← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

المَطلب الأوَّل سوق الأحاديث الدَّالةِ على أنَّ شِدَّة الحرِّ والبردِ مِن جهنَّم عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : «اشتكت النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ أكل بعضي بعضًا، فَأَذِن لها بِنَفَسينِ: نَفَس في الشتاء، ونفَس في الصَّيف؛ فهو أَشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشدُّ ما تجدون من الزَّمهرير» متَّفق عليه (١). وفي روايةٍ لمسلم: «فأَذِن لها في كلِّ عام بِنَفَسَين: نَفَسٍ في الشِّتاء، ونَفَسٍ في الصَّيف» (٢). وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: أَذَّن مُؤذِّنُ رسول الله ﷺ بالظُّهر، فقال النبي ﷺ : «أَبْرِدْ (٣) أَبْرِدْ»، أو قال: «انْتظِر انْتظِرْ»، وقال: «إنَّ شِدَّة الحَرِّ مِن فيح (٤) جَهَنَّم؛ فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصَّلاة» متَّفق عليه (٥).

стр. 1052

المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ على الأَحاديثِ الدَّالة على أنَّ شدَّة الحرِّ والبرد مِن جهنَّم مَدار شبهة الطَّاعنن في دلالةِ هذه الأحاديثِ تدور على ثلاثة أمور: الأوَّل: دعواهم أنَّ هذه الأحاديث تناكد ما دلَّت عليه الحقيقة العلميَّة الَّتي تقضي أنَّ سبب الحرِّ وشدَّته وكذا البرد: يعود إلى أنَّها مِن الظَّواهر الطبيعيَّة الَّتي تتعلَّق باقترابِ أو ابتعادِ الأرض مِن الشَّمس، فلا علاقة للبرد والحرِّ بسببٍ غيبيٍّ لا يمكن إدراكه ولا تفسيره. الأمر الثَّاني: أنَّ حديث أبي هريرة يصوِّر الأرضَ بأنَّها لا يجتمع فيها فَصْلان، فهي ذات جوٍّ واحدٍ؛ إمَّا صيف، أو شتاء، وهذا خلاف الضَّرورية الحسيَّة. الأمر الثَّالث: أنَّ قَبول هذه الأحاديث يلزم منه مخالفة الضَّرورة العقليَّة بامتناع اجتماع النَّقيضين، إذ كيف يصحُّ أن يتصوَّر عن النَّار نَفَسٌ يخالف طبيعتها؟! وفي تقرير الشُّبهتين الأولَيْين، يقول (إسماعيل الكرديُّ): «هناك حديث يُروى عن عدَّةٍ من الصَّحابة أنَّه ﷺ قال: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا عن الصَّلاة، فإن شدَّة الحرِّ مِن فيحِ جهنَّم»، وهذا سياق لا إشكال في معناه؛ إذْ يُحمل على أنَّ شدَّة الحرِّ من نَمَط، أو مِن جنس حَرِّ جهنَّم.

стр. 1053

لكن حديث أبي هريرة اَّلذي ذكرناه لا يتحمَّل هذا التَّفسير؛ بل هو صريح في نسبة حَرِّ الصَّيف وبرد الشِّتاء إلى نَفَسَي جهنَّم بالتَّحديد ... فهذا السِّياق مَعْلولٌ بمخالفته الصَّريحة للعلم الَّذي أَثبت -بما أصبح الآن مِن البديهيَّات في علم الجغرافيا- أنَّ سبب الحرِّ واشتدادِه، وسبب البرد وشدته: إنَّما هو عوامل جغرافيَّة وجويَّة؛ مثل: درجة عموديَّة أو ميل الشَّمس على المنطقة، وبُعْد وقُرْب المنطقة من سطح الأرض إلى قُرْصِ الشَّمس. ثمَّ إنَّه لا يوجد جَوٌّ واحد في الأرض؛ بل في كلِّ وقتٍ توجد على أَجزاء مختلفة مِن الأرض درجاتُ حرارة متفاوتة، مِن أقصى البرودة لأقصى الحرِّ؛ حسب الموقع الجغرافيِّ للمنطقة. فسياق رواية أبي هريرة للحديث تتعارض مع العلم، وحتَّى مع المحسوس؛ لأنَّ روايته تصوِّر أنَّ الأرض كلَّها ذات جَوٍّ واحد؛ إمَّا صيف .. أو شتاء .. هذا في حين أنَّ الأرض تشتمل على الفصلين معًا في الوقت، فعندما يكون نصف الكرة الشَّمالي في أشدِّ برد الشِّتاء، يكون نصفها الجنوبيُّ في أحرِّ الصَّيف، والعكس بالعكس» (١). وفي تقرير الشُّبهة الثَّالثة يقول (ابن قرناس): «النَّار مصدر للحرارة، كما الشَّمس الَّتي هي عبارة عن كرَّة عملاقة ملتهبة، ولا يمكن أن يصدر منها برد، ولذلك فإنَّ أهل الجنَّة لن يروا الشَّمس كمصدر للحرارة، ولن يصيبهم برد برغم عدم وجود الشَّمس كمصدر للحرارة .. » (٢).

стр. 1054

المَطلب الثَّالث دفع دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن الأَحاديث الدَّالة على أنَّ شدَّة الحرِّ والبرد مِن جهنَّم تمهيد: تُدار المسائل الَّتي انطوى عليها هذان الحديثان في قضيَّتين: القضيَّة الأولى: بيان معنى كون شدَّة البرد والحرِّ مِن جهنَّم؛ والقضيَّة الثَّانية: بيان معنى شكوى النَّار إلى ربِّها. فإذا حُقِّق القول في هاتين القضيَّتين، انجلت تلك المعارضات على الحديث عن زيفِها. فأمَّا القضيَّة الأولى: فقد اختلف أهل العِلم في معنى كونِ شدَّة البرد والحَرِّ مِن جهنَّم على قوليْن مِن حيث حمل الحديث على الحقيقة أو المجاز: القول الأوَّل: أنَّ شدَّة البرد والحرِّ الحاصلين في الأرض مِن جَهنَّم حقيقةً. القول الثَّاني: أنَّ ذلك مِن مجازِ التَّشبيه؛ أي: كأنَّ الزَّمهرير وشدَّة الحرِّ مِن جَهَنَّم، فاحذروه واجتنبوا ضررَه، وكذا يُقال في شدَّة البرد.

стр. 1055

فأمَّا القول الأوَّل: فذهب إليه جَمْهرةٌ مِن المُحقِّقين (١)، منهم القاضي عياض، حيث قال: «اختُلِف في معنى قوله ﷺ : «اشتكت النَّار إلى ربها .. » الحديث، وقولِهِ: « .. فإنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم»، فحمَله بعضهم على ظاهره، وقال: شكواها حقيقة، [و] (٢) أنَّ شدَّة الحرِّ من وهَج جهنَّم حقيقةً؛ على ما جاء ما في الحديث، وأنَّ الله أَذِن لها بنفَسَين: نَفَسٍ في الَّصيف، ونَفَسٍ في الشِّتاء ... وقيل: إنَّه كلام خَرَج مخرج التَّشبيه والتَّقريب ... وكِلا الوَجهين (٣) ظاهر، والأوَّل أَظهر، وحمْلُه على الحقيقة أوْلى» (٤). وقال النَّووي بعد نقلِه كلام القاضي عياض موافقًا له: «الصَّواب الأوَّل؛ لأنَّه ظاهر الحديث، ولا مانع مِن حملِه على حقيقتِه، فوَجب الحكم بأنَّه على ظاهره والله أعلم» (٥). وأمَّا القول الثَّاني: فمِمَّن ذهب إليه: ابن الأثير (٦)، واحتملَه الخَطَّابيُّ وجهًا في معنى الحديث (٧)، وهو مَذهب القَرَضاوي مِن المعاصرين (٨). والرَّاجح بادئ الرَّأي من القولين، ما ذهب إليه أَصحاب القول الأوَّل مِن حَمْلِ الحديث على الحقيقة، إذ المَصير إلى الأصل الظَّأهر هو الأقوى مِن جهة

стр. 1056

النَّظر، خصوصًا مع شهادة الرِّوايات بعضها لبعض وتعاضدها في نسبةِ شدَّة الحرِّ والبرد إلى جهنَّم نفسِها؛ وسيأتي بسط القرائن المرجِّحة لهذا القول حين التَّعرُّض للقضية الثَّانية التَّالية. وأمَّا القضيَّة الثَّانية: في بيان معنى إذن الرَّب تعالى لها بنَفَسين. وهذه القضيَّة قد انسحب عليها خلاف أهل العلم -تَبعًا للقضيَّة الأولى- على قولين: القول الأوَّل: حَمل اللَّفظ على حقيقته، وأنَّ النَّفَسَ المضاف إليها هو تنفُّس حقيقيٌّ يناسب خِلْقتها: والقائلون بهذا القول قد تقدَّم الإشارة إليهم، وسيأتي النَّقل عن بعضهم. القول الثَّاني: أَنَّ تنفُّس النَّار -وكذا شكواها (١) - مجاز لا حقيقة؛ فنَفَسُها هو كناية عن الحرِّ والبرد في ابتدائِه، وامتِدادِه، وقوَّتِه، وضَعْفِهِ (٢): وممَّن ذهب إلى هذا القول: البَيضاوي (٣)، وابن الجوزي، بل جعَلَ هذه الكنايةَ «مِن أَحسنِ التَّشبيه» (٤). والَّذي يَظْهر رجحانُه -مِن جهةِ النَّظر- هو القول الأوَّل أيضًا؛ لأنَّ الأصل حمل الكلامِ على الحقيقةِ عندِ انتفاءِ القرائنِ النَّاقلة إلى المجاز؛ خصوصًا أنَّ الحديث خبَرٌ عن أَمر مُغيَّب لا يقع للحسِّ إدراكه ليصحَّ القول إنَّ قرينة المعايَنَة تَصرف الخطابَ مِن الحقيقة إلى المجاز. فلا مانعَ يمنع مِن إجراءِ الحديثِ على ظاهرِه؛ لصلاحيةِ قُدرة الرَّب لذلك، فضلًا عن قصْر النَّفَسِ على نَفَسَين اثنين فقط: كلُّ ذلك حارسٌ مِن توهمِّ جَرَيان

стр. 1057

الخَبر على غيرِ ظاهرِه الحقيقيِّ؛ وذلك ممَّا يُضعِف جانبَ القولِ بالمجازِ؛ لخروجِه عن المألوفِ في استعمالِه (١). يقول الكوراني (ت ٨٩٣) (٢) في معرضِ استنكاره المجازَ في هذا الحديث: «قد تقرَّر في علم الكلام أنَّ قدرتَه تعالى نسبتُها إلى كلِّ الممكنات على السَّواء؛ فأيُّ وجهٍ لصرفٍ الكلامٍ عن الحقيقة والمعنى الجِزْل الدَّال على كمال القدرةِ إلى تلفيقِ التَّأويلات الرَّكيكة؟! وإنَّما يُصرف الكلام عن ظاهره إذا لم يستقم، أو كان في الصَّرف نكتةٌ» (٣). فلِما سَبق ذكرُه مِن قرائنِ، يكون القول بإجراء الحديث على ظاهرِه أَسعد القولين بالصَّواب، وأعضدهما لعمومِ الخِطاب. ولَئِن كان هذا الظَّاهر قد تَعسَّر على المعترض تقبُّله من الحديث، واحتجب عقله عن إدراك دلائله، أفلا كان الأَوْلى له ارتسام مسلكِ التَّأويل له، واتِّباعِ مَن قال بالمَجاز فيه مِن أولي العلمِ، ليتوافقَ الحديث مع ما يظنُّه بدَهيَّات بدل الطَّعنِ فيه؟! وبعد؛ فقد آن الشُّروع في دفع ما سَبق سَوقه مِن دعاوي المعارضاتِ عن هذا الحديث، فنقول في الجواب عن: الشُّبهة الأولى: وهي دعواهم أنَّ هذه الأَحاديث تخالف الحقيقة العلميَّة الَّتي تقضي أنَّ سبب الحرِّ وشدَّته وكذا البرد: متعلَّق باقترابِ أو ابتعادِ الأرض مِن الشَّمس، وبنحوِ ذلك مِن الظَّواهر الطبيعيَّة، فيُقال: إنَّ هذه الأَحاديث خَبَرٌ مِن النَّبي ﷺ المُوحَى إليه مِن مالِك الحقيقةِ وخالِقِ الكونِ ونظامه، ، وما ساقه الطَّاعنون ممَّا تقرَّر في علوم الأحوالِ الجويَّة

стр. 1058

والفَلَك وغيرها: هو خَبَرٌ عمَّن يبحث عن الحقيقة؛ وقد يصيبها، وقد يخطِئها، ومنهَج العقل يَقضي بتقديم خبر مالِك الحقيقة وخالقها على خبرِ مَن يبحث عنها ولا يملكها. فالعقل المَهْديُّ يَعْلمُ يقينًا -بعد تحقُّقه مِن صحَّة ثبوتِ الخبرِ إلى النَّبي ﷺ أنَّه لا يمكن أن يقع ما نطق به الوحي معارضًا للحقيقة الحِسيَّة؛ فإن الحقَّ لا يتناقض، وإن كان في الحقِّ ما قد يُحار فيه! لِضَعْفِ مُدْركاتِنا عن الإحاطةِ بكلِّ حقيقة (١)؛ فهذا ابتداءً مِن جِهة التَّأصيل. ومع ما قد سلَف التَّنبيه عليه في مبحث «إشكالية الاستشكال المعاصر» مِن «التمهيد»: من أنَّ المعارف البشريَّة عن الطَّبيعة بإطلاقها لا تُمثِّل المَرجعيَّة النِّهائية عن الكون وما فيه؛ فالتَّراكميَّة والنِّسبيَّة تكتنفان كثيرًا مِن معارفِ البَشر، الَّتي ترتكز على وسائل تخضع للتَّجدد والتَّطور، حتَّى يُحيلا ما ظُنَّ قَبلُ حقائقَ إلى كونِها لا تعدو أن تكون نظريَّاتٍ، فضلًا عن أن تكون فرضيَّات. وعلى فرضِ التَّسليم بصحَّة التَّعليلِ الفلَكي الَّذي يطرحه أرباب الاختصاص تفسيرًا منهم لظاهِرَتي الحرارة والبرودة المُفرِطَتين على وجه الأرض: فإنَّ غايةَ ما يُقال هنا: إثباتُ أنَّ الشَّمس سببٌ ظاهرٌ لحصولِ مطلقِ الحرارةِ والبرودةِ على سطحِ الأرضِ، ولا يلزم مِن إثبات ذلك نَفْيُ أن تُعلَّل ظاهرة شدَّة البردِ والحرِّ بالسَّبب الغيبيِّ الَّذي أَخبر به الصَّادق المصدوق ﷺ ؛ فإنَّ خبره قد جاء في خصوصِ شدَّةِ الحرِّ والبرد، لا عن مطلق الحرِّ والبرد! ولا تعارض بين السَّبَبَين الخاصِّ والعامِّ. ثمَّ لا مانع أمامَنا مِن القول بأن تكون الشَّمس مِن النَّار وطاقتها مُستمدَّة منها، فتكون حرارة الصَّيف مِن الشَّمس، وحرارة الشَّمس مكتسبة مِن النَّار وآتية لها منها (٢).

стр. 1059

يقول الكشميريُّ (ت ١٣٥٣ هـ): «تفصيل المقام: أنَّ الأسباب إمَّا ظاهرة أو معنويَّة، والأولى معلومة بالحسِّ والمشاهدة لا حاجة إلى التَّنبيه عليها، وإنَّما تدلُّ الشَّريعة على أسباب معنويَّة غير مُدركَة بالحسِّ، وهو الَّذي يليق بشأنها، فدلَّت على أنَّ معدِن الخير والسُّرور كلِّها هو الجنَّة، ومعدن المهالك والشُّرور كلِّها هو جهنَّم، فالخِزانة هي في الجنَّة والنَّار، وهذه الدَّار مُركبَّة مِن أشياء المعدنين، وليست بخزانة في نفسِها، فالحرارة وإن كانت في النَّظر الحسِّي مِن أجل الشَّمس، إلَّا أنَّها في النَّظر الغيبيِّ كلِّها مِن معدنها، فإذا رأيتهما أينما كان فهي من معدِنها» (١). وأمَّا الجواب عن الشُّبهة الثَّانية: من دعواهم أنَّ الحديث يُصوِّر الأرضَ أنَّها ذات جوٍّ واحدٍ إمَّا صيف أو شتاء .. إلخ، فيُقال فيه: ليس ذلك ظاهر الحديث كما تَوهم المُدَّعي، فالحديث دَلَّ على أنَّ لجهنَّم نَفَسَيْن في العام؛ وهذا ثابتٌ في نفسِه، وبالنِّسبة للمُخاطب بالحديث يكون أحد هذين النَّفَسَين في الصَّيف، والآخر في الشِّتاء، وما يحصل مِن الاختلافِ والتَّعاقب بين هذين الفَصْلين بالنِّسبة للكرة الأرضيَّة عند النَّاس لا يقدح في دلالة الحديث؛ لأنَّ تنوُّع النِّسب والإضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه (٢). وللكشميريِّ زيادة مفيدة في جواب هذا الإشكالِ يقول فيها: «إن قُلتَ: إنَّ الصَّيف والشِّتاء إذا دارا على النَّفَسَين، فينبغي ألَّا يكون شتاءٌ عند نَفَس الصَّيف، وبالعكس، مع أنَّهما يجتمعان في زمن واحدٍ باعتبار اختلاف البلاد. قلتُ: ولعلَّ تنفُّسها بحرِّها مِن جانب وإرسالها إلى الآخر، فإذا تنفَّسَ من جانبٍ صار شتاءً، وإلى جانب صار صيفًا؛ ولعلَّ الحرَّ والبرد كيفيَّتان لا تتلاشيان أصلًا، بل إذا غلب الحرُّ دَفَعَ القَرَّ إلى باطن الأرض، وإذا غلَب القَرُّ دَفَع الحرَّ

стр. 1060

إلى باطنِها، لا أنَّ إحدى الكَفَّتَين تنعدم عند ظهور الأخرى، وهذا كما في الفلسفة الجديدة: أنَّ الحركات كلَّها لا تفنى، بل تنتقل إلى الحرارة .. » (١). وأمَّا الجواب عن الشُّبهة الثَّالثة: وهي دعواهم باستحالةِ صدور شدَّة البردِ مِن جهنَّم؛ لكون ذلك مخالفًا لطبيعتِها؛ وإلَّا للزم الوقوع في التَّناقض، فيُقال فيه: إنَّ ذلكَ يَصحُّ لو كانت النَّار الأخرويَّة نَمَطًا وشكلًا واحدًا كنار الدُّنيا، أَما مع اختلافهما فلَا، فنار الآخرة نار تتكلَّم وتغضب، دار أَعدَّها الله تعالى للعقاب، وهي دَرَكات وطبقات، قد حَوَت صنوفًا مِن العذاب الأليم، فلا يبعُد أن تكون شدَّة البرد مُنبعثةً مِن طبقةٍ زَمهريريَّةٍ مِن طبقات جهنَّم (٢)، فلا تناقض حينئذٍ. وفيما سَبَق قريبًا من نصِّ الكشميريِّ نوعُ جوابٍ عن هذا الإشكال لِمن تأمَّله! فإنَّ شدَّة الحرِّ الَّتي يسبِّبها نَفَس جهنَّم في شطرِ الأرض، هو المُتسبِّب في شدَّة بردِها في شطرها الآخر، من جِهة دفعِ هذا لهذا، والله تعالى أعلم. والَّذي ينبغي أن يُعلم على كلِّ حال، أنَّ مثار الغَلَط في هذه الدَّعوى يكمن في القياس الفاسد، الَّذي جعل من الواقع المشاهد معيارًا للحكم على الغائب وأَصلًا يُردُّ إليه، ولو مع تحقُّق الاختلاف بين الأصل والفرع! والله الهادي.

стр. 1061

المَبحث الثَّاني عشر نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث عذاب القبرِ ونَعيمِه

стр. 1062

المَطلب الأوَّل سَوْق أحاديث عذابِ القبرِ ونعيمِه عن البراء بن عازب ﵁ عن أبي أيوب ﵃ قال: خَرجَ النبيُّ ﷺ وقد وَجَبَتِ الشَّمسُ (١)، فَسَمِع صوتًا، فقال: «يَهُودُ تُعذَّبُ في قُبورها» متَّفق عليه (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ أنَّه حدَّثَهم أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّ العبدَ إذَا وُضِعَ في قَبرِهِ، وتَولَّى عنه أصحابه، وإنَّه لَيَسْمَعُ قَرعَ نِعَالِهم: أَتَاهُ مَلَكَان فَيُقْعِدَانِهِ، فيقولانِ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ لمحمَّد ﷺ ؟ فأمَّا المؤمنُ فَيقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ الله ورَسُوله، فيُقالُ له: انْظُرْ إِلى مَقْعَدِكَ مِن النَّارِ، قَد أَبْدَلَكَ اللهُ بهِ مَقْعَدًا مِن الجَنَّةِ، .. فيراهما جميعًا»، قال قتادةُ: وذُكِرَ لنا أَنَّه يُفْسَحُ في قَبْرِهِ، ثُمَّ رَجَع إلى حديث أنس ﵁ قال: «وأَمَّا المنافقُ والكَافِرُ فَيُقال له: ما كنتَ تَقولُ في هذا الرَّجُلِ؛ فيقولُ: لا أَدْري، كُنتُ أَقولُ ما يقولُ النَّاسُ، فيُقال: لا دَرَيتَ ولا تَليتَ (٣)! ويُضْرَبُ بِمَطَارقَ مِن حَديدٍ ضَرْبَةً، فَيصيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها مَن يَليهِ غَيرَ الثَّقَلينِ» متَّفق عليه (٤).

стр. 1063

وعن ابن عبَّاس ﵁ قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ بِقَبْرينِ فقال: «إنَّهُما لَيُعذَّبَانِ، ومَا يُعذَّبَان في كبيرٍ» (١)، ثُمَّ قال: «بلى، أمَّا أَحدُهُما فكانَ يَسْعَى بالنَّمِيمَةِ، وأمَّا الآخر لا يَسْتَتِرُ من بَوْلِهِ»، ثمَّ أخَذَ عودًا رطبًا فكسَرَه باثْنتين ثمَّ غَرَزَ كُلُّ واحد منهما على قَبْرٍ، ثُمَّ قال: «لَعَلَّهُ يُخفَّفُ عَنْهُما مَا لم يَيْبِسا» متَّفق عليه (٢). عن أبي هريرة ﵁ قال: كان الرَّسولُ ﷺ يدْعو: «اللَّهمَّ إنِّي أعُوذُّ بك مِن عَذاب القَبْر، ومن عَذابِ النَّارِ، ومن فِتْنَةِ المَحيا والممات (٣)، ومِن فتنة المسيح الدَّجال»، متَّفق عليه (٤). وعن عائشةَ ﵁: أَنَّ يهوديةً دَخَلت عليها، فَذَكَرَت عَذابَ القَبرِ، فقالت لها: أَعاذَكِ اللهُ مِنْ عذابِ القَبْرِ، فَسَأْلَت عائشةُ رسولَ الله ﷺ عن عذَابِ القَبرِ، فقالَ: «نَعم، عذاب القبر حقٌّ»، قالت عائشة ﵂: «فما رَأيتُ رسولَ الله ﷺ بعدُ صَلَّى صَلاةً إلَاّ تعوَّذَ مِن عَذَابِ القَبر». أخرجه البخاري (٥).

стр. 1064

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لأحاديث عذابِ القبرِ ونعيمه مِمَّا استندَ إليه المُبطِلون لأخبار هذا الباب مجموع ضَرورتين لا يُمكن دفعُهما: الضَّرورة العقليَّة، والضَّرورة الحِسيَّة (١). فأمَّا الضَّرورة الأولى: فإنَّه مِن المُحال عقلًا بعد موتِ الإنسان وتوسيدِه الثَّرى، وصيرورته إلى جثَّةٍ هامدةٍ لا حياة فيها: أن يشعر بالعذاب أو النَّعيم في قبره، أو أن تقع المساءلة والخطاب له؛ إذْ شرْطُ ذلك الحياةُ، والحياةُ زالت بزوالِ الرُّوحِ، والبنْيةُ قد انتَقَضت؛ فامتنعَ عقلًا ما ذُكِر في تلك الأحاديث. يقول (حسن التُّرابي) في تقريرِ هذا الاعتراض: «هناك أفكار مُتخلِّفة .. مثلًا هناك مَن يقول بمُنكرٍ ونكير، وعذابٍ داخلَ القبر، وهذا غير صحيح! والإنسان حينما يموت تصعد روحه لله ، أمَّا الجسد فيَتآكل وينتهي، لا يُبعَث مرَّة أخرى» (٢).

стр. 1065

ويقول (نيازي عزُّ الدِّين): «الحياة أساس مِن أجلِ تواجد الألَم، والموت إيقاف له، ولذلك يقول لنا الله تعالى في القرآن لعلمه هذه الحقائق: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠]، فلا الميِّت قادرٌ على السَّمع، ولا الَّذي فقد حاسَّة السَّمع، كلاهما لا يَسمع، ثمَّ نحن نقول: لا؛ بل إنَّ الميِّت يسمع أصواتَ نعالِهم؟! .. ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣]، الله يقول: (لا يموت فيها) حتَّى يُبقيه في العذاب الدَّائم، لأنَّه إن ماتَ تَوقَّف العذاب .. » (١). أمَّا الضَّرورة الأخرى: فيقولون: أنَّنا بعد طول التَّجاربِ نكشِفُ عن القَبْر، فلا نجدُ ملائكةً يضربون بمطارق من حديد، ولا نرى فيه حيَّاتٍ، ولا ثعابينَ، ولا نيرانًا، بل نرى أجسادًا باليةً، أو عِظامًا نَخِرَةً، بل لو كشفنا عنه في كلِّ حالةٍ، لوجدْناه فيه لم يذهبْ ولم يتغيَّر عن حالته السَّابقة. فكيف يصِحُّ بعد ذلك الزَّعمُ بأنَّ الميت يُقْعَدُ في قبره؟ مع كوننا لو وضعْنا زِئْبَقًا بين عينيه، أو دُخنًا (٢) على صدره، وأتيناه بعد بُرهة مِن الزَّمن؛ لَمَا تَغيَّر زِئْبَقٌ ولا دُخْنٌ عن وضْعِهما! ثمَّ إنَّا نفتح القَبْر فنجدُ لحْدًا ضيِّقًا على قدْرِ ما حفرْناهُ؛ فكيف تزعمون أنَّ القَبْر يتَّسع له وللمَلكين السَّائلين له؟! (٣)

стр. 1066

المَطلب الثَّالث دَفعُ دعاوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ عن أحاديث عذاب القبرِ ونعيمه لقد دلَّت الأحاديث المُساقَة السَّابقة على ثبوتِ فتنةِ البَرْزَخ (١)، وأنَّ في القَبْر عذابًا ونعيمًا للميِّت بِحَسَبِ عملِه، وذلك مُقتضى عدلِ المولى ﵎، وموجبِ أسمائه وكماله، أنْ يُنعِّم أرواحَ وأبدَانَ أوليائه، ويُعذِّبَ أرواحَ وأبدان أعدائه؛ فيُذيقَ بدَنَ المطيع له وروحَه مِن أنواع النَّعيم ما يَليق به، ويُذيقَ بَدَنَ الفاجِر والعاصي له ورُوحَه ما يناسبه (٢). وقد نصَّ الأئمَّةُ على تواترِ الأحاديث في إثباتِ عذابِ القَبْرِ ونعيمِه، ومُساءَلةِ مُنكَر ونكير، وتَظاهُرِها عنه ﷺ ، بل وانعقد إجماعُهم على ما حَوَته مِن أخبار.

стр. 1067

يقول ابن العَطَّار (١): «إثباتُ عذاب القبر هو مَذهب أهل السُّنة، وهو ممَّا يجب اعتقاد حقيقتِه، وهو ممَّا نقلته الأمَّة متواترًا» (٢). وقال ابن عبد البرِّ: «ليس مِن أئمَّة المسلمين وفقهائهم، وحمَلَة الآثار منهم مِن الصَّحابة والتَّابعين ومَنْ بعدهم: أحدٌ يُنكِرُ فتنةَ القَبْر، فلا وجْهَ للاشتغالِ بأقاويلِ أهل البِدَع والأهواءِ المُضِلَّةِ» (٣). ويقول ابن القطَّان الفاسيُّ: «أجمع أهل الإسلام مِن أهل السُّنة على أنَّ عذاب القبر حقٌّ، وعلى أنَّ مُنكرًا ونكيرًا مَلَكيْ القبر حقٌّ، وعلى أنَّ النَّاس يُفتنون في قبورهم بعدما يُحيون فيها .. » (٤). حتَّى المعتزلة -مُراغِمو السُّنَنِ بالعَقليَّات- مُجمِعون على الإقرارِ بعذابِ القبرِ إلَّا النَّادر! ترى إقرارهم في ما نصَّ عليه مُقدَّمُهم عبد الجبَّار الهمدانيُّ (ت ٤١٥ هـ) بقولِه: «فصلٌ في عذاب القبر: وجملة ذلك أنَّه لا خلاف فيه بين الأمَّة، إلَّا شيء يُنقَل عن ضرار بن عمرو (٥)، وكان مِن أصحاب المعتزلة، ثمَّ التحقَ بالمُجبِّرة، ولهذا ترى ابن الرَّاوندي يُشنِّع علينا، ويقول: إنَّ المعتزلة يُنكرون عذابَ القبر، ولا يقرُّون به! .. » (٦).

стр. 1068

ثمَّ أخذَ يستدِلُّ لعذابِ القبر ونعيمِه؛ ومِن أهل العلم من يجعل مدارَ الآيات الدَّالَّة على هذا الأمر على ثلاث آيات؛ وهو المَفهوم من صنيعِ البخاريِّ (١)، وبَلَغَ بها ابنُ القيِّم خَمْسَ آياتٍ (٢)، وابنُ رجب سِتَّ آياتٍ (٣). فمن الدَّلائل القرآنيَّة الَّتي أشارتْ إليها: قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]. يقول الزَّمخشري: «عرضُهم عليها: إحراقُهم بها، يُقال: عَرَض الإمامُ الأسارى على السَّيف، إذا قَتَلهم به؛ وقُرئ: (النَّارَ) بالنَّصب، وهي تعضُد الوجهَ الأخير، وتقديره: يدخلون النَّارَ يُعرَضون عليها .. ويجوز أن يكون ﴿غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ عبارةً عن الدَّوام» (٤). فمعنى العرض في هذه الآية كمعنى عرض الكفَّار على النَّار يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]؛ أي: أنَّ الكفَّار يبتدئُ نظرهُم إلى جهنَّم من تحريك لأجفانهم ضعيفٍ خفىٍّ بمُسارقة، كما ترى المَصبور ينظر إلى السَّيف من شدَّة الهول (٥). فلصريح معنى آية عرض آل فرعون على النَّار في إثبات عذابٍ في البرزخ، قال ابن كثير: «هذه الآيةُ أصْلٌ كبيرٌ في استدلال أهل السُّنَّة على عذاب البَرْزَخ في القبور» (٦). وقال ابن القيِّم في الآية: «ذكرَ فيها عذابَ الدَّارَين ذكرًا صريحًا لا يحتمل غيرَه» (٧).

стр. 1069

ومِنْ تلكم الآيات القرآنيَّة الَّتي ألْمحَتْ أيضًا إلى مسألتنا: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]. قال ابنُ قَيِّم الجوزيَّةِ فيها: «هذا خطابٌ لهم عند الموت، وقد أَخْبَرت الملائكةُ -وهم الصَّادقون- أنَّهم حينئِذٍ يُجزَون عذابَ الهون، ولو تأخَّر عنهم ذلك إلى انقِضاءِ الدُّنيا لَمَا صحَّ أن يُقالَ لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾» (١). هذا ليتَقرَّر أنَّ عذابَ القَبْر ونعيمَه، وإنْ نصَّتْ الأحاديثُ عليها وجَلَّتْها؛ فلا يعني ذلك خُلُوَّ القرآن مِن الإشارة إليها. فأمَّا جواب ما ادَّعَوه مِن الضَّرورة العقليَّة، بيانُه في التَّالي: أوَّلًا: قاعدةُ أهل السُّنة والجماعة الَّتي فارقوا بها طوائف المبتدعة والضُّلَّال، والَّتي طَردوها في جميعِ أبواب الدِّين أصولهِ وفروعِهِ: أنَّه لا تقوم قدَمُ الإسلام إلَّا على ظَهْرِ التَّسليم والاستسلام. فأهل السُّنَّة ومَن تبِعهُم في ذلك، أقَرُّوا بهذه الأخبار النَّبويَّة وصدَّقوها، وأَجْرَوْها على حقائقِها، وآمنوا بأنَّ لله الحكمة البالغة في ذلك، يفعل ما يشاءُ مِن عقابٍ ونعيمٍ، وأنَّ الإيمان بذلك هو من الإيمان بالغيب، الَّذي هو مِن أخصِّ خصائص أهل الإيمان، وهو مدار الابتلاء. فوجبَ حَمْلُ ما تضافرتْ عليه النُّصوص، ودَلَّت عليه الأخبار من عذاب القَبْر ونعيمه، وحصول السُّؤال للميِّت من المَلَكَيْنِ: وجب حملُ كلِّ ذلك على الحقيقة، إذ ليس هناك ما يُحيلُها؛ لا مِن جِهة الدَّلائل النَّقلية، ولا العقليَّة؛ فعذاب القَبْر ونعيمه ثابتٌ في الأَخْبَارِ، وليس في بدائه العقل ما يدفعه، بل تلك الأخبارُ موافقة لأحكامِه أتمَّ الموافقة.

стр. 1070

ثانيًا: أنَّ دعواهم استحالةَ حصولِ العذاب للمقبور وقد صار مجرَّد جثةٍ هامدةٍ لا روح فيها، أو في حالِ انتقاضِ بِنْيَتِه، مع انتفاءِ الحياة عنه: دعوى باطلة؛ لأنَّ النُّصوص قد أبانتْ أن الرُّوح تُعاد إلى الميِّت إعادةً غير الإعادةِ المألوفةِ في الدُّنيا؛ ليَجرِي للميِّت السُّؤالُ والامتحان وما بعدهما، والدَّليل قد أَبانَ عن ذلك، والعقلُ لا يُحِيلُه، فيلزم التَّصديقُ بما وراء ذلك مِن السُّؤال والخطابِ، والعذاب والنَّعيم للمقبور. والبراهين على حصولِ هذا النَّوع من الحياة كثيرةٌ: منها ما جاء في حديث البراء بن عازب ﵁ المشهور في تشيِيعهم مع نبيِّهم ﷺ جنازةَ رجل من الأنصارٍ، حيث قال النَّبي ﷺ : «إنَّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدُّنيا، وإقبال من الآخرة، نَزل إليه ملائكة مِن السَّماء، بيضُ الوجوه ... »، والشَّاهد فيه قوله ﷺ بعد ذلك: «فتُعادُ روحه في جسده، فيأتيه ملَكَان، فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ ... » الحديث (١). قال ابن القيِّم معلِّقًا على هذا الحديث: «قد كفانا رسول الله ﷺ أمْرَ هذه المسألة، وأغنانا عن أقوال النَّاس؛ حيث صرَّح بإعادةِ الرُّوح إليه» (٢). وقد أورد ابنُ رجب آثارًا كثيرةً عن السَّلف، تشهدُ لحديث البراء بن عازب ﵁، ثمَّ أعقَب ذلك بقوله: « .. فهؤلاء السَّلف كلُّهم صرَّحوا بأنَّ الرُّوح تُعاد إلى البَدن عند السُّؤال، وصرَّح بمثل ذلك طوائفُ من الفقهاء والمتكلِّمين مِن أصحابنا وغيرهم؛ كالقاضي أبي يعلى وغيره، وأنكر ذلك طائفةٌ؛ منهم: ابن حزم وغيره، وذكر أنَّ السُّؤال للرُّوح خاصَّة، وكذلك سماع الخِطاب، وأنكرَ أن تُعاد الرُّوح للجسد في القَبْر للعذاب وغيره.

стр. 1071

وقالوا: لو كان ذلك حقًّا لَلَزِم أن يموت الإنسان ثلاث مرَّات، ويحيا ثلاث مرات، والقُرآن دلَّ على أنهما مَوتتان وحَياتان (١): وهذا ضعيفٌ جِدًّا؛ فإنَّ حياة الرُّوح ليست حياة تامَّةً مستقلَّة كالحياة الدُّنيا، كالحياة الآخرة بعد البعث، وإنَّما فيها نوع اتِّصالٍ بالبَدَنِ، بحيث يحصل شعور للبدن، وإحساس بالنَّعيم والعذاب وغيرهما؛ وليس هو حياة تامَّةً حتَّى يكون انفصالُ الرُّوح به موتًا تامًّا! وإنَّما هو شبيهٌ بانفصالِ روحِ النَّائمِ عنه، ورجوعها إليه؛ فإنَّ ذلك يُسمَّى موتًا وحياةً» (٢). وليست تُشترط سلامة البِنْيَةِ وعدم انتقاضها ليصحَّ حلول الرُّوح فيها، فإنَّ هذا مَدفوعٌ مِن وجهين: الأوَّل: أنَّ البِنْيَةَ لا تنتقض بالموت نفسِه، فقد يبقى بعضُ الموتى في قبورهم على بِنْيتِهم زمانًا ولا يتغيَّر حالهم، وقد ثبتَ النصُّ بتخصيص الأنبياء ﵈ بذلك (٣)؛ وكذا دلَّت المشاهدة على تحقُّقه لبعضِ الموتى (٤). الثَّاني: أنَّه وإن انتقَضَت بعض البِنية؛ فلا يمنع هذا الانتقاض مِن حلول الرُّوح بالباقي من بَدَن الميت، ولهذا فإِنَّه من المشاهَد قطعُ يَدي الحيوان ورجليه وهو حيٌّ، وقد عقد البيهقيُّ بابًا في كتابه «إثبات عذاب القبر» وَسَمَه بِـ «باب: جواز الحياة في جزءٍ منفرد، وأنَّ البِنية ليست من شرط الحياة، كما أنَّها ليست من شرط الحيِّ، وفي ذلك جواز تعذيب الأجزاء المتفرِّقة» (٥).

стр. 1072

والله تعالى قادرٌ على إعادة الرُّوح إلى جميع البَدنِ، وإلى بعض أجزائِه، وكلاهما في متعلَّق قدرة الرَّب سواء، ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. فإذا تَبيَّن اختلاف تعلُّق الرُّوح بالجَسد في البرزخِ عنه في الدُّنيا، فقد فسدَ تبعًا لذلك قول المخالفِ: أنَّ فقدَ الميِّت لأدواتِ الإحساسِ يُفقِده الشُّعور بالعذاب أو النَّعيم؛ وذلك أنَّ الحقيقة الشَّرعيَّة دلَّت على أنَّ الإنسان مُركَّب من نفسٍ وبَدن، وانقسام الدُّورِ إلى ثلاثٍ: دار الدُّنيا، ودار البَرْزَخ، والدَّار الآخرة، ولكلِّ واحدةٍ من هذا الدُّور أحكامها الَّتي تختصُّ بها عن غيرها. فالله تعالى جعلَ أحكام الدُّنيا: على الأبدان، والأرواحُ تبعٌ لها؛ ولِذا أناط الأحكامَ الشَّرعية على ما يظهر من اللِّسان والجوارح، وإنْ أضْمرت النُّفوسُ خلافَه. وجعل أحكامَ البَرْزَخ: على الأرواح، والأبدانُ تَبع لها، وتجري أحكامُه على الأرواح، فتسري على الأبدان نعيمًا أو عذابًا، بحسَب تعلُّقها به. وجعل أحكام دار القَرار: على الأرواح والأبدان معًا (١). فمَنْ مَاثَل بين هذه الدُّور في الأحكام، وساوى بينها، فقدْ خالَف مقتضى البراهين الشرعيَّة، والدَّلائل العقليَّة؛ إذْ العقل يمنعُ من الجمع بين المُختلفات، كما يأبى التَّفريق بين المتماثلات. فإذا عُلِم هذا الاختلافُ بين الدُّور: زالَ الإشكال، وانقشعت حُجُب الحيرة، واستبان «أنَّ النَّار الَّتي في القَبْر والخُضرةَ: ليست من نار الدُّنيا، ولا زرع الدُّنيا، وإنَّما هي من نار الآخرة وخُضْرتِها، وهي أشدُّ من نار الدُّنيا، فلا يحسُّ بها أهل الدُّنيا؛ فإنَّ الله يُحمي عليه ذلك التُّراب والحجارة مِن تحته، حتَّى تكون أعظم حَرًّا مِن جمر الدُّنيا، ولو مَسَّها أهل الدُّنيا لم يحِسُّوا بذلك، وقُدرة الرَّب تعالى أوسعُ وأعجبُ من ذلك» (٢).

стр. 1073

ومِن لطفِ الله ﵎، أنْ صرَفَ أبصارنا وأسماعنا عن إدراك ما يحصل للمَدفونين؛ رحمةً بعباده، لعلمه ﵎ أنَّ قُدَرَهم لا تثبتُ على رؤيةِ العذاب وسماعه، واختبارًا لنا؛ إذْ لو كان الغيبُ شهادةً لآمَنَ كلُّ النَّاس، ولزالَ أصل الجزاء، ولمَا حصل التمَّايُز بين المؤمنين والكافرين (١)، وعلى هذا وِفاق أهل السُّنة. يقول ابن تيميَّة: «العذابُ والنَّعيم على النَّفس والبَدن جميعًا باتِّفاق أهل السُّنة والجماعة، تُنعَّم الَّنفس وتُعذَّب منفردةً عن البَدن، وتُنعَّم وتُعذَّب متَّصلةً بالبَدن، والبدن متَّصلٌ بها؛ فيكون النَّعيم والعذاب عليها في هذه الحال مجتمعين، كما تكون على الرُّوح منفردةً عن البَدن» (٢). فالحاصل: أنَّه ليس في العقول ما يحيل أن يمسَّ الأبدانَ مِن العذابِ أو النَّعيم ما لا يحسُّ به النَّاس في الدُّنيا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠]. فما في هذه الآية يجري كلُّه للميِّت الكافرِ أثناء موتِه، يُعذَّب بضربِ وجهِه ودُبُرِه، وليس أحدٌ ممَّن حوله يرى ذلك، ولا هو يشعر به إنسان، «فإنَّ ما وَهَبه الله تعالى له من نِعمة الحواسِّ مناسبٌ لضعفه وعجزه، فكانت حواسُّه على قدْره في الخَلق، ومهما جاهد الإنسانُ للبلوغ بها إلى حدٍّ يفوق طبيعتها البشريَّة المتَّصفة بالنَّقص والعجز: فَلنْ يُفْلح، لأنَّ هذا قَسْمُه الَّذي اختاره الله، وهذا القَسْم والخلقة جاريةٌ على مقتضى حكمة الله ﵎، العالِم بوجوه المصالح، وأَفنان الخيور» (٣). وفي هذا بطلانُ الدَّعوى الثَّانية في إحالةِ الضَّرورة الحسيَّة.

стр. 1074

أمَّا استدلال المعترض بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ على انتفاءِ قدرة الميِّت على السَّماعِ لفقدِ آلةِ ذلك: فمثالٌ منه مندرجٌ فيما يسمِّيه الجَدَليُّون بـ «الاستدلالِ بمحلِّ الشَّاهد»! وليس يصحُّ في باب الاحتجاج؛ ذلك أنَّه قد يُقال: بأنَّ نفيَ السَّماع في الآية هو لاختلافِ أحكامِ الدَّارَيْنِ، وانتفاءِ قناةِ التَّواصل بينهما، إلَّا بنصٍّ شرعيٍّ يثبت ذلك لبعضِ الأعيانِ (١)، وليس لكونِ الميِّت فاقدًا للقدرة على جنسِ السَّماع لفقدِ آلته كما يدَّعيه المعترض. على أنَّ من العلماء من يذهب أنَّ المُراَ مِن السَّماع في الآية ما هو بمعنى الانتفاع والاستجابة، «فإنَّه في سياقِ خطابِ الكُفَّار الَّذين لا يستجيبون للهُدى ولا للإيمان إذا دُعوا إليه. نظير ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَاّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَاّ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، فالآية في نفي السَّماع والإبصار عنهم، لأنَّ الشَّيء قد يُنفى لانتفاء فائدته وثمرته، فإذا لم ينتفع المرء بما يسمعه ويبصره، فكأنَّه لم يَسمع ولا يُبصر، فسماع الموتى هو بهذه المثابة» (٢). والَّذي ينعقد القلبُ عليه في هذا الباب: أنَّ ما يجري للميِّت مِن صنوف العذاب والنَّعيم؛ وكيفيَّة بصرِه وسمعِه، ليس مِن جنسِ المعهود في هذه الدُّنيا.

стр. 1075

وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن القيِّم: «سرُّ المسألة: أنَّ هذه السِّعة، والضِّيق، والإضاءة، والخُضرة، والنَّار؛ ليس من جنس المعهود في هذا العالَم، والله سبحانه إنَّما أشْهدَ بني آدم في هذه الدَّار ما كان فيها ومنها، فأمَّا ما كان من أمر الآخرة فقد أسبلَ عليه الغطاء؛ ليكون الإقرارُ به، والإيمان به سببًا لسعادتهم» (١).

стр. 1076

المَبحث الثَّالث عشر نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه

стр. 1077

المَطلب الأوَّل سَوق أحاديثِ عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه عن عبد الله بن عمر ﵁ أنَّ حفصةَ بَكَت على عمر ﵃، فقال: مهلًا يا بُنيَّة؛ ألم تعلمي أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الميِّت يُعذَّب ببكاءِ أهلِه عليه؟!» متَّفق عليه (١). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لمَّا أُصيبَ عمر ﵁ جعلَ صهيب ﵁ يقول: وا أخاه! فقال له عمر: يا صهيب؛ أَمَا علمتَ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء الحيِّ؟!» متَّفق عليه (٢). وعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال: تُوفِّيت ابنةٌ لعثمان ﵁ بمكَّة، وجِئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عبَّاس ﵃، وإنِّي لجالس بينهما -أو قال: جلستُ إلى أحدِهما، ثمَّ جاء الآخر فجلس إلى جنبي- فقال عبد الله بن عمر ﵁ لعمرو بن عثمان: ألَا تنهى عن البكاء؟ فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه».

стр. 1078

فقال ابن عبَّاس ﵁: قد كان عمر ﵁ يقول بعضَ ذلك، ثمَّ حدَّث قال: صَدرتُ مع عمر ﵁ من مكَّة، حتَّى إذا كنَّا بالبيداء، إذا هو بركبٍ تحت ظلِّ سمُرة، فقال: اِذهب، فانظر مَن هؤلاء الرَّكب، قال: فنظرتُ، فإذا صهيب ﵁، فأخبرته، فقال: ادعُه لي، فرجعتُ إلى صهيب، فقلت: اِرتحل فالْحَق أميرَ المؤمنين، فلمَّا أُصيب عمر دَخل صهيب يبكي، يقول: وَا أخاه! .. وَا صاحباه! فقال عمر ﵁: يا صهيب، أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ : «إنَّ الميِّت يُعذَّب ببعضِ بكاءِ أهلِه عليه؟!». قال ابن عبَّاس ﵁: فلمَّا مات عمر ﵁، ذكرتُ ذلك لعائشة ﵂ فقالت: رحِم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله ﷺ : «إنَّ الله ليُعذِّب المؤمنَ ببكاءِ أهله عليه»، ولكنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ الله ليزيدُ الكافرَ عذابًا ببكاء أهلِه عليه»، وقالت: حسبُكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قال ابن عبَّاس ﵁: «عندَ ذلك والله هو أضحك وأبكى»، قال ابن أبي مليكة: «والله ما قال ابن عمر ﵁ شيئًا». متَّفق عليه (١). وعن عروة بن الزُّبير قال: ذُكر عند عائشة ﵂ قول ابن عمر: الميِّت يُعذَّب ببكاء أهلِه عليه، فقالت: رحِم الله أبا عبد الرَّحمن، سمع شيئًا فلم يحفظه، إنَّما مرَّت على رسول الله ﷺ جنازةُ يهوديٍّ وهم يبكون عليه، فقال: «أنتم تَبكون، وإنَّه ليُعَذَّب» أخرجه مسلم (٢).

стр. 1079

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المعاصرةِ لأحاديث عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه ينحصِر مُجمَل ما أورده المعاصرون مِن معارضاتٍ لهذه الأخبارِ النَّبويَّة في واحدةٍ: وهي دعواهم أنَّها مصادمةٌ لصَريحِ القرآن الكريم، فالله تعالى في غير مَوضعٍ منه ينفي عن الإنسان حملَ أوزارِ غيره وتبعاتِ أفعالِهم ممَّا لا دخلَ له فيها. وفي تقرير هذا الاعتراضِ، يقول (جعفر السُّبحاني): «هذه الرِّواية وإن رواها مسلم بطرقٍ مختلفة، لكنَّها مَرفوضة جدًّا، لأنَّها تخالف صريح القرآن، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال سبحانه: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]. فكيف يمكن أن نقبلَ أنَّ الميِّت البَريء يُعذَّب بفعل الغير، وهو شيء يرفضه العقل والفطرة؟! .. ولأجل ذلك رَدَّت السَّيدة عائشة هذه الرِّواية» (١). ويقول (محمَّد الغزالي) مُستغربًا مِن بقاءِ المحدِّثين على قَبول هذا الرِّوايات: «إنَّها -يعني عائشة- تردُّ ما يخالف القرآن بجرأةٍ وثقة، ومع ذلك فإنَّ

стр. 1080

هذا الحديث المَرفوض من عائشة ما يزال مُثبتًا في الصِّحاح! .. والخطأ غير مُستبعَدٍ على راوٍ، ولو كان في جلالةِ عمر!» (١). ويقول (أبو عبد الرَّحمن ابن عقيل الظَّاهري) مُعقِّبًا على حديث ابنِ عمر: «نَجِدُ صُورًا يجب فيها تقديم العقل على النَّقل؛ نجد ذلك في صُوَر ظَهَرَ فيها تنافي التَّناقض أَو التَّضادِّ في أَذهاننا لا في الواقع، كالخبر الصَّحيح: بأنَّ الميت يُعذَّب ببكاء أهله عليه، مع العلمِ القطعيِّ بأنَّه لا تزِر وازرةٌ وزرَ أخرى. الرُّجحان هاهنا تَعيَّن في العقلِ تَعيُّنًا لا احتمال فيه، بأنَّ تعذيب الله للميِّت بغير فعلٍ منه: ليسَ مِن العدل الَّذي أَوجبه ربُّنا على نفسِه؛ إذْ حَرَّم الظُّلمَ على نفسه، وليس مِن عصمةِ الشَّرع الَّتي حَكَم بها العقل ابتداءً، وتنافي ما بَيَّنه الشَّرع: أنَّ المكلَّف مَسئولٌ عمَّا جناهُ مباشرةً، أو بتسبُّب، وليس مَسئولًا عن جنايةِ غيره» (٢).

стр. 1081

المَطلب الثَّالث دَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن أحاديثِ عذابِ الميِّت ببكاءِ أهلِه عليه لا شكَّ أنَّ مَن ردَّ هذا الحديث في عذاب الميِّت ببكاء أهلِه عليه عَلَمان مِن أعلامِ العلمِ من الصَّحابة الكِرام: عائشة وابن عبَّاس ﵃؛ غير أنَّ هذا الرَدَّ منهما للخَبر ليس عن تقدمةٍ للعقلِ على النَّقلِ! -كما توهَّمه هؤلاء الطَّاعنون في الحديث-، وإنَّما تقديمًا لِما يرَيَانِه دَلالةً نَقليَّةً قاطعةً على دَلالةٍ نقليَّةٍ ظَنيَّةٍ؛ وفرقٌ بين المُوجِبين في النَّظر إلى الأخبار. فها هي عائشة ﵂ تجهرُ بأنَّ مقتضى استنكارِها للخبرِ: مُناقضته لآية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، مع ما نقلته هي عن النَّبي ﷺ مِن لفظٍ آخر يخالف لفظَ عمر وابنه عبد الله ﵃ للحديث. فكان ظاهر القرآن مُوجبًا عندها لتَقديمِ لفظِ روايتِها هي على روايةِ غيرها مِمَّا ظنَّته مُعارِضًا لظاهرِ القرآن؛ وإن كان هذا الاعتداد منها بلفظِ روايتِها دون لفظِ غيرها من الصَّحابة أمر قد أخطأت فيه ﵂. يقول الخطَّابي: «الرِّواية إذا ثَبَتَت، لم يُمكن إلى دفعِها سبيلٌ بالظَّن، وقد رواه ثلاثةُ أنفسٍ عن النَّبي ﷺ : عمر، وابن عمر، والمغيرة؛ وليس فيما حَكَت عائشةُ مِن مرورِ رسول الله ﷺ على يهوديةٍ يبكي عليها أهلُها ما يدفع روايةَ عمر

стр. 1082

والمغيرة، لجوازِ أنْ يكون الخَبَران صَحيحين معًا، وكلُّ واحدٍ منهما غيرُ الآخر» (١). وبتأمُّلنا في دعاوي المُعاصرين في إنكارِ هذا الخبرِ، نلحظ أنَّها ترتكز على أَمرين، لم يُصِب المخالفون في تصحيحِ أصلِه الَّذي ابتُني عليه إنكارُه (٢): الأوَّل: توهُّمهم أَنَّ ظاهرَ الحديثِ مُعاقبةُ الميِّت بلا وِزرٍ اقترفه، ولا ذنبٍ جناه؛ هذا قادهم إلى القول بـ: الثَّاني: أنَّ هذا الظَّاهر مَدْفوع بيَقينِ العقلِ وضَرورة الشَّرع. والحقيقة: أنَّ ظاهر الحديث لا ينافيه العقل؛ فضلًا عن الدَّلائل النَّقليَّة، وما ظنُّوه منافيًا لهذا الظَّاهر، ليس هو مَدلوله ولا ظاهره، بيان ذلك: أنَّ المعارِضين قَصَروا معنى (العذاب) على (العقاب)، والصَّواب: أَنَّ العذاب أَعمُّ من العِقاب؛ فكلُّ عِقابٍ عذاب بلا عكس. والَّذي يُبرهن على هذه الدَّعوى الدَّلائل التَّالية: تسمية الله تعالى على لسان أيوب ﵇ ما ابْتَلى به عبدَه عذابًا، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، والعذاب هنا بمعنى: الضُرِّ في بدنِه وأهلِه الَّذي ابتلاه الله به (٣)، لا على سبيل العقوبة له ﵇؛ وإنَّما ابتلاءً له. ومِن البراهين الدَّالة على بطلان قصرِ مفهومِ العذابِ على العقابِ: ما صحَّ عن النَّبي ﷺ مِن حديث أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: «السَّفرُ قِطعةٌ من العَذَابِ، يمنع أَحدكم طعامَه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نَهْمَتَهُ من سَفَرِه، فَلْيعجِّل بالرجوع إلى أهله» (٤)، فَسَمَّى النَّبي ﷺ السَّفر قطعةً مِن العذاب، ومعلوم أنَّه إنَّما أراد الألم الحَاصِلَ للمسافر، وليس هو على جهة العِقَاب.

стр. 1083

ومن براهين ذلك أيضًا: أنَّ مِن العقوبات ما يصيب غيرَ المُعاقَب؛ فيكون مصيبةً في حقِّه، كما قال ﷺ : «إذا أنزلَ الله بقومٍ عذابًا أصاب العذابُ مَن كان فيهم، وبُعِثُوا على نيَّاتهم» (١). فإذا تَحَصَّل مِن ذلك عموم معنى العقاب، عُلِم أنَّ ما يجده الميِّت مِن الألم بسببِ النِّياحة عليه: قد يكون عقوبةً له؛ إن كان مِن سُنَّة أَهله فِعْلُ ذلكَ، ولم ينههم، أو أمَرَ به بعد موته، وهذا مذهب البخاريِّ البيِّن مِن تبويبه للحديث بقوله: «باب: قول النَّبي ﷺ : يُعذَّب الميِّت ببعض بكاء أهله عليه، إذا كان النَّوح من سُنَّته» (٢). وقد يكون ما يجده مِن الألم جرَّاء ذلك هو مِن جِنس الضَّغطة، وانتهار الملَكَين، والمرور على الصِّراط، وغيرها مِن أهوال يوم القيامة، فهذه الآلام تكون سببًا لتكفير خطايا المؤمن، وهذا ما نحا إليه جِلَّةٌ مِن العلماء؛ كابن جرير الطَّبري، والقاضي عياض (٣). وفي بيان هذا المعنى يقول ابن تيميَّة: «فهذا الحديثُ قَبِلَه أَكابر الصَّحابةِ مثلُ عمرَ، وهو يُحدِّث به حين طُعن، وقد دخل عَليه المهاجرون والأنصار، وينهى صُهيبًا عن النِّياحة، ولا ينكر ذلك أَحد؛ وكذلك في حال إمرته يعاقِبُ الحيَّ الَّذي يُعذِّب الميِّتَ بفعله، وتلقَّاه أكابر التَّابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره، ولم يَردُّوا لَفْظَه ولا معناه. والَّذي عليه أَكابر الصَّحابةِ والتَّابعينَ هو الصَّواب؛ فإنَّ النبي ﷺ قال: (يُعذَّب)، ولم يقل: (يُعاقب)! والعذابُ أعمُّ من العقاب .. فالعذاب هو: الآلام الَّتي يُحْدِثُها الله تعالى؛ تارةً يكون جزاءً على عَمَل فيكون عقابًا، وتارةً يكون

стр. 1084

تكفيرًا للسَّيئات .. ثمَّ ذلك الألم الَّذي يَحْصُل للميِّت في البرزخ إذا لم يكن له فيه ذَنْبٌ: مِن جنسِ الضَّغطة، وانتهارِ منكر ونكير، ومِن جنس أهوال القيامة؛ يكفِّر الله به خطايا المؤمن، ويكون مِن عقوبة الكافر» (١). ولا يُعترض على هذا التَّفسير المتينِ مِن هؤلاءِ الأعلامِ بما اعترضَ عليهم به (محمَّد الغزالي) في دعواه منافاة هذا الألمِ لتبشيرِ المؤمنِ عند موتِه بعدم الحزن! حيث قال: «والقول بأنَّ المؤمن يتألَّم بعد موتِه لبكاء أهله مخالف للآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، روى ابن كثير أنَّ ذلك الموت، ونقل عن زيد بن أسلم: (يبشِّرونه عند موته، وفي قبره، وحين يُبعث)، وعلَّق على ذلك بأنَّ هذا القول يجمع الأقوال كلَّها، وهو حسن جدًّا، وهو الواقع! فأين يتعذَّب والحالة هذه؟ إنَّ الله مطمئنُّه على ما ترك وما سيلقى» (٢). قلت: الَّذي في الآية: تبشير الملائكةِ للمؤمنين أن «لا تخافوا ما تقْدُمُون عليه مِن أمرِ الآخرة، ولا تحزنوا على ما خلَّفتم من دُنياكم مِن أهلٍ وولدٍ، فإنَّا نخلُفكم في ذلك كلِّه» (٣)، فطمأنتُهم للمؤمن على مصيرِه الأخرويِّ تنفي خوفَه ممَّا يقدُم عليه، والتَّبشير له برعايةِ أهلِه من بعده غايةُ ما فيه ذهابُ حزنِه على فقدِهم وإعالتِهم. وهذا -كما ترى- لا يَنفي أن يجدَ هذا المُبشَّر شيئًا مِن الألمِ إذا سمع بكاءَ أهلِه عليه، كما أنَّه يجد شيئًا مِن الألم عند الضَّمة، وعند انتهارِ المَلَكَيين له، ونحو ذلك ممَّا سبق في كلامِ ابن تيميَّة، فهذا كلُّه لا دخلَ له بالحزنِ المَنفيِّ في الآية الكريمة.

стр. 1085

وبهذا يَسلم الحديث ممَّا وُجِّه إليها مِن نَقدات، والحمد لله على ما كشف من المُشكِلات.

стр. 1086

المَبحث الرَّابع عشر نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الشفاعةِ الكبرى

стр. 1087

المَطلب الأوَّل سَوْق حديثِ الشَّفاعةِ الكبرى عن عبد الله بن عمر ﵁ مرفوعًا: «إنَّ الشَّمسَ تدنو يوم القيامة، حتَّى يبلغَ العَرقُ نصفَ الأُذنِ، فبينا هم كذلك؛ استغاثوا بآدم، ثمَّ بموسى، ثمَّ بمحمَّد ﷺ ، فيشفع ليُقضى بين الخلق، فيمشي حتَّى يأخذَ بحِلَقِ الباب، فيومئذٍ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أَهلُ الجمع كلُّهم»، رواه البخاري (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم، فرفع إليه الذِّراع، وكانت تعجبه، فنَهس منها نهسةً، فقال: «أنا سيِّد النَّاس يوم القيامة، وهل تدرون بمَ ذاك؟ يجمع الله يومَ القيامة الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ، فيُسمعهم الدَّاعي، وينُفذُهم البَصر، وتدنو الشَّمس، فيبلغ النَّاس مِن الغَمِّ والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، فيقول بعض النَّاس لبعض: ألا تَرون ما أنتم فيه؟ ألا تَرون ما قد بلغكم؟! ألا تنظرون مَن يشفع لكم إلى ربِّكم؟ فيقول بعض النَّاس لبعض: اِئتوا آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البَشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك مِن روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟! فيقول آدم: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشَّجرة، فعصَيته، نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اِذهبوا إلى نوح.

стр. 1088

فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، أنت أوَّل الرُّسل إلى الأرض، وسمَّاك الله عبدًا شكورًا، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إنَّ ربِّي قد غضب اليومَ غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى إبراهيم ﵇، فيأتون إبراهيم، فيقولون: أنت نبيُّ الله وخليله مِن أهل الأرض، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بَلَغنا؟! فيقول لهم إبراهيم: إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذِباته، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى غيري، اِذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﵇، فيقولون: يا موسى، أنتَ رسول الله، فضَّلك الله برسالاته، وبتكليمِه على النَّاس، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول لهم موسى ﵇: إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنِّي قتلت نفسًا لم أُومر بقتلها، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى عيسى ﵇. فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلَّمتَ النَّاس في المهد، وكلمةٌ منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول لهم عيسى ﵇: إنِّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبًا، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى غيري، اِذهبوا إلى محمَّد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمَّد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدَّم مِن ذنبك، وما تأخَّر، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلقُ، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربِّي، ثمَّ يفتح الله عليَّ ويلهمني مِن مَحامده وحسنِ الثَّناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحدٍ قبلي، ثمَّ يُقال: يا محمَّد، اِرفع رأسك، سَلْ تُعطه، اِشفع تُشفَّع، فأرفعُ رأسي، فأقول: يا ربِّ،

стр. 1089

أمَّتي أمَّتي، فيُقال: يا محمَّد، أدخل الجنَّة مِن أمَّتِك مَن لا حساب عليه مِن الباب الأيمن مِن أبواب الجنَّة، وهم شُركاء النَّاس فيما سوى ذلك مِن الأبواب، والَّذي نفس محمَّد بيده، إنَّ ما بين المصراعين مِن مصاريع الجنَّة لَكَما بين مكَّة وهَجَر، أو كما بين مكَّة وبُصرى». متَّفق عليه (١).

стр. 1090

المَطلب الثَّاني سَوْق دعاوي المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديث شفاعة النَبي ﷺ الكبرى مع قيامِ البَراهين النَّقليَّةِ الكثيرةِ على ثبوتِ الشَّفاعةِ النَّبويَّةِ يومَ القيامة، إلَّا أنَّ فريقًا مِن مُخالِفي أهل السُّنةِ استَرْوَحوا إلى مُدافعتِها وعدمِ التَّصديقِ بها، وحاصلُ مَواقفِهم مِن حديثِ الشَّفاعة الكبرى لا يخرُج عن مَقامَين: الأوَّل: مُعارَضاتٌ مُجْلَبةٌ على أَصلِ الشَّفاعة. الثاني: مُعارَضاتٌ سِيقت لإنكارِ بعضِ مُتعلَّقاتِ حديثِ الشَّفاعة. فأمَّا المقام الأوَّل: فمِمَّا أُورد على أصلِ الشَّفاعة ما تَضَمَّنته: المعارضة الأولى: وهي دعواهم أنَّ جَريان الشَّفاعة على يَدِ الشُّفعاءِ يَقتضي مشاركةَ الله في مُلكِه، ومُنازعتَه فيما تَفرَّد به. وممَّن قنِع بهذه الدَّعوى في رَدِّ أخبارِ هذا الباب: (مُصطفى محمود) (١)، وهو مع حِرصِه على عَقْلَنة التَّصوُّرات، مُضطَرِبٌ في هذا الباب بخاصَّةٍ اضطرابًا ظاهرًا، فتارةً يُنكِر الشَّفاعة في الظَّاهر، وتارةً يُظهِر استحسانَ مَنْ أَثبتَها بقُيودِها؛ وإن كان جانبُ النَّفي عنده ظاهر التَّغليب.
следующие страницы →