المعاملة على الظَّواهر، فظنُّوا أنَّه يصدِّق كلَّ ما يُقال له .. إي نعم؛ هو أُذن، ولكنَّه نِعم الأُذن؛ لأنَّه أُذن خيرٍ لا كما تزعمون، فهو لا يقبل ممَّا يسمعه إلَّا الحقَّ وما وافق الشَّرع .. ولا يصدِّق ما لا يجوز تصديقه شرعًا أو عقلًا»! (١)
فالظَّاهر أنَّ «هدفَ الشَّيخ رشيد كان نزعَ صِبغة الإلزامِ الشَّرعيِّ عن الحديث مهما كلَّف الأمر، فإن لم يكُن مصنوعًا، فهو ليس بمرفوعٍ كلُّه» (٢)؛ والله يغفرُ له.
وأمَّا جواب المعارضة الثَّالثة في دعوى أنَّ البِحارَ قد مَسَحَها البَحَّارة في هذه الأزمنة مسحًا ... إلخ ما قالوا:
فهذا اعتراضٌ شبه الرِّيح، لأنَّ العلم الحديث مع بلوغِه في الاتِّساع والتَّطوُّر شأوًا عظيمًا؛ إلَّا أنَّه مع هذا الترقِّي في العلوم، ما زال الحِسُّ يقضي بقصورِ مُنجَزاته عن الإحاطةِ بكلِّ شيءٍ، وليس عَدمُ علمِ البحَّارةِ بما غُبِّي عليهم بقاضٍ لِأَن يَنفي ما لم يعلموا؛ لأنَّ عدمَ العِلم بالشَّيءِ لا يسلبُه حقيقةَ الوجود.
والَّذي ينبغي الإقرار به: أنَّ الشَّرعَ الحكيم لا يأمر المُكَلَّف بالإيمانِ بأمرٍ لا وَاقع له؛ فإنَّ هذا مُنتَفٍ في تضاعيفِ الأدلَّة الشرعيَّة، لكنَّه يأمر امتحانًا وابتلاءً بالإيمان لواقعٍ مُغيَّبٍ غيرِ مَشهود، والمغالطة تَنشأ حين يُخلط بين البَابين (٣).
فإذا كان الأمر كذلك؛ فإنَّ قَبول أحاديث المصطفى ﷺ ليس مَرهونًا بتصحيح علوم بعض البَشر القاصرة لها، بل علوم البَشر مَرهونٌ قَبولُها بألَّا تُخالفَ ما صَحَّ عن النَّبي ﷺ ، فلا يُترَكَ المقطوع بصحَّته لأمرٍ تَعتوِرُه الظُّنون، وتحيط به مِن كلِّ جانب؛ والمتأمِّل في أحوال العلوم -مع تطوُّرِها نسبيًّا- يجدُ أنَّها في طَوْر المَهْد بالنِّسبة لما يخْفى علينا.
مثال على ذلك: ما نَراه مِن اكتشافاتٍ للكهوف، ومَعالم، وآثارٍ كانت في حيِّز المجهول، عَجَزت التِّكنولوجيا مِن قبلُ عن اكتشافها؛ مع وقوعِ هذه
стр. 982
المكتشفاتِ في دائرةِ أراضي هؤلاء المُكتشفِين (١)، فأوْلَى أن يخفى عليها ما هو خارجٌ عن أرضها!
ومَّما يدلُّك على تهافت هذا الادِّعاء أيضًا: ما يَربو إلى سمعكِ بين الفَينة والأخرى عبر وسائل إعلامٍ عالميَّةٍ مِن أخبارِ كشوفاتٍ جديدةٍ لجُزرٍ نائيةٍ، قد عَمِي عنها العَالَم المتقدِّم حِقبًا مَديدة.
فهذه جزيرة بركانيَّة تُكشَف جنوبَ طوكيو عاصمةِ اليابان قبل سِنين قليلة (٢)!
وأخرى تظهر في نفسِ سنةِ الأولى في ساحلِ باكستانَ الجنوبيِّ مِن بحرِ العَرب (٣)!
وثالثة تُكشَف في شواطئِ محافظةِ (أبْيَن) باليَمن، مِن قِبَل صيَّادٍ عن طريق الصُّدفة! (٤) بعد أن أعمى الله عنها مَن تَبجَّحوا بأنَّهم أحاطوا بكلِّ بَحرِيٍّ خُبْرًا.
ولِم نذهب بعيدًا؟! فهذا كتاب ربِّنا يُخبر عن انحباسِ يأجوجَ ومأجوجَ في السَّدِ منذ عهد ذي القَرنين! وأنَّهم خارجون من رَدمِهم قبل قيام السَّاعة، وهذا بإجماع المسلمين، كما في قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].
ولا أخال أحدًا ذا دين وعقلٍ يرتابُ في هذه الآيات مِن سورة الكهف (٥)، بدعوى أنَّ علماء الجيولوجيا قد مَسَحوا الأرضَ مسحًا، وجابوا سطحَ قارَّاتها طولًا وعرضًا، فلم يجدوا هذا السَّد، وأنَّ أحدًا منهم لم يلحَظ ذاك الحَفر.
стр. 983
فما كان جواب المُعترضِ عن هذه الآية، فهو الجواب نفسُه عن الحديث؛ والَّذي قَدِر على إطلاع تميم ﵁ على هذه الجزيرة، قادرٌ على أن يُضِلَّ سائر النَّاس عنها، ليَجرِيَ قدَرُه على وِفق ما قضى وأراد (١).
وحسمًا لمادَّة هذه المعارضةِ يُقال:
إنَّ الربَّ ﵎ إذا أراد شيئًا هيَّأَ أسبابَه، فالله ﷻ من حكمته أن أطلَعَ تميمًا الدَّاري ﵁ على أمر الدجَّال؛ ليكون ذلك توكيدًا لما كان يُحدِّث به النَّبي ﷺ أصحابَه من شأنَ الدجَّال، ولحِكَمٍ أخرى نجهلُها، «فيزداد المسلمون وثوقًا به، وهذا بيِّنٌ في الحديث» (٢).
وأمَّا دعوى المعارض الرَّابع: أنَّ الحديث مُعارَضٌ بقولِ النَّبي ﷺ : «لا تأتي مائة سنةٍ وعلى الأرض نفسٌ منفوسةٌ اليوم»؛ فيُمكن كشفُ إشكالِه بجوابين:
الأوَّل: أن يكونَ النَّبي ﷺ إنَّما أراد بهذا الحديث «الآدميِّين المَعروفين، وأمَّا مَن خَرج عن العادة، فلم يَدخُل في العُموم، كما لم تدخل الجنُّ، وإن كان لفظًا يَنتظِم الجنَّ والإنسَ، وتخصيصُ مثل هذا مِن مثلِ هذا العمومِ كثيرٌ مُعتاد» (٣).
والجواب الثَّاني: فيما حَرَّره محمَّد الأمين الشَّنقيطي بعدَ ذكرِه لحديثِ تميمٍ، قال:
«هذا نَصٌّ صالحٌ للتَّخصيص، يُخرِج الدَّجالَ مِن عمومِ حديثِ مَوتِ كلِّ نفسٍ في تلكِ المائة، والقاعدة المقرَّرة في الأصول: أنَّ العمومَ يجِبُ إبقاؤُه على عمومِه، فما أخرجَه نَصٌّ مخصِّص خرَج مِن العموم، وبَقي العامُّ حجَّةً في بقيَّة الأفراد الَّتي لم يدلَّ على إخراجها دليلٌ، كما قدَّمناه مِرارًا، وهو الحقُّ ومذهبُ الجمهور، وهو غالبُ ما في الكتاب والسُّنة مِن العمومات، يخرج منها بعضُ الأفراد بنصٍّ مُخصِّص، ويبقى العامُّ حجَّةً في الباقي» (٤).
стр. 984
وحيث أورَد العُثيمين حديثَ انخرامِ القرنِ إشكالًا على حديثِ الجسَّاسة، فإنَّه مع ذلك لم يجزِم بنُكرانِه كدأبِ المُتعجِّلين مِن مُنكري السُّنَن، بل اختارَ طريقَ السَّلامة، والتَّوقُّفَ في ما أشكلَ عليه؛ فعبارتُه قال فيها: «في نفسِه منه شيءٌ»، مُعترفًا بتقصيره في تتبُّع أقوال العلماء في هذه المسألة (١)؛ فلعلَّه لو فعلَ، لانحازَ إلى صَفِّهم في قَبولِهم له.
فإن قيل تفريعًا عن هذا الإشكال:
أليس في هذا الطُّول المفرطِ في عمرِ الدَّجال، من عهد النَّبي ﷺ إلى قربِ قيامِ السَّاعة، ما يُثبت له الخلود، وهو ما قد نَفاه الله تعالى عن عموم البَشر؟
فيُقال في الجوابِ عليه: إنَّ للخلودِ مَعنيَين:
المعنى الأوَّل: ما يُراد به انتفاء الموتِ عن الشَّخصِ، «وهو البَقاء الدَّائم» (٢)، وهو المُراد مِن كونِ أهلِ الجَنَّة وأهلِ النَّارِ المُشركين خالدين فيهما، فإنَّهم باقونَ فيهما أبَدًا مِن غير مَوتٍ ولا تحوُّل.
المعنى الثَّاني: ما يُراد به الطُّول المفرِط في المَكثِ متجاوزًا المَعهود، وإن استتبَعَ عدمَ بقاء، وهو المَقصود بآياتِ خلودِ بعضِ أهلِ الكبائر في النَّار مِن غيرِ أهلِ الشِّرك.
وكِلا هذين المَعنيينِ قرَّرهما الرَّاغب الأصفهانيُّ تعريفًا للفظِ الخلودِ، فقال: «الخلود: هو تبَرِّي الشَّيء مِن اعتراضِ الفسادِ، وبقاؤُه على الحالةِ الَّتي هو عليها؛ وكلُّ ما يَتباطَأ عنه التَّغيير والفساد، تصِفُه العَربُ بالخلودِ، كقولِهم للأثافي: خَوالِد، وذلك لطولِ مَكثِها، لا لدوامِ بقائِها» (٣).
فعلى هذا نقول:
إنْ كان المقصود بالخلودِ في هذا الاعتراضِ ما كان بالمعنى الأوَّل: أي انتفاء الموت عن الشَّخص ودوام بقائِه: فليسَ في جميعِ أخبارِ الدَّجال ما يُفهِم
стр. 985
ذلك، بل الوارد فيها مَقتَلُه على يَدِ المَسيح ابن مريم ﵇ بُعيد نزولِه آخر الزَّمان، ثمَّ يعيشُ النَّاس بعدَ موتِه سَنواتٍ مَديدة.
وإن كان المقصودُ بالخلودِ معنَى اللَّبثِ الطَّويلِ الخارجِ عن العادة: فليس في الشَّرعِ ما يَنفي ذلك عن أحدٍ إذا ما صَحَّ فيه الخَبر؛ والدَّجال كلُّ أمرِه خارقٌ للعادة، وقد علِمتَ حالَه من العَجب، فلا يصِحُّ أن يُقاسَ على سائرِ الأسواءِ من البَشر
وعليه نفهمُ أنَّ نفيَ الله لخلودِ أحدٍ مِن بني آدم في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] (١)، إنَّما هو نَفيٌ للخُلدِ بالمعنى الأوَّل، أي نفيَ البقاءِ في الدُّنيا مِن غيرِ مَوتٍ، أي: أنَّه «لا يخلُد في الدُّنيا بَشَر، فلا أنتَ يا محمَّد ولا هُم إلَّا عُرضةٌ للمَوتِ؛ فإذا كان الأمرُ كذلك، فإنْ مِتَّ أنتَ أيبقَى هؤلاء؟» (٢)، ولذلك أُعقِبَت الآيةُ بقولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وأمَّا جوابُ المعارض الخامس؛ في دعوى أنَّ استشهادَ النَّبي ﷺ برجلٍ كِتابيٍّ على ما كان يحدِّث المُسلمين به: حَطٌّ مِن شأنِه .. إلخ، فيُقال فيه:
إنَّ النَّبي ﷺ لم يكُن المُبادر ابتداءً إلى إشهادِ تميمٍ الدَّاري ﵁ لمِا كان يخبر به عن الدَّجال، بل تميم ﵁ هو مَن وَفَد إليه فأخبره عفوًا بما جَرى له مع الدَّجال؛ فلمَّا أن وافقَ ما كان يحدِّث به النَّبي ﷺ أصحابَه، أعجبَه ﷺ ذلك، فأخبرَ بالقصَّة استزادةً في يقينِ السَّامِعين، وتثبيتًا لإيمانِهم؛ وليسَ مَن رَأى كمَن سمِع!
ثمَّ ما العيب، وهذا القرآن نفسُه قد أمرَ النَّبيَّ ﷺ بإشهادِ بعضِ أهلِ الكتابِ على صِدقِ نُبوَّتِه، مع أنَّ نُبوَّته قد شهِد له بها الوَحيُ نفسُه، فقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]؛ ولكن
стр. 986
الغرض إقامة الحجَّة على الكافِرين، وزيادة يقين المؤمنين، وهذا أمرٌ مَطلوب شرعًا.
فإذا كان استشهاد النَّبي ﷺ لأهل الكتابِ جائزًا في خبرٍ كُليٍّ مُتعلِّقٍ بأصلِ النُّبوة، فكيف لهذا المُعترض أن يُنكرَ استشهادَ النَّبي ﷺ بأحدِ المسلمينَ في خَبر جُزئيٍّ مُتعلِّق بخبرٍ فرعيٍّ مِن أخبار النُّبوة؟!
والله المُوفِّق للحقِّ.
стр. 987
المَبحث الثَّامن نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديثِ المسيح الدَّجال
стр. 988
المَطلب الأوَّل سَوق الأحاديث المُتعلِّقة بالمسيح الدَّجال
عن عبدالله بن عمر ﵁ قال: ذكر النَّبي يومًا بين ظهري النَّاس المسيحَ الدجَّال، فقال: إنَّ الله ليس بأعور، ألا إنَّ المسيح الدجَّال أَعور العين اليمنى، كأنَّ عينه عِنَبَةٌ طافيةٌ .. » (١).
وعن أَنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بُعث نبيٍّ إِلَاّ وقد أنذر أُمَّته الأَعورَ الكذَّاب، ألا إنَّه أَعور، وإنَّ ربَّكم ليس بأعور، وإنَّ بين عينيه مكتوب (كافر») (٢).
وعن أَبي سعيد الخُدري ﵁ قال: حدثَّنا رسول الله ﷺ حديثًا طويلًا عن الدجَّال، فكان فيما حدَّثنا به أن قال: «يأتي الدَّجال وهو مُحرَّم عليه أن يدخل نِقابَ المدينة (٣)، فينزل بعض السِّباخ (٤) الَّتي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل
стр. 989
وهو خير النَّاس، أو من خيار النَّاس، فيقول: أشهد أنَّك الدَّجال الَّذي حدَّثنا رسول الله ﷺ حديثَه، فيقول الدَّجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثمَّ أحييته هل تشكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثمَّ يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشدَّ بصيرةً منِّي اليوم! فيريد الدَّجال أن يقتله، فلا يسلَّط عليه» (١).
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سأل أحدٌ رسولَ الله ﷺ عن الدَّجالِ أكثر ما سألته، وأَنَّه قال لي: «ما يَضُرُّك منه؟»، قلت: لأنَّهم يقولون: إنَّ معه جبلَ خُبزٍ ونهرَ ماءٍ، قال: «هو أَهْون على الله مِن ذلك» (٢).
وعن النَّواسِ بنِ سمْعَانَ ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الدَّجَّال ذاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فيه ورَفَّعَ (٣)،
حتَّى ظننَّاه في طائفة النَّخل! فلمَّا رُحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: «ما شأنكم؟» قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدَّجال غداة، فخفَّضت فيه ورفَّعت، حتَّى ظننَّاه في طائفة النَّخل، فقال: «غير الدَّجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجُه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤٌ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم، إنَّه شاب قَطَط (٤)، عينه طافئة، كأنِّي أشبِّهه بعبدِ العزَّى بن قَطَن، فمَن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارج خَلَّةً بين الشَّام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد الله فاثبتوا.
стр. 990
قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا، يوم كسَنةٍ، ويوم كشهرٍ، ويوم كجمعةٍ، وسائر أيَّامه كأيَّامكم»، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الَّذي كسنةٍ، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره».
قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: «كالغيثِ استدبرته الرِّيح، فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السَّماء فتُمطر، والأرض فتُنبت، فتروح عليهم سارِحتُهم (١) أطول ما كانت ذُرًا (٢)، وأسبَغه ضُروعًا، وأمدَّه خواصر، ثمَّ يأتي القوم، فيدعوهم فيردُّون عليه قولَه، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلِين (٣)، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرُّ بالخَرِبة، فيقول لها: أخرجي كنوزك! فتتبعه كنوزها كيعاسيبِ النَّحل (٤)، ثمَّ يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسَّيف، فيقطعه جَزْلَتين رميةَ الغَرَض (٥)، ثمَّ يدعوه، فيقبل ويتهلَّل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاءِ شرقيِّ دمشق بين مَهْرودَتين (٦)،
واضعًا كفَّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدَّر منه جُمان كاللُّؤلؤ، فلا يحلُّ لكافر يجد ريح نفسِه إلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طَرْفُه، فيطلبه حتَّى يدركه بباب لُدٍّ فيقتله» (٧).
стр. 991
وعن محمَّد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله ﵁ يحلف بالله أنَّ ابن الصَّائد الدَّجال، قلت: تحلف بالله؟! قال: «إنِّي سمعت عمر يحلف على ذلك عند النَّبي ﷺ ، فلم ينكره النَّبي ﷺ » (١).
стр. 992
المَطلب الثَّاني سَوْق المعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ للأحاديث المتعلِّقة بالدَّجال
أورَد المخالفون عدَّة شُبهاتٍ عقليَّة متعلِّقة بحقيقة الدَّجال وتشخُّصِه، ومتعلِّقة أيضًا بصفاتِه الثَّابتة في السُّنة، أبرزها مُجملٌ في سبعة مُعارضاتٍ:
المعارضة الأولى: أنَّ أحاديث الدَّجال تُنافي حكمةَ إنذارَ القرآن النَّاسَ بقربِ السَّاعة وإتيانها بغتةً، «فالمسلمون المنتظرون لها -أي للسَّاعة- يعلمون أنَّ لها أشراطًا تقع بالتَّدريج، فهم آمنون من مجيئها بغتةً في كلِّ زمن، وإنَّما ينتظرون قبلها ظهور الدَّجال، والمهدي، والمسيح ﵇، ويأجوج ومأجوج» (١).
المعارضة الثَّانية: أنَّ هذه الأحاديث نَسَبَت جملةً مِن الخوارق للدَّجال؛ تُضاهي أكبر الآيات الَّتي أيَّد الله بها أولي العزم من الرُّسل، أو تفوقها، وإثبات هذه الأحاديث يُعدُّ شبهةً على آيات الأنبياء، مما يُسقِط الثِّقة بها، والانتفاع بهدايتها.
المعارضة الثَّالثة: أنَّ هذه الخوارق مخالفة لسُنَنِ الله في خلقه، ونصوص القرآن قاطعة في أنَّه لا تبديل لسُنَّة الله تعالى ولا تحويل.
стр. 993
وهذه الشبهات الثَّلاث تولَّى كِبرها ومصادمة الأدلَّة القاطعة بثبوتِ المسيح الدَّجال: (محمَّد رشيد رضا) في «تفسيره» (١)، فأجلبَ على أحاديثه بأوقارٍ من الشُّبهات مِن جهة الرِّواية والدِّراية.
وقد ساق غيره مُعارضًا لصِفةٍ من صفات الدَّجال الواردة في الحديث؛ وهي ما ورد مِن أنَّه مكتوب بين عينيه (كافر)، فزعم منْعَ حملِ هذه الكتابة على حقيقتها، ومناطُ المنع عنده:
المعارض الرَّابع: أنَّه لو حُمِلت تلك الكتابة على حقيقتها، لاسْتوَى في إدراكِ ذلك المؤمن والكافر، ولم يقَع الاختصاص بإدراكِ ذلك للمؤمن فقط، ثمَّ إنَّ مِن المؤمنين من هو أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، أو مَن هو أعمى؛ فكيف يتَحَصَّل له إدراك ذلك؟
وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (حسن حنفي) ساخرًا ممَّا صحَّ مِن أَمر هذه الكتابة: « .. ومكتوب بين العَين العوراء والعَين العمياء كافر! وكأنَّ الجبين سَبُّورة أو قرطاس! وبأيِّ لونٍ تكون الكتابة؟ وبأيَّة لغةٍ؟ وما حجمها؟ وماذا عن المؤمن الَّذي لا يعرف القراءة أو اللُّغة؟ أو المؤمن الأعمى؟ .. » (٢).
المعارضة الخامسة: أنَّ بين أحاديثِ المسيحِ الدَّجال عِدَّة تَعارضاتٍ في تحديد شخصِ الدَّجال، وفي زمان خروجِه ومكانِه، وفي خوارِقه الَّتي تكون معه، وكلُّ هذه التَّعارضات يوجب تساقطَها بالمرَّة.
يفصِّل هذه التَّعارضات (رشيد رضا) في «تفسيره» فيقول:
«إنَّها متعارضة تعارضًا كثيرًا يوجب تساقطَها كما ترى فيما يلي؛ فمِن ذلك التَّعارض: .. أنَّه كان يشكُّ في ابنِ صيَّاد مِن يهود المدينة هل هو الدَّجال أم لا، وأنَّه وَصف ﷺ الدَّجال بصفاتٍ لا تنطبق على ابن صيَّاد، كما قال ابن صيَّاد لأبي سعيد الخدري ﵁.
стр. 994
ومن التَّعارض أيضًا: أنَّه يُصرِّح في بعض الرِّوايات بأنَّه يكون معه -أي الدَّجال- جبل أو جبال من خبزٍ ونهر أو أنهار من ماء وعسل، .. مع ما رواه الشَّيخان -واللَّفظ للبخاري- من حديث المغيرة بن شعبة ﵁، قلت: لأنَّهم يقولون إنَّ معه جبل خبزٍ ونهر ماء، قال ﷺ : بل هو أهون على الله من ذلك.
ومن التَّعارض أيضًا: ما وَرَد مِن اختلاف الرِّوايات في المكان الَّذي يخرج منه، ففي بعضِ الرِّويات أنَّه يخرج من قِبل المشرق على الإبهام، وفي حديث النَّواس بن سمعان ﵁ عند مسلم: أنَّه يخرج مِن خَلَّة بين الشَّام والعراق، وفي رواية أخرى لمسلم: أنَّه يخرج مِن أصبهان، وفي حديث الجسَّاسة عنده: أنَّه محبوس بدِيرٍ أو قصرٍ في جزيرة بحر الشَّام -أي البحر المتوسِّط وهو في الشَّمال- أو بحر اليَمين، وهو في الجنوب، وأنَّه يخرج منها» (١).
المعارضة السَّادسة: أنَّ المسيح الدَّجال لو كان حقيقةً لوَرَد ذكرُه في القرآنِ تحذيرًا للنَّاس مِن فِتَنِه، يقول (نيازي): «ليس في كلِّ القرآن ذكرٌ لأيِّ مسيح دجَّال، .. وإنَّما هي مِن محرَّفات أهل الكتاب جميعًا» (٢)
المعارضة السَّابعة: أنَّ في الأحاديث الواردة في وصفِ المسيح الدَّجال تجسيمًا لله تعالى وتشبيهًا له بصفات خلقه، فهي تثبت ضمنًا أنَّ لله عينين.
يقول إسماعيل الكردي: «الإشكال الكبير في الحديث أنَّه عندما يميِّز الدَّجال المدَّعي للألوهيَّة عن الله الحقِّ المتعال، يقول: إنَّ الدَّجال أعور، بعكس الله الَّذي ليس بأعور، وهذا يفيد أنَّ لله تعالى عين أو عينين! إذ لو لم تكن العينان ثابتتان لله تعالى أصلًا لما كان هنالك وجه لمثل هذه المقارنة!
وهذا بالضَّبط ما يذهب إليه الحشويَّة، فيجعل هذا الحديث دليلًا على ما يسمِّيه صفة العينين أو الأعين لله! ومن هنا فإنَّ فخر المتكلِّمين الإمام محمد بن
стр. 995
عمر الرَّازي طعن في كتابه (أساس التَّقديس) في صحَّة هذا الحديث، وقال: لا يصحُّ متنه وإن كان مخرَّجًا في الصَّحيح، لأنَّ فيه تجسيمًا وتشبيهًا لله تعالى» (١).
стр. 996
المَطلب الثالث دَفعُ دعوى المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ للأحاديثِ المتعلِّقة بالدَّجالِ
قبل التَّصدي لدحضِ مجموعِ المعارضاتِ للأحاديث المتعلِّقة بالدَّجال، يحسُن في هذا المقام التَّأكيد على جملةٍ مِن المسائل دَلَّت عليها هذه الأحاديث المَسوقةُ آنفًا (١):
أوَّلًا: إثباتُ أنَّ للمسيح الدجَّال وُجودًا مَوضوعيًّا.
ثانيًا: أنَّ خروجه أعظم الفِتن الَّتي توارَد أنبياء الله تعالى على التَّحذير منها، وكان أشدَّهم تحذيرًا منه، وبيانًا لنعوته، وكشْفًا عن العِصَم الَّتي تَقي منه: نبيُّنا محمَّد ﷺ .
ثالثًا: أنَّ خروجه مِن أعظم دلائلِ قُربِ السَّاعةِ وأشراطها الكبرى.
تلك الأحاديث المرويَّة في شأن الدَّجال فيما أفاد هذه المسائل قد تواترت تواترًا معنويًّا، ونظَمَها غيرُ واحدٍ من أهل العلم بمخارجِ الأحاديث في سلْكِ الأخبار المقطوع بثبوتِها (٢).
стр. 997
قال أبو العبَّاس القرطبي: «الَّذي يجب الإيمانُ به: أنَّه لا بُدَّ مِن خروج الدجَّال يَدَّعي الإلهيَّة، وأنَّه كذَّاب أعور؛ كما جاء في الأحاديث الصَّحيحة الكثيرة، الَّتي قد حَصَّلت لِمن عاناها العلمَ القطعيَّ بذلك» (١).
ومِمَّن حَكمَ بتواتُرِ أحاديث الدَّجال: أبو الحسن الأشعريُّ (٢)، وابن قيِّم الجوزيَّة (٣)، وابن كثير الدِّمشقي (٤).
ولثبوتِ أحاديثِ الدجَّال، والقطع بنسبتها إلى الرَّسول ﷺ ، درجَ أهل العلم على عدِّ الإيمان بما تَضمَّنته تلك الأحاديث مِن جُمَل عقائدهم؛ سواءً كان ذلك في مَطاوي مَعْلماتهم الجامعةِ لأحرفِ الاعتقاد (٥)، أو ضمن أسفارِهم الَّتي عقدوها على جِهة الإفرادِ لبيانِ أشراط السَّاعة والفِتنِ الحاصلةِ في آخر الزَّمان (٦).
يقول أحمد بن حنبل: «الإيمان أنَّ المسيح الدَّجال خارجٌ، مَكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث الَّتي جاءت فيه، والإيمان بأنَّ ذلك كائن، وأنَّ عيسى بن مريم ﵇ ينزل، فيقتله بباب لدٍّ» (٧).
ثمَّ إجماعُ أهلِ السُّنةِ مُنعقِدٌ على ما تضمَّنته هذه المتواترات من أخبار؛ كما حكاه ابن عبد البرِّ في تقريرِه لعَقدِ أهل السُّنة والجماعة، بعد أن أسند إلى سفيان بن عيينة قولَه: «الإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّة، والإيمان يزيد وينقص، والإيمان
стр. 998
بالحوض، والشَّفاعة، والدَّجال»، قال: «على هذا جماعةُ المسلمين، إلَّا مَن ذكرنا فإنَّهم لا يُصدِّقون بالشَّفاعة، ولا بالحوض، ولا بالدَّجال» (١).
يُشير ابن عبد البرِّ بِمَن ذكَر إلى طوائف مِن الخوارج، والجهميَّة، والمعتزلة (٢).
وهذا ما وافقه عليه أبو محمد ابن حزم، حيث أشار إلى المنكرين للدجَّال وأحاديثِه بقوله: «أمَّا ضِرار بن عمرو وسائر الخوارج: فإنَّهم يَنفون أن يكون الدَّجالُ جملةً، فكيف أن يكون له آية؟!» (٣).
وقال القاضي عياض: «هذه الأحاديث الَّتي أدخلَها مسلم في قصة الدَّجال، حُجَّة أهل الحقِّ في صحَّة وجوده، وأنَّه شخصٌ معيَّن، ابتلى الله به عبادَه، وأقدره على أشياء مِن قدرته؛ ليَتميَّز الخبيث مِن الطيِّب .. هذا مذهب أهل السُّنة، وجماعة أهل الفقه والحديث ونُظَّارهم» (٤).
وقال أبو العبَّاس القرطبي: «فائدة الإنذار -أي بالدجَّال-: الإيمانُ بوجوده، والعزم على معاداتِه، ومخالفته، وإظهار تكذيبه، وصدقِ الالتجاء إلى الله تعالى في التعوُّذ مِن فتنتِه؛ وهذا مذهب أهل السُّنة، وعامَّة أهل الفقه والحديث؛ خِلافًا لمِن أنكرَه» (٥).
فأمَّا جوابُ المعارضةِ الأولى لكلِّ هذا الَّذي قرَّرناه من دعوى المخالِف أنَّ أحاديث الدجَّال تُنافي الحكمة من إنذارِ القرآن بقُربِ السَّاعةِ، وإتيانها إلى النَّاس بغتةً:
فإنَّ مِن مَثارات الغَلط في هذه الدَّعوى نَصْبَ التَّلازم بين التَّصديق بهذه الأشراط، وبين انتفاءِ ما اختصَّت به السَّاعة من مجيئها بغتةً؛ والواقع أنَّ التَّلازمَ
стр. 999
مُنْتَفٍ؛ فإنَّ هذه الأشراط الَّتي يَقطع علماءُ المسلمين بصحَّةِ الخبرِ بها، غايتُها أن تتَميَّز بها السَّاعة قدرًا مِن التَّمْيِيز، وأمَّا التَّحديد التَّام فهو مِن الغيب المُطلق الَّذي اختَصَّ الله به.
ولعلَّ ما أوقعَ (رشيد رضا) في هذه المُغالطة: ظنُّه أنَّ ترتيبَ حَدثٍ بعد وقوع حَدَثٍ قبله، يمنعُ حدوثَ الأخير منهما في التَّرتيب أن يكون بَغتةً؛ وهذا فَهم خاطئ، يُتبيَّن زغله إذا علمنا:
أنَّ معنى (البَغتة) في اللُّغة: المفاجأة بالشَّيء (١)، أي: نفي عِلمِك بمَجيء وقتِ ذاك الشَّيء بالتَّعيين، فأمَّا عِلمُك بقربِ وقتِه لعلامةٍ ما، لا يعني معرفتَك بوقتِه تحديدًا، فلا تَلازم.
هذا ما قرَّره ابن جرير الطَّبري بفصيح عبارةٍ في مَعرضِ حديثه عن السَّاعة وأشراطِها الكُبرى، فقال:
«إنَّ تلك أوقاتٌ لا يَعلم أحدٌ حدودَها، ولا يعرف أحدٌ مِن تأويلِها إلَّا الخبر بأشراطِها، لاستئثارِ الله بعلمِ ذلك .. وكان نبيُّنا محمَّد ﷺ إذا ذكر شيئًا من ذلك لم يدلَّ عليه إلَّا بأشراطه، دون تحديده بوقتٍ، كالَّذي رُوي عنه ﷺ أنَّه قال لأصحابه إذا ذكر الدَّجال: «إنْ يخرُج وأنا فيكم، فأنا حجيجُه، وإن يخرج بعدي، فالله خليفتي عليكم»، وما أشبه ذلك مِن الأخبار .. الدَّالةِ على أنَّه ﷺ لم يكن عنده عِلمُ أوقاتِ شيءٍ منه بمَقادير السِّنين والأيَّام، وأنَّ الله -جلَّ ثناؤه- إنَّما كان عرَّفه مجيئَه بأشراطه، ووقتَه بأدلَّته» (٢).
والَّذي أعجب منه، ليست غفلة (رشيد رضا) عن هذا الفرق اللُّغويَّ المهمِّ، ولكن عجبي من أنَّه -وهو المُعترض على هذه الأحاديث بدعوى أنَّ خروجَ الدَّجال وأشراط السَّاعة قاضيةٌ على الحكمةِ مِن إخفاء السَّاعة- هو نفسُه قبل مَوضعِ اعتراضِه هذا بصفحاتٍ يَسيرة، يقرِّر «أنَّ للسَّاعة أشراطًا ثَبَتت في الكتابِ
стр. 1000
والسُّنة .. وأعظمها بعثةُ خاتم النَّبيَّين، بآخر هداية الوحي الإلهيِّ للنَّاس أجمعين؛ لأنَّ بعثتَه ﷺ قد كَمُل بها الدِّين .. وبكماله تكمُل الحياة»! (١)
ومهما يكن حَصرُ (رشيد رضا) لتلك الأشراطِ في بعضِها القليلِ -كبعثة النَّبي ﷺ فإنَّ ما أورَده مِن إشكالِ في الأشراط الأخرى واردٌ على ما أثبته من ذاك القليل، فما كان جوابه عنها فهو جوابنا عن سائرِها.
ثمَّ هذا الاعتراض وإن رَاشَه (رشيد رضا) على أحاديث أشراطِ السَّاعة، فقد فاته أنَّ ذلك يَسري إلى الآيات النَّاصة على أنَّ للسَّاعة أشراطًا -بإقراره هو أنَّها في القرآن- سواءً بسواء! مِن ذلك -مثلً- قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨].
فلا مَحيص للمُعترضِ عن الوقوعِ في مخاضةِ هذا الإلزامِ إلَّا باتِّهام الرَّأي قبل التَّسارع في الطَّعن في الدَّلائل ببادي الرَّأي.
ومُحصَّل التَّحقيق في هذا الباب:
أنَّ هذه الأشراط -ومنها خروج الدَّجال الأكبر- إنَّما تَدلُّ على قُربِ السَّاعة، لا على تحقُّقِ العلمِ بوقوعِها، وعلَّة ذلك: انتفاءُ العلم بالمدَّة الزَّمنيَّة المحدَّدة بين تلك الأَشراط وبين وقوع السَّاعة، «وبهذا يكون الأمرُ نَقيضَ ما ذكره المُعترضون؛ بأن يكون العلم بهذه الأشراط: باعثًا على العملِ، موقِظًا من الغفلة، زاجرًا عن التَّمادي في المعاصي.
وهل قَطَّع قلوبَ الصَّالحين، وأذابَ أكبادَهم، كمثلِ تذَكُّر تلك الأهوالِ العِظام، وما فيها مِن فِتَنٍ تفزَع منها القلوب» (٢).
وأمَّا المعارضة الثَّانية: وهو دَعواهم أنَّ هذه الأحاديث نَسَبت جُملةً مِن الخوارقِ للدَّجَال تُضاهي أكبر الآيات التي أيَّد الله بها أولي العزم ... إلخ؛ فالجواب عنها أن يُقال:
стр. 1001
إنَّ منشأ الخطأ عند هؤلاء راجعٌ في حقيقتِه إلى إغفال أمرين مهِمَّين:
الأمر الأول: النَّظر في حقيقةِ دعوى الدَّجال التي يدَّعيها لنفسِه:
فإنَّ دعوى الدَّجَّال الَّتي تصحبُها تلك الخوارق هي دَعوى الرُّبوبية، لا النُّبوَّة والرِّسالة! وعلى هذا، فاقترانُ هذه الخوارق بدعواه، ومُضاهاتها لآياتِ الأنبياءِ ليست مَثار إشكال؛ لكونِه لم يَدَّع الرِّسالة أصلًا حتَّى يُقال: إنَّ هذه الخوارق مُعجزات وآيات قامت مَقام تصديقِ الله تعالى له.
الأمر الثَّاني: النَّظر في ما اقترنَ بالدَّجالِ مِن أحوال وصفات، تُبرهن على حقيقةِ أمرِه، وتكشِف عن زَيْفِ دَعواه:
وهو أنَّ الدَّجال مَوسوم بصفاتٍ وعلاماتٍ تقوم مَقام تكذيبِه فيما يدَّعيه؛ سواء مِن أمرِ الرُّبوبية أو الألوهيَّة، وهذه الأمور المُقترِنة معه تُبطِل أثرَ تلك الخوارق، وتَزيدُ اليقينَ عند المؤمنين بكذبه؛ وإلَاّ لمَا كان للنبَّي ﷺ فَضلٌ ومَزيَّة على غيره مِن الرُّسل في الإبانةِ عن أمر الدَّجال، ولا في قولِه لهم: «ألا أحدِّثكم حديثًا عن الدَّجال ما حدَّث به نبيٌّ قومَه؟ .. » الحديث (١)، ولَمَا كان في قوله ﷺ : «إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حجيجُه دونكم، وإنْ يخرج ولستُ فيكم فأمرُؤٌ حجيجُ نفسه» فائدةٌ تُذكر.
فإنَّ المقصودَ من قولِه ﷺ : « .. فامرؤٌ حَجيجُ نفسه» أنَّ الدَّجال إنْ خرجَ ولستُ فيكم «فليحتجَّ كلُّ امرئٍ عن نفسِه بما أعلمتُه مِن صِفته، وبما يدلُّ عليه العقلُ مِن كذبه في دعوى الإلهيَّة؛ وهو خَبرٌ بمعنى الأمر، مع ما فيه مِن التَّنبيه على النَّظر عند المُشكلات، والتَّمسُّك بالأدلَّة الواضحات» (٢).
والمؤمن ببصيرتِه يُسدِّده الله تعالى، فينكشِف له في أَزمانِ الفِتنِ ما لا ينكشفُ لغيره، ويَتبيَّن له صدق الصَّادق، وافتراء المفتري، والدَّجال أكذب الخلق، وكَذبه ظاهر، لا يُنفَق على أهلِ اليقين.
стр. 1002
يصدِّق هذا قول ابن تيميَّة: «المؤمن يَتبيَّن له ما لا يتبيَّن لغيره؛ لا سيما في الفِتن، وينكشفُ له حال الكذَّاب الوضَّاع على الله ورسوله؛ فإنَّ الدَّجال أكذبُ خلقِ الله، مع أنَّ الله يُجري على يَديه أمورًا هائلة، ومخاريقَ مُزَلزِلة؛ حتَّى أنَّ مَن رآه افتُتِن به، فيكشفها الله للمؤمن، حتَّى يعتقد كذبَها وبطلانَها، وكلَّما قوِيَ الإيمان في القلب قويَ انكشافُ الأمور له، وعَرَف حقائقَها مِن بواطلها؛ بخلافِ القلب الخَراب المُظلِم» (١).
فإن قيل: لكن مع وجودِ هذه الصفات المُخبَر عنها في الأحاديث الدَّالة على كذب الدَّجال؛ فإنَّ وجود ما يُضادُّها مِن الخوارق الَّتي يُجريها الله على يديه، يَبعثُ إلى الافتتانِ به، والحيرة في أمره!
فيُقال: نعم هذا حقٌّ، فإنَّ ما يُجريه الله على يَديه فتنةٌ عظيمة، لا يخلُص منها إلَّا أهل الإيمان؛ كما قال ذلك الشَّاب المؤمن الَّذي قتَله الدجَّال ثمَّ أحياه: «ما كنتُ فيك أشدَّ بصيرةً مِن اليوم»؛ وكما يحصل لمَن في قلوبِهم مَرض، وأهل النِّفاق والكَفرة من ازدياد الارتياب والفتنة به؛ فهذا الأمر -كما يقرِّره الخطَّابيُّ- «جائزٌ على سبيلِ الامتحانِ لعبادِه؛ إذْ كان منه ما يدلُّ على أنَّه مُبْطِل، غير محقٍّ في دعواه؛ وهو أنَّ الدَّجال أعور عَينِ اليمنى، مكتوب على جبهته كافر، يقرؤه كلُّ مسلم، فدعواه داحضة مع وسْم الكُفر، ونَقْص العور، الشَّاهدَيْن بأنَّه لو كان ربًّا لقَدِر على رفع العَور عن عينِه، ومَحْو السِّمةِ عن وجهِه، وآياتُ الأنبياء الَّتي أُعطوها بَريئةٌ عمَّا يُعارضها ونقائضها، فلا يشتبهان بحمد الله» (٢).
وأمَّا المعارضة الثَّالثة: وهي زعمهم أنَّ هذه الخوارق مخالفة لسُنن الله ... إلخ:
فالجواب عنها: ما أبنتُ عنه في المبحثِ المنعقدِ لدفعِ المُعارضِ العقليِّ عن الآياتِ الحسيَّة للأنبياء؛ والَّذي يأتي في مبحث مستقلٍّ.
стр. 1003
وأمَّا المعارض الرَّابع: وهو قولهم أنَّ الكتابةَ لو حُمِلت على حقيقتها، لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر، وأنَّ مِن المؤمنين مَن هو أمِّيٌّ أو أعمى .. إلخ:
فالَّذي يتحقَّقه العقلاء الأسوياء في درء هذه الشُّبهة، أنَّ العقل لا يُحيل ذلك، فهم يعلمون أنَّ الربَّ ﵎ الَّذي قَدِر على أن يَصرِف الكافر عن إدراك هذه الكتابة، لا يُعجِزه سبحانه أن يُمكِّن المؤمنَ الأميَّ والأعمَى مِن إدراكها! وكِلا الفِعلين الإلهيِّين -مِن الصَّرف عن تلمُّحِ الكتابةِ والتَّمكين من إدراكها- أمران غَيْبيَّان نجهل كيفيَّتهما على التَّحقيق.
وعلى هذا؛ فحملُهم الخاطئ للوارد في هذا الحديث مِن أمرِ الكتابةِ على معنى ما ثَبت من شواهدِ عجْزِه وظهور نقصِه: هو «عُدولٌ وتحريفٌ عن حقيقةِ الحديث من غير مُوجبٍ لذلك، وما ذكره المعترض مِن لزوم المُساواةِ بين المؤمن والكافر في قراءةِ ذلك، لا يلزم من وجهين:
أحدهما: أنَّ الله يَمنع الكافرَ مِن إدراكِه؛ ولا سيما وذلك الزَّمان قد انخرقت فيه عوائد؛ فليكن هذا منها! وقد فُهِم ذلك ممَّا جاء في بعضِ طُرقه: «يقرؤه كلُّ مؤمنٍ؛ كاتبٍ وغير كاتبٍ .. »، وقراءة غيرِ الكاتبِ خارقةٌ للعادة.
وثانيهما: أنَّ المؤمن إنَّما يُدركه لتثبُّتِه ويقظتِه، ولسوءِ ظنِّه بالدَّجال، وتخوُّفه من فتنتِه، فهو في كلِّ حالٍ يستعيد النَّظر في أمرِه، ويَسْتزيد بصيرةً في كذبه؛ فينظر في تفاصيل أحواله، فيقرأ سطورَ كفرِه وضلاله، ويتبيَّن عينَ محالِّه.
وأمَّا الكافر: فَمَصروفٌ عن ذلك كلِّه؛ بغفلتِه وجهلِه، وكما انصرف عن إدراك نقص عَوَرِه، وشواهد عجزِه؛ كذلك يُصرَف عن فهم قراءة سطورِ كفره ورَمْزِه» (١).
стр. 1004
فالَّصحيح الَّذي عليه المحقِّقون من أهل العلم: أنَّ الكتابة المذكورة حقيقة، جعَلَها الله علامةً قاطعةً يُكذَّب بها الدَّجال، فيُظهِر الله المؤمنين عليها، ويخفيها على مَن أراد شقاوَتَه (١).
والقاضي عياض وإن حكى في ذلك خلافًا، أنَّ بعضهم قال: هي مَجازٌ عن سِمة الحدوث عليه (٢)؛ فهذا مذْهب ضعيف.
يقول فيه ابن حجر: «ولا يَلزم مِن قولِه: «يقرؤُه كلُّ مؤمنٍ، كاتبٍ وغير كاتب .. » أن لا تكون الكتابةُ حقيقةً، بل يُقدِّر الله على غيرِ الكاتب عِلمَ الإدراك، فيقرأ ذلك، وإنْ لم يكن سَبق له معرفةٌ بالكتابة؛ وكأنَّ السِّرَّ اللَّطيفَ في أنَّ الكاتب وغير الكاتب يقرأ ذلك: لمناسبةِ أنَّ كونَه أعور يُدركه كلُّ مَن رآه» (٣).
فبهذا يَتبيَّن أنَّ مَن ذهب إلى تأويلِ الأحاديث الدالَّةِ على الوجودِ العَينيِّ للدَّجَّال، بحملِها على الرَّمزِ والإشارةِ؛ وأنَّها ترمز إلى الخرافةِ والدَّجل، الَّتي تزول بتقريرِ الشَّريعة على وجههِا -كما ذَهب إلى ذلك (محمَّد عبده) (٤) -، أو أنَّها ترمزُ على الشرِّ واستعلائه -كما تأوَّلها (محمَّد أَسد)، وارتضاه (مصطفى محمود) (٥) -: كلُّ هذه التَّأويلات لا تثبُت على قَدَمٍ، وبطلانُها بيِّنٌ مِن وجوه:
الوجه الأوَّل: أنَّ هذه التَّأويلات مُؤسَّسة فيما يظهر على الإحالةِ العقليَّة، ولا إحالة تمنع مِن قبول أحاديثِ الدجَّال والتَّسليمِ بها؛ بل هي جاريةٌ على سَنَن العَقل، والشَّرعُ مُثْبِت لها، وما أثبته الشَّرعُ فهو يَقينًا مُوافقٌ للعقل، ومَن تأمَّل هذا في جميع ما أخبر به الرَّسول ﷺ ، فمُحالٌ أن تَزِلَّ قدمُه عند ورودِ بعضِ ما يُشكِل على هذا الأصل.
стр. 1005
الوجه الثَّاني: أنَّ هذه التَّأويلات قَدْحٌ في تبليغِ النَّبي ﷺ ؛ لأنَّه مِن المُتقرَّر شرعًا وعقلًا أنَّ مَن أراد النُّصحَ والبيانَ لأحدٍ مِن الخلق، فإنَّه لابدَّ أن يَعمَد إلى أقربِ الطُّرقِ للإفهام، ويَتخيَّر مِن الألفاظِ ما تحصل به الإبانة، وتقع به النَّصيحة، فإنْ تَحاشى مُريد النَّصيحةِ هذا السَّبيل بأنْ عَمد إلى الإبهام، مع الحاجة إلى البيان: استدلَّ النَّاظر في حال هذا المتنكِّب عن هذا السَّبيل على أنَّه: جاهلٌ عاجزٌ عن الإبانة، أو قاصدٌ لتضليل المُخاطَب، وإيقاعِه في الحِيرة!
ولا ريب أنَّ المُتأوِّلين لأحاديثِ الدَّجالِ ونحوها على خلاف الظَّاهر المُتبادر منها، وإن لم يَتَقصَّدوا أحدَ هذين الاحتمالين: فإنَّهم واقعون في وصفِ الرَّسول ﷺ بأحدِهما لزومًا.
الوجه الثَّالث: أنَّ حملَ هذه الأحاديث الدَّالة على تشخُّصِ الدَّجال، وخروجِه على الرَّمز والتَّخييل، بلا قرينة توجب ذلك: هو عدولٌ عن الظَّاهرِ المُتبادَر بلا ضرورة عقليَّة ولا شرعيَّة تستدعيه.
وطَرْقُ بابِ التَّأويل لأدنى إشكالٍ يَنقدح في عقل النَّاظر في مثل هذه الأحاديث، يَبعثُ على فتحِ البابِ على مصراعَيْه لتأويلِ أحرفِ الشَّريعة كلِّها، فلا يُوثَق بعدُ بخَبرٍ، ولا ينعقد القلب على دينٍ؛ وهذا هو الانحلال بعينِه، وهَدْم الشَّريعة وتَقْويضها (١).
وأمَّا المعارض الخامس: في دعوى المخالفِ تناقضَ أحاديث الدَّجال في تحديدِ شخصِه، أو في زمانِ خروجِه ومكانِه، أو في خوارِقه الَّتي تكون معه؛ فإنَّا نبيِّن زيفَ دعاوي التَّناقض هذه كلًّا على حِدة:
فأمَّا دعواه أنَّه ﷺ كان يشكُّ في ابن صيَّاد هل هو الدَّجال أم لا، مع أنَّه وَصَف الدَّجال بصفاتٍ لا تنطبق على ابن صيَّاد: فالحقُّ أنَّ الاختلافَ في ابنِ الصَّياد (٢) لا يُنكَر وقوعه بين العلماء، «وأشكلَ أمرُه، حتَّى قيل فيه كلُّ مَقيل» (٣).
стр. 1006
والَّذي يَقتضيه المنهج العلميُّ الصَّحيح هنا: الرُّجوع بهذا الاختلاف وأدلَّته إلى قواعد الجمع، ثمَّ التَّرجيح بضوابطه إن تَعذَّرت الأولى، أمَّا أن يُقدم المخالف على قفزِ تلكم المراحلِ المنهجيَّة، والرِّضا بعدُ بإسقاطِ الأدلَّة كلِّها بدعوى الاضطراب: فنَأيٌ عن الجادَّة الَّتي تَوَالى الأصوليُّون على التَّوصيةِ بسلوكِها في مثل هذه القضايا النَّقليَّة.
فمن ذلك: ذهاب بعضِ أهلِ العلمِ إلى كونِ ابن الصَّياد هو المسيح الدَّجال (١)، وأنَّه هو الخارج آخر الزَّمان، واستشهدوا بما مَرَّ عن محمَّد بن المنكدر قال: «رأيتُ جابر بن عبد الله ﵁ يحلف بالله أنَّ ابن الصَّائد الدَّجال، قلت: تحلف بالله؟! قال: إنِّي سمعت عمرَ يحلف على ذلك عند النَّبي ﷺ ، فلم ينكره النَّبي ﷺ » (٢)، وبقول جابر ﵁ أيضًا: «فقَدْنا ابنَ الصيَّاد يوم الحَرَّة» (٣)، وتأوَّلوا فقدَه هذا برجوعِه إلى جزيرتِه الَّتي رآه فيها تَميم الدَّاري مُوثَّقًا!
يقول النَّووي: «أمَّا احتجاجُه هو -أي ابن الصَّياد على مَن اتَّهمه بأنَّه الدَّجال- بأنَّه مُسلم، والدَّجال كافر، وبأنَّه لا يولد للدَّجال، وقد وُلِد له هو، وأن لا يدخل مكَّة والمدينة، وأنَّ بن صيَّاد دخل المدينة، وهو متوجِّه إلى مكَّة: فلا دلالة له فيه، لأنَّ النَّبي ﷺ إنَّما أخبر عن صِفاته وقتَ فتنتِه وخروجِه في الأرض» (٤).
стр. 1007
وذهب غير هؤلاء إلى أنَّ المسيح الدَّجال الخارجَ آخر الزَّمان غير ابن الصَّياد الَّذي عاش في المدينة زمنَ النُّبوة (١)، فإنَّ هذا «كان دجَّالًا مِن الدَّجاجلة، ثمَّ تِيب عليه بعد ذلك، فأظهرَ الإسلام، والله أعلمُ بَضميرِه وسَريرتِه» (٢).
ودليلهم على ذلك: حديثُ تميم الدَّاري ﵁ الطَّويل المشهور في «صحيح مسلم» (٣)، وقد مرَّ أنَّه أخبرَ النَّبيَّ ﷺ بلُقياه المسيحَ الدَّجالَ -بتقديرٍ مِن الله تعالى- مُوثقًا في دِيرٍ بإحدى الجُزر النَّائية في البحر، فذكره له بأوصافٍ تخالف ما عليه ابنَ الصَّياد.
وحملَ بعضُ هؤلاءِ جزمَ عمر ﵁ على أنَّ ابن الصَّياد هو المسيحُ الدَّجال على عدم اطِّلاعِه على حديث تميمٍ وقتَ حلِفِه، وحملوا جزمَ جابر ﵁ لمَّا رأى سكوتَ النَّبي ﷺ عند حلف عمر ﵁ بأنَّه اجتهادٌ منه مَنقوض، وذلك أنَّ «الظَّاهر أنَّ النَّبي ﷺ لم يكُن قد أُوحِيَ إليه وقتئذٍ في أمره بشيءٍ، وإنَّما أوحي إليه بصفاتِ الدَّجال، وكان في ابن صيَّاد قرائن محتملة، فلذلك كان ﷺ لا يقطع في أمره بشيء» (٤).
فكان سِرُّ سكوتِه ﷺ على حَلفِ عمرَ: عَدمُ تحقُّقِه مِن بطلانِ ما حَلف عليه، فلا يُعَدُّ هذا السُّكوت في هذه الحالة تقريرًا، خصوصًا إذا عُلِم أنَّ مِن شرط العَمل بالتَّقرير: ألَّا يعارضَه تَصريحٌ يخالفه (٥).
فبهذا يرجُح عندي أنَّ قول مَن نفى أن يكون المسيح الدَّجال هو ابن الصَّياد هو الأصوب.
стр. 1008
ومهما يكُن أحدُ القَولين هو الصَّواب، فكِلا قائلَيْه من أهل العلم قد أصابَ المنهجَ الصَّحيح، بسلوكهم لسبيل الجمعِ والتَّرجيح بين أدلَّة الباب، بدلَ الإقدامِ على خطيئة الطَّعنِ في البابِ جملةً.
وأمَّا عن التَّعارض الثَّاني: في دعوى (رشيد رضا) أنَّ بعضَ الرِّوايات تُصرِّح بأنَّه يكون مع الدَّجال جبالٌ من خبزٍ ونهر أو أنهار من ماء وعسل .. إلخ، في حين أنَّ ما رواه الشَّيخان من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ ينفي ذلك عنه، حيث قال للنَّبي ﷺ : لأنَّهم يقولون إنَّ معه جبل خبزٍ ونهر ماء، فقال ﷺ : هو أهون على الله مِن ذلك.
فجوابه: سائرٌ على منوالِ ما سبق تقريره مِن الجواب على دعوى التَّعارض قبله، ذلك أنَّ «إعمالَ الدَّليلين أَوْلَى مِن إهمالِها» (١)، ثمَّ التَّرجيح إن استحكَم العجز عن الجمع، وقد سبق تقريره.
فنقول: إنَّ قولَه ﷺ : «هو أَهْوَن على الله مِن ذلك» مُحتمل مَعنَيْين:
المعنى الأوَّل: أَنَّ الدَّجالَ أهونُ مِن أن يُجرِيَ الله على يديه هذه الخوارق؛ وإنَّما هو تخيِيل، وسِحرٌ يَسحر به أعينَ النَّاس.
وهذا المعنى اختاره الطَّحاويُّ في تفسيرِ الحديث (٢)، فقَرَّر أنَّ ما يُظهِره الدَّجال ليس إلَّا تخييلًا ومَخْرَقةً لا حقيقةَ تحتها، واستدلَّ تأييدًا لذلك بحديثِ أبي الزُّبير عن جابر ﵁ مرفوعًا: « .. ثمَّ يأمرُ السَّماءَ فتُمطر فيما يَرى النَّاس، ويقتلُ نفسًا ثمَّ يحييها فيما يَرى النَّاس» (٣).
وعلى الطَّريقة نفسِها في الجمعِ سارَ ابن حبَّان البُستي، فقرَّر أنَّ «إنكارَ المصطفى ﷺ على المغيرة بأنَّ مع الدَّجال أنهار الماء، ليس يُضادُّ خبرَ
стр. 1009
أبي مسعود ﵁ الَّذي ذكرناه، لأنَّه أَهْوَن على الله مِن أن يكون معه نهرٌ الماء يجري، والَّذي معه يرى أنَّه ماءٌ ولا ماءٌ، من غير أن يكون بينهما تَضادٌّ» (١).
والمعنى الثَّاني: أنَّه أَهْون مِن أن يجعلَ ما يخلقه الله تعالى على يَديه مُضِلًّا للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوبِ الموقنين.
يقول القاضي عياض: «قوله في هذا الحديث: « .. هو أهْوَن على الله مِن ذلك»، أي: مِن أن يجعلَ ما يخلقُه على يدِه مُضِلًّا للمؤمنين، ومُشكِّكًا لقلوبِ المُوقنين؛ بل يزيد الَّذين آمنوا إيمانًا، وليرتاب الَّذين في قلوبهم مَرض والكافرون» (٢).
وقال ابن حجر: « .. فدلَّ ما ثَبت مِن ذلك على أنَّ قوله ﷺ : « .. هو أهون على الله من ذلك» ليس المراد به ظاهره، وأنَّه لا يجعل على يديه شيئًا مِن ذلك؛ بل هو على التَّأويل المَذكور» (٣)، يعني: تفسيرَ القاضي عياض السَّالف الذِّكر.
فلمَّا أن كان هذا اللَّفظ مِن رسول الله ﷺ محتملًا لكِلا هذين المعنيين؛ كان المُتعيَّن البحث عمَّا يزيح أحد الاحتمالين؛ فوجدنا أنَّ الأحاديث الأخرى قد أبانت عن أنَّ ما مع الدَّجال من الخوارق على بابها وظاهرها، فلم يسعنا حينئذٍ إلَّا المصير إليها، واتِّخاذها أصلًا مُحكما يُردُّ إليها ما تشابه من الألفاظ (٤).
فأمَّا استدلالُ الطَّحاوي بحديثِ جابر ﵁: فلا يستقيم له إلَّا بعد التَّسليم بصحَّة ثبوتِه؛ وهذا ما لا يتمُّ له؛ لتفرُّد أبي الزُّبير عن جابر ﷺ بتلك الزِّيادة الَّتي لم تقع في الأحاديث الأخرى، أعني قولَه: «فيما يرى النَّاس»، فهي زيادةٌ تخالف رواياتِ الثِّقاتِ للحديث، لا أعلمها إلَّا مِن رواية أبي الزُّبير عن جابر (٥).
стр. 1010
فكيف تثبت هذه الزِّيادة أنَّ الإمطارَ مجرَّد تخيُّلٍ لا حقيقة له، وقد أنبتت الأرض منه حقيقةً، وأكل النَّاس مِمَّا أخرجت؟!
وإن كان الدَّجال قد خيَّل للنَّاسِ شَقَّ الشَّاب المؤمن فِلْقَتين، ثمَّ أرجعَه كما كان حيًّا، فهل يُعقل أنَّ الشَّابَ المفعول به ذاك قد شملَه ذاك التَّخييل وقد صرخ بوقوعه؟! وإلَّا فما منعه أن يجهر في النَّاس أنَّ ما أجراه الدَّجال عليه مجرَّد تخييلٍ وتدليسٍ لا حقيقة له لم يُمَسَّ فيه بسوء؟! في حين أنَّ الرِّوايات الصَّحيحة تُثبت أنَّ الشَّابَ قد تَيقَّن أنَّه قد أُحْيِيَ بعد مَقتلِه، فزاد بذلك يَقينُه بما كان أخبرَ النَّبي ﷺ مِن كونِ ذلك على الحقيقة!
مِن هنا نتبيَّن: أنَّ ما ذهب إليه الطَّحاوي وابن حبَّان مِن تأويلٍ لمِا مع الدَّجال من الخوارق على معنى التَّمويه والتَّخييل تردُّه تلك الأحاديث البيِّنة الدالَّة على أنَّ ما يُظهِره الله على يَديه مِن أمرِ السَّماء بالإمطار فتُمطر، والأرضِ فتُنبت، واتِّباع كنوز الأرض له كيعاسيب النَّحل، وقتْله ذلك الشَّاب ثمَّ إحيائه له: كلُّه حقيقةٌ لا مَخْرقة، وليس هناك ما يَمنع من جريانِ تلك الخوارق على يَديه، والزَّمن زَمن انخراق السُّنَن.
ولذا قال أبو العبَّاس القرطبي: «أمَّا مَن قال: إنَّ ما يأتي به الدجَّال حِيَلٌ ومخارق فهو مَعزول عن الحقائق؛ لأنَّ ما أخبر به النَّبي ﷺ مِن تلك الأمور حقائق لا يحيل العقل شيئًا منها، فوَجَب إبقاؤها على حقائِقها» (١).
ولا ريب أنَّ مثل الطَّحاوي وابن حبَّان لا يشملهما كلام القرطبيِّ هذا، لأنَّ مَردَّ تأويل هذين الإمامين ليس عن شبهةٍ عقليَّة -كما دأبُ المُحْدَثين- بل كان عن شبهةٍ نقليَّة؛ كما مَرَّ معنا مِن استدلالهم بروايةِ: « .. فيما يَرى النَّاس»، مع ما يعلمانه مِن الأحاديث الَّتي فيها ذِكرٌ لتلك الخوارق.
هذا كي لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ تأويلهم نابعٌ عن استشكالٍ عَقليٍّ مَحْضٍ فيُتَّخَذ ذلك وليجةً للاعتضادِ به، وبيان مَآخذ أهلِ العلم، ونفيُ مَوارد الظُّنون عنهم، مِمَّا
стр. 1011
يَتغيَّاه هذا البحث؛ لقطعِ علائقِ المتأوِّلين المُتعلِّقين بأذيالِهم؛ فضلًا عن كونِ ذلك مِن لوازمِ الدِّيانة.
وأمَّا عن التَّعارض الثَّالث: في دعوى اختلافِ الرِّواياتِ في المكانِ الَّذي يخرج منه المسيح الدَّجال:
فإنَّ الدَّجال خارجٌ مِن المشرقِ قولًا واحدًا، وهو ما أشارت إليه أكثر الأحاديثِ في هذا الباب، «ثمَّ جاء في روايةٍ أنَّه يخرج مِن خُراسان، أخرج ذلك أحمد والحاكم مِن حديث أبي بكر ﵁، وفي أخرى أنَّه يخرج مِن أصبهان، أخرجها مسلم» (١).
ولا تعارض بين هذه الجهات الثَّلاثة، لأنَّ أصبهان جزءٌ من بلاد خراسان، وخراسان واقعة شرق الجزيرة العربيَّة.
والَّذي يظهر أنَّ النَّبي ﷺ ذكر في حديث الجسَّاسة خروجَ الدَّجال مِن بحر الشَّام أو بحر اليَمن قد رجعَ عنه النَّبي ﷺ في آخر الرِّواية نفسها، حيث قال ﷺ : «ألَا إنَّه في بحر الشَّام، أو بحر اليَمن، .. لا بل من قِبل المشرق ما هو! مِن قِبل المشرق ما هو! مِن قِبل المشرق ما هو!»، وأوْمأَ بيده إلى المشرقِ (٢).
يقول أبو العبَّاس القرطبي في هذه الجُمَل النَّبويَّة: «كلُّه كلامٌ ابتُدِئ على الظَّن، ثمَّ عَرض الشَّك أو قصد الإبهام، ثمَّ نَفى ذلك كلَّه، وأضربَ عنه بالتَّحقيق، فقال: لا، بل مِن قبل المشرق؛ ثمَّ أكَّد ذلك بـ (ما) الزَّائدة، وبالتَّكرار اللَّفظي، وهذا لا بُعدَ فيه؛ لأنَّ النَّبي ﷺ بَشرُّ يظنُّ ويشكُّ، كما يَسهو ويَنسى، إلَّا أنَّه لا يَتمادى، ولا يُقَرُّ على شيءٍ من ذلك، بل يُرشَد إلى التَّحقيقِ، ويُسلك به سواء الطَّريق» (٣).
стр. 1012
والحاصل مِن هذا: أنَّه ﷺ ظَنَّ أنَّ الدجَّال المذكورَ في بَحرِ الشَّام؛ لأنَّ الظَّن أنَّ تميمًا رَكِب في بحر الشَّام، ثمَّ عرَض له احتمالُ أنَّه في بحرِ اليَمن؛ لقربه مِن أرض الشَّام، ثمَّ أطلعه العليمُ الخبير على تحقيقِ ذلك فحَقَّق.
أمَّا ما جاء في حديث النَّواس بن سمعان ﵁ مِن أنَّ الدَّجال سيخرج من خلَّة بين العراقِ والشَّام: فيُحمَل على تعدُّدِ خروجه، فيكون «مُبتدأ خروجِ الدَّجال مِن خراسان، ثمَّ يخرج إلى الحجازِ فيما بين العراق والشَّام» (١) خروجَه الأكبرَ، قصدَ استئصالِ جذرِ من جذور الإسلامِ مِن أصلِه.
أمَّا جواب المعارضِ السَّادس: في دعوى المعترضِ أنَّ الدَّجال لو كان حقيقةً، لوَرَد ذكره في القرآن الكريم، تحذيرًا للنَّاس مِن فتنِه:
فلقد جاء في القرآنِ الكريم الإخبار عن أشراط السَّاعة بإجمال، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]، ولا شكَّ أنَّ مهمَّة الرَّسول تفصيلُ هذا الإجمالِ وبيانُه، وقد تواترَ عن النَّبي ﷺ إدراجُ الدَّجال في جملةِ هذه الأشراطِ الَّتي ذكرتها الآية الكريمة، فوَجَب التَّسليم له به.
وخفاءُ حكمةِ عدمِ التَّصريحِ بأمرِ الدجَّال في القرآنِ لا يُعكِّر على ما دَلَّت عليه الأحاديث القطعيَّة مِن ثبوتِ أمرِه؛ وإلَّا لاقتضى ذلك التَّجارِي في إنكارِ كلِّ ما يثبُت في السُّنَن مِن مَعاقِد الدِّين، بدعوى سكوتِ القرآن عنه!
وأمَّا جواب المعارض السَّابع: من دعوى تضمُّنِ الأحاديث الواردةِ في وصفِ الدَّجال تجسيمًا لله تعالى وتشبيهًا بخلقه، حيث لازمها إثبات العَيْن له سبحانه:
فقد تَقدَّم الكلام على أنَّ إثباتِ الصِّفاتِ لله تعالى الواردة في الكتاب والسُّنة، مِن غير تَكيِيفٍ لها ولا تمثيل، لا يُعَدُّ ذلك تجسيمًا للبَاري سبحانه، ولا تشبيهًا له بخلقِه.
стр. 1013
وقد جَرى مَذهبُ أهل السُّنة والجماعة على حملِ ما جاء في الحديث الوارد في عور الدَّجال على إثباتِ صِفة العَينِ لله ﵎ على ما يَليق بجلالِ ذاتِه وعظمتِه، حيث ذَكَر النَّبي ﷺ الدَّجال بـ «أنَّه أَعْور، وأنَّ ربَّكم ليس بأَعْور»، و «الأعور عندهم ضدُّ البَصير بالعَينين» (١).
يقول البيهقيُّ تعليقًا على هذا الحديث:
«في هذا نفيُ نقصِ العَور عن الله سبحانه وإثبات العَين له صِفةً، وعرفنا بقوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وبدلائل العقلِ أنَّها ليست بحَدقة، وأنَّ اليَدين ليستا بجارِحَتين، وأنَّ الوجهَ ليس بصورةٍ؛ وأنَّها صفات ذاتٍ أثبتناها بالكتاب والسُّنة بلا تَشبيه» (٢).
وعلى هذا مَشى الأشاعِرَة المتقدِّمون في إثباتِ تلكم الصِّفات الذَّاتية الخبريَّة، ولم يزيدوا على ذلك، اقتفاءً لمذهبِ مَن سَلف مِن علماء الأمَّة، مع تنزيههِم له تعالى عن المثيل والشَّبيه؛ يكفي في هذا ما نقله عنهم أبو الحسن الأشعريِّ وهو يُقرِّر عقائد أهل السُّنة، حيث قال: «قال أهل السُّنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم، ولا يُشبه الأشياء، وأنَّه على العرش .. وأنَّ له عَيْنين» (٣).
وقال في موضعٍ آخر مِن كُتبِه: « .. وأنَّ له -سبحانه- عَينين بلا كيف» (٤).
أمَّا مَن تأوَّل هذا الخَبر النَّبويَّ مِن مُنتسِبي هذا الإمامِ، بأنَّ المُرادَ منه مجرَّد نفي النَّقصِ والعَيبِ عنه سبحانه، أو كناية عن صِفة البَصرِ لا العَين (٥)؛ فعلى قول هذا الفريقِ أيضًا يسلمُ الحديث من تُهمة التَّجسيمِ أو التَّشبيه؛ إذ أنَّه كما كانت
стр. 1014
ظواهر كثيرٍ من آياتِ الصِّفات أوَّلوها بكونِها غير مرادةٍ لظاهرها، فكذلك الشَّأن عندهم مع ما صحَّ من أحاديث الصِّفاتِ الخبريَّة.
فالمُثبتون لصفةِ العَيْنِ يَجعلون الحديث دليلًا لهم يَنضاف إلى أدلَّةِ صحَّة مَذهبهم في ذلك، ومَن تأوَّل الحديث على غير ظاهرِه، فإنَّ تأويله فرعٌ عن تصحيحِه له.
وبهذا تنتفي كلُّ دعاوي الاعتراضاتِ عن أخبار الدَّجال، ولله الحمد.
المَطلب الأوَّل سَوق أحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم ﵇
عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«والَّذِي نَفسِي بيده؛ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا: فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ (١)، وَيَفِيضَ الْمَالُ حتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ؛ حتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا من الدُّنْيَا وما فيها».
ثمَّ يقول أبو هريرة ﵁: واقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ [النساء: ١٥٩]، متَّفق عليه (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «كَيْفَ أَنْتُمْ إذا نَزَلَ ابن مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟!» متَّفق عليه (٣).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ على الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، قال:
стр. 1017
«فَيَنْزِلُ عِيسَى بن مَرْيَمَ ﷺ فيقول أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لنا، فيقول: لَا؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ الله هذهِ الْأُمَّةَ» أخرجه مسلم (١).
وعن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بيده؛ لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرُّوحاءِ (٢)؛ حَاجًّا، أو مُعْتَمِرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا» أخرجه مسلم (٣).
وعن النَّواس بن سمعان ﵁ قال: ذَكَرَ رسول الله ﷺ الدَّجَّالَ ذاتَ غَدَاةٍ ... الحديث، وفيه:
« .. فبَيْنَما هُمْ كَذلِكَ، إِذْ بَعَثَ الله الْمَسِيحَ ابنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بين مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ؛ إذا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ، فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قد عَصَمَهُمْ الله منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ في الْجَنَّةِ ... » الحديث، أخرجه مسلم (٤).
стр. 1018
المَطلب الثَّاني سَوْق الُمعارضاتِ الفكريَّةِ المعاصرةِ لأحاديثِ نزولِ المسيحِ عيسى ابنِ مريم ﵇
مع صراحةِ ما دَلَّت عليه النُّصوص مِن نزول عيسى ﵇، وتضافرها على ذلك، وبلوغها مَبْلغ القطْع: إلَاّ أنَّ طوائف مِن مخالِفي السُّنةِ جالَدوا الدَّلائل، وناقضوا البراهين؛ إمَّا برَدِّ الأدلَّةِ صراحةً، أو التَّلفُّعِ بمُرُطِ التَّأْويل، تَلطُّفًا منهم في رَدِّها.
فمِمَّن نُقِل عنه الرَّدُّ مِن مُتقدِّمي الخَلَف بعضُ الخوارج، وبعض المُعتزلة (١).
ومِن مُتأخِّري الخَلَف: (محمَّد عبدُه)، فقد نَقلَ تلميذُه (محمَّد رشيد رضا) موقِفَه مِن أحاديث نزول عيسى ﵇، ووافقَ أستاذَه في إبطالِ معاني تلك الأحاديث؛ من غيرِ أن يسلكَ مسلكَ شيخِه في تحريف معانيها، بل اكتفى بتفويضِ معاني تلك الأحاديث إلى الله تعالى (٢)؛ وإن كان الاثنان متَّفقان في المآلِ على تعطيلِ مَدلول تلك الأَحاديث، فقد زاد (محمَّد عبده) أن اختارَ التماسَ غريب المعاني في تأويلها (٣).
стр. 1019
و (محمَّد عبده) وإن لم يُصَرِّح هو بأنَّ هذا التَّعطيلَ مَوقفٌ علميُّ له؛ إذْ يَعزو ذلك للعلماء بتعبيرِه، إلَاّ أنَّ ظاهرَ طريقتِه يُفْهِم ذلك؛ فإنَّه جَعلَ للقولِ بأنَّ رفعَ عيسى ﵇ كان بروحِه دون جسدِه تخريجَين، مَفادُ الأوَّل منهما في:
المعارضِ الأوَّل: إنَّ أحاديث هذا الباب «آحادٌ متعلقٌّ بأمرٍ اعتقاديٍّ؛ لأنَّه مِن أمور الغَيب، والأمور الاعتقاديَّة لا يُؤخذ فيها إلَّا بالقطعيِّ، لأنَّ المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث متواترٌ» (١).
وهذا ما تبعه فيه أحمد المَراغي (ت ١٣٧١ هـ) (٢) حين زَعم «أنَّ هذه الأحاديث لم تبلغ درجةَ الأحاديث المتواترة الَّتي تُوجِب على المسلم عقيدةً، والعقيدة لا تجب إلَّا بنصٍّ من القرآن أو بحديث متواتر .. وعلى ذلك فلا يجِب على المسلمِ أن يعتقد أنَّ عيسى ﵇ حَيٌّ بجسمِه وروحِه» (٣).
وكان ممَّن صرَّح بإنكارِ رفعِ المَسيحِ ونزولِه محمَّد شلتوت (ت ١٣٨٣ هـ)، فقد غَالَطَ هذا الحقائق وأنكر البَدَهِيَّات من عقدِ أهل السُّنة؛ من ذلك ما تراه في:
المعارضِ الثَّاني: حيث زَعَمَ أنْ ليس في القرآن «مُستَندٌ يَصْلح لتكوينِ عقيدةٍ يطمئنُّ إليها القلب بأنَّ عيسى رُفِع بجسمِه إلى السَّماء، وأنَّه حَيٌّ إلى الآن فيها، وأنَّه سينزل منها آخر الزَّمانِ إلى الأرض» (٤).
стр. 1020
فإذا كان المُستنَد الَّذي يُثبِت هذه العقيدة منتفيًا في نظره؛ فإنَّ فُشُوَّها في المحيط الإسلاميِّ هو من آثار أحدِ العوامل الأجنبيَّة الَّتي ابتغت ترسيخ مثل هذه المعتقدات بينهم -يَعنون عاملَ الإسرائيليَّات (١) - حيث تأثَّروا بها نتيجةً للانحطاط الدِّيني والحضاريِّ، فتعلَّقت آمالهم -كحالِ أهل الكتابِ قديمًا- بمُخلِّصٍ يَردُّ مَعايشهم إلى حالتها المُثلى.
وفي تقرير دعوى هذا التَّأثير الخارجي في المُعتقد، يقول (حسن التُّرابي): «في بعض التَّقاليد الدِّينيَّة تَصَوُّرٌ عَقديٌّ، بأنَّ خطَّ التَّاريخ الدِّيني بعد عهد التَّأسيس الأوَّل ينحدر بأمرِ الدِّين انحطاطًا مُطَّرِدًا، لا يرسم نَمطًا روحيًّا، وفي ظلِّ هذا الاعتقاد؛ تتَركَّز آمال الإصلاحِ أو التَّجديدِ نحو حَدَثٍ أَو عَهد واحدٍ بعينه مَرجُوٍّ في المستقبل، يَردُّ أَمر الدِّين إلى حالته المُثْلى مِن جديد.
وهذه عقيدةٌ نشأتْ عند اليهود، واعْتَرت النَّصارى، وقوامها: انتظارُ المسيح يأتي أو يعود، عندما يبلغ الانحطاطُ ذِرْوتَه بعهد الدَّجال؛ قبل أن ينقلب الحال صاعدًا بذلك الظُّهور ... وقد انتقلت هذه العقيدة بأثرِ مَن دَفَع الإسرائيليَّات إلى المسلمين، وما يَزال جمهورٌ مِن عامَّة المسلمين يُعوِّلون عليها في تجديد دينهم» (٢).
وبنفس هذا المنطق العِوَج من التَّفكير، وسم (مصطفى بوهندي) الأخبار في نزولِ المَسيح ﵇ بكونِها «مُشبَّعةً بالمفاهيم الكِتابيَّة الَّتي أَشرنا إليها عن المسيح المُنتظر، وهو ما يَكشِف عن مَصدريَّتها اليهوديَة والمسيحيَّة المخالفةِ لمِا في الإسلام» (٣).
المعارض الثَّالث: أنَّ أَصحاب تلك المَرويَّات يَزعمون أَنَّ عيسى ﵇ إنَّما ينزل في آخر الزَّمان مُتَّبعًا للشَّريعةِ المحمديَّة، ومَن كان مُتَّبعًا لغيره؛ كيف يحمِل النَّاسَ على الإيمان به -حسبما جاء في تلك الرِّوايات-؟! وكيف تكون عاقبةُ مَن لم يؤمن به القتلُ؟!