المَطلب الأوَّل سَوق أحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم ﵇
عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«والَّذِي نَفسِي بيده؛ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا: فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ (١)، وَيَفِيضَ الْمَالُ حتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ؛ حتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا من الدُّنْيَا وما فيها».
ثمَّ يقول أبو هريرة ﵁: واقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ [النساء: ١٥٩]، متَّفق عليه (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «كَيْفَ أَنْتُمْ إذا نَزَلَ ابن مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟!» متَّفق عليه (٣).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ على الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، قال:
стр. 1017
«فَيَنْزِلُ عِيسَى بن مَرْيَمَ ﷺ فيقول أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لنا، فيقول: لَا؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ الله هذهِ الْأُمَّةَ» أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بيده؛ لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرُّوحاءِ (٢)؛ حَاجًّا، أو مُعْتَمِرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا» أخرجه مسلم (٣).
وعن النَّواس بن سمعان ﵁ قال: ذَكَرَ رسول الله ﷺ الدَّجَّالَ ذاتَ غَدَاةٍ ... الحديث، وفيه:
« .. فبَيْنَما هُمْ كَذلِكَ، إِذْ بَعَثَ الله الْمَسِيحَ ابنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بين مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ؛ إذا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قد عَصَمَهُمْ الله منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ في الْجَنَّةِ ... » الحديث، أخرجه مسلم (٤).
стр. 1018
المَطلب الثَّاني سَوْق الُمعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لأحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم ﵇
مع صراحةِ ما دَلَّت عليه النُّصوص مِن نزول عيسى ﵇، وتضافرها على ذلك، وبلوغها مَبْلغ القطْع: إلَاّ أنَّ طوائف مِن مخالِفي السُّنةِ جالَدوا الدَّلائل، وناقضوا البراهين؛ إمَّا برَدِّ الأدلَّةِ صراحةً، أو التَّلفُّعِ بمُرُطِ التَّأْويل، تَلطُّفًا منهم في رَدِّها.
فمِمَّن نُقِل عنه الرَّدُّ مِن مُتقدِّمي الخَلَف بعضُ الخوارج، وبعض المُعتزلة (١).
ومِن مُتأخِّري الخَلَف: (محمَّد عبدُه)، فقد نَقلَ تلميذُه (محمَّد رشيد رضا) موقِفَه مِن أحاديث نزول عيسى ﵇، ووافقَ أستاذَه في إبطالِ معاني تلك الأحاديث؛ من غيرِ أن يسلكَ مسلكَ شيخِه في تحريف معانيها، بل اكتفى بتفويضِ معاني تلك الأحاديث إلى الله تعالى (٢)؛ وإن كان الاثنان متَّفقان في المآلِ على تعطيلِ مَدلول تلك الأَحاديث، فقد زاد (محمَّد عبده) أن اختارَ التماسَ غريب المعاني في تأويلها (٣).
стр. 1019
و (محمَّد عبده) وإن لم يُصَرِّح هو بأنَّ هذا التَّعطيلَ مَوقفٌ علميُّ له؛ إذْ يَعزو ذلك للعلماء بتعبيرِه، إلَاّ أنَّ ظاهرَ طريقتِه يُفْهِم ذلك؛ فإنَّه جَعلَ للقولِ بأنَّ رفعَ عيسى ﵇ كان بروحِه دون جسدِه تخريجَين، مَفادُ الأوَّل منهما في:
المعارضِ الأوَّل: إنَّ أحاديث هذا الباب «آحادٌ متعلقٌّ بأمرٍ اعتقاديٍّ؛ لأنَّه مِن أمور الغَيب، والأمور الاعتقاديَّة لا يُؤخذ فيها إلَّا بالقطعيِّ، لأنَّ المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث متواترٌ» (١).
وهذا ما تبعه فيه أحمد المَراغي (ت ١٣٧١ هـ) (٢) حين زَعم «أنَّ هذه الأحاديث لم تبلغ درجةَ الأحاديث المتواترة الَّتي تُوجِب على المسلم عقيدةً، والعقيدة لا تجب إلَّا بنصٍّ من القرآن أو بحديث متواتر .. وعلى ذلك فلا يجِب على المسلمِ أن يعتقد أنَّ عيسى ﵇ حَيٌّ بجسمِه وروحِه» (٣).
وكان ممَّن صرَّح بإنكارِ رفعِ المَسيحِ ونزولِه محمَّد شلتوت (ت ١٣٨٣ هـ)، فقد غَالَطَ هذا الحقائق وأنكر البَدَهِيَّات من عقدِ أهل السُّنة؛ من ذلك ما تراه في:
المعارضِ الثَّاني: حيث زَعَمَ أنْ ليس في القرآن «مُستَندٌ يَصْلح لتكوينِ عقيدةٍ يطمئنُّ إليها القلب بأنَّ عيسى رُفِع بجسمِه إلى السَّماء، وأنَّه حَيٌّ إلى الآن فيها، وأنَّه سينزل منها آخر الزَّمانِ إلى الأرض» (٤).
стр. 1020
فإذا كان المُستنَد الَّذي يُثبِت هذه العقيدة منتفيًا في نظره؛ فإنَّ فُشُوَّها في المحيط الإسلاميِّ هو من آثار أحدِ العوامل الأجنبيَّة الَّتي ابتغت ترسيخ مثل هذه المعتقدات بينهم -يَعنون عاملَ الإسرائيليَّات (١) - حيث تأثَّروا بها نتيجةً للانحطاط الدِّيني والحضاريِّ، فتعلَّقت آمالهم -كحالِ أهل الكتابِ قديمًا- بمُخلِّصٍ يَردُّ مَعايشهم إلى حالتها المُثلى.
وفي تقرير دعوى هذا التَّأثير الخارجي في المُعتقد، يقول (حسن التُّرابي): «في بعض التَّقاليد الدِّينيَّة تَصَوُّرٌ عَقديٌّ، بأنَّ خطَّ التَّاريخ الدِّيني بعد عهد التَّأسيس الأوَّل ينحدر بأمرِ الدِّين انحطاطًا مُطَّرِدًا، لا يرسم نَمطًا روحيًّا، وفي ظلِّ هذا الاعتقاد؛ تتَركَّز آمال الإصلاحِ أو التَّجديدِ نحو حَدَثٍ أَو عَهد واحدٍ بعينه مَرجُوٍّ في المستقبل، يَردُّ أَمر الدِّين إلى حالته المُثْلى مِن جديد.
وهذه عقيدةٌ نشأتْ عند اليهود، واعْتَرت النَّصارى، وقوامها: انتظارُ المسيح يأتي أو يعود، عندما يبلغ الانحطاطُ ذِرْوتَه بعهد الدَّجال؛ قبل أن ينقلب الحال صاعدًا بذلك الظُّهور ... وقد انتقلت هذه العقيدة بأثرِ مَن دَفَع الإسرائيليَّات إلى المسلمين، وما يَزال جمهورٌ مِن عامَّة المسلمين يُعوِّلون عليها في تجديد دينهم» (٢).
وبنفس هذا المنطق العِوَج من التَّفكير، وسم (مصطفى بوهندي) الأخبار في نزولِ المَسيح ﵇ بكونِها «مُشبَّعةً بالمفاهيم الكِتابيَّة الَّتي أَشرنا إليها عن المسيح المُنتظر، وهو ما يَكشِف عن مَصدريَّتها اليهوديَة والمسيحيَّة المخالفةِ لمِا في الإسلام» (٣).
المعارض الثَّالث: أنَّ أَصحاب تلك المَرويَّات يَزعمون أَنَّ عيسى ﵇ إنَّما ينزل في آخر الزَّمان مُتَّبعًا للشَّريعةِ المحمديَّة، ومَن كان مُتَّبعًا لغيره؛ كيف يحمِل النَّاسَ على الإيمان به -حسبما جاء في تلك الرِّوايات-؟! وكيف تكون عاقبةُ مَن لم يؤمن به القتلُ؟!
стр. 1021
المَطلب الثالث
دفعُ المُعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ
لأحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم ﵇
أمَّا دعوى المُعترضِ على أحاديثِ نزول المسيح أنَّها آحاد لا يُؤخَذ بها في الاعتقاد:
فإنَّ على فرضِ كونِ تلك الأحاديث آحاد، فإنَّ خبرَ الآحاد متى صَحَّ عن النَّبي ﷺ وتَلقَّته الأمَّة بالقَبول، فحُجَّةٌ هو في العقائد والأَحكام، وجب المصير إليه، وعلى هذا انعقد إجماع أهل السُّنة.
على أنَّ القائل بهذه الدَّعوى قد أبانَ عن جهلِه بالحديث، وأقرَّ على نفسِه بأنْ لا صلة له بهذا العلمِ؛ إذ مُسَلِّم به عند كلِّ حَديثيٍّ أنَّ الأخبارَ في نزول عيسى ﵇ قد بلَغَت في ذلك مَبلغ التَّواتر، وهي وإن كانت أفرادُها لا تدخل في حَدِّ التَّواتر اللَّفظيِّ، إلَّا أنَّها بيَقينٍ قد استفاضت وتَواترت تواترًا مَعنويًّا بمجموعِها، وبهذا صَدَعَ أَهل العلم في بيانه (١)؛ فمِن أولئكم:
ابن جرير الطَّبري؛ حيث صَرَّحَ بتواترِ أحاديث نزول عيسى ﵇ (٢).
стр. 1022
ثمَّ محمَّد بن الحسين الآبُرِيّ (١)؛ فقد قال في كتابه «مَناقب الشَّافعي»: «قد تواترت الأَخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ .. أنَّه يخرج عيسى ابن مريم، فيساعده -يعني محمد المهديَّ- على قتل الدَّجال بباب لُدّ بأرض فلسطين، وأنه يؤمُّ هذه الأمَّة، وعيسى ﵇ يُصلِّي خَلْفَه» (٢).
وكذا أبو الوليد ابن رشد القرطبيُّ (ت ٥٩٥ هـ)، حيث قال عنه: «لا بُدَّ من نزوله لتواتر الأَحاديث» (٣).
ثمَّ أبو الفداء ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)؛ حيث ساقَ الأَحاديث المُثْبِتَةَ لنزوله ﵇، وقال: «فهذه أحاديثُ متواترةٌ عن رسول الله ﷺ » (٤).
وعلى ثبوتِ أحاديث النُّزول وبلوغِها مقامَ القطع في دلالتِها، جَرَت أَقاويل الأئمَّةِ على نَظمِ مَضمونِ تلك الأحاديث في أحرُفِ الاعتقادِ:
تجده -مثلً- عند أحمد بن حنبل في قوله: «والدَّجالُ خارجٌ في هذه الأمَّة لا محالة، وينزل عيسى ابن مريم ﵇، ويقتله ببابِ لُدٍّ» (٥).
وقول أبي القاسم الأَصبهاني -الملقَّب بقوَّام السُّنة-: «وأَهل السُّنة يؤمنون بنزول عيسى ﵇» (٦).
وقولِ القاضي عياض: «نزول عيسى المسيح وقتله الدَّجَّالَ حقٌّ صحيح عند أهل السُّنة؛ لصحيح الآثار الواردة في ذلك؛ ولأنَّه لم يَرِدْ ما يُبطِلُه ويضعِّفُه» (٧).
стр. 1023
ونظمُهم لهذه المقولة في أحرُفِ الاعتقاد، وتضافرُهم على ذلك، هو مُحصَّل الأدِّلة الشَّرعية ممَّا سبق ذكر بعضِه مِن دلائل السُّنة، وما سيأتي ذكره مِن دلائل الكِتاب، وما تَركَّب منهما مِن الإجماع الثَّابتِ على نزوله ﵇، وقد نَصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ من الأئمَّة.
فمِمَّن قَرَّر هذا الإجماع:
أبو محمَّد ابن عطيَّة (ت ٥٤٢ هـ) في قوله: «أجْمَعَت الأمَّة على ما تضمَّنه الحديث المتواتر؛ مِن أَنَّ عيسى ﵇ في السَّماء حَيٌّ، وأنَّه ينزل في آخر الزَّمان، فيقتل الخنزير، ويكسر الصَّليبَ، ويقتل الدَّجال، ويُظْهِر هذه الملَّة ملَّة محمَّد ﷺ ، ويحجُّ البيتَ ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعًا وعشرين سنة، وقيل: أربعين سنة، ثمَّ يُميته الله تعالى» (١).
وأقرَّه على الإجماع أبو إسحاق الثَّعلبي (٢)، وابن تيميَّة (٣)، والسَّفاريني (٤)، وغيرهم كثيرٌ مِمَّن نقلَ الإجماع على نزولِ المسيحِ آخرَ الزَّمان (٥).
وبذا يَتَبيَّن خطأ (محمَّد عبده) -ومَن جَرى في مَهْيَعِه- في ردِّ هذه الأحاديث بكونها آحاد، على كِلَا الاعتبارين في مسألةِ قبول الآحاد في العقائد.
стр. 1024
وأمَّا ما اعترض به المُخالف في شُبهته الثَّانية: مِن زعمِه أنَّ القرآن يخلو مِن ذكر هذه العقيدة في رجوعِ عيسى ﵇؛ فجواب ذلك:
أنَّ عدم علمِ المخالف بدلائلِ ذلك في القرآن، لا يدلُّ على انتفاءها حقيقةً، فالحقُّ أنَّ في كتاب ربِّنا تعالى مِن الشَّواهد على نزولِ المسيح ﵇ ما يُذهِب عنه غُمَّة الجهل بذلك (١)، وهي كالتَّالي:
قول الله تعالى في سورة النِّساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَاّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ [النساء: ١٧٥ - ١٧٩].
فقوله تعالى الآخَرُ الَّذي في سورة آل عمران: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، مع قوله ذاك في آية النِّساء السَّابقة: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾: نَصٌّ على إثباتِ رفعِه ﵇ رفعًا حِسِّيًا.
فإن قيل: لِمَ لا يُحمَل الرَّفعُ هنا على رفعِ المكانةِ والحَظوة، والقرآن قد أتى بمثلِه؟ كما في قول جلَّ وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]؛ وعلى هذا فدعوى النَّصِيَّة والقطْع على أنَّ المُراد بالرَّفعِ هنا الرَّفع الحسِّيُّ فيها نظر!
فجواب ذلك: أنَّ احتمالَ تأرجُحِ (الرَّفع) في كتابِ الله بين رفع المكانة والمنزلة وبين الرَّفع الحسِّي لا يُنكَر بالنَّظر إلى ذاتِ الوَضعِ؛ فحينئذٍ تُلتَمَس القرائن الَّتي تُبِينُ عن المُراد (بالرَّفع) في الآية.
يقول ابن تيميَّة: «لفظُ التَّوفِّي لا يَقتضي تَوفِّي الرُّوح دون البَدن، ولا توفِّيهما جميعًا؛ إلَاّ بقَرنية مُنفصلةٍ» (٢).
стр. 1025
وبالنَّظر إلى مجموعِ هذه القَرائن، نجِد أنَّها تحسِم الاحتمالَ، وتقود إلى القطعِ بالمُراد مِن (الرَّفع)، بأنَّه الرَّفع الحسِّي لا غير.
وجُملة هذه القرائن تنقسم إلى قسمين: القسم الأوَّل: قرائن خارجيَّة؛ والقسم الثَّاني: قرائن داخليَّة (دلالة السِّياق).
فأمَّا القسم الأوَّل: وهي القرائن الخارجيَّة، فتدور حول جملةٍ مِن الدَّلالات:
الدَّلالة الأولى: ما تواتر عن النَّبي ﷺ تواترًا مَعنويًّا مِن أَنَّ عيسى ﵇ ينزل في آخر الزَّمان، ولا معنى للنُّزولِ إلَّا كونه كان مُستقرًّا في الَّسماء.
الدَّلالة الثَّانية: دلالة الآثار الواردةِ عن أصحابِ رسول الله ﷺ ، ومِن ذلك: ما صَحَّ عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁ قال: «لمَّا أَراد اللهُ أن يرفع عيسى ﵇ إلى السَّماء .. »، وفيه: «ورُفِعَ عِيسى مِن رَوْزنَةٍ (١) كانت في البيتِ إلى السَّماءِ .. » (٢).
ومِثل هذا الأثر الثَّابت عن ابن عباس ﵁ لا يكون مِن قَبيل الرَّأي المُجرَّد، وما كان كذلك فهو في حكم المَرفوع.
الدَّلالة الثَّالثة: دَلالةُ الإجماع المُتَيَقَّن الَّذي سبق بيانه.
فهذه قرائن مِن خارج النَّص، فلو لم يكن في المسألة لبيان معنى الرَّفع في الآية إلَّا واحدة من تلك الدَّلالات: لكَفَت في نَفي الاحتمال، فكيف إذا تضافرت؟ بل كيف إذا اعتضدت بالقرينة الأخرى؟! وهي:
стр. 1026
القسم الثَّاني: دَلالة السِّياق.
فالسِّياق بمفردِه قد ينقُل الدَّلالة مِن الاحتمال الَّذي يكتنفها إلى النَّصيَّة، فهو «مُرشد إِلى تبين المجمَلات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات» (١)، وإنَّ مِن خُلْفِ القول، وفسادِ الرَّأي: إغفالُ هذه الدَّلالة؛ لتمهيد الطَّريق بعدُ للادِّعاء بأنَّ الآية ليست نَصًّا في إثبات رفع عيسى ﵇ -كما سبقَ زعمُه مِن شلتوت- (٢)، وهذا القول مَبْنيٌّ على النَّظر في وَضْع الصِّيغ المُجرَّدة مَقطوعةً عن سياقاتها، وهذا ليس مِن نهج المتحقِّقين بالأصول.
يقول أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ):
«اِعتقدَ كثيرٌ من الخائضين في الأُصول عزَّة النُّصوص، حتَّى قالوا: إنَّ النَّصَّ في الكتاب قَولُ الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وقولُه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وما يظهر ظهورهما! ولا يكاد هؤلاء يسمَحون بالاعترافِ بنَصٍّ في كتاب الله تعالى وهو مرتبط بحكم شرعيٍّ، وقضوا بِنُدُورِ النُّصوص في السُّنة، حتَّى عَدُّوا أَمثلةً معدودةً ومحدودةً ... وهذا قولُ مَن لم يُحِط بالغَرض من ذلك.
والمقصود من النُّصوص: الاستفادةُ بإِفادة المَعاني على قَطْعٍ، مع انحسَامِ جهاتِ التَّأويلاتِ، وانقطاعِ مَسلكِ الاحتمالات؛ وإنْ كان بعيدًا حُصُولُه بوضع الصِّيغ رَدًّا إلى اللُّغة، فما أكثرَ هذا الغَرَض مع القرائن الحاليَّة والمَقاليَّة! وإذا نحن خُضنا في باب التَّأويلات، وإبانة بطلانِ معظمِ مَسالك المؤوِّلين .. : استبانَ للطَّالب الفَطِنِ، أنَّ جُلَّ ما يحسبه النَّاسُ ظواهرَ مُعرَّضةً للتَّأويلات: هو نصوصٌ» (٣).
فسِياق الآيتين دَالٌّ على ثبوت رفعِ عيسى ﵇ رَفْعًا حِسيًّا؛ لا محيصَ عن ذلك لِمن أَنصفَ، وذلك مِن وجوه:
стр. 1027
أمَّا الوجه الأوَّل: فإنَّ سِياقَ الآيات هو في بيان بُطلانِ ما افتراه اليهود مِنْ قَتْلِهِ ﵇؛ بأنَّ القتلَ إنَّما وَقع على شَبيهِه، فلِذا عَقَّب الرَّبُّ تعالى على قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ بقولِه تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
وهذا نَصٌّ في الرَّفْعِ الحِسِّيّ لا مَحالة؛ لأنَّ الإيقاف بـ (بل) هنا الَّتي تفيد الإضرابَ والإبطال، هو لنِفْيِ ما ظنَّ اليهود مِن تسلُّطهم على نبيِّ الله بالقتل، فيكون ما بعد (بل) مُنافيًا لما قبلها، بتكريرِ عدمِ تمكينِ الله لهم مِن التَّسلُّط على نبيِّه؛ وذلك برفعِه رفعًا حِسِّيًا، ولو كان المرادُ رَفعَ المكانةِ، لاختلَّ بذلك النَّظْمُ القرآنيُّ؛ لأمرين:
الأوَّل: أنَّ رفْعَ المكانةِ ليس مُختصًّا بعيسى ﵇ في هذا المَوقف! فلا وجهَ لتخصيصِه به هنا؛ إلَّا لتضمُّنِه معنىً زائدًا ناسبَ ذلك إضافته إليه.
الثاني: أنَّ القتلَ لا يُنافي رَفعَ المكانةَ، إذ رِفعة المكانة حاصلةٌ حتَّى مع تقديرِ قتلهِ ﵇، فلا معنى حينئذٍ لدخول (بل) بينهما، لانتفاء التضادِّ بينهما.
وأمَّا الوجه الثَّاني: فهو أَنَّ وصْلَ ﴿رَّفَعَهُ اللَّهُ﴾ بـ ﴿إِلَيَّ﴾: يَقضي على احتمالِ كونِ المقصُودِ بـ (الرَّفعِ) هنا رفعَ المكانة، وعِلَّةُ ذلك: أنَّ رَفع المكانة لا مُنْتَهى له؛ بخلاف الرَّفع الحسِّي! وهذا ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، حيث أُضيفَت (إلى) إلى ضمير المُتكلِّم (الياء).
فإن قيل: المقصود إذن بالرَّفع هنا رفع (روحِه) لا غير!
قيل: أنَّ هذا التَّأويل ليس على السَّنَن المَحمود أيضًا، وبيان ذلك:
أنَّ تعيينَ الرَّفع هنا بأنَّه بالرُّوح لا يُزيل شبهةَ قتْلِ عيسى ﵇ الَّذي سِيقت لأجلِه الآيات؛ لبقاءِ الشُّبهةِ بأنَّ ارتفاعَ الرُّوح إنَّما وقع بعد القتل! فلا معنى للإتيانِ بـ (بل) النَّافية لما قبلها مِنْ ظَنِّ تسلُّطِهم عليه، هذا مِن جهة.
ومِن جهةٍ أخرى: أنَّ تعيينَ الرَّفعِ (بالرُّوح) زيادةٌ لم يَنطِق بها النَّص، وتَقْديرٌ لم يَدُلَّ عليه المَقَامُ، فالأَصْلُ في كلام المُتَكلِّم أَنَّ ألفاظَه تامَّةٌ، والقول بأنَّ الكلام يفتقر إلى تقدير شيءٍ دعوى لا يُصار إليها إلَّا ببرهان واضح.
стр. 1028
فلَمْ يَبق إلَّا أن يكون الرَّفعُ لشخصِه ﵇ روحًا وبَدَنًا؛ لا معنى إلَاّ ذلك (١).
وأمَّا مَعنى قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: فقابضٌ روحَك وبدَنَك، وهذا اختيار أئمَّة التَّفسير؛ كالحسن البصري، وزيد بن مسلم، وابن جريج، وابن جرير الطبري (٢)، وأبي عبد الله القرطبي (٣)، وابن تيميَّة (٤)، والشوكاني (٥)، وغيرهم -رحمهم الله تعالى-.
وفي تقرير هذا المعنى، يقول ابن جرير: «وأَوْلى هذه الأَقوال بالصِّحة عندنا: قولُ مَن قال: معنى ذلك: إنِّي قابضُك مِن الأرض، ورافِعُك إليَّ، لتواتُرِ الأَخبار عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «يَنْزِلُ عيسى ابنُ مريم فيقتل الدَّجَّالَ، ثم يَمْكُث في الأرض مُدّةً -ذَكَرَها، واختلفت الرِّواية في مَبْلَغِها- ثمَّ يموتُ فيصلِّي عليه المسلمون، ويدفنونه» .. » (٦).
وقال ابن عبد البرِّ: «الصَّحيح عندي في ذلك قولُ مَن قال: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضُك مِن الأرض، لِما صَحَّ عن النَّبي ﷺ مِن نزولِه» (٧).
وقال القرطبيُّ: «والصَّحيح أنَّ الله تعالى رَفَعَهُ إلى السَّماء مِن غير وفاةٍ ولا نوم، .. وهو الصَّحيح عند ابن عبَّاس (٨)، وقاله الضَّحاك .. » (٩).
واختيارُ هؤلاء الأئمَّةِ لهذا المعنى -أعني: القبضَ- مع دَورانِه في كتاب الله على مَعنيين آخرين؛ هما: (قَبضُ الرُّوح)، و (قَبضُ حِسِّ الإنسان
стр. 1029
بالنوم) (١): لم يكُن منهم اعتِباطًا؛ بل لاعتباراتٍ سَبَقَ بيانها، ومِن أَبرزِها: ما قرَّرناه مِن دلالةِ السِّياق.
ولو كان المُراد بقوله ﵎: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ مجرَّد الموت، لَمَا كان في إضافةِ (التَّوفِّي) إليه مَعْنى يختصُّ به عن غيرِه مِن الرُّسل! فضلًا عن بقيَّةِ الخلق، فالمؤمنون يَعلمون أنَّ الله يقبض أرواحهَم، ويعرج بها إلى السَّماء، ولو كان قد فارقتْ روحُه جسدَه: لكان بدنُه في الأرض كبَدَنِ سائر النَّاس، فَعُلِمَ أنْ ليس في ذلك خاصيَّة (٢).
فاستبانَ بهذا أنَّ إضافةَ التَّوفي إلى عيسى ﵇، وعطفَ الرَّفع الموصول بـ (إلى) على قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: ليس له معنىً إلَّا قبضَ الرُّوح والبَدن جميعًا، لوجودِ القرائنِ الدَّالةِ على ذلك (٣).
стр. 1030
ثمَّ من الأدلَّة القرآنية أيضًا على مَسألتِنا:
قول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ [النساء: ١٥٩].
فهنا الضَّمير في كِلا الموضعين منها يعود على عيسى ﵇، ودلالة السِّياق يدُلُّ على هذا الاختيار، لأمرين:
الأوَّل: أنَّ سِياق الآيات قبلها جاء في تقرير بطلان دعوى اليهود في زعمهم قتلَ عيسى ﵇، وبيان ضَلَال النَّصارى في تسليمهم لليهود فيما ادَّعَوه: بأنَّ الله نَجَّى نبيَّه، وطَهَّره مِن كيدِ أعدائِه، برفعِه حيًّا إلى السَّماء، وحصول القتلِ على شَبيهِه لا هو، وأنَّه سينزِلُ في آخرِ الزَّمان، فيكسر الصَّليب، ويضع الجزية، ولا يقبل إلَّا الإسلام، وحينئذٍ يُؤمِن به جميع أهل الكتاب، ولا يَتخلَّف عن التَّصديق به أحد منهم.
الثَّاني: أنَّ عَوْد الضَّميرين في ﴿بِهِ﴾ و ﴿مَوْتِهِ﴾ إلى عيسى ﵇ هو الأَليق بالسِّياق والنَّظم؛ لأنَّ «عَوْد أحدهِما على غيرِ ما يعود عليه الآخَر فيه تَشتيتٌ للضَّمائر، وهذا مِمَّا يُنَزَّه عنه الكتاب الكريم» (١).
يقول أَبو حيَّان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ): «الَّظاهر أنَّ الضَّميرين في ﴿بِهِ﴾ و ﴿مَوْتِهِ﴾ عائدانِ على عيسى، وهو سِياق الكَلام؛ والمَعْنِيُّ ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: الَّذين يكونون في زمانِ نزولِه» (٢).
стр. 1031
وهذا ظاهرُ اختيارِ أبي هريرة ﵁؛ حيث ربَطَ بين روايتِه لنزولِه ﵇ وهذه الآية؛ وكذا اختيارُ ابن عبَّاس ﵁ (١)، وابن جرير (٢)، وابن كثير (٣).
وثالث الأدلَّة القرآنيَّة على نزولِ عيسى ﵇ آخر الزَّمانِ:
قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١]؛ فالضَّمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائدٌ على عيسى ﵇، فيكون مَقصودُ الآية: إنَّ نزول عيسى ﵇ إشْعَارٌ بقُربِ السَّاعة، وأَنَّ مجيئَه في آخرِ الزَّمان شَرْطٌ مِن أشراطِها.
وممَّا يؤيِّد عَوْد الضَّمير إلى عيسى ﵇ في هذه الآية أُمورٌ:
الأمر الأوَّل: أنَّ سياق الآيات قبل هذه الآية في شأنِ عيسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٦١].
الأمر الثَّاني: أنَّ قراءة ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ بفتحِ اللَّام والعَين: تُوَطِّد هذا الاختيار، وهي قراءةُ ابن عبَّاس، وأبي هريرة، وقتادة، ومجاهد، والأعمش (٤).
الأمر الثَّالث: أنَّ هذا الاختيار يَشهد له ظاهر القرآن، وبه تتَّسق الضَّمائر، وتنسجم بعضها مع بَعْضٍ؛ ليس في هذا الموطن فقط، بل في جميع المواطن التي ذُكِر فيها عيسى ﵇.
الأمر الرَّابع: أنَّ هذا الاختيار تشهدُ له الأحاديث المتقدِّم ذكرها.
الأمر الخامس: أنَّ هذا القول احتفَل به جِلَّة مِن أئمَّة التَّفسير من السَّلفِ والخَلَفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ، وأَبي هريرة، ومجاهد، وعكرمة، وأبي العالية، والحسن
стр. 1032
البصري، والضَّحاك (١)، والبيضاوي (٢)، وابن كثير (٣)، والأَمين الشَّنقيطي (٤)، ومجمع البحوث بجامعة الأزهر (٥).
ومِن الدَّلائل القرآنية الدَّالة على نزولِه ﵇، وهو رابِعُها:
قول الله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦]، وقوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ [المائدة: ١١٠].
ووجه الدَّلالة مِن الآيتين: أنَّ تخصيصَ وقوعِ التَّكليم من عيسى ﵇ بِحالَيْ المَهْدِ والكهولة؛ مع كونِه مُتكلِّمًا فيما بين ذلك: دَلالةٌ ظاهرةٌ على أن لِتيْنِكَ الحالَين مَزيد اختصاصٍ ومَزيَّةٍ، فَارقَا بهما جميعَ كلامِه الحاصل بين تَيْنِكَ الحالين.
توضيح ذلك: أَنَّ الكلام في المَهْدِ خارقٌ للعادة، خارجٌ عن السُّنَن، وهذا بَيِّنٌ؛ فكذلك ينبغي لقوله تعالى: ﴿وَكَهْلاً﴾، فهو عَطف على مُتعلَّق الظَّرف قبله، آخِذٌ حكمَه؛ أي: يُكلِّم النَّاس في حال المَهد، ويُكلِّمهم في حال الكهولة، فـ «إذا كان كلامه في حالة الطُّفولة عقبَ الولادة مباشرةً آية؛ فلا بُدَّ أنَّ المعطوف عليه -وهو كلامه في حال الكهولة- كذلك؛ وإلَّا لم يُحْتَجْ إلى التَّنصيصِ عليه؛ لأنَّ الكلام مِن الكَهل أَمرٌ مَألوف مُعتاد، فلا يحسُن الإخبار به؛ لا سيما في مَقام البِشارة» (٦).
стр. 1033
وهذا ما نصَّ عليه الحُسين بن الفضل البَجلي (ت ٢٨٢ هـ) (١) بقوله: «في هذه الآية نَصٌّ في أنَّه ﵇ سينزِلُ إلى الأرض» (٢).
وأَمَّا مَن رَدَّ هذه الأَحاديث بزعمِ أنَّها نَتَاج «عُقْدة الانتظار» الَّتي نَبَعَت في أوَّل أمرِها عند اليهود، ثمَّ انتقلت إلى النَّصارى، ثمَّ تَسَرَّبت إلى المسلمين كما ادَّعاه (التُّرابي) ومَن تشرَّب فكرَه:
فخَطلٌ أن تُتَّهم أمَّة الإسلام بهذه البلادة وقد عصَمَها الله أن تجتمع على ضلالٍ؛ وقد تَحقَّق أهل الصَّنعة مِن صِحَّة تلك الأخبار إلى رسول الله ﷺ ؛ فضلًا عن غفلة صاحب هذه الشُّبهة عن أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ والتَّابعين وتابعيهم كانوا يَبُثُّونها في الأمَّة؛ مع كونِ عصرهم عصرَ انتصاراتٍ وعِزٍّ وتمكين! فأيُّ انحطاطٍ كان يعيشه هؤلاء السَّادات القادة حتَّى يختلِقوا أكذوبةَ الانتظار؟!
وأمَّا وقوع الاتِّفاق بين أهل الإسلام وبين أَهل الكتاب في قضيَّةٍ عقديَّةٍ كهذه، فهذا أمرٌ لا يُستغرَب في الشَّريعة؛ ويقع مثله لبقاء بعض آثار النُّبوَّة في الدِّيانات السَّالفة، فيأتي خاتم الرُّسل ﷺ بإقراره؛ وأيُّ مَوروث كِتابيٍّ مُرْتهَنٌ صحَّتُه بتصحيحِ دين الإسلامِ، المهيمنِ على الدِّين كلِّه (٣).
وأمَّا جملة شبهاتِ (بوهندي) في المعارضة الثَّالثة: من دعواه أنَّ القول بنزولِ عيسى ﵇ متَّبِعًا لا مُشرِّعًا، يُلْزِم أهل السُّنة الوقوعَ في التَّناقض؛ لأنَّ مَن كان مُتَّبعًا لا يأمر النَّاس أن يؤمنوا به .. إلخ:
فكشف هذه الشُّبهة، يتحصَّل بعلمنا أنَّ مِن أُصول النَّظر في الدَّلائل الشَّرعيَّة النَّظرَ إليها «كالصُّورة الواحدة؛ بحَسَبِ ما ثَبت من كُليَّاتِها وجزئيَّاتها المرتَّبة
стр. 1034
عليها، وعامِّها المُرتَّب على خاصِّها، ومُطْلَقِها المحمول على مُقيِّدها، ومُجْمَلها المفسَّر بمُبيِّنها، إلى ما سوى ذلك مِن مَنَاحيها؛ فإذا حَصَل للنَّاظر مِن جُمْلتها حُكْمٌ من الأحكام: فذلك هو الَّذي نَطقت به حين اسْتُنْطِقَت» (١).
وبمقتضى هذه الأُصول، فَهِمَ السَّلفُ أَحاديثَ نزولِ عيسى ﵇ في ضوءِ فهمِهم للأحاديث الدَّالة على خَتمِ النُّبوة، ولم يكُن قولُهم بأنَّ المسيح ﵇ ينزل تابعًا لشريعة النَّبي ﷺ مِن عِندياتهم! بل هو حاصلُ النَّظرِ في جُمْلة الأَخبار الواردة في ذلك، وأَخبار المصطفى ﷺ لا تَتناقض؛ لأنَّها حقٌّ وصِدق.
ومن ثمَّ؛ نقرِّر هنا عدَّة أمور:
الأمرُ الأوَّل: أنَّ القول بنزولِ عيسى ﵇ مُتَّبِعًا لا مُشرِّعًا ليس مِن محضِ اختراع أَصحابِ الرِّوايات، بل هو مُقتضى ما دَلَّت عليه النُّصوص، برهان ذلك قولُ النَّبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﵁: «كيف أنتم إذا نَزَل ابنُ مريم فيكم، وإمامُكم منكم؟» (٢).
فرَفْضُ عيسى ﵇ التَّقدُّم للإمامةِ، وقَبولُه أن يكون مُقتديًا برجلٍ مِن هذه الأمَّة: فيه اجتثاثٌ لإشكالٍ يُمكن أَن يقَع في النَّفسِ مِن كونه نَزل مُبتدئًا شرعًا لا مُتَّبِعًا.
الأَمر الثاني: أَنَّ معنى كونه ﵇ مُتِّبِعًا، لا ينزع عنه سِمَةَ النُّبوة! فكم مِن نَبيٍّ كان مُتِّبعًا لشرعِ مَن قبله.
فإن قيل: يُشْكِلُ على هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقوله ﷺ : «لا نبيَّ بعدي» (٣)!
فجواب هذا الإشكال: أنَّ المُراد بهذه الآيةِ والحديث امتناعُ حدوثِ وَصفِ النُّبوة في أحدٍ مِن الخلقِ بعد النَّبي محمَّد ﷺ ، ينسخُ بشريعتِه شريعةَ نبيِّنا ﷺ ،
стр. 1035
لقيامِ القَواطِع عن امتناعِ ذلك؛ وعيسى عليه السلاملم يحدُث له هذا الوَصف، لأنَّه لم يَزَل مُتَّصِفًا به منذ أن تحلَّى به، ولم يُسلَب منه برفعِه إلى السَّماء.
يقول الآلوسيُّ: «هو ﵇ حين نزولِه باقٍ على نُبوَّتِه السَّابقة لم يُعزَل عنها .. لكنَّه لا يَتعبَّد بها، لنسخِها في حقِّه وحقِّ غيره، وتكليفُه بأحكامِ هذه الشَّريعة أصلًا وفرعًا، فلا يكون إليه ﵇ وَحيٌ ولا نَصْبُ أحكامٍ، بل يكون خليفةً لرسول الله ﷺ ، وحاكمًا من حكَّام مِلَّتِه» (١).
وعلى هذا؛ فقول (بوهندي) أنَّ «أَصحاب الرِّوايات يَدَّعون أنَّ المسيحَ عندما يجيء في آخر الزَّمان لن يكون نبيًّا» لم يُسَمِّ قائلَه مِن أهل الحديث، وإلَّا فيبقى الشَّكُّ في تَقوُّلِ هذا المدَّعِي واردًا! وما أكثرَ التَّقوُّلَ في طائفتِه!
الأمر الثالث: زَعْمُ (بوهندي) أنَّ الرَّوايات تقول: (مَن لم يؤمن به ﵇ يُقْتَلْ)؛ نقول له: أين في الرِّوايات الصِّحيحة ما يفيد أنَّ عيسى ﵇ يقتل النَّاس حتَّى يؤمنوا به؟!
بل قتالُه للكَفَرة مِن أهل الكتاب وغيرِهم لتصيرَ الدَّعوى واحدة، وهي دعوى الإسلام؛ فعيسى ﵇ إِنَّما يَدعو إلى دينِ الإسلام، لا إلى ذاتِه هو، قد دَلَّ على ذلك حديث أَبي هريرة: « .. فيقاتلُ النَّاسَ على الإسلامِ، فيدقُّ الصَّليب .. » الحديث (٢).
فقوله هنا: «على الإسلام»: صَريحٌ في نقضِ دعوى المُعترض، وأنَّ عيسى ﵇ إنَّما يُقاتل دون نشرِ الإسلامِ مَن تصدَّى له، كما قاتلَ مِن قبلُ أخوه محمَّد ﷺ دونَه.
وأمَّا جواب الاعتراض الرَّابع؛ أعني دَعوى المُخالف أنَّ عيسى ﵇ لو كان ينزل في آخر الزَّمان متِّبِعًا لمحمَّد ﷺ ، فعليه أن لا يُغيِّر في شريعتِه شيئًا .. إلخ؛ فيُقال فيه:
стр. 1036
أمَّا وضْعُ الجِزية ودقُّ الصليب ونحو ذلك في زمن وجود عيسى ﵇ في آخر الزَّمان؛ ليس هو من المسيح ﵇ على معنى الإنشاءِ والنَّسخِ للشَّريعة المحمديَّة ابتداءً لتشريع آخرَ مِن قِبَلِه -كما تَوَهَّمه المعترض- وإنمَّا المقصود: أنَّ مَشروعية أخذِ الجِزية، وتخييرِ أَهلِ الذِّمةِ بين الإيمان وبين أداءِ الجزية أو القتال: مُقيَّدةٌ بزمَنِ ما قبل نزولِ عيسى ﵇، والتَّقييد جاء مِن قِبَل النَّبي ﷺ كما دَّلت عليه هذه الأحاديث؛ لا مِن قِبَل عيسى ﵇ (١).
وفي تقرير هذه الحقيقة يقول النَّووي: «ومعنى وضع عيسى الجزية؛ مع أنَّها مَشروعة في هذه الشَّريعة: أنَّ مَشروعيَّتها مُقيَّدة بنزولِ عيسى ﵇؛ لِما دَلَّ عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخٍ لحكمِ الجِزية، بل نبيُّنا ﷺ ، وهو المُبيِّن للنَّسخِ بقولِه هذا» (٢).
وبهذا تذوب شُبهاتُ الباطلِ عن أحاديث نزولِ المَسيح، كما سيذوب الدَّجال إذا رأى المسيح ﵇! والحمد لله على توفيقِه في أوَّله ومُنتَهاه.
المَطلب الأوَّل
سَوق حديث سُجودِ الشَّمس تحت العَرشِ
عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال النَّبي ﷺ لأبي ذرٍّ حين غربت الشَّمس: «أتدري أين تذهب؟»
قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: «فإنَّها تذهب حتَّى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيُؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يُؤذن لها، يقال لها: اِرجعي من حيث جئتِ، فتطلعُ من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨]» (١).
وفي رواية لمسلم عن أبي ذرِّ ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال يومًا:
«أتدرون أين تذهب هذه الشَّمس؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:
«إنَّ هذه تجري حتَّى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش، فتخرُّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتَّى يُقال لها: اِرتفعي، اِرجعي من حيث جئتِ، فترجع فتصبحُ طالعةً من مطلعها، ثمَّ تجري حتَّى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش، فتخرُّ ساجدةً، ولا تزال كذلك حتَّى يُقال لها: اِرتفعي، اِرجعي من حيث جئت، فترجع فتصبحُ طالعةً من مطلعها، ثمَّ تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا، حتَّى تنتهي إلى
стр. 1039
مُستقرِّها ذاك تحت العرش، فيُقال لها: اِرتفعي، أصبحي طالعةً مِن مغربك، فتصبح طالعةً مِن مغربها»، فقال رسول الله ﷺ : «أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين ﴿لَا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]» (١).
стр. 1040
المَطلب الثَّاني
سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرة
لحديث سجودِ الشَّمسِ تحت العرشِ
حاصل ما أورده الطَّاعنون في الحديث أنَّه مُناقض للضَّرورة الحسيَّة، ولما بلغه العلم الحديث مِن جهات:
الجهة الأولى: أنَّ الشَّمس لها مَسار تسير فيه، فلا تغرب عن مكان إلَّا وتشرق على آخر، فليست تغيب عن الأرض كما جاء في الحديث.
الجهة الثانية: أنَّ الشَّمس لا عقل لها ولا إدراك، وعلى هذا فكيف تسجد سجود العاقل الواعي؟!
الجهة الثَّالثة: أنَّ مِن البَدهيَّات العلميَّة استقرار الشَّمس في مكانها في مركز المجموعة الشَّمسية، لا تذهب للعرش ولا لمكان آخر، وشروقها ومَغيبها هو حاصلٌ بسبب دوران الأرض حول نفسها.
ففي تقرير دعوى الجهتين الأوليَين، يقول (رشيد رضا) في سياق نقدِه للرِّوايات المخالفةِ للواقع:
« .. ومنه ما كان يَتَعذَّر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع، كظاهر حديث أبي ذرِّ عند الشَّيخين وغيرهما: أين تكون الشَّمس بعد غروبها؟ فقد كان المتبادَر منه للمتقدِّمين أنَّ الشَّمس تغيب عن الأرض كلِّها، وينقطع نورها عنها مدَّة اللَّيل؛ إذ تكون تحت العرش تنتظر الإذن لها بالطُّلوع ثانية.
стр. 1041
وقد صار من المعلوم القطعيِّ لمئات الملايين من البشر أنَّ الشَّمس لا تغيب عن الأرض في أثناء اللَّيل، وإنَّما تَغيب عن بعضِ الأقطار وتطلع على غيرها، فنهارنا ليلٌ عند غيرنا، وليلنا نهارٌ عندهم، كما هو المتبادر من قوله تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، وقوله جلَّت قدرته: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف: ٥٤]، فنحن بعد العلم القطعيِّ الثَّابت بالحسِّ في مثل هذه المسألة وما في حكمها، لا مَندوحة لنا عن أحد أمرين:
إمَّا الطَّعن في سند الحديث وإن صَحَّحوه؛ لأنَّ رواية ما يخالف القطعيَّ من علامات الوضع عند المحدِّثين أنفسهم ..
وإمَّا تأويل الحديث: بأنَّه مَرويٌّ بالمعنى، وأنَّ بعض رواته لم يفهم المراد منه، فعَبَّر عمَّا فهمه، كعدم فهم راوي هذا الحديث الَّذي ذكرنا -على سبيل التَّمثيل- المراد من قوله ﷺ : إنَّ الشَّمس تكون ساجدةً تحت العرش ... إلخ، فعبَّر عنه بما يدلُّ على أنَّها تغيب عن الأرض كلِّها.
وقد يكون المراد من معنى سجودها: أنَّه من قبيل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]، كما أن توقُّف طلوعها على إذن الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]، وهو إذن التَّكوين لا التَّكليف .. » (١).
ويقول (سامر إسلامبولي): «مِن الواضح من قراءة النَّص أنَّه تركيبة غير موفَّقة صدرت من جهة جاهلة، وذلك من عدَّة أوجه:
أوَّلًا: مِن المعلوم أنَّ الشَّمس لها نظام ومسار تدور وتسير بموجبه، فهي ما إن تغرب عن مكان إلَّا وتكون بالوقت نفسه تشرق على آخر، ولا تغيب عن الأرض أبدًا، ولا تخرج عن مسارها ..
ثانيًا: إنَّ الشَّمس من المخلوقات الَّتي لا تملك عقلًا، ولا إرادة، وبالتَّالي فهي لا تسجد سجود العاقل الواعي، وهي غير مكلَّفة ومسئولة حتَّى يُقبل منها السُّجود أو يرفض» (٢).
стр. 1042
وفي تقريرِ الجهة الثَّالثة للشُّبهة الأصل الَّتي ارتكزوا عليها، يقول (إسماعيل الكردي): «إنَّه مِن المَعلوم لكلِّ طالبٍ دَرَس الجغرافيا أنَّ الشَّمس مستقرَّة في مكانها في مركز المجموعة الشَّمسية، لا تذهب لعرشٍ ولا لمكان آخر، ولا تأتي منه، وأنَّ شروقها ومَغيبها ليس بسبب حركتها هي، بل سببه دروان الأرض حول نفسها، وأنَّ هذا الشُّروق والمغيب مستمرَّان على مدار الـ (٢٤) ساعة، وفي كلِّ لحظة تكون في حالة شروقٍ بالنِّسبة لمكان في الأرض، وفي الوقت نفسه في حالة غروبٍ بالنِّسبة للمكان المقابل من الأرض، وهذا أصبح في علوم اليوم من البدهيَّات، بل مِن المشاهدات بالمَحسوس!» (١).
стр. 1043
المَطلب الثَّالث
دفعُ دعاوي المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن حديثِ سجودِ الشَّمسِ تحت العرشِ
الإبانة عن فسادِ ما ادَّعاه هؤلاء المعاصرون مِن مناقضة الحديث لضرورة العلمِ الحديث والحسِّ يتأتَّى في مقامين: مجملٍ، ومفصَّل.
فأمَّا المُجمل: فدعوى مناقضة الحديث للضَّرورة الحسيَّة والعلميَّة لا تُسلَّم إلَّا عند التَّحقُّق من تضمُّن الحديث النَّبوي لخبرٍ مُفصَّلٍ عن واقعٍ مَحسوسٍ يناقض المستقِرَّ المشاهد أو المكتشف العلميَّ القطعيَّ ضرورةً، بحيث ينتفي الجانب الغَيبيُّ في هذا الخبر، أمَّا إذا لم ينتفِ هذا الجانب عن الخبر، فالمناقضة مُنتفِية، لكون الحسِّ لم يشهده، والعلم لم يقطع فيه كي تصحَّ دعوى مخالفة الضَّرورة (١).
وأمَّا المقام المفصَّل: فبيانه أنَّ الحديث تَضمَّن إخبارَ النَّبي ﷺ عن ذهاب الشَّمس وسجودها تحت العرش، وهذا خبر عن ثلاثِ حقائق مُغيَّبة، ليس للعقل يقين بإدراك كُنهِها، فضلًا عن نفيِها؛ هذه الحقائق هي: حقيقة العرش، وحقيقة حركة الشَّمس، وحقيقة سجود الشَّمس تحت العرش (٢).
стр. 1044
فالعرش له حقيقة لا يعلمها إلا الله خالقه سبحانه، والعقل لا يملك إلا تعقُّل صفاته المخبَر عنها في الدَّلائل النَّقليَّة، مِن ذلك: أنَّه عظيم الخلقِ والوزن، ذو قوائم (١)، وهو على عظمتِه كالقُبَّة على العالم (٢).
والمقصود: أنَّ هذه الحقيقة مع إبانة الوحي عن بعضِ أوصافها يَستحيل على العقل إدراك كُنهها كما أسلفنا، وكذلك يُقال في ما يَتعلَّق بحقيقة حركة الشَّمس؛ فإنَّ العقل البشريَّ إلى يومنا هذا يَعجز عن الإحاطةِ بهذه الحركة بصورةٍ يقينيَّة، لأنَّ هذا يَتطلَّب الانْبِتاتَ عن هذه المجموعة الشَّمسيَّة، والتَّمركزَ خارجَها للوقوفِ على هذه الحركة، وأنَّى للإنسان ذلك؟! (٣)
وبناءً على جهلنا بهاتين الحقيقتين، يكون محصَّل ذلك: الجهلُ بحقيقة سُجودِ الشَّمس تحت العرش، وانتفاء هذا اليقين عن الإحاطة بتلك الحقائق لا يَنفي وجودها، فإنَّ ما كان ثابتًا في نفسِه لا يَنفيه جهلُ الجاهلين به، وعليه فطعنُ الطَّاعن في الخبر بكونِ الشَّمسِ لا تغرب عن مكان إلَاّ وتشرق على آخر، فلا تغيب عن الأرض .. إلخ: لا يُغيِّر مِن تلك الحقائق شيئًا، لأنَّ صاحبَه أسَّسَه ابتداءً على غلطٍ في إدراك مَرامي النَّص؛ حيث توهَّم أنَّ معنى الغروب المذكور في الحديث هو الغياب المطلق على أهل الأرض جميعًا، ليتِمَّ السُّجود المنصوص عليه في الحديث!
وهذا غلطٌ في الفهم، يكشف عن غلطه أنَّ النَّبي ﷺ نفسه فسَّر هذا الغروب بالذَّهاب، فقال: «أتدري أين تذهب؟ .. »، والمقصود بالذَّهاب هنا: حَرَكتُها، بحيث تَغيب عن رَأْيِ العَيْن، فهو بذا غِياب نِسبيٌّ لا مُطلق.
стр. 1045
وفي تقرير هذا المعنى للحديث يقول ابن تيميَّة: «إذا كان النَّبي ﷺ قد أخبرَ أنَّها تسجد كلَّ ليلة تحت العرش، فقد علم اختلاف حالها باللَّيل والنَّهار، مع كون سَيرها في فلكِها من جنسٍ واحدٍ، وأنَّ كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه، وإنَّما ذلك اختلاف بالنِّسبة والإضافة: عُلم أنَّ تنوُّع النِّسب والإضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه لا مختلف» (١).
ويزيد المعلِّمي توضيحًا لذلك فيقول: «لم يَلزم مِمَّا في الرِّواية الثَّالثة مِن الزِّيادة -يعني روايةَ إبراهيم التَّيمي: «حتَّى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش فتخرَّ ساجدةً) - غَيبوبة الشَّمسِ عن الأرضِ كلِّها، ولا استقرارها عن الحركة كلَّ يومٍ بذاك المَوضع الَّذي كُتِب عليها أن تستقرَّ فيه متى شاء ربُّها سبحانه» (٢).
فغروب الشَّمس المذكور في الحديث إذن هو: سَيرُها وجريانُها الَّذي أخبرَ عنه النَّبي ﷺ ، وإلَّا فليس للشَّمس مَغرب حقيقيٌّ ثابت، كما قال ابن عاشور: «المراد بمغرب الشَّمس: مكانُ مَغربِ الشَّمس مِن حيث يَلوح الغروب مِن جهات المَعمور .. إذْ ليسَ للشَّمسِ مَغرب حَقيقيٌّ إلَّا فيما يلوح للتَّخيل» (٣).
فإن قيل: إذا كان العرشُ كالقُبَّة على هذا العالم؛ فإنَّ لازم ذلك أن تكون الشَّمس في جميع أَحوالها ساجدة، فيبطل بذلك مَدلول «حتَّى» المفيدة للغاية! فجوابه:
أنَّ الشَّمسِ كونها تحت العرش في جميعِ أحوالها لا يلزم منه حصول السُّجود المذكورِ في الحديث في كلِّ وقتٍ؛ وإنمَّا يَتحقَّق السُّجود عند مُسامَتَتِها لجزءٍ مُعيَّنٍ من العرشِ لا نَعلمه.
ثمَّ هذا السُّجود والاستئذان الشَّمسي واقع في جُزءٍ من الوقت لا يعلمه إلَّا الله؛ لا يلزم منه حصول توقُّفٍ في سَيْرِها؛ دَلَّ على ذلك قوله ﷺ : «ثمَّ
стр. 1046
تجري لا يستنكر النَّاس منها شيئًا»، فليس في حصولِ السُّجودِ منها ما يُعيق دورانَها وحركتَها.
يقول الخطَّابي: «لا يُنكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه ولا نشاهده، وإنَّما هو خبر عن غيب، فلا نكذِّب به، ولا نكيِّفه، لأنَّ علمنا لا يحيط به .. فلا يُنكر أن يكون ذلك عند محاذاتها العرشَ في مسيرها .. وليس في سجودِها لربِّها تحت العرش ما يعوقها عن الدَّأبِ في سيرِها» (١).
وعلى هذا؛ فلا تناقض بين ما قُرِّر في الآثارِ مِن أنَّ العرش كالقُّبة على هذا العالم، وبين الثَّابت في هذا الحديث.
وأمَّا الشُّبهة الثَّانية: وهي دعوى المُعترِض انتفاء العقلِ والإدراكِ عن الشَّمس، فكيف تسجدُ سجودَ العاقل .. إلخ.
فالجواب عن ذلك أن يُقال:
ليس هناك ما يَمنع -لا نقلًا ولا عقلًا- أن يكون للشَّمسِ إدراكٌ يناسب حالها، ليتحصَّل به السُّجود والاستئذان، فالسُّجود والاستئذان الواقع من الشَّمس هو سجود حقيقيٌّ كما هو ظاهر الحديث، وليس سجودًا مَجازيًا بمعنى الانقياد كما ذهب إليه البعض (٢)؛ فإنَّ القول بالمَجاز خلافُ الأصلِ الظَّاهر، ولا يَصحُّ المصير إليه مع إمكانِ الحقيقة.
فسجود الشَّمس حَقيقةً واستئذانُها ممَّا يدخُل في مقدورِه تعالى بلا ريْبَ، وإذا اعتبرتَ الدَّلائل القرآنيَّة، تبيَّن لك أنَّ لهذه الجمادات وسائر الحيوانات -سوى العقلاء- إدراكًا يناسبُ حالهَا؛ فإنَّ الله سبحانه حين ذَكر أصناف الحجارة قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]، ولمَّا ذَكَر الطَّيرَ قال: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].
стр. 1047
يقول البَغوي: «مَذهب أهل السُّنة أنَّ لله عِلمًا في الجمادات وسائرِ الحيوانات سِوى العقلاء لا يَقف عليه غيره، فلها صلاةٌ وتسبيحٌ وخشيةٌ؛ كما قال جلَّ ذكره: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] ... فيجِب على المرءِ الإيمان به، ويَكِلُ علمَه إلى الله تعالى» (١).
وما يُقال في مثل التَّسبيحِ والخَشْيةِ يُقال في السُّجود أيضًا؛ في مثل قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨].
فقد نَصَّت هذه الآية على نسبةِ السُّجود إلى هذه المخلوقات، ومنها الشَّمس، ومَن فسَّره بأنَّه سجود مَجازيٌّ يُراد به الافتقارُ الدَّائم للرَّب ﵎، ونفوذُ مشيئته فيها، وقَصَر تفسيرَه على هذا المعنى: فإنَّ هذا التَّفسير منه باطل؛ فإنَّ هذا الوَصفَ لا تَنفكُّ عنه هذه الكائنات، بل هي في جميعِ حالاتِها ملازمةٌ للافتقار، منفعلةٌ لمشيئةِ الرَّبِ وقدرتِه (٢).
والدَّلائلُ السَّابِقَةُ تدلُّ على أَنَّ السجود فِعلٌ لهذه المخلوقات -بما فيها الشَّمس- لا أنَّه اتِّصال؛ وإلَّا لمَا قسَّم السُّجود إلى طَوع وكَره، فلو كانت لا فعلَ لها، لمَا وُصِفت بطوعٍ منها ولا كُرهٍ (٣).
وهذا السُّجود من الشَّمس وغيرها مِن الجماداتِ، لا يَلزم منه أن يكون على هيئة سجود البَشر، بل هو خضوع منها للربِّ يُناسِب حالَها (٤)، وهو فِعْلٌ لها يقع منها في بعضِ الأحوال، مع دوامِ افتقارِها وخضوعها للربِّ ﵎، لنفوذ مشيئته فيها.
وكذا سجود هذه الشَّمس تحت العرش هو سجود مَخصوصٌ يُناسبها، وهذا السُّجود لا يَلزم منه سَلْب الخضوعِ والافتقارِ الدَّائم الَّذي تشترك فيه مع بقيَّة
стр. 1048
الخلق؛ فلكلِّ شيءٍ سجود يَختصُّ به يفارق غيرَه مِن المخلوقات، وسجودٌ يَشترك فيه مع غيره (١).
وأمَّا الشُّبهة الثالثة من دعوى (الكُرديِّ) أنَّ مِن البَدهيَّات المستقرَّة والمشاهدة: أنَّ الشَّمس مستقرَّة في مكانها، لا تذهب لعرش ولا مكانٍ آخر:
فيُطالَب ابتداءً بتصحيحِ مُقدِّمَتيه الَّتي بَنَى عليهما بطلان الحديث؛ وذلك بالكَشْف عن وجهِ البَداهة المستقرَّة في كون الشَّمس ثابتةً لا متحرِّكة؛ كون ذلك ممَّا يشهده الحِسُّ، ودعواه أنَّ الشُّروق والغروب مِن حركة الأرض حول الشَّمس، وليس هو من فعلِ الشَّمس، واستنكر نسبةَ ذلك في الحديث إلى فعلِها في قوله ﷺ : « .. يقال لها: اِرجعي من حيث جئتِ، فتطلع من مغربها».
فأمَّا المقدِّمة الأولى: فحَسْبُ المؤمنِ يَقينًا بالوَحيِ ما ذكره خالقُ الكونِ في كتابه وعلى لسانِ رسوله ﷺ ؛ فإنَّ العَليم ﷻ قد أسندَ في كتابِه إلى الشَّمسِ ما هو أبلغ من الحركة، كالجَرْيِ والسَّبْح؛ فقال ﵎: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ [يس: ٣٨]، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].
وقد أثبتَ العِلمُ الحديث -الَّذي يتبجَّح به المعترض في تعالُمِه ذاك- هذه الحقيقة الشَّرعيَّة، فقد نَسبَ علماء الفَلك المعاصرون للشَّمسِ ثلاثَ حَركات في عدَّة مَسارات:
١ - دورانُها حول نفسِها كما تفعلُ الأرض بنفسِ اتِّجاهِ دَورانها (٢).
٢ - وجريانُها حول مركز مَجرَّة (درب التَّبانة)، كما تفعل باقي النُّجوم الَّتي بداخل هذه المجرَّة (٣).
стр. 1049
٣ - وجريانُ المجرَّة نفسِها في الفضاء الكونيِّ، فتسوق معها الشَّمسَ وأسرتَها من الكواكب الَّتي تدور حولها، والَّتي مِن ضمنِها الأرض (١).
فإذا أذِن الله تعالى بانتكاسِ هذا النِّظام الكونيِّ، أدَّى انعكاسُ جريانِ الشَّمس -وهو الَّذي يشير إليه حديث أبي ذرٍّ ﵁ باللُّزومِ إلى انعكاسِ دَوران الأرضِ حول مِحورِها (٢)؛ هذا الانعكاسُ لحركةِ الأرض سيؤدِّي بدورِه إلى طلوعِ الشَّمس مِن جِهة المغرب فيما يشهده النَّاس!
وعليه؛ فإنَّ نسبةَ الشُّروق مِن المغربِ إلى حركةِ الشَّمس هو باعتبارِ التَّأثير والسَّببيَّة، لا باعتبارِ أنَّها هي نفسُها مَن تدور حولَ الأرضِ حقيقةً كما توهَّمه المعترض مِن هذا الحديث.
ليَستبين بهذا للنَّاظر مُراغمة الطَّاعنين للضَّرورتين: النَّقليَّة، والعلميَّة الفلكيَّة، ويبطُل به تَبعًا ما أورده (رشيد رضا) مِن احتمالِ تصَرُّف الرَّاوي في ألفاظ الحديث، مع كونِه خلافَ الأصلِ في الحفَّاظ المُتقِنين، والحمد لله ربِّ العالمين.
стр. 1050
المَبحث الحادي عشر
نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث الدَّالةِ على أنَّ شِدَّة الحرِّ والبردِ مِن جهنَّم
стр. 1051
المَطلب الأوَّل
سوق الأحاديث الدَّالةِ على أنَّ شِدَّة الحرِّ والبردِ مِن جهنَّم
عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : «اشتكت النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ أكل بعضي بعضًا، فَأَذِن لها بِنَفَسينِ: نَفَس في الشتاء، ونفَس في الصَّيف؛ فهو أَشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشدُّ ما تجدون من الزَّمهرير» متَّفق عليه (١).
وفي روايةٍ لمسلم: «فأَذِن لها في كلِّ عام بِنَفَسَين: نَفَسٍ في الشِّتاء، ونَفَسٍ في الصَّيف» (٢).
وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: أَذَّن مُؤذِّنُ رسول الله ﷺ بالظُّهر، فقال النبي ﷺ : «أَبْرِدْ (٣) أَبْرِدْ»، أو قال: «انْتظِر انْتظِرْ»، وقال: «إنَّ شِدَّة الحَرِّ مِن فيح (٤) جَهَنَّم؛ فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصَّلاة» متَّفق عليه (٥).
стр. 1052
المَطلب الثَّاني
سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ
على الأَحاديثِ الدَّالة على أنَّ شدَّة الحرِّ والبرد مِن جهنَّم
مَدار شبهة الطَّاعنن في دلالةِ هذه الأحاديثِ تدور على ثلاثة أمور:
الأوَّل: دعواهم أنَّ هذه الأحاديث تناكد ما دلَّت عليه الحقيقة العلميَّة الَّتي تقضي أنَّ سبب الحرِّ وشدَّته وكذا البرد: يعود إلى أنَّها مِن الظَّواهر الطبيعيَّة الَّتي تتعلَّق باقترابِ أو ابتعادِ الأرض مِن الشَّمس، فلا علاقة للبرد والحرِّ بسببٍ غيبيٍّ لا يمكن إدراكه ولا تفسيره.
الأمر الثَّاني: أنَّ حديث أبي هريرة يصوِّر الأرضَ بأنَّها لا يجتمع فيها فَصْلان، فهي ذات جوٍّ واحدٍ؛ إمَّا صيف، أو شتاء، وهذا خلاف الضَّرورية الحسيَّة.
الأمر الثَّالث: أنَّ قَبول هذه الأحاديث يلزم منه مخالفة الضَّرورة العقليَّة بامتناع اجتماع النَّقيضين، إذ كيف يصحُّ أن يتصوَّر عن النَّار نَفَسٌ يخالف طبيعتها؟!
وفي تقرير الشُّبهتين الأولَيْين، يقول (إسماعيل الكرديُّ):
«هناك حديث يُروى عن عدَّةٍ من الصَّحابة أنَّه ﷺ قال: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا عن الصَّلاة، فإن شدَّة الحرِّ مِن فيحِ جهنَّم»، وهذا سياق لا إشكال في معناه؛ إذْ يُحمل على أنَّ شدَّة الحرِّ من نَمَط، أو مِن جنس حَرِّ جهنَّم.
стр. 1053
لكن حديث أبي هريرة اَّلذي ذكرناه لا يتحمَّل هذا التَّفسير؛ بل هو صريح في نسبة حَرِّ الصَّيف وبرد الشِّتاء إلى نَفَسَي جهنَّم بالتَّحديد ... فهذا السِّياق مَعْلولٌ بمخالفته الصَّريحة للعلم الَّذي أَثبت -بما أصبح الآن مِن البديهيَّات في علم الجغرافيا- أنَّ سبب الحرِّ واشتدادِه، وسبب البرد وشدته: إنَّما هو عوامل جغرافيَّة وجويَّة؛ مثل: درجة عموديَّة أو ميل الشَّمس على المنطقة، وبُعْد وقُرْب المنطقة من سطح الأرض إلى قُرْصِ الشَّمس.
ثمَّ إنَّه لا يوجد جَوٌّ واحد في الأرض؛ بل في كلِّ وقتٍ توجد على أَجزاء مختلفة مِن الأرض درجاتُ حرارة متفاوتة، مِن أقصى البرودة لأقصى الحرِّ؛ حسب الموقع الجغرافيِّ للمنطقة.
فسياق رواية أبي هريرة للحديث تتعارض مع العلم، وحتَّى مع المحسوس؛ لأنَّ روايته تصوِّر أنَّ الأرض كلَّها ذات جَوٍّ واحد؛ إمَّا صيف .. أو شتاء .. هذا في حين أنَّ الأرض تشتمل على الفصلين معًا في الوقت، فعندما يكون نصف الكرة الشَّمالي في أشدِّ برد الشِّتاء، يكون نصفها الجنوبيُّ في أحرِّ الصَّيف، والعكس بالعكس» (١).
وفي تقرير الشُّبهة الثَّالثة يقول (ابن قرناس): «النَّار مصدر للحرارة، كما الشَّمس الَّتي هي عبارة عن كرَّة عملاقة ملتهبة، ولا يمكن أن يصدر منها برد، ولذلك فإنَّ أهل الجنَّة لن يروا الشَّمس كمصدر للحرارة، ولن يصيبهم برد برغم عدم وجود الشَّمس كمصدر للحرارة .. » (٢).
стр. 1054
المَطلب الثَّالث
دفع دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ
عن الأَحاديث الدَّالة على أنَّ شدَّة الحرِّ والبرد مِن جهنَّم
تمهيد:
تُدار المسائل الَّتي انطوى عليها هذان الحديثان في قضيَّتين:
القضيَّة الأولى: بيان معنى كون شدَّة البرد والحرِّ مِن جهنَّم؛ والقضيَّة الثَّانية: بيان معنى شكوى النَّار إلى ربِّها.
فإذا حُقِّق القول في هاتين القضيَّتين، انجلت تلك المعارضات على الحديث عن زيفِها.
فأمَّا القضيَّة الأولى:
فقد اختلف أهل العِلم في معنى كونِ شدَّة البرد والحَرِّ مِن جهنَّم على قوليْن مِن حيث حمل الحديث على الحقيقة أو المجاز:
القول الأوَّل: أنَّ شدَّة البرد والحرِّ الحاصلين في الأرض مِن جَهنَّم حقيقةً.
القول الثَّاني: أنَّ ذلك مِن مجازِ التَّشبيه؛ أي: كأنَّ الزَّمهرير وشدَّة الحرِّ مِن جَهَنَّم، فاحذروه واجتنبوا ضررَه، وكذا يُقال في شدَّة البرد.
стр. 1055
فأمَّا القول الأوَّل: فذهب إليه جَمْهرةٌ مِن المُحقِّقين (١)، منهم القاضي عياض، حيث قال: «اختُلِف في معنى قوله ﷺ : «اشتكت النَّار إلى ربها .. » الحديث، وقولِهِ: « .. فإنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم»، فحمَله بعضهم على ظاهره، وقال: شكواها حقيقة، [و] (٢) أنَّ شدَّة الحرِّ من وهَج جهنَّم حقيقةً؛ على ما جاء ما في الحديث، وأنَّ الله أَذِن لها بنفَسَين: نَفَسٍ في الَّصيف، ونَفَسٍ في الشِّتاء ... وقيل: إنَّه كلام خَرَج مخرج التَّشبيه والتَّقريب ... وكِلا الوَجهين (٣) ظاهر، والأوَّل أَظهر، وحمْلُه على الحقيقة أوْلى» (٤).
وقال النَّووي بعد نقلِه كلام القاضي عياض موافقًا له: «الصَّواب الأوَّل؛ لأنَّه ظاهر الحديث، ولا مانع مِن حملِه على حقيقتِه، فوَجب الحكم بأنَّه على ظاهره والله أعلم» (٥).
وأمَّا القول الثَّاني: فمِمَّن ذهب إليه: ابن الأثير (٦)، واحتملَه الخَطَّابيُّ وجهًا في معنى الحديث (٧)، وهو مَذهب القَرَضاوي مِن المعاصرين (٨).
والرَّاجح بادئ الرَّأي من القولين، ما ذهب إليه أَصحاب القول الأوَّل مِن حَمْلِ الحديث على الحقيقة، إذ المَصير إلى الأصل الظَّأهر هو الأقوى مِن جهة