← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22396

تيسير علم أصول الفقه

عبد الله الجديع

Полный текст (387 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أي: أنَّ ربطَ الحُكمِ بتلكَ العلَّةِ وجودًا وعدَمًا من شأنِهِ أن يُحقِّقَ ما قصَدَهُ الشَّارعُ بتشريعِ الحُكمِ من جلْبِ نفعٍ أو دفعِ ضرَرٍ، لأنَّ (الحِكمَةَ) هي الباعثُ الحقيقيُّ على تشريعِ الحُكمِ. ويُعرِّفُ العلماءُ (المُناسبَ) بأنَّهُ: ما يُفضي إلى ما يُوافقُ الإنسانَ تحصيلاً بجلْبِ المنفعَةِ، وإبقاءً بدفعِ المضرَّةِ. مثالهُ: القتلُ العمدُ العُدوانُ مُناسبٌ لإيجابِ القِصاصِ، لأنَّ في بناءِ القصاصِ عليهِ حِفظُ حياةِ النَّاسِ، والسَّرقَةُ مناسبَةٌ لقطعِ يدِ السَّارقِ، لأنَّ في ذلكَ حفظُ أموالِ النَّاسِ، والسَّفرُ مناسبٌ لقصرِ الصَّلاةِ لأنَّهُ مظِنَّةٌُ المشقَّةِ والحرَجِ، وقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ : ((السَّفرُ قِطْعَةٌ من العذابِ)) [متفقٌ عليه] . وعلى هذا فإنَّ الأوصافَ (الطَّرديَّة) وهي الَّتي لا مُناسبَةَ بينَهَا وبين الحُكمِ؛ لا تصلُحُ أن تكونَ أوصافًا مُناسبَةً للتعليلِ بها، مثلُ كونِ الخمرِ أحمرَ، وكونَ القاتلِ أسودَ أو طويلاً أو رجلاً، وكونِ السَّارقِ غنيًّا والمسروقِ منهُ فقيرًا، وكونِ المواقعِ زوجتَهُ في نهارِ رمضانَ أعربيًّا، وهكذا سائرُ الأوصافِ الاتِّفاقيَّة. ٤ـ أن تكونَ وصفًا متعدِّيًا. أيْ: لا تكونُ العلَّةُ قاصرَةً على (حُكمِ الأصلِ) ، بلْ يمكنُ تعديتُها إلى الفرْعِ.

стр. 177

مثالُ العلَّةِ القاصرةِ: (السَّفرُ) و (المرض) علَّتانِ لإباحَةِ الفطرِ في رمضانَ للمُسافرِ والمريض، ولا توجدانِ إلاَّ في مُسافرٍ أو مريضٍ، فلا تتعدَّاهما إلى أصحابِ المِهنِ الشَّاقةِ مثلاً، لأنَّهم لا يوجدُ فيهِم علَّةُ (السَّفرِ) أو (المرضِ) . ومن العللِ القاصرَةِ (الوِقاعُ في نهارِ رمضانَ) لإيجابِ الكفَّارَةِ، بدلالةِ حديثِ أبي هريرَةَ ﵁ قالَ: بينمَا نحنُ جلوسُ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، إذْ جاءَهُ رجلٌ فقالَ: يا رسول الله، هلكتُ، قالَ: ((مَا لكَ؟)) قال: وقعتُ على امرأتِي وأنا صائمٌ، فقال رسول الله ﷺ : ((هلْ تجدُ رقبةً تُعتِقُهَا؟)) قال: لا، قال: ((فهلْ تستطيعُ أن تصومَ شَهرينِ مُتتابِعينِ؟)) قالَ لاَ، فقال: ((فهلْ تجدُ إطعامَ ستيِّنَ مسكينًا؟)) قال: لاَ، قالَ فمكثَ النَّبيُّ ﷺ ، فبينَا نحنُ على ذلكَ أُتِي النَّبيُّ ﷺ بعرَقٍ فيه تمرٌ، والعرقُ: المِكتلَُ، قالَ: ((أينَ السَّائلُ؟)) فقالَ: أنَا، قالَ: ((خُذ هذا فتصدَّقْ بهِ)) ، فقالَ الرَّجلُ: أعلَى أفْقرَ منِّي يا رسول الله؟ فواللهِ ما بينَ لابتَيْهَا (يُريدُ الحرَّتينِ) أهلُ بيتٍ أفقرُ من أهلِ بيْتِي، فضَحكَ النَّبيُّ ﷺ حتَّى بدَتْ أنيابُهُ، ثمَّ قالَ: ((أطْعمُهُ أهلكَ)) [متفقٌ عليه] . فعلَّقَ النَّبيُّ ﷺ الكفَّارَةَ على موردِ السَّببِ، وهو الوِقاعُ، فلمْ يصحَّ تعديَّةُ الكفَّارِ إلى الإفطارِ بالأكلِ والشُّربِ، هذا عندَ الشّافعيَّةِ والحنابلَة، خلافًا للحنفيَّةِ والمالكيَّةِ.

стр. 178

٥ـ أن لا تكونَ وصفًا مُلغًى. أيْ: ألغَتِ الشَّريعةُ اعتبارهُ وصفًا صالحًا لتعليقِ الحُكمِ عليهِ. مثلُ: اعتبارِ اشتراكِ الذَّكرِ والأنثَى في البُنُوَّةِ وصفًا مُناسبًا للحُكمِ بالتَّسوية بنيهمَا في الميراثِ، فهذا وصفٌ ألغى الشَّارعُ اعتبارَهُ، كما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] . * مسالك العلة: مسالكُ العلَّةِ: الطُّرقُ الَّتي يُتوصَّلُ بها إلى معرفتِهَا في (الأصلِ) . وهي على التَّحقيقِ طريقَانِ: ١ـ طريقُ النَّصِّ: قدْ يدلُّ (النَّصُّ) من الكتابِ والسُّنَّةِ على (علَّة الحكمِ) صراحَةً أو إشارَةً، وقدْ تكونُ صراحتَهُ قطعيَّةً أو ظنِّيَّةً، فهذه ثلاثَةٌ أنواعٍ: [١] الدلالة الصَّريحةُ القطعيَّةُ، مثالُهَا: (١) قولهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أدعيائهم إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .

стр. 179

(٢) قوله ﷺ : ((إنَّما جُعل الاستِئذأنُ من أجلِ البَصرِ) [متَّفقٌ عليه عن سهلِ بن سعدٍ] . فقولهُ: ﴿لِكَيْ لَا﴾ ومن ((أجلِ)) لا يحتملُ غيرَ التَّعليلِ. [٢] الدَّلالةُ الصَّريحةُ غيرُ القطعيَّةِ، مثالُهَا: (١) قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ، وقوله عزَّوجلَّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . (٢) وقوله عزَّوجلَّ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] ، وقوله عزَّوجلّ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦] . (٣) وعن أبي قتادَةَ ﵁ قال: إنَّ رسو الله ﷺ قال ـ يعني في الهرَّة ـ: ((إنَّها ليستْ بنجسٍ، إنَّها من الطَّوافين عليكمْ والطَّوافَّاتِ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجهُ أصحابُ السُّنن وغيرُهُم] ، وقولهُ ﷺ في المُحرِم الَّذي وقصَتْهُ دابَّتُهُ: ((ولا تُخَمِّروا رأسَهُ فإنَّهُ يُبعثُ يومَ القيامَةِ مُلبيًّا)) [متفقٌ عليه من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ] . فالدّلالة على العليَّةِ في هذه النُّصوصِ ظنيَّةٌ، وذلكَ في التَّعليلِ بـ (الّلامِ، والباءِ، وإنَّ) ، فإنَّ إفادَةَ ذلك التَّعليلِ وإن كانَ راجحًا هُنا إلاَّ أنَّه ليسَ دائمًا.

стр. 180

[٣] الدَّلالةُ إشارةً، كالدَّلالةِ المُستفادَةِ من ترتيبِ الحُكمِ على الوصفِ واقترانِه بهِ، بحيثُ يُفهمُ أنَّهُ لا فائدَةَ لهذا الاقترانِ إلاَّ إفادَةُ التَّعليلِ. مثالهَا: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، وقوله ﷺ : ((لا وصيَّةَ لوارثٍ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّنن وغيرُهم] . ويُلاحظُ أنَّهُ لا بدَّ من انطِباقِ شُروطِ العلَّةِ المتقدِّمةِ على ما يُعتبرُ علَّةً من الأوصافِ، فقوله ﷺ : ((لا يَحكمُ أحدٌ بين اثنينِ وهو غضبانُ)) [متفقٌ عليه من حديث أبي بكرة] ، علِّق الحُكم بوصفِ (الغضبِ) ، لكنَّهُ في التَّحقيقِ لا يصلُحُ علَّةً تُعدَّى إلى فرعٍ، إنَّما تكونُ من قبيلِ العلَّةِ القاصرَةِ، بلْ تكونُ من قبيلِ العلَّةِ غير المُناسبَةِ كذلكَ، ولذا أُقيمَ المُسبَّبُ مُقامه، فإنَّ الغضبَ لمَّا كانَ يقعُ به تشويشُ الفكرِ الَّذي قد يحولُ دونَ العدْلِ في القضاءِ، كانَ هو الوصفَ المُناسبَ للتَّعليلِ به دونَ نفسِ الغضبِ، فقيسَ عليه الجُوعُ المُفرِطُ ونحوُهُ ممَّا يُوجدُ معهُ هذا الوصفُ. ٢ـ طريقُ السَّبرِ والتَّقسِيمِ:

стр. 181

وهيَ طريقٌ يسلُكهَا المجتهدُ لاستنباطِ العلَّةِ، حيثُ لم يأتِ بها النَّصُّ صراحةً أو إيماءً. والسَّبرُ: هو الاختبارُ، والتَّقسيمُ: حصرُ الأوصافِ المحتمَلَةِ الَّتي يظُنُّها المجتهدُ صالحةً لأن تكونَ علَّةً للحُكمِ. فهي عمليَّةُ تُتبُّعٍ للأوصاف في (الأصلِ) ثمَّ فحْصِهَا باستعمالِ شُروطِ (العلَّة) المتقدِّمة، فيستعبِدُ ما لا تنطَبِقُ عليه الشُّروطُ، ويستبَقي ما كانَ كذلكَ. مثالٌ تقريبيٌّ: هبْ أنَّه لم يبلُغْكَ قوله ﷺ : ((كلُّ مِسكرٍ خَمرٌ)) [أخرجه مسلمٌ وغيره] ، وأردتَ استنباطَ علَّةِ تحريمِ الخمرِ، فتسلُكُ طريقَ التَّقسيمِ أوَّلاً، فتقولُ مثلاً: أوصافُ الخمرِ هيَ: (سائلٌ، من العنبِ، أحمرُ، لهُ رائحةٌ، مسكرٌ) ثمَّ تسلكُ طريقَ السَّبرِ مستعملاً شُروطَ العلَّةِ، فتخلُصُ إلى إلغاءِ جميع هذهِ الأوصافِ لعدَمِ انضِباطِها أو مُناسَبَتِها أو امتناعِ تعديتِهَا إلى (الفرعِ) إلاَّ وصفَ (الإسكار) . * فائدة: ومن المسائلِ المشهورةِ الَّتي اختلفَ فيها الفُقهاءُ بسببِ اختلافِهِم في استنباطِ العلَّة: علَّةُ تحريمِ الرِّبا في الأصنافِ الرِّبويَّةِ السِّتَّةِ الواردَةِ في قوله ﷺ : ((الذَّهبُ بالذَّهبِ، والفضَّةُ بالفضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ

стр. 182

بالشَّعيرِ، والتَّمرُ بالتَّمرِ، والمِلحُ بالملحِ، مثلاً بمثلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فإذا اختلفَتْ هذه الأصنافُ فبِيعُوا كيفَ شئتُمْ إذا كانَ يدًا بيدٍ)) [أخرجه مسلمٌ وغيرُهُ من حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ] ، على ثلاثةِ مذاهبِ: [١] الحنفيَّة: العلَّةُ هي اتِّحادُ الجنسِ من الكيلِ أو الوزنِ، فقاسُوا عليها كلَّ مكيلٍ وموزونٍ. [٢] الشّافعيَّة: بلْ هي اتِّحادُ الجنسِ مع الطُّعمِ أو الثَّمنيَّة، فقاسوا عليها كلَّ مطعومٍ وثمنٍ. [٣] المالكيَّة: بلْ هي اتِّحادُ الجنسِ مع كونِهَا قوتًا مدَّخرًا أو ثمنًا، فقاسُوا عليها الأقواتَ الَّتي تُدَّخرُ والأثمانُ. * تتمة: يستعملُ الأصوليُّون ثلاثةَ مُصطلحاتٍ في مبحثِ (العلَّة) إليكَ ذكرَها ومعانيهَا: ١ـ تنقيحُ المناطِ: التَّنقيحُ لغَّةً: التَّمييزُ والتَّهذيبُ، والمناطُ هو (العلَّة) ، فـ (تنقيحُ المناطِ) هو: تهذيبُ العلَّةِ ممَّا علِقَ بها من الأوصافِ الَّتي لا مدخلَ لها في العلِيَّة.

стр. 183

وهذا من موارِدِ اختلافِ الفُقهاءِ، فلو أخذْتَ لها صورةً حقيقيَّةً بقصَّةِ المُواقعِ امرأتَهُ في نهارِ رمضانَ، فإنَّ من الأوصافِ أنَّهُ كان رجلاً، وأنَّهُ أعرابيٌّ، وأنَّه فقيرٌ، وأنَّهُ أفطرَ، وأنَّه جامعَ، فاستُبْعِدَتْ جميعُ الأوصافِ، إلاَّ (أنَّه أفطرَ) عندَالحنفيَّةِ والمالكيَّةِ فعلَّقُوا به الكفَّارةَ، فقالوا: من أفطرَ متعمِّدًا في نهارِ رمضانَ بجماعٍ أو أكلٍ أو شُربٍ فَعليْهِ الكفَّارةُ، وحذفَ الشَّافعيَّةُ والحنابلةُ جميعَ الأوصافِ إلاَّ (أنَّهُ جامعَ) فعلَّقوا الكفَّارةَ بالجِماعِ خاصَّةً، دونَ الأكلِ والشُّربِ. ٢ـ تخريجُ المناطِ: هوَ: استِخراجُ (العلَّةِ) أيْ: استِنباطُهَا بطريقِ (السَّبر والتَّقسيمِ) حينَ لا يدلُّ عليها دليلٌ، وإنَّما يستفيدُهَا الفقيهُ بطريقِ النَّظرِ. ٣ـ تحقيقُ المناطِ: هوَ نظرُ الفقيهِ في تحقيقِ (العَّةِ) في (الفرعِ) أو عدمِ تحقُّقها. مثلُ: عَلِمَ الفقيهُ أنَّ علَّةَ وجوبِ اعتِزالِ النِّساءِ في المحيضِ هي (الأذَى) ، فيُنظرُ هل تُوجدُ هذه العلَّةُ في (النِّفاسِ) و (إتيانِ موضعِ الدُّبُرِ) ، أم لا، فإنْ وُجِدَتْ في هذينِ الفرعينِ صحَّ لهُ تعديةُ حُكمِ وجوبِ الاعتزالِ، وإلاَّ فلاَ. * تنبيه: علِمتَ أنَّ مبنى (القياسِ) على اشتراكِ (الفَرْعِ) معَ (الأصلِ)

стр. 184

في (العلَّة) وهذا هو القياسُ الَّذي إذا اجتمعَتْ أوصافُه على ما تقدَّم بيانُهُ فهو (القياسُ الصَّحيحُ) . غيرَ أنَّهُ جديرٌ بكَ أن تعلمَ أنَّ مُسمَّى (القياس) قدْ أطلقَهُ كثيرٌ من العلماءِ على: ١ـ ما يُلحقُ (الفرعُ) فيه بـ (الأصلِ) بمُقتضَى اللُّغةِ، ولا يتوقَّفُ على استنباطٍِ، وهو نوعانِ: [١] قياسُ الأولى: مثالهُ قولهُ تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، فحرَّم الله التَّأفيفَ للوالدينِ، والعلَّةُ (إيذاؤهُمَا) ، وهذهِ العلَّةُ في ضربِهما وشَتْمِهمَا أقوى منها في التَّأفيفِ، فيكونُ الضَّربُ والشَّتمُ أولى بالتَّحريمِ من قولِ (أُفٍّ) ، ولا يتوقَّفُ فهمُ ذلكَ على نظرٍ واستنباطٍ، بلْ هوَ مُتبادرٌ من النّصِّ نفسِهِ. [٢] قياسُ المُساواةِ: مثالُهُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ، علَّةُ تحريمِ أكلِ أموالِ اليتامَى ظلمًا هي (الاعتداءُ عليها بالإتلافِ) ، وهذا المعنى ذاتُهُ موجودٌ في إتلافها بالإحراقِ. ويُتصوَّرُ أن تكونَ (العلَّة) في (الفرعِ) ، أضعفَ منها في (الأصلِ) ،

стр. 185

ممَّا سمَّاهُ البعضُ بـ (قياس الأدنى) لكنْ لا ينبغي تصحيحُ هذهِ الصُّورةِ من القياسِ، لأنَّ ضعفَ العلَّةِ في الفرعِ يعني تخلُّفَ بعضِ معانيهَا أن توجدَ فيه، وهذا ينفي المثليَّة بينَ المقيسِ والمقيسَ عليهِ. ٢ـ ما يُلحقُ (الفرعُ) فيه بـ (الأصلِ) بناءً على نوعِ شبهٍ بينهُمَا ليسَ هوَ علَّةً للحُكمِ، وهذا يُسمَّى بـ (قياس الشَّبه) . ممَّا يُمثِّلُ لهُ به من يذْهبُ إليهِ: قياسُ الوُضوءِ على الصَّلاةِ في التَّرتيبِ والمُولاَةِ، بجامعِ كونِهِمَا عبادَةً تبْطلُ بالحَدَثِ. ومن أمثلتِهِم لهُ: (العبدُ المملوكُ) لوْ أتلفَ شيئًا فهلْ عليهِ ضمانٌ أم لا؟ والتَّردُّدُ فيه حاصلٌ من جهةِ بمنْ يُلحقُ، أبا الحُرِّ لشبَهِهِ بهِ في الآدميَّةِ؟ أمْ بالبهيمَةِ لشَبَهِهِ بها في المِلكيَّة؟ هذا القياسُ مع ظُهورِ فسادِهِ فقد ذهب إلى القولِ بهِ جماعَةٌ من الفُقهاءِ، منهُمُ الشَّافعيُّ. ويستدلُّ بعضُ أهلِ العلمِ لسُقوطِهِ بأنَّهُ لم يأتِ لهُ مثلٌ في كتابِ الله تعالى إلاَّ في موضعِ الذَّمِّ، وذكرَ من ذلكَ قولَ إخوَةِ يُوسفَ عن يوسُفَ ﵇: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] ، وقوله تعالى عن الكُفَّارِ في قولِهِم لنوحٍ ﵇: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧] .

стр. 186

حجية القياس جمهورُ العلماءِ على أنَّ القياس إذا استجمعَ أركانَهُ وشرُوطَهُ فهوَ حجَّةٌ شرعيَّةٌ لإثباتِ الأحكامِ فيما لا نصَّ فيه من الوقائعِ، وهو من أبرزِ مسالكِ الاجتهادِ وألصقِها بالنُّصوصِ حيثُ يلزمُ فيه حصُولُ الموافقةِ للنَّصِّ بالاشتراكِ بين الأصلِ والفرْعِ بمعنى صحيحٍ. ووجُوهُ الاستدلال لمذهبِ الجمهورِ ليسَ فيها ما هوَ صريحٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ بأنْ جاءَ (القياسُ حجَّةٌ في الدِّين) ، ولكنَّهما قدْ دلاَّ على صحَّته من جهةِ تصحيحِ مبدأ القياسِ في التَّدبُّرِ في الآياتِ الكونيَّةِ والأمرِ بأخذِ العبرةِ من أحوالِ الأُممِ في كتاب الله تعالى، كما أمر به القرآنُ في مواطِنَ كثيرةٍ، وما ضربُ الأمثالِ والتَّشبيهُ وهو لا يُحصى كثرةً في الكتابِ والسُّنَّةِ إلاَّ في القياسِ. وأبْيَنُ تلكَ الاستدلالاتِ ما كانَ يقعُ من سيِّدِ المجتهدينَ ﷺ من استعمالِ القياسِ في كثيرٍ من الحوادثِ، من ذلكَ: ١ـ حديثُ أبي ذرٍّ ﵁ وقدْ ذكر عن النَّبيِّ ﷺ قولَهُ: ((وفي بُضعِ أحدِكُم صدَقَةٌ)) قالو: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شَهوَتَهُ ويكونُ لهُ فيها أجرٌ؟ قالَ: ((أرأيتُم لو وضَعَهَا في حرامٍ أكانَ عليه فيها وِزْرٌ؟ فكذلكَ إذا وضعَهَا في الحلالِ كانَ لهُ أجرًا)) [أخرجه مسلمٌ] . ٢ـ حديثُ عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄ قال: جاءَتِ امرأةٌ

стр. 187

إلى رسول الله ﷺ فقالتْ: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتتْ وعليها صومُ نذرٍ، أفأصُومُ عنها؟ قالَ: ((أرأيتِ لوْ كانَ على أُمِّكِ دينٌ فقضيْتَهُ، أكانَ يُؤَدِّي ذلك عنهَا؟)) قالتْ نعَمْ، قالَ: ((فصُومِي عن أُمِّكِ)) وفي روايةِ لهذا الحديثِ: ((فدينُ الله أحقُّ أن يُقضَى)) [أخرجه مسلمٌ] . وما هذا منهُ إلاَّ إقرارٌ لمبدإِ القياسِ، وأنَّهُ ليسَ بخارِجٍ عن قوانين الشَّريعةِ، بلْ هوَ منهَا، وبهِ تُستفادُ أحكامُ الحوادثِ الَّتي لا نصَّ فيها. والمتأمِّلُ في اجتهادَاتِ السَّلفِ من الصَّحابَةِ فمنْ بعْدَهُم يجِدُهُم يستعملُونَ القياسَ في وقائعِ كثيرة، وحيثُ أنَّ الوقائعَ لا تتناهَى، فإنَّ الأمَّةَ ستبقى في حاجةٍ إلى أجوبَةِ مستجدَّاتها ممَّا لم يرِدْ به النَّصُّ. أمَّا من أنكرَ القياسَ من بعضِ العلماءِ، فإنَّهُم شنَّعوا على المُحتجِّينَ به غايَةَ التَّشنيعِ، تارةً بأنَّ هذا من القولِ على الله ورسولهِ بغيرِ علمٍ، وتارةً أنَّ هذا من الزيادَةِ في الدِّينِ لم يأذنْ بها الله تعالى ولا رسولُه ﷺ ، وتارةً أنَّ هذا من الظَّنِّ الَّذي لا يُغني من الحقِّ شيئًا، إلى غير ذلك من ألفاظِ التّهويلِ، ويبدُوا أنَّ الَّذي دفَعَهُم إلى ذلك تجاوُزاتٌ خارجَةٌ عن نظامِ القِياسِ، أو صُورٌ من القياساتِ الخفيَّةِ الَّتي لم تظْهرْ وجوهُ الاستدلالاتِ لهَا، أو معارضَةُ النَّصِّ ببعضِ صُورِ القياسِ الفاسِدِ، أو التَّعدِّي به إلى جانبِ العباداتِ، وهذه وشِبْهُهَا مُبطلاَتٌ

стр. 188

للقياسِ، ويكفي في إبطالِهَا خُروجُها عن الضَّابطِ الصَّحيحِ للقياسِ. والخلاصة: أنَّ القياسَ إذا روعِيتْ أركَانُهُ وشرُوطُهُ فهو طريقٌ من طُرقِ الاجتهادِ، وإثباتُ الأحكامِ به فيما لا نصَّ فيه إنَّما هو من قبيلِ الاجتهادِ، وما كانَ من بابِ الاجتهادِ فإنَّهُ يصحُّ ردُّهُ بالنَّصِّ، ويكونُ ذلك دليلاً على فسادِهِ، كما تصحُّ مقارعتُهُ باجتهادِ مثلِهِ، والحُجَّةُ بهِ لا تلزَمُ المُخالفَ. مسألة الاستحسان * تعريفه: لغةً: عدُّ الشَّيءِ حسنًا. وأمَّا اصطلاحًا: فقدِ اختلفَ القائلونَ به في تعريفهِ، وحاصلُ أمرِهِ يعودُ إلى: تركِ وجهٍ من وجوهِ الاجتهادِ الجَارِية على القواعدِ، كالقياسِ أو القاعدَة الشَّرعيَّة الكليَّةِ، لوجهٍ بَدا للمجتهِدِ أنَّهُ أقوَى. ومن أمثلَتِهِ الَّتي تُوضِّحُ المقصودَ به عندَ القائلِ بهِ: ١ـ لو قالَ إنسانٌ: (مالي صدَقَةٌ) ، فالأصلُ: أن يتصدَّقَ بكلِّ مالٍ عندَهُ، ولكنْ خصَّ بالمالِ الَّذي فيه الزَّكاةُ استِحسانًا، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] .

стр. 189

٢ـ لو قرَأَ المُصلِّي آيةَ سجدَةٍ في آخرِ سورةٍ، فالقياسُ: أن يجتزيءَ بالرُّكوعِ، ولكنَّه يسجُدُ لها استحسانًا. ٣ـ لو وقفَ إنسانٌ أرضًا زراعيَّةً فهلْ يدْخلُ في الوقفِ حقُّ المسيلِ والشُّربِ والمُرورِ تبعًا ولا تحتاجُ إلى النَّصِّ عليها عند الوقفِ؟ تجاذبَ هذه المسألةَ قياسَانِ: أحدُهمَا جليٌّ قريبٌ، والآخرُ خفيٌّ بعيدٌ، فالقياسُ الجليُّ: أنَّها لا تدخلُ في الوقفِ إلاَّ إذا نصَّ عليها الواقفُ قياسًا على البيعِ، لأنَّ كُلاًّ من (الوقفِ) و (البيعِ) إخراجُ ملكٍ من مالكِهِ، والقياسُ الخفيُّ: أنَّهَا تدخُلُ في الوقفِ من غير احتِياجٍ إلى النَّصِّ عليها قياسًا على الإجارَةِ، لأنَّ كلاًّ من (الوقفِ) و (الإجارَة) مقصودٌ بهِ الانتفاعُ، ولو استَأْجرَ إنسانٌ أرضًا فيها بئرُ ماءٍ فله الانتفاعُ بماءِ البئرِ بمقتضى عقدِ (الإجارَةِ) من غيرِ احتياجٍ إلى التَّنصيصِ عليهِ في العقدِ. ٤ـ عقدُ الاستِصناعِ، وهوَ: شراءُ ما يُصنعُ وقفًا للطَّلبِ، وهو تعاقُّدٌ على معدومٍ وقتَ العقدِ، والأصلُ: منعُ بيعِ المعدومِ، كما قال النَّبيُّ ﷺ لحكيمِ بن حِزامٍ: ((لا تبعْ ما ليسَ عندَكَ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّننِ] ، وفي صحيفة عمرِو بن شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبد الله بن عمرِو قالَ: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحلُّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطانِ في بيعٍ، ولا رِبحُ ما لم تضمَنْ، ولا بيعُ ما ليسَ عندكَ)) [حديثٌ حسنٌ صحيحٌ أخرجه أصحاب السُّننِ] ، فجازَ استثناء من

стр. 190

القاعِدَةِ بالاستحسانِ. هذه الأمثلة توضِّحُ مسلكَ القائلينَ بـ (الاستِحسانِ) ، والتَّحقيقُ: أنّ الصواب في أحكامِ الأمثلة المذكورةِ مُدركٌ من وجوهٍِ ظاهرةٍ من غير حاجةٍ إلى مصطلح (استِحسانِ) فالمثالانِ الأوَّلانِ لا يُسلَّم الحكم فيهما، فإنَّ تخصيصَ قول من قال (مالي صدقة) بما ذُكر ليسَ صوابًا، بل الأصلُ العمُومُ إلاَّ أن يكونَ القائلُ أراد بذلكَ بعدَ موتِهِ فيكونُ لقولهِ حُكمُ الوصيَّةِ، والمثالُ الثَّاني في قضيَّةٍ فالأصلُ فيها استعمالُ الشَّرعِ للفْظِ (سُجود) ، ولا يُرادُ به الرُّكوعُ إلاَّ في اللُّغةِ، والحقيقةُ الشَّرعيَّةُمقدَّمةٌ على الحقيقةِ اللُّغويَّةِ، خلافًا للحنفيَّةِ، فيكونُ مُتناولاً للسُّجودِ لا للرُّكوعِ بالنَّصِّ لا بالاستحسانِ المُبهمِ المعنى، وأمَّا المثالانِ الآخرانِ فمرجِعُهما إلى اعتبارِ المقاصِدِ الشَّرعيَّةِ في نفعِ المكلَّفينَ فهُما راجعانِ إلى اعتبارِ المصالحِ، وهذا الَّذي سلكَهُ المالكيَّةُ في مثلِ هاتينِ الصُّورتينِ، وسيأتي الكلامُ عن (دليل المصلحة) . ولا تكادُ ترى المسألَةِ (الاستحسان) مثالاً صحيحًا يأتي على تعريفٍ صحيحٍ، ويكفي أنَّ القائلينَ به اضْطربُوا فيه، حتَّى عدُّوا صُورًا من الأحكامِ ثابتةً بالنَّصِّ (استِحسَانًا) . ورافعُوا رايةِ الاحتِجاجِ به هُمُ الحنفيَّةُ، وقابلهُم الشَّافعيُّ فأنكرَ ذلكَ بشِدَّةٍ، حتَّى قال ﵀: إنَّما الاستحسانُ تلَذُّذٌ (الرِّسالة

стр. 191

فقرة: ١٤٦٤) ، وله كتابٌ صنَّفهُ سمَّاه (إبطال الاستِحسان) هوَ ضِمنَ كتابِ (الأم) (٧/٢٩٣) ، ومن العلماءِ من قصدَ التَّلطُّف مع الحنفيَّةِ في مذهبِهم في هذه المسألةِ فادَّعى حملَ ذمِّ الشَّافعيِّ وشِدَّة إنكارِهِ على القولِ في الدِّين بمجرَّدِ الهوى، والحنفيَّةُ لم يُريدُوا ذلكَ بالاستحسانِ، ومنهُم من قال: إنَّما أنكرهُ الشَّافعيُّ من جهةِ اللَّفظِ مستقبِحًا أن يقول القائلُ: (اسْتحسِنُ) وينسُبُهُ للدِّينِ. والاعتداءُ عن أهلِ العلمِ مطلوبٌ والذَّبُّ عنهُم واجبٌ، وإذا كان أصلُ استحسانِ الحنفيَّةِ يعودُ إلى الدَّليلِ، فالحُجَّةُ إذًا في الدَّليل لا فيما سمَوْهُ (استحسانًا) ممَّا حاروا في ضَبْطِه، إلاَّ أنَّ المقامَ يقتضي ذّبًّا عن الشَّافعيِّ ﵀، فإنه حين أبطلَ الاستِحسانَ كان قاصدًا به استِحسانَ الحنفيَّة، ومن طالعَ كلامَهُ في ذلكَ رآهُ واضحًا، وما كَانُوا في منأى عنهُ، بلْ كان خبيرًا بمذاهبِهم، فلم يكُن ليردَّ على صورَةٍ وهميَّةٍ لا حقيقةَ لها ليُحملَ كلامُهُ عليها، وأمَّا قولُ من قال: (إنَّ الشَّافعيَّ ومن وافقهُ إنَّما استَقْبحُوا لفظَ الاستِحسانِ) فهذا خطأٌ، فإنَّ الشَّافعيَّ وأحمدَ وكثيرًا من الأئمَّةِ استخْدَموا هذا اللَّفظَ في كلامهِمْ ومسائلِهم، وأصحابُهُم يذْكُرونَ نماذجَ في ذلكَ من عبارَاتِهمْ، فهُم أرفعُ من أن يكونُوا أنكرُوا (الاستِحسانَ) لمجرَّدِ اللَّفظِ. * * *

стр. 192

الدليل السادس المصلحة المرسلة * أنواع المصالح: جميعُ شرائعِ الدِّين ترجعُ إلى تحقيقِ مصالحَ ثلاثةٍ، هي: ١ـ دَرْءُ المفاسِدِ. وشُرعَ لهَا حفظُ (الضَّروريَّاتِ) الخمسِ: الدِّينِ، والنَّفسِ، والمالِ، والعِرضِ، والعقلِ. ٢ـ جلبُ المصالحِ. وشُرعَ لها ما يرفعُ الحرَجَ عنِ الأمَّةِ في العبادَاتِ والمُعاملاَتِ وغيرِهَا، وتلكَ هي المُعبَّرُ عنها بـ (الحاجيَّات) . ٣ـ الجريُ على مُقتضى مكارِم الأخلاقِ ومحاسِنِ الشِّيمِ، وشُرعَ لها أحكامُ (التَّحسينيَّات) . * أقسام المصالح وهذه المصالحُ الثَّلاثةُ الَّتي ترجعُ إليها شرائعُ الإسلامِ تنقسِمُ من جهةِ اعتبارِ الشَّارعِ لها أو عدَمِ اعتبارِهِ، ثلاثةَ أقسامٍ:

стр. 193

١ـ المصلحة المعتبرة: وهي الَّتي اعتبرَها الشَّارعُ فشرعَ الأحكامَ من أجلهَا، وقاعدَةُ الشَّرعِ العامَّةِ فيها هي: رُجحانُ جانبِ المصلحةِ فيها على المفسدَة. مثالُها في حفظِ الضَّروراتِ الخمسِ: الدِّينِ، والنَّفسِ، والمالِ، والعِرضِ، والعقلِ، أنْ شرعَ الجهَادَ وقتلَ المرتدِّ لحفظِ الدِّينِ، والقصاصَ لحفظِ النَّفسِ، وحدَّ السَّرقةِ لحفظِ المالِ، وحدَّ الزِّنا والقذْفِ لحفظِ العِرضِ، وحدَّ الشُّربِ لحظِ العقلِ، كما أباحَ البيعَ والنِّكاحَ للحاجةِ. ٢ـ المصلحة المُلغاة: وهيَ مُقابلَةٌ لـ (المصلحة المعتبرَة) ، فهذه وإنْ سُمِّيتْ مصلحةً إلاَّ أنَّ الشَّارعَ وهو أعلمُ ألغَى اعتبارِهَا. وهذا النَّوعُ من المصالحِ قد يكونُ موجودًا، لكنَّ الشَّرع ألغى اعتبارَهُ لغلبَةِ المفسدَةِ، إذ القاعدةُ الشَّرعيَّةُ العامَّةُ فيه هي: رُجحانُ جانبِ المفسدَةِ على جانبِ المصلحَة، كما في منفعة الخمرِ والميسرِ، فقدْ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] . وهذا النَّوعُ من المصالحِ لا يختلفُ أهلُ العلمِ على أنَّهُ لا يجوزُ بناءُ الأحكامِ عليهِ.

стр. 194

٣ـ المصلحةُ المُرسلة: وهي الَّتي سكتَ عنْهَا الشَّرعُ فلمْ يتعرَّض لها باعتبارٍ ولا إلغاءٍ، وليسَ لها نظيرٌ وردَ بهِ النَّصُّ لتُقاس عليهِ. مثلُ: المصلحةِ الَّتي دَعتْ إلى جمعِ القرآنِ، وتدوينِ الدَّواوينِ، وتركِ عُمرَ ﵁ الخلافَةَ شُورى في ستَّةٍ، وزيادَةِ عثمانَ ﵁ الأذانَ يومَ الجُمُعةِ لإعلامِ من في السُّوقِ واتِّخاذِ الخُلفاءِ عُمرَ فمَنْ بعدَهُ للسُّجونِ. *حجيَّة المصلحة المرسلة: العبادَاتُ لا يجري فيها العملُ بـ (المصلحَةِ المُرسلَةِ) بلا خلاَفٍ، لأنَّ مبنى العباداتِ على النَّصِّ، فالأصلُ فيها التَّوقيفُ، والقولُ فيها بـ (المصلحةِ المرسلَةِ) قولٌ بجوازِ الإحداثِ في الدِّينِ، وهو باطلٌ بالنَّصِّ والإجماعِ. أمَّا المعاملاتُ وما يُدْركُ وجهُهُ ومُناسبَتُهُ فهي محلُّ استِعمالِ (المصلحَةِ المرسلةِ) عندَ من قالَ بها، وقد اختلفَ الفُقهاءُ في الاجتجاجِ بها وعدِّها من أدلَّةِ الأحكامِ على مذهبينِ: الأوَّلُ: مذهبُ المالكيَّةِ والحنابلَةِ: أنَّها حُجَّةٌ ومصدرٌ من مصادرِ التَّشريعِ.

стр. 195

ومثلُهم الحنفيَّةُ، لكنَّهُم يُسمُّونها (استحسانَ الضَّرورةِ) كما قال بها بعضُ الشَّافعيَّةِ والحنابلَةِ. ووجهُ هذا المذهبِ: أنَّ الغايةَ العُظمَى من التَّشريعِ تحقيقُ مصالحِ العبادِ في الدَّارينِ، وجميعُ ما جاءَ من الأحكامِ في الكتابِ والسُّنَّةِ فهو لأجلِ ذلكَ، وجُزئيَّاتُ مصالحِ العبادِ لا تتناهَى، فما سكتَ عنهُ الكتابُ والسُّنَّةُ منها فالأصلُ أن تُراعى فيه قواعدُ الإسلامِ في جلبِ المنافعِ ودفعِ المضارِّ، فيُقنَّنُ فيه ما يُناسبُه، إذْ ليس في ذلكَ التَّقنينِ ما يُخالفُ شرعًا، ولم تزلْ الأمَّةُ منذُ عهدِ الصَّحابةِ تُفنِّنُ في مختلفِ أمورِ الحياةِ ما يكفُلُ لها حفظَ مصالحهَا، وإن لم يكن ذلكَ التَّقنينُ وردَتْ بخُصوصِه الشَّريعةُ. والثَّاني: مذهبُ الشَّافعيَّةِ: ليست بِحُجَّةٍ. ووجهُ قولهِم: أنَّ الشَّريعةَ قدْ راعتْ مصالحَ العبادِ في تشريعهَا، فلا يُتصوَّرُ أن تكونَ أغْفلتْ جانبًا فيه مصلحةٌ لهُمْ، وفي القول بـ (المصلحةِ) فتحٌ للبابِ ليقولَ من شاءَ ما شاءَ. وجوابُ هذا: أنَّ الشَّريعةَ لم تنُصَّ علىكلِّ فرعٍ من فُروعِ المصالحِ، وهذا موجودٌ في الواقعِ جزمًا فيما يستجِدُّ من الحوادثِ، ثمَّ إنَّ القولَ بـ (المصلحةِ) ليسَ مُرسلاً من القيودِ والضَّوابطِ ليقولَ من شاءَ ما شاءَ، ولعلَّ من أسبابِ هذا القولِ أنَّ بعضَ المالكيَّة بالغوا في هذهِ

стр. 196

المسألةِ إلى حدِّ مخالفةِ الدَّليلِ، وهذا إنَّما يُنكرُ باعتبارِهِ (مصلحةً مُلغاةً) ولا يصحُّ أن يكونَ من قبيلِ (المصالحِ المُرسلَة) . والواقعُ العمليُّ يُؤكّدُ أنَّ جميع فُقهاء المذاهبِ أخذُوا بالمصلحة المرسلةِ في كثيرٍ من الفُروعِ. * ضوابط الاحتجاج بالمصلحة المرسلة: ١ـ أن تكونَ مُلائمةً لمقاصدِ الشَّرعِ، بأنْ تكونَ من جنسِ المصالحِ الَّتي جاء بهَا، لا تُخالفُ أصلاً من أصولهِ ولا تُنافي دليلاً من أدلَّةِ أحكامِهِ. ٢ـ أن تكونَ فيما عُقل معناهُ وأُدركَ وجهُهُ على وجهِ التَّفصيلِ، لا في التَّعبُّداتِ أو ما يجري مجراهَا، كالوُضوءِ والصَّلاةِ والصَّومِ، فإنَّ التَّعبدَّاتِ لا تُدركُ معانيها على وجهِ التَّفصيلِ، إذْ لا تُدركُ وجوهُ المصالحَ فيها بغيرِ دلالةِ الشَّرعِ. ٣ـ أن ترجعَ إلى حفظِ ضروريٍّ كحِفظِ الدِّينِ والأنفُسِ والأموالِ، أو رفعِ حرجٍ لازمٍ في الدِّين تخفيفًا وتيسيرًا. * من أمثلة المصالح المرسلة: ١ـ جمعُ المصحف، اتَّفق عليه الصَّحابةُ ولا نصَّ عليهِ، إنَّما اقتضَتْهُ مصلحةُ حفظِ الدِّينِ.

стр. 197

٢ـ جلدُ شاربِ الخمرِ ثمانينَ جلدةً تعزيرًا، اتَّفق عليه الصَّحابةُ في عهدِ عُمرَ لأنَّهُم رأوْا أنَّ الشَّريعةَ لم تأتِ فيه بحدِّ مُقدَّرٍ، ومصلحةُ دَرءِ المفسَدَةِ اقتضَتْ ذلكَ، وهذا في حفظِ ضروريِّ وهو العقلِ. ٣ـ لو تعسَّر على أهلِ بلدٍ وجودُ الحلالِ الطَّيِّب في الأموالِ أو المكاسِبِ، وانتشرَ وجودُ الحرامِ، ومسَّتِ الحاجَةُ إلى الزِّيادَة على سدِّ الرَّمقِ في الطَّعامِ والشَّرابِ والمَلبسِ والمسكَنِ، جازَ سدُّ تلك الحاجَةِ فيما يزيدُ على الضَّرورةِ ولا يصلُ إلىالتَّنعُّمِ والتَّرفُّهِ، وإباحتُه عندَ الفُقهاءِ بمُقتضَى المصلحةِ رفعًا لحرجٍ لازمٍ، وهوَ أصلٌ جاءتْ به الشَّريعةُ من حيثُ الجملَةُ، فليسَ هو بهذا الاعتبارِ مصلحةً مُلغاةً، لرُجحانِ جانبِ المصلحَةِ على المفسدةِ، وهذا المثالُ صحيحٌ مُتصوَّرٌ في الرِّبا ونحوِهِ، لكنَّهُ ممتنِعٌ فيما كانَ أذًى للغيرِ محضًا أو غالبًا كالغضبِ والسَّرقةِ. * تنبيه: للأصُوليِّين والفُقهاء ألقابٌ أخرى لـ (المصلحة المُرسلَة) منها: الاستِصلاح، والاستدلال، واستحسانُ الضَّروةِ، وقياسُ المناسبة. * * *

стр. 198

مسألة سد الذرائع * تعريفها: (الذرائعُ) جمعُ (ذريعةَ) وهي لُغَةً: الوسيلةُ المؤدِّيةُ إلى الشَّيءِ. واصطلاحًا: الوسيلةُ الموصِلةُ إلى الشَّيءِ الممنوعِ المشتملِ على مفسدَةٍ، أو المشروعِ المشتمل على مصلحةٍ. فهي لهذا الاعتبارِ متَّصلةٌ بالكلامِ على أصلِ (المصالح) . * أنواعها: بحسبِ ما تكونُ ذريعَةً له نوعانِ: [١] ذريعةٌ مشروعَةٌ، وهي المُوصلَةُ إلى مشروعٍ. مثلُ: السَّعيِ إلى الجمُعَةِ (ذريعةٌ) توصلُ إلى شُهودِ الجُمُعةِ وهوَ (مشروعٌ) . ويُقالُ للأمرِ بالسَّعي إليها: (فتحُ باب الذّريعةِ) . [٢] ذريعةٌ ممنوعَةٌ، وهي الموصلَةُ إلى ممنوعٍ. مثلُ: الخلوةِ بالمرأةِ الأجنبيَّة، فهيَ (ذريعةٌ) توصلُ إلى الزِّنا وهو (ممنوعٌ) . ويقالُ لمنعِ الخلوةِ بالأجنبيَّةِ: (سَدُّ بابِ الذَّريعة) . فهذا التَّقسيمُ يعني أنَّ: ما أدَّى إلى المشروعِ فهوَ مشروعٌ، وما أدَّى

стр. 199

إلى الممنوعِ فهوَ ممنوعٌ، وبعبارَةٍ أخرى: (الوسائلُ لها حُكمُ المقاصِدِ) . على أنَّهُ غلبَ أن يُستَعملُ لفظُ (الذَّريعةِ) في الوسيلةِ المُفضيَة إلى المفسدَةِ، ومن هذا جاء أصلُ (سدِّ الذَّرائعِ) . ٢ـ بحسبِ ورودِ النَّصِّ باعتبارهَا وعدمِه، ثلاثةُ أنواعٍ: [١] ذريعةٌ وردَ النَّصُّ باعتبارهَا مؤديَّةً إلى الممنوعِ، كما تقدَّم في منعِ الخلوةِ بالأجنبيَّةِ. [٢] ذريعةٌ ورد النَّصُّ باعتبارهَا مؤدِّيةً إلى الممنوعِ، كما تقدَّم في منعِ الخلوةِ بالأجنبيَّةِ. [٣] ذريعةٌ سكت عنها النَّصُّ، فلم يأمرُ بها ولم ينهَ عنهَا. فما ورد النَّصُّ به من الذَّارئعِ فالأصلُ فيه حكْمُ النَّصِّ، ولا يُشكلُ أمرُهُ من حيثُ ورودِ النَّصِّ بهِ، ولا يندرجُ تحتَ (مسألةِ سدِّ الذَّرائعِ) ، إنَّما يندرجُ تحتهَا النَّوعُ الثَّالثُ. ويُعرِّفُه بعضُ الأصولَّيين بأنَّهُ: ((المسألة الَّتي ظاهرُهَا الإباحَةُ ويُتوصلُ بها إلى فعل محظورٍ)) . * درجات المباحات التي تُفضي إلى المفاسد ثلاث: ١ـ ما يكونُ إقضاؤهُ إلى المفسَدَةِ نادرًا قليلاً، فالحُكم بالإباحةِ

стр. 200

ثابتٌ له بناءً على الأصلِ. مثالُهُ: زِراعَةُ العِنبِ، فلا يمنعُ منها تذرُّعًا بأنَّ من النَّاسِ من يعصرُ منها الخمرُ، وتعليمُ الرَّجلِ النِّساءَ عند الحاجَةِ، فلا يُمنعُ منهُ تذرُّعًا بالفِتْنَةِ المُفضيَّةِ إلى الزِّنا، وكذا خُروجِهنَّ من بيوتهنَّ لمصالحهنَّ وشُهودُهُنَّ المساجِدَ ودورَ العِلمِ. فتُقاسُ المصالحُ والمفاسدُ، فإنْ كانَ جانبُ المصلحةِ راجِحًا وهوَ الأصلُ في المباحاتِ فلا تُمنعُ بدعوى (سدِّ الذَّرائعِ) لمجرَّدِ ظنِّ المفسدَةِ أو لوُرودِهَا لكنَّها ضعيفةٌ في مُقابلَةِ المصلحةِ. ٢ـ ما يكونُ إفضاؤُهُ إلى المفسدَةِ كثيرًا غالبًا، فالرُّجحانُ في جانبِ المفسدَةِ فيُمنعُ منهُ (سدَّ للذَّريعةِ) وحسْمًا لمادَّةِ الفسادِ. مثالُهُ: بيعُ السِّلاحِ وقتَ وقوعِ الفتنةِ بين المسلمينَ بِقتالِ بعضِهمْ بعضًا، وإجارةُ العقارِ لمن عُلمَ أنَّه يتَّخِذُهُ لمعصيةِ الله. ويُلاحظُ في هذا أنَّ (سدَّ الذَّريعة) إلى المفسدَةِ عارضٌ حيثُ يكُونُ المُباحُ موصلاً إلى المحظورِ، وإلاَّ فإنَّ بيعَ السِّلاحِ وإجارةَ العقارِ لا يمْتنعانِ في ظرفٍ عاديٍّ. ٣ـ ما يحتالُ به المكلَّفُ ليستبيحَ به المحرَّمُ، وظاهرُ تلكَ الحيلةِ الإباحَةُ في الأصلِ. مثالُهُ: الاحتيالُ على الرِّبا بِبيعِ العِينةِ، وهوَ: أن يبيعَ من رَجُلٍ

стр. 201

سلعةً بثمنٍ معلومٍ إلى أجلٍ مُسمَّى، ثُمَّ يشتريهَا منهُ بأقلَّ من الثَّمنِ الَّذي باعهَا بهِ. فهذه الصُّورةُ من البيعِ حيلةٌ محرَّخةٌ بالنَّصِّ، كما في قولهِ ﷺ : ((إذا تبايعتُم بالعِينةِ، وأخذْتُم أذنابَ البقرِ، ورضِيتُم بالزَّرعِ، وتركْتُم الجهادَ، سلَّطَ الله عليكُم ذُلاًّ لا ينزعهُ حتَّى ترجعُوا إلى دينكُمْ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداود وغيرُهُ من حديث ابنِ عُمرَ] ، لكنَّ الحيلةَ الَّتي يتذرَّعُ بها بعضُ النَّاسِ هي: أن يضُمَّ إلى السَّلعةِ شيئًا كحديدةٍ أو خشبةٍ أو سكِّينٍ. فالبيعُ مُباحٌ في الأصلِ، لكنَّ هذا الصُّورةَ ما قُصدَ بها البيعُ، إنَّما قُصدَ بها المالُن فهيَ وسيلةٌ إلى الزِّيادةِ الرِّبويَّةِ، فتُمنعُ (سَدَّ للذّرائعِ) . * حجيَّة أصل سد الذَّرائع: اختلفَ الفُقهاء في اعتبارِ هذا أصلاً ودليلاً من أدلَّةِ الأحكامِ على مذهبينِ: ١ـ الحنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ والظَّاهريَّةُ: ليسَ دليلاً من أدلَّةِ الأحكامِ. والمُباحُ عندَهُم باقٍ على إباحتِهِ بِحُكمِ الشَّرعِ، وإذا مُنعَ منهُ فإنَّما يُمنعُ منهُ بدليلِ الشَّرعِ. وما ذُكرَ من صورتي (سَدِّ الذَّرائعِ) فإنَّ الأولى كبيعِ العقارِ لمنْ

стр. 202

عُلمَ أنَّهُ يستعملُه لمعصيةِ الله يُمنعُ منها بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، فجاءَ المنعُ بدليلِ الشَّرعِ من غيرِ احتياجٍ إلى أصلٍ نُسمِّهِ (سَدَّ الذَّرائعِ) . وأمَّا الصُّورَةُ الثَّانيَةُ وهيَ (الحِيلُ) فإنَّ المحظورَ هو الوُقوعُ في المحظورِ، والاحتيالُ لا يُحيلُ الحُرمَةَ إلى الإبَاحَةِ، فالرِّبا لا تُبيحُهُ صورةٌ شكليَّةٌ سُمِّيتْ (بيعًا) ، والخمرُ لا يُبيحهُ أن يُسمَّى بغير اسمِهِ، والعبرَةُ في هذا بمُرعاةِ مقاصِدِ الشَّرعِ وتعريفهِ لأحكامِ الحرامِ. ٢ـ المالكيَّةُ والحنابلةُ: بلْ هو دليلٌ من أدلَّةِ الأحكامِ. واستدلُّوا بأنَّهُم رأو الشَّارعَ راعاهُ في التَّشريعِ، فهو يُحرِّم الزِّنا ويُحرِّمُ ما قاد إليهِ، فحرَّم النَّظر بشهوةٍ واللَّمسَ كذلكَ والخلوَةَ بالأجنبيَّةِ، ويُحرِّمُ الخمرَ ويُحرِّمُ كلَّ ما لهُ صلةٌ بها، فحرَّمَ عصرَهَا وبيعَها وشراءهَا وحمْلَهَا وسقْيَهَا والجُلوسَ على مائدَةٍ تدورُ عليها كما حرَّم شُربهَا، وما هذه إلاَّ سائلُ إليهاَ، ولا يُتصوَّرُ أن يُحرِّمَ الشَّارعُ شيئًا ثمَّ يأذنَ بأسبابِه ووسائلِهِ. والأقربُ في هذا (سدًّ لذريعةِ) القولَ في دينِ الله بالرَّأي الَّذي قدْ يوردُ المشقَّةَ على المكلَّفينَ في التَّضييقِ في دائرةِ الحلالِ بالظُّنونِ، يكونُ المذهبُ الأوَّلُ أصحَّ المذهبينِ، وليسَ لهذا تأثيرٌ كبيرٌ في الواقعِ العمليِّ

стр. 203

فإنَّ كثيرًا من الأحكامِ متَّحدَةُ النتائجِ بين الفريقينِ، إلاَّ أنَّ الفريقَ الأوَّل يستدلُّ لها بدليلٍ آخر غيرِ (سدِّ الذَّرائِعِ) ، والثَّاني يستدلُّ لها بـ (سدِّ الذَّرائعِ) . ومن العلماءِ من يستدلُّ لهذا الأصلِ بحديث النُّعمانِ بن بشيرٍ ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: ((إنَّ الحلالَ بيِّنٌ، وإنَّ الحرامَ بيِّنٌ، وبينهمَا مُشتبهاتٌ لا يعلمهُنَّ كثيرٌ من النَّاسِ، فمنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ استبرأ لدينهِ وعرضِهِ، ومن وقعَ في الشُّبُهاتِ وقعَ في الحرامِ، كالرَّاعي يرعى حولَ الحِمَى يوشكُ أن يرتع فيهِ، ألاَ وإنَّ لكلِّ مالكٍ حمَى، ألا وإنَّ حمى الله محارمُهُ، ألاَ وإنَّ في الجسدِ مُضغَةً إذا صلحَتْ صلحَ الجسَدُ كُلُّهُ، وإذا فسدتْ فسَدَ الجسدُكلُّهُ، ألاَ وهيَ القلبُ)) [متفقٌ عليه] . وهذا استدلالٌ في غيرِ محلِّهِ، فإنَّ (المشتبهات) الَّتي لا يتميَّزُ فيها الحُكمُ أهي حلالٌ أم حرامٌ تُتركُ ورعًا، خشيَةَ أن يكونَ حقيقةُ حكمِهَا التَّحريمِ فيُواقعُهَا من غيرِ أن يكونَ لهُ تأويلٌ بالحلِّ فيقعَ في (الحرامِ) ، فهيَ في نفْسِهَا مظِنَّةٌ الحُرمَةِ وليسَتْ ذريعَةً إليها. * * *

стр. 204

مسألة في أحكام الحيل * الحِيلُ لا يصلحُ القولُ بإطلاقِ بُطلانهَا، بلْ هي واقعةٌ على ثلاثة أقسامٍ: ١ـ متَّفقٌ على بُطلانه، وهو: ما هدَمَ دليلاً شرعيًّا أو ناقضَ مصلحةً مُعتبرةً. مثالهُ: ما وردَ في حديث جابرِ بن عبد الله ﵄: أنَّهُ سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ عامَ الفتحِ وهوَ بمكَّةَ: ((إنَّ الله ورسولهُ حرَّم بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ)) فقيلَ: يا رسول الله، أرأيتَ شُحومَ الميتةِ، فإنَّها يُطلَى بها السُّفُنُ، ويُدهنُ بها الجُلودُ، ويستصبحُ بها النَّاسُ؟ فقالَ: ((لا، هوَ حرامٌ)) ، ثمَّ قال رسول الله ﷺ عندَ ذلكَ: ((قاتل الله اليهودَ، إنَّ الله لمَّا حرَّمَ شُحومَهَا جملُوهُ، ثمَّ باعُوهُ، فأكلُوا ثمنهُ)) [متفقٌ عليه] . وهذا النَّوعُ من الحِيلِ مشهورٌ عن اليهودِ، كما في قصَّةِ السَّبتِ كذلكَ وغيرهَا. ٢ـ متَّفقٌ على جوازِهِ، وهوَ ما جاءتِ الشَّريعةُ بالإذنِ فيهِ، وما كَانَ كذلكَ فليسَ فيه إلاَّ تحقيقُ المصلحةِ الرَّاجحةِ. مثالُهُ: الاحْتِيالُ بقولِ كلمةِ الكُفرِ عندَ الإكراهِ عليهَا دفعًا للأذى عنِ النَّفسِ.

стр. 205

٣ـ مختلفٌ فيهِ، بسببِ التَّردُّدِ في المصلحةِ والمفسَدَةِ. وهذا ينبغي أن يُلاحظَ فيه إن كانَ الشَّرْعُ قدْ نصَّ على إبطالِ الحيلةِ، كتحليلِ المُطلَّقةِ ثلاثًا لزوجها الأوَّل، أو دلَّ على إبطالهَا كمنعِهِ إبطالَ حقِّ الغيرِ بغيرِ حقٍّ، كالاحتِيالِ على الزَّوجةِ لإسقاطِ المهرِ من غيرِ رِضاها، أو إسقاطِ حقٍّ لله تعالى في موضعٍ ليسَ فيه رُخصةٌ، فهذه صُورٌ فاسدَةٌ من الحِيلِ لا تحلُّ. أمَّا إذا كانتِ الحيلةُ لإيجادِ المخرَجِ من الحرامِ لمنْ كانَ واقعًا فيهِ، أو ليدفعَ عن نفسِهِ الوُقوعَ فيهِ، أو ليكْتسبَ حقًّا فاتَهُ، أو حرصًا على إصابةِ الحلالِ، فتلكَ مخارجُ شرعيَّةٌ صحيحةٌ مقبولةٌ. مثالهُ: ما وردَ من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ وأبي هريرَةَ ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ استَعملَ رجلاً على خيبرَ، فجاءَهُ بتمرٍ جنيبٍ، فقالَ رسول الله ﷺ : ((أكلُّ تمرِ خيبرَ هكَذَا؟)) قال: لا واللهِ يا رسول الله، إنَّا لنأخذُ الصَّاع من هذا بالصَّاعينِ، والصَّاعينِ بالثَّلاثة، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تفعلْ، بِعْ الجمعَ بالدَّراهم، ثمَّ ابتعْ بالدَّارهمِ جنيبًا)) [متفقٌ عليه] . فهذه حيلةٌ شرعيَّةٌ صحيحةٌ، لا يُقابلُ مفسَدَةً، فيهَا التَّخلُّصُ من الرِّبا. * * *

стр. 206

الدليل السابع العرف * تعريفه: هوَ ما ألِفَهُ النَّاسُ واعتَادُوهُ من الأقوالِ والأفعالِ. وهوَ (العَادَة) عندَ الفُقهاء. مثالهُ: تعارُفُ النَّاسِ على إطلاقِ لفظِ (الوَلَد) على الذَّكرِ دونَ الأنثى، وتقسِيمهِم الصَّداقَ إلى مُقدَّمٍ ومؤخَّرٍ. ويكونُ العُرفُ عامًّا شائعًا، كما في المِثالينِ المذْكُورَينِ، وكمَا تقُولُ العامَّةُ للطَّبيبِ (دكتور) ، وكما يصطلِحُونَ على أزياءٍ مُعيَّنَةٍ يلبسُونَهَا. ويكونُ خاصًّا بفريقٍ من المجتمعِ، كأصحابِ الحِرَفِ من الصُّنَّاعِ والفلاَّحينَ وغيرِهِم، أو أصحابِ العُلومِ المتخصِّصة كالمحدِّثينَ والمفسِّرينَ والأصوليينَ والفُقهاءِ والأطِّباءِ والمُهندِسِّينَ والصَّيادِلةِ، وعُرفُهُم هو اصْطلاحَاتُهُم الخاصَّةُ بعلومِهِم أو مِهنِهِم الَّتي تعارفُوا عليهَا ممَّا يستعملونَهُ بينَهُم من الأقوالِ والأفْعالِ. * أقسامُه: (العُرفُ) لا يخْفَى مجيئُهُ على وِفاقِ الشَّرعِ أو خلاَفِهِ، فهوَ باعتبَارِ

стр. 207

هذَا المعنَى قِسمانِِ: ١ـ عُرفٌ صحيحُ: وهو العادَةُ الَّتي لا تُخالفُ نصًّا من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، ولا تُفوِّتُ مصلحَةً مُعتبرَةً، ولا تجلبُ مفسَدَةً راجِحَةً. مثالهُ: تعارُفُ النَّاسِ على دَفعِ أثمانِ المبيعاتِ باستخْدَامِ بِطاقاتِ الدَّفعِ، وتعارُفهُم على بيعِ العُملاتِ، وتعارُفُهُم على التِّجارةِ بالأسهُمِ، وعلى ألفاظٍ عُرفيَّةٍ في التَّحيَّةِ مع لفْظِ السَّلامِ. ٢ـ عرفٌ فاسدٌ: وهوَ العَاد...ةُ تكونُ على خلافِ النَّصِّ، أو فيها تفويتُ مصلحةٍ معتبرةٍ أو جلبُ مفسدَةٍ راجِحَةٍ. مثالُهُ: تعارفُ النَّاسِ على الافتِراضِ من المصارفِ الرِّبويَّةِ، وتعارُفُهمْ على إقامةِ مجالسِ العزَاءِ، وتعارُفُهُم على استعمالِ ألفاظِ البذاءِ عندَ التَّلاقِي. وجميعُ الأعرافِ الَّتي تتَّصلُ بإثباتِ تعبُّدٍ لا نصَّ عليه فهيَ أعرافٌ فاسدَةٌ، لأنَّ العبادَاتِ توقيفيَّةٌ، وقدْ قال النَّبيّ- ﷺ : ((مَنْ أحدثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهُوَ رَدٌّ)) [متفقٌ عليه] .

стр. 208

* حجيته: (العُرفُ) ليسَ دليلاً من أدلَّةِ الأحكامِ في طريقةِ عامَّةِ العلماءِ، ولكنَّهُ عندَهُم أصلٌ من أُصولِ الاستِنباطِ تجبُ مُراعَاتُهُ في تطبيقِ الأحكامِ، وإن سماهُ بعضُهُم (دليلاً) فإنَّما أرادَ هَذا المعنى. و (العُرفُ) الَّذي يُراعى إنَّما هو (العُرفُ الصَّحيحُ) لا (الفاسِد) . ومن قواعِدِ الفُقهاءِ في ذلكَ قولُهُم: (العادَةُ محَكَّمةٌ) ، فلو شتَمَ إنسانٌ إنسانًا بلفظٍ، فادَّعَى المشتوم أنَّ الشَّاتم قذَفهُ، روعيَ في ذلكَ ما جرى بهِ العُرفُ في استخدَامِ ذلكَ اللَّفظِ. وكذا فيهِ قولُهُم: (المعروفُ عُرفًا كالمشرُوطِ شرْطًا) ، فلوِ اختلفَ المُستأجِرُ معَ صاحبِ المنزلِ في إصلاحِ تلفٍ في المنزلِ منْ يقومُ بهِ أو يدفعُ أُجرتَهُ، كان الحُكمُ فيهِ بينهما بالعُرفِ. * تنبيه: (العُرفُ) متغيِّرٌ بتغيُّرِ الزَّمانٍ والمكانِ، وما يتمُّ تطبيقُهُ على وَفْقِهِ من الأحكامِ يختلفُ باختلافِهِ، وكثيرٌ من فتاوَى الفُقهاء بُنيَتْ على مُراعَاةِ الزَّمانِ الَّذي كانو فيه، والبَلَد الَّذي عاشُوا فيهِ، فلا تصلحُ تعديَةُ ما أثَّر فيه العُرفُ من الفتاوى والأحكامِ إلى غيرِ أهلِ العُرفِ الَّذي أثَّر فيها، إنَّما تُعتبرُ خاصَّةً بذلكَ الزَّمانِ أو المكانِ، ويُراعَى

стр. 209

العُرفُ المستجدُّ في تطبيقِ الأحكامِ على ما يُناسبُهُ. ورُبَّما أطْلقَ في هذا بعضُ أهلِ العلمِ عبارةَ: (الأحكامُ تتغيَّرُ بتغيُّرِ الزَّمانِ والمكانِ) ، وإنَّما هذا مُرادُهُم. وفي هذا إبطالٌ لمسالكِ كثيرٍ من أهلِ زَمَانِنَا ممَّنْ يلجَأُ إلى فتاوى ناسبَتْ ظرفًا وحالاً ليسَ بظرْفنَا وحالِنَا يُريدُ أن يجعلَ تلكَ الفَتَاوى كأحكامِ الله الثَّابتَةِ! * * *

стр. 210

الدليل الثامن مذهب الصحابي * تعريفه: الصَّحابيُّ هوَ: من لقِيَ النَّبيَّ ﷺ مؤمنًا بهِ وإنْ قلَّتْ صُحبَتُهُ. و (مذهبُ الصَّحابيِّ) قولهُ ورأيُهُ فيما لا نصَّ فيه من الكتابِ والسُّنَّةِ. *حجيته: مذهبُ الصَّحابيّ واردٌ على وُجوهٍ، لكلٍّ منهَا مرتبةٌ في القبُولِ والاحتجاجِ أو عدمِهِ عندَ أهلِ العلمِ، هي كالتَّالي: ١ـ أن يكونَ المذهبُ انتشرَ بين الصَّحابةِ فلم يُنكرْهُ أحدٌ منهُمْ. فهذا حجَّةٌ عندَ جُمهورِ العُلماءِ جرى عليهِ العملُ عندَ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والشَّافعيِّ في مذهبهِ الجديدِ والحنابلةِ. وهذا في الحقيقةِ من قبيلِ (الإجماعِ السُّكوتيِّ) ، وتقدَّم أنَّ الأقوَى فيه أنَّهُ ليسَ بِحُجَّةٍ. ٢ـ أن يكونَ خالفَهُ فيه غيرُهُ من الصَّحابَةِ. فهذا ليسَ بِحُجَّةٍ عند جميعِ الفُقهاءِ، لأنَّهُ لا مرجِّحَ لقبولِ قولِ هذا

стр. 211

وردِّ قولِ ذاكَ، وإنْ وُجِدَ مُرجِّحٌ خارجيٌّ كدليلٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ أو القياسِ أو غير ذلكَ كان الاحتجَاجُ بالدَّليلِ لا بقولِ الصَّحابيِّ. ٣ـ أن يكونَ المذهبُ لم ينتشرْ، وليسَ مثلُهُ مظنَّةَ الانتِشارِ، ولمْ يخَالف فيهِ صحابيًّا غيرَهُ. فهذا اختلفوا فيهِ، وأكثرُهُم يحتجُّ به حيثُ لا يكونُ عندَهُ في المسألةِ نصٌّ من كتابٍ أو سُنَّةٍ، ويُقدِّمُهُ على رأي نفسِهِ، لكنْ هل احتِجَاجُ من يحتجُّ بهِ بناءً على أنَّهُ دليلٌ من أدلَّةِ الأحكامِ أو ألجأهُم إليهِ فُقدانُ الدَّليلِ في المسألةِ فصارُوا إلى اقتفاءِ أثرِ الصَّحابَةِ ومُتابَعتِهم على سبيلِ التَّقليدِ لأنَّ قولهُم ألصقُ بالهُدَى والصَّوابِ من قولِ غيرِهِم؟ يبدُوا أنَّ الاحتمالَ الثَّاني أرجحُ، وممَّا يدلُّ عليه قولُ الإمام الشَّافعيِّ ﵀ في حِكايتهِ مع مُناظرِهِ: ((قالَ: أفرأيتَ إذا قالَ الواحدُ منهم القولَ لا يُحفظُ عن غيرِهِ منهمْ فيه لهُ موافقةً ولا خلافًا، أتجدُ لك حُجَّةً باتِّباعهِ في كتابٍ أو سنَّةٍ أو أمرٍ أجمعَ النَّاسُ عليه فيكونَ من الأسبابِ الَّتي قلتَ بهاخبرًا؟ قلتُ لهُ: ما وجدنَا في هذا كتابًا ولا سنَّةً ثابتةً، ولقد وجدْنَا أهل العلمِ يأخذُونَ بقولِ واحدِهِم مرَّةً ويتركُونهُ أخرى، ويتفرَّقُوا في بعضِ ما أخذُوا به منهم، قالَ: فإلى أيِّ شيءٍ صرتَ من هذا؟ قلتُ إلى اتِّباعِ قولِ واحدٍ إذ لم أجِدْ كتابًا ولا سنَّةً ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناهُ يُحكمُ له بحُكمهِ، أو وُجدَ معهُ قياسٌ، وقلَّ ما يوجدُ من قولِ الواحِدِ منهُم لا يُخالفُه غيرُهُ من هذا)) [الرِّسالة ص ٥٩٧ـ

стр. 212

٥٩٨] ، وهذا فيه أنَّ قول الصَّحابيِّ ليسَ بِحُجَّةٍ. فهذه هي المواردُ الَّتي يُمكنُ أن يكونَ عليها (مذهبُ الصَّحابيِّ) . هل درجات مذاهب الصحابة متفاوتة؟ وكثيرٌ من العلماءِ يرى أنَّ مذاهب الصَّحابةِ ليستْ مُتساويةً قوَّةً، فأعلاهَا (مذاهبُ الخُلفاء الرَّاشدِينَ) ، ثمَّ مذاهبُ الفُقهاءِ الَّذين اشتهرُوا بالفقهِ وعُرفُوا بهِ، ثمَّ الصَّحابةِ الَّذين لا يُحفظُ عنهُم في الفقهِ إلاَّ المسألةُ والمسألتانِ ولم يشتهِرُوا به. وهذهِ قسمةٌ منطقيَّةٌ صحيحةٌ، فإنَّ العِبرَةَ في المتابعَةِ إنَّما هي الفقهُ والعلمُ، والخُلفاءُ الأربعةُ أعلمُ هذه الأمَّة بعد نبيِّها ﷺ ، والأئمَّةُ الَّذين تصدَّرُوا للنَّاسِ يُعلِّمونَهُم ويُفتُونهُم من الصَّحابَةِ كمُعاذِ بن جبلٍ وعبد الله بن مسعودٍ وأبي موسلى الأشعريّ وزيدِ بن ثابتٍ وعبد الله بن عُمرَ وعبد الله بن عبَّاسٍ وعائشةَ أُمِّ المؤمنينَ؛ فوقَ من لم يكُن له بذلكَ اشتغالٌ ولا خبرَةٌ منهُم. ويستدلُّ من يُقدِّم مذاهبَ الخُلفاءِ الأربعةِ بحديث العرباضِ بنِ ساريَةَ ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : ((أوصيكمْ بتقوى اللهِ والسَّمعِ والطَّاعة وإنْ كانَ عبدًا حبشيًّا، فإنَّهُ من يعِشْ منكُم بعدِي فسيرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكمْ بسُنَّتي وسنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ المهْدِيِّينَ فتمسَّكُوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُم ومُحدثَاتِ

стр. 213

الأمُورِ، فإنَّ كلَّ محدِثَةٍ بدعةٌ، وكُلَّ بِدْعةٍ ضلاَلَةٌ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمدُ وأبوداودَ والتِّرمذيُّ وغيرُهُم] . وهذا التَّرجيحُ لسُنَّتهم على سُنَّة غيرهم لأنَّهم حُكَّام المسلمين وأولياءُ الأمرِ فيهم كما يدلُّ عليه صدرِ الحديثِ، وقولُ وليِّ الأمرِ واجبُ الطَّاعةِ حفظًا لوحدَةِ المسلمين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، وليسَ في هذا أنَّ قول الواحدِ منهُم في مسألةٍ فقهيَّةٍ اجتهاديَّةٍ يُعتبرُ حجَّةً في الدِّين، وإن وجبَ على النَّاسِ له فيها السَّمعُ والطَّاعة حفظًا لكلمةِ المسلمين من التَّفرُّقِ، ولا شيء أبلغُ دلالةً على ذلك من وقوعِ الاختلافِ بين الأربعةِ أنفُسهم، فليسَ كلُّ ما قضى به أبوبكر قضى بهِ عُمرُ، ولا كُّلُّ ما قضى به عُمرُ جرى عليه عثمان أو عليُّ ﵃، كما أنَّه ليسَ كلُّ ما أفتَوا به وافقهُم عليه ابن مسعودٍ أو ابنُ عبَّاسٍ أو ابنُ عمرَ، ولو كانَ الحديثُ يعني أنَّ أقوالهُم الاجتهاديَّةَ دينٌ للأمَّةِ بعدَهٌم لكانَ هذا من نسبةِ التَّناقُضِ للدِّينِ. وإذا فُهم هذا المعنى في هذا الحديثِ، فُهم كذلك في حديث: ((اقتَدُوا باللَّذين من بعدي أبي بكرٍ وعمرَ)) إن ثبتَ هذا الحديثُ فقد رُوي بأسانيد ليس فيها يسلمُ من علَّةٍ. أمَّا حديثُ ((أصحابي كالنُّجومِ، بأيِّهِم اقتديتُم اهتَديتُم)) فهوَ

стр. 214

موضوعٌ كذِبٌ. خلاصَةُ القولِ في حجيَّةِ مذهبِ الصَّحابيِّ: أعلاهُ قوَّةً ما كان من قبيلِ (الإجماعِ السُّكوتي) . وتبيَّن في الإجماعِ أنَّه ليسَ بحُجَّةٍ، فما كان دونهُ من مذاهب الصَّحابةِ أولى أن لا يكونَ حُجَّةً، وإنَّما منزلةُ تلك الأقوالِ أنَّها في أعلى درجاتِ أقوالِ المجتهدينَ، لأنَّ المجتهدينَ من الصَّحابةِ فوقَ من جاءَ من بعدِهِم، فمُراعاةُ اجتهادَاتِهِم مع نَدْرَةِ الخطإِ فيها مُقارنةً بمن بعدَهُم أولى، وهذا الَّذي جرى عليهِ عملُ عامَّةِ أهل العِلمِ بعدَهُم، من قالَ: هيَ حجَّةٌ، ومن قالَ: ليسَتْ بحُجَّةٍ. استثناء: وأمَّا تفسيرُهُم للنُّصوصِ من الكتابِ والسُّنَّة من جهةِ ماتدلُّ عليه ألفاظُها في استعمالِ اللِّسانِ؛ فهوَ حُجَّةٌ، وهو أعلى وأقوَى ممَّا يُذكرُ عن آحادِ أئمَّةِ اللُّغةِ بعدَهُم، لأنَّهُم كما لا يخفَى أهلُ اللِّسانِ، فكيفَ وقدِ انضمَّ إلى ذلكَ معرفَتُهُم بمُرادِ الشَّارعِ فيما يستعملُه من تلكَ الألفاظِ؟ وهذا غيرُ الآراءِ في المسألةِ الفِقيَّةِ الَّتي تُستفادُ بالرَّأي والنَّظرِ. * * *

стр. 215

الدليل التاسع الاستصحاب * تعريفه: لغةً: طلبُ المُصاحبَةِ واستِمرارُهَا. واصْطلاحًا: جعلُ الحُكمِ الَّذي كان ثابتًا في الماضِي باقيًا على حالِه حتَّى يقومَ دليلٌ على انتقالِهِ عن تلكَ الحالِ. ويُسمَّى (دليل العقلِ) ، وهوَ معنَى مستقرٌّ في تصرُّفاتِ جميعِ النَّاسِ، فإنَّهُم إذا علمُوا وجودَ أمرٍ بنَوا أحكامَهُم فيما يتَّصلُ بذلكَ الأمرِ على أنَّهُ موجودٌ حتَّى يقومَ بُرهانٌ على ضدِّ ذلكَ، وإذا علموا عدَمَ شيءٍ كانَ عدمُه هو الأصلَ حتَّى يثبُتَ وجودُهُ. فـ (الاستصحابُ) بعبارةٍ أُخرى: بقاءُ ما كانَ على ما كانَ عليهِ حتَّى يثبتَ ما يُغيِّرُه. * أنواعه: هو ثلاثةُ أنواعٍ: ١ـ البراءةُ الأصليَّةُ: وهي: استصحابُ العدَمِ الأصليِّ حتَّى يرِدَ ما ينقُلُ عنهُ.
следующие страницы →