← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 224

المعارضات الفكرية المعاصرة لأحاديث الصحيحين

محمد بن فريد زريوح

Полный текст (1 716 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

المَبحث الرَّابع عشر نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديث الشفاعةِ الكبرى

стр. 1087

المَطلب الأوَّل سَوْق حديثِ الشَّفاعةِ الكبرى عن عبد الله بن عمر ﵁ مرفوعًا: «إنَّ الشَّمسَ تدنو يوم القيامة، حتَّى يبلغَ العَرقُ نصفَ الأُذنِ، فبينا هم كذلك؛ استغاثوا بآدم، ثمَّ بموسى، ثمَّ بمحمَّد ﷺ ، فيشفع ليُقضى بين الخلق، فيمشي حتَّى يأخذَ بحِلَقِ الباب، فيومئذٍ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أَهلُ الجمع كلُّهم»، رواه البخاري (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: أُتي رسول الله ﷺ يومًا بلحم، فرفع إليه الذِّراع، وكانت تعجبه، فنَهس منها نهسةً، فقال: «أنا سيِّد النَّاس يوم القيامة، وهل تدرون بمَ ذاك؟ يجمع الله يومَ القيامة الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ، فيُسمعهم الدَّاعي، وينُفذُهم البَصر، وتدنو الشَّمس، فيبلغ النَّاس مِن الغَمِّ والكرب ما لا يطيقون، وما لا يحتملون، فيقول بعض النَّاس لبعض: ألا تَرون ما أنتم فيه؟ ألا تَرون ما قد بلغكم؟! ألا تنظرون مَن يشفع لكم إلى ربِّكم؟ فيقول بعض النَّاس لبعض: اِئتوا آدم، فيأتون آدم، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البَشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك مِن روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟! فيقول آدم: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشَّجرة، فعصَيته، نفسي نفسي! اذهبوا إلى غيري، اِذهبوا إلى نوح.

стр. 1088

فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، أنت أوَّل الرُّسل إلى الأرض، وسمَّاك الله عبدًا شكورًا، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إنَّ ربِّي قد غضب اليومَ غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنَّه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى إبراهيم ﵇، فيأتون إبراهيم، فيقولون: أنت نبيُّ الله وخليله مِن أهل الأرض، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بَلَغنا؟! فيقول لهم إبراهيم: إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذِباته، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى غيري، اِذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﵇، فيقولون: يا موسى، أنتَ رسول الله، فضَّلك الله برسالاته، وبتكليمِه على النَّاس، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول لهم موسى ﵇: إنَّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنِّي قتلت نفسًا لم أُومر بقتلها، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى عيسى ﵇. فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلَّمتَ النَّاس في المهد، وكلمةٌ منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟! فيقول لهم عيسى ﵇: إنِّ ربِّي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنبًا، نفسي نفسي! اِذهبوا إلى غيري، اِذهبوا إلى محمَّد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمَّد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدَّم مِن ذنبك، وما تأخَّر، اِشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلقُ، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربِّي، ثمَّ يفتح الله عليَّ ويلهمني مِن مَحامده وحسنِ الثَّناء عليه شيئًا لم يفتحه لأحدٍ قبلي، ثمَّ يُقال: يا محمَّد، اِرفع رأسك، سَلْ تُعطه، اِشفع تُشفَّع، فأرفعُ رأسي، فأقول: يا ربِّ،

стр. 1089

أمَّتي أمَّتي، فيُقال: يا محمَّد، أدخل الجنَّة مِن أمَّتِك مَن لا حساب عليه مِن الباب الأيمن مِن أبواب الجنَّة، وهم شُركاء النَّاس فيما سوى ذلك مِن الأبواب، والَّذي نفس محمَّد بيده، إنَّ ما بين المصراعين مِن مصاريع الجنَّة لَكَما بين مكَّة وهَجَر، أو كما بين مكَّة وبُصرى». متَّفق عليه (١).

стр. 1090

المَطلب الثَّاني سَوْق دعاوي المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديث شفاعة النَبي ﷺ الكبرى مع قيامِ البَراهين النَّقليَّةِ الكثيرةِ على ثبوتِ الشَّفاعةِ النَّبويَّةِ يومَ القيامة، إلَّا أنَّ فريقًا مِن مُخالِفي أهل السُّنةِ استَرْوَحوا إلى مُدافعتِها وعدمِ التَّصديقِ بها، وحاصلُ مَواقفِهم مِن حديثِ الشَّفاعة الكبرى لا يخرُج عن مَقامَين: الأوَّل: مُعارَضاتٌ مُجْلَبةٌ على أَصلِ الشَّفاعة. الثاني: مُعارَضاتٌ سِيقت لإنكارِ بعضِ مُتعلَّقاتِ حديثِ الشَّفاعة. فأمَّا المقام الأوَّل: فمِمَّا أُورد على أصلِ الشَّفاعة ما تَضَمَّنته: المعارضة الأولى: وهي دعواهم أنَّ جَريان الشَّفاعة على يَدِ الشُّفعاءِ يَقتضي مشاركةَ الله في مُلكِه، ومُنازعتَه فيما تَفرَّد به. وممَّن قنِع بهذه الدَّعوى في رَدِّ أخبارِ هذا الباب: (مُصطفى محمود) (١)، وهو مع حِرصِه على عَقْلَنة التَّصوُّرات، مُضطَرِبٌ في هذا الباب بخاصَّةٍ اضطرابًا ظاهرًا، فتارةً يُنكِر الشَّفاعة في الظَّاهر، وتارةً يُظهِر استحسانَ مَنْ أَثبتَها بقُيودِها؛ وإن كان جانبُ النَّفي عنده ظاهر التَّغليب.

стр. 1091

ففي تقريرِ إنكارِه للشَّفاعةِ الكُبرى، يقول: «جمعيَّة الشَّفاعة كلُّها لله وحدَه، كما ذَكر القرآن، وكرَّر في مُحكمِ آياته، وأنَّه لا يُشرك في حُكمِه أحدًا .. وليس لله مُنافسٌ في هذا، ولا يجوز أن يكون له مُنافس» (١). ثمَّ يُقرِّر بأنَّ الاعتقادَ بالشَّفاعةِ لَونٌ مِن الشِّرك خَفيٌّ! وذلك أنَّه «لا يصلُح الإنسان أو المَلِك، أو رئيسُ الملائكة، أو أبو الأنبياء، أنْ يكون له شريكٌ على أيِّ مُستوى .. وهو مُتفرِّد بالأمرِ والحُكمِ، ولا يجوز أن يَتدخَّل أحدٌ، أو أن يُعدِّل أن يُبدِّل في حكمِه .. وهذا جوهرُ الإسلام، وبدايةُ هذا الشِّرك الخَفيِّ كان مَعناها انحدارُ الإنسان .. » (٢). ويزيد (نيازي) عليه تَشنيعًا على مَن يؤمن بأحاديث هذا البابِ بقولِه: «إنَّ الكلام الَّذي سمِعناه، مَهما كان جميلًا وأحببناه، فإنَّه مُجرَّد وهمٍ وخيالٍ لا أصل له أبدًا، وإشراكٌ بالله، إذ كيف يريد لنا جنودُ السُّلطان أن نعود ونُشرك بالله مرَّةً أخرى بالإيمان مِن جديد بوجودِ شُفعاءَ مع الله؟! مع أنَّنا نعلمُ أنَّ سبب تسمية أهلِ الجاهليَّة القديمةِ مِن قريشٍ والجزيرة العَربيَّة بالمشركين، أنَّهم كانوا يُشركون مع الله شفعاءهم، أليس هذا هو الصَّحيح؟ أم هل نَسِينا آياتِ القرآن الكريم الَّتي تُنكر الشَّفاعة، وتحصرُها بالله تعالى في الآيات التَّالية: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: ٤٤]. ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣]» (٣).

стр. 1092

وأمَّا المَقام الثَّاني: فمِن المُعارضات المَقولةِ على بعضِ ما تَضَمَّنه حديث الشَّفاعة الكبرى: المعارضةُ الثَّانية: أنَّ مِن صِفاتِ الرُّسُل العصمةُ مِن المَعاصي، فصدُورها منهم -كما يثبتُه الحديث- قادِحٌ في تلك العِصمة، ومُناقضٌ لأمرِ الله أقوامَهم باتِّباعهم في جميعِ أعمالِهم. وفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (محمَّد صادق النَّجمي): «الغاية مِن إرسالِ الرُّسل هي طاعتهم والانقياد لهم، ومَشيئتُه تَعلَّقت بهذا الأمر، وهو أنَّ الأنبياء يجب أن يكونوا مُطاعين مِن الجهة القوليَّة والعمليَّة، لأنَّ قولهم وفعلهم وسيلةٌ لإرشاد وهداية النَّاس، .. ولو افترضنا أنَّه بَدَرَت منهم مَعصيةٌ، لا بدَّ وأن تكون هذه المعصية مُرادَة عند الله ومحبوبةً إليه! لأنَّه تعالى هو الَّذي أمَرَ النَّاس وفَرض عليهم طاعةَ الأنبياء واتِّباعَهم؛ ومِن جهةٍ أخرى، نشاهد أنَّ المعصيةَ مَنهيَّة ومَمنوعة، وقد نَهى الله عن ارتكابها!» (١). والمعارضةُ الثَّالثة: أنَّ في اقتصارِ النَّبي ﷺ في دعاءِه على الشَّفاعةِ لأمَّتِه، تَخْيِيبًا لباقي الأُمَم الَّتي ترَّجَت منه الشَّفاعة، وهذا أبعدُ ما يكون مِن خُلُقه. يقول (السُّبحاني) في تقرير هذا الاعتراض: « .. إنَّ هؤلاء الَّذين رَجَعوا إلى أنبيائه سبحانه: إمَّا أن يكونوا مِن أمَّتِهم، أو مِن أمَّة محمَّد ﷺ ؛ فإن كانوا مِن أمَّة نبيِّنا ﷺ ، فما الَّذي دَعاهم إلى أن يسألوا آدم، فنوحًا، فإبراهيم، فموسى، فعيسى، فمحمَّدًا ﷺ ؟ وإن كانوا مِن غيرهم: فلماذا خَيَّبهم سبحانه مِن شفاعةِ نبيِّنا إذا كانت فيهم قابليَّة الشَّفاعة؟ كما هو الظَّاهر مِن آخرِ الرِّوايةِ بأنَّه لا يَشفع إلَّا لأمَّته .. » (٢).

стр. 1093

المَطلب الثَّالث دفع دعاوي المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديث شفاعة النَبي ﷺ الكبرى قد دَلَّت أحاديثُ «الصَّحيحين» وغيرهما على إثباتِ أصلِ الشَّفاعةِ ومُتعلِّقاتها، ولا خلافَ بين أهلِ السُّنة في هذا الفصلِ العظيمِ من فصولِ الآخرةِ وما يَتعلَّق به، مع ما اقتضته الدَّلائل القرآنيَّة مِن ثبوتِ أصلِ الشَّفاعة، فإنَّه في سائرِ مَوارده الصَّريحةِ مِن القرآن، جاء مَشروطًا لا مُطلقًا. فمِن تلك الدَّلائل: قول الله تعالى: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَاّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٦٩]. وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَاّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ [طه: ١٠٩]. وقوله سبحانه: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وبمُحصَّل هذه الدَّلائلِ القرآنيَّةِ والسُّنيَّة؛ انعقَدَ الإجماعُ على إثباتِ الشَّفَاعةِ، ومِمَّن نقله: أبو زكريَّا السَّلَمَاسي (١)، وابن القطَّان الفاسيُّ (٢).

стр. 1094

وبالعَوْدِ إلى ما سِيق آنفًا مِن نصوصٍ شرعيَّةٍ في عَقْدِ الشَّفاعة، يَتَحصَّل بالنَّظر فيها شَرْطَا الشَّفاعةِ المُثبتَة، وهما: إِذْنُ الله للشَّافِع أن يَشفَع: وانتفاءُ تحقُّقِ الشَّفاعة إلَّا بإذنه تعالى مُتفرِّعٌ عن أَصلِ أنَّ الشَّفاعة مُلْكٌ له تعالى، لا يشاركه فيها أَحد من الخلق؛ فإذا تقرَّر أصل التَّفرد، لزِمَ أن يطلبها المَخلوق مِن مالِكها وحدَه؛ لانتفاءِ المُشارِك، وامتناعِ المنازِع له ، وهذا المَفهوم مِن الآياتِ الَّتي توهَّم منها المُعترض نفيَ الشَّفاعة، كما أنَّ المفهوم منها أيضًا ما حواه: الشَّرطُ الثَّاني: رِضا الله تعالى عن المشفوع له: بأنْ يكون المَشفوع له ممَّن أَخلص في التَّوحيد، مِن الَّذين «ارتضَى الله لهم شهادةَ أن لا إله إلَّا الله» (١)، فمَن انتفى عنه هذا التَّوحيد، فإنَّ الله لا يَرضى عن القَومِ الكافرين. ومِمَّا يعضد هذا الأصل: أنَّ الله تعالى لم يقبلْ بعضَ الشَّفاعاتِ مِن خير الخَلْقِ، وهم رُسل الله تعالى، فلم يأْذَن لإبراهيم ﵇ أن يشفع لأبيه (٢)، ولا للنَّبي ﷺ في أن يشفع لأمِّه (٣)، مع كون هؤلاء الشُّفعاءِ أعظم الخلق جاهًا عنده سبحانه، ومع ذلك لم يقبل شفاعتَهم، لعدمِ تحقُّق شَرْط الرِّضا عن المَشفوع له؛ ففي هذا دَلالةٌ على أنَّه لا شريك له في ملكِه، وأنَّه المانحُ مَن شاء مِن خلقه، الشَّفيعُ لمن ارتضاه لذلك. «فإذا انتفى عن الشَّفاعةِ هذان القَيْدان؛ فإنَّها حينئذٍ تندرج تحت الشَّفاعةِ المُلغاة شَرعًا، وهذه هي الشَّفاعة الشِّرْكِية الَّتي تَعلَّق بها أهل الإشراك، وحقيقتها: اعتقادهم أنَّ للشَّافع حقًّا يستوجبُ به على الله شيئًا؛ مِن جنسِ ما يستحقُّ به الشُّفعاء على الملوك والمعظَّمين في الدُّنيا، فيجيبونهم إلى طِلْبَتهم لحاجةٍ إليهم، إمَّا رغبةً أو رهبةً، فتكون إرادة الشَّافع بهذا المعنى مُقيِّدةً لإرادةِ الخالقِ ومَشيئتِه» (٤).

стр. 1095

وهذا ما كان يَعتقِده مُشركو العَرب فيمن اتَّخذوهم شفعاء في صورةِ أصنامٍ، حتَّى اعتقدوا استحقاقَها بعدُ لصُروفٍ مِن العبادات، وتَصوُّر هذا المعنى كافٍ في رَدِّه؛ لذا حَسَم الله مادة التَّعلق بغيره بإبانتِه عن تمامِ مُلكِه لها. غير أنَّ مصطفى محمود (ت ١٤٣٠ هـ) لمَّا تَصوَّر أنَّ الشَّفاعة الشَّرعية تُماثل هذا النَّمَطَ الدُّنيويَّ في شفاعاتِ النَّاس حيث يَتعلَّق المَشفوع له بالشَّافع، ومنه يَطلُب الشَّفاعة، ويقوم الشَّافع بالشَّفاعة دون إذْنٍ مِن المَشفوع عنده، ولا نَظرٍ إلى رِضاه عن الشَّفاعةِ له: انبعثَ الغَلط في اعتراضِه على إثباتها، كما قد رأيتَ من عبارته في المعارضة الأولى. وهذا منه قياسٌ فاسدٌ الاعتبار، لأنَّ الشَّفاعة الشَّرعية مَشروطة بقيودٍ -قد ذكرناها- لا تكون معتبَرةً إلا بتحقُّقها، فينتفي نفاذها إلَّا بعد توفُّر شروطها. وأمَّا جواب المعارضة الثَّانية: وهي دعوى أنَّ في إثباتِ حديث الشَّفاعة نقضًا لمِا أثبته الشَّرع مِن عصمةِ الأنبياء مِن الذُّنوب مطلقًا: فإنَّ القائل بهذا قد أنبأَ عن وجهٍ قبيحٍ من أوجه غُلوِّ الرَّافضة في أئمَّتِهم، تَفرَّعت عنه هذه الشُّبهة، وذلك أنَّهم «لمَّا ادَّعَوا في عَليٍّ ﵁ وغيرِه أنَّهم مَعصومون حتَّى مِن الخطأ، احتاجوا أن يُثبِتوا ذلك للأنبياء بطريقِ الأولى والأحْرى، ولما نزَّهُوا عليًّا ومَن هو دون عليٍّ مِن أن يكون له ذنبٌ يُسْتَغفَر منه، كان تنزيهُهم للرُّسلِ أولى وأَحْرى!» (١) أمَّا جموع الأمَّة فمتَّفقةٌ على عِصمة الأنبياء في تحمُّلِ الرِّسالة وتبليغِها، كما اتَّفقَت على تنزُّهِهم مِن كبائر الذُّنوبِ وقَبائح العُيوبِ المُنفِّرة؛ إنَّما الخُلف بينهم مُنحصر في عصمتِهم مِن صغائِر الذُّنوب: فالجمهور منهم على أنَّ الأنبياء على غير عصمةٍ من الصِّغارِ غير الخسيئةِ، وهذا قول أكثر أهلِ الكَلام، بل لم يُنقَل عن أئمَّةِ السَّلَف إلَّا ما يُوافق هذا القول (٢)، وهو الَّذي يَشهد لصحَّةِ جوازِه ووقوعِه ظواهرُ الكتاب العزيز، مِن مثل

стр. 1096

قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وقولِه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وقولِه سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [ص: ٣٤ - ٣٥]، وقال عن يونس ﵇: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَاّ إِلَهَ إِلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. على أنَّ الأنبياء وإن وَقعوا في شيءٍ مِن هذا الَّلَمِ فإنَّهم لا يُقَرُّون عليه، بل يُسارعون إلى التَّوبةِ والإنابةِ على الفَورِ، وفي هذا ما يَكفي لدحضِ شُبهةِ مَن جعل القولَ بجواز وقوعهم في الصَّغائر مُستلزمًا لمحبَّةِ الله لها، بدعوى أمرِه باتِّباعهم. أمَّا ما زعمه المُنكرِ في دعوى المُعارضة الثَّالثة: من أنَّ في اقتصارِ النَّبي ﷺ على الشَّفاعةِ لأمَّته -كما هو ظاهر الحديث- تخييبًا لباقي الأُمم الَّتي ترَّجت منه ذلك، فيُقال في جوابه: إنَّ الشَّفاعة الَّتي وَرَدت في أحاديثِ المَقام المَحمودِ نوعان: أ- الشَّفاعة النَّبويَّة العامَّة لفصلِ القَضاء. ب- والشَّفاعة الخاصَّة للمذنبين مِن أمَّته ﷺ (١). فالَّذي طَلَبته الأُمَم من نبيِّنا محمَّد ﷺ هو النَّوعُ الأوَّل بخاصَّةٍ، وهو ما سيلبِّيه لهم. وسَبب اللَّبس عند المُعترض: أنَّ حديث أبي هريرة الطَّويل في الشَّفاعة الكبرى -ومثله حديث أنس ﵁ (٢) - قد اختصَرَ فيه الرُّواة لفظَ الشَّفاعة العَّامة، وانتقلوا إلى ذكرِ لفظِ شفاعتِه الخاصَّة في عُصاة المسلمين، ولا رَيْب أنَّ حصول هذه الشَّفاعة الخاصَّة لا يكون إلَّا بعد حصول الشَّفاعة العامَّة، «وكان مَقصود السَّلَف في الاقتصارِ على هذا المِقدار من الحديث: هو الرَّد على الخوارج ومَن

стр. 1097

تابعهم مِن المعتزلة، الَّذين أنكروا خروجَ أحدٍ مِن النَّار بعد دخولها، فيذكرون هذا القَدْر مِن الحديث الَّذي فيه النَّص الصَّريح في الرَّد عليهم فيما ذهبوا إليه مِن البدعةِ المخالفةِ للأحاديث» (١). على أنَّه قد جاء في روايةٍ لحديثِ أنس ﵁ نفسِه تصريحُ النَّبي ﷺ بإجابته لاستشفاعهم به، في قوله: « .. فيأتوني -يعني النَّاسَ في المَحشر بعد ما أَتَوا عيسى ﵇ فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربَّي .. » (٢). وكذا في حديث حذيفة ﵁ بيان المُضمَر من حديث أبي هريرة ﵁، في قول النَّبي ﷺ : « .. فيَأتون محمَّدا ﷺ ، فيقوم، فيُؤذَن له، وتُرسل الأمانة والرَّحم، فتقومان جَنْبتي الصِّراط يمينًا وشمالًا، فيمرُّ أوَّلُكم كالبرق .. » (٣). يقول القاضي عياض: «وبهذا يتَّصَلُ الحديث؛ لأنَّ هذه هي الشَّفاعة الَّتي لَجأ النَّاس إليه فيها، وهي الإراحةُ مِن المَوقف، والفصل بين العباد، ثمَّ بعد ذلك حلَّت الشَّفاعة في أمَّتِه وفي المُذنبين، وحلَّت شفاعةُ الأنبياء وغيرِهم والملائكة، كما جاء في الأحاديث الأُخر» (٤). وبهذا تنمحي شُبهات العقول عن هذه الأخبارِ في شفاعتِه ﷺ ، والحمد لله.

стр. 1098

المبحث الخامس عشر نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لأحاديث شفاعة النَّبي ﷺ لعمِّه أبي طالب يوم القيامة

стр. 1099

المَطلب الأوَّل سَوْق أحاديث شفاعة النَّبي ﷺ لعمِّه أبي طالب يوم القيامة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه سمِع النَّبي ﷺ وذُكر عنده عمُّه، فقال: «لعلَّه تنفعُه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعَل في ضَحْضاحٍ (١) مِن النَّار يبلغ كعبَيه، يغلي منه دماغُه» متَّفق عليه (٢). وعن العبَّاس بن عبد المطلب ﵁ قال: يا رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء؟ فإنَّه كان يحوطُك ويغضبُ لك؟ قال: «نعم، هو في ضَحضاحٍ من نار، لولا أنا لكان في الدَّرك الأسفلِ من النَّار» متَّفق عليه (٣)، وفي رواية لمسلم: «وجدتُه في غمراتٍ من النَّار، فأخرجتُه إلى ضحضاحٍ» (٤). وعن ابن عباس ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أهونُ أهلِ النَّار عذابًا أبو طالب، وهو منتعلٌ بنعلين يَغلي منهما دماغُه» أخرجه مسلم (٥).

стр. 1100

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّة المُعاصرةِ لأحاديث شفاعة النَّبي ﷺ لأبي طالبٍ يوم القيامة مُحصَّل ما أُورِد على هذه الأحاديثِ مِن معارضاتِ في مَطايا ردودِ المتأخِّرين مرتكزٌ على ثلاثةِ أمور: أولاها: أنَّ الحديثَ مخالفٌ لصَريحِ القرآن الكريم، حيث أخبرَ الله فيه أنَّ شرطَ الشَّفاعة رِضاه على المَشفوعِ له، في حينِ أنَّ أبا طالب ماتَ كافرًا، فليسَت تحِقُّ فيه الشَّفاعة. وفي تقريرِ هذا الاعتراضِ، يقول (حسن السَّقاف): «قد أخبرَ الله تعالى عن الكفَّار بأنَّهم ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وبأنَّهم ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٧٥]، وبأنَّهم ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وبأنَّهم ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، إلى غير ذلك، والقائلون بعدمِ إيمانِ أبي طالب وكفرِه بموجب هذا الحديث أنَّه يُخفَّف عنه مِن العذاب بشفاعةِ النَّبي ﷺ ! ونقول لهم: بأنَّ مِن شروط الشَّفاعةِ أن لا تكون إلَّا لمِن ارتضاه الله تعالى، لقوله ﷻ : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]» (١).

стр. 1101

الأمر الثَّاني: أنَّ الدَّرَك الأسفل مِن النَّار هي منزلةُ المنافقين خاصَّة، ولم يكُن أبو طالب منهم ليستحَقَّها. وفي تقرير هذه الشُّبهة، يقول (ابنُ قِرناس): «يبدو أنَّ مُختلقَ الحديثِ لا يعلم أنَّ عبارةَ (الدَّرك الأسفلِ مِن النَّار) لم تَرِد في القرآن إلَّا مرَّةً واحدةً وبحقِّ المنافقين، وليس بحقِّ المشركين الَّذين منهم أبو طالب!» (١). الأمر الثَّالث: أنَّ ثَمَّة تناقضًا بين حَديثي أبي سعيدٍ الخدري والعبَّاسِ، يوجبان إسقاطهما، من جهتين: الجهة الأولى: أنَّ كلام النَّبي ﷺ جاء في حديث العبَّاس على سبيلِ الجزمِ: «لولا أنا لكانَ في الدَّرك الأسفلِ مِن النَّار»، بينما جاء في حديث الخدريِّ على سبيلِ الرَّجاء والارتيابِ: « .. لعلَّه تنفعُه شفاعتي يومَ القيامة» (٢). الثَّانية: أنَّ الظَّاهرَ مِن حديثِ العبَّاس قِيامُ النَّبي ﷺ بالشَّفاعةِ لعمِّه أبي طالب وهو في الدُّنيا، بينما حديث أبي سعيد يدلُّ على أنَّ ذلك يكون في الآخرة (٣).

стр. 1102

المَطلب الثَّالث دَفعُ المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن أحاديثِ شفاعةِ النَّبي ﷺ لأبي طالب أمَّا بخصوصِ دعوى مخالفةِ الحديثِ لشرطِ رِضا الله على المَشفوعِ له، وأبو طالب ماتَ كافرًا فليس بمرضيٍّ، فجوابه أن يُقال: لا خلافَ في أنَّ الكافرَ لا تنفعُه أعمالُه الحسنةَ نفعًا يخلِّصه مِن النَّار ويدخله الجنَّة، حتَّى ولو اقترنَ ذلك بشفاعةِ شافعٍ، فهذا مُنعَقدٍ عليه الإجماع (١)؛ يبقى الكلامُ في تخفيفِ العذابِ عن الكافرِ بسبب حسناتِه؛ هل ذلك خاصٌّ بأبي طالب؟ أم أنَّه عامٌّ في مَن هو مثله؟ (٢) والرَّاجح مِن القَولين عند المُحقِّقين: اختصاصُ أبي طالب بهذا التَّخفيف دون غيره مِن المشركين، لورودِ النَّص بقبولِ شفاعةِ النَّبي ﷺ فيه خاصَّة، ولِذا عَدُّوه مِن جملةِ خصائِصه ﷺ (٣).

стр. 1103

وهذا النَّوع من الشَّفاعة ليس مُناقضًا للدَّلائلِ القُرآنيَّةِ الَّتي تَنفي نفْعَ الشَّفاعة للمشركين؛ لأنَّ هذه المَنفيَّةَ في القرآنِ مَخصوصةٌ بالتَّخليصِ مِن العذابِ (١)؛ فإنَّ الشَّفاعة في الخروجِ مِن النَّار لا تَتناول أهلَ الإشراكِ، وأبو طالب مات مُشركًا؛ فيكون المُراد بالنَّفعِ في آية: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]: «الخروج مِن النَّارِ كعُصاةِ الموحِّدين، الَّذين يخرجون منها ويدخلون الجنَّة» (٢). ثُمَّ إنَّ خروج فَردٍ من العمومِ لنَصِّ يَستثنيه مِمَّا لا ينتصب به التَّخالف بين الأدلَّة، إذ لا تَعارض بين عامٍّ وخاصِّ؛ اللَّهم إلَّا إن كان المُعترض ينكر مَذهبَ الجمهور في تخصيصِ السُّنةِ للكتابِ، فحينئذٍ يُنتقَل معه إلى نقاشِ هذ الأصل، وبيانِ بطلانِ قولِه فيه (٣). يقول البيهقيُّ (ت ٤٥٨ هـ) في ردِّه على الحَليمي (ت ٤٠٣ هـ) (٤) إنكارَه للحديث: «وجهُه عندي -والله أعلم- أنَّ الشَّفاعةَ للكُفَّار إنَّما امتنعَت لورودِ خبرِ الصَّادق بأنَّه لا يُشفَّع منهم أحد، وقد وَرد الخبرُ بذلك عامٌّ، فوردَ هذا عليه مَوردَ الخاصِّ على العامِّ» (٥). وقال في موضعٍ آخر: «إنمَّا يَصِحُّ أن يقول: حديث أبي طالبٍ خاصٌّ في التَّخفيف عن عذابه بما صَنع إلى النَّبي ﷺ ، خُصَّ به أبو طالب لأجلِ النَّبي ﷺ تطييبًا لقلبه، وثوابًا له في نفسِه، لا لأبي طالب، فإنَّ حسنات أبي طالب صارت بموتِه على كفرِه هَباءً منثورًا» (٦).

стр. 1104

وقال: «حديث أبي طالبٍ صَحيح، ولا مَعنى لإنكار الحليميِّ ﵀ الحديثَ، ولا أدري كيف ذهبَ عنه صِحَّة ذلك! فقد رُوِي مِن أوجهٍ عن عبد الملك بن عمير، ورُوي مِن وجهٍ آخر صحيحٍ عن أبي سعيد الخدري عن النَّبي ﷺ بمعناه، وقد أخرجه صاحبا الصَّحيح وغيرهما مِن الأئمَّة في كتبهم الصِّحاح» (١). وأمَّا دعوى المُخالفِ في المعارضة الثَّانية: أنَّ الدَّرْك الأسفل مِن النَّار منزلة المنافقين خاصَّة: فليس له ما يُسعِف به دعواه إلَّا مُجرَّد نفي أن يُسمِّي القرآن معهم فيه آخرين؛ ومَعلوم من حيث الأصول أنَّ ذكرَ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يَلزم منه تخصيص (٢)، والآية تخلو مِن أيِّ أسلوب قصرِ، فليست تمنع وجود قومٍ سِوى المنافقين في تلك الدَّركة؛ بل لا مانع أن يُشاركهم فيها غيرهم مِمَّن يُساميهم في الإجرامِ، أو الاستخفاف بالدِّينِ والخديعةِ للمسلمين، ممَّن شاء الله أن يُغلِظَ لهم العذاب. يقول أبو العبَّاس القرطبي عن هذا الدَّركِ: «هو أشدُّ أطباقِ جهنَّم عذابًا -يعني الدَّركَ الأسفل- .. وكان أبو طالبٍ يَستحقُّ ذلك؛ إذْ كان قد عَلِم صدقَ النَّبي ﷺ في جميع حالاتِه، ولم يخفَ عليه شيءٌ مِن أموره، مِن مَولِده، وإلى حينِ اكتهالِه» (٣). وأمَّا الدَّعوى الثَّالثة في توهُّم تعارضٍ بين حَديثِيْ العبَّاس والخدريِّ، لمَجيء الأوَّل بالجزمِ، والثَّاني بالرَّجاء والارتياب: فهي دعوى لا يَصحُّ النَّظر فيها إلَّا أن يُثبت المُخالف أنَّ الحديثين قِيلَا في زَمنٍ واحدٍ، أو أنَّ مَخرجهما واحدٌ على الأقلِّ؛ ودون هذا خَرط القتاد!

стр. 1105

والقول باختلافِ زَمانَي الحديثين لا مَجال معه للقولِ بالتَّناقض، وبه يَلتئم الحديثان، بحيث يكون ما في حديث أبي سعيد الخدري تمنِّيًا منه ﷺ ودعاءً، ثمَّ أخبرَ بعدُ عن تحقُّقِه في حديثِ العبَّاس. يقول أبو العبَّاس القرطبي في شرحِ حديث الخدريِّ: «هذا المُترَجَّى في هذا الحديث قد تَحقَّق وقوعه؛ إذ قال ﷺ : «وجدتُه في غَمراتٍ فأخرجتُه إلى ضَحضاح»، فكأنَّه لمَّا ترجَّى ذلك أُعطيَه، وحُقِّق له، فأخبرَ به» (١). هذا على فرضِ أنَّ (لَعلَّ) في حديث الخدريِّ خارجةٌ مَخرجَ التَّرجي والاحتمال، وإلَّا فمَعلومٌ عند النَّحويِّين أنَّ (لعلَّ) و (عَسى) تأتيانِ في لسانِ العرب للإيجابِ والتَّحقيق أيضًا (٢)، ويحكُم في ذلك السِّياق والقَرائن، ولذا تَوارَد المُفسِّرون على القولِ بأنَّ (عَسى) و (لعلَّ) مِن الله واجبة التَّحقُّقِ (٣). ثمَّ دعوى المُعترضِ بأنَّ الظَّاهرَ مِن حديث العبَّاس ﵁ قيامُ النَّبي ﷺ بالشَّفاعة لأبي طالب وهو في الدُّنيا، بينما حديث أبي سعيد ﵁ يدلُّ على أنَّ ذلك سيكون في الآخرة: فهذا الَّذي حسِبه ظاهرًا مِن حديث العبَّاس حصرًا للنَّظر في صيغةِ الماضي في لفظِه ﷺ : «ولولا أنا (لكانَ) في الدَّرَك الأسفل مِن النَّار»: ليس هو الظَّاهر المُراد! فقد مرَّ تقرير أنَّ الظَّاهر إنَّما يُستفاد مِمَّا تبادر إلى فهمِ المُخاطَب وسَبق إلى ذهنِه مِن معناه (٤)؛ وهذا يختلف بحسبِ السِّياق وما يُضاف إلى الكلام. إذا تَبيَّن هذا: فإنَّ المُتبادرَ إلى ذهنِ القارئ العربيِّ المُلِّم بجميعِ الرِّوايات: أنَّ لفظ «كان» -وإن كان في أصلِه فِعلًا ماضيًا- فإنَّه في هذا الحديث مُفيدٌ لمعنى الاستقبال.

стр. 1106

وفائدة الإتيانِ بهذه الصَّيغةِ للماضي في الحديث: «أنَّ الفِعلَ الماضي إذا أُخبِر به عن الفعلِ المُستقبل الَّذي لم يُوجَد بعدُ، كان ذلك أبلغَ وأوْكدَ في تحقيقِ الفعلِ وإيجادِه؛ لأنَّ الفعلَ الماضي يُعطي مِن المعنى أنَّه قد كان وَوُجِد، وإنمَّا يُفعَل ذلك إذا كان الفعل المُستقبل مِن الأشياءِ العَظيمةِ الَّتي يُستعظَم وُجودُها» (١). وحسبُك مثالًا على هذا: إخبارُ المولى عن تحقُّقِ قيام السَّاعة في قولِه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فكذا شفاعةُ النَّبي ﷺ لعمِّه أبي طالب، إنَّما محلُّها يوم القيامة، إلَّا أنَّ إخباره عن هذا بصيغةِ الماضي هو منه على سبيلِ التَّوكيد والتَّحقيق والتَّعظيم؛ والحمد لله على توفيقِه.

стр. 1107

المَبحث السادس عشر نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة لحديثِ ذَبِح الموتِ بين الجنَّةِ والنَّارِ

стр. 1108

المَطلب الأوَّل سَوق حديثِ ذَبِح الموتِ بين الجنَّةِ والنَّارِ عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا صارَ أهل الجنَّة إلى الجنَّة، وأهل النَّار إلى النَّار، جِيء بالموتِ حتَّى يُجعل بين الجنَّة والنَّار، ثمَّ يُذبح، ثمَّ ينادي منادٍ: يا أهل الجنَّة لا موت! ويا أهل النَّار لا موت! فيزدادُ أهل الجنَّة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النَّار حزنًا إلى حُزنِهم» (١). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُؤتى بالموت كهيئةِ كبشٍ أَمْلَح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنَّة! فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت! وكلُّهم قد رآه، ثمَّ ينادي: يا أهل النَّار، فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت! وكلُّهم قد رآه، فيُذبح، ثمَّ يقول: يا أهل الجنَّة: خلودٌ فلا موت، ويا أهل النَّار: خلودٌ فلا موت، ثمَّ قرأ: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وهؤلاء في غفلةِ أهل الدُّنيا ﴿وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]» (٢).

стр. 1109

المطلب الثَّاني سَوْق المُعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ لحديث ذبِح المَوت بين الجنَّة والنَّار مِن أشهرِ ما أورده المُعترضون على حديثِ ذبحِ الموت بين الجنَّة والنَّار: مُعارضة عقليَّة مرتكزها كون الموت عَرَضًا أو معنًى، وليس جسمًا، والأعراض لا تَنقلِب أجسامًا، فكيف للمَوتِ إذن أن يُذبح؟! فلأجل هذا التَّصوُّر توقَّف (جواد عفَّانة) «فيه متنًا، .. لأنَّ الموتَ ليس بكائنٍ حَيٍّ حتَّى يُذبَح» (١). واستنبط من ذلك (نيازي) بأنَّ أصلَ الحديث مُقتبسٌ مِن الإسرائيليَّات! حيث عثر في «العهد الجديد: كتاب أهل المسيح، ما نصُّه: .. وطُرح الموتُ وهاويةُ الموتى في بُحَيرة النَّار»! (٢) وأصل الاعتراضِ على هذا الحرفِ مِن الحديث قَديم، قد انقسمَ المُتكلِّمون حيالَه إلى طائفتين: طائفة لم تَرفع بحديثِ رسولِ الله ﷺ رأسًا، فلم تَتردَّد في إنكارِه والتَّشطيب عليه، ولم تُكلِّف نفسَها تفسيرَه على ما يُوافق العقلَ ولا الشَّرع.

стр. 1110

وأخرى لم تجحَد صحَّةَ الحديث، لكنَّها استفرَغت جُهدَها في تأوُّله على غير ظاهرِه بتأويلاتٍ مُتضاربةٍ، تنزِع عن الحديثِ وصمَ المصادمةِ لبَدهيَّات العقول. يقول أبو بكر ابن العربيِّ: «لمَّا سمِع النَّاسُ هذا الحديث .. قالت طائفة: لا نقبله، فإنَّه خَبر واحد، وأيضًا فإنَّه جاء بما يُناقض العقل، فإنَّ الموت عَرَض، والعَرض لا ينقلب جسمًا، ولا يعقل فيه ذبحًا، ولمَّا استحال ذلك عقلًا، وجب أن يُمنَح الحديث ردًّا! وقالت طائفة أخرى: إنْ كان ظاهره مُحالًا، فإنَّ تأويله جائز، واختلفوا في وجهِ تأويله على أقوال .. أصلها قولان: أحدهما: أنَّ هذا مَثَل، كما لو رَأى أحدٌ ذلك في المنامِ في زمانِ وَباء، فيُقال له: هذا الوَباء قد زال، ويقع في قلبِه في المنام أنَّ ذلك هو الوَباء، وأنَّه بِذبْحِه يرتفع عن المكانِ الَّذي هو فيه. الثَّاني: أنَّ الَّذي يُؤتى به مُتَوَلِّي الموت، وكلُّ مَيِّت يعرفُه، فإنَّه توَلَّاه، فإذا استقرَّت المعرفة به، أُعدِم لهم العَدَم الَّذي عهِدوه .. » (١). يقول ابن حجر معلِّقًا على هذا القول الثَّاني: «وارتضَى هذا بعضُ المتأخِّرين، وحَمَل قولَه: هو الموت الَّذي وُكِّل بنا: على أنَّ المُراد به: مَلَك الموت، لأنَّه هو الَّذي وُكِّل بهم في الدُّنيا .. » (٢).

стр. 1111

المَطلب الثَّالث دَفعُ المعارضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن حديث ذبح الموت بين الجنَّة والنَّار فقد دَرجَ بعض أئمَّة السُّنة في مَطاوي مَعْلماتِهم الجامعةِ لأحرفِ الاعتقادِ، على عدِّ الإيمان بما تضَمَّنه حديثا ابنِ عمر وأبي سعيدٍ الخدري ﵃ مِن جُمَل عقائدِهم الَّتي يُجاهِرون بها أهلَ الأهواءِ والبِدَع، لِما صَحَّت عندهم في ذلك الأخبار عن النِّبي المختار ﷺ ، ودوَّنه الجهابذة الأخيار، ونقَلوه للأمَّةِ مِن غير إنكار. يقول عبد الغنيُّ المقدسيُّ (ت ٦٠٠ هـ): «نُؤمِن بأنَّ الموتَ يُؤتَى به يومَ القيامة فيُذبَح، كما روى أبو سعيد الخدري ﵁» (١). ويقول ابن قُدامة (ت ٦٢٠ هـ): « .. ويُؤتى بالموتِ في صورةِ كبشٍ أملحٍ، فيُذبح بين الجنَّة والنَّار» (٢). ويقول صدِّيق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ): « .. والمَوت يُؤتى به يوم القيامة فيُذبح، كما روى أبو سعيد عن النَّبي ﷺ » (٣).

стр. 1112

وكثيرٌ مِن علماءِ الكلامِ -مع تسليمِهم بصحَّةِ الحديث- يُحيلون ظاهرَه، فيتأوَّلونه على المعنى الَّذي تَستسيغه العقول، ولا تنكره في نظرِهم: فمرَّةً يتأوَّلون الموتَ فيه: على أنَّه ملَك الموت -كما سبق نقله قريبًا عن ابن العربيِّ وابن حجر-. ومرَّةً يتأوَّلونه على كونِه شخصًا يخلُقه الله يُسمِّيه الموت! (١) ومرَّةً يحمِلونه على مجرَّد التَّمثيل والتَّشبيه، وأن لا حقيقة لذلك في الخارج (٢). والَّذي يُستحسن بنا علمُه ابتداءً: أنَّا إذا وقفنا على أمرٍ من الغيوب المَحكيَّة في نصوص الوحيِ فلا نضرب له الأمْثالَ (٣)؛ وجميع ما مرَّ من تلك التَّأويلات -وإن كانت خيرًا مِن جَلافةِ الطَّعنِ في الحديث بالمرَّة- لا داعيَ لها حيث أمكنَ حملُ معنى الحديثِ على الحقيقة؛ وليس مِن حقيقة الحديث تحوُّل الأعراضِ والمعاني نفسِها إلى أجسامٍ مَحسوسةٍ! هذا في بدائِه العقولِ مُمتنع لذواتِه، ولا نَطَق بهذا النَّبي ﷺ ولا أراده. وإنَّما معناه المُراد به: ما أجاد ابن قيِّم الجوزيَّة الإبانةَ عنه بأنصعِ عبارةٍ في قولِه: «هذا الكبش، والإضجاع، والذَّبح، ومُعاينة الفَريقين: ذلك حقيقةٌ، لا خيالٌ ولا تمثيلٌ، كما أخطأَ فيه بعض النَّاس خطأً قبيحًا، وقال: الموت عَرَض، والعَرض لا يَتجسَّم، فضلًا عن أن يُذبَح! وهذا لا يصحُّ، فإنَّ الله سبحانه يُنشئ مِن الموتِ صورةَ كبشٍ يُذبَح، كما يُنشِئ مِن الأعمالِ صورًا مُعايَنةً يُثاب بها ويُعاقَب. والله تعالى يُنشِئ مِن الأعراضِ أجسامًا تكون الأعراضُ مادَّةً لها، ويُنشِئ مِن الأجسامِ أعراضًا، كما يُنشِئ مِن الأعراضِ أعراضًا، ومِن الأجسامِ

стр. 1113

أجسامًا، فالأقسام الأربعة مُمكنةٌ مَقدورةٌ للرَّبِ تعالى، ولا يَستلزم جمعًا بين النَّقيضين، ولا شيئًا من المُحال. ولا حاجة إلى تكلُّفِ مَن قال: أنَّ الذَّبح لملَكِ المَوتِ! فهذا كلُّه مِن الاستدراك الفاسدِ على الله ورسولِه، والتَّأويلِ الباطلِ الَّذي لا يُوجِبه عقلٌ ولا نقلٌ، وسببُه: قِلَّة الفهمِ لمُرادِ الرَّسول ﷺ مِن كلامِه؛ فظنَّ هذا القائلُ أنَّ لفظَ الحديثِ يدلُّ على أنَّ نفسَ العَرَضِ يُذبح، وظنَّ غالطٌ آخر أنَّ العَرَضَ يُعدَم ويزول، ويصير مكانَه جسمٌ يُذبح! ولم يهتدِ الفريقان إلى هذا القول الَّذي ذكرناه، وأنَّ الله سبحانه يُنشِئ مِن الأعراض أجسامًا، ويجعلها مادَّة لها، كما في الصَّحيح عنه: «تَجِيء البقرة وآل عمران يومَ القيامة كأنَّهما غَمامَتان» الحديث (١)، فهذه هي القراءة الَّتي يُنشِئها الله غَمامتين. وكذلك قوله في الحديث الآخر: «إنَّ ما تذكرون مِن جَلال الله: مِن تسبيحِه، وتحميدِه، وتهليلِه، يتَعاطَفن حول العرشِ، لهن دَوِيٌّ كدَويِّ النَّحل، يُذكِّرنَ بصاحبهنَّ»، ذكره أحمد (٢). وكذلك قوله في حديث عذابِ القبر ونعيمه، للصُّورة الَّتي يراها فيقول: «مَن أنت؟ فيقول: أنا عملُك الصَّالح، .. وأنا عملُك السَّيء» (٣). وهذا حقيقةٌ لا خيال، ولكنَّ الله سبحانه أنشأَ له مِن عملِه صورةً حسنةً وصورةً قبيحةً، وهل النُّور الَّذي يُقسَم بين المؤمنين يومَ القيامة إلَّا نفسُ إيمانهم؟!

стр. 1114

أنشأ الله سبحانه لهم منه نورًا يَسعى بين أيديهم، فهذا أمرٌ مَعقولٌ لو لم يَرِد به النَّص، فورود النَّص به مِن باب تطابق السَّمع والعقل» (١). وإلى هذا المعنى نَزَع أحمد شاكر (ت ١٣٧٧ هـ) في تخريجه لـ «المُسند»، فبعد أن نَقل استشكالَ ابنَ العربيِّ للحديثِ ومحاولَته تأويلَه، قال مُعلِّقًا عليه: «كلُّ هذا تكلُّفٌ وتَهجُّم على الغيبِ الَّذي استأثر الله بعلمِه، وليس لنا إلَّا أن نؤمن بما وَرد كما وَرد، لا نُنكر ولا نتأوَّل؛ والحديث صحيح .. وعالم الغيب الَّذي وراء المادَّة لا تُدركه العقول المقيَّدة بالأجسام في هذه الأرض، بل إنَّ العقول عَجزت عن إدراكِ حقائق المادَّة الَّتي في مُتناول إدراكها، فما بالها تسمو إلى الحكمِ على ما خرج مِن نطاق قدرتِها ومِن سِلطانها؟! .. فخيرٌ للإنسانِ أن يُؤمن وأن يعمل صالحًا، ثمَّ يَدَع ما في الغيبِ لعالمِ الغيبِ، لعلَّه ينجو يومَ القيامة» (٢). والحمد لله.

стр. 1115

الفصل الرابع نقد دعاوي المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للأحاديث المُتعلِّقة بالنَّبي ﷺ

стр. 1116

المَبحث الأوَّل نقد المُعارضات الفكريَّة المُعاصرة للحديثِ الدَّالِ على سِحْرِ النَّبي ﷺ

стр. 1117

المَطلب الأوَّل سَوق الحديث الدَّال على سِحر النَّبي ﷺ عن عائشة ﵂ قالت: سَحرَ رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُريق يقال له (لَبِيد بن الأعصم)، حتَّى كان رسول الله ﷺ يُخيَّل إليه أنَّه كان يفعل الشَّيء وما فعَلَه، حتَّى إذا كان ذات يومٍ -أو ذات ليلة- وهو عندي، لكنَّه دعا ودعا، ثمَّ قال: «يا عائشة، أشَعَرْتِ أنَّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان، فقعد أحدُهما عند رأسي، والآخر عند رجلي: فقال أحدُهما لصاحبه: ما وَجع الرَّجل؟ فقال: مَطبوب (١). قال: مَن طبَّه؟ قال: لَبيد بن الأعصم. قال: في أيِّ شيء؟ قال: في مشطٍ ومُشاطة (٢)، وجُفِّ طَلع (٣) نخلةٍ ذَكَر. فقال: وأين هو؟

стр. 1118

قال: في بئر ذروان». فأتاها رسول الله ﷺ في ناسٍ مِن أصحابه، فجاء فقال: «يا عائشة، كأنَّ ماءَها نُقاعة الحنَّاء (١)، وكأنَّ رؤوس نخلِها رؤوس الشَّياطين». قلتُ: يا رسول الله، أفلا استخرجتَه؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهتُ أن أثير على النَّاس فيه شرًّا»، فأمر بها فدُفِنت) (٢). وفي رواية للبخاريِّ (٣): عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ سُحر، حتَّى كان يرى أنَّه يأتي النِّساء، ولا يأتيهنَّ -قال سفيان: وهذا أشدُّ ما يكون السِّحر إذا كان كذا- فقال: «يا عائشةُ، أعلمتِ أنَّ الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ .. »، الحديث. وجاء فيه: أنَّ «لَبيد بن الأعصم، رجل مِن بني زُريق، حليف لليهود، كان منافقًا». وجاء فيه: «في جفِّ طلعةٍ ذَكَر تحت رَعُوفَةٍ (٤) في بئر ذروان».

стр. 1119

المَطلب الثَّاني سَوْق المُعارضات الفكريَّةِ المعاصرةِ لحديثِ سحرِ النَّبي ﷺ حاصل مُعارضات الآبِينَ لتَقبُّلِ خبرِ سحرِه ﷺ ترتكز على أربعِ مُعارضات: المعارضة الأولى: أنَّ السِّحرَ ليسَ له حقيقةٌ أصلًا. وهذا المسلك جَنح إلى سلوكِه طائفةٌ مِن المعتزلةِ، وأبو مَنصور المَاتريديُّ (١)، وتَبِعهم جماعةٌ مِن فضلاء المُتأخِّرينَ، كجمالِ الدِّين القاسِمي (٢)، والطَّاهر ابن عاشور (٣)، وغيرهما مِمَّن تأثَّرَ في هذا البابِ بمادَّةٍ اعتزاليَّةٍ تقوم على أساسِ التَّسويةِ بين جنسِ مُعجزاتِ الأنبياءِ وجنسِ سِحْرِ السَّحَرة، فالقولُ عندهم بحقيقةِ الثَّاني يَنشأ عنه نوعُ تَلبيسٍ في التَّميِيزِ بينهما. فلِكَيْ يَسلمَ للمُعتزلةِ بابُ النُبوَّة، أَنكروا خرْقَ العادةِ لغيرِ نَبيٍّ! والتَزَموا لذلك إنكارَ السِّحرِ وكراماتِ الأولياء، وكلِّ ما هو خارقٌ للعادة (٤). لِذا نجدُ عبدَ الجبَّار المُعتزليَّ (ت ٤١٥ هـ) حين ظَنَّ أنَّ إثباتَ حَقيقةٍ للسِّحر يقتضي أن يَجْريَ على يَدِ السَّحَرة ما هو مِن قَبِيل ما يَعجزُ عنه الإنسُ والجنُّ،

стр. 1120

حَصَر أَثرَ السِّحرِ فيما لا يَخرجُ عن الوجهِ الَّذي يَحتالُ أحدُنا فيه مِن أَنواعِ المَضرَّة، فأَنكرَ بذلك استطاعةَ السَّاحِر أَن يُلحِق الضَّرَرَ بالمَسحورِ على وجهٍ لا يُباشر فيه السَّاحرُ المسحورَ بالأَذى. فلمَّا كان حديثُ عائشةَ ﵂ في تأثُّرِ النَّبيِّ ﷺ بسِحْرِ لَبِيدٍ عن بُعْدٍ دَليلًا بيِّنًا على خلافِ ما اعتقَده: سارَعَ عبد الجبَّارِ إلى إنكارِ الخبر (١)! بل غَلَا أبو بكرِ الجصَّاص فنَسَبه إلى وَضعِ المُلحِدين! (٢) وإنكارُ مثلِ الجصَّاص -كما يقول الحجويُّ- «لا يُؤثِّر في الحديث شيئًا، لأنَّ ابنَ الجصَّاص ليس مِن أئمَّة الحديث، وكتابُه (أحكام القرآن) بين أيدينا، فما رأيناه يَلتفتُ إلى أحاديث «الصَّحيحين» بنَفيٍ ولا إثباتٍ، كأنَّه لا روايةَ له فيهما!» (٣). مثل هذا الاعتقاد المَشِين في الحديث قد انْطَوَى في عباراتٍ لـ (محمَّد عبده) أثناءَ حَصرِه لفظَ (السِّحر) في الحديث في مَعناه اللُّغويِّ على مَعنى التَّخيِيل، دون أن يلتفت إلى ما فهمه عليه السَّلف في مَوارِدِه الشَّرعيَّة؛ يقول: « .. جاء ذِكرُ السِّحرِ في القرآنِ في مَواضع مختلفةٍ، وليس مِن الواجبِ أن نَفهم منه ما يَفهمُ هؤلاء العُمْيان! فإنَّ السِّحْرَ في اللُّغةِ مَعناه: صَرفُ الشَّيء عن حَقيقتِه .. وماذا علينا لو فَهِمنا مِن السِّحرِ الَّذي يُفَرِّقُ بين المَرءِ وزوجِه تلك الطُّرق الخبيثةِ الدَّقيقةِ الَّتي تصرف الزَّوجَ عن زوجتِه، والزَّوجة عن زوجِها؟!» (٤). وعلى نفس هذا المهْيَعِ في التَّأويل جرى (سيِّد قطب) في خواطره عن آيةِ النَّفاثَّاتِ مِن سورةِ الفَلَق، يقول فيها: «السِّحرُ لا يُغيِّر مِن طبيعةِ الأشياء، ولا يُنشئ حقيقةً جديدةً لها، ولكنَّه يُخيِّل للحواسِّ والمَشاعرِ بما يريده السَّاحر، وهذا هو السِّحرُ كما صَوَّرَه القرآن الكريم في قصَّةِ موسى ﵇ .. وهكذا لم

стр. 1121

تَنقلب حِبالُهم وعِصيُّهم حيَّاتٍ فِعلًا، ولكن خُيِّل إلى النَّاسِ -وموسى معهم- أنَّها تَسعى .. هذه هي طبيعة السِّحر كما ينبغي لنا أن نُسلِّم بها، وهو بهذه الطَّبيعة يؤثِّر في النَّاس، ويُنشِئ لهم مَشاعر وِفقَ إيحائِه .. مَشاعرَ تُخِيفهم وتُؤذِيهم، وتُوَجِّههم الوِجهةَ الَّتي يريدُها السَّاحر، وعند هذا الحَدِّ نقِفُ في فهمِ طبيعةِ السِّحرِ والنَّفثِ في العُقَد» (١). المعارضة الثَّانية: أنَّ في إثباتِ الحديثِ زَعْزعةَ الثِّقةِ بعصمةِ النَّبي ﷺ ، خصوصًا ما تَعلَّق بأمرِ التَّبليغ؛ إذْ لو جُوِّز أنَّه سُحِرَ، وأنَّه يُخيَّل إليه أنَّه يفعلُ الأَمر ولا يفعله: فليس عندئذٍ ما يَمنعُ مِن جريانِ هذا التَّخيِيل فيما يُبلِّغُهُ رسول الله ﷺ ، فتسقطُ عند ذلك الثِّقةُ بالدِّين. وفي تقريرِ هذا الاعتراض، يقول (محمَّد عبده) في تفسيرِه لـ «جزءَ عمَّ»: «لا يخفى أنَّ تأثيرَ السِّحرِ في نفسِه ﷺ حتَّى يَصِلَ به الأمرُ إلى أن يظنَّ أنَّه فَعَلَ شيئًا وهو لا يفعله: ليس مِن قَبِيل تأثيرِ الأمراضِ في الأبدان، ولا قَبيل عُروضِ السَّهو والنِّسيانِ في بعض الأمور العاديَّة، بل هو مَاسٌّ للعقلِ، آخذٌ بالرُّوح .. وإذا خولِط النَّبي ﷺ في عقلِه كما زَعموا، جازَ عليه أن يَظُنَّ أنَّه بلَّغ شيئًا، وهو لم يبلِّغه، أو أنَّ شيئًا نَزَل عليه، وهو لم يَنزل عليه!» (٢). ويختارُ (سيِّد قُطب) السَّيْرَ على مِنوالِ (عبدُه) مرَّة أخرى في مَوقِفه مِن هذا الحديث، مُوثِرًا الشَّطبَ على كلِّ ما يَمَسُّ في رأيِه جَناب التَّبليغ، فتراه يقول: «هذه الرِّوايات تُخالف أصلَ العِصمة النَّبوية في الفعلِ والتَّبليغ، ولا تَستقيم مع الاعتقادِ بأنَّ كلَّ فِعلٍ مِن أفعاله ﷺ ، وكلَّ قَوْلٍ مِن أقوالِه سُنَّة وشريعة» (٣).

стр. 1122

فـ (عبدُه) و (قُطب) إنْ كانا قد تَوَهَّما بتكذيبِهما للخَبر أنَّهما بذلك قد نصرا السُّنةَ وأثبتا دعائِمَها، فقدَ تكالبَ غيرهُما على ترداد نفسِ شُبهتِهما مِن طوائف أهلِ الرَّفضِ ومُنكري السُّنن لهدمِ صَرحِ السُّنَةِ بالمرَّة! وقذْفِ الرِّيَبِ في قلوبِ أهلِها منها. ترى قُبحَ ما انطوَت عليه صُدور هؤلاء القومِ في مثل قول (هاشم معروف) الإماميِّ: «كيف يصِحُّ على نبيٍّ لا ينطق عن الهوى كما وصَفه ربُّه، أن يكون فِريةً للمُشَعوذين، فيفقدَ شعورَه، ويَغيبَ عن رُشدِه، ومع ذلك يصفه القرآن بأنَّه لا يَنطق إلَّا بما يوحى إليه، ويفرض على النَّاس أجمعين أن يقتدوا بأقوالِه وأفعالِه؟! والمَسحور قد يقول غير الحقِّ، ويفعل ما لا يجوز فعله على سائر النَّاس، وقد يخرج عن شعورِه وإدراكِه» (١). وكذا في قولِ (سامر إسلامبولي): «هذا السِّحرُ في العقلِ يَتصادم بشكلٍ صريحٍ مع مَقامِ النُّبوة، لأنَّ النَّبي ﷺ (٢) مَعصومٌ عن أيِّ شيءٍ يُصيب عقلَه مِن تخريفٍ وهَلوسةٍ وهذيانٍ وجنونٍ، وغير ذلك مِن الأمراض الَّتي تُصيب العقل، وهذا الحفظ الرَّبانيُّ هو ضرورة لحفظ مادَّة الوحيِ مِن الضَّياع أو التَّشكيك فيها، فالقولُ بسِحر النَّبي ﷺ هو طعنٌ بمادَّةِ الوحي، لأنَّ المَسحور لا يُؤخَذ منه شيء، لفقدانِه أهليَّة التَّبيلغ، وعدم الثِّقة بعقله وحكمه على الأشياء» (٣). أمَّا (إسماعيل الكرديُّ)، فبلَّغه فهمُه ليُسنِد هذه الشُّبهة إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، قال: «أيُنكِرون قولَ الله بأنَّه عَصَم رسولَه مِن أيِّ تأثيرٍ للنَّاس عليه؟ ويُثبِتون حديثًا مُلفَّقًا لا لشيءٍ، إلَّا لأنَّه في البخاريِّ ومسلم؟!» (٤).

стр. 1123

المعارضة الثَّالثة: أنَّ في إثباتِ سحرٍ للنَّبي ﷺ تَكذيبًا لنَفْيِ القرآن عنه ﷺ ذلك، بيان ذلك: في ما شَنَّعه (محمَّد الغزالي) على أهلِ الحديثِ من روايتهم لهذا الخبر قائلًا: «إذا صَحَّ هذا، فلِمَ لا يَصِحُّ قولُ المُشركين: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ [الفرقان: ٨]؟!» (١). والمَنزع القُرآنيُّ لهذه الشُّبهة اعتزاليٌّ قديم، لا يَكاد يخلو منه كلامُ مَن ردَّ الحديث مِن الأقدمين، وتوارثته المُنكِرون، حتَّى أورده (محمَّد عبده) ليردَّ به على بعضِ الأزاهرةِ الَّذين أنكروا عليه ردَّ حديث السِّحر، فكان يسخرُ من أحدِهم قائلًا: «يحتجُّ بالقرآنِ في ثبوتِ السِّحرِ، ويُعرِض عن القرآنِ في نفيِه السِّحرَ عنه ﷺ ، وعَدِّه مِن افتراءِ المشركين عليه، ويؤوِّل في هذه، ولا يؤوِّل في تلك! مع أنَّ الَّذي قَصَدَه المشركون ظاهرٌ، لأنَّهم كانوا يقولون: إنَّ الشَّيطانَ يُلابسُه ﵇، ومُلابسة الشَّيطان تُعرف بالسِّحر عندهم، وضربٌ مِن ضُروبِه، وهو بعينِه أثرُ السِّحر الَّذي نُسِب إلى لَبِيد، فإنَّه قد خالط عقلَه وإدراكَه في زعمهم» (٢). المعارضة الرَّابعة: أنَّ السِّحرَ مِن عَملِ الشَّيطان، وأَثَرٌ مِن آثارِ النُّفوسِ السُّفليَّة الخَبيثة، ولا يَقَع تأثيرهُ إلَاّ على الأنفسِ الضَّعيفة، وأَصحابِ الطَّبائعِ الشَّهوانيَّةِ، ومُحالٌ أن يُؤثِّر ذلك على جَسَدِ خَيِر البَريَّة صاحبِ النَّفسِ الزكيَّة! وفي تقرير هذا الاعتراضِ يقول (رشيد رضا): «مِن المُقرَّر عند العلماء المتقدِّمين والمتأخِّرين: أنَّ هذا التَّأثير لا يكون إلَّا مِن نفسٍ ذات إرادةٍ قويَّةٍ في نفسٍ ذات إرادةٍ ضعيفة، وأنَّ الأنفسَ الضَّارةَ لا يمكن أن تؤثِّر في الأنفس الزَّكيَّة العالية .. فإنَّ نفس النَّبي ﷺ أعلى وأقوى مِن أن يكون لِمن دونه تأثيرٌ فيها» (٣).

стр. 1124

ويقول (محمَّد الغزالي): «لو ساغ أنَّ هذا التَّخيِيل أن يؤثِّر في النُّفوس الضَّعيفة، فكيف يَقوى يهوديٌّ على التَّأثيرِ في أقوى نفسٍ بَشريَّة وهي نفس الرَّسول ﷺ ؟! وما معنى أنَّ هذا التَّأثير في أعضائِه لا في روحِه، مع أنَّ السِّحر يعَتمد على قوى خفيَّة في زعم مُثبتيه، لا على وسائل ماديَّة؟ .. » (١).

стр. 1125

المَطلب الثَّالث دفع المعارَضاتِ الفكريَّةِ المُعاصرةِ عن الحديث الدَّالِ على سحرِ النَّبي ﷺ أمَّا دعوى المُعارضِ الأوَّل: من أنَّ السِّحر ليس له حقيقة، وإنَّما هو تمويه وتخيِيل وإيهام بكونِ الشَّيء على غير ما هو به، فيُمهَّد لجوابه بما يلي: قد اتَّفق أهل السُّنة على أنَّ للسِّحر تحقُّقًّا وُجوديًّا، وأنَّ منه ما يُمرِضُ، ومنه ما يَقتلُ، ومنه ما يُفرِّق بين المرءِ وزوجه، إلى غير ذلك مِن الآثارِ الَّتي يُحدثها بإذن الله تعالى، ودليلُهم في ثبوته وأَنَّ له حقيقة؛ هو مَجموع عِلمين ضَروريَّين: الأوَّل: العلم النَّاتج عن الأدلَّة الشَّرعيَّة. الثَّاني: العلم المُستنِد إلى الضَّرورةِ الحِسِّية (١). فأمَّا الأوَّل: فقد انعقدَ الإِجماع على ذلك، ولم يُعرَف له مُخالف مِمَّن يُعتَدُّ بقوله، إلَاّ شيءٌ يُحكى عن أَبي حنيفة. فمِمَّن نَقَل الإجماعَ على ذلك: الوزير ابن هُبيرة، حيث قال: «أجمعوا على أنَّ السِّحر له حقيقة، إلَاّ أبا حنيفة، فإنَّه قال: لا حقيقة له عنده» (٢).
следующие страницы →