← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 22397

مناظرة بين الإسلام والنصرانية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (477 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١) . وقال تَعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) . وقال تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٣) . وقد بين أن معاملة المعتدين إنما تكون على قدر اعتدائهم، فقال تعالى: - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) . ومن هذه النصوص وغيرها -وهو كثير- نرى أن ابتداء الاعتداء كان من المشركين، وكان اعتداء على الحرية الدينية، ومحاولات متكررة، وبشتى الأساليب لفتنة المؤمنين في عقيدتهم، وصرفهم عن دينهم، وصدهم عن سبيل ربهم. كذلك نستبين من هذه النصوص وغيرها -وهو كثير- أن المسلمين لما طولبوا وخوطبوا برد العدوان، طولبوا وخوطبوا -أيضًا- بأمرين هامين هما:

стр. 317

١- عدم الاعتداء ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣٠ والاعتداء هنا، هو أن يقاتلوا من لم يبدأهم بقتال، ومن لم يضع العقبات والعراقيل في سبيل تقدم الدعوة الإسلامية الهادية. ٢- والتقوى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) . والتقوى -هنا- هي الالتزام بالفضيلة، فلا يجرفهم تيار العداوة إلى التشبه بأعدائهم فيما يفعلون، من العدوان على الأعراض، والتمثيل بالقتلى. . . وما إلى ذلك من أسلوب شركي جاهلي إرهابي خبيث. ثم. . . إن الذين يراجعون (السيرة النبوية) وما جرى للمسلمين من اضطهاد وتعذيب، وفتنة وتشريد، يعلمون أن الباعث على (الحرب الإسلامية) إنما هو رد العدوان، وإيقاف المد الهمجي الرهيب للظلم والطغيان، ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٢) . هذا هو مجمل الحديث عن القتال في شبه الجزيرة العربية، وهذه هي باختصار شديد ومفيد، أسبابه ودوافعه! لقد تجمع الشرك بكل قدراته، وجحافله، وألقى بأفلاذ أكباده، ليضرب الإسلام في معقله، وبين أنصاره من أهل (المدينة) !! فنزل قول الله تعالى: - ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) . . تلك كانت حال (الحروب الإسلامية) داخل الجزيرة! أما حال هذه الحروب خارج الجزيرة: -

стр. 318

فلقد وجه الرسول ﷺ كتبه ورسله إلى الملوك والرؤساء، إلى هرقل، وإلى المقوقس، وإلى كسرى. . وإلى غيرهم. . بل وإلى أمراء بعض البلاد العربية النائية. . . فما كان جواب أكثرهم إلا الإساءة، سواء أكانت إساءة قولية أم فعلية!! ومن تتبع صفحات التاريخ، نرى أن الباعث على (الحرب الإسلامية) إنما هو دفع الأذى، وتمكين الدعوة، ومقاومة الشر، ومكافحة الطغيان. . . ولم يكن ثمة إكراه على دين، أو قهر على إيمان، قال تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) . . وقال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . . ولم يثبت أن النبي ﷺ أكره أحدًا على الدين بل ثبت عكس ذلك، وهو، أن بعض الأنصار أراد أن يكره ولده على الإسلام فنهاه النبي ﷺ عن ذلك. ويقول تعالى: - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣) . .

стр. 319

وهنا نتوقف لنستعرض بعض النصوص التي تلقي الضوء على أسلوب النبي ﷺ ووصاياه في الحرب، سواء أكان ذلك في وقت الإعداد لها أم في وقت مباشرتها أم في أعقابها. ١- كان النبي ﷺ يدعو المؤمنين إلى عدم تمني لقاء العدو، فكان يقول: «لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا» (١) . ٢- ولقد كان ﷺ حريصًا على منع القتال حتى بعد أخذ الأهبة له، فهو يقول لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن قائدًا: «لا تقاتلوهم حتى تدعوهم، فإن أبوا فلا تقاتلوهم حتى يبدأوكم، فإن بدأوكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلًا، ثم أروهم ذلك، وتولوا لهم: هل إلى خير من هذا من سبيل، فلأن يهدي الله على يديك رجلًا واحدًا خير مما طلعت عليه الشمس وغربت» . ٣- ولقد قال النبي ﷺ في وصف دعوته وحربه: «أنا نبي الرحمة، وأنا نبي الملحمة» . والرحمة والملحمة متلازمتان في حروب النبي ﷺ . . .! فالرحمة الحقيقية إنما تكون في قطع أصول الفساد، وإيقاف انتشار الجريمة والشر. ٤- وكان النبي ﷺ يوصي جنده بتأليف القلوب، لا بإتلاف النفوس، فهو يقول: «تألفوا الناس، وتأنوا بهم، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل مدر أو وبر أن تأتوني بهم مسلمين، أحب إلي من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم» .

стр. 320

٥- وكان النبي ﷺ يوصي جيشه المحارب بألا يقوم بإتلاف زرع أو قطع شجر، أو قتل الضعاف من الذرية والنساء والرجال الذين ليس لهم رأي في الحرب، ولم يشتركوا فيها من قريب أو بعيد، ومن ذلك قوله: «سيروا بسم الله، في سبيل الله، وقاتلوا أعداء الله، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا» . ويقول ﵊ لخالد بن الوليد ﵁: «لا تقتل ذرية ولا عسيفًا: أي عاملًا» . ٦- وكان النبي ﷺ يشدد في المنع من قتل الأطفال والنساء والشيوخ الذين لا يحاربون، وليس لهم رأي في الحرب. فقد مر النبي ﷺ على القتلى، فرأى امرأة مقتولة، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» . وقال: «ما بال أقوام تجاوز بهم القتل حتى قتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية، ألا لا تقتلوا الذرية» . ٧- وكان النبي ﷺ ينهى عن المثلة -ولو فعلها المشركون مع المسلمين- قال: «إياكم والمثلة» . ٨- ويأمر النبي ﷺ بدفن قتلى المشركين، ولم يترك جثثهم نهبًا لوحوش الأرض، وسباع الطير، إذ «أمر ﷺ بوضع جثث القتلى من قريش في (القليب) وهي بئر جافة» . كما نهى ﷺ عن الإجهاز على الجرحى. ٩- وكانت حرب النبي ﷺ تنتهي بأحد أمور ثلاثة:

стр. 321

أولها - (الموادعة) ، قال تعالى ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١) . . وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٢) . . ثانيها - (الصلح وإنهاء الحرب) ويكون هذا الصلح على أساس العدالة والوفاء. ولأنه صلح منه للحرب بعد وقوعها، لذا لزم أن يكون مقرونًا بإعلان الإسلام في ربوع الديار التي كان النصر فيها للمؤمنين. وثالثها - (النصر المبين) ويكون بإعلاء كلمة الله، كما قال تعالى ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٣) . . ١٠- وكان موقف النبي ﷺ من أعدائه المنهزمين موقفًا كريمًا للغاية. ونضرب مثلًا واحدًا لهذا المعنى الإنساني النبيل: لقد كانت آخر حرب للنبي ﷺ مع قريش هي التي انتهت بفتح مكة للإسلام والمسلمين. . .! ثم. . . ماذا؟ ثم التقى النبي ﷺ مع هؤلاء الذين آذوه وعادوه واضطهدوا أصحابه، وساؤهم سوء العذاب. . . حتى إن منهم من مات تحت وطأة العذاب، وضراوة الفتنة. .

стр. 322

فماذا قال لهم النبي ﷺ ؟ وماذا قالوا له؟ «قال لهم: " ما تظنون أني فاعل بكم "؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم!! فقال لهم: " لا أقول لكم إلا ما قاله أخي يوسف ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١) . . اذهبوا فأنتم الطلقاء» (٢) !!! ١١- وموقفه ﷺ من الأسرى، موقف كريم رحيم، وهو أعرف من أن يعرف- فهو الذي يقول: «استوصوا بالأسرى خيرًا» . ولقد قام صحابته رضوان الله عليهم بما أمرهم به خير قيام، حتى أثنى الله عليهم بقوله ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٣) . .

стр. 323

الحرب في الأسفار المقدسة بعد هذا الاستعراض الموجز الأمين لأسلوب (الحرب الإسلامية) كما تحدث عنها القرآن الكريم والسنة المطهرة. . .! نقدم الصورة المقابلة، وهي صورة (الحرب الدينية) كما تحدثت عنها الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى! وبضدها تتميز الأشياء. . . كما قال سلفنا العلماء! وسنرى مدى البشاعة والشناعة التي تظهرها هذه الصورة الأخيرة. . .! (ولا نزيد في التعليقات عن هذا الحد، لأننا نريد للنصوص أن تتكلم، وأن تقول كل شيء!) . في الإصحاح العشرين من سفر التثنية (عدد ١٠ وما بعده) : (حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمة فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك. هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة عنك جدًّا التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا. وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة ما، بل تحرمها تحريمًا، الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين كما أمرك الرب إلهك، لكي لا يعلموكم أن تعملوا حسب جميع أرجاسهم التي عملوا لآلهتهم فتخطئوا إلى الرب إلهكم ".

стр. 324

فظهر من هذا النص (المقدس- طبعًا!!) أن الله أمر بأن يقتل بحد السيف كل ذي حياة من ذكور وإناث وأطفال الشعوب الستة: ١- الحثيين. ٢- والأموريين. ٣- والكنعانيين. ٤- والفرزيين. ٥- والحويين. ٦- واليبوسيين. وأمر فيما عداهم بأن يدعو: أولًا: إلى الصلح، فإن رضوا به، وقبلوا الطاعة والخضوع وأداء الجزية، فبها. ثانيًا: وإن لم يرضوا، يحاربوا. ثالثًا: فإذا تم الظفر بهم، يقتل كل ذكر منهم بحد السيف، وتسبى نساؤهم وأطفالهم، وتنهب دوابهم وأموالهم، وتقسم على المحاربين. وهكذا يفعل بكل الشعوب البعيدة عن الشعوب الستة. وفي الإصحاح الثالث والعشرين من سفر الخروج (عدد ٢٢ وما بعده) : " فإن ملاكي يسير أمامك ويجيء بك إلى الأموريين والحثيين والفرزيين والكنعانيين والحويين واليبوسيين فأبيدهم، لا تسجد لآلهتهم ولا تعبدها ولا تعمل كأعمالهم بل تبيدهم وتكسر أنصابهم ". وفي الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر الخروج (عدد ١١ وما بعده) جاء أيضًا- في شأن هؤلاء الشعوب الستة: " احفظ ما أنا موصيك اليوم. ها أنا طارد من قدامك الأموريين والكنعانيين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، احترز من أن تقطع عهدًا مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فخًا في وسطك بل تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم ".

стр. 325

وفي الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر العدد (عدد ٥٠ وما بعده) : " وكلم الرب موسى في عربات موآب على أردن أريحا قائلًا: كلم بني إسرائيل وقل لهم: إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم، تملكون وتسكنون فيها لأني قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها وتقتسمون الأرض بالقرعة حسب عشائركم، الكثير تكثرون له نصيبه، والقليل تقللون له نصيبه. حيث خرجت له القرعة فهناك يكون له. حسب أسباط آبائكم تقتسمون. وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكًا في أعينكم ومناخس في جوانبكم، ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها. فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم ". وفي الإصحاح السابع من سفر التثنية (عدد ١ وما بعده) : (متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتملكها وطرد شعوبًا كثيرة من أمامك الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين، سبع شعوب أكثر وأعظم منك. ودفعهم الرب إلهك أمامك وضربتهم فإنك تحرمهم، لا تقطع لهم عهدًا ولا تشفق عليهم ولا تصاهرهم، بنتك لا تعط لابنه وبنته لا تأخذ لابنك؛ لأنه يرد ابنك من ورائي فيعبد آلهة أخرى فيحمى غضب الرب عليكم ويهلككم سريعًا، ولكن هكذا تفعلون بهم؟ تهدمون مذابحهم، وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم، وتحرقون تماثيلهم بالنار؟ لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك ".

стр. 326

فنعلم من هذا النص (المقدس- طبعًا! !) أن الله أمر بإهلاك كل ذي حياة من الأمم السبع، وعدم الشفقة عليهم، وعدم إبرام أي معاهدة معهم، وتخريب مذابحهم، وتكسير أصنامهم، وإحراق أوثانهم، وتقطيع سواريهم، وطالب بإهلاكهم، وشدد في ذلك تشديدًا بليغًا، حتى قال لهم إن لم ينفذوا: " إني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم ". ثم إن هناك ملاحظة -ليست عابرة- تتعلق بعدد هؤلاء الأمم والشعوب. . لقد قال النص عنهم إنهم " أكثر وأعظم منك ". ولكي نقف على إحصاء تقريبي لعدد هؤلاء الشعوب، نقول: قد ثبت في الإصحاح الأول من سفر العدد، أن عدد بني إسرائيل الذين كانوا صالحين لمباشرة الحروب، وكانوا أبناء عشرين سنة فما فوقها، هو ٥٥٠، ٦٠٣ رجلًا. وإن اللاويين الذين لم يبلغوا عشرين سنة خارجون عن هذا العدد. ولو أخذنا عدد جميع بني إسرائيل، وضممنا المتروكين والمتروكات كلهم إلى المعدودين لبلغ العدد ما لا يقل عن مليونين ونصف المليون. ولننقل (النص المقدس ١١) بكامله ليحدد لنا هذه الأرقام. جاء في الإصحاح الأول من سفر العدد (العدد ٢٠ وما بعده) : " فكانوا بنو رأوبين بكر إسرائيل تواليدهم هم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء برؤوسهم كل ذكر من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، كان المعدودون منهم لسبط رأوبين. ستة وأربعين ألفًا وخمسمائة. بنو شمعون تواليدهم هم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم المعدودين منهم بعدد الأسماء برؤوسهم كل ذكر من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب المعدودون منهم لسبط شمعون. تسعة وخمسون ألفًا وثلاثمائة.

стр. 327

بنو جاد تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط جاد: خمسة وأربعون ألفًا وستمائة وخمسون. بنو يهوذا تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط يهوذًا: أربعة وسبعون ألفًا وستمائة. بنو يساكر تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط يساكر: أربعة وخمسون ألفًا وأربعمائة. بنو زبولون تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط زبولون: سبعة وخمسون ألفًا وأربعمائة. بنو يوسف بنو أفرايم تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط أفرايم: أربعون ألفًا وخمسمائة. بنو منسي تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط منسي: اثنان وثلاثون ألفًا ومئتان. بنو بنيامين تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن

стр. 328

عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط بنيامين: خمسة وثلاثون ألفًا وأربعمائة. بنو دان تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط دان. اثنان وستون ألفًا وسبعمائة. بنو أشير تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط أشير. واحد وأربعون ألفًا وخمسمائة. بنو نفتالي تواليدهم حسب عشائرهم وبيوت آبائهم بعدد الأسماء من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب، المعدودون منهم لسبط نفتالي. ثلاثة وخمسون ألفًا وأربعمائة. هؤلاء هم المعدودون الذين عدهم موسى وهارون ورؤساء إسرائيل اثنا عشر رجلًا واحد لبيت آبائه. فكان جميع المعدودين من بني إسرائيل حسب بيوت آبائهم من ابن عشرين سنة فصاعدًا كل خارج للحرب في إسرائيل. كان جميع المعدودين: ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين. وأما اللاويون حسب سبط آبائهم فلم يعدوا بينهم ". من هذا كله يتضح. . . أن هذه الأمم السبعة، التي هي أكثر من الإسرائيليين عددًا. . يصل عددها إلى ملايين كثيرة. . . فقد ألف القسيس (الدكتور كيث) كتابًا بالإنجليزية- سماه. (كشف الآثار، في قصص أنبياء بني إسرائيل) جاء فيه: " علم من الكتب القديمة أن البلاد اليهودية كان فيها قبل ٥٥٠ سنة من الخروج ثمانون مليونًا ". إذًا، فهذا هو العدد الذي أمر (الكتاب المقدس) بقتله وإبادته. . . (ثمانون مليونًا) .! ! !

стр. 329

ثم إذا تابعنا (النصوص المقدسة) التي تحمل أوامر مشددة بالقتل والإبادة فإننا نجد كل ما يشيب ويريب. ففي الإصحاح الثاني والعشرين من سفر الخروج (عدد ٢٠) : " من ذبح لآلهة غير الرب وحده يهلك ". وفي الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج (العدد ٢٥ وما بعده) : يقول عن عبدة العجل: " ولما رأى موسى الشعب أنه معرى، لأن هارون كان قد عراه للهزء بين مقاوميه. وقف موسى في باب المحلة. وقال من للرب فإليَّ. فاجتمع إليه جميع بني لاوي، فقال لهم. هكذا قال الرب إله إسرائيل، ضعوا كل واحد سيفه على فخذه ومروا وارجعوا من باب إلى باب في المحلة واقتلوا كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه وكل واحد قريبه. ففعل بنو لاوي بحسب قول موسى، ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل ". وفي الإصحاح الخامس والعشرين من سفر العدد (العدد ١، وما بعده) : " وأقام إسرائيل في شطيم وابتدأ الشعب يزنون مع بنات موآب فدعون الشعب إلى ذبائح آلهتهن. فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهن، وتعلق إسرائيل ببعل فغور، فحمي غضب الرب على إسرائيل، فقال. الرب لموسى. خذ جميع رءوس الشعب وعلقهم للرب مقابل الشمس فيرتد حمو غضب الرب عن

стр. 330

إسرائيل، فقال موسى لقضاة إسرائيل اقتلوا كل واحد قومه المتعلقين ببعل فغور. وإذا رجل من بني إسرائيل جاء وقدم إلى إخوته المديانية أمام عيني موسى وأعين كل جماعة بني إسرائيل وهم باكون لدى باب خيمة الاجتماع، فلما رأى ذلك فينحاس بن العازار بن هارون الكاهن قام من وسط الجماعة وأخذ رمحًا بيده ودخل وراء الرجل الإسرائيلي إلى القبة وطعن كليهما الرجل الإسرائيلي والمرأة في بطنها فامتنع الولاء عن بني إسرائيل. وكان الذين ماتوا بالولاء أربعة وعشرين ألفًا ". وفي الإصحاح الحادي والثلاثين من سفر العدد (العدد ١، وما بعده) : " إن موسى أرسل اثني عشر رجلًا مع فينحاس بن العازار لمحاربة أهل مديان فحاربوا وانتصروا عليهم، وقتلوا كل ذكر منهم، وملوكهم الخمسة وبلعام، وسبوا نساءهم وأولادهم ومواشيهم كلها، وأحرقوا القرى والدساكر والمدائن بالنار، فلما رجعوا غضب عليهم موسى وقال: لم استحييتم النساء؟ ثم أمر بقتل كل طفل مذكر وكل امرأة ثيبة، وإبقاء الأبكار، ففعلوا كما أمر. وكانت الغنيمة من الغنم. (٦٧٥. ٠٠٠) ومن البقر (٧٢. ٠٠٠) ومن الحمير (٦١. ٠٠٠) ومن النساء والأبكار (٣٢. ٠٠٠) وهنا نسأل. إذا كان عدد النساء الأبكار اثنين وثلاثين ألفًا، فكم يكون عدد المقتولين من الذكور مطلقًا، شيوخًا وشبانًا وصبيانًا؟ وكم يكون عدد المقتولات من النساء الثيبات؟ ! ! وإذا انتقلنا إلى يشوع. . . فإننا نجده قد قام بقتل الملايين وذلك بعد موت موسى!! (كما هو مذكور في سفره) .

стр. 331

وفي الإصحاح الخامس عشر من سفر القضاة (العدد ١٥، وما بعده) : إن شمشون قتل ألف رجل بلحي حمار! ! ! " ووجد لحي حمار طريًا فمد يده وأخذه وضرب به ألف رجل فقال شمشون: بلحي حمار كومة كومتين، بلحي حمار قتلت ألف رجل ". وفي الإصحاح السابع والعشرين من سفر صموئيل الأول (العدد ٨، وما بعده) : " وصعد داود ورجاله وكزوا الجشوريين والجرزيين والعمالقة لأن هؤلاء من قديم سكان الأرض من عند شور إلى أرض مصر وضرب داود الأرض ولم يستبق رجلًا ولا امرأة وأخذ غنمًا وبقرًا وحميرًا وثيابًا ورجع إلى أخبيش ". فهذا هو داود (كما تقدمه لنا النصوص المقدسة! !) رجل يسطو على البلاد، ويخرب الديار، فما كان يبقي رجلًا ولا امرأة!! ولا دابة ولا متاعًا!! وفي الإصحاح الثامن من سفر صموئيل الثاني (العدد ٢، وما بعده) : " وضرب داود هدد عزر بن رحوب ملك صوبة حين ذهب ليرد سلطته عند نهر الفرات. فأخذ داود منه ألفًا وسبعمائة فارس وعشرين ألف راجل. وعوقب داود جميع خيل المركبات وأبقى منها مائة مركبة. فجاء آرام دمشق لنجدة هدد عزر ملك صوبة فضرب داود من آرام اثنين وعشرين ألف رجل، وجعل داود محافظين في آرام دمشق وصار الآراميون لداود عبيدًا يقدمون هدايا ".

стр. 332

وفي الإصحاح الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني (العدد ٢٩، وما بعده) : " فجمع داود كل الشعب وذهب إلى ربة وحاربها وأخذها، وأخذ تاج ملكهم عن رأسه ووزنه وزنة من الذهب مع حجر كريم وكان على رأس داود. وأخرج غنيمة المدينة كثيرًا جدًا. وأخرج الشعب الذي كان فيها ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس حديد وأمرهم في أتون الآجر، وهكذا صنع بجميع مدن بني عمون ". هكذا تكلمت أسفار العهد القديم. . .! وبهذا آمن كهنة العهد القديم. . .! فماذا تقول أسفار العهد الجديد. . .! ؟ وبماذا يؤمن كهنة العهد الجديد. . .! ؟ يعقب بولس على هذا كله -وغيره، وهو كثير كثير- بقوله في الرسالة إلى العبرانيين (١١- ٣٢، ٣٥) : " وماذا أقول أيضًا لأنه يعوزني الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء الذين بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا برًا، نالوا مواعيد، سدوا أفواه أسود، أطفأوا قوة النار، نجوا من حد السيف، تقووا من ضعف، صاروا أشداء في الحرب، هزموا جيوشًا غرباء ". فبولس -أعظم كهنة العهد الجديد - يرى أن ما فعله هؤلاء الذين عدد أسماءهم إنما هو بر وإيمان وتقوى وإصلاح وخير. . .! وهكذا يتناقل الكهنة القدامى والمحدثون أخبار الدمار والخراب والقتل والتشريد بالابتهاج والتسبيح والتحميد. . . وتفريخ الكرامات والآيات والمعجزات!!

стр. 333

وعلى وقع الترانم الكنسية (الشجية!!) يرددون قول المسيح: " لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا " (متى، ١٠- ٣٤) . الوثائق تتكلم والآن. . . أنقل -أو أقرأ- عليكم بعض النصوص المأخوذة من (تاريخ الاضطهاد الصليبي) . وأحب أن أقسم هذا الاضطهاد إلى نوعين: النوع الأول: كان فيه الصليبيون هم المضطهَدين (بفتح الهاء) - مفعولًا بهم!! والنوع الثاني: كانوا هم المضطهِدين (بكسر الهاء) ! - فاعلون!! والذي علينا هو أن نلقي نظرات فاحصة لنتعرف على ملامح القوم في الحالتين! علينا أن نتعرف على ما نزل بالمسيحيين من أعدائهم في فجر التاريخ المسيحي، ثم ما أنزله المسيحيون بأعدائهم ومخالفيهم بعد قوتهم وسيطرتهم وتمكنهم وتحكمهم. لقد كان المسيحيون -في أول عهدهم- مغلوبين على أمرهم، تنزل بهم صنوف العذاب، وألوان الضيم والخسف والوحشية، ثم لما آل إليهم الأمر، وأصبح بيدهم السلطان، أنزلوا بأعدائهم ومخالفيهم ألوانًا من القتل والذبح والتشريد. . حتى أنشأوا للعذاب البربري ديوانًا سموه (الديوان المقدس) ومحاكم سموها (محاكم التفتيش) !! أما تعاليم الرحمة والغفران. . . أما نداءات المسيح التي يتشدقون بها.

стр. 334

" سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن بسن، وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر أيضًا، ومن أراد أن يخاصمك وأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضًا، ومن سخرك ميلًا واحدًا فاذهب معه اثنين. من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده ". " سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " (إنجيل متى ٥، ٣٨-٤٤) . أما هذه الوصايا والنصائح، فقد ذهبت أدراج الرياح. النصارى تحت نير الاضطهاد لقد بدأ اضطهاد المسيحيين منذ وقت مبكر، وقد كان المسيح نفسه -حسبما تصوره أساطيرهم- ضحية لهذا الاضطهاد. وقد نزل بأتباعه فيما بعد كثير من العسف والظلم، وكان اليهود مصدر هذه القسوة. لكن المسيحية بدأت تنتشر على الرغم من اليهود، وغلبتهم على أمرهم، وحينئذ تقدم أباطرة الرومان، ليقوموا بدورهم المشهور في اضطهاد المسيحيين!! وذلك لأن هؤلاء الأباطرة كانوا لا يعرفون من أمر ذلك الدين الجديد إلا أنه امتداد لليهودية، ولقد كانت اليهودية موضع كراهية واشمئزاز من الرومانيين. وذلك على غير ما جرى عليه العرف من أن الإمبراطورية الرومانية تعطي أبناءها حق الحرية الدينية. ذلك أن اليهودية -بتعصبها وعنصريتها- أثارت الحقد والضغينة في القلوب وكان الأباطرة -قبل المسيح - يقاومون ذلك التيار اليهودي العدواني الجارف!! هذا من جهة. . .

стр. 335

ومن جهة أخرى، إِنه مما أثار حقد الرومان على المسيحية -كذلك- أن المسيحية أخذت من اليهودية تعصبها، فأعلنت -حتى في عهود ضعفها- أنها تناصب العقائد الأخرى العداء، وأنها ستعمل على تحطيم الحضارة الرومانية عندما تتهيأ لها الفرصة. أما هذا التحول الذي أعلنته المسيحية من التسامح والرضا والرحمة، إلى الحقد والثأر، فإنه يمثل تحول المسيحية وانتقالها من وصايا عيسى، إلى أفكار بولس، كما يؤكد ذلك كثير من المؤرخين والباحثين! ولعل أبشع حركات الاضطهاد التي عاناها المسيحيون في القرن الأول تلك التي أنزلها بهم نيرون الطاغية سنة ٦٨ م، فقد ألقى بعضهم للوحوش الضارية تنهش أجسامهم، وأمر فطليت بالقار وأشعلت لتكون بعض مصابيح الاحتفالات التي أقامها نيرون في حدائق قصره!! وفي القرن الثاني كان المسيحيون يعتبرون أنجاسًا لا يسمح لهم بدخول الحمامات والمحال العامة، وكانوا -كما حدث في عهد نيرون وغيره- يلقون للوحوش الضارية تفترسهم في مدرج عام يضم خصومهم الذين يحضرون للتلهي بمشاهدة هذه المظاهر. ولقد سجل القرن الثالث صورًا أخرى من أبشع وأشنع أنواع التعذيب والاضطهاد للمسيحيين، وذلك في عهد الإمبراطور قلديانوس، فقد أمر بهدم كنائس المسيحية، وإعدام كتبها المقدسة وآثار آبائها، وقرر اعتبار المسيحيين مذنبين، وأسقط حقوقهم المدنية، وأمر بإلقاء القبض على الكهان وسائر رجال الدين، وصب عليهم العذاب ألوانًا. ونفذت هذه التعليمات في جميع المناطق، فامتلأت السجون بالمسيحيين ومات الكثيرون بعد أن مزقت أجسادهم بالسياط، والمخالب الحديدية،

стр. 336

وأحرقت بالنار، ومزقت إربًا إربًا، أو طرحوا للوحوش الضارية أو غير هذا من وجوه التعذيب، وقد سمى المسيحيون عصره الممتد من سنة ٢٨٤ إلى ٣٠٥ م عصر الشهداء. وفي مطلع القرن الرابع تغيرت الأحوال فقد أصدر الإمبراطور قسطنطين مراسيم التسامح سنة ٣١١، ٣١٢ م، ثم دخل المسيحية بعد ذلك بعشر سنوات، وسرعان ما قويت المسيحية، ورجحت كفتها، فانقضَّت على أعدائها، تقتل، وتعذب، وتفتك، فتأسست الجمعيات الثورية باسم الدين، وكان أشهرها جمعية (الصليب المقدس) في تورينو، التي أخذت على عاتقها استئصال شأفة بقايا الرومانيين الوثنيين!! ميزان القوى يتغير حدّث بعد ذلك ولا حرج، عن الدماء التي سفكت، والأرواح التي أزهقت، مما جعل (هارثمان) يصف (الانتقام المسيحي) ، بأنه أفظع المجازر البشرية التي سجلها التاريخ!! ولم يقف الاضطهاد المسيحي، أو الانتقام المسيحي عند الوثنيين فحسب، بل تعداهم إلى المسيحيين أيضًا. إذ أن المسيحية التي ظهرت وأصبحت ذات كيان وسلطان، لم تكن مسيحية (عيسى ﵇ وإنما هي مسيحية بولس ومسيحية الفلسفة الإغريقية، لكنها -كانت ولا تزال- تحمل اسم المسيحية على أي حال!! وإذا كانت هذه المسيحية قد ابتدعت أشياء لا يرضى عنها المسيحيون الحقيقيون كألوهية المسيح، والتثليث، والصلب والفداء، وما إلى ذلك، فقد بدأ صراع جديد اعتبُر فيه المسيحيون الحقيقيون متمردين، وأوقعت بهم المسيحية الإغريقية أو مسيحية بولس، ألوانًا من العنت والاضطهاد واستمرت

стр. 337

الكنيسة في تفريخ البدع، وترويج الخرافات كالعشاء الرباني، وصكوك الغفران!! ووجد من المسيحيين من يعارض هذه الخرافات، فووجه بقسوة لا نظير لها، ووحشية تشمئز منها النفوس! وسألمُّ في هذه العجالة ببعض الصور من هذا العنت والاضطهاد الذي أنزله المسيحيون بإخوانهم المسيحيين. في القرن الرابع الميلادي، عارض (آريوس) القول بألوهية المسيح مما دعا إلى عقد (مجمع نيقية) عام ٣٢٥ م. وقرر هذا المجمع إدانة آريوس، وإحراق كتاباته وتحريم إقتنائها وخلع أنصاره من وظائفهم ونفيهم والحكم بإعدام كل من أخفى شيئًا من كتابات آريوس وأتباعه. وفي عهد تيودوسيوس سنة ٣٩٥ م، ظهرت لأول مرة (محكمة التفتيش) . وتم تنظيمها فيما بعد في القرن الثاني عشر، وكان أعضاؤها من الرهبان، وكانت وظيفتهم اكتشاف المخالفين في العقيدة، ولهم سلطان كبير فلا يسألون عما يفعلون. وتاريخ محكمة التفتيش هو تاريخ الاضطهاد الديني في أقسى صوره، وقتل حرية الفكر بأبشع أسلوب. ومن أشد أساليبها انحرافًا، أنها نادت بضرورة أن ينهى كل إنسان -في غير ما تواطؤ، أو تباطؤ- ما يصل إلى سمعه أو علمه من أخبار الملحدين، وهددت من يتوانى في ذلك بعقوبات صارمة في الدنيا والآخرة، فانتشر بسبب ذلك (القرار الإرهابي) نظام التجسس حتى بين أفراد الأسرة الواحدة!! وفي القرون التالية كثر صرعى هذا النظام، وتعرض للشنق والإحراق والإعدام جماعات كثيرة لأنهم في نظر الكنسية وكهنتها هراطقة.

стр. 338

وكثيرًا ما كانت الكنسية تلجأ إلى الإعدام البطيء مبالغة في التعذيب، إذ كانت تسلط الشموع على جسم الضحية، وتخلع أسنانه كما فعل ببنيامين كبير أساقفه مصر، لأنه رفض الخضوع لقرارات مجمع (خلقيدونية) الذي يرى أن للمسيح طبيعتين، إلهية وإنسانية. وكان الإعدام يسبق بصورة بشعة من التعذيب كالكي بالنار والضرب المبرح، لعل المتهم يعترف أو يقر، فإن لم يعترف قتل. وكان شعار المحاكمات: المتهم مجرم حتى تثبت براءته. وليس المتهم بريء حتى تثبت إدانته. وإذا اعترف المتهم بجريمته استمر تعذيبه قبل القضاء عليه لعله يعترف بأسماء أنصاره وشركائه. وكانت القوانين تقضي أن يحمل الأبناء والأحفاد تبعة الجرم الذي يتهم به الأباء. لغة الوثائق والأرقام استعملت الكنسية الرومانية -مرات كثيرة- الاضطهادات والطرد ضد البروتستانت، وذلك في ممالك أوروبا، وقد بلغ عدد من أحرق بالنار قرابة ٢٣٠. ٠٠٠ من الذين آمنوا بيسوع دون البابا. وفي فرنسا قتل في يوم واحد ثلاثون ألف رجل! وفي مدينة تولوز قتل ألف ألف! وفي كالابريا الإيطالية سنة ١٥٦٠ م، قتل ألوف الألوف من البروتستانت!! يقول أحد الكتاب الرومانيين: إنني أرتعد كلما تذكرت ذلك الجلاد والخنجر الدموي بين أسنانه والمنديل يقطر دمًا بيده، وهو متلطخ اليدين إلى

стр. 339

نهاية المرفقين، يسحب واحدًا بعد واحد من المساجين كما يفعل الجزار بالغنم!! وكارولوس الخامس سنة ١٥٢١ م، أصدر أمرًا بطرد البروتستانتيين من بلاد الفالامنك برأي البابا وبسبب ذلك قتل خمسمائة ألف. وبعد كارلوس تولى ابنه فليبس ولما ذهب إلى إسبانيا سنة ١٥٥٩ م، استخلف الأمير ألفا على طرد البروتستانتيين، ويذكر المؤرخون أنه في أشهر قليلة قتل على يديه ثمانية عشر ألفًا! وبعد ذلك كان يفخر بأنه قتل في جميع المملكة ستة وثلاثين ألفًا! هذا ما فعله الكاثوليك بالبروتستانت! فماذا فعل البروتستانت بالكاثوليك عندما قدروا؟ أصدر البروتستانت هذه القوانين! (١) لا يرث كاثيوليكي تركة أبويه. (٢) لا يشتري واحد منهم أرضًا بعد ما يجاوز عمره ثماني عشرة سنة إلا إذا صار بروتستانتينيًا!! (٣) لا يشتغل أحد منهم بالتعليم، ومن خالف هذا الحكم يسجن سجنًا مؤبدًا. (٤) من كان من الكاثوليك يؤدي ضعف الخراج. (٥) إن أرسل أحد منهم ولده خارج إنجلترا للتعليم يقتل هو وولده وتسلم أمواله ومواشيه كلها. (٦) لا يعطى لهم منصب في الدولة. (٧) من لم يحضر منهم يوم الأحد أو العيد في الكنيسة البروتستانتينية يغرم غرامة مالية شهرية كبيرة، ويكون خارجًا عن الجماعة.

стр. 340

(٨) لا يسمع استغاثة أحد منهم عند الحكام وحسب القانون. (٩) لا تنفذ أنكحتهم، ولا تجهز موتاهم ولا تكفن، ولا تعمد أولادهم إلا إذا كان ذلك على طريقة كنيسة إنجلترا. (١٠) لا يحضر القسيس عند قتلهم ولا عند تجهيزهم وتكفينهم. (١١) لا يصح لواحد منهم أن يمتلك سلاحًا. (١٢) إن أدى قسيس منهم خدمة من الخدمات المتعلقة به يسجن سجنًا مؤبدًا. ولقد حمل كثير من رهبانهم وعلمائهم بأمر الملكة إليزابيث في المراكب، ثم أغرقوا في البحر، وجاء عساكرها إلى أيرالندا ليدخلوا الكاثوليك في المذهب البروتستانتي، فأحرقوا كنائس الكاثوليك، وقتلوا علماءهم، وكانوا يصطادونهم كاصطياد الوحوش البرية، وكانوا لا يؤمنون أحدًا، وإن أمنوه قتلوه أيضًا بعد الأمان!! وفي (حديث الأرقام والوثائق) أنه: في إسبانيا فقط قدمت محمكة التفتيش للنار أكثر من ٣١. ٠٠٠ نسمة، وحكمت على ٢٩٠. ٠٠٠ بعقوبات أخرى تلي الإعدام. وفي عام ١٥٦٨ م، أصدر (الديوان المقدس) حكمه بإدانة جميع سكان الأراضي المنخفضة. والحكم عليهم بالإعدام واستثنى من الحكم بضعة أفراد نص القرار على أسمائهم، وبعد عشرة أيام من صدور الحكم دفع للمقصلة ملايين الرجال والنساء والأطفال. ومن أهم المذابح التي دبرها الكاثوليك للبروتستانت مذبحة باريس في ٢٤ أغسطس سنة ١٥٧٢ م، التي سطا فيها الكاثوليك على ضيوفهم من البروتستانت، هؤلاء الذين دعوا لباريس لعمل تسوية تقرب بين وجهات النظر، ثم قتلوا خيانة وهم نيام، فلما أصبحت باريس كانت شوارعها تجري

стр. 341

بدماء هؤلاء الضحايا، وانهالت التهاني على شارل التاسع من البابا وملوك الكاثوليك وعلمائهم على هذا العمل البطولي النبيل! ! ! وقد أسلفنا أن البروتستانت لما قويت شوكتهم مثلوا نفس الدور، دور القسوة والاضطهاد الدنيء مع الكاثوليك، ولم يكونوا أقل وحشية في معاملة خصومهم وأعدائهم السابقين. وهكذا. . . هكذا دَوَّن تاريخ المسيحية أخبار بحار من الدماء، وأكداس من جثث الضحايا البشرية التي تحولت إلى رماد محترق، وآهات ودموع وأنين ووحشية وبربرية وأصوات استغاثة. . .! الاضطهاد المسيحي لليهود يقول ابن البطريق: (نقلًا عن الجواب الصحيح، جـ٣، ص ٢٨) : " وأمر الملك أن لا يسكن يهود بيت المقدس، ولا يمر بها، ومن لم يتنصر يقتل، فتنصر من اليهود خلق كثير، وظهر دين النصرانية. فقيل لقسطنطين الملك: إن اليهود يتنصرون من فزع القتل، وهم على دينهم. قال الملك: كيف لنا أن نعلم ذلك منهم؟ قال بولس البترك: إن الخنزير في التوراة حرام، واليهود لا يأكلون لحم الخنزير، فأمر أن تذبح الخنازير، وتطبخ لحومها، وتطعمهم منها، فمن لم يأكل منه علمنا أنه مقيم على دين اليهودية. فقال الملك: إذا كان الخنزير في التوراة حرامًا فكيف يجوز لنا أن نأكل لحم الخنزير ونطعمه الناس؟ فقال له بولس البترك: إن سيدنا المسيح قد أبطل كل ما في التوراة، وجاء بناموس آخر، وبتوراة جديدة، وهو الإنجيل، وفي إنجليه المقدس، أن كل

стр. 342

ما يدخل البطن ليس بحرام ولا بنجس وإنما ينجس الإنسان الذي يخرج من فيه ". " فأمر الملك أن تذبح الخنازير وتطبخ لحومها، وتقطع صغارًا صغارًا، وتصير على أبواب الكنائس في كل مملكته يوم أحد الفصح، وكل من خرج من الكنيسة يلقم لقمة من لحم الخنزير، فمن لم يأكل منه يقتل، فقتل لأجل ذلك خلق كثير ". وليست هذه هي الحادثة الوحيدة التي صب فيها المسيحيون العذاب صنوفًا على رءوس اليهود. . . وإنما هناك عبر سنوات التاريخ وعصوره حوادث وحوادث. . . نختصر بعضها في هذه السطور: كان الكاثوليك يعتقدون أن اليهود كفار، ولهذا أجروا عليهم عدة أحكام منها: (١) من حمى يهوديًا ضد مسيحي خرج عن الملة. (٢) لا يعطى يهودي منصبًا في دولة من الدول. (٣) لو كان مسيحي عبدًا ليهودي فهو حر. (٤) لا يأكل أحد مع يهودي، ولا يتعامل معه. (٥) أن تنزع أولادهم منهم ويلقنون العقيدة المسيحية. - وقد أجلي اليهود من فرنسا سبع مرات. - وعدد اليهود الذين أخرجوا من النمسا- وحدها- ٧١.٠٠٠ أسرة! وفي النمسا -أيضًا- قتل كثير منهم ونهبت أموالهم، ونجا منهم القليل، وهم الذين تنصروا. . .! وفي النمسا -أيضا- مات كثير منهم بأن سدوا عليهم أبوابهم ثم أهلكوهم إما بالإغراق في البحر، أو بالإحراق في النار! وفي إنجلترا، ذاق اليهود ألوان الذل والتشريد والطرد، حتى إن إدوارد

стр. 343

الأول لما ولي الملك أصدر أمره بنهب أموالهم كلها ثم أجلاهم من مملكته، فأجلى أكثر من خمسة عشر ألف يهودي في غاية الفقر والحاجة! وقد نقل أحد المسافرين واسمه (سوتي) : " أنه كان حال البرتغاليين، أنهم كانوا يأخذون اليهودي، ويحرقونه بالنار، ويجتمع رجالهم ونساؤهم يوم إِحراقه كاجتماع يوم العيد، وكانوا يفرحون أعظم الفرح، وكانت النساء يصحن وقت إحراقه سعادة وسرورًا ". ولو ضممنا إلى هذه الوثائق، والأرقام ما فعله المسيحيون بالمسلمين، في الحروب الصليبية، وكذلك في إسبانيا بعد سقوط غرناطة (١) ، ثم ما فعله الاستعمار الصليبي القديم والحديث بالمنطقة الإسلامية، لتبين لنا أن المسيحية التي يصر معتنقوها على اعتبارها (دين الرحمة والتسامح) ما هي إلا باب من أبواب العذاب والتنكيل، وجحيم لا يطاق من التآمر والفتك، وملحمة من ملاحم الاغتيالات والكراهية والحقد! وجرح لا يندمل في قلب البشرية وضميرها يطفح بالدم والصديد. . .! ومجمل القول: إن المسيحية من خلال تاريخها، بأرقامه ووثائقه وحقائقه تعتبر مصدر قلق وآلام وشرور للإنسان، ولتاريخ الإنسان. . . أينما كان، وحيثما حل في أرض الله! تلك هي النصرانية الصليبية التي يصر كهنتها أن يذروا الرماد في العيون. . فنراهم كل يوم ينشرون على الناس قائمة النحل الفاسدة التي ابتدعوها واخترعوها ليصدوا الناس عن دين الله، وعن هداه! !

стр. 344

لقد قالوا: (إن الإسلام انتشر بالسيف) . . . وظهر فيما سبق، أن ادعائهم هذا مجرد زيف واختلاق!! ولقد قلنا لهم -فيما مضى من حديث. . . إن المسيحية هي التي انتشرت على بحر من الدماء. . . ورفعت صليبها المقدس على هرم من جثث القتلى وأشلاء الضحايا!! ونقول لهم: إذا كان بيتك من زجاج. . فلا ترجم الناس بالحجارة! !

стр. 345

[تعدد الزوجات وحكمته] تعدد الزوجات ومن الأسئلة المطروحة علي، والموجودة الآن بين يدي، سؤالان خاصان بتعدد الزوجات: يتزوج المسلمون بأكثر من امرأة، فهل هناك آية في القرآن توضح ذلك؟ وما هي الأسباب التي جعلت النبي ﷺ يتزوج بأكثر من أربع؟ أما (تعدد الزوجات فمما لا شك فيه أن القرآن الكريم جاء بمشروعيته -كما في الآية الثالثة من سورة النساء- قال تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (١) . وقد جاء متصلًا بموضوع هذه الآية من السورة نفسها، قوله: - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) . وتخريج الآيتين الذي يرشد إليه سياقهما، وسبب نزول الآية الثانية منهما، أنه لما قيل في الآية الأولى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ فهم منه أن العدل بين الزوجات واجب، وتبادر إلى النفوس أن العدل بإطلاقه -حتى في الميل القلبي- هو المراد من الآية، فتحرج بذلك المؤمنين، وحق لهم أن يتحرجوا، لأن العدل بهذا المعنى الذي تبادر إلى أذهانهم غير مستطاع، فجاءت الآية الثانية لترشد إلى العدل المطلوب في الآية الأولى، ولترفع الحرج الذي تصوروه!! فنزل قوله تعالى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٣) .

стр. 346

ومن هذا يتضح أن (تعدد الزوجات) مباح ما لم يخش المؤمن الجور في القسم بين زوجاته، فإن خافه، وجب عليه أن يخلص نفسه من الإثم فيقتصر على واحدة. ويتضح -من الآيتين- أيضًا، أن إباحة التعدد لا تتوقف على شيء من وراء العدل، وعدم الخوف من الجور. فلا يتوقف -مثلًا-: على عقم المرأة، ولا مرضها مرضًا يمنع الرجل من التحصن، ولا على كثرة النساء كثرة يخشى منها على عفافهن، كما في الحروب وغيرها. هذا، وقد وضعت الآية الكريمة (تعدد الزوجات) في موضع الأصل للتخلص من عدم القسط في اليتامى، ثم ذكرت الآية الاقتصار على الواحدة عند طروء الخوف من عدم العدل بين الزوجات! فإذا كان المؤمن عادلًا في اليتيمات! فهو أيضًا عادل بين الزوجات! ! حكمة التعدد (١) : التعدد أثر لعامل جنسي جُعل في طبيعة الذكر والأنثى، ويقضي هذا العامل باستمرار قوة الرجل، واتساع مدى استعداده للمعاشرة، ويقضي في الوقت ذاته بطروء فترات -تنعدم فيها أو تقل- قابلية المرأة كفترات الحيض، والحمل، والوضع، والنفاس. كذلك فإن أمد الاستعداد عند المرأة ينتهي ببلوغها سن اليأس الذي يكون في أكثر الحالات عند الستين.

стр. 347

وبهذا، تظل القوة الجنسية عند الرجل مهددة له في صحته أو في خلقه أو فيهما معًا. ومن العلماء من يرى: أن التعدد أثر لسنة إلهية قضت بتفوق عدد النساء على أعداد الرجال، وفي الوقت ذاته قضت بقلَّة الرجال فجعلت الوفيات فيهم أكثر من الوفيات في النساء. وإذا لم يكن من عوامل السنة الكونية سوى تلك الحروب التي تشن على الدوام غاراتها في أرجاء العالم لكفت في الدلالة على ما أشرنا إليه، فما بالنا إذا ضم إلى ظاهرة الحرب التي تَغتال الرجال، وتَجعل كثرة الأمم أطفالًا ونساء، ظاهرة التعرض لمآزق الحياة المرهقة، وبخاصة في طبقات العمال الذين يباشرون أعمالهم بين الحديد والنار، وفي أعماق البحار. . وفي غير ذلك من المجالات المرهقة التي لا يؤمن فيها الهلاك والموت لكان ذلك كافيًا! ! أوروبا. . والتعدد: لقد عرف علماء أوروبا واعترفوا بحكم التعدد ومحاسنه -ونحن نذكر شيئًا من ذلك- لا لكي يزيدنا إيمانًا، فنحن نؤمن بكلام ربنا، وبسنة نبينا. . . وإنما نذكر ذلك للآخرين الذين يسرهم أن يكون الكلام والفكر غربيًّا. . . أوروبيًّا!! لقد اكتشف مفكرو الغرب أن هناك علاقة بين منع تعدد الزوجات وارتفاع نسبة اللقطاء والموؤدين. ففي المؤتمر الذي عقدته الحكومة الفرنسية سنة ١٩٠١ م، للبحث عن خير الطرق لمقاومة انتشار البغاء - جاء قولهم:

стр. 348

" إن عدد الأولاد اللقطاء المجموعين في ملاجئ مقاطعة " السين " وحدها، وجار تربيتهم فيها على نفقة المقاطعة بلغ٥٠.٠٠٠ لقيط وأن بعض القوام على هذه الملاجئ يفحشون بالبنات اللاتي تحت ولايتهم، وأن نفس اللقطاء يفحشون بعضهم ببعض ولا زاجر يزجرهم ". وكتبت كاتبة إنجليزية في هذا الشأن: " لقد كثرت الشاردات من بناتنا، وعم البلاء، وقل الباحثون عن أسباب ذلك، وإنني كامرأة أنظر إلى هاتيك البنات، وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحزنًا، وماذا يفيدهن بثي وحزني وتوجعي وإن شاركني فيه الناس جميعًا ". هذا هو الداء. . .! عرضه الفرنسيون. . .! وتحدثت عنه الإنجليزيات. . .! فأين الدواء؟ تقول الكاتبة الإنجليزية: " ولله در العالم الفاضل " تومس " فإنه رأى الداء ووصف الدواء، وهو الإباحة للرجل بأن يتزوج بأكثر من واحدة، وبهذا الأسلوب يزول البلاء، وتصبح بناتنا ربات بيوت، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بواحدة، وهذا التحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد، وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال، ولا بد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة، ولو كان تعدد الزوجات مباحًا لما نزل بنا هذا البلاء ". والذي ذكره المؤتمرون الفرنسيون، وذكرته هذه الكاتبة الإنجليزية سبق إليه القرآن الكريم، حينما شرع التعدد ووسع فيه.

стр. 349

ثم طالب الرجال بالزواج منعًا للانحراف والانحلال، فقال تعالى: - ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ (١) . وقال تعالى ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٢) . فالسفاح والمخادنة هما رأس الوباء والبلاء الذي حل بالأمم الغربية، ولم تجد له علاجًا في دينها وتشريعها، فراحت تلتمس علاجه في ديننا وتشريعنا! في الشرق المسلم: هذا حال الغرب شرحناه. . . أما حال الشرق، فهذه واحدة من دوله. . . تركيا. . . ماذا جرى لها؟ ؟ وماذا حدث فيها؟ لقد هجرت الإسلام هجرًا غير جميل، وولت وجهها إلى أوروبا تلتمس منهم التشريع، وتقتبس منهم التقدم والحضارة. . فاتخذت لنفسها قانونًا مدنيًّا يمنع تعدد الزوجات. . . كان ذلك سنة ١٩٢٦ م. . . ثم مضت ثماني سنوات. . . وتكاثرت الولادات السرية، والزوجات والعرفيات، والموؤدات من الأطفال. وانظر ما جاء في العدد ٥٥٦ من مجلة آخر ساعة المصرية الصادرة في ٣ من يونيو سنة ١٩٤٥ م، للكاتب المصري المعروف محمد التابعي وكان مقيمًا آن ذاك في تركيا.

стр. 350

إننا في حاجة إلى تعدد الزوجات. . .! ولسنا في حاجة إلى منع التعدد، أو مهاجمته! لقد واجه القرآن الكريم قضية التعدد مواجهة منطقية إنسانية إصلاحية. . صريحة وواضحة! فكيف واجهت الكنيسة القضية نفسها؟ لقد كان التعدد مباحًا في (أوروبا المسيحية) حتى عهد شارلمان الذي كان متزوجًا بأكثر من امرأة واحدة. . ثم أشار القساوسة على المتزوجين بأكثر من واحدة أن يختاروا لهم واحدة من بينهن يطلق عليها (زوجة) ويطلق على غيرها اسم (خدينة) . وهكذا قالت الكنيسة كلمتها. . . بطريقتها!!

стр. 351

[مقاصد وأهداف تعدد زوجات الرسول ﷺ ] تعدد زوجات الرسول ﷺ يحلو لبعض الكتاب والمتحدثين الدينيين من غير المسلمين، أن يتهموا محمدًا ﷺ بأنه كان رجلًا شهوانيًا، بدليل أنه تزوج نحو من ثلاث عشرة زوجة، وتوفي عن تسع!! وهم بهذا قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس، وتجنوا -عن قصد وسوء نية- على الحق والحقيقة، والبحث العلمي المنصف! لقد زعموا أن النبي ﷺ كاذب في دعواه للرسالة لأنه تزوج من نساء متعددات! أما نحن فنؤكد، أن من أمارات صدقه، ودلائل نبوته زواجه ﷺ من نساء متعددات! ذلك أن هؤلاء النسوة ﵅ روين حياته المنزلية وسيرته في بيته وبين أهله، فإذا بها أتقى سيرة، وأنقى سريرة! إن هؤلاء (الضرائر) -إن صح هذا التعبير- قدمن لنا حياته الخاصة بكل وضوح، فما وجدنا فيها شائبة ولا عائبة! وهكذا تواطأت حياته مع أهله، مع حياته بين الناس، على الصدق والأمانة والرحمة والتقوى والبر والإحسان! إن كثيرًا من الناس -إلا من رحم ربك- يتخلقون بأخلاق المنافقين، ويتسمون بسماتهم، فهم يتظاهرون بالصدق والإصلاح والمروءة وهم في الواقع كاذبون مفسدون سفهاء ولكن لا يشعرون ولا يعلمون! وهؤلاء المنافقون المتظاهرون المختفون وراء الأقنعة، لا يستطيعون أن يحتفظوا بهذا السمت المزور طويلًا. . . فتبدو ملامحهم واضحة، وبخاصة في بيوتهم، وبين زوجاتهم وأولادهم.! !

стр. 352

فإذا كان في بيته زوجة واحدة. . لا زوجات، فإنها سوف تخرج أخباره وأسراره، وتشيعها بين الناس!! وانطلاقًا من هذا المعنى، نقول: إن الرسول ﷺ لم يكن في بيته زوجة واحدة. . بل كن زوجات كثيرات!! فلو كان كاذبًا -حاشاه، وأعاذه الله- لظهرت بادرات كذبه، وبدرات لسانه بين هؤلاء الزوجات! ولقامت كل واحدة منهن بإشاعة ذلك بين الجارات والقريبات. . وبين غير الجارات والقريبات!! وبين أيدينا مصداق ذلك. . وهي حادثة ذكرها القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى: - ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١) . إنه سر بسيط، أفضى به النبي ﷺ إلى اثنتين من أفضل نسائه، هن (عائشة وحفصة) ﵄! وأمرهما بكتمانه، ولكن الذي حدث أن السر ذاع وشاع وانتشر،. . وتناقلته الألسنة، والآذان. . . وامتلأت به كتب التفسير وغيرها فيما بعد!! إن هذا يجعلنا نقرر: أن الرسول ﷺ كان طاهر السيرة والسريرة، في داخل بيته وخارجه على السواء!! ثم نقول لهؤلاء الكتاب، ولهؤلاء المتحدثين الدينيين من غير المسلمين،

стр. 353

إن تعدد النبي لزوجاته لم يكن سلوكًا شهوانيًّا، كما تتصورون، وتصوِّرون. . .! ويكفي أن تعلموا: أن النبي ﷺ قد تزوج أولى نسائه، أمنا وأم المؤمنين (خديجة ﵂ وهو شاب مكتمل في الخامسة والعشرين من عمره. . وكانت هي ﵂، في الأربعين من عمرها. . ولقد عاش معها نحوًا من ست وعشرين سنة!! أي أنها ظلت معه حتى تجاوزت السادسة والستين!! ولم يتزوج عليها في حياتها! وظل وفيًا لها بعد مماتها، حتى إن عائشة ﵂ كانت تغار منها، مع أنها لم تجتمع بها، ولم ترها. . .! ولقد تجرأت مرة عند ذكر النبي ﷺ لها، فقالت له: " وهل كانت إلا عجوزًا أبدلك الله خيرًا منها، - تعني نفسها -؟ ". فغضب النبي ﷺ ، وقال لها: «لا والله، ما أبدلني الله خيرًا منها، لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء» . قالت: " فلم أذكرها بسوء بعدها أبدًا ". وروى الشيخان «عن عائشة ﵂، أنها قالت: " ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يبعثها في صدائق خديجة وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد» .

стр. 354

ولما توفيت خديجة ﵂، تزوج النبي ﷺ ، وعدد أزواجه. ولنا أن نسأل: في أي فترة من سني حياته ﷺ كان ذلك التعدد؟ وعلينا أن نجيب: إن الفترة التي عدد فيها النبي ﷺ الزوجات، هي -باعتراف الموافق والمخالف- أكثر فترات عمره ﷺ ، عملًا وتضحية وجهادًا وتعليمًا وأعباء! ثم. . أية شهوانية، في رجل بعيد عن الدنيا وزينتها، ويريد الله لزوجاته -أيضًا- أن يكن بعيدات عن الدنيا وزينتها، إذ يقول الله له، لكي يبلغهن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) . إن الرجل الشهواني يريد لزوجته، أو زوجاته، أن يتزيَّن بأبدع الحلي، وأروع الحلل!! كذلك فإن الدارس المنصف لأسباب ذلك التعدد يجد أن له مقاصد وأهدافًا جليلة ونبيلة!! منها: أن زوجة لبعض أصحابه الذين جاهدوا معه قد مات زوجها حال الهجرة وأن أهلها ما زالوا على الشرك، فإما أن تعود إليهم فتتعرض للعذاب والفتنة، وإما أن تترك بلا زوج يحميها، ويقف إلى جانبها لمواجهة ظروف الحياة لأنها غير مرغوب فيها لسنها، أو لقلة جمالها. ومنها: أن يكون الهدف ربط العلاقات وتوطيدها مع من يعينه على تبليغ الدعوة. . . فيؤكد معه رباط الإيمان برباط المصاهرة. . ولم يكن ﷺ في

стр. 355

هذه الحالة هو الذي يأخذ دائمًا، فقد يعطي، فإذا كان قد تزوج بابنتي صاحبيه أبي بكر وعمر، فلقد زوج عثمان وعليًّا بابنتيه (. . بل إنه زوج عثمان باثنتين هما: رقية، وأم كلثوم، واحدة بعد الأخرى. . فلما ماتت الثانية، قال له: «لو كان عندنا ثالثة لزوجناك» ! - ومنها: أن يكون الهدف استنقاذها من الرق، أو استنقاذ أهلها وذويها. - ومنها: بيان الأحكام الشرعية، وتطبيقها عمليًّا، ليكون أسوة للناس في محاربة الجاهلية وعاداتها. - ومنها: النقل عنه ﷺ ، والتبليغ، وتعليم المسلمات أمور دينهن، وبخاصة هذه الأمور التي يستحيي النبي ﷺ من تعليمها لهن. إلى غير ذلك من الأمور. وهذا إجمال يحتاج إلى تفصيل، نعرضه حينما نتعرض لبيان زواج النبي ﷺ من أمهات المؤمنين واحدة واحدة. ١- خديجة: - أول زوجاته ﷺ . - بقي معها نحوًا من ست وعشرين سنة - كما أسلفنا-. - كان له منها أولاده الستة، القاسم، والطيب، وقد ماتا قبل البعثة، ورقية، وأم كلثوم، وزينب، وفاطمة، ومتن قبله إلا فاطمة فقد ماتت بعده بستة أشهر. - ولم يتزوج ﷺ في حياتها غيرها -كما ذكرنا-. ٢- سودة بنت زمعة: - تزوجها النبي ﷺ بعد خديجة، وقبل الهجرة.
следующие страницы →