ ما هوَ في الحقيقةِ إلاَّ رأيُ جماعةٍ من الفقهاءِ محصورَةٍ بعددٍ يسيرٍ محدودٍ، وما كانَ رأيًا يُحكَى عن العشْرَةِ والعِشرينَ لا يصلحُ أن يكونَ دينًا يُحجرُ على الأمَّةِ بعدَهُم خلافُهُ، ويكونَ حُجَّةً مُلزمَةً للنَّاسِ إلى يومِ القيامَةِ، على أنَّ كثيرًا من تلك الإجماعاتِ يُدَّعلا، فيطَّلعُ من لم يدَّعيهِ على قولٍ مخالفٍ له صادرٍ من أهلِ عصرِ ذلكَ الإجماع.

стр. 162

الدليل الرابع شرع من قبلنا * تعريفه: هوَالأحكامُ الَّتي شرعهَا الله تعالى للأُمَمِ السَّابقةِ على ألسنةِ رُسُلهِ إليهمْ، كشرائعِ أهل الكتابِ. * أنواعه: ١ـ أحكامٌ شُرعتْ للأُممِ قبلَنا، وجاءَ الكتابُ أو السُّنَّةُ بجعْلهَا تشريعًا لهذه الأمَّةِ. كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] . فهذا النَّوعُ حجَّةٌ دونَ شكٍّ فقد كُلِّف به المسلمونَ بنصِّ الكتابِ أو السُّنَّةِ. ٢ـ أحكامٌ شُرعتْ للأممِ قبلنَا، وجاء الكتابُ أو السُّنَّةُ ببيانِ كونهَا منسوخَةً لم تُشرعْ لهذه الأمَّةِ. كما في قوله تعالى في تحيَّةِ أهلِ يُوسف لهُ ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] ، فهذا منسوخٌ في شريعتنا لهذه الأمَّةِ، ومن الدَّليلِ

стр. 163

على نسخِهِ قولهُ ﷺ : ((ما ينبغي لأحدٍ أن يسجدَ لأحدٍ، ولو كانَ أحدٌ ينبغي أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةُ أن تسجدَ لزوجِها، لما عظَّم الله عليها من حقِّه)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ التِّرمذيُّ وغيرُهُ] . وكثيرٌ من التَّشديدِ في الشَّرائع كان على من قبلَنا من الأممِ وضعَهُ الله تعالى عن هذه الأمَّةِ تخفيفًا منه ورحمةً، فاستجاب قول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقال في صفةِ النَّبيِّ ﷺ : ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، يريدُ بذلك أهلِ الكتابِ. فهذا النَّوع ليس بتشريعٍ لنا بلا خلافٍ. ٣ـ أحكامٌ عن الأممِ قبلنَا لم يرِدْ لها ذكرٌ في كتابٍ ولا سنَّةٍ، كالَّذي يوجدُ عند أهل الكتابِ ممَّا يرونهُ دينًا من الشَّرائعِ الَّتي لا تُعلمُ إلاَّ من طريقهِم ولم تُبطلها شريعتُنا. فهذا النَّوعُ ليسَ بتشريعٍ لنا بلا خلافٍ، والأمرُ موقوفٌ في تصديقه أن يكونَ من شرائعِ الله أو ليسَ منها، كما في حديث أبي هريرَةَ ﵁ قال: كان أهلُ الكتابِ يقرأُون التَّوراةَ بالعبرانيَّةِ ويفسِّرونها بالعربيَّةِ لأهل الإسلامِ، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تُصدِّقوا أهل الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، وقولو: ﴿آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] )) ، وعن عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄ قال: كيفَ

стр. 164

تسألونَ أهل الكتابِ عن شيءٍ وكتابُكمْ الَّذي أُنزلَ على رسول الله ﷺ أحدثُ، تقرأونهُ محضًا لم يُشبْ، وقدْ حدَّثكمْ أنَّ أهلَ الكتابِ بدَّلوا كتاب الله وغيَّروهُ وكتبُوا بأيديهِم الكتابَ، وقالوا: هو من عندالله ليشتروا به ثمنًا قليلاً؟ ألا ينهاكمْ ما جاءَكُم من العلمِ عن مسألتِهمْ لا والله، ما رأينا منهُم رجلاً يسألُكم عن الَّذي أُنزلَ عليكمْ [أخرجهما البُخاريُّ] . ٤ـ أحكامٌ جاءتْ بها نصُوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ، ولم يأتِ دليلٌ على اعتبارِ هذا الحكمِ شرعًا لنا أو ليسَ بشرعٍ كذلكَ. فهذا النَّوع هو موضعُ اختلافِ العلماءِ: هلْ يُعدُّ من أدلَّةِ التَّشريعِ، أو ليسَ منهَا؟ على مذهبينِ: [١] هو شرعٌ لنا، وهذا مذهبُ الجمهورِ: الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ وأكثرِ الشَّافعيَّةِ والأصحُّ عن أحمدَ بن حنبلٍ وكثيرٍ من أصحابهِ. واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣] ، والدِّينُ شاملٌ للأصولِ والفُروعِ، وبقوله تعالى بعدَ ذِكرِ المرسلينَ يخاطبُ نبيَّهُ محمَّدًا ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ، فأمرهُ بالاقتداءِ بهمْ، والأمرُ للنَّبيِّ ﷺ أمرٌ لأمَّتِه ما لم يرِدِ التَّخصيصُ بهِ.

стр. 165

وثبتَ عن العوَّام بن حوشبٍ قالَ: سألتُ مجاهدًا عن سجْدَةِ ﴿ص﴾ ؟ فقالَ: سألتُ ابن عباسٍ: من أين سَجَدْتَ؟ فقال: أوما تقرأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ، فكان داودُ ممَّن أُمرَ نيُّكم ﷺ أن يقتدِي بهِ، فسجَدَها داوُدُ ﵇ فسجدَها رسول الله ﷺ : [أخرجه البخاريُّ] . وقدِ استدلَّ النَّبيُّ ﷺ بالشَّيءِ من ذلكَ، فعنْ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رقدَ أحدُكُم عن الصَّلاةِ أو غفلَ عنْها، فليُصلِّها إذا ذكرهَا، فإنَّ الله يقولُ: [طه: ١٤] )) [متفق عليه، واللفظُ لمسلمٍ، والبُخاريُّ نحوهُ] ، فهذا قولُ اله شريعةً لموسى عيه السَّلامُ. [٢] ليسَ شرعًا لنَا، وهذا المذهبُ قولٌ للشَّافعيَّةِ والحنابلَةِ. واستدلُّوا له بقوله تعالى: [المائدة:٤٨] . والرَّاجحُ المذهبُ الأوَّلُ، وأمَّا دليلُ المذهبِ الثَّاني فلا يُعارضُ أدلَّةَ المذهبِ الأوَّلِ، فإنَّ الله تعالى أنزلَ على كلِّ رسولٍ من الشَّرائعِ قانونًا لا يشبَهُ كلِّ وجهٍ ما بعثَ به الآخرن يكونُ في شريعةِ هذا ما ينسخُ شيئًا من شريةِ هذا ويزيدُ عيها ما لم تأْتِ بها، أمَّا أن تكونَ كلُّ

стр. 166

شريعةٍ تستقلُّ عن الأخرى من كلِّ وجهٍ فهذا ليسَ بصوابٍ، كما يمكنُ أن يدُلَّ عليه النَّوعُ الأوَّلُ والثَّاني من الأحكامِ. ويزيدُ في تأكيدِ صحَّةِ المذهبِ الأوَّلِ: أنَّ الحُكم حينَ يأتي عن شرعِ من قبْلنَا في الكتابِ والسُّنَّةِ إبطالٌ لذلكَ الحكمِ، فهو دليلٌ على إقرارِه شرعًا لنا. * * *

стр. 167

الدليل الخامس القياس *تعريفه: لغةً: يُقالُ: (قاس الشَّيءَ بغيرهِ وعلى غيرهِ) أيْ: قدَّره على مثالهِ. واصطلاحًا: إلحاقُ واقعةٍ لا نصَّ على حُكمهَا بواقعةٍ وردَ النَّصُّ بحُكمهَا في الحُكمِ لاشتراكِهما في علَّةِ ذلك الحُكمِ. وحقيقةُ القِياسِ: أنَّه إبانةٌ عن الحكمِ الشَّرعيِّ الَّذي دلَّ عليه النَّصُّ وإظهارٌ له من قِبَلِ المجتهدِ بضربٍ من التَّشبيهِ لغير المنصوصِ بالمنصوصِ، وليس هو إثبات حُكمٍ شرعيٍّ من غير أصلٍ، بل الحُكمُ موجودٌ إلاَّ أنه ليس بظاهرِ، فيكشفُ عنهُ المجتهدُ بطريقِ القياسِ، لذا فإنَّه مسلكٌ اجتهاديٌّ في حدودِ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ بضوابطِ معيَّنةٍ، كما سيأتي. مثالهُ: قال الله عزَّوجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . فهذه الآيةُ دلَّت على منعِ البيعِ بعدَ سماعِ النِّداءِ، وعلَّةُ المنعِ ما يقعُ

стр. 168

به من التَّعويقِ عن حضُورِ الجمُعَةِ أو خوفِ تفويتهَا، وهذا المعنى ذاتُهُ يوجدُ في غيرِ البيعِ من العقُودِ، كالإجارةِ والوِكالةِ، وهيَ صُورٌ لم يرِدِ النَّصُّ بالمنعِ منها، لكنَّ فيها نفسَ المعنى الَّذي لأجلهِ مُنعَ البيعُ، فأُلحقتْ به في حُكمِ المنعِ. أركان القياس "من خلالِ تعريفِ القياسِ يُلاحظُ أنَّه لا بدَّ له من توفُّرِ أربعةِ أركانٍ هيَ: ١ـ الأصل "وهو (المَقيسُ عليهِ) ، وهوَ الَّذي وردَ النَّصُّ بحُكمهِ، كالبيعِ في المثالِ الماضي. ولهُ شُروطٌ تُعرفُ من خلالِ (شُروطِ حُكمهِ) الآتيةِ. ٢ـ الفرع "وهوَ (المَقيسُ) ، وهو الواقعةُ الَّتي لم يرِدْ نصٌّ بحُكمهَا، ويُرادُ إلحاقُها بالأصلِ، كالإجارةِ في المثالِ السَّابقِ. ومن شرْطِهِ:

стр. 169

أن لا يُباينَ موضُوعُهُ موضوعَ الأصلِ. وذلكَ كقياسِ (البيعِ) على (النكاحِ) ، فإنَّه لا يصحُّ لاختلافِ موضوعِهمَا، فإنَّ البيعَ مبنيٌّ على المُكايسَةِ والمُشاحَّةِ، والنِّكاحَ مبنيٌّ على المُكارمَةِ والمُساهَلَةِ. ٣ـ حكم الأصل * وهو الحُكمُ الشَّرعيُّ المنصوصُ عليهِ، ويُرادُ تعديتُهُ للفرْعِ، وهوَ في المثالِ المذكُورِ آنفًا حُرْمةُ البيعِ بعدَ نِداءِ الجُمُعَةِ. ولا تصحُّ تعديتُه إلى الفرعِ إلاَّ بشُروطٍ، هيَ: [١] أن يكونَ حُكمًا شرعيًّا عمليًّا ثبتَ بالنَّصِّ. فيخرُجُ بذلكَ نوعانِ: (١) ما ثبتَ حُكمُهُ بطريقِ (البَراءَةِ الأصليَّة) وسيأتي بيانُها في (دليل الاستِصْحابِ) ، فإنَّها مبنيَّةٌ على عدَمِ وُرودِ الشَّرعِ بحكمٍ ناقلٍ عن الأصلِ، فالحُكمُ الشَّرعيُّ لم يثبتْ بالتَّنصيصِ عليهِ، إنَّما ثبتَ بدليلِ العدَمِ. (٢) العقائِدُ وقضايا السُّلوكِ وتهذيبِ النَّفسِ كالأمورِ المتعلِّقةِ بأعمالِ القُلوبِ من التَّوكُّلِ والإنابَةِ والخوفِ والرَّجاءِ والحُبِّ

стр. 170

والبُغضِ ونحوِ ذلكَ، فهذه الأحكامُ لا يدخُلُهَا القياسُ لأنَّها ليسَتْ من جُملَةِ الأحكامِ العمليَّةِ المندرجَةِ تحتَ (باب الفِقه) . [٢] أن يكونَ حُكمًا معقولَ المعنَى. أيْ يُمكنُ أن تُركَ علَّةُ تشريعِهِ، مثلُ: تحريمِ الخمرِ، أو الرِّبا، ومنعِ القاتلِ من الإرثِ ممَّن قتلَ. وبهذا الشَّرطِ تخرُجُ الأحكامُ التَّعبُّديَّةُ المحضَةُ فيمتنِعُ فيها القياسُ وإنْ كانتْ أحكامًا عمليَّةً، وفي هذا يُقالُ: (لا قياسَ في العبادَاتِ) ، لأنَّها استأثرَ الله تعالى بعلمِ عِلَلها، مثلُ عددِ الصَّلواتِ وركعَاتِهَا، وكمْ يُجلَدُ الزَّاني والقاذِفُ، والقَاعِدَةُ العامَّةُ في ذلكَ: (الأصلُ في العبادَاتِ التَّعبُّدُ دونَ الالْتِفاتِ إلى المعاني، والأصلُ في العادَاتِ التَّعليلُ) . وقدْ سلَكَ الشَّافعيُّ مَسْلكَ التَّضْييقِ في تعليلِ الأحكامِ، حتَّى ذهبَ إلى أنَّ (الأصلَ في جميعِ الأحكامِ التَّعبُّدُ) ، بخلافِ أبي حنيفةَ، فإنَّ القاعدَةَ عندهُ (الأصلٌ في الأحكامِ التَّعليلُ) ، وبنى كلٌّ على أصلهِ مسائلَ في الفقهِ، فالشَّافعيُّ لا يرى غير الماءِ من السَّوائلِ يقومُ مقامَهُ ف يالتَّطهيرِ من النَّجاسَةِ لأنَّ الحُكمَ عندهُ فيه تعبُّدِيٌّ لا يُعقلُ معناهُ، بخلافِ الحنفيَّة، فعندَهُم صحَّةُ التطهُّرِ بكلِّ مائعٍ طاهرٍ يُزيلُ عينَ النَّجاسَةِ، لأنَّ العلَّةَ في ذلكَ إزالةُ النَّجاسَة وهي حاصلَةٌ بهِ.

стр. 171

والفصْلُ في هذهِ القضيَّةِ يعودُ إلى تحديدِ ما هوَ عبادَةٌ محضَةٌ، وما يُعقلُ معناهُ وتُدركُ علَّتهُ، وهذا ممَّا يقعُ فيه الاختلافُ. [٣] أن لا يكونَ حُكمًا مخْتصًّا بالأصلِ. فاختصَاصُهُ بالأصلِ يمنعُ تعديتَهُ للفرعِ، كزيادَتِهِ ﷺ في النِّكاحِ على أربعِ نسوةٍ، وتحريمِ نكاحِ نسائِهِ من بعدِهِ، ونحوِ قصَّةِ أبي بُردَةَ بنِ نيارٍ في الأضْحيَة حين قالَ للنَّبيِّ ﷺ : عِندِي جَذْعةٌ خيرٌ من مُسنَّة، فقالَ: ((اذْبَحْهَا، ولنْ تًَجْزِيَ عن أحدٍ بعْدَكَ)) [متفقٌ عليه] . [٤] أن لا يكونَ حُكمًا منسوخًا. وهذا ظاهرٌ. تنبيه: اشترطَ بعضُ العُلماءِ هُنا شَرطًا خامسًا، هوَ: أن لا يكونَ الأصلُ معدُولاً به عن القياسِ، ويُعبِّرُ البعضُ عن ذلكَ بقولِهِ: (علَى خلافِ القياسِ) . وهذا في التَّحقيقِ شرطٌ فاسدٌ؛ لأنَّ صحَّةَ القياسِ إنَّما تُعرفُ بالنَّصِّ، فإذا ظُنَّ مجيءُ نصٍّ صحيحٍ على خلافِ القياسِ فذلكَ دليلٌ على فسادِ ذلكَ القياسِ، ولا يصْلُحُ نصبُ التَّعارضِ بين قياسٍ صحيحٍ ونصٍّ صحيحٍ لأنَّهُ غيرُ واردٍ، وإنِ ادُّعيَ وُجودُهُ فذلكَ في الذِّهنِ لا في نفسِ الأمرِ.

стр. 172

٤ـ العلة تعريفها: هيَ الوصفُ الَّذي بُنيَ عليهِ حُكْمُ (الأصلِ) وبناءً على وجودِهِ في (الفرْعِ) يُسوَّى بـ (الأصلِ) في حُكمِهِ، وهي في المثالِ المتقدِّمِ التَّعويقُ عن حُضُورِ الجُمُعَةِ أو خوفُ تفويتهَا. و (العلَّةُ) أعظمُ أركانِ القيَاسِ. "الفرق بينها وبين الحكمة: جميعُ أحكامِ شريعةِ الإسلامِ إنَّما شُرعتْ لتحقيقِ مصالحِ العبادِ في المعاشِ والمعادِ، فهيَ إمَّا لِجلبِ منْفَعَةٍ أو دفعِ مضرَّةٍ أو رفعِ حرجٍ. وهذه المصالحُ هي مقاصدُ التَّشريعِ، وهي الحكمةُ منهُ، والقُرآنُ والسُّنَّةُ يُنبِّهانِ المُكلَّفين في كلِّ حكمٍ تشريعيٍّ على هذه المقاصِدِ. فكتبَ الله القصاصَ في القتلَى حِفْظًا لحياةِ النَّاسِ، وحرَّم السَّرقَةَ وأوجبَ الحدَّ فيها حفظًا لأموالِ النَّاسِ، وحرَّم الزِّنا وقذْفَ المُحصنَاتِ الغافلاتِ حفظًا لأنسابِ النَّاسِ وأعراضِهِمْ، وحرَّم شُربَ الخمرِ وشدَّدَ فيها غايةَ التَّشديدِ حفظًا لعُقولِ النَّاسِ، كما جعلَ من مقاصِدِ العبادَاتِ ربْطَ العبادِ بهِ سُبحانَهُ وإشعارَهُم بالافتِقَارِ الدَّائمِ إليهِ ليُراقِبُوهُ ويخافُوهُ فيُحقِّقُوا العُبودِيَّةَ لهُ كما أرادَ منهُم ليَنالُوا بذلكَ رضَاهُ عنهُمْ في الدَّارينِ، كما أذِنَ لهُم فيما أذِنَ سُبحانَهُ رفعًا

стр. 173

للحرجِ عنهُم، فإنَّ التَّكليفَ قدْ لا يُطاقُ، فخفَّفَ عنهُمْ، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] ، فأباحَ لهُم المحرَّم عندَ الضَّرُورةِ، وأسقطَ عنهُم بعضَ ما افترَضَ عليهِم عندَ العجزِ أو ورودِ المشقَّة، فخفَّف في الصَّومِ عن المسافرِ والمريضِ والحاملِ والمُرضِعِ. هذه المعاني وشِبْهُهَا هي حكمةُ التَّشريعِ، وقد يكونُ للتَّشريعِ الواحدِ حِكمٌ كثيرةٌ، فتأمَّلْ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ـ ٩١] . لكنَّ الشَّريعةَ لم تُعلِّقِ الأحكامَ بحِكَمِهَا، فإذا وُجِدَتْ وُجِدَ الحُكمُ وإنِ انتَفَتْ انتفَى، وذلكَ لأسبابٍ، منهَا: ١ـ أنَّ الحكمَةَ خفيَّةٌ يعسُرُ التَّحقُّقُ من وجودِهَا، مثلُ: حكمَةِ إباحةِ البيعِ، فإنَّها رفعُ الحرَجِ عن المكلَّفينَ بسدِّ حاجَاتِهِمُ المشروعَةِ، لكنَّ (الحَاجَة) أمرٌ خفيٌّ، فلذَا لم يُعلَّقْ بها حُكمُ إباحَةِ البيعِ، إنَّما نُظرَ في أمرٍ آخرَ ظاهرٍ مُنضَبِطٍ بُنيت الإباحَةُ عليهِ، فَوُجِدَ (الإيجابُ والقَبُولُ) بينَ المتبايِعينِ، لأنَّ ذلكَ دليلُ التَّراضِي بينهمَا، والتَّراضِي

стр. 174

علامَةٌ على وجُودِ الحَاجَّةِ لكلٍّ منهما، فعلِّقَ به الحُكمُ. ٢ـ أنَّها غيرُ منضبِطَةٍ، فهيَ تختلفُ باختلافِ المكلَّفينَ وأحوالِهمْ، مثلُ: الرُّخصَةِ للمريضِ والمُسافِرِ بالفِطرِ في رمضانَ، فإنَّ الحكمَةَ (دفعُ المشقَّةِ) ، لكنْ قدْ لا يشقُّ عليهمَا الصَّومُ، وقدْ يشقُّ على غيرهِمَا، فلا يصلُحُ أن يكونَ (دفعُ المشقَّة) وصفًا صالحًا لتعليقِ الحُكمِ عليهِ لهذا الاضْطِرَابِ في وجودِهِ، فنُظرَ إلى الوصفِ المُنضبِطِ فوُجدَ (المرضُ والسَّفرُ) فعلِّقَ بهِ الحُكمُ. فالحاصلُ في الفَرْقِ بينَ (الحِكمَة) و (العلَّة) أنَّ: الحكمَةَ هي: المصلحَةُ الَّتي قصدَ الشَّارعُ تحقيقَهَا بتشريعِهِ الحُكمَ. والعلَّةَ هي: الوصفُ الظَّاهرُ المُنضبِطُ الَّذي بُنيَ عليه الحُكمُ، ورُبطَ بهِ وجودًا وعدمًا. والعلَّةُ مظِنَّةٌ لتحقيقِ الحِكمَةِ. تُسمَّى (الحكمَةُ) : المِئَنَّة، كمَا تُسمَّى (العلَّةُ) : المَنَاط، والسَّببُ، والأمارَة. * شروطها: لا تصلُحُ (العلَّةُ) للقياسِ إلاَّ بأنْ تجمعَ الشُّرُوطَ التّاليةَ: ١ـ أن تكونَ وصفًا ظاهرًا.

стр. 175

أيْ: يُمكنُ التَّحقُّقُ من وجودِهِ في كلٍّ من (الأصلِ) و (الفرعِ) بعلامةٍ ظاهرَةٍ. مثالُه: (الإسكارُ) فإنَّه علَّةٌ يمكنُ التَّحقُّقُ من وجودِها في الخمرِ، كما يمكنُ التَّحقُّق من وجودِها في مطعومٍ مسكرٍ. ٢ـ أن تكونَ وصفًا مُنضبطًا. أيْ: له حقيقةٌ مُحدَّدَةٌ مُعيَّنةٌ لا تختلفُ باختلافِ الأشخاصِ والأحوالِ. مثالهُ: (القتلُ) مانعٌ للقاتلِ من الإرثِ ممَّن قتلَ، وهو (علَّةُ) حرمَانِه حيثُ أرادَ استِعْجالَ الميراثِ، و (القتلُ) وصفٌ منضبطٌ لا يختلفُ باختلافِ القاتلِ والمقتولِ، فلو وُجِدَتْ هذه العلَّةُ في الموصِي والموصى لهُ، فقتلَ الموصَى لهُ الموصي كانَ (القتلُ) مانعًا لهُ من الوصيَّةِ بالقياسِ. وهذا بخلافِ تعليلِ القصرِ في السَّفرِ بـ (المشقَّة) ، فإنَّ (المشقَّةَ) كما ت قدَّم وصفٌ غيرُ منضبِطٍ، لأنَّها تختلفُ باختلافِ الأشخاصِ والأحوالِ، ولذَا عُدِلَ عنها للتَّعليلِ بسببِهَا وهوَ (السَّفر) ، لأنَّهُ وُجدَ الحُكمُ دائرًا معهُ وجودًا وعدمًا، ولا يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ أو الأحوالِ. ٣ـ أن تكونَ وصفًا مُناسبًا للحُكمِ.

стр. 176

أي: أنَّ ربطَ الحُكمِ بتلكَ العلَّةِ وجودًا وعدَمًا من شأنِهِ أن يُحقِّقَ ما قصَدَهُ الشَّارعُ بتشريعِ الحُكمِ من جلْبِ نفعٍ أو دفعِ ضرَرٍ، لأنَّ (الحِكمَةَ) هي الباعثُ الحقيقيُّ على تشريعِ الحُكمِ. ويُعرِّفُ العلماءُ (المُناسبَ) بأنَّهُ: ما يُفضي إلى ما يُوافقُ الإنسانَ تحصيلاً بجلْبِ المنفعَةِ، وإبقاءً بدفعِ المضرَّةِ. مثالهُ: القتلُ العمدُ العُدوانُ مُناسبٌ لإيجابِ القِصاصِ، لأنَّ في بناءِ القصاصِ عليهِ حِفظُ حياةِ النَّاسِ، والسَّرقَةُ مناسبَةٌ لقطعِ يدِ السَّارقِ، لأنَّ في ذلكَ حفظُ أموالِ النَّاسِ، والسَّفرُ مناسبٌ لقصرِ الصَّلاةِ لأنَّهُ مظِنَّةٌُ المشقَّةِ والحرَجِ، وقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ : ((السَّفرُ قِطْعَةٌ من العذابِ)) [متفقٌ عليه] . وعلى هذا فإنَّ الأوصافَ (الطَّرديَّة) وهي الَّتي لا مُناسبَةَ بينَهَا وبين الحُكمِ؛ لا تصلُحُ أن تكونَ أوصافًا مُناسبَةً للتعليلِ بها، مثلُ كونِ الخمرِ أحمرَ، وكونَ القاتلِ أسودَ أو طويلاً أو رجلاً، وكونِ السَّارقِ غنيًّا والمسروقِ منهُ فقيرًا، وكونِ المواقعِ زوجتَهُ في نهارِ رمضانَ أعربيًّا، وهكذا سائرُ الأوصافِ الاتِّفاقيَّة. ٤ـ أن تكونَ وصفًا متعدِّيًا. أيْ: لا تكونُ العلَّةُ قاصرَةً على (حُكمِ الأصلِ) ، بلْ يمكنُ تعديتُها إلى الفرْعِ.

стр. 177

مثالُ العلَّةِ القاصرةِ: (السَّفرُ) و (المرض) علَّتانِ لإباحَةِ الفطرِ في رمضانَ للمُسافرِ والمريض، ولا توجدانِ إلاَّ في مُسافرٍ أو مريضٍ، فلا تتعدَّاهما إلى أصحابِ المِهنِ الشَّاقةِ مثلاً، لأنَّهم لا يوجدُ فيهِم علَّةُ (السَّفرِ) أو (المرضِ) . ومن العللِ القاصرَةِ (الوِقاعُ في نهارِ رمضانَ) لإيجابِ الكفَّارَةِ، بدلالةِ حديثِ أبي هريرَةَ ﵁ قالَ: بينمَا نحنُ جلوسُ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، إذْ جاءَهُ رجلٌ فقالَ: يا رسول الله، هلكتُ، قالَ: ((مَا لكَ؟)) قال: وقعتُ على امرأتِي وأنا صائمٌ، فقال رسول الله ﷺ : ((هلْ تجدُ رقبةً تُعتِقُهَا؟)) قال: لا، قال: ((فهلْ تستطيعُ أن تصومَ شَهرينِ مُتتابِعينِ؟)) قالَ لاَ، فقال: ((فهلْ تجدُ إطعامَ ستيِّنَ مسكينًا؟)) قال: لاَ، قالَ فمكثَ النَّبيُّ ﷺ ، فبينَا نحنُ على ذلكَ أُتِي النَّبيُّ ﷺ بعرَقٍ فيه تمرٌ، والعرقُ: المِكتلَُ، قالَ: ((أينَ السَّائلُ؟)) فقالَ: أنَا، قالَ: ((خُذ هذا فتصدَّقْ بهِ)) ، فقالَ الرَّجلُ: أعلَى أفْقرَ منِّي يا رسول الله؟ فواللهِ ما بينَ لابتَيْهَا (يُريدُ الحرَّتينِ) أهلُ بيتٍ أفقرُ من أهلِ بيْتِي، فضَحكَ النَّبيُّ ﷺ حتَّى بدَتْ أنيابُهُ، ثمَّ قالَ: ((أطْعمُهُ أهلكَ)) [متفقٌ عليه] . فعلَّقَ النَّبيُّ ﷺ الكفَّارَةَ على موردِ السَّببِ، وهو الوِقاعُ، فلمْ يصحَّ تعديَّةُ الكفَّارِ إلى الإفطارِ بالأكلِ والشُّربِ، هذا عندَ الشّافعيَّةِ والحنابلَة، خلافًا للحنفيَّةِ والمالكيَّةِ.

стр. 178

٥ـ أن لا تكونَ وصفًا مُلغًى. أيْ: ألغَتِ الشَّريعةُ اعتبارهُ وصفًا صالحًا لتعليقِ الحُكمِ عليهِ. مثلُ: اعتبارِ اشتراكِ الذَّكرِ والأنثَى في البُنُوَّةِ وصفًا مُناسبًا للحُكمِ بالتَّسوية بنيهمَا في الميراثِ، فهذا وصفٌ ألغى الشَّارعُ اعتبارَهُ، كما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] . * مسالك العلة: مسالكُ العلَّةِ: الطُّرقُ الَّتي يُتوصَّلُ بها إلى معرفتِهَا في (الأصلِ) . وهي على التَّحقيقِ طريقَانِ: ١ـ طريقُ النَّصِّ: قدْ يدلُّ (النَّصُّ) من الكتابِ والسُّنَّةِ على (علَّة الحكمِ) صراحَةً أو إشارَةً، وقدْ تكونُ صراحتَهُ قطعيَّةً أو ظنِّيَّةً، فهذه ثلاثَةٌ أنواعٍ: [١] الدلالة الصَّريحةُ القطعيَّةُ، مثالُهَا: (١) قولهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أدعيائهم إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .

стр. 179

(٢) قوله ﷺ : ((إنَّما جُعل الاستِئذأنُ من أجلِ البَصرِ) [متَّفقٌ عليه عن سهلِ بن سعدٍ] . فقولهُ: ﴿لِكَيْ لَا﴾ ومن ((أجلِ)) لا يحتملُ غيرَ التَّعليلِ. [٢] الدَّلالةُ الصَّريحةُ غيرُ القطعيَّةِ، مثالُهَا: (١) قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ، وقوله عزَّوجلَّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . (٢) وقوله عزَّوجلَّ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] ، وقوله عزَّوجلّ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] . (٣) وعن أبي قتادَةَ ﵁ قال: إنَّ رسو الله ﷺ قال ـ يعني في الهرَّة ـ: ((إنَّها ليستْ بنجسٍ، إنَّها من الطَّوافين عليكمْ والطَّوافَّاتِ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجهُ أصحابُ السُّنن وغيرُهُم] ، وقولهُ ﷺ في المُحرِم الَّذي وقصَتْهُ دابَّتُهُ: ((ولا تُخَمِّروا رأسَهُ فإنَّهُ يُبعثُ يومَ القيامَةِ مُلبيًّا)) [متفقٌ عليه من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ] . فالدّلالة على العليَّةِ في هذه النُّصوصِ ظنيَّةٌ، وذلكَ في التَّعليلِ بـ (الّلامِ، والباءِ، وإنَّ) ، فإنَّ إفادَةَ ذلك التَّعليلِ وإن كانَ راجحًا هُنا إلاَّ أنَّه ليسَ دائمًا.

стр. 180

[٣] الدَّلالةُ إشارةً، كالدَّلالةِ المُستفادَةِ من ترتيبِ الحُكمِ على الوصفِ واقترانِه بهِ، بحيثُ يُفهمُ أنَّهُ لا فائدَةَ لهذا الاقترانِ إلاَّ إفادَةُ التَّعليلِ. مثالهَا: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، وقوله ﷺ : ((لا وصيَّةَ لوارثٍ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّنن وغيرُهم] . ويُلاحظُ أنَّهُ لا بدَّ من انطِباقِ شُروطِ العلَّةِ المتقدِّمةِ على ما يُعتبرُ علَّةً من الأوصافِ، فقوله ﷺ : ((لا يَحكمُ أحدٌ بين اثنينِ وهو غضبانُ)) [متفقٌ عليه من حديث أبي بكرة] ، علِّق الحُكم بوصفِ (الغضبِ) ، لكنَّهُ في التَّحقيقِ لا يصلُحُ علَّةً تُعدَّى إلى فرعٍ، إنَّما تكونُ من قبيلِ العلَّةِ القاصرَةِ، بلْ تكونُ من قبيلِ العلَّةِ غير المُناسبَةِ كذلكَ، ولذا أُقيمَ المُسبَّبُ مُقامه، فإنَّ الغضبَ لمَّا كانَ يقعُ به تشويشُ الفكرِ الَّذي قد يحولُ دونَ العدْلِ في القضاءِ، كانَ هو الوصفَ المُناسبَ للتَّعليلِ به دونَ نفسِ الغضبِ، فقيسَ عليه الجُوعُ المُفرِطُ ونحوُهُ ممَّا يُوجدُ معهُ هذا الوصفُ. ٢ـ طريقُ السَّبرِ والتَّقسِيمِ:
следующие страницы →