← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22396

تيسير علم أصول الفقه

عبد الله الجديع

Полный текст (387 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وردِّ قولِ ذاكَ، وإنْ وُجِدَ مُرجِّحٌ خارجيٌّ كدليلٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ أو القياسِ أو غير ذلكَ كان الاحتجَاجُ بالدَّليلِ لا بقولِ الصَّحابيِّ. ٣ـ أن يكونَ المذهبُ لم ينتشرْ، وليسَ مثلُهُ مظنَّةَ الانتِشارِ، ولمْ يخَالف فيهِ صحابيًّا غيرَهُ. فهذا اختلفوا فيهِ، وأكثرُهُم يحتجُّ به حيثُ لا يكونُ عندَهُ في المسألةِ نصٌّ من كتابٍ أو سُنَّةٍ، ويُقدِّمُهُ على رأي نفسِهِ، لكنْ هل احتِجَاجُ من يحتجُّ بهِ بناءً على أنَّهُ دليلٌ من أدلَّةِ الأحكامِ أو ألجأهُم إليهِ فُقدانُ الدَّليلِ في المسألةِ فصارُوا إلى اقتفاءِ أثرِ الصَّحابَةِ ومُتابَعتِهم على سبيلِ التَّقليدِ لأنَّ قولهُم ألصقُ بالهُدَى والصَّوابِ من قولِ غيرِهِم؟ يبدُوا أنَّ الاحتمالَ الثَّاني أرجحُ، وممَّا يدلُّ عليه قولُ الإمام الشَّافعيِّ ﵀ في حِكايتهِ مع مُناظرِهِ: ((قالَ: أفرأيتَ إذا قالَ الواحدُ منهم القولَ لا يُحفظُ عن غيرِهِ منهمْ فيه لهُ موافقةً ولا خلافًا، أتجدُ لك حُجَّةً باتِّباعهِ في كتابٍ أو سنَّةٍ أو أمرٍ أجمعَ النَّاسُ عليه فيكونَ من الأسبابِ الَّتي قلتَ بهاخبرًا؟ قلتُ لهُ: ما وجدنَا في هذا كتابًا ولا سنَّةً ثابتةً، ولقد وجدْنَا أهل العلمِ يأخذُونَ بقولِ واحدِهِم مرَّةً ويتركُونهُ أخرى، ويتفرَّقُوا في بعضِ ما أخذُوا به منهم، قالَ: فإلى أيِّ شيءٍ صرتَ من هذا؟ قلتُ إلى اتِّباعِ قولِ واحدٍ إذ لم أجِدْ كتابًا ولا سنَّةً ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناهُ يُحكمُ له بحُكمهِ، أو وُجدَ معهُ قياسٌ، وقلَّ ما يوجدُ من قولِ الواحِدِ منهُم لا يُخالفُه غيرُهُ من هذا)) [الرِّسالة ص ٥٩٧ـ

стр. 212

٥٩٨] ، وهذا فيه أنَّ قول الصَّحابيِّ ليسَ بِحُجَّةٍ. فهذه هي المواردُ الَّتي يُمكنُ أن يكونَ عليها (مذهبُ الصَّحابيِّ) . هل درجات مذاهب الصحابة متفاوتة؟ وكثيرٌ من العلماءِ يرى أنَّ مذاهب الصَّحابةِ ليستْ مُتساويةً قوَّةً، فأعلاهَا (مذاهبُ الخُلفاء الرَّاشدِينَ) ، ثمَّ مذاهبُ الفُقهاءِ الَّذين اشتهرُوا بالفقهِ وعُرفُوا بهِ، ثمَّ الصَّحابةِ الَّذين لا يُحفظُ عنهُم في الفقهِ إلاَّ المسألةُ والمسألتانِ ولم يشتهِرُوا به. وهذهِ قسمةٌ منطقيَّةٌ صحيحةٌ، فإنَّ العِبرَةَ في المتابعَةِ إنَّما هي الفقهُ والعلمُ، والخُلفاءُ الأربعةُ أعلمُ هذه الأمَّة بعد نبيِّها ﷺ ، والأئمَّةُ الَّذين تصدَّرُوا للنَّاسِ يُعلِّمونَهُم ويُفتُونهُم من الصَّحابَةِ كمُعاذِ بن جبلٍ وعبد الله بن مسعودٍ وأبي موسلى الأشعريّ وزيدِ بن ثابتٍ وعبد الله بن عُمرَ وعبد الله بن عبَّاسٍ وعائشةَ أُمِّ المؤمنينَ؛ فوقَ من لم يكُن له بذلكَ اشتغالٌ ولا خبرَةٌ منهُم. ويستدلُّ من يُقدِّم مذاهبَ الخُلفاءِ الأربعةِ بحديث العرباضِ بنِ ساريَةَ ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : ((أوصيكمْ بتقوى اللهِ والسَّمعِ والطَّاعة وإنْ كانَ عبدًا حبشيًّا، فإنَّهُ من يعِشْ منكُم بعدِي فسيرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكمْ بسُنَّتي وسنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ المهْدِيِّينَ فتمسَّكُوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُم ومُحدثَاتِ

стр. 213

الأمُورِ، فإنَّ كلَّ محدِثَةٍ بدعةٌ، وكُلَّ بِدْعةٍ ضلاَلَةٌ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمدُ وأبوداودَ والتِّرمذيُّ وغيرُهُم] . وهذا التَّرجيحُ لسُنَّتهم على سُنَّة غيرهم لأنَّهم حُكَّام المسلمين وأولياءُ الأمرِ فيهم كما يدلُّ عليه صدرِ الحديثِ، وقولُ وليِّ الأمرِ واجبُ الطَّاعةِ حفظًا لوحدَةِ المسلمين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، وليسَ في هذا أنَّ قول الواحدِ منهُم في مسألةٍ فقهيَّةٍ اجتهاديَّةٍ يُعتبرُ حجَّةً في الدِّين، وإن وجبَ على النَّاسِ له فيها السَّمعُ والطَّاعة حفظًا لكلمةِ المسلمين من التَّفرُّقِ، ولا شيء أبلغُ دلالةً على ذلك من وقوعِ الاختلافِ بين الأربعةِ أنفُسهم، فليسَ كلُّ ما قضى به أبوبكر قضى بهِ عُمرُ، ولا كُّلُّ ما قضى به عُمرُ جرى عليه عثمان أو عليُّ ﵃، كما أنَّه ليسَ كلُّ ما أفتَوا به وافقهُم عليه ابن مسعودٍ أو ابنُ عبَّاسٍ أو ابنُ عمرَ، ولو كانَ الحديثُ يعني أنَّ أقوالهُم الاجتهاديَّةَ دينٌ للأمَّةِ بعدَهٌم لكانَ هذا من نسبةِ التَّناقُضِ للدِّينِ. وإذا فُهم هذا المعنى في هذا الحديثِ، فُهم كذلك في حديث: ((اقتَدُوا باللَّذين من بعدي أبي بكرٍ وعمرَ)) إن ثبتَ هذا الحديثُ فقد رُوي بأسانيد ليس فيها يسلمُ من علَّةٍ. أمَّا حديثُ ((أصحابي كالنُّجومِ، بأيِّهِم اقتديتُم اهتَديتُم)) فهوَ

стр. 214

موضوعٌ كذِبٌ. خلاصَةُ القولِ في حجيَّةِ مذهبِ الصَّحابيِّ: أعلاهُ قوَّةً ما كان من قبيلِ (الإجماعِ السُّكوتي) . وتبيَّن في الإجماعِ أنَّه ليسَ بحُجَّةٍ، فما كان دونهُ من مذاهب الصَّحابةِ أولى أن لا يكونَ حُجَّةً، وإنَّما منزلةُ تلك الأقوالِ أنَّها في أعلى درجاتِ أقوالِ المجتهدينَ، لأنَّ المجتهدينَ من الصَّحابةِ فوقَ من جاءَ من بعدِهِم، فمُراعاةُ اجتهادَاتِهِم مع نَدْرَةِ الخطإِ فيها مُقارنةً بمن بعدَهُم أولى، وهذا الَّذي جرى عليهِ عملُ عامَّةِ أهل العِلمِ بعدَهُم، من قالَ: هيَ حجَّةٌ، ومن قالَ: ليسَتْ بحُجَّةٍ. استثناء: وأمَّا تفسيرُهُم للنُّصوصِ من الكتابِ والسُّنَّة من جهةِ ماتدلُّ عليه ألفاظُها في استعمالِ اللِّسانِ؛ فهوَ حُجَّةٌ، وهو أعلى وأقوَى ممَّا يُذكرُ عن آحادِ أئمَّةِ اللُّغةِ بعدَهُم، لأنَّهُم كما لا يخفَى أهلُ اللِّسانِ، فكيفَ وقدِ انضمَّ إلى ذلكَ معرفَتُهُم بمُرادِ الشَّارعِ فيما يستعملُه من تلكَ الألفاظِ؟ وهذا غيرُ الآراءِ في المسألةِ الفِقيَّةِ الَّتي تُستفادُ بالرَّأي والنَّظرِ. * * *

стр. 215

الدليل التاسع الاستصحاب * تعريفه: لغةً: طلبُ المُصاحبَةِ واستِمرارُهَا. واصْطلاحًا: جعلُ الحُكمِ الَّذي كان ثابتًا في الماضِي باقيًا على حالِه حتَّى يقومَ دليلٌ على انتقالِهِ عن تلكَ الحالِ. ويُسمَّى (دليل العقلِ) ، وهوَ معنَى مستقرٌّ في تصرُّفاتِ جميعِ النَّاسِ، فإنَّهُم إذا علمُوا وجودَ أمرٍ بنَوا أحكامَهُم فيما يتَّصلُ بذلكَ الأمرِ على أنَّهُ موجودٌ حتَّى يقومَ بُرهانٌ على ضدِّ ذلكَ، وإذا علموا عدَمَ شيءٍ كانَ عدمُه هو الأصلَ حتَّى يثبُتَ وجودُهُ. فـ (الاستصحابُ) بعبارةٍ أُخرى: بقاءُ ما كانَ على ما كانَ عليهِ حتَّى يثبتَ ما يُغيِّرُه. * أنواعه: هو ثلاثةُ أنواعٍ: ١ـ البراءةُ الأصليَّةُ: وهي: استصحابُ العدَمِ الأصليِّ حتَّى يرِدَ ما ينقُلُ عنهُ.

стр. 216

مثالُهُ: لو ادَّعى إنسانٌ أنَّ شخصًا اعتدَى عليهِ، فالأصلُ أنَّ الشَّخصَ المُدَّعى عليه بريءٌ من ذلكَ الادِّعاءِ، حتَّى يُبرهِنَ المدَّعي على صحَّةِ دعواهُ. وفي (الصَّحيحينِ) من حديثِ عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: ((لَوْ يُعطَى النَّاسُ بِدعواهُم لادَّعى ناسٌ دِماءَ رجالٍ وأموالَهُمْ)) . والشَّريعةُ قدْ جاءَتْ بمُراعَاةِ هذا الأصلِ، فلمْ تؤاخذ الجَاهلَ بتكاليفِ الإسلامِ، لأنَّ الأصلَ عدمُ العلمِ، وعدَمُ العلمِ يُسقِطُ التَّكليفَ، فتسقطُ المُؤاخذة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وقال بعدَما حرَّم الرِّبا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، فاعتبرَ الذِّمَّة بريئةً من المؤَاخَذة قِبل تحريمِ الرِّبا، مسؤُلَةً بعدهُ إلى أمثلةٍ أُخرى يطُولُ استقصاؤُهَا. ومِن هذا الإستِدلالُ بِعدَمِ وُجودِ ما يَدُلُّ على الحُكمِ على عَدَمِ الحُكمِ، وهذا يحتاجُ إلى استِقراءِ أدلَّةِ الشَّرعِ فيما يغلبُ على ظنِّ الفقيهِ أنَّ المسألَةَ لو كانَ لها أصلٌ فهيَ واردَةٌ في كذا وكذا، فحيثُ لا يجدُ الدَّليلَ المُغيِّرَ لذلكَ العَدَمِ، فهوَ باقٍ في تلكَ المسألَةِ على العَدَمِ.

стр. 217

٢ـ استِصحابُ حكمِ الإباحَةِ الأصليَّة للأشياء. فالشَّريعةُ قضتْ بـ (أنَّ الأصلَ في الأشياءِ الإباحَة) فأقامَتْ ذلكَ قاعِدَةً بأدلَّةٍ كثيرةٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ، كقوله عزَّوجلَّ: [البقرة: ٢٩] ، وقوله عزَّوجلَّ: [الجاثية: ١٣] ، فيستمرُّ البقاءُ على هذا الأصلِ حتَّى يرِدَ النَّاقلُ عنه إلى غيرِهِ. ٣ـ استِصحابُ دليلِ الشَّرعِ حتَّى يرِ النَّاقِلُ. فالأصلُ بقاءُ النَّصِّ على العُمومِ حتَّى يرِدَ دليلُ التَّخصيصِ، والخطابُ للنَّبيِّ ﷺ خطابٌ لأمَّتِهِ حتَّى ترِدَ الخُصوصَيَّةُ، والنُّصُوصُ كلُّها مُحكَّمةٌ غيرُ منسوخَةٍ حتَّى يثبُتَ النَّاسِخُ، ومن ثبَتَتْ ملكيَّتُهُ لعقارٍ أو غيرِهِ فهوَ مِلكُه حتَّى يثبُتَ زَوالُه بِبُرهانٍ. ومن هذا: أنَّ الأصلَ في المضارِّ المنعُ لدَليلِ الشَّرعِ: (لا ضرَرَ ولا ضِرارَ) . * حجيته: (الاستِصحابُ) فيما يُلاحظُ من أنواعِهِ المتقدِّمَةِ لا يفيدُ إثباتَ حُكمٍ جديدٍ، إنَّما يدلُّ على استِمرارِ الحُكمِ السَّابقِ الَّذي ثبتَ بالشَّرعِ، فلِذا لا يحسُنُ عدُّه من (أدلَّةِ التَّشريع) إنَّما دليلُ التَّشريعِ ما أفادَ حُكمَ الأصلِ، وهوَ في جميعِ صُورِ الاستِصحابِ الكتَابُ والسُّنَّة.

стр. 218

وجُمهُورُ العُلماءِ على إعمالِ أصلِ (الاستِصحابِ) عندَ فقْدِ الدَّليلِ الخاصِّ في المسألةِ، فهوَ آخرُ ما يَلْجأُ إليهِ الفقيهُ في استِفادَةِ الحُكمِ الشَّرعيِّ. ومن القواعِدِ الفقهيَّة المنبثِقةِ عن الاستِصحابِ: ١ـ اليقينُ لا يزُولُ بالشَّكِّ. ٢ـ الأصلُ بقاءُ ما كانَ على ما كانَ. ٣ـ الأصلُ في الأشياءِ الإباحَةُ. ٤ـ الأصلُ براءةُ الذِّمَةِ. * * *

стр. 219

خلاصة القول في الاحتجاج بالأدلة المتقدمة ١ـ الكتابُ دليلٌ مستقلٌّ قائمٌ بنفسِهِ، وهوَ حُجَّةٌ اتِّفاقًا. ٢ـ السُّنَّةُ: دليلٌ مستقلٌّ قائمٌ بنفسِهِ، وهوَ حُجَّةٌ اتِّفاقًا. ٣ـ الإجماعُ: دليلٌ تبعيٌّ للكتابِ والسُّنَّةِ، وهوَ حُجَّةٌ معهما اتِّفاقًا، وما ادُّعيَ أنَّهُ دليلٌ مستقلٌّ عن الكتابِ والسُّنَّةِ فلا يصح وجودُه في الواقعِ. ٤ـ شرعُ من قبلَنَا: دليلٌ تبعيٌّ للكتابِ والسُّنَّةِ، فإنَّهُ لا يُعرفُ إلاَّ من طريقهمَا، وهوَ حُجَّةٌ على الرَّاجحِ. ٥ـ القياسُ: دليلٌ اجتهادِيٌّ تبعيٌّ مبناهُ على الكتابِ والسُّنَّةِ، وهو حُجَّةٌ على الرَّاجحِ. ٦ـ المصلحة المُرسلة: دليلٌ اجتهادِيٌّ تبعيٌّ، مبناهُ على سُكوتِ النَّصِّ عن إبطالِهِ، وهو حُجَّةٌ على الرَّاجحِ. ٧ـ العُرفُ: ليسَ دليلاً من أدلَّةِ الأحكامِ، إنَّما هو أصلٌ يُراعَى في تطبيقها.

стр. 220

٨ـ مذهبُ الصَّحابيِّ: ليسَ دليلاً من أدلَّةِ الأحكامِ، لكنْ يُستأنسُ بهِ في فَهمِهَا. ٩ـ الاستِصحابُ: ليسَ دليلاً من أدلَّةِ الأحكامِ، إنَّما هو إبقاءٌ للعملِ بدليلٍ موجودٍ.

стр. 221

قواعد الاستنباط

стр. 222

١ـ القواعد الأصولية * تعريفها: هي قواعدُ لُغويَّةٌ متعلِّقةٌ بألفاظِ الكتابِ والسُّنَّةِ ودلالاتهَا، مُستفادَةٌ من أساليبِ لُغةِ العربِ تُساعدُ المُجتهدَ على التَّوصُّلِ إلى الأحكامِ الشَّرعيَّة. * أقسامها: علاقةُ اللَّفظِ بالمعنى واقعةٌ على أربعةٍ أقسامٍ، هيَ: ١ـ وضعُ اللَّفظِ للمعنى، ويندرجُ تحتهُ أبحاثٌ هي: الخاصُّ، العامُّ، المُشترَكُ. ٢ـ استعمالُ اللَّفظِ في معناهُ الَّذي وُضعَ له أوفي غيرهِ، ويندرجُ تحتهُ أبحاثٌ هي: الحقيقةُ والمجازُـ الصَّريحُ والكنايَةُ. ٣ـ دلالةُ اللَّفظِ علىمعناهُ من حيثُ الوُضوحِ والخفاءُ، ويندرجُ تحته أبحاثٌ هيَ: الظَّاهرُ، النَّصُّ، المُفسَّرُ، المُحكمُ، ويُقابلُها: الخفيُّ، المُُجملُ، المُشْكلُ. وأكثرُ الأصوليينَ يذكرونَ (المُتشابِهَ) في أقسامِ (غيرِ الواضِحِ

стр. 223

الدَّلالة) ، وليسَ من مباحِثِ الأحكامِ الَّتي لأجلهَا قُنِّنَتْ (أصولُ الفقهِ) ، لكنَّا نذكُرهُ ونذكُرُ وجهَهُ. ٤ـ كيفيَّة دلالةِ اللَّفظِ على المعنى، ويندرجُ تحتهُ أبحاثٌ هيَ: عبارةُ النَّصِّ، وإشارَتُهُ، ودلالتُهُ، واقتضَاؤُهُ، ومفهومُهُ.

стр. 224

القسم الأول وضع اللفظ للمعنى ١ـ الخاص * تعريفه: لُغةً: عبارةٌ عن التَّفرُّدِ، يقالُ: (فُلانٌ خُصَّ بكذا) أيْ: أُفرِدَ بهِ لا يُشاركُهُ فيهِ أحدٌ. واصطلاحًا: كلُّ لفظٍ استُعملَ لمعنى معلومٍ على الانفرادِ. مثلُ: (محمَّد) لفظٌ استُعملَ للدَّلالةِ على معنى العمليَّة لا غير، و (العِلمُ) لفظٌ استُعملَ للدَّلالةِ على معنى معيَّنٍ يُقابلُ لفظَ (الجهلِ) ، و (رجُلٌ) لفظٌ استُعملَ للدَّلالةِ على نوعٍ من جنسِ الإنسانِ وهوَ الذَّكرُ الَّذي تجاوزَ حدَّ الصِّغرِ لا يُرادُ به غيرُهُ، و (إنسانٌ) لفظٌ استُعملَ للدَّلالةِ على جنسٍ من المخلوقاتِ هو هذا الحيُّ المتكلِّمُ. وألفاظُ الأعدادِ مثلُ: (واحدٌ، ثلاثةٌ، عشرَةٌ، عشرونَ، مئَةٌ، ألفٌ) ألفاظٌ استُعملَتْ للدَّلالةِ على نوعٍ معيَّنٍ من جنسِ العدَدِ، لا يحتملُ اللَّفظُ منها غير معنًى واحدٍ، هوَ إفادَةُ ذلكَ العدَدِ المحصُورِ.

стр. 225

ويندرجُ تحتَ الخاصِّ مباحثُ آتيَةٌ بعدَهُ، هيَ: المُطلقُ والمقيَّدُ، الأمرُ والنَّهيُ. * قاعدته: دلالة (الخاصِّ) على معناهُ قطعيَّةٌ. ومعنى القاعدَة: أنَّ اللَّفظَ لا يحتملُ غيرَ معنًى واحدٍ اختصَّ بهِ، لا يُشاركُهُ فيه غيرُهُ من جنسِهِ أو منْ غيرِ جنسِهِ. من أمثلَةِ القاعِدَة: ١ـ قولهُ تعالى في كفَّارةِ اليمينِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، فدلالةُ الآيةِ قطعيَّةٌ في صيامِ هذا العدَدِ من الأيَّامِ. ٢ـ قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء: ١٢] ، لفظُ النِّصف والرُّبعِ لفظانِ خاصَّانِ لا يحتملانِ إلاَّ معنى العدَدِ المحصورِ الّذي استُعملاَ فيهِ. ٣ـ قولهُ ﷺ : ((في سائمَةِ الغَنَمِ في كلِّ أربعينَ شاةٌ إلى عشرينَ ومئَةٍ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّنن وغيرُهُم] ، حدٌّ لا يزيدُ ولا ينقصُ، ولا يَحتمِلُ غيرَ معنًى واحدٍ هو ما استُعملَ فيه لفظُ (أربعينَ) أو لفظُ (عشرينَ ومئةٍ) . * * *

стр. 226

المطلق والمقيد * تعريفهما: المُطلقُ: هو اللَّفظُ الدَّالُّ على فردٍ غيرِ مُعيَّنٍ، أو أفرادٍ غيرِ مُعيَّنينَ. مثلُ: (رجل) لفردٍ غير مُحدَّدٍ، و (رجال) لأفرادٍ غيرِ مُحدَّدينَ. والمقيَّدُ: هوَ اللَّفظُ االدَّالُّ على فردٍ غيرِ مُعيَّنٍ، أو أفرادٍ غيرِ مُعيَّنينَ مع اقترَانِه بصفةٍ تُحدِّدُ المُرادُ بهِ. مثلُ (رجلٌ بصريٌّ) ، و (رِجالٌ صالحونَ) . * قاعدة المطلق اللَّفظُ المُطلقُ باقٍ على إطلاقِهِ حتَّى يرِدَ دليلُ التَّقييدِ. من أمثلةِ القاعدَةِ: ١ـ قوله تعالى في كفَّارة الظِّهارِ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] . لفظُ ﴿رَقَبَةٍ﴾ مطلقٌ من أيِّ قيدٍ، فلو أعتقَ المُظاهرُ رقبةً على أيِّ وصفٍ أجزأهُ مؤمِنةً كانتْ أو كافرَةً، خلافًا للشَّافعيَّةِ والمالكيَّةِ كما سيأتي: ٢ـ قوله تعالى في أحكامِ المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] ، فلفظ ﴿وَصِيَّةٍ﴾ مُطلقٌ وردَ الدَّليلُ من السُّنَّةِ

стр. 227

بتقييدِه بالثُّلثِ، كما في حديث سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعودُنِي عامَ حجَّة الودَاعِ من وَجَعٍ اشتدَّ بي، فقلتُ: إنِّي قدْ بلغَ بِي من الوَجعِ وأنا ذُومالٍ، ولا يرثُني إلاَّ ابنةٌ، أفأتصدَّقُ بثُلثي مالي؟ قالَ: ((لا)) فقلتُ بالشَّطرِ؟ فقالَ: ((لا)) ، ثم قالَ: ((الثُّلُثُ والثُّلثُ كبيرٌ (أو كثيرٌ) ، إنَّك أن تذرَ ورثَتَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهُم عالةً يتكفَّفُون النَّاسَ)) الحديث [متفقٌ عليه] . * قاعدة المقيد:. يجبُ العملُ بالقيدِ إلاَّ إذا قامَ دليلٌ على إلغائِهِ. من أمثلةِ القاعدَة: ١ـ قوله تعالى في كفَّارةِ الظِّهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] ، فقولُه: ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾ قيدٌ يجبُ إعمالُه، فلا تُجزيءُ الكفَّارَةُ لو صامَ شهرينِ مُقطَّعينِ. ٢ـ وقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نسائكم اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] ، فقولُهُ: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ قيدٌ لكنَّهُ لا أثرَ لهُ وإنَّما خرجَ مخرجَ الغالبِ، لأنَّ بنتَ الزَّوجَةِ تكُونُ غالبًا مع أُمِّهَا، على هذا جمهُورُ العلماءِ أنَّ بنتَ الزَّوجةِ المدخولِ بها محرَّمةٌ بمجرَّدِ الدُّخولِ بأُمِّهَا كانتْ في بيتِ الزَّوجِ وتحتَ رِعايَتِهِ أو كانتْ في موضعٍ بعيدٍ لا شأْنَ لهُ بهَا، لكنْ ذهبَ أميرُ المؤمنينَ عليٌّ رضي الله

стр. 228

عنه إلى إعمالِ هذا القيدِ بناءً على الأصلِ، وتابعَهُ على قولهِ الظَّاهريَّةُ. فعنْ مالكِ بن أوسٍ بنِ الحدثانِ قالَ: كانتْ عندي امرأةٌ فتُوُفِّيتْ، وقد ولدَتْ لي، فوجدْتُ عليها، فلقينِي عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقالَ: مالكَ؟ فقلتُ: تُوُفِّيتِ المرأةُ، فقالَ عليٌّ: لهَا ابنةٌ؟ قلتُ: نعمْ، وهيَ بالطَّائفِ، قالَ: كانتْ في حُجرِكَ؟ قلتُ: لاَ، هيَ بالطَّائفِ، قالَ: فانكِحهَا، قلتُ: فأينَ قولُ الله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قال: إنَّها لم تكُن في حُجرِكَ، إنَّما ذلك َإذا كانتْ في حُجرِكَ [أخرجه ابن أبي حاتمٍ كما في ((تفسير ابن كثير)) ١/٥١٣ بإسنادٍ صحيحٍ] . * متى يُحمل المطلق على المقيد؟ إذا وردَ القيدُ مُقترنًا باللَّفظِ فالقاعِدَةُ ـ كما تقدَّم ـ وُجوبُ إعمالِ القيدِ، ولكنْ إذا جاءَ القيدُ منفصلاً عن الإطلاقِ، بأنْ يجيءَ هذا في نصٍّ، وهذا في نصٍّ آخرَ، فلهُ أربعُ حالاتٍ: ١ـ إذا اتَّحد في الحُكمِ والسَّببِ، فيجبُ حملُ المُطلقِ على المقيَّدِ. مثالهُ: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] ، مع قولِهِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، فلفظُ (الدَّمِ) في الآيةِ الأولى مُطلقٌ، وفي الآية الثَّانية مقيَّدٌ بالمسفوحِ، الحُكمُ: حُرمَةُ الدَّمِ، والسَّببُ: بيانُ حُكمِ المطاعِمِ المحرَّمةِ

стр. 229

في الآيتينِ والدَّمُ فيهما واحدٌ. ٢ـ إذا اختلفَا في الحُكمِ والسَّببِ، فلا يُحملُ المُطلقُ على المقيَّدِ.. مثالُهُ: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] مع قولهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] ، فلفظُ (الأيدي) مُطلقٌ في الآيةِ الأولى، ومقيَّدٌ في الآية الثانية، لكنَّ حُكمَ الأولى وجوبُ قطعِ الأيدي، وسببهَا السَّرقةُ، وحُكمَ الثَّانيَةِ وجوبُ غسلِ الأيدي، وسبَبَهَا القيامُ إلى الصَّلاةِ. فعلاقَةُ التَّأثيرِ منعدِمَةٌ بينَ الحُكمينِ، فلا يصحُّ حملُ المُطلقِ علىالمقيَّدِ. ولِذا رُوِي في السُّنَّةِ تقييدُ القَطعِ بالكفِّ إلى الرُّسغِ، وهذا وإن كانَ النَّقلُ بخُصوصِهِ لا يثبتُ بهِ إسنادٌ، لكنَّهُ لم يُنقلُ غيرُهُ والرِّوايةُ فيه ليستْ بساقِطَةٍ، وهو المرويُّ فِعلُهُ عنِ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، وقدِ اعتضَدَ بأصلٍ شرعيٍّ، ذلكَ أنَّ لرفلظ (اليد) يُرادُ به الكفُّ، كما يُرادُ به إلى المِرفقِ، كما يُرادُ به إلى المنكِبِ، والحدُّ يسقُطُ بالشُّبهَةِ، كما لا يُتجاوزُ بهِ قدْرُ اليقينِ، واليقينُ ههُنا بقطْعِ أدنى ما يُسمَّى يدًا، وبهِ يتحقَّقُ المقصودُ. ٣ـ إذا اختلفَا في الحُكمِ واتَّحدَا في السَّببِ، فلا يُحملُ المُطلقُ على

стр. 230

المقيَّدِ. مثالُهُ قولهُ تعالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] ، مع قولِهِ قبل ذلكَ في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فلفظُ (الأيدي) ، في الموضعِ الأوَّل مُطلقٌ، وفي الثَّاني مقيَّدٌ (إلى المرافقِ) ، السَّببُ مُتَّحدٌ في النَّصَّينِ، فكلاهُمَا في القيامِ إلى الصَّلاةِ لكنَّ الحُكم مختلفٌ ففي الأوَّل وجوبُ التَّيمُّمِ للصَّلاةِ عندَ فقدِ الماءِ، وفي الثَّاني وجوبُ الوُضوءِ. فلا يصحُّ في هذه الحالةِ أن يُقالَ: تُمسحُ الأيدِي في التَّيمُّمِ إلى المرافقِ، حملاً للمُطلقِ في نصِّ التَّيمُّمِ على المقيَّدِ في نصِّ الوُضوءِ. ولذَا جاءَت السُّنَّةُ بعَدمِ اعتبارِهَا هذا القيد ِفي التَّيمُّمِ خلافًا للحنفيَّةِ والشَّافعيَّة ومن وافقهُم، وذلكَ قوله ﷺ لعمَّارِ بن ياسرٍ: ((إنَّما كان يكفيكَ أن تضربَ بيدَيكَ الأرضَ، ثمَّ تَنفُخَ، ثمَّ تمسَحَ بهمَا وجهَكَ وكفَّيكَ)) [متفقٌ عليه] ، وهو قولُ عليِّ بن أبي طالبٍ، وجماعةٍ من التَّابعينَ ومذهبُ أحمدَ بنِ حنبلٍ وكثيرٍ من أهلِ الحديثِ، وما رُويَ من الأحاديثِ في أنَّ التَّيمُمَ إلى المِرفقينِ فلا يثبُتُ منهُ شيءٌ من قِبِلِ الرِّوايةِ. ٤ـ إذا اتَّحدَ في الحُكمِ واختلفَا في السَّببِ، فلا يُحملُ المُطلقُ على

стр. 231

المقيَّدِ. مثالُه قوله تعالى في كفَّارةِ الظِّهارِ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ، مع قولهِ في كفَّارةِ قتلِ الخطإ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، فلفظُ (رقبَة) في الآية الأولى مُطلقٌ، وفي الثَّانية مقيَّدٌ بالإيمانِ، الحُكمُ واحدٌ هو الكفَّارةُ، والسَّببُ مُختلفٌ، فالأولى الظِّهارُ، والثَّانيةُ القتلُ. فلا يصحُّ في هذا الحالةِ حملُ المُطلقِ على المقيَّدِ عندَ الحنفيَّةِ ومن وافقهُم خلافًا للشَّافعيَّةِ، يؤيِّدُ ذلك في المثالِ المذكورِ أنَّ الكفَّارةَ عقوبةٌ شُرعتْ لعلَّةٍ، ولكلِّ حُكمٍ علَّتُهُ المُناسبَةُ لهُ، قدْ تظهرُ وقدْ تخفَى، ولعلَّ المقامَ هُنا أنْ شُدِّدَ في كفَّارةِ القتلِ لشدَّةِ أمرِهِ بخلافِ الظِّهارِ، والقيدُ في هذا الحُكمِ تشديدٌ كما لا يخفى، واللهُ تعالى رحيمٌ بعبادِهِ، فحيثُ لم يُشدِّد فلا يُقالُ: أرادَ هُنا التَّشديدَ لكونِه شدَّدَ في حُكمٍ آخرَ ماثلَ هذا الحُكمَ في مُسمَّاهُ، فتلكَ زيادَةٌ في الشَّرعِ ومشقَّةٌ على الأمَّةِ. * مسألة أصولية للحنفيَّة: إذا جاءَ النَّصُّ مُطلقًا وأمكَن العملُ به على إطلاقِه لوُضوحِهِ في نفسِهِ وتمامِ بيانِهِ وعدمِ احتمالِهِ الزِّيادَةَ، لأنَّهُ لو اقتضاهَا لوجبَ أنْ تُذكرَ معهُ استيفاءً للبيانِ، فإذَا جاءتِ الزِّيادَةُ حينئذٍ فلا يكونُ لها

стр. 232

حكمُ القيدِ، لأنَّهَا حينئذٍ بمنزلةِ النَّسخِ وإنَّما لها اعتبارٌ شرعيٌّ آخرَ وإليكَ مثاليْنِ لتوضيحِ ذلكَ: ١ـ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، فالمأمورُ بهِ على الإطلاقِ هو الغَسْلُ، فلا يجوزُ أن يُزادَ عليه شرطُ النِّيَّةِ والتَّرتيبِ والمُوالاَةِ والتَّسميَّةِ، إذْ لو كانتْ من شرْطِ الوُضوءِ لتضمَّنهَا نصُّ الكتابِ، فحيثُ لم يرِدْ ذلكَ كانتْ من قبيلِ السُّننِ في الوُضوءِ. ٢ـ قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، فالنَّصُّ بيِّنٌ في عُقُوبةِ الزَّاني أنَّها الجلدُ، وقدْ علمنَا في نصوصِ قطعيَّةِ الثُّبوتِ أنَّ هذا حُكمُ الزَّاني غيرِ المُحصنِ، لكنْ ما جاءتْ بهِ السُّنَّةُ من التَّغريبِ سنةً مع الجلدِ، فهذهِ زيادَةٌ على نصِّ الكتابِ البيِّنِ، ولو كانتْ لازمَةً لوجبتْ بنفسِ النَّصِّ مع الجلدِ، أو لبيَّنها النَّبيُّ ﷺ عندَ نُزُولِ الآيةِ، فحيثُ لم يكُن ذلكَ فقدْ دلَّ على أنَّ هذا من قبيلِ التَّعزيرِ يفعَلُه الإمامُ سياسَةً. * * *

стр. 233

الأمر * تعريفه: هو اللَّفظُ المُستعملُ لطلبِ الفِعلِ على وجهِ الاستِعلاءِ. فهوَ من قسمِ (الخاصِّ) من جهةِ أنَّهُ أريدَ بهِ شيءٌ خاصٌّ هو (طلبُ الفعلِ) . * صيغته: الألفاظُ المُستعملَةُ في (الأمرِ) تعودُ إلى أربعةٍ مخصوصةٍ، هيَ: ١ـ لفظُ (افعلْ) ، كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ، وقولِه ﷺ للمسيءِ صلاتَهُ: ((إذا قمتَ إلى الصَّلاةِ فكبِّرْ، ثمَّ اقْرأْ ما تيسَّر معكَ من القُرآنِ، ثمَّ اركَعْ حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفعْ حتَّى تعتدِلَ قائمًا، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفعْ حتَّى تطمئنَّ جالسًا، وافعَلْ ذلكَ في صلاتِكَ كُلِّهَا)) [متفقٌ عليه من حديثِ أبي هُريرةَ] . ٢ـ الفعلُ المُضارعُ المقترِنُ بلامِ الأمرِ، كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] ، وقولهِ ﷺ : ((الرَّجلُ على دينِ خليلِهِ فلينظُرْ أحدُكمْ من يُخاللْ)) [حديثٌ حسنٌ أخرجهُ التِّرمذِيُّ من حديثِ أبي هريرةَ] .

стр. 234

٣ـ اسمُ فعلِِ الأمرِ، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، وقولِهِ ﷺ : ((مَهْ ياعائشةُ، فإنَّ الله لا يحبُّ الفُحشَ والتَّفحُّشَ)) [رواه مسلمٌ] ، قالَ ذلك حينَ أتاهُ ناسٌ من اليهودِ فقالوُ: السَّامُ عليكُمْ، فسبَّتْهُم عائشةُ، فأمرَها بالكفِّ عن ذلكَ، وقولهِ ﷺ : ((إيَّاكُم والظُّلمَ؛ فإنَّ الظُّلمَ ظُلماتٌ يوم القيامَةِ، وإيَّاكمْ والفُحشَ؛ فإنَّ الله لا يُحبُّ الفُحشَ ولا التَّفحُّشَ، وإيَّاكُم والشُّحَّ؛ فإنَّهُ أهلكَ من كانَ قبلكُمْ أمرَهُم بالقطيعةِ فقطَعُوا، والبُخلِ فبَخِلُوا، وبالفُجُورِ ففجرُوا)) [حديثٌ صحيحٌ، أخرجه أحمدُ وغيرُهُ بسندٍصحيحٍ] . ٤ـ المصدرُ النَّائبُ عن فعلِ الأمرِ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤] ، وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قال رسول الله ﷺ : ((لنْ يُنجي أحدًا منكُم عملُهُ)) قالُوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قالَ: ((ولا أنا، إلاَّ أن يتغمَّدني الله برحمةٍ، سدِّدُوا وقاربُوا، واغْدُوا وروحُوا، وشيءٌ من الدُّلجَةِ، والقصدَ تبلُغُوا)) [متفقٌ عليه، واللَّفظُ للبُخاريُّ] . وتقدَّم في الكلامِ في (الأحكامِ) ذكرُ صيغِ غيرِ صريحةٍ في الأمرِ دالةٍ عليهِ في مبحثِ (الواجبِ) ، والَّذي يعنينَا هُنا هو صيغةُ الأمرِ اللَّفظيَّةُ الإنشائيَّةُ، وهيَ منحصرةٌ في الصِّيغِ الأربعةِ المذكورَةِ.

стр. 235

* دلالته: تدلُّ صيغةُ الأمرِ في خطابِ الله تعالى ورسولهِ ﷺ مجرَّةً من القرائنِ على حقيقةٍ واحدةٍ هي الُوجوبُ. هذا مذهبُ عامَّةِ أئمَّةِ الفقهِ والعلمِ ممَّن يُقتدى بهم كالأئمَّةِ الأربعةِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيّ وأحمدَ. وخالفَ الفردُ والأفرادُ من المتأخِّرينَ في ذلكَ فذكرُوا أنَّها لغيرِ الوُجوبِ، قال بعضُهمْ: للنَّدبِ، وقال بعضُهم: للإباحةِ، وقال بعضُهُم غير ذلكَ. والقولُ لا عبرََ به إن لم يُصحِّحهُ الدَّليلُ، ولقدْ تواترَتِ الأدلَّةُ وظهرَتْ وجوهُ دلالاتِهَا على المذهبِ الأوَّلِ، وهو الوُجوبُ، فمنها: ١ـ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] . قال أبُوعبد الله القُرطبيُّ: ((وهذا أدُّ دليلٍ على ما ذهبَ إليه الجمهُورُ..من أنَّ صيغَةَ (افعلْ) للُوجوبِ في أصلِ وضعِهَا، لأنَّ الله ﵎ نفى خِيرَةَ المكلَّفِ عند سماعِ أمرِهِ وأمرِ رسوله ﷺ ، ثمَّ أطلقَ على من بقيتْ له خِيرَةٌ عندَ صُدورِ الأمرِ اسمَ المعصيَّةِ، ثمَّ علَّق على المعصيةِ بذلكَ الضَّلالِ، فلزِمَ حملُ الأمرِ على الوُجوبِ))

стр. 236

[الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٨٨] . ٢ـ قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] . وجهُ الدَّلالةِ من الآيةِ: أنَّ الله تعالى حذَّر من مُخالفَةِ أمرِ رسولهِ ﷺ بأن تُصيبَ المُخالفِ فتنَةٌ أو عذابٌ أليمٌ، وهذا لا يمكِنُ فيما للإنسانِ فيه اختيارٌ، فدلَّت على أنَّ الأمرَ للوُجوبِ في أصلِ وُرودِهِ حتَّى يرِد التَّخيير فيه من الآمرِ. ٣ـ إطلاقُ مُسمَّى (المعصية) على تركِ (الأمرِ) في نصُوصِ الوحي، فمن أدلة ذلك: [١] قوله تعالى عن الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] . [٢] قوله تعالى عن موسى في قصَّتهِ مع الخِضرِ: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] . [٣] قوله تعالى عن موسى: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٢ـ ٩٣] ، وإنَّما قال لهُ موسى حينَ استَخْلفَهُ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢] . والمعصيَّةُ موجبةٌ للعُقوبَةِ، كما قال تعالى في معصيَتِهِ ومعصيَةِ

стр. 237

رسولِ الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] . ٤ـ قوله تعالى عن إبليسَ حينَ أبى أن يسجدَ لآدمَ: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] ، وإنَّما كان أمرُهُ تعالى بالسُّجودِ بقولهِ: ﴿اسْجُدُوا﴾ [البقرة:٣٤] مفيدَةً بنفسها وجوب الامتثالِ لم يكُن هناكَ وجهٌ للإنكارِ على إبليسَ في تركِه السُّجودَ، فإن قيلَ: إنَّما حمل إبليسَ على تركهَا الكِبرُ، فجوابُهُ: أنَّ هذا لا علاقةَ لهُ بالصِّيغةِ، وإنَّما أبدَى عنه إبليسُ بعد إنكارِ الله تعالى عليه عدَمَ السُّجودِ، وقدِ استحقَّ بالكبرِ المقترنِ بتركِ الأمرِ أن يُحرمَ الجنَّة ويُخلَّدُ في النَّارِ، وهذا لا يكونُ على مجرَّدِ تركِ امتثالِ الأمرِ مع اعتقادِ المعصيَّةِ بذلكَ التَّركِ، فاشتركَ كُلُّ تاركٍ لامتثالِ الأمرِ من الله تعالَى أو نبيّهِ ﷺ مع إبليسَ في كونِهِ عصَى بتركِ امتثالِ الأمرِ، وقدْ يشتركُ مع إبليسَ في العاقبَةِ إذا اقترَنَ الإباءُ بالكِبرِ، وإنَّما يكونُ أمرُهُ تحتَ المشيئَةِ الرَّبانيَّةِ إذا اعتقدَ أنَّهُ عاصٍ إلاَّ أن يتوبَ. وهذا لمن تأمَّلهُ بُرهانٌ ظاهرٌ على أنَّ صيغَةَ الأمرِ ممَّنْ لهُ سُلطانُ الأمرِ الأوَّلِ وهو الشَّارعُ واجبَةُ الامتثالِ، إلاَّ أن يأذنَ في التَّركِ أو

стр. 238

يُخيَّر. ٥ـ قوله ﷺ : ((لولاَ أنْ أشُقَّ على أمَّتي لأمرتُهُم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ)) [متفقٌ عليه من حديث أبي هريرةَ] . فتركَ بالأمرَ بهِ خشيةَ المشقَّةِ، ممَّا دلَّ على أنَّ الأمرَ للوُجوبِ، لأنَّهُ لو صحَّ أن يكونَ في مرتبةٍ دونَ الوُجوبِ كالنَّدبِ، فإنَّ المندوبَ جعلَ الشَّرعَ فيه للمكلَّفِ خيرَةً في أن يفعلَ أو يدَعَ، فلا يكُونُ سببًا للمشقَّةِ من قِبلِ الشَّارعِ. ٦ـ ومن هذا يُقالُ: (طاعةُ الأميرِ) و (معصيَةُ الأميرِ) ، والأميرُ إنَّما سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهُ يقولُ للنَّاسِ: (افعلُوا واعملُوا واسمَعُوا) ونحوَ ذلكَ، وعلى النَّاسِ السَّمعُ والطَّاعةُ، لا يقولونَ لهُ: أمرُكَ على النَّدبِ أو الإباحَةِ ونحنُ في خيرَةٍ من فِعلِهِ وتركِهِ حتَّى يقترِنَ بِأمرِكَ الوعيدُ والتَّهديدُ، فمن يجرُؤُ على أن يقولَ ذلك لحاكِمٍ أو سُلطانٍ؟ ومن يجرُؤُ على التَّردُّدِ فيه؟ فعجبًا أن يُدركَ هذا المعنى في حقِّ الخلقِ ولا يُدركُ في أمرِ ربِّ الخلقِ ﵎ الَّذي بيدِهِ سُلطانُ الأمرِ والنَّهيِ كُلِّهِ! * قاعدة الأمر: الأمرُ للوُجوبِ حتَّى يُصرفَ عنهُ بقرينةٍ. معنى القاعِدَةِ اتَّضحَ مِمَّا تقدَّم من بيانِ (دلالةِ الأمرِ) . مثالُ القاعِدَة:

стр. 239

١ـ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ، فإنَّ الأمرَ على أصلِ دلالتِه للوُجوبِ، فلذلكَ سقط به وجوبُ قراءةِ الفاتحةِ وراءَ الإمامِ عندَ جُمهورِ العلماءِ. ٢ـ قوله ﷺ : ((إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ فليرْكعْ ركعتينِ)) [متفقٌ عليه من حديث ابي قتادَةَ] ، فهذا أمرٌ مصروفٌ عن الوُجوبِ إلى النَّدبِ في قولِ جمهُورِ العلماءِ، والقرينةُ الصَّارفةُ له عن الوُجوبِ هي ما تواترَتْ به النُّصوصُ من كونِ الصَّلواتِ المفروضاتِ خمسًا في اليومِ واللَّيلةِ، وما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ من عدِّ جميعِ ما يزيدُه المسلمُ عليها تطوُّعًا. واعلمْ أنَّ القرينةَ ممَّا يختلفُ في تقديرهِ العلماءُ وجرَى منهاجُهم على اعتبارِ القرينةِ صارِفةً لدلالةِ اللَّفظ عمَّا استُعملتْ فيه في الأصلِ إلى المعنى الَّذي دلَّت عليهِ، وهي قدْ تكونُ صريحةً بيِّنَةً كما في المثالِ المذكورِ، وقد تكونُ خفيَّةً لا تبدوا إلاَّ بالبحثِ والتَّامُّلِ، كما أنَّها قدْ تُستفادُ من نفسِ النَّصِّ، أو من دليلٍ خارجيٍّ، ولا يلزمُ أن تكونَ نصًّا من الكتابِ والسُّنَّةِ، إنَّما يجوزُ أن تكونَ كذلكَ، ويجوزُ أن تستنِدَ إلى قواعدِ الشَّرعِ ومقاصِدِه، ويجري فيها ما يجري على الدَّليلِ القائمِ بنفسهِ من جهةِ الثُّبوتِ والدَّلالةِ، وهذا معنى يغفُلُ عنهُ كثيرونَ فلا يُدركُونَ من المقصودِ بالقرينةِ إلاَّ بالقرينةِ اللَّفظيَّةَ الصَّريحةَ.

стр. 240

* مسائل ١ـ الأمرُ إذا ورَدَ بعدَ النَّهيِ رجعَ بالمأمُورِ به إلى حالِه قبلَ النَّهيِ، فإن كانَ للوُجوبِ عادَ إلى الوُجوبِ، وإنْ كانَ للنَّدبِ عادَ إلى النَّدبِ، وإن كان للإباحَةِ عادَ إلى الإباحةِ. من أمثلةِ ذلك: [١] قولهُ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، فإتيانُهُنَّ بعد التَّطهُّر مباحٌ ليسَ بواجبٍ، فعادَ الحُكم بالأمرِ إلى الحالِ قبلَ النَّهيِ. [٢] حديثُ عائشةَ ﵂ قالتْ: جاءتْ فاطِمةُ بنتُ أبي حُبيشٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالتْ: يا رسول الله، إنِّي امرأةٌ أُستحاضُ فلا أطهُرُ، أفأدعُ الصَّلاةَ؟ فقالَ رسول الله ﷺ : ((لا، إنَّما ذلكَ عِرقٌ وليسَ بحيضٍ، فإذا أقبلَتْ حيضتُكِ فدَعِي الصَّلاةَ، وإذا أدبرَتْ فاغسلي عنكِ الدَّمَ ثُمَّ صلِّي)) [متفقٌ عليه] ، فالأمرُ بالصَّلاةِ بعد َالنَّهيِ عنها لأجلِ الحيضِ عادَ بحُكمِهَا إلى ما قبل الحيضِ، وهو الوُجوبُ. هذهِ القاعِدَةُ على واحدٍ من ثلاثةِ مذاهبَ للعُلماءِ، والمذهبُ الثَّاني: أنَّ الصِّيغةَ للوُجوبِ على أصلهَا، ولا تُصرفُ عنهُ إلاَّ بقرينةٍ، والثَّالثُ: أنَّ هذه الصُّورَةَ تجعلُ المأمُورَ بهِ مُباحًا، والَّذي دلَّ عليهِ

стр. 241

الإستقراءِ للأدلَّةِ الواردَةِ في الكتابِ والسُّنَّةِ هو المذهبُ الأوَّلُ وهو قولُ بعضِ الشَّافعيَّةِ والحنابلَةِ. ٢ـ صيغةُ الأمرِ لا تدلُّ بنفسهَا على وجوبِ إيقاعِ المأمورِ به أكثرَ من مرَّةٍ إلاَّ بدليلٍ. من أمثلتِهِ [١] حديثُ أبي هريرةَ ﵁ قالً: خطبنَا رسول الله ﷺ فقالَ: ((أيُّها النَّاسُ، قد فرضَ الله عليكُم الحجَّ فحُجُّوا)) فقال رجلٌ: أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسَكَتَ، حتَّى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ : ((لو قلتُ: نعمْ لوجبَتْ ولما استَطعتُم)) ثم قالَ: ((ذرُوني ما تركتُكُم، فإنَّما هلكَ من كان قبلكُم بكثرةِ سُؤالِهِم واختلافِهم على أنبيائهمْ، فإذا أمرتُكمْ بشيءٍ فأتُوا منهُ ما استطعتُم، وإذا نهيتُكمْ عن شيءٍ فدَعُوهُ)) [أخرجه مسلمٌ] . فهذا بيَّنٌ في أنَّ صيغَةَ الوُجُوبِ لا تدلُّ بنفسهَا على إرادَةِ إيقاعِ الفعلِ أكثرَ من مرَّةٍ، وإنَّما يحتاجُ إلى دليلٍ زائدٍ يفيدُ التَّكرارَ، فحيثُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يقُلْ هُنا (في كلِّ عامٍ) فإنَّ الأصلَ أن تقعَ مرَّةً، فيتحقَّقُ المقصودُ، ولذَا كرِهَ سؤالَ السائلِ لأنَّهُ من قبيلِ البحثِ عن المسكوتِ عنهُ ممَّا قد يقعُ بالسُّؤالِ عنهُ تكليفٌ شاقٌّ يكونُ سببُهُ سُؤالَ ذلكَ السَّائلِ.

стр. 242

[٢] قولهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، فأمرَ بالوُضوءِ كلَّما قامَ العبدُ إلى صلاتِهِ، والأصلُ وجوبُ إيقاعِ الفعلِ على التكرارِ بتكرُّرِ الصَّلاةِ، إلاَّ أنَّ الأمرَ عُلِّقَ بالحدثِ تخفيفًا على الأمَّةِ، وبغيرِ الحدَثِ على سبيلِ النَّدبِ، كمَا بيَّنتْ ذلك السُّنَّةُ. [٣] وفرضٌ خمسِ صلواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ بما تواترَتْ بهِ النُّصوصُ دليلٌ على أنَّ قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ، يقتضي تكرارَ إيقاعِ المأمورِ بهِ، ومثلهُ تعليقُ فرضِ الزَّكاةِ ببلُوغِ النِّصابِ وحولِ الحولِ دليلٌ على تكرارِ المأمورِ به في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] . ولولاَ مجيءُ الدَّليل المفيدِ للتَّكرارِ كان تحقُّقُ المطلوبِ يقعُ بمرَّةٍ. وهذه القاعدَةُ مذهبُ جُمهورِ الفُقهاءِ. ٣ـ الأمرُ بشيئينِ أو أكثرَ على سبيلِ التَّخييرِ بينها، فالواجبُ امتثالُ أحدِها من غيرِ تعيينٍ. مثالهُ قوله تعالى في كفَّارةِ اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، فأمرَ بالكفَّارةِ وجوبًا، وخيِّر في فعلهَا بين الإطعامِ أو الكِسوةِ أو العِتقِ درجَةً واحدَةً.

стр. 243

ومثلُهُ في المُحرمِ يحلقُ رأسهُ لعلَّةٍ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] . ٤ـ الأمر في سُرعةِ الامتثالِ مُعلَّقٌ بمقتضى البيانِ، فإنْكان موقَّتًا وقتٍ لزِم امتثاله في الوقتِ المُحدَّدِ، وإن عُلِّق بشرطٍ لزِمَ امثتالُهُ عند وجودِ الشَّرطِ. هذه من مسائلِ الخلافِ المشهورةِ بين الأصوليينَ، فمنهُم من أطلقَ (صيغةُ الأمرِ تقتضي الفوريَّةَ في الامتثالِ) ، ومنهُم من أطلقَ: (تقتضي التَّراخي) ، ومنهُم من توقَّفَ، ومنهُم من فصَّل، وإذا انتقلتْ لتدبُّرِ ذلك في الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ لا تجدُ أنّ الله تعالى حينَ قال مثلاً: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] ، أوجبَ بمجرَّدِ هذا النَّصِّ امتثال المأمورِ عن غير بيانٍ لأحكامِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، نَعمْ لا ريبَ في وجوبِ الامتثالِ، لكنَّهُ متوقِّفٌ على البيانِ، فكانَ الأمرُ بالصَّلاةِ موقَّتًا بأوقاتِ محدودَةٍ، لا تؤدَّى صلاةٌ قبلَ وقتِهَا، كمَا لا يحلُّ أن تخرجَ من وقتِهَا، وامتثالُ الأمرِ بتلكَ الصَّلاةِ موسَّعٌ باتِّساعِ وقتِهَا، وفرضُ الحجِّ عُلِّق بوصفٍ في وقتٍ، فهوَ ليسَ بلازم حتَّى يوجَدَ ذلكَ الوصفُ في الوقتِ، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وذلكَ في أيَّامِ الحجِّ الموقَّتة، وقضاءُ من فاتَهُ شيءٌ من رمضانَ بُعُذرٍ واجبٌ بعدَ رمضانَ موسَّعًا

стр. 244

يفعلُه متى شاءَ في ذلكَ الوقتِ الموسَّعِ من العامِ، كمَا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] . فإذَا عُلمَ هذا لم يكُن بعدهُ لإطلاقِ العبارَاتِ معنَى، وعليهِ فالتَّفصيلُ أصحُّ شيءٍ في هذه المسألةِ. ٥ـ إذا فاتَ امتثالُ المأمورِ في وقتهِ المحدَّدِ فقدْ سقطَ فِعلُهُ بالأمرِ الأوَّلِ، ولا يجبُ القضاءُ إلاَّ بأمرٍ جديدٍ. على هذا جمهورُ الأُصوليِّينَ، وقد تقدَّم له بيانٌ وتمثيلٌ في مسألةِ (القضاء) في تفصيل الكلامِ على (أقسام الحُكمِ الوضعِيِّ) . * * *

стр. 245

النَّهي "تعريفه: لغةً: المنعُ. واصطلاحًا: اللَّفظُ المُستعملُ لطلبِ التَّركِ على وجهِ الاستِعلاءِ. فهوَ من قسمِ (الخاصِّ) من جهةِ أنَّه أُريدَ بهِ شيءٌ خاصٌّ هو (طلبُ التَّركِ) . * صيغته: ولهُ صيغةٌ واحدةٌ صريحةٌ، هي: الفِعلُ المضارعُ المجزومُ بـ (لام) النَّاهية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] . وتقدَّم في الكلام في (الأحكامِ) ذكرُ صِيغٍ غير صريحةٍ في النَّهي دالَّةٍ عليه في مبحثِ (الحرام) ، والَّذي يعنِينا هُنا صيغةُ النَّهي اللَّفظيَّةُ الإنشائيَّةُ، وهي هذه الصِّيغةُ فقطْ. * دلالته: تدلُّ صيغةُ (النَّهي) الوارِدةُ في خطابِ الشَّارعِ للمكلَّفينَ على حقيقةٍ واحدةٍ هي التَّحريمُ، ولا يصارُ إلى سواهَا إلاَّ بقرينةٍ. هذا مذهبُ عامَّةِ العلماءِ المُقتدى بهم في الدِّينِ أصحابِ النَّبي ﷺ -

стр. 246

ومن بعدَهُم، وفيهم الأئمَّةُ الأربعةُ الفُقهاءُ. قاعدته: النَّهيُ للتَّحريمِ حتَّى يُصرفَ عنهُ بقرينةٍ. دليلُ القاعدَةِ: ١ـ قولهُ تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ الله تعالى أمرَ بالانتِهاءِ عمَّا نهى عنهُ رسولُه ﷺ ، وتقدَّم أنَّ الأمرَ للوُجوبِ حقيقةً واحدَةً، فدلَّ أن ترك المنهيِّ عنهُ على سبيلِ الحتْمِ والإلزامِ بالتَّركِ. ٢ـ جرى أُسلوبُ الشَّرعِ على حِكايةِ المحرَّماتِ بصيغةِ النَّهيِ حتَّى اطَّرد ذلك اطِّرادًا بيِّنًا، والنُّصوص فيه فوق الحصرِ، من ذلكَ قوله تعالى: الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١ـ ١٥٣] . ٣ـ حديثُ أبي هريرةَ ﵁: عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: ((دَعوني ما تركتُكُم، إنَّما أهلَكَ من كانَ قبلكُم سُؤالُهُم واختلافُهُم على أنبيائِهِم، فإذا نهيتُكُمْ عن شيءٍ فاجتنبُوهُ، وإذا أمرتُكمْ بأمرٍ فأْتُوا منهُ

стр. 247

ما استَطَعْتُم)) [متفقٌ عليه] . وجهُ الدلالةِ: أنَّ تركَ المنهيِّ عنه لم يُعلَّق باستِطاعةٍ كما عُلِّق بها فعلُ المأمورِ، لأنَّ الشَّأن في التَّركِ والاجتنابِ أيسرُ في التَّكليفِ من تكلُّفِ الفعلِ، والأمرُ للوجوبِ، والأمرُ بالتَّركِ بصيغةِ الاجتنابِ أبلغُ من مجرَّدِ النَّهي عنهُ، ممَّا دلَّ على تغليظِ شأنِ المنهيِّ عنه، وهذا لا يكونُ في المكروهِ الَّذي غايتُهُ أنَّ فعلهُ تركٌ للأولى، لا فعلاً للحرامِ. ٤ـ فاعلُ المنهيِّ عنه لا يختلفُ أهلُ اللِّسانِ أنَّه عاصٍ بمجرَّدِ فعلهِ ذلك، فإنَّ الأميرَ لوقال لرعيَّته: (لا تفعلوا كذا) فواقعهُ أحدٌ منهم وُصفَ بالمخالفةِ واستحقَّ العقوبةَ، وإذا تصوِّر هذا في حقِّ نهي المخلوقِ، فهو أبينُ في حقِّ نواهي الله عزَّوجلَّ في كتابهِ وعلى لسانِ نبيِّه ﷺ . مثالٌ لصرفِ النَّهي عن حقيقته الَّتي هي التَّحريمُ بقرينةٍ: عنِ البراء بن عازبٍ ﵁ قالَ: سُئلَ رسولُ الله ﷺ عن الصَّلاةِ في مباركِ الإبلِ؟ فقالَ: ((لا تُصلُّوا في مباركِ الإبلِ، فإنَّها من الشَّياطينِ)) ، وسئلَ عن الصَّلاةِ في مرابِضِ الغَنَمِ؟ فقالَ: ((صلُّوا فيها فإنَّها بركةٌ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداودَ وغيرُهُ] . فهذا النَّهيُ ليسَ على سبيلِ التَّحريمِ، والقرينَةُ الصَّارفةُ له عن ذلك من وجهينِ:

стр. 248

[١] الأمرُ بالصّلاةِ في مباركِ الغنمِ على سبيلِ النَّدبِ من جهةِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ حثَّ عليها للبركَةَ فيها، وطلبُ البركةِ مندوبٌ إليه ليسَ بواجبٍ، ولذا لم يُعلمُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ اتَّخذ من مباركِ الغنمِ موضعًا لصلاتِهِ، فلمَّا خرج النَّهيُ عن الصَّلاةِ في مباركِ الإبلِ نفسَ مخرجِ الأمرِ دلَّ على أنَّ قدرهُ في الحكمِ على المُقابلةِ لقدرِ الصَّلاةِ في مباركِ الغنمِ، فلمَّا كانَ هناكَ النَّدبُ فيُقابلهُ الكراهةُ. [٢] قوله ﷺ : ((وجُعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا)) [متفقٌ عليه] ، فجعلَ جميعَ الأرضِ صالحةً للصَّلاةِ، وجاءَ الاستثناءًُ من هذا العمومِ في دليلٍ آخرَ وهو قولهُ ﷺ : ((الأرضُ كلُّهَا مسجدٌ إلاَّ الحمَّامَ والمقبرةَ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمد وأبوداود وغيرهما من حديثِ أبي سعيدٍ الخدُريِّ] ، وليس في الاستثناءِ مباركُ الإبلِ، فدلَّ على أنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ فيها ليسَ على التَّحريمِ، إنَّما هو على الكراهَةِ. هل النَّهي يقتضي الفساد ؟ إذا جاءَ نصُّ الكتابِ أو السُّنَّةِ بالنَّهيِ عن فعلِ، ولمْ يوجدْ لذلكَ النَّهي ما يصرِفُهُ عن دلالتهِ على التَّحريمِ، فهلْ يدلُّ التَّحريمُ لذلك الفعلِ على فسادِهِ وبُطلانِهِ لو وقعَ على الصُّورةِ المنهيِّ عنها أم لا؟ هذه مسألة خطيرةٌ تندرجُ تحتهَا أحكامٌ كثيرةٌ، وقدِ اختلفَ أهلُ

стр. 249

العلمِ فيها على مذاهبِ كثيرةٍ، والمُحققُ الَّذي تنصرُه الأدلَّةُ مذهبُ من ذهبَ من العلماءِ إلى التَّفصيلِ، وذلكَ بأنَّ النَّهي عن الشَّيءِ واردٌ على ثلاثِ صُورٍ: ١ـ أن يقترنَ بقرينةٍ تدلُّ على بُطلانِ المنهيِّ عنهُ، أو صحَّةِ المنهيِّ عنه، فهذا قد فصلتْ فيهِ القرينةُ، فلا يندرجُ تحتَ القاعدَةِ المذكورةِ. أمثلتُهُ: [١] حديثُ عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄، قالَ: نهى رسول الله ﷺ عن ثمنِ الكلبِ وإن جاءَ يطلُبُ ثمنَ الكلبِ فاملأ كفَّهُ ترَابًا [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداود] . فأبطلَ العِوضَ عنهُ، وهذا إبطالٌ للبيعِ وإفسادٌ، فالنَّهيُ قدِ اقتضى الفسادَ بالنَّصِّ. [٢] حديثُ المغيرةَ بن شُعبةَ ﵁ قالَ: أكلتُ ثُومًا، ثمَّ أتيتُ مُصلَّى النَّبي ﷺ فوجدتُه قد سبقَنِي بركعةٍ، فلمَّا قمتُ أقضي وجَدَ ريحَ الثُّومِ، فقالَ: ((من أكلَ من هذه البقلةِ فلا يقربَنَّ مسجِدَنا حتَّى يذهبَ ريحُهَا)) قال المغيرةُ: فلمَّا قضيتُ الصَّلاةَ أيتهُ، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّ لي عُذرًا، فناوِلْنِي يدَكَ، فناولنِي فوجدْتُه والله سهلاً، فأدخلتُها في كُمِّي إلى صدرِي فوجَدَهُ معصوبًا، فقالَ: ((إنَّ لكَ عُذرًا)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداودَ وابنُ حبانَ وغيرهما] .

стр. 250

فنهى النَّبيُّ ﷺ عن الصَّلاةِ في المسجدِ من أكلَ الثُّومَ حينَ شَمَّ رائحتَهُ من بعضِ أصحابِهِ، ولم يُرتِّبْ على ذلكَ شيئًا من إعادَةِ صلاةٍ أو غيرهَا مع اقتضاءِ المقامِ للبيانِ، فدلَّ على الصحَّةِ. [٣] حديثُ أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قالَ: ((لا تُصرُّوا الإبلَ والغَنمَ، فمنِ ابتَاعَها بعدَ ذلكَ فهوَ بخيرِ النَّظرينِ بعدَ أن يَحلبُهَا: فإنْ رضيهَا أمسكَهَا، وإن سخِطهَا ردَّهَا وصاعًا من تمرٍ)) [متفقٌ عليه] . فمع النَِّهي عن التَّصريهِ فقد صحَّحَ البيع حيثُ جعلَ للمشتري الخِيارَ بسببِ المضرَّةِ الحاصلَةِ لهُ وهو الخِدَاعُ بالتَّصريةِ. ٢ـ أن يأتي النَّهيُ عن الشَّيءِ لا لشيءٍ يتعلَّقُ بهِ، بلْ لأمرٍ خارجٍ عنهُ، فهذا يقتضي الإثمَ بفعلِ المنهيِّ عنهُ، ولا يقتضي الفسادَ، بلْ يصحُّ الفعلُ وتترتَّبُ آثارُهُ عليهِ. من أمثلتهِ: [١] قولهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . فهذا نهيٌ عن البيعِ في لفظِهِ، لكنَّهُ نهيٌ عن تفويتِ الجُمُعةِ في معناهُ، والمقصودُ المعنى لا اللَّفظُ، ولذا كانَ كلُّ عملٍ مباحٍ يُسبِّبُ تفويتَ الجُمعةِ داخلاً في هذا النَّهيِ، وليسَ هذا النَّهيُ لشيءٍ يتعلَّقُ
следующие страницы →