وهذه الحقائق هي:
الحقيقة الأولى: أن الكتب المتقدمة تؤكد أن موسى وغيره من رسل الله عليهم صلوات الله وتسليماته، دعوا إلى عبادة الله وحده، ونهوا عن الشرك، فكان في هذا حجة على من ظن أن الشرك دين، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣)
الحقيقة الثانية: أن أهل الكتاب يعلمون أن الله أرسل إلى الناس بشرًا مثلهم، ولم يرسل إليهم ملائكة.
فإن من الكفار من كان يزعم أن الله لا يرسل إلا ملكًا، أو بشرًا معه مَلَك، ويتعجبون من إرسال رسول بشري ليس معه ملك ظاهر كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (٤)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٥)
стр. 387
الحقيقة الثالثة: أن يسألوا أهل الكتاب -ولا شك أن عندهم بهذا إشارة من علم- عما جرى للرسل مع أممهم، وكيف كانت عاقبة المؤمنين بهم، وعاقبة المكذبين لهم.
الحقيقة الرابعة: أن يسألوا أهل الكتاب عن أصول الدين الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، وهو دين الإسلام، وعن أوامره ونواهيه، كالأمر بالتوحيد، والصدق، والعدل، والبر، والوفاء بالعهد، وصلة الأرحام، وكالنهي عن الشرك والظلم، والفواحش ما ظهر منها وما بطن.
الحقيقة الخامسة: يسألونهم عما وصفت به الرسل ربهم هل هو موافق لما وصفه به محمد أم غير موافق؟
الحقيقة السادسة: يسألونهم - يهودًا كانوا أم نصارى - عما لديهم من الشهادات والبشارات بنبوة محمد ﷺ ، التي تحدث القرآن الكريم عنها، في مثل قوله تعالى:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٢)
стр. 388
فإن قال قائل: فإن أهل الكتابين لا يصدقون هذه البشارات ولا يقولون بها؟
قلنا له: هذا مستحيل عقلًا؛ لأن الكثيرين من علماء أهل الكتاب وعامتهم، دخلوا في الإسلام وحسن إسلامهم، وما كان لهم أن يدخلوا ذلك الدين الذي يكذب عليهم في أوضح ما لديهم من مقررات.
فإن قال قائل: إذا كنتم تعتمدون على كتبنا في صدق نبوة محمد ﷺ والتبشير به، فإن كتبنا على هذا تكون صحيحة، ومبرأة عما وصفتموها به من التبديل والتحريف؟
قلنا له: إن هذه التوراة والإنجيل فيها حق ولا طل. . . وقد اختلط هذا بهذا. . قال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١)
وينقل الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث قول الشافعي:
" أي: إذا كان ما يخبرونكم به محتملًا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقًا فتكذبوه، أو كذبًا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه ".
ولا شك أن البشارات بالنبي الخاتم ﷺ من النوع الذي تواطأ على الإخبار به ما جاء في القرآن الكريم، وما أقرته كتب القوم، وقد أسلفنا في حديث (الشيخ إبراهيم خليل أحمد) شيئًا من هذا، وهو كثير لمن أراد أن يتتبعه ويحصيه.
بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١)
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ (٢)
وقد روى أحمد من حديث جابر - مرفوعًا-: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا» .
فهذه النصوص الكريمة- قرآنية أو حديثية- تفيد أن القوم قد حرفوا كتبهم، ونسوا حظًّا من وحي الله وهداه،. . . وإن هذه الكتب- بعد أن أصابها ما أصابها- لم تعد قادرة على إعطاء الإنسان رشده وهداه وتقواه. . .!
ولقد قدمنا بحثًا دقيقًا لـ (اللواء أحمد عبد الوهاب) حول (قانونية الأناجيل) أثبت فيه، بما نقله عن الكُتَّاب المسيحيين وغيرهم، أن هذه الكتب فيها مئات القضايا التي تختلف مع العقل والنقل والعلم. .!
ثانيًا: أنه ما زال في كتب القوم شيء من الحق، وإن كان قد بدلت وغيرت ألفاظه، إما بحكم الترجمة، أو بدافع الأغراض الشخصية.
وإذا قرأنا الآيتين الثالثة والأربعين، والسابعة والأربعين من سورة المائدة، وهما الآيتان اللتان استدل بهما المستدل، في سياقهما من السورة، لزال كثير من الغموض، ولاتضحت الحقيقة جلية سافرة.
لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١)
فقد أمر أهل (التوراة) أن يحكموا بما أنزل الله في كتابهم!
وأمر أهل (الإنجيل) أن يحكموا بما أنزل الله في كتابهم!
والله أنزل في التوراة وأنزل في الإنجيل الأمر باتباع محمد ﷺ .
فإذا لم يحكموه، فكأنهم لم يحكموا التوراة والإنجيل.
وإذا لم يؤمنوا به، فكأنهم لم يؤمنوا بما في التوراة والإنجيل.
وقد ثبت في الصحاح والسنن والمسانيد هذا:
ففي الصحيحين عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه قال: «إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن امرأةً منهم ورجلًا زنيا، فقال لهم الرسول ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم، فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما» .
وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمر، أنه قال: «أتي رسول الله ﷺ بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق حتى جاء مدراس يهود. فقال: ما تجدون
стр. 393
في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسود وجوههما ويطاف لهما، قال ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) قال: فجاءوا بها فقرأوها حتى إذا مروا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال عبد الله بن سلام - وهو مع الرسول ﷺ مره فليرفع يده، فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فقالوا: صدق فيها آية الرجم، ولكننا نتكاتمه بيننا، وإن أحبارنا أحدثوا التحميم والتحبية، فأمر رسول الله ﷺ برجمهما فرجما» .
وأخرج مسلم عن البراء بن عازب ﵁ أنه قال: «مُرَّ على رسول الله ﷺ بيهودي محمم مجلود، فدعاهم، فقال: هكذا تجدون حد الزنى في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزنى في كتابكم قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله ﷺ : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتموه "، فأمر به فرجم، فأنزل الله تعالى-
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ - إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - إلى: ﴿الظَّالِمُونَ﴾ - إلى: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) قال: " هي في الكفار كلها» .
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: «رجم النبي ﷺ رجلًا من أسلم، ورجلًا من اليهود» .
стр. 394
وفي سنن أبي داود عن زيد بن أسلم عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «أتي بنفر من اليهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف فأتاهم في بيت المدراس، فقالوا: يا أبا القاسم إن رجلًا منا زنى بامرأة فاحكم بينهم، فوضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها، ثم قال: ائتوني بالتوراة فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته ووضع التوراة عليها، وقال: آمنت بك، وبمن أنزلك، ثم قال: ائتوني بأعلمكم، فأتي بشاب» ثم ذكر قصة الرجم.
وأخرج أبو داود وغيره عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه نبي بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله، فقلنا: نبي من أنبيائك. قالوا: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة -منهم- زنيا، فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب فقال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: نحممه ونحبيه ونجلده- والتحبيه: أن يحمل الزانيان على حمار ويقابل أقفيتهما ويطاف بهما- قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي ﷺ ساكتًا أنشده، فقال: اللهم إذ أنشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبي ﷺ : فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟ قال: زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في أسرة من الناس، فأراد رجمه فحال قومه دونه، وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: فإني أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما» .
стр. 395
قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ (١)
مما عرضناه وسردناه يتضح لنا أن المقصود تحكيم هذه الكتب، فيما يتفق مع القرآن لا فيما يناقضه أو يخالفه.
فإن قال قائل من النصارى: إن القرآن الكريم يثني علينا ويعتبرنا أقرب الناس مودة للذين آمنوا، كما في قوله:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢)
قلنا له: إن هذا الثناء إنما هو خاص بالذين آمنوا منهم بمحمد ﷺ ولا شك أن الذين دخلوا في الإسلام من النصارى أكثر من الذين دخلوا فيه من اليهود -.
ودليل ذلك ما جاء في الآيتين الثالثة والثمانين والرابعة والثمانين من سورة المائدة وهما الآيتان اللتان تليا الآية التي استشهد بها ذلك القائل ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)
стр. 396
فهو لم يعد بالثواب في الآخرة إلا هؤلاء الذين آمنوا بمحمد ﷺ ، الذين قال فيهم ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾
والشاهدون: هم الذين شهدوا له- ﷺ بالرسالة، فشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ولهذا فسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال: مع محمد ﷺ وأمته.
وكل من شهد للرسول بالتصديق فهو من الشاهدين، كما قال الحواريون ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١)
وإذا كان القرآن الكريم قد أثنى على هؤلاء القساوسة والرهبان، الذين درسوا الحق، وأخلصوا في دراستهم، فأعلنوه واتبعوه.
فلقد نعى على غيرهم، من الذين اتخذوا الدين تجارة، وأخذوا يكنزون الذهب والفضة، وينصبون أنفسهم للناس آلهة، يحلون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون، يدخلون الجنة من يشتهون ويحرمون منها من يبغضون.
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ﴾
стр. 397
﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ
يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١)
الحواريون
يقول السؤال المطروح عليَّ: هل يؤمن المسلمون برسل المسيح الذين اختارهم، وأوكل إليهم مهمة التبشير لجميع الأمم كما ذُكِر في الإنجيل؟
ونقول في الإجابة:
يزعم النصارى أن الحواريون رسل من رسل اللَّه، وأنهم سلموا إليهم التوراة والإنجيل، وأن لهم معجزات. . . .!
وكونهم " رسل الله "! فهذا مبني على كون المسيح هو الله، فإنهم رسل الله!
يقول شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في كتابه القيم: (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) (٢)
" وهذا الأصل باطل، ولكن في طرق المناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن فنمنعهم في هذا المقام، ونطالبهم بالدليل على أنهم رسل الله، وليس لهم على ذلك دليل: فإنه لا يثبت أنهم رسل الله إن لم يثبت أن المسيح هو الله، وإثباتهم أن المسيح هو الله، إما أن يكون بالعقل أو بالسمع- يعني الدليل النقلي- والعقل لا يثبت ذلك بل يحيله، وهم لا يدعون ثبوت ذلك بالعقل.
стр. 398
بل غاية ما يدعون إثبات إمكانه بالعقل لا إثبات وجوده مع أن ذلك أيضًا باطل.
وإنما يدعون ثبوت وجوده بالسمع.
ولكن يقال لهم في هذا المقام: أنتم لا يمكنكم إثبات كون المسيح هو الله إلا بهذه الكتب، ولا يمكنكم تصحيح هذه الكتب إلا بإثبات أن الحواريين رسل الله معصومون، ولا يمكنكم إثبات أنهم رسل الله إلا بإثبات أن المسيح هو الله فصار ذلك دورًا ممتنعًا.
فإنه لا تعلم إلهية المسيح إلا بثبوت هذه الكتب.
ولا تثبت هذه الكتب إلا بثبوت أنهم رسل الله.
ولا يثبت ذلك إلا بثبوت أنه الله.
فصار ثبوت إلهيته متوقفًا على ثبوت إلهيته.
وثبوت كونهم رسل الله متوقفًا على كونهم رسل الله، فصار ذلك دورًا ممتنعًا ".
ثم يقول ﵀ مفندًا لمزاعم القوم؛ إذ يقولون: إن هؤلاء الحواريين جرت على أيديهم معجزات، فهم لهذا يعتبرون رسلًا!
" وقد يدعون عصمة الحواريين، وعصمة أهل المجامع بعد الحواريين. فيزعمون أن الحواريين أو هؤلاء جرت على أيديهم خوارق، وقد يذكرون أن منهم من جرى إحياء الميت على يديه، وهذا إذا كان صحيحًا- مع أن صاحبه لم يذكر أنه نبي- لا يدل على عصمته.
فإن أولياء الله من الصحابة والتابعين بعدهم بإحسان، وسائر أولياء الله من هذه الأمة وغيرها، لهم من خوارق العادات ما يطول وصفه، وليس فيهم معصوم، يجب قبول كل ما يقول، بل يجوز الغلط على كل واحد منهم، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا الأنبياء ﵈.
стр. 399
ولهذا أوجب الله الإيمان بكل ما أوتيه الأنبياء، ولم يوجب الإيمان بكل ما يقوله كل ولي ".
قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (١)
ثم يقول:
" فإذا كان المسلمون يقولون عن الحواريين إنهم ليسوا بمعصومين، فإنهم يقولون ذلك فيمن هو عندهم أفضل من الحواريين كأبي بكر وعمر.
وإن كانوا يقولون عن المسيح إنه عبد مخلوق مربوب ليس بإله فإنهم يقولون ذلك فيمن هو عندهم أفضل من المسيح كمحمد وإبراهيم عليهما أفضل الصلاة والسلام ".
إننا نؤمن أن الحواريين، هم صحابة المسيح ورسله، وأنهم بمنزلة رسل موسى ورسل إبراهيم ورسل محمد ﵈، الذين يوجهونهم برسائلهم إلى الآفاق لنشر الدعوة أو تعليم الدين.
أما النصارى؛ فإنهم يرون في الحوارين أنهم رسل الله. . . يعنون المسيح!!
ولقد ورد ذكر الحواريين في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢)
стр. 400
وقال تعالى: -
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١)
وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (٢)
فإن قال قائل، وهذه الآيات التي جاءت في سورة (يس) وتتحدث عن أخبار (رسل المسيح) إِلى أهل أنطاكية، ألا يدل ذلك على أنهم رسل الله؟ نقول: أما الآيات التي وردت في سورة (يس) فهي قوله تعالى: -
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿قَالُوا﴾
стр. 401
﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إِنِّي
إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (١)
يقول ابن تيمية ﵀:
" والرسل المذكورون في سورة يس ليسوا هم الحواريين، ولا كانوا رسلًا للمسيح، بل كان هذا الإرسال قبل المسيح، وأهل القرية كذبوا أولئك الرسل فأهلكهم الله، كما قال تعالى:
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ (٢)
والرسل المذكورون في السورة هم ثلاثة، وكان في القرية رجل آمن بهم، وهذه -وإن كانت أنطاكية- فكان هذا الإرسال قبل المسيح، والمسيح ﵇ ذهب إلى أنطاكية اثنان من أصحابه بعد رفعه إلى السماء، ولم يعززوا بثالث، ولا كان حبيب النجار موجودًا إِذ ذاك، وآمن أهل أنطاكية بالمسيح ﵇، وهي أول مدينة آمنت به ".
стр. 402
وقبل أن ننهي هذا الفصل من فصول المناظرة، أحب أن أقلب صفحات أسفار العهد الجديد لأستخرج منها صورة هؤلاء الحواريين الذين يقال عنهم إنهم رسل وإنهم معصومون.
- " وأما أسماء الاثني عشر رسولًا فهي هذه: الأول: سمعان؛ الذي يقال له بطرس، وأندراوس أخوه، يعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، فيلبس، وبرثولماوس، توما، ومتى العشار، يعقوب بن حلفي، ولباوس الملقب تداوس، سمعان القانوي، ويهوذا الاسخريوطي الذي أسلمه " (إنجيل متى ١٠: ٢-٤) .
- " وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس " (متى ٢٣: ١٦) .
- " ولما جاءوا إلى الجمع تقدم إليه رجل جائيًا له، قائلًا: يا سيد ارحم ابني فإنه يصرع ويتألم شديدًا، ويقع كثيرًا في النار وكثيرًا في الماء، وأحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه، فأجاب يسوع وقال: أيها الجيل غير المؤمن الملتوي، إلى متى أكون معكم. إلى متى أحتملكم قدموه إلي ههنا، فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان فشفي الغلام من تلك الساعة، ثم تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد، وقالوا: لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه؟ فقال لهم يسوع: لعدم إيمانكم " (إنجيل متى ١٧: ١٤- ٢٠) .
- " فأجاب بطرس وقال له: وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبدًا، قال له يسوع: الحق أقول لك إنك في هذه الليلة قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات " (متى ٢٦: ٣٣- ٣٤) .
وتؤكد الأناجيل- كما ذكرنا من قبل- أن يهوذا الأسخريوطي واحد من الحواريين الرسل. . . بل إنه كان من المقدمين فيهم لأنه كان أمين المال. . . وهو الذي تآمر على المسيح مع شيوخ اليهود في نظير ثلاثين من الفضة!!!
стр. 403
وهنا سؤال عارض:
- هل كان يهوذا يعرف أو يعتقد أن المسيح الذي باعه بثلاثين من الفضة هو ابن الله كما يزعمون؟
وهل كان بطرس رئيس التلاميذ، الذي أنكر المسيح ثلاث مرات حسب روايات الأناجيل وتبرأ منه يعتقد أنه ابن الله كما يدعون؟
إن كانا يعلمان أو يعتقدان ذلك فكيف أسلمه الأول وأنكره الثاني؟
وإن لم يكونا يعلمان- مع أن بطرس رئيس التلاميذ- فكيف ألَّهوه بعد ذلك، وقالوا: المسيح ابن الله؟
إن الأناجيل تصر على أن يهوذا كان خائنًا.
" حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعي يهوذا الأسخريوطي إلى رؤساء الكهنة. وقال: ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم، فجعلوا له ثلاثين من الفضة. ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلمه " (إنجيل متى ٢٦: ١٤- ١٦) .
وتعطينا الأناجيل- أيضًا- صورة عن ابني زبدي، فقد أحضرا أمهما لتسأل المسيح أن يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله في ملكوت الله.
" حينئذ تقدمت إليه أم ابني زبدي مع ابنيها وسجدت وطلبت منه شيئًا، فقال لها: ماذا تريدين؟ قالت له: قل أن يجلس ابناي هذان واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في ملكوتك. فأجاب يسوع وقال: لستما تعلمان ما تطلبان، أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سوف أشربها أنا وأن تصطبغا بالصبغة التي أصطبغ بها أنا. قالا له: نستطيع. فقال لهما أما كأسي فتشربانها وبالصبغة التي أصطبغ بها أنا تصطبغان، وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبي. فلما سمع العشرة اغتاظوا من أجل الأخوين " (متى ٢٠: ٢٠- ٢٤) .
стр. 404
بل إن جميع التلاميذ كانوا يبحثون عن المنفعة الشخصية، فها هو ذا بطرس زعيمهم يتحدث بالنيابة عنهم إلى المسيح، ويقول عنه الإنجيل:
" فأجاب بطرس حينئذ وقال له: ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك فماذا يكون لنا، فقال لهم يسوع: الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تَبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًّا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر " (إنجيل متى ١٩: ٢٧-٢٩) .
اثنا عشر كرسيًّا. . . بعدد الرسل الاثني عشر. . . .!
أنسي كتبة الأناجيل. . أن يسقطوا (يهوذا) الخائن. . . من حكاية (الكراسي) !
إذًا (فيهوذا الأسخريوطي) ما زال محتفظًا بكرسيه. . رغم كل شيء!!
стр. 405
الخمر
بين يدي سؤال عن الخمر -يقول:
الخمر محرم في القرآن الكريم، ولكنه غير محرم في الإنجيل، فكيف تفسرون ذلك؟
وهل هناك آية في القرآن تحرم الخمر؟
ولقد ذكرنا السؤال بنصه، وإن كان هناك تعارض بين صدره وعجزه!!
ونقول في الجواب:
إن الله حرم الخمر في القرآن الكريم، وقد نزل في ذلك آيات:
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣)
روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب أنه قال: " اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فإنها تذهب بالمال والعقل فنزلت هذه
стр. 406
الآية يسألونك عن الخمر والميسر فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية في سورة النساء يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فكان منادي الرسول ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: ألا لا يقربن الصلاة سكران. فدعى عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية في سورة المائدة، فدعى عمر فقرئت عليه فلما بلغ فهل أنتم منتهون قال عمر: انتهينا، انتهينا ".
روى النسائي عن عثمان ﵁ أنه قال: " اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، كان رجل ممن كان قبلكم متعبد فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها، فقالت له: إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل بابًا أغلقته دونه. حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليَّ أو تشرب من هذه الخمر كأسًا، أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقيني من هذه الخمر كأسًا، فسقته، قال: زيدوني، فزادوه، فلم يبرح حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا يوشك أن يخرج أحدهما صاحبه ".
والخمر، سميت بهذا الاسم لأنها تستر العقل وتغطيه، كما ذكره الزجاج، وقال ابن الأنباري: سميت خمرة لأنها تخامر العقل؛ أي: تخالطه، يقال: خامره الداء إذا خالطه.
ولا شك أن العقل أثمن وأغلى شيء في الإنسان، فإذا فقد الإنسان العقل فماذا يكون قد بقي له؟
стр. 407
يقول أحد الشعراء المخمورين:
لا يلد السكر حتى ... يأكل السكران نعله
ويرى القطة فيلًا ... ويظن الفيل نمله
قال القرطبي:
(إن الشارب يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته، وربما يمسح وجهه حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله، ويقول: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول له: أكرمك الله كما أكرمتني ".
هذا عرض سريع وموجز لما جاء في القرآن الكريم والسنَّة المطهرة حول تحريم الخمر. . بقي أن نتوقف عند النصوص الكتابِيَّة لننظر ماذا جاء فيها عن الخمر، وتحريمها:
" الخمر مستهزئة، المسكر عجاج، ومن يترنح بهما فليس بحكيم " (سفر الأمثال ٢٠: ١) .
" لمن الويل، لمن الشقاوة، لمن المخاصمات، لمن الكرب، لمن الجروح بلا سبب، لمن ازمهرار العينَيْن، للذين يدمنون الخمر، الذين يدخلون في طلب الشراب المموج. لا تنظر إلى الخمر- إذا احمرت حين تظهر حبابها في الكأس وساغت مرقرقة. في الآخر تلسع كالحية، وتلدغ كالأفعوان. عيناك تنظران الأجنبيات، وقلبك ينطق بأمور ملتوية، وتكون كمضطجع في قلب البحر، أو كمضطجع إلى رأس سارية. يقول: ضربوني ولم أتوجع، لقد لكأوني ولم أعرف. متى أستيقظ أعود أطلبها بعد " (سفر الأمثال ٣٣: ٢٩ -٣٥) .
стр. 408
" ويل للأبطال على شرب الخمر ولذوي القدرة على مزج السكر " (سفر أشعياء ٥: ٢٢) .
" ولكن هؤلاء أيضًا ضلوا بالخمر- وتاهوا بالمسكر، الكاهن والنبي ترنحا بالمسكر ابتلعتهما الخمر، تاها من السكر، ضلا في الرؤيا، قلقا في القضاء، فإن جميع الموائد امتلأت قيئًا وقذرًا " (سفر أشعياء ٢٨: ٧- ٨) .
" الزنى والخمر والسلافة تخلب القلب " (سفر هوشع ٤: ١١) .
ولم يكن يسمح للنذير بأن يشرب منه مدة نذره:
" وكلَّم الرب موسى قائلًا: كلِّم بني إسرائيل وقل لهم: إذا انفرز رجل أو امرأة لينذر نذر النذير لينتذر للرب فعن الخمر والميسر يفترز ولا يشرب خل الخمر ولا خل المسكر ولا يشرب من نقيع العنب ولا يأكل عنبًا رطبًا ولا يابسًا. كل أيام نذره لا يأكل من كل ما يعمل من جفنة الخمر من العجم حتى القشر " (سفر العدد ٦: ١- ٤) .
ولم يكن يسمح للكاهن بأن يشرب منه عند دخوله لخدمة المقدس.
" وكلم الرب هارون قائلًا خمرًا ومسكرًا لا تشرب أنت وبنوك معك عند دخولكم إلى خيمة الاجتماع لكي لا تموتوا فرضًا دهريًّا في أجيالكم، وللتمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر " (سفر اللاويين ١٠: ٨- ١٠) .
وقد أعلن الكتاب المقدس أن الفقر في شرب الخمر.
" محب الخمر والدهن لا يستغني " (سفر الأمثال ٢١: ١٧) .
ونهى عن مجالسة من يشربون الخمر:
" لا تكن بين شريبي الخمر، بين المتلفين أجسادهم؛ لأن السكير والمسرف يفتقران " (سفر الأمثال ٢٣: ٢٠- ٢١) .
وقد نهى الكتاب عن السكر بالخمر وبيَّن أن السكر خطيئة:
" فإن حنة كانت تتكلم في قلبها وشفتاها فقط تتحركان وصوتها لم يسمع.
стр. 409
إن عالي ظنها سكرى. فقال لها عالي: حتى متى تسكرين؟ انزعي خمرك عنك. فأجابت حنة وقالت: لا يا سيدي إني امرأة حزينة الروح ولم أشرب خمرًا ولا مسكرًا بل أسكب نفسي أمام الرب لا تحسب أمتك ابنة بليعال؛ لأني من كثرة كربتي وغيظي قد تكلمت إلى الآن " (سفر صموئيل الأول ١: ١٣-١٦) .
وفيه تهديد وتنديد بشارب الخمر:
" ويل للمبكرين صباحًا يتبعون السكر، للمتأخرين في العتمة تلهيهم الخمر. وصار العود والرباب والدف والناي والخمر ولائهم وإلى فعل الرب لا ينظرون، وعمل يديه لا يرون، لذلك سبي شعبي لعدم المعرفة، وتصير شرفاؤه رجال جوع، وعامته يابسين من العطش، لذلك وسعت الهاوية نفسها وفغرت فاها بلا حد فينزل بهاؤها وجمهورها وضجيجها والمبتهج فيها، ويذل الإنسان ويحط الرجل وعيون المستعلين توضع " (سفر أشعياء ٥: ١١- ١) .
و (ذا تركنا (العهد القديم) ونصوصه. . .
وولينا وجوهنا شطر (العهد الجديد) ونصوصه. . .
وجدنا أن الكتابَيْن تطابقا وتوافقا على تحريم الخمر وذمها.
ففي رسالة بولس الأول إلى أهل كورنثوس، يقول:
" وأما الآن فكتبت إليكم إن كان أحد مدعو أخًا زانيًا أو طماعًا أو عابد وثن أو شتامًا أو سكيرًا أو خاطفًا أن لا تخالطوا ولا تؤاكلوا مثل هذا " (١١: ٥) .
وفي رسالة كورنثوس الأولى -أيضًا- (الإصحاح ٦، العدد ٩، ١٠) :
" لا تضلوا، لا زناة، ولا عبدة أوثان، ولا مأبونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله ".
стр. 410
وفي رسالة بولس إلى أهل غلاطية (الإصحاح الخامس، العدد ١٩ وما بعده) :
" وأعمال الجسد ظاهرة التي هي: زنى عهارة نجاسة دعارة عبادة الأوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة حسد قتل سكر بطر وأمثال هذه التي أسبق فأقول لكم عنها كما سبقت فقلت أيضًا إن الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله ".
وفي رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس (الإصحاح ٥: ١٨) :
" ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح ".
وفي رسالة بطرس الأول (الإصحاح ٤، العدد ٣) :
" لأن زمان الحياة الذي مضى يكفينا لنكون قد عملنا إرادة الأمم سالكين في الدعارة والشهوات وإدمان الخمر والبطر والمنادمات وعبادة الأوثان المحرمة ".
هذه هي الخمر في (العهد القديم) .
وهذه هي الخمر في (العهد الجديد) .
ولكننا نصاب بذهول لا ينتهي، حينما نقرأ الإصحاح الثاني من إنجيل يوحنا (العدد ١ وما بعده) .
إن هذا الإنجيل يقدم لنا باكورة معجزات المسيح، فإذا بها تحويل الماء إلى خمر!!
يقول الإنجيل:
" وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك. ودعي أيضًا يسوع وتلاميذه إلى العرس ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له: ليس لهم خمر. قال لها يسوع ما لي ولك يا امرأة، لم تأت ساعتي بعد. قالت أمه
стр. 411
للخدام: مهما قال لكم فافعلوه. وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود يسع كل واحد مطرين أو ثلاثة قال لهم يسوع: املأوا الأجران ماء فملأوها إلى فوق، ثم قال لهم: استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ. فقدموا. فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول خمرًا ولم يكن يعلم من أين هي. لكن الخدام كانوا قد استقوا الماء علموا، دعا رئيس المتكأ العريس وقال له: كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولًا، ومتى سكروا فحينئذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن. هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده فآمن به تلاميذه ".
بل إن إنجيل يوحنا يفاجئنا، ويا هول ما يفاجئنا به، يفاجئنا بالمسيح في حالة سكر شديد. . وقد تعرى من ملابسه ولنترك للإنجيل يحدثنا حديثه:
" قام عن العشاء، وخلع ثيابه، وأخذ منشفة واتزر بها. ثم صب الماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان يتزر بها " (إِنجيل يوحنا ١٣: ٤-٥) .
وهذا النص تحوطه مجموعة ضخمة من علامات الاستفهام. . والتعجب. . ولكننا لن نناقش هذا النص. . وإنما سنكتفي بعرضه. . بعيدًا عن أي تعقيب أو تعليق. . غير أننا سنترك أحد المعلقين المسيحيين (فندر - صاحب كتاب ميزان الحق) (١) ليقول:
" هذا يوهم أن عيسى ﵇ كان قد سرت فيه الخمرة حتى لم يكن يدري ما يفعل، فإن غسل الأقدام لا يوجب التجرد من الثياب ".
وينتهي كلام المتحدث الرسمي. . .
أما أنا فأقول، إنه كلام على طريقة: " يقول المريب خذني ".
стр. 412
ثم أختم هذا الحديث عن الخمر بنصين من نصوص أسفار (العهد الجديد) . . . وما أكثر نصوص أسفار العهد الجديد. يقول النص الأول:
" لأنه جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزًا ولا يشرب خمرًا فتقولون به شيطان. جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول وشريب خمر " (إنجيل لوقا ٧: ٢٣-٢٤) .
ويقول النص الثاني، وهو متمم لهذا النص ومكمل له:
" وسأله واحد من الفريسيين أن يأكل معه فدخل بيت الفريسي واتكأ وإذا امرأة في المدينة كانت خاطئة إذ علمت أنه متكئ في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب ووقفت عند قدميه من ورائه باكية وابتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب، فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك تكلم قي نفسه قائلًا: لو كان هذا نبيًّا لعلم من هذه الامرأة التي تلمسه وما هي أنها خاطئة " (إنجيل لوقا ٧: ٣٦-٣٩) .
ثم يستمر النص فيقول:
" ثم التفت إلى المرأة وقال لسمعان: أتنظر هذه المرأة؟ إني دخلت بيتك وماء لأجل رجلي لم تعط. وأما هي فقد غسلت رجلي بالدموع ومسحتها بشعر رأسها. قبلة لم تقبلني وأما هي فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل رجلي من أجل ذلك، أقول لك قد غفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيرًا " (إنجيل يوحنا ٧: ٤٤- ٤٧) .
ثم يمضي (العهد الجديد) في عرض نصوصه (المقدسة) !!
ونتوقف لننتقل بالحديث إلى موضوع آخر!
ويتردد هنا تساؤل عن السر في تحريم الخنزير، فكتب البعض -مشكورين- مقالات قيمة، ودراسات ممتعة، عن أسباب التحريم من وجهة النظر الصحية والطبية، فأكدوا أن لحم الخنزير مرتع للميكروبات والجراثيم الفتاكة، كالدودة الشريطية وبويضاتها المتكيسة.
وقد عارض آخرون بأنه يمكن استخدام حرارة شديدة عند إنضاج لحمه لقتل هذه الدودة والقضاء عليها.
ورد هؤلاء الباحثون على هؤلاء المعارضين، إننا اكتشفنا هذه الديدان بعد أحقاب متطاولة من تحريم الله للخنزير. . . فمن يدرينا بعد أحقاب أخرى ماذا نكتشف أيضا!
إن الله- جلت مشيئته وحكمته- وفر على الإنسان الجهد المضني، وهداه إلى ما ينفعه في دينه ودنياه. . . وحذره مما يضره في دينه ودنياه!
ولكن. . . لا ينبغي أن يدفعنا البحث عن علة التحريم. . إلى تجاهل أمر هام. . . وهام جدًّا. . . ذلك هو: أن الحلال حلال لله، وأن الحرام حرامه،. . . وأن النص الصحيح له هيمنته على كل اجتهاد وكل بحث وكل تعليل.
إن خطيئة آدم الأولى التي كانت سببًا في خروجه من الجنة. . . إنما هي أكله من شجرة محرمة. . . ما كان يعرف العلة في تحريمها. . . لم يقف عند نهي الله وتحذيره.
إن ما حدث من آدم، وما حدث له. . . ينبغي أن نضعه نصب أعيننا ونحن نناقش قضايا الحلال والحرام!! حتى لا تختلط في نظرنا السبل، أو تزل بنا الأقدام.
стр. 415
و (القرآن الكريم) ليس هو الكتاب الوحيد الذي يؤكد النهي عن لحم الخنزير. . ويشدد في حرمته. . . وإنما هذه نصوص الأسفار قديمها وجديدها، تؤكد هذا وتقرره.
الخنزير محرم؛ لأنه لا يجتر:
" وكلم الرب موسى وهارون قائلًا لهما: كلِّما بني إسرائيل قائلين: هذه هي الحيوانات التي تأكلونها من جميع البهائم التي على الأرض. كل ما شق ظلفًا وقسمه ظلفين، ويجتر من البهائم فإياه تأكلون إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر ومما يشق الظلف، الجمل لأنه مجتر لكنه لا يشق ظلفًا فهو نجس لكم. والوبر لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفًا فهو نجس لكم. والأرنب لأنه يجتر لكنه لا يشق ظلفًا فهو نجس لكم. والخنزير. لأنه يشق ظلفًا ويقسمه ظلفين لكنه لا يجتر فهو نجس لكم. من لحمها لا تأكلوا، وجثثها لا تلمسوا إنها نجسة لكم " (سفر اللاويين ١١: ١-٨) .
" لا تأكل رجسًا ما. هذه البهائم التي تأكلونها. البقر والضأن والمعز والإبل والظبي واليحمور والوعل والرئم والتيتل والمهاة. وكل بهيمة من البهائم تشق ظلفًا وتقسمه ظلفين وتجتر فإياها تأكلون. إلا هذه فلا تأكلوها مما يجتر وما يشق الظلف المنقسم. الجمل والأرنب والوبر لأنها تجتر لكنها لا تشق ظلفًا فهي نجسة لكم. والخنزير لأنه يشق الظلف لكنه لا يجتر فهو نجس لكم. فمن لحمها لا تأكلوا وجثثها لا تلمسوا " (سفر التثنية ١٤: ٣-٨) .
يقول قاموس الكتاب المقدس تعليقًا على هذا النص (١) :
" وذلك لأنه قذر ولا يجتر طعامه ويولد لحمه بعض الأمراض إذا لم
стр. 416
ينضج عند طبخه. وكان محرمًا على العرب تربيته. وقد حرم القرآن أكله كما حرمته التوراة.
وقد حسبه الفينيقيون والأثيوبيون والمصريون نجسًا مع أنهم في مصر كانوا يقدمون خنزيرًا ذبيحةً في العيد السنوي لإله القمر ولأوزوريس باخوس. ومع ذلك فإنه كان يتحتم على من يلمس خنزيرًا ولو عرضًا أن يغتسل ولم يكن يسمح لراعي الخنزير أن يدخل الهيكل ولم يكن يتزوج إلا من بنات الرعاة مثله؛ لأن أحدًا لا يرضى أن يزوج ابنته من راعي الخنازير " (١) .
والخنزير قذر:
" خزامة ذهب في قنطيسة خنزيرة، المرأة الجميلة العديمة العقل " (سفر الأمثال ١١: ٢٢) .
وإذا تركنا أسفار (العهد القديم) . .
وانتقلنا إلى أسفار (العهد الجديد) . .
فإننا نجدها تقول:
" لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير " (إنجيل متى ٦٧) .
" قد أصابهم ما في المثل الصادق كلب قد عاد إلى قيئه، وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة " (رسالة بطرس الرسول الثانية ٢: ٢٢) .
وتقرر أسفار العهد الجديد أن رعي الخنازير أحط المهن وأدناها لا يقربها إلا الفقراء المعدمون.
" وقال إنسان كان له ابنان، فقال أصغرهما لأبيه يا أبي أعطني القسم الذي يصيبني من المال. فقسم لهما معيشته. وبعد أيام ليست بكثيرة جمع
стр. 417
الابن الأصغر كل شيء وسافر إلى كورة بعيدة، وهناك بذر ماله بعيش مسرف. فلما أنفق كل شيء حدث جوع شديد في تلك الكورة فابتدأ يحتاج فمضى والتصق بواحد من أهل تلك الكورة فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازيره " (إنجيل لوقا ١٥: ١١-١٥) .
" وكان هناك عند الجبال قطيع كبير من الخنازير يرعى. فطلب إِليه كل الشياطين قائلين أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها. فأذن لهم يسوع للوقت فخرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير " (إنجيل مرقس ٥: ١١-١٣) .
على أن هناك حقيقة ينبغي أن تكون نصب أعيننا، هي أن المسيح جاء مقررًا للتوراة ومؤكدًا لما جاء فيها:
لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل " (إنجيل متى ٥: ١٧-١٨) .
هكذا تكلم المسيح. . . فكيف تكلم بطرس. . .! ؟
بطرس فتح الباب على مصراعيه، فأحل كل حرام، ونقض الناموس.
وقد سبق أن عرضنا رأي النصارى في المحرمات عند الحديث عن النسخ -ونضيف هنا- حديث ملاءة بطرس:
" ثم في الغد فيما هم يسافرون ويقتربون إلى المدينة صعد بطرس على السطح ليصلي نحو الساعة السادسة. فجاع كثيرًا واشتهى أن يأكل وبينما هم يهيئون له وقعت عليه غيبة، فرأى السماء مفتوحة وإناء نازلا عليه مثل ملاءة عظيمة مربوطة بأربعة أطراف ومدلاة على الأرض، وكان فيها كل دواب
стр. 418
الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء، وصار إليه صوت قم يا بطرس اذبح وكل، فقال بطرس: كلا يا رب لأني لم آكل شيئًا دنسًا أو نجسًا. فصار إليه أيضًا صوت ثانية ما طهره الله لا تدنسه أنت. وكان هذا ثلاث مرات ثم ارتفع الإناء أيضًا إلى السماء " (أعمال الرسل ١٠: ٩- ١٦) .
هكذا. . هكذا. . كل دواب الأرض. . حتى الوحوش والزحافات والخنازير. . . لم يعد شيء حرامًا. . .!
ولكنه (بطرس) وبطرس من حقه أن يحل ما يشاء، وأن يحرم ما يشاء. . . . فإرادة الله تابعة لإرادته- ألم يقل الله له:
" أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماء، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات " (إنجيل متى ١٦: ١٨- ١٩) .
стр. 419
الروح القدوس
في الأسئلة المقدمة سؤال عن (الروح القدس) وما جاء في القرآن الكريم والتأييد، ويراد بها الملك.
والمضاف إلى الله تعالى نوعان:
فإن المضاف: إما أن يكون صفة لا تقوم بنفسها كالعلم والقدرة والكلام والحياة. وإما أن يكون عينًا قائمة بنفسها.
فالأول: إضافة صفة، كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (١)
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢)
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (٣)
وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح، حديث الاستخارة:
" إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم. . الحديث " (٤) .
والثاني: إضافة عين، كقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (٥)
وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (٦)
стр. 420
وقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (١)
فالمضاف في النوع الأول: صفة الله قائمة به ليست مخلوقًا له بائنًا عنه.
والمضاف في النوع الثاني: مملوك لله مخلوق له بائن عنه، لكنه مفضل مشرف لما خصه الله به من الصفات التي اقتضت إضافته إلى الله ﵎.
كما خص ناقة صالح ﵇ من بين النوق. وكما خص بيته بمكة من بين البيوت، وكما خص عباده الصالحين من بين الخلق.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ (٢)
وهذا الروح وصفه الله بأنه تمثل لها بشرًا سويًّا، وأنها استعاذت بالله منه إن كان تقيًّا، وإنه قال لها ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾
وهذا كله يدل على أنها عين قائمة بذاتها.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم أنه نفخ في مريم من روحه، قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣)
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (٤)
كما ذكر الله تعالى تأييده لعيسى ﵇ بروح القدس في عدة مواضع:
فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (٥)
стр. 421
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ (٢)
وإذا كان الله قد قال ذلك عن عيسى ﵇، فلقد قاله عن نبينا محمد ﷺ ، وعن القرآن الذي أنزل عليه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٤)
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥)
فروح القدس الذي نزل بالقرآن من الله، هو الروح أمين، وهو جبريل ﵇.
стр. 422
بقي أن نقول: إن قوله تعالى: ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ (١) هو نظير قوله تعالى عن آدم ﵇: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٢)
وقد شبه الله المسيح بآدم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)
أضغاث أحلام:
هذا ما جاء في القرآن الكريم (ومفرداته) عن الروح القدس. . .!
أما ما جاء في (الكتاب المقدس) عن هذه المفردة ذاتها. . .! فإن بولس يقرر كيفية تدوين التوراة والإنجيل إذ يقول: " كل الكتاب هو موحى به من الله " (الرسالة الثانية إلى تيموثاوس، ٣: ١٦) ، وعندما نتتبع كيفية هذا الإيحاء نجده -عنده- وقوع الإنسان في غيبوبة (فيقرر لوقا في سفر " أعمال الرسل " وقوع بولس في غيبولة قائلًا) : " وحدث لي بعد ما رجعت إلى أورشليم وكنت أصلي في الهيكل أني حصلت في غيبوبة فرأيته قائلًا. . . . اذهب فإني أرسلك إلى الأمم بعيدا " (أعمال الرسل ١٧: ٢٢- ٢١) .
وشق بولس طريقه بإنجيل يغاير إنجيل المسيح قائلًا: " صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم، ولكن بالانفراد على المعتبرين " (غلاطية ٢: ٢) .
ويستهين بتلاميذ المسيح قائلًا: " وأما المعتبرون أنهم بشيء مهما كانوا لا فرق عندي الله لا يأخذ بوجه إنسان. فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا عليَّ بشيء. بل بالعكس إذ رأوا أني اؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على
стр. 423
إنجيل الختان. فإن الذي عمل في بطرس لرسالة الختان عمل فيَّ أيضًا للأمم. فإذا علم بالنعمة المعطاة لي يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة أعطوني، وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم وأما هم فللختان (غلاطية ٦: ٢-١٠) .
وهكذا سلخ بولس رسالة المسيح من أصالتها المؤسسة على التوراة والمتممة لها كما قال السيد المسيح: " ما جئت لأنقض بل لأكمل " (متى ١٧: ٥) إلى نصرانية تستمد أصولها من الفلسفات الإغريقية.
" والأعجب من ذلك أن بطرس يقرر حقيقة تدوين الأسفار المقدسة بقوله: " لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس " (رسالة بطرس الثانية ١: ٢١) .
وبالبحث لاستجلاء كيفية تلقي بطرس للوحي، يقول لوقا عن بطرس:
" صعد بطرس إلى السطح ليصلي نحو الساعة السادسة فجاع كثيرًا واشتهى أن يأكل، وبينما هم يهيئون له وقعت عليه غيبة " (أعمال الرسل ١٠: ٩، ١٠) .
فماذا نجم عن هذه الغيبوبة: (يقرر لوقا قائلًا: " وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس " (أعمال الرسل ١٠: ٢٨) .
ومن العجيب أن بطرس لما رأى إيمان الأمم بالمسيح نبيًّا رسولًا، وحلول موهبة الروح القدس عليهم " أمر أن يعتمدوا باسم الرب " (أعمال الرسل ١٠: ٤٨)
وهذا فيلبس واحد من التلاميذ كان يعمد باسم الرب: " ولكن لما صدقوا فيلبس وهو يبشر بالأمور المختصة بملكوت الله وباسم يسوع المسيح اعتمدوا " (أعمال الرسل ٨: ١٢) .
لقد كانت الدعوة: التبشير بالأمور المختصة بملكوت الله وهي في الحقيقة التبشير بالإسلام دين الله الذي ارتضاه الله للإنسانية كافة.
стр. 424
من هنا نرى التناقض البارز في وجهة نظر بولس الذي قال: " ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا " (١ كو ١: ٢٣) فمتى كان المسيح مصلوبًا؟ وهذا ما سندحضه بالحجة البالغة.
ولنترك بولس وبطرس في تناقضاتهما ونتساءل ما هي الحقيقة القانونية للأناجيل. أهو موحى به من الله؟ أم هو من إعداد تلاميذ المسيح؟ يجيب عن هذا التساؤل لوقا قائلًا:
" إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا منذ البدء كما سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخُدَّامًا للكلمة، رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علّمت به " (لوقا ١: ١- ٤) ويقر يوحنا قائلًا: " وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدّام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب " (يوحنا ٣٠: ٢٠)
فالأناجيل تؤكد نجاة السيد المسيح من الصلب فالموت. وهنا نقف هنيهة لنتساءل: ألا يمكن اعتبار قول بولس " ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا " واحدةً من (غيبوبياته) .
يقول يوحنا في إنجيله: " فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون أجابوه يسوع الناصري. قال لهم يسوع أنا هو. وكان يهوذا مسلّمه أيضًا واقفًا معهم. فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض " (١٨: ٤- ٦) .
وهنا نتساءل في تعقل وتدبر: ما الذي أفزعهم، إذ رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض وهم مسلحون وهو أعزل؟ لا بد أن تكون ظاهرة كونية قذفت في قلوبهم الرعب. فلو أضفنا قرينة واردة في إنجيل لوقا بشأن مولد المسيح قائلة: " وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على
стр. 425
رعيتهم. وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفًا عظيمًا. فقال لهم الملاك: لا تخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، إنه وُلِد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب " (إنجيل لوقا ٨: ٢- ١١) .
فلنأخذ القرينة الواردة في العدد التاسع من الإصحاح الثاني من إنجيل لوقا التي تقول:
" وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفًا عظيما " ولنضعها بعد قول السيد المسيح: " إني أنا هو " من العدد السادس من الإصحاح الثامن عشر من إنجيل يوحنا ولنكتب النص بعد إضافة المحذوف: " فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون أجابوه يسوع الناصري قال لهم يسوع أنا هو. وكان يهوذا مسلّمه أيضًا واقفًا معهم فلما قال لهم إني أنا هو إذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفًا عظيمًا فرجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض " (إنجيل يوحنا ٤: ١٨- ٦) و (إنجيل لوقا ٩: ٢) .
في هذه اللحظات اقتاده الروح القدس إلى مكان آمن كما سبق أن اقتاده في البرية حسب رواية لوقا قائلًا: " أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس، وكان يقتاد بالروح فيِ البرية " (إنجيل لوقا ٤: ١) .
وإليكم الأدلة الدامغة على نجاة السيد المسيح فيروي لوقا هذيان المقبوض عليه:
" ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب رؤساء الكهنة والكتبة وأصعدوه إِلى مجمعهم قائلين إن كنت أنت المسيح فقل لنا. فقال لهم إن قلت لكم لا