[مقاصد وأهداف تعدد زوجات الرسول ﷺ ]
تعدد زوجات الرسول ﷺ
يحلو لبعض الكتاب والمتحدثين الدينيين من غير المسلمين، أن يتهموا محمدًا ﷺ بأنه كان رجلًا شهوانيًا، بدليل أنه تزوج نحو من ثلاث عشرة زوجة، وتوفي عن تسع!!
وهم بهذا قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس، وتجنوا -عن قصد وسوء نية- على الحق والحقيقة، والبحث العلمي المنصف!
لقد زعموا أن النبي ﷺ كاذب في دعواه للرسالة لأنه تزوج من نساء متعددات!
أما نحن فنؤكد، أن من أمارات صدقه، ودلائل نبوته زواجه ﷺ من نساء متعددات! ذلك أن هؤلاء النسوة ﵅ روين حياته المنزلية وسيرته في بيته وبين أهله، فإذا بها أتقى سيرة، وأنقى سريرة!
إن هؤلاء (الضرائر) -إن صح هذا التعبير- قدمن لنا حياته الخاصة بكل وضوح، فما وجدنا فيها شائبة ولا عائبة!
وهكذا تواطأت حياته مع أهله، مع حياته بين الناس، على الصدق والأمانة والرحمة والتقوى والبر والإحسان!
إن كثيرًا من الناس -إلا من رحم ربك- يتخلقون بأخلاق المنافقين، ويتسمون بسماتهم، فهم يتظاهرون بالصدق والإصلاح والمروءة وهم في الواقع كاذبون مفسدون سفهاء ولكن لا يشعرون ولا يعلمون!
وهؤلاء المنافقون المتظاهرون المختفون وراء الأقنعة، لا يستطيعون أن يحتفظوا بهذا السمت المزور طويلًا. . . فتبدو ملامحهم واضحة، وبخاصة في بيوتهم، وبين زوجاتهم وأولادهم.! !
стр. 352
فإذا كان في بيته زوجة واحدة. . لا زوجات، فإنها سوف تخرج أخباره وأسراره، وتشيعها بين الناس!!
وانطلاقًا من هذا المعنى، نقول:
إن الرسول ﷺ لم يكن في بيته زوجة واحدة. . بل كن زوجات كثيرات!!
فلو كان كاذبًا -حاشاه، وأعاذه الله- لظهرت بادرات كذبه، وبدرات لسانه بين هؤلاء الزوجات!
ولقامت كل واحدة منهن بإشاعة ذلك بين الجارات والقريبات. . وبين غير الجارات والقريبات!!
وبين أيدينا مصداق ذلك. . وهي حادثة ذكرها القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى: - ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١) .
إنه سر بسيط، أفضى به النبي ﷺ إلى اثنتين من أفضل نسائه، هن (عائشة وحفصة) ﵄! وأمرهما بكتمانه، ولكن الذي حدث أن السر ذاع وشاع وانتشر،. . وتناقلته الألسنة، والآذان. . . وامتلأت به كتب التفسير وغيرها فيما بعد!!
إن هذا يجعلنا نقرر: أن الرسول ﷺ كان طاهر السيرة والسريرة، في داخل بيته وخارجه على السواء!!
ثم نقول لهؤلاء الكتاب، ولهؤلاء المتحدثين الدينيين من غير المسلمين،
стр. 353
إن تعدد النبي لزوجاته لم يكن سلوكًا شهوانيًّا، كما تتصورون، وتصوِّرون. . .!
ويكفي أن تعلموا: أن النبي ﷺ قد تزوج أولى نسائه، أمنا وأم المؤمنين (خديجة ﵂ وهو شاب مكتمل في الخامسة والعشرين من عمره. . وكانت هي ﵂، في الأربعين من عمرها. . ولقد عاش معها نحوًا من ست وعشرين سنة!!
أي أنها ظلت معه حتى تجاوزت السادسة والستين!!
ولم يتزوج عليها في حياتها!
وظل وفيًا لها بعد مماتها، حتى إن عائشة ﵂ كانت تغار منها، مع أنها لم تجتمع بها، ولم ترها. . .!
ولقد تجرأت مرة عند ذكر النبي ﷺ لها، فقالت له: " وهل كانت إلا عجوزًا أبدلك الله خيرًا منها، - تعني نفسها -؟ ".
فغضب النبي ﷺ ، وقال لها:
«لا والله، ما أبدلني الله خيرًا منها، لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء» .
قالت: " فلم أذكرها بسوء بعدها أبدًا ".
وروى الشيخان «عن عائشة ﵂، أنها قالت:
" ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط، ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يبعثها في صدائق خديجة وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد» .
стр. 354
ولما توفيت خديجة ﵂، تزوج النبي ﷺ ، وعدد أزواجه. ولنا أن نسأل: في أي فترة من سني حياته ﷺ كان ذلك التعدد؟
وعلينا أن نجيب: إن الفترة التي عدد فيها النبي ﷺ الزوجات، هي -باعتراف الموافق والمخالف- أكثر فترات عمره ﷺ ، عملًا وتضحية وجهادًا وتعليمًا وأعباء!
ثم. . أية شهوانية، في رجل بعيد عن الدنيا وزينتها، ويريد الله لزوجاته -أيضًا- أن يكن بعيدات عن الدنيا وزينتها، إذ يقول الله له، لكي يبلغهن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) .
إن الرجل الشهواني يريد لزوجته، أو زوجاته، أن يتزيَّن بأبدع الحلي، وأروع الحلل!!
كذلك فإن الدارس المنصف لأسباب ذلك التعدد يجد أن له مقاصد وأهدافًا جليلة ونبيلة!!
منها: أن زوجة لبعض أصحابه الذين جاهدوا معه قد مات زوجها حال الهجرة وأن أهلها ما زالوا على الشرك، فإما أن تعود إليهم فتتعرض للعذاب والفتنة، وإما أن تترك بلا زوج يحميها، ويقف إلى جانبها لمواجهة ظروف الحياة لأنها غير مرغوب فيها لسنها، أو لقلة جمالها.
ومنها: أن يكون الهدف ربط العلاقات وتوطيدها مع من يعينه على تبليغ الدعوة. . . فيؤكد معه رباط الإيمان برباط المصاهرة. . ولم يكن ﷺ في
стр. 355
هذه الحالة هو الذي يأخذ دائمًا، فقد يعطي، فإذا كان قد تزوج بابنتي صاحبيه أبي بكر وعمر، فلقد زوج عثمان وعليًّا بابنتيه (. . بل إنه زوج عثمان باثنتين هما: رقية، وأم كلثوم، واحدة بعد الأخرى. . فلما ماتت الثانية، قال له: «لو كان عندنا ثالثة لزوجناك» !
- ومنها: أن يكون الهدف استنقاذها من الرق، أو استنقاذ أهلها وذويها.
- ومنها: بيان الأحكام الشرعية، وتطبيقها عمليًّا، ليكون أسوة للناس في محاربة الجاهلية وعاداتها.
- ومنها: النقل عنه ﷺ ، والتبليغ، وتعليم المسلمات أمور دينهن، وبخاصة هذه الأمور التي يستحيي النبي ﷺ من تعليمها لهن. إلى غير ذلك من الأمور.
وهذا إجمال يحتاج إلى تفصيل، نعرضه حينما نتعرض لبيان زواج النبي ﷺ من أمهات المؤمنين واحدة واحدة.
١- خديجة:
- أول زوجاته ﷺ .
- بقي معها نحوًا من ست وعشرين سنة - كما أسلفنا-. - كان له منها أولاده الستة، القاسم، والطيب، وقد ماتا قبل البعثة، ورقية، وأم كلثوم، وزينب، وفاطمة، ومتن قبله إلا فاطمة فقد ماتت بعده بستة أشهر.
- ولم يتزوج ﷺ في حياتها غيرها -كما ذكرنا-.
٢- سودة بنت زمعة: - تزوجها النبي ﷺ بعد خديجة، وقبل الهجرة.
стр. 356
- كانت في مثل سن خديجة، أي في السادسة والستين من عمرها، ولم تكن في جمال خديجة.
- وكانت قد أسلمت مع زوجها، وهاجرا إلى الحبشة فرارًا من أذى الجاهليين من قريش، ومات بعد أن عادا.
- وكان أهلها لا يزالون على الشرك، فإذا عادت إليهم فتنوها في دينها، فتزوجها النبي ﷺ حماية لدينها من الفتنة.
٣- عائشة بنت أبي بكر الصديق:
- كانت في نحو التاسعة من عمرها، فما كانت تشتهى لأنها كانت ضاوية، ولم يدخل بها إلا بعد الهجرة.
فما كان زواجه منها لشهوة يبتغيها، وإنما كان لتوثيق صحبته بالصديق ﵁!
- وكانت جميع زوجاته الطاهرات ثيبات (أرامل) فيما عدا عائشة ﵂ فإنها البكر الوحيدة.
- مع أنه هو القائل لجابر بن عبد الله، حينما جاءه وعلى وجهه أثر الطيب والنعمة:
(- «هل تزوجت؟ قال: نعم، قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: ثيبًا، فقال ﷺ فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك» .
٤- حفصة بنت عمر الفاروق: - تزوجها النبي ﷺ بعد الهجرة، وكانت زوجًا لخنيس بن حذاقة، مات عنها مؤمنًا.
стр. 357
- وكان زواجه بها لتوثيق الصحبة بأبيها ﵁، فقد كان له الوزير الثاني. - وما أحاط بزواجه ﷺ بها، يدل على أن مودته ﷺ هي التي دفعت إلى هذا الزواج:
ذلك أن عثمان ﵁ لما ماتت زوجته رقية -وغزوة بدر قائمة- رغب عمر ﵁ في أن يزوجها من عثمان ﵁، فعرض عليه، فسكت عثمان. فشكا عمر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «سيتزوجها من هو خير من عثمان، وسيتزوج عثمان من هي خير من حفصة» .
فتزوج النبي ﷺ حفصة، وتزوج عثمان أم كلثوم بنت النبي ﷺ !
ومن هنا ترى: أن زواجه ﷺ منها كان ربطًا للمودة، وإرضاء للقلوب.
٥- أم حبيبة (رملة) بنت أبي سفيان:
-تزوجها ﷺ والحرب قائمة بينه وبين المشركين بقيادة أبيها، أبي سفيان.
- كانت قد سافرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة، ولكنه تنصر، وخرج عن الإسلام، فكانت بين أمرين، إما أن ترجع إلى أبيها زعيم المشركين -آنئذ- فتفتن في دينها، وإما أن تعود إلى المدينة ولا مأوى لها. فآواها النبي ﷺ بزواجه منها.
- إذ بعث النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى الحبشة فخطبها له ﷺ . ودفع النجاشي صداقها، وهو أربعمائة دينار، وبعث بها إلى النبي ﷺ . - وبهذا الزواج أصاب النبي ﷺ هدفين:
أحدهما: أنه وقاها من الشرك وأن تفتن في دينها.
стр. 358
الثاني: أنه أصهر إلى أبي سفيان الذي سره ذلك، وقال: نعم الفحل لا يجدع أنفه -يعني: محمدًا ﷺ .
٦- زينب بنت خزيمة:
- كانت قد بلغت الستين من عمرها حينما تزوج بها النبي ﷺ ولم تعمر عنده سوى عامين.
- وكان يقال لها أم المساكين.
- قتل زوجها يوم أحد، وكان الزواج بها إيواءًا لها، وتشجيعًا لها على إعانة المساكين.
٧- زينب بنت جحش: - وكانت زوجًا لزيد بن حارثة.
- وقد تزوجته على أنه ابن محمد ﷺ ، إذ كان النبي ﷺ قد تبناه وأطلق عليه ذلك الاسم.
- فلما نزل قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١) .
«تململت ببقائها مع زيد. . وتململ هو من كبريائها، واستأذن النبي ﷺ في طلاقها، فقال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك» ، وقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يتزوجها بعد أن طلقها زيد، ولكنه أخفى ذلك، وخشي مقالة الناس أن يقولوا تزوج محمد زوجه ابنه! - فقال الله تعالى: - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ﴾
стр. 359
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي
الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (١) .
فهذه الآيات تعرض أمر زواج النبي ﷺ من زينب ﵂ بعد أن قضى زيد منها وطرًا - وهي تدل على أمور منها:
- أن عادة الجاهلية أن الابن المتبنى يعتبر ابنًا من كل الوجوه، فألغى الله تلك العادة، وقال ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ .
-كذلك اقتضت حكمة الله أن يبطل هذه العادة الجاهلية التي تدخل في الأسرة من ليس منها، فتفسد العلاقات الأسرية. وأن يكون فعل النبي ﷺ تأكيدًا لهذا الإبطال إذ يتزوج زوجة دعيه بعد أن يطلقها كما قال تعالى: - ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ .
- كما دلت الآيات على أن محمدًا ﷺ لم يكن أبًا لأحد من رجال العرب.
- كذلك فإن الزواج من زينب كان بأمر الله ، وليس برغبة
стр. 360
النبي ﷺ ، ولذلك يُؤثر عن زينب ﵂ قولها: " زوجكن آباؤكن وزوجني ربي ".
قال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ .
٨- أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة:
- وهي مخزومية، وقد مات عنها زوجها أبو سلمة، وهو عبد الله بن عبد الأسد.
- وعند موت زوجها توفي عنها وهي شابة طلب إليها أن تتزوج من بعده، ودعا لها مخلصًا أن يتزوجها من هو خير منه.
- وقد رأى النبي ﷺ أنها ذات عيال، يحتاجون إلى من يرعاهم.
- وكانت هي وزوجها مهاجرين، فانقطعت عن ذويها.
٩- جويرية بنت الحارث:
- يقول ابن هشام - في زواجها:
«لما انصرف رسول الله ﷺ من غزوة بني المصطلق، ومعه جويرية بنت الحارث، دفع بجويرية إلى رجل من الأنصار وديعة عنده، وأمره بالاحتفاظ بها. وقدم رسول الله ﷺ المدينة فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من العقيق، ثم أتى النبي ﷺ فقَال: يا محمد. أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها. فقال رسول الله ﷺ : فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا، فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك أحد، فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان له» .
стр. 361
- ولقد كان الأسرى من قومها نحو مائة فلما تزوجها النبي ﷺ من أبيها، وكانت قد أسلمت، أطلق كل من كان في يده أحد من الأسرى أسراه، وقال: كيف نسترق أصهار رسول الله ﷺ ، فعتق بزواجه ﷺ منها أهل مائة من بيوت بني المصطلق.
وتقول أم المؤمنين عائشة ﵂ في ذلك: " ما كانت امرأة أبرك على قومها من جويرية، لقد عتق بها مائة بيت من بيوت قومها ".
- فما كان الزواج للشهوة، لكن كان للحرية والعتق.
١٠- صفية بنت حيي بن أخطب:
«سبيت مع أختها، وأمرهما بلال ﵁ على قومهما من اليهود في خيبر، فلام النبي ﷺ بلالًا، وقال: أليس في قلبك رحمة؟ أتمرُّ بالفتاتين على قتلى قومهما.»
- وعرض الفتاتين ليزوجهما بعض أصحابه، فتزوجت أختها وبقيت هي فتزوجها النبي ﷺ ، مواساة، وبرًا، ورحمة.
١١- ميمونة بنت الحارث:
- وقد اختارها زوجًا له العباس بن عبد المطلب، لتوثيق ما بينه ﷺ ، وبين القبائل العربية، وقد أصدقها العباس ﵁ من ماله أربعمائة درهم.
- ويروى أنها هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، ذلك أنها لما علمت بخطبة النبي لها، قالت: " البعير وما عليه لله ورسوله ".
стр. 362
فنزل قول الله تعالى: - ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) .
هؤلاء هن زوجاته اللائي دخل بهن، وهن اللائي يطلق عليهن (أمهات المؤمنين) حيث يقول الله تعالى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢) .
وقال في منع زواجهن من بعده: - ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (٣) .
ويقول الرواة:
- إن عدد أزواج النبي ﷺ ثلاث عشرة.
- دخل بإحدى عشرة فهن أمهات المؤمنين.
- ومات عن تسع، إذ ماتت في حياته خديجة، وزينب أم المساكين.
- وتزوج باثنتين لم يدخل بهما، وهما:
أسماء بنت النعمان الكِنْدية.
أميمة بنت النعمان بن شرحبيل.
стр. 363
هذا هو العدد الذي أحله الله لنبيه ﷺ ، والذي تحققت به كل المقاصد الاجتماعية والتعليمية والتشريعية التي تتعلق بالدعوة.
ولقد قال الله تعالى في ذلك: - ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ (١) .
وهذا النص يشير إلى:
- منع التعدد بالنسبة للنبي ﷺ بعد هذا العدد.
- وأن النبي ﷺ كان يرجى من يشاء منهن ويؤوي إليه من يشاء.
كذلك فإن القرآن الكريم يشير إلى أن هذا التعدد بهذا القدر خاص به ﷺ ، قال تعالى: - ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) .
لقد كانت نساء النبي أمهات المؤمنين مدارس لتعليم العلم وإشاعة الخير.
- أما قيامهن بتعليم العلم، فلقد كان الكثيرات من النساء يستحيين من سؤال النبي ﷺ عن بعض الأمور الشرعية وخاصة المتعلقة بهن كأحكام الحيض والنفاس والجنابة، والأمور الزوجية، وغيرها من الأحكام. وقد كانت المرأة تغالب حياءها حينما تهم بسؤال النبي ﷺ عن بعض هذه الأمور. . .
كما كان من خلق النبي ﷺ الحياء، فكان كما حدثت عنه دواوين السنَّة: «أشد حياء من العذراء في خدرها» .
стр. 364
فما كان-صلى الله كليه وسلم- يستطيع أن يجيب عن كل سؤال يعرض عليه من قبل النساء بصراحة ووضوح، وإنما كان يكني في بعض الأحيان!
وربما لا تفهم المرأة السائلة مراده ﷺ من كناياته.
«تروي أم المؤمنين عائشة ﵂ أن امرأة من الأنصار سألت النبي ﷺ عن كيفية غسلها من الحيض، فعلمها النبي ﷺ كيف تغتسل، ثم قال لها: " خذي قرصة ممسكة- أي: قطعة من القطن بها أثر الطيب فتطهري بها "، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: " تطهري بها " قالت: كيف يا رسول الله أتطهر بها؟ قالت عائشة: فاجتذبتها من يدها، فقلت: ضعيها في مكان كذا وكذا وتتبعي بها أثر الدم!» ولعله من فضول القول أن نقول إن كثيرًا من الأحكام الخاصة بالمرأة رويت عن أم المؤمنين عائشة ﵂.
روي عن أبي موسى الأشعري ﵁، أنه قال:
" ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا ".
وقال مسروق:
" رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض ".
وقال عروة بن الزبير:
" ما رأيت امرأة أعلم بطب ولا فقه ولا شعر من عائشة ".
ولا عجب فهذه كتب الحديث تشهد بعلمها الغزير، وعقلها الكبير، فلم يرو في الصحيح عن أحد من الرجال أكثر مما روي عنها إلا ما روي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر ﵃.
نظرات في الكتاب المقدس
وبعد هذه النظرات المدققة المحققة في حياة الرسول ﷺ وسيرته، وكيف، ولماذا عدد زوجاته؟
نعود فنقلب صفحات الكتاب (المقدس!!) لنرى ما جاء فيه عن الأنبياء، وزوجات الأنبياء. . .
ونكتفي بأن نتعرض للأنبياء الثلاثة:
أ- جدعون.
ب- داود.
جـ- سليمان.
جدعون:
وجدعون بن يوآش الأبيعزري، أحد الأنبياء الرسل في العهد القديم يدل على نبوته ورسالته، ما جاء في (الإصحاح السادس من سفر القضاة، العدد ٧، وما بعده) :
" وكان لما صرخ بنو إسرائيل إلى الرب بسبب المديانيين، أن الرب أرسل رجلًا نبيًّا إلى بني إسرائيل، فقال لهم. هكذا قال الرب إله إسرائيل: إني قد أصعدتكم من مصر وأخرجتكم من بيت العبودية، وأنقذتكم من يد المصريين ومن يد جميع مضايقيكم وطردتهم من أمامكم وأعطيتكم أرضهم، وقلت لهم. أنا الرب إلهكم، لا تخافوا آلهة الأموريين الذين أنتم ساكنون أرضهم، ولم تسمعوا لصوتي.
وأتى ملاك الرب وجلس تحت البطمة التي في عفرة التي ليوآش
стр. 367
الأبيعزري وابنه جدعون كان يخبط حنطة في المعصرة لكي يهربها من المديانيين، فظهر له ملاك الرب، وقال له الرب معك يا جبار البأس فقال له جدعون: أسألك يا سيدي إذا كان الرب معنا فلماذا أصابتنا كل هذه، وأين كل عجائبه التي أخبرنا بها آباؤنا قائلين. ألم يصعدنا الرب من مصر، والآن قد رفضنا الرب وجعلنا في كف مديان، فالتفت إليه الرب، وقال. اذهب بقوتك هذه وخلص إسرائيل من كف مديان، أما أرسلتك؟ ".
وكذلك يدل على نبوته ما جاء في (الإصحاح الحادي عشر من الرسالة إلى العبرانيين، العدد ٣٢، ٣٣) :
" وماذا أقول أيضًا لأنه يعوزني الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشون وبفتاح وداود وصموئيل والأنبياء الذين بالإيمان قهروا ممالك صنعوا برًّا، نالوا مواعيد، سدوا أفواه أسود ".
والسؤال هو: كم تزوج جدعون هذا؟
والجواب- كما في أسفار العهد القديم:
" كان لجدعون سبعون ولدًا خارجون من صلبه؛ لأنه كانت له نساء كثيرات، وسريته التي في شكيم ولدت له هي أيضًا ابنًا فسماه أبيمالك " (سفر القضاة: ٨، ٣٠، ٣١) .
داود:
وداود ﵇، وبرأه الله مما يفترون عليه، تقول عنه الأسفار، إنه تزوج نساء كثيرات.
تزوج -أولا- ميكال بنت شاول، مقابل مهر لم تسمع الدنيا
стр. 368
بمثله. . . وهو مائة غلفة من غلف الفلسطينيين!!!
ولست أدري ما الذي يريده شاول من هذا الغلف!! ؟
وماذا يريد أن يصنع به، أو يصنع هذه لابنته!! ؟
ما علينا. . .
فقد تطول الأسئلة، ولا مجيب!
المهم. . . إن داود الكتاب المقدس (!) كان أكرم من شاول.
فقدم مهرًا مائتي غلفة، لا مائة واحدة!!
جاء في (الإصحاح الثامن عشر من سفر صموئيل الأول، العدد ٢٦، ٢٧) :
" ولم تكمل الأيام حتى قام داود وذهب هو ورجاله وقتل من الفلسطينيين مئتي رجل وأتى داود بغلفهم فأكملوها للملك لمصاهرة الملك، فأعطاه شاول ميكال ابنته امرأة ".
وتزوج داود بست نساء أخريات- هن:
١- أخينوعم اليزرعيلية.
٢- أبيجايل.
٣- معكة بنت تلماي ملك جشور.
٤- حجبث.
٥- أبيطال.
٦- عجلة.
جاء ذلك في (الإصحاح الثالث من سفر صموئيل الثاني (العدد ٢ وما بعده) .
" وولد لداود بنون في حبرون. وكان بكره أمنون من أخينوعم اليزرعيلية.
стр. 369
وثانيه كيلاب من أبيجايل امرأة نابال الكرملي. والثالث أبشلوم ابن معكة بنت تلماي ملك جشور. والرابع أدونيا ابن حجبث. والخامس شفطيا ابن أبيطال. والسادس يثرعام من عجلة امرأة داود ".
ثم تزوج داود بنساء أخر، وسراري لم يصرح (الكتاب المقدس) بعددهن.
" وأخذ داود أيضًا سراري ونساء من أورشليم بعد مجيئه من حبرون فولد أيضًا لداود بنون وبنات " (سفر صموئيل الثاني ٥-١٣) .
بل إن (الكتاب المقدس) يحدثنا عن (تصريح مفتوح) لداود أن يتزوج بمن يشاء، وقتما يشاء، حسبما يشاء.
" هكذا قال الرب إله إسرائيل، أنا مسحتك ملكًا على إسرائيل وأنقذتك من يد شاول، وأعطيتك بيت سيدك، ونساء سيدك في حضنك، وأعطيتك بيت إسرائيل ويهوذا، وإن كان ذلك قليلًا كنت أزيد لك كذا وكذا) (سفر صموئيل الثاني ١٢: ٧-٨) .
وزواج داود من امرأة أوريا الحثي. . من القضايا التي تحيطها علامات الاستفهام من كل اتجاه. . .
وإننا لننقل الحادثة بطولها. . . ونضعها أمام عقول الكتابيين ونضع معها سؤالا. . . سؤالا واحدًا وموجزًا. . .
أين هذا من محمد؟
والقصة، يرويها الكتاب المقدس، هكذا:
" وكان عند تمام السنة في وقت خروج الملوك أن داود أرسل يوآب وعبيده معه وجميع إسرائيل فأخربوا بني عمون وحاصروا ربة، وأما داود فأقام في أورشليم، وكان في وقت المساء أن داود قام من سريره وتمشى على سطح بيت
стр. 370
الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم، وكانت المرأة جميلة المنظر جدًّا، فأرسل داود وسأل عن المرأة فقال واحد أليست هذه بتشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثي؟ فأرسل داود رسلًا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها، وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود. قالت إني حبلى. فأرسل داود إلى يوآب يقول أرسل إلي أوريا الحثي، فأرسل يوآب أوريا إلى داود. فأتى أوريا إليه فسأله داود عن سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب، وقال داود لأوريا انزل إلى بيتك واغسل رجليك، فخرج أوريا من بيت الملك، وخرجت وراءه حصة من عند الملك، ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ولم ينزل إلى بيته، فأخبروا داود قائلين لم ينزل أوريا إلى بيته. فقال داود لأوريا أما جئت من السفر. فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود: إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي
نازلون على وجه الصحراء، وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي. وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر. فقال داود لأوريا أقم هذا اليوم أيضًا وغدًا أطلقك. فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده، ودعاه داود فأكل أمامه وشرب وأسكره. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده وإلى بيته لم ينزل.
وفي الصباح كتب داود مكتوبًا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا. وكتب في المكتوب يقول اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. وكان في محاصرة يوآب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن رجال البأس فيه. فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب فسقط بعض الشعب من عبيد داود ومات أوريا الحثي أيضا، فأرسل يوآب وأخبر داود بجميع أمور الحرب. وأوصى الرسول قائلًا. عندما تفرغ من الكلام مع الملك عن جميع
стр. 371
أمرر الحرب، فإن اشتعل غضب الملك وقال لك لماذا دنوتم من المدينة للقتال. أما علمتم أنهم يرمون من على السور من قتل أبيمالك بن يربوشت ألم ترمه امرأة بقطعة رحى من على السور فمات في تاباص. لماذا دنوتم من السور؟ فقل قد مات عبدك أوريا الحثي أيضا.
فذهب الرسول ودخل وأخبر داود بكل ما أرسله فيه يوآب. وقال الرسول لداود قد تجبر علينا القوم وخرجوا إلينا إلى الحقل فكنا عليهم إلى مدخل الباب فرمى الرماة عبيدك من على السور فمات البعض من عبيد الملك ومات عبدك أوريا الحثي أيضا. فقال داود للرسول. هكذا تقول ليوآب لا يسوء في عينيك هذا الأمر لأن السيف يأكل هذا وذاك. شدد قتالك على المدينة واخربها، وشدده.
فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات أوريا رجلها ندبت بعلها، ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنًا. وأما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب " (سفر صموئيل الثاني- الإصحاح الحادي عشر بتمامه) .
وهذه القصة الطويلة -كليل الشتاء- تزعم:
- أن داود رأى امرأة أوريا الحثي -أحد جنوده المحاربين- تستحم عارية فوق السطح وأنها أعجبته. . . فأخذها. . . وزنى بها. . . فحملت منه سفاحًا. . . فأراد أن يتخلص من هذا العار فأرسل يستدعي زوجها من الحرب. . . ليبيت مع امرأته. . . حتى يمكن اعتبار هذا الحمل منه. . .
- ولكن ذلك الجندي الباسل، أبى أن يبيت مع زوجته، ورفاقه من الجنود يحاربون في الصحراء. . .
فما كان من داود إلا أن كتب كتابًا إلى قائد الجيش. . . وأرسله مع أوريا
стр. 372
المسكين. . . يطلب في الخطاب من قائد الجيش أن يجعل أوريا في موقع خطر من مواقع المواجهة مع العدو. . . حتى يقتل. . .
- وقد كان ذلك. . . فقتل أوريا. . . حسب المؤامرة التي رسمها داود. . .
- وبعد مقتل أوريا أرسل داود إلى زوجة أوريا؟ . . وضمها إلى نسائه. .!
أقرأتم. . . . . أرأيتم؟
هكذا تتكلم أسفار العهد القديم عن أنبياء الله ورسله. . . برأهم الله مما يقوله الظالمون المفترون!
نسيت أن أذكر لكم. . . بقية الأسطورة الكتابية. . .
فالأسطورة تذكر أن بتشبع هذه. . . هي أم سليمان الحكيم. . . (راجع الإصحاح الثاني عشر من سفر صموئيل الثاني، العدد ٢٤) .
كذلك تزوج داود في آخر عمره بفتاة عذراء اسمها (أبيشج الشونمية) كما جاء في (الإصحاح الأول من سفر الملوك الأول، العدد ١ وما بعده) .
" وشاخ الملك داود. وتقدم في الأيام، وكانوا يدثرونه بالثياب فلم يدفأ، فقال له عبيده: ليفتشوا لسيدنا الملك عن فتاة عذراء فلتقف أمام الملك ولتكن له حاضنة ولتضطجع في حضنك فيدفأ سيدنا الملك. ففتشوا على فتاة جميلة في جميع تخوم إسرائيل فوجدوا أبيشج الشونمية فجاءوا بها إلى الملك، وكانت الفتاة جميلة جدًّا فكانت حاضنة الملك وكانت تخدمه ولكن الملك لم يعرفها ".
سليمان:
يكفي أن نذكر عن سليمان ما جاء في (الكتاب المقدس) بالحرف الواحد، فلقد جاء فيه:
стр. 373
" وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة وكانت له سبعمائة من النساء السيدات وثلاثمائة من السراري فأمالت نساؤه قلبه. وكان في زمان شيخوخة سليمان إن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه " (سفر الملوك الأول ١١، ١- ٤) .
و. . . هكذا يتحدثون عن سليمان. . . الذي أسرف في التزوج من الوثنيات. . . حتى إنه تزوج بألف امرأة. . . وضل في آخر حياته. . . وكفر، واتخذ له آلهة أخرى. . بإغواء هؤلاء الوثنيات الجميلات.
هكذا تتحدث أسفار القوم عن سليمان!
أما القرآن الكريم، فإنه يقول:
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ . سورة البقرة، آية ١٠٢.
والشياطين، هم هؤلاء الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ومن على شاكلتهم، ممن يسيئون إلى رسل الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق. . .!
وخلاصة القول. إنه ليس في موضع واحد من أسفار العهد القديم حرمة التزوج بأكثر من واحدة. . .
ولو كان التزوج بأكثر من واحدة حرامًا أو مذمومًا لنبه إلى ذلك موسى ﵇. .
стр. 374
بل إنَّ هناك نصوصًا تشير إلى جوازه، أكتفي منها بذلك النص:
" إذا خرجت إلى محاربة أعدائك ودفعهم الرب إلهك إلى يدك وسبيت منهم سبيًا، ورأيت في السبي امرأة جميلة الصورة والتصقت بها واتخذتها لك زوجة، فحين تدخلها إلى بيتك تحلق رأسها وتقلم أظافرها، وتنزع ثياب سبيها عنها، وتقعد في بيتك وتبكي أباها وأمها شهرًا من الزمان، ثم بعد ذلك تدخل عليها وتتزوج بها فتكون لك زوجة وإن لم تسر بها فأطلقها لنفسها. لا تبعها بيعًا بفضة ولا تسترقها من أجل أنك قد أذللتها.
وإذا كان لرجل امرأتان. إحداهما. محبوبة، والأخرى مكروهة فولدتا له بنين المحبوبة والمكروهة، فإن كان الابن البكر للمكروهة، فيوم يقسم لبنيه ما كان له لا يحل له أن يقدم ابن المحبوبة بكرًا على ابن المكروهة البكر، بل يعرف ابن المكروهة بكرًا ليعطيه نصيب اثنين من كل ما يوجد عنده؛ لأنه هو أول قدرته له حق البكورية " (سفر التثنية ٢١، ١٠-١٧) .
و. . . بعد هذا الاستعراض لا أملك إلا أن أتمثل بقول الشاعر:
إذا محاسني اللاتي عرفت بها ... كانت عيوبي فقل لي كيف أعتذر؟
стр. 375
النسخ
ويسألونك عن القرآن. . . كيف نسخ الكتب التي سبقته؟
ولماذا لم يقم المسلمون بنفس الدور الذي فعله النصارى مع أسفار العهد القديم. . لقد اعترفوا بها وأقروها. . بل وطبعوها مع أناجيلهم في كتاب واحد. . أطلقوا عليه الكتاب المقدس!!
ونقول لهؤلاء السائلين، إن ما تدعونه وتزعمونه أمور شكلية ظاهرية، يخالفها الواقع وحقيقة الأمر. . .!
فإذا كنتم تطبعون (العهدين معًا) . . .
فإنكم لا تأخذون بما في (العهدين معًا) . . .
وإليكم هذه الأمثلة.
١- الطلاق:
يجوز في (العهد القديم) أن يطلق الرجل امرأته لأي علة، وأن يتزوج رجل آخر بتلك المطلقة بعدما خرجت من بيت الأول.
" إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها، فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر " (سفر التثنية ٢٤: ١-٢) . بينما لا يجوز في (العهد الجديد) الطلاق إلا بعلة الزنى.
وكذلك لا يجوز لرجل آخر نكاح المطلقة بل هو بمنزلة الزنى.
" وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني " (إنجيل متى ٥: ٣١- ٣٢) .
стр. 376
" وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب. فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى، وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. إذًا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان، قالوا له فلماذا أوصى موسى أن يعطي كتاب طلاق فتطلق؟ قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا، وأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني " (إنجيل متى ١٩: ٢-٩) .
فعلم من جواب عيسى للفريسيين أن هذا الحكم نسخ مرتين، مرة في شريعة العهد القديم، ومرة في العهد الجديد.
٢- المحرمات:
كانت حيوانات كثيرة محرمة في شريعة (العهد القديم) ونسخت حرمتها في شريعة (العهد الجديد) وتقررت الإباحة بفتاوى بولس، نلاحظ ذلك إذا قرأنا هذين النصين:
" إني عالم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيِء نجسًا بذاته إلا من يحسب شيئًا نجسًا فله هو نجس " (رسالة بولس إلى أهل رومية ١٤: ١٤) .
" كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهرًا بل قد تنجس ذهنهم أيضًا وضميرهم " (رسالة بولس إلى تيطس ١: ١٥) .
стр. 377
٣- السبت:
كان تعظيم السبت حكمًا أبديًّا في شريعة (العهد القديم) وما كان لأحد أن يعمل فيه أدنى عمل وكان من عمل فيه عملًا ولم يحافظ على حرمته يقتل.
وقد تكرر بيان ذلك الحكم في مواضع كثيرة من أسفار (العهد القديم) .
" اذكر يوم السبت لتقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك، لا تصنع عملًا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك، وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك، لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه " (سفر الخروج ٢٠: ٨- ١١) .
" وكلم الرب موسى قائلًا: وأنت تكلم بني إسرائيل قائلًا: سبوتي تحفظونها لأنه علامة بيني وبينكم في أجيالكم لتعلموا أني أنا الرب الذي يقدسكم فتحفظون السبت؛ لأنه مقدس لكم، من دنسه يقتل قتلًا، إن كل من صنع فيه عملًا تقطع تلك النفس من بين شعبها، ستة أيام يصنع عمل، وأما اليوم السابع ففيه سبت عطلة مقدس للرب. كل من صنع عملًا في يوم السبت يقتل قتلًا، فيحفظ بنو إسرائيل السبت ليصنعوا السبت في أجيالهم عهدًا أبديًّا. هو بيني وبين بني إسرائيل علامة إلى الأبد؛ لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض وفي اليوم السابع استراح وتنفس " (سفر الخروج ٣١: ١٢-١٧) .
وكان اليهود المعاصرون للمسيح يؤذونه، ويترصدون لقتله، ويتربصون به بحجة أنه لا يعظم السبت.
" ولهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون أن يقتلوه لأنه عمل هذا في
стр. 378
سبت. فأجابهم يسوع. أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه؛ لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه معادلا نفسه بالله " (إنجيل يوحنا ٥: ١٦-١٨) .
" فقال قوم من الفريسيين هذا الإنسان ليس من الله؛ لأنه لا يحفظ السبت " (إنجيل يوحنا ٩- ١٦) .
٤- الختان:
كان حكم الختان أبديًّا في شريعة إبراهيم ﵇، تقول أسفار (العهد القديم) :
" وقال الله لإبراهيم. وأما أنت فتحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم. هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يختن منكم كل ذكر، فتختتنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم، ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم، وليد البيت والمبتاع بفضة من كل ابن غريب ليس من نسلك، يختن ختانًا وليد بيتك والمبتاع بفضتك فيكون عهدي في لحمكم عهدًا أبديًّا. وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها إنه قد نكث عهدي " (سفر التكوين ١٧: ٩- ١٤) .
وقد بقي هذا الحكم في أولاد إسماعيل وأولاد إسحاق ﵉. وختن عيسى ﵇ نفسه، كما جاء في أسفار (العهد الجديد) .
" ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حبل به في البطن " (إنجيل لوقا ٢-٢١) .
стр. 379
وظل هذا الحكم ساريًا إلى أن جاء بولس فنسخه.
" ها أنا بولس أقول لكم. إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئًا لكن أشهد أيضًا لكل إنسان مختتن أنه ملتزم أن يعمل بكل الناموس قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم من النعمة. فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بر؛ لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئًا ولا الغرلة بل الإيمان العامل بالمحبة " (رسالة بولس إلى غلاطية ٥: ٢- ٦) .
٥- نسخ جميع أحكام (العهد القديم) :
ثم. . قام التلاميذ بعد ذلك بنسخ جميع الأحكام العملية في (العهد القديم) ولم يبقوا إلا على أحكام أربعة:
١- ذبيحة الصنم.
٢- الدم.
٣- الحيوان المخنوق.
٤- الزنى.
فأبقوا حرمة هذه الأشياء الأربعة وأرسلوا بذلك كتابًا إلى سائر الكنائس للعمل بمقتضاه.
وهذا نص الرسالة:
" حينئذ رأى الرسل والمشايخ مع كل الكنائس أن يختاروا رجلين منهم ليرسلوهما إلى أنطاكية مع بولس وبرنابا يهوذا الملقب برسابا وسيلا رجلين متقدمين في الأخوة، وكتبوا بأيديهم هكذا. الرسل والمشايخ والأخوة يهدون سلامًا إلى الأخوة الذين من الأمم في أنطاكية وسورية وكيليكية إذ قد سمعنا أن
стр. 380
ناسًا خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختتنوا وتحفظوا الناموس الذي نحن لم نأمرهم رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهًا؛ لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلًا أكبر غير هذه الأشياء الواجبة. أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعمًا تعملون وكونوا معافين " (أعمال الرسل ١٥: ٢٢- ٢٩) .
ثم ماذا؟
ثم تقدم بولس خطوة ثانية. . . فنسخ حرمة الثلاثة الأولى، فلم يبق من أحكام (العهد القديم) العملية إلا حرمة الزنى.
وحتى الزنى يعتبر منسوخًا أيضًا؛ لأنه لا حد فيه.
وبهذا تكون أحكام العهد القديم كلها منسوخة، يقول بولس:
" مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فِيَّ، فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي، لست أبطل نعمة الله؟ لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح إذًا مات بلا سبب " (رسالة بولس إلى غلاطية ٢: ٢٠- ٢١) .
يقول الدكتور همند في تذييله على الفقرة ٢١، هذه:
" يقول -أي بولس - إنه لا يعتمد في النجاة على شريعة ولا يفهم أن أحكام موسى ضرورية، لأن إنجيل المسيح حينئذ يصبح بلا فائدة ".
ويقول بولس أيضا:
" لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة؛ لأنه مكتوب
стр. 381
ملعون كل من لا يثبت في جميع كل ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به. ولكن أن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله فظاهر؛ لأن البار بالإيمان يحيا، ولكن الناموس ليس من الإيمان بل الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها. المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا " (رسالة بولس إلى غلاطية ٩: ٣-١٣) .
ويقول (لارد) في تفسيره لهذه الفقرة (١) :
" المعنى الذي يريده الحواري هنا. نسخت الشريعة أو صارت بلا فائدة بموت المسيح وصلبه ".
ثم يقول: " بيَّن الحواري صراحة أن أحكام شريعة الرسوم نسخت نتيجة موت يسوع ".
وهكذا نسخ (العهد الجديد) . . أحكام (العهد القديم) .
وإن بقي الشكل. . والصورة. . . يوحي بعكس هذا. .
إذ نجد (النصارى) يصرون على إلحاق كتبهم المقدسة بكتب اليهود المقدسة!!
أما (القرآن الكريم) . . . فهو كتاب (مهيمن) . . .
ما قاله هو الحق الذي لا شك فيه. . .!
وما نفاه فهو الباطل الذي لا شك فيه. . .!
وما سكت عنه. . . فهو علم لا ينفع، وجهل لا يضر!!
إن القرآن الكريم هو الصباح المشرق الباهر. . . الذي جاء فأطفأ القناديل والشموع. . . كل القناديل وكل الشموع!!
стр. 382
القرآن والكتب السوالف
ويتفرع من هذا السؤال عن (النسخ) سؤال آخر، يدور حول موقف (القرآن الكريم) من الكتب السابقة، كأسفار العهد القديم، وأسفار العهد الجديد؟
ونوجز الإجابة -أولا- ثم نفصلها بعد ذلك.
فنقول في إيجاز: إن كل رواية من روايات هذه الكتب، إن صدقها القرآن الكريم فهي مقبولة يقينًا، وإن كذبها فهي مردودة يقينًا، وإن سكت القرآن الكريم عن تصديقها وتكذيبها سكتنا نحن أيضًا عنها فلا نصدق ولا نكذب.
ونقول في تفصيل:
أولًا- القرآن مصدق:
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ . (١)
وقال تعالى: ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ (٢)
وربما فهم البعض من تصديق القرآن للكتب السابقة عليه أنه يزيل الاتهام عنها، ويقر بما جاء فيها، حتى ولو كان مغيرًا مبدلًا محرفًا!
وذلك فهم سقيم، وغير سليم.
стр. 383
ثانيًا- القرآن مهيمن:
لأنه في الوقت الذي سمى الله فيه القرآن (مصدقًا) سماه (مهيمنًا) . قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١)
المهيمن: الشاهد المؤتمن الحاكم، فيشهد بما في هذه الكتب من الحق، ويبين ما حرف فيها، ويحكم بما أقره الله وأمر به من أحكامها، وينسخ ما نسخه الله منها، وهو مؤتمن عليها في ذلك كله.
قال ابن جريج: " القرآن أمين على ما قبله من الكتب، فما أخبر أهل الكتاب عن كتابهم، فإن كان في القرآن فصدقوه، وإلا فكذبوه ".
وأورد البخاري رحمه الله تعالى عن ابن عباس ﵄ في كتاب الشهادات وغيره: " يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ أحدث الأخبار بالله، تقرأونه لم يشب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب، وقالوا ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٢)
أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم ".
وقد روى أحمد من حديث جابر مرفوعًا: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا» .
ثالثًا- الكتب السوالف تؤيد القرآن:
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ﴾
стр. 384
﴿يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١)
وهذه الآية الكريمة لا تدل عاد وقوع الشك، ولا على وقوع السؤال، فإن النبي ﷺ لم يكن شاكًّا، ولا سأل أحدًا منهم، بل روي عنه أنه قال: «والله لا أشك، ولا أسأل» .
ولكن المقصود بيان أن أهل الكتاب عندهم من الأدلة والبراهين ما يؤيدك، ويصدقك فيما كذبك فيه الكافرون.
كما قال الله تعالى في آية أخرى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤)
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٥)
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٦)
стр. 385
وقال تعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٤)
وهذه الآيات البينات، تؤكد لنا أن الكتب القديمة، فيها إشارات وبشارات بمحمد ﷺ ، وبملته، وبأمته. . .
وقد يقول قائل: ألا تحتمل هذه الآيات أن ما في أيدي أهل الكتاب صحيح لم يحرف؟
ونقول: إن هذه الآيات لا تتحدث عن التحريف، فلذلك موضع آخر في (الكتاب العزيز) سنتناوله بالحديث فيما بعد إن شاء الله وقدر. . .
لكنها تشير إلى عدة حقائق جحدها الكفار، وهي مذكورة مسطورة عند أهل الكتاب، وفي كتبهم.
стр. 386
وهذه الحقائق هي:
الحقيقة الأولى: أن الكتب المتقدمة تؤكد أن موسى وغيره من رسل الله عليهم صلوات الله وتسليماته، دعوا إلى عبادة الله وحده، ونهوا عن الشرك، فكان في هذا حجة على من ظن أن الشرك دين، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣)
الحقيقة الثانية: أن أهل الكتاب يعلمون أن الله أرسل إلى الناس بشرًا مثلهم، ولم يرسل إليهم ملائكة.
فإن من الكفار من كان يزعم أن الله لا يرسل إلا ملكًا، أو بشرًا معه مَلَك، ويتعجبون من إرسال رسول بشري ليس معه ملك ظاهر كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (٤)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)
стр. 387
الحقيقة الثالثة: أن يسألوا أهل الكتاب -ولا شك أن عندهم بهذا إشارة من علم- عما جرى للرسل مع أممهم، وكيف كانت عاقبة المؤمنين بهم، وعاقبة المكذبين لهم.
الحقيقة الرابعة: أن يسألوا أهل الكتاب عن أصول الدين الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو دين الإسلام، وعن أوامره ونواهيه، كالأمر بالتوحيد، والصدق، والعدل، والبر، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وكالنهي عن الشرك والظلم، والفواحش ما ظهر منها وما بطن.
الحقيقة الخامسة: يسألونهم عما وصفت به الرسل ربهم هل هو موافق لما وصفه به محمد أم غير موافق؟
الحقيقة السادسة: يسألونهم - يهودًا كانوا أم نصارى - عما لديهم من الشهادات والبشارات بنبوة محمد ﷺ ، التي تحدث القرآن الكريم عنها، في مثل قوله تعالى:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٢)
стр. 388
فإن قال قائل: فإن أهل الكتابين لا يصدقون هذه البشارات ولا يقولون بها؟
قلنا له: هذا مستحيل عقلًا؛ لأن الكثيرين من علماء أهل الكتاب وعامتهم، دخلوا في الإسلام وحسن إسلامهم، وما كان لهم أن يدخلوا ذلك الدين الذي يكذب عليهم في أوضح ما لديهم من مقررات.
فإن قال قائل: إذا كنتم تعتمدون على كتبنا في صدق نبوة محمد ﷺ والتبشير به، فإن كتبنا على هذا تكون صحيحة، ومبرأة عما وصفتموها به من التبديل والتحريف؟
قلنا له: إن هذه التوراة والإنجيل فيها حق ولا طل. . . وقد اختلط هذا بهذا. . قال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١)
وينقل الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث قول الشافعي:
" أي: إذا كان ما يخبرونكم به محتملًا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه، أو كذبًا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه ".
ولا شك أن البشارات بالنبي الخاتم ﷺ من النوع الذي تواطأ على الإخبار به ما جاء في القرآن الكريم، وما أقرته كتب القوم، وقد أسلفنا في حديث (الشيخ إبراهيم خليل أحمد) شيئًا من هذا، وهو كثير لمن أراد أن يتتبعه ويحصيه.
بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١)
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (٢)
وقد روى أحمد من حديث جابر - مرفوعًا-: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا» .
فهذه النصوص الكريمة- قرآنية أو حديثية- تفيد أن القوم قد حرفوا كتبهم، ونسوا حظًّا من وحي الله وهداه،. . . وإن هذه الكتب- بعد أن أصابها ما أصابها- لم تعد قادرة على إعطاء الإنسان رشده وهداه وتقواه. . .!
ولقد قدمنا بحثًا دقيقًا لـ (اللواء أحمد عبد الوهاب) حول (قانونية الأناجيل) أثبت فيه، بما نقله عن الكُتَّاب المسيحيين وغيرهم، أن هذه الكتب فيها مئات القضايا التي تختلف مع العقل والنقل والعلم. .!
ثانيًا: أنه ما زال في كتب القوم شيء من الحق، وإن كان قد بدلت وغيرت ألفاظه، إما بحكم الترجمة، أو بدافع الأغراض الشخصية.
وإذا قرأنا الآيتين الثالثة والأربعين، والسابعة والأربعين من سورة المائدة، وهما الآيتان اللتان استدل بهما المستدل، في سياقهما من السورة، لزال كثير من الغموض، ولاتضحت الحقيقة جلية سافرة.