← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22396

تيسير علم أصول الفقه

عبد الله الجديع

Полный текст (387 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ومن بعدَهُم، وفيهم الأئمَّةُ الأربعةُ الفُقهاءُ. قاعدته: النَّهيُ للتَّحريمِ حتَّى يُصرفَ عنهُ بقرينةٍ. دليلُ القاعدَةِ: ١ـ قولهُ تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ الله تعالى أمرَ بالانتِهاءِ عمَّا نهى عنهُ رسولُه ﷺ ، وتقدَّم أنَّ الأمرَ للوُجوبِ حقيقةً واحدَةً، فدلَّ أن ترك المنهيِّ عنهُ على سبيلِ الحتْمِ والإلزامِ بالتَّركِ. ٢ـ جرى أُسلوبُ الشَّرعِ على حِكايةِ المحرَّماتِ بصيغةِ النَّهيِ حتَّى اطَّرد ذلك اطِّرادًا بيِّنًا، والنُّصوص فيه فوق الحصرِ، من ذلكَ قوله تعالى: الآيات ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١ـ ١٥٣] . ٣ـ حديثُ أبي هريرةَ ﵁: عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: ((دَعوني ما تركتُكُم، إنَّما أهلَكَ من كانَ قبلكُم سُؤالُهُم واختلافُهُم على أنبيائِهِم، فإذا نهيتُكُمْ عن شيءٍ فاجتنبُوهُ، وإذا أمرتُكمْ بأمرٍ فأْتُوا منهُ

стр. 247

ما استَطَعْتُم)) [متفقٌ عليه] . وجهُ الدلالةِ: أنَّ تركَ المنهيِّ عنه لم يُعلَّق باستِطاعةٍ كما عُلِّق بها فعلُ المأمورِ، لأنَّ الشَّأن في التَّركِ والاجتنابِ أيسرُ في التَّكليفِ من تكلُّفِ الفعلِ، والأمرُ للوجوبِ، والأمرُ بالتَّركِ بصيغةِ الاجتنابِ أبلغُ من مجرَّدِ النَّهي عنهُ، ممَّا دلَّ على تغليظِ شأنِ المنهيِّ عنه، وهذا لا يكونُ في المكروهِ الَّذي غايتُهُ أنَّ فعلهُ تركٌ للأولى، لا فعلاً للحرامِ. ٤ـ فاعلُ المنهيِّ عنه لا يختلفُ أهلُ اللِّسانِ أنَّه عاصٍ بمجرَّدِ فعلهِ ذلك، فإنَّ الأميرَ لوقال لرعيَّته: (لا تفعلوا كذا) فواقعهُ أحدٌ منهم وُصفَ بالمخالفةِ واستحقَّ العقوبةَ، وإذا تصوِّر هذا في حقِّ نهي المخلوقِ، فهو أبينُ في حقِّ نواهي الله عزَّوجلَّ في كتابهِ وعلى لسانِ نبيِّه ﷺ . مثالٌ لصرفِ النَّهي عن حقيقته الَّتي هي التَّحريمُ بقرينةٍ: عنِ البراء بن عازبٍ ﵁ قالَ: سُئلَ رسولُ الله ﷺ عن الصَّلاةِ في مباركِ الإبلِ؟ فقالَ: ((لا تُصلُّوا في مباركِ الإبلِ، فإنَّها من الشَّياطينِ)) ، وسئلَ عن الصَّلاةِ في مرابِضِ الغَنَمِ؟ فقالَ: ((صلُّوا فيها فإنَّها بركةٌ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداودَ وغيرُهُ] . فهذا النَّهيُ ليسَ على سبيلِ التَّحريمِ، والقرينَةُ الصَّارفةُ له عن ذلك من وجهينِ:

стр. 248

[١] الأمرُ بالصّلاةِ في مباركِ الغنمِ على سبيلِ النَّدبِ من جهةِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ حثَّ عليها للبركَةَ فيها، وطلبُ البركةِ مندوبٌ إليه ليسَ بواجبٍ، ولذا لم يُعلمُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ اتَّخذ من مباركِ الغنمِ موضعًا لصلاتِهِ، فلمَّا خرج النَّهيُ عن الصَّلاةِ في مباركِ الإبلِ نفسَ مخرجِ الأمرِ دلَّ على أنَّ قدرهُ في الحكمِ على المُقابلةِ لقدرِ الصَّلاةِ في مباركِ الغنمِ، فلمَّا كانَ هناكَ النَّدبُ فيُقابلهُ الكراهةُ. [٢] قوله ﷺ : ((وجُعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا)) [متفقٌ عليه] ، فجعلَ جميعَ الأرضِ صالحةً للصَّلاةِ، وجاءَ الاستثناءًُ من هذا العمومِ في دليلٍ آخرَ وهو قولهُ ﷺ : ((الأرضُ كلُّهَا مسجدٌ إلاَّ الحمَّامَ والمقبرةَ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أحمد وأبوداود وغيرهما من حديثِ أبي سعيدٍ الخدُريِّ] ، وليس في الاستثناءِ مباركُ الإبلِ، فدلَّ على أنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ فيها ليسَ على التَّحريمِ، إنَّما هو على الكراهَةِ. هل النَّهي يقتضي الفساد ؟ إذا جاءَ نصُّ الكتابِ أو السُّنَّةِ بالنَّهيِ عن فعلِ، ولمْ يوجدْ لذلكَ النَّهي ما يصرِفُهُ عن دلالتهِ على التَّحريمِ، فهلْ يدلُّ التَّحريمُ لذلك الفعلِ على فسادِهِ وبُطلانِهِ لو وقعَ على الصُّورةِ المنهيِّ عنها أم لا؟ هذه مسألة خطيرةٌ تندرجُ تحتهَا أحكامٌ كثيرةٌ، وقدِ اختلفَ أهلُ

стр. 249

العلمِ فيها على مذاهبِ كثيرةٍ، والمُحققُ الَّذي تنصرُه الأدلَّةُ مذهبُ من ذهبَ من العلماءِ إلى التَّفصيلِ، وذلكَ بأنَّ النَّهي عن الشَّيءِ واردٌ على ثلاثِ صُورٍ: ١ـ أن يقترنَ بقرينةٍ تدلُّ على بُطلانِ المنهيِّ عنهُ، أو صحَّةِ المنهيِّ عنه، فهذا قد فصلتْ فيهِ القرينةُ، فلا يندرجُ تحتَ القاعدَةِ المذكورةِ. أمثلتُهُ: [١] حديثُ عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄، قالَ: نهى رسول الله ﷺ عن ثمنِ الكلبِ وإن جاءَ يطلُبُ ثمنَ الكلبِ فاملأ كفَّهُ ترَابًا [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداود] . فأبطلَ العِوضَ عنهُ، وهذا إبطالٌ للبيعِ وإفسادٌ، فالنَّهيُ قدِ اقتضى الفسادَ بالنَّصِّ. [٢] حديثُ المغيرةَ بن شُعبةَ ﵁ قالَ: أكلتُ ثُومًا، ثمَّ أتيتُ مُصلَّى النَّبي ﷺ فوجدتُه قد سبقَنِي بركعةٍ، فلمَّا قمتُ أقضي وجَدَ ريحَ الثُّومِ، فقالَ: ((من أكلَ من هذه البقلةِ فلا يقربَنَّ مسجِدَنا حتَّى يذهبَ ريحُهَا)) قال المغيرةُ: فلمَّا قضيتُ الصَّلاةَ أيتهُ، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّ لي عُذرًا، فناوِلْنِي يدَكَ، فناولنِي فوجدْتُه والله سهلاً، فأدخلتُها في كُمِّي إلى صدرِي فوجَدَهُ معصوبًا، فقالَ: ((إنَّ لكَ عُذرًا)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبوداودَ وابنُ حبانَ وغيرهما] .

стр. 250

فنهى النَّبيُّ ﷺ عن الصَّلاةِ في المسجدِ من أكلَ الثُّومَ حينَ شَمَّ رائحتَهُ من بعضِ أصحابِهِ، ولم يُرتِّبْ على ذلكَ شيئًا من إعادَةِ صلاةٍ أو غيرهَا مع اقتضاءِ المقامِ للبيانِ، فدلَّ على الصحَّةِ. [٣] حديثُ أبي هُريرةَ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قالَ: ((لا تُصرُّوا الإبلَ والغَنمَ، فمنِ ابتَاعَها بعدَ ذلكَ فهوَ بخيرِ النَّظرينِ بعدَ أن يَحلبُهَا: فإنْ رضيهَا أمسكَهَا، وإن سخِطهَا ردَّهَا وصاعًا من تمرٍ)) [متفقٌ عليه] . فمع النَِّهي عن التَّصريهِ فقد صحَّحَ البيع حيثُ جعلَ للمشتري الخِيارَ بسببِ المضرَّةِ الحاصلَةِ لهُ وهو الخِدَاعُ بالتَّصريةِ. ٢ـ أن يأتي النَّهيُ عن الشَّيءِ لا لشيءٍ يتعلَّقُ بهِ، بلْ لأمرٍ خارجٍ عنهُ، فهذا يقتضي الإثمَ بفعلِ المنهيِّ عنهُ، ولا يقتضي الفسادَ، بلْ يصحُّ الفعلُ وتترتَّبُ آثارُهُ عليهِ. من أمثلتهِ: [١] قولهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] . فهذا نهيٌ عن البيعِ في لفظِهِ، لكنَّهُ نهيٌ عن تفويتِ الجُمُعةِ في معناهُ، والمقصودُ المعنى لا اللَّفظُ، ولذا كانَ كلُّ عملٍ مباحٍ يُسبِّبُ تفويتَ الجُمعةِ داخلاً في هذا النَّهيِ، وليسَ هذا النَّهيُ لشيءٍ يتعلَّقُ

стр. 251

بنفسِ عقدِ البيعِ، فهو قدِ استوفَى ما يصحُّ بهِ، فكانَ البيعُ على أصلهِ في الصِّحةِ، وتفويتُ الجمُعَةِ معصيَةٌ يُستحقُّ بها الإثمُ لا غير. [٢] قولهُ ﷺ : ((لا صلاةَ بحضرَةِ طَعامٍ، ولا هوَ يُدافعه الأخبثانِ)) [أخرجه مسلمٌ من حديثِ عائشَةَ] . فهذا نفيٌ مُقتضاه النَّهيُ عن الصَّلاةِ عندَ حضورِ الطّعامِ وعندَ مُدافعةِ البولِ والغائطِ، والعلَّةُ فيه مُدرَكَةٌ لا تعودُ على الصَّلاةِ بإفسادٍ، وهي ما يقعُ للمصلِّي بذلكَ من التَّشويش في صلاتِهِ ممَّا يؤثِّرُ على خشُوعهِ فيها، لكنْ صحَّ الدَّليلُ على عدمِ اعتبارِ الخُشوعِ مِمَّا يشترطُ لصحَّةِ الصَّلاةِ، بلْ تصحُّ بدونِهِ فلا يُطالبُ بالقضاءِ. فالنَّهيُ هُنا لم يقتضِ الفسادَ للمنهيِّ عنهُ، لأنَّه لسببٍ خارجٍ عمَّا يصحُّ به ذلكَ المنهيُّ عنه. ٣ـ أن يأتيَ النَّهيُ مطلقًا لا قرينةً معه تدلُّ على فسادِ أو صحَّةِ المنهيِّ عنه، فالأصلُ الَّذي دلَّت عليه الشَّريعةُ فيه أنَّه يقتضي الفسادَ. ومن بُرهانِ ذلكَ: حديثُ عائشةَ ﵂ قالتْ: قال رسول الله ﷺ : ((من أحدثَ في أمرنَا هذا ما ليسَ منهُ فهو ردٌّ)) . هذا الحديثُ الصَّحيحُ قاعدَةٌ في إبطالِ كُلِّ عملٍ على غيرِ وفاقِ

стр. 252

الشَّرعِ، فالمنهيُّ عنه على غيرِ وفاقِ الشَّرعِ فهو باطلٌ، وكلُّ ما يترتَّبُ عليه من الآثارِ فهو فاسدٌ، سوَى ما تقدَّم في النَّوعينِ قبلهُ، حيثُ ظهر استِثناؤهُمَا بدليلِ الشَّرعِ نفسِهِ أو بأصلهِ وقاعِدَتِهِ. * قاعدة: الأمرُ بالشَّيءِ نهيٌ عن أضْدادِه ، والنَّهيُ عنهُ أمرٌ بأحدِ أضدادِهِ. مثالُهَا قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٦] ، أوَامرُ في اللَّفظِ، وهيَ نواهٍ عن تركِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وعن معصيةِ الرَّسولِ ﷺ من حيثُ المعنى. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] ، نهيٌ في اللَّفظِ، وهو أمرٌ بما يتمُّ به الاستِعفافُ من حيثُ المعنى، وما يتمُّ به الاستِعفافُ قد يكونُ النِّكاحَ، وقد يكونُ الصَّومَ، وقد يكونُ مجرَّدَ تركِ الزِّنَا. صيغة النفي: صيغةُ النفي صيغةٌ خبريَّةٌ، لكنَّها تجيءُ بمعنى النَّهي في صورتينِ: ١ـ أن تدخُلَ على لفظٍ شرعيٍّ من أسماءِ الجِنسِ النَّكراتِ، كلفظِ

стр. 253

(صلاةٍ، نذرٍ، شِغارٍ) كقوله ﷺ : ((لا صلاةَ بعد الصُّبحِ حتى ترتفِعَ الشَّمسُ، ولا صلاةَ بعد العصرِ حتَّى تغيبَ الشَّمسُ)) [متفقٌ عليه عن أبي سعيد الخُدريِّ] وقوله ﷺ : ((لا نذْرَ في معصيَةِ الله)) [أخرجه مسلمٌ وغيرهُ عن عِمرانَ بن حُصينٍ] ، وقوله ﷺ : ((لا شغارَ في الإسلامِ)) [أخرجه مسلمٌ عنِ ابن عُمرَ] . فهذه (لا) النَّافيةُ للجنسِ، دلالتُهَا في الأصلِ عندَ جُمهورِ أهل العلمِ لنفيِ الصِّحَّةِ، وإنَّما يُصارُ إلى نفي الكمالِ بدليلٍ يصرفُها عن هذه الدَّلالةِ، ونفيُ الصِّحَّةِ يعني فساد المنفيِّ وبُطلانَهُ، ونفيُ الكمالِ يعني نقصانَهُ، وتلك هي دلالةُ النّهي كما تقدَّم. ٢ـ أن تدخلَ على فعلٍ معَ امتناعِ أن يُرادَ باللَّفظِ مجرَّدَ الخبرِ بقرينةٍ لفظيَّةٍ أو حاليةٍ، وإليكَ ثلاثةَ أمثلةٍ: [١] قولهُ ﷺ : ((لا تُجزيءُ صلاةُ الرَّجلِ حتَّى يقيمَ ظَهْرَهُ في الرُّكُوعِ والسُّجودِ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّنن عن أبي مسعودٍ البدريِّ] ، فنفيُ الإجزاءِ صريحٌ في الدَّلالةِ على البُطلانِ والفسادِ، وذلكَ مُقتضى النَّهي، وهذه قرينَةٌ لفظيَّة. [٢] قوله ﷺ : ((لا تُقبلُ صلاةٌ بغيرِ طُهورٍ، ولا صدَقةٌ من غُلولٍ)) [أخرجه مسلمٌ عن ابنِ عمرَ] ، فنفيُ القبولِ كنفيِ الإجزاءِ، وهيَ قرينةٌ لفظيَّةٌ كذلكَ.

стр. 254

[٣] قوله ﷺ : ((لا تُنكحُ الأيِّمُ حتَّى تُستأمرَ، ولا تُنكحُ البِكرُ حتَّى تُستأذنَ)) [متفقٌ عليه عن أبي هريرةَ] ، فهذا النَّصُّ لو أجرينَاهُ مُجرَى الخبرِ بناءً على مُقتضى اللَّفظِ لم يكُن مُطابقًا للواقعِ، فإنَّ الواقعَ أنَّ الأيِّمَ والبكرَ تُنكحانِ في أعرافِ كثيرٍ من النَّاسِ بغيرِ استئمارٍ ولا استِئذانٍ، فلمَّا امتنعَتْ إرادَةُ الخبرِ دلَّ على أنَّ معناهُ الإنشاء، وهوَ النَّهي. * * *

стр. 255

٢ـ العام * تعريفه: لغة: الشَّاملُ. واصطلاحًا: اللَّفظُ المستغرقُ لجميعِ ما يصلُحُ له بوضعٍ واحدٍ دُفعةً واحدةً من غير حصرٍ. معنى التَّعريف: لفظُ (العامِّ) مثلُ لفظ (النَّاسِ) مُستعملٌ في لسانِ العربِ ليشملَ كلَّ من يندرجُ تحتَ هذا اللَّفظ من بني الإنسانِ، فلا يخرُجُ عنه إنسانٌ، وهوَ لفظٌ واحدٌ دلَّ بمجرَّدِهِ على الاستيعابِ والإحاطةِ. * صيغته: يُعرفُ (العُمومُ) بألفاظٍ مخصوصةٍ، أهمُّهَا: ١ـ لفظُ (كلّ) و (جميع) و (كافة) و (عامّة) وما في معناها. كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ، وقوله ِ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ، وقوله ﷺ : ((وكَانَ النَّبيُّ يُبعثُ إلى قومِهِ خاصَّةً وبُعثتُ إلى النَّاسِ عامَّةً)) [أخرجه

стр. 256

البخاريُّ من حديثِ جابرِ بن عبد الله] . ٢ـ الجمعُ المعرَّفُ بـ (أل) الاستِغراقيَّةِ. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . ومثلُهُ لفظُ الجنسِ الجمعيِّ الَّذي لا واحدَ لهُ من لفظِهِ، مثلُ (النَّاس، الإبل) . ٣ـ الجمعُ المعرَّفُ بالإضافة. كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ِ [التوبة: ١٠٣] . ٤ـ المُفردُ المعرَّفُ بـ (أل) الاستغراقيَّة. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ، وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . أما المفردُ المعرَّفُ بـ (أل) العهْديَّة، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ـ ١٦] ، فالرَّسول هنا معهودٌ حيثُ تقدَّم قبلهُ بقولهِ: ﴿رَسُولًا﴾ والمقصودُ به موسى ﵇، فليسَ هذا للعُمُومِ.

стр. 257

وكذلكَ المفردُ المعرَّف بـ (أل) الجنسيَّةِ، كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] ، فالمقصودُ جنسُ الذَّكر وجنسُ الأنثَى، لكلِّ ذكرٍ وكلُّ أنثَى. ٥ـ المفردُ المعرَّف بالإضافة. كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، وقوله ﷺ في البحرِ: ((هو الطَّهورُ ماؤُهُ الحلُّ ميِّتتُه)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّنن من حديث أبي هريرة] . ٦ـ الأسماء الموصولةُ. كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] ، وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نسائكم إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] ، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] . ٧ـ أسماءُ الشَّرطِ مثلُ (مَنْ، مَا، أينَ، أيّ) . كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، وقولهِ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] ، وقوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] .

стр. 258

٨ـ أسماءُ الاستِفهامِ (مَنْ، ما، أينَ، متَى، أيّ) . كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] ، وقوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] . ٩ـ النَّكرة في سياقِ النَّفي أو النَّهي أو الشَّرطِ أو الامتنانِ. ككلمَة التَّوحيد: (لا إله إلاَّ الله) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ، وقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] ، وقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ، وقوله ﷺ : ((لا صلاَةَ لمن لم يقرأ بفاتحَة الكتابِ)) [متفقٌ عليه] ، وقوله: ((لا ضررَ ولا ضرار)) [حديثٌ صحيحٌ بطرقه أخرجه أحمدُ وغيرُهُ] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] ، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] . ١٠ـ ضميرُ الجمعِ، كالواوِ في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] . * دلالته: (العامُّ) من حيثُ دلالتُه ينقسمُ إلى أنواعٍ ثلاثةٍ، هي: ١ـ عامٌّ دلالتُه على العُمومِ قطعيَّةٌ. وذلك بمجرَّد صيغةِ العُمومِ، وإنَّما بقيامِ الدَّليل على انتِفاءِ احتمالِ التَّخصيصِ، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا

стр. 259

عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] . ٢ـ عامٌ يرادُ به الخصُوصُ قطعًا. وذلك بقيامِ الدليل على أنَّ المراد بهذا العامِّ بعضُ أفرادِهِ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وكخرُوج غيرِ المكلَّفين كالصِّبيانِ والمجانين من عُمومِ صيغةِ الخطابِ الشَّاملة لهم في الأصل كلفظِ (النّاسِ) . ٣ـ عامٌّ مخصوصٌ. وهو العامُّ الَّذي يقبلُ التَّخصيص، وذلك حين لا تصحبُه قرينَةٌ تنفي احتمالَ تخصيصهِ، ولا قرينةٌ تنفي دلالته على العُمومِ، وهو أكثر العمُوماتِ في نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ. والأصلُ أنَّ كلَّ لفظٍ من ألفاظِ (العُمومِ) مستعملٌ في لسانِ العربِ للاستغراقِ والشُّمولِ، وهذه حقيقةٌ متبادرَةٌ بمجرَّدِ استِعمالِ اللَّفظِ، ولم يخرج الاستِعمالُ الشَّرعيّ عن هذه الحقيقةِ إلاَّ بدليلٍ يرِدُ بالتَّخصيصِ لتلكَ الألفاظِ يُبيِّنُ أنَّه لم يُرد بهَا الاستِغراقُ. * أدلة حجية العموم: وهذا المعنى جاءَ في براهينِ الشَّرعِ ما يدلُّ عليهِ، فمن ذلكَ: [١] قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] ،

стр. 260

ففهِمَ الخليلُ ﵇ من مجرَّدِ اللَّفظِ العُمومِ، ولذَا قال: ﴿إِن فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] . [٢] وقولهُ تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ، ففهِمَ نوحٌ من عُمومِ قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] ، أنَّ عُموم الأهلِ يشملُ ولدَهُ، وحملَ الاستثناءَ في قوله: ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ على امرأته، ولذَا لم يَدَعُ لها كما دعَا لوَلَدِهِ، حتَّى أعلمَهُ الله تعالى دُخولَ ولَدِه فيمَنْ سبقَ عليه القولُ بسببِ عملِهِ غيرِ الصَّالحِ. [٣] وحديثُ عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄، قالَ: جاءَ عبد الله بن الزِّبعرَى إلى النَّبي ﷺ فقالَ: تزعُمُ أنَّ الله أنزلَ عليكَ هذِه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ، فقال ابنُ الزِّبعرَى: قد عُبِدَتِ الشَّمسُ والقمرُ والملائكةُ وعُزيرٌ وعيسى بنُ مريم؛ كلُّ هؤلاءِ في النَّارِ مع آلهتِنَا؟ فنزلتْ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ـ ٥٨] ، ثمَّ نزلتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] [حديثٌ حسنٌ، أخرجه ابنُ مردويهِ والضِّياء المقدسيُّ بسندٍ حسنٍ] .

стр. 261

فابنُ الزِّبعريّ استعملَ العُموم ليُجادل بهِ، وذلكَ بأنَّه جارٍ على لُغته ولسانهِ، وهوا لعربيُّ الفصيحُ، حتَّى أنزل الله تعالى دليل التَّخصيصِ، فأبطل خُصومتهُ. [٤] وقوله ﷺ حين سُئلَ عن الزَّكاةِ في الحُمرِ)) ما أُنزل عليَّ في الحمُرِ إلاَّ هذه الآية الفاذّة الجامعةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ـ ٨] شقَّ ذلك على أصحابِ رسول الله ﷺ ، وقالوا: أيُّنا لا يظلمُ نفسهُ؟ فقال رسول الله ﷺ : ((ليسَ هوَ كما تظنُّونَ، إنَّما هو كما قال لُقمانُ لابنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ، [متفقٌ عليه] ، فأجرى الصَّحابةُ الآية الأولى على العُموم بمقتضى لُغتهم ولسانِهم، حتّى بيَّن لهُم النَّبي ﷺ أنَّ العمومَ هنَا مخصوصٌ. وفي هذا الحديث من الفائدة كذلك: أنَّ دلالة العُمومِ ظنيَّةٌ بصريحِ قول النَّبيِّ ﷺ . فهذه براهينُ ظاهرةٌ في صحَّةِ الاستِدلالِ بالعمُومِ، وأنَّهُ مُدركٌ بمقتضى لُغة العربِ.

стр. 262

* قاعدة كلُّ لفظٍ عامٍّ باقٍ على عمُومِه حتَّة يردَ التَّخصيصُ. واختلف العلماءُ في دلالة هذا النَّوع من (العامِّ) هل هيَ قطعيَّةٌ في شمُولهِ لكلِّ فرْدٍ من أفرادِه أو ظنيَّةٌ؟ على مذهبينِ: ١ـ ظنيَّةٌ، وهو مذهبُ جمهورِ العلماءِ، لأنَّ النَّص العامَّ يحتملُ التَّخصيصَ غالبًا. ٢ـ قطعيَّة، وهو مذهبُ الحنفيَّة. ومذهبُ الجُمهور أظْهرُ، وتقدَّم قريبًا في دلالةِ الحديثِ ما يردُّ قولَ الحنفيَّةِ. * تخصيص العام قدْ يردُ من الشَّارعِ ما يدلُّ على (قصرِ العامِّ على بعضِ أفرادِهِ) وهذا هو تخصيصُ العامِّ. والمُخصِّصُ قسمانِ: ١ـ مخصَّصٌ متَّصلٌ: وهو ما يأتي جزءًا من عبارَةِ النَّصِّ الَّذي وردَ فيهِ اللَّفظُ العامُّ، ويرجعٌ إلى أنواعٍ هي: [١] الاستِثناءُ، وهوَ: إخراجُ بعضِ الجُملةِ من الجُملةِ بلفظِ (إلاَّ)

стр. 263

أو ما أُقيمَ مقامه من الأدواتِ كـ (غير) و (سِوى) . مثالُهُ: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ـ ٥] ، فكلُّهم فاسقونَ بذلكَ إلاَّ التَّائبينَ، فقصرَ الفِسقَ على غير التَّائبِ. ومن شرْطِ صحَّةِ التَّخصيصِ بالاستثناء أن يكونَ مُتَّصلاً بالمستثنى منه لا منفصلاً عنه. ولو جاءَ الاستِثناءُ منفصلاً في اللَّفظِ لكنَّه وقع في المجلسِ الَّذي ذُكر فيه العمُومُ، فهو في حُكمِ المتَّصلِ، مثلُ: حديثِ عبد الله بنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: ((إنَّ الله حرَّم مكَّةَ فلم تحلَّ لأحدٍ قبلِي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنَّما أُحلَّتْ لي ساعةً من نهارٍ، لا يُختلَى خلاهَا، ولا يُعضَدُ شجرُهَا، ولا يُنفَّرُ صيدُهَا، ولا تُلتقَطُ لُقطَتَهَا إلاَّ لمُعرِّفٍ)) وقال العبَّاسُ: يا رسول الله، إلاَّ الإذخرَ لِصاغَتِنَا وقُبورِنَا؟ فقالَ: ((إلاَّ الإذخِرَ)) [أخرجه البُخاريُّ] . [٢] الشًّرطُ، ولهُ أدواتُه كذلكَ، مثلُ (إنْ) وغيرهَا. مثالُهُ قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] ، فالنِّصفُ مشروطٌ بعدَمِ الولَدِ.

стр. 264

[٣] الصِّفةُ. مثالهُ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ وَبَنَاتُكُمْ حتى قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نسائكم اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، فالتَّحريمُ لعمومِ الرَّبائبِ بناتِ الزَّوجاتِ الموصوفاتِ بأنَّ أُمَّهاتهنَّ مدخولٌ بهنَّ، فقصر الوصفُ التَّحريمَ على بناتِ المدخول بهنَّ.

стр. 265

٢ـ مخصِّصُ منفصلٌ: وهو ما يأتي مُستقلاًّ عن لفظِ (العامِّ) وهو أنواعٌ: [١] الحسُّ: كقوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ، فالحسُّ قاضٍ بالمشاهَدَةِ أنَّ بشرًا لا يُمكنُ أن يُؤتَى من كلِّ ما يُسمَّى شيئًا، إنَّما يُمكِنُ أن يُؤتَى من كلِّ شيءٍ مقدُورٍ لهُ. [٢] العقلُ: كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: إلاَّ نفسَه، فهوَ سُبحانَهُ شيءٌ كما قالَ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] ، إلاَّ أنَّ العُقولَ مُدركَةٌ أنَّه الخالقُ، والمخلوقَ غيرُهُ. [٣] النَّصُّ: وذلكَ بأن يرِدَ دليلُ التَّخصيصِ في آيةٍ أو حديثٍ غير الَّذي جاءَ بالعمُومِ، ويقعُ على أربعِ صُورٍ: (١) تخصيصُ آيةٍ بآيةٍ، كتخصيصِ عُمومِ قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ

стр. 266

يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ، وبقوله عزَّوجلَّ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ، فخُصَّ من العمومِ المُطلَّقةُ غيرُ المدخولِ بها والمُطلَّقةُ الحاملُ. (٢) تخصيصُ سُنَّةٍ بسنَةٍ، كتخصيصِ العمومِ في قوله ﷺ : ((فيمَا سقتِ السَّماءُ العُشرُ)) [أخرجه البخاريُّ من حديث ابن عمر] بقولهِ ﷺ : ((ليسَ فيما أقلُّ من خمسةٍ أوسقٍ صدَقةٌ)) [متفقٌ عليه من حديث أبي سعيدٍ] ، فخصَّ وجوبُ الزَّكاةِ فيما سقتِ السَّماءُ بمقدَارِ النِّصابِ في الحديثِ الثَّاني الَّذي هو خمسَةُ أوسُقٍ (والوُسقُ: سِتُّون صاعًا من الثَّمرِ أو الحُبوبِ) . (٣) تخصيصُ سُنَّةٍ بآيةٍ، كتخصيصِ عُمومِ قوله ﷺ : ((أُمرتُ أن أُقاتلَ النَّاس حتَّى يشهدُوا أن لا إله إلاَّ الله وأنِّي رسول الله)) [متفقٌ عليه] ، بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . (٤) تخصيصُ آيةٍ بسُنَّةٍ، كتخصيصِ عُمومِ قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، بقولهِ ﷺ : ((لا يُجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتهَا، ولا بينَ المرأةِ وخالتِهَا)) [متفقٌ عليه من أبي هُريرةَ] .

стр. 267

وتخصيصُ عُمُوم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ، بقوله ﷺ في البحرِ: ((هُوَ الطَّهورُ ماؤُهُ الحلُّ ميتَتُهُ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحاب السُّننِ] . وتخصيصُ عمومِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، بحديثِ ميمونَةَ أُمِّ المؤمنينَ ﵂ قالتْ: كانَ رسول الله ﷺ يُباشرُ نساءَهُ فوقَ الإزارِ وهُنَّ حُيَّضٌ [متفقٌ عليه، واللفظُ لمسلمٍ، وبمعناهُ كذلك في ((الصحيحينِ)) حديثُ عائشَةَ] . وهذا فيهِ تخصيصُ القرآنِ بِفعلِ النَّبي ﷺ . وتخصيصِ عُمومِ ما تُقطعُ به يد السَّارقِ في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، بقوله ﷺ : ((لا تُقطعُ يدُ السَّارقُ إلاَّ في رُبع دينارٍ فصاعدًا)) [متفقٌ عليه من حديث عائشة] . والتَّخصيصُ بهذا الطَّريقِ مذهبُ جُمهورِ العلماءِ، وفيهم مالكٌ والشَّافعيُّ وأحمدُ، بل وأبوحنيفةَ ولو كانَتِ السُّنَّةُ خبرَ آحادٍِ، هذا الَّذي يذْكُرهُ الجصَّاصُ وهوعُمدَةٌ في تحقيقِ المذهبِ، لكنْ لهُم شرْطٌ خالفُوا فيه الجمهُورَ سيأتي التَّنبيه عليهِ. [٤] القياسُ: ويقعُ التَّخصيصُ بالقياسِ، مثالُهُ قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ، العُمومُ في قوله:

стр. 268

﴿الزَّانِيَةُ﴾ مخصُوصٌ بقوله تعالى في الإماءِ المملوكَاتِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] ، والقياسُ في إلحاقِ العبدِ بالأمَةِ بجامعِ الرِّقِّ في تنصيفِ العُقوبة، فيكونُ قياسُه عليهاَ مُخصَّصًا لعُمومِ لفظِ ﴿وَالزَّانِي﴾ . ومثالُ التَّخصيصِ بالقياسِ الجليِّ أو قياسِ الأولَى المسمَّى بـ (مفهومِ الموافقةِ) : قوله ﷺ : ((ليُّ الواجِدُ يُحلُّ عرْضَهُ وعقُوبَتَهُ)) [حديثٌ حسنٌ أخرجه أحمد وأبوداود وغيرهما من حديث الشَّريدِ بن سُويدٍ] ، عامٌّ في ليَّ كلِّ واجدٍ، وهو القادرُ على قضاءِ دَينِه يتعمَّدُ تأخيرهُ، لكن خُصَّ من ذلك الوالدُ يكونُ عليهِ الدَّينُ لولدِه، فلم يحلَّ عِرضُهُ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، فلم تَحلَّ عُقوبَتُهُ من بابِ أولَى، وهذِه دلالَةُ مفهومِ المُوافقةِ. وهذا الطَّريقُ في التَّخصيصِ قال بِه أكثرُ المالكيَّةِ والشَّافعيَّة والحنابلَةِ، وهو الرَّاجِح. [٥] العُرْف: والمقصودُ به ما جرَتْ به العادَةُ من الأقوالِ والأفعالِ، فمذهبُ المالكيَّةِ التَّخصيصُ بهِ، وعُزِيَ إلى أبي حنيفَةَ، وردَّهُ الشَّافعيَّةُ والحنَابِلَةُ، وقالوا يخصُّ فقطْ بالعادَةِ الَّتِي كانتْ موجودَةً على عهدِ

стр. 269

التَّشريع بعدَ وُرودِ اللَّفظِ العامِّ، لأنَّها من قبيلِ السُّنَّةِ التَّقريريَّة، أمَّا عاداتُ النَّاسِ وأعرافُهُم بعدَ التَّشريعِ فلا تخصُّ قرآنًا ولا سُنَّةً، لكنْ تحكمُ بها تصرُّفاتُهُم الموكولةُ إلى عادَاتِهِم. ولا يُوجدُ لهذا الطَّريقِ مثالٌ صالحٌ فيه تخصيصُ النَّصِّ العامِّ بالعُرفِ. *مسائل: ١ـ أقلُّ الجمعِ ثلاثَةٌ في قولِ جمهورِ أهلِ اللُّغةِ والفقهِوالأصولِ. هذا هوَ الأظهرُ، والقولُ الآخرُ: أقلُّه اثنانِ، واستدلُّوا لهُ بأدلَّةٍ من الكتابِ كلُّها مؤوَّلةٌ ليسَ فيها ما يدلُّ على ذلكَ عند التّحقيقِ. ٢ـ العبرةُ بعُمومِ اللَّفظِ لا بخصُوصِ السَّببِ. إذا ورَدَ اللَّفظُ العامُّ على سببٍ خاصٍّ فهو على عُمومِه حتَّى يدلَّ دليلٌ على إرادَةِ القصرِ على السَّببِ. فكلُّ آيةٍ نزلَتْ جوابًا لسؤالِ أو فصلاً في واقعَةٍ، وكلُّ حديثٍ ورَدَ على نحو ذلكَ، فلا تأثيرَ لذلكَ السَّببِ في إجراءِ الحُكمِ على كُلِّ ما أفادَهُ لفظُ العُموم، وذلكَ كنزولِ آياتِ اللِّعانِ في قصَّةِ عُويمرٍ العجلاَنيِّ وهلالِ بن أميَّةَ، فحُكمُهَا عامٌّ للأمَّةِ بناءً على هذا الأصلِ.

стр. 270

ومن الدَّليل على هذه القاعِدَةِ: حديثُ عبد الله بن مسعودٍ ﵁: أنَّ رجلاً أصابَ من امرأةٍ قُبلَةً، فأتَى النَّبيَّ ﷺ فَذكرَ ذلكَ لهُ، قالَ: فنَزَلتْ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ، قالَ: فقالَ الرَّلُ: ألِي هذهِ يا رسول الله؟ قالَ: ((لمنْ عملَ بها من أُمَّتي)) [متفقٌ عليه] ، وفي روايةٍ لمسلمٍ: فقالَ رجلٌ من القومِ: يا نبيَّ الله، هذا لهُ خاصَّةً؟ قالَ: ((بلْ للنَّاسِ كافَّةً)) . وممَّا يُؤكدُ هذه القاعدَةَ عَدَمُ مجيءِ أكثرِ النُّصوصِ؛ خاصَّةً نصوصَ القُرآنِ الَّتي نزلتْ لأسبابٍ؛ بتسميةِ من كانَ سببًا في نزولهاَ، بل يأتي اللَّفطُ عامًّا ليكونَ تشريعًا لجميعِ أهلِ الإسلامِ بدلالةِ العُمومِ. إلاَّ أنَّ معرفَةَ أسبابِ نُزولِ القرآنِ وأسبابِ وُرودِ الحديثِ من أعظمِ ما ينتفِعُ بهِ الفقيهُ في فهمِ نصُوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، فإنَّها تُساعدُ لإدراكِ حقيقَةِ الحُكمِ، أو صفَتِهِ، أو موضِعِهِ، وهذا بابٌ تزِلُّ فيه الأفهامُ كثيرًا. "تنبيه: ذهبَ بعضُ الحنابلَةِ للتَّخصيصِ أحيانًا بالسَّببِ الَّذي ورَدَ عليهِ النَّصِّ بما يُسمُّونهُ: (التَّخصيصُ بقضايا الأعيانِ) ، ويُمثِّلونَهُ بحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قالَ: رخَّصَ النَّبيُّ ﷺ للزُّبيرِ

стр. 271

وعبد الرَّحمنِ بنِ عوفٍ في لُبسِ الحريرِ لِحكمَةٍ بهِمَا [متفقٌ عليه] ، قالُوا: هذهِ قضيَّةٌ مُعيَّنةٌ وردَ فيهَا الإذنُ على حالٍ لم نطَّلهْ عليهَا، وهيَ تحتمِلُ وتحتَملُ، فلاَ يصحُّ أن تكونَ تشريعًا عامًّا للأمةِ. والجُمهورُ على خلافِ هذا الرَّأي، والحديثُ عندَهُم حُجَّةٌ على إباحَةِ الحريرِ لِعلَّةٍ، ولا يجوزُ أن يُلغَى العملُ بنصٍّ قدْ ظهرَ وجهُ الدَّلالةِ منهُ بوجهٍ من الظُّنونِ، وهذا يقعُ بهِ ردُّ كثيرٍ من النُّصوصِ الوارِدَةِ على أسبابٍ بمُجرَّدِ الهوَى. ٣ـ الخِطابُ الموَّجهُ للنَّبي ﷺ عامٌّ في حقِّ أُمَّتهِ ما لمْ يرِدْ دليلُ التَّخصيصِ. كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عليهم﴾ [التوبة: ٧٣] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] ، وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . فهذه النُّصوصُ وشِبهُهَا وإن توجَّه فيها الخِطابُ لفظًا إلى النَّبيِّ ﷺ فهوَ لأمَّته، لا بصيغتِه وإنَّما باعتبارِ معنى الرِّسالةِ، فهوَ مأمورٌ بالتَّبليلغِ ليتَّبع، وقد قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:

стр. 272

٢١] ، وقدْ تواترَتِ النُّقولُ عن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ في مُتابَعتِهم لهُ في كلِّ شيءٍ إلاَّ ما يُبيِّنُ لهمُ اختِصاصُهُ بهِ. ٤ـ قولُ الصَّحابيّ: (نهيى رسول الله ﷺ عن بيعِ الغرَرِ) وشِبهُهُ، يفيدُ العُمومَ. هذا مذهبُ جمهورِ العُلماءِ بناءً على أنَّ الصَّحابيَّ حينَ حكَى ذلكَ عامًّا فهوَ من أهلِ اللِّسانِ ويُدركُ موارِدَ النُّصوصِ. ٥ـ لفظُ العُمومِ من جهةِ تناوُلهِ للذُّكورِ والإناثِ على ثلاثةِ أنواعٍ: [١] ما يدخلُ فيه الذُّكورُ والإناثُ بلا خلافٍ، كلفظِ (النَّاسِ) و (القوم) ، و (الطَّائفة) و (الفرقة) ، و (مَنْ) المستعملة للعاقلِ. [٢] ما يختصُّ بكلِّ جنسٍ بلا خلافٍ، كلفظِ (الرِّجالِ، والذُّكورِ) و (النِّساءِ، والإناثِ) . [٣] ما اختُلفَ فيهِ، وهوَ ما كانَ لفظُه للذُّكورِ ويحتملُ أن يدخُل فيهِ الإناثُ لأنَّه استُعملَ بصيغَةِ المذكَّرين، كالجُموعِ المُذكَّرة السَّالمَة، مثلُ: (مسلمينَ، مُحسنينَ، متَّقينَ، الَّذين) ، وضمائرُ جماعةِ الذُّكورِ مثلُ: (آمَنوا، أمِنُو، أقيمُوا، آتُوا، يقيمونَ) . والتَّحقيقُ من مذاهبِهم وهوَمذهبُ الجُمهورِ: أنَّ الإناثَ يدْخُلنَ فيهِ ما لمْ يرِدْ ما يدلُّ على التَّخصيصِ بالذُّكورِ غيرُ مُجرَّدِ الصِّيغةِ، فقدْ

стр. 273

جرى على ذلكَ العملُ في الصَّدرِ الأوَّلِ من غيرِ تفريقٍ، حيثُ وجدُوا في لُغتِهم ما يُسوِّعُه، وهو أن يُخاطِب النَّاسُ بصيغَةِ الذُّكورِ مع وُجودِ الإناثِ فيهِم تغليبًا، إمَّا للزِّيادَةِ في التَّكليفِ، وإمَّا للتَّقدُّمِ في جانبِ الرِّعايةِ والقِوامَةِ، أو لغيرِذلكَ، ومن ذلكَ قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢] . أمَّا ما احتجَّ به بعضُ الشَّافعيَّةِ من حديثِ أمِّ سلمَةَ ﵂ قالتْ: قلتُ للنَّبيِّ ﷺ : ما لنَا لا نُذكرُ في القرآنِ كما يُذكرُ الرِّجالُ؟ قالتْ: فلمْ يرُعْني منهُ يومئذٍ إلاَّ ونِداؤُه على المِنبرِ، قالتْ: وأنا أُسرِّحُ شعري، فلفَفتُ شعري ثمَّ خرجْتُ إلى حُجرَةٍ من حُجرِ بيتي، فجعلتُ سمعِي عندَ الجريدِ، فإذا هوَ يقولُ على المنبرِ: ((يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ الله يقولُ في كِتابهِ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] [أخرجه أحمدُ والنِّسائي في ((التَّفسير)) بإسنادٍ صحيحٍ] ، فهذا ليسَ فيهِ اختصاصُ كلِّ جنسٍ بما وردَ بخُصوصِه لفظًا، إنَّما الَّذي فيه أنَّ الشَّرائِعَ تنزلُ في القرآنِ عادَةً بصيغَةِ التَّذكيرِ، وهوَ وجهُ إيرادِ أمِّ سلمَةَ، ففيهِ ما يوميءُ إلى أنَّها أرادَت الشَّرائِعَ للرِّجالِ والنِّساء. ٦ـ اللَّفظُ العامُّ بعد التَّخصيصِ يبقى عامًّا فيما لم يخُصَّ.

стр. 274

كقوله تعالى بعد ذِكر المُحرَّماتِ من النِّساءِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، ولم يكُن في تلك المُحرَّماتِ: الجمعُ بين المرأةِ وعمَّتهاَ، أو خالتهَا، وإنَّما جاءتْ به السُّنَّةُ، فخصَّتِ العُموم الوارِدِ في قوله تعالى: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ، وبقي العُمومُ فيما عداهَا، فالمُحرَّماتُ من النِّساءِ ما تقدَّم في الآياتِ على قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ مُضافًا إليهنَّ الجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِهَا أو خالتِهَا، ويبقى الحِلُّ لما وراءَ ذلكَ على عُمومِهِ. ٧ـ لا يُشترطُ في المُخصَّصِ أن يأتي مُقارنًا للعُمومِ. هذا مذهبُ جمهورِ العلماءِ، خلافًا للحنفيَّةِ، فعندهُم: العامُّ قطعيُّ الدَّلالةِ، والخاصُّ قطعيُّ الدَّلالةِ، فإذا تأخَّر دليلُ التَّخصيصِ دلَّ على نسخِ العُمومِ. والتَّحقيقُ: أنَّ العامَّ ظنِّيُّ الدَّلالةِ على ما يدخُلُ تحتَهُ من الأفرادِ، ولعلَّهُ لا يخلو عامٌّ من تخصيصٍ بوجهٍ من الوُجوهِ، والمُتأمِّلُ للأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ يجدُ ذلكَ واضحًا فيهَا، فكيفَ يصلُحُ أن يكون شاملاً لكلِّ فردٍ من أفرادِهِ غير المحصورينَ على سبيلِ القطعِ؟ وفي الأدلَّةِ المذكورةِ آنفًا على حجِّيةِ العُمومِ ما يؤكِّدُ صحَّةَ مذْهبِ الجُمهورِ. ٨ ـ العامُّ حُجَّةٌ بنفسهِ لا يتوقَّفُ القولُ بهِ على البحثِ عن المُخصَّصِ.

стр. 275

وهذه مسألةٌ فيها قولانِ، هذا أحدُهمَا، والثَّاني: لا يجوزُ الاستِدلالُ بهِ حتَّى ينتفي المُخصَّصُ، لأنَّ احتمالَ التَّخصيصِ واردٌ عليهِ، فهوَ دليلٌ بشرطِ السَّلامَةِ من المُعارضَةِ. وهذا القولُ الثَّاني ضعيفٌ من جهةِ أنَّ أكثر أدلَّةِ الفقهِ ظنيَّةُ الدَّلالةِ، ليسَ العُموم فقطْ، وطلبُ السَّلامَةِ من المعارضِ مطلوبَةٌ في كلِّ دليلٍ من تلكَ الأدلَّةِ، لكنْ هذا لا يعني التَّوقُّفَ في الدَّلالةِ الظَّاهرَةِ لتلكَ الأدلَّةِ، بل هيَ واجبَةُ الامتثالِ على ما ظهرَ منها حتَّى يوجَدَ خلافُهُ. لكنْ يُمكنُ القولُ: جدِيرٌ بالفقيهِ التَّثبُّتُ في كلِّ حكمٍ دلالةُ النَّصِّ عليهِ ظنيَّةٌ قبلَ المصيرِ إلى القولِ بذلكَ الحُكمِ. * * *

стр. 276

٣ـ المشترك * تعريفه: هوَ اللَّفظُ المستعملُ في معنيينِ أوْ أكثرَ بأوضاعٍ متعدِّدَةٍ. مثلُ: لفظِ (القُرءِ) فهو مشترَكٌ بين (الطُّهرِ والحيضِ) يُطلقُ على كلٍّ منهمَا، وكذا لفظُ (المولى) فهو مشترَكٌ بينَ (العبدِ والسَّيِّد) ، ولفظُ (العينِ) مُشتركٌ بين (البَاصرَةِ، والجاسوسِ، والسِّلعةِ، وحقيقةِ الشيءِ، وعينِ الماءِ) . * حكمه: اللَّفظُ المشتركُ يمتنعُ أن يُرادَ به جميعُ معانيهِ، ويجبُ أن يُرادَ به معنًى واحدٌ من تلك المعاني حيثُ يُستعملُ، ولا بدَّ من دليلٍ يدلُّ على تعيينهِ خارجٍ عن نفسِ اللَّفظِ، فإنْ تعذَّرَ تعيينُ معناهُ فحُكمهُ التَّوقُّف فيه، لأنهُ سيكونُ من قبيلِ (المُجمل) . هذا مذهبُ الحنفيَّةِ والحنابلَةِ وبعضِ الأصوليينَ من الشَّافعيَّة، وهو الأصحُّ. وخالفَ الشَّافعيُّ وجمهورُ أصحابهِ والمالكيَّةُ فقالوا بِعُمومِ (المُشتركِ) في جميعِ معانيِهِ إذا لم يمنعْ من ذلكَ مانعٌ.

стр. 277

ومثالُ المشتركِ: قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، تقولُ العربُ: الطُّهرُ قرءٌ والحيضُ قرءٌ، فهلِ المرادُ أنَّ المطلَّقة تعتدُّ ثلاثة أطهارٍ، أو ثلاثَ حيضاتٍ؟ اختلفَ أهلُ العلمِ فيهِ بسببِ ما ترجَّحَ لكلِّ فريقٍ في دلالةِ لفظِ (القُرءِ) في الآيةِ، فأكثرُ فُقهاءِ الصَّحابةِ والتَّابعينَ والحنفيَّةُ والأصحُّ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ؛ قالو: ثلاثُ حيضاتٍ، وعائشةُ وابن عُمرَ ومن حملَ عنهُمَا من أهلِ المدينةِ والمالكيَّةُ والشَّافعيَّةُ، قالُوا: ثلاثَةُ أطهارٍ. وترَى وجوهَ الاستدلالِ للتَّرجيحِ مبسوطَةً في كتُبِ الفُروعِ الفقهيَّةِ وكتُبِ التَّفسيرِ. * * *

стр. 278

القسم الثاني استعمال اللفظ في المعنى ١ـ الحقيقة والمجاز * تعريف الحقيقة: لُغةً: اسمٌ أُريدَ به ما وُضعَ لهُ. واصطلاحًا: اللَّفظُ المُستعملُ فيما وُضعَ لهُ في اصطلاحِ التَّخاطُبِ. * أنواعها: ألفاظُ الحقائقِ المُستعملةُ في نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ ثلاثةٌ: ١ـ لُغويَّة: وهي الَّتي يُعرفُ حدُّها باللُّغة، كلفظِ (الشَّمسِ والقمرَ، والسَّماءِ، والأرضِ، والبَرِّ والبَحرِ) . فهذهِ الألفاظُ وشِبهها لم تُعطها الشَّريعةُ معنًى خاصًّا وليستْ هي من الألفاظِ المرتبِطةِ بتعامُلاتِ النَّاسِ ليعودَ الأمرُ فيها إلى استِعمالِهم، فالمرجعُ إلى معرفتِها لسانُ العربِ. ٢ـ شرعيَّة: وهي الَّتي يُعرفُ حدُّها بالشَّرعِ، كلفظِ (الإسلامِ والإيمانِ، والكُفرِ والنِّفاقِ، والصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصَّومِ، والحجِّ) .

стр. 279

فهذهِ الألفاظُ وشِبهُهَا استعملَتْهَا الشَّريعةُ في معنًى مخصوصٍ وعلَّقتْ بها الأحكامَ، فالمرجعُ إليها في ذلكَ الاستِعمال. ٣ـ عُرفيَّة: وهي الَّتي يُعرفُ حدُّها بعُرفِ النَّاسِ وعادَاتِهم، كلفظِ (البيعِ، والنِّكاحِ، والدِّرهمِ والدِّينارِ) . ومثلُها كلُّ لفظٍ تعلَّق بتصرُّفاتِ النَّاسِ العاديَّةِ ومعاملاتِهم، وليسَ للشريعةِ فيه استعمالٌ خاصٌّ، فيُرجعُ في معرفتِه إلى عُرفِ الاستِعمالِ. ترتيب الحقيقة: الأصلُ في كلِّ لفظٍ استُعملَ في الكتابِ والسُّنَّةِ أن يُبحثَ عن معناهُ في استعمالِ الشَّرعِ نفسهِ، لأنَّ المكلَّفينَب أمِرُوا باتِّباعِ ماجاءَ به الرَّسولُ ﷺ ، ومن جملتهِ اتِّباعُ بيانهِ لما يستعملُهُ من الألفاظِ. فإذا وُجدَ لفظُ (الصَّلاةِ) في نصٍّ من الكتابِ والسُّنَّةِ، فهوَ الصَّلاةُ الَّتي بيَّنها الرَّسولُ ﷺ بفِعلِهِ وقولهِ المشتملَةُ على القيامِ والتَّكبيرِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقراءَةِ والذِّكرِ، لا يجوزَ العُدولُ بهذا اللَّفظِ عن هذا المعنى إلاَّ بدلالةٍ من الشَّرعِ نفسِهِ على أنَّه لم يُرِدْ في موضعٍ معيَّنٍ هذا المعنى للصَّلاةِ، إنَّما أرادَ المعنَى اللُّغويَّ العامَّ لها وهُوَ الدُّعاء. على أنَّه يُلاحظُ أنَّه مَا مِنِ استِعمالٍ خاصٍّ وقعَ في الشَّرعِ للفظِ من الألفاظِ إلاَّ وتوجدُ صِلةٌ بينهُ وبين المعنَى اللُّغويِّ، غيرَ أنَّه يكونُ

стр. 280

أحيانًا بتخصيصِ ما وردَ في اللُّغة عامًّا، أو تعيين بعضِ معاني المُشتركِ، كما أنَّ الشَّرعَ قد يستعملُ اللَّفظَ استعمالاً شرعيًّا هو نفسُ استِعمالِهِ في لغةِ العربِ. والمقصودُ أنَّ ما أطلقهُ اللهُ ورسولُه من الألفاظِ وعلَّق به الأحكامَ من أمرٍ ونهيٍ وتحليلٍ وتحريمٍ فإنَّه باقٍ على ذلكَ الاستعمالِ الشَّرعيِّ، لا يجوزُ الخُروجُ به عنهُ إلاَّ بدلالةٍ من الشَّرعِ نفسهِ. وإنْ كانَ الشَّرعُ علَّق الأحكامَ بلفظٍ، لكنَّه لم يحدَّه بحدٍّ ولم يُعطه ضابطًا خاصًّا، مثلُ لفظِ (السَّفر، والحيضِ، ومقدارِ ما يُطعَمُ المسكينُ في كفَّارةِ اليمينِ أو غيرهَا) ، فالمرجِعُ في تقديرِ ذلك إلى العُرفِ والعادَةِ، فما عدَّه النَّاسُ سفرًا بعادَتِهم فهو السَّفرُ الَّذي تُقصرُ فيه الصَّلاة ويُفطرُ فيها الصَّائمُ، وما لا يعدُّونه سفرًا بعادتِهم فهوَ السَّفرُ الَّذي تُقصرُ فيه الصَّلاةُ ويُفطرُ فيها الصَّائمُ، وما لا يعدُّونهُ سفرًا وإن طالتْ به المسافاتُ فليسَ بسفرٍ، و (الحيضُ) يعودُ تقديرُ مدَّته إلى ما جرتْ به عادَةُ كلِّ امرأةٍ، فهيَ الَّتي تُقدِّرهُ بما تراهُ من نفسِهَا أو نسائِها إنِ اضْطربتْ فيهِ، وفي كفَّارةِ اليمينِ قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ، والوسطيَّةُ تختلفُ من بيئةٍ إلى بيئةٍ، ويُجزيءُ من ذلكَ ما جرَتْ به بيئَةُ كلِّ إنسانٍ. فإذا فُقدَ تمييزُ الحقيقةِ في الشَّرعِ، وليسَ اللَّفظُ ممَّا يُمكنُ تقديرُه بالعُرفِ فالمرجعُ فيهِ حينئذٍ إلى دلالةِ لُغةِ العربِ.

стр. 281

فترتيبُ الحقائقِ في النَّظرِ إذًا: ١ـ الشَّرعيَّةُ، ٢ـ فالعُرفيَّةُ، ٣ـ فاللُّغويَّةُ. * حكم الحقيقة: يجبُ حملُ اللَّفظِ على حقيقتِهِ، لا يُصرفُ عنها إلاَّ بدليلٍ. * تعريف المجاز: هوَ استِعمالُ اللَّفظِ في غيرِ ما وُضعَ لهُ لعلاقةٍ بينهمَا معَ قرينَةٍ صارفَةٍ عن إرادَةِ المعنى الحقيقيِّ. فهوَ إذًا يُقابلُ (الحقيقة) ، إذْ هو خُروجٌ بها عن معناهَا، لكنْ يجبُ أن يكونَ ذلك الخُروجُ بعلامةٍ صالحةٍ تدلُّ على عَدمِ إرادَةِ الحقيقةِ. والعلاقَاتُ بين المعنَى الحقيقيِّ والمجازيِّ كثيرةٌ تُستفادُ من (علمِ البلاغَة) ، لكنَّ الَّذي يهمُّ هنَا هو معرفَةُ أنواعِ القرائِنِ الَّتي تُصرفُ بها (الحقيقةُ) إلى (المجازِ) ، وهيَ ثلاثةٌ: ١ـ حسِّيَّة: كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، أيْ: أهلَهَا، لامتِنَاعِ سُؤالِ جمادَاتِهَا حسًّا. ٢ـ حاليَّة: كقولِ الرَّجلِ لزوجتِهِ وهي تُريدُ الخُروجَ من البيتِ وهوَ يُريدُ منعَهَا: (إن خرجتِ فأنتِ طالقٌ) ، وإنَّما أرادَ تلكَ اللَّحظَةَ

стр. 282

لا مُطلقًا بدلالةِ الظَّرفِ والحالِ المُلابسِ لقولهِ. ٣ـ شرعيَّة: كألفاظِ العُمومِ الوارِدَةِ بصيغَةِ المذكَّر تتعدَّى إلى المُؤنَّثِ مجازًا، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ لِما جاءَتْ بهِ الشَّريعَةُ من عُمومِ التَّكليفِ. * حكم المجاز: ذهبَ طائفَةٌ من العُلماءِ إلى نفيِ وُجودِ (المجازِ) في لُغةِ العربِ، وقالُوا: ليسَ هُناكَ إلاَّ الحقيقة، وما يُسمَّى (مجازًا) فهو أُسلوبٌ من أساليبِ العربِ في حقائقِ الألفاظِ. وممَّن قال بذلكَ: أبُو إسحاقَ الإسفرايينيُّ وأبو عليٍّ الفارسيُّ إمامُ العربيَّةِ، وانتصرَ لهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ، وتلميذُهُ ابنُ القيِّم. وجمهُور العلماءِ على إثباتِهِ، وأنَّهُ تسميةٌ اصطلاحيَّةٌ لنوعٍ من أساليبِ اللُّغةِ العربيَّةِ. والعلَّةُ عندَ من نفاهُ: ما وقعَ من كثيرٍ من أهلِ البِدعِ من البِدعِ من التَّذرُّعِ بهِ إلى نفيِ صفاتِ الله عزَّوجلَّ والكلامِ في الغيبِ. لكنَّ التَّحقيقَ قبولُ قولِ الجُمهورِ في إثباتِ المجازِ، وتذرُّعُ أهلِ البِدعِ يُفسِدُهُ عليهِم وجوهٌ أخرى من الاستِدلالِ ليستْ هي إبطالَ القولِ بالمجازِ. فإذا صحَّ هذا فهَهُنَا أمرانِ:

стр. 283

١ـ لا يجوزُ أن يُصار إلى المعنى المجازيِّ إلاَّ عند تعذُّر حملِ اللَّفظِ على معناهُ الحقيقيِّ. مثالُهُ: قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائط﴾ [النساء: ٤٣] ، حقيقةُ لفظِ (الغائطِ) إنَّما هي الموضِعُ المنخفِضُ من الأرضِ كانُوا يقصِدُونهُ لقضاءِ الحاجَةِ رغبةً في التَّستُّرِ، فأُطلقَ على نفسِ الخارجِ من فضَلاَتِ الإنسانِ، فحملُ اللَّفظِ في الآيةِ على حقيقتِه غيرُ مرادٍ قطعًا، فمجرَّدُ المجيءِ من تلكَ المواضعِ ليسَ بحدثٍ يوجبُ الطَّهارَةَ، فتعيَّن حملُهُ على المعنَى المجازيِّ للفظٍ تعلَّقَ الحكمُ بهِ ولا بُدَّ. مثلُ قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] ، فاللَّمسُ حقيقةٌ في لمسِ اليدِ، ومجازٌ في الجِماعِ، فحيثُ ثبتَ أنَّ لمسَ اليدِ غيرُ مُرادٍ بدلالةِ السُّنَّةِ، فتعيَّنَ المعنَى المجازيُّ وهو الجِماعُ.

стр. 284

٢ـ الصريح والكناية * تعريف الصريح: هوَ اللَّفظُ الَّذي ظهرَ معناهُ ظُهورًا تامًّا لكثرةِ استِعمالِهِ. ويكونُ حقيقةً، كقولِ الرَّجلِ لزوجتِهِ: (أنتِ طالقٌ) ، فهذا لفظٌ صريحٌ لإزالةِ النِّكاحِ وهو حقيقةٌ، كما يكونُ مجازًا، كقولِ الرَّجلِ: (والله لأقومنَّ اللَّيلَةَ) ، وهوَ إنَّما يقومُ بعضَهَا، فهوَ لفظٌ صريحٌ، وهو مجازٌ. * حكمه: لوُضوحِ اللَّفظِ الصَِّريحِ بنفسِهِ في الدَّلالةِ على معناهُ فإنَّ ما يترتَّبُ عليه يصحُّ بمجرَّدِ التَّلفُّظِ به من غيرِ افتِقارٍ إلىنيَّةِ المتكلِّمِ بهِ. فقولُ الرَّجلِ لزوجتِهِ: (أنتِ طالقٌ) ، لا يتوقَّفُ إمضاءُ أثرِهِ الَّذي هو الفرقَةُ بينَ الزَّوجينِ على قصدِ المتكلِّمِ بهِ، ولو قيلَ لرجلٍ: (لِفلانٍ عليكَ مائةُ دينارٍ؟) فقالَ وهوَ في حالِ عقلٍ واستِواءٍ: (نَعَمْ، لِفُلانٍ عليَّ مِئةُ دينارٍ) ، فإنَّ ذلكَ يلزَمُهُ بمجرَّدِ اللَّفظِ.

стр. 285

* تعريف الكناية لغَةً: أن تتكلَّم بشيءٍ وتُريدُ غيرَهُ. واصطلاحًا: اللَّفظُ الَّذي استَتَرَ المعنىَ المُرادُ به فلاَ يُفهمُ إلاَّ بقرينَةٍ. مثلُ: كناياتِ الطَّلاقِ، وهيَ الألفاظُ الَّتي لا تدلُّ بلفظِهَا على الطَّلاقِ، كقولِ الرَّجلِ لزوجتهِ: (أمرُكِ بيدِكِ) ، أو (إلحقِي بأهلكِ) ، أو: (أنتِ عليَّ حرامٌ) ، أو (اذْهبِي فتزوَّجي من شِئتِ) ، أو: (خلَّيتُ سبلَكِ) ، أو: (انتهى ما بَينَنَا) ، أو غير ذلكَ من الألفاظِ ممَّا هو ليسَ بصريحٍ في الطَّلاقِ. * حكمها: لا يترتَّبُ على الكنايَةِ أثرٌ بمجرَّدِ اللَّفظِ حتَّى يقترِنَ بالنِّيَّةِ. فلو قالَ رجلٌ لزوجتِهِ: (خلَّيتُ سبيلَكِ) لم يدلَّ بنفسهِ على الطَّلاقِ حتَّى يقترِنً بنيَّةٍ، ولهُ أن يقولَ: (لم أقصِدِ الطَّلاقَ) ، فيُصدَّقُ بِدَعواهُ. والكِنايَةُ في الجانبِ التَّطبيقِيِّ لا تتَّتصلُ بنصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، إنَّما بتصرُّفاتِ المُكلَّفينَ. * * *
следующие страницы →