← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 22396

تيسير علم أصول الفقه

عبد الله الجديع

Полный текст (387 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فترتيبُ الحقائقِ في النَّظرِ إذًا: ١ـ الشَّرعيَّةُ، ٢ـ فالعُرفيَّةُ، ٣ـ فاللُّغويَّةُ. * حكم الحقيقة: يجبُ حملُ اللَّفظِ على حقيقتِهِ، لا يُصرفُ عنها إلاَّ بدليلٍ. * تعريف المجاز: هوَ استِعمالُ اللَّفظِ في غيرِ ما وُضعَ لهُ لعلاقةٍ بينهمَا معَ قرينَةٍ صارفَةٍ عن إرادَةِ المعنى الحقيقيِّ. فهوَ إذًا يُقابلُ (الحقيقة) ، إذْ هو خُروجٌ بها عن معناهَا، لكنْ يجبُ أن يكونَ ذلك الخُروجُ بعلامةٍ صالحةٍ تدلُّ على عَدمِ إرادَةِ الحقيقةِ. والعلاقَاتُ بين المعنَى الحقيقيِّ والمجازيِّ كثيرةٌ تُستفادُ من (علمِ البلاغَة) ، لكنَّ الَّذي يهمُّ هنَا هو معرفَةُ أنواعِ القرائِنِ الَّتي تُصرفُ بها (الحقيقةُ) إلى (المجازِ) ، وهيَ ثلاثةٌ: ١ـ حسِّيَّة: كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، أيْ: أهلَهَا، لامتِنَاعِ سُؤالِ جمادَاتِهَا حسًّا. ٢ـ حاليَّة: كقولِ الرَّجلِ لزوجتِهِ وهي تُريدُ الخُروجَ من البيتِ وهوَ يُريدُ منعَهَا: (إن خرجتِ فأنتِ طالقٌ) ، وإنَّما أرادَ تلكَ اللَّحظَةَ

стр. 282

لا مُطلقًا بدلالةِ الظَّرفِ والحالِ المُلابسِ لقولهِ. ٣ـ شرعيَّة: كألفاظِ العُمومِ الوارِدَةِ بصيغَةِ المذكَّر تتعدَّى إلى المُؤنَّثِ مجازًا، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ لِما جاءَتْ بهِ الشَّريعَةُ من عُمومِ التَّكليفِ. * حكم المجاز: ذهبَ طائفَةٌ من العُلماءِ إلى نفيِ وُجودِ (المجازِ) في لُغةِ العربِ، وقالُوا: ليسَ هُناكَ إلاَّ الحقيقة، وما يُسمَّى (مجازًا) فهو أُسلوبٌ من أساليبِ العربِ في حقائقِ الألفاظِ. وممَّن قال بذلكَ: أبُو إسحاقَ الإسفرايينيُّ وأبو عليٍّ الفارسيُّ إمامُ العربيَّةِ، وانتصرَ لهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ، وتلميذُهُ ابنُ القيِّم. وجمهُور العلماءِ على إثباتِهِ، وأنَّهُ تسميةٌ اصطلاحيَّةٌ لنوعٍ من أساليبِ اللُّغةِ العربيَّةِ. والعلَّةُ عندَ من نفاهُ: ما وقعَ من كثيرٍ من أهلِ البِدعِ من البِدعِ من التَّذرُّعِ بهِ إلى نفيِ صفاتِ الله عزَّوجلَّ والكلامِ في الغيبِ. لكنَّ التَّحقيقَ قبولُ قولِ الجُمهورِ في إثباتِ المجازِ، وتذرُّعُ أهلِ البِدعِ يُفسِدُهُ عليهِم وجوهٌ أخرى من الاستِدلالِ ليستْ هي إبطالَ القولِ بالمجازِ. فإذا صحَّ هذا فهَهُنَا أمرانِ:

стр. 283

١ـ لا يجوزُ أن يُصار إلى المعنى المجازيِّ إلاَّ عند تعذُّر حملِ اللَّفظِ على معناهُ الحقيقيِّ. مثالُهُ: قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغائط﴾ [النساء: ٤٣] ، حقيقةُ لفظِ (الغائطِ) إنَّما هي الموضِعُ المنخفِضُ من الأرضِ كانُوا يقصِدُونهُ لقضاءِ الحاجَةِ رغبةً في التَّستُّرِ، فأُطلقَ على نفسِ الخارجِ من فضَلاَتِ الإنسانِ، فحملُ اللَّفظِ في الآيةِ على حقيقتِه غيرُ مرادٍ قطعًا، فمجرَّدُ المجيءِ من تلكَ المواضعِ ليسَ بحدثٍ يوجبُ الطَّهارَةَ، فتعيَّن حملُهُ على المعنَى المجازيِّ للفظٍ تعلَّقَ الحكمُ بهِ ولا بُدَّ. مثلُ قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] ، فاللَّمسُ حقيقةٌ في لمسِ اليدِ، ومجازٌ في الجِماعِ، فحيثُ ثبتَ أنَّ لمسَ اليدِ غيرُ مُرادٍ بدلالةِ السُّنَّةِ، فتعيَّنَ المعنَى المجازيُّ وهو الجِماعُ.

стр. 284

٢ـ الصريح والكناية * تعريف الصريح: هوَ اللَّفظُ الَّذي ظهرَ معناهُ ظُهورًا تامًّا لكثرةِ استِعمالِهِ. ويكونُ حقيقةً، كقولِ الرَّجلِ لزوجتِهِ: (أنتِ طالقٌ) ، فهذا لفظٌ صريحٌ لإزالةِ النِّكاحِ وهو حقيقةٌ، كما يكونُ مجازًا، كقولِ الرَّجلِ: (والله لأقومنَّ اللَّيلَةَ) ، وهوَ إنَّما يقومُ بعضَهَا، فهوَ لفظٌ صريحٌ، وهو مجازٌ. * حكمه: لوُضوحِ اللَّفظِ الصَِّريحِ بنفسِهِ في الدَّلالةِ على معناهُ فإنَّ ما يترتَّبُ عليه يصحُّ بمجرَّدِ التَّلفُّظِ به من غيرِ افتِقارٍ إلىنيَّةِ المتكلِّمِ بهِ. فقولُ الرَّجلِ لزوجتِهِ: (أنتِ طالقٌ) ، لا يتوقَّفُ إمضاءُ أثرِهِ الَّذي هو الفرقَةُ بينَ الزَّوجينِ على قصدِ المتكلِّمِ بهِ، ولو قيلَ لرجلٍ: (لِفلانٍ عليكَ مائةُ دينارٍ؟) فقالَ وهوَ في حالِ عقلٍ واستِواءٍ: (نَعَمْ، لِفُلانٍ عليَّ مِئةُ دينارٍ) ، فإنَّ ذلكَ يلزَمُهُ بمجرَّدِ اللَّفظِ.

стр. 285

* تعريف الكناية لغَةً: أن تتكلَّم بشيءٍ وتُريدُ غيرَهُ. واصطلاحًا: اللَّفظُ الَّذي استَتَرَ المعنىَ المُرادُ به فلاَ يُفهمُ إلاَّ بقرينَةٍ. مثلُ: كناياتِ الطَّلاقِ، وهيَ الألفاظُ الَّتي لا تدلُّ بلفظِهَا على الطَّلاقِ، كقولِ الرَّجلِ لزوجتهِ: (أمرُكِ بيدِكِ) ، أو (إلحقِي بأهلكِ) ، أو: (أنتِ عليَّ حرامٌ) ، أو (اذْهبِي فتزوَّجي من شِئتِ) ، أو: (خلَّيتُ سبلَكِ) ، أو: (انتهى ما بَينَنَا) ، أو غير ذلكَ من الألفاظِ ممَّا هو ليسَ بصريحٍ في الطَّلاقِ. * حكمها: لا يترتَّبُ على الكنايَةِ أثرٌ بمجرَّدِ اللَّفظِ حتَّى يقترِنَ بالنِّيَّةِ. فلو قالَ رجلٌ لزوجتِهِ: (خلَّيتُ سبيلَكِ) لم يدلَّ بنفسهِ على الطَّلاقِ حتَّى يقترِنً بنيَّةٍ، ولهُ أن يقولَ: (لم أقصِدِ الطَّلاقَ) ، فيُصدَّقُ بِدَعواهُ. والكِنايَةُ في الجانبِ التَّطبيقِيِّ لا تتَّتصلُ بنصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، إنَّما بتصرُّفاتِ المُكلَّفينَ. * * *

стр. 286

القسم الثالث دلالة اللفظ على المعنى ١ـ الواضح الدلالة * تعريفه: هو ما دلَّ على المُرادِ منهُ بنفسِ صيغتِهِ من غيرِ توقُّفٍ على أمرٍ خارجِيٍّ، وقد يحتملُ التَّأويلَ والنَّسخَ وقدْ لا يحتمِلُهُمَا، على ما سيأتي في ذكرِ مراتبِهِ. * حكمه: كلُّ نصٍّ واضحِ الدَّلالةِ يجبُ العملُ بما هوَ واضحُ الدَّلالةِ عليهِ، ولا يصحُّ تأويلُ ما يحتملُ التَّأويلَ منهُ إلاَّ بدليلٍ. * مراتبه: تُدركُ من أقسامِه التَّاليةِ، فهيَ مُرتَّبةٌ حسبَ الأدنَى في القُوَّةِ والظُّهورِ إلى الأعلَى في ذلكَ، فالظَّاهرُ أدناهَا، وأعلى منهُ النَّصُّ، فالمُفسَّرُ، فالمُحكَمُ. وفائدَةُ معرفةِ هذهِ المراتبِ تظْهرُ عندَ التَّعارُضِ بينَ نصَّينِ فيما يبْدُو للمجتهِدِ، كما سيأتي في مبحثِ (التَّعارُضِ) .

стр. 287

(١) الظاهر * تعريفه: هو ما دلَّ على المُرادِ منهُ بنفسِ صيغَتِهِ من غيرِ توقُّفٍ على أمرٍ خارجيٍّ، وليسَ المُرادُ منه هو المقصودَ أصالَةً من السِّياقِ ويحتملُ التَّأويلَ. * مثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، الآيةُ (ظاهرة) في حلِّ كلِّ بيعٍ وحُرمَةِ كلِّ رِبَا دالةٍ على ذلكَ بنفسِ صيغَتِهَا من غيرِ توقُّفٍ على قرينةٍ، لكنَّ هذا اللَّفظُ غيرُ مقصودٍ أصالَةً بسياقِ الآيةِ، فإنَّها سِقتْ لنفيِ المُماثَلَةِ بين البيعِ والرِّبا والرَّدِّ على من ادَّعى ذلكَ، حيثُ قال الله تعالى قبلَ ذلكَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ . * حكمه: ١ـ يجبُ العملُ بالظَّاهرِ بمُقتضَى ظاهرِهِ، ولا يحلُّ صرْفُه عن ظاهرِهِ إلاَّ بدليلٍ. ٢ـ يقبلُ التَّخصيصَ إن كانَ عامًّا، ويقبلُ التَّقييد إن كانَ مُطلقًا، ويحتملُ صرفَهُ عن حقيقَتِه إلى معنًى مجازيٍّ، إذا وردَ ما يصرِفُه عن الظَّاهرِ.

стр. 288

وهذا هو المقصودُ باحتِمالِه التَّأويل، (وانظُر معنى [التأويل] في آخرِ مبحثِ [النَّصِّ] ) . ٣ـ يحتَمِلُ أن يُرادَ عليهِ النَّسخُ في عهدِ التَّشريعِ. (٢) النص * تعريفه: هو ما دلَّ على المُرادِ منهُ بنفسِ صيغتِهِ من غيرِ توقُّفٍ علىأمرٍ خارجيٍّ، وهو المقصودُ أصالةً من السِّياقِ، ويحتملُ التَّأويلَ. * مثاله: حديثُ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: سألَ رجلٌ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسول الله، إنَّا نرْكَبُ البحرَ، ونحملُ معنَأ القليلَ من الماءِ، فإنْ توضَّأنَا به عطشْنَا، أفنتوضَّأُ بماءِ البَحرِ؟ فقالَ رسول الله ﷺ : ((هُو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحلُّ ميتَتُهُ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّنن] . فالمقصوُ بالسِّياقِ أصالةً هو ماءُ البحرِ، فقولهُ ﷺ : ((هُو الطَّهورُ ماؤُهُ)) نصٌّ في طُهوريَّتِهِ. * حكمه: يستوي معَ (الظَّاهِرِ) في أحكامِهِ المُتقدِّمة.

стр. 289

حقيقة التّأويل * يطلقُ على معانٍ ثلاثةٍ: ١ـ الحقيقةُ الَّتي يؤولُ إليهَا الكلامُ، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ [الأعراف: ٥٢ـ ٥٣] ، وعامَّةُ ماوردَ في القرآنِ من لفظِ (التَّأويلِ) فهوَ بهذا المعنَى. ٢ـ التَّفسيرُ، وهذا يقعُ في اصطلاحِ المفسِّرينَ للقُرآنِ، يقولونَ: (تأويلُ هذهِ الآيةِ كذا وكذَا) أيْ: تفسيرُهَا. ٣ـ صرفُ اللَّفظِ عن ظاهرِهِ بدليلٍ، وهذا اصطلاحُ الأصوليينَ. والأصلُ وُجوبُ العملِ بالظَّاهِر أو النَّصِّ وعدمُ اعتِبارِ مظِنَّةِ التَّأويلِ؛ حتَّى يوجدَ ما يصرفُ ذلكَ إلى معنى آخرَ. وصِفَةُ هذا الصَّارفِ وُجوبُ كونِهِ دليلاً شرعيًّا، كنصٍّ، أو قياسٍ صحيحٍ، أو أصلٍ عامٍّ من أُصولِ التَّشريعِ، فإذَا لم يكُن دليلاً مُعتبرًا في الشَّرعِ كانَ هوًى يجبُ أن تُنزَّه عنهُ نصُوصُ الدِّينِ وَأدلَّتُهُ. * أمثلةٌ للتَّأويلِ المُعتبر: [١] تخصيصُ الظَّاهرِ في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، عن بيُوعٍ، كبيعِ الغَرَرِ، وبيعِ المعدُومِ، وبيعِ

стр. 290

الثَّمرِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِهِ. [٢] تقييدُ الإطلاقِ في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ، بالدَّمِ المسفوحِ كما في قوله في الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] . [٣] تأويلُ قولهِ ﷺ : ((وصاعًا من تمرٍ)) في حديثِ: ((لا تُصرُّوا الإبلَ والغَنَمَ، فمَنِ ابتَاعَهَا بعدَ ذلكَ فهوَ بِخيرِ النَّظرينِ بعدَ أن يحلُبَهَا: فإن رضِيَهَا أمسكَهَا، وإن سخِطَهَا ردَّهَا وصاعًا من تمرٍ)) [متفقٌ عليه] ، بقيمةِ التَّمرِ، حيثُ أنَّ المقصودَ العِوضُ بدلاً من اللَّبنِ الَّذي احتلبَهُ، وذلكَ يقعُ بالتَّمرِ وغيرِهِ، وهذَا تأويلٌ قدْ فُهمَ وجهُهُ من حِكمةِ الشَّرعِ، فكانَ ظُهورُ ذلكَ دليلاً على صحَّةِ التَّأويلِ. ومثالُ التَّأويلِ بالهوَى: تأويلُ صِفاتِ ربِّ العالمينَ تباركَ وتعالَبى، كتأويلِ اليَدِ بالقُدرَةِ والنِّعمَةِ، وتأويلِ الاستِواءِ على العرشِ بالاستيلاءِ عليهِ، وتأويلِ نزولِه تعالَى كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيَا بنُزولِ رحمتِهِ، فهذِهِ وأشبَاهُهَا من صُورِ التَّأويلِ تحكُّمٌ في الغيبِ وقولٌ على الله بغيرِ علمٍ، علَى أنَّ هذا ليسَ من قبيلِ الأحكامِ الَّتي يسوغُ فيها النَّظرُ والاستِنباطُ، بلْ هوَ مِمَّا يجبُ الوُقوفُ فيه عندَ نصِّهِ إثباتًا مع اعتقادِ التَّنزيهِ للهِ ربِّ العالمِينَ عن مُشابَهَةِ الخلقِ.

стр. 291

(٣) المفسَّر * تعريفه: هو ما دلَّ بنفسِه على معناهُ المُفصَّلِ تفصيلاً ليسَ معهُ احتمالٌ للتَّأويلِ. * مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ، فذِكرُ العددِ ينفي احتمالَ التَّأويلِ. ومن هذَا كلُّ لفظٍ جاءَ مُجملاً في الكتابِ، وجاءتِ السُّنَّةُ برفعِ إجمالِه وفسَّرتْهُ، فهوَ (مفسَّرٌ) لا يحتملُ التَّأويلَ بمعنى غيرِ ما فُسِّر بهِ، كلفظِ (الصَّلاةِ، والزَّكاةِ) في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] ، فقد جاء في السُّنَّةِ تفسيرُ ذلكَ الإجمالِ ببيانِ صفةِ الصَّلاةِ وأحكَامِهَا، وأصنافِ الزَّكاةِ ومقاديرِهَا وما يتَّصلُ بها، فظهرَ المقصودُ بتفصيلِ السُّنَّةِ بما لا يُبقي مجالاً لتأويلِ تلكَ الألفاظِ. * حكمه: ١ـ يجبُ العملُ بهِ على الوجهِ الَّذي وردَ تفصيلُهُ عليهِ.

стр. 292

٢ـ يقبلُ أن يرِدَ عليهِ النَّسخُ في عهدِ التَّشريعِ إذا كانَ من الأحكامِ الَّتي يدخُلهَا النَّسخُ. * الفرقُ بينه وبين التأويل كلٌّ منهمَا تبيينٌ للمُرادِ من النَّصِّ، لكنَّ (المُفسَّرَ) تبيينٌ من قِبَلِ الشَّارِعِ فهوَ قطعيٌّ في تعيينِ المُرادِ، أمَّا (التَّأويلُ) فتبيينٌ بالاجتِهادِ، وما كانَ كذلكَ فليسَ بقطعيٍّ في تعيينِ المُرادِ. (٤) المحكم * تعريفه: هوَ ما دلَّ بنفسِهِ دلالةً واضحَةً على معناهُ الّضذي لا يقبلُ نسخًا ولا يحتملُ تأويلاً. * مثاله: ١ـ نصُوصُ العقائدِ، كالإيمانِ والتَّوحيدِ، فإنَّها لا تقبلُ التَّبديلَ والتَّغييرَ، كما لا تحتملُ التَّأويلَ، لأنَّ التَّأويلَ اجتهادٌ، ومثلُهَا لا يندرجُ تحتَ ما يجوزُ فيه الاجتهادُ. ٢ـ النُّصوصُ الَّتي أمرَتْ بأمَّهاتِ الفضائلِ الَّتي لا يُتصوَّرُ لهَا

стр. 293

تبديلٌ أو تغييرٌ، كنُصوصِ برِّ الوالدينِ وصلَةِ الأرحامِ، والأمرِ بالعدلِ والإحسانِ وتحريمِ الظُّلمِ والعُدوانِ. ٣ـ القواعدُ العامَّةُ الَّتي قامتْ عليها شرائعُ الإسلامِ، كرفعِ الحرَجِ، ومنعِ الضَّررِ، واعتبارِ الأمُورِ بمقاصِدِهَا. ٤ـ أحكامٌ فرعيَّةٌ جُزئيَّةٌ وردَ النَّصُّ بتأييدِهَا على الوجهِ المُفسَّرِ الَّذي وردَ ذلكَ النَّصُّ بهِ، كما في حديثِ المِعراجِ في قصَّةِ فرضِ الصَّلواتِ ومُراجعَةِ النَّبيِّ ﷺ ربَّهُ تعالى فخفَّفهَا من خمسينَ صلاَةً في اليومِ واللَّيلةِ إلى خمسٍ، فقال تعالى: ((هِي خمسٌ وهي خمسُونَ لا يُبدلَّلُ القولُ لديَّ)) ، فهذَا نصٌّ مُحكمٌ لا يقبلُ تأويلاً ولا نسخًا أنَّ الصَّلواتِ خمسٌ في اليومِ واللَّيلةِ. * حكمه: يجبُ قطعًا العملُ بما دلَّ عليهِ، وهو أعلَى أقسامِ (الواضِحِ الدَّلالَةِ) مرتبَةً، وهوَ حُجَّةٌ قطعيَّةُ الدَّلالَةِ. * * *

стр. 294

٢ـ غير الواضح الدلالة "تعريفه: هوَ ما لا يدُّ على المُرادِ منهُ بنفسِ صيغَتِهِ بلْ يتوقَّفُ فهمُ المُرادِ منهُ على أمرٍ خارجيٍّ. * مراتبه: تُدركُ من أقسامِه التَّاليَّةِ، فهيَ مُرتَّبةٌ حسبَ الأقلِّ في الخفاءِ والغُموضِ إلى الأشَدِّ في ذلكَ، فالخفيُّ أظهرُ من المُشكلِ، والمُشكِلُ أظهرُ من المُجملِ، والمُجملُ أظهرُ من المُتشابهِ. * * *

стр. 295

(١) الخفي * تعريفه: هوَ اللَّفظُ الَّذي يدلُّ على معناهُ دلالَةً ظاهرَةً، لكنْ في انطِباقِ معناهُ على بعضِ الأفرادِ خفاءٌ وغُموضٌ يحتاجُ كشْفُهُ إلى نظرٍ وتأمُّلٍ. وسببُ الخفاءِ في هذا الفردِ: أنَّ فيه صِفَةً زائدَةً على سائرِ الأفرادِ، أو ناقصَةً عنهُم، أو لهُ اسمٌ خاصٌّ أوردَ الاشتِباهَ. * مثاله: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، لفظُ (السَّارقِ) معناهُ ظاهرٌ، وهو (منْ يأخُذُ المالِ من حِرزِ مثلِهِ خُفيةً) . لكنْ هذا المعنى هلْ ينطبقُ على من تٌسمِّيهِ العامَّةُ (النَّشَّال) ، و (النَّبَّاشِ) ؟ (النَّشَّالُ) فيهِ صفةٌ زائدَةٌ على صِفَةِ السَّارقِ، فإنَّهُ جمعَ وصفَهُ وزادَ مهارَةً فيهِ وجُرأةً عليهِ، و (النَّبَّاشُ) نقصَ وصْفًا عنِ السَّارِقِ، وهو َكونُهُ لا يأخُذُ مملوكًا من حِرزٍ. فالاجتِهادُ ألحقَ (النَّشَّالَ) بـ (السَّارقِ) لأنَّهُ استوعَبَ وصفَهُ وزادَ، فهوَ أولى بِتناوُلِه الحُكمَ، لكن اختلفَ الفُقهاءُ في (النَّبَّاشِ) فمنهُم من ألحقهُ بـ (السَّارقِ) ، ومنهُم من جعَلَ النَّقصَ في وصفِهِ عن (السَّارق)

стр. 296

شُبهةً يُدرأُ بها الحدُّ. * حكمه: لايعملُ بهِ إلاَّ بعدَ إزالَبةِ الخفاءِ بالنَّظرِ والتَّأمُّلِ، فإنْ ظهرَ أنَّ اللَّفظَ يتناولهُ بوَجْهٍ من وُجوهِ الدَّلالةِ أخَذ حُكمَ ما دلَّ عليهِ ذلكَ اللَّفظُ، وإلاَّ لم يأخُذْ حُكمَهُ. (٢) المشكل * تعريفه: هوَ اللَّفظُ الَّذي لا يدلُّ بصيغتِهِ على المُرادِ منهُ، وإنَّما يتوقَّفُ فهمُ المُرادِ منهُ على قرينةٍ خارجيَّةٍ يُمكنُ التَّوصُّلُ إليها عن طريقِ البحثِ. * مثاله: يرِدُ في صُورتينِ: ١ـ اللَّفظُ المُشتركِ، كالَّذي تقدَّمً التَّمثيلُ لهُ بقولهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وأنَّ (القُرءَ) مُشتركٌ بين (الطُّهرِ) و (الحَيضِ) ، فأيُّهمَا المُرادُ؟ لا ريبَ أنَّ نفسَ لفظِ (قُروءٍ) في الآيةِ لا يرفَعُ الإشكالَ ويُبيِّنُ المُرادَ بنفسِهِ، بلْ يحتاجُ إلى قرينةٍ خارجيَّةٍ تعتَمِدُ على النَّظرِ والاجتهادِ، ولِذا كانَ من

стр. 297

موارِدِ اختلافِ الفُقهاءِ. ٢ـ النّصَّينِ ظاهرُهُما التَّعارضُ: ومثالُه من الكتابِ قولهُ تعالى في سورةِ السَّجدَةِ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] مع قولِهِ عزَّوجلَّ في سورةِ المعارجِ ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ، فهذا مُشكلٌ، ومنَ العُلماءِ من تقحَّم الجوابَ فقالَ باجتِهادِهِ، ومنهُم من توقَّفَ، وهذا شأنُ العالمِ عندَ العَجزِ عن التَّوفيقِ بينَ ما ظاهرُهُ التَّعارضُ، وهو واردٌ في الأحكامِ وفي غيرِهَا. فمنَ الأقوالِ في رفعِ الإشكالِ: أنَّه في الموضعينِ يومُ القِيامَةِ، والمعنى: أنَّ الزَّمانَ يطولُ بحسبِ الشَّدائدِ الواقعَةِ فيهِ، فيطولُ على قومٍ ويقصُرُ على آخرينَ بحسبِ الأعمالِ. وعنِ ابنِ أبي مُليكَةَ، قالَ: سألَ رجلٌ ابنَ عبَّاسٍ عن ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: فاتَّهمهُ، فقيلَ لهُ فيهِ، فقالَ: ما يومٌ ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ؟ فقالَ: إنَّما سألتُكَ لتُخبرَنِي، فقالَ: هُما يومانِ ذكرَهُما الله جلَّ وعزَّ، اللهُ أعلمُ بهمَا، وأكرهُ أن أقولَ في كتابِ الله بما لا أعلمُ [أخرجه جريرٍ في ((تفسيره)) ٢٩/٧٢ بسندٍ صحيحٍ] .

стр. 298

ومثالُه من السُّنَّةِ حديثُ أبي هريرَةَ ﵁ قالَ: إنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: ((لا عَدوَى ولا صفرَ ولا هامَّةَ)) فقال أعرابيٌّ: يا رسول الله، فما بالُ إبلِي تكونُ في الرَّملِ كأنَّها الظِّباءُ، فيأتي البعيرُ الأجرَبُ فيدخُل بينهَا فيُجربُهَا، فقال: ((فمن أعدَى الأوَّلَ؟)) [متفقٌ عليه] ، معَ قولهِ ﷺ في حديثِ أبي هريرةَ الآخرِ: ((لاعدوى ولا طِيرةَ ولا هامَةَ ولا صفرَ، وفرَّ من المجذُومِ فِرَارَك من الأسدِ)) [علَّقهُ البُخاريُّ] . دَلاَلةُ الحديثِ الأوَّلِ أنَّ كُلَّ شيءٍ بقدرٍ، وأنَّهُ لا يُعدَى شيءٌ شيئًا بنفسِهِ، وليسَ فيه نفيُ أسبابِ انتِقالِ المرضِ إذا وُجِدَ، والحديثُ الثَّاني دلَّ على اتِّقاءِ ما وُجِدَ فيه سببُ الإعداءِ من الأمراضِ، إذْ وجودُ السَّببِ يُهيِّءُ وُجودَ المُسبَّبِ ويُساعِدُ عليهِ، وإن كانَ لا يقعُ الإعداءُ إلاَّ بمشيئةِ الله عزَّوجلَّ، لِذا فإنَّهُ قد يقعَ وقدْ لا يقعْ، فجاءَ الأمرُ باتِّقائِهِ متناسِقًا مع أصْلِ هذهِ الشَّريعَةِ في الأخذِ بالأسبابِ، وهذا شبيهٌ بقولهِ ﷺ في الطَّاعونِ: ((إذا سمِعتُم بهِ بأرضٍ فلا تقدَمُوا عليهِ، وإذا وقعَ بأرضٍ وأنتُم بها فلا تخرُجوا فِرارًا منهُ)) [متفقٌ عليه] . وهذِهِ صُورةٌ من التَّأويلِ المُحتملِ لإعمالِ الدَّليلينِ وعَدمِ إهمالِ أحدِهِمَا. * حكمه: السَّبيلُ لإزالَةِ الإشكالِ في النُّصُوصِ هو الاجتِهادُ، فعلَى المجتهدِ

стр. 299

أن يبذُل وُسعهُ للوُقوفِ على المعنى المقصودِ، مُستعينًا بالقرائنِ أو بأدلَّةٍ أخرى من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ أو بأصولٍ شرعيَّةٍ عامَّةٍ. (٣) المجمل * تعريفه: هوَ اللَّفظُ الَّذي لا يدلُّ بصيغتهِ على المُرادِ منهُ، وليسَ ثمَّةَ قرينةٌ تُساعدُ على معرِفتِهِ، ولا تُفهمُ دلالَتُهُ إلاَّ ببيانٍ ممَّن أجملَهُ. * مثاله: ١_ الألفاظُ الشَّرعيّةُ الَّتي تتوقَّفُ معرفةُ المُرادِ منها على تفسيرِ الشَّارعِ لهَا، كلفظِ (الصَّلاَةِ والزَّكاةِ والصَّومِ والحجِّ) ، فإنَّ الشَّرعَ أرادَ بها غيرَ معناهَا اللُّغويِّ، ومجرَّدُ الأمرِ بها من غيرِ وُقوفٍ على بيانِ المُرادِ منها إجمالٌ، فهيَ لا تدلُّ على مُرادِ الشَّرعِ بمجرَّدِ صيغتِهَا، ولا طريقَ للعِلمِ بها إلاَّ بِبيانِ الشَّرعِ نفسِهِ. فلِذَا يُقالُ: (الصَّلاةُ) لفظٌ مُجملٌ في القرآنِ، لمْ يُفهَمُ المُرادُ بهِ إلاَّ بِبيانِ الرَّسُولِ ﷺ . ومن ذلكَ لفظُ (الحقِّ) في قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ، وقولهِ ﷺ : ((أُمرتُ أن أقاتِلَ النَّاسً حتَّى يشهدُوا أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويُقيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤتُوا

стр. 300

الزَّكاةَ، فإذا فعلُوا عصمُوا منِّي دِماءَهُمْ وأموالَهُم إلاَّ بحقِّهَا وحسابُهُم على الله)) [متفقٌ عليه عن ابنِ عُمرَ] ، فهذا لفظٌ مجهولُ القَدرِ أو مجهُولُ الجِنسِ، فيحتاجُ إلى البيانِ. ٢ـ اللَّفظُ المُشتركُ الَّذي لم يقُم دليلٌ على تعيينِ المُرادِ منهُ، كلفظِ (القُرءِ) المتقدِّمِ في قسمِ (المُشترَك) . ٣ـ اللَّفظُ الغريبُ المُبهمُ، كلفظِ (القارعَة) في قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ بيَّن الله تعالى مُرادَهُ منها بعدَ ذلك فقالَ: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ الآيات [القارعة: ٢ـ ٥] ، ولولاَ بيانُهُ عزَّوجلَّ لم نفهَمْ منهَا هذا المعنى. * حكمه: (المُجملُ) لتعذُّرِ العلمِ بالمُرادِ منه إلاَّ عن طريقِ الشَّرعِ، ولا مجالَ فيه للاجتهادِ، فالأصلُ فيه التَّوقُّفُ حتَّى يوجَدَ تفسيرُهُ من جهةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، فإنْ وُجدَ مُستوفًى لا شُبهَةَ فيه انتقلَ من وصفِ (المُجمل) إلى وصفِ (المُفسَّرِ) من أقسمِ (الواضِحِ الدَّلالةِ) ، وإن بيَّنَهُ الشَّرعُ بعضَ البيانِ مع بقيَّةِ خفاءٍ كانَ من قسمِ (المُشكِلِ) للاجتهادِ فيهِ مجالٌ. واعلمْ أنَّ كلَّ ما يثبُتُ به التَّكليفُ العمليُّ ويتَّصلُ به الفقْهُ فإنَّهُ يستحيلُ استِمرارُ الإجمالِ فيهِ، فلا بدَّ أن تكونَ الشَّريعَةُ بيَّنتهُ، وإنْ

стр. 301

كانَ قدْ تخفى معرفتُهُ على بعضِ أفرادِ العُلماءِ، فإنَّ العلمَ بحقيقةِ المُرادِ منهُ لاتخفى على جميعِ الأمَّةِ. * مسألة: قدْ يكونُ النَّصُّ مجملاً في بعضِ معناهُ بيِّنًا في بعضهِ، فيُعملٌُ بما كانَ بيِّنًا منهُ، ويُطلبُ بيانُ الإجمالِ في سائرِهِ، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، فهذا النَّصُّ واضحٌ في وجوبِ الإنفاقِ من المكاسبِ وممَّا تُخرجُه الأرضُ، مُجملٌ في بيانِ مقدارِ الواجبِ، فيُطلبُ بيانُهُ من غيرهِ. (٤) المتشابه * تعريفه: هوَ اللَّفظُ الَّذي لا تدلُّ صيغَتُهُ على المُرادِ منهُ، وليسَ ثمَّةَ قرائِنُ تُبيِّنُه، واستأثرَ الله عزَّوجلَّ بعلمِ حقيقتِهِ. هذا أفضلُ ما عرَّفُوا به (المُتشابهَ) ، وقَدِ اضْطرَبَتْ تعريفاتُ الأصوليِّينَ لهُ، مع أنَّهُم جعلوهُ مُقابلاً لـ (المُحكمِ) ، وهذهِ مُقابلَةٌ صحيحةٌ في كتابِ الله تعالى، والقُرآنُ يشهدُ لصحَّةِ التَّعريفِ المذكُورِ، وذلكَ أنَّ الله تعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ

стр. 302

مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ، فجعلَ (المُحكمَ) أُمَّ الكتابِ، و (أُمُّ الشَّيءِ) مُعظمهُ وأكثرُهُ، أمَّا (المُتشابه) فجاء فيه بلفظٍ يدلُّ على التَّقليلِ، وهذا هو المُتناسبُ مع ما أنزل الله تعالى القرآنَ لأجلِهِ، أن يكونَ أكثرُهُ واضحًا لا لبسَ فيه ولا إشكالَ، ما خفِي منهُ على فردٍ علِمهُ الآخرُ، وهذا معنى وصفِ القرآنِ بالهدايَةِ والتِّبيانِ والنُّورِ والضِّياء وماءِ الحياةِ والاستِقامَةِ، ثمَّ إنَّ الآية دلَّت على أنَّ الله تعالى استأْثرَ بِعلمِ (المُتشابه) ، لا يُدركُ حقيقتهُ حتَّى العُلماءُ، بلْ يقولُونَ: ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ، وما كانَ كذلكَ امتنعَ جزمًا أنْ يرادَ به التَّشريعُ للأمَّةِ، لأنَّ الله تعالى لا يُمكنُ أن يُكلِّفَ العِبادَ ما لا يُدركُ معناهُ خاصَّتُهُم من أهلِ الذِّكرِ والعلمِ الَّذين هُمُ المفزَعُ لمعرفةِ الدِّينِ. فإذا ظهرَ هذا علِمنَا امتنَاعَ دخولِ شيءٍ من الأحكامِ تحتَ معنَى (المُتشابه) . إذًا تسألُ: ما مِثالُ (المُتشابِه) ؟ * مثاله: نُصُوصُ صفاتِ الله عزَّوجلَّ، لا مِن جهةِ معانيها، فإنَّهَا بألفاظٍ

стр. 303

عربيَّةٍ مُدركَةِ المعاني، كصفاتِ الذَّاتِ، مثلُ: (اليَدِ، والوجهِ، والعينِ) ، أو صفاتِ الفِعلِ (كنفخِ الرُّوحِ، وإبدَاعِ الخلقِ، وإنزالِ الرِّزقِ) ، فهذهِ بألفاظٍ عربيَّةٍ لا يخفى العِلمُ بها، وإنَّما الاشتِباهُ في إدراكِ كيفيَّاتهَا وكُنههَا، فالله عزَّوجلَّ مع تعرُّفِهِ إلى خلقِهِ بأسمائِهِ وصِفاتِهِ، إلاَّ أنَّه احتجبَ عنهُم بذاتِهِ، وحذَّرهُمْ من أن يُقيمُوا له صورَةً في الأذهانِ، فقالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، فهوَ مع سمعِه وبصرِهِ وسائرِ صفاتِهِ الَّتي نُدركُ معاني ألفاظِهَا ونعلمُ فوارقَ ما بينهَا في دلالاتِها، إلاَّ أنَّه ليسَ كمِثلهِ شيءٌ فيها، فليسَ سمعٌ كسَمعِنَا ولا بصرٌ كبصرِنَا. والأمرُ في ذلكَ كلِّه على القاعدَةِ المالكيَّةِ، فقدْ سُئلَ الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ ﵀ عن استِواءِ الله تعالى على عرشِهِ؟ فقالَ: الكيفُ غيرُ معلومٍ، والاستِواءُ غيرُ مجهولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنهُ بدْعَةٌ. ومن الدَّليلِ على صحَّةِ هذا المِثالِ لـ (المُتشابِهِ) حديثُ عائشَةَ ﵂ قالتْ: تلاَ رسول الله ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الآية إلى آخرِهَا [آل عمران: ٧] ، قالتْ: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتُمُ الَّذينَ يتَّبعُونَ ما تشابَه منهُ فأولئِكَ الَّذينً سمَّى الله فَاحْذرُوهم)) [متفقٌ عليه] .

стр. 304

ومن النَّاسِ من زعَمَ أنَّ (المُتشابهَِ) هو الحُروفُ المقَطَّعةُ في أوائلِ بعضِ سُورِ القرآنِ، ولييسَ هُناكَ ما يمنعُ ذلكَ، خاصَّةً وأنَّها لم يُدركْ معناهَا، وخاضَ بعضُ العُلماءِ فيها من غيرِ فائدَةٍ، ولكنَّا نعلمُ يقينًا أنَّ الأمَّةَ لم تتفرَّقْ في الحُروفِ المُقطَّعةِ فرَقًا، ولمْ تتَّبع ذلكَ ليضلَّ فيه طوائفُ من الخلقِ، ولم يقعْ بها ضربٌ لنُصوصِ الكتابِ بِبعضِهَا، فأينَ الحُروفُ المقَطَّعةُ من قولهِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وأينَ هيَ من تحذيرِ رسولِ الله ﷺ ؟ هذا المِقدارُ كافٍ لإدراكِ حقيقةِ (المُتشابهِ) ، ولولاَ أنَّه من مقتضياتِ تتمَّةِ القولِ في دلالاتِ النُّصوصِ، لكانَ جديرًا بأن لا يُذكرَ في (علمِ أصُولِ الفِقهِ) فإنَّه ليسَ من موضُوعِهَا، لأنَّه كما تقدَّم لا يتَّصلُ به شيءٌ من التَّكاليفِ. * حكمه: الإيمانُ به كما ورَدَ من غيرِ تشبيهٍ ولا تكييفٍ، ولا تعطيلٍ ولاَ تحريفٍ، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧ـ ٨] .

стр. 305

القسم الرابع كيفية دلالة اللفظ على المعنى ١ـ عبارة النص * المقصودُ بها: دلالةُ اللَّفظِ على المعنى المُتبادِرِ فهمُه من نفسِ صيغَتِهِ. ويسمَّى (المعنى الحرفيَّ للنَّصِّ) . * مثال: أكثرُ أحكامِ الشَّريعةِ مُستفادَةٌ من عباراتِ نصُوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، والعلَّةُ في ذلكَ أنَّ الله تعالى أرادَ أن يكونَ قانونًا متَّبعًا، ولا يتهيَّأُ ذلكَ إلاَّ إذا كانَ مفهومًا مُدركًا للمُكلَّفِ دالاًّ على المُرادِ منهُ بنفسِ صيغةِ الخِطابِ. فلوْ أخذتْ لهُ مثالاً بقولهِ تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] ، فعبارةُ النَّصِّ دلَّتْ بلفظِهَا على أحكامٍ ثلاثةٍ هي: ١ـ إباحَةُ النِّكاحِ. ٢ـ تحديدُ تعدُّدِ الزَّوجاتِ بأربعٍ كحدٍ أقصَى. ٣ـ وُجوبُ الاكتِفاءِ بواحدَةٍ عندَ خوفِ الجورِ.

стр. 306

٢ـ إشارة النص * المقصود بها: دلالةُ اللَّفظِ على معنى غيرِ مقصودٍ من سياقِه، لكنَّهُ لازمٌ لِما يُفهمُ من (عبارَةِ النَّصِّ) . وقد يكونُ التَّلازُمُ بينَ (العبارَةِ) و (الإشارَةِ) ظاهرًا، وقد لا يُدركُ إلاَّ بِبحثٍ وتأمُّلٍ. * أمثلة: ١ـ قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نسائكم﴾ حتَّى قالَ: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عبارَةُ النَّصِّ: إباحةُ إتيانِ الزَّوجَةِ في ليلَةِ الصِّيامِ في أيِّ وقتٍ من اللَّيلِ، إلى ظُهورِ الفجرِ، وإشارَةُ النَّصِّ: أنَّ الجنابَةَ لا أثرَ لها في الصَّومِ، وذلكَ أنَّ من له أن يُجامعَ ولوْ في آخرِ لحظَةٍ من اللَّيلِ فإنَّهُ قد يُصبحُ جُنبًا، فلازِمُ الإباحَةِ أنَّ الجنَابَةَ لا أثرَ لهَا. ٢ـ قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] عبارَةُ النَّصِّ: وُجوبُ سُؤالِ أهلِ الذِّكرِ عندَ عدَمِ العِلمِ، والإشارَةُ: وُجوبُ إيجادِ أهلِ ذِكرِ لِيُسألُوا، إذْ لا يُمكنُ سُؤالُ

стр. 307

أهلِ ذِكرٍ لا وُجودَ لهُم. ٣ـ قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاق: ١٥] مع قولِهِ عزَّوجلَّ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] أشارَ إلى أنَّ أقلَّ مُدَّةِ الحملِ ستَّةُ أشهُرٍ. ٤ـ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢] دلالَةُ العبارَةِ: وُجوبُ النَّفقةِ للوَالِداتِ على الأبِ، ودلالةُ الإشارَةِ: وُجوبُ نفقةِ الابنِ عليهِ كذلكَ لنِسبَتِهِ إليهِ بقولهِ: ﴿لَهُ﴾ فهُو كما لا يُشاركُه أحدٌ في النِّسبةِ فلا يُشاركُه أحدٌ في وجوبِ هذهِ النَّفقَةِ. ٣ـ دلالة النص * المقصود بها: دلالَةُ اللَّفظِ على ثُبوتِ حكمِ المنطوقِ (أي: عبارة النَّصِّ) لمسكوتٍ عنهُ لاشتِراكِهِمَا في علَّةِ الحُكمِ. وهذهِ العلَّةُ تُدركُ بمجرَّدِ فهمِ اللُّغةِ، لا تتوقَّفُ على بحثٍ واجتهادٍ، وتدلُّ على كونِ المسكوتِ عنه أولَى بالحُكمِ من المنطُوقِ، أو مُساويًا لهُ. * أمثلته: ١ـ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، دلالَةُ

стр. 308

العبارَةِ: تحريمُ قولِ (أفٍّ) للوالدينِ، وهذا هوالمنطُوقِ، ودلالَةُ الدَّلالةِ: تحريمُ سبِّهمَا وشتمِهمَا ولعنِهمَا، وهذا هو المسكوتُ عنهُ، فنبَّه بمنعِ الأدنَى على منعِ ما هوَ أولى منهُ، وهوَ معنَى يُدركُ من غيرِ بحثٍ ولا نظرِ. ٢ـ قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، دلالة العبارةِ: أخْذُ الجزيَة من أهلِ الكتابِ صغارًا، ودلالَةُ الإشارَةِ: أخذُهَا من الوثَنِيِّ، لأنَّهُ أولى بالصَّغارِ من الكِتابيِّ، هذا الاستِدلالُ للمالكيَّةِ. وتقدَّمً في (القياسِ) تسميةُ هاتينِ الصُّورتينِ بـ (قياسِ الأولَى) . ٣ـ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ، دلالَةُ العبارَةِ: حُرمَةُ أكلِ أموالِ اليَتَامَى، وهذا هو المنطُوق، ودلالةُ الدَّلالَةِ: تحريمُ إحراقِها وإغراقِهَا، وهذا هو المسكوتُ عنهُ، فنبَّه بالمنعِ من الأكلِ على كُلِّ ما يُساويهِ في الإتلافِ. وتقدَّم في (القِياسِ) تسميةُ هذهِ الصُّورَةِ بـ (قياسِ المُساوَاةِ) .

стр. 309

* تنبيهان: ١ـ تُسمَّى (دلالة النَّصِّ) بـ (القِياس) تجوُّزًا لوجودِ معناهُ فيهَا، وإن كانَ فهمُهَا لا يتوقَّفُ على اجتهادٍ. ٢ـ تُعرفُ (دلالَةُ النَّصِّ) عند العُلماءِ بألقابٍ، هيَ: [١] مفهومُ المُوافقَة، والوجهُ فيهِ ظاهرٌ ممَّا تقدَّم. [٢] فحْوى الخِطابِ، و (الفَحوَى) المعنَى، ويُسمَّى بهذا إذا كانَ طريقُ الدَّلالةِ بالأولويَّة. [٣] لحنُ الخِطابِ، إذا كانَ طريقُ الدَّلالَةِ المُساواة. [٤] القياسُ الجليِّ، ووجهُهُ عدمُ الحاجَةِ في فهمِهِ إلى اجتهادٍ مع وجودِ صورةِ القِياسِ فيه. ٤ـ اقتضاء النص * المقصود به: المعنَى الَّذي لا تستقيمُ دلالَةُ الكلامُ إلاَّ بتقديرهِ. * من أمثلته: ١ـ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] عِبارَةُ النَّصِّ: تحريمُ أشخاصِ الأمَّهاتِ، وهذا لا معنَى له وليسَ

стр. 310

مُرادًا بالنَّصِّ قطعًا، فاقتضَى تقديرَ شيءٍ في الكلامِ لتَظهرَ دلالتُهُ، وذلكَ التَّقديرُ مُستفادٌ بمجرَّدِ امتناعِ دلالةِ العِبارَةِ، فكانَ المقدَّرُ ههُنَا: (نِكاحُهُنَّ) . ٢ـ قوله ﷺ : ((إنَّ الله وضعَ عن أمَّتي الخَطأ والنِّسيانَ وما استُكرهُوا عليهِ)) [حديثٌ صحيحٌ رواهُ ابن ماجة وغيرُهُ] ، فالعبَارَةُ: وضعُ نفسِ الخَطإ والنِّسيانِ وما يُكرهُ عليهِ، والواقعُ أنَّ الخطأ والنِّسيانَ وما يُكرهُ عليهِ أمورٌ موجودةٌ غيرُ موضوعةٍ، ولا ريبَ أنَّ الشَّارعَ ما أرادَ هذا المعنى، إنَّما هُنالكَ شيءٌ يجبُ تقديرهُ في الكلامِ يقتضيهِ النَّصُّ، وهوَ: (إثمُ) الخطإِ والنِّسيانِ وما أُكرهَ عليهِ. ٣ـ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] التَّقديرُ: فمنْ كان منكُم مريضًا أو على سفرٍ (فأفطرَ) فعدَّةُ من أيامٍ أُخرَ. ومثلهُ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، التقديرُ: فمن كانَ منكُم مريضًا أو بهِ أذًى من رأسِهِ (فحلقَ شعرَهُ) ففِدْيةٌ.

стр. 311

٥ـ مفهوم المخالفة * المقصود به: إثباتُ نقيضِ حكمِ المنطوقِ به للمسكوتِ عنهُ. ويسمُّونهُ (دليلَ الخطابِ) ، لأنَّ الخطابَ دلَّ عليهِ. * أنواعه: ١ـ مفهوم الصِّفة: هو أن يدلَّ اللَّفظُ المقيَّدُ بوصفٍ على نقيضِ حُكمهِ عندَ انتِفاءِ ذلكَ الوصفِ. ويدخلُ في (الصِّفةِ) كلُّ قيدٍ ليسَ بشرطٍ أو غايةٍ أو حصرٍ أو عددٍ أو لقبٍ، فهذه الخمسةُ سيأتي بيانُ دلالاتها مستقلَّةً. مثالهُ: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] المنطوقُ: وجوبُ تحريرِ رقبةٍ مؤمنَةٍ، والمفهومُ: منعُ تحريرٍ رقبةٍ كافرةٍ. ومنهُ حديثُ: ((وفي صدقةِ الغنمِ في سائمتِهَا إذا كانتْ أربعينَ إلى عشرينَ ومئَةٍ شاةٌ)) [أخرجه البخاريُّ في حديث أبي بكرٍ في الصَّدقاتِ] ، فعُلِّقتْ زكاةُ الغنمِ بوصفِ (سائمة) ، والسَّائمَةُ هي الَّتي ترعى بنفسِهَا لا تُعلفُ، هذا هو المنطُوقُ، والمفهومُ: لا زكاةَ في

стр. 312

المعلوفَة. ٢ـ مفهوم الشَّرطِ: هو أن يدلَّ اللَّفظُ المقيَّدُ بشرطٍ على ثبوتِ نقيضهِ عندَ انتِفاءِ الشَّرطِ. مثالهُ: قوله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤] ، المنطُوقُ: إباحَةُ ما طابتْ بهِ نفسُ الزَّوجَةِ من مهرِهَا، والمسكوتُ: حرمَةُ ذلكَ بغيرِ طيبِ نفسٍ منها. ٣ـ مفهوم الغاية: هو أن يدلَّ اللَّفظُ المقيَّدُ بغايةٍ على نقيضِ حكمِهِ عندَ انتفاءِ تلكَ الغايةِ. مثالهُ: قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ، المنطوقُ: وجوبُ قتالِ الفِئةِ الباغيَةِ لغايةِ أن تفيءَ، والمفهومُ: تركُ قتالِهَا بعدَ أن تفيءَ. ٤ـ مفهوم الحصر بـ (إنَّما) : هو إثباتُ الحكمِ لشيءٍ بصيغةٍ ونفيُهُ عمَّا عداهُ بمفهومِ تلكَ الصِّيغةِ.

стр. 313

وهو قد يقعُ بغيرِ (إنَّما) ، لكنْ هذا الَّذي يصحُّ اندراجُه منها تحتَ (أنواع المفهوم) . مثالهُ: قوله ﷺ : ((إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ)) [متفقٌ عليه] ، المنطوقُ: اعتبارُ الأعمالِ بالنِّيَّاتِ، والمفهومُ: عدمُ اعتبارهَا بغيرِ النِّيَّاتِ. ٥ـ مفهوم العددِ: هو أن يدلَّ اللَّفظُ المقيَّدُ بعددٍ على نقيضِ حُكمهِ عند انتفاءِ ذلكَ العَدد. مثالهُ: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] ، المنطوقُ: وجوبُ صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ، والمفهومُ: ما نقصَ عن ذلكَ أو زادَ عليهِ. ٦ـ مفهوم اللَّقب: هو دلالةُ اللَّفظِ الَّذي عُلِّقَ الحُكمُ فيهِ بالاسمِ العَلمِ على انتفاءِ ذلك الحُكمِ عن غيرِهِ. مثالهُ: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، مفهومهُ: غيرُ محمَّدٍ ليسَ رسولَ الله. وقولهُ ﷺ : ((في الحَجْمِ شفاءٌ)) [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أبو نُعيمٍ الأصبهاني في ((الحلية)) ٣/١٢١ بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الله بنِ سرْجِس] ، مفهومهُ: ليسَ في غيرِ الحَجْمِ شفاءٌ.

стр. 314

* حجية المفهوم هلْ مفهومُ المخالفَةِ حُجَّةٌ؟ في ذلك تفصيلٌ، وهو ورادٌ على ثلاثةِ أقسامٍ: ١ـ ليسَ بحُجَّةٍ عندَ جمهورِ العلماءِ إلاَّ في قولٍ شاذٍّ قال بهِ بعضُ الشَّافعيَّة والحنابلَةِ، وهو (مفهومُ اللَّقبِ) ، وفسادُه ظاهرٌ. ٢ـ حجَّةٌ اتِّفاقًا، وهو أنواعُ المفهومِ الأخرى (الوصفُ، والشَّرطُ، والغايةُ، والحصرُ، والعددُ) في غيرِ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّة، أيْ: في ألفاظِ النَّاسِ في العُقودِ والمُعاملاَتِ وعباراتِ المؤلِّفينَ والفقَهاءِ. فقولُ القائلِ: (وقفُ هذه الدَّارَ على طلََةِ العُلومِ الشَّرعيَّة) نصٌّ في اختصاصِهم بها، مفومُهُ: ليستْ وقفًا على غيرهِم، وإذا قالَ: (إنَّما هذا لكَ) أيْ: ليسَ لغيرِكَ. ٣ـ مختلفٌ فيه على مذهبينِ مشهورينِ: [١] أكثرُ العلماءِ: المفاهيمُ الخمسَةُحجَّةٌ في جميعِ النُّصوصِ، لافرقَ في الاعتِدادِ بها بينَ نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، أو اعتبارَاتِ النَّاسِ، ومنهُم من يتردَّدُ في بعضهَا كفهومِ (العَدَد) . ومن الدَّليلِ على الاحتجاج بها: أنَّه المتبادرُ إلى الفهمِ من أساليبِ العربيَّة، فقولُك لإنسانٍ: (إنْ تفعلِ الخيرَ تُفلحْ) دالٌّ بمفهومِه على: (إن لا تفعلِ الخيرَ لا تُفلِحُ) ، وإلاَّ فلا فائِدَةَ من تعليقِ الجزاءِ على

стр. 315

الشَّرطِ. ورَوَى مُسلمٌ عن يعلى بنِ أُميَّةَ قالَ: قلتُ لِعُمرَ بنِ الخطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقدْ أمنَ النَّاسُ؟ فقالَ: ((صدَقَةٌ تصدَّقَ الله بها عليكُم فاقبَلُوا صدَقتَهُ)) . فهذا دليلٌ على صحَّةِ الاستِدلالِ بالمفهومِ عندَهُم، فإنَّ سليقَةَ عُمرَ العربيَّة جعلتْهُ يعجبُ من بقاءِ الحُكمِ عندَ انتِفاءِ الشَّرطِ لأنَّه مُدركٌ أنَّ الأصلَ عدَمُهُ، حتَّى بيَّن لهُ النَّبيُّ ﷺ أنَّ بقاءَ الحُكمِ صدَقَةٌ من الله تعالى على المُسلمينَ. [٢] الحنفيَّةُ ووافقَهُم بعضُ العلماءِ من غيرِهِم: ليسَ بِحُجَّةٍ في نُصوصِ الشَّريعَةِ. والسَّببُ أنَّهُم رأوْا كثيرًا من صُورِ المفهومِ غيرَ مُرادَةٍ. * الراجح: صحَّةُ أن يكونَ المفهومُ مُدركًا من لسانِ العربِ وأساليبِهَا، تدلُّ على أنَّهُ لا يصلُحُ اعتبارُ الاستِدلالِ به في سائرِ الكلامِ العربيِّ دُونَ نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، لكن يجبُ أن يُضبطَ بِبعضِ الشُّروطِ لإخراجِ ما لا يصحُّ أن يُستدلَّ به لهُ.

стр. 316

* شُروط صحته: ١ـ أن يسلمَ الحُكمُ من المُعارضِ. فمفهومُ قوله ﷺ : ((وفي صَدَقةِ الغنمِ في سائمتِهَا إذا كانتْ أربعينَ إلى عِشرينَ ومئَةٍ شاةٌ)) [أخرجه البُخاريُّ] ، أن لا زكاةَ في المعلوفَةٍ، بشرطِ أن لا يكونَ الدَّليلُ ثبتَ بوجوبِ الزَّكاةِ فيهاَ. فاستِدلالُ بعضِ المالكيَّةِ بمفهومِ قوله ﷺ : ((الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِهَا من وليِّهَا)) أنَّ البِكرَ تُجبرُ، استِدلالٌ بالمفهومِ مع قيامِ المُعارضِ، كما أشعرَ به سِياقُ الحديثِ بتمامِهِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: ((الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها من وليِّها، والبِكرُ تُستأمَرُ وإذْنُها سُكوتهَا)) [أخرجه مسلمٌ من حديث ابن عبَّاسٍ] ، بل هو كذلكَ عندَ مالكٍ في ((موطَّئهِ)) بلفظ: ((الأيِّمُ أحقُّ بنفسهَا من وليِّهَا، والبِكرُ تُستأذَنُ في نفسِهَا، وإذنُهَا صُماتُها)) ، فلو صحَّ إجبارُهَا لم يكُن لاستِئذانِها معنَى، وثبتَ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرهِ أنَّ جاريَةً بِكرًا أتَتِ النَّبيَّ ﷺ ، فذكرتْ أنَّ أباهَا زوَّجَها وهي كارِهةٌ، فخيَّرها النَّبيُّ ﷺ [أخرجه أبوداود وغيرهُ، وهو صحيحٌ] . وممَّا سقطَ فيه اعتبارُ المفهومِ المُعارضِ فصَّةُ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ المتقدِّمَةُ في قصرِ الصَّلاةِ. ومن ذلكَ قولُه ﷺ : ((إنَّما الرِّبا في النَّسيئة)) [متفقٌ عليه من حديثِ أُسامَةَ بن زيدٍ، واللَّفظُ لمُسلمٍ] ، فكانَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄ يحتجُّ

стр. 317

بمفهومِ هذا الحديثِ بنفيِ الرِّبا في غيرِ النَّسيئةِ وحصْرِه في النَّسيئةِ، وإنَّما خالفهُ غيرُهُ من الصَّحابةِ كأبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ وغيرِه لا في صحَّةِ إفادَةِ الحصرِ بهذهِ الصِّيغةِ، وإنَّما لثُبوتِ المُعارضِ عندَهُم عن رسول الله ﷺ ، وهو ثبوتُ تحريمٍ ربا الفضلِ. ٢ـ أن لا يكونَ خرَجَ مخرجَ الغالبِ. فمثالُ ما سقطتْ فيه دلالةُ المفهومِ لمجيئِهِ على هذا المعنَى: قولهُ تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ، فهذا شرطٌ لا مفهومَ لهُ؛ لأنَّ الإكراهَ لا يقعُ عادةً مع الرَّعبةِ في البِغاءِ؛ إنَّما يقعُ وهُنَّ يُردْنَ العِفَّةَ، فالمَعنَى: لا يحلُّ إكراهُهُنَّ على البِغاءِ أرَدْنَ تحصُّنًا أو لم يُرِدْنَ. وتقدَّم في (المُطلقُ والمقيَّدِ) قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نسائكم اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] ، فقولهُ: وصفٌ لكنَّهُ لا أثرَ لهُ وإنَّما خرجَ مخرَجَ الغالبِ، لأنَّ بنتَ الزَّوجةِ تكُونُ غالبًا مع أُمِّهَا. ومن ذلكَ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] ، فلا مفهومَ لهُ في جوازِ أكلِ القليلِ من الرِّبا، وإنَّما خرجَ هذا مخرجَ الغالبِ، فإنَّ أحدَهُم كانَ يقولُ لمن لهُ عليهِ الدَّينُ: إمَّا أن تقضي وإمَّا أن تُربيَ، فإن قضَى وإلاَّ زادَهُ، حتَّى يصيرَ

стр. 318

ذلكَ أضعافًا مُضاعفَةً. ٣ـ أن لا يقصَدَ به تهويلُ الحُكمِ وتفخيمُهُ. أن لا يقصد به تهويلُ الحكمِ وتفخيمهُ. كقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ، وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] ، فلا يُقالُ: لا تجبُ مُتعة الطَّلاقِ على غيرِ مُحسنٍ ولا متَّقٍ، لأنَّ الحكم في الأصلِ يتناولُ كُلَّ مكلَّفٍ، إلاَّ أنَّ مخاطبةَ المكلَّفِ بوصفِ الإحسانِ والتَّقوى تذكيرٌ له بما يجبُ عليه بمقتضَى هذينِ الوصفينِ، وفي ذلكَ تعظيمُ جانبِ الأمرِ والنَّهي وتقويةٌ للباعثِ على الامتِثالِ، ولو قيلَ لمسلمٍ: (إن كنتَ تتَّقي الله فافْعلْ كذا) ، فإنَّه لا يخفى أثرُ هذا الخطابِ في الإشارَةِ إلى عظمةِ ذلك الشَّيء المأمورِ به ورفعَةِ قدْرِه ومنزلتِه، مع ما يقترنُ به من زجرِ القُلوبِ الغافلةِ، ولا يقولُ المخاطبُ حينئذٍ: (لا يشملُني الخِطابُ، لأنِّي لستُ من المتَّقينَ بمفهُومِ اللَّفظِ؛ وإنَّما هذا خِطابٌ للمتَّقينَ خاصَّةً) . ٤ـ أن لا يكونَ مخرَجَ الجوابٍِِ على سُؤالٍ معيَّنٍ. مثلُ قوله ﷺ : ((صلاَةُ اللَّيلِ مثنَى مثنَى)) [متفقٌ عليه] ، فهذا النَّصُّ لا مفهومَ لهُ، فلا يُقالُ: (صلاَةُ غيرِ اللَّيلِ ليسَتْ مثنَى مثْنَى) بسببِ أنَّ الحديثَ جاءَ جوابًا عن صلاَةِ اللَّيلِ خاصَّةً فلا يتعدَّاهَا

стр. 319

لإفادَةِ حكمِ غيرهَا، فعنْ عبدِالله بنِ عُمرَ ﵄: أنَّ رجلا ً سأل النَّبيَّ ﷺ وأنا بينهُ وبينَ السَّائلِ، فقالَ: يا رسول الله، كيفَ صلاةُ اللَّيلِ؟ قالَ: ((مثنَى مثنَى، فإذا خشيتَ الصُّبحَ فصلِّ ركعَةً، واجْعلْ أخرِ صلاتِكَ وِترًا)) [متفقٌ عليه] . ٥ـ أن لا يكونَ أُريدَ بهِ المُبالغَةُ. كقوله تعالى لنبيِّه ﷺ في شأنِ المُنافقينَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ، فالعدَدُ هُنَا لا مفهومَ لهُ، إنَّمَا خرَجَ على سبيلِ المُبالغَةِ، والمعنَى: مهمَا استَغْفرتَ لهُم، وهذا مُؤيِّدٌ بحديثِ عُمرَ ﵁ قالَ: لمَّا ماتَ عبدُالله بنُ أُبيٍّ ابنُ سلُولَ دُعيَ رسول الله ﷺ ليُصلِّي عليهِ، فلمَّا قامَ رسول الله ﷺ وثَبْتُ إليهِ، فقلتُ: يا رسول الله، أتُصلِّي على ابنِ أُبيٍّ وقد قالَ يومَ كذَا: كذا وكَذا؟ قالَ: أُعَدِّدُ عليهِ قولهُ، فتبسَّم رسول الله ﷺ وقالَ: ((أخِّرْ عنِّي يا عُمرُ)) فلمَّا أكثرتُ عليه قالَ: ((إنِّي خُيِّرتُ فاختَرْتُ، لو أعلمُ أنِّي إنْ زِدْتُ على السَّبعينَ يُغفرُ لهُ لزِدتُ عليهَا)) ، قالَ: فصلَّى عليه رسول الله ﷺ ثمَّ انصرَفَ، فلم يمكُثْ إلاَّ يسيرًا حتَّى نزلتِ الآيتانِ من برَاءَةِ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى قولهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] ، قالَ: فعجِبتُ بعدُ من جُرأتِي على رسول الله ﷺ ، والله ورسُولهُ أعلمُ [أخرجهُ البخاريُّ] ، ففيهِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ظنَّ أنَّ العَدَدَ للمُبالغَة، كما رجا

стр. 320

أن ينفعَ الاستِغفارُ لو زادَهُ على السَّبعينَ رغبةً منهُ في رحمةِ أُمَّتِه ﷺ ، كمَا يدلُّ عليهِ صرَاحَةً روايةُ عبدِالله بنِ عُمرَ ﵄ لهذه القصَّةِ، حيثُ قال فيها ﷺ : ((وسأزيدُه على السَّبعينَ)) [متفقٌ عليه] ، فلمَّا نزلتِ الآيتَانِ بعدَ ذلكَ تأكَّد الظَّنُّ بأنَّ العدَدَ كانَ للمُبالغَةِ. ٦ـ أن لا يُقصدَ بالسِّياقِ التَّنبيهُ على معنَى يصلُحُ القياسِ عليهِ بطريقِ المُسَاواةِ أو الأولويَّة. مثلُ قوله ﷺ : ((خمسٌ من الدَّوابِّ كلُّهنَّ فاسقٌ يُقتلْنَ في الحرمِ: الغُرابُ، والحِدَأة، والعقربُ، والفأرَةُ، والكلبُ العقُورُ)) [متفقٌ عليه من حديثِ عائشةَ] ، فالعددُ هُنا لا مفهومَ لهُ وإنَّما جاء ذِكرُ هؤلاءِ الخمسِ لأذيَّتِهنَّ، وقد يوجدُ هذا المعنَى في غيرهنَّ من دوابِّ الأرضِ أو الطَّيرِ بما يُساويهنَّ في الأذيَّةِ أو يزيدُ عليهنَّ ممَّا لا يكونُ صيدًا، فيكونُ لهُ حُكمهنَّ. فمتَى تحقَّقتْ هذه الشُّروطُ كان الاحتِجَاجُ بالمفهومِ صحيحًا معتبرًا جاريًا على أسلوبِ أهلِ اللِّسانِ، وإنَّما تُذكرُ هذه الشُّروطُ لاحتِرازَاتِ شرعيَّةٍ لا من جهَةِ اللُّغة. * * *
следующие страницы →