← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 22397

مناظرة بين الإسلام والنصرانية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (477 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ (٢) وإذا كان الله قد قال ذلك عن عيسى ﵇، فلقد قاله عن نبينا محمد ﷺ ، وعن القرآن الذي أنزل عليه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥) فروح القدس الذي نزل بالقرآن من الله، هو الروح أمين، وهو جبريل ﵇.

стр. 422

بقي أن نقول: إن قوله تعالى: ﴿فنفخنا فيها من روحنا﴾ (١) هو نظير قوله تعالى عن آدم ﵇: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (٢) وقد شبه الله المسيح بآدم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) أضغاث أحلام: هذا ما جاء في القرآن الكريم (ومفرداته) عن الروح القدس. . .! أما ما جاء في (الكتاب المقدس) عن هذه المفردة ذاتها. . .! فإن بولس يقرر كيفية تدوين التوراة والإنجيل إذ يقول: " كل الكتاب هو موحى به من الله " (الرسالة الثانية إلى تيموثاوس، ٣: ١٦) ، وعندما نتتبع كيفية هذا الإيحاء نجده -عنده- وقوع الإنسان في غيبوبة (فيقرر لوقا في سفر " أعمال الرسل " وقوع بولس في غيبولة قائلًا) : " وحدث لي بعد ما رجعت إلى أورشليم وكنت أصلي في الهيكل أني حصلت في غيبوبة فرأيته قائلًا. . . . اذهب فإني أرسلك إلى الأمم بعيدا " (أعمال الرسل ١٧: ٢٢- ٢١) . وشق بولس طريقه بإنجيل يغاير إنجيل المسيح قائلًا: " صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم، ولكن بالانفراد على المعتبرين " (غلاطية ٢: ٢) . ويستهين بتلاميذ المسيح قائلًا: " وأما المعتبرون أنهم بشيء مهما كانوا لا فرق عندي الله لا يأخذ بوجه إنسان. فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا عليَّ بشيء. بل بالعكس إذ رأوا أني اؤتمنت على إنجيل الغرلة كما بطرس على

стр. 423

إنجيل الختان. فإن الذي عمل في بطرس لرسالة الختان عمل فيَّ أيضًا للأمم. فإذا علم بالنعمة المعطاة لي يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة أعطوني، وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم وأما هم فللختان (غلاطية ٦: ٢-١٠) . وهكذا سلخ بولس رسالة المسيح من أصالتها المؤسسة على التوراة والمتممة لها كما قال السيد المسيح: " ما جئت لأنقض بل لأكمل " (متى ١٧: ٥) إلى نصرانية تستمد أصولها من الفلسفات الإغريقية. " والأعجب من ذلك أن بطرس يقرر حقيقة تدوين الأسفار المقدسة بقوله: " لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس " (رسالة بطرس الثانية ١: ٢١) . وبالبحث لاستجلاء كيفية تلقي بطرس للوحي، يقول لوقا عن بطرس: " صعد بطرس إلى السطح ليصلي نحو الساعة السادسة فجاع كثيرًا واشتهى أن يأكل، وبينما هم يهيئون له وقعت عليه غيبة " (أعمال الرسل ١٠: ٩، ١٠) . فماذا نجم عن هذه الغيبوبة: (يقرر لوقا قائلًا: " وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس " (أعمال الرسل ١٠: ٢٨) . ومن العجيب أن بطرس لما رأى إيمان الأمم بالمسيح نبيًّا رسولًا، وحلول موهبة الروح القدس عليهم " أمر أن يعتمدوا باسم الرب " (أعمال الرسل ١٠: ٤٨) وهذا فيلبس واحد من التلاميذ كان يعمد باسم الرب: " ولكن لما صدقوا فيلبس وهو يبشر بالأمور المختصة بملكوت الله وباسم يسوع المسيح اعتمدوا " (أعمال الرسل ٨: ١٢) . لقد كانت الدعوة: التبشير بالأمور المختصة بملكوت الله وهي في الحقيقة التبشير بالإسلام دين الله الذي ارتضاه الله للإنسانية كافة.

стр. 424

من هنا نرى التناقض البارز في وجهة نظر بولس الذي قال: " ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا " (١ كو ١: ٢٣) فمتى كان المسيح مصلوبًا؟ وهذا ما سندحضه بالحجة البالغة. ولنترك بولس وبطرس في تناقضاتهما ونتساءل ما هي الحقيقة القانونية للأناجيل. أهو موحى به من الله؟ أم هو من إعداد تلاميذ المسيح؟ يجيب عن هذا التساؤل لوقا قائلًا: " إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا منذ البدء كما سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخُدَّامًا للكلمة، رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علّمت به " (لوقا ١: ١- ٤) ويقر يوحنا قائلًا: " وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدّام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب " (يوحنا ٣٠: ٢٠) فالأناجيل تؤكد نجاة السيد المسيح من الصلب فالموت. وهنا نقف هنيهة لنتساءل: ألا يمكن اعتبار قول بولس " ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوبا " واحدةً من (غيبوبياته) . يقول يوحنا في إنجيله: " فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون أجابوه يسوع الناصري. قال لهم يسوع أنا هو. وكان يهوذا مسلّمه أيضًا واقفًا معهم. فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض " (١٨: ٤- ٦) . وهنا نتساءل في تعقل وتدبر: ما الذي أفزعهم، إذ رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض وهم مسلحون وهو أعزل؟ لا بد أن تكون ظاهرة كونية قذفت في قلوبهم الرعب. فلو أضفنا قرينة واردة في إنجيل لوقا بشأن مولد المسيح قائلة: " وكان في تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على

стр. 425

رعيتهم. وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفًا عظيمًا. فقال لهم الملاك: لا تخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، إنه وُلِد لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب " (إنجيل لوقا ٨: ٢- ١١) . فلنأخذ القرينة الواردة في العدد التاسع من الإصحاح الثاني من إنجيل لوقا التي تقول: " وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفًا عظيما " ولنضعها بعد قول السيد المسيح: " إني أنا هو " من العدد السادس من الإصحاح الثامن عشر من إنجيل يوحنا ولنكتب النص بعد إضافة المحذوف: " فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون أجابوه يسوع الناصري قال لهم يسوع أنا هو. وكان يهوذا مسلّمه أيضًا واقفًا معهم فلما قال لهم إني أنا هو إذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم فخافوا خوفًا عظيمًا فرجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض " (إنجيل يوحنا ٤: ١٨- ٦) و (إنجيل لوقا ٩: ٢) . في هذه اللحظات اقتاده الروح القدس إلى مكان آمن كما سبق أن اقتاده في البرية حسب رواية لوقا قائلًا: " أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس، وكان يقتاد بالروح فيِ البرية " (إنجيل لوقا ٤: ١) . وإليكم الأدلة الدامغة على نجاة السيد المسيح فيروي لوقا هذيان المقبوض عليه: " ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب رؤساء الكهنة والكتبة وأصعدوه إِلى مجمعهم قائلين إن كنت أنت المسيح فقل لنا. فقال لهم إن قلت لكم لا

стр. 426

تصدقون، وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله " (لوقا ٦٦: ٢٢- ٦٩) . ودليل آخر صرخات المصلوب حسب رواية متى: " ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا: إيلي إيلي لما شبقتني؟ أي إلهي إلهي لماذا تركتني؟ " (متى ٤٦: ٢٧) . بينما السيد المسيح كان مطمئنًا إلى عون الله إذ قال: " والذي أرسلني هو معي ولم يتركني الآب وحدي لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " (إنجيل يوحنا ٢٩: ٨) . برهان آخر حيث تنبأ السيد المسيح عن تخلي تلاميذه عنه وهروبهم عند الشدة: " هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته. وتتركونني وحدي وأنا لست وحدي لأن الآب معي " (إنجيل يوحنا ١٦: ٣٢) . ويروي متى حادثة هروب التلاميذ قائلًا: " حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا " (متى ٥٦: ٢٦) . هل لاحظتم في رواية يوحنا ما قاله؟ " فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه " (إنجيل يوحنا ٤: ١٨) . ا- لقد أعلمه الله بنوايا مسلّمه حيث قال: " إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلّم ابن الإنسان كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد، فأجاب وقال: هل أنا هو يا سيدي قال له أنت قلت " (متى ٢٥: ٢٦) .

стр. 427

٢- تحدى اليهود الذين تآمروا على قتله قائلا: (أرسل الفريسيون ورؤساء الكهنة خدامًا ليمسكوه فقال لهم يسوع أنا معكم زمانًا يسيرًا بعد ثم أمضي إلى الذي أرسلني. ستطلبونني ولا تجدونني وحيث أكون أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا، (إنجيل يوحنا ٧: ٣٢- ٣٤) . وقال السيد المسيح مؤكدًا قوله قائلًا: " قال لهم يسوع أيضًا أنا أمضي وستطلبونني وتموتون في خطيتكم. حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا. فقال اليهود ألعلّه يقتل نفسه حتى يقول حيث أمضي أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " (إنجيل يوحنا ٨: ٣١-٣٢) ويؤكد هذا القول لتلاميذه قائلًا: " يا أولادي أنا معكم زمانًا قليلًا بعد. ستطلبونني وكما قلت لليهود حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا " (إنجيل يوحنا ٣٣: ١٣) . هذا هو السيد المسيح الذي رفعه الله إليه، وحمدًا لله أنه في قرآنه الكريم حسم هذه القضية بقوله : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) إذن فقضية الصلب قضية باطلة، وكل ما بني على باطل فهو باطل. فماذا يقول (بولس) الذي يكرز بالمسيح مصلوبا؟ ما أصدق قول تولستوي الذي أنكر تأليه السيد المسيح، والذي رأى أن بولس لم يفهم تعاليم السيد المسيح بل طمسها، وانحرف بها. فبعد أن كانت امتدادًا لشريعة الله التي أنزلها الله على عبده ونبيه موسى. أصبحت تعاليم

стр. 428

هيلينية ممتدة في عمق فلسفة الإغريق (وقرر أن الأقوال الواردة في العهد القديم عن السيد المسيح لا تدل على أنه هو الله ولا هو ابن الله حقيقة. كما أعلن تولستوي بجرأة أن كتاب العهد الجديد قد حرّف وعراه التغيير والتبديل. بقي أن نطرح هذا السؤال الأخير: من هو الروح القدس؟ ونجيب عليه من النصوص الكتابِيَّة: يقول لوقا في إنجيله بشأن مريم العذراء: " وفي الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. واسم العذراء مريم. فدخل إليها الملاك وقال: سلام لك أيتها المنعم عليها. الرب معك. مباركة أنت في النساء " (لوقا ١: ٢٦- ٢٨) . ويقول لوقا في إنجيله بشأن يحيى بن زكريا: " فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك اليصابات ستلد لك ابنًا وتسميه يوحنا. ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته لأنه يكون عظيمًا أمام الرب وخمرًا ومسكرًا لا يشرب ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس " (لوقا ١: ١٣- ١٥) . ويقول لوقا في إنجيله بشأن حمل السيدة العذراء: " فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلًا فأجاب وقال لها: الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك. . . " (لوقا ١: ٣٤، ٣٥) .

стр. 429

ويقول لوقا في إنجيله بشأن العمل والولادة بإرادة الله وأمره فلا يستحيل على الله شيء: " وهو ذا أليصابات نسيبتك هي أيضًا حبلى بابن في شيخوختها، وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرًا. لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله " (لوقا ١: ٣٦، ٣٧) . وفي العهد القديم ارميا يمتلئ بالروح القدس في بطن أمه: " فكانت كلمة الرب إليّ قائلًا: قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًّا للشعوب " (ارميا ١: ٤) قدستك أي تمتلئ بالروح القدس. الروح القدس يهدي بني إسرائيل إلى أرض كنعان: " ها أنا أرسل ملاكًا أمام وجهك ليحفظك في الطريق وليجيء بك إلى المكان الذي أعددته احترز منه واسمع لصوته ولا تتمرد عليه. لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن اسمي فيه " (خروج ٢٣: ٢٠، ٢١) . في هذا المعنى (لا تتمرد عليه لأنه لا يصفح عن ذنوبكم لأن اسمي فيه) قال السيد المسيح: (١) " أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس. وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي " (إنجيل متى ١٢: ٣١، ٣٢)

стр. 430

(٢) ويروي لوقا مقالة السيد المسح قائلًا: " كل من قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له وأما من جدّف على الروح القدس فلا يغفر له ومتى قدّموكم إلى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا كيف أو بما تحتجون أو بما تقولون. لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تَقولوه " (لوقا ١٠: ١٢- ١٢) . (٣) ويروي متى في إنجيله مقالة السيد المسيح عن الروح القدس بأنه روح منبثق من الله: " فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم) (متى ١٠: ١٩، ٢٠) . والسيد المسيح ﵇ كان موصول الصلة بالسماء من المهد إلى صعوده إلى السماء: (١) بشارة الروح القدس بمولده: " قال لهم الملاك: لا تخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب " (لوقا ٢: ١٠، ١١) . (٢) نزول الروح القدس عليه عند المعمودية: " ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضًا. وإذ كان يصلي انفتحت السماء ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة " (لوقا ٣: ٢١، ٢٢) .

стр. 431

(٣) اقتياد الروح القدس له في البرية أثناء تجربة إبليس له: " أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس، وكان يقتاد بالروح في البرية " (لوقا ٤: ١) . (٤) الروح القدس يقوي المسيح أثناء الصلاة في بستان جشيماني: " وجثا على ركبتيه وصلى قائلًا يا أبتاه إن شئت أن تعبر عني هذه الكأس. ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك وظهر له ملاك من السماء يقويه " (لوقا ٢٢: ٤١- ٤٣) . والسيد المسيح يعد تلاميذه بحلول الروح القدس عليهم يوم الخمسين: " لكنكم ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض " (أعمال الرسل ١: ٨) . والروح القدس يسكن قلب الإنسان المؤمن الورع مما يزيده طمأنينةً وسلامًا. فهذا داود نبي الله يتضرع إلى الله أن يثبت الروح القدس في قلبه قائلًا: " قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي. لا تطرحني من قدّام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني " (مزمور ٥١: ١٠، ١١) .

стр. 432

وهذا شاول يتحول إلى إنسان آخر بمجرد مسحه وحلول الروح القدس عليه: " فأخذ صموئيل قنينة الدهن وصبَّ على رأسه وقبّله وقال أليس لأن الرب قد مسحك على ميراثه رئيسًا " (صموئيل الأول ١٠: ١) . " وكان عندما أدار كتفه لكي يذهب من عند صموئيل أن الله أعطاه قلبًا آخر. . . فحل عليه روح الله فتنبأ في وسطهم " (صموئيل الأول ١٠: ٩، ١٠) . شاول ينصرف عنه الروح القدس لأنه عصا ربه: " وذهب روح الرب من عند شاول وبغته روح رديء من قبل الرب " (صموئيل الأول ١٦: ١٤) . من هذا يتبين أن السيد المسيح إنسان وعبد من عباد الله، وأن الروح القدس ملك من الملائكة وأن الله- جلّت قدرته- ليس كمثله شيء. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١)

стр. 433

كلمة الله فإن قال قائل: لماذا أطلق القرآن الكريم على عيسى ﵇، كلمة الله؟ قلنا له: المقصود بكلمة الله كلمة (كن) التي يخلق الله بها الأشياء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) وكلمات الله لا نهاية لها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٢) وسمي المسيح كلمة الله، لأن الله كوَّنه (بكن) . قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) وقال تعالى في قصة بشارة مريم بالمسيح: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤) وقال أيضًا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥) وإنما خص المسيح ﵇ بتسميته (كلمة الله) دون سائر البشر، لأن سائر البشر خلقوا على الوجه المعتاد في المخلوقات، فالفرد من ذرية آدم خلق

стр. 434

من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم نفخ فيه الروح، وخلق من ماء الأبوين: الأب والأم. والمسيح ﵇ لم يخلق من ماء الرجل، بل لما نفخ روح القدس في أمه حبلت به، وقال الله له كن فكان، ولهذا شبهه بآدم في قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) وتقول أسفار العهدين: هذا ما تحدث به القرآن الكريم: أما ما تحدثت به الأناجيل بل أسفار العهدين القديم والجديد، فقد جاء في إنجيل يوحنا: " في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله " (يوحنا ١: ١) . وجاء في الرسالة إِلى العبرانيين: " بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر " (العبرانيون ٣: ١١) . وجاء في رسالة بطرس الثانية: " السماوات كانت منذ القديم والأرض بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء " (بطرس الثانية ٣: ٥) . وجاء في سفر المزامير: " بكلمة الله صنعت السماوات والأرض وبنسمة فيه كل جنودها " (٦: ٣٣) . تكررت (الكلمة) في مواضع أربعة واضحة جلية في النصوص سالفة الذكر. ونحن نعلم أن العهد الجديد كتب باللغة اليونانية ومن ثم فإن الكلمة اليونانية المرادفة هي (لوجوس) وهذه الكلمة لها أربع مرادفات هي: الكلمة،

стр. 435

الأمر، العهد، الخبر. وهذه المرادفات تعني قدرة الله في أنه إذا أراد شيئًا إنما يقول له كن فيكون. مناقشة ما جاء في إنجيل يوحنا هذا النص هو إحدى الدعائم التي قامت عليهما عقيدة التجسيد عند النصارى، وهو الركيزة الأولى التي استند إليها دعاة التجسيد الأولون في تشكيل العقيدة النصرانية في إعطائها الصورة التي طلعت بها على الناس. لقد فهم دعاة النصرانية ومبشروها من هذا النص أن الكلمة هي الله. وأن الله هو الكلمة، وأن الكلمة قد خلق به كل شيء. وأنه صار جسدًا وحلّ بيننا في شخص المسيح الذي رآه الناس في عصره الذي ظهر فيه. في أرض اليهودية. وقام بدعوته في مواجهة اليهود، وطلع عليهم بمعجزاته التي اختلف الناس من أجلها في تصور حقيقته! ومفهوم هذا النص على هذا الوجه لا يسلّم به إلا مع كثير من التجوز الذي يخرج المنطق ويلغي العقل فهناك مثلًا: عبارة (في البدء كان الكلمة) . ونتساءل أي بدء تعني؟ ما حده الزمني؟ وإذا كان له حد زمني فهل يكون له متعلق بالله؟ وهل ذلك مما يليق بكمال الله الذي لا يحصره شيء. . زمانًا. . . ومكانا؟ فالله سبحانه أول بلا ابتداء. ثم العبارة (والكلمة كان عند الله) . فماذا تعني العندية هنا، وكيف يتفق أن تكون (الكلمة) بدءً بمعنى الأولوية المطلقة لم توصف بأنها كانت عند الله. ثم أخيرًا العبارة (وكان الكلمة الله) . كيف ترتفع العندية، ويكون الكلمة الله، لا عند الله هذا التناقض هو ما يعطيه هذا النص كما تنطق بذلك ألفاظه وعباراته.

стр. 436

فهل يرجع ذلك إلى التسامح في الترجمة وعدم دقتها؟ قد يكون. عملية تصويب بإضافة المحذوف لتصويب المعاني ولا تساق العبارة (في البدء كان الكلمة) وذلك في مفهوم الكلمة (الأمر) . فالأمر الإلهي كن فيكون تقرر (والكلمة كان عند الله) أي الأمر الإلهي كان أزلًا وأبدًا موصوفًا بها فهي من صفات الله الأزلية. (وكان الكلمة الله) فيه حذف المضاف -وهو سائغ شائع- أي (وكان رب الكلمة الله) فهو صاحب الأمر والنهي على الإطلاق. ثم قول يوحنا بعد ذلك (والكلمة صار جسدا) (يوحنا ١: ١٤) فيه حذف المضاف أيضًا أي (وأثر الكلمة صار جسدا) مثال ذلك جاء في سفر التكوين بشأن الخلق: " قال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها بهائم ودبابات ووحوش أرض كأجناسها وكان كذلك ". (تكوين ١: ٢٤) ، " وقال الله ليكن نور فكان نور " (تكوين ١: ٣) . فالكلمة إذن هي الأمر الإلهي في قوله " لتخرج الأرض "، وقوله " ليكن نور " ويؤكد هذا ما جاء في الرسالة إلى العبرانيين " بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله " (٣: ١١) أي " بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بالأمر الإلهي " وما جاء في رسالة بطرس الثانية " الأرض بكلمة الله قائمة " (٣: ٥ أي " الأرض بأمر الله قائمة " وما جاء في المزامير " بكلمة الرب صنعت السماوات " (مزمور ٣٣: ٦) أي " بأمر الرب صنعت السماوات ". وعلى هذا فالمعنى صحيح وهو ما يجب حمل النص عليه. أما لو حملناها على ظاهرها قلنا: إن الكلمة هو الله كما هو منطوقها وأضفنا لهذا النص

стр. 437

" والكلمة صار جسدًا " (يوحنا ١: ١٤) لاستحال ذلك لأن صيرورة الله جسدًا محال لتنزهه عن التغيير إذ المتغير حادث لا محالة ولصار النص مختل المبنى ركيك المعنى بل لا معنى له أصلًا، لأننا لو قرأناها مفسرة أي بجعل الكلمة الله كما يفسرونها على ظاهرها لكان منطوقها هذا: الله والله الله في البدء كان ــ ــ كان عند الله وكان ــ الله الكلمة والكلمة الكلمة وأي معنى لهذا، ومع هذا فالآية لا تشير إلى السيد المسيح ﵇ من بعيد أو قريب فأين لنا الاستدلال بها على ذلك؟ وليكن معلومًا أن إنجيل يوحنا هو الإنجيل الذي انفرد بين الأناجيل الأربعة باصطباغه بالصبغة اليونانية، ويأخذ بكثير من مقولات الفلاسفة اليونانيين. ولكن يقول قائل كيف نشأت نظرية التجسد والفداء؟ إنه بولس الذي اندس - داعيًا بتعاليم شديدة الكفر- كما قال ذلك عنه برنابا في افتتاحية إنجيله. اندس بين التلاميذ خلسة ويقرر لوقا عن ارتياب التلاميذ منه قائلًا: " ولما جاء شاول إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ " (أعمال الرسل ٢٦: ٩) . هذا بولس الذي قال لتلميذه تيموثاوس: " وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله طهر في الجسد " (تيموثاوس أولى ١٦: ٣) ، وقال في رسالته إلى أهل فيلبي: " فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا الذي إذا كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا لله. لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة

стр. 438

عبد صائرًا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب " (فيلبي ٢: ٥- ٨) . وهكذا انحرف بولس بدعوة المسيح دعوة التوحيد الامتداد الطبيعي للشريعة الموسوية إلى دعوة التثليث الامتداد الطبيعي لدين الإمبراطورية الرومانية الوثنية. المشركون والمسجد الحرام وفي الأسئلة سؤال يقول: (لماذا تمنع السلطات السعودية دخول المسيحيين في الأماكن المقدسة في المملكة العربية السعودية؟) . وهذا السؤال يحتاج إلى تصحيح: فالسلطات السعودية لا تمنع دخول المسيحيين أو غيرهم من المشركين إلا تنفيذًا لأمر الله، ونزولًا على حكمه. ولقد نزل في منع المشركين من الاقتراب من المسجد الحرام، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) يأمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين الذين هم نجس دينًا عن المسجد الحرام وأن لا يقربوه بعد نزول هذه الآية. وكان نزولها في سنة تسع. ولهذا بعث رسول الله ﷺ عليًّا صحبة أبي بكر ﵁ عامئذ وأمره أن ينادي في المشركين أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان.

стр. 439

فأتم الله ذلك، وحكم به. قال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: " كتب عمر بن عبد العزيز ﵁: أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، واتبع نهيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وقال عطاء: الحرم كله مسجد، لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ ودلت هذه الآية على نجاسة المشرك كما ورد في الصحيح: (المؤمن لا ينجس) وأما نجاسة بدن المشرك فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ . قال محمد بن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن التجاة، وليذهبن عنا ما كنا نصيب بها من المرافق، فأنزل الله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وبعد: فهذه بعض الإجابات عن بعض الأسئلة: ولقد تركنا الإجابة المباشرة عن بعض الأسئلة، لأن الإجابة عليها وردت عرضًا في مواضع أخرى. . . من موضوعات أخرى. . .!

стр. 440

خاتمة وقبل أن أفرغ من هذا اللقاء. . أحب أن أوجه حديثًا إلى جماهير المسلمين. . حول (تسلل أخلاق وعادات وسنن من قبلنا إلينا) . لتتبعن سنن ممن كان قبلكم أعدد في هذه الخاتمة صفات وسمات، حذرنا الله ورسوله منها، ونهانا أن نتورط فيها. . . ولن أسرف في التعقيب أو التعليق على الآيات أو الأحاديث.! فإن الآيات والأحاديث قادرة على أن تقول كل شيء. . . وليست في حاجة إلى إضافة أي شيء. .! أ- ما جاء في القرآن الكريم ١- الحسد: قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١) ذم الله اليهود على الحسد الذي أكل قلوبهم، وأقض مضاجعهم، إذ منَّ الله على المؤمنين بالعلم النافع، والعمل الصالح. وقد يُبْتَلى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن وفقه الله وهداه لعلم نافع، أو عمل صالح. ٢- البخل: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٢)

стр. 441

والبخل- هنا- يشمل البخل بالعلم والبخل بالمال، وإن كان السياق يدل على أن البخل بالعلم هو المقصود الأكبر، فلذلك وصفهم بكتمان العلم في غير آية. كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (١) وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٢) فوصف الله تعالى أهل الكتاب بأنهم يكتمون العلم، بخلًا به، وتارة حرصًا على الدنيا ومناصبها. وهذا المرض قد يبتلى به طوائف من المنتسبين إلى العلم، فإنهم تارة يكتمون العلم بخلًا به، أو كراهة أن ينال غيرهم من الفضل مثل ما نالوه، أو رغبة في دنيا، أو رهبة من الناس! وتارة يكون سبب كتمان العلم أن يكون العالم قد خالف غيره في مسألة، أو انتسب إلى طائفة قد خولفت في مسألة، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفيه. وإن لم يتيقن أن مخالفه مبطل. ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: " أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم ". ٣- معرفة الحق بالرجال: قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾

стр. 442

بعد أن قال: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١) وصفهم الله تعالى بأنهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور النبي الناطق به، والداعي إليه، فلما جاءهم النبي الناطق به، ووجدوه من بني إسماعيل، وليس من بني إسرائيل لم ينقادوا له، ولم يؤمنوا به، فإنهم لا يقبلون الحق إلا من رجالهم، وبني جنسهم. وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى الطوائف والفرق!! يعرفون الحق بالرجال، ولا يعرفون الرجال بالحق! ٤- الغلو: قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٣) والغلو، وبخاصة في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من هذه الأمة، حتى زج بهم إلى متاهات وضلالات الحلول والاتحاد.

стр. 443

٥- الرهبانية: قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (١) وقد ابتلي بهذا الداء العياء جماهير من المبتدعين، أطلقوا على أنفسهم الزهاد أو العباد أو الفقراء، وحرَّموا على أنفسهم الطيبات من الرزق. ٦- جعل حق التشريع لغير الله: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٢) وقد فسر النبي ﷺ لعدي بن حاتم الطائي ﵁ ذلك بأنهم (أحَلُّوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرَّموا عليهم الحلال فاتبعوهم) . وذلك نص ما جاء في كتبهم، فقد جاء في (الإصحاح ١٦: عدد ١٨، ١٩) : " وأنا أقول لك أيضًا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات وكل ما تحله على الأرض يكون محلولًا في السماوات ". وفي المنتسبين إلى الإسلام، من يجعلون حق التشريع لغير الله، من الشيوخ والرؤساء والآباء. . . فيقبلون منهم دون الرجوع إلى علم أو كتاب منير. ٧- حكم الأغلبية: قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ (٣)

стр. 444

وبحكم الأغلبية الجاهلية، التي لا ترجو لله وقارًا امتلأت مساجد المسلمين بالقبور، قبور الأنبياء والصالحين وغير الأنبياء والصالحين، بل ربما بالقبور الوهمية أحيانا! ٨- احتقار ما عند الخصم: قال : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ (١) فاليهود اتهموا النصارى بأنهم ليسوا على شيء. . . أي شيء. والنصارى اتهموا اليهود بأنهم ليسوا على شيء. . أي شيء! وهذا أسلوب نعرفه في كل صاحب طريقة. . أو فرقة. . يزعم لنفسه ولأتباعه أن ما عليه هو الحق الذي لا يخالطه باطل، وأن ما عليه غيره هو الباطل الذي لا يخالطه حق. .! ٩- الاختلاف بسبب البغي: قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢)

стр. 445

فهؤلاء هم بنو إسرائيل أنعم الله عليهم بنعم الدنيا والدين، فاختلفوا شيعًا وأحزابًا، يلعن بعضها بعضًا ويكَفِّر بعضها بعضًا. . . وهذا الاختلاف كان بعد العلم، وبدافع البغي والظلم، والعلو والغلو. فمن سلك سبيلهم، واقتفى أثرهم في بث الفرقة والشتات بين صفوف الموحدِّين، فهو منهم، ومصيره في الآخرة مصيرهم! ١٠- التفرق: قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (١) وهم اليهود والنصارى الذين افترقت كل أمة منهم على أكثر من سبعين فرقة نُهِي المسلمون عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف، مع أن النبي ﷺ قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة!! ١١- البعد عن سبيل المؤمنين: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢) وما عليه اليهود والنصارى، ومن استن بهم، واقتفى آثارهم ليست من سبيل المؤمنين، وإنما هي سبيل المفسدين والمغضوب عليهم والضالين! ١٢- اتباع الهوى: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ﴾

стр. 446

﴿الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ﴾ ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (١) فكل ما خالف شرع الله وحكمه ودينه فهو هوى. . وليس بهدى. . .! وإن أدنى انحراف عن الصراط المستقيم يؤدي بصاحبه إلى الضلال. ١٣- قسوة القلب: قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢) نهى عن مشابهة أهل الكتاب في قسوة قلوبهم، وقسوة القلوب من آثار المعاصي. هذا قل من كل، وغيض من فيض، مما جاء في القرآن الكريم. . . من حديث عن سلوك الذين سبقونا من أهل الكتاب، وسلوكهم في العقيدة والخلق والعلم. وفي هذه الآيات، وفي غيرها من نظائرها. . . تحذير لنا من التشبه بهم، حتى لا نتردى مثلهم في مهاوي الخيال، وسوء الحال والمآل!

стр. 447

ب- ما جاء في الحديث الشريف وإذا كان القرآن الكريم قد حذر وأنذر. . . من سلوك أهل الكتاب في العقائد أو الأخلاق أو العادات، فلقد بين الحديث النبوي الشريف كثيرًا من هذه الأمور التي ينبغي للمسلم أن يكون على وعي بها، وذكر لها!! ١- التقليد الأعمى: فمن هذه الأمور: التقليد الأعمى. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم، ذراعًا بذراع، وشبرًا بشبر، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدًا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه، قال أبو هريرة اقرأوا إن شئتم ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١) قالوا: يا رسول الله، كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: " فهل الناس إلا هم؟» رواه ابن جرير، وقال الحافظ ابن كثير وله شاهد في الصحيح. وعن ابن عباس ﵄ في هذه الآية، أنه قال: " ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم " رواه ابن جرير. وروى البغوي في تفسير الآية عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: " أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتًا وهديًا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة، غير أني لا أدري هل تعبدون العجل أم لا؟ "

стр. 448

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه؟ قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» . وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: ومَن الناس إلا أولئك» . ٢- التنافس على الدنيا: عن عمرو بن عوف «أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ عندما صالح أهل البحرين، أمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ، فلما صلى رسول الله ﷺ انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: " أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: أبشروا وأمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم» ، رواه البخاري في الفتن. ٣- الفتنة بالنساء: روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» .

стр. 449

٤- كثرة السؤال: في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . فأمرهم ﷺ بالإمساك عما لم يؤمروا به معلِّلًا ذلك بأن سبب هلاك الأولين، إنما كان كثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية كما أخبرنا الله عن بني إسرائيل من مخالفتهم أمر موسى في الجهاد وغيره، وفي كثرة سؤالهم عن صفات البقرة التي أمرهم بذبحها. ٥- التشدد: وروى أبو داود في سننه من حديث ابن وهب: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ » (١) ٦- الاختلاف في الكتاب: روى أحمد في المسند عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم ألم يقل الله كذا وكذا؟ فسمع ذلك رسول الله ﷺ فخرج فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ أو بهذا بُعثتم؟ أن تضربوا كتاب

стр. 450

الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم بمثل هذا، إنكم لستم مما ههنا في شيء، انظروا الذي أمرتكم به فاعملوا به، والذي نهيتكم عنه فانتهوا عنه» . ٧- التبرك بالأشجار والأحجار: روى الزهري عن سنان بن أبي سنان الدؤلي عن أبي واقد الليثي، أنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينيطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر إنها السنن قلتم، والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (١) ، لتركبن سنن من كان قبلكم» ، رواه مالك والنسائي والترمذي. ٨- التفرقة العنصرية: في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: «لما كلم أسامة رسول الله ﷺ في شأن المخزومية التي سرقت قال: " يا أسامة تشفع في حد من حدود الله تعالى، إنما أهلك بني إسرائيل: أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» . وهذا يتفق مع ما في الصحيحين عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب ﵁، قال: «مُرَّ على النبي ﷺ بيهودي محمم مجلود، فدعاهم، فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلًا من

стр. 451

علمائهم، قال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم (تسويد الوجه) والجلد مكان الرجم. فقال ﷺ : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» ، فأمر به فرجم فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ﴾ (١) ٩- اتخاذ القبور مساجد: روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: «سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» . وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس ﵃ قالا: «لما نزل برسول الله ﷺ يعنيان: مرض الموت- طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال: - وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا. يحذر ما صنعوا» . وفي الصحيحين -أيضا- عن عائشة ﵂، «أن أم سلمة وأم حبيبة ﵄ ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتاها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال رسول الله ﷺ : " أولئك

стр. 452

قوم إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنَوْا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله » . وعن ابن عباس ﵄، قال: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج» ، رواه أهل السنن. ١٠- أعياد مبتدعة: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (١) فروى أبو بكر الخلال في الجامع بإسناده عن محمد بن سيرين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ، قال: هو الشعانين. وكذلك ذكر عن مجاهد قال: هو أعياد المشركين. وروى أبو الشيخ الأصبهاني - بإسناده- عن عطاء بن يسار، قال: قال عمر: " إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم ". وأعياد المشركين، أعياد مبتدعة جمعت بين الشبهة والشهوة والباطل والهوى. روى أبو هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيْد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا والنصارى بعد غد» ، متفق عليه. وقد سمى النبي ﷺ الجمعة عيدًا في غير موضع ونهى عن إفراده بالصوم لما فيه من معنى العيد.

стр. 453

١١- الأبواق والنواقيس. . للعبادة: روى أبو داود في سننه وغيره من حديث هشيم، أخبرنا أبو بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: «اهتم النبي ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القنع -شبور اليهود- فلم يعجبه ذلك وقال: هو من أمر اليهود، قال: فذكر له الناقوس، فقال: هو من فعل النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد، وهو مهتم لِهمِّ النبي ﷺ فرأى الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذا أتاني آت فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يومًا، قال: ثم أخبر النبي ﷺ ، فقال له: ما منعك أن تخبرنا؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ : يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله، قال: فأذن بلال» . فكره رسول الله ﷺ بوق اليهود المنفوخ بالفم، وناقوس النصارى المضروب باليد. وهو يقتضي كراهية هذا النوع من الأصوات مطلقًا في غير الصلاة أيضًا، لأنه من أمر اليهود والنصارى كما يقول ابن تيمية في كتابه القيم: (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) . بناء الشخصية المسلمة: وإذا كنا قد نهينا عن التشبه بهم في عقائدهم، وأخلاقهم، وعباداتهم، وسلوكهم العام والخاص، فلقد نهينا كذلك عن التشبه بهم حتى في الأمور

стр. 454

الشكلية الظاهرية. . حتى تحتفظ الجماعة الإسلامية بشخصيتها المتميزة، التي لا تتميع ولا تذوب في الشخصيات الأخرى. . .! وهذا أمر هام في بناء الكيان المستقل والذات المتماسكة، والمجتمع القوي. . . وننقل -هنا- بعض ما رُوِي عن رسول الله ﷺ في هذا الصدد: ١- تغيير الشيب: في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» . قال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب، ولا يتشبه بأهل الكتاب لقول النبي ﷺ : «غيروا الشيب ولا تشبهوا بأهل الكتاب» . ٢ - إعفاء اللحى وإحفاء الشوارب: في الصحيحين عن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا المشركين، جزوا الشوارب، واعفوا اللحى» . وقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب، وارخوا اللحى، خالفوا المجوس» . ٣- الصلاة في النعال: وعن شداد بن أوس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» ، رواه أبو داود ". ٤- السحور: عن عمرو بن العاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «فضل ما

стр. 455

بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور» رواه مسلم في صحيحه. ٥- تعجيل الفطر: روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون» . ٦- معاملة الحائض: عن حماد عن ثابت «أن أنس ﵁، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيت، فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ » (١) فقال رسول الله ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. رواه مسلم. ويبلغ النهي عن التشبه باليهود والنصارى، ومن عداهم من أصحاب النحل والملل المخالفة لما عليه المسلمون: مداه ومنتهاه -حينما يقول النبي ﷺ فيما يرويه عنه أبو داود في سننه عن عمر بن الخطاب ﵁: «من تشبه بقوم فهو منهم» .

стр. 456

يقول عبد الله بن عمرو: " مَن بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت، حشر معهم يوم القيامة ". وقبل أن أنهي القول في هذا اللقاء أحب أن أسجل الكلمات التالية: إن (جهود التنصير) القائمة على قدم وساق في بلاد المسلمين، جهود تستدعي الدراسة، وتسترعي الانتباه، ذلك أن هذه الجهود المكثفة، المتواصلة. . . تلقي في طريق ضعاف الإيمان الشبهات والشكوك. . . وتصدهم عن دين الله، وعن هداه. إن هذه الجهود قامت، وتقوم بتحريف الكلم عن مواضعه، وتحريف الكلم عن مواضعه صناعة قديمة لأهل الكتاب جميعًا، قاموا بها بالنسبة لكتبهم، حتى غيروها وبدلوها لفظًا ومعنًى، ونصًّا وروحًا. وأهل الكتاب -من يهود ونصارى- يحاولون أن يقوموا بهذا الدور بالنسبة لكتاب-رَبِّنا-! وإذا كانوا قد يئسوا من تغيير النص المحفوظ في الصدور والسطور، فإنهم يطمعون في أن ينجحوا في إثارة الشبهات والشكوك في معاني الألفاظ ودلائل العبارات، وأصول الدين وفروعه. تلك عادة ألفوها. . .! فهم لا يكتبون عن الإسلام إلا بهذه الروح. يحسبون أن الأكاذيب هي خير طريق لاستقطاب المسلمين، وصرفهم عن حقائق الدين! وأقول: إن الأكاذيب لا تعيش، ولو عاشت فإنها لا تعمر طويلًا!!

стр. 457

﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١) إن على المسلمين أن ينتهبوا لهذه الحيلة والأحبولة. . فيتتبعون أكاذيب أهل الكتاب بالإزالة والإزاحة. . والمقاومة والمكافحة. وإذا كانت حركة التنصير تستهدف ضرب الإسلام في أرضه وبين أبنائه، بحيث تصبح الذراري المسلمة، نصرانية الاسم والوجه واللسان والكيان. .! وتستغل لهذا الغرض المشبوه بيئة معينة تسهل عليها هذه الحركة، وتلك البيئة تكون مصابة بالأمية، أو الفقر، أو المرض. .! فتقدم لهم العلم والخبز والدواء المشروط! فتسقط الضحايا، وتكون المأساة! هذا وجه من وجوه الحركة التنصيرية. . . أو التبشيرية حسب تسمياتهم، وما تواضعوا عليه! ولكن. . . هناك أوجه أخرى. . . ومنطلقات أخرى لذلك التحرك المشبوه. . ذلك أن هؤلاء الناس قد يتعبهم. . ويتعبهم جدًّا. . أن يجدوا من يغير اسمه من (محمد) إلى (بطرس) . ولهذا رأوا أن يستبقوا (لمحمد) اسمه. . اسمه فقط. . .! لكن يقومون بتغيير عقله، وقلبه، وخُلِقه، ودينه، ويقينه! فيصبح نصراني الكيان. . وإن لم يصبح نصراني الاسم! ولقد استغلوا لهذه الغاية، هذه المنطلقات: أ- الأمية الدينية، تلك التي تحول الإسلام إلى قبورية، وصوفية، وخرافة، ودجل، وشعوذة: ولهذا وجدنا (المحافل التبشيرية) تقدم الصورة الإسلامية من خلال هذا الركام. . وتعرضه على الناس في كتابات، ومصورات، وأفلام. . لتقول

стр. 458

للناس هذا هو الإسلام الذي نحاربه ونريد أن نجهز عليه!! إننا نذكر ونحذر من هذه الأمية الدينية، فإنها أخطر الأميات جميعًا. . وعلى كل الأجهزة التربوية، مباشرة وغير مباشرة، في بلاد المسلمين. . أن تتنبه لها بالمقاومة. . . والتصحيح! ب- التدين الأعمى: كذلك فإن الدوائر التبشيربة، وتؤيدها جحافل الاستعمار قديمه وحديثه. . . تريد أن يغرق المسلمون حتى آذانهم. . . في هذا التدين الأعمى، الذي لم ينزل به كتاب، ولم تقل به سُنَّة!! فإذا ما سقط المسلمون في براثن هذا التدين سهل على أعدائهم أن يقتنصوهم. . وأن يسمموا أفكارهم! إنه لا يصد التبشير بكل صوره، وكافة مؤسساته إلا الإسلام الصحيح. . . تلك حقيقة لا بد أن نقف عليها ونحن نخوض أي معركة. . . مع أي عدو. . وبخاصة تلك المعارك الفكرية والعقائدية. - النحل الفاسدة: وذلك هو المنطلق الثالث الذي يثب منه هؤلاء المبشرون. . أو المنفرون. . على ديننا ودنيانا، إنهم يثيرون عدة قضايا محفوظة. . ويرددونها بلا وعي، كالببغاوات. ثم يجيب المتحدثون المسلمون عن هذه القضايا. . . أو النحل الفاسدة. . . يجيبون إجابات مقنعة ومحددة. . . ولكن هؤلاء الناس لا يكفون. . عن إثارتها من جديد. غير أنني لاحظت أمرًا في هذا اللقاء الذي نحن بصدده، هو أن الله الذي تكفل لكتابه بالحفظ، ولدينه بالظهور على الدين كله يُسَخِّر هؤلاء المبشرين لخدمة الإسلام وهم لا يشعرون. .! فهم حينما يثيرون هذه القضايا. . . ونجيب عليها. . . يظهر عوارهم

стр. 459

وضلالهم جليًّا وواضحًا. .! فإذا بالإسلام هو الحق الذي لا شك فيه. .! وإذا بدياناتهم، التي هم عليها، هي الباطل الذي لا شك فيه! لقد أدرت مناقشات مع كثيرين. . . من هؤلاء. . . سواء أكانوا من الغرب أم من الشرق. .! وكنت في كل مرة أخرج بنتيجة موفقة. وليس ذلك لسر فِيَّ أو قدرة. . . وإنما هي قدرة الإسلام وعظمته. وليس ذلك -أيضا- لضعف في الخصوم، أو قلة فهم أو علم. . . ولكنه ضعف القضية التي يدعون إليها، ويدافعون عنها. . . وهكذا. . . وهكذا. وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود وبعد: فلقد قلنا ما نعلم، والله أعلم. ولم ندخر جهدًا ولا وسعًا ولا إخلاصًا. . . والله هو المسؤول أن يفتح للكلمات عيونًا عمياء، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا!! (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) .

стр. 460

(اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض. ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض. ولك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن. أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت) . ويا رب العالمين، إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الدكتور محمد جميل غازي
следующие страницы →