Полный текст (246 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذا ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن انتهى وقد اعترض القولان وأوضحنا في شرح التنقيح ما قيل في ذلك وما رد به عليه قال ابن الصلاح وقد أمنعت النظر في ذلك جامعا بين أطراف كلامهم فاتضح لي أن الحسن قسمان أحدهما لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته على أنه ليس مغفلا كثير الخطأ ولا متهما بالكذب في الحديث ولا بفسق ويكون متن الحديث قد عرف بمتابع أو شاهد فيخرج عن كونه شاذا أو منكرا وكلام الترمذي على هذا يتنزل الثاني أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة لكن لا يبلغ درجة الصحيح لكونهم أنقص منهم في الحفظ والإتقان مع سلامة الحديث وهو مع ذلك يرتفع عمن يعد ما ينفرد به منكرا ويعتبر في كل هذا مع سلامة الحديث من الشذوذ والنكارة سلامته من أن يكون معللا وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي انتهى قلت والسيد محمد جمع تعريف الحافظ مع زيادة بعض قيود ابن الصلاح فقال في مختصره فإن خف الضبط وكان من جنسه تابع أو شاهد فالحسن انتهى ولم يقل لذاته هذا ولا يخفى أن خفة الضبط أمر فيه جهالة فهو رسم لمجهول ثم قال السيد وأدلة قبول الآحاد تشمله وإن انفرد أي خفيف الضبط عند الأصوليين خلافا للبخاري وإن توبع قوله تشمله أي لكونه مظنون العدالة مظنون الصدق
стр. 72
وقوله وإن انفرد أي فإنه يعمل به عند أهل الأصول لكونه خبرا آحاديا قد قام الدليل على قبوله وخالف البخاري فقال لا يعمل به في التحليل والتحريم وإن وجد له متابع والحاصل أن كلام العلماء مضطرب في رسم الحسن ولا سلم رسم من الاعتراض حتى قيل لا يطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان تحتها فإنا على إياس من ذلك قاله الذهبي نقله عنه ابن ناصر الدين ثم قال وما أحسن ما قال شيخنا شيخ الإسلام البلقيني نوع الحسن لما توسط بين الصحيح والضعيف عند الناظر كان شيئا ينقدح في نفس الحافظ قد تقصر عبارته عنه كما قيل في الاستحسان فلذلك صعب تعريفه وقوله وقد يصح إلى آخره قال الحافظ وإنما يحكم له بالصحة عند تعدد الطرق لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي يضر به ضبط راوي الحسن عن راوي الصحيح وقال السيد محمد وبكثرة طرقه يصح اجتهادا وإنما قيده بالاجتهاد لأن المجتهد هو الذي يتمكن من معرفة الطرق ويرتقي عنده إلى رتبة الصحيح والحسن كما قال ابن ناصر الدين نوع متجاذب بين الصحة والضعف قال وقد أدرجه جماعة في قسم الصحيح لأنه إن قوي ارتفع إلى الصحة كسماك عن عكرمة عن ابن عباس وهو أدنى مراتب الصحيح وإن لم يقو ينحط عن مرتبة الصحيح ويرتفع عن الضعف كبهز عن أبيه عن جده وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ومحمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة ومحمد بن إسحاق عن جده إبراهيم التيمي عن أشياخه ونحو ذلك ودونه في المرتبة أحاديث الحارث الأعور وعاصم بن ضمرة وحجاج بن أرطاة وحصيف وأمثالهم فبعضهم يحسنها وآخرون يضعفونها انتهى
стр. 73
(٢٩) وإن ترى الراوي له قد جمعا ... في الوصف بالصحة والحسن معاً
لما وقع للحافظ الترمذي وصف كثير من الأحاديث بالصحة والحسن معا مع أنهما متغايران رسما وقد يزيد الوصف بالغرابة تكلم العلماء في توجيه ذلك قال الحافظ في النخبة فإن جمعا فللتردد كما أفاده قولنا
(٣٠) فإنه عند انفراد من روى ... تردد العالم في هذا وذا
أي أنه تردد المجتهد في الراوي هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها وهذا حيث يحصل منه التفرد يتلك الرواية قال الحافظ وعرف بهذا جواب من استشكل الجمع بين الوصفين فقال الحسن قاصر عن الصحيح ففي الجمع بين الوصفين إثبات لذلك القصور ونفيه ومحصل الجواب أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين فيقال فيه حسن باعتبار وصفه عند قوم صحيح باعتبار وصفه عند قوم غاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد لأن حقه أن يقول حسن أو صحيح وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح دون ما قيل فيه صحيح لأن الجزم أقوى من التردد وهذا حيث حصل التفرد فإن لم يحصل التفرد بل حصل التعدد وأطلق الوصفين معا على الحديث فقد أفاد جوابه قولنا
(٣١) ما لم يكن فوصفه بذين ... كان اعتبار منه لاسنادين
ما لم يكن أي يوجد التفرد بل حصل التعدد في الرواة ووصف بالأمرين فإنه وصف بهما اعتباراً للاسنادين فإن أحدهما صحيح والآخر حسن وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فردا لأن كثرة الطرق تقوي ولكنه لما كان
стр. 74
الترمذي هو الذي يجمع بين الوصفين لا يتم هذا الجواب الآخر على رأيه إذ مبناه على تعدد الطرق والحال أنه قد يصرح الترمذي نفسه بأنها غير متعددة بل ويضيف إلى تفرد الراوي وصف الحديث بالغرابة فيقول حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه فكيف يتم هذا التوجيه الآخر قلنا قال الحافظ فإن قيل قد صرح الترمذي بان شرط الحسن أن يروى من غير وجه فكيف يقول في بعض الأحاديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه فالجواب أن الترمذي لم يعرف الحسن مطلقا وإنما عرفه بنوع خاص منه وقع في كتابه وهو ما يقول فيه حسن من غير صفة أخرى وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث حسن وفي بعضها صحيح وفي بعضها غريب وفي بعضها حسن صحيح وفي بعضها حسن غريب وفي بعضها صحيح غريب وفي بعضها حسن صحيح غريب وتعريفه إنما وقع على الأول فقط وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في أواخر كتابه وما قلنا في كتابنا حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا لأن كل حديث يروى لا يكون راويه متهما بالكذب ويروى من غير وجه نحو ذلك ولا يكون شاذا فهو عندنا حديث حسن فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه حسن فقط أما ما يقول فيه حسن صحيح أو حسن غريب أو حسن صحيح غريب فلم يعرج على تعريفه كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه صحيح فقط أو غريب فقط وكأنه ترك ذلك استغناء بشهرته عند أهل الفن واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه حسن فقط إما لغموضه وإما لأنه اصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله عندنا ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يسفر وجه توجيهها فلله الحمد على ما ألهم وعلم انتهى وهو كلام حسن
стр. 75
إذا تم أنه لا يقول الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه إلا فيما وصفه بأي صفة من صحيح أو غريب أو حسن مع أيهما أو معهما وهذا يفتقر إلى تتبع الترمذي في أبواب سننه وحديثهما هذا وقال السيد محمد فإن وصف الحديث بالصحة والحسن معا فأقول يريد أقوالا لأئمة الحديث في توجيه ذلك ثم ذكرها فقال أحدها باعتبار إسنادين قلت هو الجواب الثاني للحافظ وثانيها أن يكون باعتبار اللغة يشير إلى جواب ابن الصلاح عن الإشكال فإنه قال غير مستنكر أن يراد بالحسن معناه اللغوي دون الاصطلاحي ولما أورد على هذا الجواب أنه يلزم عليه الحديث الموضوع إذا كان حسن اللفظ دفعه بقوله هذا الإلزام عجيب فإن ابن الصلاح إنما فرض المسألة حيث يقول القائل حسن صحيح فحكمه بالصحة يمنع معه أن يكون موضوعا وأجاب السيد محمد في التنقيح عن إشكال الجمع بين الوصفين بقوله ويمكن أن الترمذي يريد صحيح الإسناد حسن الاحتجاج به فلا يرد الموضوع لأنع لا يحسن الاحتجاج به قلت الإيراد للشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد على من قال إنه يريد الحسن اللغوي فالجواب بأنه يمكن أنه أراد الترمذي حسن الاحتجاج خروج عن محل الإيراد ولأنه إذ قد وصفه بالصحة علم حسن الاحتجاج به فلا حاجة إلى التصريح به وثالثها أي الأقوال إنه يريد العرف وهو أن يكون أراد صحيح الإسناد والمتن حسنهما ويدخل الحسن تحت الصحيح دخول النوع تحت الجنس كالإنسان تحت الحيوان جعلناه ثالث الأقوال التي أشار إليها السيد وإن كان لم يصرح بأنه الثالث بل عطفه على اللغة عطف النسق لكن لا يخفى أن معناه العرفي غير معناه اللغوي فهو قسيم له لا أنه هو ولا قسم منه وقد حققنا ما أشار إليه وبحثنا في هذا في شرح التنقيح وقال ابن العربي في شرحه
стр. 76
على الترمذي لما قال في أول حديث حسن صحيح قال ونحن نبين معنى قوله هذا زائدا على بيانه أما قوله صحيح فإن الصحيح من الأحاديث له عشر مراتب أولها صحيح مطلق وهو الذي لا خلاف فيه ولا كلام عليه وهو قليل جدا عزيز في الباب الثاني صحيح بنقل عدل واحد الثالث صحيح شاذ بغير شواهد والقسم الثاني ينقسم إلى قسمين نقل عدل واحد عن الصحابي أو نقل عدل واحد عن التابعي ويدخل عليهما ثالث وهو حديث تفرد به واحد من الأئمة فهذه خمسة أقسام ذكر جميعها أبو عيسى واقتصر الجعفي يريد البخاري والقشيري يريد مسلما على الأربعة دون الشاذ السادس المراسيل ذكر الإمامان منها شيئا يسيرا وأهل الحديث ينكرونها والصحيح قبولها على وجه بيناه في أصول الفقه السابع الحديث المدلس اتفق أهل العلم على ذكره والعمل به والتدليس على أقسام لا نطول بذكرها منها حديث يرويه راو عن أحد قد لقيه لم يسمعه منه لكن لا يقول حدثنا فلان إنما يقول عن فلان أو قال فلان الثامن صحيح خولف راويه فيه وفي كل كتاب جملة منها التاسع حديث مبتدع لا يدعو إلى بدعته وفي الصحيح منه جملة في الشواهد ونادر في الأصول لا سيما في غير الأحكام العاشر حديث فيه راو صدوق غير حافظ وليس يصحح أبو عيسى مثله وفي الصحيح مثله في الشواهد وأما قوله حسن فإن بعض أهل العلم قال الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله كحديث البصريين عن قتادة والكوفيين عن أبي إسحاق السبيعي والمدنيين عن ابن شهاب والمكيين عن عطاء وعليه مدار الحديث وقد أكثر منه أبو داود وأبو عيسى وقال أبو عيسى في آخر
стр. 77
كتابه أردت بقولي حسن من لا يكون في سنده متهم بالكذب ولا يكون شاذا ويروى من غير وجه وأما قولي غريب فمعناه أن لا يروى إلا من طريق واحد وقد يروى من طريق فيستغرب إذا جاء من طريق منفردة غيرها انتهى كلام ابن العربي وقد توسع في مسمى الصحيح وكأنه اصطلاح للمالكية وزاد السيد محمد فإن وصف بالغرابة والحسن فباعتبار انقسام رجال الإسناد ومثل أن يكون إسناد الحديث إلى أحد الحفاظ حسنا عن غير واحد لكن ذلك الحافظ تفرد به فهو عنه حسن غير غريب ومنه إلى فوق صحيح غريب انتهى واعلم أنا قد قدمنا الدليل على العمل بالحديث الحسن إنما وقع البحث في الحسن الذي يحكم عليه الترمذي بالحسن بل وما حكم عليه بالصحة وقد أورده السيد محمد سؤالا في التنقيح فقال فإن قيل هل يجوز العمل بما حكم الترمذي بتحسينه وبتصحيحه فإن ابن حزم قد زعم أنه مجهول وإن الحفاظ قد يعترضونه في بعض ما يحسنه أو يصححه ثم ذكر بعض ما بنكر من تصحيحه ثم قال قلنا قد قال الذهبي في ترجمة الترمذي في الميزان أنه حافظ علم ثقة مجمع عليه ولا التفات إلى قول أبي محمد ابن حزم إنه مجهول فإنه ما عرفه ولا درى بوجود الجامع ولا العلل التي له انتهى كلامه وفيه ما يدل على جواز الاعتماد على تحسين الترمذي وتصحيحه لانعقاد الإجماع على ثقته وحفظه في الجملة ولكنه لما ندر منه الغلط الفاحش استحسنوا اجتناب ما صحح أو حسن انتهى إلا أنه نقل السيد محمد عن الذهبي قبيل هذا أنه قال لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي ذكره في ترجمة كثير بن عبدالله فقال السيد محمد مراد الذهبي أنهم لا يعتمدون عليه في تصحيحه لحديث كثير بن
стр. 78
عبدالله بخصوصه لا بكل ما صححه قال وهوخطأ نادر والعصمة مرتفعة من الأئمة الحفاظ والعلماء ثم أطال في ذكر عذر الترمذي في تصحيحه لحديث كثير وقرر العمل بما صححه أو حسنه وقد أوضحناه في شرح التنقيح.
...
[مسألة في زيادة العدل:]
(٣٢) وإن أتت زيادة للرواية ... فإنها تقبل لا المنافيه
(٣٣) لأوثق منه ومهما خولفا ... بأرجح فسمه معرفا
قال الحافظ وزيادة راوي أيهما أي الصحيح والحسن مقبولة ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق منه ممن لم يذكر هذه الزيادة فقوله زيادة أي في الصحيح والحسن إذ الكلام فيهما فهو غني عن التقييد بهما مع أن التعريف في الرواية دال عليه إذ المراد به رواية الصحيح والحسن وقولنا للراويه صيغة دالة على أنه الذي عرف بالرواية وشهرتها بين الأئمة وهو العدل لأنه لا يتصف الحديث بأيهما إلا حديث العدل وقيدنا قبولها بعدم المنافاة لرواية من هو أوثق من لأن الزيادة إما أن تكون لا تنافي بينهما وبين رواية من لم يذكرها فهذه تقبل مطلقا لأنها في حكم الحديث المستقل الذي تفرد به الثقة ولا يرويه غيره وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى فهذه هي التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها فيقبل الراجح ويرد المرجوح
стр. 79
واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذا ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه والعجب ممن أغفل ذلك مع اشتراطهم لانتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح وكذا الحسن والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين وعد جماعة منهم ثم قال وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة انتهى وزاد السيد محمد قيدا أو جعله على قيد الحافظ وهو عدم منافاتها رواية من هو أوثق يعني وإن لم تناف رواية الأوثق فإنها ترد للعلة وكأن الحافظ لم يذكر هذا القيد للعلم به لاستفادته من السياق فإن الكلام في زيادة العدل في روايته حديثا صحيحا أو حسنا وقد عرف من تعريفهما عدم العلة فالزيادة المعلولة لا تتصف بما اتصف به المزيد عليه وكلامنا في زيادة بصفتها ليصح اسمها زيادة وإلا فهي حديث منفرد مستقل واعلم أن لأهل أصول الفقه كلاما في الزيادة فإن صادمت ما رواه الثقات بحيث يتعذر الجمع بينهما فإنها ترد وأما لا تصادم فينظر فإن تعدد المجلس فإنها تقبل اتفاقا لاحتمال أنه ﷺ قد ذكر الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر وإن اتحد فإن كان غير راوي الزيادة من الرواة في الكثرة بحيث لا يتصور غفلة مثلهم عن مثل تلك الزيادة لم تقبل وإن كانوا ممن يجوز عليهم الذهول والغفلة عن مثلها فالجمهور من المحدثين وأهل الأصول والفقهاء أنها مقبولة وذهب بعض المحدثين وأحمد بن حنبل في رواية عنه إلى أنها لا تقبل احتج الأولون بأن راوي الزيادة عدل جازم بالرواية في حكم ظني فوجب قبولها وسكوت غيره عن نقل ما نقله لا يمنع قبوله ولا يقدح في روايته لجواز الغفلة عن سماعها أي غفلة من
стр. 80
لم يروها وثمة تفاصيل في الزيادة في أصول الفقه هذا وقولنا ومهما خولفا إلى قولنا مسألة المحفوظ والشاذ
(٣٤) بلفظه المحفوظ والمقابلا ... بالشاذ والمحفوظ أن يقابلا
فإنه يتعلق بقولنا فسمه وهو إشارة إلى تقسيم آخر للخبر الآحادي إلى محفوظ وغيره قال الحافظ فإن خولف أي الراوي بأرجح منه بمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ أي يسمى به لأن الغالب أنه حفظ عن الخطأ وقولنا ومهما خولفا بأرجح فسمه معرفا أي حال كونك بالتسمية معرفا له بها وقولنا والمقابلا عطف على ضمير سمه أي سم ما قابله وهو المرجوح بالشاذ أي سمه شاذا في عرف أئمة الحديث فالشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه لأنه بعد عن رواية بقية الرواة وبعد عن أسباب الترجيح قال الحافظ مثاله ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق ابن عيينه عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلا توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه الحديث قلت تمامه فجعل ﷺ ميراثه له وتابع ابن عيينه على وصله ابن جريح وغيره وخالفهم حماد بن زيد فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس
стр. 81
قال أبو حاتم المحفوظ حديث ابن عيينه انتهى فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددا منه وعرف بهذا التقرير أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح انتهى وفي التنقيح نقل كلام الناس في الشاذ ثم قال آخره إن ابن الصلاح قال إن الأمر فيه أي الشاذ على تفصيل نبينه فنقول إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان مخالفا لما رواه من هو أحفظ منه لذلك وأضبط كان ما تفرد به شاذا مردودا وإن لم يكن فيه مخالفا لما رواه غيره فينظر في هذا المنفرد فإن كان عدلا ضابطا معتدا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارما له مرجوحا مزحزحا له عن مرتبة الصحيح ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه فإن كان المتفرد به غير بعيد من درجة الحافظ المتقن المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الضعيف وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ قال فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان أحدهما الفرد المخالف والثاني الفرد الذي ليس في روايه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجب الشذوذ وقال ابن الصلاح أيضا وإطلاق الحكم على التفرد بالرد والنكارة والشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث والصواب فيه التفصيل الذي بيناه قال السيد محمد فثبت بهذا أن قدح أهل الحديث بالشذوذ والنكارة مشكل وأكثره ضعيف إلا ما يتبين فيه سبب النكارة والشذوذ انتهى ثم ذكر موقع ذلك من المحدثين وقد زدناه إيضاحا في التوضيح شرحنا على التنقيح إذا
стр. 82
عرفت هذا فكلامنا في المقابل للمحفوظ مع كونه أي المقابل من رواية المقبول وسيناه شاذا وأما إذا كان راوي المقابل غير مقبول بل ضعيفا لسوء حفظه أو جهالته أو نحوهما فقد ألم به قولنا والمحفوظ أن يقابلا.
...
[مسألة المنكر:]
(٣٥) ما ضعفوا فذلك المعروف ... قابله المنكر والضعيف
قال الحافظ ومع الضعف فالراجح يقال له المعروف أي لكونه معروفا عندهم وهو الذي سموه محفوظا لما قابله الشاذ ومقابله يقال له المنكر لأنهم أنكروه قال السخاوي فالمنكر ما رواه الضعيف مخالفا قال الحافظ مثاله أي المنكر ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب قلت الأول بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وتشديد التحتية مكسورة والثاني بفتح فكسر وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات المقري عن أبي إسحاق عن العيزار قلت بفتح العين المهملة وسكون التحتية وألف بين زاي وراء بن حريث بضم المهملة وراء مفتوحة وياء ساكنة بعدها مثلثة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال من أقام الصلاة وآتى الزكاة وحج وصام وقرا الضيف دخل الجنة قال أبو حاتم هو منكر لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا أي عن ابن عباس وقد رواه حبيب مرفوعا وهو أي الوقف المعروف
стр. 83
قال الحافظ وعرف بهذا أن بين الشاذ والمنكر عموما وخصوصا من وجه لأن بينهما اجتماعا في اشتراط المخالفة وافتراقا في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف وقد غفل من سوى بينهما انتهى قلت اعترض بعض تلاميذ الحافظ هذا وقالوا بينهما التباين الكلي ونقل عن الحافظ أنه قال مراده بذلك ما فسره به وهو أن بينهما اجتماعا وافتراقا قال فشرط العموم والخصوص موجود هنا وهو وجود مادة يصدق فيها كل منهما لأن لنا راويا واحدا يكون حديثه شاذا ومنكرا شاذ باعتبار أنه صدوق ومنكر باعتبار أنه سيء الحفظ أو مغفل أو فاحش الغلط أو مبتدع فهو ضعيف بهذه الاعتبارات إذ كل واحد من هذه الأوصاف يضعف بها الراوي ولا ينافي أن يكون صدوقا انتهى وهذا الذي سوى بينهما هو ابن الصلاح وقولنا والضعيف زيادة بيان أن المنكر ضعيف لا أنه سماه في النخبة هنا ضعيفا واعلم أنه زاد السيد محمد بعد ذكر هذين القسمين قوله والمساوي منهما أي في الروايتين أي إذا تساوت الروايتان ولم يترجح إحداهما على الأخرى في المتن أو في السند فهو المضطرب وأمثلته معروفة وعبارة السيد بلفظ والمساوي منهما المضطرب فمزجناها بتفسيرها
стр. 84
[مسألة المتابع والشاهد:]
(٣٦) والفرد نسبيا إذا ما وافقه ... سواه سمي عندهم ما رافقه
(٣٧) متابعا بوزن لفظ الواحد ... والمتن ما شابهه بالشاهد
هذا عود إلى بيان حال ما تقدم من الفرد النسبي أنه إن وجد بعد ظن كونه فردا قد وافقه غيره فهو المتابع بكسر الموحدة كما قلنا بلفظ الواحد وقدمنا لك عبارة السيد محمد أن الفرد النسبي إن وافقه غيره فهو المتابع كما هنا هذا والمتابعة على مراتب إن حصلت للراوي نفسه أي دون شيخه فهي التامة وإن حصلت لشيخه أي دون الراوي نفسه فمن فوقه فهي القاصرة ويستفاد منها أي تامة كانت أو قاصرة التقوية مثال المتابعة أي الشاملة للتامة والقاصرة ما رواه الشافعي في الأم عن مالك عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فعدوه في غرائبه لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ فإن غم عليكم فاقدروا له لكن وجدنا للشافعي متابعا وهو
стр. 85
عبدالله بن مسلمة القعنبي كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك وهذه متابعة تامة ووجدنا له أيضا متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبدالله بن عمر بلفظ فكملوا ثلاثين وفي صحيح مسلم من رواية عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ فاقدروا ثلاثين ولا اقتصار في هذه المتابعة سواء كانت تامة أو قاصرة على اللفظ بل لو جاءت بالمعنى لكفى لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي أي فلا يقال إنها تفاوتت هنا الألفاظ ففي الأولى منهما فكملوا ثلاثين بدل قوله فأكملوا العدة ثلاثين وفي الثانية منهما فاقدروا ثلاثين بدله والعبرة بالمعنى كما عرفت وقولنا والمتن ما شابهه بالشاهد عطف على قوله ما وافقه أي وسمي عندهم المتن الذي يشابه متن الفرد النسبي بالشاهد كما قال الحافظ فإن وجد متن يروى من حديث صحابي آخر يشبهه في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط فهو الشاهد ومثاله في الحديث الذي قدمناه ما رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي ﷺ فذكر مثل حديث عبدالله بن دينار عن ابن عمر سواء فهذا باللفظ وأما بالمعنى فمثل ما رواه البخاري من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وخص قوم المتابعة بما حصل باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس والأمر فيه سهل انتهى
стр. 86
[مسألة الاعتبار:]
قولنا:
(٣٨) تتبع الطرق لذين يدعى ... بالاعتبار نلت منه نفعا
إشارة إلى الاعتبار فإنه عبارة عن تتبع طرق الحديث من الجوامع وهي الكتب التي جمع فيها الأحاديث على ترتيب كتب الفقه كالكتب الستة أو ترتيب الحروف الهجائية ومن المسانيد وهي الكتب التي جمع فيها مسند كل صحابي على حدة على اختلاف في مراتب الصحابة وطبقاتهم والتزم نقل جميع مروياتهم صحيحا كان أو ضعيفا ومن الأجزاء وهي ما دون فيها حديث شخص واحد أو أحاديث جماعة في مادة واحدة فإذا تتبعت طرق الحديث الذي ظن أنه فرد ليعلم هل له متابع أم لا فإن هذا التتبع يسمى ويدعى ويقال له الاعتبار قال الحافظ وجميع ما تقدم من أقسام المقبول تحصل فائدة تقسيمه باعتبار مراتبه عند المعارضة قلت الأقسام التي مرت له هي المحفوظ والشاذ والمعروف والمنكر وأما الفرد النسبي فقد قسمه إلى قسمين ما له متابع وما له شاهد.
...
[مسألة في المقبول والمحكم ومختلف الحديث:]
(٣٩) وهذه الأقسام للمقبول ... قال بها جماعة الفحول
(٤٠) إن لم يعارض سمه بالمحكم ... أو مثله عارضه فلتعلم
(٤١) بأنه إن أمكن الجمع فقل ... مختلف الحديث أولا فلتسل
هذا تقسيم أيضا للمقبول إلى معمول به وغير معمول لأنه إن سلم من
стр. 87
معارضة حديث آخر ناقضه فإنه يسمى المحكم كما قلنا فسمه بالمحكم وأمثلته واسعة وإن ناقضه حديث آخر في المعنى فلا يخلو إما أن يكون معارضه مقبولا مثله أو يكون مردودا فالثاني لا أثر له لأن القوي لا يؤثر فيه مخالفة الضعيف وإن كان للمعارض مثله كما قلنا أو مثله عارضه أي أو عارضه مثله فهو فاعل لفعل محذوف أو مبتدأ خبره عارضه أو من باب ما أضمر عامله فهذا القسم لا يخلو إما أن يمكن الجمع بين مدلوليهما بغير تعسف أو لا فإن أمكن الجمع فهذا هو النوع المسمى مختلف الحديث بفتح اللام أي مختلف مدلول حديثه ويناسبه ما يقابله وهو الناسخ وضبطه بعضهم بفتح اللام على أنه مصدر ميمي ويناسبه قوله فيما بعد بالترجيح ومثل له ابن الصلاح بحديث لا عدوى ولا طيرة مع حديث فر من المجذوم فرارك من الأسد وكلاهما في الصحيح فظاهرهما التعارض وذكر الحافظ جمع ابن الصلاح ثم قال والأولى في الجمع بينهما أن يقال إن نفيه ﷺ للعدوى باق على عمومه أي على نفيه طبعا وسببا وقد صح قوله ﷺ لا يعدي شيء شيئا وقوله ﷺ لمن عارضه أن البعير الأجرب يكون في الإبل الصحيحة فيخالطها فتجرب حيث رد عليه بقوله ﷺ فمن أعدى الأول يعني أن الله تعالى قد ابتدأ ذلك في الثاني كما ابتدأه في
стр. 88
الأول وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله ابتداء لا بالعدوى المنفية فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسما للمادة هذا كلام الحافظ إلا أنه أورد عليه اجتنابه ﷺ عن المجذوم عند إرادة المبايعة مع أن منصب النبوة بعيد من أن يورد لحسم مادة ظن العدوى كلاما يكون مادة لظنها أيضا فإن الأمر بالتجنب أظهر في قبح مادة ظن أن العدوى لها تأثير بالطبع وعلى كل تقدير فلا دلالة أصلا على نفي العدوى سببا فإنه إذا ظن أن الجذام حصل بسبب المخالطة واعتقد صحة العدوى بالتأثير السببي لا حرج فيه وإن أريد أنه بسبب المخالطة يعتقد صحة العدوى بالطبع فيرد عليه أنه يجب حينئذ على كل أحد أن يجتنب ما يتعلق بالأسباب كالمعالجة بالأدوية بل مزاولة الأطعمة والأشربة حيث يحتمل أنه يظن أن الأدوية ونحوها لها تأثير بطبعها فيعتقد الطبيعية فيخرج عن الملة الحنيفية انتهى هذا حيث أمكن الجمع بين المختلفين فإن تعذر فلا يخلوا إما أن يعرف التاريخ أو لا إن عرفت فهو الذي أفاده قولنا فلتسل عن الأخير إلى آخره وهي مسألة الناسخ كما قلنا:
(٤٢) عن الأخير منهما إن ثبتا ... كان هو الناسخ والثاني أتى
стр. 89
أي أولا يمكن الجمع فسل عن الأخير من الحديثين فإن ثبت المتأخر فهو الناسخ وحقيقة النسخ رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه والناسخ ما دل على الرفع المذكور وتسميته ناسخا مجاز من باب إضافة الفعل إلى السبب والدليل لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى ويعرف النسخ بأمور ثلاثة الأول وهو أصرحها ما ورد في النص كحديث بريدة مرفوعا في صحيح مسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر بالآخرة وهذا الحديث من غرائب الناسخ والمنسوخ حيث شملهما والغالب أن يكونا حديثين بينهما فصل وثانيهما ما يجزم الصحابي بأنه متأخر كقول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسته النار أخرجه أصحاب السنن والثالث ما يعرف بالتاريخ وهو كثير وهذه الوجوه المتفق عليها وقد ذكر غيرها مما لا ينهض وقولنا والثاني أتى أي الذي عرف تقدمه عن ناسخه وفاعل أتى قولنا المنسوخ وفي رسمه متعلق يأتي
(٤٣) في رسمه المنسوخ أو لم يعرف ... فارجع إلى الترجيح فيه أو قف
أي أنه سمى الأول بالمنسوخ كما سمى الآخر بالناسخ هذا كله مع معرفة التاريخ فإن لم يعرف المتأخر منهما فله تقسيم آخر لأنه لا يخلو
стр. 90
إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه المرجحة المتعلقة بالمتن أو بالإسناد أولا فإن أمكن الترجيح تعين المصير إليه وإلا فلا فصار ما ظاهره التعارض واقعا على هذا الترتيب الجمع إن أمكن وإلا فاعتبار الناسخ والمنسوخ وإلا فالترجيح ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين وقد شمل النظام جميع الأقسام قال الحافظ والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالساقط لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه قلت يريد أنه اشتهر على الألسنة أن الدليلين إذا تعارضا تساقطا أي تساقط حكمهما وهو يوهم الاستمرار مع أن الأمر ليس كذلك لأن سقوطه إنما هو لعدم ظهور ترجيح أحدهما حينئذ ولا يلزم استمرار الساقط مع أن إطلاق الساقط على الأدلة الشرعية خارج عن سنن الآداب السنية وإلى هاهنا انتهى الكلام في المقبول وأقسامه من قولنا ومهما خولفا ويقابله المردود وله أقسام واسعة.
...
[مسألة في أقسام المردود:]
وقد أشار إليها قولنا:
(٤٤) ثم لما قابله أقسام ... أكثر منه عدها الأعلام
стр. 91
(٤٥) فرده إما لسقط في السند ... أو كان عن طعن فقل فيما ورد
أي لما قابل المقبول وهو المردود أقسام ستمر بك وهي أكثر من أقسام المقبول كما قلنا أكثر منه لأنهم قسموا وجه رده إلى قسمين ألم بهما قولنا إما لسقط في السند أو بطعن أي في رواته فالسقط له أقسام الأول المعلق تضمنها قولنا:
(٤٦) فالسقط إن كان من المبادي ... من الذي صنف بالإسناد
(٤٧) فإنهم يدعونه معلقا ... أو كان من آخره نلت التقى
أي أن الرد بالسقط ينقسم أقساما لأن السقط إن كان من مبادئ الإسناد من تصرف من مصنف أو من آخره أي الإسناد بعد التابعي أو غير ذلك فالذي كان سقطه من مبادئ السند فإنهم يسمونه معلقا سواء كان الساقط واحدا أو أكثر ويأتي ما بينه وبين المعضل من النسبة فالمعلق لابد أن يكون من تصرف المصنف من مبادئ السند والتعليق في البخاري كثير جدا وفي مسلم في موضع واحد في التيمم وموضعان في الحدود والبيوع والذي في البخاري من ذلك موصول في موضع آخر من كتابه وإنما أورد معلقا اختصارا ومجانبة للتكرار والذي لم يصله في موضع آخر مائة وستون حديثا وصلها شيخ الإسلام في مؤلف لطيف سماه التوفيق ومن صوره أن يحذف جميع السند ويقول قال رسول الله ﷺ ومن صوره أن يحذف إلا الصحابي أو إلا التابعي والصحابي معا
стр. 92
ومن صوره أن يحذف من حدثه ويضيفه إلى من فوقه فإن كان من فوقه شيخا لذلك المصنف فقد اختلف هل يسمى تعليقا أو لا والصحيح في هذا التفصيل فإن عرف بالنص والاستقراء أن فاعل ذلك مدلس قضى به وإلا فتعليق واعلم أنهم إنما ذكروا التعليق في قسم المردود للجهل بحال المحذوف وقد يحكم بصحته إن عرف بأن يسمى من وجه آخر فإن قال جميع من أحذفه ثقات جاءت مسألة التعديل على الإبهام وعند الجمهور لا يقبل حتى يسمى قالوا لاحتمال أن يكون ثقة عنده دون غيره فإذا ذكر علم حاله ورد بأنه تقديم للجرح المتوهم على التعديل الصريح ودفع بأن التعديل الصريح على المبهم المجهول كلا تعديل لكنه قال ابن الصلاح هنا إن وقع الحذف في كتاب التزمت صحته كالبخاري فما أتى فيه بالجزم أي قيل فيه روى فلان وقال رسول الله ﷺ دل على أنه ثبت إسناده عنده قلت وذلك لأنه لا يجوز أن يجزم بذلك عنه إلا وقد صح عنده وإنما حذفه لغرض من الأغراض وما أتى فيه بغير الجزم أي نحو يروى ويذكر مجهولا ففيه مقال قاله الحافظ ابن حجر على كلام ابن الصلاح إنه لا وجه للاستدراك فإن الجمهور إذا لم يقبلوا تصريح راوي المعلق بأن جميع من أحذفه ثقة وكذا قول من يقول حدثني الثقة كيف يقبلون من التزم صحة كتابه ويذكر فيه تعليقات ولم يصرح بأن تعليقه صحيح أم لا فإنه لو صرح به لكان من قبيل ما سبق والحال أنه يحتمل أنه حذفه لغرض من الأغراض سواء ذكره بصيغه الجزم أو بصيغة التمريض نعم صيغة المجهول أبعد من المعلوم في كونه مقبولا إذا عرفت هذا فهذا القسم الأول من المردود بالسقط وهو ما كان
стр. 93
من مبادئ السند والقسم الثاني ما أفاده قولنا أو كان من أخره مع قولنا وهي:
...
[مسألة المرسل:]
(٤٨) أو كان بعد التابعي فيدعى ... بالمرسل المعروف أو كان سوى
أي أنه إذا كان السقط من آخره من بعد التابعي فإنه القسم المعروف عند العلماء بالمرسل وصورته أن يقول التابعي صغيرا كان أو كبير قال رسول الله ﷺ كذا أو فعل كذا أو فعل بصيغة المجهول بحضرته كذا أو نحو ذلك وأنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف لأنه يحتمل أن يكون صحابيا ويحتمل أن يكون تابعيا وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا ويحتمل أن يكون ثقة وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن صحابي ويحتمل أن يكون حمله عن تابعي آخر وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد إما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له هكذا قاله الحافظ قيل عليه محال عند العقل أن يجوز بين التابعي وبين النبي ﷺ ما لا يتناهى كيف وقد وقع التناهي في الوجه الخارجي بذكر النبي ﷺ وأجيب بأنه أراد الكثرة وأتى بما لا نهاية له مبالغة إذ من
стр. 94
المعلوم عند العقلاء أن الانتساب إلى آدم أمر متناه فكيف إلى نبينا ﷺ ثم قال وإما بالاستقراء فإلى ستة أو سبعة وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض وتعرض الحافظ للخلاف في قبول المرسل هنا فقال فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف لبقاء الاحتمال وهو أحد قولي أحمد وثانيهما وهو قول المالكيين والكوفيين يقبل مطلقا وقال الشافعي يقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسندا كان أو مرسلا ليترجح كون المحذوف ثقة في نفس الأمر ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية وأبو الوليد الباجي من المالكية أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات وغيرهم لا يقبل مرسله اتفاقا انتهى وقال النووي في التقريب وفي شرحه للسيوطي ثم المرسل حديث ضعيف لا يحتج به عند جماهير المحدثين كما حكاه عنهم مسلم في صدر صحيحه وابن عبدالبر في التمهيد وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول والنظر للجهل بحال المحذوف وإن اتفق أن المرسل لا يروي إلا عن ثقة فالتوثيق مع الإبهام غير كاف ولأنه إذا كان المجهول المسمى لا يقبل فالمجهول عينا وحالا أولا وقال مالك في المشهور عنه وأبو حنيفة في طائفة منهم
أحمد في المشهور عنه صحيح قال في شرح المهذب وقيد ابن عبدالبر وغيره ذلك بما إذا لم يكن مرسله ممن لا
стр. 95
يحترز ويرسل عن غير الثقات فإن كان فلا خلاف في رده وقال غيره محل قبوله عند الحنفية إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة الفاضلة فإن كان من غيرها فلا لحديث ثم يفشو الكذب صححه النسائي وقال ابن جرير اجمع التابعون بأسرهم على قبول المراسيل ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين قال ابن عبدالبر كأنه يعني أن الشافعي أول من رده وبالغ بعضهم فقواه على المسند وقال من أسند فقد أحالك ومن أرسل فقد تكفل لك فإن صح مخرج المرسل لمجيئه أو نحوه من طريق آخر مسندا أو مرسلا أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول كان صحيحا هكذا نص عليه الشافعي في الرسالة مقيدا له بمرسل كبار التابعين ومن إذا سمى من أرسل عنه سمى ثقة وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه وزاد في الاعتضاد أن يوافق قول صحابي أو يفتي أكثر العلماء بمقتضاه فإن فقد شرط مما ذكر لم يقبل مرسله ويتبين بذلك صحة المرسل وإنهما أي المرسل وما عضده صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق واحدة رجحناهما عليه بتعدد الطرق إذا تعذر الجمع بينهما انتهى ثم قال هذا في غير مرسل الصحابي أما مرسله كإخباره عن شيء فعله النبي ﷺ مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه فمحكوم بصحته على المذهب الصحيح الذي جزم به الجمهور من أصحابنا وغيرهم وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح القائلون بضعف المرسل وفي الصحيح من ذلك مالا يحصى لأن أكثر روايتهم عن الصحابة وكلهم عدول وروايتهم عن غيرهم نادرة وإذا رووها بينوها بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات
стр. 96
[مسألة في المعضل:]
قال النووي إنه بفتح الضاد من أعضله فهو معضل قال ابن الصلاح وهو اصطلاح مشكل المأخذ من حيث اللغة أي لأن مفعلا بفتح العين لا يكون إلا من ثلاثي لازم عدي بالهمزة وهذا لازم معها قال وبحثت فوجدت له ثلاثيا من قولهم أمر عضيل أي مستغلق شديد وفعيل بمعنى فاعل يدل على الثلاثي فعلى هذا يكون لنا عضل قاصرا أو أعضل متعديا كما قالوا ظلم الليل وأظلم انتهى وإلى حقيقته أشار قولنا وهي مسألة المعضل
(٤٩) هذين فانظر إن يكن باثنين ... فصاعدا مع الولى في ذين
فقولنا هذين متصل بقولنا في آخر ما قبله سوى أي غير هذين وهما ما كان السقط من مباديء السند أو من آخره إذ حكمهما تقدم وما سواهما مما سقط من إسناده فإنه ينظر فإن كان السقط من الإسناد اثنين فصاعدا أي فأكثر منهما مع التوالي فقولنا مع الولى أي التوالي في ذين فيما سقط اثنان فصاعدا فجعلناهما شيئين لأنهما في الخارج كذلك وإن كان مرجعهما إلى شيء واحد هو السقط فهذا القسم كما قلنا
(٥٠) فإنه المعضل ثم المنقطع ... مالا توالي في السقوط فاستمع
فالمعضل ما اتفق التوالي فيمن سقط من إسناده وإلا يتوالى السقط بل كان اثنين غير متواليين فهذا هو المنقطع كما قلنا ثم المنقطع ما لا
стр. 97
توالي وكذا إن سقط واحد فقط أو أكثر من اثنين بشرط عدم التوالي وقولنا
(٥١ إن السقوط واضح وخافي ... فواضح إن فقد التلاقي
هو مفعول فاستمع أي استمع إلى ما قالوه في اصطلاحهم من تقسيم السقوط إلى قسمين الأول واضح يحصل الاشتراك في معرفته لكون الراوي مثلا لم يعاصر من روى عنه والثاني خفي لا يدركه إلا الأئمة الحفاظ المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد فالأول يدرك أي يعرف أنه سقط من الحديث بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه لكونه لم يدرك عصره أو أدركه لكن لم يجتمعا وليست له من إجازة ولا وجادة ومن ثمة احتيج إلى التاريخ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم وأوقات طلبهم وارتحالهم وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم ولذا قلنا
(٥٢) ومن هنا احتيج إلى التاريخ ... معرفا ملاقي الشيوخ
قال السيد محمد ومعرفته أي السقط ثمرة معرفة تاريخ الوفايات فهذا القسم الأول الواضح وأما الثاني وهو:
...
[مسألة المدلس:]
فأشرنا إليه بقولنا:
(٥٣) وسموا الخافي بالمدلس ... وربما يأتي بالملتبس
(٥٤) كعن وقال من كلام يحتمل ... لقاءه لناقل عنه نقل
стр. 98
هذا القسم الثاني وهو الخفي يقال له المدلس بفتح اللام سمي بذلك لكون الراوي لم يسم من حدثه وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه واشتقاقه من الدلس بالتحريك وهو اختلاط الظلام لاشتراكهما في الخفاء ولما كان قد يرد المدلس بصيغة من الصيغ التي توهم اللقاء نحو عن وقال أشرنا إليه بما سمعته قال الحافظ ومتى وقع بصيغة صريحة كان كذبا وحكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلا أن لا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح
...
[مسألة المرسل الخفي:]
قد بيناه بقولنا:
(٥٥) والمرسل الخافي من معاصر ... لم يلق من عاصره فذاكر
فهذا هو المرسل الخفي وهو ما رواه عن معاصر لم يقع له لقاءه بل بينه وبينه واسطة قال الحافظ والفرق بين المدلس والمرسل الخفي دقيق يحصل تحريره بما ذكرنا هنا وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاءه إياه فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لقيا لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه والصواب التفرقة بينهما ثم قال ويعرف عدم الملاقاة بإخباره عن نفسه بذلك أو بجزم إمام مطلع ولا يكفي أن تقع في بعض الطرق زيادة راو بينهما لاحتمال أن يكون من المزيد ولا يحكم في هذه الصورة بحكم كلي لتعارض احتمال الاتصال والانقطاع انتهى
стр. 99
وقال السيد محمد بعد هذا وكذلك اشترط البخاري تحقق اللقاء أي لمن روى عن المعاصرين حتى يؤمن الانقطاع واكتفى مسلم بعدم العلم بانتفائه أي اللقاء فإنه إذا كان معاصرا له وروى عنه دل عنده أنه قد اتفق به إذ حمل الثقة على السلامة أولى انتهى مع تفكيك عبارته وأبسط منه ما في التقريب وشرحه قال وفي اشتراط ثبوت اللقاء وعدم الاكتفاء بإمكانه وطول الصحبة وعدم الاكتفاء بثبوت اللقاء ومعرفته بالرواية عنه وعدم الاكتفاء بالصحبة خلاف منهم من لم يشترط شيئا من ذلك واكتفى بإمكان اللقاء وعبر عنه بالمعاصرة وهو مذهب مسلم بن الحجاج وادعى فيه الإجماع ومنهم من شرط اللقاء وحده وهو قول البخاري وابن المديني والمحققين ومنهم من شرط طول الصحبة بينهما ولم يكتف بثبوت اللقاء وهو أبو المظفر السمعاني ومنهم من شرط معرفته بالرواية عنه وهو أبو عمرو الداني انتهى قلت وقد بسطنا القول في هذا في شرح التنقيح واعلم أنها سبقت إشارة إلى قبول المرسل ورده وقد أشار السيد محمد في مختصره إلى أدلة قبوله ومراده ما يشمل المعضل وغيره فقال ولقابليه أدلة الأول إجماع الصحابة والخصم لا ينازع في قبوله يريد فإنه لا يرسل الصحابي إلا عن صحابي مثله والصحابة عدول ويمنع أي الخصم القياس عليه أي على قبول مرسل الصحابة بإبداء الفارق بين الصحابة ومن بعدهم وهو أي الفارق غلبة الديانة في الصحابة وورود الثناء عليهم كتابا وسنة وهو أي الفارق صحيح فبطل القياس الثاني من أدلة قابلي المرسل إجماع التابعين على قبوله كما نقله محمد بن جرير وقدمنا كلامه ومنع المخالف الذي لا يقبل المرسل صحته أي إجماع التابعين لأنه سكوتي فإن غايته أنه قبله البعض وسكت البعض والسكوت لا يدل على أن الساكت قائل بصحة ما قاله غيره لأن
стр. 100
المسألة ظنية أي مسألة قبول المرسل ولا يجب النكير فيها فلا يعلم موافقة الساكت بوجه إذ الظنيات لا نكير فيها فسكوته لا يدل على قوله بقبوله ولا قائل بأن هذا الإجماع قولي بل هو سكوتي قطعا ولأنا لا نسلم إجماع التابعين لثبوت الخلاف فيه عن محمد بن سيرين والزهري فإنهما لا يقبلانه فأين الإجماع وهما من أئمة التابعين ولو سلم فهو خاص بالتابعين ولا يصح قياس غيرهم عليهم لوجود الفارق كالصحابة أي كوجود الفارق بين الصحابة وغيرهم والفارق هنا بين التابعين وغيرهم ثبوت أنهم من خير القرون كما ثبت به الحديث وقد ذكر المنصور بالله أنه لا يسأل عن عدالة ثلاثة قرون وأن ذلك معلوم لأهل الفقه ولا يقال يقاس عليهم من هو مثلهم في العدالة لأن القصد ظن عدالة الوسائط الساقطة قالوا أي قابلوا المرسل الإرسال المجزوم بمنزلة التعديل المطلق وقد قال الجويني والباقلاني إنه يحرم أي الجزم في مواضع الخلاف على العالم والجواب عن هذا من وجوه الأول أنه مخبر عن اعتقاده لا عن الأمة ولذا لم تحل حكاية الإجماع بأن يقول إجماعا لأنها حكاية عن نفسه فلا تدليس منه إلا لو قالوا إجماعا
стр. 101
الثاني من الأجوبة أنه قد لا يعلم الخلاف في المسألة فلا يلزم أنه تدليس الثالث من الأجوبة أن تحريم الإرسال أو التعديل المطلق عليه ظني فيجوز أن يخالفه الرابع من الأجوبة أنه يلزم مثل ذلك في جميع مواضع الخلاف كالرواية بالمعنى فإن فيها خلافا والفتوى فيلزم أن تحرم الرواية بالمعنى والفتوى لأنها رواية بالمعنى ولا يقولون به الخامس من الأجوبة أنه يلزمه أي المانع أن لا يقبل إلا مرسل العالم بمواضع الخلاف لأنه الذي يصدق عليه ما ذكرتم والحق أن عادات العلماء والثقات قد اختلفت في ذلك بالتجربة بتجربتنا لطرائقهم في ذلك فتكون العادة متبعة في ذلك فمن عرفت عادته بشيء أقيم عليها دون مجرد الاحتمال من غير عادة يريد أن احتمال سقوط عدالة الساقط لا تقابل ما علم من اعتقاد اختلاف العلماء في قبول ذلك المرسل لأنه أي الاحتمال لا يحصل به ظن مع العلم باختلافهم في ذلك والله أعلم الثالث من أدلة قابلي المرسل تناول أدلة قبول الآحاد التي قدمناها للمرسل لأنه داخل في الآحاد وأجيب بالمنع أي بمنع جعل المرسل من الآحاد في السمعيات فإن الأدلة السمعية إنما دلت على قبول الصدر الأول من الصحابة والتابعين دون غيرهم وأما الدليل العقلي فمن اعتقد صحته أي صحة
стр. 102
الاستدلال بالعقل على قبول الآحاد لزمه قبول ما أفاد الظن من المراسيل والظاهر أن ما أفاد الظن أوجب العمل به ولذلك أجمعوا على قبول مراسيل الصحابة وقال الجمهور بصحة تعاليق البخاري المجزوم بها وكأن من أوجب الإسناد يرى وجوب طلب الظن الأقوى ومن قبل المرسل يكتفي لمجرد الظن بهذا القوي عند حصول الظن الرابع من أدلة القابلين حمل الراوي على السلامة موجب قبول مرسله ونكتة الجواب أن طريق المرسل أي الشخص المرسل إلى اعتقاد صحة ما أرسله ظني اجتهادي والتقليد في الاجتهاديات محرم على المجتهدين إلا عند الضرورة أي وقبول المراسيل تقليد لمرسلها وهو محرم على المجتهد كالجرح والتعديل وإنما وجب قبول الخبر أي من الراوي لأنه نقل لا اجتهاد له فيه بل هو ناقل عن غيره ولذلك يترك الاجتهاد للخبر وقد علمت من هذا الجواب حجة من أوجب الإسناد ولهم أي الذين أوجبوا الإسناد أيضا أن قبوله أي المرسل يستلزم قبول مرسل من يقبل المجاهيل أي وهو منكر أشد الإنكار وقبول سائر المختلف فيهم لأن قابل المرسل لا يدري من سقط بينه وبين الرسول ﷺ ثم قال السيد محمد وقد يسند بعض الأئمة محيلا للغير على النظر في الإسناد فيذهب بعض من أتباعه أو غيرهم إلى أن روايته إلى من أسند الحديث إليهم يقضي بصحة الحديث عنده وتعديله لرجال إسناده فيحذف الأسانيد اختصارا ويرسل الحديث بصيغة الجزم وهذا مذهب بعض أصحاب الشافعي أن الرواية عن الرجل تقتضي تعديله وعليه عمل بعض مصنفي الزيدية كأنه يريد أحمد بن سليمان وصاحب الشفا والمهدي
стр. 103
وهو مذهب ضعيف جدا لما علم من رواية الثقات عن الضعفاء انتهى كلام السيد محمد مبينا بزيادات لطيفة تحل المعاني وإلى هنا انتهى ما يرد به الحديث من حيث السقط وقد انحصر في المعلق والمرسل والمعضل والمنقطع وهو قسمان واضح وخفي ومرسل خفي من معاصر لم يلق والقسم الثاني مما يرد به الحديث وهو الطعن ويكون بأحد عشرة أشياء الأول ما أفاده قولنا:
...
[مسألة الموضوع:]
(٥٦) والطعن إما أن يكون بالكذب ... فسمه الموضوع والترك يجب
قال الحافظ الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض خمسة تتعلق بالعدالة وخمسة تتعلق بالضبط
стр. 104
الأول الموضوع قال في التقريب وهو المختلق المصنوع وهو شر الضعيف وأقبحه وتحرم روايته مع العلم به في أي معنى كان إلا مبينا أي مقرونا ببيان وضعه ومثله قاله الذهبي قال الحافظ والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب لا بالقطع قلت هذا ليس خاصا بالموضوع بل بكل حديث وصف بصحة أو حسن أو ضعف فليس إلا بالنظر إلى ما وصل إلى علم واصفه ولعله في نفس الأمر بخلافه ولكنه لا تكليف بما في نفس الأمر قال السيد محمد ويعرف أي الوضع بإقرار الراوي على نفسه بالوضع ومثله قال الحافظ وقال قال ابن دقيق العيد لكن لا يقطع بذلك لاحتمال أن يكون كذب في ذلك الإقرار انتهى وفهم منه بعضهم أن لا يعمل بذلك الإقرار أصلا وليس ذلك مراده وإنما نفي القطع بذلك ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم لأن الحكم يقع بالظن الغالب وهو هنا كذلك ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل ولا رجم المعترف بالزنا لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به انتهى قلت لا يخفى أنه قد أقر أنه كذب على رسول الله ﷺ وأنه قد قال الجويني إن الكذب على رسول الله ﷺ كفر وفي شفاء الأوام أن
стр. 105
الكذب على رسول الله ﷺ الإجماع منعقد على كفر قائله وفاعله فقد انتفى شرط قبول الرواية قطعا سواء كان إقراره صدقا أو كذبا فلا فائدة تظهر في الخلاف وأما قول الحافظ إنه يحتمل إقرار المقر بأنه قتل أو أنه زنا الكذب فاحتمال في غاية من البعد لا يلتفت إليه ولا يعول عليه وكذا احتمال أنه أقر الراوي بأنه كذب لا يحتمل أنه كاذب في هذا الإقرار إلا احتمال لا يعول عليه بل قد جعل الله الإنسان على نفسه بصيرة وعلق الإيمان بالقول حتى يقولوا ولم يؤمر بالتفتيش عن القلوب فهذه الاحتمالات ليست من وظائف التكليف حتى نشتغل بذكرها وممن أقر بالوضع أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي قاضي مرو قيل له من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا قال إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت ذلك حسبة وكان يقال لأبي عصمة نوح الجامع قال ابن حبان جمع كل شيء إلا الصدق وروى ابن حبان في الضعفاء عن ابن مهدي قال قلت لميسرة ابن عبد ربه من أين جئت بالأحاديث من قرأ كذا فله كذا قال وضعتها أرغب الناس بها وكذا حديث ابن أبي الطويل في فضائل قراءة القرآن سورة سورة فروى عن المؤمل بن إسماعيل أنه قال حدثني به شيخ فقلت للشيخ من حدثك قال حدثني رجل بالمدائن وهو حي فصرت إليه فقلت له
стр. 106
من حدثك قال حدثني شيخ بواسط وهو حي فصرت إليه فقلت من حدثك قال حدثني شيخ بالبصرة فصرت إليه فقلت من حدثك فقال حدثني شيخ بعبادان فصرت فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم متصوفة معهم شيخ فقال هذا الشيخ حدثني فقلت يا شيخ من حدثك فقال لم يحدثني أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث لينصرفوا إلى القرآن قال السيوطي ولم أقف على تسمية هذا الشيخ إلا أن ابن الجوزى أورده في الموضوعات من طريق بزيغ بن حبان عن علي بن زيد بن جدعان وعطاء بن أبي ميمونة عن زر بن حبيش عن أبي قال والآفة فيه من بزيغ ثم أورده من طريق مخلد بن عبدالواحد عن علي وعطاء ثم قال الآفة فيه من مخلد فكأن أحدهما وضعه والآخر سرقه أو كلاهما سرقه من ذلك الشيخ الواضع انتهى قال النووي وقد أخطأ من ذكره من المفسرين قال السيوطي كالثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي قلت وأبو السعود وغير هؤلاء قال العراقي لكن من أبرز إسناده كالأولين فهو أبسط لعذره إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده وإن كان لا يجوز السكوت عليه وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم فخطأه أفحش انتهى وقال النووي في التقريب بإقراره أو معنى إقراره قال السيوطي في
стр. 107
شرحه عبارة ابن الصلاح وما يتنزل منزلة إقراره وقال العراقي كأن يحدث بحديث عن شيخ ويسأل عن مولده فيذكر تاريخ يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده فهذا لم يعترف بوضعه لكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا برواية هذا عنه انتهى وقد ذكر الحافظ من القرائن التي يدرك بها الوضع ما يوجد من حال الراوي كما وقع لمأمون بن أحمد أنه وقع بحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي هريرة أولا فساق في الحال إلى النبي ﷺ أنه قال سمع الحسن من أبي هريرة ومنها ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضا لنص القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي أو صريح العقل حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل قلت ومن المخالف للعقل ما رواه ابن الجوزي من طريق عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده مرفوعا إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا وصلت عند المقام ركعتين قال ابن الجوزي إذا رأيت الحديث ينافي المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع وقال الربيع بن خيثم إن للحديث ضوءا كضوء النهار نعرفه وظلمة كظلمة الليل ننكره وقال ابن الجوزي الحديث المنكر يقشعرله جلد الطالب للعلم وينفر عنه قلبه في الغالب ثم قال والحامل للواضع على الوضع إما عدم الدين كالزنادقة قلت روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زيد قال وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث منهم عبدالكريم بن أبي العرجاء الذي قتل وصلب في زمان المهدي قال ابن عدي لما أخذ ليضرب عنقه قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحلل فيها الحرام ثم قال الحافظ أو غلبة الجهل كبعض
стр. 108
المتعبدين قال النووي إن أعظم الواضعين ضررا قوم ينتسبون إلى الزهد وضعوه حسبة أي احتسابا للأجر عند الله في زعمهم فقبلت موضوعاتهم ثقة بهم قلت كواضع حديث فضائل السور كما عرفت قال السيوطي واعلم أن السور التي صحت الأحاديث في فضلها الفاتحة والزهراوان والأنعام والسبع الطوال مجملا والكهف ويس والدخان والملك والزلزلة والنصر والكافرون والإخلاص والمعوذتين وما عداها لم يصح فيها شيء قال وقد جمعت في ذلك كتابا لطيفا سميته خمائل الزهر في فضائل السور وقال السيوطي كان أبو داود النخعي أطول الناس قياما بليل وأكثرهم صياما بنهار وكان يضع وقال ابن حبان كان أبو بشر أحمد بن محمد الفقيه المروزي من أصلب أهل زمانه في السنة وأذبهم عنها وأقمعهم لمن خالفها ومع هذا كان يضع الحديث وقال ابن عدي كان وهب بن حفص من الصالحين مكث عشرين سنة لا يكلم أحدا وكان يكذب كذبا فاحشا قال الحافظ أو فرط العصبية كبعض المقلدين أي أو يكون الحامل فرط العصبية من مقلد لمن قلده ولما قاله إمامه كما قيل لمأمون بن أحمد الهروي ألا ترى الشافعي ومن تبعه بخراسان فقال حدثنا أحمد بن
стр. 109
عبدالله ثنا عبدالله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعا يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي وقيل لمحمد بن عكاشة الكرماني إن قوما يرفعون أيديهم في الركوع وفي الرفع منه فقال حدثنا المسيب بن واضح ثنا ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس مرفوعا من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له قال الحافظ أو اتباعا لهوى بعض الرؤساء قلت كما ذكره الحافظ قبل هذا أن غياث بن إبراهيم دخل على المهدي فوجده يلعب بالحمام فساق في الحال إسنادا إلى النبي ﷺ أنه قال لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح فزاد في الحديث أو جناح فعرف المهدي أنه كذب لأجله فأمر بذبح الحمام انتهى زاد في التدريب وقال أنا حملته على ذلك وذكر أنه لما قام قال أشهد أن قفاك قفا كذاب أسنده الحاكم وأسند عن هارون بن أبي عبدالله عن أبيه قال قال لي المهدي ألا ترى ما يقول لي مقاتل قال إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس قلت لا حاجة لي فيها انتهى قلت وفي تاريخ ابن عساكر قال زكريا الساجي بلغني أن أبا البختري دخل على الرشيد وهو يطير الحمام فقال هل تحفظ في هذا شيئا قال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ كان يطير الحمام فقل هارون اخرج عني ثم قال لو أنه من قريش لعزلته انتهى ثم قال الحافظ والإغراب لقصد الاشتهار قال السيد محمد وقد يطلق أي الموضوع على غير العمد
стр. 110
أي من الراوي بل على طريق الوهم والسهو وقد أطلق بعض المحدثين الكذاب على من هو كاذب في اعتقاده أو غالط وقد استوفينا البحث في شرح التنقيح قال الحافظ وكل ذلك حرام بإجماع من يعتد به إلا أن بعض الكرامية وبعض المتصوفة نقل عنهم إباحة الوضع في الترغيب والترهيب وهو خطأ من فاعله نشأ عن جهل لأن الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية واتفقوا على أن تعمد الكذب على النبي ﷺ من جملة الكبائر وبالغ أبو محمد الجويني فكفر من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقرونا ببيانه لقوله ﷺ من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين انتهى واستدل من أجاز الوضع للترغيب والترهيب بما روي في بعض طرق الحديث من كذب علي متعمدا ليضل به الناس وحمل بعضهم حديث من كذب علي أي قال إنه شاعر أو مجنون وقال بعضهم إنما يكذب له لا عليه وقال محمد بن سعيد المصلوب الكذاب الوضاع لا بأس إذا كان كلام حسن أن تضع له إسنادا قلت ومحمد بن سعيد هو الذي وضع الزيادة في حديث أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التبني قال النووي في التقريب وقد أكثر جامع الموضوعات أعني أبا الفرج ابن الجوزي فذكر كثيرا مما لا دليل على وضعه بل هو ضعيف قال السيوطي في شرحه بل فيها الحسن بل والصحيح وأغرب من ذلك أن فيها حديثا من صحيح مسلم قال الذهبي وربما ذكر ابن الجوزي في الموضوعات أحاديث حسانا قوية وقال الحافظ ابن حجر غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى الذي
следующие страницы →